عن حالهم والتعامل وتبادل الهدايا معهم ومعاودة مرضاهم، وبعد ذلك نقول: إنه يحرم محبتهم، فإن مثل الأعمال السابقة من التهادي والتعامل معهم وزيارتهم توجب محبتهم، ونحن نعلم أن المحبة شعور غير إرادي ولا يتحكم فيه الإنسان، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: "تهادوا تحابوا" ، فكيف نقول إن الله حلل الأولى وحرم علينا الثانية؟ مع أنها نتيجة طبيعية للأولى، ثم ماذا يفعل شخص تزوج من نصرانية والله -تعالى- وصف الزواج بأنه مودة ورحمة؟ فلا أدري كيف يستقيم هذا مع القول بأن محبة الكفار محرمة، وأنا هنا أتكلم عن الكفار المسالمين وليس عن غيرهم، ألا يدعونا هذا لإعادة التفكر في النصوص الشرعية والتي لا يمكن أن تكون تأمر بشيء وتحرم تبعاته؛ لأنها وبهذه الطريقة تكون شريعة قاصرة, وهذا محال في شريعة الله، وبارك الله فيكم

الإسلام > فتاوى > عقيدة > عن حالهم والتعامل وتبادل الهدايا معهم ومعاودة مرضاهم، وبعد ذلك نقول:…

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «عن حالهم والتعامل وتبادل الهدايا معهم ومعاودة مرضا…»

الحمد لله،
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه،
وبعد:

فإن من المقطوع به أن ل (لا إله إلا الله) شروطاً لا تنفع صاحبها إلا بتحقيقها،
ومن أهم شروط (لا إله إلا الله) شرط المحبة لهذه الكلمة ولمدلولها ولمن حققها،
ومن لوازم هذه المحبة بغض من خالفها وبغض كل من لم يحققها كائناً من كان.

وهذه المسألة محسومة في كتاب الله –تعالى-،
قال –عز وجل-: "لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ...
" [المجادلة:٢٢] .

وقال –تعالى-: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [المائدة:٥١] . وقال –تعالى-: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ...
" [النساء:١٤٤] . وقال –عز وجل-: "لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ" [آل عمران:٢٨] .

وقد نهى الله –تعالى- عن ذلك نهياً صريحاً لا يقبل التأويل فقال –عز وجل-: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ...
" [الممتحنة:١] .

وهذه المحبة من أجلّ أعمال القلوب التي لا يتحقق إيمان العبد وتوحيده إلا بتحقيقها وإخلاصها والبراءة ممن خالفها،
قال –تعالى-: "قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ...
" [الممتحنة:٤] .

بل قد تبرأ إبراهيم الخليل –عليه السلام- الذي لنا فيه أسوة حسنة من أقرب الناس إليه وهو أبوه لما لم يحقق لا إله إلا الله،
قال –تعالى-: "وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ" [التوبة:١١٤] .

إذاً فلا يمكن أن يجتمع في قلب عبد مسلم محبة الله –تعالى- ورسوله –عليه الصلاة والسلام- والمؤمنين مع محبة كافر محاد لله –تعالى- مكذب برسوله –صلى الله عليه وسلم- مهما كانت قرابته ومهما كانت علاقته بالمسلمين؛
لأنه لا يتصور تحقيق محبة الله وامتلاء القلب بتعظيم الله وإجلاله مع محبة من يزعم أن لله ولداً أو أن الله ثالث ثلاثة،
كما لا يتصور تحقيق محبة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- والشهادة الحقة له بالرسالة مع محبة من يكذب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ويطعن في رسالته،
وهذه من المسلمات العقدية التي لا مجال فيها للخلاف.

أما معاملة الكفار وما يتعلق بها من الأعمال الظاهرة فهذه قد فصلها القرآن الكريم وبينها لنا أكمل بيان لا مجال فيه للاختلاف،
فقال –تعالى-: "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ*إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" [الممتحنة:٨-٩] .

فأباح الله –تعالى- التعامل مع الطائفة الأولى بالبر والقسط وهو العدل،
ومن ذلك الإحسان إليهم بالهدية ونحوها،
ورحمتهم مما هم فيه من الكفر ومحاولة استمالة قلوبهم لإخراجهم مما هم فيه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.

كما حرم –تعالى- تولي الطائفة الثانية وجعل ذلك من الظلم "ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون" [الممتحنة:٩] وفي الآية الأخرى "ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين" [المائدة:٥١] .

وحدد التعامل معهم بحسب حال المسلمين قوة وضعفاً،
إما ب "واهجرهم هجراً جميلاً" [المزمل:١٠] و "ودع أذاهم" [الأحزاب:٤٨] ،
وإما "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ...
" [البقرة:١٩٠] أو ب " وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة" [التوبة:٣٦] وقوله: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" [الأنفال:٣٩] وقوله: "قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ" [التوبة:٢٩] .

وعلى ضوء هذه القواعد الأساسية والنصوص المحكمة تفهم وتفسر النصوص الأخر؛
لأن من علامة الراسخين في العلم رد المتشابه إلى المحكم والإيمان بهما جميعاً؛
لأنها كلها من عند الله،
وما كان من عند الله فهو الحق،
وليس في الحق اختلاف أو تعارض أو تناقض،
وإن بدر أحياناً فهو بسبب نظر الناظر،
وليس في كتاب الله –تعالى- ولا في كلام رسول الله –صلى الله عليه وسلم- اختلاف أو تناقض.

وعليه فما ذكره الأخ السائل من أن البر والإحسان والمعاملة الحسنة توجب محبة الكفار ...
فهذا ليس على إطلاقه،
نعم هو من مقتضيات محبة إيمانهم ودخولهم في دين الله الحق،
وهذا مطلب شرعي،
وليس موجباً لمحبة أشخاصهم وذواتهم فضلاً عما هم عليه من الكفر والضلال.

وكذلك حديث النبي –صلى الله عليه وسلم-: "وتهادوا تحابوا" مالك (١٧٣١) فيفهم على ضوء ما تقدم،
وإن كان ظاهره الخطاب للمؤمنين،
ونحوه "ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم" مسلم وهذا أيضاً خاص بالمؤمنين.

وكذلك ما أشار إليه الأخ السائل من المودة والرحمة بين الزوجين،
وقد تكون الزوجة كتابية،
فهذا يفهم أيضاً على ضوء ما تقدم،
علماً بأن الأصل في التزاوج مع اختلاف الدين هو المنع قال –تعالى-: "ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ......ولا تُنْكِحُوا المشركين حتى يؤمنوا ...
" [البقرة:٢٢١] وقوله –تعالى-: "لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن" [الممتحنة:١٠] و " ...
لا تمسكوا بعصم الكوافر" إلا أن الشارع قد استثنى من هذا العموم جواز نكاح المسلم للكتابية المحصنة في قوله –تعالى-: "الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ...
" [المائدة:٥] .

ولعل من الحكم البالغة في ذلك -والله تعالى أعلم- أن المرأة بطبيعتها تغلب عليها العاطفة فإذا غمرها الزوج المسلم ببره وإحسانه ورحمته لها فحري بها أن ينقذها الله -تعالى- على يديه بسبب هذه العاطفة الجياشة وبسبب هذا التعامل الحسن إلى الدخول في دين الله الحق،
بخلاف الكتابي فلا يجوز له أن ينكح المسلمة؛
لقوة تأثير الرجل وغلبته على المرأة،
فقد يخرجها من دينها الحق.

وبهذه المناسبة نذكر قصة ذلك النصراني الذي ناظر أحد المسلمين وادعى تعصب المسلمين بإباحتهم للمسلم أن ينكح النصرانية دون النصراني،
فلا يجوز له أن ينكح المسلمة،

👤
مصدر الفتوى د. عبد الله بن عمر الدميجي
من «فتاوى واستشارات موقع الإسلام اليوم» · ص 443 · العقائد والمذاهب الفكرية > الولاء والبراء > محبة الكفار

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«عن حالهم والتعامل وتبادل الهدايا معهم ومعاودة مرضا…»

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 6 محرّم
هلال متزايد اليوم 7.1 / 29.5
الإضاءة 47%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله