الإسلام > فتاوى > نكاح > (وطء الْمَرْأَة الْمُطَلَّقَة فِي الدُّبُرِ لا يجعلها حلالًا لِزَوْج…
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
فَأجَابَ: هَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورِينَ وَغَيْرِهِمْ مِن أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛
فَإِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا: "لَا،
حَتَّى تَذُوقي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك" ،
وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن الْعُسَيْلَةِ،
وَهَذَا لَا يَكُونُ بِالدُّبُرِ،
وَلَا يُعْرَفُ فِي هَذَا خِلَافٌ.
[٣٢/ ١٠٩]
* * *
[حكم طلاق المرتد ونكاحه]
٤٦٥٢ - إذَا ارْتَدَّ وَلَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتى انْقَضَتْ عِدَّةُ امْرَأَتِهِ: فَإِنَّهَا تَبِينُ مِنْهُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَإِذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ: فَقَد طَلَّقَ أَجْنَبِيَّةً فَلَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ.
فَإِذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا.
وَإِن طَلَّقَهَا فِي زَمَنِ الْعِدَّةِ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إلَى الْإِسْلَامِ: فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ.
[٣٢/ ١٩٠ - ١٩١]
* * *
بَابٌ طَلَاقِ السُّنَّةِ وَطلَاقِ الْبدْعَةِ
(ما يَحِلُّ مِن الطَّلَاقِ وَيَحْرُمُ وَهَل يَلْزَمُ الْمُحَرَّمُ؟)
٤٦٥٣ - الطَّلَاقُ مِنْهُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ،
وَمِنْهُ مَا لَيْسَ
بِمُحَرَّمٍ؛
فَالطَّلَاقُ الْمُبَاحُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ هُوَ أَنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً وَاحِدَةً إذَا طَهُرَتْ مِن حَيْضَتِهَا بَعْدَ أَنْ تَغْتَسِلَ وَقَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا،
ثُمَّ يَدَعَهَا فَلَا يُطَلِّقَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا.
وَهَذَا الطَّلَاقُ يُسَمَّى: طَلَاقَ السُّنَّةِ.
فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فِي الْعِدَّةِ: فَلَهُ ذَلِكَ بِدُونِ رِضَاهَا وَلَا رضى وَليِّهَا وَلَا مَهْرٍ جَدِيدٍ.
وَإِن تَرَكَهَا حَتَّى تَقْضِيَ الْعِدَّةَ: فَعَلَيْهِ أَنْ يُسَرِّحَهَا بِإِحْسَان فَقَد بَانَتْ مِنْهُ.
فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ،
لَكِنْ يَكُونُ بِعَقْدٍ،
كَمَا لَو تَزَوَّجَهَا ابْتِدَاءً،
أَو تَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ،
ثُمَّ ارْتَجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ،
أَو تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ وَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا،
فَإِنَّهُ يُطَلّقُهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ إذَا ارْتَجَعَهَا،
أَو تَزَوَّجَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً وَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَإِنَّهُ يُطَلِّقُهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
فَإِذَا طَلَّقَهَا الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ: حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ كَمَا حَرَّمَ اللهُ ذَلِكَ وَرَسُولُهُ.
وَحِينَئِذٍ فَلَا تُبَاحُ لَهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ النِّكَاحَ الْمَعْرُوفَ الَّذِي يَفْعَلُهُ النَّاسُ إذَا كَانَ الرَّجُلُ رَاغِبًا فِي نِكَاحِ الْمَرْأَةِ ثُمَّ يُفَارِقُهَا.
فَأَمَّا إنْ تَزَوَّجَهَا بِقَصْدِ أَنْ يَحِلَّهَا لِغَيْرِهِ: فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَمَا نُقِلَ عَن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان وَغَيْرِهِمْ،
وَكَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ وَالْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّة.
وَإِن كَانَت الْمَرْأَةُ مِمَّا لَا تَحِيضُ لِصِغَرِهَا أَو كِبَرِهَا: فَإِنَّهُ يُطَلِّقُهَا مَتَى شَاءَ،
سَوَاءٌ كَانَ وَطِئَهَا أَو لَمْ يَكُن يَطَؤُهَا؛
فَإِنَّ هَذِهِ عِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ،
فَفِي أيِّ وَقْتٍ طَلَّقَهَا لِعِدَّتِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْتَدُّ بِقُرُوء وَلَا بِحَمْل.
وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ أَو طَلَّقَهَا بَعْدَ أَنْ وَطِئَهَا وَقَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا: فَهَذَا الطَّلَاقُ مُحَرَّمٌ،
وَيُسَمَّى: طَلَاقَ الْبِدْعَةِ،
وَهُوَ حَرَامٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
وَإِنْ كَانَ قَد تبَيَّنَ حَمْلُهَا وَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا: فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا.
وَهَل يُسَمَّى هَذَا طَلَاقَ سُنَّةٍ؟
أَو لَا يُسَمَّى طَلَاقَ سُنَّةٍ وَلَا بِدْعَةٍ؛
فِيهِ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ.
وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَو كَلِمَاتٍ؛
مِثْل أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا،
أَو أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ،
أَو أَنْتِ طَالِقٌ ثمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ،
أَو يَقُولُ: أَنْتِ طَالِقٌ،
ثُمَّ يَقُولُ: أَنْتِ طَالِقٌ،
ثُمَّ يَقُولُ: أَنْتِ طَالِقٌ،
أَو يَقُولُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا،
أَو عَشْرَ طَلْقَاتٍ أَو مِائَةَ طَلْقَةٍ،
أو ألْفَ طَلْقَةٍ،
وَنَحْو ذَلِكَ مِن الْعِبَارَاتِ: فَهَذَا لِلْعُلَمَاءِ مِن السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ،
سَوَاءٌ كَانَت مَدْخُولًا بِهَا أَو غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا.
وَفِيهِ قَوْلٌ رَابِعٌ مُحْدَثٌ مُبْتَدعٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ طَلَاقٌ مُبَاحٌ لَازِمٌ،
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْقَدِيمَةِ عَنْهُ اخْتَارَهَا الخرقي.
الثَّانِي: أَنَّهُ طَلَاقٌ مُحَرَّمٌ لَازِمٌ،
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ مُحَرَّمٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ،
وَهَذَا الْقَوْلُ مَنْقُولٌ عَن طَائِفَةٍ مِن السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - .
وَأَمَّا الْقَوْلُ الرَّابِعُ الَّذِي قَالَهُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ: فَلَا يُعْرَفُ عَن أَحَدٍ مِن السَّلَفِ،
وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ؛
فَإِنَّ كُلَّ طَلَاقٍ شَرَعَهُ اللهُ فِي الْقُرْآنِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إنَّمَا هُوَ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ،
لَمْ يُشَرِّعْ اللّهُ لِأَحَد أَنْ يُطَلِّقَ الثَّلَاثَ جَمِيعًا،
وَلَمْ يُشَرِّع لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ الْمَدْخُولَ بِهَا طَلَاقًا باينًا - وَلَكِنْ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا بَانَتْ مِنْهُ- فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بَانَتْ مِنْهُ.
فَالطَّلَاقُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ:
أ - الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ،
وَهُوَ الَّذِي يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فِيهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا،
وَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا فِي الْعِدَّةِ وَرِثَهُ الْآخَرُ.
ب - وَالطَّلَاقُ الْبَائِنُ،
وَهُوَ مَا يَبْقَى بِهِ خَاطِبًا مِن الْخِطَابِ،
لَا تُبَاحُ لَهُ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.
ج - والطَّلَاقُ الْمُحَرِّمُ لَهَا،
لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ،
وَهُوَ فِيمَا إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ كَمَا أَذِنَ اللهُ وَرَسُولُهُ،
وَهُوَ أن يُطَلِّقَهَا ثُمَّ يَرْتَجِعَهَا فِي الْعِدَّةِ ،
أَو يَتَزَوَّجَهَا ،
ثُمَّ يُطَلِّقَهَا ثُمَّ يَرْتَجِعَهَا،
أَو يَتَزَوَّجَهَا ثُمَّ يُطَلِّقَهَا الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ،
فَهَذَا الطَّلَاقُ الْمُحَرّمُ لَهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا طَلَاقٌ بَائِنٌ يُحْسَبُ مِن الثَّلَاثِ.
وَلهَذَا كَانَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْحَدِيث: أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ وَفُرْقَة بَائِنَةٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لَا يُحْسَبُ مِن الثَّلَاثِ،
وَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ عَن الصَّحَابَةِ كَابْنِ عَبَّاس.
وَكَذَلِكَ ثَبَتَ عَن عُثْمَانَ بْنِ عفان وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا: أنَّ الْمُخْتَلِعَةَ لَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ،
وَإِنَّمَا عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَة.
والْخُلْعُ: أَنْ تَبْذُلَ الْمَرْأَةُ عِوَضًا لِزَوْجِهَا لِيُفَارِقَهَا.
قَالَ اللهُ قَالَ:
{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ}
بَيَّنَ أَنَّ الطَّلَاقَ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ أَحَقَّ بِرَدِّها: هُوَ مَرَّتَانِ،
مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ،
كَمَا إذَا قِيلَ لِلرَّجُلِ: سَبِّحْ مَرَّتَيْنِ،
أَو سَبِّحْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ،
فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللّهِ سُبْحَانَ اللهِ،
حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْعَدَدَ.
فَلَو أَرَادَ أَنْ يُجْمِلَ ذَلِكَ فَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللّهِ مَرَّتَيْنِ أَو مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَكُن قَد سَبَّحَ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً،
وَاللهُ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ: الطَّلَاقُ طَلْقَتَانِ؛
بَل قَالَ:
{مَرَّتَانِ}
،
فَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاثًا أَو عَشْرًا أَو أَلْفًا: لَمْ يَكُن قَد طَلَّقَهَا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِأُمِّ الْمُؤمِنِينَ جُوَيْرِيَّةَ: "لَقَد قُلْت بَعْدَك أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَو وُرنَتْ بِمَا قُلْته مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ،
سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ،
سُبْحَانَ اللهِ رضى نَفْسِهِ،
سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ" . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" .
فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَسْتَحِقُّ التَّسْبِيحَ بِعَدَدِ ذَلِكَ؛
كَقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا وَمِلْءَ مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ" ،
لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ سَبَّحَ تَسْبِيحًا بِقَدْرِ ذَلِكَ؛
فَالْمِقْدَارُ تَارَةً يَكُونُ وَصْفًا لِفِعْلِ الْعَبْدِ،
وَفِعْلُهُ مَحْصُورٌ،
وَتَارَةً يَكُونُ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ فَذَاكَ الَّذِي يَعْظُمُ قَدْرُهُ،
وَإِلَّا فَلَوْ قَالَ الْمُصَلِّي فِي صَلَاتِهِ: سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَبَّحَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً،
وَلَمَا شَرَعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُسَبَّحَ دُبُرَ كُلّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ،
وَيُحَمَّدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ،
وَيُكَبَّرَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ،
فَلَوْ قَالَ: سُبْحَانَ اللّهِ وَالْحَمْدُ للهِ وَاللّهُ أَكْبَرُ عَدَدَ خَلْقَهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَبَّحَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَة.
وَلَا نَعْرِفُ أَنَّ أَحَدًا طَلَّقَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَلْزَمَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالثَّلَاثِ،
وَلَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلَا حَسَنٌ،
وَلَا
نَقَلَ أَهْلُ الْكُتُبِ الْمُعْتَدِّ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ شَيْئًا؛
بَل رُوِيتْ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ كُلُّهَا ضَعِيفَة بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ بَل مَوْضُوعَةٌ.
بَل الَّذِي فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" وَغَيْرِهِ مِن "السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ" عَن طَاوُوسٍ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِن خِلَافَةِ عُمَرَ: طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً،
فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ النَّاسَ قَد اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَت لَهُم فِيهِ أَنَاةٌ،
فَلَو أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ،
فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ .
وَقَد قَالَ تَعَالَى:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا }
[النساء: ٥٩] فَأمَرَ الْمُؤمِنِينَ عِنْدَ تَنَازُعِهِمْ بِرَدِّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ،
فَمَا تَنَازَعَ فِيهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ.
وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يُوجِبُ الْإِلْزَامَ بِالثَّلَاثِ بِمَن أَوْقَعَهَا جُمْلَةً بِكَلِمَة أَو كَلِمَاتٍ بِدُونِ رَجْعَةٍ أَو عُقْدَةٍ ؛
بَل إنَّمَا فِي الْكتَابِ وَالسُّنَّةِ الإِلْزَامُ بِذَلِكَ مَن طَلَّقَ الطَّلَاقَ الَّذِي أَبَاحَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ،
وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ الْقِيَاسُ وَالاِعْتِبَارُ بِسَائِرِ أُصُولِ الشَّرْعِ؛
فَإِنَّ كُلَّ عَقْدٍ يُبَاحُ تَارَةً وَيَحْرُمُ تَارَةً -كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ- إذَا فُعِلَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُحَرَّمِ لَمْ يَكُن لَازِمًا نَافِذًا كَمَا يَلْزَمُ الْحَلَالُ الَّذِي أَبَاحَهُ اللّهُ وَرَسُولُهُ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا كَانَ مُحَرَّم الْجِنْسِ؛
كَالظِّهَارِ وَالْقَذْفِ وَالْكَذِبِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ،
فَإِنَّ هَذَا يَسْتَحِقُّ مَن فَعلَه الْعُقُوبَةَ بِمَا شَرَعَهُ اللّهُ مِن الْأحْكامِ؛
فَإِنَّهُ لَا يَكونُ تَارَةً حَلَالًا وَتَارَةً حَرَامًا حَتَّى يَكُونَ تَارَةً صَحِيحًا
وَتَارَة فَاسِدًا .
وَفِي "الصَّحِيحِ" وَ "السُّنَنِ" وَ "الْمَسَانِيدِ" عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ،
ثُمَّ انْ شَاءَ بَعْدُ أَمْسَكَهَا،
وَإِن شَاءَ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا،
فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ" وَفِي رِوَايَةٍ فِي "الصَّحِيحِ" : أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يُطَلّقَهَا طَاهِرًا أَو حَامِلًا ".
وَفِي رِوَايَةٍ فِي "الصَّحِيحِ": قَرَأَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:
{إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}
[الطلاق: ١] .
وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِن الصَّحَابَةِ: الطَّلَاقُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
وَجْهَانِ حَلَالٌ،
وَوَجْهَانِ حَرَامٌ:
فَأَمَّا اللَّذَانِ هُمَا حَلَالٌ:
أ - فَأَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَة طَاهِرًا فِي غَيْرِ جِمَاعٍ.
ب - أَو يُطَلِّقَهَا حَامِلًا قَد اسْتَبَانَ حَمْلُهَا.
وَأَمَّا اللَّذَانِ هُمَا حَرَامٌ:
أ - فَأَنْ يُطَلِّقَهَا حَائِضًا.
ب - أَو يُطَلِّقَهَا بَعْدَ الْجِمَاعِ لَا يَدْرِي اشْتَمَلَ الرَّحِمُ عَلَى وَلَدٍ أَمْ لَا.
رَوَاهُ الدارقطني وَغَيْرُهُ.
وَقَد بَيَّنَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا إِلَّا إذَا طَهُرَتْ مِن الْحَيْضِ قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا،
وَهَذَا هُوَ الطَّلَاقُ لِلْعِدَّةِ؛
أَيْ: لِاسْتِقْبَالِ الْعِدَّةِ فَإِنَّ ذَلِكَ الطُّهْرَ أَو الْعِدَّةَ.
فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْعِدَّةِ يَكُونُ قَد طَلَّقَهَا قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي أَذِنَ اللّهُ فِيهِ،
وَيَكُونُ قَد طَوَّلَ عَلَيْهَا التَّرَبُّصَ،
وَطَلَّقَهَا مِن غَيْرِ حَاجَةٍ بِهِ إلَى طَلَاقِهَا.
فَإِذَا طَلَّقَهَا لَمْ تَزَلْ فِي الْعِدَّةِ مُتَرَبِّصَةً ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ،
وَهُوَ مَالِكٌ لَهَا يَرِثُهَا وَتَرِثُهُ،
وَلَيْسَ لَهُ فَائِدَةٌ فِي تَعْجِيلِ الطَّلَاقِ قَبْلَ وَقْتِهِ .
وَلهَذَا جَوَّزَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الْخُلْعَ فِي الْحَيْضِ؛
لِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ لَيْسَ بِطَلَاق؛
بَل فُرْقَةٌ بَائِنَةٌ،
وَهُوَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمْ تُسْتَبْرأُ بِحَيْضَة،
لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا؛
وَلِأَنَّهَا تَمْلِكُ نَفْسَهَا بِالاِخْتِلَاعِ،
فَلَهُمَا فَائِدَةٌ فِي تَعْجِيلِ الْإِبَانَةِ لِرَفْعِ الشَّرِّ الَّذِي بَيْنَهُمَا،
بِخِلَافِ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ فَإِنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي تَعْجِيلِهِ قَبْلَ وَقْتِهِ؛
بَل ذَلِكَ شَرٌّ بِلَا خَيْرٍ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِابْنِ عُمَرَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا" مِمَّا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ فِي مُرَادِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -:
فَفَهِمَ مِنْهُ طَائِفَةٌ مِن الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الطَّلَاقَ قَد لَزِمَهُ فَأمَرَ أَنْ يَرْتَجِعَهَا،
ثمَّ يُطَلِّقَهَا فِي الطُّهْرِ إنْ شَاءَ.
وَفَهِمَ طَائِفَةٌ أُخْرَى: أَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ،
وَلَكِنَّهُ لَمَّا فَارَقَهَا بِبَدَنِهِ كَمَا جَرَت الْعَادَةُ مِن الرَّجُلِ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ اعْتَزَلَهَا بِبَدَنِهِ وَاعْتَزَلَتْهُ ببَدَنِهَا،
فَقَالَ لِعُمَرِ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا" ،
وَلَمْ يَقُلْ: "فَلْيَرْتَجِعْهَا" ،
وَالْمُرَاجَعَةَ مُفَاعَلَةٌ مِن الْجَانِبَيْنِ؛
أَيْ: تَرْجِعُ إلَيْهِ بِبَدَنِهَا فَيَجْتَمِعَانِ كَمَا كَانَا؛
لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَلْزَمْهُ،
فَإِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الَّذِي أَبَاحَ اللّهُ فِيهِ الطَّلَاقَ طَلَّقَهَا حِينَئِذٍ إنْ شَاءَ.
قَالَ هَؤُلَاءِ: وَلَو كَانَ الطَّلَاقُ قَد لَزِمَ لَمْ يَكُن فِي الْأَمْرِ بِالرَّجْعَةِ لِيُطَلِّقَهَا طَلْقَةً ثَانِيَهً فَائِدَةٌ؛
بَل فِيهِ مَضَرَّة عَلَيْهِمَا؛
فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ الرَّجْعَةِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ،
وَحِينَئِذٍ يَكُونُ فِي الطَّلَاقِ مَعَ الْأَوَّلِ تَكْثِيرُ الطَّلَاقِ،
وَتَطْوِيلُ الْعِدَّةِ،
وَتَعْذِيبُ الزَّوْجَيْنِ جَمِيعًا.
وَقَوْلُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ أَشْبَهُ بِالْأصُولِ وَالنُّصُوصِ؛
فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُتَنَاقِضٌ؛
إذ الْأصْلُ الَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْفُقَهَاءُ: أَنَّ الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُودَ الْمُحَرَّمَةَ إذَا فُعِلَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْمُحَرَّمِ لَمْ تَكُنْ لَازِمَةً صَحِيحَة،
وَهَذَا وَإِن كَانَ نَازَعَ فِيهِ طَائِفَة مِن أَهْلِ الْكلَامِ،
فَالصَّوَابُ مَعَ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ؛
لِأَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانِ كَانُوا يَسْتَدِلُّونَ عَلَى فَسَادِ الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُوبَةِ بِتَحْرِيمِ الشَّارعِ لَهَا،
وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ عَنْهُمْ.
وَأَيْضًا: فَإِنْ لَمْ يَكن ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى فَسَادِهَا لَمْ يَكُن عَن الشَّارعِ مَا يُبَيِّنُ الصَّحِيحَ مِن الْفَاسِدِ،
فَإِنَّ الَّذِينَ قَالُوا: النَّهْيُ لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ قَالُوا: نَعْلَمُ صِحَّةَ الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُودِ وَفَسَادَهَا بِجَعْلِ الشَارعِ هَذَا شَرْطًا أَو مَانِعًا وَنَحْو ذَلِكَ.
وَالسَّلَفُ أَئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ وَالْجُمْهُورُ يُسَلِّمُونَ أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ،
وَلَا يَذْكُرُونَ فِي الاِعْتِذَارِ عَن هَذِهِ الصُّورَةِ فَرْقًا صَحِيحًا؛
بَل هَذَا الْأَصْلُ أَصْل عَظِيمٌ عَلَيْهِ مَدَارُ كَثِيرٍ مِن الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ،
فَلَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ بِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَيْسَ مَعَهُم نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ؛
بَل الْأصُولُ وَالنُّصُوصُ لَا تُوَافِقُ بَل تُنَاقِضُ قَوْلَهُمْ.
وَمَن تَدَبَّرَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ اللهَ لَمْ يُشَرِّعْ الطَّلَاقَ الْمُحَرِّمَ جُمْلَةً قَطُّ،
وَأَمَّا الطَّلَاقُ الْبَائِنُ فَإِنَّهُ شَرَّعَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
[٣٣/ ٥ - ٣٠]
وَلَكِن الَّذِينَ خَالَفُوا قِيَاسَ أُصُولِهِمْ فِي الطَّلَاقِ خَالَفُوهُ لِمَا بَلَغَهُم مِن الْآثَارِ،
فَلَمَّا ثَبَتَ عِنْدَهُم عَن ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اعْتَدَّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ الَّتِي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالُوا: هُم أَعْلَمُ بِقِصَّتِهِ فَاتَّبَعُوهُ فِي ذَلِكَ،
وَمَن نَازَعَهُم يَقُولُ: مَا زَالَ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ يَرْوُونَ أَحَادِيثَ وَلَا تَأْخُذُ الْعُلَمَاءُ بِمَا فَهِمُوهُ مِنْهَا؛
فَإِنَّ الاِعْتِبَارَ بِمَا رَوَوْهُ لَا بِمَا رَأَوْهُ وَفَهِمُوة.
وَقَد تَرَكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ قَوْلَهُ: "فَاقْدُرُوا لَهُ" .
وَتَرَكَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمَا تَفْسِيرَهُ لِحَدِيثِ: "الْبَيِّعَيْنِ بِالْخِيَارِ" ،
مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.
وَتَرَكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ تَفْسِيرَهُ لِقَوْلِهِ:
{فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}
،
وَقَوْلِهِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي كَذَا .
وَكَذَلِكَ إذَا خَالَفَ الرَّاوِي مَا رَوَاهُ،
كَمَا تَرَكَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُم قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا،
مَعَ أَنَّهُ رَوَى حَدِيثَ بَرِيرَةَ،
وَأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - خَيَّرَهَا بَعْدَ أَنْ بِيعَتْ وَعَتَقَتْ،
فَإِنَّ الاِعْتِبَارَ بِمَا رَوَوْهُ لَا مَا رَأَوْهُ وَفَهِمُوهُ.
[٣٣/ ٩٠]
٤٦٥٤ - الطَّلَاقُ نَوْعَانِ:
أ - نَوْعٌ أَبَاحَهُ اللّهُ.
ب - وَنَوْعٌ حَرَّمَهُ.
فَالَّذِي أَبَاحَهُ: أَنْ يُطَلّقَهَا إذَا كَانَت مِمَن تَحِيضُ بَعْدَ أَنْ تَطْهُرَ مِن الْحَيْضِ قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا،
وَيُسَمَّى طَلَاقَ السُّنَّةِ.
فَإِنْ كَانَت مِمَن لَا تَحِيضُ: طَلَّقَهَا أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ،
أَو يُطَلِّقُهَا حَامِلًا قَد تَبَيَّنَ حَمْلُهَا.
فَإِنْ طَلَّقَهَا بِالْحَيْضِ أَو فِي طُهْرٍ بَعْدَ أَنْ وَطِئَهَا: كَانَ هَذَا طَلَاقًا مُحَرَّمًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ،
وَفِي وُقُوعِهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ،
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ.
وَطَلَاقُ السُّنَّةِ الْمُبَاح:
أ - إمَّا أَنْ يُطَلّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً وَيَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ فَتَبِينُ.
ب - أَو يُرَاجِعُهَا فِي الْعِدَّةِ.
فَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا،
أَو طَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ،
أَو الثَّالِثَةَ فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ: فَهَذَا حَرَامٌ،
وَفَاعِلُهُ مُبْتَدِعٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.