ما الحكم الوافي بموضوع التجارةِ بالمصحف بيعاً وشراءً

الإسلام > فتاوى > معاملات > ما الحكم الوافي بموضوع التجارةِ بالمصحف بيعاً وشراءً

آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50

جواب الفتوى عن «ما الحكم الوافي بموضوع التجارةِ بالمصحف بيعاً وشراءً»

بسم الله الرحمن الرحيم

خلاصة الحكم في المسألة أنه يجوز بيع المصحف للمسلم،
وذلك أنه لا يمكن تداوله وحصول الناس عليه إلا بدافع يدفع بعضهم للتجارة فيه،
والثمن إنما هو ثمن الورق والحبر والنقل ونحو ذلك،
وأما المحتوى فهو كلام الله،
وهو أغلى وأنفس من أن يتاجر فيه.

والذين أجازوا بيعه والاتجار فيه نظروا إلى الأمر من هذه الزاوية،
مع تعظيمهم للمصحف،
وحرصهم على عدم امتهانه.

وأما الذين منعوا الاتجار فيه فخوفاً عليه من الامتهان،
وكلهم يرون تحريم بيع المصحف لغير المسلم؛
لما في ذلك من الامتهان للمصحف،
وقد تساهل العلماء في بيع المصحف المرفق به ترجمة لمعانيه لغير المسلم رغبة في دعوته إلى الإسلام،
والأفضل أن يعطى غير المسلم ترجمة لمعاني القرآن بلغته،
خالية من نص القرآن حتى يكون بمنأى عن الابتذال والامتهان.

وأما تفصيل الأقوال في حكم التجارة بالمصحف فقد ذكرها الباحثون،
وهي أن للعلماء في حكم بيع المصحف أربعة أقوال:

- القول الأول: أنه يجوز بيع المصحف للمسلم؟

وبهذا قال الحنفية،
كما نقله عنهم الشافعي وابن قدامة والمالكية،
وهو وجه في مذهب الشافعية،
وبه قال الإمام أحمد في رواية عنه وابن حزم.

واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والآثار والمعقول:

أولاً: من الكتاب:

١- قول الله تعالى: "وأحلَّ اللهُ البيعَ وحرَّمَ الربا" [البقرة:٢٧٥] ،
ويمكن توجيه الاستدلال بهذه الآية بأَنَّ اللهَ أَباحَ البيعَ إباحةً عامةً فيدخلُ فيه بيعُ المصحف.

٢- قوله تعالى: "وقد فَصَّلَ لكم ما حَرَّمَ عليكم إلا ما اضطررتم إليه" [الأنعام:١١٩] ووجه الاستدلال أن الله ذَكرَ أنه فَصَّلَ كُلَّ مُحرَّمٍ ولم يذكر تَحريم بيع المصحف،
فيكون بيع المصحف حلالاً،
لأَنَّه لم يُفَصِّلْ لنا تَحريمَه (وما كان ربك نسياً) ،
ولو فَصَّلَ تحريمه لَحفظه اللهُ حتى تقومَ به الحُجةُ على العبادِ.

ثانياً: من الآثار:

١-ما رُوي أَن ابن مصبح كان يكتب المصاحف في زمن عثمان -رضي الله عنه- ويبيعها ولا ينكر عليه ذلك.
المدونة ١١/٤١٨.

وقد رده ابن حزم بأن في سنده عبد الملك بن حبيب وابن مصبح وطلق بن السمح ولا يدري من هم من خلق الله،
وعبد الجبار بن عمر الأبلي وهو ساقط لم يدرك عثمان،
وأنه ليس في الأثر أن عثمان -رضي الله عنه- عرف بذلك،
ولا أحد من الصحابة.

٢- ما رُوي أَنَّ عبد الله بن عباس ومروان بن الحكم سُئِلا عن بيع المصاحف للتجارة فيها فقالا: لا نرى أنْ نَجعلَه مَتْجَراً،
ولكن ما عملتَ بيديكَ فلا بأس به.
أخرجه البيهقي ٦/١٦.

وهذا الأثر واضح الدلالة.
وقد ناقشه ابن حزم بأن في سنده بكير بن مسمار وهو ضعيف،
والحارث بن أبي الزبير وهو مجهول.

ثالثاً: من المعقول:

١- أن الذي يباع هو القرطاس والمداد والأديم إن كانت المصاحف مجلدة،
وما عليها من حلية إن كانت محلاة،
وهذا جائز،
وأما ما فيها من العلم فإنه لا يباع.

هذه هي الأدلة التي استدل بها من أجاز بيع المصحف للمسلم دون بيعه لغير المسلم.

القول الثاني: أنه يكره بيع المصحف للمسلم.

وبهذا قال الإمام الشافعي،
وهو الوجه الصحيح عند أصحابه،
والإمام أحمد في رواية عنه،
وبها أخذ بعض أصحابه.

واستدلوا على ذلك بما يلي:

١- ما رواه سالم بن عبد الله بن عمر قال: كان ابن عمر يمر بأصحاب المصاحف،
فيقول: بئس التجارة أخرجه عبد الرزاق (١٤٥٢٩) والبغوي في الجعديات (٢٢٤٥) وابن حزم ٩/٤٦ والبيهقي ٦/١٦.

٢- ما رواه عبد الله بن شقيق،
قال: كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكرهون بيع المصحف أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٠٤- تفسيره) وابن حزم ٩/٤٥ والبيهقي ٦/١٦.

٣- ما روي عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنه كره شراء المصاحف وبيعها.
انظر مصنف ابن أبي شيبة ٤/٢٨٧،
وسنن البيهقي ٦/١٦.

وهذه الآثار واضحة الدلالة.

والكراهة في هذه الآثار كراهة تنزيه كما ذكر البيهقي،
حيث قال بعد روايته لها: وهذه الكراهة على وجه التنزيه تعظيماً للمصحف عن أن يبتذل بالبيع أو يتخذ متجراً.

مناقشة هذه الدلالة:

الوجه الأول: أنها أقوال وأفعال صحابة،
وهو مختلف في الاحتجاج بها.
كيف وقد عارضت عموم الدلالة على إباحة البيع كما سبق في أدلة أصحاب القول الاول.

الوجه الثاني: يمكن حملها على ما إذا اتخذت للتجارة،
أو بطريقة تؤدي إلى إهانته وامتهانه.

القول الثالث: أنه يحرم بيع المصحف للمسلم.

وبهذا قال الإمام أحمد في الرواية المشهورة عنه،
وبها أخذ بعض أصحابة.

واستدلوا على ذلك بآثار الصحابة والمعقول:

أولاً: من آثار الصحابة:

ما رواه سالم بن عبد الله،
قال: قال ابن عمر: لوددتُ أن الأيدي قطعت في بيع المصاحف أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٢٤- تفسيره) وابن أبي شيبة ٤/٢٨٧ والبيهقي ٦/١٦.

وجه الاستدلال: يمكن توجيه الاستدلال به بأن ابن عمر ذكر أنه يود قطع اليد في بيع المصاحف.
والقطع عقوبة كبيرة لا تكون إلا على فعل محرم،
فدل ذلك على حرمة بيع المصاحف.

مناقشة هذا الدليل: يمكن مناقشته بما سبق من مناقشة أدلة أصحاب القول الثاني.

ثانياً: من المعقول:

أن تعظيم المصاحف واجب؛
لأنه كلام الله،
وفي بيعه إهانة وابتذال له فيحرم.

مناقشة هذا الدليل: يمكن مناقشته بعدم التسليم بأن في بيع المصحف إهانة له مطلقاً،
بل إنما يكون ذلك إذا قُصِدَ به التجارة أو بطريقة تقتضي ذلك.

الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة -والله أعلم بالصواب- هو القول الأول القائل بجواز بيع المصحف للمسلم.
لقوة ما استدلوا به من عموم الأدلة،
لكن لا يجوز أن يقصد ببيعه التجارة،
أو يكون بطريقة تقتضي إهانته وابتذاله،
لما في ذلك من الإخلال بمنزلته الشريفة.

مراجع للاستزادة:

فقه القرآن وخصائصه للدكتور فرج توفيق الوليد.
ط. مطبعة الرشاد ببغداد.

المتحف في أحكام المصحف،
للدكتور صالح الرشيد.
ط. مؤسسة الريان.

الأحكام الفقهية الخاصة بالقرآن الكريم،
للدكتور عبد العزيز الحجيلان.
ط. دار ابن الجوزي.

👤
مصدر الفتوى د. عبد الرحمن بن معاضة الشهري
من «فتاوى واستشارات موقع الإسلام اليوم» · ص 299 · المعاملات > البيوع > البيوع المنهي عنها

⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.

فتاوى ذات صلة بـ«ما الحكم الوافي بموضوع التجارةِ بالمصحف بيعاً وشراءً»

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 38%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده