الإسلام > فتاوى > اداب > الذي لم نعثر له على جواب حتى الآن؛ هو كيف ينظر فقهاء المسلمين إلى ال…
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
عما ذكره هنا إلى نهاية بحثه المشار إليه أن يقال: إنما نظر الفقهاء من سائر علماء المسلمين في أمر الفائدة،
وعلقوا بها التحريم؛
لأن الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناطت بها التحريم،
وهي أحاديث مستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا مغمز فيها،
وهي تدل دلالة صريحة قطعية على أن بيع المال الربوي بجنسه مع أي زيادة،
ولو قلت ربا صريح محرم ولكن الكاتب إبراهيم المذكور هداه الله وألهمه رشده أعرض عنها كلها ولم يلتفت إليها،
وإنما تكلم على الربا المجمل الوارد في القرآن الكريم،
وحاول بكل ما استطاع أن يحصر الربا في مسألة واحدة وهي: ما إذا أعسر المدين واتفق مع الدائن على إمهاله بفائدة معينة.
هذا ملخص بحثه،
وما سوى ذلك فقد حاول في هذا البحث إلحاقه بقسم الحلال لحاجة الناس بزعمه إلى ذلك،
وأن هذا
هو الذي تقوم به المصارف،
وزعم أن الحاجة داعية إلى ذلك،
وأن مصالح العباد لا تتم إلا بهذه المعاملات الربوية التي تستعملها البنوك،
وقد تعلق بأشياء مجملة من كلام الموفق ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم رحمهم الله جميعا فيما ذكروه عن المصلحة،
وأن الشرع الشريف لا يمنع تحقيق المصالح التي تنفع المسلمين بدون ضرر على أحد ولا مخالفة لنص من الشرع المطهر،
وهذا كله لا حجة له فيه؛
لأن المصالح التي أراد هؤلاء الأئمة وأمثالهم تحقيقها إنما أرادوا ذلك حيث لا مانع شرعي يمنع من ذلك،
وذلك في المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها يوضح الحكم الشرعي،
وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم على تحريم ربا الفضل وعلى تحريم ربا النسيئة،
وذكر بعض أهل العلم أن تحريم ربا الفضل من باب تحريم الوسائل؛
لأن عاقلا لا يبيع شيئا بأكثر منه من جنسه يدا بيد،
وإنما يكون ذلك إذا كان أحد العوضين مؤجلا أو كان أحدهما أنفس من الآخر،
ولهذا لما باع بعض الصحابة رضي الله عنهم صاعين من التمر الرديء بصاع واحد من التمر الطيب؛
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أوه عين الربا عين الربا لا تفعل » الحديث
متفق عليه وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل،
ولا تشفوا بعضها على بعض،
ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل،
ولا تشفوا بعضها على بعض،
ولا تبيعوا منها غائبا بناجز » . وفي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الذهب بالذهب،
والفضة بالفضة،
والبر بالبر،
والشعير بالشعير،
والتمر بالتمر،
والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء،
يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد » والأحاديث في هذا المعنى كثيرة في الصحيحين وغيرهما.
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه: «إنما الربا في النسيئة » فالمراد به عند أهل العلم معظم الربا وليس مراده صلى الله عليه وسلم كل أفراد الربا؛
للحديثين السابقين وما جاء في معناهما
من الأحاديث الصحيحة،
وقد علم أن المعاملات الربوية تجمع بين ربا الفضل وربا النسيئة،
فإن المودع بالفائدة قد جمع هو وصاحب البنك بين الأمرين وهما النسيئة والفائدة فباءا بإثم المعاملتين.
وأما كون المرابي الباذل للفائدة قد يكون محتاجا فهذا ليس هو الموجب للتحريم وحده،
بل قد جمع هذا العقد بين الربا وبين ظلم المعسر بتحميله الفائدة،
وقد عجز عن الأصل،
وبذلك تكون المعاملة على هذا الوجه أعظم تحريما وأشد إثما؛
لأن الواجب إنظاره وعدم تحميله ما حرم الله من الربا،
وأما اشتراك الدائن والمدين في الانتفاع بالمعاملة الربوية،
وأن كل واحد منهما يحصل منها على فائدة فهذا الاشتراك لا ينقل المعاملة من التحريم إلى الحل،
ولا يجعلهما معاملة شرعية يباح فيها الربا؛
لأن الشارع الحكيم لم يلتفت إلى ذلك بل حرم الفائدة تحريما مطلقا،
ونص على ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة؛
منها ما تقدم،
ولو كان انتفاع المدين بالفائدة يحلها لنص عليه المولى سبحانه وبينه في كتابه الكريم أو على لسان رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم،
وقد قال الله عز وجل في سورة النحل:
{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم،
وينذرهم شر ما يعلمه لهم » ومعلوم أن نبينا صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل وأكملهم بلاغا وأتمهم بيانا فلو كانت المعاملة بالفائدة المعينة جائزة إذا كان المدين ينتفع بها لبينها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وأوضح لهم حكمها،
فكيف وقد بين صلى الله عليه وسلم في صريح أحاديثه تحريمها والتحذير منها والوعيد على ذلك،
وقد علم أن السنة الصحيحة تفسر القرآن وتدل على ما قد يخفى منه كما قال تعالى في سورة النحل:
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}
وقال عز وجل:
{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وأما ما نقله عن الشيخ رشيد رضا في إجازته الربا في صندوق التوفير فهو غلط منه،
ولا يجوز أن يعول عليه والحجة قائمة عليه وعلى غيره من كل من يحاول مخالفة النصوص
برأيه واجتهاده،
وقد تقرر في الأصول أنه لا رأي لأحد ولا اجتهاد لأحد مع وجود النص،
وإنما محل الرأي والاجتهاد في المسائل التي لا نص فيها فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر إذا كان أهلا للاجتهاد،
واستفرغ وسعه في طلب الحق؛
لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران،
وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر » متفق على صحته.
من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه،
وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه مثله.
أما المسائل التي نص على حكمها القرآن الكريم أو الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته فليس لأحد أن يجتهد في مخالفة ما دل عليه النص،
بل الواجب التمسك بالنص وتنفيذ مقتضاه بإجماع أهل العلم.
والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
رابعا: ثم قال الكاتب الدكتور إبراهيم في نهاية البحث ما نصه: "وخلاصة البحث بعد هذه المقارنة الواضحة بين الربا الذي ورد تحريمه في القرآن الكريم وبين المعاملات المصرفية يتضح لنا أن المعاملات المصرفية تختلف تماما عن
الأعمال الربوية التي حذر منها القرآن الكريم؛
لأنها معاملات جديدة لا تخضع في حكمها للنصوص القطعية التي وردت في القرآن الكريم بشأن حرمة الربا،
ولهذا يجب علينا النظر إليها من خلال مصالح العباد وحاجاتهم المشروعة اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في إباحته بيع (السلم) رغم ما فيه من بيع غير موجود،
وبيع ما ليس عند البائع مما قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأصل،
وقد أجمع العلماء على أن إباحة "السلم" كانت لحاجة الناس إليه،
وهكذا فقد اعتمد العلماء على "السلم"
وعلى أمثاله من نصوص الشريعة في إباحة الحاجات التي لا تتم مصالح الناس في معاشهم إلا بها.
و
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.