الإسلام > القرآن > إعراب > إعراب سورة التكوير
هذه صفحةُ إعرابِ سورة التكوير (مكية، 29 آية): إعرابُ كلِّ آيةٍ على حِدة. اختر المصدرَ من الأزرار للتنقّل بين كتب الإعراب.
آخر تحديث 25 يونيو 2026 - 20:10
📖 17 دقيقة قراءةإِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴿1﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) رفعت الشّمس بإضمار فعل مثل الثاني لأن إِذَا بمنزلة حروف المجازاة لا يليها إلا الفعل مظهرا أو مضمرا.
وعن أبيّ بن كعب كُوِّرَتْ ذهب ضوءها، وعن ابن عباس أظلمت.
قال أبو جعفر: يقال: كوّر الشيء وكبّر الشيء إذا لفّ ورمي به، وفي الحديث «نعوذ بك من الحور بعد الكون» «١» أي من الرجوع بعد أن كان أمرنا ملتئما، ويروى «بعد الكور»
﴿الآيات ١–١٤﴾
(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) إذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجوابها في الإثني عشر موضعا التي وقعت فيها قوله: علمت نفس كما سيأتي وهي متعلقة بجوابها والشمس نائب فاعل بفعل مقدّر يفسره ما بعده وإلى هذا جنح الزمخشري ومنع أن يرتفع بالابتداء لأن إذا تتقاضى الفعل لما فيها من معنى الشرط ولكن ما منعه الزمخشري من وقوع المبتدأ بعدها أجازه الكوفيون والأخفش من البصريين وجملة كورت مفسرة لا محل لها (وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ) عطف على ما تقدم مماثلة لها في الإعراب ولكن النجوم هنا فاعل بفعل يفسّره قوله «انكدرت» (وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ، وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ) عطف أيضا والجبال والعشار نائبا فاعل بفعل محذوف ومعنى تعطيلها تركها بلا راع ولا حلب لما دهاهم من الأمر (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) عطف أيضا (وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) عطف أيضا والمعنى ردّت الأرواح إلى أجسادها وهذا بناء على أن التزويج بمعنى جعل الشيء زوجا والنفوس على هذا بمعنى الأرواح، وقيل: يقرن كل امرئ بشيعته وكل مشاكل بمشاكله فيقرن بين الرجل الصالح والرجل الصالح في الجنة (وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) عطف أيضا وبأي متعلقان بقتلت والجملة سدّت مسدّ مفعول سئلت الثاني وكان العرب إذا ولد لأحدهم بنت واستحياها ألبسها جبّة من صوف أو شعر وتركها ترعى الإبل والغنم وإذا أراد قتلها تركها حتى إذا صارت سداسية قال لأمها: طيّبيها وزيّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها وقد حفر حفرة أو بئرا في الصحراء فيذهب بها إليها ويقول لها: انظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض، وقد افتخر الفرزدق وهو أبو فراس همّام بن غالب بن صعصعة بجدّه صعصعة إذ كان منع وأد البنات كما تقدم (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ) عطف على ما تقدم أيضا (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) الجملة لا محل لها لأنها جواب إذا كما تقدم وعلمت نفس فعل ماض وفاعل وما مفعول به وجملة أحضرت لا محل لها لأنها صلة ما.
[
وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ ﴿2﴾
وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) رفعت النجوم بإضمار فعل أيضا.
قال أبيّ: انْكَدَرَتْ تناثرت، وقال ابن عباس: بعثرت
وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴿3﴾
وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) بإضمار فعل أيضا
وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ ﴿4﴾
وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) «٢» عُطِّلَتْ قال: أي أهملت.
قال الأصمعي: العشراء النّاقة إذا أتى عليها من حملها عشرة أشهر، وقال أبو عبيدة: الناقة إذا أتى عليها من حملها ستة أشهر إلى أن تضع وبعد ذلك وهم يتفقدونها وتعزّ عليهم
وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴿5﴾
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) فيه قولان: أحدهما حشرت يوم القيامة ليعوّضها الله مما لحقها من الألم في الدنيا وقال قتادة: حشرت جمعت
وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴿6﴾
وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وقرأ أبو عمرو سُجِّرَتْ «١» مخففا واحتجّ بالبحر المسجور وخالفه جماعة من أهل العلم من أهل اللغة قالوا: البحر المسجور واحد، والبحار جمع الجمع أولى بالتكثير والتشديد قالوا: والبحر المسجور بحر هذه صفته، وليس هذا مثل وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ.
قال أبو جعفر: وقد ذكرنا معناه ومعروف في اللغة أن يقال: سجرت الشيء ملأته كما قال: [الكامل] ٥٤١- فتوسّطا عرض السّريّ وصدّعا ...
مسجورة متجاورا قلّامها «٢» وقال: [المتقارب] ٥٤٢- إذا شاء طالع مسجورة ...
يرى حولها النّبع والسّاسما «٣» أي مملوءة، وقيل: هذه بحار في جهنم إذا كان يوم القيامة.
سجّرت أي ملئت بأنواع العذاب إلّا أن أبا العالية قال: إذا الشمس كوّرت إلى ستّ منها يراها الناس قبل أن تقوم القيامة وستّ في الآخرة بعد قيام القيامة، قال: وحدثني أبيّ بن كعب قال: بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس فبينا هم على ذلك تناثرت النجوم، وبيناهم على ذلك إذ وقعت الجبال وتزلزلت الأرض وهربت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن وعطلت العشار أي أهملها أهلها، واختلطت الوحوش بالناس فذلك حشرها، وقالت الجن للإنس نحن نعرف لكم الخبر فمضوا إلى البحار فوجدوها قد سعّرت نيرانا ثم تصدّعت الأرض إلى الأرض السفلى إلى السماء العليا ثم أرسلت عليهم الريح فأماتتهم
وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴿7﴾
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) أي قرّبت الصالح مع الصالح هذا معنى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) يقال: وأدها يئدها وأدا فهو وائد وهي موءودة إذا دفنها حية وألقى عليها التراب.
واشتقاقه من وأده إذا أثقله قال هارون القارئ في حرف أبيّ وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ «٤» قال أبو عبيد: هذا أبين معنى.
قال أبو جعفر: خولف في هذا لأنها قراءة شاذّة مخالفة للمصحف مشكلة.
لأنه يجوز أن يكون التقدير سألت ربها جلّ وعزّ، وسألت قاتلها.
فهذا معنى مستغلق فكيف يكون بيّنا وفي معنى سئلت قولان: أحدهما أن المعنى طلب منها من قتلها توبيخا له فقيل لها: من قتلك؟
والمعنى الآخر أنها سئلت فقيل لها لم قتلت بغير ذنب توبيخا لقاتلها؟
كما يقال لعيسى صلّى الله عليه وسلّم: أأنت قلت للناس اتّخذوني وأمي إلهين من دون الله.
وزعم الفراء «١» أن مثل هذا قوله: [الكامل] ٥٤٣- الشّاتمي عرضي ولم أشتمهما ...
والناذرين إذا لم القهما دمي «٢» ليس المعنى أنهما إذا لقياه فعلا هذا، وإنما المعنى والنادرين يقولان إذا لقيناه قتلناه، وصحّ عن ابن عباس أنه استدلّ بهذه الآية على أن الأطفال كلّهم في الجنة قال: لأن الله جلّ وعزّ قد انتصر لهم ممن ظلمهم.
قال صلّى الله عليه وسلّم: «الله أعلم بما كانوا عاملين»
وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴿10﴾
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) كذا قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم «٣» ، وقرأ أبو عمرو وابن كثير ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي نُشِرَتْ والحجة لهم صُحُفاً مُنَشَّرَةً [المدثر: ٥٢] وهذا ليس من الحجج الموجبة لترك ما قرأ به من تقوم بقراءته الحجّة لأن نشرت يقع للقليل والكثير عند النحويين والقراءتان صحيحتان
وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ ﴿11﴾
وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وقال الفراء: نزعت وطويت قال: وكذا قشطت كما تقول: كافور وقافور
وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴿12﴾
وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع وقراءة أبي عمرو والكوفيين سُعِّرَتْ «٤» ويحتجّ لهم بأن الجحيم واحد ويحتج عليهم بأن الجحيم وإن كان واحدا فالتكثير أولى به لكثرة سعّرت.
قال أحمد بن عبيد يقال: جحمت النار أي أكثرت وقودها، وقال الفراء: جحمت الجمر جعلت بعضه على بعض ورجل جاحم بخيل ضنين
وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ﴿13﴾
وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤) بإضمار فعل كالثاني، وجواب «إذا» عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤) قيل: معناه ما وجدته حاضرا كما تقول: أحمدت فلانا أي أصبته محمودا قال قتادة: ما أحضرت من عمل
عَلِمَتْ نَفْسٌۭ مَّآ أَحْضَرَتْ ﴿14﴾
(إذا) ظرف للمستقبل في محلّ نصب متعلّق بالجواب علمت، وكذا بقية الظروف المعطوفة (الشمس) فاعل لفعل محذوف يفسّره ما بعده تقديره انطوت، وكذلك تعرب الأسماء بعد الظروف التالية (الجبال) فاعل لفعل محذوف تقديره انتثرت (العشار) فاعل لفعل محذوف تقديره سرحت وحدها (الوحوش) فاعل لفعل محذوف تقديره اجتمعت (البحار) فاعل لفعل محذوف تقديره اختلطت أو امتلأت (النفوس) فاعل لفعل محذوف تقديره اقترنت (الموؤدة) فاعل لفعل محذوف تقديره تظلّمت (بأيّ) متعلّق ب (قتلت) و (الباء) سببيّة (الصحف) فاعل لفعل محذوف تقديره ظهرت (السماء) فاعل لفعل محذوف تقديره زالت (الجحيم) فاعل لفعل محذوف تقديره اشتعلت (الجنّة) فاعل لفعل محذوف تقديره قربت (١) ، (ما) موصول في محلّ نصب مفعول به، والعائد محذوف..
جملة: « (انطوت) الشمس...» في محلّ جرّ مضاف إليه...
وجملة الشرط وفعله وجوابه..
لا محلّ لها ابتدائيّة.
وجملة: «كوّرت...» لا محلّ لها تفسيريّة.
وجمل: «الشرط وفعله وجوابه الإحدى عشرة التالية...» لا محلّ لها معطوفة على الابتدائيّة.
والجمل: «المقدّرة بعد (إذا) ...» في محلّ جرّ مضاف إليه.
والجمل: «المذكورة بالبناء للمجهول...» لا محلّ لها تفسيريّة.
وجملة: «قتلت...» في محلّ نصب مفعول به لفعل السؤال المعلّق بالاستفهام بتقدير حرف الجرّ عن.
وجملة: «علمت نفس...» لا محلّ لها جواب شرط غير جازم.
وجملة: «أحضرت...» لا محلّ لها صلة الموصول (ما)
فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ﴿15﴾
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) «لا» زائدة للتوكيد أي فأقسم بالخنس وفي معنى الخنس ثلاثة أقوال قد مر منها ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنها النجوم الخمسة، وروى سعيد عن سماك قال: سمعت خالد بن عرعرة يقول: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: «الخنّس» النجوم تخنس بالنهار وتكنس بالليل.
فظاهر هذا القول عام لجميع النجوم، وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة وبكر بن عبد الله المزني وعبد الرّحمن بن زيد.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: الخنّس الظباء، وهو قول سعيد بن جبير والضحاك وقال جابر بن زيد وإبراهيم النخعي: الخنس بقر الوحش.
قال أبو جعفر: إذا كان التقدير: فأقسم بربّ الخنس، فالمعنى واحد إلا أن القول الأول أجلها وأعرفها، وإنما يقال لبقر الوحش والظباء خنّس الواحد أخنس وخنساء كما قال: [الكامل] ٥٤٤- خنساء ضيّعت الغرير فلم ترم ...
عرض الشّقائق طرفها ويغامها «١» وواحد الخنس خانس والجمع خنس وخناس
﴿الآيات ١٥–٢٩﴾
(فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ، وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ) الفاء استئنافية ولا تقدم القول فيها فجدد به عهدا وأقسم فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره أنا وبالخنس متعلق بأقسم والجواري نعت أو بدل والكنس نعت للجواري، والليل: الواو للقسم أيضا والليل مجرور بواو القسم والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم وإذا ظرف متعلق بفعل القسم وجملة عسعس في محل جر بإضافة الظرف إليها، والصبح إذا تنفس عطف على الجملة السابقة وإنما لم نعطف الليل على الخنس لأن الواو ابتداء قسم فإن قيل فقد خالفتم سيبويه فإنه لا يرى الواو المتعقبة للقسم ابتداء قسم بل عاطفة وقد جعلتم الواو الأولى وهي متعقبة للقسم ابتداء قسم؟
قلنا إنما تكلم سيبويه في الواو وأما الآية فالقسم الأول فيها بالباء والفعل فجعلنا الواو بعد ذلك قسما وتبعا وهو أبلغ كأنه أقسم بشيئين مختلفين فإن قيل أجل إنما تكلم سيبويه على الواو المتعقبة للقسم فما الفرق بين الواو المتعقبة للقسم بالواو والواو المتعقبة للقسم بالباء وما هما إلا سواء فإن كل واحد منهما آلة له والتاء تدل على الباء فحكمهما واحد قلنا ليستا سواء فإن القسم متى صدر بالواو ولم تله واو أخرى فجعلها قسما الآخر فيه تكرار مستكره إذ الآلة واحدة ولا كذلك الآية إذ اختلفت الآلة فإن عاملة التكرار مأمونة إذا ألا ترى أنه لو صدر القسم بالواو ثم تلاه قسم بالباء لتحتم جعلهما قسمين مستقلين فكذلك لو خولف هذا الترتيب وأيضا فإنه إن كان المانع لسيبويه من جعل الواو الثانية قسما مستقلا فجيء الجواب واحدا واحتياج الواو الأولى إلى محذوف فالعطف يغني عن تقدير محذوف فلا يلزم اطّراد الباء لأنها أصل القسم لا سيما مع التصريح بفعل القسم ثم تأكيده بزيادة لا فإن في مجموع ذلك ما يغني عن إفراده بجواب مذكور ولا كذلك الواو فإنها ضعيفة المكنة في القسم بالنسبة إلى الباء فلا يلزم من حذف جواب تمكنت الدلالة عليه حذف جواب دونه في الوضوح.
ونختم الكلام على هذا السؤال بنكتة بديعة: وهي أنه إنما خصصت إيراد السؤال بالواو الثانية في قوله والليل إذا عسعس دون الثالثة لأنه غير متوجه عليها، ألا تراك لو جعلتها عاطفة لم يلزمك العطف على عاملين لأنك تجعلها نائبة عن الباء وتجعل إذا فيها منصوبة بالفعل مباشرة إذا لم يتقدم في جملة الفعل ظرف تعطف عليه إذا فتصير بمثابة قولك مررت بزيد وعمرو اليوم فاليوم منصوب بالفعل مباشرة وفهم من المثال أن مرورك بزيد مطلق غير مقيد بظرف وإنما المقيد باليوم مرورك بعمرو خاصة لكن يطابق الآية فإن الظرف فيها وإن عمل فيه الفعل مباشرة فهو مقيد للقسم بالليل لا للقسم بالخنس (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) الجملة لا محل لها لأنها جواب القسم وإن واسمها واللام المزحلقة وقول خبرها ورسول مضاف إليه وكريم نعت، وسيأتي المراد به في باب
ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ ﴿16﴾
الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) «الجواري» في موضع خفض حذفت الكسرة من الياء لثقلها فإن كان بغير ألف ولام حذفت الياء لسكونها وسكون التنوين إذ كان جمع جارية وكذا إن سمّيت به على قول الخليل وسيبويه «٢» ، وأما الكوفيون ويونس فيقولون إذا سمّيت رجلا بجوار لم تصرفها في النصب والخفض فقلت: رأيت بواري ومررت بجواري، وقيل في الرفع هؤلاء جواري بإسكان الياء.
قال الخليل: هذا خطأ لأنه كان يجب أن يقال على هذا: هذا جواري فأعلم بضم الياء، قال: ولا يكون أثقل من فواعل إذا سميت به.
قال سيبويه «٣» : سألت الخليل عن امرأة تسمى بقاض فقال: هي مجراة في الرفع والخفض، تقول: مررت بقاض وهذه قاض.
قال أبو جعفر: وقول يونس والكوفيين: مررت بقاضي وهذا قاضي فاعلم الْكُنَّسِ جمع كانس ويقال: كنّاس
وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ﴿17﴾
وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) وَاللَّيْلِ عطف على «الخنس» ، وليست الواو واو قسم إِذا عَسْعَسَ قال الفرّاء: أجمع المفسرون على أنه إذا أقبل، وهذا غلط.
روى مجاهد عن ابن عباس «إذا عسعس» إذا أدبر.
قال الضحّاك إِذا تَنَفَّسَ إذا أضاء وأقبل
إِنَّهُۥ لَقَوْلُ رَسُولٍۢ كَرِيمٍۢ ﴿19﴾
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) جواب القسم، وأجاز الكسائي «أنه» بالفتح أي أقسم أنه وتابعه على ذلك محمد بن يزيد النحويّ
ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍۢ ﴿20﴾
ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) ذِي قُوَّةٍ نعت لرسول أي ذي قوة على أمر الله جلّ وعزّ وطاعته عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ نعت أيضا أي ذي منزلة رفيعة
مُّطَاعٍۢ ثَمَّ أَمِينٍۢ ﴿21﴾
مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) مُطاعٍ ثَمَّ أي مطاع في السموات أَمِينٍ على وحي الله جلّ وعزّ ورسالاته فهذا التمام
وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍۢ ﴿22﴾
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) أي ليس خطابه ولا بيانه ولا فعله فعل مجنون
(الفاء) استئنافيّة (لا) زائدة (بالخنّس) متعلّق ب (أقسم) ، (الجوار) بدل من الخنّس مجرور وعلامة الجر الكسرة المقدّرة على الياء المحذوفة لقراءة الوصل (الكنّس) نعت للجواري مجرور (الواو) عاطفة في الموضعين (الليل) معطوف على الخنّس مجرور (إذا) ظرف في محلّ نصب جرّد من الشرط متعلّق ب (أقسم) ، (الصبح إذا تنفّس) مثل الليل إذا عسعس (اللام) في موضع لام القسم للتوكيد عوض من المزحلقة (ذي) نعت لرسول مجرور (عند) ظرف زمان منصوب متعلّق ب (مكين) (١) وهو نعت لرسول مجرور (ثمّ) ظرف مبنيّ على الفتح في محلّ نصب متعلّق ب (مطاع) ، (الواو) عاطفة (ما) نافية عاملة عمل ليس (مجنون) مجرور لفظا منصوب محلاّ خبر ما.
جملة: «أقسم...» لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: «عسعس...» في محلّ جرّ مضاف إليه.
وجملة: «تنفّس...» في محلّ جرّ مضاف إليه.
وجملة: «إنّه لقول...» لا محلّ لها جواب القسم.
وجملة: «ما صاحبكم بمجنون...» لا محلّ لها معطوفة على جواب القسم
وَلَقَدْ رَءَاهُ بِٱلْأُفُقِ ٱلْمُبِينِ ﴿23﴾
وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) والهاء تعود على الرسول وهو جبريل صلّى الله عليه وسلّم كما قرئ على محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى عن يزيد بن هارون ثنا داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: يا أم المؤمنين الله تعالى يقول: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) فقالت أنا أول من سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «ذاك جبريل صلّى الله عليه وسلّم لم أره على صورته التي خلق عليها إلا مرتين قد هبط من السماء قد سدّ عظم خلقه ما بين السماء والأرض» «١»
وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍۢ ﴿24﴾
وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) قراءة أبي جعفر وشيبة ونافع ويحيى والأعمش وحمزة، ويقال: إنها في حرف أبيّ بن كعب كذلك وقرأ ثلاثة من الصحابة «بظنين» «٢» كما قرئ على إبراهيم بن موسى عن إسماعيل عن علي بن عبد الله المديني عن سفيان عن عمرو، قال: سمعت ابن عباس يقرأ «بظنين» بالظاء، وروى شعبة عن مغيرة عن مجاهد قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقرأ بظنين بالظاء، وقال عروة سمعت عائشة تقرأ بالظاء.
وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي، ولا اختلاف بين أهل التفسير واللغة أن معنى «بظنين» بمتّهم و «بضنين» ببخيل فالقراءتان صحيحتان قد رواهما الجماعة إلّا أنه في السواد بالضاد، وعدل أبو عمرو والكسائي وهما نحويا القراءة إلى القراءة.
«بظنين» لأنه يقال: فلان ظنين على كذا أيّ متّهم عليه، وظنين بكذا وإن كانت حروف الخفض يسهل فيها مثل هذا، وعدل أبو عبيد أيضا إليها لأنه ذكر أنه جواب لأنهم كذّبوه.
وهذا الّذي احتجّ به لا نعلم أحدا من أهل العلم يعرفه ولا يرى أنه جواب، ولا هو عندهم إلا مبتدأ وخبر، وقد قلنا: إن القراءتين صحيحتان ومجاز «ضنين» أنّ من العلماء من يضن بعلمه، وفي الحديث «من كتم علما لجمه الله بلجام من نار» «١» فأخبر الله عن نبيه صلّى الله عليه وسلّم أنه ليس بضنين بشيء من أمر الدين، وأنه لا يخصّ به أحدا دون أحد على خلاف ما يقول قوم أنه خصّ الإمام بما لم يلقه إلى غيره
وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَـٰنٍۢ رَّجِيمٍۢ ﴿25﴾
وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) لو حذفت الباء لنصبت لشبه «ما» بليس
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴿26﴾
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) ذكر الفرّاء «٢» أن المعنى فإلى أين تذهبون وحذفت «إلى» كما يقال: ذهبت الشام وذهبت إلى الشام، وانطلقت إلى السوق وانطلقت السّوق، وخرجت الشام وإلى الشام، وحكى الكسائي: انطلق به الغور، والتقدير عنده: إلى الغور فحذفت «إلى» فجعل الكوفيون هذه الأفعال الثلاثة انطلق وذهب وخرج يجوز معها حذف إلى، وقاسوا على ما سمعوا من ذلك زعموا.
فأما سيبويه فحكى منها واحدا ولا يجيز غيره وهو ذهبت الشام، ولا يجيز ذهبت مصر، وعلى هذا قول البصريين لا يقيسون من هذا شيئا.
وروى أبو العباس على هذا شيئا فزعم أن قولهم: ذهبت الشام ومعناه الإبهام أي ذهبت شامة الكعبة، غير أن هذا إنما يرجع فيه إلى قول من حكى ذلك عن العرب ولم يحكه سيبويه إلا على أنه الشام بعينها
(الواو) عاطفة (اللام) لام القسم (قد) حرف تحقيق (بالأفق) متعلّق بحال من الهاء في (رآه) (١) .
وجملة: «قد رآه...» لا محلّ لها معطوفة على جملة ما صاحبكم بمجنون (٢) .
٢٤ - (الواو) عاطفة-أو حالية- (ما) نافية عاملة عمل ليس (هو) أي الرسول عليه السلام (على الغيب) متعلّق ب (ضنين) ، (ضنين) مجرور لفظا منصوب محلاّ خبر ما.
وجملة: «ما هو...
بضنين» لا محلّ لها معطوفة على جملة رآه (٣) .
٢٥ - (الواو) عاطفة (ما هو بقول) مثل ما هو بضنين، وضمير الغائب يعود على القرآن الكريم.
وجملة: «ما هو بقول...» لا محلّ لها معطوفة على جملة ما هو بضنين.
٢٦ - (الفاء) رابطة لجواب شرط مقدّر (أين) اسم استفهام في محلّ نصب ظرف مكان متعلّق ب (تذهبون) بتقدير حرف جرّ إلى.
وجملة: «تذهبون...» في محلّ جزم جواب شرط مقدّر أي: إن تبيّن لكم أمر محمد والقرآن فأين تذهبون
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ ﴿27﴾
إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) أي ما في القرآن إلا عظة وتذكرة للعالمين
لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴿28﴾
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) لِمَنْ بدل من العالمين على إعادة اللام، ولو كان بغير لام لجاز.
قال مجاهد: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) أي أن يتبع الحق
وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿29﴾
وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩) وَما تَشاؤُنَ في معناه قولان أحدهما وما تشاؤون أن تستقيموا أي تتّبعوا الحقّ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ والقول الآخر أنه منهم أي ما تشاؤون يشاء من الطاعة والمعصية إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ذلك منكم، ولو لم يشأ لحال بينكم وبينه.
[٨٢ شرح إعراب سورة انفطرت (الانفطار) ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(إن) حرف نفي (إلاّ) للحصر (لمن) بدل من العالمين بإعادة الجارّ (منكم) متعلّق بحال من فاعل شاء (أن) حرف مصدريّ ونصب (الواو) استئنافيّة (ما) نافية (إلاّ) للحصر (أن) حرف مصدريّ ونصب (ربّ) نعت للفظ الجلالة.
والمصدر المؤوّل (أن يستقيم) في محلّ نصب مفعول به.
والمصدر المؤوّل (أن يشاء..) في محلّ جرّ بحرف جرّ محذوف وهو الباء متعلّق ب (تشاؤون) (١) .
جملة: «إن هو إلاّ ذكر...» لا محلّ لها تعليلية لمضمون النفي المتقدّم.
وجملة: «شاء...» لا محلّ لها صلة الموصول (من) .
وجملة: «يستقيم...» لا محلّ لها صلة الموصول الحرفيّ (أن) .
وجملة: «ما تشاؤون...» لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: «يشاء الله...» لا محلّ لها صلة الموصول الحرفيّ (أن) .
انتهت سورة «التكوير» ويليها سورة «الإنفطار»
المصادر: «إعراب القرآن» لأبي جعفر النحاس (ت ٣٣٨هـ) · «الجدول في إعراب القرآن» لمحمود صافي · «إعراب القرآن وبيانه» لمحيي الدين درويش.