الإسلام > فتاوى > حديث > ما حكم تخصيص ليلة النصف من شعبان بشيء من العبادات؟ وهل ورد بفضلها حد…
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
الحمد لله رب العالمين،
والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه والتابعين.
أما بعد: فجواباً عن سؤالكم عن ليلة النصف من شعبان،
وعن مدى صحة ما ورد في فضلها،
أقول وبالله التوفيق:
لقد رُويت أحاديث متعددة في فضيلة ليلة النصف من شعبان،
وأحاديث في فضل تخصيصها بصلاة أو عبادة معينة.
أما الثاني: (وهو ما ورد في تخصيصها بصلاة أو عبادة) فلم يصحّ فيها شيء،
بل كلها أحاديث موضوعة وباطلة،
وحَكَمَ ببطلانها جمعٌ من أهل العلم،
منهم ابن الجوزي في كتابه الموضوعات (٢/٤٤٠ - ٤٤٠-٤٤٥ رقم ١٠١٠-١٠١٤) ،
والبيهقي في الشعب (٣٨٤١) ،
وأبو الخطاب ابن دحية في أداء ما وجب (٧٩-٨٠) ،
وابن قيم الجوزية في المنار المنيف (١٧٤-١٧٧) ،
وأبو شامة الشافعي في الباعث على إنكار البدع والحوادث (١٢٤-١٣٧) ،
والعراقي في تخريج إحياء علوم الدين ،
ونقل شيخُ الإسلام الاتفاق على بطلان الصلاة المسماة بالألفية كما في اقتضاء الصراط المستقيم (٢/١٣٨) .
وهذا أمرٌ لا يخفى على أحدٍ من أهل العلم: أن تخصيص ليلة النصف من شعبان بصلاة لم يرد فيه حديثٌ صحيح ولا حسنٌ ولا ضعيف خفيفُ الضعف،
بل ما ورد فيه كله موضوع مكذوب على نبينا - صلى الله عليه وسلم-.
أمّا ما ورد في فضلها مطلقاً،
فقد ورد فيه أحاديث اختلف فيها أهلُ العلم قديماً وحديثاً،
وجَمَع كثيرٌ من الحفاظ طُرُقها،
وخصها بعضهم بالتصنيف كأبي عبد الله ابن الدُّبَيْثي (ت٦٣٧ه) .
فقد ورد فيها الحديث من حديث معاذ بن جبل،
وعائشة،
وأبي ثعلبة الخشني،
وعثمان بن أبي العاص،
وأبي موسى الأشعري،
وعلي بن أبي طالب،
وعبد الله بن عمر،
وأبي هريرة،
وعبد الله بن عَمرو،
وعوف بن مالك،
وأُبيّ بن كعب،
وأبيّ أمامة،
وأبيّ بكر الصديق – رضي الله عنهم أجمعين -،
ومراسيل لغيرهم.
واستيعاب الكلام عن طرقها وعللها لا يُناسبُ هذا المقام،
وتَرْكُ ذلك بالكلية لا يُوضَّح الحق ولا يُقربُ إلى الصواب،
لذلك رأيت أن أكتفي بالكلام عن أشهر طرقها باختصار،
ثم يُقاسُ عليها ما هو أشد ضعفاً منها.
أولاً: حديث معاذ بن جبل – رضي الله عنه -،
عن النبي –صلى الله عليه وسلم-،
قال: يطّلعُ اللهُ ليلة النصف من شعبان إلى خلقه،
فيغفر لجميع خلقه،
إلا لمشرك أو مشاحن ".
أخرجه ابن حبان في صحيحه (٥٦٦٥) ،
وغيره فانظر تخريجه في حاشية تحقيقه،
وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة (١١٤٤) .
لكن الحديث وقع فيه اضطراب كثير في إسناده،
جعله من حديث أبي ثعلبة الخشني مَرّة (وانظر السلسة الصحيحة) ،
ومن حديث أبي إدريس الخولاني مرسلاً،
وعن كثير بن مُرّة مرسلاً،
وعن مكحول مرسلاً.
وكلها مرجعها إلى إسناد واحد اضطُرب فيه هذا الاضطراب.
بيَّن ذلك ووضّحه غاية الوضوح الدارقطني في العلل (٦/٥٠-٥١ رقم ٩٧٠) ،
وقال أثناء ذلك عن روايتيه من حديث معاذ بن جبل: "وكلاهما غير محفوظ ".
وقال عن الحديث بعد إيراده لطرقه السابقة: "والحديث غير ثابت ".
وخصَّ الدارقطني في موطن آخر من علله (٦/٣٢٣-٣٢٤ رقم ١١٦٩) حديث أبي ثعلبة بالذكر،
ثم قال بعد عرْضِ طُرُقه: "والحديث مضطرب غير ثابت ".
بل لقد قال أبو حاتم الرازي - وحسبك به- عن حديث معاذ بن جبل: "هذا حديث منكر بهذا الإسناد " العلل لابن أبي حاتم (٢٠١٢) .
وبذلك ظهر أن حديث معاذ وأبي ثعلبة حديثان شديدا الضعف،
لا ينفعان في باب الاعتبار،
أي لا يرتقيان بالمتابعات والشواهد.
ثانياً: حديث عائشة – رضي الله عنها – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال لها حين افتقدته فوجدته في البقيع – في حديث -: "إن الله – عز وجل – ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا،
فيغفر لأكثر من عدد شَعْرِ غنم كَلْب " . أخرجه الإمام أحمد (٢٦٠١٨) ،
والترمذي ،
وابن ماجة (١٣٨٩) من طريق الحجاج بن أرطاة عن يحيى بن أبي كثير،
عن عروة،
عن عائشة به
ثم قال الترمذي عقبه: "حديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الحجاج وسمعتُ محمداً (يعني: البخاري) يُضعّفُ هذا الحديث،
وقال: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة،
والحجاج لم يسمع من يحيى " فهو إسنادٌ ضعيفٌ،
ويشير كلام البخاري إلى ضعف الحديث من جميع وجوهه؛
لأنه ضعّف الحديث لا الإسناد وحده.
ولمّا عَرَضَ الدارقطني لعلل حديث عائشة هذا في العلل – المخطوط – (٥/ق٥١/أ-ب) ،
وبيّن الاضطراب فيه،
وأنه رُوي من وجه آخر عن حجاج بن أرطاة عن كثير بن مُرّة الحضرمي مرسلاً،
ثم قال: "وإسناد الحديث مضطرب غير ثابت" .
لذلك فقد صرح أبو عبد الله الحاكم النيسابوري بالصواب في هذا الحديث بقوله: "إنما المحفوظ هذا الحديث من حديث الحجاج بن أرطاة عن يحيى بن أبي كثير مرسلاً" شعب الإيمان للبيهقي (٣٨٢٤،
٣٨٢٥،
٣٨٣٠،
٣٨٣١) وللحديث عللٌ أخرى أبانها عَمرو عبد المنعم سليم في تحقيقه لكتاب ابن الدُّبَيْثي (٥٤-٦٦) .
بل لقد أشار الدارقطني إلى أن مرجع حديث عائشة إلى حديث مكحول الشامي السابق ذكره في حديث معاذ،
وهذا ما مال إليه البيهقي في الشعب (٣/٣٨٢،٣٨٣ رقم ٣٣٨٣،
٣٨٣٥) ،
وقد نقل ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٥٦١ رقم ٩٢١) عن الدارقطني أنه قال: "وقد رُوي من حديث معاذ ومن حديث عائشة،
وقيل إنه من قول مكحول،
والحديث غير ثابت" .
فعادت أحاديث معاذ وأبي ثعلبة وعائشة إلى أنها حديث واحد،
مآله إلى أنه كلام لمكحول الشامي!!!
.وبذلك تعرفُ الخطأ الجسيم لمن اعتبر هذه الروايات روايات متعددة يَتَقَّوى بها الحديث.
ثالثاً: حديث عبد الله بن عمرو،
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "يطّلع الله عز وجل إلى خَلْقه ليلة النصف من شعبان،
فيغفر لعباده إلا لاثنين: مشاحنٍ وقاتل نفس" أخرجه الإمام أحمد (٦٦٤٢) ،
قال: "حدثنا حسن: حدثنا ابن لهيعة: حدثنا حُيَي بن عبد الله،
عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِيّ،
عن عبد الله بن عَمرو به.
ذكر هذا الإسناد الألباني - رحمه الله - في السلسة الصحيحة (٣/١٣٦) ،
وقال: "هذا إسنادٌ لا بأس به في المتابعات والشواهد ".
ولعل هذا من الألباني - رحمه الله - لاعتماده على أن الحافظ ابن حجر قال عن حُيَيّ بن عبد الله: "صدوق.....
".
ومع أن حُييّ هذا ممن اختُلف فيه،
كما تجده في التهذيب (٣/٧٢) ،
فالأهم من ذلك أن أحاديث ابن لهيعة عنه بالإسناد المذكور آنفاً مناكير،
كما بيّن ذلك ابنُ عدي في ترجمة حيي بن عبد الله في الكامل (٢/٤٥٠) ،
حيث ذكر بضعة أحاديث لابن لهيعة عن حُيَيّ عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عَمرو،
ثم قال: "وبهذا الإسناد حدثناه الحسن عن يحيى عن ابن لهيعة بضعة عشر حديثاً عامتها مناكير".
وابن عدي يُعلّق نكارة هذه الأحاديث بابن لهيعة،
لإحسانه الظن بحُيي بن عبد الله.
وقد ذكر الألباني لابن لهيعة متابعاً،
هو رشدين بن سعد،
فلو سلم الإسناد إليه،
فهو ضعيف،
ولا يحتمل ضَعْفُهُ مثل هذا الحديث؛
هذا إن لم تكن نكارةُ الحديث من قِبَلِ شيخهما حُيي بن عبد الله!
ثم إن ابن لهيعة قد اضطرب في هذا الحديث،
فمرةً يرويه كما سبق،
ومَرّةً يرويه من حديث أبي موسى الأشعري (سنن ابن ماجة ١٣٩٠،
١٣٩١) ومرّة يرويه عن عوف بن مالك (مسند البزار ٧/١٨٦ رقم ٢٧٥٤) وقد ذكر الألباني - رحمه الله - اضطراب ابن لهيعة هذا،
في السلسة الصحيحة (١٥٦٣) والغريب أن حديث ابن لهيعة المشار إليه أخيراً مرويٌّ من طريق كثير بن مُرّة الحضرمي،
وقد سبق بيانُ أنّ أحدَ طرق حديث مكحول ترجع إلى أنه من حديثه عن كثير بن مُرّة فهل نعود إلى أن حديث ابن لهيعة يعود إلى حديث مكحول أيضاً؟!
(وانظر السلسلة الصحيحة ٣/١٣٧-١٣٨) هذا مع ما في حديث أبي موسى وعوف بن مالك من العلل الأخرى الإسنادية سوى اضطرابه المشار إليه.
وبهذا كله يتضح أنّ هذه الطرق شديدة الضعف غير صالحةٍ للتقوَّي.
رابعاً: حديث أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ينزل الله - عز وجل - ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لكل شيء إلا الإنسان في قلبه شحناء،
أو مشرك بالله " أخرجه البزار (١/١٥٧-١٥٨،
٢٠٦-٢٠٧ رقم ٨٠) وابن خزيمة في التوحيد (١/٣٢٥-٣٢٧ رقم ٢٠٠) ،
من طريق ضعّفها جمعٌ من أهل العلم،
منهم البخاري،
وأبو حاتم الرازي،
والعقيلي،
وابن عدي،
والبزار،
وغيرهم - انظر التاريخ الكبير للبخاري (٥/٤٢٤-٤٢٥) والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٨/٣٠٦-٣٠٧) والضعفاء للعقيلي (٣/٧٨٨-٧٨٩) ،
والكامل لابن عدي (٥/٣٠٩) .
ولا يظنّنّ أحدٌ أن ابن خزيمة قد صححه بإخراجه في (التوحيد) الذي اشترط فيه الصحة،
فإن ابن خزيمة قد أشار إلى ضعفه بتعليقه الإسناد أوّلاً ثم بتأخير ذكر إسناده عقب إيراده للمتن،
وهذا اصطلاحٌ له في كتابه الصحيح والتوحيد ذكره هو عن نفسه في التوحيد (٢/٦٣٧) ،
ونص عليه الحافظ ابن حجر في مواضع من إتحاف المهرة (٢/٣٦٥ رقم ١٩٠٥) ومن بين أحكام العلماء على هذا الإسناد حُكْمُ ابن عدي عليه بأنه منكر،
والمنكر من أقسام الحديث الشديد الضعف الذي لا يصلح للتَّقوَّي.
هذه أشهر أسانيد أحاديث فضل ليلة النصف من شعبان الواردة في مشاهير كتب السنّة،
ويبقى سواها أحاديث أخرى سبقت الإشارة إليها مقدمة هذا
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.