الإسلام > فتاوى > نكاح > وَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ إذَا اعْتَقَد…
آخر تحديث 13 يونيو 2026 - 03:50
]
٤٦٤٨ - وَسُئِلَ رحمه اللّه: عَن رَجُلٍ رَكَّاضٍ،
يَسِيرُ فِي الْبِلَادِ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ شَهْرًا أَو شَهْرَيْنِ،
وَيَعْزِلُ عَنْهَا،
وَيَخَافُ أَنْ يَقَعَ فِي الْمَعْصِيَةِ،
فَهَل لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي مُدَّةِ إقَامَتِهِ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ،
وَإِذَا سَافَرَ طَلَّقَهَا وَأَعْطَاهَا حَقَّهَا؟
فَأَجَابَ: لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ،
لَكِنْ يَنْكِحُ نِكَاحًا مُطْلَقًا،
لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَوْقِيتًا،
بِحَيْثُ يَكُونُ إنْ شَاءَ مَسَكَهَا وَإِن شَاءَ طَلَّقَهَا.
وَإِن نَوَى طَلَاقَهَا حَتْمًا عِنْدَ انْقِضاءِ سَفَرِهِ كُرِهَ فِي مِثْل ذَلِكَ.
وَفِي صِحَّةِ النِّكَاح نِزَاعٌ.
وَلَو نَوَى أَنَّهُ إذَا سَافَرَ وَأَعْجَبَتْهُ أَمْسَكَهَا وَإِلَّا طَلَّقَهَا جَازَ ذَلِكَ.
فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ التَّوْقِيتَ: فَهَذَا نِكَاحُ الْمُتْعَةِ الَّذِي اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُم عَلَى تَحْرِيمِهِ،
وَإِنْ كَانَ طَائِفَة يُرَخِّصُونَ فِيهِ: إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا لِلْمُضْطَرّ كَمَا قَد كَانَ ذَلِكَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ،
فَالصَّوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ،
كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- بَعْدَ أَنْ رَخَّصَ لَهُم فِي الْمُتْعَةِ عَامَ الْفَتْحِ قَالَ: "إنَّ اللهَ قَد حَرَّمَ الْمُتْعَةَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" .
وَإِذَا اشْتَرَطَ الْأَجَلَ قَبْلَ الْعَقْدِ: فَهُوَ كَالشَّرْطِ الْمُقَارِنِ فِي أَصَحِّ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ،
وَكَذَلِكَ فِي نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ.
وَأَمَّا إذَا نَوَى الزَّوْجُ الْأجَلَ وَلَمْ يُظْهِرْهُ لِلْمَرْأَةِ: فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ: يُرَخِّصُ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ،
وَيَكْرَهُهُ مَالِكٌ وَأَحْمَد وَغَيْرُهُمَا،
كَمَا أَنَّهُ لَو نَوَى التَّحْلِيلَ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ وَجَعَلُوهُ مِن نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ؛
لَكِنَّ نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ شَرٌّ مِن نِكَاحِ الْمُتْعَةِ؛
فَإِنَّ نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ لَمْ يُبَحْ قَطُّ؛
إذْ لَيْسَ مَقْصُودُ الْمُحَلِّلَ أَنْ يَنْكِحَ،
وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ أَنْ يُعِيدَهَا إلَى الْمُطَلِّقِ قَبْلَهُ،
فَهُوَ يُثْبِتُ الْعَقْدَ ليُزِيلَهُ،
وَهَذَا لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا بِحَال،
بِخِلَافِ الْمُسْتَمْتِعِ فَإِنَّ لَهُ غَرَضًا فِي الاِسْتِمْتَاعِ،
لَكِنَّ التَّأجِيلَ يُخِلُّ بِمَقْصُودِ النِّكَاحِ مِن الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالسَّكَنِ،
وَيَجْعَلُ الزَّوْجَةَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ،
فَلِهَذَا كَانَت النِّيَّةُ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ أَخَفَّ مِن النِّيَّةِ فِي نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ،
وَهُوَ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ وَكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ.
وَأَمَّا الْعَزْلُ: فَقَد حَرَّمَهُ طَائِفَةٌ مِن الْعُلَمَاءِ،
لَكِنَّ مَذْهَبَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ بِإِذْنِ الْمَرْأَةِ.
[٣٢/ ١٠٦ - ١٠٨]
٤٦٤٩ - وَأَمَّا نِكَاحُ الْمُتْعَةِ: إذَا قَصَدَ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا إلَى مُدَّةٍ ثُمَّ يُفَارِقُهَا؛
مِثْل الْمُسَافِرِ الَّذِي يُسَافِرُ إلَى بَلَدٍ يُقِيمُ بِهِ مُدَّةً فَيَتَزَوَّجُ،
وَفِي نِيَّتِهِ إذَا عَادَ إلَى وَطَنِهِ أَنْ يُطَلّقَهَا،
وَلَكِنَّ النِّكَاحَ عَقَدَهُ عَقْدًا مُطْلَقًا: فَهَذَا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد:
قِيلَ: هُوَ نِكَاحٌ جَائِزٌ،
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي مُحَمَّدٍ المقدسي وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَقِيلَ: إنَّهُ نِكَاحُ تَحْلِيلٍ لَا يَجُوزُ،
وَرُوِيَ عَن الأوزاعي.
وَقيلَ: هُوَ مَكْرُوهٌ،
وَلَيْسَ بِمُحَرَّم.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِنِكَاحِ مُتْعَةٍ،
وَلَا يَحْرُمُ؛
وَذَلِكَ أَنَّهُ قَاصِدٌ لِلنِّكَاحِ وَرَاغِبٌ فِيهِ،
بِخِلَافِ الْمُحَلّلِ،
لَكِنْ لَا يُرِيدُ دَوَامَ الْمَرْأَةِ مَعَهُ،
وَهَذَا لَيْسَ بِشَرْط؛
فَإِنَّ دَوَامَ الْمَرْأَةِ مَعَهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ؛
بَل لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا،
فَإِذَا قَصَدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ مُدَّة فَقَد قَصَدَ أَمْرًا جَائِزًا،
بِخِلَافِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ فَإِنَّهُ مِثْلُ الْإِجَارَةِ،
تَنْقَضِي فِيهِ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ،
وَلَا مِلْكَ لَهُ عَلَيْهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأجَلِ.
وَأَمَّا هَذَا فَمِلْكُهُ ثَابِتٌ مُطْلَقٌ،
وَقَد تَتَغَيَّرُ نِيِّتُهُ فَيُمْسِكُهَا دَائِمًا،
وَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ،
كَمَا أَنَّهُ لَو تَزَوَّجَ بِنِيَّةِ إمْسَاكِهَا دَائِمًا ثُمَّ بَدَا لَهُ طَلَاقُهَا جَازَ ذَلِكَ.
وَلَو تَزَوَّجَهَا بِنِيَّةِ أَنَّهَا إذَا أَعْجَبَتْهُ امْسَكهَا وَإِلَّا فَارَقَهَا: جَازَ،
وَلَكِنَّ هَذَا لَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَقْدِ.
وَقَد كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ كَثِيرَ الطَّلَاقِ،
فَلَعَلَّ غَالِبَ مَن تَزَوَّجَهَا كَانَ فِي نِيَّتِهِ أنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ مُدَّةٍ،
وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ ذَلِكَ مُتْعَةٌ.
وَهَذَا أَيْضًا لَا يَنْوِي طَلَاقَهَا عِنْدَ أَجَلٍ مُسَمًّى؛
بَل عِنْدَ انْقِضَاءِ غَرَضِهِ مِنْهَا وَمِن الْبَلَدِ الَّذِي أَقَامَ بِهِ،
وَلَو قُدِّرَ أَنَّهُ نَوَاهُ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ فَقَد تَتَغَيَّرُ نِيَّتُهُ،
فَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُوجِبُ تَأْجِيلَ النِّكَاحِ،
وَجَعْلَهُ كَالْإِجَارَةِ الْمُسَمَّاةِ.
وَعَزْمُ الطَّلَاقِ لَو قُدِّرَ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ: لَمْ تُبْطِلْهُ وَلَمْ يُكرَهْ مُقَامُهُ مَعَ الْمَرْأَةِ -وَإِن نَوَى طَلَاقَهَا- مِن غَيْرِ نِزَاعٍ نَعْلَمُهُ فِي ذَلِكَ.
وَالطَّلَاقُ بَعْدَ مُدَّةٍ أَمْرٌ جَائِرٌ،
لَا يُنَاقِضُ مَقْصُودَ الْعَقْدِ إلَى حِينِ الطَّلَاقِ،
بِخِلَافِ الْمُحَلِّلِ،
فَإِنَّة لَا رَغْبَةَ لَهُ فِي نِكَاحِهَا أَلْبَتَّةَ،
بَل فِي كَوْنِهَا زَوْجَةَ الْأَوَّلِ،
وَلَو أَمْكَنَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَحْلِيل لَمْ يُحِلَّهَا هَذَا.
وَإِن كَانَ مَقْصُودُهُ الْعِوَضَ: فَلَو حَصَلَ لَهُ بِدُونِ نِكَاحِهَا لَمْ يَتَزَوَّجْ.
وَإِن كَانَ مَقْصُودُهُ هُنَا وَطْأهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ: فَهَذَا مِن جِنْسِ الْبَغِيِّ الَّتِي يَقْصِدُ وَطْأهَا يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ،
بِخِلَافِ الْمُتَزَوِّجِ الَّذِي يَقْصِدُ الْمُقَامَ،
وَالْأَمْرُ بِيَدِهِ وَلَمْ يَشْرِطْ عَلَيْهِ أَحَدٌ أَنْ يُطَلِّقَهَا كَمَا شُرِطَ عَلَى الْمُحَلِّلِ.
⚠️ تنبيهٌ مهم: قد يختلف جوابُ الفتوى الواحدة باختلاف السائلِ وحالِه ومكانِه وزمانِه وملابساتِ سؤاله، فلا تُعمَّم على كلِّ حال. وهذه الفتوى منقولةٌ من مصدرها المذكور أعلاه للفائدة والاسترشاد، ولمعرفة الحكم في حالتك الخاصّة يُرجى الرجوع إلى أهل العلم المختصّين.