«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو مِنَ اللَّيْلِ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣٨٥

الحديث رقم ٧٣٨٥ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٣٨٥ في صحيح البخاري

«كَانَ النَّبِيُّ يَدْعُو مِنَ اللَّيْلِ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، قَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي، لَا إِلَهَ لِي غَيْرُكَ» حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا، وَقَالَ: أَنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ.

قَوْلُ اللهِ تَعَالَى ﴿وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ تَمِيمٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٧٣٨٥

٧٣٨٥ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٣٨٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الرَّبُّ قَدَمَهُ عَلَيْهَا وَذُكِرَ فِيهِ شَرْحُهُ، وَذُكِرَ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ الرِّجْلِ وَشَرْحُهُ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (وَتَقُولُ: قَدْ قَدْ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَبِكَسْرِهَا أَيْضًا بِغَيْرِ إِشْبَاعٍ، وَذَكَرَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهَا رِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ ق ذِكْرُ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ: قِدْنِي وَمَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ: قَطْ قَطْ، وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهَا أَيْضًا وَشَرْحُ مَعَانِيهَا مَعَ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ) كَذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِدُونِ قَوْلِهِ: وَكَرَمِكَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ الْحَلِفِ بِكَرَمِ اللَّهِ، كَمَا شُرِعَ الْحَلِفَ بِعِزَّةِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تَزَالُ الْجَنَّةُ تَفْضُلُ) كَذَا لَهُمْ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وَفَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ، وَكَأَنَّ الْبَاءَ لِلْمُصَاحَبَةِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: رَوَى الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ؛ الْأُولَى: عَنْ شَيْخِهِ يَعْنِي ابْنَ أَبِي الْأَسْوَدَ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِالتَّحْدِيثِ، وَالثَّانِيَةُ: بِالْقَوْلِ يَعْنِي قَوْلَهُ: وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ فِيهِ بِالْقَوْلِ الْمُصَاحِبِ لِحَرْفِ الْجَرِّ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْلِ الْمُجَرَّدِ، قَالَ. وَالثَّالِثُ: بِالتَّعْلِيقِ يعني قَوْلُهُ: وَعَنْ مُعْتَمِرٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الثَّالِثَ لَيْسَ تَعْلِيقًا بَلْ هُوَ مَوْصُولٌ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ فَالتَّقْدِيرُ، وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ، عَنْ مُعْتَمِرٍ، وَبِهَذَا جَزَمَ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ، قَالَ الْمِزِّيُّ: حَدِيثُ لَا تَزَالُ يُلْقَى الْحَدِيثَ ح فِي التَّوْحِيدِ، قَالَ لِي خَلِيفَةُ، عَنْ مُعْتَمِرٍ عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ خَلِيفَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ وَعَنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: وَحَدِيثُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ غَيْرُ مَرْفُوعٍ. قُلْتُ: وَكَذَا لَمْ يُصَرِّحِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِرَفْعِهِ؛ لِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَشْعَثِ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ.

٨ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾

٧٣٨٥ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَدْعُو مِنْ اللَّيْلِ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، قَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وما أَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ لِي غَيْرُكَ.

حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا وَقَالَ: أَنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: بِالْحَقِّ، أَيْ بِكَلِمَةِ الْحَقِّ وَهُوَ قَوْلُهُ: كُنْ وَوَقَعَ فِي أَوَّلِ حَدِيثِ الْبَابِ: قَوْلُكَ الْحَقُّ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْلِ الْكَلِمَةُ، وَهِيَ كُنْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْبَاءَ هُنَا بِمَعْنَى اللَّامِ أَيْ: لِأَجْلِ الْحَقِّ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُرَادُ بِالْحَقِّ هُنَا ضِدُّ الْهَزْلِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَقِّ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمَوْجُودُ الثَّابِتُ الَّذِي لَا يَزُولُ وَلَا يَتَغَيَّرُ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْحَقُّ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمُوجِدُ بِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ، قَالَ: وَيُقَالُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٣٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف، ابن عقبة (١) السُّوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثّوريُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مسلمٍ الأحول (عَنْ طَاوُسٍ) الإمام أبي عبد الرَّحمن بن كيسان، وقيل اسمه ذكوان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَدْعُو مِنَ اللَّيْلِ) أي: إذا تهجَّد من الليل: (اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ) وفي رواية «قيَّام» [خ¦٧٤٤٢] وفي أخرى «قيُّوم» وهي من أبنية (٢) المبالغة، والقيِّم: معناه القائم بأمور (٣) الخلق ومدبِّرهم ومدبِّر العالم في جميع أحواله، والقيُّوم: هو القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره، ويقوم به كلُّ موجودٍ حتَّى لا يُتَصوَّر وجود الشَّيء ولا دوام وجوده إلَّا به، وقال التُّوربشتيُّ: معناه أنت الذي تقوم بحفظهما وحفظ من أحاطتا به واشتملتا عليه، وقال: و «مَن» تغليبًا للعقلاء على غيرهم، ولأبي ذرٍّ: «وما فيهنَّ» (لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) أي: ذو نور السَّموات ونور الأرض، وأضاف النُّور إليهما للدَّلالة على سعة إشراقه، وفشوِّ إضاءته حتَّى تضيء له السَّموات والأرض، وجاز [أن] يراد أهل السَّموات والأرض (٤)، وأنَّهم يستضيئون به (قَوْلُكَ الحَقُّ) أي: مدلوله ثابتٌ (وَوَعْدُكَ الحَقُّ) الثَّابت المتحقَّق وجوده، فلا يدخله خلفٌ ولا شكٌّ، وعَطَف الوعد على القول وهو قولٌ؛ فهو من عطف الخاصِّ على العامِّ (وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ) أي: رؤيتك في الدَّار الآخرة حيث لا مانع (وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ) كلٌّ منهما موجودٌ (وَالسَّاعَةُ حَقٌّ) قيامها (اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ) انقدت لأمرك ونهيك (وَبِكَ آمَنْتُ) صدَّقت بك وبما أنزلت (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ) أي: فوَّضت أموري كلّها (وَإِلَيْكَ (٥) أَنَبْتُ) رجعت مقبلًا بقلبي

عليك (وَبِكَ) أي: بما آتيتني من البراهين والحجج (خَاصَمْتُ) مَنْ خاصمني من الكفَّار (وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) كلَّ من أبى قبول ما أرسلتني به (فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ) وسقط لفظ «ما» الثَّانية في رواية أبي ذرٍّ (وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ) بغير «ما» فيهما، وقاله تواضعًا و (١) تعليمًا لنا (أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ لِي غَيْرُكَ).

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «أنت ربُّ السَّموات والأرض» أي: أنت مالكهما وخالقهما.

والحديث سبق في «صلاة اللَّيل» [خ¦١١٢٠] وفي «الدَّعوات» [خ¦٦٣١٧].

وبه قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) العابد الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (بِهَذَا) السَّند والمتن المذكورين (وَقَالَ: أَنْتَ الحَقُّ) أي: المتحقَّق وجوده (وَقَوْلُكَ الحَقُّ) وهذا يأتي إن شاء الله تعالى في قوله: «باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]» [خ¦٧٤٤٢].

(٩) (بابٌ) بالتَّنوين (﴿وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]) ولغير أبي ذرٍّ: «قولُ الله تعالى» بالرَّفع: «﴿وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾» وقد عُلِم بالضَّرورة من الدِّين وثبت في الكتاب والسُّنَّة بحيث لا يمكن إنكاره ولا تأويله: أنَّ الباري تعالى حيٌ سميعٌ بصيرٌ، وانعقد إجماع أهل الأديان بل جميع العقلاء على ذلك، وقد يُستَدلُّ على الحياة بأنَّه عالمٌ قادرٌ، وكلُّ عالمٍ قادرٍ حيٌّ بالضَّرورة، وعلى السَّمع والبصر بأنَّ كلَّ حيٌّ يصحُّ كونه سميعًا بصيرًا، وكلُّ ما يصحُّ للواجب من الكمالات يثبت بالعقل (٢)؛ لبراءته عن أن يكون له ذلك بالقوَّة والإمكان، وعلى الكلِّ بأنَّها صفات كمالٍ قطعًا، والخلوُّ عن صفات الكمال في حقِّ من يصحُّ اتِّصافه بها نقصٌ، وهو على الله تعالى مُحالٌ، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] وقد ألزم أباه الحجَّة بقوله: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] فأفاد أنَّ عدمهما نقصٌ لا يليق بالمعبود، ولا يلزم من قدمهما قدم المسموعات والمبصَرات، كما لا يلزم من قدم العلم قدم المعلومات؛ لأنَّها صفاتٌ قديمةٌ يحدث لها تعلُّقات بالحوادث، ولا يقال: إنَّ معنى: سميعٌ

وبصيرٌ: عليمٌ؛ لأنَّه يلزم منه -كما قال ابن بطَّال- التَّسوية بين الأعمى الذي يعلم أنَّ السَّماء خضراء ولا يراها، والأصمِّ الذي يعلم أنَّ في النَّاس أصواتًا ولا يسمعها، فقد صحَّ أنَّ كونه سميعًا بصيرًا يفيد قدرًا زائدًا على كونه عليمًا، وكونه سميعًا بصيرًا يتضمَّن أنَّه يَسْمَعُ بِسَمْعٍ ويُبصر ببصرٍ، كما تضمَّن كونه عليمًا أنَّه يعلم بعلمٍ، وقد أطلق تعالى على نفسه الكريمة هذه الأسماء خطابًا لمن هو من أهل اللُّغة، والمفهوم في اللُّغة من «عليم»: ذاتٌ له علمٌ، بل يستحيل عندهم «عليمٌ» بلا علمٍ كاستحالته بلا معلومٍ، فلا يجوز صرفه عنه إلَّا لقاطعٍ عقليٍّ يوجب نفيه، وقد أُجيب عن قول المعتزليِّ: بأنَّ السَّمع ينشأ عن وصول الهواء المسموع إلى العصب المفروش في أصل الصِّماخ، والله منزَّهٌ عن الجوارح، بأنَّ ذلك عادةٌ أجراها الله تعالى فيمن يكون حيًّا، فيخلقه الله تعالى عند وصول الهواء إلى المحلِّ المذكور، والله تعالى يسمع المسموعات بدون الوسائط، وكذا يرى المرئيَّات بدون المقابلة وخروج الشُّعاع، فذاته تعالى مع كونه حيًّا موجودًا لا تشبه الذَّوات، فكذلك صفات ذاته لا تشبه الصِّفات، فيسمع ويبصر بلا جارحةِ حدقةٍ وأذنٍ، بمرأًى منه خفاء الهواجس، وبمسمعٍ (١) منه صوت أرجل النَّمل على الصَّخرة الملساء، وحظُّ العبد من هذين الاسمين أن يتحقَّق أنَّه بمسمعٍ من الله ومرأًى منه، فلا يستهين باطِّلاعه عليه ونظره إليه، ويراقب مجامع أحواله من مقاله وأفعاله. قيل: إذا عصيت مولاك فاعْصِ في موضع لا يراك.

(وَقَالَ الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، فيما وصله أحمد والنَّسائيُّ: (عَنْ تَمِيمٍ) أي: ابن سلمة الكوفيِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) أنَّها (قَالَتِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ) أي: أدرك سمعه الأصوات، وليس المراد من الوسع ما يفهم من ظاهره؛ لأنَّ الوصف بذلك يؤدِّي إلى القول بالتَّجسيم، فيجب صرفه عن ظاهره إلى ما يقتضي الدَّليل صحَّته (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١])

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الرَّبُّ قَدَمَهُ عَلَيْهَا وَذُكِرَ فِيهِ شَرْحُهُ، وَذُكِرَ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ الرِّجْلِ وَشَرْحُهُ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (وَتَقُولُ: قَدْ قَدْ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَبِكَسْرِهَا أَيْضًا بِغَيْرِ إِشْبَاعٍ، وَذَكَرَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهَا رِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ، وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ ق ذِكْرُ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ: قِدْنِي وَمَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ: قَطْ قَطْ، وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهَا أَيْضًا وَشَرْحُ مَعَانِيهَا مَعَ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ) كَذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِدُونِ قَوْلِهِ: وَكَرَمِكَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ الْحَلِفِ بِكَرَمِ اللَّهِ، كَمَا شُرِعَ الْحَلِفَ بِعِزَّةِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تَزَالُ الْجَنَّةُ تَفْضُلُ) كَذَا لَهُمْ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وَفَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ، وَكَأَنَّ الْبَاءَ لِلْمُصَاحَبَةِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: رَوَى الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ؛ الْأُولَى: عَنْ شَيْخِهِ يَعْنِي ابْنَ أَبِي الْأَسْوَدَ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِالتَّحْدِيثِ، وَالثَّانِيَةُ: بِالْقَوْلِ يَعْنِي قَوْلَهُ: وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ فِيهِ بِالْقَوْلِ الْمُصَاحِبِ لِحَرْفِ الْجَرِّ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْلِ الْمُجَرَّدِ، قَالَ. وَالثَّالِثُ: بِالتَّعْلِيقِ يعني قَوْلُهُ: وَعَنْ مُعْتَمِرٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الثَّالِثَ لَيْسَ تَعْلِيقًا بَلْ هُوَ مَوْصُولٌ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ فَالتَّقْدِيرُ، وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ، عَنْ مُعْتَمِرٍ، وَبِهَذَا جَزَمَ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ، قَالَ الْمِزِّيُّ: حَدِيثُ لَا تَزَالُ يُلْقَى الْحَدِيثَ ح فِي التَّوْحِيدِ، قَالَ لِي خَلِيفَةُ، عَنْ مُعْتَمِرٍ عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ خَلِيفَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ وَعَنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: وَحَدِيثُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ غَيْرُ مَرْفُوعٍ. قُلْتُ: وَكَذَا لَمْ يُصَرِّحِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِرَفْعِهِ؛ لِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَشْعَثِ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ.

٨ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾

٧٣٨٥ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَدْعُو مِنْ اللَّيْلِ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، قَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وما أَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ لِي غَيْرُكَ.

حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا وَقَالَ: أَنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: بِالْحَقِّ، أَيْ بِكَلِمَةِ الْحَقِّ وَهُوَ قَوْلُهُ: كُنْ وَوَقَعَ فِي أَوَّلِ حَدِيثِ الْبَابِ: قَوْلُكَ الْحَقُّ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْلِ الْكَلِمَةُ، وَهِيَ كُنْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ الْبَاءَ هُنَا بِمَعْنَى اللَّامِ أَيْ: لِأَجْلِ الْحَقِّ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمُرَادُ بِالْحَقِّ هُنَا ضِدُّ الْهَزْلِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَقِّ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمَوْجُودُ الثَّابِتُ الَّذِي لَا يَزُولُ وَلَا يَتَغَيَّرُ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْحَقُّ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمُوجِدُ بِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ، قَالَ: وَيُقَالُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٧٣٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف، ابن عقبة (١) السُّوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثّوريُّ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مسلمٍ الأحول (عَنْ طَاوُسٍ) الإمام أبي عبد الرَّحمن بن كيسان، وقيل اسمه ذكوان (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يَدْعُو مِنَ اللَّيْلِ) أي: إذا تهجَّد من الليل: (اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ) وفي رواية «قيَّام» [خ¦٧٤٤٢] وفي أخرى «قيُّوم» وهي من أبنية (٢) المبالغة، والقيِّم: معناه القائم بأمور (٣) الخلق ومدبِّرهم ومدبِّر العالم في جميع أحواله، والقيُّوم: هو القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره، ويقوم به كلُّ موجودٍ حتَّى لا يُتَصوَّر وجود الشَّيء ولا دوام وجوده إلَّا به، وقال التُّوربشتيُّ: معناه أنت الذي تقوم بحفظهما وحفظ من أحاطتا به واشتملتا عليه، وقال: و «مَن» تغليبًا للعقلاء على غيرهم، ولأبي ذرٍّ: «وما فيهنَّ» (لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) أي: ذو نور السَّموات ونور الأرض، وأضاف النُّور إليهما للدَّلالة على سعة إشراقه، وفشوِّ إضاءته حتَّى تضيء له السَّموات والأرض، وجاز [أن] يراد أهل السَّموات والأرض (٤)، وأنَّهم يستضيئون به (قَوْلُكَ الحَقُّ) أي: مدلوله ثابتٌ (وَوَعْدُكَ الحَقُّ) الثَّابت المتحقَّق وجوده، فلا يدخله خلفٌ ولا شكٌّ، وعَطَف الوعد على القول وهو قولٌ؛ فهو من عطف الخاصِّ على العامِّ (وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ) أي: رؤيتك في الدَّار الآخرة حيث لا مانع (وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ) كلٌّ منهما موجودٌ (وَالسَّاعَةُ حَقٌّ) قيامها (اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ) انقدت لأمرك ونهيك (وَبِكَ آمَنْتُ) صدَّقت بك وبما أنزلت (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ) أي: فوَّضت أموري كلّها (وَإِلَيْكَ (٥) أَنَبْتُ) رجعت مقبلًا بقلبي

عليك (وَبِكَ) أي: بما آتيتني من البراهين والحجج (خَاصَمْتُ) مَنْ خاصمني من الكفَّار (وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) كلَّ من أبى قبول ما أرسلتني به (فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ) وسقط لفظ «ما» الثَّانية في رواية أبي ذرٍّ (وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ) بغير «ما» فيهما، وقاله تواضعًا و (١) تعليمًا لنا (أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ لِي غَيْرُكَ).

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «أنت ربُّ السَّموات والأرض» أي: أنت مالكهما وخالقهما.

والحديث سبق في «صلاة اللَّيل» [خ¦١١٢٠] وفي «الدَّعوات» [خ¦٦٣١٧].

وبه قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) العابد الكوفيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (بِهَذَا) السَّند والمتن المذكورين (وَقَالَ: أَنْتَ الحَقُّ) أي: المتحقَّق وجوده (وَقَوْلُكَ الحَقُّ) وهذا يأتي إن شاء الله تعالى في قوله: «باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]» [خ¦٧٤٤٢].

(٩) (بابٌ) بالتَّنوين (﴿وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]) ولغير أبي ذرٍّ: «قولُ الله تعالى» بالرَّفع: «﴿وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾» وقد عُلِم بالضَّرورة من الدِّين وثبت في الكتاب والسُّنَّة بحيث لا يمكن إنكاره ولا تأويله: أنَّ الباري تعالى حيٌ سميعٌ بصيرٌ، وانعقد إجماع أهل الأديان بل جميع العقلاء على ذلك، وقد يُستَدلُّ على الحياة بأنَّه عالمٌ قادرٌ، وكلُّ عالمٍ قادرٍ حيٌّ بالضَّرورة، وعلى السَّمع والبصر بأنَّ كلَّ حيٌّ يصحُّ كونه سميعًا بصيرًا، وكلُّ ما يصحُّ للواجب من الكمالات يثبت بالعقل (٢)؛ لبراءته عن أن يكون له ذلك بالقوَّة والإمكان، وعلى الكلِّ بأنَّها صفات كمالٍ قطعًا، والخلوُّ عن صفات الكمال في حقِّ من يصحُّ اتِّصافه بها نقصٌ، وهو على الله تعالى مُحالٌ، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] وقد ألزم أباه الحجَّة بقوله: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] فأفاد أنَّ عدمهما نقصٌ لا يليق بالمعبود، ولا يلزم من قدمهما قدم المسموعات والمبصَرات، كما لا يلزم من قدم العلم قدم المعلومات؛ لأنَّها صفاتٌ قديمةٌ يحدث لها تعلُّقات بالحوادث، ولا يقال: إنَّ معنى: سميعٌ

وبصيرٌ: عليمٌ؛ لأنَّه يلزم منه -كما قال ابن بطَّال- التَّسوية بين الأعمى الذي يعلم أنَّ السَّماء خضراء ولا يراها، والأصمِّ الذي يعلم أنَّ في النَّاس أصواتًا ولا يسمعها، فقد صحَّ أنَّ كونه سميعًا بصيرًا يفيد قدرًا زائدًا على كونه عليمًا، وكونه سميعًا بصيرًا يتضمَّن أنَّه يَسْمَعُ بِسَمْعٍ ويُبصر ببصرٍ، كما تضمَّن كونه عليمًا أنَّه يعلم بعلمٍ، وقد أطلق تعالى على نفسه الكريمة هذه الأسماء خطابًا لمن هو من أهل اللُّغة، والمفهوم في اللُّغة من «عليم»: ذاتٌ له علمٌ، بل يستحيل عندهم «عليمٌ» بلا علمٍ كاستحالته بلا معلومٍ، فلا يجوز صرفه عنه إلَّا لقاطعٍ عقليٍّ يوجب نفيه، وقد أُجيب عن قول المعتزليِّ: بأنَّ السَّمع ينشأ عن وصول الهواء المسموع إلى العصب المفروش في أصل الصِّماخ، والله منزَّهٌ عن الجوارح، بأنَّ ذلك عادةٌ أجراها الله تعالى فيمن يكون حيًّا، فيخلقه الله تعالى عند وصول الهواء إلى المحلِّ المذكور، والله تعالى يسمع المسموعات بدون الوسائط، وكذا يرى المرئيَّات بدون المقابلة وخروج الشُّعاع، فذاته تعالى مع كونه حيًّا موجودًا لا تشبه الذَّوات، فكذلك صفات ذاته لا تشبه الصِّفات، فيسمع ويبصر بلا جارحةِ حدقةٍ وأذنٍ، بمرأًى منه خفاء الهواجس، وبمسمعٍ (١) منه صوت أرجل النَّمل على الصَّخرة الملساء، وحظُّ العبد من هذين الاسمين أن يتحقَّق أنَّه بمسمعٍ من الله ومرأًى منه، فلا يستهين باطِّلاعه عليه ونظره إليه، ويراقب مجامع أحواله من مقاله وأفعاله. قيل: إذا عصيت مولاك فاعْصِ في موضع لا يراك.

(وَقَالَ الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، فيما وصله أحمد والنَّسائيُّ: (عَنْ تَمِيمٍ) أي: ابن سلمة الكوفيِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) أنَّها (قَالَتِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ) أي: أدرك سمعه الأصوات، وليس المراد من الوسع ما يفهم من ظاهره؛ لأنَّ الوصف بذلك يؤدِّي إلى القول بالتَّجسيم، فيجب صرفه عن ظاهره إلى ما يقتضي الدَّليل صحَّته (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١])

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله