الإسلام > فتاوى > زكاه > أرجو توضيح ما التبس علي بخصوص ولاية صرف الزكاة في سورة التوبة أنها ت…
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
اعلم أنه لا معارضة بين هذه الآيات ولا اختلاف ولا تضارب وذلك لأن قول الله تعالى
{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}
في الآية بيان للأصناف التي تصرف فيهم الزكاة،
وقوله تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} في الآية أمر من الله تعالى للنبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يأخذ من أهل الأموال التي تجب فيها الزكاة صدقة أي زكاة وفي هذه الآية دليل آخر على أن ولاية الزكاة للنبي -صلى الله عليه وسلم- ثم لمن يتولى أمور المسلمين من بعده،
كما أن هناك دليل آخر على أن ولاية الزكاة للدولة لا لأصحاب الأموال وهي قوله جل شأنه في الآية التي ذكرها السائل في كلامه هذا التي ذكرت الأصناف الثمانية التي تصرف الزكاة فيهم حيث ذكرت الآية من جملة الأصناف
{وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا}
وهم العمال الذين يتولون قبض الزكاة من أصحاب الأموال الزكوية ويسلمونها للنبي -صلى الله عليه وسلم- ثم لمن يتولى أمور المسلمين من بعده جعل الله لهم حقاً في الزكاة بل جعلهم الصنف الثالث من الأصناف الذين يصرف لهم من الزكاة وذلك إلى مقابل عملهم وهذا من الأدلة الدالة على أن ولاية الزكاة ليست إلى أصحابها بل إلى الدولة،
وهذا هو ما ذهب إليه علماء المذهب الهادوي ورجحه من المتأخرين شيخ الإسلام الشوكاني،
ومن العلماء المعاصرين الدكتور (يوسف القرضاوي) خلافاً للشافعي الذي ذهب إلى أن ولاية الزكاة إلى أصحابها لا إلى الدولة،
هذا أما قول سيد سابق وسعيد حوى وفخر الدين الرازي وغيرهم بأن
{سَبِيلِ اللَّهِ}
يدخل فيه جميع المصالح العامة فهو رأي شخصي لهم ولمن وافقهم وليس إجماعا وقد خالفهم جماعة من العلماء فخصوا
{سَبِيلِ اللَّهِ}
بالمجاهدين في سبيل الله في الحرب لأنه المتبادر من لفظة
{سَبِيلِ اللَّهِ}
ولم يدخلوا فيه المصالح العامة،
وتوسط الشيخ محمد رشيد رضى بين القولين فقال إن سبيل الله ليس عاماً لكل ما فيه مصالح عامة للمسلمين ولا هو خاص بالمجاهدين الذي يحاربون الكفار بالمعدات الحربية بل هو (في هؤلاء المجاهدين بالمعدات الحربية والأقلام وباللسان) وحديث (أَدُّوا الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ،
وَسَلُوا اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ) حديث صحيح وهو دليل على أن ولاية الزكاة إلى الدولة كما أن فيه دلالة على أن هذه الولاية لا تبطل ببطلان عدل الدولة أو بكون المسئولين فيها غير عادلين لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أمر المسلمين بأن يسلموا الزكاة الواجبة ثم يسألوا الله الذي لهم وهل يشترط في الدولة التي ستتولى على الزكاة أن تكون دولة عادلة أولا مانع أن تكون الدولة غير عادلة وهل تبرأ ذمة المزكي من الزكاة التي سيسلمها إلى الدولة ولو كانت الدولة ظالمة أو أن ظلمها لا يؤثر في مشروعية تسليم الزكاة إليها بحيث أن ذمة المزكي تصبح بريئة ولو كانت الدولة غير عادلة،
في هذه المسألة خلاف بين العلماء والذي ذهب إليه الهادوية هو الأول وهو اشتراط العدل في الدولة التي ستستلم الزكاة وقالوا إن من سلم زكاة إلى الدولة الظالمة لا تبرأ ذمته بالتسليم ولاعتبار بما يأخذه الظالم من المزكي غصباً حتى ولو وضعه في موضعه أي حتى لو صرف الزكاة في مصارفها الشرعية التي ذكرها القرآن،
والذي ذهب إليه الجمهور من العلماء هو عدم اشتراط هذا الشرط وأنه لا فرق بين أن تكون الدولة ظالمة أو عادلة في مشروعية توليها قبض الزكاة في براءة ذمة من قد سلم زكاته إليها،
وهذا المذهب الأخير هو ما تؤيده الأدلة الصحيحة من السنة النبوية على صاحبها وآلة أفضل الصلاة والسلام لأن الأدلة الدالة على أن ولاية الزكاة إلى الدولة لم تفرق بين أن تكون الدولة عادلة أم ظالمة،
ولا سيما وقد جاء في الحديث الصحيح المرفوع إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- (إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ وَتَرَوْنَ أَثَرَةً قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا يَصْنَعُ مَنْ أَدْرَكَ ذَاكَ مِنَّا؟
قَالَ: أَدُّوا الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ،
وَسَلُوا اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ) وغير هذا الحديث من الأحاديث الدالة على وجوب تسليم الزكاة إلى الدولة وأن من سلم زكاته إلى الدولة فقد برئت ذمته وحسبت له زكاة،
منها ما اخرج أحمد في مسنده عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إِذَا أَدَّيْتَهَا إِلَى رَسُولِي فَقَدْ بَرِئْتَ مِنْهَا فَلَكَ أَجْرُهَا وَإِثْمُهَا
عَلَى مَنْ بَدَّلَهَا) وهذا هو ما رجحه الشوكاني رحمه الله في (الدرر البهية وفي الدراري المضيئة وفي نيل الأوطار وفي السيل الجرار) هذا كله بالنسبة إلى ولاية الزكاة،
أما بالنسبة إلى مصارف الزكاة فقد اتفق العلماء على أن من جملة مصارف الزكاة مصرف في
{سَبِيلِ اللَّهِ}
ولكنهم اختلفوا في
{سَبِيلِ اللَّهِ}
هل يخص بالجهاد في سبيل الله فقط ولا يدخل غيره من الأشياء التي فيها مصلحة للمسلمين أم أن سبيل الله يشمل الجهاد في سبيل الله والصرف في أيِّ مصلحة من المصالح التي يحتاجها المسلمون فمن العلماء من خصص
{سَبِيلِ اللَّهِ}
بالجهاد ولم يلحق بالجهاد غيره،
وبناء عليه فلا يدخل في مصارف الزكاة عمارة المساجد أو إنارتها أو شراء مكبرات الصوت لسماع من يؤذن فيها،
ومن العلماء من جعل
{سَبِيلِ اللَّهِ}
كل ما فيه مصلحة للمسلمين وبناء عليه فيدخل في مصارف الزكاة عمارة المساجد أو إنارتها أو إصلاحها أو شراء مكبرات الصوت لسماع أذان من يؤذن فيها ومن العلماء من توسط فلم يخص سبيل الله بالجهاد أي بقتال الكفار فقط ولا وسع دائرة الجهاد إلى كل مصلحة وإلى كل ما ينفع المسلمين كعمارة المساجد ونحوها بل خصه بالجهاد ولكن جعل الجهاد بآلة الحرب أو بالأقلام أو بالألسنة فدخل فيه الدعاة إلى الله كما دخل فيه العاملون في الدفاع عن الإسلام أو الدعوة إليه والخطباء الذين يخطبون في الدعوة إلى الله أو بالدفاع عن الإسلام وخلاصة ما جاء في إجابتي ينحصر فيما يلي:
الصحيح الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة من الكتاب العزيز والسنة المطهرة هو أن ولاية الزكاة للدولة وليست لأصحابها وهذا هو ما ذهب إليه علماء المذهب الهادوي وأيده الشوكاني ويوسف القرضاوي،
والصحيح الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة أن على المزكي أن يسلم الزكاة إلى الدولة حتى ولو كانت لا تصرفها في مصرفها ومن هذه الأحاديث الصحيحة حديث (أَدُّوا الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ،
وَسَلُوا اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ) وهذا هو ما ذهب إليه الشوكاني والقرضاوي أن سبيل الله الذي تصرف فيه الزكاة فيه خلاف والمتبادر منه هو الجهاد في
{سَبِيلِ اللَّهِ}
إلا إذا لم يكن ثمة جهاد في سبيل الله فلا مانع من صرفة في الجهاد بالقلم واللسان وإذا لم يكن ثمة لزوم لذلك،
فلا مانع من صرفة في سائر المصالح العامة كعمارة المساجد ونحوها.
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.