الإسلام > فتاوى > طهاره > ٢٢٧٨ - نَتْفُ الشَّيْبِ مَكْرُوهٌ. [٢١/ ١٢٠] ٢٢٧٩ - هل أحاديث الأمر …
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
فيه روايتان: إحداهما: يستحب مسحهما بماء جديد،
والثائية: لا يستحب؛
بل يمسحان بماء الرأس اختاره القاضي .. والشيخ تقي الدين.
[المستدرك ٣/ ٢٨]
* * *
[باب فروض الوضوء وصفته]
٢٢٨٠ - لم يرد الوضوء بمعنى غسل اليد والفم إلا في لغة اليهود.
وهو من خصائص هذه الأمة كما جاءت الأحاديث الصحيحة: "أنهم يبعثون يوم القيامة غرًّا" الحديث.
وحديث ابن ماجه: "وضوء الأنبياء قبلي" ضعيف عند أهل العلم بالحديث لا يجوز الاحتجاج بمثله،
وليس عند أهل الكتاب خبرٌ عن أحد من الأنبياء أنه كان يتوضأ وضوء المسلمين ،
بخلاف الاغتسال من الجنابة فإنه كان مشروعًا،
ولم يكن لهم تيمم إذا عدموا الماء.
[المستدرك ٣/ ٢٩]
٢٢٨١ - يجب الوضوء بالحدث،
وقيل: يجب بإرادة الصلاة بعده.
قال الشيخ تقي الدين: والخلاف لفظي.
[المستدرك ٣/ ٢٩]
٢٢٨٢ - الوضوء عبادة لأنه لا يعلم إلا من الشارع،
وكل فعل لا يعلم إلا من الشارع فهو عبادة كالصلاة والصوم،
ولأنه مستلزم للثواب كما وعد عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- المتوضئ بتكفير خطاياه،
فلا بد فيه من النية،
ومن لم يوجب النية رأى ذلك من شرائط الصلاة فهو كالسترة.
[المستدرك ٣/ ٢٩]
٢٢٨٣ - وإن نوى الحدثين - وقال شيخنا: أو الأكبر -: ارتفعا . [المستدرك ٣/ ٣٠]
٢٢٨٤ - اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُم عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالْحَسَنَةِ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
وَمَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ: إنَّمَا هُوَ بَعْضُ الْحَدِيثِ الَّذِي فِي "الصَّحِيحِ" مِن حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شعْبَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- تَوَضَّأَ عَامَ تبُوكَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ" .
وَلهَذَا ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إلَى جَوَازِ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَقَوْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد،
وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى وُجُوبِ مَسْحِ جَمِيعِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد،
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛
فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ؛
فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى:
{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ}
[المائدة: ٦] نَظِيرُ قَوْلِهِ:
{فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ}
[النساء: ٤٣] .
وَمَن ظَنَّ أَنَّ مَن قَالَ بِإِجْزَاءِ الْبَعْضِ؛
لِأَنَّ الْبَاءَ لِلتَّبْعِيضِ أَو دَالَّةٌ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ: فَهُوَ خَطَأٌ أَخْطَأَهُ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَعَلَى اللُّغَةِ وَعَلَى دَلَالَةِ الْقُرْآنِ.
وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ،
وَهِيَ لَا تَدْخُلُ إلَّا لِفَائِدَةٍ: فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى فِعْلٍ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ أَفَادَتْ قَدْرًا زَائِدًا كَمَا فِي قَوْلِهِ:
{عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ}
[الإنسان: ٦] فَإِنَّهُ لَو قِيلَ: يَشْرَبُ مِنْهَا لَمْ تَدُلَّ عَلَى الرِّيِّ،
فَضُمِّنَ يَشْرَبُ مَعْنَى يُرْوَى فَقِيلَ:
{يَشْرَبُ بِهَا}
[الانسان: ٦] فَأَفَادَ ذَلِكَ أَنَّهُ شُرْبٌ يَحْصُلُ مَعَهُ الرِّيُّ.
وَهُوَ يُغْنِي عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ مِنَ النُّحَاةِ عَمَّا يَتَكَلَّفُهُ الْكُوفيُّونَ مِن دَعْوَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْحُرُوفِ.
[٢١/ ١٢٢ - ١٢٤]
٢٢٨٥ - مَن فَعَلَ مَا جَاءَت بِهِ السُّنَّةُ مِنَ الْمَسْحِ بِنَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ أَجْزَأَهُ مَعَ الْعُذْرِ بِلَا نِزَاعٍ،
وَأَجْزَأَهُ بِدُونِ الْعُذْرِ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ.
وَتَنَازَعُوا فِي مَسْحِهِ ثَلَاثًا: هَل يُسْتَحَبُّ؟
فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: يُسْتَحَبُّ .. وَالْأَوَّلُ أصَحُّ .. فَإِنَّ هَذَا مَسْحٌ،
وَالْمَسْحُ لَا يُسَنُّ فِيهِ التَّكرَارُ كَمَسْحِ الْخُفِّ وَالْمَسْحِ فِي التَّيَمُّمِ وَمَسْحِ الْجَبِيرَةِ،
وَإِلْحَاقُ الْمَسْحِ بِالْمَسْحِ أَوْلَى مِن إلْحَاقِهِ بِالْغَسْلِ.
[٢١/ ١٢٥ - ١٢٦]
٢٢٨٦ - اختار الشيخ تقي الدين أنه يمسح معه العمامة للعذر كالنزلة ونحوها،
ويكون كالجبيرة فلا توقيت.
[المستدرك ٣/ ٣٠]
٢٢٨٧ - لَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى عُنُقِهِ فِي الْوُضُوءِ.
[٢١/ ١٢٧]
٢٢٨٨ - تَوَاتَرَ عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ،
وَنُقِلَ عَنْهُ الْمَسْحُ عَلَى
الْقَدَمَيْنِ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ،
مِثْلَ أَنْ يَكُونَ فِي قَدَمَيْهِ نَعْلَانِ يَشُقُّ نَزْعُهُمَا،
وَأَمَّا مَسْحُ الْقَدَمَيْنِ مَعَ ظُهُورِهِمَا جَمِيعًا فَلَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
[٢١/ ١٢٨]
٢٢٨٩ - الْمُوَالَاةُ فِي الْوُضُوءِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: الْوُجُوبُ مُطْلَقًا.
وَالثَّانِي: عَدَمُ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا.
وَالثَّالِثُ: الْوُجُوبُ إلَّا إذَا تَرَكهَا لِعُذْرٍ مِثْلُ عَدَم تَمَامِ الْمَاءِ.
قُلْت: هَذَا الْقَوْلُ الثَّالِث هُوَ الْأَظْهَرُ وَالْأَشْبَهُ بَأُصُولِ الشَّرِيعَةِ؛
وَذَلِكَ أَنَّ أَدِلَّةَ الْوُجُوبِ لَا تتَنَاوَلُ إلَّا الْمُفَرِّطَ لَا تتنَاوَلُ الْعَاجِزَ عَنِ الْمُوَالَاةِ.
وَمَذْهَبُ أَحْمَد فِي هَذَا أَوْسَعُ مِن مَذْهَبِ غَيْرِهِ،
فَعِنْدَهُ إذَا قَطَعَ التَّتَابُعَ لِغذْرٍ شَرْعِيِّ لَا يُمْكِنُ مَعَ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ -مِثْلُ أَنْ يَتَخَلَّلَ الشَّهْرَيْنِ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ،
أَو يَوْمِ الْفِطْرِ،
أَو يَوْمِ النَّحْرِ،
أَو أَيَّامِ مِنًى،
أو مَرَضٌ أَو نِفَاسٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ- فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ التَّتَابُعَ الْوَاجِبَ،
وَلَو أَفْطَرَ لِعُذْرٍ مُبِيحٍ كَالسَّفَرِ فَعَلَى وِجْهَيْنِ؛
فَالْوُضُوءُ أَوْلَى إذَا تَرَكَ التَّتَابُعَ فِيهِ لِعُذْرٍ شَرْعِيِّ وَإِن أمْكنَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ.
وَعَلَى هَذَا فَلَو تَوَضَّأَ ثُمَّ عَرَضَ أَمْرٌ وَاجِبٌ يَمْنَعُهُ عَنِ الْإِتْمَامِ -كَإِنْقَاذِ غَرِيقٍ،
أَو أَمْرٍ بِمَعْرُوفِ وَنَهْيٍ عَن مُنْكَرٍ-: فَعَلَهُ،
ثُمَّ أَتَمَّ وُضُوءَهُ؛
كَالطَّوَافِ وَأَوْلَى،
وَكلذَلِكَ لَو قُدِّرَ أَنَّهُ عَرَضَ لَهُ مَرَضٌ مَنَعَهُ مِن إتْمَامِ الْوُضُوءِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ تُفَرِّقُ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهَا بَيْنَ الْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ،
وَالْمُفَرِّطِ وَالْمُعْتَدِي،
وَمَن لَيْسَ بِمُفَرِّطٍ وَلَا مُعْتَدٍ.
وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا أصْلٌ عَظِيمٌ مُعْتَمَدٌ،
وَهُوَ الْوَسَطُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأُمَّةُ الْوَسَطُ،
وَبِهِ يَظْهَرُ الْعَدْلُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَبَايِنَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي الْغُسْلِ؟
قِيلَ: الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ أَحْمَد: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
[٢١/ ١٣٦ - ١٦٧]
ولَو قِيلَ بِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِالْعُذْرِ لَتَوَجَّهَ.
٢٢٩٠ - وَإِن مَنَعَ يَسِيرُ وَسَخِ ظُفْرٍ وَنَحْوِهِ وُصُولَ الْمَاءِ فَفِي صِحَّةِ طَهَارَتِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَصِحُّ،
وهو الصَّحِيحُ،
قال في مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
ومثله كل يسيرٍ منع وصول الماء حيث كان كدم وعجين . [المستدرك ٣/ ٣١]
٢٢٩١ - مَن سَبَقَهُ الْحَدَثُ: فَإِنَّهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ -كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ- يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى إذَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِكَلَامٍ عَمْدٍ وَنَحْوِهِ،
وَهَذَا مَأْثُورٌ عَن أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ . [٢١/ ١٤٣]
٢٢٩٢ - قَوْل النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّكُمْ تَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثَارِ الْوُضُوءِ" : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَعْرِفُ مَن كَانَ أَغَرَّ مُحَجَّلًا،
وَهُم الَّذِينَ يَتَوَضَّؤُونَ لِلصَّلَاةِ.
وَأَمَّا الْأَطْفَالُ فَهُم تبَعٌ لِلرَّجُلِ.
وَأَمَّا مَن لَمْ يَتَوَضَّأْ قَطُّ وَلَمْ يُصَلِّ: فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أنَّهُ لَا يُعْرَفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
[٢١/ ١٧١]
٢٢٩٣ - لَفْظُ الْوُضُوءِ لَمْ يَجِئْ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ إلَّا وَالْمُرَادُ بِهِ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ،
وَلَمْ يَرِدْ لَفْظُ الْوُضُوءِ بِمَعْنَى غَسْلِ الْيَدِ وَالْفَمِ إلَّا فِي لُغَةِ الْيَهُودِ.
[٢١/ ٢٢٧]
٢٢٩٤ - قال في الفائق: ولا يستحب الزيادة على محل الفرض في أنصِّ الروايتين اختاره شيخنا.
[المستدرك ٣/ ٣٠]
٢٢٩٥ - يَجِبُ على الصَّبِيِّ الْوُضُوءُ بِمُوجِبَاتِهِ،
وَجَعَلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مِثْلَ مَسْأَلَةِ الْغُسْلِ إلْزَامهُ بِاسْتِجْمَارٍ وَنَحْوِهِ.
[المستدرك ٣/ ٣٢]
٢٢٩٦ - يستحب للذي يتشهد بعد الوضوء أن يرفع بصره إلى السماء.
[المستدرك ٣/ ٣٢]
٢٢٩٧ - مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ لَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ إلَّا طَاهِرًا،
كَمَا قَالَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: "أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرًا" . قَالَ الْإِمَامُ أحْمَد: لَا شَكَّ انَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَتبَهُ لَهُ.
وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمَا،
وَلَا يُعْلَمُ لَهُمَا مَن الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ.
[٢١/ ٢٦٦،
٢٦/ ٢٠٠]
٢٢٩٨ - الصَّحِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ: مَا ثَبَتَ عَن الصَّحَابَة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِم - وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ،
وَهُوَ أنَّ مَسَّ الْمُصْحَفِ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ،
وَلَا يَجُوزُ لَهُ صَلَاةُ جِنَازَةٍ،
وَيجُوزُ لَهُ سُجُودُ التِّلَاوَةِ،
فَهَذِهِ الثَّلَاثَة ثَابِتَةٌ عَن الصَّحَابَةِ.
وَأَمَّا الطَّوَافُ فَلَا أَعْرِفُ السَّاعَةَ فِيهِ نَقْلًا خَاصًّا عَن الصَّحَابَةِ،
لَكِنْ إذَا جَازَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ مَعَ الْحَدَثِ؛
فَالطَّوَافُ أَوْلَى كَمَا قَالَهُ مَن قَالَهُ مِن التَّابِعِينَ.
وَالْمَأْثُورُ عَن الصَّحَابَةِ وَهُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ النُّصُوصُ وَالْقِيَاسُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْجِنَازَةِ وَالسُّجُودِ الْمُجَرَّدِ: سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ،
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَد ثَبَتَ بِالنَّصِّ لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ.
وَاَلَّذِينَ أَوْجَبُوا الْوُضُوءَ لِلطَّوَافِ لَيْسَ مَعَهُم حُجَّةٌ أَصْلًا،
فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ لِلطَّوَافِ،
مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ قَد حَجَّ مَعَهُ خَلَائِقُ عَظِيمَةٌ،
وَقَد اعْتَمَرَ عُمَرًا مُتَعَدِّدَةً،
وَالنَّاسُ يَعْتَمِرُونَ مَعَهُ،
فَلَو كَانَ الْوُضُوءُ فَرض لِلطَّوَافِ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَيَانًا عَامًّا،
وَلَو بَيَّنَهُ لنقَلَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُ وَلَمْ يُهْمِلُوهُ.
وَقَد ثَبَتَ عَنْه فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مِن الْخَلَاءِ وَأَكَلَ وَهُوَ مُحْدِثٌ قِيلَ لَهُ: أَلَا تَتَوَضَّأُ؟
قَالَ: "مَا أَرَدْت صَلَاةً فَأَتَوَضَّأَ" . يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ إلَّا إذَا أَرَادَ صَلَاةً،
وَأَنَّ وُضوءَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِوَاجِب . [٢١/ ٢٧٠ - ٢٧٤]
٢٢٩٩ - عَن عَلِيٍّ عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ،
وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ،
وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" ،
فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: أَنَّ الصَّلَاةَ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ،
فَمَا لَمْ يَكن تَحْرِيمُهُ التَّكْبِيرَ وَتَحْلِيلُهُ التَّسْلِيمَ لَمْ يَكُن مِن الصَّلَاةِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذِهِ هِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي مِفْتَاحُهَا الطُّهُورُ،
فَكُلُّ صَلَاةٍ مِفْتَاحُهَا الطُّهُورُ فَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ،
فَمَا لَمْ يَكن تَحْرِيمُهُ التَّكْبِيرَ وَتَحْلِيلُهُ التَّسْلِيمَ فَلَيْسَ مِفْتَاحُهُ الطَّهُورَ،
فَدَخَلَتْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فِي هَذَا،
فَإِنَّ مِفْتَاحَهَا الطُّهُورُ،
وَتَحْرِيمَهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلَهَا التَّسْلِيمُ.
وَأَمَّا سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ: فَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَلَا عَن أَصْحَابِهِ أَنَّ فِيهِ تَسْلِيمًا وَلَا أَنَّهُم كَانُوا يُسَلِّمُونَ مِنْهُ.
[٢١/ ٢٧٦ - ٢٧٩]
وَمَا ذُكِرَ أَيْضًا يَدُلُّ: عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ لَيْسَ مِن الصَّلَاةِ.
٢٣٠٠ - وَأَمَّا مَسُّ الْمُصْحَفِ: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ لَهُ الْوُضُوءُ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ،
وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَن الصَّحَابَةِ: سَعْدٍ وَسَلْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ.
وَأَمَّا كَلَامُهُ فَلَهُ حُرْمَةٌ عَظِيمَةٌ؛
وَلهَذَا يُنْهَى أَنْ يُقْرَأَ الْقُرْآنُ فِي حَال الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَحُرْمَةُ الْمُصْحَفِ أَعْظَمُ مِن حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ،
وَالْمَسْجِدُ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَهُ الْمُحْدِثُ ويدْخُلَهُ الْكَافِرُ لِلْحَاجَةِ،
وَقَد كَانَ الْكُفَّارُ يَدْخُلُونَهُ.
[٢١/ ٢٨٨]
وَأَمَّا سُجُودُ السَّهْوِ: فَقَد جَوَّزَهُ ابْنُ حَزْمٍ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ؛
بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ الضَّعِيفِ.
وَلهَذَا لَا يُعْرَفُ عَن أَحَدٍ مِن السَّلَفِ،
وَلَيْسَ هُوَ مِثْل سُجُودِ التِّلَاوَةِ
وَالشُّكرِ؛
لِأَنَّ هَذَا سَجْدَتَانِ يَقُومَانِ مَقَامَ رَكْعَةِ مِن الصَّلَاةِ؛
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حَدِيثِ الشَّكِّ: "إذَا شَكَّ أَحَدُكمْ فَلَمْ يَدْرِ ثَلاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ،
ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ،
فَإِنْ صَلَّى خَمْسًا شَفَعَتَا لَهُ صَلَاَتَهُ،
وَإِلَّا كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ" . وَفِي لَفْظٍ: "وَاِن كَانَت صَلَاُتهُ تَمَامًا كَانَتَا تَرْغِيمًا" .
فَجَعَلَهُمَا كَالرَّكْعَةِ السَّادِسَةِ الَّتِي تَشْفَعُ الْخَامِسَةَ الْمَزِيدَةَ سَهْوًا.
وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَيْهَا؛
لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهَا مِن تَمَامِ الْمَكْتُوبَةِ وَفَعَلَهَا تَقَرُّبًا إلَى اللهِ وَإِن كَانَ مُخْطِئًا فِي هَذَا الِاعْتِقَادِ.
وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ مَن فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُهُ قُرْبَةً بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ إنْ كَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ،
وَإِن كَانَ لَهُ عِلْمٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ . [٢١/ ٢٩١ - ٢٩٢]
٢٣٠١ -
{لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ }
[الواقعة: ٧٩] قال ابن القيم رحمه الله: وسمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجهٍ آخر،
فقال: هذا من باب التنبيه والإشارة،
إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون،
فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر.
والدراهم المكتوب عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله يجوز للمحدث لمسها،
وإذا كانت معه في منديل أو خرقة وشق إمساكها جاز أن يدخل بها الخلاء.
[المستدرك ٣/ ٤٠]
٢٣٠٢ - قَوْلُ اللهِ عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ
كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [المائدة: ٦] : هَذَا الْخِطَابُ يَقْتَضِي: أَنَّ كُلَّ قَائِمٍ إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مَأمُورٌ بِمَا ذُكِرَ مِن الْغُسْلِ وَالْمَسْحِ،
وَهُوَ الْوُضُوءُ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ: إلَى أَنَّ هَذَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ: إلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى كُلِّ مَن كَانَ مُتَوَضِّئًا.
وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ ضَعِيفٌ.
وَهَل يُسْتَحَبُّ التَّجْدِيدُ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِن الْخَمْسِ؟
فِيهِ نِزَاعٌ.
ولَمَّا قَدِمَ -صلى الله عليه وسلم- مُزْدَلِفَةَ: صَلَّى بِهِم الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمْعًا مِن غَيْرِ تَجْدِيدِ وُضُوءٍ لِلْعِشَاءِ،
وَهُوَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَد قَامَ هُوَ وَهُم إلَى صَلَاةٍ بَعْدَ صَلَاةٍ،
وَأَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ إقَامَةً.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَحَادِيثِ الْجَمْعِ الثَّابِتَةِ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ - رضي الله عنهم -،
كُلُّهَا تَقْتَضِي أَنَّهُ هُوَ -صلى الله عليه وسلم- وَالْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ - صَلَّوْا الثَّانِيَةَ مِن الْمَجْمُوعَتَيْنِ بِطِهَارَةِ الْأُولَى لَمْ يُحْدِثُوا لَهَا وُضُوءًا.
وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَهْدِهِ يَتَوَضَّؤُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ مَا لَمْ يُحْدِثُوا،
كَمَا جَاءَت بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ،
وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ -: أَنَّهُ أَمَرَهُم بِالْوُضُوءِ لِكلِّ صَلَاةٍ.
فَالْقَوْلُ بِاسْتِحْبَابِ هَذَا يَحْتَاجُ إلَى دَليلٍ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ: فَمُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَن الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- وَلِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ.
وَالْقرْآنُ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَتَوَضَّأَ مَرَّةً ثَانِيَةً مِن وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ:
{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}
[النساء: ٤٣] فَقَد أَمَرَ مَن جَاءَ مِن الْغَائِطِ وَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ أَنْ يَتَيَمَّمَ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ،
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَجِيءَ مِن الْغَائِطِ يُوجِبُ التَّيَمُّمَ،
فَلَو كَانَ الْوُضُوءُ وَاجِبًا عَلَى مَن جَاءَ مِن الْغَائِطِ وَمَن لَمْ يَجِئْ،
فَإِنَّ التَّيَمِّمَ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ.
وَمَا أَعْرِفُ فِي هَذَا خِلَافًا ثَابِتًا عَن الصَّحَابَةِ: أَنَّ مَن تَوَضَّأَ قَبْلَ الْوَقْتِ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ،
وَلَا يُسْتَحَبُّ أَيْضًا لِمِثْل هَذَا تَجْدِيدُ وُضُوءٍ.
وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِيمَن صَلَّى بِالْوُضُوءِ الْأَوَّلِ: هَل يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّجْدِيدُ؟
وَأَمَّا مَن لَمْ يُصَلِّ بهِ: فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ؛
بَل تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ فِي مِثْل هَذَا بِدْعَةٌ مُخَالِفًةٌ لِسُنَةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلمَا عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَهُ إلَى هَذَا الْوَقْتِ .
فَقَد تَبَيَّنَ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا إضْمَارٌ وَلَا تَخْصِيصٌ،
وَلَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ
الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ؛
بَل دَلَّتْ عَلَى الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالسُّنَنِ الْمُتَوَاتِرَةِ،
وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ،
وَهُوَ وجُوبُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمُصَلِّي.
وَمَن كَانَ عَلَى وُضُوءٍ فَهُوَ عَلَى طُهُورٍ،
وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى الْوُضُوءِ مَن كَانَ مُحْدِثًا.
قَوْله تَعَالَى:
{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}
الآيَةَ [المائدة: ٦] : هَذَا مِمَّا أَشْكَلَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ.
فَقَالَ طَائِفَةٌ مِن النَّاسِ: "أَو" بِمَعْنَى الْوَاوِ وَجَعَلُوا التَّقْدِيرَ: وَجَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِن الْغَائِطِ.
وَلَامَسْتُمْ النِّسَاءَ .. وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَعْنَى الْآيَةِ؛
فَإِنَّ "أَو" ضِدُّ الْوَاوِ،
وَالْوَاوُ: لِلْجَمْعِ وَالتَّشْرِيكِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
فَالْمَعْنَى: يَا أَيُّهَا الْقَائِمُ إلَى الصَّلَاةِ تَوَضَّأْ،
وَإِن كُنْت جُنُبًا فَاغْتَسِلْ،
وَإِن كُنْت مَرِيضًا أَو مُسَافِرًا تَيَمَّمْ،
أَو كُنْت مَعَ هَذَا وَهَذَا مَعَ قِيَامِك إلَى الصَّلَاةِ وَأَنْتَ مُحْدِثٌ أَو جُنُبٌ،
وَمَعَ مَرَضِك وَسَفَرِك قَد جِئْت مِن الْغَائِطِ أَو لَامَسْت النِّسَاءَ: فَتَيَمَّمْ إنْ كُنْت مَعْذُورًا.
وَإِيضَاحُ هَذَا: أَنَّهُ مِن بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ الَّذِي يُخَصُّ بِالذِّكْرِ لِامْتِيَازِهِ،
وَتَخْصِيصُهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
قَالَ تعالى:
{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا}
وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْمُحْدِثِينَ.
ثُمَّ قَالَ:
{وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}
.
ثُمَّ قَالَ:
{وَإِن كُنتُم}
-مَعَ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ-
{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ}
…
{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}
وَهَذَا يَتَنَاوَلُ كُلَّ مُحْدِثٍ،
سَوَاءٌ كَانَ قَد جَاءَ مِن الْغَائِطِ أَو لَمْ يَجِئْ؛
كَالْمُسْتَيْقِظِ مَن نَوْمِهِ،
وَالْمُسْتَيْقِظِ إذَا خَرَجَتْ مِنْهُ الرِّيحُ،
وَيتَنَاوَلُ كُلَّ جُنُبٍ؛
سَوَاءٌ كَانَت جَنَابَتُهُ بِاحْتِلَامٍ أَو جِمَاعٍ.
فَقَالَ: وَإِن كُنْتُمْ مُحْدِثُونَ -جُنُبٌ مَرْضَى أَو عَلَى سَفَرٍ- {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ
مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} وَهَذَا نَوْعٌ خَاصٌّ مِن الْحَدَثِ.
{أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}
[النساء: ٤٣] وَهَذَا نَوْعٌ خَاصٌّ مِن الْجَنَابَةِ.
وَكَذَلِكَ "الْقَائِمُ إلَى الصَّلَاةِ" يَتَنَاوَلُ مَن جَاءَ مِن الْغَائِطِ وَمَن أَحْدَثَ بِدُونِ ذَلِكَ،
لَكِنْ خُصَّ الْجَائِي بِالذِّكْرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ:
{فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا}
[البقرة: ١٨٢] فَالْآثِمُ هُوَ الْمُتَعَمِّدُ،
وَتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ -وَإِن كَانَ دَخَلَ- لِيُبَيِّنَ حُكْمَهُ بِخُصُوصِهِ،
وَلئَلَّا يُظَنَّ خُرُوجُهُ عَن اللَّفْظِ الْعَامِّ،
وَإِن كَانَ لَمْ يَدْخُلْ فَهُوَ نَوْعٌ آخَرُ.
وَالتَّقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَو عَلَى سَفَرٍ فَتَيَمَّمُوا،
وَهَذَا مَعْنَى الْآيَةِ.
وَقَوْلُهُ:
{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ}
ذَكَرَ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ؛
فَالْمَجِيءُ مِن الْغَائِطِ هُوَ مَجِيءٌ مِن الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ الْحَاجَةَ.
وَكَانُوا يَنْتَابُونَ الْأَمَاكِنَ الْمُنْخَفِضَةَ وَهِيَ الْغَائِطُ،
وَهُوَ كَقَوْلِك: جَاءَ مِن الْمِرْحَاضِ،
وَجَاءَ مِن الْكَنِيفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ،
هَذَا كُفُة عِبَارَةٌ عَمَّن جَاءَ وَقَد قَضَى حَاجَتَهُ بِالْبَوْلِ أَو الْغَائِطِ،
وَالرِّيحُ يَخْرُجُ مَعَهُمَا.
وَنَقْضُهَا متَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- شُغِلَ عَن الْعِشَاءِ لَيْلَةً،
فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ ثمَّ اسْتَيْقَظْنَا،
ثُمَّ رَقَدْنَا ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا،
ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-.
وَلمُسْلِم عَن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: اعْتم رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى،
فَقَالَ: إنَّهُ لَوَقْتُهَا،
لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي.
فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: أَنَّهُم نَامُوا،
وَقَالَ فِي بَعْضِهَا: "إنَّهُم رَقَدُوا ثُمَّ اسْتَيْقَظُوا ثُمَّ رَقَدُوا ثُمَّ اسْتَيْقَظُوا" ،
وَكَانَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ خَلْفَهُ جَمَاعَة كَثِيرَة،
وَقَد طَالَ انْتِظَارُهُم وَنَامُوا.
وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ أَحَدًا لَا سُئِلَ وَلَا سأَلَ النَّاسُ: هَل رَأَيْتُمْ رُؤْوَيا؟
أَو هَل مَكَّنَ أَحَدُكُمْ مَقْعَدَتَهُ؟
أَو هَل كَانَ أَحَدُكُمْ مُسْتَنِدًا؟
وَهَل سَقَطَ شَيْءٌ مِن أَعْضَائِهِ عَلَى الْأَرْضِ؟
فَلَو كَانَ الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ لَسَأَلَهُمْ.
وَقَد عُلِمَ أَنَّهُ فِي مِثْل هَذَا الِانْتِظَارِ بِاللَّيْلِ -مَعَ كَثْرَةِ الْجَمْعِ- يَقَعُ هَذَا كُلُّهُ.
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُنْتَظِرِينَ لِلصَّلَاةِ كَاَلَّذِي يَنْتَظِرُ الْجُمُعَةَ إذَا نَامَ أَيَّ نَوْمٍ كَانَ: لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ؛
فَإِنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِنَاقِضِ،
وَإِنَّمَا النَّاقِضُ الْحَدَثُ،
فَإِذَا نَامَ النَّوْمَ الْمُعْتَادَ الَّذِي يَخْتَارُهُ النَّاسُ فِي الْعَادَةِ -كَنَوْمِ اللَّيْلِ وَالْقَائِلَةِ- فَهَذَا يَخْرُجُ مِنْهُ الرِّيحُ فِي الْعَادَةِ وَهُوَ لَا يَدْرِي إذَا خَرَجَتْ،
فَلَمَّا كَانَت الْحِكْمَةُ خَفِيَّةً لَا نَعْلَمُ بِهَا: قَامَ دَليلُهَا مَقَامَهَا.
وَهَذَا هُوَ النَّوْمُ الَّذِي يَحْصُل هَذَا فِيهِ فِي الْعَادَةِ.
وَأَمَّا النَّوْمُ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ: هَل حَصَلَ مَعَهُ رِيحٌ أَمْ لَا: فَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛
لِأَنَّ الطَّهَارَةَ ثَابِتَةٌ بِيَقِين فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ.
وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْجُنُبِ إلَّا الِاغْتِسَالُ،
وَأَنَّهُ إذَا اغْتَسَلَ جَازَ لَهُ أَنْ يَقْرَبَ الصَّلَاةَ،
وَالْمُغْتَسِلُ مِن الْجَنَابَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ كَمَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ اللهُ عز وجل:
{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ}
[النساء: ٤٣] .. ذَكَرَ الْمُسَافِرَ الَّذِي لَا يَجِدُ الْمَاءَ وَلَمْ يَذْكُر الْحَاضِرَ،
فَإِنَّ عَدَمَهُ فِي الْحَضَرِ نَادِرٌ.
وَقَوْلُهُ:
{أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}
ذَكَرَ أَعْظَمَ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَهُوَ قَضَاءُ الْحَاجَةِ،
وَأَغْلَظَ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَهُوَ مُلَامَسَةُ النِّسَاءِ،
وَأَمَرَ كُلًّا مِنْهُمَا إذَا كَانَ مَرِيضًا أَو مُسَافِرًا لَا يَجِدُ الْمَاءَ أَنْ يَتيمَّمَ.
قَوْله:
{أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}
[النساء: ٤٣] الْمُرَادُ بِهِ: الْجِمَاعُ،
كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- وَغَيْرُهُ مِن الْعَرَبِ،
وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي مَعْنَى الْآيَة.
وَلَيْسَ فِي نَقْضِ الْوُضوءِ مِن مَسِّ النسَاءِ لَا كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ .
وَقَوْلُهُ:
{فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}
دَليلٌ عَلَى أَنْ التَّيَمُّمَ مُطَهِّرٌ كَالْمَاءِ سَوَاءٌ.
[٢١/ ٣٦٧ - ٤٠٣]
٢٣٠٣ - الصَّحِيحُ: أَنَّ النَّزْعَتَيْنِ مِن الرَّأْسِ،
وَالتَّحْذِيفُ مِن الْوَجْهِ،
فَلَو نسِيَ ذَلِكَ فَهُوَ كمَا لَو نَسِيَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ.
[٢١/ ٤٠٨]
٢٣٠٤ - الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَعَمِّدِ لِتَنْكِيسِ الْوُضُوءِ وَبَيْنَ الْمَعْذُورِ بِنِسْيَانٍ أَو جَهْلٍ: هُوَ أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ،
وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَن أَحْمَد .. فَمِن ذَلِكَ .. : إذَا نَسِيَ بَعْضَ آيَاتِ السُّورَةِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُهَا،
وَلَا يُعِيدُ مَا بَعْدَهَا،
مَعَ أَنَّهُ لَو تَعَمَّدَ تَنْكِيسَ آيَاتِ السُّورَةِ،
وَقِرَاءَةَ الْمُؤَخَرِ قَبْلَ الْمُقَدَمِ لَمْ يَجُزْ بِالْاتِفَاقِ،
وَإِنَّمَا الْنِزَاعُ فِي تَرْتِيبِ السُّوَرِ،
نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَد،
وَحَكَاهُ عَن أهْلِ مَكَّةَ.
سُئِلَ عَن الْإِمَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ يَدَعُ الْآيَاتِ مِنَ الْسُورَةِ: تَرَى لِمَن خَلْفَهُ أَنْ يَقْرَأَهَا؟
قَالَ: نَعَمْ،
يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ،
قَد كَانُوا بِمَكَّةَ يُوكِلُونَ رَجُلًا يَكْتُبُ مَا تَرَكَ الْإمَامُ مِنَ الْحُرُوفِ وَغَيْرِهَا فَإِذَا كَانَ لَيْلَةَ الْخَتْمَةِ أَعَادَهُ.
قَالَ الْأَصْحَابُ -كَأَبِي مُحَمَدٍ -: "وَإِنَّمَا اسْتَحَبَ ذَلِكَ لِتَتِمَ الْخَتْمَةُ
وَيَكْمُلَ الْثَّوَابُ" .
فَقَد جَعَلَ أَهْلُ مَكَّةَ وَأَحْمَد وَأَصْحَابُة إِعَادَةَ الْمَنْسِي مِنَ الْآيَاتِ وَحْدَهُ يُكْمِل الْخَتْمَةَ وَالثَّوَابَ،
وَإِن كَانَ قَد أَخَلَّ بِالْتَرْتِيبِ هُنَا،
فَإِنَّهُ لَمْ يَقْرَأ تَمَامَ الْسُورَةِ.
فَهَكَذَا مَن تَرَكَ غَسْلَ عُضْوٍ أَو بَعْضَهُ نِسْيَانًا: يَغْسِلُهُ وَحْدَهُ،
وَلَا يُعِيدُ غَسْلَ مَا بَعْدَهُ،
فَيَكُونُ قَد غَسَلَهُ مَرَّتَيْنِ،
فَإِنَّ هَذَا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ.
وَهَذَا الْتَفْصِيلُ يُوَافِقُ مَا نُقِلَ عَن الْصَحَابَةِ وَالْأَكْثَرِينَ،
فَإِنَّ الْأَصْحَابَ وَغَيْرهمْ فَعَلُوا كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِر عَن عَليٍ وَمَكحُولٍ وَالْنَخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِي فِيمَن نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ فَرَأَى فِي لِحْيَتِهِ بَلَلًا فَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ فَلَمْ يَأْمُرُوهُ بِإِعَادَةِ غَسْلِ رِجْلَيْهِ،
وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .
وَنَقَلُوا فِي الْوُجُوبِ عَن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ،
وَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ التَّابِعِينَ.
وَصُورَةُ النِّسْيَانِ مُرَادَةٌ قَطْعًا.
فَتبَيَّنَ أَنَّهَا قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ أَو جَمِيعِهِمْ.
وَالْأَمْرُ الْمُنْكَرُ: أَنْ تتَعَمَّدَ تَنْكِيسَ الْوُضُوءِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: سُقُوطُ التَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ بِالنِّسْيَانِ،
وَكَذَلِكَ سُقُوطُ الْمُوَالَاةِ كمَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ،
وَكَذَلِكَ بِغَيْرِ النِّسْيَانِ مِن الْأَعْذَارِ؛
مِثْلُ بُعْدِ الْمَاءِ،
كَمَا نُقِلَ عَن ابْنِ عُمَرَ،
فَإِنَّ الصَّلَاةَ نَفْسَهَا إذَا جَازَ فِيهَا عَدَمُ الْمُوَالَاةِ لِلْعُذْرِ؛
فَالْوُضُوءُ أَوْلَى،
بِدَلِيلِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ،
وَأَحَادِيثِ سُجُودِ السَّهْوِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ صَاحِبِ اللُّمْعَةِ الَّتِي كَانَت فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ: فَمِثْلُ هَذَا لَا يُنْسَى،
فَدَلَّ أَنَّهُ تَرَكَهَا تَفْرِيطًا.
وَالْمُوَالَاةُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ لَا تَجِبُ؛
لِلْحَدِيثِ ائَذِي فِيهِ أَنَّهُ رَأَى فِي بَدَنِهِ مَوْضِعًا لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ فَعَصَرَ عَلَيْهِ شَعْرَهُ .
وَقَد يَكُونُ التَّرْتِيبُ شَرْطًا لَا يَسْقُطُ بِجَهْلٍ وَلَا نِسْيَانٍ؛
كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "مَن ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ شَاةُ لَحْمٍ" .
فَالذَّبْحُ لِلْأُضْحِيَّةِ مَشْرُوطٌ بِالصَّلَاةِ قَبْلَهُ،
وَأَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ - رضي الله عنه - كَانَ جَاهِلًا،
فَلَمْ يَعْذُرْهُ بِالْجَهْلِ؛
بَل أَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الذَّبْحِ.
بِخِلَافِ الَّذِينَ قَدَّمُوا فِي الْحَجّ الذَّبْحَ عَلَى الرَّمْيِ،
أَو الْحَلْقَ عَلَى مَا قَبْلَهُ،
فَإِنَّهُ قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ" فَهَاتَانِ سُنَّتَانِ:
أ - سُنَّةٌ فِي ألْأُضْحِيَّةِ إذا ذُبِحَتْ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ.
ب - وَسُنَّةٌ فِي الْهَدْيِ إذَا ذَبَحَ قَبْلَ الرَّمْيِ جَهْلًا أَجْزَأَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا -وَاللهُ أَعْلَمُ-: أَنَّ الْهَدْيَ صَارَ نُسُكًا بِسَوْقِهِ إلَى الْحَرَمِ وَتَقْلِيدِهِ وَإِشْعَارِهِ،
فَقَد بَلَغَ مَحَلَّهُ فِي الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ،
فَإِذَا قُدِّمَ جَهْلًا: لَمْ يَخْرُجْ عَن كَوْنِهِ هَدْيًا.
وَأَمَّا الْأُضْحِيَّةُ: فَإِنَّهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ لَا تَتَمَيَّزُ عَن شَاةِ اللَّحْمِ،
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَن ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هِيَ شَاةُ لَحْمٍ قَدَّمَهَا لِأَهْلِهِ" ،
وَإِنَّمَا هِيَ نُسُكٌ بَعْدَ الصَّلَاةِ،
كَمَا قَالَ تَعَالَى:
{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ }
[الكوثر: ٢] وَقَالَ:
{إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي}
[الأنعام: ١٦٢] فَصَارَ فِعْلُهُ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ كَالصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا.
ولَو لَمْ يَغْسِلْ كَفَّيْهِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ،
فَإِنَّهُ يَغْرِفُ بِهِمَا الْمَاءَ .. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَإِن نَوَى غَسْلَهُمَا فِيهِ؛
لِمَجِيءِ السُّنَّةِ بِذَلِكَ،
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ غَسْلَهُمَا بِنِيَّةِ الِاغْتِرَافِ لَا تَحْصُلُ بِهِ طَهَارَتُهُمَا؛
بَل لَا بُدَّ مِن غَسْلٍ آخَرَ.
وَالْأَقْوَى: أَنَّ هَذَا لَا يَجِبُ؛
بَل غَسْلُهُمَا بِنِيَّةِ الِاغْتِرَافِ يُجْزِئُ عَن تَكْرَارِ غَسْلِهِمَا كَمَا فِي التَّيَمُّمِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ بِيَدَيْهِ؛
فَيَكُونُ هَذَا غَسْلًا لِبَاطِنِ الْيَدِ.
[٢١/ ٤٠٩ - ٤٢٥]
* * *
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.