«إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٧٨٠

الحديث رقم ٧٨٠ من كتاب «كتاب الأذان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب جهر الإمام بالتأمين.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه…

«إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ يَقُولُ: آمِينَ.»

سند حديث: ٧٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ…

٧٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه…

أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نؤمن إذا أمن الإمام، لأن ذلك هو وقت تأمين الملائكة، ومن وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • مشروعية التأمين للإمام والمأموم والمنفرد.
  • أن الملائكة تؤمن على دعاء المصلين، والأظهر أن المراد منهم الذين يشهدون تلك الصلاة من الملائكة في الأرض والسماء، واستدل لذلك بما أخرجه البخاري من أنه صلى الله عليه وسلم قال:" إذا قال أحدكم آمين، قالت الملائكة في السماء: آمين، فوافق أحدهما الآخر، غفر الله له ما تقدم من ذنبه ".
  • فضيلة التأمين، وأنه سبب في غفران الذنوب، لكن عند محققي العلماء أن التكفير في هذا الحديث وأمثاله، خاصُّ بصغائر الذنوب، أما الكبائر فلا بد لها من التوبة.
  • أنه ينبغي للداعي والمؤمّن على الدعاء أن يكون حاضر القلب.
  • استدل البخاري بهذا الحديث على مشروعية جهر الإمام بالتأمين،لأنه علق تأمين المؤتمين بتأمينه ولا يعلمونه إلا بسماعه، وهذا قول الجمهور.
  • من الأفضل للداعي أن يشابه الملائكة في كل الصفات التي تكون سبباً في الإجابة، كالتضرع والخشوع والطهارة وحضور القلب، والإقبال على الله في كل حال.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١١١ - بَاب جَهْرِ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ

وَقَالَ عَطَاءٌ: آمِينَ دُعَاءٌ. أَمَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَمَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً

وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُنَادِي الْإِمَامَ: لَا تَفُتْنِي بِآمِينَ

وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَدَعُهُ وَيَحُضُّهُمْ، وَسَمِعْتُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ خَيْرًا

٧٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: آمِينَ.

[الحديث ٧٨٠ - طرفه في: ٦٤٠٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ جَهْرِ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ) أَيْ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْجَهْرِ، وَالتَّأْمِينُ مَصْدَرُ أَمَّنَ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ قَالَ آمِينَ وَهِيَ بِالْمَدِّ وَالتَّخْفِيفِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ وَعَنْ جَمِيعِ الْقُرَّاءِ، وَحَكَى الْوَاحِدِيُّ، عَنْ حَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ الْإِمَالَةَ، وَفِيهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ أُخْرَى شَاذَّةٌ: الْقَصْرُ حَكَاهُ ثَعْلَبٌ وَأَنْشَدَ لَهُ شَاهِدًا، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ دَرَسْتَوَيْهِ وَطَعَنَ فِي الشَّاهِدِ بِأَنَّهُ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وَحَكَى عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ عَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ إِنَّمَا أَجَازَهُ فِي الشِّعْرِ خَاصَّةً، وَالتَّشْدِيدُ مَعَ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ، وَخَطَّأَهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ.

وَآمِينَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ مِثْلَ صَهٍ لِلسُّكُوتِ، وَتُفْتَحُ فِي الْوَصْلِ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ مِثْلَ كَيْفَ، وَإِنَّمَا لَمْ تُكْسَرْ لِثِقَلِ الْكَسْرَةِ بَعْدَ الْيَاءِ وَمَعْنَاهَا اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَرْجِعُ جَمِيعُهُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، كَقَوْلِ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ آمِنَّا بِخَيْرٍ، وَقِيلَ كَذَلِكَ يَكُونُ، وَقِيلَ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ تَجِبُ لِقَائِلِهَا، وَقِيلَ لِمَنِ اسْتُجِيبَ لَهُ كَمَا اسْتُجِيبَ لِلْمَلَائِكَةِ، وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَعَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ التَّابِعِيِّ مِثْلُهُ، وَأَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَالَ مَنْ مَدَّ وَشَدَّدَ: مَعْنَاهَا قَاصِدِينَ إِلَيْكَ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ؛ وَقَالَ مَنْ قَصَرَ وَشَدَّدَ: هِيَ كَلِمَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ أَوْ سُرْيَانِيَّةٌ. وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ الصَّحَابِيِّ أَنَّ آمِينَ مِثْلُ الطَّابَعِ عَلَى الصَّحِيفَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ : إِنْ خَتَمَ بِآمِينَ فَقَدْ أَوْجَبَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ بِآمِينَ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: قُلْتُ لَهُ أَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُؤَمِّنُ عَلَى أَثَرِ أُمِّ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَيُؤَمِّنُ مَنْ وَرَاءَهُ؛ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا آمِينَ دُعَاءٌ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَقَدْ قَامَ الْإِمَامُ فَيُنَادِيهِ فَيَقُولُ: لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ. وَقَوْلُهُ حَتَّى إِنَّ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ لِلْمَسْجِدِ أَيْ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ لَلَجَّةً اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ وَاللَّجَّةُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الصَّوْتُ الْمُرْتَفِعُ، وَرَوَى لَلَجَبَةً بِمُوَحَّدَةٍ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ، وَهِيَ الْأَصْوَاتُ الْمُخْتَلِطَةُ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ لَرَجَّةً بِالرَّاءِ بَدَلَ اللَّامِ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (لَا تَفُتْنِي) بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضِ النُّسَخِ بِالْفَاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ، وَإِنَّمَا فِيهَا بِالْمُثَنَّاةِ مِنَ الْفَوَاتِ وَهِيَ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنَ السَّبْقِ، وَمُرَادُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنْ يُؤَمِّنَ مَعَ الْإِمَامِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فِي أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُؤَمِّنُ وَقَالَ: مَعْنَاهُ لَا تُنَازِعْنِي بِالتَّأْمِينِ الَّذِي هُوَ مِنْ وَظِيفَةِ الْمَأْمُومِ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجْهٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: كَانَ أَبُو

هُرَيْرَةَ يُؤَذِّنُ لِمَرْوَانَ، فَاشْتَرَطَ أَنْ لَا يَسْبِقَهُ بِالضَّالِّينَ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّفِّ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَشْتَغِلُ بِالْإِقَامَةِ وَتَعْدِيلِ الصُّفُوفِ، وَكَانَ مَرْوَانُ يُبَادِرُ إِلَى الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ فَرَاغِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِ مَرْوَانَ: فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِبنَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ مُؤَذِّنًا بِالْبَحْرَيْنِ وَأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ لَا يَسْبِقَهُ بِآمِينَ، وَالْإِمَامُ بِالْبَحْرَيْنِ كَانَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، بَيَّنَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ.

وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ بِلَالٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تَسْتَبِقْنِي بِآمِينَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. لَكِنْ قِيلَ إِنَّ أَبَا عُثْمَانَ لَمْ يَلْقَ بِلَالًا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ بِلَفْظِ أَنَّ بِلَالًا قَالَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْإِرْسَالِ، وَرَجَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى الْمَوْصُولِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُضَعِّفُ التَّأْوِيلَ السَّابِقَ لِأَنَّ بِلَالًا لَا يَقَعُ مِنْهُ مَا حَمَلَ هَذَا الْقَائِلُ كَلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَيْهِ، وَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ مِنَ الْإِقَامَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ وَسَبَبُهَا مُحْتَمَلٌ فَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهَا، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ قَوْلِ عَطَاءٍ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ حَكَمَ بِأَنَّ التَّأْمِينَ دُعَاءٌ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَقُولَهُ الْإِمَامُ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ الدَّاعِي، بِخِلَافِ قَوْلِ الْمَانِعِ إِنَّهَا جَوَابٌ لِلدُّعَاءِ فَيَخْتَصُّ بِالْمَأْمُومِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ التَّأْمِينَ قَائِمٌ مَقَامَ التَّلْخِيصِ بَعْدَ الْبَسْطِ، فَالدَّاعِي فَصَّلَ الْمَقَاصِدَ بِقَوْلِهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إِلَى آخِرِهِ، وَالْمُؤْمِنُ أَتَى بِكَلِمَةٍ تَشْمَلُ الْجَمِيعَ فَإِنْ قَالَهَا الْإِمَامُ فَكَأَنَّهُ دَعَا مَرَّتَيْنِ مُفَصِّلًا ثُمَّ مُجْمِلًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ نَافِعٌ إِلَخْ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا خَتَمَ أُمَّ الْقُرْآنِ قَالَ آمِينَ لَا يَدَعُ أَنْ يُؤَمِّنَ إِذَا خَتَمَهَا وَيَحُضُّهُمْ عَلَى قَوْلِهَا، قَالَ وَسَمِعْتُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ خَيْرًا.

وَقَوْلُهُ: (وَيَحُضُّهُمْ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَوْلُهُ: (خَيْرًا) بِسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيْ فَضْلًا وَثَوَابًا وَهِيَ رِوَايَةُ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ خَبَرًا بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيُشْعِرُ بِهِ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَمَّنَ النَّاسُ أَمَّنَ مَعَهُمْ وَيَرَى ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ. وَرِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِثْلُ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ رُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَمُنَاسَبَةُ أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ يُؤَمِّنُ إِذَا خَتَمَ الْفَاتِحَةَ، وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنْ مَالِكٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ لَفْظَهُمَا وَاحِدٌ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُغَايَرَةٌ يَسِيرَةٌ لِلَفْظِ الزُّهْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا) ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْإِمَامَ يُؤَمِّنُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِذَا دَعَا، وَالْمُرَادُ دُعَاءُ الْفَاتِحَةِ مِنْ قَوْلِهِ: (اهْدِنَا) إِلَى آخِرِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّأْمِينَ دُعَاءٌ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِذَا بَلَغَ إِلَى مَوْضِعٍ اسْتَدْعَى التَّأْمِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ وَيَرِدُ ذَلِكَ التَّصْرِيحُ بِالْمُرَادِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّأْمِينِ لِلْإِمَامِ، قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِكَوْنِهَا قَضِيَّةً شَرْطِيَّةً، وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِإِذَا يُشْعِرُ بِتَحْقِيقِ الْوُقُوعِ، وَخَالَفَ مَالِكٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ: لَا يُؤَمِّنُ الْإِمَامُ فِي الْجَهْرِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ لَا يُؤَمِّنُ مُطْلَقًا.

وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَهِيَ عِلَّةٌ غَيْرُ قَادِحَةٍ فَإِنَّ ابْنَ شِهَابٍ إِمَامٌ لَا يَضُرُّهُ التَّفَرُّدُ، مَعَ مَا سَيُذْكَرُ قَرِيبًا أَنَّ ذَلِكَ جَاءَ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَرَجَّحَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ كَوْنَ الْإِمَامِ لَا يُؤَمِّنُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّهُ دَاعٍ فَنَاسَبَ أَنْ يَخْتَصَّ الْمَأْمُومُ بِالتَّأْمِينِ، وَهَذَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِهِمْ إِنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ، وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: كَمَا اشْتَرَكَا فِي الْقِرَاءَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِكَا فِي التَّأْمِينِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ قَوْلَهُ إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَقَالَ: مَعْنَاهُ دَعَا، قَالَ وَتَسْمِيَةُ الدَّاعِي مُؤَمِّنًا سَائِغَةٌ لِأَنَّ الْمُؤَمِّنَ يُسَمَّى دَاعِيًا كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ وَكَانَ مُوسَى دَاعِيًا وَهَارُونُ مُؤَمِّنًا كَمَا رَوَاهُ

ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَتُعُقِّبَ بِعَدَمِ الْمُلَازَمَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمُؤَمِّنِ دَاعِيًا عَكْسُهُ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْأَصْلِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ صَحَّ فَإِطْلَاقُ كَوْنِ هَارُونَ دَاعِيًا إِنَّمَا هُوَ لِلتَّغْلِيبِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِهِ إِذَا أَمَّنَ بَلَغَ مَوْضِعَ التَّأْمِينِ كَمَا يُقَالُ أَنْجَدَ إِذَا بَلَغَ نَجْدًا وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهَا، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذَا بَعِيدٌ لُغَةً وَشَرْعًا.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا مَجَازٌ، فَإِنْ وُجِدَ دَلِيلٌ يُرَجِّحُهُ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. قُلْتُ: اسْتَدَلُّوا لَهُ بِرِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابٍ بِلَفْظِ: إِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ قَالُوا فَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ يَقْتَضِي حَمْلَ قَوْلِهِ إِذَا أَمَّنَ عَلَى الْمَجَازِ. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ - عَلَى تَسْلِيمِ الْمَجَازِ الْمَذْكُورِ - بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ إِذَا أَمَّنَ أَيْ أَرَادَ التَّأْمِينَ لِيَتَوَافَقَ تَأْمِينُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ مَعًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَقُولَهَا الْإِمَامُ، وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا وَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ، وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ تَأْوِيلِهِمْ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: إِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقَالُوا آمِينَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ آمِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ آمِينَ الْحَدِيثَ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالسَّرَّاجُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي كَوْنِ الْإِمَامِ يُؤَمِّنُ. وَقِيلَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ أَيْ وَلَوْ لَمْ يَقُلِ الْإِمَامُ آمِينَ، وَقِيلَ يُؤْخَذُ مِنَ الْخَبَرَيْنِ تَخْيِيرُ الْمَأْمُومِ فِي قَوْلِهَا مَعَ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ، وَقِيلَ الْأَوَّلُ لِمَنْ قَرُبَ مِنَ الْإِمَامِ وَالثَّانِي لِمَنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ، لِأَنَّ جَهْرَ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ أَخْفَضُ مِنْ جَهْرِهِ بِالْقِرَاءَةِ، فَقَدْ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ مَنْ لَا يَسْمَعُ تَأْمِينَهُ، فَمَنْ سَمِعَ تَأْمِينَهُ أَمَّنَ مَعَهُ، وَإِلَّا يُؤَمِّنْ إِذَا سَمِعَهُ يَقُولُ وَلَا الضَّالِّينَ لِأَنَّهُ وَقْتُ تَأْمِينِهِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ.

وَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ وَلَيْسَتْ بِدُونِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ، وَقَدْ رَدَّهُ ابْنُ شِهَابٍ بِقَوْلِهِ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ آمِينَ كَأَنَّهُ اسْتَشْعَرَ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ إِذَا أَمَّنَ حَقِيقَةُ التَّأْمِينِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَقَدِ اعْتُضِدَ بِصَنِيعِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَاوِيهِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ، وَإِذَا تَرَجَّحَ أَنَّ الْإِمَامَ يُؤَمِّنُ فَيَجْهَرُ بِهِ فِي الْجَهْرِيَّةِ كَمَا تَرْجَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ وَرِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ: يُسِرُّ بِهِ مُطْلَقًا.

وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ التَّأْمِينُ مَسْمُوعًا لِلْمَأْمُومِ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَقَدْ عُلِّقَ تَأْمِينُهُ بِتَأْمِينِهِ، وَأَجَابُوا بِأَنَّ مَوْضِعَهُ مَعْلُومٌ فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْجَهْرَ بِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخِلَّ بِهِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ الْمَأْمُومِ بِهِ، وَقَدْ رَوَى رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ جَهَرَ بِآمِينَ أَخْرَجَهُ السَّرَّاجُ، وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ آمِينَ وَلِلْحُمَيْدِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ بِلَفْظِ: إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ وَزَادَ: حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَلِأَبِي دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ نَحْوُ رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَوْمَأَ إِلَى النَّسْخِ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَجْهَرُ بِالتَّأْمِينِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ لِيُعَلِّمَهُمْ فَإِنَّ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ إِنَّمَا أَسْلَمَ فِي أَوَاخِرِ الْأَمْرِ.

قَوْلُهُ: (فَأَمِّنُوا) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَأْخِيرِ تَأْمِينِ الْمَأْمُومِ عَنْ تَأْمِينِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ رَتَّبَ عَلَيْهِ بِالْفَاءِ، لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُقَارَنَةُ وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: لَا تُسْتَحَبُّ مُقَارَنَةُ الْإِمَامِ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ غَيْرَهُ، قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ بِأَنَّ التَّأْمِينَ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ لَا لِتَأْمِينِهِ، فَلِذَلِكَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ وَهُوَ وَاضِحٌ. ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِلنَّدْبِ، وَحَكَى ابْنُ بَزِيزَةَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وُجُوبَهُ عَلَى الْمَأْمُومِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ، قَالَ: وَأَوْجَبَهُ الظَّاهِرِيَّةُ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ ثُمَّ فِي مُطْلَقِ أَمْرِ الْمَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ أَنَّهُ يُؤَمِّنُ وَلَوْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ تَنْقَطِعُ بِذَلِكَ الْمُوَالَاةُ؟

عَلَى وَجْهَيْنِ: أَصَحُّهُمَا لَا تَنْقَطِعُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الْأَمْرِ الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَالْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ (١) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ) زَادَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ قَبْلَ قَوْلِهِ فَمَنْ وَافَقَ وَكَذَا لِابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الدَّعَوَاتِ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمُوَافَقَةُ فِي الْقَوْلِ وَالزَّمَانِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ الْمُرَادُ الْمُوَافَقَةُ فِي الْإِخْلَاصِ وَالْخُشُوعِ كَابْنِ حِبَّانَ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ: يُرِيدُ مُوَافَقَةَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْإِخْلَاصِ بِغَيْرِ إِعْجَابٍ، وَكَذَا جَنَحَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ فَقَالَ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ، أَوْ فِي إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، أَوْ فِي الدُّعَاءِ بِالطَّاعَةِ خَاصَّةً، أَوِ الْمُرَادُ بِتَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارُهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الْحِكْمَةُ فِي إِيثَارِ الْمُوَافَقَةِ فِي الْقَوْلِ وَالزَّمَانِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ عَلَى يَقَظَةٍ لِلْإِتْيَانِ بِالْوَظِيفَةِ فِي مَحَلِّهَا، لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا غَفْلَةَ عِنْدَهُمْ، فَمَنْ وَافَقَهُمْ كَانَ مُتَيَقِّظًا. ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بالْمَلَائِكَة جَمِيعُهُمْ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ بَزِيزَةَ. وَقِيلَ: الْحَفَظَةُ مِنْهُمْ، وَقِيلَ الَّذِينَ يَتَعَاقَبُونَ مِنْهُمْ إِذَا قُلْنَا إِنَّهُمْ غَيْرُ الْحَفَظَةِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَنْ يَشْهَدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مِمَّنْ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ.

وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ بَعْدَ بَابٍ وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْآتِيَةِ أَيْضًا فَوَافَقَ ذَلِكَ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَنَحْوِهَا لِسُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: صُفُوفُ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى صُفُوفِ أَهْلِ السَّمَاءِ، فَإِذَا وَافَقَ آمِينَ فِي الْأَرْضِ آمِينَ فِي السَّمَاءِ غُفِرَ لِلْعَبْدِ انْتَهَى. وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ فَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَوْلَى.

قَوْلُهُ: (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ظَاهِرُهُ غُفْرَانُ جَمِيعِ الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الصَّغَائِرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ فِيمَنْ تَوَضَّأَ كَوُضُوئِهِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ.

(فَائِدَةٌ): وَقَعَ فِي أَمَالِي الْجُرْجَانِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَصَمِّ، عَنْ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا تَأَخَّرَ وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ وقَدْ رَوَاهُ ابْنُ الْجَارُودِ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ بِدُونِهَا، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا أَنِّي وَجَدْتُهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنِ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِإِثْبَاتِهَا، وَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ رَوَاهُ فِي مُسْنَدِهِ وَمُصَنَّفِهِ بِدُونِهَا، وَكَذَلِكَ حُفَّاظُ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، الْحُمَيْدِيِّ، وَابْنِ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُمَا. وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى ضَعِيفَةٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُثْمَانَ، وَالْوَلِيدِ ابْنَيْ سَاجٍ، عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) هُوَ مُتَّصِلٌ إِلَيْهِ بِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُ، وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ. ثُمَّ هُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا وَجْهَ اعْتِضَادِهِ. وَرُوِيَ عَنْهُ مَوْصُولًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ وَالْعِلَلِ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الْعَدَنِيِّ، عَنْ مَالِكٍ عَنْهُ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَى الْإِمَامِيَّةِ (٢) فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ التَّأْمِينَ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَفْظِ قُرْآنٍ وَلَا ذِكْرٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُمْ مَا نُقِلَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَنَّ مَعْنَى آمِينَ أَيْ قَاصِدِينَ إِلَيْكَ، وَبِهِ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ، وَصَرَّحَ الْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ مَنْ قَالَهُ هَكَذَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَفِيهِ فَضِيلَةُ الْإِمَامِ لِأَنَّ تَأْمِينَ الْإِمَامِ يُوَافِقُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

السَّبق، وعند البيهقيِّ: كان أبو هريرة يؤذِّن لمروان، فاشترط أبو هريرة (١) ألَّا يسبقه بـ ﴿الضَّالِّينَ﴾ حتَّى يعلم أنَّه دخل في الصَّفِّ، وكأنَّه كان يشتغل بالإقامة وتعديل الصُّفوف، فكان مروان يبادر إلى الدُّخول في الصَّلاة قبل فراغ أبي هريرة، فكان أبو هريرة ينهاه عن ذلك.

(وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عنه قال: (كَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب إذا ختم أمَّ القرآن (لَا يَدَعُهُ) أي: التَّأمين (وَيَحُضُّهُمْ) بالضَّاد المعجمة، على قوله عقبها، قال نافعٌ: (وَسَمِعْتُ مِنْهُ) أي: من ابن عمر (فِي ذَلِكَ) أي: التَّأمين (خَيْرًا) بسكون المثنَّاة التَّحتيَّة، أي: فضلًا وثوابًا، وللحَمُّويي والمُستملي وابن عساكر: «خبرًا» بفتح المُوحَّدة، أي: حديثًا مرفوعًا.

٧٨٠ - وبه قال: (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (مَالِكٌ) أي: ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «أنَّ رسول الله» ( قَالَ: إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ) أي: إذا أراد الإمام التَّأمين؛ أي (٢): أن يقول: «آمين» بعد قراءة الفاتحة (فَأَمِّنُوا) فقولوا: «آمين» مقارنين له كما قاله الجمهور، وعلَّله إمام الحرمين بأنَّ التَّأمين لقراءة الإمام لا لتأمينه، فلذلك لا يتأخَّر عنه (٣)، وظاهر قوله: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا» أنَّ المأموم إنَّما يؤمِّن إذا أمَّن الإمام، لا إذا ترك، وبه قال بعض الشَّافعيَّة، وهو مقتضى إطلاق الرَّافعيِّ الخلاف، وادَّعى النَّوويُّ الاتِّفاق على خلافه، ونصَّ الشَّافعيُّ في «الأمِّ» على أنَّ المأموم يؤمِّن ولو ترك الإمام عمدًا أو سهوًا، واستدلَّ به على مشروعيَّة التَّأمين

للإمام، قِيلَ: وفيه نظرٌ لكونها قضيَّةً شرطيَّةً، وأُجيب بأنَّ التَّعبير بـ «إذا» يشعر بتحقُّق الوقوع. وخالف مالكٌ في إحدَى الرِّوايتين عنه؛ وهي (١) رواية ابن القاسم، فقال: لا يُؤمِّن الإمامُ في الجهريِّة، وفي رواية عنه: لا يؤمِّن مطلقًا، وأوَّلوا قوله: إذا أمَّن الإمامُ بدعاء الفاتحة من قوله: ﴿اهدِنَا﴾ إلى آخره، وحينئذٍ فلا يؤمِّن الإمامُ لأنَّه داعٍ، قال القاضي أبو الطَّيِّب: هذا غلطٌ، بل الدَّاعي أولى بالاستيجاب، بل استبعد ابن العربيِّ تأويلَهم لغةً وشرعًا، وقال: الإمام أحد الدَّاعين وأوَّلُهم وأولاهم. انتهى. وقد ورد التَّصريح بأنَّ الإمام يقولها في رواية مَعْمَر عن ابن شهاب عند أبي داود والنَّسائيِّ، ولفظه: «إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين» (فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) زاد الجرجانيُّ في «أماليه»، عن أبي العباس الأصمِّ، عن بحرِ بنِ نصرِ، عن ابنِ وهبِ عن يونسَ: «وما تأخَّر» لكن قال الحافظ ابن حجر: إنَّها زيادة شاذَّة، وظاهره يشمل الصَّغائر والكبائر، لكن قد ثبت أنَّ «الصَّلاة إلى الصَّلاة كفَّارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر» فإذا كانت الفرائض لا تكفر الكبائر، فكيف تكفَّرها سنَّة التَّأمين إذا وافقت التَّأمين؟! وأُجِيْبَ بأنَّ المُكفِّر ليس التَّأمين الَّذي هو فعل المؤمِّن، بل وِفَاقُ الملائكة، وليس ذلك إلى صنعه، بل فضل من الله تعالى، وعلامة على سعادة من وافق، قاله التَّاج ابن السُّبكيِّ في «الأشباه والنَّظائر»، والحقُّ أنَّه عامٌّ خُصَّ منه ما يتعلَّق بحقوق النَّاس، فلا تُغفَر بالتَّأمين للأدلَّة فيه، لكنَّه (٢) شاملٌ للكبائر كما تقدَّم، إلَّا أن (٣) يَدَّعي خروجها بدليلٍ آخر، وفي كلام ابن المُنَيِّر ما يُشِيْرُ إلى أنَ المُقْتَضِي للمغفرة هو مُرَاقَبَةُ (٤) المأموم لوظيفة التَّأمين، وإيقاعُه في محلِّه على ما يَنْبَغِي، كما هو شأن الملائكة، فذكر موافقتهم ليس لأنَّه سبب للمغفرة، بل للتَّنبيه على المُسَبِّبِ (٥)، وهو مماثلتُهم في الإقبال

والجدِّ، وفعل التَّأمين على أكملِ وجهٍ. انتهى. وهو مُعارَضٌ بما (١) في «الصَّحيحين» [خ¦٧٨١] من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا قال أحدُكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، ووافقت إحداهما الأخرى غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه» فدلَّ على أنَّ المُرَادَ المُوافَقَة في القول والزَّمان، لا في الإخلاص والخشوع وغيرهما مما ذكر، وهل المراد بالملائكة الحَفَظَة، أو الَّذين يتعاقبون منهم (٢)؟ أو الأولى حمله على الأعمِّ لأنَّ اللَّام للاستغراق، فيقولها الحاضر منهم ومن فوقهم إلى الملأ الأعلى؟ والظَّاهر الأخير، وبالسَّند المتصل برواية مالك (قَالَ ابْنُ شِهَاب) الزُّهريُّ: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ يَقُولُ: آمِينَ) بيَّن بهذا أنَّ المراد بقوله في الحديث: إذا أمَّن حقيقةُ التَّأمين، لا ما أُوِّل به، وهو وإن كان مرسلًا فقد اعتضَد بصنيع (٣) أبي هريرة راويه، وإذا قلنا (٤) بالرَّاجح، وهو مذهب الشَّافعيِّ وأحمد: إنَّ الإمام يؤمِّن فيجهر به في الجهريَّة، كما ترجم به المصنِّف وفاقًا للجمهور، فإن قلت: من أين يُؤخَذ الجهر من الحديث؟ أُجيب بأنَّه لو لم يكن التَّأمين مسموعًا للمأموم لم يعلم به، وقد علَّق تأمينه بتأمينه، وقد أخرج السَّرَّاج هذا الحديث بلفظ: «فكان رسول الله إذا قال: ﴿وَلَا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١١١ - بَاب جَهْرِ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ

وَقَالَ عَطَاءٌ: آمِينَ دُعَاءٌ. أَمَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَمَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً

وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُنَادِي الْإِمَامَ: لَا تَفُتْنِي بِآمِينَ

وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَدَعُهُ وَيَحُضُّهُمْ، وَسَمِعْتُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ خَيْرًا

٧٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: آمِينَ.

[الحديث ٧٨٠ - طرفه في: ٦٤٠٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ جَهْرِ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ) أَيْ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْجَهْرِ، وَالتَّأْمِينُ مَصْدَرُ أَمَّنَ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ قَالَ آمِينَ وَهِيَ بِالْمَدِّ وَالتَّخْفِيفِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ وَعَنْ جَمِيعِ الْقُرَّاءِ، وَحَكَى الْوَاحِدِيُّ، عَنْ حَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ الْإِمَالَةَ، وَفِيهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ أُخْرَى شَاذَّةٌ: الْقَصْرُ حَكَاهُ ثَعْلَبٌ وَأَنْشَدَ لَهُ شَاهِدًا، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ دَرَسْتَوَيْهِ وَطَعَنَ فِي الشَّاهِدِ بِأَنَّهُ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وَحَكَى عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ عَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ إِنَّمَا أَجَازَهُ فِي الشِّعْرِ خَاصَّةً، وَالتَّشْدِيدُ مَعَ الْمَدِّ وَالْقَصْرِ، وَخَطَّأَهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ.

وَآمِينَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ مِثْلَ صَهٍ لِلسُّكُوتِ، وَتُفْتَحُ فِي الْوَصْلِ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ مِثْلَ كَيْفَ، وَإِنَّمَا لَمْ تُكْسَرْ لِثِقَلِ الْكَسْرَةِ بَعْدَ الْيَاءِ وَمَعْنَاهَا اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَرْجِعُ جَمِيعُهُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى، كَقَوْلِ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ آمِنَّا بِخَيْرٍ، وَقِيلَ كَذَلِكَ يَكُونُ، وَقِيلَ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ تَجِبُ لِقَائِلِهَا، وَقِيلَ لِمَنِ اسْتُجِيبَ لَهُ كَمَا اسْتُجِيبَ لِلْمَلَائِكَةِ، وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَعَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ التَّابِعِيِّ مِثْلُهُ، وَأَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَالَ مَنْ مَدَّ وَشَدَّدَ: مَعْنَاهَا قَاصِدِينَ إِلَيْكَ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ؛ وَقَالَ مَنْ قَصَرَ وَشَدَّدَ: هِيَ كَلِمَةٌ عِبْرَانِيَّةٌ أَوْ سُرْيَانِيَّةٌ. وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ الصَّحَابِيِّ أَنَّ آمِينَ مِثْلُ الطَّابَعِ عَلَى الصَّحِيفَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ : إِنْ خَتَمَ بِآمِينَ فَقَدْ أَوْجَبَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ إِلَى قَوْلِهِ بِآمِينَ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: قُلْتُ لَهُ أَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُؤَمِّنُ عَلَى أَثَرِ أُمِّ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَيُؤَمِّنُ مَنْ وَرَاءَهُ؛ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا آمِينَ دُعَاءٌ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَقَدْ قَامَ الْإِمَامُ فَيُنَادِيهِ فَيَقُولُ: لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ. وَقَوْلُهُ حَتَّى إِنَّ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ لِلْمَسْجِدِ أَيْ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ لَلَجَّةً اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ وَاللَّجَّةُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الصَّوْتُ الْمُرْتَفِعُ، وَرَوَى لَلَجَبَةً بِمُوَحَّدَةٍ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ، وَهِيَ الْأَصْوَاتُ الْمُخْتَلِطَةُ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ لَرَجَّةً بِالرَّاءِ بَدَلَ اللَّامِ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (لَا تَفُتْنِي) بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضِ النُّسَخِ بِالْفَاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ، وَإِنَّمَا فِيهَا بِالْمُثَنَّاةِ مِنَ الْفَوَاتِ وَهِيَ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنَ السَّبْقِ، وَمُرَادُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنْ يُؤَمِّنَ مَعَ الْإِمَامِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فِي أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُؤَمِّنُ وَقَالَ: مَعْنَاهُ لَا تُنَازِعْنِي بِالتَّأْمِينِ الَّذِي هُوَ مِنْ وَظِيفَةِ الْمَأْمُومِ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجْهٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: كَانَ أَبُو

هُرَيْرَةَ يُؤَذِّنُ لِمَرْوَانَ، فَاشْتَرَطَ أَنْ لَا يَسْبِقَهُ بِالضَّالِّينَ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّفِّ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَشْتَغِلُ بِالْإِقَامَةِ وَتَعْدِيلِ الصُّفُوفِ، وَكَانَ مَرْوَانُ يُبَادِرُ إِلَى الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ فَرَاغِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِ مَرْوَانَ: فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِبنَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ مُؤَذِّنًا بِالْبَحْرَيْنِ وَأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ لَا يَسْبِقَهُ بِآمِينَ، وَالْإِمَامُ بِالْبَحْرَيْنِ كَانَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، بَيَّنَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ.

وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ بِلَالٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تَسْتَبِقْنِي بِآمِينَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. لَكِنْ قِيلَ إِنَّ أَبَا عُثْمَانَ لَمْ يَلْقَ بِلَالًا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ بِلَفْظِ أَنَّ بِلَالًا قَالَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْإِرْسَالِ، وَرَجَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى الْمَوْصُولِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُضَعِّفُ التَّأْوِيلَ السَّابِقَ لِأَنَّ بِلَالًا لَا يَقَعُ مِنْهُ مَا حَمَلَ هَذَا الْقَائِلُ كَلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَيْهِ، وَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ مِنَ الْإِقَامَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ وَسَبَبُهَا مُحْتَمَلٌ فَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهَا، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ قَوْلِ عَطَاءٍ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ حَكَمَ بِأَنَّ التَّأْمِينَ دُعَاءٌ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَقُولَهُ الْإِمَامُ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ الدَّاعِي، بِخِلَافِ قَوْلِ الْمَانِعِ إِنَّهَا جَوَابٌ لِلدُّعَاءِ فَيَخْتَصُّ بِالْمَأْمُومِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ التَّأْمِينَ قَائِمٌ مَقَامَ التَّلْخِيصِ بَعْدَ الْبَسْطِ، فَالدَّاعِي فَصَّلَ الْمَقَاصِدَ بِقَوْلِهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إِلَى آخِرِهِ، وَالْمُؤْمِنُ أَتَى بِكَلِمَةٍ تَشْمَلُ الْجَمِيعَ فَإِنْ قَالَهَا الْإِمَامُ فَكَأَنَّهُ دَعَا مَرَّتَيْنِ مُفَصِّلًا ثُمَّ مُجْمِلًا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ نَافِعٌ إِلَخْ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا خَتَمَ أُمَّ الْقُرْآنِ قَالَ آمِينَ لَا يَدَعُ أَنْ يُؤَمِّنَ إِذَا خَتَمَهَا وَيَحُضُّهُمْ عَلَى قَوْلِهَا، قَالَ وَسَمِعْتُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ خَيْرًا.

وَقَوْلُهُ: (وَيَحُضُّهُمْ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَوْلُهُ: (خَيْرًا) بِسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيْ فَضْلًا وَثَوَابًا وَهِيَ رِوَايَةُ الْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ خَبَرًا بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيُشْعِرُ بِهِ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَمَّنَ النَّاسُ أَمَّنَ مَعَهُمْ وَيَرَى ذَلِكَ مِنَ السُّنَّةِ. وَرِوَايَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِثْلُ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ رُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَمُنَاسَبَةُ أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ يُؤَمِّنُ إِذَا خَتَمَ الْفَاتِحَةَ، وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنْ مَالِكٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ لَفْظَهُمَا وَاحِدٌ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُغَايَرَةٌ يَسِيرَةٌ لِلَفْظِ الزُّهْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا) ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْإِمَامَ يُؤَمِّنُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِذَا دَعَا، وَالْمُرَادُ دُعَاءُ الْفَاتِحَةِ مِنْ قَوْلِهِ: (اهْدِنَا) إِلَى آخِرِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّأْمِينَ دُعَاءٌ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِذَا بَلَغَ إِلَى مَوْضِعٍ اسْتَدْعَى التَّأْمِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ وَيَرِدُ ذَلِكَ التَّصْرِيحُ بِالْمُرَادِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّأْمِينِ لِلْإِمَامِ، قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِكَوْنِهَا قَضِيَّةً شَرْطِيَّةً، وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِإِذَا يُشْعِرُ بِتَحْقِيقِ الْوُقُوعِ، وَخَالَفَ مَالِكٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ: لَا يُؤَمِّنُ الْإِمَامُ فِي الْجَهْرِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ لَا يُؤَمِّنُ مُطْلَقًا.

وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَهِيَ عِلَّةٌ غَيْرُ قَادِحَةٍ فَإِنَّ ابْنَ شِهَابٍ إِمَامٌ لَا يَضُرُّهُ التَّفَرُّدُ، مَعَ مَا سَيُذْكَرُ قَرِيبًا أَنَّ ذَلِكَ جَاءَ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَرَجَّحَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ كَوْنَ الْإِمَامِ لَا يُؤَمِّنُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّهُ دَاعٍ فَنَاسَبَ أَنْ يَخْتَصَّ الْمَأْمُومُ بِالتَّأْمِينِ، وَهَذَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِهِمْ إِنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ، وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: كَمَا اشْتَرَكَا فِي الْقِرَاءَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِكَا فِي التَّأْمِينِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ قَوْلَهُ إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَقَالَ: مَعْنَاهُ دَعَا، قَالَ وَتَسْمِيَةُ الدَّاعِي مُؤَمِّنًا سَائِغَةٌ لِأَنَّ الْمُؤَمِّنَ يُسَمَّى دَاعِيًا كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ وَكَانَ مُوسَى دَاعِيًا وَهَارُونُ مُؤَمِّنًا كَمَا رَوَاهُ

ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَتُعُقِّبَ بِعَدَمِ الْمُلَازَمَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمُؤَمِّنِ دَاعِيًا عَكْسُهُ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْأَصْلِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ صَحَّ فَإِطْلَاقُ كَوْنِ هَارُونَ دَاعِيًا إِنَّمَا هُوَ لِلتَّغْلِيبِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِهِ إِذَا أَمَّنَ بَلَغَ مَوْضِعَ التَّأْمِينِ كَمَا يُقَالُ أَنْجَدَ إِذَا بَلَغَ نَجْدًا وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهَا، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذَا بَعِيدٌ لُغَةً وَشَرْعًا.

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا مَجَازٌ، فَإِنْ وُجِدَ دَلِيلٌ يُرَجِّحُهُ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. قُلْتُ: اسْتَدَلُّوا لَهُ بِرِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابٍ بِلَفْظِ: إِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ قَالُوا فَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ يَقْتَضِي حَمْلَ قَوْلِهِ إِذَا أَمَّنَ عَلَى الْمَجَازِ. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ - عَلَى تَسْلِيمِ الْمَجَازِ الْمَذْكُورِ - بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ إِذَا أَمَّنَ أَيْ أَرَادَ التَّأْمِينَ لِيَتَوَافَقَ تَأْمِينُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ مَعًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَقُولَهَا الْإِمَامُ، وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا وَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ، وَيَدُلُّ عَلَى خِلَافِ تَأْوِيلِهِمْ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: إِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقَالُوا آمِينَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ آمِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ آمِينَ الْحَدِيثَ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالسَّرَّاجُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي كَوْنِ الْإِمَامِ يُؤَمِّنُ. وَقِيلَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ أَيْ وَلَوْ لَمْ يَقُلِ الْإِمَامُ آمِينَ، وَقِيلَ يُؤْخَذُ مِنَ الْخَبَرَيْنِ تَخْيِيرُ الْمَأْمُومِ فِي قَوْلِهَا مَعَ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ، وَقِيلَ الْأَوَّلُ لِمَنْ قَرُبَ مِنَ الْإِمَامِ وَالثَّانِي لِمَنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ، لِأَنَّ جَهْرَ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ أَخْفَضُ مِنْ جَهْرِهِ بِالْقِرَاءَةِ، فَقَدْ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ مَنْ لَا يَسْمَعُ تَأْمِينَهُ، فَمَنْ سَمِعَ تَأْمِينَهُ أَمَّنَ مَعَهُ، وَإِلَّا يُؤَمِّنْ إِذَا سَمِعَهُ يَقُولُ وَلَا الضَّالِّينَ لِأَنَّهُ وَقْتُ تَأْمِينِهِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ.

وَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ وَلَيْسَتْ بِدُونِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ، وَقَدْ رَدَّهُ ابْنُ شِهَابٍ بِقَوْلِهِ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ آمِينَ كَأَنَّهُ اسْتَشْعَرَ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ إِذَا أَمَّنَ حَقِيقَةُ التَّأْمِينِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَقَدِ اعْتُضِدَ بِصَنِيعِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَاوِيهِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ، وَإِذَا تَرَجَّحَ أَنَّ الْإِمَامَ يُؤَمِّنُ فَيَجْهَرُ بِهِ فِي الْجَهْرِيَّةِ كَمَا تَرْجَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ وَرِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ: يُسِرُّ بِهِ مُطْلَقًا.

وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ التَّأْمِينُ مَسْمُوعًا لِلْمَأْمُومِ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَقَدْ عُلِّقَ تَأْمِينُهُ بِتَأْمِينِهِ، وَأَجَابُوا بِأَنَّ مَوْضِعَهُ مَعْلُومٌ فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْجَهْرَ بِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخِلَّ بِهِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ الْمَأْمُومِ بِهِ، وَقَدْ رَوَى رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ جَهَرَ بِآمِينَ أَخْرَجَهُ السَّرَّاجُ، وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ آمِينَ وَلِلْحُمَيْدِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ بِلَفْظِ: إِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ وَزَادَ: حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَلِأَبِي دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ نَحْوُ رِوَايَةِ الزُّبَيْدِيِّ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَوْمَأَ إِلَى النَّسْخِ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَجْهَرُ بِالتَّأْمِينِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ لِيُعَلِّمَهُمْ فَإِنَّ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ إِنَّمَا أَسْلَمَ فِي أَوَاخِرِ الْأَمْرِ.

قَوْلُهُ: (فَأَمِّنُوا) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَأْخِيرِ تَأْمِينِ الْمَأْمُومِ عَنْ تَأْمِينِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ رَتَّبَ عَلَيْهِ بِالْفَاءِ، لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُقَارَنَةُ وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: لَا تُسْتَحَبُّ مُقَارَنَةُ الْإِمَامِ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ غَيْرَهُ، قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ بِأَنَّ التَّأْمِينَ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ لَا لِتَأْمِينِهِ، فَلِذَلِكَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ وَهُوَ وَاضِحٌ. ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِلنَّدْبِ، وَحَكَى ابْنُ بَزِيزَةَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وُجُوبَهُ عَلَى الْمَأْمُومِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ، قَالَ: وَأَوْجَبَهُ الظَّاهِرِيَّةُ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ ثُمَّ فِي مُطْلَقِ أَمْرِ الْمَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ أَنَّهُ يُؤَمِّنُ وَلَوْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ تَنْقَطِعُ بِذَلِكَ الْمُوَالَاةُ؟

عَلَى وَجْهَيْنِ: أَصَحُّهُمَا لَا تَنْقَطِعُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الْأَمْرِ الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَالْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ (١) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ) زَادَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ قَبْلَ قَوْلِهِ فَمَنْ وَافَقَ وَكَذَا لِابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الدَّعَوَاتِ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمُوَافَقَةُ فِي الْقَوْلِ وَالزَّمَانِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ الْمُرَادُ الْمُوَافَقَةُ فِي الْإِخْلَاصِ وَالْخُشُوعِ كَابْنِ حِبَّانَ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ: يُرِيدُ مُوَافَقَةَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْإِخْلَاصِ بِغَيْرِ إِعْجَابٍ، وَكَذَا جَنَحَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ فَقَالَ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ، أَوْ فِي إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، أَوْ فِي الدُّعَاءِ بِالطَّاعَةِ خَاصَّةً، أَوِ الْمُرَادُ بِتَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارُهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الْحِكْمَةُ فِي إِيثَارِ الْمُوَافَقَةِ فِي الْقَوْلِ وَالزَّمَانِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ عَلَى يَقَظَةٍ لِلْإِتْيَانِ بِالْوَظِيفَةِ فِي مَحَلِّهَا، لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا غَفْلَةَ عِنْدَهُمْ، فَمَنْ وَافَقَهُمْ كَانَ مُتَيَقِّظًا. ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بالْمَلَائِكَة جَمِيعُهُمْ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ بَزِيزَةَ. وَقِيلَ: الْحَفَظَةُ مِنْهُمْ، وَقِيلَ الَّذِينَ يَتَعَاقَبُونَ مِنْهُمْ إِذَا قُلْنَا إِنَّهُمْ غَيْرُ الْحَفَظَةِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ مَنْ يَشْهَدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مِمَّنْ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ.

وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ بَعْدَ بَابٍ وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْآتِيَةِ أَيْضًا فَوَافَقَ ذَلِكَ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَنَحْوِهَا لِسُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: صُفُوفُ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى صُفُوفِ أَهْلِ السَّمَاءِ، فَإِذَا وَافَقَ آمِينَ فِي الْأَرْضِ آمِينَ فِي السَّمَاءِ غُفِرَ لِلْعَبْدِ انْتَهَى. وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ فَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَوْلَى.

قَوْلُهُ: (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) ظَاهِرُهُ غُفْرَانُ جَمِيعِ الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الصَّغَائِرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ فِيمَنْ تَوَضَّأَ كَوُضُوئِهِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ.

(فَائِدَةٌ): وَقَعَ فِي أَمَالِي الْجُرْجَانِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْأَصَمِّ، عَنْ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا تَأَخَّرَ وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ وقَدْ رَوَاهُ ابْنُ الْجَارُودِ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ بِدُونِهَا، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ حَرْمَلَةَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا أَنِّي وَجَدْتُهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنِ ابْنِ مَاجَهْ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِإِثْبَاتِهَا، وَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ رَوَاهُ فِي مُسْنَدِهِ وَمُصَنَّفِهِ بِدُونِهَا، وَكَذَلِكَ حُفَّاظُ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، الْحُمَيْدِيِّ، وَابْنِ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُمَا. وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى ضَعِيفَةٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي فَرْوَةَ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُثْمَانَ، وَالْوَلِيدِ ابْنَيْ سَاجٍ، عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) هُوَ مُتَّصِلٌ إِلَيْهِ بِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُ، وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ. ثُمَّ هُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا وَجْهَ اعْتِضَادِهِ. وَرُوِيَ عَنْهُ مَوْصُولًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ وَالْعِلَلِ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الْعَدَنِيِّ، عَنْ مَالِكٍ عَنْهُ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَى الْإِمَامِيَّةِ (٢) فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ التَّأْمِينَ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَفْظِ قُرْآنٍ وَلَا ذِكْرٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُمْ مَا نُقِلَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَنَّ مَعْنَى آمِينَ أَيْ قَاصِدِينَ إِلَيْكَ، وَبِهِ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ، وَصَرَّحَ الْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ مَنْ قَالَهُ هَكَذَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَفِيهِ فَضِيلَةُ الْإِمَامِ لِأَنَّ تَأْمِينَ الْإِمَامِ يُوَافِقُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

السَّبق، وعند البيهقيِّ: كان أبو هريرة يؤذِّن لمروان، فاشترط أبو هريرة (١) ألَّا يسبقه بـ ﴿الضَّالِّينَ﴾ حتَّى يعلم أنَّه دخل في الصَّفِّ، وكأنَّه كان يشتغل بالإقامة وتعديل الصُّفوف، فكان مروان يبادر إلى الدُّخول في الصَّلاة قبل فراغ أبي هريرة، فكان أبو هريرة ينهاه عن ذلك.

(وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عنه قال: (كَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب إذا ختم أمَّ القرآن (لَا يَدَعُهُ) أي: التَّأمين (وَيَحُضُّهُمْ) بالضَّاد المعجمة، على قوله عقبها، قال نافعٌ: (وَسَمِعْتُ مِنْهُ) أي: من ابن عمر (فِي ذَلِكَ) أي: التَّأمين (خَيْرًا) بسكون المثنَّاة التَّحتيَّة، أي: فضلًا وثوابًا، وللحَمُّويي والمُستملي وابن عساكر: «خبرًا» بفتح المُوحَّدة، أي: حديثًا مرفوعًا.

٧٨٠ - وبه قال: (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (مَالِكٌ) أي: ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «أنَّ رسول الله» ( قَالَ: إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ) أي: إذا أراد الإمام التَّأمين؛ أي (٢): أن يقول: «آمين» بعد قراءة الفاتحة (فَأَمِّنُوا) فقولوا: «آمين» مقارنين له كما قاله الجمهور، وعلَّله إمام الحرمين بأنَّ التَّأمين لقراءة الإمام لا لتأمينه، فلذلك لا يتأخَّر عنه (٣)، وظاهر قوله: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا» أنَّ المأموم إنَّما يؤمِّن إذا أمَّن الإمام، لا إذا ترك، وبه قال بعض الشَّافعيَّة، وهو مقتضى إطلاق الرَّافعيِّ الخلاف، وادَّعى النَّوويُّ الاتِّفاق على خلافه، ونصَّ الشَّافعيُّ في «الأمِّ» على أنَّ المأموم يؤمِّن ولو ترك الإمام عمدًا أو سهوًا، واستدلَّ به على مشروعيَّة التَّأمين

للإمام، قِيلَ: وفيه نظرٌ لكونها قضيَّةً شرطيَّةً، وأُجيب بأنَّ التَّعبير بـ «إذا» يشعر بتحقُّق الوقوع. وخالف مالكٌ في إحدَى الرِّوايتين عنه؛ وهي (١) رواية ابن القاسم، فقال: لا يُؤمِّن الإمامُ في الجهريِّة، وفي رواية عنه: لا يؤمِّن مطلقًا، وأوَّلوا قوله: إذا أمَّن الإمامُ بدعاء الفاتحة من قوله: ﴿اهدِنَا﴾ إلى آخره، وحينئذٍ فلا يؤمِّن الإمامُ لأنَّه داعٍ، قال القاضي أبو الطَّيِّب: هذا غلطٌ، بل الدَّاعي أولى بالاستيجاب، بل استبعد ابن العربيِّ تأويلَهم لغةً وشرعًا، وقال: الإمام أحد الدَّاعين وأوَّلُهم وأولاهم. انتهى. وقد ورد التَّصريح بأنَّ الإمام يقولها في رواية مَعْمَر عن ابن شهاب عند أبي داود والنَّسائيِّ، ولفظه: «إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين» (فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) زاد الجرجانيُّ في «أماليه»، عن أبي العباس الأصمِّ، عن بحرِ بنِ نصرِ، عن ابنِ وهبِ عن يونسَ: «وما تأخَّر» لكن قال الحافظ ابن حجر: إنَّها زيادة شاذَّة، وظاهره يشمل الصَّغائر والكبائر، لكن قد ثبت أنَّ «الصَّلاة إلى الصَّلاة كفَّارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر» فإذا كانت الفرائض لا تكفر الكبائر، فكيف تكفَّرها سنَّة التَّأمين إذا وافقت التَّأمين؟! وأُجِيْبَ بأنَّ المُكفِّر ليس التَّأمين الَّذي هو فعل المؤمِّن، بل وِفَاقُ الملائكة، وليس ذلك إلى صنعه، بل فضل من الله تعالى، وعلامة على سعادة من وافق، قاله التَّاج ابن السُّبكيِّ في «الأشباه والنَّظائر»، والحقُّ أنَّه عامٌّ خُصَّ منه ما يتعلَّق بحقوق النَّاس، فلا تُغفَر بالتَّأمين للأدلَّة فيه، لكنَّه (٢) شاملٌ للكبائر كما تقدَّم، إلَّا أن (٣) يَدَّعي خروجها بدليلٍ آخر، وفي كلام ابن المُنَيِّر ما يُشِيْرُ إلى أنَ المُقْتَضِي للمغفرة هو مُرَاقَبَةُ (٤) المأموم لوظيفة التَّأمين، وإيقاعُه في محلِّه على ما يَنْبَغِي، كما هو شأن الملائكة، فذكر موافقتهم ليس لأنَّه سبب للمغفرة، بل للتَّنبيه على المُسَبِّبِ (٥)، وهو مماثلتُهم في الإقبال

والجدِّ، وفعل التَّأمين على أكملِ وجهٍ. انتهى. وهو مُعارَضٌ بما (١) في «الصَّحيحين» [خ¦٧٨١] من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا قال أحدُكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، ووافقت إحداهما الأخرى غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه» فدلَّ على أنَّ المُرَادَ المُوافَقَة في القول والزَّمان، لا في الإخلاص والخشوع وغيرهما مما ذكر، وهل المراد بالملائكة الحَفَظَة، أو الَّذين يتعاقبون منهم (٢)؟ أو الأولى حمله على الأعمِّ لأنَّ اللَّام للاستغراق، فيقولها الحاضر منهم ومن فوقهم إلى الملأ الأعلى؟ والظَّاهر الأخير، وبالسَّند المتصل برواية مالك (قَالَ ابْنُ شِهَاب) الزُّهريُّ: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ يَقُولُ: آمِينَ) بيَّن بهذا أنَّ المراد بقوله في الحديث: إذا أمَّن حقيقةُ التَّأمين، لا ما أُوِّل به، وهو وإن كان مرسلًا فقد اعتضَد بصنيع (٣) أبي هريرة راويه، وإذا قلنا (٤) بالرَّاجح، وهو مذهب الشَّافعيِّ وأحمد: إنَّ الإمام يؤمِّن فيجهر به في الجهريَّة، كما ترجم به المصنِّف وفاقًا للجمهور، فإن قلت: من أين يُؤخَذ الجهر من الحديث؟ أُجيب بأنَّه لو لم يكن التَّأمين مسموعًا للمأموم لم يعلم به، وقد علَّق تأمينه بتأمينه، وقد أخرج السَّرَّاج هذا الحديث بلفظ: «فكان رسول الله إذا قال: ﴿وَلَا

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.5 / 29.5
الإضاءة 57%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده