الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٠٦
الحديث رقم ٩٠٦ من كتاب «كتاب الجمعة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَلْدَةَ فَقَالَ: بِالصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمُعَةَ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ قَالَ لِأَنَسٍ ﵁: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ.
بَابُ الْمَشْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ وقَوْلُِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ وَمَنْ قَالَ السَّعْيُ الْعَمَلُ وَالذَّهَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ يَحْرُمُ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ وَقَالَ عَطَاءٌ تَحْرُمُ الصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ
٩٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ، هُوَ خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَانَ النَّاسُ مَهَنَةً) بِنُونٍ وَفَتَحَاتٍ جَمْعُ مَاهِنٍ كَكَتَبَةٍ وَكَاتِبٍ أَيْ خَدَمَ أَنْفُسِهِمْ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رُوِيَ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَمَعْنَاهُ بِإِسْقَاطِ مَحْذُوفٍ أَيْ ذَوِي مِهْنَةٍ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ كَانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنْ يَكْفِيهِمُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَدَمِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الْجُمُعَةِ رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ) اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ رَاحُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ الرَّوَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْأَزْهَرِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّوَاحِ فِي قَوْلِهِ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ الذَّهَابُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَجَازًا أَوْ مُشْتَرَكًا، وَعَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ فَالْقَرِينَةُ مُخَصِّصَةٌ وَهِيَ فِي قَوْلِهِ مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى قَائِمَةٌ فِي إِرَادَةِ مُطْلَقِ الذَّهَابِ، وَفِي هَذَا قَائِمَةٌ فِي الذَّهَابِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا حَيْثُ قَالَتْ يُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ وَالْعَرَقُ لِأَنَّ ذَلِكَ غَالِبًا إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَمَا يَشْتَدُّ الْحَرُّ، وَهَذَا فِي حَالِ مَجِيئِهِمْ مِنَ الْعَوَالِي، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلَّا حِينَ الزَّوَالِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، وَعُرِفَ بِهَذَا تَوْجِيهُ إِيرَادِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْبَابِ.
(تنبيهٌ): أَوْرَدَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ طَرِيقَ عَمْرَةَ هَذِهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَعَلَى هَذَا فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ أَصْلًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنْ فُلَيْحٍ بِسَمَاعِ عُثْمَانَ لَهُ مِنْ أَنَسٍ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِمُوَاظَبَتِهِ ﷺ عَلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ.
وأَمَّا رِوَايَةُ حُمَيْدٍ الَّتِي بَعْدَ هَذَا عَنْ أَنَسٍ كُنَّا نُبَكِّرُ بِالْجُمُعَةِ وَنَقِيلُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ بَاكِرَ النَّهَارِ، لَكِنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى التَّعَارُضِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ التَّبْكِيرَ يُطْلَقُ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ أَوْ تَقْدِيمِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْدَءُونَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْقَيْلُولَةِ، بِخِلَافِ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْحَرِّ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقِيلُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ لِمَشْرُوعِيَّةِ الْإِيرَادِ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ طَرِيقَ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ عَقِبَ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ التَّعْبِيرِ بِالتَّبْكِيرِ وَالْمُرَادُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: فَسَّرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَنَسٍ الثَّانِيَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ الْأَوَّلِ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: حَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ الْآثَارَ عَنِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ حَدِيثًا مَرْفُوعًا فِي ذَلِكَ، وَتَعَقَّبَهُ بِحَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا وَهُوَ كَمَا قَالَ. الثَّانِي: لَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ بِرَفْعِ حَدِيثِ أَنَسٍ الثَّانِي، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ حُمَيْدٍ فَزَادَ فِيهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ يَأْتِي فِي آخِرِ كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ السَّاعَاتِ الْمَطْلُوبَةَ فِي الذَّهَابِ إِلَى الْجُمُعَةِ مِنْ عِنْدِ الزَّوَالِ لِأَنَّهُمْ يَتَبَادَرُونَ إِلَى الْجُمُعَةِ قَبْلَ الْقَائِلَةِ.
١٧ - بَاب إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
٩٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ، هُوَ خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، يَعْنِي الْجُمُعَةَ.
قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَلْدَةَ فَقَالَ بِالصَّلَاةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجُمُعَةَ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ قَالَ صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الْجُمُعَةَ ثُمَّ قَالَ لِأَنَسٍ ﵁ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) لَمَّا اخْتَلَفَ ظَاهِرُ النَّقْلِ عَنْ أَنَسٍ وَتَقَرَّرَ أَنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ أَنْ يُحْمَلَ الْأَمْرُ عَلَى اخْتِلَافِ الْحَالِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، جَاءَ عَنْ أَنَسٍ حَدِيثٌ آخَرُ يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ فَتَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ لِأَجْلِهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ) أَيْ صَلَّاهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ يَعْنِي الْجُمُعَةَ) لَمْ يَجْزِمِ الْمُصَنِّفُ بِحُكْمِ التَّرْجَمَةِ لِلِاحْتِمَالِ الْوَاقِعِ فِي قَوْلِهِ يَعْنِي الْجُمُعَةَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ التَّابِعِيِّ أَوْ مَنْ دُونَهُ، وَهُوَ ظَنٌّ مِمَّنْ قَالَهُ، وَالتَّصْرِيحُ عَنْ أَنَسٍ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ الْمَاضِيَةِ أَنَّهُ كَانَ يُبَكِّرُ بِهَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْمُعَلَّقَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنَّ فِيهَا الْبَيَانَ بِأَنَّ قَوْلَهُ يَعْنِي الْجُمُعَةَ إِنَّمَا أَخَذَهُ قَائِلُهُ مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ عِنْدَ أَنَسٍ حَيْثُ اسْتَدَلَّ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْجُمُعَةِ بِقَوْلِهِ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ حَرَمِيٍّ وَلَفْظُهُ سَمِعْتُ أَنَسًا - وَنَادَاهُ يَزِيدُ الضَّبِّيُّ يَوْمَ جُمُعَةِ: يَا أَبَا حَمْزَةَ قَدْ شَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَيْفَ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؟ - فَذَكَرَهُ وَلَمْ يَقُلْ بَعْدَهُ يَعْنِي الْجُمُعَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَلَفْظُهُ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مَعَ الْحَكَمِ أَمِيرِ الْبَصْرَةِ عَلَى السَّرِيرِ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يُونُسَ وَزَادَ يَعْنِي الظُّهْرَ. وَالْحَكَمُ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ أَبِي عَقِيلٍ الثَّقَفِيُّ كَانَ نَائِبًا عَنِ ابْنِ عَمِّهِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَكَانَ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ عَمِّهِ فِي تَطْوِيلِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَكَادَ الْوَقْتُ أَنْ يَخْرُجَ. وَقَدْ أَوْرَدَ أَبُو يَعْلَى قِصَّةَ يَزِيدَ الضَّبِّيِّ الْمَذْكُورِ وَإِنْكَارَهُ عَلَى الْحَكَمِ هَذَا الصَّنِيعَ وَاسْتِشْهَادَهُ بِأَنَسٍ وَاعْتِذَارَ أَنَسٍ، عَنِ الْحَكَمِ بِأَنَّهُ أَخَّرَ لِلْإِبْرَادِ، فَسَاقَهَا مُطَوَّلَةٌ فِي نَحْوِ وَرَقَةٍ. وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْإِبْرَادَ بِالْجُمُعَةِ عِنْدَ أَنَسٍ إِنَّمَا هُوَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الظُّهْرِ لَا بِالنَّصِّ، لَكِنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ تَدُلُّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بِشْرِ بْنِ ثَابِتٍ) وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ كَانَ إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ بَكَّرَ بِالظُّهْرِ، وَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ أَبْرَدَ بِهَا وَعُرِفَ مِنْ طَرِيقِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ تَسْمِيَةُ الْأَمِيرِ الْمُبْهَمِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ، وَمِنْ رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِ سَبَبُ تَحْدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِذَلِكَ حَتَّى سَمِعَهُ أَبُو خَلْدَةَ. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: نَحَا الْبُخَارِيُّ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْإِبْرَادِ بِالْجُمُعَةِ وَلَمْ يَبُتَّ الْحُكْمَ بِذَلِكَ، لِأَنَّ قَوْلَهُ يَعْنِي الْجُمُعَةَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ التَّابِعِيِّ مِمَّا فَهِمَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَقْلِهِ، فَرَجَحَ عِنْدَهُ إِلْحَاقُهَا بِالظُّهْرِ، لِأَنَّهَا إِمَّا ظُهْرٌ وَزِيَادَةٌ أَوْ بَدَلٌ عَنِ الظُّهْرِ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ قَوْلُ أَمِيرِ الْبَصْرَةِ لِأَنَسٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَجَوَابُ أَنَسٍ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارِ ذَلِكَ، وَقَالَ أَيْضًا: إِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْإِبْرَادَ يُشْرَعُ فِي الْجُمُعَةِ أُخِذَ مِنْهُ أَنَّهَا لَا تُشْرَعُ قَبْلَ الزَّوَالِ، لِأَنَّهُ لَوْ شُرِعَ لَمَا كَانَ اشْتِدَادُ الْحَرِّ سَبَبًا لِتَأْخِيرِهَا، بَلْ كَانَ يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِتَعْجِيلِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْجُمُعَةِ وَقْتُ الظُّهْرِ لِأَنَّ أَنَسًا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي جَوَابِهِ، خِلَافًا لِمَنْ أَجَازَ الْجُمُعَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَفِيهِ إِزَالَةُ التَّشْوِيشِ عَنِ الْمُصَلِّي بِكُلِّ طَرِيقٍ مُحَافَظَةً عَلَى الْخُشُوعِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ السَّبَبُ فِي مُرَاعَاةِ الْإِبْرَادِ فِي الْحَرِّ دُونَ الْبَرْدِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٧) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ يَوْمَ الجُمُعَةِ) أبرد المصلِّي بصلاتها كالظُّهر.
٩٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) بضمِّ الميم وفتح القاف وتشديد الدَّال المفتوحة (قَالَ: حَدَّثَنَا (١) حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ) بفتح الحاء والرَّاء المُهمَلتين وكسر الميم في الأوَّل، وضمِّ العين المُهمَلة وتخفيف الميم في الثَّاني (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ) بفتح الخاء المُعجَمة وسكون اللَّام وفتحها (هُوَ) وفي نسخةٍ لأبي ذَرٍّ وأبي الوقت: «وهو» (خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ) التَّميميُّ السَّعديُّ البصريُّ الخيَّاط (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ حال كونه (يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَدَّ البَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ) صلَّاها في أوَّل وقتها على الأصل (وَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ) قال الرَّاوي: (يَعْنِي: الجُمُعَةَ) قياسًا على الظُّهر، لا بالنَّصِّ لأنَّ أكثر الأحاديث تدلُّ (٢) على التَّفرقة في الظُّهر، وعلى التَّبكير في الجمعة مُطلَقًا من غير تفصيلٍ، والَّذي نحا إليه المؤلِّف مشروعيَّة الإبراد بالجمعة، ولم يثبت الحكم بذلك لأنَّ قوله: «يعني: الجمعة» يحتمل أن يكون قول التَّابعيِّ ممَّا فهمه، وأن يكون مِن نقلِه، فرجح عنده إلحاقها بالظُّهر لأنَّها إمَّا ظهرٌ وزيادة (٣)، أو بدلٌ عن الظُّهر، قاله ابن المُنَيِّر.
ورواة حديث الباب كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والسَّماع والقول.
(قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال» (يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ) بالتَّصغير، فيما وصله المؤلِّف في «الأدب المُفرَد»: (أَخْبَرَنَا أَبُو خَلْدَةَ، وقَالَ) بالواو، ولكريمة: «فقال»: (بِالصَّلَاةِ) أي: بلفظها فقط (وَلَمْ يَذْكُرِ الجُمُعَةَ) ولفظه في «الأدب المُفرَد»: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا كان الحرُّ أبرد بالصَّلاة، وإذا كان البرد بكَّر بالصَّلاة» وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من وجهٍ آخر عن يونس، وزاد: «يعني: الظُّهر» وهذا موافقٌ لقول الفقهاء: يُندَب الإبراد بالظُّهر في شدَّة الحَرِّ بقُطْرٍ حارٍّ، لا بالجمعة لشدَّة الخطر في فواتها المؤدِّي إليه تأخيرها بالتَّكاسل، ولأنَّ النَّاس مأمورون بالتَّبكير إليها، فلا يتأذَّون بالحرِّ، وما في «الصَّحيحين» من أنَّه ﷺ كان يبرد بها بيانٌ للجواز فيها جمعًا بين الأدلَّة.
(وَقَالَ بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ) ممَّا وصله الإسماعيليُّ والبيهقيُّ: (حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الجُمُعَةَ) هو الحكم بن أبي عقيلٍ الثَّقفيُّ، نائب ابن عمِّه الحجَّاج بن يوسف، وكان على طريقة ابن عمِّه في تطويل الخطبة يوم الجمعة، حتَّى يكاد الوقت أن يخرج (ثُمَّ قَالَ لأَنَسٍ ﵁: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ؟) في رواية الإسماعيليِّ والبيهقيِّ: «كان إذا كان الشِّتاء بكَّر بالظُّهر، وإن (١) كان الصَّيف أبرد بها».
(١٨) (بابُ المَشْي إِلَى) صلاة (الجُمُعَةِ، وَقَوْلِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ) بجرِّ لام «قول» عطفًا على «المشي» المجرور بالإضافة، وبالضَّمِّ على الاستئناف: (﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩]) أي (٢): فامضوا لأنَّ السَّعي يُطلَق على المضيِّ وعلى العَدْو، فبيَّنت السُّنَّة المراد به كما في الحديث الآتي في هذا الباب [خ¦٩٠٨]: «فلا تأتوها تسعون، وأْتُوها وأنتم تمشون وعليكم السَّكينة» نعم إذا ضاق
الوقت فالأّوْلى الإسراع، وقال المحبُّ الطَّبريُّ: يجب إذا لم تُدرَك (١) الجمعة إلَّا به.
(وَمَنْ قَالَ) في تفسيره: (السَّعْيُ: العَمَلُ) لها (وَالذَّهَابُ) إليها (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَعَى لَهَا﴾) أي: للآخرة (﴿سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]) المُفسَّر: يعمل لها حقَّها من السَّعي، وهو الإتيان بالأوامر والانتهاء عن النَّواهي.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄) ممَّا وصله ابن حزمٍ من طريق عكرمة عنه، لكن بمعناه: (يَحْرُمُ البَيْعُ) أي: ونحوه من سائر العقود ممَّا فيه تشاغلٌ عن السَّعي إليها كإجارةٍ وتوليةٍ، ولا تبطل الصَّلاة (حِينَئِذٍ) أي: إذا نُودِي بها بعد جلوس الخطيب على المنبر لآية (٢) ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، وقِيسَ على البيع نحوه، وإنَّما لم تبطل الصَّلاة به (٣) لأنَّ النَّهي لا يختصُّ به، فلم يمنع صحَّته كالصَّلاة في أرضٍ مغصوبةٍ، ويصحُّ البيع عند الجمهور لأنَّ النَّهي ليس لمعنًى في العقد داخل ولا لازم، بل خارجٌ عنه، وقال المالكيَّة: يُفسَخ ما عدا النِّكاح والهبة والصَّدقة، وحيث فُسِخَ تُرَدُّ السِّلعة إن كانت قائمةً، ويلزم قيمتها يوم القبض إن كانت فائتةً، والفرق بين الهبة والصَّدقة وبين غيرهما: أنَّ غير الهبة والصَّدقة يُرَدُّ على كلِّ واحدٍ ماله، فلا يلحقه كبيرُ مضرَّةٍ، ولا كذلك الهبة والصَّدقة لأنَّه ملك شيءٍ بغير عوضٍ، فيبطل عليه، فتلحقه المضرَّة، وأمَّا عدم فسخ النِّكاح فللاحتياط في الفروج. انتهى. وتقييد الأذان بكونه بعد جلوس الخطيب لأنَّه الَّذي كان في عهده ﷺ كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- فانصرف النِّداء في الآية إليه، أمَّا الأذان الَّذي عند الزَّوال
فيجوز البيع عنده مع الكراهة؛ لدخول وقت الوجوب، لكن قال الإسنويُّ: ينبغي ألَّا يُكرَه في بلدٍ يؤخِّرون فيها تأخيرًا كثيرًا -كمكَّة- لما فيه من الضَّرر، فلو تبايع مقيمٌ ومسافرٌ أَثِما جميعًا لارتكاب الأوَّل النَّهي، وإعانة الثَّاني له عليه، نعم يُستَثنى من تحريم البيع ما لو احتاج إلى ماء طهارته، أو إلى ما يواري به عورته، أو يقوته عند اضطراره، ولو باع وهو سائرٌ إليها أو في الجامع جاز لأنَّ المقصود ألَّا يتأخَّر عن السَّعي إلى الجمعة، لكن يُكرَه البيع ونحوه في المسجد لأنَّه يُنزَّه عن ذلك، وعن (١) الحنفيَّة: يُكرَه البيع مطلقًا، ولا يحرم.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله عبد بن حُمَيْدٍ في «تفسيره»: (تَحْرُمُ الصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا) لأنَّها بمنزلة البيع في التَّشاغل عن الجمعة.
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ المدنيُّ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ: إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهْوَ مُسَافِرٌ فَعَلَيْهِ) أي: على طريق الاستحباب (أَنْ يَشْهَدَ) أي (٢): الجمعة، لكن اختُلِف على الزُّهريِّ فيه، فرُوِي عنه هذا، ورُوِي عنه: «لا جمعة على مسافرٍ» على طريق الوجوب، قال ابن المنذر: وهو كالإجماع، ويحتمل أن يكون مراده بقوله: «فعليه أن يشهد» ما إذا اتَّفق (٣) حضور المسافر في موضعٍ تُقام فيها الجمعة، فسمع النِّداء لها، لا أنَّه (٤) يلزمه حضورها مطلقًا حتَّى يحرم عليه السَّفر قبل الزَّوال من
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَانَ النَّاسُ مَهَنَةً) بِنُونٍ وَفَتَحَاتٍ جَمْعُ مَاهِنٍ كَكَتَبَةٍ وَكَاتِبٍ أَيْ خَدَمَ أَنْفُسِهِمْ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رُوِيَ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَمَعْنَاهُ بِإِسْقَاطِ مَحْذُوفٍ أَيْ ذَوِي مِهْنَةٍ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ كَانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنْ يَكْفِيهِمُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَدَمِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الْجُمُعَةِ رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ) اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ رَاحُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ الرَّوَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْأَزْهَرِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّوَاحِ فِي قَوْلِهِ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ الذَّهَابُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَجَازًا أَوْ مُشْتَرَكًا، وَعَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ فَالْقَرِينَةُ مُخَصِّصَةٌ وَهِيَ فِي قَوْلِهِ مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى قَائِمَةٌ فِي إِرَادَةِ مُطْلَقِ الذَّهَابِ، وَفِي هَذَا قَائِمَةٌ فِي الذَّهَابِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا حَيْثُ قَالَتْ يُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ وَالْعَرَقُ لِأَنَّ ذَلِكَ غَالِبًا إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَمَا يَشْتَدُّ الْحَرُّ، وَهَذَا فِي حَالِ مَجِيئِهِمْ مِنَ الْعَوَالِي، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلَّا حِينَ الزَّوَالِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، وَعُرِفَ بِهَذَا تَوْجِيهُ إِيرَادِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْبَابِ.
(تنبيهٌ): أَوْرَدَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ طَرِيقَ عَمْرَةَ هَذِهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَعَلَى هَذَا فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ أَصْلًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنْ فُلَيْحٍ بِسَمَاعِ عُثْمَانَ لَهُ مِنْ أَنَسٍ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِمُوَاظَبَتِهِ ﷺ عَلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ.
وأَمَّا رِوَايَةُ حُمَيْدٍ الَّتِي بَعْدَ هَذَا عَنْ أَنَسٍ كُنَّا نُبَكِّرُ بِالْجُمُعَةِ وَنَقِيلُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ بَاكِرَ النَّهَارِ، لَكِنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى التَّعَارُضِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ التَّبْكِيرَ يُطْلَقُ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ أَوْ تَقْدِيمِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْدَءُونَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْقَيْلُولَةِ، بِخِلَافِ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْحَرِّ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقِيلُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ لِمَشْرُوعِيَّةِ الْإِيرَادِ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ طَرِيقَ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ عَقِبَ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ التَّعْبِيرِ بِالتَّبْكِيرِ وَالْمُرَادُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: فَسَّرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَنَسٍ الثَّانِيَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ الْأَوَّلِ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا.
(تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: حَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ الْآثَارَ عَنِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ حَدِيثًا مَرْفُوعًا فِي ذَلِكَ، وَتَعَقَّبَهُ بِحَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا وَهُوَ كَمَا قَالَ. الثَّانِي: لَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ بِرَفْعِ حَدِيثِ أَنَسٍ الثَّانِي، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ حُمَيْدٍ فَزَادَ فِيهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ يَأْتِي فِي آخِرِ كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ السَّاعَاتِ الْمَطْلُوبَةَ فِي الذَّهَابِ إِلَى الْجُمُعَةِ مِنْ عِنْدِ الزَّوَالِ لِأَنَّهُمْ يَتَبَادَرُونَ إِلَى الْجُمُعَةِ قَبْلَ الْقَائِلَةِ.
١٧ - بَاب إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
٩٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ، هُوَ خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، يَعْنِي الْجُمُعَةَ.
قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَلْدَةَ فَقَالَ بِالصَّلَاةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجُمُعَةَ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ قَالَ صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الْجُمُعَةَ ثُمَّ قَالَ لِأَنَسٍ ﵁ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) لَمَّا اخْتَلَفَ ظَاهِرُ النَّقْلِ عَنْ أَنَسٍ وَتَقَرَّرَ أَنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ أَنْ يُحْمَلَ الْأَمْرُ عَلَى اخْتِلَافِ الْحَالِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، جَاءَ عَنْ أَنَسٍ حَدِيثٌ آخَرُ يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ فَتَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ لِأَجْلِهِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ) أَيْ صَلَّاهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ يَعْنِي الْجُمُعَةَ) لَمْ يَجْزِمِ الْمُصَنِّفُ بِحُكْمِ التَّرْجَمَةِ لِلِاحْتِمَالِ الْوَاقِعِ فِي قَوْلِهِ يَعْنِي الْجُمُعَةَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ التَّابِعِيِّ أَوْ مَنْ دُونَهُ، وَهُوَ ظَنٌّ مِمَّنْ قَالَهُ، وَالتَّصْرِيحُ عَنْ أَنَسٍ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ الْمَاضِيَةِ أَنَّهُ كَانَ يُبَكِّرُ بِهَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْمُعَلَّقَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنَّ فِيهَا الْبَيَانَ بِأَنَّ قَوْلَهُ يَعْنِي الْجُمُعَةَ إِنَّمَا أَخَذَهُ قَائِلُهُ مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ عِنْدَ أَنَسٍ حَيْثُ اسْتَدَلَّ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْجُمُعَةِ بِقَوْلِهِ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ حَرَمِيٍّ وَلَفْظُهُ سَمِعْتُ أَنَسًا - وَنَادَاهُ يَزِيدُ الضَّبِّيُّ يَوْمَ جُمُعَةِ: يَا أَبَا حَمْزَةَ قَدْ شَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَيْفَ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؟ - فَذَكَرَهُ وَلَمْ يَقُلْ بَعْدَهُ يَعْنِي الْجُمُعَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَلَفْظُهُ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مَعَ الْحَكَمِ أَمِيرِ الْبَصْرَةِ عَلَى السَّرِيرِ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يُونُسَ وَزَادَ يَعْنِي الظُّهْرَ. وَالْحَكَمُ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ أَبِي عَقِيلٍ الثَّقَفِيُّ كَانَ نَائِبًا عَنِ ابْنِ عَمِّهِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَكَانَ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ عَمِّهِ فِي تَطْوِيلِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَكَادَ الْوَقْتُ أَنْ يَخْرُجَ. وَقَدْ أَوْرَدَ أَبُو يَعْلَى قِصَّةَ يَزِيدَ الضَّبِّيِّ الْمَذْكُورِ وَإِنْكَارَهُ عَلَى الْحَكَمِ هَذَا الصَّنِيعَ وَاسْتِشْهَادَهُ بِأَنَسٍ وَاعْتِذَارَ أَنَسٍ، عَنِ الْحَكَمِ بِأَنَّهُ أَخَّرَ لِلْإِبْرَادِ، فَسَاقَهَا مُطَوَّلَةٌ فِي نَحْوِ وَرَقَةٍ. وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْإِبْرَادَ بِالْجُمُعَةِ عِنْدَ أَنَسٍ إِنَّمَا هُوَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الظُّهْرِ لَا بِالنَّصِّ، لَكِنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ تَدُلُّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بِشْرِ بْنِ ثَابِتٍ) وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ كَانَ إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ بَكَّرَ بِالظُّهْرِ، وَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ أَبْرَدَ بِهَا وَعُرِفَ مِنْ طَرِيقِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ تَسْمِيَةُ الْأَمِيرِ الْمُبْهَمِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ، وَمِنْ رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِ سَبَبُ تَحْدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِذَلِكَ حَتَّى سَمِعَهُ أَبُو خَلْدَةَ. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: نَحَا الْبُخَارِيُّ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْإِبْرَادِ بِالْجُمُعَةِ وَلَمْ يَبُتَّ الْحُكْمَ بِذَلِكَ، لِأَنَّ قَوْلَهُ يَعْنِي الْجُمُعَةَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ التَّابِعِيِّ مِمَّا فَهِمَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَقْلِهِ، فَرَجَحَ عِنْدَهُ إِلْحَاقُهَا بِالظُّهْرِ، لِأَنَّهَا إِمَّا ظُهْرٌ وَزِيَادَةٌ أَوْ بَدَلٌ عَنِ الظُّهْرِ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ قَوْلُ أَمِيرِ الْبَصْرَةِ لِأَنَسٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَجَوَابُ أَنَسٍ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارِ ذَلِكَ، وَقَالَ أَيْضًا: إِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْإِبْرَادَ يُشْرَعُ فِي الْجُمُعَةِ أُخِذَ مِنْهُ أَنَّهَا لَا تُشْرَعُ قَبْلَ الزَّوَالِ، لِأَنَّهُ لَوْ شُرِعَ لَمَا كَانَ اشْتِدَادُ الْحَرِّ سَبَبًا لِتَأْخِيرِهَا، بَلْ كَانَ يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِتَعْجِيلِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْجُمُعَةِ وَقْتُ الظُّهْرِ لِأَنَّ أَنَسًا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي جَوَابِهِ، خِلَافًا لِمَنْ أَجَازَ الْجُمُعَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَفِيهِ إِزَالَةُ التَّشْوِيشِ عَنِ الْمُصَلِّي بِكُلِّ طَرِيقٍ مُحَافَظَةً عَلَى الْخُشُوعِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ السَّبَبُ فِي مُرَاعَاةِ الْإِبْرَادِ فِي الْحَرِّ دُونَ الْبَرْدِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١٧) هذا (بَابٌ) بالتَّنوين: (إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ يَوْمَ الجُمُعَةِ) أبرد المصلِّي بصلاتها كالظُّهر.
٩٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) بضمِّ الميم وفتح القاف وتشديد الدَّال المفتوحة (قَالَ: حَدَّثَنَا (١) حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ) بفتح الحاء والرَّاء المُهمَلتين وكسر الميم في الأوَّل، وضمِّ العين المُهمَلة وتخفيف الميم في الثَّاني (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ) بفتح الخاء المُعجَمة وسكون اللَّام وفتحها (هُوَ) وفي نسخةٍ لأبي ذَرٍّ وأبي الوقت: «وهو» (خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ) التَّميميُّ السَّعديُّ البصريُّ الخيَّاط (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) ﵁ حال كونه (يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَدَّ البَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ) صلَّاها في أوَّل وقتها على الأصل (وَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ) قال الرَّاوي: (يَعْنِي: الجُمُعَةَ) قياسًا على الظُّهر، لا بالنَّصِّ لأنَّ أكثر الأحاديث تدلُّ (٢) على التَّفرقة في الظُّهر، وعلى التَّبكير في الجمعة مُطلَقًا من غير تفصيلٍ، والَّذي نحا إليه المؤلِّف مشروعيَّة الإبراد بالجمعة، ولم يثبت الحكم بذلك لأنَّ قوله: «يعني: الجمعة» يحتمل أن يكون قول التَّابعيِّ ممَّا فهمه، وأن يكون مِن نقلِه، فرجح عنده إلحاقها بالظُّهر لأنَّها إمَّا ظهرٌ وزيادة (٣)، أو بدلٌ عن الظُّهر، قاله ابن المُنَيِّر.
ورواة حديث الباب كلُّهم بصريُّون، وفيه: التَّحديث والسَّماع والقول.
(قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: «وقال» (يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ) بالتَّصغير، فيما وصله المؤلِّف في «الأدب المُفرَد»: (أَخْبَرَنَا أَبُو خَلْدَةَ، وقَالَ) بالواو، ولكريمة: «فقال»: (بِالصَّلَاةِ) أي: بلفظها فقط (وَلَمْ يَذْكُرِ الجُمُعَةَ) ولفظه في «الأدب المُفرَد»: «كان النَّبيُّ ﷺ إذا كان الحرُّ أبرد بالصَّلاة، وإذا كان البرد بكَّر بالصَّلاة» وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من وجهٍ آخر عن يونس، وزاد: «يعني: الظُّهر» وهذا موافقٌ لقول الفقهاء: يُندَب الإبراد بالظُّهر في شدَّة الحَرِّ بقُطْرٍ حارٍّ، لا بالجمعة لشدَّة الخطر في فواتها المؤدِّي إليه تأخيرها بالتَّكاسل، ولأنَّ النَّاس مأمورون بالتَّبكير إليها، فلا يتأذَّون بالحرِّ، وما في «الصَّحيحين» من أنَّه ﷺ كان يبرد بها بيانٌ للجواز فيها جمعًا بين الأدلَّة.
(وَقَالَ بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ) ممَّا وصله الإسماعيليُّ والبيهقيُّ: (حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الجُمُعَةَ) هو الحكم بن أبي عقيلٍ الثَّقفيُّ، نائب ابن عمِّه الحجَّاج بن يوسف، وكان على طريقة ابن عمِّه في تطويل الخطبة يوم الجمعة، حتَّى يكاد الوقت أن يخرج (ثُمَّ قَالَ لأَنَسٍ ﵁: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ؟) في رواية الإسماعيليِّ والبيهقيِّ: «كان إذا كان الشِّتاء بكَّر بالظُّهر، وإن (١) كان الصَّيف أبرد بها».
(١٨) (بابُ المَشْي إِلَى) صلاة (الجُمُعَةِ، وَقَوْلِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ) بجرِّ لام «قول» عطفًا على «المشي» المجرور بالإضافة، وبالضَّمِّ على الاستئناف: (﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩]) أي (٢): فامضوا لأنَّ السَّعي يُطلَق على المضيِّ وعلى العَدْو، فبيَّنت السُّنَّة المراد به كما في الحديث الآتي في هذا الباب [خ¦٩٠٨]: «فلا تأتوها تسعون، وأْتُوها وأنتم تمشون وعليكم السَّكينة» نعم إذا ضاق
الوقت فالأّوْلى الإسراع، وقال المحبُّ الطَّبريُّ: يجب إذا لم تُدرَك (١) الجمعة إلَّا به.
(وَمَنْ قَالَ) في تفسيره: (السَّعْيُ: العَمَلُ) لها (وَالذَّهَابُ) إليها (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَعَى لَهَا﴾) أي: للآخرة (﴿سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]) المُفسَّر: يعمل لها حقَّها من السَّعي، وهو الإتيان بالأوامر والانتهاء عن النَّواهي.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄) ممَّا وصله ابن حزمٍ من طريق عكرمة عنه، لكن بمعناه: (يَحْرُمُ البَيْعُ) أي: ونحوه من سائر العقود ممَّا فيه تشاغلٌ عن السَّعي إليها كإجارةٍ وتوليةٍ، ولا تبطل الصَّلاة (حِينَئِذٍ) أي: إذا نُودِي بها بعد جلوس الخطيب على المنبر لآية (٢) ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، وقِيسَ على البيع نحوه، وإنَّما لم تبطل الصَّلاة به (٣) لأنَّ النَّهي لا يختصُّ به، فلم يمنع صحَّته كالصَّلاة في أرضٍ مغصوبةٍ، ويصحُّ البيع عند الجمهور لأنَّ النَّهي ليس لمعنًى في العقد داخل ولا لازم، بل خارجٌ عنه، وقال المالكيَّة: يُفسَخ ما عدا النِّكاح والهبة والصَّدقة، وحيث فُسِخَ تُرَدُّ السِّلعة إن كانت قائمةً، ويلزم قيمتها يوم القبض إن كانت فائتةً، والفرق بين الهبة والصَّدقة وبين غيرهما: أنَّ غير الهبة والصَّدقة يُرَدُّ على كلِّ واحدٍ ماله، فلا يلحقه كبيرُ مضرَّةٍ، ولا كذلك الهبة والصَّدقة لأنَّه ملك شيءٍ بغير عوضٍ، فيبطل عليه، فتلحقه المضرَّة، وأمَّا عدم فسخ النِّكاح فللاحتياط في الفروج. انتهى. وتقييد الأذان بكونه بعد جلوس الخطيب لأنَّه الَّذي كان في عهده ﷺ كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- فانصرف النِّداء في الآية إليه، أمَّا الأذان الَّذي عند الزَّوال
فيجوز البيع عنده مع الكراهة؛ لدخول وقت الوجوب، لكن قال الإسنويُّ: ينبغي ألَّا يُكرَه في بلدٍ يؤخِّرون فيها تأخيرًا كثيرًا -كمكَّة- لما فيه من الضَّرر، فلو تبايع مقيمٌ ومسافرٌ أَثِما جميعًا لارتكاب الأوَّل النَّهي، وإعانة الثَّاني له عليه، نعم يُستَثنى من تحريم البيع ما لو احتاج إلى ماء طهارته، أو إلى ما يواري به عورته، أو يقوته عند اضطراره، ولو باع وهو سائرٌ إليها أو في الجامع جاز لأنَّ المقصود ألَّا يتأخَّر عن السَّعي إلى الجمعة، لكن يُكرَه البيع ونحوه في المسجد لأنَّه يُنزَّه عن ذلك، وعن (١) الحنفيَّة: يُكرَه البيع مطلقًا، ولا يحرم.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله عبد بن حُمَيْدٍ في «تفسيره»: (تَحْرُمُ الصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا) لأنَّها بمنزلة البيع في التَّشاغل عن الجمعة.
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ المدنيُّ (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ: إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهْوَ مُسَافِرٌ فَعَلَيْهِ) أي: على طريق الاستحباب (أَنْ يَشْهَدَ) أي (٢): الجمعة، لكن اختُلِف على الزُّهريِّ فيه، فرُوِي عنه هذا، ورُوِي عنه: «لا جمعة على مسافرٍ» على طريق الوجوب، قال ابن المنذر: وهو كالإجماع، ويحتمل أن يكون مراده بقوله: «فعليه أن يشهد» ما إذا اتَّفق (٣) حضور المسافر في موضعٍ تُقام فيها الجمعة، فسمع النِّداء لها، لا أنَّه (٤) يلزمه حضورها مطلقًا حتَّى يحرم عليه السَّفر قبل الزَّوال من