الإسلام > فتاوى > نكاح > (مِن شَعَائِرِ النِّكَاحِ: إعْلَانُهُ) ٤٤٠١ - مِن شَعَائِرِ النِّكَا…
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
فَأَجَابَ: إذَا تَزَوَّجَهَا بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَكَتَمَا النِّكَاحَ: فَهَذَا نِكَاحٌ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛
بَل الَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ أنَّهُ "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيِّ" ،
"وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ" .
وَكِلَا هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ مَأْثُورٌ فِي السُّنَنِ عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن السَّلَفِ: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَمَالِكٌ يُوجِبُ إعْلَانَ النِّكَاحِ.
وَنِكَاحُ السِّرِّ: هُوَ مِن جِنْسِ نِكَاحِ الْبَغَايَا.
لَكِنْ إن اعْتَقَدَ هَذَا نِكَاحًا جَائِزًا كَانَ الْوَطْءُ فِيهِ وَطْءَ شُبْهَةٍ يُلْحَقُ الْوَلَدُ فِيهِ وَيَرِثُ أَبَاهُ.
[٣٢/ ١٠٢ - ١٠٣]
فَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَضْرِبُ عَلَى النِّكَاحِ السِّرِّ،
فَإِنَّ نِكَاحَ السِّرِّ مِن جِنْسِ اتِّخَاذِ الْأَخْدَانِ شَبِيهٌ بهِ،
لَا سِيَّمَا إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَكَتَمَا ذَلِكَ،
فَهَذَا مِثْلُ الَّذِي يَتَّخِذُ صَدِيقَةً،
لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ يَتَمَيَّزُ بِهِ عَن هَذَا،
فَلَا يَشَاءُ مَن يَزْنِي بِامَرَأةٍ صَدِيقَةٍ لَهُ إلَّا قَالَ: تَزَوَّجْتهَا،
وَلَا يَشَاءُ أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ لِمَن تَزَوَّجَ فِي السِّرّ: إنَّهُ يَزْنِي بِهَا إلَّا قَالَ ذَلِكَ،
فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَرْقٌ مُبِينٌ.
فَإِذَا ظَهَرَ لِلنَّاسِ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ قَد أَحْصَنَهَا: تَمَيَّزَتْ عَن الْمُسَافِحَاتِ وَالْمُتَّخِذَاتِ أَخْدَانًا.
كَمَا أَنَّهُ إذَا كَتَمَ نِكَاحَهَا فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَحَدٌ لَمْ تَتَمَيَّزْ مِن الْمُتَّخِذَاتِ أَخْدَانًا.
وَقَد اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ هَذَا عَن هَذَا:
فَقِيلَ: الْوَاجِبُ الْإِعْلَانُ فَقَطْ،
سَوَاءٌ أَشْهَدَ أَو لَمْ يُشْهِدْ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَكَثِيرٍ مِن فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ.
وَقِيلَ: الْوَاجِبُ الْإِشْهَادُ،
سَوَاء أَعْلَنَ أَو لَمْ يُعْلِنْ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٍ عَن أَحْمَد.
وَقِيلَ: يَجِبُ الأمْرَانِ،
وَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَن أَحْمَد.
وَقِيلَ: يَجِبُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الرِّوَايَةُ الرَّابِعَةُ عَن أَحْمَد.
وَاشْتِرَاطُ الْإِشْهَادِ وَحْدَهُ ضَعِيفٌ،
لَيْسَ لَهُ أَصْل فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ،
فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِيهِ حَدِيثٌ.
وَمِن الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُونَ دَائِمًا لَهُ شُرُوطٌ لَمْ يُبَيِّنْهَا رَسُولُ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم-،
وَهَذَا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ،
فَجَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ يَحْتَاجُونَ إلَى مَعْرِفَةِ هَذَا.
وَإِذَا كَانَ هَذَا شَرْطًا: كَانَ ذِكْرُهُ أَوْلَى مِن ذِكْرِ الْمَهْرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَمْ يَكُن لَهُ ذِكْرٌ فِي كِتَابِ اللّهِ وَلَا حَدِيثٍ ثَابِتٍ عَن رَسُولِ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم-.
فَتَبيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا أوْجَبَهُ اللّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مَنَاكِحِهِمْ.
قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ مِن أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ: لَمْ يَثْبُتْ عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي الْإِشْهَادِ عَلَى النكَاحِ شَيْءٌ.
ثُمَّ مِن الْعَجَب أَنَّ اللّهَ أمَرَ بِالْإِشْهَادِ فِي الرَّجْعَةِ،
وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ فِي النِّكَاحِ،
ثُمَّ يَأْمُرُونَ بِهِ فِي النِّكَاحِ وَلَا يُوجِبُهُ أَكْثَرُهُم فِي الرَّجْعَةِ!
وَاللّهُ أَمَرَ بِالْإِشْهَادِ فِي الرَّجْعَةِ؛
لِئَلَّا يُنْكِرَ الزَّوْجُ وَيَدُوم مَعَ امْرَأَتِهِ،
فَيُفْضِي إلَى إقَامَتِهِ مَعَهَا حَرَامًا،
وَلَمْ يَأمُرْ بِالْإِشْهَادِ عَلَى طَلَاقٍ لَا رَجْعَةَ مَعَهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُسَرِّحُهَا بِإِحْسَانٍ عقيب الْعِدَّةِ فَيَظْهَرُ الطَّلَاقُ.
وَلهَذَا قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ مِمَّا يَعِيبُ بِهِ اهْلَ الرَّأيِ: أَمَرَ اللّه بِالْإِشْهَادِ فِي الْبَيْعِ دُونَ النكَاحِ،
وَهُم أَمَرُوا بِهِ فِي النكَاحِ دُونَ الْبَيْعِ!
وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَالْإِشْهَادُ فِي الْبَيْعِ إمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُسْتَحَبٌّ،
وَقَد دَلَّ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.
وَأَمَّا النِّكَاحُ فَلَمْ يَرِد الشَّرْعُ فِيهِ بِإِشْهَاد وَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ؛
وَذَلِكَ أَنَّ النِّكَاحَ أُمِرَ فِيهِ بِالْإِعْلَانِ،
فَأَعْنَى إعْلَانُهُ مَعَ دَوَامِهِ عَن الْإِشْهَادِ،
فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَكونُ عِنْدَ الرَّجُلِ وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ،
فَكَانَ هَذَا الْإِظْهَارُ الدَّائِمُ مُغْنِيًا عَن الْإِشْهَادِ كَالنَّسَبِ،
فَإِنَّ النَّسَبَ لَا يُحْتَاجُ إلَى أَنْ يُشْهِدَ فِيهِ أَحَدًا عَلَى وِلَادَةِ امْرَأَتِهِ؛
بَل هَذَا يَظْهَرُ وَيُعْرفُ أَنَّ امْرَأَتَه وَلَدَتْ هَذَا فَأَغْنَى هَذَا عَن الْإِشْهَادِ،
بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛
فَإِنَّهُ قَد يجْحَدُ وَيَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.