الإسلام > فتاوى > نكاح > أشعر بالحيرة بخصوص نوع الموسيقى التي يمكن أن نستمع إليها، ونوع البرا…
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،
وبعد:
فقد اشتمل سؤالك على مسئلتين:
المسألة الأولى: ما يتعلق بالموسيقى.
فاعلم أن الموسيقى يحرم الاستماع إليها لأنها هي المعازف التي نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها،
كما في صحيح البخاري،
كتاب الأشربة،
باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه،
(٥٥٩٠) عن أبي عامر أو -أبي مالك- الأشعري،
عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر،
والحرير،
والخمر والمعازف" .
فقوله: "يستحلّون" دليل على أنها محرمة،
و "الحِر" هو الفرج.
بل استدل أهل العلم بآيات من القرآن على تحريم الموسيقى والغناء.
منها قوله -تعالى-: "وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ" [الإسراء:٦٤] . قال مجاهد: صوته هو المزامير.
ومنها قوله -سبحانه-: "أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وتضحكون ولا تبكون وَأَنتُمْ سَامِدُونَ" [النجم:٥٩-٦١] .
فجعل من صفات الكفار المذمومة السمود،
والسمود في اللغة هو: اللهو والغناء.
وقد جاءت أحاديث أخرى في الزجر عن استماع المزامير،
والمعازف (وهي الموسيقى) وكذلك الغناء،
وهي أحاديث يحتج ببعضها،
وبعضها مما يمكن الاعتضاد به.
فمنها حديث أنس -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة،
صوت عند نعمة،
ورنة عند مصيبة" أخرجه البزار ،
وقال المنذري (٤/١٧٧) : رواته ثقات.
وعند الترمذي (١٠٠٥) وحسنه،
من حديث جابر -رضي الله عنه- نحوه،
وفيه: "صوت عند نعمة لهو وطرب ومزامير الشيطان" .
وجاء عن الصحابة والتابعين وطوائف من أهل العلم بعدهم ما يدل على اتفاقهم على ذم المعازف وأهلها،
وأنها تصدّ عن ذكر الله.
واستفت قلبك يا أخي فيما يتعلق بهذا الأمر لتجد أن القلب يتغير باستماعه للموسيقى والغناء،
وإياك أن تستخف باليسير فتتمادى إلى ما فوقه.
المسألة الثانية: ما يتعلق بالبرامج التلفزيونية:
أودّ أن تعلم ويعلم غيرك قواعد لا بد من التنبيه عليها:
القاعدة الأولى: أن الحكم على الشيء يكون بما غلب عليه إذا كان أصله مباحاً.
فقد يكون الجلوس في مكانٍ ما مباحاً في الأصل؛
غير أنه قد يحرم إذا غلب على هذا المكان حصول الفتنة فيه،
أو حدوث المنكرات منه.
يدل على ذلك أدلة منها قوله -تعالى-: "وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ" [النساء:١٤٠] ،
فإذا كان القعود في أصله مباحاً فقد حرم حين يغلب على الحديث ما هو منكر.
القاعدة الثانية: أن المسلم مأمور باجتناب ما يخشى على دينه منه.
ويدل على هذا أدلة كثيرة جداً،
منها ما هو مستند على قاعدة سد الذرائع وغيرها.
وقد جاء عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من سمع بالدجال فلينأ عنه،
فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن،
فيتبعه مما يبعث به من الشبهات،
أو لما يبعث به من الشبهات " أخرجه أبو داود (٤٣١٩) بسند صحيح عن عمران -رضي الله عنه -.
فعلى المسلم أن يجتنب مواضع الفتنة ووسائلها ما استطاع.
القاعدة الثالثة: أن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب،
ومثلها قاعدة مالا يتم اجتناب المنهي عنه إلا به فهو واجب،
وهذه قاعدة قد نص عليها الفقهاء والأصوليون،
ومن أخذ بها سلم من كثير مما قد يقع فيه الناس من المعاصي والأخطاء،
دون أن يدركوا سبب وصولهم إليها.
فمثلاً من كان سهره في الليل يثقله عن صلاة الفجر،
فإنه يحرم عليه السهر الذي سيوصله إلى هذا الحد؛
لأن مالا يتم الواجب -وهو أداء الصلاة- إلا به -وهو ترك السهر- فهو واجب.
القاعدة الرابعة: وهي تابعة للسابقة،
أن كل ما يلهي،
أو يصدّ أو يضعف عن عمل واجب سواء كان لله،
كالصلاة،
أو لأحدٍ من عباده،
كحق الوالدين،
والزوجة،
والأولاد،
فإنه محرم في حاله تلك.
قال سبحانه: "إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ" [المائدة:٩١] .
وقال جل ذكره: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ" [المنافقون:٩] ،
ولغير ذلك من الأدلة.
إذا تقررت القواعد السابقة فإن الحكم يتضح إن شاء الله فيما يتعلق بالتلفزيون وغيره من وسائل الإعلام،
بل وبكل وسيلة هي في الأصل مباحة.
فما عليك إلا أن تطبق القواعد السابقة على تلك الوسيلة ليتبين لك الحكم.
فمثلاً ما يسمى التلفاز أو الرائي،
هو في الأصل آلة ووسيلة تعرض ما تُمدّ به من مادة،
فيكون حكمه بحسب هذه المادة،
فإن كانت مباحة فاستعماله مباح،
وإن كانت محرمة فاستعماله محرم.
فإن كانت المادة مختلطة؛
فيها محرم وفيها مباح فالحكم العام في استعماله يستند إلى القاعدة الأولى،
وهي أن الحكم للأغلب،
فإذا غلب على برامجه الإباحة كان استعماله مباحاً وإذا غلب على برامجه التحريم كان محرماً.
وهذا الحكم حكم إجمالي لا يعني أننا إذا قلنا بالإباحة أن يباح النظر إلى المحرم منه وهي النسبة القليلة كصور النساء والأغاني ونحوها.
بل المقصود أن يكون الاستعمال مباحاً مع اجتناب المحرم.
وأما لو غلب المحرم فالاستعمال محرم،
ولا ينظر إلى وجود المباح القليل فيه.
وبهذا الميزان العام يمكن أن يجاب عن
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.