الإسلام > فتاوى > معاملات > إذا كان لرجل عند غيره حق: فهل يأخذه أو نظيره بغير إدنه
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
وَقَد يَتَّفِقُ أَنَّ مَن يَحْكُمُ بِذَلِكَ يَزِيدُ ذَلِكَ ظُلْمًا بِجَهْلِهِ وَظُلْمِهِ،
وَيَتَّفِقُ أَنَّ كُلَّ أَهْلِ ظُلْمٍ وَشَرٍّ يَزِيدُونَ الشَّرَّ شَرًّا،
وَيَنْسُبُونَ هَذَا الظُّلْمَ كُلَّهُ إلَى شَرْعِ مَن نَزَّهَهُ اللهُ عَن الظُّلْمِ،
وَبَعَثَهُ بِالْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ،
وَجَعَلَ الْعَدْلَ الْمَحْضَ الَّذِي لَا ظُلْمَ فِيهِ هُوَ شَرْعُهُ.
وَلهَذَا كَانَ الْعَدْلُ وَشَرْعُهُ مُتَلَازِمَيْنِ،
قَالَ اللهُ تَعَالَى:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}
[النساء: ٥٨] ،
وَقَالَ تَعَالَى:
{فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }
[المائدة: ٤٢] . [٣٠/ ٣٤٨ - ٣٥٥]
* * *
(إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عِنْدَ غَيْرِهِ حَقٌّ: فَهَل يَأْخُذُهُ أَو نَظِيرَهُ بِغَيْرِ إدْنِهِ؟)
٣٩٦٥ - إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عِنْدَ غَيْرِهِ حَقٌّ مِن عَيْنٍ أَو دَيْنٍ: فَهَل يَأْخُذُهُ أَو نَظِيرَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؟
فَهَذَا نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ ظَاهِرًا لَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتٍ؛
مِثْل اسْتِحْقَاقِ الْمَرْأَةِ النَّفَقَةَ عَلَى زَوْجِهَا،
وَاسْتِحْقَاقَ الْوَلَدِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَالِدُهُ،
وَاسْتِحْقَاقِ الضَّيْفِ الضِّيَافَةَ عَلَى مَن نَزَلَ بِهِ،
فَهُنَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِدُونِ إذْنِ مَن عَلَيْهِ الْحَقُّ بِلَا ريبٍ؛
كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عتبة بْنِ رَبِيعَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ: إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَإِنَّهُ لَا يُعْطِينِي مِن النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَبَنِيَّ،
فَقَالَ: "خُذِي مَا يَكلفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ" .
فَأَذِنَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ نَفَقَتَهَا بِالْمَعْرُوفِ بِدُونِ إذْنِ وَليِّهِ.
وَهَكَذَا مَن عَلِمَ أَنَّهُ غُصِبَ مِنْهُ مَالُهُ غَصْبًا ظَاهِرًا يَعْرِفُهُ النَّاسُ،
فَأَخَذَ
الْمَغْصُوبَ أَو نَظِيرَهُ مِن مَالِ الْغَاصِبِ،
وَكَذَلِكَ لَو كَانَ لَهُ دَيْنٌ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَهُوَ يَمْطُلُهُ،
فَأَخَذَ مِن مَالِهِ بِقَدْرِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: أَلَّا يَكُونَ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ ظَاهِرًا؛
مِثْل أَنْ يَكُونَ قَد جَحَدَ دَيْنَهُ،
أَو جَحَدَ الْغَصْبَ وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمُدَّعِي،
فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد.
وَالثَّانِي: لَهُ أَنْ يَأْخُذَ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَالْمُجَوِّزُونَ يَقُولُونَ: إذَا امْتَنَعَ مِن أَدَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ: ثَبَتَت الْمُعَاوَضَةُ بِدُونِ إذْنِهِ لِلْحَاجَةِ.
لَكِنْ مَن مَنَعَ الْأَخْذَ مَعَ عَدَمِ ظُهُورِ الْحَقِّ اسْتَدَلَّ بِمَا فِي السُّنَنِ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: "أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَن ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَن خَانَك" .
وَفِي "الْمُسْنَدِ" عَن بَشِيرِ بْنِ الخصاصية أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ لَنَا جِيرَانًا لَا يَدَعُونَ لَنَا شَاذَّةً وَلَا فَادَّةً إلَّا أَخَذُوهَا،
فَإِذَا قَدَرْنَا لَهُم عَلَى شَيْءٍ أَنَأْخُذُهُ؟
قَالَ: "لَا،
أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَن ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَن خَانَك" .
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُبَيِّنُ: أَنَّ حَقَّ الْمَظْلُومِ فِي نَفْسِ الْأمْرِ إذَا كَانَ سَبَبُهُ لَيْسَ ظَاهِرًا،
وأَخَذَهُ خِيَانَةً: لَمْ يَكُن لَهُ ذَلِكَ.
وَإِن كَانَ هُوَ يَقْصِدُ أَخْذَ نَظِيرِ حَقِّهِ،
لَكِنَّهُ خَانَ الَّذِي ائْتَمَنَهُ،
فَإِنَّهُ لَمَّا سَلَّمَ إلَيْهِ مَالَهُ فَأَخَذَ بَعْضَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ،
وَالِاسْتِحْقَاقُ لَيْسَ ظَاهِرًا كَانَ خَائِنًا.
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.