«كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٣٨٦

الحديث رقم ٧٣٨٦ من كتاب «كتاب التوحيد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى وكان الله سميعا بصيرا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٧٣٨٦ في صحيح البخاري

«كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، فَقَالَ: ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا. ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي: لَا حَوْلَ

⦗١١٨⦘

وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَقَالَ لِي: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ، قُلْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ. أَوْ قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ. بِهِ.»

إسناد حديث البخاري رقم ٧٣٨٦

٧٣٨٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٧٣٨٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لِكُلِّ مَوْجُودٍ مِنْ فِعْلِهِ بِمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ: حَقٌّ، وَيُطْلَقُ عَلَى الِاعْتِقَادِ فِي الشَّيْءِ الْمُطَابِقِ لِمَا دَلَّ ذَلِكَ الشَّيْءُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَعَلَى الْفِعْلِ الْوَاقِعِ بِحَسَبِ مَا يَجِبُ قَدْرًا وَزَمَانًا وَكَذَا الْقَوْلُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْوَاجِبِ وَاللَّازِمِ وَالثَّابِتِ وَالْجَائِزِ، وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَنِ الْحَلِيمِيِّ قَالَ: الْحَقُّ مَا لَا يَسِيغُ إِنْكَارُهُ، وَيَلْزَمُ إِثْبَاتُهُ، وَالِاعْتِرَافُ بِهِ، وَوُجُودُ الْبَارِي أَوْلَى مَا يَجِبُ الِاعْتِرَافُ بِهِ، وَلَا يَسِيغُ جُحُودُهُ؛ إِذْ لَا مُثْبِتَ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ الْبَاهِرَةُ مَا تَظَاهَرَتْ عَلَى وُجُودِهِ ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَفِيهِ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ وَبَيَانُ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ فِي كِتَابِ التَّهَجُّدِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَذُكِرَ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَوْلُهُ: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَعْنِي خَالِقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَقَوْلُهُ: بِالْحَقِّ، أَيْ: أَنْشَأَهُمَا بِحَقٍّ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا، أَيْ: عَبَثًا، وَقَوْلُهُ فِي السَّنَدِ: سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ

عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ، وَقَوْلُهُ: عَنْ سُلَيْمَانَ هُوَ ابْنُ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَحْوَلُ الْمَكِّيُّ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ وَسَيَأْتِي، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا يَعْنِي بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ وَالْمَتْنِ، وَقَوْلُهُ: وَقَالَ: أَنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ قَبِيصَةَ سَقَطَ مِنْهَا قَوْلُهُ: أَنْتَ الْحَقُّ؛ فَإِنَّ أَوَّلَهَا: قَوْلُكَ الْحَقُّ، وَثَبَتَ قَوْلُهُ فِي أَوَّلِهِ: أَنْتَ الْحَقُّ فِي رِوَايَةِ ثَابِتِ بْنِ مُحَمَّدٍ، كَمَا سَيَأْتِي سِيَاقُهُ بِتَمَامِهِ فِي بَابِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٩ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ قَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ تَمِيمٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾

٧٣٨٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، فَقَالَ: أرْبعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا. ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَقَالَ لِي: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ؛ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ، أَوْ قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ. بِهِ.

٧٣٨٧، ٧٣٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ لِلنَّبِيِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي قَالَ قُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مِنْ عِنْدِكَ مَغْفِرَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

٧٣٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ

أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ قال النبي : "إِنَّ جِبْرِيلَ نَادَانِي قَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ

قَوْلُهُ: (بَابُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: غَرَضُ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى: سَمِيعٌ بَصِيرٌ عَلِيمٌ، قَالَ: وَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ أَنْ يُسَوِّيَهُ بِالْأَعْمَى الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ السَّمَاءَ خَضْرَاءَ وَلَا يَرَاهَا، وَالْأَصَمُّ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ فِي النَّاسِ أَصْوَاتًا وَلَا يَسْمَعُهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ سَمِعَ وَأَبْصَرَ أَدْخَلُ فِي صِفَةِ الْكَمَالِ مِمَّنِ انْفَرَدَ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخِرِ، فَصَحَّ أَنَّ كَوْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا يُفِيدُ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى كَوْنِهِ عَلِيمًا، وَكَوْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ يَسْمَعُ بِسَمْعٍ وَيُبْصِرُ بِبَصَرٍ، كَمَا تَضَمَّنَ كَوْنُهُ عَلِيمًا أَنَّهُ يَعْلَمُ بِعِلْمٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إِثْبَاتِ كَوْنِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا، وَبَيْنَ كَوْنِهِ ذَا سَمْعٍ وَبَصَرٍ، قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ قَاطِبَةً، انْتَهَى.

وَاحْتَجَّ الْمُعْتَزِلِيُّ بِأَنَّ السَّمْعَ يَنْشَأُ عَنْ وُصُولِ الْهَوَاءِ الْمَسْمُوعِ إِلَى الْعَصَبِ الْمَفْرُوشِ فِي أَصْلِ الصِّمَاخِ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجَوَارِحِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا عَادَةٌ أَجْرَاهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ يَكُونُ حَيًّا، فَيَخْلُقُهُ اللَّهُ عِنْدَ وُصُولِ الْهَوَاءِ إِلَى الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ، وَاللَّهُ يَسْمَعُ الْمَسْمُوعَاتِ بِدُونِ الْوَسَائِطِ، وَكَذَا يَرَى الْمَرْئِيَّاتِ بِدُونِ الْمُقَابَلَةِ وَخُرُوجِ الشُّعَاعِ، فَذَاتُ الْبَارِي مَعَ كَوْنِهِ حَيًّا مَوْجُودًا لَا تُشْبِهُ الذَّوَاتِ، فَكَذَلِكَ صِفَاتُ ذَاتِهِ لَا تُشْبِهُ الصِّفَاتِ. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي بَابِ: وَكَانَ ﴿عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: السَّمِيعُ مَنْ لَهُ سَمْعٌ يُدْرِكُ بِهِ الْمَسْمُوعَاتِ، وَالْبَصِيرُ: مَنْ لَهُ بَصَرٌ يُدْرِكُ بِهِ الْمَرْئِيَّاتِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِي حَقِّ الْبَارِي صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ، وَقَدْ أَفَادَتِ الْآيَةُ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، بِمَعْنَى عَلِيمٍ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقْرَؤُهَا، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وَيَضَعُ إِصْبَعَيْهِ.

قَالَ أَبُو يُونُسَ: وَضَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَرَادَ هَذِهِ الْإِشَارَةَ تَحْقِيقَ إِثْبَاتِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ لِلَّهِ بِبَيَانِ مَحَلِّهِمَا مِنَ الْإِنْسَانِ، يُرِيدُ أَنَّ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعِلْمُ، فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَأَشَارَ إِلَى الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْعِلْمِ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْجَارِحَةُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: إِنَّ رَبَّنَا سَمِيعٌ بَصِيرٌ، وَأَشَارَ إِلَى عَيْنَيْهِ. وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ حَدِيثُ: إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَاكَ هُنَاكَ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي جُرَيٍّ الْهُجَيْمِيِّ رَفَعَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَبِسَ بُرْدَتَيْنِ يَتَبَخْتَرُ فِيهِمَا فَنَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فَمَقَتَهُ، الْحَدِيثَ. وَقَدْ مَضَى فِي اللِّبَاسِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ، وَفِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ وَوَرَدَ فِي السَّمْعِ قَوْلُ الْمُصَلِّي: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَلْ مَقْطُوعٌ بِمَشْرُوعِيَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:

أَحَدُهَا: قَوْلُهُ: (قَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ تَمِيمٍ) هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ الْكُوفِيُّ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ، وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَوَصَلَ حَدِيثَهُ الْمَذْكُورَ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مَعْنٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظِ: تَبَارَكَ، وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ، وَلَيْسَ لِتَمِيمٍ الْمَذْكُورِ عَنْ عُرْوَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثُ

وَآخَرُ عِنْدَ مُسْلِمٍ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: قَوْلُ الْبُخَارِيِّ: قَالَ الْأَعْمَشُ: مُرْسَلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ، انْتَهَى. وَتَسْمِيَةُ هَذَا مُرْسَلًا مُخَالِفٌ لِلِاصْطِلَاحِ، وَالتَّعْلِيلُ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ فَإِنَّ فِي الصَّحِيحِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ مُعَلَّقَةٍ لَمْ تُذْكَرْ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا.

قَوْلُهُ: (وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مَعْنٍ كُلَّ شَيْءٍ بَدَلَ الْأَصْوَاتَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى قَوْلِهَا: وَسِعَ أَدْرَكَ؛ لِأَنَّ الَّذِي وُصِفَ بِالِاتِّسَاعِ يَصِحُّ وَصْفُهُ بِالضِّيقِ، وَذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ، فَيَجِبُ صَرْفُ قَوْلِهَا عَنْ ظَاهِرِهِ، وَالْحَدِيثُ مَا يَقْتَضِي التَّصْرِيحَ بِأَنَّ لَهُ سَمْعًا، وَكَذَا جَاءَ ذِكْرُ الْبَصَرِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ.

قَوْلُهُ: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ هَكَذَا أَخْرَجَهُ، وَتَمَامُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: مِمَّنْ ذَكَرْتُ بَعْدَ قَوْلِهِ: الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ تُكَلِّمُهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ، وَمُرَادُهَا بِهَذَا النَّفْيِ مَجْمُوعُ الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنُ مَعْنٍ: إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا وَهِيَ تَقُولُ: أَكَلَ شَبَابِي، وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي. الْحَدِيثَ. فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ وَهَذَا أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ الْمُجَادِلَةِ وَتَسْمِيَتِهَا، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ عَنْ خُوَيْلَةَ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، قَالَتْ: ظَاهَرَ مِنِّي زَوْجِي أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ، الْحَدِيثَ. وَهَذَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ اسْمَهَا كَانَ رُبَّمَا صُغِّرَ وَإِنْ كَانَ مَحْظُوظًا فَتَكُونُ نُسِبَتْ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لِجَدِّهَا، وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الرِّوَايَاتُ بِالْأَوَّلِ فَفِي مُرْسَلِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ تَحْتَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.

وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ تَظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، وَعِنْدَهُ أَيْضًا مِنْ مُرْسَلِ أَبِي الْعَالِيَةَ: كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ دُلَيْحٍ تَحْتَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ سَيِّئِ الْخُلُقِ فَنَازَعَتْهُ فِي شَيْءٍ، فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. وَدُلَيْحٌ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ لَعَلَّهُ مِنْ أَجْدَادِهَا، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ جَمِيلَةَ كَانَتْ تَحْتَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، وَوَصَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ، وَالرِّوَايَةُ الْمُرْسَلَةُ أَقْوَى، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، وَهُوَ الَّذِي ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ، وَرِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفَةٌ وَهَذَا مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: عَنْ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، أَيْ: عَنْ قِصَّةِ أَوْسٍ لَا أَنَّ عُرْوَةَ حَمَلَهُ عَنْ أَوْسٍ فَيَكُونُ مُرْسَلًا كَالرِّوَايَةِ الْمَحْفُوظَةِ، وَإِنْ كَانَ الرَّاوِي حَفِظَهَا أَنَّهَا جَمِيلَةُ، فَلَعَلَّهُ كَانَ لَقَبَهَا وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ النَّقَّاشُ فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ إِلَى الشَّعْبِيِّ قَالَ: الْمَرْأَةُ الَّتِي جَادَلَتْ فِي زَوْجِهَا هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ الصَّامِتِ، وَأُمُّهَا مُعَاذَةُ أَمَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ. وَقَوْلُهُ: بِنْتُ الصَّامِتِ خَطَأٌ، فَإِنَّ الصَّامِتَ وَالِدُ زَوْجِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَتَسْمِيَةُ أُمِّهَا غَرِيبٌ، وَقَدْ مَضَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالظِّهَارِ فِي النِّكَاحِ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلٍّ النَّهْدِيُّ وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُ الْمَتْنِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ، وَقَوْلُهُ: أَرْبِعُوا بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيِ: ارْفُقُوا بِضَمِّ الْفَاءِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَأَنَّهُ فِي كُتُبِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَبَعْضِ كُتُبِ الْحَدِيثِ بِفَتْحِهَا، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُون أَصَمَّ إِلَخْ.

قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَوْ جَاءَتِ الرِّوَايَةُ: لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا أَعْمَى لَكَانَ أَظْهَرَ فِي الْمُنَاسَبَةِ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغَائِبُ كَالْأَعْمَى فِي عَدَمِ الرُّؤْيَةِ نَفَى لَازِمَهُ لِيَكُونَ أَبْلَغَ وَأَشْمَلَ، وَزَادَ قَرِيبًا؛ لِأَنَّ الْبَعِيدَ وَإِنْ كَانَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

كذا اختصره، وتمامه كما عند أحمد بعد قوله: الأصوات: «لقد جاءت المجادِلة إلى رسول الله تكلِّمه في جانب البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله الآية» وعند ابن ماجه وابن أبي حاتمٍ أنَّ عائشة قالت: «تبارك الذي أوعى سمعه كلَّ شيءٍ، إنّي أسمع كلام خولة ويخفى عليَّ بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله وهي تقول (١): يا رسول الله؛ أَكَلَ شبابي ونَثَرْتُ له بطني، حتَّى إذا كبرت سنِّي وانقطع ولدي ظاهَرَ منِّي، اللهمَّ إنِّي أشكو إليك، قالت: فما برحت حتَّى نزل جبريل بهذه الآية».

٧٣٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) (٢) أي: ابن درهمٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن ملٍّ النَّهديِّ (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريّ أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على تعيينه (فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا) شَرَفًا (كَبَّرْنَا) الله تعالى نقول: الله أكبر، نرفع أصواتنا بذلك (فَقَالَ) النَّبيُّ لنا: (ارْبَعُوا) بوصل الهمزة وفتح الموحَّدة، وقال السَّفاقسيُّ: رويناه بكسرها (عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: ارفقوا بها، لا تبالغوا في رفع أصواتكم، أو لا تعجلوا (فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ) بسكون الدَّال (أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا) ولم يقل: ولا أعمَّى حتَّى يناسب أصمَّ؛ لأنَّ الأعمى غائبٌ عن الإحساس بالمبصر، والغائب كالأعمى في عدم رؤيته ذلك المبصر، فنفى لازمه؛ ليكون أبلغ وأعمَّ، قاله في «الكواكب» (تَدْعُونَ) وفي «الدَّعوات» [خ¦٦٣٨٤] «لكن تدعون» (سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا) وهذا كالتَّعليل لقوله: «لا تدعون أصمَّ» قال أبو موسى: (ثُمَّ أَتَى) (عَلَيَّ) بالتَّشديد (وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَقَالَ لِي: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لِكُلِّ مَوْجُودٍ مِنْ فِعْلِهِ بِمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ: حَقٌّ، وَيُطْلَقُ عَلَى الِاعْتِقَادِ فِي الشَّيْءِ الْمُطَابِقِ لِمَا دَلَّ ذَلِكَ الشَّيْءُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَعَلَى الْفِعْلِ الْوَاقِعِ بِحَسَبِ مَا يَجِبُ قَدْرًا وَزَمَانًا وَكَذَا الْقَوْلُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْوَاجِبِ وَاللَّازِمِ وَالثَّابِتِ وَالْجَائِزِ، وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَنِ الْحَلِيمِيِّ قَالَ: الْحَقُّ مَا لَا يَسِيغُ إِنْكَارُهُ، وَيَلْزَمُ إِثْبَاتُهُ، وَالِاعْتِرَافُ بِهِ، وَوُجُودُ الْبَارِي أَوْلَى مَا يَجِبُ الِاعْتِرَافُ بِهِ، وَلَا يَسِيغُ جُحُودُهُ؛ إِذْ لَا مُثْبِتَ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ الْبَاهِرَةُ مَا تَظَاهَرَتْ عَلَى وُجُودِهِ ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَفِيهِ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ وَبَيَانُ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ فِي كِتَابِ التَّهَجُّدِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَذُكِرَ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَوْلُهُ: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَعْنِي خَالِقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَقَوْلُهُ: بِالْحَقِّ، أَيْ: أَنْشَأَهُمَا بِحَقٍّ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا، أَيْ: عَبَثًا، وَقَوْلُهُ فِي السَّنَدِ: سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ

عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ، وَقَوْلُهُ: عَنْ سُلَيْمَانَ هُوَ ابْنُ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَحْوَلُ الْمَكِّيُّ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ وَسَيَأْتِي، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ: حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا يَعْنِي بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ وَالْمَتْنِ، وَقَوْلُهُ: وَقَالَ: أَنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ قَبِيصَةَ سَقَطَ مِنْهَا قَوْلُهُ: أَنْتَ الْحَقُّ؛ فَإِنَّ أَوَّلَهَا: قَوْلُكَ الْحَقُّ، وَثَبَتَ قَوْلُهُ فِي أَوَّلِهِ: أَنْتَ الْحَقُّ فِي رِوَايَةِ ثَابِتِ بْنِ مُحَمَّدٍ، كَمَا سَيَأْتِي سِيَاقُهُ بِتَمَامِهِ فِي بَابِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٩ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ قَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ تَمِيمٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾

٧٣٨٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، فَقَالَ: أرْبعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا. ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَقَالَ لِي: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ؛ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ، أَوْ قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ. بِهِ.

٧٣٨٧، ٧٣٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ لِلنَّبِيِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي قَالَ قُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مِنْ عِنْدِكَ مَغْفِرَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

٧٣٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ

أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ قال النبي : "إِنَّ جِبْرِيلَ نَادَانِي قَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ

قَوْلُهُ: (بَابُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: غَرَضُ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى: سَمِيعٌ بَصِيرٌ عَلِيمٌ، قَالَ: وَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ أَنْ يُسَوِّيَهُ بِالْأَعْمَى الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ السَّمَاءَ خَضْرَاءَ وَلَا يَرَاهَا، وَالْأَصَمُّ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ فِي النَّاسِ أَصْوَاتًا وَلَا يَسْمَعُهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ سَمِعَ وَأَبْصَرَ أَدْخَلُ فِي صِفَةِ الْكَمَالِ مِمَّنِ انْفَرَدَ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخِرِ، فَصَحَّ أَنَّ كَوْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا يُفِيدُ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى كَوْنِهِ عَلِيمًا، وَكَوْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ يَسْمَعُ بِسَمْعٍ وَيُبْصِرُ بِبَصَرٍ، كَمَا تَضَمَّنَ كَوْنُهُ عَلِيمًا أَنَّهُ يَعْلَمُ بِعِلْمٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إِثْبَاتِ كَوْنِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا، وَبَيْنَ كَوْنِهِ ذَا سَمْعٍ وَبَصَرٍ، قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ قَاطِبَةً، انْتَهَى.

وَاحْتَجَّ الْمُعْتَزِلِيُّ بِأَنَّ السَّمْعَ يَنْشَأُ عَنْ وُصُولِ الْهَوَاءِ الْمَسْمُوعِ إِلَى الْعَصَبِ الْمَفْرُوشِ فِي أَصْلِ الصِّمَاخِ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجَوَارِحِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا عَادَةٌ أَجْرَاهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ يَكُونُ حَيًّا، فَيَخْلُقُهُ اللَّهُ عِنْدَ وُصُولِ الْهَوَاءِ إِلَى الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ، وَاللَّهُ يَسْمَعُ الْمَسْمُوعَاتِ بِدُونِ الْوَسَائِطِ، وَكَذَا يَرَى الْمَرْئِيَّاتِ بِدُونِ الْمُقَابَلَةِ وَخُرُوجِ الشُّعَاعِ، فَذَاتُ الْبَارِي مَعَ كَوْنِهِ حَيًّا مَوْجُودًا لَا تُشْبِهُ الذَّوَاتِ، فَكَذَلِكَ صِفَاتُ ذَاتِهِ لَا تُشْبِهُ الصِّفَاتِ. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي بَابِ: وَكَانَ ﴿عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: السَّمِيعُ مَنْ لَهُ سَمْعٌ يُدْرِكُ بِهِ الْمَسْمُوعَاتِ، وَالْبَصِيرُ: مَنْ لَهُ بَصَرٌ يُدْرِكُ بِهِ الْمَرْئِيَّاتِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِي حَقِّ الْبَارِي صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ، وَقَدْ أَفَادَتِ الْآيَةُ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، بِمَعْنَى عَلِيمٍ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقْرَؤُهَا، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وَيَضَعُ إِصْبَعَيْهِ.

قَالَ أَبُو يُونُسَ: وَضَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَأَرَادَ هَذِهِ الْإِشَارَةَ تَحْقِيقَ إِثْبَاتِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ لِلَّهِ بِبَيَانِ مَحَلِّهِمَا مِنَ الْإِنْسَانِ، يُرِيدُ أَنَّ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعِلْمُ، فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَأَشَارَ إِلَى الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْعِلْمِ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْجَارِحَةُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: إِنَّ رَبَّنَا سَمِيعٌ بَصِيرٌ، وَأَشَارَ إِلَى عَيْنَيْهِ. وَسَنَدُهُ حَسَنٌ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ حَدِيثُ: إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَاكَ هُنَاكَ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي جُرَيٍّ الْهُجَيْمِيِّ رَفَعَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَبِسَ بُرْدَتَيْنِ يَتَبَخْتَرُ فِيهِمَا فَنَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فَمَقَتَهُ، الْحَدِيثَ. وَقَدْ مَضَى فِي اللِّبَاسِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ، وَفِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ وَوَرَدَ فِي السَّمْعِ قَوْلُ الْمُصَلِّي: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَلْ مَقْطُوعٌ بِمَشْرُوعِيَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ:

أَحَدُهَا: قَوْلُهُ: (قَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ تَمِيمٍ) هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ الْكُوفِيُّ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ، وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَوَصَلَ حَدِيثَهُ الْمَذْكُورَ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ هُنَا، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مَعْنٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظِ: تَبَارَكَ، وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ، وَلَيْسَ لِتَمِيمٍ الْمَذْكُورِ عَنْ عُرْوَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثُ

وَآخَرُ عِنْدَ مُسْلِمٍ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: قَوْلُ الْبُخَارِيِّ: قَالَ الْأَعْمَشُ: مُرْسَلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ، انْتَهَى. وَتَسْمِيَةُ هَذَا مُرْسَلًا مُخَالِفٌ لِلِاصْطِلَاحِ، وَالتَّعْلِيلُ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ فَإِنَّ فِي الصَّحِيحِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ مُعَلَّقَةٍ لَمْ تُذْكَرْ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا.

قَوْلُهُ: (وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مَعْنٍ كُلَّ شَيْءٍ بَدَلَ الْأَصْوَاتَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مَعْنَى قَوْلِهَا: وَسِعَ أَدْرَكَ؛ لِأَنَّ الَّذِي وُصِفَ بِالِاتِّسَاعِ يَصِحُّ وَصْفُهُ بِالضِّيقِ، وَذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ، فَيَجِبُ صَرْفُ قَوْلِهَا عَنْ ظَاهِرِهِ، وَالْحَدِيثُ مَا يَقْتَضِي التَّصْرِيحَ بِأَنَّ لَهُ سَمْعًا، وَكَذَا جَاءَ ذِكْرُ الْبَصَرِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ.

قَوْلُهُ: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ هَكَذَا أَخْرَجَهُ، وَتَمَامُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: مِمَّنْ ذَكَرْتُ بَعْدَ قَوْلِهِ: الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ تُكَلِّمُهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ، وَمُرَادُهَا بِهَذَا النَّفْيِ مَجْمُوعُ الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنُ مَعْنٍ: إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا وَهِيَ تَقُولُ: أَكَلَ شَبَابِي، وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي. الْحَدِيثَ. فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ وَهَذَا أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ الْمُجَادِلَةِ وَتَسْمِيَتِهَا، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ عَنْ خُوَيْلَةَ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، قَالَتْ: ظَاهَرَ مِنِّي زَوْجِي أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ، الْحَدِيثَ. وَهَذَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ اسْمَهَا كَانَ رُبَّمَا صُغِّرَ وَإِنْ كَانَ مَحْظُوظًا فَتَكُونُ نُسِبَتْ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لِجَدِّهَا، وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الرِّوَايَاتُ بِالْأَوَّلِ فَفِي مُرْسَلِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ تَحْتَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.

وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ تَظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، وَعِنْدَهُ أَيْضًا مِنْ مُرْسَلِ أَبِي الْعَالِيَةَ: كَانَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ دُلَيْحٍ تَحْتَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ سَيِّئِ الْخُلُقِ فَنَازَعَتْهُ فِي شَيْءٍ، فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. وَدُلَيْحٌ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ لَعَلَّهُ مِنْ أَجْدَادِهَا، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ جَمِيلَةَ كَانَتْ تَحْتَ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، وَوَصَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ، وَالرِّوَايَةُ الْمُرْسَلَةُ أَقْوَى، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، وَهُوَ الَّذِي ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ، وَرِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفَةٌ وَهَذَا مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: عَنْ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، أَيْ: عَنْ قِصَّةِ أَوْسٍ لَا أَنَّ عُرْوَةَ حَمَلَهُ عَنْ أَوْسٍ فَيَكُونُ مُرْسَلًا كَالرِّوَايَةِ الْمَحْفُوظَةِ، وَإِنْ كَانَ الرَّاوِي حَفِظَهَا أَنَّهَا جَمِيلَةُ، فَلَعَلَّهُ كَانَ لَقَبَهَا وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ النَّقَّاشُ فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ إِلَى الشَّعْبِيِّ قَالَ: الْمَرْأَةُ الَّتِي جَادَلَتْ فِي زَوْجِهَا هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ الصَّامِتِ، وَأُمُّهَا مُعَاذَةُ أَمَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ. وَقَوْلُهُ: بِنْتُ الصَّامِتِ خَطَأٌ، فَإِنَّ الصَّامِتَ وَالِدُ زَوْجِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَتَسْمِيَةُ أُمِّهَا غَرِيبٌ، وَقَدْ مَضَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالظِّهَارِ فِي النِّكَاحِ.

الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلٍّ النَّهْدِيُّ وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُ الْمَتْنِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ، وَقَوْلُهُ: أَرْبِعُوا بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيِ: ارْفُقُوا بِضَمِّ الْفَاءِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَأَنَّهُ فِي كُتُبِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَبَعْضِ كُتُبِ الْحَدِيثِ بِفَتْحِهَا، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُون أَصَمَّ إِلَخْ.

قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَوْ جَاءَتِ الرِّوَايَةُ: لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا أَعْمَى لَكَانَ أَظْهَرَ فِي الْمُنَاسَبَةِ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغَائِبُ كَالْأَعْمَى فِي عَدَمِ الرُّؤْيَةِ نَفَى لَازِمَهُ لِيَكُونَ أَبْلَغَ وَأَشْمَلَ، وَزَادَ قَرِيبًا؛ لِأَنَّ الْبَعِيدَ وَإِنْ كَانَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

كذا اختصره، وتمامه كما عند أحمد بعد قوله: الأصوات: «لقد جاءت المجادِلة إلى رسول الله تكلِّمه في جانب البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله الآية» وعند ابن ماجه وابن أبي حاتمٍ أنَّ عائشة قالت: «تبارك الذي أوعى سمعه كلَّ شيءٍ، إنّي أسمع كلام خولة ويخفى عليَّ بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله وهي تقول (١): يا رسول الله؛ أَكَلَ شبابي ونَثَرْتُ له بطني، حتَّى إذا كبرت سنِّي وانقطع ولدي ظاهَرَ منِّي، اللهمَّ إنِّي أشكو إليك، قالت: فما برحت حتَّى نزل جبريل بهذه الآية».

٧٣٨٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ قال: (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) (٢) أي: ابن درهمٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن ملٍّ النَّهديِّ (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريّ أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على تعيينه (فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا) شَرَفًا (كَبَّرْنَا) الله تعالى نقول: الله أكبر، نرفع أصواتنا بذلك (فَقَالَ) النَّبيُّ لنا: (ارْبَعُوا) بوصل الهمزة وفتح الموحَّدة، وقال السَّفاقسيُّ: رويناه بكسرها (عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: ارفقوا بها، لا تبالغوا في رفع أصواتكم، أو لا تعجلوا (فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ) بسكون الدَّال (أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا) ولم يقل: ولا أعمَّى حتَّى يناسب أصمَّ؛ لأنَّ الأعمى غائبٌ عن الإحساس بالمبصر، والغائب كالأعمى في عدم رؤيته ذلك المبصر، فنفى لازمه؛ ليكون أبلغ وأعمَّ، قاله في «الكواكب» (تَدْعُونَ) وفي «الدَّعوات» [خ¦٦٣٨٤] «لكن تدعون» (سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا) وهذا كالتَّعليل لقوله: «لا تدعون أصمَّ» قال أبو موسى: (ثُمَّ أَتَى) (عَلَيَّ) بالتَّشديد (وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَقَالَ لِي: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر