ثُمَّ إنْ عُرِفَ مِن حَالِهِ أَنَّهُ يَلْتَزِمُهُ بَعْدَ ظُهُورِهِ لَهُ: فَقَد يُضَافُ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ قَوْلٌ لَو ظَهَرَ لَهُ فَسَادُهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ؛ لِكَوْنِهِ قَد قَالَ مَا يَلْزَمُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِفَسَادِ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَلَا يَلْزَمُهُ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي اخْتِلَافِ النَاسِ فِي لَازِمِ الْمَذْهَبِ: هَل هُوَ مَذْهَبٌ أَو لَيْسَ بِمَذْهَبٍ

الإسلام > فتاوى > لباس > ثُمَّ إنْ عُرِفَ مِن حَالِهِ أَنَّهُ يَلْتَزِمُهُ بَعْدَ ظُهُورِهِ ل…

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «ثُمَّ إنْ عُرِفَ مِن حَالِهِ أَنَّهُ يَلْتَزِمُهُ…»

هُوَ أَجْوَدُ مِن إطْلَاقِ أَحَدِهِمَا،
فَمَا كَانَ مِن اللَّوَازِمِ يَرْضَاهُ الْقَائِلُ بَعْدَ وُضُوحِهِ لَهُ فَهُوَ قَوْلُهُ،
وَمَا لَا يَرْضَاهُ فَلَيْسَ قَوْلُهُ وَإِن كَانَ مُتَنَاقِضًا.
[٢٩/ ٤١ - ٤٢]

* * *

[رفع الملام عن الأئمة الأعلام]

١٢٤٤ - يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مُوَالَاةِ اللهِ وَرَسُولِهِ مُوَالَاةُ الْمُؤمِنِينَ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ،
خُصُوصًا الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ هُم وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ،
الَّذِين جَعَلَهُم اللهُ بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ يُهْتَدَى بِهِم فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ،
وَقَد أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ،
إذ كَلُّ أُمَّةٍ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- فَعُلَمَاؤُهَا شِرَارُهَا،
إلَّا الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ عُلَمَاءَهُم خِيَارُهُم؛
فَإِنَّهُم خُلَفَاءُ الرَّسُولِ فِي أُمَّتِهِ،
والمحيون لِمَا مَاتَ مِن سُنَّتِهِ،
بِهِم قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا،
وَبِهِم نَطَقَ الْكِتَابُ وَبِهِ نَطَقُوا.

وَليُعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْأمَّةِ قَبُولًا عَامًّا يَتَعَمَّدُ مُخَالَفَةَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي شَيءٍ مِن سُنَتِهِ؛
دَقِيقٍ وَلَا جَلِيلٍ؛
فَإِنَّهُم مُتَّفِقُونَ اتِّفَاقًا يَقِينِيًّا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ،
وَعَلَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ يُؤخَذُ مِن قَوْلِهِ ويُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-،
وَلَكنْ إذَا وُجِدَ لِوَاحِدٍ مِنْهُم قَوْلٌ قَد جَاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِخِلَافِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِن عُذْرٍ فِي تَرْكِهِ.

وَجَمِيعُ الْأَعْذَارِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ:

أَحَدُهَا: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَهُ.

وَالثَّانِي: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ إرَادَةَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ.

وَالثَّالِثُ: اعْتِقَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْحكمَ مَنْسُوخ.

وَهَذِهِ الْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ تتفَرَّعُ إلَى أَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ:

السَّبَبُ الْأوّلُ: أَلَّا يَكُونَ الْحَدِيثُ قَد بَلَغَهُ.

وَهَذَا السَّبَبُ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَكْثَرِ مَا يُوجَدُ مِن أَقْوَالِ السَّلَفِ مُخَالِفًا لِبَعْضِ الْأَحَادِيثِ؛
فَإِنَّ الْإِحَاطَةَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ.

وَلَا يَقُولَن قَائِل: الْأَحَادِيثُ قَد دُوِّنَتْ وَجُمِعَتْ،
فَخَفَاؤُهَا وَالْحَالُ هَذِهِ بَعِيدٌ؛
لِأَنَّ هَذِهِ الدَّوَاوِينَ الْمَشْهُورَةَ فِي السُّنَنِ إنَّمَا جُمِعَتْ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ،
وَمَعَ هَذَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ انْحِصَارَ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي دَوَاوِينَ مُعَيَّنةٍ.

ثُمَّ لَو فُرِضَ انْحِصَارُ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَلَيْسَ كُلُّ مَا فِي الْكُتُبِ يَعْلَمُهُ الْعَالِمُ وَلَا يَكَادُ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِأَحَدٍ.

بَل قَد يَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ الدَّوَاوِينُ الْكَثِيرَةُ وَهُوَ لَا يُحِيطُ بِمَا فِيهَا،
بَل الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ جَمْعِ هَذِهِ الدَّوَاوِينِ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ بِكَثِيرٍ؛
لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّا بَلَغَهُم وَصَحَّ عِنْدَهُم قَد لَا يَبْلُغُنَا إلَّا عَن مَجْهُولٍ،
أَو بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ،
أَو لَا يَبْلُغُنَا بِالْكُلِّيَّةِ،
فَكَانَت دَوَاوِينُهُم صُدُورَهُم الَّتِي تَحْوِي أَضْعَافَ مَا فِي الدَّوَاوِينِ،
وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَشُكُّ فِيهِ مَن عَلِمَ الْقَضِيَّةَ.

وَلَا يَقُولَنَّ قَائِل: مَن لَمْ يَعْرِفِ الْأحَادِيثَ كُلَّهَا لَمْ يَكُن مُجْتَهِدًا؛
لِأنَّهُ إن اُشْتُرِطَ فِي الْمُجْتَهِدِ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَفِعْلُهُ فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ: فَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ مُجْتَهِدٌ،
وَإِنَّمَا غَايَةُ الْعَالِمِ أَنْ يَعْلَمَ جُمْهُورَ ذَلِكَ وَمُعْظَمَهُ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ إلَّا الْقَلِيلُ مِنَ التَّفْصِيلِ،
ثُمَّ إنَّهُ قَد يُخَالِفُ ذَلِكَ الْقَلِيلَ مِنَ التَّفْصِيلِ الَّذِي يَبْلُغُهُ.

السَبَبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ قَد بَلَغَهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ.

السَّبَبُ الثَّالِثُ: اعْتِقَادُ ضَعْفِ الْحَدِيثِ بِاجْتِهَادٍ قَد خَالَفَهُ فِيهِ غَيْرُهُ،
مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَن طَرِيقٍ آخَرَ سَوَاءٌ كَانَ الصَّوَابُ مَعَهُ أَو مَعَ غَيْرِهِ أَو مَعَهُمَا عِنْدَ مَن يَقُولُ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ.

السَّبَبُ الرَّابعُ: اشْتِرَاطُهُ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ الْحَافِظِ شُرُوطًا يُخَالِفُهُ فِيهَا غَيْرُهُ؛
مِثْل اشْتِرَاطِ بَعْضِهِمْ عَرْضَ الْحَدِيثِ عَلَى الْكِتَابِ.

السَبَبُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ قَد بَلَغَهُ وَثَبَتَ عِنْدَهُ لَكِنْ نَسِيَه،
وَهَذَا يَرِدُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

السَّبَبُ السَّادِسُ: عَدَمُ مَعْرِفَتِهِ بِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ:

أ- تَارَة لِكَوْنِ اللَّفْظِ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ غَرِيبًا عِنْدَهُ.

ب- وَتَارَةً لِكَوْنِ مَعْنَاهُ فِي لُغَتِهِ وَعُرْفِهِ غَيْرَ مَعْنَاهُ فِي لُغَةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-،
وَهُوَ يَحْمِلُة عَلَى مَا يَفْهَمُهُ فِي لُغَتِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللُّغَةِ.

ج- وَتَارَة لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا أَو مُجْمَلًا،
أَو مُتَرَدِّدًا بَيْنَ حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ،
فَيَحْمِلُهُ عَلَى الْأَقْرَب عِنْدَهُ،
وإِن كَانَ الْمُرَادُ هُوَ الْآخَرَ كَمَا حَمَلَ جَمَاعَة مِنَ الصَّحَابَةِ فِي أَوَّلِ الأمرِ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ عَلَى الْحَبْلِ.

د- وَتَارَةً لِكَوْنِ الدَّلَالَةِ مِنَ النَّصّ خَفِيَّةً.

ه- وَقَد يَغْلَطُ الرَّجُل فَيَفْهَمُ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَا تَحْتَمِلُهُ اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ الَّتِي بُعِثَ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم- بِهَا.

السَّبَبُ السَّابعُ: اعْتِقَادُهُ أَنْ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ: أَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَعْرِفْ جِهَةَ الدَّلَالَةِ،
وَالثَّانِي عَرَفَ جِهَةَ الدَّلَالَةِ لَكِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا لَيْسَتْ دَلَالَةً صَحِيحَةً؛
بِأَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الْأُصُولِ مَا يَرُدُّ تِلْكَ الدَّلَالَةَ،
سَوَاءٌ كَانَت فِي نَفْسِ الْأمْرِ صَوَابًا أَو خَطأً؛
مِثْل: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ،
وَأَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ .. إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَّسِعُ الْقَوْلُ فِيهِ.

فَإِنَّ شَطْرَ أُصُولِ الْفِقْهِ تَدْخُلُ مَسَائِلُ الْخِلَافِ مِنْهُ فِي هَذَا الْقِسْمِ.

السَّبَبُ الثَّامِنُ: اعْتِقَادُهُ أَنَّ تِلْكَ الدَّلَالَهً قَد عَارَضَهَا مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مُرَادَةً،
مِثْل مُعَارَضَةِ الْعَامِّ بِخَاصٍّ،
أَو الْمُطْلَقِ بِمُقَيَّدٍ.

السَّبَبُ التَّاسِعُ: اعْتِقَادُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ،
أَو نَسْخِهِ،
أَو تَأَوِيلِهِ إنْ كَانَ قَابِلًا لِلتَّأْوِيلِ بِمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَارضًا بِالِاتِّفَاقِ؛
مِثْل أيَةٍ،
أَو حَدِيثٍ آخَرَ،
أَو مِثْل إجْمَاعٍ.

وَقَد وَجَدْنَا مِن أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ مَن صَارُوا إلَى الْقَوْلِ بِأَشْيَاءَ مُتَمَسَّكُهُم فِيهَا عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْمُخَالِفِ،
مَعَ أَنَ ظَاهِرَ الْأدِلَّةِ عِنْدَهُم يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ،
لَكِنْ لَا يُمْكِنُ الْعَالِمُ أَنْ يَبْتَدِئَ قَوْلًا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ قَائِلًا،
مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ النَّاسَ قَد قَالُوا خِلَافَهُ ،
حَتَّى إنَّ مِنْهُم مَن يُعَلِّقُ الْقَوْلَ فَيَقُولُ: إنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ إجْمَاعٌ فَهُوَ أَحَقُّ مَا يُتْبَعُ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا.

السَّبَبُ الْعَاشِرُ: مُعَارَضَتُهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ أَو نَسْخِهِ أَو تَأَوِيلِهِ مِمَّا لَا يَعْتَقِدُهُ غَيْرُهُ أَو جِنْسُهُ مُعَارِضٌ،
أَو لَا يَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ مُعَارضًا رَاجِحًا؛
كَمُعَارَضَةِ كَثِيرٍ مِنَ الْكُوفِيِّينَ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ،
وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ مِنَ الْعُمُومِ وَنَحْوِه مُقَدَّمٌ عَلَى نَصِّ الْحَدِيثِ،
ثُمَّ قَد يَعْتَقِدُ مَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ ظَاهِرًا لِمَا فِي دَلَالَاتِ الْقَوْلِ مِنَ الْوُجُوهِ الْكثِيرَةِ.

فَهَذِهِ الْأَسْبَابُ الْعَشَرَةُ ظَاهِرَة،
وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالِمِ حُجَّةٌ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ لَمْ نَطَّلِعْ نَحْنُ عَلَيْهَا .. لَكِنْ نَحْنُ وَإِن جَوَّزنا هَذَا فَلَا يَجُوزُ لَنَا أنْ نَعْدِلَ عَن قَوْلٍ ظَهَرَتْ حُجَّتُهُ بِحَدِيثٍ صَحِيحٍ وَافَقَهُ طَائِفَةٌ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ،
إلَى قَوْلٍ آخَرَ قَالَهُ عَالِمٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَا يَدْفَعُ بِهِ هَذِهِ الْحُجَّةَ وَإِن كَانَ أَعْلَم؛
إذ تَطَرُّقُ الْخَطَأِ إلَى آرَاءِ الْعُلَمَاءِ أَكْثَرُ مِن تَطَرُّقِهِ إلَى

الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ،
فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ حُجَّةُ اللهِ عَلَى جَمِيعِ عِبَادِهِ بِخِلَافِ رَاي الْعَالِمِ.

فَإِذَا جَاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ فِيهِ تَحْلِيل أَو تَحْرِيمٌ أَو حُكْمٌ: فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ التَّارِكَ لَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ ألَّذِينَ وَصَفْنَا أَسْبَابَ تَرْكِهِمْ يُعَاقَبُ ؛
لِكَوْنِهِ حَلَّلَ الْحَرَامَ أَو حَرَّمَ الْحَلَالَ؛
أَو حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ.

وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي الْحَدِيثِ وَعِيدٌ عَلَى فِعْلٍ: مِن لَعْنَةٍ أَو غَضَبٍ أَو عَذَابٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ،
فَلَا يَجُوز أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذَلِكَ الْعَالِمَ الَّذِي أَبَاحَ هَذَا أَو فَعَلَهُ دَاخِل فِي هَذَا الْوَعِيدِ.
وَهَذَا مِمَّا لَا نَعْلَمُ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِيهِ خِلَافًا.

وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن عَمْرِو بْنِ العاص - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَة أَجْرٌ" فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَعَ خَطَئِهِ لَهُ أَجْرٌ؛
وَذَلِكَ لِأَجْلِ اجْتِهَادِهِ وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ.

بِخِلَافِ الَّذِينَ أَفْتَوْا الْمَشْجُوجَ فِي الْبَرْدِ بِوُجُوبِ الْغَسْلِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ؛
فَإِنَّهُ قَالَ: "قَتَلُوهُ قَتَلَهُم اللهُ،
هَلَّا سَأَلوا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا؟
إنَّمَا شِفَاءُ الْعَيِّ السُّؤَالُ" ،
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَخْطَؤوا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ؛
إذ لَمْ يَكُونُوا مِن أَهْلِ الْعِلْمِ .

وَكَذَلِكَ لَمْ يُوجِبْ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَوَدًا وَلَا دِيَةً وَلَا كَفارَةً لَمَّا قَتَلَ الَّذِي قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ فِي غَزْوَةِ الْحُرَقَاتِ،
فَإِنَّهُ كَانَ مُعْتَقِدًا جَوَازَ قَتْلِهِ بِنَاءً عَلَى أنَّ هَذَا الْإِسْلَامَ لَيْسَ بِصَحِيح،
مَعَ أَنَّ قَتْلَهُ حَرَامٌ.

وَعَمِلَ بِذَلِكَ السَّلَفُ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي أَن مَا اسْتَبَاحَهُ أَهْلُ الْبَغْيِ مِن

دِمَاءِ أَهْلِ الْعَدْلِ بِتَأوِيل سَائِغٍ لَمْ يُضْمَن بِقَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ،
وَإِن كَانَ قَتْلُهُم وَقِتَالُهُم مُحَرَّمًا.

ثُمَّ إنَّهُم مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ التَّارِكَ الْمَوْصُوفَ مَعْذُورٌ بَل مَأْجُورٌ: لَا يَمْنَعُنَا أَنْ نَتَّبعَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي لَا نَعْلَمُ لَهَا مُعَارضًا يَدْفَعُهَا،
وَأَنْ نَعْتَقِدَ وُجُوبَ الْعَمَلِ عَلَى الْأُمَّةِ وَوُجُوبَ تَبْلِيغِهَا،
وَهَذَا مِمَّا لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ.

وَإِنَّمَا رَدَدْنَا الْكَلَامَ؛
لِأَنَّ لِلنَاسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا -وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ-: أَنَّ حُكْمَ اللهِ وَاحِدٌ،
وَأَنَّ مَن خَالَفَهُ بِاجْتِهَادٍ سَائِغٍ مُخْطِئٌ مَعْذُورٌ مَأْجُورٌ.

فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ذَلِكَ الْفِعْلُ الَّذِي فَعَلَهُ الْمُتَأَوِّلُ بِعَيْنِهِ حَرَامًا،
لَكِنْ لَا يَتَرَتَّبُ أَثَرُ التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ لِعَفْوِ اللهِ عَنْهُ،
فإِنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا.

وَالثَّانِي: فِي حَقِّهِ لَيْسَ بِحَرَامٍ؛
لِعَدَمِ بُلُوغِ دَلِيلِ التَّحْرِيمِ لَهُ،
وَإِن كَانَ حَرَامًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ،
فَتَكونُ نَفْسُ حَرَكَةِ ذَلِكَ الشَّخْصِ لَيْسَتْ حَرَامًا.

وَالْخِلَافُ مُتَقَارِبٌ،
وَهُوَ شَبِيهٌ بِالِاخْتِلَافِ فِي الْعِبَارَةِ.

فَإِنْ قِيلَ: فَمَنِ الْمُعَاقَبُ؟
فَإِنَّ فَاعِلَ هَذَا الْحَرَامِ: إمَّا مُجْتَهِدٌ أَو مُقَلِّدٌ لَهُ،
وَكِلَاهُمَا خَارج عَنِ الْعُقُوبَةِ؟

قُلْنَا: قَد يَكُونُ فِي النَّاسِ مَن يَفْعَلُهُ غَيْرَ مُجْتَهِدٍ اجْتِهَادًا يُبِيحُهُ،
وَلَا مُقَلِّدًا تَقْلِيدًا يُبِيحُهُ،
فَهَذَا الضَّرْبُ قَد قَامَ فِيهِ سَبَبُ الْوَعِيدِ مِن غَيْرِ هَذَا الْمَانِعِ الْخَاصِّ،
فَيَتَعرَّضُ لِلْوَعِيدِ ويلْحَقُهُ،
إلَّا أَنْ يَقُومَ فِيهِ مَانِعٌ آخَرُ مِن تَوْبَةٍ أَو حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ أَو غَيْرِ ذَلِكَ.

ثُمَّ هَذَا مُضْطَرِبٌ؛
قَد يَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنَّ اجْتِهَادَهُ أَو تَقْلِيدَهُ مُبِيحٌ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ،
ويكُونُ مُصِيبًا فِي ذَلِكَ تَارَةً،
وَمُخْطِئًا أُخْرَى،
لَكِنْ مَتَى تَحَرَّى الْحَقَّ وَلَمْ يَصُدَّهُ عَنْهُ اتِّبَاعُ الْهَوَى فَلَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا.
[٢٠/ ٢٣١ - ٢٨٠]

١٢٤٥ - إِنَّمَا يَتَفَاضَلُ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَن بَعْدَهُم بِكَثْرَةِ الْعِلْمِ أَو جَوْدَتِهِ.
[٢٠/ ٢٣٣]

١٢٤٦ - تَرْجِيحُ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ عَلَى بَعْضٍ؛
مِثْل مَن يُرَجِّحُ إمَامَهُ الَّذِي تَفَقَّهَ عَلَى مَذْهَبِهِ،
أَو يُرَجحُ شَيْخَهُ الَّذِي اقْتَدَى بِهِ عَلَى غَيْرِهِ .. : فَهَذَا الْبَابُ أَكْثَرُ النَّاسِ يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ بِالظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ؛
فَإِنَّهُم لَا يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ مَرَاتِبِ الأئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ،
وَلَا يَقْصِدُونَ اتِّبَاعَ الْحَقّ الْمُطْلَقِ،
بَل كُلُّ إنْسَانٍ تَهْوَى نَفْسُهُ أَنْ يُرَجِّحَ مَتْبُوعَهُ فَيُرَجِّحَهُ بِظَنٍّ يَظُنُّهُ،
وَإِن لَمْ يَكُن مَعَهُ بُرْهَانٌ عَلَى ذَلِكَ،
وَقَد يُفْضِي ذَلِكَ إلَى تَحَاجِّهِمْ وَقِتَالِهِمْ وَتَفَرُّقِهِمْ،
وَهَذَا مِمَّا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ.

وَأَمَّا مَن تَرَجَّحَ عِنْدَهُ فَضْلُ إمَامٍ عَلَى إمَامٍ،
أَو شَيْخٍ عَلَى شَيْخِ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ كَمَا تَنَازَع الْمُسْلِمُونَ: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ التَّرْجِيعُ فِي الْأذَانِ أَو تَرْكُهُ؟
أَوَ إفْرَادُ الْإِقَامَةِ أَو تَثْنِيَتُهَا؟
..
وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَهَذِهِ مَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا السَّلَفُ وَالْأئِمَّةُ،
فَكُل مِنْهُم أَقَرَّ الْآخَرَ عَلَى اجْتِهَادِهِ،
مَن كَانَ فِيهَا أَصَابَ الْحَقَّ فَلَهُ أَجْرَانِ،
وَمَن كَانَ قَدِ اجْتَهَدَ فَأخْطَأَ فَلَة أَجْرٌ،
وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ،
فَمَن تَرَجَّحَ عِنْدَهُ تَقْلِيدُ الشَافِعِيِّ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى مَن تَرَجَّحَ عِنْدَهُ تَقْلِيدُ مَالِكٍ،
وَمَن تَرَجَّحَ عِنْدَهُ تَقْلِيدُ أَحْمَد لَمْ يُنْكِرْ عَلَى مَن تَرَجَّحَ عِنْدَهُ تَقْلِيدُ الشَّافِعِيِّ وَنَحْوُ ذَلِكَ.

وَلَا أحَدَ فِي الْإِسْلَامِ يُجِيبُ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُم بِجَوَابٍ عَامّ: أَنَّ فُلَانًا أَفْضَلُ مِن فُلَانٍ فَيُقْبَلُ مِنْهُ هَذَا الْجَوَابَ،
لأنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تُرَجِّحُ مَتْبُوعَهَا فَلَا تَقْبَلُ جَوَابَ مَن يُجِيبُ بِمَا يُخَالِفُهَا فِيهِ.

وَمَا مِن إمَامٍ إلَّا لَهُ مَسَائِلُ يَتَرَجَّحُ فِيهَا قَوْلُهُ عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ،
وَلَا يَعْرِفُ هَذَا التَّفَاضُلَ إلَّا مَن خَاضَ فِي تَفَاصِيلِ الْعِلْمِ.
[٢٠/ ٢٩١ - ٢٩٣]

👤
مصدر الفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية
من «تقريب فتاوى ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية» · ص 144 · رفع الملام عن الأئمة الأعلام

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«ثُمَّ إنْ عُرِفَ مِن حَالِهِ أَنَّهُ يَلْتَزِمُهُ…»

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر