تفسير ابن كثير سورة الكهف

الإسلام > القرآن > تفسير > ابن كثير > تفسير سورة الكهف

تفسيرُ سورةِ الكهف كاملةً من تفسير ابن كثير (الحافظ ابن كثير الدمشقي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 176 دقيقة قراءة

تفسير سورة الكهف كاملةً (الحافظ ابن كثير الدمشقي)

[تفسير سورة الكهف وهي مكية] ذكر ما ورد في فضلها والعشر الآيات من أولها وآخرها وأنها عصمة من الدجال.

قال [١] الإِمام أحمد (١): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: قرأ رجل الكهف وفي الدار دابة فجعلت تنفر، فنظر فإذا ضبابة، أو: سحابة، قد غشيته، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "اقرأ فلان، فإنها السكينة تنزلت عند القرآن، أو: "تنزلت للقرآن" أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة له.

وهذا الرجل الذي كان يتلو هو أسيد بن الحضير كما تقدم في تفسير سورة [٢] البقرة.

وقال الإِمام أحمد (٢): حدَّثنا يزيد، أخبرنا همام بن يحيى، عن قَتَادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال".

رواه مسلم [وأَبو داود، والنَّسائي، والتِّرمِذي] [٣] من حديث قتادة به، و [٤] لفظ التِّرمِذي: "من حفظ الثلاث الآيات من أول الكهف" و [٥] قال: حسن صحيح.

طريق أخرى: قال أحمد: حدَّثنا حجاج، حدَّثنا شعبة، عن قَتَادة، سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث، عن معدان، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال" (٣) ورواه مسلم أيضًا، والنَّسائي، من حديث قَتَادة به، وفي لفظ للنسائي: "من قرأ عشر آيات من الكهف"، فذكره.

حديث آخر: وقد رواه النَّسائي (٤) في "اليوم والليلة" عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن شعبة، عن قَتَادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف فإنه عصمة له من الدجال" فيحتمل أن سالمًا صممعه من ثوبان ومن أبي الدرداء.

وقال الإِمام أحمد (٥): حدَّثنا حسن، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا زبان [١] بن فايد، عن سهل بن معاذ بن أَنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورًا من قدمه إلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نورًا ما بين الأرض إلى السماء".

انفرد به أحمد ولم يخرجوه.

وروى الحافظ أَبو بكر بن مردويه بإسناد له غريب، عن خالد بن سعيد بن [٢] أبي مريم، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ سورة الكهف في [٣] يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء [٤] له يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين".

وهذا الحديث في رفعه نظر، وأحسن أحواله الوقف.

وهكذا روى الإِمام سعيد بن منصور في سننه: عن هُشَيم بن بشير، عن أبي هاشم، عن أبي مجْلَز، عن قيس بن.

عباد، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّه قال: من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق.

هكذا وقع موقوفًا وكذا رواه الثَّوري عن أبي هاشم به من حديث أبي سعيد الخدري.

وقد أخرجه الحاكم في مستدركه (٦) عن أبي بكر محمد بن المؤمل: حدَّثنا الفضيل [١] بن محمد الشعراني، حدَّثنا نعيم بن حمَّاد، حدَّثنا هُشَيم، حدَّثنا أَبو هاشم، عن أبي مجْلَز، عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين"، ثم [٢] قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وهكذا رواه الحافظ أَبو بكر البيهقي (٧) في سننه عن الحاكم، ثم قال البيهقي: ورواه يحيى بن كثير، عن شعبة، عن أبي هاشم بإسناده: أن النبي ﷺ قال: "من قرأ سورة الكهف كما أنزلت كانت [٣] له نورًا يوم القيامة".

وفي "المختارة" (٨) للحافظ الضياء المقدسي من حديث عبد الله بن [مصعب بن] [٤] منظور بن زيد بن خالد الجهني، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي مرفوعًا: "عن قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة، وإن خرج الدجال عصم منه".

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا (٥)﴾ قد تقدم في أول التفسير أنَّه تعالى يحمد نفسه المقدسة عند فواتح الأمور وخواتيمها، فإنه المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة، ولهذا حمد نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، حيث جعله كتابًا مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم، واضحًا بينًا جليًّا، نذيرًا للكافرين وبشيرًا للمؤمنين؛ ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، أي: لم يجعل فيه اعوجاجًا ولا زيغًا ولا ميلًا، بل جعله معتدلًا مستقيمًا؛ ولهذا قال: ﴿قَيِّمًا﴾ أي: مستقيمًا.

﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾، أي: لمن خالفه وكذبه [١] ولم يؤمن به، ينذره ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾: عقوبة عاجلة في الدنيا وآجلة في الأخرى، ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾، أي: من عند الله الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد، ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: بهذا القرآن، الذين صدقوا إيمانهم كالعمل الصالح، ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ أي: مثوبة عند الله جميلة، ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾: في ثوابهم عند الله - وهو الجنَّة - خالدين فيه، ﴿أَبَدًا﴾ دائمًا لا زوال له ولا انقضاء [٢]: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، قال ابن إسحاق: وهم مشركو العرب في قولهم: نحن نعبد الملائكة وهم بنات الله.

﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: بهذا القول الذي افتروه وائتفكوه من علم ﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾، أي: أسلافهم [٣].

﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ نصب على التمييز تقديره: كَبُرَتْ كلمتُهم هذه كلمةً.

وقيل: على التعجب، تقديره: أعظم بكلمتهم كلمة، كما تقول: أكرم بزيد رجلًا.

قاله [١] بعض البصريين، وقرأ ذلك بعض قراء مكة (كبرت كلمةٌ) كما يقال: عَظُمَ [٢] قولك وعظم [٣] شأنك.

والمعنى على قراءة الجمهور أظهر؛ فإن هذا تبشيع لمقالتهم واستعظام لإِفكهم، ولهذا قال: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، أي: ليس لها مستند سوى قولهم، ولا دليل لَهُم عليها إلَّا كذبهم وإفتراؤهم؛ ولهذا قال: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾.

وقد ذكر محمد بن إسحاق (٩) سبب نزول هذه السورة الكريمة فقال: حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: بعثت قريش النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي مُعَيط، إلى أحبار يهود [٤] بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله [٥]؛ فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتَّى قدما المدينة، فسألوا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ، ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا.

قال: فقالت لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل مُتقَوَّل؛ فَرَوْا (*) فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان من أمرهم؛ فإنه [٦] قد كان لهم حديث عجيب.

وسلوه عن رجل طوَّاف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟

وسلوه عن الروح، ما هو؟

فإن أخبركم لذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقوّل، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم.

فأقبل النضر وعقبة حتَّى قدما على قريش، فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم، وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور، فأخبروهم بها - فجاءوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالوا: يا محمد، أخبرنا - فسألوه عما أمروهم به - فقال لهم رسول الله ﷺ: "أخبركم غدًا بما سألتم عنه" - ولم يستثن - فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحسًا، ولا يأتيه جبريل ﵇، حتَّى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدًا، واليرم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه؟!

وحتى أحزنَ رسولَ الله ﷺ مكثُ الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل ﵇ من عند الله ﷿ بسورة أصحاب الكهف؛ فيها [١] معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف، وقول الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾.

﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ يقول تعالى مسليًا رسوله [٢] صلوات الله وسلامه عليه في حزنه على المشركين لتركهم الإيمان وبعدهم عنه، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وقال: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيهِمْ﴾ وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ باخع: أي: مهلك نفسك بحزنك عليهم؛ ولهذا قال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾، يعني: القرآن.

﴿أَسَفًا﴾، يقول: لا تهلك نفسك أسفًا.

قال قَتَادة: قاتل نفسك غضبًا وحزنًا عليهم.

وقال مجاهد: جزعًا.

والمعنى [متقارب، أي] [٣]: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، فلا [٤] تذهب نفسك عليهم حسرات.

ثم أخبر تعالى أنَّه جعل الدنيا دارًا فانية مُزَيَّنة بزينة زائلة، وإنما جعلها دار اختبار لا دار قرار، فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.

قال قَتَادة (١٠): عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".

ثم أخبر تعالى بزوالها وفنائها وفراغها وانقضائها وذهابها وخوالها فقال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾، [أي: وإنا لمصيّروها بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فنجعل كل شيء عليها هالكًا ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾، لا يُنْبت ولا ينتفع به، كما قال العوفي عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [١]﴾، يقول: يهلك كل شيء عليها ويبيد.

وقال مجاهد: صعيدًا جرزًا: بلقعًا.

وقال قتادة: الصعيد: الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات.

وقال ابن زيد: الصعيد: الأرض التي ليس فيها شيء، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾.

وقال محمد بن إسحاق: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾، يعني: الأرض، وأن ما عليها لفان وبائد، وإن المرجع لإِلى الله، فلا تأس ولا يحزنك ما تسمع وترى.

﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَينِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) هذا إخبار [من الله تعالى] [٢] عن قصة أصحاب الكهف على سبيل الإجمال والاختصار، ثم بسطها بعد ذلك، فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾، يعمي: يا محمد، ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، أي: ليس أمرهُم عجيبًا في قدرتنا وسلطاننا؛ فإن خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب، وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى، وأنه على ما يشاء قادر، ولا يعجزه شيء أعجب من أخبار أصحاب الكهف، كما قال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، يقول: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك.

وقال العوفي عن ابن عبَّاس: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ يقول: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم.

وقال محمد بن إسحاق: ما أظهرت من حججي على العباد أعجب من شأن أصحاب الكهف والرقيم.

[وأما الكهف: فهو الغار في الجبل، وهو الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية المذكورون.

وأما الرقيم] [١]: فقال [٢] العوفي: عن ابن عبَّاس: هو واد قريب من أيلة.

وكذا [قال عطية العوفي وقَتَادة، وقال الضحاك]: أما الكهف فهو غار الوادي، والرقيم اسم الوادي.

وقال مجاهد: الرقيم: كان بنيانهم.

ويقول بعضهم: هو الوادي الذي فيه كهفهم.

وقال عبد الرزاق (١١): أخبرنا الثَّوري، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالرَّقِيمِ﴾، قال [٣]: يزعم كعب أنَّها القرية.

وقال ابن جريج عن ابن عبَّاس: الرقيم: الحبل الذي فيه الكهف.

وقال ابن إسحاق: عن عبد الله بن أبي نجيح، [عن مجاهد] [٤]، عن ابن عبَّاس قال: اسم ذلك الجبل بنجلوس.

وقال ابن جريج: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجنائي: أن [٥] اسم جبل الكهف بنجلوس، واسم الكهف حيزم، والكلب حمران.

وقال عبد الرزاق (١٢): أنبأنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: [كل] [٦] القرآن أعلمه، إلا: حنانًا [٧]، والأواه، والرقيم.

وقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة قول: قال ابن عباس: ما أدري ما الرقيم، أكتاب أم بنيان؟

وقال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس: الرقيم: الكتاب.

وقال سعيد بن جبير: الرقيم [١]: لوح من [٢] حجارة، كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف، ثم وضعوه على باب الكهف.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرقيم: الكتاب، ثم قرأ: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾.

وهذا هو الظاهر من الآية، وهو اختيار ابن جرير، قال: الرقيم: فعيل بمعنى [٣] مرقوم، كما، يقال للمقتول: قتيل، وللمجروح: جريح.

والله أعلم.

وقوله: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾.

يخبر تعالى عن أولئك الفتية الذين فروا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم عنه، فهربوا منهم فلجئوا إلى غار في جبل ليختفوا عن قومهم، فقالوا حين دخلوا - سائلين من الله تعالى رحمته ولطفه بهم -: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾، أي: هب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها وتسترنا عن قومنا، ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾، أي: وقدر لنا من أمرنا هذا رشدًا، أي: اجعل عاقبتنا رشدًا [٤]، كما جاء في الحديث (١٣): " وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشدًا"، وفي المسند (١٤) من حديث بُسْر [٥] بن أبي أرطاة عن رسول الله ﷺ أنه كان يدعو: "اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة".

وقوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾، أي: ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف، فناموا سنين كثيرة، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾، أي: من رقدتهم تلك، وخرج أحدهم بدراهم معه ليشتري لهم بها شيئًا يأكلونه، كما سيأتي بيانه وتفصيله؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَينِ﴾، أي [١]: المختلفين فيهم، ﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾، قيل: عددًا.

وقيل: غاية؛ فإن الأمد الغاية كقوله [٢]: * سبق الجواد إذا استولى على الأمد * ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾ من هاهنا شرع في بسط القصة وشرحها، فذكر تعالى أنهم فتية - وهم الشباب - وهم أقبلُ للحق، وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عَتَوا وعَسَوا في دين الباطل؛ ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله ﷺ شبابًا، وأما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل.

وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شبابًا.

قال مجاهد: بلغني أنه كان في آذان بعضهم القِرَطَة (*) يعني: الحِلَق - فألهمهم الله رشدهم، وآتاهم تقواهم، فآمنوا بربهم، أي: اعترفوا له بالوحدانية، وشهدوا أنه لا إله إلا هو.

﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾: استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة - كالبخاري (١٥) وغيره، ممن ذهب إلى زيادة الإِيمان وتفاضله، وأنه يزيد وينقص، ولهذا قال تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى غير ذلك من [١] الآيات الدالة على ذلك.

وقد ذُكِر: أنهم كانوا على دين عيسى ابن مريم ﵇، والله أعلم.

والظاهر أنهم كانوا قبل ملة النصرانية بالكلية؛ فإنهم [٢] لو كانوا على دين النصرانية؛ لما اعتنى أحبار اليهود بحفظ خبرهم وأمرهم لمباينتهم لهم، وقد تقدم (١٦) عن ابن عباس أن قريشًا بعثوا إلى أحبار اليهود بالمدينة يطلبون منهم أشياء يمتحنون بها رسول الله ﷺ، فبعثوا إليهم أن يسألوه عن خبر هؤلاء، وعن خبر ذي القرنين، وعن الروح، فدل هذا على أن هذا أمر محفوظ في كتب أهل الكتاب، وأنه متقدم على دين النصرانية، والله أعلم.

وقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، يقول تعالى: وصبّرناهم [١] على مخالفة قومهم ومدينتهم، ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة؛ فإنه قد ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا [٢] من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا يومًا في بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمعًا [٣] في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت ويذبحون لها [٤]، وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له: دقيانوس، وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه.

فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك، وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم، عرفوا [٥] أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا لله الذي خلق السموات والأرض، فجعل كل واحد منهم بتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية، وكان [٦] أول من جلس منهم أحدهم، جلس تحت ظل شجرة، فجاء الآخر فجلس عنده، وجاء الآخر فجلى إليهما، وجاء الآخر فجلس إليهم، وجاء الآخر، وجاء الآخر، [وجاء الآخر] [٧]، ولا يعرف واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإِيمان.

كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري (١٧) تعليقًا من حديث يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "الأرواح جنودٌ مجندة؛ فما [٨] تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" أخرجه مسلم في صحيحه (١٨) من حديث سهيل [٩] عن [أبيه عن] [١٠] أبي هريرة عن النبي ﷺ.

والناس يقولون: الجنسية علة الضم.

والفرض أنه جعل كل واحد منهم يكتم ما هو فيه عن أصحابه خوفًا منهم، ولا يدري أنهم مثله، حتى قال أحدهم: تعلمون والله يا قوم أنه ما [١] أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم إلا شيء، فليظهر [٢] كل واحد منكم ما بأمره.

فقال آخر: أما أنا فإني والله [٣] رأيت ما قومي عليه، فعرفت أنه باطل، وإنما الذي يستحق أن يعبد وحده [٤] ولا يشرك به شيء [٥] هو الله [٦] الذي خلق كل شيء السموات والأرض وما بينهما.

فقال الآخر: وأنا والله وقع لي كذلك.

وقال الآخر كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة، فصاروا يدًا واحدة وإخوان صدق، فاتخذوا لهم معبدًا يعبدون الله فيه، فعرف بهم قومهم، فوشوا بأمرهم إلى ملكهم، فاستحضرهم بين بديه، فسألهم عن أمرهم وما هم عليه، فأجابوه بالحق ودعوه إلى الله ﷿؛ ولهذا أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ -ولن لنفي التأييد- أي [٧]: لا يقع منا هذا أيدًا، لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلًا.

ولهذا قال عنهم: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي: باطلًا وكذبًا وبهتانًا.

﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾، أي: هلّا [٨] أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلًا واضحًا صحيحًا؟!

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، يقولون: بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك فيقال: إنّ ملكهم لما دَعَوه إلى الإِيمان بالله أبي عليهم وتهددهم وتوعدهم، وأمر بنزع لباسهم عنهم الذي كان عليهم من زينة قومهم، وأجّلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يراجعون [٩] دينهم الذي كانوا عليه.

وكان هذا من لطف الله بهم؛ فإنهم في تلك النظرة توصلوا إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة.

وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس: أن يفر العبد منهم خوفًا على دينه، كما جاء في الحديث (١٩) " يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنمًا يتبع بها شَعَف [١٠] الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن"، ففي هذه الحال تشرع العزلة عن [١] الناس، ولا تشرع فيما عداها لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع.

فلما وقع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم، واختار الله تعالى لهم ذلك، وأخبر عنهم بذلك في قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾، أي: وإذا [٢] فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضًا بأبدانكم، ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، أي: يبسط عليكم رحمة يستركم بها [٣] من قومكم، ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ﴾ الذي أنتم فيه ﴿مِرْفَقًا﴾، أي: أمرًا ترتفقون [٤] به.

فعند ذلك خرجوا هُرَّابًا [٥] إلى الكهف فآووا أليه، ففقدهم قومهم من بين أظهرهم وتطلبهم الملك، فيقال: أنه لم يظفر بهم، وعمّى الله عليهم خبرهم، كما فعل بنبيه محمد [٦] ﷺ وصاحبه الصديق حين لجأا إلى غار ثور، وجاء المشركون من قريش في الطّلب فلم يهتدوا إليه مع [٧] أنهم يمرون عليه، وعندها قال النبي ﷺ حين رأى جزع الصّديق في قوله: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا!!

فقال: "يا أبا بكر؛ ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟

" (٢٠)، وقد قال الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَينِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقصة هذا الغار أشرف وأجل وأعظم وأعجب من قصة أصحاب الكهف.

وقد قيل: إن قومهم ظفروا بهم، ووقفوا [٨] على باب الغار الذي دخلوه، فقالوا: ما كنا نريد منهم من العقوبة أكثر مما فعلوا بأنفسهم.

فأمر الملك بردم بابه عليهم ليهلكوا مكانهم، فَفُعِل ذلك.

وفي هذا [٩] نظر، والله أعلم؛ فإن الله تعالى قد [١٠] أخبر أن الشمس تدخل عليهم في الكهف بكرة وعشيًّا، كما قال تعالى.

﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ هذا دليل على أن باب هذا الكهف من نحو الشمال؛ لأنه تعالى أخبر أن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تَزْوَرّ عنه [١]، ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾، أي: بتقلص [٢] الفيء يمنة، كما قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة ﴿تَزَاوَرُ﴾، أي: تميل.

وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق تَقَلّص شعاعها بارتفاعها حتى لا، يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان؛ ولهذا [٣] قال: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾، أي: تدخل إلى غارهم من شمال بابه، وهو من ناحية المشرق، فدل على صحة ما قلناه، وهذا بَيِّنٌ لمن تأمله وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير الشممس والقمر والكواكب، وبيانه: أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها شيء عند الغروب، ولو كان من ناحية القبلة لما دخله منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب، ولا تزاور الفيء يمينًا ولا شمالًا، ولو كان من جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع، بل بعد الزوال ولم تزل فيه إلى الغروب، فتعين ما ذكرناه، ولله الحمد.

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾: تتركهم.

وقد أخبر الله تعالى بذلك وأراد منا فهمه وتدبره، ولم يخبرنا بمكان هذا الكهف في أي البلاد من الأرض؛ إذ لا فائدة لنا فيه ولا قصد شرعي، وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالًا؛ فتقدم عن ابن عباس أنه قال: هو [٤] قريب من أيلة.

و [٥] قال ابن إسحاق: هو عند نِينَوَى.

وقيل: ببلاد الروم.

وقيل: ببلاد البلقاء، والله أعلم بأي بلاد الله هو، ولو كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه، فقد قال رسول الله ﷺ (٢١): " ما تركت شيئًا يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أعلمتكم به"، فأعلمنا تعالى بصفته، ولم يعلمنا بمكانه، فقال: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾، قال مالك، عن زيد بن أسلم: تميل، ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾، أي: في متسع منه داخلًا بحيث لا تمسهم؛ إذ لو أصابتهم لأحرقت أبدانهم وثيابهم؛ قاله ابن عباس.

﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ حيث أرشدهم تعالى إلى هذا النار الذي جعلهم فيه أحياء، والشمس والريح تدخل عليهم فيه لتبقى أبدانهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾.

ثم قال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾، أي: هو الذي أرشد هزلاء الفتية إلى الهداية من بين قومهم، فإنه من هداه الله اهتدى [١]، ومن أضله فلا هادي له.

﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيهِ بِالْوَصِيدِ لَو اطَّلَعْتَ عَلَيهِمْ لَوَلَّيتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾ ذكر بعض أهل العلم أنهم لما ضرب الله على آذانهم بالنوم، لم تنطبق أعينهم لئلا يسرع إليها البلى، فإذا بقيت ظاهرة للهواء كان أبقى لها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾، وقد ذكر عن الذئب أنه ينام فيطبق عينًا ويفتح عينًا، ثم يفتح هذه - وطبق هذه وهو راقد -كما قال الشاعر: ينامُ بإحْدى مُقْلَتَيه ويتقي … بأخرى الرزايا فهو يقظانُ نائمُ وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾، قال بعض السلف: يقلبون في العام مرتين.

قال: ابن عباس: لو لم يقلبوا [١] لأكلتهم الأرض.

وقوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيهِ بِالْوَصِيدِ﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة [٢]: الوصيد: الفناء.

وقال ابن عباس: بالباب.

وقيل: بالصعيد، وهو التراب.

والصحيح أنه بالفناء - وهو الباب - ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي: مطبقة مغلقة.

ويقال: و"صيد"، و"أصيد".

ربض كلبهم على الباب كما جرت به عادة الكلاب.

قال ابن جريج: يحرس [٣] عليهم الباب، وهذا من سجيته وطبيعته، حيث [٤] يربض ببابهم كأنه يحرسهم، وكان جلوسه خارج الباب؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب - كما ورد في الصحيح - "ولا صورة" (٢٢).

"ولا جُنُب" (٢٣)، ولا كافر، كما ورد به [١] في الحديث الحسن.

وشملت كلبَهم بركتُهُم، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال [٢].

وهذا فائدة صحبة الأخيار؛ فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن.

وقد قيل: إنه كان كلب صيد لأحدهم وهو الأشبه.

وقيل: كان كلب طباخ الملك، وكان قد وافقهم على الدين فصحبه [٣] كلبه، فالله أعلم.

وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة همام بن الوليد الدمشقي (٢٤)، حدثنا صدقة بن عمر الغساني، حدثنا عباد المنقري، سمعت الحسن البصري ﵀ يقول: كان اسم كبش إبراهيم: "جرير"، واسم هدهد سليمان: "عنقز"، واسم كلب أصحاب الكهف: "قطمير"، واسم عجل بني إسرائيل الذي عبدوه: "بهموت"، وهبط آدم ﵇ بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بدست بيسان، والحية بأصبهان.

وقد تقدم عن شعيب [الجبئي] [١] أنه سماه حمران.

واختلفوا في [٢] لونه على أقوال لا حاصل لها ولا طائل تحتها ولا دليل عليها ولا حاجة إليها؛ بل هي مما ينهى عنه؛ فإن مستندها رجم بالغيب.

وقوله تعالى: ﴿لَو اطَّلَعْتَ عَلَيهِمْ لَوَلَّيتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾، أي: إنه تعالى ألقى عليهم المهابة، بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم، لما ألبسوا من المهابة والذعر، لئلا يدنو منهم أحد ولا [٣] تمسهم يد لامس، حتى يبلغ الكتاب أجله، وتنقضي رقدتهم التي شاء ﵎ فيهم، لما له في ذلك من الحجة والحكمة البالغة، والرحمة الواسعة.

﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَينَهُمْ قَال قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ يقول تعالى: وكما أرقدناهم بعثناهم صحيحة أبدانهم وأشعارهم وأبشارهم، لم يفقدوا من أحوالهم وهيئاتهم شيئًا، وذلك بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين؛ ولهذا تساءلوا بينهم: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾، أي: كم رقدتم؟

﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، كأنه كان دخولهم إلى الكهف في أول نهار، واستيقاظهم كان في آخر نهار؛ ولهذا استدركوا فقالوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾، أي: اللَّه أعلم بأمركم، وكأنه حصل لهم نوع تردد في كثرة نومهم فاللَّه أعلم.

ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ ذاك وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾، أي: فضتكم هذه، وذلك أنهم كانوا قد استصحبوا معهم دراهم من [١] منازلهم لحاجتهم إليها، فتصدقوا منها وبقي منها؛ فلهذا قالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾، أي: مدينتكم التي خرجتم منها، والألف واللام للعهد.

﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾، أي: أطيب طعامًا، كقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ ومنه الزكاة التي تُطَيّب المال وتطهره.

وقيل: أكثر طعامًا، ومنه: زكا الزرع، إذا كثر، قال الشاعر: قبائلنا سَبْعٌ وأنتم ثلاثةٌ … وللسَّبْعُ أزْكى من ثلاث وأطيبُ والصحيح الأول؛ لأن مقصودهم إنما هو الطيب الحلال، سواء كان قليلًا أو كثيرًا.

وقوله: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾، أي: في خروجه وذهابه وشرائه وإيابه، يقولون: وَلْيَتَخَفّ [٢]: كل ما يقدر عليه، ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ﴾، أي: يعلمن ﴿بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾، أي: إن علموا بمكانكم، ﴿يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾، يعنون أصحاب دقيانوس، يخافون منهم أن يطلعوا على مكانهم، فلا يزالون يعذبونهم بأنواع العذاب إلى أن يعيدوهم في ملتهم التي هم عليها أو يموتوا، وإن واتَوهم على العودة [٣] في الدين فلا فلاح لهم [٤] في الدنيا ولا في الآخرة؛ ولهذا قال: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾.

﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَينَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَال الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيهِمْ﴾، أي: أطلعنا عليهم الناس، ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيبَ فِيهَا﴾.

ذكر غير واحد من السلف أنه كان قد حصل لأهل ذلك الزمان شك في البعث وفي أمر القيامة.

وقال عكرمة: كان منهم طائفة قد قالوا: تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد.

فبعث اللَّه أهل الكهف حجة ودلالة وآية على ذلك.

وذكروا أنه لما أراد أحدهم الخروج ليذهب إلى المدينة في شراء شيء لهم ليأكلوه تنكر وخرج يمشي في غير الجادة حتى انتهى إلى المدينة، وذكروا أن اسمها دقسوس، وهو يظن أنه قريب العهد بها [١]، وكان الناس قد تبدلوا قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل، وأمة بعد أمة، وتغيرت البلاد ومن عليها كما قال الشاعر: أما الديار فإنها كديارهم … وأرى رجال الحي غير رجاله فجعل لا يرى شيئًا من معالم البلد التي يعرفها، ولا يعرف أحدًا من أهلها: لا [٢] خواصها ولا عوامها، فجعل يتحير في نفسه ويقول: لعل بي جنونًا [٣]، أو مسَّا [٤]، أو أنا حالم، ويقول: واللَّه ما بي شيء من ذلك، وإن عهدي بهذه البلدة عشية أمس على غير هذه الصفة، ثم قال: إن تعجيل الخروج من هاهنا لأولى لي.

ثم عمد إلى رجل ممن يبيع الطعام فدفع إليه ما معه من النفقة، وسأل أن يبيعه بها طعامًا، فلما رآها ذلك الرجل أنكرها وأنكر ضَرْبها، فدفعها إلى جاره، وجعلوا يتداولونها بينهم ويقولون: لعل هذا قد وجد كنزًا.

فسألوه عن أمره، ومن أين له هذه النفقة؟

لعله وجدها من كنز، ومن أنت؟

فجعل يقول: أنا من أهل هذه المدينة، وعهدي بها عشية أمس وفيها دقيانوس.

فنسبوه إلى الجنون، فحملوه إلى وليّ أمرهم، فسأله عن شأنه وعن أمره، حتى أخبرهم بأمره - وهو متحير في حاله وما هو فيه - فلما أعلمهم كذلك قاموا معه إلى الكهف - مُتَوَلًى البلد وأهلها - حتى انتهى بهم إلى الكهف فقال: دعوني حتى أتقدمكم في الدخول لأعلم أصحابي، فيقال: إنهم لا يدرون كيف ذهب فيه، وأخفى اللَّه عليهم خبره، ويقال: بل دخلوا عليهم، ورأوهم وسلم عليهم الملك واعتنقهم، وكان مسلمًا فيما قيل واسمه تيدوسيس [٥]، ففرحوا به وآنسوه [٦] الكلام، ثم ودعوه وسلموا عليه، وعادوا إلى مضاجعهم، وتوفاهم اللَّه ﷿، فاللَّه أعلم.

قال قتادة: وغزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة، فمروا بكهف في بلاد الروم فرأوا فيه عظامًا، فقال قائل: هذه عظام أصحاب [٧] الكهف.

فقال ابن عباس: لقد بليت عظامهم من أكثر من ثلاثمائة سنة.

رواه ابن جرير (٢٥).

وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيهِمْ﴾، أي: كما أرقدناهم وأيقظناهم بهيئاتهم [١] أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان، ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَينَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾، أي: في أمر القيامة، فمن مثبت لها ومن منكر، فجعل اللَّه ظهوهم على أصحاب الكهف حجة لهم وعليهم، ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾، أي: سُدُّوا عليهم باب كهفهم وذَرُوهم [٢]، على حالهم، ﴿قَال الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِمْ مَسْجِدًا﴾.

حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين: أحدهما: أنهم المسلمون منهم.

والثاني: أهل الشرك منهم، فاللَّه أعلم.

والظاهر أن الذين [٣] قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟

فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ قال (٢٦): " لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد" بحذر ما فعلوا، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمر أن يخفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده فيها شيء من الملاحم وغيرها.

﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إلا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف، فحكى ثلاثة أقوال، فدل على أنه لا قائل برابع، ولما ضعف القولين الأولين بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيبِ﴾، أي: قولًا [١] بلا علم، كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه، فإنه لا يكاد يصيب وإن أصاب فبلا قصد، ثم [٢] حكى الثالث وسكت عليه أو قرره بقوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، دل على صحته وأنه هو الواقع في نفس الأمر.

وقوله: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى اللَّه تعالى؛ إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم، لكن إذا أطلعنا على أمر قلنا به وإلا وفقنا.

وقوله: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إلا قَلِيلٌ﴾، أي: من الناس.

قال قتادة: قال ابن عباس: أنا من القليل الذي استثنى اللَّه ﷿ كانوا سبعة.

وكذا روى ابن جرير عن عطاء الخراساني عنه أنه كان يقول: أنا ممن استثنى اللَّه ﷿ ويقول: عدتهم سبعة (٢٧).

[وقال ابن جرير (٢٨): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس] [٣]: [﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إلا قَلِيلٌ﴾، قال: أنا من القليل، كانوا سبعة] [٤]، فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس و [٥] أنهم كانوا سبعة، وهو موافق لما قدمناه.

وقال محمد بن إسحاق بن يسار عن [عبد اللَّه] [٦]، بن أبي نجيح، عن مجاهد قال: لقد حدثت أنه كان على بعضهم من حداثة [سنه وَضَح] [٧] الورِق.

قال ابن عباس (٢٩): فكانوا كذلك ليلهم ونهارهم في عبادة اللَّه يبكون [٨] ويستغيثون باللَّه، وكانوا ثمانية نفر: مكسلمينا [١] وكان أكبرهم وهو الذي كلم الملك عنهم ومجسيميلنينا [٢]، وتمليخا، ومرطوس [٣]، وكشطونس، وبيرونس [٤]، وديموس [٥]، ويطونس [٦]، قالوش [٧]، هكذا وقع في هذه الرواية، ويحتمل هذ!

من كلام ابن إسحاق أو [٨] من بينه وبينه؛ فإن الصحيح عن ابن عباس أنهم كانوا سبعة، وهو ظاهر الآية، وقد تقدم عن شعيب الجبائي أن اسم كلبهم حمران، وفي تسميتهم بهذه الأسماء واسم كلبهم نظر في صحته واللَّه أعلم؛ فإن غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب، وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾، أي: سهلًا هينًا، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾، أي: فإنهم لا علم لهم بذلك إلاما يقولونه [٩] من تلقاء أنفسهم ﴿رَجْمًا بِالْغَيبِ﴾، أي [١٠]: من غير استناد إلى كلام معصوم، وقد جاءك اللَّه يا محمد بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية، فهو المقدَّم الحاكم على كل ما تقدمه من الكتب والأقوال.

﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ هذا إرشاد من الله لرسوله [١١]- صلوات اللَّه وسلامه عليه - إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يرد ذلك إلى شيئة اللَّه ﷿ علام الغيوب الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، كما ثبت في الصحيحين (٣٠) عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة" - وفي رواية: "تسعين امرأة"، وفي رواية: "مائة امرأة - تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل اللَّه، فقيل له:- وفي رواية: فقال له [١] الملك:- قل: إن شاء اللَّه.

فلم يقل، فطاف بهن فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان"، قال رسول اللَّه ﷺ: "والذي نفسي بيده!

لو قال: إن شاء اللَّه لم يحنث، وكان دركًا لحاجته" وفي رواية: "ولقاتلوا لي سبيل اللَّه فرسانًا أجمعين [٢] " وقد تقدم (٣١) في أول السورة ذكر سبب نزول هذه الآية في قول النبي ﷺ لما سئل عن قصة أصحاب الكهف: "غدًا أجيبكم" فتأخر الوحي خمسة عشر يومًا، وقد ذكرناه بطوله في أول السورة فأغنى عن إعادت.

وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾، قيل: معناه: وإذا نسيت الاستثناء فاستثن عند ذكرك له، قاله أبو العالية، والحسن البصري.

وقال هشيم (٣٢): عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس في الرجل يحلف قال: له أن يستثني ولو إلى سنة.

وكان يقول: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ في ذلك.

قيل للأعمش: سمعته من [٣] مجاهد؟

قال: حدثني به ليث بن أبي سليم ترى [٤] ذهب كسائي هذا.

ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية عن الأعمش به.

ومعنى قول ابن عباس: أنه يستثني ولو بعد سنة، أي: إذا نسي [أن يقول في حلفه] [٥] أو كلامه: إن شاء اللَّه، وذكر ولو لعد سنة، فالسُّنَّة له أن يقول ذلك ليكون آتيًا بسنة الاستثناء حتى لو كان بعد الحنث.

قاله ابن جرير ﵀ ونص على ذلك، لا أن يكون رافعًا لحنث اليمين ومسقطًا [١] للكفارة، وهذا الذي قاله ابن جرير ﵀ هو الصحيح، وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه واللَّه أعلم.

وقال عكرمة: [﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أي: [إذا] [٢] غضبت.

وهذا تفسير باللازم.

وقد قال الطبراني (٣٣): حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدثنا سعيد بن سليمان، عن عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ] [٣] وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أن تقول: إن شاء اللَّه.

وقال الطبراني (٣٤): حدثنا محمد بن الحارث الجبيلي [٤]، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد العزيز بن حصين، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: [﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أن تقول: إن شاء اللَّه.

وروى الطبراني أيضًا عن ابن عباس في قوله] [٥]: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ الاستثناء، فاستثن إذا ذكرت، وقال [٦]: هي خاصة برسول اللَّه ﷺ، وليس لأحد منا أن يستثني إلا في صلة من يمينه، ثم قال: تفرد به الوليد عن عبد العزيز بن الحصين.

ويحتمل [١] في الآية وجه آخر وهو أن يكون اللَّه تعالى قد أرشد من نسي الشيء في كلامه إلى ذكر اللَّه؛ [لأن النسيان منشؤه من الشيطان، كما قال فتى موسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ فَذِكْرُ اللَّه تعالى يطرد الشيطان، فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان، فَذِكْرُ اللَّه] [٢] تعالى سبب للذكر، ولهذا قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.

وقوله: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾، أي إذا سئلت عن شيء لا تعلمه فاسأل اللَّه تعالى فيه، وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد [في ذلك] [٣]، وقيل غير ذلك في تفسيره واللَّه أعلم.

﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ هذا خبر من اللَّه تعالى لرسوله ﷺ بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، منذ أرقدهم اللَّه إلى أن بعثهم، وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلاثمائة وتسع سنين بالهلالية [٤]، وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة [٥] بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين، فلهذا قال بعد الثلاثمائة: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾.

وقوله: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ أي: إذا [٦] سئلت عن لبثهم، وليس عندك علم [٧] في ذلك و [٨] توقيف من اللَّه تعالى، فلا تتقدم فيه بشيء، بل قل في مثل هذا: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: لا يعلم ذلك إلا هو، أو من أطلعه اللَّه عليه من خلقه، وهذا الذي قلناه: عليه غير واحد من علماء التفسير؛ كمجاهد وغير واحد من السلف والخلف.

وقال قتادة في قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ هذا قول أهل الكتاب، وقد رده اللَّه تعالى بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ﴾، قال: وفي قراءة عبد اللَّه: (وقالوا ولبثوا) يعني أنه قاله الناس وهكذا قال -كما قال قتادة- مطرف بن عبد الله، وفي هذا الذي زعمه قتادة نظر؛ فإن الذي بأيدي أهل الكتاب: أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع، يعنون بالشمسية، ولو كان اللَّه قد حكى قولهم لما قال: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ وظاهر الآية: إنما هو من إخبار اللَّه لا حكاية عنهم، وهذا اختيار ابن جرير ﵀، ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور فلا يحتج بها، واللَّه أعلم.

وقوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [أي: إنه لبصير بهم سميع لهم.

قال ابن جرير: وذلك في معنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه] [١]!

وتأويل الكلام: ما أبصر اللَّه لكل موجود وأسمعه لكل مسموع!

لا يخفى عليه من ذلك شيء.

ثم روى عن قتادة في قوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾: فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع.

وقال ابن زيد: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾، يرى أعمالهم ويسمع ذلك منهم سميعًا بصيرًا.

وقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ أي: إنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر، الذي لا معقب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير [٢]، ولا شريك ولا مشير، تعالى وتقدس.

﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَينَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بتلاوة كتابه العزيز، وإبلاغه إلى الناس ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: غير [٣] مغير لها ولا محرف ولا مُوُوّل.

وقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾، [عن مجاهد: ﴿مُلْتَحَدًا﴾، قال: ملجأ.

وعن قتادة: وليًّا ولا مولىً] [١].

قال ابن جرير: يقول [٢] و [٣] إن أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك، أي [٤] فإنه لا ملجأ لك من الله.

كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: سائلك عما فرض عليك من إبلاغ الرسالة.

وقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: اجلس [٥] مع الذين يذكرون الله، ويهللونه ويحمدونه، ويسبحونه ويكبرونه، ويسألونه بكرة وعشيًّا، من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء، أو أقوياء أو ضعفاء.

يقال: إنها نزلت في أشراف قريش، حين طلبوا من النبي ﷺ أن يجلس معهم وحده، ولا يجالسهم [٦] بضعفاء أصحابه؛ كبلال وعمار وصهيب وخباب [٧] وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس [على حدة] [٨]، فنهاه الله عن ذلك، فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء فقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾] [٩].

قال مسلم في صحيحه (٣٥): حدثنا أبو [١٠] بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن إسرائيل، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد -[هو] [١١] ابن أبي وقاص- قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء، لا يجترئون علينا.

قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري.

وقال الإمام أحمد (٣٦): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي التياح، قال: سمعت أبا الجعد يحدث، عن أبي أمامة، قال: خرج رسول الله ﷺ على قاص يقص فأمسك، فقال رسول الله ﷺ: "قص، فلأن أقْعُد غدوة إلى أن تشرق الشمسُ أحبُّ إليَّ من أن أعتق أربعَ رقابٍ".

وقال الإِمام أحمد (٣٧) أيضًا: حدثنا هاشم [١]، ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت كردوس بن قيس -وكان قاص العامة بالكوفة- يقول: أخبرني رجل من أصحاب بدر، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إليَّ من أن أعتق أربع رقاب".

قال شعبة: فقلت: أي مجلس؟

قال: كان قاصًّا.

وقال أبو داود الطيالسي في مسنده (٣٨): حدثنا محمد، حدثنا يزيد بن أبان، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "لأن [٢] أجالس قومًا يذكرون الله من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس، ولأن أذكر الله من صلاة العصر [إلى غروب الشمس] [٣] أحب إليَّ من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل، دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفًا".

فحسبنا دياتهم ونحن في مجلس أنس، فبلغت ستة وتسعين ألفًا، وهاهنا من يقول: أربعة من ولد إسماعيل، والله ما قال إلا ثمانية، دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفًا.

وقال الحافظ أبو بكر البزار (٣٩): حدثنا أحمد [٤] بن إسحاق الأهوازي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عمرو بن ثابت، عن عليّ بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم -وهو الكوفي - أن رسول الله ﷺ مر برجل يقرأ سورة الكهف، فلما رأى النبي ﷺ سكت، فقال رسول الله ﷺ: "هذا المجلس" [١] الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم".

هكذا رواه أبو أحمد عن عمرو بن ثابت عن علي بن الأقمر عن الأغر مرسلًا.

وحدثنا [٢] يحيى بن المعلى، عن منصور، حدثنا محمد بن الصلت، حدثنا عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر [٣] عن أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: جاء رسول الله ﷺ و [٤] رجل يقرأ سورة الحِجر أو سورة الكهف فسكت، فقال رسول الله ﷺ: "هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم".

وقال الإمام أحمد (٤٠): حدثنا محمد بن بكر، ثنا ميمون المَرَئي [٥]، ثنا ميمون بن سياه، عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله، لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفورًا [٦] لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات" تفرد به أحمد ﵀.

وقال الطبراني (٤١): ثنا إسماعيل بن الحسن، ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن أبي حازم، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف، قال: نزلت على رسول الله ﷺ وهو في بعض أبياته: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، فخرج يلتمسهم، فوجد قومًا [يذكرون الله تعالى] [١]؛ منهم ثائر الرأس، [وجاف الجلد] [٢]، [وذو الثوب الواحد] [٣]، فلما رآهم جلس معهم وقال: "الحمد لله الذي جعل [٤] في أمتي من أمرني الله أن أصبر نفسي معهم".

عبد الرحمن هذا ذكره أبو بكر بن أبي داود في الصحابة، وأما أبوه [٥] فَمِن سادات الصحابة ﵃.

وقوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَينَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس: ولا تجاوزهم [٦] إلى غيرهم يعني: تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة.

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾، أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾، أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن [٧] مطيعًا له، ولا محبًّا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾.

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ: ﴿وقل﴾ يا محمد للناس: هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ هذا من باب التهديد والوعيد الشديد، ولهذا قال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾، أي: أرصدنا ﴿للظالمين﴾، وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، أي: سورها.

قال الإمام أحمد (٤٢): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لسرادق النار أربعة جدر، كثافة كل جدار مثل مسافة أربعين سنة" وأخرجه الترمذي في صفة النار، وابن جرير في تفسيره: من حديث دراج أبي السمح به [وقال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، قال: حائط من نار] [١].

وقال ابن جرير (٤٣): حدثني الحسين بن نصر، والعباس بن محمد، قالا: حدثنا أبو عاصم، عن عبد الله بن أمية، [حدثني محمد بن حُيي بن يعلى، عن صفوان بن يعلى، عن يعلى بن أمية] [٢] قال: قال رسول الله ﷺ: "البحر هو جهنم".

قال: فقيل له: [كيف ذلك؟] [٣] فتلا هذه الآية، أو قرأ هذه الآية: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، ثم قال: والله لا أدخلها أبدًا -أو: ما دمت حيًّا [٤]- لا [٥] تصيبني [٦] منها قطرة.

وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾، قال ابن عباس (٤٤): المهل: ماء غليظ مثل دردي [١] الزيت [٢].

وقال مجاهد: هو كالدم والقيح.

وقال عكرمة: هو الشيء الذي انتهى حره.

وقال آخرون: هو كل شيء أذيب.

وقال قتادة (٤٥): أذاب ابن مسعود شيئًا من الذهب في أخدود، فلما [٣] انماع وأزبد قال: هذا أشبه شيء بالمهل.

وقال الضحاك: ماء جهنم أسود، وهي سوداء وأهلها سود.

وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر؛ فإن المهل يجمع هذه الأوصاف الرذيلة كلها، فهو أسود منتن غليظ حار، ولهذا قال: ﴿يَشْوي الْوُجُوهَ﴾ أي: من حره، إذا أراد الكافر أن يشربه وقربه من وجهه شواه، حتى يسقط جلد وجهه فيه، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٤٦) بإسناده المتقدم في سرادق النار عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله، ﷺ أنه قال: "ماء كالمهل -قال- كعكر الزيت، فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه".

وهكذا رواه الترمذي في صفة النار من جامعه: من حديث رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج به.

ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين، وقد تكلم فيه من قِبَل حفظه.

هكذا قال، وقد رواه الإمام أحمد كما تقدم: عن حسن الأشيب، عن ابن لهيعة، عن دراج، والله أعلم.

وقال عبد الله بن المبارك، وبقية بن الوليد (٤٧): عن صفوان بن عمرو، عن عبد [١] الله ابن بُسر [١]، عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله: ﴿ويسقى من ماء صديد، يتجرعه﴾، قال: "يقرب إليه فيتكرهه، فإذا قرب منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شرب [٢] قطع أمعاءه، يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾.

وقال سعيد بن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا [٣] منها، فاختلست جلود وجوههم، فلو أن [مارًّا مر] [٤] بهم يعرفهم [٥] لعرف [٦] جلود وجوههم فيها، ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون، فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود" ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه الصفات القبيحة: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾، أي: بئس هذا شرابًا [٧]، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وسقوا ماءً حميمًا فقطع أمعاءهم﴾ وقال تعالى: ﴿تسقى من عين آنية﴾ أي: حارة، كما قال تعالى: ﴿وبين حميم آن﴾.

﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [أي: وساءت النار] [٨] منزلًا، ومقيلًا، ومجتمعًا، وموضعًا للارتفاق، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إنها ساءت مستقرًّا ومقامًا﴾.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاورَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾ لما ذكر تعالى حال الأشقياء ثنى بذكر [٩] السعداء: الذين آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين فيما جاءوا به، وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة، فلهم جنات عدن، والعدن: الإقامة.

﴿تجري من تحتهم الأنهار﴾ أي: من تحت غرفهم ومنازلهم، قال فرعون: ﴿وهذه الأنهار تجري من تحتي﴾ الآية.

﴿يحلون﴾ أي: من الحلية ﴿فيها من أساور من ذهب﴾، وقال في المكان الآخر: ﴿ولؤلؤًا ولباسهم فيها حرير) وفصله هاهنا فقال: ﴿وبلبسون ثيابًا خضرًا من سندس وإستبرق﴾، فالسندس: ثياب [١] رفاع [٢] رقاق كالقمصان وما جرى مجراها.

وأما الإستبرق: فغليظ الديباج وفيه بريق.

وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: الاتكاء، قيل: الاضطجاع، وقيل [٣]: التربع في الجلوس، وهو أشبه بالمراد [٤] هاهنا، ومنه الحديث الصحيح (٤٨): " أما أنا فلا آكل متكئًا" فيه القولان.

والأرائك: جمع أريكة: وهي السرير تحت الحَجَلة، والحَجَلة: كما يعرفه الناس في زماننا هذا بالباشخاناه [٥]، والله أعلم.

قال عبد الرزاق (٤٩): أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾، قال: هي الحجال.

قال معمر: وقال غيره: السرر في الحجال.

وقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [أي: نعمت الجنة ثوابًا على أعمالهم، ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي: حسنت منزلًا ومقيلًا ومقامًا، كما قال في النار: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [٦] وهكذ [٧] قابل بينهما في سورة الفرقان في قوله: ﴿إنها ساءت مستقرًا ومقامًا﴾ ثم ذكر صفات المؤمنين فقال: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.

﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَينِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَينِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَينَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَينِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَال لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاورُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَال مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾ يقول تعالى بعد ذكر [١] المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء، والمساكين من المسلمين، وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم [٢]، فضرب لهم مثلًا برجلين؛ جعل الله ﴿لأحدهما جنتين﴾، أي: بستانين من أعناب محفوفتين بالنخل، المحدقة في جنباتهما، وفي خلالهما الزروع، وكل [٣] من الأشجار والزروع مثمر مقبل في غاية الجودة، ولهذا قال: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها﴾، أي: أخرجت ثمرها ﴿ولم تظلم منه شيئًا﴾، [أي: ولم تنقص منه شيئًا] [٤]، ﴿وفجرنا خلالهما نهرًا﴾، أي: والأنهار تخترق فيهما هاهنا وهاهنا.

﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قيل: المراد به المال.

روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.

وقيل: الثمار، وهو أظهر هاهنا، ويؤيده القراءة الأخرى: (وكان له ثُمْر) بضم الثاء وتسكين الميم، فيكون جمع ثمرة، كخشبة وخشب.

وقرأ آخرون ﴿ثمَر﴾ بفتح الثاء والميم ﴿فقال﴾، أي: صاحب هاتين الجنتين [٥] ﴿لصاحبه وهو يحاوره﴾، أي: يجادله ويخاصمه، يفتخر عليه ويترأس: ﴿أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا﴾ أي: أكثر خدمًا وحشمًا وولدًا.

قال قتادة: تلك والله أمنية الفاجر: كثرة المال وعزة النفر.

وقوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، أي: بكفره، وتمرده، وتكبره، وتجبره، وإنكاره المعاد ﴿قَال مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ وذلك اغترار منه، لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار، والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف، وذلك لقلة عقله، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، أي: كائنة، ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾، أي: ولئن كان معاد ورجعة ومرد إلي الله، ليكونن لي هناك أحسن من هذا لأني مُحْظًى [١] عند ربي، ولولا كرامتي [٢] عليه ما أعطاني هذا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ وقال: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ أي: في الدار الآخرة، تألَّى علي الله ﷿ وكان سبب نزولها في العاص بن وائل (٥٠)، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان.

﴿قَال لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاورُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾ يقول تعالى مخبرًا عما أجابه به صاحبه المؤمن، واعظًا له، وزاجرًا عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾، وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه الذي خلقه وابتدأ خلق الإنسان من طين، وهو آدم، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، كما قال تعالى ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي: كيف تجحدون ربكم ودلالته عليكم ظاهرة جلية، كل أحد يعلمها من نفسه، فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان معدومًا ثم وجد، وليس وجوده من نفسه، ولا مستندًا إلي بين شيء من المخلوقات؛ لأنه بمثابته، فعلم إسناد إيجاده إلي خالقه، وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء، ولهذا قال: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أي: لكن [١] أنا لا أقول بمقالتك، بل أعترف لله بالوحدانية والربوبية ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾، أي: بل هو الله المعبود وحده لا شريك له.

ثم قال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ [قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا]﴾ [٢]: [و هذا تحضيض] [٣] وحث علي ذلك، ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ [قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ أي: هلا إذ أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها، فحمد [٤] الله على ما أنعم به عليك، وأعطاك من المال والولد ما لم يعط غيرك، وقلت ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ﴾، ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله، أو ماله، أو ولده فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.

وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة.

وقد روي فيه حديث مرفوع أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده (٥١).

حدثنا جراح بن مخلد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عيسى بن عون، حدثنا عبد الملك بن زرارة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﷺ: "ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله" فيرى فيه آفة دون الموت".

وكان يتأول هذه الآية: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ﴾.

قال الحافظ أبو الفتح الأزدي: عيسى بن عون عن عبد الملك بن زرارة عن أنس: لا يصح حديثه.

وقال الإِمام أحمد (٥٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج؛ حدثني شعبة - عن عاصم بن عبيد الله، [عن عبيد] [١] مولى أبي رهم، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، أنه قال: "ألا أدلك علي كنز من كنوز الجنة؛ لا قوة إلا بالله" تفرد به أحمد.

وقد ثبت في الصحيح (٥٣) عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ ﷺ قال له: "ألا أدلك علي كنز من كنوز الجنة؛ لا حول ولا قوة إلا بالله".

وقال الإمام أحمد: (٥٤) حدثنا بكر بن عيسى، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بَلْج [٢]، عن عمرو بن ميمون، قال: قال أبو هريرة: قال لي نبي الله ﷺ: "يا أبا هريرة، [ألا] [٣] أدلك علي كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟

" قال: قلت: نعم، فداك أبي وأمي!

قال: "أن تقول: لا قوة إلا بالله"- قال أبو بَلْج [٤]: وأحسب انه قال: "فإن الله يقول: أسلم عبدي واستسلم".

قال: فقلت لعمرو- قال أبو بَلْج [٥]: قال عمرو: قلت لأبي هريرة: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فقال: لا، إنها في سورة الكهف: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ﴾.

وقوله: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾، أي: في الدار الآخرة ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيهَا﴾، أي: على جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال ابن عباس، والضحاك، وقتادة، ومالك عن الزهري: أي: عذابًا من السماء.

والظاهر: أنه مطر عظيم مزعج، يقلع زرعها وأشجارها، ولهذا قال: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾، أي: بلقعًا ترابًا أملس، لا يثبت فيه قدم.

وقال ابن عباس: كالجُرُز الذي لا ينبت شيئًا.

وقوله [١]: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾، أي: غائرًا في الأرض، وهو ضد التابع [٢] الذي يطلب وجه الأرض، فالغائر يطلب أسفلها [٣]، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾، أي: جار وسائح، وقال هاهنا: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ والغور: مصدر بمعنى غائر، وهو أبلغ منه، كما قال الشاعر: تظل جياده نوحًا عليه … تقلده أعنتها صفوفًا بمعنى: نائحات عليه.

﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَاليتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيرٌ ثَوَابًا وَخَيرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ يقول تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ بأمواله أو بثماره علي القول الآخر، والمقصود أنه وقع بهذا الكافر ما كان يحذر مما [٤] خوفه به المؤمن، من إرسال الحسبان علي جنته التي اغتر بها وألهته عن الله ﷿، ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾، قال [٥] قتادة: يصفق كفيه متأسفًا متلهفًا علي الأموال التي أذهبها عليها ﴿وَيَقُولُ يَاليتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾، أي: عشيرة أو ولد كما افتخر بهم واستعز، ﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ اختلف القراء هاهنا؛ فمنهم من يقف علي قوله: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ﴾، أي: في ذلك الموطن الذي حل به عذاب الله، فلا منقذ له منه، ويبتدئ بقوله: ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [ومنهم من يقف على: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ويبتدئ بقوله: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾] [١].

ثم اختلفوا في قراءة ﴿الْوَلَايَةُ﴾، فمنهم من فتح الواو، فيكون المعنى: هنالك الموالاة [٢] لله، أي: هنالك كل أحد من مؤمن أو كافر يرجع إلي الله، وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع العذاب، كقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾، وكقوله إخبارًا عن فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَال آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ومنهم من كسر الواو من ﴿الْوَلَايَةُ﴾ أي: هنالك الحكم لله الحق، ثم منهم من [٣] رفع ﴿الْحَقِّ﴾ علي أنه نعت للولاية، كقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ ومنهم من خفض القاف على أنه نعت لله ﷿، كقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ خَيرٌ ثَوَابًا﴾، أي: جزاء ﴿وَخَيرٌ عُقْبًا﴾، أي: الأعمال التي تكون لله ﷿ ثوابها خير، وعاقبتها حميدة رشيدة، كلها خير.

﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ يقول تعالى: ﴿وَاضْرِبْ﴾ يا محمد للناس ﴿مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، في زوالها وفنائها وانقضائها ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾، أي: ما فيها من الحب فشب وحسن، وعلاه الزهو [٤] والنور والنضرة، ثم بعد هذا كله ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾ يابسًا ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾، أي: تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ مُقْتَدِرًا﴾، أي: هو قادر علي هذه الحال وهذه الحال، وكثيرًا ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل، كما [قال تعالى] [٥] في سورة يونس: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ الآية، وقال في سورة الزمر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وقال في سورة الحديد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَينَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.

وفي [١] الحديث الصحيح (٥٥): " الدنيا حلوة خضرة".

وقوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، كقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: الأقبال عليه والتفرغ لعبادته خير لكم من اشتغالكم بهم [٢]، والجمع لهم والشفقة المفرطة عليهم، ولهذا قال ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ أَمَلًا﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: الصلوات الخمس.

وقال عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

وهكذا سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ عن الباقيات الصالحات: ما هي؟

فقال: هن [٣] لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله [] [٤].

رواه الإمام أحمد (٥٦): حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا حيوة، أنبأنا أبو عقيل، أنه سمع الحارث مولى عثمان ﵁ يقول: جلس عثمان يومًا وجلسنا معه، فجاءه المؤذن، فدعا بماء في إناء أظنه انه سيكون فيه مدّ فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: "من توضأ وضوئي هذا ثم قام فصلى [٥]، صلاة الظهر، غفر له ما كان بينها وبين الصبح، ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر، ثم صلي المغرب غفر له ما بينها وبين العصر، ثم صلي العشاء غفر له ما بينها وبين المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهي الحسنات يذهبن السيئات".

قالوا: هذه الحسنات، فما الباقيات الصالحات يا عثمان؟

قال: هي: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

تفرد به.

وروى مالك (٥٧): عن عمارة بن عبد الله بن صياد، عن سعيد بن المسيب، قال: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وقال محمد بن عجلان (٥٨): عن عمارة، قال: سألني سعيد بن المسيب عن الباقيات الصالحات؟

فقلت: الصلاة والصيام.

قال: لم تصب.

فقلت: الزكاة والحج.

فقال: لم تصب، ولكنهن الكلمات الخمس: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وقال ابن جريج (٥٩): [عن مجاهد] [١] أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم [٢]، عن نافع بن سرجس أنه أخبره: أنه سأل ابن عمر عن الباقيات الصالحات؟

قال: لا إله إلا الله، والله أكبر [وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قال ابن جريج: وقال عطاء بن أبي رباح مثل ذلك] [٣].

وقال عبد الرزاق (٦٠): أخبرنا معمر، عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله؛ هن الباقيات الصالحات.

قال ابن جرير (٦١): وجدت في كتابي: عن الحسن بن الصباح البزار، عن أبي نصر التمار، عن عبد العزيز بن مسلم، عن محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر: مِنَ الباقيات الصالحات".

قال (٦٢): وحدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، أن دراجًا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: "استكثروا من الباقيات الصالحات" قيل: وما هي يا رسول الله؟

قال: "الملة".

قيل: وما هي يا رسول الله؟

قال: "التكبير، والتهليل، والتسبيح، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله" وهكذا رواه أحمد من حديث دراج به.

وبه قال ابن وهب (٦٣): أخبرني أبو صخر: أن عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله حدثه قال: أرسلني سالم إلي محمد بن كعب القرظي، فقال: قل له: القني عند زاوية القبر، فإن لي إليك حاجة.

قال: فالتقيا فسلم أحدهما علي الآخر، ثم قال سالم: ما تعد الباقيات الصالحات؟

فقال: لا إله إلا الله، وسبحان الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فقال [له سالم: متى جعلت فيها لا حول ولا قوة إلا بالله؟

قال] [١]: ما فأثبتُ أجعلها.

قال: فراجعه مرتين، أو ثلاثًا فلم ينزع، قال: فأثبت [٢].

قال سالم: أجل فَأثبتُ [٣]، فإن أبا أيوب الأنصاري حدثني أنه سمع رسول الله ﷺ وهو يقول: "عرج بي إلي السماء، فرأيت إبراهيم ﵇، فقال: يا جبريل، مَنْ هذا معك؟

فقال: محمد.

فرحب بي وسهل، ثم قال: مر أمتك فلتكثر من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة، وأرضها واسعة.

فقلت: وما غراس الجنة؟

قال: لاحول ولا قوة إلا بالله".

وقال الإِمام أحمد (٦٤): حدثنا محمد بن يزيد، عن العوام، حدثني رجل من الأنصار من آل النعمان بن بشير، [عن النعمان بن بشير] [١] قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء، فرفع بصره إلي السماء، ثم خفض حتى ظننا أنه قد حدث في السماء شيء، ثم قال: "أما إنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فَمنْ صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم فليس مني، ولا أنا منه، ومَنْ لم يصدقهم بكذبهم، ولم بمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، ألا وإن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر هنّ الباقيات الصالحات".

وقال الإمام أحمد (٦٥): حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد، عن [٢] أبي سلام، عن [٣] مولى [لرسول الله ﷺ أن] [٤] رسول الله ﷺ قال: "بخ بخ!

لخمس ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده".

وقال: "بخ بخ!

لخمس من لقي الله مستيقنًا بهن دخل الجنة: يؤمن بالله، واليوم الآخر، وبالجنة [٥] والنار، وبالبعث بعد الموت، وبالحساب".

وقال الإِمام أحمد (٦٥): حدثنا روح، حدثنا الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية قال: كان شداد بن أوس ﵁[في سفر] [٦] فنزل منزلًا، فقال لغلامه: ائتنا بالسفرة [٧] نعبث بها.

فأنكرت عليه، فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخْطمها [٨] وأزمها [٩] غير كلمتي هذه، فلا تحفظوها علي واحفظوا ما أقول لكم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا كنز الناس الذهب والفضة، فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عباددك، وأسألك قلبًا سليمًا، وأسألك لسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب".

ثم رواه أيضًا (٦٥) والنسائي من وجه آخر عن شداد بنحوه.

وقال الطبراني (٦٦): حدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا محمد بن سعد العوفي، حدثني أبي، حدثنا عمّي الحسين، عن يونس بن نفيع الجدلي، عن سعد بن جنادة ﵁ قال: كنت في أول من أتى النبيَّ ﷺ من أهل الطائف، فخرجت من أهلى من السراة غُدوة، فأتيت منًى عند العصر، فتصاعدت في الجبل ثم هبطت، فأتيت النبي ﷺ فأسلمت، وعلمني: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وعلمني هؤلاء الكلمات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقال: "هن الباقيات الصالحات".

وبهذا الإِسناد (٦٧): " من قام من الليل فتوضأ وضمض فاه، ثم قال: سبحان الله مائة مرة، والحمد لله مائة مرة، والله أكبر مائة مرة، ولا إله إلا الله مائة مرة، كفرت ذنوبه إلا الدماء؛ فإنها لا تبطل".

وقال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾، قال: هي ذكر الله؛ قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصيام، والصلاة، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات، وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السماوات والأرض.

وقال العوفي عن ابن عباس: هن الكلام الطيب.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي الأعمال الصالحة كلها (٦٨).

واختاره ابن جرير ﵀.

﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ يخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة، وما يكون فيه من الأمور العظام، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرًا﴾، أي: تذهب من أماكنها وتزول، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ يذكر [١] تعالى أنه تذهب الجبال، وتتساوى [١] المهاد، وتبقى الأرض ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ أي: سطحًا مستويًا لا عوج فيه ﴿وَلَا أَمْتًا﴾، أي: لا وادي ولا جبل، ولهذا قال تعالى: [﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾، أي: بادية ظاهرة، ليس فيها معلم لأحد، ولا مكان يواري أحدًا، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم، لا تخفى عليه منهم خافية.

قال مجاهد وقتادة] [٢]: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ لا خمَر (*) فيها ولا غَيابة (**).

و [٣] قال قتادة: لا بناءَ ولا شَجَر.

وقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾، أي: وجمعناهم؛ الأولين منهم والآخرين، فلم نترك منهم أحدًا، لا صغيرًا ولا كبيرًا، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وقال: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾.

وقوله [٤]: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾، يحتمل أن يكون المراد: أن جميع الخلائق يقومون بين بدي الله صفًّا واحدًا، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا﴾ ويحتمل أنهم [٥] يقومون صفوفًا صفوفًا كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾.

وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هذا تقريع للمنكرين للمعاد، وتوبيخ لهم [٦] على رءوس الأشهاد، ولهذا قال مخاطبًا لهم: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾، أي: ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم، ولا أن هذا كائن.

وقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ أي كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير والفتيل والقطمير، والصغير والكبير، ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾، أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة، ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا﴾، أي: يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمارنا ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا﴾، أي: لا يترك ذنبًا صغيرًا ولا كبيرًا، ولا عملًا وإن صغر إلا أحصاها، أي: ضبطها وحفظها.

وروى الطبراني (٦٩) بإسناده المتقدم في الآية قبلها إلى سعد بن جنادة قال: لما فرغ رسول الله ﷺ، من غزوة حنين، نزلنا قفرًا من الأرض ليس فيه شيء، فقال النبي ﷺ: "اجمعوا، مَنْ وجد عودًا فليأت به، ومن وجد حطبًا أو شيئًا فليأت به".

فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركامًا، فقال النبي ﷺ: "أترون هذا؟

فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا، فليتق الله رجل، ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة، فإنها محصاة عليه".

وقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾، أي: من خير أو [١] شر، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾، وقال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ أي: تظهر المخبآت والضمائر.

قال الإِمام أحمد (٧٠): حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: ["لكل غادر لواء يوم القيامة] [٢] [يعرف به" أخرجاه في الصحيحين، وفي لفظ] [٣]: ["يرفع لكل غادو لواء يوم القيامة] [٤] عند اسْتِه بقدر غَدْرَته، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان".

وقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، أي: فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعها، ولا يظلم أحدًا من خلقه، بل يغفر ويصفح، ويرحم، ويعذب من يشاء بقدرته وحكمته وعدله، ويملأ النار من الكفار وأصحاب المعاصي، [ثم ينجي أصحاب المعاصي] [٥]، ويخلد فيها الكافرون [٦]، وهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾.

والآيات في هذا كثيرة.

وقال الإِمام أحمد (٧١): حدثنا يزيد، أخبرنا همام بن يحيى، عن القاسم بن عبد الواحد المكي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله ﷺ، فاشتريت بعيرًا ثم شددت عليه رحلي [١]، فسرت عليه شهرًا حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب.

فقال: ابن عبد الله؟

فقلت: نعم.

فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك [٢] أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه.

فقال: سمعت [٣] رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الله ﷿ الناس يوم القيامة -أو قال: العباد- عراة غرلًا بُهْمًا".

قلت [٤]: وما "بهمًا؟

" قال: ليس معهم شيء "ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند أحد [٥] من أهل النار حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة".

قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله ﷿ عراة غرلًا بهمًا؟

قال: "بالحسنات والسيئات".

وعن شعبة، عن العوام بن مزاحم، عن أبي عثمان، عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة".

رواه عبد الله ابن الإِمام أحمد (٧٢)، وله شواهد من وجوه أخر، قد ذكرناها عند قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وعند قوله تعالى: ﴿إلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ يقول تعالى منبهًا بني آدم على عداوة إبلس لهم ولأبيهم من قبلهم، ومقرعًا من اتبعه منهم، وخالف خالقه ومولاه، الذي أنشأه وابتداه، بألطاف رزقه غذاه، ثم بعد هذا كله والى إبليس، وعادى الله، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾، أي: لجميع الملائكة كما تقدم تقريره في أول سورة البقرة ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أي: سجود تشريف وتكريم وتعظيم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾.

وقوله: ﴿فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: خانه أصله، فإنه خلق من مارج من نار، وأصل خلق الملائكة من نور، كما ثبت في صحيح مسلم (٧٣) عن عائشة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم".

فعند الحاجة نضح كل وعاء بما فيه، وخانه الطبع عند الحاجة، وذلك أنه كان قد توسم لأفعال الملائكة، وتشبه بهم وتعبد وتنسك، فلهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة.

ونبه تعالى هاهنا على أنه من الجن، أي: علِما [١] أنه خلق من نار، كما قال: ﴿أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.

قال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم ﵇ أصل البشر.

رواه ابن جرير (٧٤) بإسناد صحيح.

وقال الضحاك عن ابن عباس: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة، يقال لهم [٢] الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، قال: وكان اسمه الحارث، وكان خازنًا من خزان الجنة، وخلقت الملائكة من نور غير [١] هذا الحي.

قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت.

وقال الضحاك أيضًا عن ابن عباس: كان إبليس من أشراف [٢] الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطان [السماء] [٣] الدنيا وسلطان الأرض، وكان مما سولت له نفسه من قضاء الله: أنه رأى أن له كذلك شرفًا على أهل السماء، فوقع من ذلك في قلبه كبر لايعلمه إلا الله، فاستخرج الله ذلك الكبر منه حيث أمره بالسجود لآدم ﴿فَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.

قال ابن عباس: وقوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾، أي: من خزان الجنان [٤]، "كما يقال للرجل: مكي، ومدني، وبصري، وكوفي.

وقال ابن جريج، عن ابن عباس نحو ذلك.

وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: هو من خزان الجنة] [٥]، وكان يدبر أمر السماء الدنيا.

رواه ابن جرير من حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد به.

وقال سعيد بن المسيب: كان رئيس ملائكة سماء الدنيا.

وقال ابن إسحاق عن خلاد بن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه [٦] عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادًا وأكثرهم علمًا، فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون: حنًّا [٧].

وقال ابن جريج، عن صالح مولى التوأمة، وشريك بن أبي نمر -أحدهما أو كلاهما- عن ابن عباس قال: إن من الملائكة قبيلة من الجن، وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فعصى، فسخط الله عليه، فمسخه شيطانًا رجيمًا، لعنه الله ممسوخًا.

قال: وإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه، وإذا كانت في معصبة فارجه.

وعن سعيد بن جبير أنه قال: كان من الجنانين الذين يعملون في الجنة.

وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يقطع بكذبه؛ لمخالفته الحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون [١] عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأئمة العلماء، والسادة الأتقياء، والأبرار النجباء، من الجهابذة النقاد، والحفاظ الجياد، الذين دونوا الحديث وحرروه، وبينوا صحيحه من حسنه، من ضعيفه من منكره، وموضوعه ومتروكه ومكذوبه، وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولبن، وغير ذلك من أصناف الرجال، كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي، خاتم الرسل وسيد البشر ﷺ أن ينسب إليه كذب، أو يحدث عنه بما ليس منه [٢]، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل.

وقوله: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، أي: فخرج عن طاعة الله، فإن الفسق: هو الخروج، يقال [٣]: فسقت الرطبة، إذا خرجت من أكمامها، وفسفت الفأرة من جُحْرها، إذا خرجت منه للعيث [٤] والفساد.

ثم قال تعالى مقرعًا وموبخًا من اتبعه وأطاعه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ﴾ أي: بدلًا عني؛ ولهذا قال: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾.

وهذا المقام كقوله بعد ذكر القيامة وأهوالها، ومصير كل من الفريقين؛ السعداء والأشقياء في سورة يس: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾.

﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ يقول تعالى: هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني عبيد أمثالكم، لا يملكون شيئًا، ولا أشهدتهم [خلقي للسماوات] [٥] والأرض، ولا كانوا إذ ذاك موجودين؛ يقول تعالى: أنا المستقل بخلق الأشياء كلها، ومدبرها ومقدرها وحدي، ليس معي في ذلك شريك ولا وزير، ولا مشير ولا نظير، كما قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَال ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ … ﴾.

الآية؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ قال مالك: أعوانًا.

﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾ يقول تعالى مخبرًا عما يخاطب به المشركين يوم القيامة على رءوس الأشهاد، تقريعًا لهم وتوبيخًا: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: في دار الدنيا، ادعوهم اليوم ينقذونكم مما أنتم فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَينَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.

وقوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾، كما قال: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ [دُونِ اللَّهِ] [١] آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾.

وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا﴾ قال ابن عباس وقتادة وغير واحد: مهادًا.

وقال قتادة: ذكر لنا أن عمرًا [٢] البكالي حدث عن عبد الله بن عمرو قال: هو واد عميق، فرق به يوم القيامة بن أهل الهدى وأهل الضلالة.

وقال قتادة ﴿مَوْبِقًا﴾: واديًا في جهنم.

وقال ابن جرير (٧٥): حدثني محمد بن سنان القزاز، حدثنا عبد الصمد، حدثنا يزيد بن رهم [١]، سمعت أنس بن مالك يقول في قول الله تعالى: ﴿وجعلنا بينهم موبقًا﴾، قال: واد في جهنم من قيح ودم.

وقال الحسن البصري: ﴿موبقًا﴾: عداوة.

والظاهر من السياق هاهنا: أنه المهلك، ويجوز أن يكون واديًا في جهنم أو غيره، إلا أن الله تعالى أخبر أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين، ولا وصول لهم إلى آلهتهم التي كانوا يزعمون في الدنيا، وأنه، يفرق بينهم ولكنها في الآخرة، فلا خلاص لواحد من الفريقين إلى الآخر، كل بينهما مهلك، وهول عظيم وأمر كبير.

وأمّا إن جعل الضمير في قوله: ﴿بينهما﴾ عائدًا إلى المؤمنين والكافرين، كما قال عبد الله بن عمرو: إنه، يفرق بين أهل الهدى والضلالة به، فهو كقوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون﴾ وقال: ﴿يومئذ يصدَّعُون﴾.

وقال تعالى: ﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾.

وقوله: ﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفًا﴾، أي: أنهم لما عاينوا جهنم حين جيء بها، تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون [٢] ألف ملك، فإذا رأى المجرمون النار تحققوا لا محالة أنهم مواقعوها، ليكون ذلك من باب تعجيل الهم والحزن لهم، فإن توقع العذاب والخوف منه قبل وقوعه عذاب ناجز.

وقوله [٣]: ﴿ولم يجدوا عنها مصرفًا﴾ أي: وليس لهم طريق يعدل بهم عنها، ولا بد لهم منها.

قال ابن جرير (٧٦): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن [الكافر يرى] [٤] جهنم، فيظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة".

وقال الإمام أحمد (٧٧): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: "ينصب للكافر مقدار خمسين ألف سنة كما لم يعمل في الدنيا، وإن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة".

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾ يقول تعالى: ولقد بينا للناس في هذا القرآن، ووضحنا لهم الأمور، وفصلناها كي لا يضلوا عن الحق، ويخرجوا عن طريق الهدى، ومع هذا البيان، وهذا الفرقان، الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة، والمعارضة للحق يالباطل، إلا من هدى الله، وبصره لطريق النجاة.

قال الإمام أحمد (٧٨): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، أخبرني علي بن الحسين، أن حسين بن علي أخبره، أن علي بن أبي طالب أخبره: أن رسول الله ﷺ طرقه وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ليلة، فقال: "ألا تصليان؟

" فقلت: بها رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا.

فانصرف حين قلت ذلك، ولم يرجع إلى شيئًا، ثم سمعته وهو مول [١] يضرب فخذه يقول [٢]: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾.

أخرجاه في الصحيحين.

﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾ يخبر تعالى عن تمرد الكفرة في قديم الزمان وحديثه، وتكذيبهم بالحق البين الظاهر، مع ما يشاهدون من الآيات والدلالات الواضحات، وأنه ما منعهم من اتباع ذلك إلا طلبهم أن يشاهدوا العذاب الذي وعدوا به عيانًا، كما قال أولئك لنبيهم: ﴿فأسقط علينا كسفًا من السماء إن كنت من الصادقين﴾ وآخرون قالوا: ﴿ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين﴾، وقالت قريش: ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب أليم﴾، ﴿وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لوما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين﴾ إلى غير ذلك [من الآيات الدالة على ذلك] [١].

ثم [٢] قال: ﴿إلا أن تأتيهم سنة الأولين﴾، من غشيانهم بالعذاب، وأخذهم عن آخرهم، ﴿أو يأتيهم العذاب قبلا﴾ أي: يرونه عيانًا مواجهة ومقابلة [٣].

ثم قال تعالى: ﴿وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين﴾، أي: قبل العذاب مبشرين من صدقهم وآمن لهم، ومنذرين من كذبهم وخالفهم.

ثم أخبر عن الكفار بأنهم: يجادلون ﴿بالباطل ليدحضوا به﴾، أي: ليضعفوا به ﴿الحق﴾ الذي جاءتهم به الرسل، وليس ذلك بحاصل لهم ﴿واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوًا﴾، أي: اتخذوا الحجج والبراهين، وخوارق العادات التي بعث بها الرسل، وما أنذروهم وخوفوهم به من العذاب ﴿هزوًا﴾، أي: سخروا منهم في ذلك، وهو أشد التكذيب.

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾ يقول تعالى: وأي عباد الله أظلم ممن ذكر بآيات الله فأعرض عنها، أي: تناساها وأعرض عنها، ولم يصغ لها، ولا ألقى إليها بالًا ﴿ونسي مما قدمت يداه﴾، أي: من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة ﴿إنا جعلنا على قلوبهم﴾ أي: قلوب هؤلاء ﴿أكنة﴾، أي: أغطية وغشاوة ﴿أن يفقهوه﴾، أي: لئلا يفهموا هذا القرآن والبيان، ﴿وفي آذانهم وقرًا﴾، أي: صممًا معنويا عن الرشاد ﴿وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذًا أبدًا﴾.

وقوله: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾، أي: و [١] ربك -يا محمد- غفور ذو رحمة واسعة، ﴿لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب﴾، كما قال: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾ وقال: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب﴾ والآيات في هذا كثيرة.

ثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر، وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد، ومن استمر منهم فله يوم يشيب فيه الوليد، وتضع كل ذات حمل حملها، ولهذا قال: ﴿بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلًا﴾ أي: ليس لهم عنه محيد ولا محيص ولا معدل.

وقوله: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ أي: الأمم السالفة والقرون الخالية أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أي.

جعلناه إلى مدة معلومة ووقت معين، لا يزيد ولا ينقص، اي: وكذاك أنتم أبها المشركون، احذروا أن يصيبكم ما أصابهم، فقد كذبتم أشرف رسول وأعظم نبي، ولستم بأعز علينا منهم، فخافوا عذابي ونذر.

﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَينِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَينِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَال لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَال أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَال ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَينَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ سبب قول موسى لفتاه -وهو يوشع بن نون- هذا الكلام أنه ذُكر له أن عبدًا من عباد الله بمجمع البحرين، عنده من العلم ما لم يحط [١] به موسى، فأحب الذهاب إليه، وقال لفتاه ذلك: ﴿لا أبرح﴾، [أي: لا أزال سائرًا] [٢] ﴿حتى أبلغ مجمع البحرين﴾ أي: [لا أزال سائرًا حتى أبلغ] [٣] هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين، قال الفرزدق: فما برحوا حتى تهادت نساؤهم … ببطحاء ذي قار عياب [٤] اللطائم قال قتادة وغير واحد: وهما بكر فارس مما يلي المشرق، وبحر الروم مما [٥] يلي المغرب.

وقال محمد بن كعب القرظي: مجمع البحرين عند طنجة.

يعني في أقصى بلاد المغرب.

فالله أعلم.

وقوله: ﴿أو أمضي حقبًا﴾ أي: ولو أني أسير حقبًا من الزمان.

قال ابن جرير (٧٩) ﵀: ذكر بعض أهل العلم بكلام العرب أن الحقب في لغة قيس: سنة.

ثم روي عن عبد الله عمرو أنه قال: الحقب ثمانون سنة.

وقال مجاهد: سبعون خريفًا.

وقال عليَّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس، قوله: ﴿أو أمضي حقبًا﴾، قال دهرًا.

وقال قتادة، وابن زيد مثل ذلك.

وقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾، وذلك أنه كان قد أمر بحمل حوت مملوح معه، وقيل له: متى فقدت الحوت فهو ثمة، فسارا حتى بلغا مجمع البحرين، وهناك عين يقال لها عين الحياة، فناما هنالك، وأصاب الحوت من رشاش ذلك الماء، فاضطرب، وكان في مكتل مع يوشع، وطفر من المكتل إلى البحر، فاستيقظ يوشع ﵇ وسقط الحوت في البحر، وجعل يسير فيه، والماء له مثل الطاق لا يلتئم بعده؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ أي: مثل السرب في الأرض.

قال ابن جريج: قال ابن عباس: صار أثره كأنه حجر.

وقال العوفي عن ابن عباس: جعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا يبس، حتى يكون [١] صخره.

وقال محمد بن إسحاق (٨٠): عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ حين ذكر حديث ذلك: "ما انجاب ماء منذ كان الناس غيره، ثبت مكان الحوت الذي فيه، فانجاب كالكوة حتى وجع إليه موسى فرأى مسلكه فقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ ".

وقال قتادة: سرب [٢] من الجر [٣] حتى أفضى إلى البحر، ثم سلك، فجعل لا يسلك فيه طريقا إلا جعل ماء جامدًا.

وقوله: ﴿فلما جاوزا﴾، أي: المكان الذي نسيا الحوت فيه.

ونسب النسيان إليهما وإن كان يوشع هو الذي نسيه، كقوله تعالى: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ وإنما يخرج من المالح في أحد القولين.

فلما ذهبا عن المكان الذي نسياه فيه مرحلة ﴿قال﴾ موسى ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا﴾ أي: الذي جاوزا فيه المكان ﴿نصبًا﴾، يعني: تعبًا ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ قال قتادة: وقرأ ابن مسعود: [وما أنسانيه] [٤] [أن أذكره] [٥] [إلا الشيطان] [٦]؛ ولهذا قال: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾ أي: طريقه ﴿فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أي: هذا هو [١] الذي نطلب ﴿فارتدا﴾، أي: رجعا ﴿عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، أي: طريقهما ﴿قصصًا﴾، أي: يقصان آثار مشيهما، ويقفوان أثرهما.

﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾، وهذا هو الخضر ﵇ كما دلت عليه الأحاددث الصحيحة عن رسول الله ﷺ بذلك.

قال البخاري (٨١): حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بين دينار، أخبرني سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: أن نوفًا البكالي [٢] يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل؟!

قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب ﵁ أنه سمع رسول الله، ﷺ قول: "إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟

فقال [٣]: أنا.

فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك.

فقال موسى: يارب، وكيف لي به؟

قال: تأخذ معك حوتا تجعله بمكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثمَّ.

فأخذ حوتًا فجعله بمكيل، ثم انطلق وانطلق معه بفتاه يوشع بن نون -عليهما [٤] السلام- حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به، قال له فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قال: فكان للحوت سربًا، ولموسى وفتاه عجبًا ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ قال: فرجعا يقصان أثرهما [حتى انتهيا إلى الصخرة] [١]، فإذا رجل مسجًّى بثوب، فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟

قال: أنا موسى.

قال: موسى بني إسرائيل؟

قال: نعم، أتيتك لتعلمني مما علمت رشدًا.

﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه.

فقال موسى: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ قال له الخضر: ﴿فإن [٢] اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.

فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة فكلمهم أن يحملوه، فعَرَفوا الخضر فحملوه [٣] بغير نول، فلما ركبا في السفينة، لم يَفْجأ إلا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قد حملونا لغير نول، فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟!

﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ " - قال: وقال رسول الله ﷺ: "كانت [٤]، الأولى من موسى نسيانًا".

قال: "وجاء عصفور فنزل على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة [٥]، فقال له الحضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر.

ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذا أ بصر [٦] الخضر غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قال: "وهذه أشد من الأولى ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ قال: مائل [٧].

فقال الخضر بيده ﴿فأقامه﴾ فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ فقال رسول الله ﷺ: "وددنا أن موسى كان صبر؛ حتى يقص الله علينا من خبرهما".

قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقرأ: (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا)، وكان يقرأ: (وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين).

ثم رواه البخاري (٨٢) عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة … فذكر نحوه وفيه: "فخرج موسى، ومعه فتاه يوشع بن نون، ومعهما الحوت، حتى انتهيا إلى الصخرة، فنزلا عدها"، قال: "فوضع موسى رأسه فنام"، قال سفيان: وفي حديث غير عمرو قال: "وفي أصل الصخرة عين يقال لها: الحياة، لا يصيب من مائها فيء إلا حيى، فأصاب الحوت من ماء دلك العين".

قال: "فتحرك، وانسل من [] [١] المكتل فدخل البحر، فلما استيقظ بهال موسى لفتاه: ﴿آتنا غداءنا﴾ ".

كذا قال، وساق الحديث: "ووقع عصفور على حرف السفينة، فغمس منقاره في البحر، فقال الحضر لموسى: ما علمي، وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره.

وذكر تمامه بنحوه.

وقال البخاري (٨٣) أيضًا: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبرهم، قال: أخبرني يعلى بن مسلم، وعمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير يزيد أحدهما على صاحبه، وغيرهما قد سمعته يحدث عن سعيد بن جبير قال: أنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال: سلوني.

فقلت: أي أبا عباس -جعلني الله فداك- بالكوفة رجل قاص يقال له: نوف، يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل؟

أما عمرو فقال لي: قال: كذب عدو الله!

وأما يعلى فقال لي: قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: "موسى رسول الله ذكر الناس يومًا، حتى إذا فاضت العيون، ورقت القلوب، ولَّى، فأدركه رجل، فقال: أي رسول الله، هل في الأرض [أحد] [٢]، أعلم منك؟

قال: لا.

فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم [إلى الله] [٣]، قيل: بلى.

قال: أي [٤]، رب، وأين؟

قال: بمجمع البحرين.

قال: أي [٥] رب، اجعل لي [٦] علمًا أعلم [ذلك به] [٧] ".

[قال لي عمرو قال] [٨]: حيث يفارقك الحوت.

وقال لي يعلى: خذ حوتًا ميتًا حيث ينفخ فيه الروح فأخذ حوتًا فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني حيث يفارقك الحوت.

قال: ما كلفت كبيرًا.

فذلك قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ يوشع بن نون- ليست عن [٩] سعيد بن جبير- قال: فبينا هو في ظلِّ صخرة، في مكان ثريان إذ تضرب الحوت وموسى نائم، فقال فتاه: لا أوقظه.

حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتضرب الحوت حتى [] [١] دخل [٢] البحر، فأمسك الله عنه جرْيَةَ الماء، [حتى كأن أثره] [٣] في [٤] حجر.

[قال: فقال لي عمرو: هكذا كأن أثره في حجر] [٥] وحلق بين إبهاميه والتي تليانهما [٦].

قال: ﴿لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا﴾ قال [٧]: وقد قطع الله عنك [٨] النصب -ليست هذه عن سعيد- أخبر فرجعا فوجدا خضرًا.

قال: قال عثمان بن أبي سلمان: "على طنفسة خضراء على كبد البحر".

قال سعيد بن جبير: "مسجى بثوب قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه"."فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرض من سلام؟

من أنت؟

قال: أنا موسى.

بهال: موسى بني إسرائيل؟

قال: نعم.

قال: فما شأنك؟

قال: جئتك لتعلمني مما علمت رشدًا.

قال: يكفيك التوراة بيدك وأن الوحي يأتيك!

يا موسى، إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه.

فأخذ طائر بمنقاره من البحر، [فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله، إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر] [٩].

حتى إذا ركبا في السفينة وجدا [معابر صغارًا] [١٠]، تحمل أهل هذا الساحل إلى هذا الساحل الآخر -عرفوه- فقالوا: عبد الله الصالح"- قال: فقلنا لسعيد: خضر؟

قال: نعم- "لا نحمله بأجر.

فخرقها ورتد فيها رتدًا، قال موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ "، قال مجاهد: منكرًا" ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ كانت الأولن نسيانًا، والوسطى شرطًا، والثالثة عمدًا ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا﴾ حتى [] [١١] لقيا غلامًا فقتله" قال يعلى: قال سعيد: وجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا، فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، فقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ لم تعمل بالحنث؟

وابن عباس قرأها: (زكية زاكية مُسلمَة) كقولك: غلامًا زكيًّا.

فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقض فأقامه.

قال سعيد [١٢] بيده هكذا، ورفع يده فاستقام، ﴿قَال لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾ قال يعلى: حسبت أن سعيدًا ما قال: فمسحه بيده فاستقام ﴿قَال لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾ قال سعيد: أجرًا نأكله ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ وكان أمامهم، فرأها ابن عباس: (أمامهم ملك) يزعمون عن غير سعيد أنه: هُدَد [١] بن بُدَد، والغلام المقتول اسمه -يزعمون- حيسو [٢].

﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ فأردت إذا هي مرت به أن يدعها بعيبها، فإذا جاوزه أصلحوها فانتفعوا بها، ومنهم من يقول: سدوها بقارورة، ومنهم من يقول: بالقار.

﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَينِ﴾ وكان [٣] هو كافرًا ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾، أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ كقوله: ﴿قَال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾، ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ هما [٤] به أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر.

وزعم غير سعيد بن جبير: أنهما أبدلا جارية، وأما داود بن أبي عاصم فقال عن غير واحد: إنها جارية.

وقال عبد الرزاق (٨٤): أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خطب موسى ﵇ بني إسرائيل، فقال: ما أحد أعلم بالله وبأمره مني.

فأمر أن يلقى هذا الرجل، فذكر نحو ما تقدم بزيادة ونقصان والله أعلم.

وقال محمد بن إسحاق (٨٥): عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة [٥]، عن سعيد بن جبير، قال: جلست عند ابن عباس، وعنده نفر من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا العباس؛ إن نوفًا ابن امرأة كعب يزعم عن كعب: أن موسى النبي الذي طلب العالم إنما هو موسى بن ميشا.

قال سعيد: فقال ابن عباس: أنَوْفُ يقول هذا [يا سعيد] [٦]؟

قال سعيد: فقلت له: نعم، أنا سمعت نوفًا يقول ذلك.

قال: أنت سمعته يا سعيد؟

قال: قلت: نعم.

قال: كذب نوف.

ثم قال ابن عباس: حدثني أبيّ بن كعب، عن رسول الله ﷺ: أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال: أي رب، إن كان في عبادك أحد هو أعلم مني فدلني عليه.

فقال له: نعم، في عبادي من هو أعلم منك.

ثم نعت له مكانه، وأذن له في لقيه، فخرج موسى ومعه فتاه، ومعه حوت مليح، قد قيل له: إذا حيي هذا الحوت في مكان فصاحبك هنالك، وقد أدركت حاجتك.

فخرج موسى ومعه فتاه، ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير، وانتهى إلى الصخرة، وإلى ذلك الماء، وذلك الماء ماء الحياة، من شرب منه خلد، ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي، فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي، فاتخذ [١] سبيله في البحر سربًا، فانطلقا فلما جاوزا مُنْقَلَبه [٢]، قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ قال الفتى -وذكر-: ﴿أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة، حين [٣] انتهيا إليها، فإذا رجل متلفف في كساء له، فسلم موسى، فردّ عليه العالِم، ثم قال له: ما جاء بك إن كان لك في قومك لشغل؟

قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشدًا ﴿قَال إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ وكان رجلًا يعلم علم الغيب، قد عُلِّمَ ذلك، فقال موسى: بلى.

قال: ﴿وَكَيفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، أي: إنما تعرف [ظاهر ما] [٤] ترى من العدل، ولم تحط من علم الغيب بما أعلم ﴿قَال سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ وإن رأيت ما يخالفني.

﴿قَال فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ﴾ [وإن أنكرته] [٥] ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [] [٦] فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، يتعرضان الناس، يلتمسان من يحملهما، حتى مرّت بهما سفينة جديدة وثيقة، لم يمرّ بهما [شيء] [٧] من السفن أحسن ولا أكمل ولا أوثق منها، فسأل أهلها أن يحملوهما فحملوهما، فلما اطمأنا فمها وَلَجّتْ بهما مع أهلها، أخرج منقارًا له ومطرقة، ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها المنقار [٨] حتى خرقها، ثم أخذ لوحًا فطبقه عليها، ثم جلس عليها يوقعها، فقال له موسى - ورأى [٩] أمرًا فظع به: - ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا (٧١) قَال أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَال لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ أي: مما [١٠] تركت من عهدك ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ ثم خرجا من السفينة، فانطلقا حتى أتيا أهل قرية، فإذا غلمان يلعبون خلفها، فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف منه، ولا أثرى ولا أوضأ منه، فأخذه بيده وأخذ حجرًا فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله، قال: فرأى موسى [١١] أمرًا فظيعًا لا صبر عليه: صبي صغير قتله لا ذنب له ﴿قَال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾، [أي: صغيرة] [١٢] ﴿بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا (٧٤) قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَال إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾، أي: قد أعْذَرتَ [١] في شأني.

﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ فهدمه، ثم قعد يبنيه، فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف، وما ليس له عليه صبر، فقال: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾، أي: قد استطعمناهم فلم يطعمونا، وضفناهم فلم يضيفونا، ثم قعدت تعمل من غير صنيعة، ولو شئت لأعطيت عليه أجرًا في [٢] عمله.

﴿قَال هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ و [٣] في قراءة أبيّ بن كعب: (كل سفينة صالحة) وإنما عبتها لأرده عنها، فسلمت حين رأى العيب الذي صنعت بها ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَينِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَينِ يَتِيمَينِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، أي: ما فعلته عن نفسي ﴿ذَلِكَ تَأْويلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾ وكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علمًا.

وقال العوفي (٨٦): عن ابن عباس قال: لما ظهر موسى وقومه على مصر، أنزل قومه مصر [٤] فلما استقرت بهم الدار، أنزل الله: أن ذكرهم بأيام الله.

فخطب قومه، فذكر ما آتاهم الله من الخير والنعمة، وذكرهم إذ نجاهم الله من آل فرعون، وذكرهم هلاك عدوهم، وما استخلفهم الله في الأرض، وقال: كلم الله نبيكم تكليمًا، واصطفاني لنفسه، وأنزل عليّ محبة منه، وآتاكم الله [٥] من كل ما سألتموه، فنبيكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرءون التوراة.

فلم يترك نعمة أنعمها عليهم إلا [٦] وعرفهم إياها، فقال له رجل من بني إسرائيل: هم كذلك يا نبي الله، قد عرفنا الذي تقول، فهل على الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟

[قال: لا] [٧] فبعث الله جبرائيل إلى موسى ﵉ فقال: إن الله يقول: وما يدريك أين أضع علمي؟

بلى، إن على شط البحر رجلًا هو أعلم منك [١].

قال ابن عباس: هو الخضر.

فسأل موسى ربه أن يريه إياه، فأوحى إليه أن ائت البحر، فإنك تجد على شط البحر حوتًا فخذه، فادفعه إلى فتاك، ثم الزم شط البحر فإذا نسيت الحوت وهلك منك، فَثَمَّ تجد العبد الصالح الذي تطلب.

فلما طال سفر موسى نبي الله، ونصب فيه سأل فتاه -عن الحوت، فقال له فتاه وهو غلامه-: ﴿أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ لك، قال الفتى: لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سربًا فأعجب ذلك موسى [٢]، فرجع حتى أتى الصخرة فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر، ويتبعه موسى، وجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء يتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة [٣]، فجعل نبي الله يعجب من ذلك، حتى انتهى به الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر، فلقي الخضر بها فسلم عليه، فقال الخضر: وعليكِ السلام، وأنى يكون السلام بهذه الأرض؟

ومن أنت؟

قال: أنا موسى.

فقال الخضر: أَصَاحِب بني إسرائيل؟

[قال: نعم] [٤] فرحب به، وقال: ما جاء بك؟

قال: جئتك ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَال إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قوله: لا تطلق ذلك.

قال موسى [٥]: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ قال: فانطلق به وقال له: لا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين لك شأنه.

فذلك قوله: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.

وقال الزهريّ (٨٧): عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس: أنه تَمارى هو والحُرّ بن قيس بن حصن [٦] الفزاري في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو خضر، فمر بهما أبيّ بن كعب، فدعاه ابن عباس، فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه، فهل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟

قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: بينا موسى - ﵇ في ملإ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجل فقال: تعلم مكان رجل أعلم منك؟

قال: لا.

فأوحى الله إلى موسى: بلى، عبدنا خضر.

فسأل موسى السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فأرجع فإنك ستلقاه.

فكان [٧] موسى يتبع أثر الحوت في البحر، فقال فتى موسى لموسى: ﴿أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ قال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ فوجدا عبدنا خضرًا، فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه.

﴿قَال لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَال إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَال سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَال فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾ يخبر تعالى عن قيل موسى ﵇ - لذلك الرجل [١] العالم وهو الخضر، الذي خصه الله بعلم لم يطلع عليه موسى، كما أنه أعطى موسى من العلم ما لم يعطه الخضر ﴿قَال لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ سؤال بتلطف لا على وجه الإِلزام والأجبار، وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم.

وقىل: ﴿أَتَّبِعُكَ﴾، أي: أصحبك وأُرافقك ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾، أي: مما علمك الله [٢] شيئًا أسترشد به في أمري؛ من علم نافع وعمل صالح، فعندها ﴿قَال﴾ الخضر لموسى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، أي: أنت لا تقدر أن [٣] تصاحبني؛ لما ترى من الأفعال التي تخالف شريعتك؛ لأني على علم من علم الله ما علمكه الله، وأنت على علم من علم الله ما علمنيه الله، فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه، وأنت لا تقدر على صحبتي ﴿وَكَيفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ فأنا أعرف أنك ستنكر عليَّ ما أنت معذور فيه، ولكن ما اطلعت على حكمته ومصلحته الباطنة التي اطلعت أنا عليها دونك ﴿قَال﴾ له موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾، أي: على ما أرى من أمورك ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾، أي: ولا أخالفك في شيء، فعند ذلك شارطه الخضر ﵇ ﴿قَال فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ﴾، أي: ابتداء ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾، أي: حتى أبدأك أنا به قبل أن تسألني.

قال ابن جرير (٨٨): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: سأل موسى ربه ﷿ فقال: [رب؛ أي] [١] عبادك أحب إليك؟

قال: الذي يذكرني ولا ينساني.

قال: فأي عبادك أقضى؟

قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى.

قال: أي رب؛ أي [٢] عبادك أعلم؟

قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدًى، أو ترده عن ردًى.

قال: أي رب؛ فهل في أرضك [٣] أحد أعلم مني؟

قال: نعم.

قال: فمن هو؟

قال: الخضر.

قال: فأين أطلبه؟

قال: على الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت.

قال: فخرج موسى يطلبه، حتى كان ما ذكر الله، وانتهى موسى إليه عند الصخرة، فسلم كل واحد منهما على صاحبه، فقال له موسى: إني أريد أن تصحبني.

قال: إنك لن تطيق صحبتي.

قال: بلى.

قال: فإن صحبتني ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ قال: فسار به في البحر، حتى انتهى إلى مجمع البحور، وليس في الأرض [٤] مكان أكثر ماء منه، قال: وبعث الله الخطاف، فجعل يستقي منه بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخطاف رزأ من هذا الماء؟

قال: ما أقل مما رزأ!

قال: يا موسى، فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء.

وكان موسى قد حدث نفسه أن ليس أحد أعلم منه، أو تكلم به، فمن ثم أمر أن يأتي الخضر.

وذكر تمام الحديث في خرق [٥] السفينة، وقتل الغلام، وإصلاح الجدار، وتفسيره له ذلك.

﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَال أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا (٧١) قَال أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَال لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾ قوله تعالى مخبرًا عن موسى وصاحبه وهو الخضر: أنهما انطلقا لما توافقا واصطحبا، واشترط عليه ألّا يسألة عن شيء أنكره، حتى يكون هو الذي يبتدئه من تلقاء نفسه بشرحه وبيانه، فركبا في السفينة، وقد تقدم في الحديث كيف ركبا في السفينة، وأنهم عرفوا الخضر فحملوهما بغير نول -يعني بغير أجرة- تكرمة للخضر، فلما استقلت بهم السفينة في البحر ولججت، أي: دخلت اللجة، قام الخضر فخرقها، واستخرج لوحًا من ألواحها، ثم رفعها، فلم يملك موسى ﵇ نفسه أن قال منكرًا عليه: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ وهذه اللام لام العاقبة، لا لام التعليل، كما قال الشاعر: لدوا للموت وابنوا للخراب ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا﴾ قال مجاهد: منكرًا.

وقال قتادة: عجبًا.

فعندها قال له الخضر مذكرًا بما تقدم من الشرط: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، يعني: وهذا الصنيع فعلتُه قصدًا، وهو من الأمور التي اشترطت معك ألا تنكر عليّ فيها؛ لأنك لم تحط بها خبرًا، ولها داخل هو مصلحة ولم تعلمه أنت ﴿قَال﴾ أي: موسى ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾، أي [١]: لا تضيق عليّ وتشدد، ولهذا تقدم في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كانت الأولى من موسى نسيانًا" (٨٩).

﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا (٧٤) قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَال إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾ يقول تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا﴾ أي [٢]: بعد ذلك ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾.

وقد تقدم أنه كان يلعب مع الغلمان في قرية من القرى، وأنه عمد إليه من بينهم، وكان أحسنهم وأجملهم وأوضأهم فقتله، فروي أنه احتز [٣] رأسه، وقيل: رضخه بحجر.

[وفي رواية] [٤]: اقتطفه بيده فالله أعلم.

فلما شاهد موسى ﵇ هذا أنكره أشد من الأول، وبادر فقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾، أي: صغيرة لم تعمل الحنث، ولا حملت إثمًا بعد فقتلته؟!

﴿بِغَيرِ نَفْسٍ﴾، أي: بغير مستند لقتله ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا﴾ أي: [ظاهر النكارة] [٥] ﴿قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ فأكد أيضًا في التذكار بالشرط الأول [١]، فلهذا قال له موسى: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا﴾، أي: إن اعترضت عليك بشيء بعد هذه المرة ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾، أي: قد أعذرت إليَّ مرة بعد مرة.

قال ابن جرير (٩٠): حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا حجاج بن محمَّد، عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبيِّ بن كعب، قال: كان النبي ﷺ إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه، [فقال ذات يوم] [٢]: "رحمة الله علينا وعلى موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب، ولكنه قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ ".

مثقلة [٣].

﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَال لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا (٧٧) قَال هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا (٧٨)﴾ يقول تعالى مخبرًا عنهما: إنهما انطلقا بعد المرتين الأوليين ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ و [٤] روى ابن جرير عن ابن سيرين: أنها الأيَّلة [٥].

وفي الحديث (٩١): " حتى إذا أتيا أهل قرية لئامًا [٦] أي: بخلاء" ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ إسناد الإِرادة هاهنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة، فإن الإِرادة في المحدثات بمعنى الميل، والانقضاض هو السقوط.

وقوله: ﴿فَأَقَامَهُ﴾، أي: فردّه [٧] إلى حالة الاستقامة، وقد تقدم في الحديث أنه ردّه [بيده، ودعمه] [١] حتى ردّ ميله، وهذا خارق، فعند ذلك قال موسى له: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾، أي: لأجل أنهم لم يضيفونا كان ينبغي ألّا تعمل لهم مجانًا، ﴿قَال هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ﴾، [أي: لأنك شرطت عند قتل الغلام أنك إن سألتني عن شيء بعدها فلا تصاحبني، فهو فراق بيني وبينك] [٢] ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ﴾ أي بتفسير ﴿مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾.

﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ هذا تفسير ما أشكل أمره على موسى ﵇ وما كان أنكر ظاهره، وقد أظهر الله الخضر ﵇ على باطنه، فقال: إن [٣] السفينة إنما خرقتها لأعيبها؛ [لأنهم كانوا يمرون بها على ملك من الظلمة ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ صالحة، أي: جيدة ﴿غَصْبًا﴾ ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾] [٤] لأرده عنها لعيبها، فينتفع بها أصحابها من المساكين، الذين لم يكن لهم شيء ينتفعون به غيرها، وقد قيل: إنهم أيتام.

[وقد] روى ابن جريج (٩٢) [٥] عن وهب بن سليمان عن شعيب الجبائي: أن اسم ذلك الملك هُدد بن بدد.

وقد تقدم أيضًا في رواه البخاري (٩٣)، وهو مذكور في التوراة في ذرية العيص [بن إسحاق وهو] [٦] من الملوك المنصوص عليهم في التوراة، والله أعلم.

﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَينِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾ قد تقدم أن هذا الغلام كان اسمه: جَيسُور.

وفي الحديث: عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، عن النبي ﷺ قال [٧]: "الغلام الذي قتله الحضر طبع يوم طبع كافرًا".

رواه ابن جرير (٩٤): من [١] حديث أبي إسحاق، عن سعيد، عن ابن عباس به، ولهذا قال: ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَينِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾، أي: يحملهما حبه على متابعته على الكفر.

قال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، [فليرض امرؤٌ] [٢] بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب.

وصحَّ في الحديث (٩٥): " لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلَّا كان خيرًا له.

وقال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ [وقوله تعالى]: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾، أي: ولدًا أزكى من هذا، وهما أرحم به منه.

قاله ابن جريج.

وقال قتادة: أبو بوالديه.

وقد تقدم أنهما بدلا جارية.

وقيل: لما قتله الخضر كانت أمه حاملًا بغلام مسلم.

قاله ابن جريج.

﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَينِ يَتِيمَينِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْويلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ في هذه الآية دليل على إطلاق القرية على المدينة؛ لأنه قال أولًا ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ وقال هاهنا: ﴿فَكَانَ لِغُلَامَينِ يَتِيمَينِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ﴾ يعني: مكة والطائف.

ومعنى الآية: أن هذا الجدار إنما أصلحه؛ لأنه كان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما.

قال عكرمة، وقتادة، وغير واحد: كان تحته مال مدفون لهما.

وهذا ظاهر السياق من الآية، وهو اختيار ابن جرير ﵀.

وقال العوفي عن ابن عباس: كان تحته كنز علم.

وكذا قال سعيد بن جبير.

قال مجاهد: صحف فيها علم.

وقد ورد في حديث مرفوع ما يقوي ذلك.

قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده المشهور (٩٦): حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا بشر بن المنذر، حدثنا الحارث بن عبد الله اليحصبي، عن عياش [١] بن عباس القتباني [٢]، عن ابن [٣] حجيرة، عن أبي ذر ﵁[رفعه] قال: إن الكنز الذي ذكر الله في كتابه: لوح من ذهب مصمت [متكوب فيه] [٤]: عجبت لمن أيقن بالقدر لم نصب؟!

وعجبت لمن ذكر النار لم ضحك؟!

وعجبت لمن ذكر الموت لم غفل؟!

لا إله إلا الله محمد رسول الله.

بشر بن المنذر هذا، مال له: قاضي المصيصة.

قال الحافظ أبو جعفر العقيلي: في حديثه وهم.

وقد روي في هذا آثار عن السلف.

فقال ابن جرير في تفسيره (٩٧): حدثني يعقوب، حدثنا الحسن بن حبيب بن ندبة، حدثنا سلمة [١]، عن نعيم العنبري - وكان من جلساء الحسن - قال: سمعت الحسن -يعني البصري - يقول في قوله: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ قال: لوح [من ذهب] [٢] مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟!

وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح؟!

وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟!

لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وحدثني (٩٨) يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش عن عمر [٣] مولى غفرة قال: إن الكنز الذي قال الله في السورة التي يذكر فيها الكهف: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾، قال [٤]: كان لوحًا من ذهب مصمت مكتوبًا [٥] فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجب [٦] لمن عرف الموت [٧] ثم ضحك!!

عجب [٨] لمن أيقن بالقدر ثم نصب!!

عجب [٩] لمن أيقن بالموت ثم أمن!!

أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

وحدثني (٩٩) أحمد بن حازم الغفاري، حدثنا هنادة بنت مالك الشيبانية، قالت: سمعت صاحبي حماد بن الوليد الثقفي، يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول في قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ قال: سطران ونصف لم يتم الثالث: عجبت للموقن بالرزق كيف يتعب!

وعجبت للموقن بالحساب كيف يغفل!

وعجبت للموقن بالموت كيف يفرح!

وقد قال الله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ قالت: وذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان نساجًا.

وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة، وورد به الحديث المتقدم وإن صح، لا ينافي قول عكرمة إنه [١٠] كان مالًا؛ لأنهم ذكروا أنه كان لوحًا من ذهب وفيه مال جزيل، أكثر ما زادوا أنه كان مودعًا فيه علم [١١]: وهو حكم ومواعظ، والله أعلم.

وقوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ فيه [١] دليل على أن الرجل الصالح [٢] يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم [٣] في الدنيا، والآخرة بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة؛ لتقر عينه بهم، كما جاء في القرآن، ووردت به السنة.

قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاحًا.

وتقدم أنه كان الأب السابع.

وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾، هاهنا أسند الإِرادة إلى الله تعالى؛ لأن بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلا الله، وقال في الغلام: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ وقال في السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ فالله أعلم.

وقوله تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، أي [٤]: هذا الذي فعلته في هذه الأحوال الثلاثة إنما هو من رحمة الله بمن ذكرنا من أصحاب إلسفينة، ووالدي الغلام، وولدى الرجل الصالح ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أي [٥]: لكني أمرت به، ووُقِّفت عليه، وفيه دلالة لمن قال بنبوة الخضر ﵇ مع ما تقدم من قوله: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَينَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمً﴾.

وقال آخرون: كان رسولًا.

وقيل: بل كان ملكًا.

نقله الماوردى في تفسيره.

وذهب كثيرون إلى أنه لم يكن نبيًّا، بل كان وليًّا، فالله أعلم.

وذكر ابن قتيبة في المعارف أن اسم الخضر: يَلْيا [٦] بن ملكان بن فالغ بن غاير بن شالخ ابن أرفَخْشَذ بن سام بن نوح ﵇.

قالوا: وكان يكنى أبا العباس، ويلقب بالخضر، وكان من أبناء الملوك.

ذكره النووي في تهذيب الأسماء، وحكى هو وغيره في كونه باقيًا إلى الآن ثم إلى يوم القيامة - قولين، ومال [٧] هو وابن الصلاح إلى بقائه، وذكروا في ذلك حكايات وآثارًا [٨] عن السلف وغيرهم، وجاء ذكره في بعض الأحاديث، ولا يصح شيء من ذلك، وأشهرها حديث [٩] التعزية، وإسناده ضعيف.

ورجح آخرون من المحدثين وغيرهم خلاف ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْد﴾، وبقول النبي ﷺ [يوم بدر] [١]: "اللهم؛ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض" (١٠٠).

وبأنه لم ينقل أنه [٢] جاء إلى رسول الله ﷺ، [ولا حضر عنده، ولا قاتل معه، ولو كان حيًّا لكان من أتباع النبي ﷺ] [٣] وأصحابه؛ لأنه ﵇ كان مبعوثًا إلى جميع الثقلين؛ الجنّ [٤] والإِنس، وقد قال (١٠١): " لو كان موسى وعيسى حيين ما وسعهما إلا اتباعي".

وأخبر قبل موته بقليل أنه لا يبقى ممن هو على وجه الأرض، إلى مائة سنة من ليلته تلك عين تطرف، إلى غير ذلك من الدلائل.

قال الإِمام أحمد (١٠٢): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ [في الخضر - قال] [٥]: "إنما سمي خضرًا لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تحته تهتز [٦] خضراء".

ورواه أيضًا [عن] [٧] عبد الرزاق.

وقد ثبت أيضًا [٨] في صحيح البخاري (١٠٣) عن همام، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إنما سمي الخضر؛ لأنه [١] جلس على فروة فإذا هي تهتز [من خلفه] [٢] خضراء".

والمراد بالفروة هاهنا: الحشيش اليابس، وهو: الهشيم من النبات.

قاله عبد الرزاق.

وقيل: المراد بذلك وجه الأرض.

وقوله: ﴿ذَلِكَ تَأْويلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾، أي: هذا تفسير ما ضقت به ذرعًا، ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء، ولما أن فسره له وبينه، ووضحه وأزال المشكل، قال: ﴿تَسْطِعْ﴾ وقبل ذلك كان الإِشكال قويًّا ثقيلًا فقال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾ فقابل الأثقل بالأثقل، والأخف بالأخف، كما قال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ وهو الصعود إلى أعلاه ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ وهو أشق من ذلك، فقابل كلًّا بما يناسبه لفظًا ومعنى، والله أعلم.

فإن قيل: فما بال فتى موسى ذكر في أول القصة ثم لم يذكر بعد ذلك؟

فالجواب: أن المقصود بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر، وذكر ما كان بينهما، وفتى موسى معه تبع، وقد صرح في الأحاديث المتقدمة في الصحاح وغيرها أنه يوشع بن نون، وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد موسى ﵉ وهذا يدلّ على ضعف ما أورده ابن جرير في تفسيره حيث قال (١٠٤): حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، حدثني ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن أبيه، عن عكرمة، قال: قيل لابن عباس: لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث وقد كان معه؟

فقال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى، قال: شرب الفتى من الماء فخلد [٣]، فأخذه [٤] العالم فطابق به سفينة، ثم أرسله في البحر، فإنها لتموج [٥] به إلى ورم القيامة، وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب.

إسناد ضعيف، الحسن [٦] متروك، وأبوه غير معروف.

وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَينِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾ يقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ [يا محمد] [١] ﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَينِ﴾، أي: عن خبره.

وقد قدمنا أنه بعث كفار مكة إلى أهل الكتاب، يسألون منهم ما يمتحنون به النبي ﷺ، فقالوا: سلوه عن رجل طواف في الأرض.

وعن فتية لا يدرى ما صنعوا، وعن الروح.

فنزلت سورة الكهف.

وقد أورد ابن جرير (١٠٥) هاهنا والأموي في مغازيه حديثًا أسنده - وهو ضعيف - عن عقبة بن عامر أن نفرًا من اليهود جاءوا يسألون النبي ﷺ عن ذي القرنين، فأخبرهم بما جاءوا له ابتداءً، فكان فيما أخبرهم به أنه كان شابًّا من الروم، وأنه بنى الإِسكندرية، وأنه علا به ملك [٢] في السماء، وذهب به إلى السد، ورأى أقوامًا وجوههم مثل وجوه الكلاب.

وفيه طول ونَكارة، ورفعه لا يصح، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل، والعجب أن أبا زرعة الرازي - مع جلالة قدره - ساقه بتمامه في كتابه "دلائل النبوة" وذلك غريب منه، وفيه من النكارة [٣] أنه من الروم، وإنما الذي كان من الروم الإِسكندر الثاني، ابن فيليبس المقدوني الذي تؤرخ به الروم.

فأما الأول: فقد ذكر الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل - عليه [٤] السلام - أول ما بيناه، وآمن به واتبعه، وكان معه الخضر ﵇.

وأما الثاني: فهو إسكندر بن فيليب المقدوني اليوناني، وكان [٥] وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف [٦] المشهور، والله أعلم.

وهو الذي تؤرخ به [٧] من مملكته ملة الروم، وقد كان قبل المسيح ﵇ بنحو من ثلاثمائة سنة.

فأما الأول المذكور في القرآن: فكان في زمن الخليل كما ذكره الأزرقي وغيره، وأنه طاف مع الخليل بالبيت العتيق لما بيناه إبراهيم ﵇ وقرب إلى الله قربانًا، وقد ذكرنا طرفًا صالحًا [١] من أخباره في كتاب "البداية والنهاية".

بما فيه كفاية، ولله الحمد.

قال وهب بن منبه: كان مَلكًا، وإنّما سمي ذا القرنين، لأن [٢] صفحتي رأسه كانتا من نحاس.

قال: وقال بعض أهل الكتاب: لأنه ملك الروم وفارس.

وقال بعضهم: كان في رأسه شبه القرنين.

وقال سفيان الثوري (١٠٦) عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، قال: سئل علي ﵁ عن ذي القرنين؟

فقال: كان عبدًا [ناصحًا لله]﷿ فَنَاصَحَه، دعا قومه إلى الله، فضربوه [٣] على قرنه فمات، فأحياه الله، فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فسمي ذا القرنين.

وكذا رواه شعبة (١٠٧) عن القاسم بن أبي بَزَّةَ عن أبي الطفيل سمع عليًّا يقول ذلك.

ويقال: إنما سمي ذا القرنين، لأنه بلغ المشارق والمغارب، من حيث يطلع قرن [٤] الشمس ويغرب.

وقوله: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: أعطناه ملكًا عظيمًا، متمكنًا فيه له من جميع ما يؤتى الملوك؛ من التمكين، والجنود، وآلات الحرب والحصارات؛ ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأم من العرب والعجم؛ ولهذا ذكر بعضهم أنه إنما سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس: مشرقها ومغربها.

وقوله: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والسدي، وقتادة، والضحاك، وغيرهم: يعني علمًا.

وقال قتادة أيضًا في قوله: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾ قال: منازل الأرض، وأعلامها.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾ قال: تعليم الألسنة.

قال [١]: كان لا يغزو قومًا إلا كلمهم بلسانهم.

وقال ابن لهيعة: حدثني سالم بن غيلان، عن سعيد بن أبي هلال، أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار: أنت تقول: إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟!!

فقال له كعب: إن كنت قلت ذلك فإن الله تعالى يقول [٢]: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾.

وهذا الذي أنكره معاوية ﵁ على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في الإِنكار، فإن معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلو عليه الكذب.

يعني: فيما ينقله، لا أنه كان يتعمد نفل ما ليس في صحيفته، ولكن الشأن في صحيفته أنها [٣] من الإسرائيليات، التي غالبها مبدل مصحف، محرف مختلق، ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى ورسول الله ﷺ إلى شيء منها بالكلية، فإنه دخل منها على الناس شر كثير وفساد عريض.

وتأويل كعب قول الله: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾ واستشهاده [بذلك] [٤] على ما يجده في صحيفته، من أنه كان يربط خيله بالثريا غير صحيح ولا مطابق؛ فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك، ولا إلى الترقي في أسباب السموات، وقد قال الله في حق بُلقَيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ﴾ أي: مما يؤتى مثلها من الملوك، وهكذا ذو القرنين، يسر الله له الأسباب، أي: الطرق [٥] والوسائل إلى فتح الأقاليم والرساتيق والبلاد والأراضي، وكسر الأعادي وكبت ملوك الأرض، وإذلال أهل الشرك، قد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سببًا، والله أعلم.

وفي المختارة للحافظ الضياء المقدسي (١٠٨)، من طريق قتيبة، عن أبي عوانة، عن سماك بن حرب، عن حبيب بن حمار قال: كنت عند عليّ ﵁ وسأله رجل عن ذي القرنين: كيف بلغ المشارق والمغارب؟

فقال: سبحان الله، سخر له السحاب، وقدر له الأسباب، وبسط له اليد.

﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَينِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَال أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾ [قال ابن عباس: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ يعني بالسبب: المنزل.

و] [١] قال قال مجاهد: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾: منزلًا وطريقًا ما بين المشرق والمغرب.

وفي رواية عن مجاهد ﴿سَبَبًا﴾ قال: طريقًا [٢] في [٣] الأرض.

وقال قتادة: أي أتبع منازل الأرض ومعالمها.

وقال الضحاك: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [أي: المنازل.

وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾] [٤] قال: علمًا.

وهكذا قال عكرمة وعبيد بن صلى والسدي.

وقال مطر: معالم وآثار كانت قبل ذلك.

وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أي: فسلك طريقًا حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب، وهو مغرب الأرض.

وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذر، وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدّة، والشمس تغرب من ورائه، فشيء لا حقيقة له، وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب واختلاق زنادقتهم وكذبهم.

وقوله: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ﴾ أي: رأى الشمس في منظره نغرب في البحر المحيط، و [٥] هذا شأن كل من انتهى إلى ساحله، يراها كأنها تغرب فيه، وهي [٦] لا تفارق الفلك الرابع الذي [٧] هي مثبتة فيه لا تفارقه.

والحمأة مشتقة على إحدى القراءتين [٨] من الحمأة، وهو: الطين، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ﴾ أي: طين أملس.

وقد تقدم بيانه.

وقال ابن جرير (١٠٩): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، حدثني نافع بن أبي نعيم، سمعت عبد الرحمن الأعرج، يقول: كان ابن عباس يقول: ﴿فِي عَينٍ حَمِئَةٍ﴾ ثم فسرها: ذات حمأة.

قال نافع: وسئل عنها كعب الأحبار، فقال: أنتم أعلم بالقرآن مني، ولكني أجدها في الكتاب: تغيب في طينة سوداء.

وكذا روى غير واحد عن ابن عباس.

وبه قال مجاهد وغير واحد.

وقال أبو داود الطيالسي (١١٠): حدثنا محمد بن دينار، عن سعد بن أوس، عن مصدع، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، أن النبي ﷺ أقرأه: ﴿حَمِئَةٍ﴾.

وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: (وجدها تغرب في عين حامية) يعني: حارة.

وكذا قال الحسن البصري.

وقال [١] ابن جرير: والصواب أنهما قراءتان مشهورتان، فأيهما قرأ القارئ فهو مصيب.

قلت: ولا منافاة بين معنييهما، إذ قد تكون حارة لمجاورتها وهج الشمس عند غروبها، وملاقاتها الشعاع بلا حائل، و ﴿حَمِئَةٍ﴾: في ماء وطين أسود، كما قال كعب الأحبار وغيره.

وقال ابن جرير (١١١): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام، حدثني مولى لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله، قال: نظر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الشمس حين غابت فقال: "في نار الله الحامية، في نار الله الحامية، لولا ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض".

قلت: ورواه الإمام أحمد (١١٢) عن يزيد بن هارون.

وفي صحة رفع هذا الحديث نظر، ولعلّه من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك، والله أعلم.

وقال ابن أبي حاتم (١١٣): حدَّثنا حجّاج بن حمزة، حدَّثنا محمَّد -يعني: ابن بشر- حدَّثنا عمرو بن [١] ميمون، أنبأنا ابن حاضر أن ابن عباس ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة الكهف: (تغرب في عين حامية) قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: ما نقرؤها إلَّا ﴿حَمِئَةٍ﴾ فسأل معاوية عبد الله بن عمرو: كيف تقرؤها؟

فقال عبد الله: كما قرأتَها.

قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: في بيتي نزل القرآن.

فأرسل إلى كعب فقال له: أين تجد الشَّمس تغرب في التوراة؟

[فقال له كعب: سل أهل العربية فإنهم أعلم بها، وأما أنا فإنّي أجد الشَّمس تغرب في التوراة] [٢] في ماء وطين، وأشار بيده إلى المغرب.

قال ابن حاضر: لو أني عندكما أفدتك بكلام تزداد فيه بصيرة في ﴿حَمِئَةٍ﴾.

قال ابن عباس: وإذًا ما هو؟

قلت: فيما يؤثر من قول تُبَّع، فيما ذكر به ذا القرنين في تخلقه بالعلم واتباعه إياه: بلغ المشارق والمغارب يبتغي … أسباب أمرٍ من حكيم مرشد [فرأى مغيب] [٣] الشمس عِندَ غُرُوبها … في عين ذي خُلُب وَثأط حَرمَد قال ابن عباس: ما الخلب؟

قلت: الطين بكلامهم.

قال: ما الثاط؟

قلت: الحمأة.

قال: فما الحرمد؟

قلت: الأسود.

قال: فدعا ابن عباس رجلًا -أو غلامًا- فقال: الخطيب ما يقول هذا الرجل.

وقال سعيد بن جبير: بينا ابن عباس يقرأ سورة الكهف فقرأ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ﴾ فقال كعب: والذي نفس كعب بيده، ما سمعت أحدًا [٤] يقرؤها كما أنزلت في التوراة غير ابن عباس، فإنا نجدها في التوراة تغرب في مدرة سوداء.

وقال أبو يعلى الموصلي (١١٤): حدَّثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدَّثنا هشام بن يوسف، قال: في تفسير ابن جريج ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ قال: مدينة لها اثنا عشر ألف باب، لولا أصوات أهلها لسمع النَّاس وجوب الشَّمس حين تجب.

[] [١].

وقوله: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ أي: أمَّة من الأمم، ذكروا أنَّها كانت أمة عظيمة من بني آدم.

وقوله: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَينِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ معنى هذا أن الله تعالى مكنه منهم [٢]، وحكمه فيهم، وأظفره بهم، وخيره: إن شاء قتل وسبى، وإن شاء منّ أو فدى، فعرف عدله وإيمانه، فيما أبداه عدله وبيانه في قوله: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾، أي: من [٣] استمر على كفره وشركه بربه ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ قال قتادة: بالقتل.

وقال السدي: كان يحمي لهم بقر النحاس، ويضعهم فيها حتَّى يذوبوا.

وقال وهب بن منبه: كان يسلط [٤] الطمة، فتدخل أفواههم وبيوتهم، وتغشاهم من جميع جهاتهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾، أي: شديدًا بليغًا، وجيعًا أليمًا، [وفيه] [٥] إثبات المعاد والجزاء.

وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ﴾، أي: تابعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ أي: في الدار الآخرة عند الله ﷿ ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ قال مجاهد: معروفًا.

﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيهِ خُبْرًا (٩١)﴾ يقول تعالى: ثم سلك طريقًا فسار من مغرب الشَّمس إلى مطلعها، وكان كلما مر بأمة قهرهم وغلبهم، ودعاهم إلى الله ﷿ فإن أطاعوه وإلا أذلهم، وأرغم آنافهم [٦]، واستباح أموالهم وأمتعتهم، واستخدم من كل أمة ما يستعين به مع جيوشه على أهل الإقليم المتاخم لهم.

وذكر في أخبار بني إسرائيل أنَّه عاش ألفًا وستمائة سنة، يجوب [١] الأرض طولها والعرض، حتَّى بلغ المشارق والمغارب.

ولما انتهى إلى مطلع الشَّمس من الأرض، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ﴾ أي: أمة ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾، أي: ليس لهم بناء يكنهم، ولا [٢] أشجار تظلهم ولا تسترهم من حرِّ الشَّمس.

قال سعيد بن جبير: كانوا حمرًا قصارًا، مساكنهم الغيران، أكثر معيشتهم من السمك.

وقال أبو داود الطيالسي (١١٥): حدَّثنا سهل بن أبي الصلت، سمعت الحسن، وسئل عن قول الله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾؟

قال: إن أرضهم لا تحمل البناء، فإذا طلعت الشَّمس تَغَوروا في المياه، فإذا غربت خرجوا يتراغون كما ترغى البهائم.

قال الحسن: هذا حديث سمرة.

وقال قتادة: ذكر لنا أنهم بأرض لا تنبت لهم شيئًا، فهم إذا طلعت الشّمس في أسراب، حتَّى إذا زالت الشَّمس خرجوا إليَّ حروثهم ومعايشهم.

وعن سلمة بن كهيل أنَّه قال: ليس لهم أكنان، إذا طلعت الشَّمس طلعت عليهم، فلأحدهم أذنان [يفترش] [٣] إحداهما ويلبس الأخرى.

وقال عبد الرَّزاق (١١٦): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [قال: هم الزنج.

وقال ابن جريج في قوله: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾] [٤]، قال: لم يبنوا فيها بناء قط، ولم يبن عليهم فيها بناء قط، كانوا إذا طلعت الشَّمس دخلوا أسرابًا [٥] لهم [٦] حتَّى تزول الشَّمس، أو دخلوا البحر، وذلك أن أرضهم ليس فيها جبل.

جاءهم جيش مرَّة، فقال لهم أهلها: لا تطعن عليكم الشَّمس وأنتم بها.

قالوا: لا نبرح حتَّى تطلع الشَّمس، ما هذه العظام؟

قالوا: هذه جيف [١] جيش طلعت عليهم الشَّمس ها هنا فماتوا.

قال: فذهبوا هاربين في الأرض.

وقوله: ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيهِ خُبْرًا﴾ قال مجاهد، والسدي: عِلمًا.

أي: نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه، لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرقت أممهم، وتقطعت لهم الأرض، فإنَّه تعالى ﴿لَا يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.

﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَينَ السَّدَّينِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَينِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَينَنَا وَبَينَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَال مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَينَكُمْ وَبَينَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَينَ الصَّدَفَينِ قَال انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَال آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيهِ قِطْرًا (٩٦)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن ذي القرنين ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي: ثم [٢] سلك طريقًا من مشارق الأرض ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَينَ السَّدَّينِ﴾، وهما جبلان متناوحان، كأنهما ثغرة يخرج منها يأجوح ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيهم فسادًا، ويهلكون الحرث والنسل؛ ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم ﵇ كما ثبت في الصحيحين (١١٧): " إن الله تعالى يقول: يا آدم.

فيقول: لبيك وسعديك.

فيقول: ابعث بعث النَّار.

فيقول: وما بعث النار؟

فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنَّة.

فحينئذ يشيب الصَّغير، وتضع كل ذات حمل حملها".

فيقال: "إن فيكم أمّتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج".

وقد حكى النووي ﵀ في شرح مسلم عن بعض النَّاس، أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم، فاختلط بالتُّراب فخلقوا من ذلك، فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم، وليسوا من حواء، وهذا القول [١] غريب جدًّا لا دليل عليه؛ لا من عقل، ولا من [٢] نقل، ولا يجوز الاعتماد ها هنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب؛ لما [٣] عندهم من الأحاديث المفتعلة، والله أعلم.

وفي مسند الإمام أحمد (١١٨) عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: "ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك".

فقال بعض العلماء: هؤلاء من نسل يافث أبي [٤] الترك.

قال: إنما سموا هؤلاء تركًا؛ لأنهم تركوا من وراء السد من هذه الجهة، وإلا فهم أقرباء أولئك، ولكن كان في أولئك بغي وفساد وجراءة.

وقد ذكر ابن جرير (١١٩) ها هنا عن وهب بن منبه أثرًا طويلًا عجيبًا في سير ذي القرنين، وبنائه السد، وكيفية ما جرى له، وفيه طول وغرابة، ونكارة في أشكالهم وصفاتهم، [وطولهم] [٥] وقصر بعضهم وآذانهم.

وروى ابن أبي حاتم أحاديث غريبة في ذلك، لا تصح أسانيدها، والله أعلم.

وقوله: ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ لاستعجام كلامهم وبعدهم عن النَّاس.

﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَينِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ قال ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس: أجرًا عظيمًا.

يعني: أنهم [٦] أرادوا أن يجمعوا [١] له من بينهم مالًا يعطونه إيَّاه؛ حتَّى يجعل لأنَّه ولكنهم سدًّا، فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيرٌ﴾ أي: إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه، كما قال سليمان ﵇: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾، وهكذا قال ذو القرنين: الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه، ولكن ساعدوني ﴿بِقُوَّةٍ﴾، أي: بعملكم وآلات البناء ﴿أَجْعَلْ بَينَكُمْ وَبَينَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ والزبر: جمع زبرة، وهي القمة منه.

قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة: وهي كاللبنة، قال: كل لبنة زنة [٢] قنطار بالدمشقي، أو تزيد عليه.

﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَينَ الصَّدَفَينِ﴾ أي: وضع بعضها [٣] على بعض من الأساس، حتَّى إذا حاذى به رءوس الجبلين طُولًا وعرضًا، واختلفوا في مساحة [٤] عرضه وطوله على أقوال ﴿قَال انْفُخُوا﴾ أي: أجج عليه النَّار حتَّى صار كله نارًا [٥] ﴿قَال آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيهِ قِطْرًا﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والضَّحَّاك، وقتادة، والسدى: هو النحاس.

وزاد بعضهم: المذاب.

ويستشهد بقوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَينَ الْقِطْرِ﴾ ولهذا يشبه بالبرد [٦] المحبر.

قال ابن جرير (١٢٠): حدَّثنا بشر، حدَّثنا يزيد، حدَّثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ قد رأيتُ سدَّ يأجوج ومأجوج.

قال: "انعته لي".

قال: كالبرد المحبر، طريقة سوداء، وطريقة حمراء.

قال: "قد رأيته".

هذا حديث مرسل.

وقد بعث الخليفة الواثق في دولته بعض أمرائه، ووجه معه جيشًا سرية؛ لينظروا إلى السد ويعاينوه، وينعتوه له إذا رجعوا، فتوصلوا من بلاد الي بلاد، ومن ملك إلى ملك، حتَّى وصلوا إليه، ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه بابا عظيمًا، وعليه أقفال عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك، وأن عنده حرسًا من الملوك المتاخمة له، وأنَّه عال منيف شاهق، لا يستطاع، ولا ما حوله من الجبال، ثم رجعوا إلى بلادهم، وكانت غيبتهم أكثر من سنتين، وشاهدوا أهوالًا وعجائب [٧] [ثم قال تعالى].

فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَال هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩) قوله تعالى مخبرًا عن يأجوج ومأجوج: إنهم ما قدروا على أن يصعدوا فوق هذا السد، ولا قدروا على نقبه من أسفله، ولما كان الظهور عليه أسهل من نقبه، قابل كلا بما يناسبه، فقال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ وهذا دليل على أنهم لم يقدروا على نقبه، ولا على شيء منه.

فأمَّا الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١٢١): حدَّثنا روح، حدَّثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، حدَّثنا أبو رافع، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتَّى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه [١] غدًا.

فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله أن يبعثهم على النَّاس، [حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشَّمس] [٢] قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غدًا إن شاء الله.

ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على النَّاس، فينشفون المياه، ويتحصن النَّاس منهم في حصونهم، فيرمون سهامهم [٣] إلى السماء، [فترجع وعليها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء] [٤]، فيبعث الله عليهم نغفًا في أقفائهم فيقتلهم بها".

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرًا من لحومهم ودمائهم".

ورواه أحمد أيضًا عن حسن -هو ابن موسى الأشيب [١]- عن سفيان، عن قتادة به.

وكذا رواه [إلامام] [٢] ابن ماجة عن أزهر بن مروان، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: حدث أبو رافع.

وأخرجه التِّرمذيُّ من حديث أبي عوانة، عن قتادة، ثم قال: غريب.

لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه.

وهذا إسناد جيد قوي، ولكن في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه؛ لأحكام بنائه وصلابته وشدته، ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار: أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه، حتَّى لا يبقى منه إلَّا القليل [٣]، فيقولون: غدًا نفتحه، فيأتون من الغد وقد عاد كما كان، فيلحسونه حتَّى لا يبقى منه إلَّا القليل، فيقولون كذلك، ويصبحون وهو [٤] كما كان [٥]، فيلحسونه ويقولون: غدًا نفتحه، ويلهمون أن يقولوا: إن شاء الله، فيصبحون وهو كما فارقوه فيفتحونه.

وهذا متجه [٦]، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب؛ فإنَّه كثيرًا ما كان يجالسه ويحادثه [٧]، فحدث [به] [٨] أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه أنَّه مرفوع فرفعه، والله أعلم.

ويؤكد ما قلناه من أنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا نقب شيءٍ منه، ومن نكارة هذا المرفوع قول الإمام أحمد (١٢٢): حدَّثنا سفيان، عن الزُّهريّ، عن عروة، [عن زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أمها أم حبيبة] [٩]، عن زينب بنت جحش زوج النَّبيِّ ﷺ قال سفيان: أربع نسوة- قالت: استيقظ النَّبيُّ ﷺ من نومه وهو محمر وجهه، وهو يقول: "لا إله إلَّا الله!

ويل للعرب من شر قد اقترب!

فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا".

وحلق- قلت: يا رسول الله؛ أنهلك وفينا الصالحون؟

قال: "نعم، إذا كثر الخبث".

هذا حديث صحيح، اتفق البُخاريّ ومسلم على إخراجه من حديث الزُّهريّ، ولكن سقط في رواية البُخاريّ ذكر حبيبة وأثبتها مسلم، وفيه أشياء عزيزة نادرة قليلة الوقوع في صناعة الإسناد؛ منها رواية الزُّهريّ عن عروة وهما تابعيان، ومنها اجتماع أربع نسوة في سنده كلهن يروي بعضهن عن بعض، ثم كل منهن صحابية، ثم ثنتان ربيبتان وثنتان زوجتان ﵅.

[وقد روى نحو هذا عن أبي هريرة ﵁] [١].

فقال البزار: حدَّثنا محمَّد بن مرزوق، حدَّثنا مؤمل بن إسماعيل، حدَّثنا وهيب [٢]، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا" وعقد التسعين [٣].

وأخرجه البُخاريّ ومسلم (١٢٣): من حديث وهيب به.

وقوله: ﴿قَال هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي: لما بيناه ذو القرنين ﴿قَال هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي: بالنَّاس، حيث جعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج حائلًا يمنعهم من العيث في الأرض والفساد ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي: إذا اقترب الوعد الحق ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ أي: ساواه [٤] بالأرض.

تقول العرب: ناقة دكاء، إذا كان ظهرها مستويًا لا سنام لها، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: مساويًا للأرض.

وقال عكرمة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ قال: طريقًا كما كان.

﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾: [أي] [٥] كائنًا [٦] لا محالة.

وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ﴾، أي: النَّاس ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، أي [١]: يوم يدك هذا السد، ويخرج هؤلاء، فيموجون في النَّاس، ويفسدون على النَّاس أموالهم، ويتلفون أشياءهم، وهكذا قال السدي في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾، قال: ذاك حين يخرجون على النَّاس.

وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال، كما سيأتي بيانه عند قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، وهكذا قال ها هنا: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ قال ابن زيد في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: هذا أول يوم القيامة ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ على أثر ذلك ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾.

وقال آخرون: بل المراد بقوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [] [٢] أي: يوم القيامة يختلط الإنس والجن.

روى ابن جرير (١٢٤) عن محمَّد بن حميد، عن يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن شيخ من بني فزارة في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾، قال: إذا ماج الإنس والجن، قال إبليس: أنا أعلم لكم علم هذا الأمر.

فيظعن إلى المشرق [٣] فيجد الملائكة قد قطعوا [٤] الأرض، ثم يظعن إلى المغرب فيجد الملائكة بطنوا الأرض، فيقول: ما من محيص.

ثم يظعن يمينًا وشمالًا إلى أقصى الأرض، فيجد الملائكة بطنوا الأرض، فيقول: ما من محيص.

فبينما هو كذلك إذ عرض له طريق كالشراك، فأخذ عليه هو وذريته، فبينما هم عليه إذ هجموا على النَّار، فأخرج الله خازنًا من خزان النَّار، فقال: يا إبليس، ألم تكن لك المنزلة عند ربك؟!

ألم تكن في [٥] الجنان؟!

فيقول: ليس هذا يوم عتاب، لو أن الله فرض علي فريضة لعبدته فيها عبادة لم يعبده مثلها أحد من خلقه.

فيقول: فإن الله قد فرض عليك فريضة.

فيقول: ما هي؟

فيقول: يأمرك أن تدخل النَّار.

فيتلكأ عليه، فيقول به وبذريته بجناحيه [٦] فيقذفهم في النَّار، فتزفر النَّار زفرة، لا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلَّا جثى لركبتيه.

وهكذا رواه ابن أبي حاتم (١٢٥) من حديث يعقوب القمي به.

[ثم] [١] رواه من وجه آخر عن يعقوب، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾، قال: الجن والإِنس يموج بعضهم في بعض.

وقال الطبراني (١٢٦): حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصفهاني، حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا المغيرة بن مسلم عن أبي إسحاق، عن وهب بين جابر، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "إن، يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا علي الناس معايشهم، ولن يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تأويل وتاريس [٢] ومنسك".

هذا حديث غريب، بل منكر ضعيف.

وروى النسائي (١٢٧): من حديث شعبة، عن النعمان بن سالم، عن [ابن] [٣] عمرو بن أوس، عن أبيه، عن جده أوس بن أبي أوس مرفوعًا: "إن يأجوج ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاءوا، وشجر يلقحون [١] ما شاءوا، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريتة ألفًا فصاعدًا".

وقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ والصور كما جاء في الحديث: قرن ينفخ فيه، والذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇ كما تقدم في الحديث بطوله (١٢٨)، والأحاديث فيه كثيرة.

وفي الحديث عن عطية، عن ابن عباس وأبي سعيد مرفوعًا (١٢٩): " كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته، واستمع [٢] متى يؤمر".

قالوا: كيف نقول [٣]؟

قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، علي الله توكلنا".

وقوله: ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾، أي: أحضرنا الجميع للحساب، ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.

﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾.

يقول تعالى مخبرًا عما يفعله بالكفار سوم القيامة: إنه يعرض عليهم جهنم، أي: يبرزها لهم ويظهرها؛ ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولها؛ ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهم والحزن لهم.

وفي صحيح مسلم (١٣٠) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "يؤتي بجهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها [١] ".

ثم قال مخبرًا عنهم: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾.

أي: تغافلوا وتعاموا وتصامّوا [٢] عن قبول الهدى، واتباع الحق، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، وقال هاهنا: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾، أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، ثم قال: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾، أي: اعتقدوا أنهم يصح له ذلك وينتفعون بذلك ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ ولهذا أخبر الله تعالى أنه قد [٣] أعدّ لهم جهنم سوم القيامة منزلًا.

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ قال البخاري (١٣١): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو، عن مصعب قال: سألت أبي -يعني سعد بن أبي وقاص-: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ أهم الحرورية؟

قال: لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدًا ﷺ، وأما النصارى كفروا بالجنة، وقالوا [١]: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه.

وكان سعد ﵁ يسميهم الفاسقين.

وقال علي بن أبي طالب والضحاك وغير واحد: هم الحرورية.

ومعني هذا عن علي ﵁ أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية، كما تشمل اليهود والنصاري وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء علي الخصوص ولا هؤلاء، بل هي [٢] أعم من هذا، فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى، [وقبل وجود الخوارج، [٣] بالكلية، وإنما هي عامة في كل من عبد الله علي غير طريقة مرضية، يحسب أنه مصيب فيها، وأن محمله مقبول، وهو مخطيء، وعمله مردود.

كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾.

وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾.

وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: نخبركم ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ ثم فسرهم فقال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، أي: عملوا أعمالا باطلة علي غير سريعة مشروعة مرضِية مقبولة ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ أي: يعتقدون أنهم علي شيء، وأنهم مقبولون محبوبون.

وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾، أي: جحدوا آيات الله في الدنيا، وبراهينه التي أقام علي وحدانيته وصدق رسله، وكذبوا بالدار الآخرة، ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾، أي: لا نثقل موازينهم، لأنها خالية من [٤] الخير.

فقال البخاري (١٣٢): حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا المغيرة، حدثني أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة".

وقال: "اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾.

وعن يحيى بن بكير، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد مثله.

هكذا ذكره عن يحيى بن بكير معلقًا، وقد رواه مسلم عن أبي بكر محمد بن إسحاق، عن يحيى بن بكير [١] به.

وقال ابن أبي حاتم (١٣٣): حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يؤتي بالرجل الأكول الشروب العظيم فيوزن بحبة فلا يزنها".

قال: وقرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾.

وكذا رواه ابن جرير (١٣٤): عن أبي كريب، عن أي الصلت، عن ابن أبي الزناد [٢]، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.

فذكره بلفظ البخاري سواء.

وقال أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار (١٣٥): حدثنا العباس بن محمد، حدثنا عون بن عمارة [٣]، حدثنا هشام بن حسان، عن واصل، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ فأقبل رجل من قريش خطر في حلة له، فلما قام على النبي ﷺ قال: "يا بريدة، هذا ممن لا يقيم الله له يوم القيامة وَزْنًا﴾.

ثم قال: تفرد به واصل مولى أبي عنبسة وعون بن عُمَارة، وليس بالحافظ ولم يتابع عليه.

وقد قال [ابن] جرير أيضًا (١٣٦): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن الأعمش عن شمر [١] عن أبي يحيى، عن كعب قال: يؤتى يوم القيامة [برجل عظيم] [٢] طويل، فلا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرءوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾.

وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا﴾، أي: إنما جازيناهم بهذا الجزاء جهنم؛ بسبب كفرهم، واتخاذهم آيات الله ورسله هزوًا، استهزءوا بهم وكذبوهم أشد التكذيب.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ يخبر تعالى عن عباده السعداء، وهم الذين آمنوا بالله ورسله، وصدقوهم فيما [٣] جاءوا به بأن لهم جنات الفردوس.

قال مجاهد: الفردوس هو: البستان بالرومية.

وقال كعب والسدي والضحاك: هو البستان الذي فيه شجر الأعناب.

وقال أبو أمامة: الفردوس: سرة الجنة.

وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها.

وقد روي هذا مرفوعًا من حديث سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ: "الفردوس: ربوة الجنة و [٤] أوسطها وأحسنها" (١٣٧).

وهكذا رواه إسماعيل بن مسلم عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا؛ وروي عن قتادة، عن أنس بن مالك مرفوعًا بنحوه (١٣٨)؛ وقد نقله ابن جرير، ﵀.

وفي الصحيحين (١٣٩): " إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلي الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة".

وقوله: ﴿نُزُلًا﴾ أي: ضيافة، فإن النزل هو الضيافة.

وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: مقيمين ساكنين فيها [١]، لا يظعنون عنها أبدًا ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ أي: لا يختارون غيرها، ولا يحبون سواها، وكما قال الشاعر: فحَلّتْ [٢] سُوَيدَا القلب لا أنا باغيًا … سواها ولا عن حبِّها أتحول وفي قوله: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ تنبيه على رغبتهم فيها، وحبهم لها، مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائمًا أنه يسأمه و [٣] يمله، فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي، لا يختارون عن مقامهم ذلك متحولا ولا [انتقالًا ولا] [٤] ظعنًا [٥] ولا رحلة ولا بدلًا [٦].

﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: [] [١] لو كان ماء [٢] البحر مدادًا للقلم الذي تكتب به كلمات ربي وحكمه وآياته الدالة [٣] عليه، لنفد البحر قبل أن [يفرغ من] [٤] كتابة ذلك ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾، أي: بمثل البحر آخر، ثم آخر، وهلم جرًّا، بحور تمده ويكتب بها، لما نفدت كلمات الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

قال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله، كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾.

يقول [٥]: لو كان البحر مدادًا، والشجر [كله أقلامًا] [٦]، لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر، و [٧] بقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء؛ لأن أحدًا لا يستطيع [٨] أن يقدر قدره، ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني علي نفسه، إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول [٩] إن مثل نعيم الدنيا؛ أولها وآخرها، في نعيم الآخرة كحبة من خردل في خلال الأرض كلها [١٠].

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ روى الطبراني (١٤٠) من طريق هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن قيس الكوفي، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان، أنه قال: هذه آخر آية أنزلت.

يقول تعالى لرسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المشركين المكذبين برسالتك إليهم: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، فمن زعم أني كاذب فليأت بمثل ما جئت به، فإني لا أعلم الغيب فيما [١] أخبرتكم به من الماضي؛ عما سألتم من قصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين، مما هو مطابق [٢] في نفس [الأمر، لولا] [٣] ما أطلعني الله عليه، وأنا أخبركم ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ﴾ الذي أدعوكم إلي عبادته ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا شريك له ﴿وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: ثوابه وجزاءه الصالح ﴿رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ وهو [٤]: ما كان موافقًا لشرع الله ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وهو، الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان [٥] ركنا العمل المتقبل؛ لا بد أن يكون خالصًا لله، صوابًا علي شريعة رسول الله ﷺ.

وقد روى ابن أبي حاتم (١٤١) من حديث معمر، عن عبد الكريم الجزرى، عن طاوس، قال: قال رجل: يا رسول الله، إني أتف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني.

فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئًا [٦]، حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.

وهكذا أرسل هذا مجاهد وغير واحد.

وقال الأعمش (١٤٢): حدثنا حمزة أبو [٧] عمارة مولى بني هاشم، عن شهر بن حوشب قال: جاء رجل إلي عبادة بن الصامت فقال: أنبئني عما أسألك عنه: أرأيت رجلًا يصلي يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويصوم يبتغي [٨]، وجه الله، ويحب أن يحمد، ويتصدق يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويحج ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد؟

فقال عبادة: ليس له شيء؛ إن الله تعالى يقول: أنا خير شريك [٩] فمن كان له معي شريك فهو له كله لا حاجة لي فيه.

وقال الإمام أحمد (١٤٣): حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، ثنا كثير بن زيد، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله ﷺ، فنبيت عنده تكون له الحاجة، أو يطرقه أمر من الليل فيبعثنا، فكثر المحتسبون وأهل النوب فكنا نتحدث، فخرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "ما هذه النجوى؟

[ألم أنهكم عن النجوى؟

" قال] [١]: فقلنا: تبنا إلي الله، أي نبي الله، إنما كنا في ذكر المسيح وفرقنا منه.

فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي؟

" قال: قلنا: بلي.

قال: "الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلي لمكان الرجل".

وقال الإمام أحمد (١٤٤): حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد -يعني ابن بهرام- قال: قال شهر بن حوشب: قال ابن غنم: لما دخلنا مسجد الجابية أنا وأبو الدرداء، لقينا عبادة بن الصامت، فأخذ يميني بشماله، وشمال أبي الدرداء بيمينه، فخرج يمشي بيننا ونحن ننتجى [٢]، والله أعلم بما نتناجى [٣]، فقال عبادة بن الصامت: إن طال بكما عمر أحدكما أو كليكما، لتوشكان أن تريا الرجل من ثبج المسلمين- يعني من وسط قرأ [٤] القرآن، علي لسان محمد ﷺ، فأعاده وأبداه، وأحل حلاله، وحرم حرامه ونزل [١] عند منازله لا يحور [٢] فيكم [٣] إلا كما يحور [٤] رأس الحمار الميت.

قال: فبينما نحن كذلك، إذ طلع شداد بن أوس ﵁ وعوف بن مالك فجلسا إلينا، فقال شداد: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لَما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من الشهوة الخفية والشرك".

فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: اللهم غفرًا!

أولم يكن رسول الله ﷺ قد [٥] حدثنا: "أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب"، وأما الشهوة [٦] الخفية فقد عرفناها، هي شهوات الدنيا؛ من نسائها، وشهواتها، فما هذا الشرك الذي تخوفنا به يا شداد؟

فقال شداد أرأيتكم [٧] لو رأيتم رجلًا يصلي لرجل، أو يصوم لرجل، [أو يتصدق له أترون أنه قد أشرك؟

قالوا: نعم، والله إنه من صلى لرجل] [٨]، أو صام له [٩]، أو [١٠] تصدق له لقد [١١] أشرك.

فقال شداد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام [١٢]، يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك".

فقال [١٣] عوف بن مالك عند ذلك: أفلا يعمد الله إلى ما ابتغي به وجهه من ذلك العمل كله، فيقبل ما خلص له، ويدع ما أشرك به؟

فقال شداد عند ذلك: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئًا فإن حَشْده [١٤] عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك [١٥] به، و [١٦] أنا عنه غني".

(طريق أخرى [١٧] لبعضه) قال الإمام أحمد (١٤٥): حدثنا زيد بن الحباب، حدثني عبد الواحد بن زياد، أخبرنا عبادة بن نسي، عن شداد بن أوس ﵁ أنه بكى فقيل له: ما يبكيك؟

قال: شيء سمعته من رسول الله ﷺ، [يقول: فذكرته] [١] فأبكاني، سمعت رسول الله يقول: "أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية".

قلت: يا رسول الله؛ أتشرك أمتك [من بعدك] [٢]؟

قال: "نعم، أما إنهم لا يعبدون شمسًا ولا قمرًا، ولا حجرًا ولا وثنًا، ولكن يراءون بأعمالهم، والشهوة الخفية: أن يصبح أحدهم صائمًا، فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه".

ورواه ابن ماجة (١٤٦) من حديث الحسن بن ذكوان، عن عبادة بن نسي به.

وعبادة فيه ضعف، وفي سماعه من شداد نظر.

(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الحسين [٣] بن علي بن جعفر الأحمر، حدثنا عليّ بن ثابت، حدثنا قيس بن [٤] أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله يوم القيامة: أنا خير شريك، فمن [٥] أشرك بي أحدًا فهو له كله".

وقال الإمام أحمد (١٤٧): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت العلاء يحدث، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ يرويه عن ربه ﷿ أنه قال: "أنا خير الشركاء، فمن عمل عملًا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك".

تفرد به من هذا الوجه.

(حديث آخر): قال الإمام أحمد (١٤٨): حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن يزيد -يعني ابن الهاد- عن عمرو، عن محمود بن لبيد، أن رسول الله ﷺ قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر".

قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟

قال: "الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين [١] كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء".

(حديث آخر): قال الإمام أحمد (١٤٩): حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا عبد الحميد -يعني ابن جعفر- أخبرني أبي، عن زياد بن ميناء، عن أبي سعيد [٢] بن أبي فضالة الأنصاري [وكان من الصحابة] [٣] قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدًا، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك".

وأخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث [محمد بن] [٤] بكر -وهو البرساني- به.

(حديث آخر): قال الإمام أحمد (١٥٠): حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا بكار، حدثني أبي -يعني عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من سَمَّع (*) سَمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به".

وقال الإمام أحمد (١٥١): حدثنا معاوية، حدثنا شيبان، عن فراس، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ [أنه] [١] قال: "من يرائي يرائى الله به، ومن يسمَّع يسمَّع الله به".

حديث آخر: قال الإمام أحمد (١٥٢): حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدثني عمرو بن مرة، قال: سمعت رجلًا في بيت أبي عبيدة، أنه سمع عبد الله بن عمرو يحدث ابن عمر، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من سمَّع الناس بعمله سمع الله به، سامع خَلقَه وصغّره وحقَّره".

[قال] فذرفت عينا عبد الله.

وقال الحافظ أبو بكر البزار (١٥٣): حدثنا عمرو [٢] بن يحيى الأيلي، حدثنا الحارث بن غسان، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله ﷿ يوم القيامة في صحف مختومة [] [١]، فيقول الله: ألقوا هذا واقبلوا هذا.

فتقول الملائكة: يارب؛ والله مارأينا منه إلا خيرًا.

فيقول: إن عمله كان لغير وجهي، ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أويد به وجهي".

ثم قال: الحارث بن غسان روى عنه جماعة، وهو بصري ليس به بأس.

قال ابن وهب (١٥٤): حدثني يزيد بن عياض، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن قيس الخزاعي، أن رسول الله ﷺ قال: "من قام رياء وسمعة لم يزل في مقت الله حتى يجلس".

وقال أبو يعلى (١٥٥): حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا محمد بن دينار، عن إبراهيم الهجرى، عن أبي الأحوص، عن عوف بن مالك، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من أحسن الصلاة حيث [٢] يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه ﷿".

وقال ابن جرير (١٥٦): حدثنا أبو عامر [٣] إسماعيل بن عمرو السكوني، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن عياش، حدثنا عمرو بن قيس الكندي، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان تلا هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.

وهذا أثر مشكل، فإن هذه الآية [] [٤] آخر سورة الكهف، والكهف كلها مكية، ولعل معاوية أراد: أنه لم ينزل بعدها ما ينسخها، ولا يغير حكمها، بل هي مثبتة محكمة، فاشتبه ذلك على بعض الرواة، فروى بالمعنى ما فهمه، والله أعلم.

وقال الحافظ أبو بكر البزار (١٥٧): حدثنا محمد بن علي بن الحسن [١] بن شقيق، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا أبو قرة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ في ليلة: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ كان له من نور من عَدن أبين [٢]، إلى مكة [٣]، حشوة الملائكة".

غريب جدًّا.

آخر سورة الكهف، ولله الحمد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر