الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٥١
الحديث رقم ٩٥١ من كتاب «كتاب العيدين» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب سنة العيدين لأهل الإسلام.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٩٥١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ:
⦗١٧⦘
أَخْبَرَنِي زُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهَا: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ، فَقَامَ لِي ثُمَّ قَالَ: حَسْبُكَ؟ قُلْتُ: لَا تَعْجَلْ.
قَالَتْ: وَمَا بِي حُبُّ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَبْلُغَ النِّسَاءَ مُقَامُهُ لِي وَمَكَانِي مِنْهُ، وَزَادَ فِي النِّكَاحِ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ، وَقَوْلُهَا: اقْدُرُوا بِضَمِّ الدَّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَأَشَارَتْ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ شَابَّةً، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنِ ادَّعَى نَسْخَ هَذَا الْحُكْمِ وَأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ كَمَا تَقَدَّمَتْ حِكَايَتُهُ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ، وَرُدَّ بِأَنَّ قَوْلَهَا: يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْحِجَابِ، وَكَذَا قَوْلُهَا: أَحْبَبْتُ أَنْ يَبْلُغَ النِّسَاءَ مُقَامُهُ لِي مُشْعِرٌ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ لَهَا ضَرَائِرُ، أَرَادَتِ الْفَخْرَ عَلَيْهِنَّ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْدَ بُلُوغِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ الْحَبَشَةِ، وَكَانَ قُدُومُهُمْ سَنَةَ سَبْعٍ، فَيَكُونُ عُمْرُهَا حِينَئِذٍ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ شَيْءٌ نَحْوُ هَذَا، وَالْجَوَابُ عَنْهُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ اللَّعِبِ بِالسِّلَاحِ عَلَى طَرِيقِ التَّوَاثُبِ لِلتَّدْرِيبِ عَلَى الْحَرْبِ وَالتَّنْشِيطِ عَلَيْهِ، وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ جَوَازُ الْمُثَاقَفَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ تَمْرِينِ الْأَيْدِي عَلَى آلَاتِ الْحَرْبِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَفِيهِ جَوَازُ نَظَرِ النِّسَاءِ إِلَى فِعْلِ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُكْرَهُ لَهُنَّ النَّظَرُ إِلَى الْمَحَاسِنِ وَالِاسْتِلْذَاذِ بِذَلِكَ، وَمِنْ تَرَاجِمِ الْبُخَارِيِّ عَلَيْهِ: بَابُ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الْحَبَشِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَمَّا النَّظَرُ بِشَهْوَةٍ وَعِنْدَ خَشْيَةِ الْفِتْنَةِ فَحَرَامٌ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ.
وَأَجَابَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ بُلُوغِ عَائِشَةَ، وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا فِيهِ، قَالَ: أَوْ كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ بِحِرَابِهِمْ لَا إِلَى وُجُوهِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ، وَإِنْ وَقَعَ بِلَا قَصْدٍ أَمْكَنَ أَنْ تَصْرِفَهُ فِي الْحَالِ، انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ فَوَائِدِهِ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ. وَسَيَأْتِي بَعْدَ سِتَّةِ أَبْوَابٍ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ هَذَا الْبَابَ وَالْبَابَ الْآتِيَ هُنَاكَ حَيْثُ قَالَ بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ حَمْلِ السِّلَاحِ فِي الْعِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣ - بَاب سُنَّةِ الْعِيدَيْنِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ
٩٥١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، عَنْ الْبَرَاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا
[الحديث ٩٥١ - أطرافه في: ٦٦٧٣. ٥٥٦٣. ٥٥٦٠. ٥٥٥٧. ٥٥٥٦. ٥٥٤٥. ٩٨٣. ٩٧٦. ٩٦٨. ٩٦٥. ٩٥٥]
٩٥٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ سُنَّةِ الْعِيدِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَقَدِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَزَادَ أَبُو ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ فِي أَوَّلِ التَّرْجَمَةِ: الدُّعَاءُ فِي الْعِيدِ قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ أَرَاهُ تَصْحِيفًا، وَكَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ اللَّعِبُ فِي الْعِيدِ، يَعْنِي: فَيُنَاسِبُ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَهُوَ الثَّانِي مِنْ حَدِيثَيِ الْبَابِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ الدُّعَاءَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ يُؤْخَذُ حُكْمُهُ مِنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لحديث البراء الآتي [خ¦٩٥١]-إن شاء الله تعالى- في قوله: «يخطب»، فإنَّ الخطبة تشتمل على الدُّعاء كغيره، وقد روى ابن عديٍّ من حديث واثلة: أنَّه لقي النَّبيَّ ﷺ يوم عيدٍ، فقال (١): تقبَّل الله منَّا ومنك، فقال: «نعم، تقبَّل الله منَّا ومنك» لكنَّ في إسناده محمَّد بن إبراهيم الشَّاميُّ، وهو ضعيفٌ، وقد تفرَّد به مرفوعًا، وخُولِف فيه، فروى البيهقيُّ من حديث عبادة بن الصَّامت: أنَّه سأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «ذاك فعل أهل الكتابين» وإسناده ضعيفٌ أيضًا، لكن في «المَحامِليَّات» بإسنادٍ حسنٍ عن جُبَيْر بن نُفَيْرٍ: أنَّ أصحاب النَّبيِّ ﷺ كانوا إذا التقَوا يوم العيد يقول بعضهم لبعضٍ: تقبَّل الله منَّا ومنك. وقد ضُرِبَ في «اليونينيَّة» على قوله: «الدُّعاء في العيد»، وهو ساقطٌ في رواية ابن عساكر، وقال ابن رُشَيْدٍ: أراه تصحيفًا، وكأنَّه كان فيه: «اللَّعب في العيد» أي: فيناسب حديث عائشة الثَّاني من حديثَي الباب.
وللأكثرين -وعزاه في الفرع لرواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي (٢) -: «باب سُنَّةِ العِيدَيْنِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ» وعليه اقتصر الإسماعيليُّ في «المستخرج» وأبو نُعيمٍ. وقيَّد بـ «أهل الإسلام» إشارةً إلى أنَّ سنَّة أهل (٣) الإسلام في العيد خلاف ما يفعله غير أهل الإسلام في أعيادهم.
٩٥١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابن منهالٍ، السَّلميُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زُبَيْدٌ) بضمِّ الزَّاي وفتح المُوحَّدة، ابن الحارث اليامِيُّ
الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ) بفتح الشِّين المعجمة وسكون العين المهملة، عامر بن شراحيل (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ) حال كونه (يَخْطُبُ فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ به مِنْ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي و (١) المُستملي «في» (يَوْمِنَا هَذَا) يوم عيد (٢) النَّحر (أَنْ نُصَلِّيَ) صلاة العيد، أي: أوَّل ما يكون الابتداء به في هذا اليوم الصَّلاة الَّتي بدأنا بها، فعبَّر بالمستقبل عن الماضي. وفي رواية محمَّد بن طلحة عن زُبَيْدٍ، الآتية -إن شاء الله تعالى- في هذا الحديث بعينه (٣) [خ¦٩٧٦]: خرج ﵊ يوم أضحًى إلى البقيع، فصلَّى ركعتين، ثمَّ أقبل علينا بوجهه الشَّريف وقال: «إنَّ أوَّل نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصَّلاة، ثمَّ نرجع فننحر» (٤)، وأوَّل عيدٍ صلَّاه النَّبيُّ ﷺ عيد الفطر، في (٥) السَّنة الثَّانية من الهجرة.
وقد اختُلِف في حكم صلاة العيد بعد إجماع الأمَّة على مشروعيَّتها، فقال أبو حنيفة ﵀: واجبةٌ على الأعيان، وقال المالكيَّة والشَّافعيَّة: سنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، وقال أحمد وجماعةٌ: فرضٌ على الكفاية، واستدلَّ الأوَّلون بمُواظَبته ﵊ عليها من غير تركٍ، واستدلَّ المالكيَّة والشَّافعيَّة بحديث الأعرابيِّ في «الصَّحيحين» [خ¦٤٦]: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلَّا أن تَطَوَّع»، وحديث: «خمس صلواتٍ كتبهنَّ الله في اليوم واللَّيلة» [خ¦٤٦] وحملوا ما نقله المزنيُّ عن الشَّافعيِّ: أنَّ (٦) من وجب عليه الجمعة وجب عليه حضور العيدين، على التَّأكيد، فلا إثم ولا قتال بتركها (٧)، واستدلَّ الحنابلة بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] وهو يدلُّ على
الوجوب، وحديث الأعرابيِّ يدلُّ على أنَّها لا تجب على كلِّ واحدٍ (١)، فتعيَّن أن يكون (٢) فرضًا على الكفاية، وأُجيب بأنَّا لا نسلِّم أنَّ المراد بقوله: ﴿فَصَلِّ﴾ صلاة العيد، سلّمنا ذلك، لكنَّ ظاهره يقتضي وجوب النَّحر، وأنتم لا تقولون به، سلَّمنا أنَّ المراد من النَّحر ما هو أعمُّ، لكنَّ وجوبَه خاصٌّ به، فيختصُّ وجوب (٣) صلاة العيد به، سلَّمنا الكلَّ، وهو أنَّ الأمر الأوَّل غير خاصٍّ به، والأمر الثَّاني خاصٌّ، لكن لا نسلِّم أنَّ الأمر للوجوب، فنحمله على النَّدب جمعًا بينه وبين الأحاديث الأخر، سلَّمنا جميع ذلك، لكنَّ صيغة: ﴿فَصَلِّ﴾ خاصَّةٌ به، فإن حُمِلَت عليه وعلى أمَّته وجب إدخال الجميع، فلمَّا دلَّ الدَّليل على إخراج بعضهم - كما زعمتم (٤) - كان ذلك قادحًا في القياس، قاله البساطيُّ. (ثُمَّ نَرْجِعَ) بالنَّصب عطفًا على: «نصلِّيَ»، وبالرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: نحن نرجع (فَنَنْحَرَ) بالنَّصب (فَمَنْ فَعَلَ) بأن ابتدأ بالصَّلاة، ثمَّ رجع، فنحر (فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا) قال الزَّين بن المُنَيِّر: فيه إشعارٌ بأنَّ الصَّلاة (٥) ذلك اليوم هي الأمر المهمُّ، وأنَّ ما سواها من الخطبة والنَّحر وغير ذلك من أعمال البرِّ يوم العيد فبطريق التَّبع، وهذا القدر مشتركٌ بين العيدين، وبذلك تحصل المناسبة بين الحديث والتَّرجمة من حيث إنَّه قال فيها: العيدين، بالتَّثنية، مع أنَّه لا يتعلَّق إلَّا بعيد النَّحر.
ورواة الحديث: الأوَّل بصريٌّ، والثَّاني واسطيٌّ، والثَّالث والرَّابع كوفيَّان، وأخرجه المؤلِّف في «العيدين» [خ¦٩٦٥] أيضًا، وفي «الأضاحي» [خ¦٥٥٤٥] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٧٣]، ومسلمٌ في «الذَّبائح»، وأبو داود في «الأضاحي»، وكذا التِّرمذيُّ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الصَّلاة» و «الأضاحي».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهَا: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ، فَقَامَ لِي ثُمَّ قَالَ: حَسْبُكَ؟ قُلْتُ: لَا تَعْجَلْ.
قَالَتْ: وَمَا بِي حُبُّ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَبْلُغَ النِّسَاءَ مُقَامُهُ لِي وَمَكَانِي مِنْهُ، وَزَادَ فِي النِّكَاحِ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ: فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ، وَقَوْلُهَا: اقْدُرُوا بِضَمِّ الدَّالِ مِنَ التَّقْدِيرِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَأَشَارَتْ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ شَابَّةً، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنِ ادَّعَى نَسْخَ هَذَا الْحُكْمِ وَأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ كَمَا تَقَدَّمَتْ حِكَايَتُهُ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ، وَرُدَّ بِأَنَّ قَوْلَهَا: يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْحِجَابِ، وَكَذَا قَوْلُهَا: أَحْبَبْتُ أَنْ يَبْلُغَ النِّسَاءَ مُقَامُهُ لِي مُشْعِرٌ بِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ لَهَا ضَرَائِرُ، أَرَادَتِ الْفَخْرَ عَلَيْهِنَّ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْدَ بُلُوغِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ الْحَبَشَةِ، وَكَانَ قُدُومُهُمْ سَنَةَ سَبْعٍ، فَيَكُونُ عُمْرُهَا حِينَئِذٍ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ شَيْءٌ نَحْوُ هَذَا، وَالْجَوَابُ عَنْهُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ اللَّعِبِ بِالسِّلَاحِ عَلَى طَرِيقِ التَّوَاثُبِ لِلتَّدْرِيبِ عَلَى الْحَرْبِ وَالتَّنْشِيطِ عَلَيْهِ، وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ جَوَازُ الْمُثَاقَفَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ تَمْرِينِ الْأَيْدِي عَلَى آلَاتِ الْحَرْبِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَفِيهِ جَوَازُ نَظَرِ النِّسَاءِ إِلَى فِعْلِ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُكْرَهُ لَهُنَّ النَّظَرُ إِلَى الْمَحَاسِنِ وَالِاسْتِلْذَاذِ بِذَلِكَ، وَمِنْ تَرَاجِمِ الْبُخَارِيِّ عَلَيْهِ: بَابُ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الْحَبَشِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَمَّا النَّظَرُ بِشَهْوَةٍ وَعِنْدَ خَشْيَةِ الْفِتْنَةِ فَحَرَامٌ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ.
وَأَجَابَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ بُلُوغِ عَائِشَةَ، وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا فِيهِ، قَالَ: أَوْ كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ بِحِرَابِهِمْ لَا إِلَى وُجُوهِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ، وَإِنْ وَقَعَ بِلَا قَصْدٍ أَمْكَنَ أَنْ تَصْرِفَهُ فِي الْحَالِ، انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ فَوَائِدِهِ فِي أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ. وَسَيَأْتِي بَعْدَ سِتَّةِ أَبْوَابٍ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ هَذَا الْبَابَ وَالْبَابَ الْآتِيَ هُنَاكَ حَيْثُ قَالَ بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ حَمْلِ السِّلَاحِ فِي الْعِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣ - بَاب سُنَّةِ الْعِيدَيْنِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ
٩٥١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، عَنْ الْبَرَاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا
[الحديث ٩٥١ - أطرافه في: ٦٦٧٣. ٥٥٦٣. ٥٥٦٠. ٥٥٥٧. ٥٥٥٦. ٥٥٤٥. ٩٨٣. ٩٧٦. ٩٦٨. ٩٦٥. ٩٥٥]
٩٥٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا.
قَوْلُهُ: (بَابُ سُنَّةِ الْعِيدِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَقَدِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي الْمُسْتَخْرَجِ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَزَادَ أَبُو ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ فِي أَوَّلِ التَّرْجَمَةِ: الدُّعَاءُ فِي الْعِيدِ قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ أَرَاهُ تَصْحِيفًا، وَكَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ اللَّعِبُ فِي الْعِيدِ، يَعْنِي: فَيُنَاسِبُ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَهُوَ الثَّانِي مِنْ حَدِيثَيِ الْبَابِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ الدُّعَاءَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ يُؤْخَذُ حُكْمُهُ مِنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لحديث البراء الآتي [خ¦٩٥١]-إن شاء الله تعالى- في قوله: «يخطب»، فإنَّ الخطبة تشتمل على الدُّعاء كغيره، وقد روى ابن عديٍّ من حديث واثلة: أنَّه لقي النَّبيَّ ﷺ يوم عيدٍ، فقال (١): تقبَّل الله منَّا ومنك، فقال: «نعم، تقبَّل الله منَّا ومنك» لكنَّ في إسناده محمَّد بن إبراهيم الشَّاميُّ، وهو ضعيفٌ، وقد تفرَّد به مرفوعًا، وخُولِف فيه، فروى البيهقيُّ من حديث عبادة بن الصَّامت: أنَّه سأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «ذاك فعل أهل الكتابين» وإسناده ضعيفٌ أيضًا، لكن في «المَحامِليَّات» بإسنادٍ حسنٍ عن جُبَيْر بن نُفَيْرٍ: أنَّ أصحاب النَّبيِّ ﷺ كانوا إذا التقَوا يوم العيد يقول بعضهم لبعضٍ: تقبَّل الله منَّا ومنك. وقد ضُرِبَ في «اليونينيَّة» على قوله: «الدُّعاء في العيد»، وهو ساقطٌ في رواية ابن عساكر، وقال ابن رُشَيْدٍ: أراه تصحيفًا، وكأنَّه كان فيه: «اللَّعب في العيد» أي: فيناسب حديث عائشة الثَّاني من حديثَي الباب.
وللأكثرين -وعزاه في الفرع لرواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي (٢) -: «باب سُنَّةِ العِيدَيْنِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ» وعليه اقتصر الإسماعيليُّ في «المستخرج» وأبو نُعيمٍ. وقيَّد بـ «أهل الإسلام» إشارةً إلى أنَّ سنَّة أهل (٣) الإسلام في العيد خلاف ما يفعله غير أهل الإسلام في أعيادهم.
٩٥١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابن منهالٍ، السَّلميُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (زُبَيْدٌ) بضمِّ الزَّاي وفتح المُوحَّدة، ابن الحارث اليامِيُّ
الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ) بفتح الشِّين المعجمة وسكون العين المهملة، عامر بن شراحيل (عَنِ البَرَاءِ) بن عازبٍ ﵁ (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ) حال كونه (يَخْطُبُ فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ به مِنْ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي و (١) المُستملي «في» (يَوْمِنَا هَذَا) يوم عيد (٢) النَّحر (أَنْ نُصَلِّيَ) صلاة العيد، أي: أوَّل ما يكون الابتداء به في هذا اليوم الصَّلاة الَّتي بدأنا بها، فعبَّر بالمستقبل عن الماضي. وفي رواية محمَّد بن طلحة عن زُبَيْدٍ، الآتية -إن شاء الله تعالى- في هذا الحديث بعينه (٣) [خ¦٩٧٦]: خرج ﵊ يوم أضحًى إلى البقيع، فصلَّى ركعتين، ثمَّ أقبل علينا بوجهه الشَّريف وقال: «إنَّ أوَّل نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصَّلاة، ثمَّ نرجع فننحر» (٤)، وأوَّل عيدٍ صلَّاه النَّبيُّ ﷺ عيد الفطر، في (٥) السَّنة الثَّانية من الهجرة.
وقد اختُلِف في حكم صلاة العيد بعد إجماع الأمَّة على مشروعيَّتها، فقال أبو حنيفة ﵀: واجبةٌ على الأعيان، وقال المالكيَّة والشَّافعيَّة: سنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، وقال أحمد وجماعةٌ: فرضٌ على الكفاية، واستدلَّ الأوَّلون بمُواظَبته ﵊ عليها من غير تركٍ، واستدلَّ المالكيَّة والشَّافعيَّة بحديث الأعرابيِّ في «الصَّحيحين» [خ¦٤٦]: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلَّا أن تَطَوَّع»، وحديث: «خمس صلواتٍ كتبهنَّ الله في اليوم واللَّيلة» [خ¦٤٦] وحملوا ما نقله المزنيُّ عن الشَّافعيِّ: أنَّ (٦) من وجب عليه الجمعة وجب عليه حضور العيدين، على التَّأكيد، فلا إثم ولا قتال بتركها (٧)، واستدلَّ الحنابلة بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] وهو يدلُّ على
الوجوب، وحديث الأعرابيِّ يدلُّ على أنَّها لا تجب على كلِّ واحدٍ (١)، فتعيَّن أن يكون (٢) فرضًا على الكفاية، وأُجيب بأنَّا لا نسلِّم أنَّ المراد بقوله: ﴿فَصَلِّ﴾ صلاة العيد، سلّمنا ذلك، لكنَّ ظاهره يقتضي وجوب النَّحر، وأنتم لا تقولون به، سلَّمنا أنَّ المراد من النَّحر ما هو أعمُّ، لكنَّ وجوبَه خاصٌّ به، فيختصُّ وجوب (٣) صلاة العيد به، سلَّمنا الكلَّ، وهو أنَّ الأمر الأوَّل غير خاصٍّ به، والأمر الثَّاني خاصٌّ، لكن لا نسلِّم أنَّ الأمر للوجوب، فنحمله على النَّدب جمعًا بينه وبين الأحاديث الأخر، سلَّمنا جميع ذلك، لكنَّ صيغة: ﴿فَصَلِّ﴾ خاصَّةٌ به، فإن حُمِلَت عليه وعلى أمَّته وجب إدخال الجميع، فلمَّا دلَّ الدَّليل على إخراج بعضهم - كما زعمتم (٤) - كان ذلك قادحًا في القياس، قاله البساطيُّ. (ثُمَّ نَرْجِعَ) بالنَّصب عطفًا على: «نصلِّيَ»، وبالرَّفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: نحن نرجع (فَنَنْحَرَ) بالنَّصب (فَمَنْ فَعَلَ) بأن ابتدأ بالصَّلاة، ثمَّ رجع، فنحر (فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا) قال الزَّين بن المُنَيِّر: فيه إشعارٌ بأنَّ الصَّلاة (٥) ذلك اليوم هي الأمر المهمُّ، وأنَّ ما سواها من الخطبة والنَّحر وغير ذلك من أعمال البرِّ يوم العيد فبطريق التَّبع، وهذا القدر مشتركٌ بين العيدين، وبذلك تحصل المناسبة بين الحديث والتَّرجمة من حيث إنَّه قال فيها: العيدين، بالتَّثنية، مع أنَّه لا يتعلَّق إلَّا بعيد النَّحر.
ورواة الحديث: الأوَّل بصريٌّ، والثَّاني واسطيٌّ، والثَّالث والرَّابع كوفيَّان، وأخرجه المؤلِّف في «العيدين» [خ¦٩٦٥] أيضًا، وفي «الأضاحي» [خ¦٥٥٤٥] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٧٣]، ومسلمٌ في «الذَّبائح»، وأبو داود في «الأضاحي»، وكذا التِّرمذيُّ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الصَّلاة» و «الأضاحي».