فألف كتابه المشهور وأورد فيه ما تبينت له صحته، وكانت الكتب قبله ممزوجًا فيها الصحيح بغيره، بحيث لا يتبين للناظر فيها درجة الحديث من الصحة إلا بعد البحث عن أحوال رواته، وغير ذلك مما هو معروف عند أهل الحديث، فإن لم يكن له وقوف على ذلك اضطر إلى أن يسأل أئمة الحديث عنه، فإن لم يتيسر له ذلك بقي ذلك الحديث مجهول الحال عنده، واقتفى أثر الإمام البخاري في ذلك الإمام مسلم بن الحجاج، وكان من الآخذين عنه والمستفيدين منه، فألف كتابه المشهور الصحيح، ولُقِّب هذان الكتابان بالصحيحين، فعظم انتفاع الناس بهما، ورجعوا عند الاضطراب إليهما، وألفت بعدهما كتب لا تحصى، فمن أراد البحث عنها فليرجع إلى مظان ذكرها. ثانيًا: اعلم- وفقك الله- أن الصحيحين كل ما فيهما مجمع على الأخذ به وتلقته الأمة بالقبول، وليس معنى ذلك أن غيرهما لا يوجد فيه أحاديث صحيحة، لذا ألف الحاكم المستدرك على الصحيحين، وقد تعقبه الذهبي، لكن الحديث إن كان في غيرهما فينبغي التحري والدقة والبحث في إسناده، والتحقق من رجاله، بخلاف الحديث الذي هو في الصحيحين. ثالثًا: لقد حرص أهل العلم على نقل السنة، ونقد ما لم يصح منها، وقد بذلوا في سبيل ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، يقول ابن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة- يعني فتنة الخوارج- قالوا: سموا لنا رجالكم. فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. ويقول عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. بل قد تعدى الأمر إلى التأليف في الأحاديث الموضوعة المكذوبة، لبيان عوجها. رابعًا: أن علينا أن نعتقد أن السنة النبوية قد نقلت إلينا نقلًا كاملًا، ولا يوجد حديث يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مفقود، أو أن هناك حديثًا لم يتعرض العلماء له بالتصحيح أو التضعيف، أو أن هناك أحاديث صحيحة اختلطت بغيرها، فخفيت على الأمة، أو غير ذلك من الشبه والأباطيل، ذلك أن حفظ السنة هو حفظ لدين الأمة، والأمة معصومة من أن تضل شيئًا من أمر دينها، سواء بضياعه منها، أو عدم إبانته للناس، وإن الشك في ذلك لهو أمر خطير ينبغي الحذر منه، وإن فتنة التتار من الكوارث التي حلت بالمسلمين، يقول ابن الأثير في الكامل: (حادثة التتار من الحوادث العظمى، والمصائب الكبرى التي عقمت الدهور عن مثلها إذ عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ خلقه الله لم يبل بمثلها. لكان صادقًا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها، ومن أعظم ما يذكرون فعل بختنصر ببني إسرائيل ببيت المقدس، فما بيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من مدن الإسلام، وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا من الأنام، فهذه الحادثة التي استطار شررها، وعم ضررها، وسارت في الدنيا سير السحاب استدبرته الريح، فإن قومًا خرجوا من أطراف الصين فقصدوا كبار المدن والقرى، فتملكوا ملكها، وأبادوا أهلها، كل ذلك في أقل من سنة، أمر لم يسمع بمثله) . لكن مع ما حصل من التتار من شر وويلات، فلا يمكن أن يتخذ مثل ذلك ذريعة إلى الدس على السنة، أو التشكيك في صحتها؛ للأدلة الصريحة على حفظ الدين، ولعصمة الأمة من أن تضل شيئًا من أمر دينها، فعلماء الأمة الذين سكنوا العراق لهم طلاب وتلامذة، من العراق وغيرها، نقلوا عنهم العلم في صدورهم وكتبهم، وتوارثته الأمة قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل إلى يومنا هذا، ولله الحمد والمنّة. وختامًا، أنصحك، أخي الكريم، بالاستزادة حول ما أثير حول السنة من شبه، و

الإسلام > فتاوى > حديث > فألف كتابه المشهور وأورد فيه ما تبينت له صحته، وكانت الكتب قبله ممزو…

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «فألف كتابه المشهور وأورد فيه ما تبينت له صحته، وكا…»

عنها في كتاب (زوابع في طريق السنة) للشيخ صلاح الدين مقبول أحمد.
والله أعلم.

👤
مصدر الفتوى وليد بن إبراهيم العجاجي
من «فتاوى واستشارات موقع الإسلام اليوم» · ص 114 · السنة النبوية وعلومها > مسائل متفرقة > هل هناك أحاديث صحيحة لم تصلنا ?!

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«فألف كتابه المشهور وأورد فيه ما تبينت له صحته، وكا…»

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد