الإسلام > فتاوى > حديث > كيف يمكن الحكم بموافقة الإمام الذهبي من عدمها لتصحيح الإمام الحاكم ف…
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
الحمد لله،
والصلاة والسلام على رسول الله،
وعلى آله وصحبه،
ومن والاه.
أما بعد..
أقول وبالله التوفيق: إن الإمام الذهبي قد قام باختصار (المستدرك) ،
كما قام باختصار كتب أخرى كثيرة،
والأصل في الاختصار ألاّ يكون فيه إضافة من مختصره،
بل يقتصر على بعض ما في أصله،
دون زيادة،
لكن الإمام الذهبي لم يكن يخلي مختصراته من تعقبات وفوائد ينشرها في الكتاب،
وهي خارجة عن أصل شرط الكتاب،
بل هي فضلة يتبرع بها الذهبي على المستفيدين،
فتأتي هذه الإضافات على غير قاعدة مطردة،
بل تأتي كيفما اتفق وتيسَّر.
أضف إلى ذلك الأصل: أن الذهبي لم يذكر عبارة صريحة بأنه إن نقل حكم الحاكم وسكت عليه يكون موافقاً له،
أو أنه لا يكون مخالفاً له إلا إذا تعقب حكمه!
ونسبة رأي إلى الذهبي
لا بد أن يكون متيقناً أو غالباً على الظن،
أما والظن الغالب بخلاف تلك النسبة،
فلا تصح.
وواضح من خلال كتاب الذهبي أنه إنما ينقل عقب كل حديث حكم الحاكم عليه،
ثم إذا أراد أن يتعقبه قدم التعقب بقوله: (قلت) ،
وعلى هذا فكل ما خلا عن كلمة (قلت) ،
فليس هو إلا رأي الحاكم.
أما الاستدلال بتعقيب الذهبي على أن سكوته يدل على الإقرار،
فهو استدلال ضعيف؛
لأنه خلاف الأصل في عمل المختصر،
الذي لا يعدو سكوته أن يكون نقلاً لما في الأصل.
ويدل على أن الذهبي لم يلتزم التعقب في كل ما يخالف فيه الحاكم - سوى ما سبق- الأمور التالية:
-قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" في ترجمة الحاكم،
مجلد (٤٠١ه- ٤٢٠ه) - ،
وهو يتحدث عن (المستدرك) : "ففي المستدرك جملة وافرة على شرطهما،
وجملة كبيرة على شرط أحدهما.
لعل مجموع ذلك نحو النصف،
وفيه نحو الربع مما صح سنده وفيه بعض الشيء،
أو له علة.
وما بقي،
وهو نحو الربع،
فهو مناكير وواهيات لا تصح،
وفي بعض ذلك موضوعات،
قد أعلمت بها لما اختصرت هذا المستدرك،
ونبهت على ذلك" .
فهذا النص يدل على أن الذهبي لم يعتن ببيان كل الواهيات،
وإنما اعتنى بالتعليق على بعضها،
وخاصة الموضوعات.
ألا ترى أنه ذكر أن ربع الكتاب مناكير وواهيات،
في حين أنه لم يتعقب إلا قدر ثمن الكتاب،
حيث إن عدد أحاديث الحاكم يبلغ (٩٠٤٥) ،
وعدد تعقبات الذهبي (١١٨٢) حديثاً،
في حين أن ربع أحاديث كتاب الحاكم هو (٢٢٦١) ،
وهذه الإحصائية مستفادة من مقدمة تحقيق مختصر استدراك الذهبي لابن الملقن (٨/٩) ،
وبناءً على ذلك فإن الذهبي كان يعلم بوجود ضِعْفِ الأحاديث التي تعقبها في المستدرك من الواهيات،
وقد سكت عنها؛
فهل يصح أن نعتبر سكوته بعد ذلك إقراراً؟
بل إن ربع المستدرك عند الذهبي -سوى الربع الأول-،
أحاديث ظاهرها الصحة،
ولها علل خفية تقدح في صحتها،
وعلى هذا: فالذهبي كان يعلم أنه لم يتعقب إلا قدر ربع الأحاديث المنتقدة عنده هو،
فكيف يعتقد أن سكوته إقرار وموافقة بعد ذلك؟!!
ومما يشهد لذلك أيضاً: انتقاد الذهبي لغيرما حديث في المستدرك،
في غير المختصر من كتبه الأخرى،
مع سكوته عنه في المختصر،
ومن ذلك:
فلما صحح الحاكم حديثا (١/٥٤٤-٥٤٥) ،
وسكت عنه الذهبي في المختصر،
ذكره في الميزان (١/١٣٦ رقم ٥٤٧) حاكماً عليه بالبطلان،
ثم قال: "قال الحاكم: صحيح الإسناد.
قلت: كلا.
قال: فرواته كلهم مدنيون.
قلت: كلا.
قال: ثقات.
قلت: أنا أتهم به أحمد" .
وصحح الحاكم حديثاً آخر (٢/٥٤٥) ،
وسكت عنه الذهبي في المختصر،
لكنه قال في الميزان (٣/١٧٩ رقم ٦٠٤٢) : "صححه الحاكم،
وهو حديث منكر كما ترى" .
وصحح الحاكم حديثاً ثالثاً (٢/٤٩٣) ،
وسكت عنه الذهبي في المختصر،
وقال في العُلُو للعلي العظيم (١/٥٩٣ رقم ١٤٦) : "شريك وعطاء فيهما لين،
لا يبلغ بهما رد حديثهما،
وهذه بلية تحير السامع،
كتبتها استطراداً للتعجب،
وهو من قبيل اسمع واسكت" .
وبعد هذا كله،
لئن أصرَّ من فرط منه رأي سابق في هذه المسألة،
على أن سكوت الذهبي عن تعقب الحاكم إقرار منه وموافقة،
أقول له: ما قيمة هذا الإقرار؟
وقد صرح الذهبي بأن مختصره للحاكم يعوزه عمل وتحرير،
كما في السير (١٧/١٧٦) ،
وبلغ هذا الإعواز إلى حد أنه لم يتعقب إلا نحو ربع ما يستحق التعقب عنده.
إن الإصرار على ذلك الرأي إن هو إلا شين للذهبي لا زين،
وتمسك بحبل رث غير متين!!!
وهذا التقرير بأدلته -لا شك- أنه أولى من تقليد بعض أهل العلم،
الذين اعتبروا مجرد سكوت الذهبي إقراراً،
كالسيوطي في النكت البديعات ،
والمناوي في فيض القدير،
والحسيني في البيان والتعريف،
وغيرهم من العلماء المعاصرين.
والله أعلم،
والحمد لله وحده،
- وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده،
وعلى آله وصحبه ومن اتقى حده-.
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.