الإسلام > القرآن > تفسير > ابن كثير > تفسير سورة مريم
تفسيرُ سورةِ مريم كاملةً من تفسير ابن كثير (الحافظ ابن كثير الدمشقي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 138 دقيقة قراءة[[تفسير] سورة مريم [وهي مكية]] وقد روى محمد بن إسحاق في السيرة من حديث أم سلمة (١) وأحمد بن حنبل عن ابن مسعود (٢) في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة أن جعفر بن أبي طالب ﵁ قرأ صدر هذه السورة على النجاشي وأصحابه.
﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ أما [] [١] الحروف المقطعة فقد تقدم [] [٢] في أول سورة البقرة.
وقوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ أي: هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا.
وقرأ [٣] يحيى بن يعمر: [ذكرَ رحمةَ ربك عبده زكريا].
[و] [٤] ﴿زَكَرِيَّا﴾: يمد ويقصر قرابان مشهورتان.
وكان نبيًّا عظيمًا من أنبياء بني إسرائيل، و [٥] في صحيح البخاري (٣): أنه كان نجارًا، و [٦] أنه كان يأكل من عمل يديه [٧] في النجارة.
وقوله: ﴿إِذْ نَادَى [١] رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه؛ لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره.
حكاه الماوردي.
وقال آخرون: إنما أخفاه؛ لأنه أحب إلى الله.
كما قال قتادة (٤) في هذه الآية: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾: إن الله يعلم القلب التقي، ويسمع الصوت الخفي.
وقال بعض السلف: قام من الليل ﵇ وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خُفية: يارب يارب يارب.
فقال الله له [٢]: لبيك لبيك لبيك.
﴿قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي: ضعفت وخارت القوى ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيبًا﴾ أي: اضطرم [٣] المشيب في السواد.
كما قال ابن دريد في مقصورته: إمَّا تَرَى رأْسِي حاكَى لونُه … طُرَّةَ صُبح تَحْتَ أذيال الدُّجَى واشْتَعَلَ المبيَض في [٤] مُسوَدّه … مثْلَ اشتعَال النّار في جَمر الغضا والمراد من هذا: الإخبار عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة.
وقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي: ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردَّني قط فيما سألتك.
وقوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ قرأ الأكثرون بنصب الياء من ﴿الْمَوَالِيَ﴾ على أنه مفعول، وعن الكسائي أنه سكن الياء، كما قال الشاعر: كأن أيديَهُنَّ في القاع القرق [٥] … أيدي جَوَارٍ يتعاطين الورق [وقال الآخر] [٦]: فتى لوليباري الشمس ألْقَتْ قناعها … أو القَمَرَ السَّاري لألقى المقالدا ومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي [٧]: تغاير الشِّعرُ منه إذْ سهرتُ لهُ … حتى ظَننتُ قوافيه سَتَقْتَتِلُ وقال مجاهد وقتادة والسدي (٥): أراد بالمولى العصبة، وقال أبو صالح (٦): الكلالة.
وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان (٧) ﵁ أنه كان يقرؤها.
﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ بتشديد الفاء [١]، بمعنى: قلَّت عَصَباتي من بعدي.
وعلى القراءة الأولى وجه خوفه: أنه خشي أن يتصرفوا من [٢] بعده في الناس تصرفًا سيئًا، فسأل الله ولدًا يكون نبيًّا من بعده، ليسوسهم بنبوته وما يوحى إليه [٣]، فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة، وأجل قدرًا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده: أن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد فيحوز ميراثه دونهم، هذا وجه.
الثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال، بل كان نجّارًا، يأكل من كسب يديه [٤]، ومثل هذا لا يجمع مالًا، ولا سيما الأنبياء ﵈ فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.
الثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين (٨) من غير وجه [٥]، أن رسول الله، ﷺ، قال: "لا نورث، ما تركنا فهو [٦] صدقة".
وفي رواية عند الترمذي (٩) بإسناد صحيح: "نحن معشر الأنبياء- لا نورث".
وعلى هذا فتعين حمل قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ على ميراث النبوة، ولهذا قال: ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ كقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاوُودَ﴾، أي: في النبوة، إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل- أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: "نحن معاشر الأنبياء- لا نورث، ما تركنا فهو صدقة".
قال مجاهد (١٠) في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ كانت [١] وراثته علمًا، وكان زكريا من ذريَّة يعقوب.
وقال هشيم: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح (١١) في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: يكون نبيًّا كما كانت آباؤه أنبياء.
وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، عن الحسن (١٢): يرث نبوته وعلمه.
وقال السدي (١٣): يرث نبوتي، ونبوة آل يعقوب.
وعن مالك، عن زيد بن أسلم: ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: [نبوتهم.
وقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون كلاهما، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح (١٤) في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال] [٢]: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة.
وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة (١٥) أن رسول الله، ﷺ، قال: "يرحم الله زكريا وما كان عليه من ورثه؟!
ويرحم الله لوطًا إن كان ليأوي إلى ركن شديد!
".
وقال ابن جرير (١٦): حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح، عن مبارك -هو ابن فضالة- عن الحسن قال: قال رسول الله، ﷺ: "رحم الله أخي زكريا ما كان عليه من ورثه ماله [٣] حين يقول: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آل يعقوب﴾ ".
وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أي: مرضيًّا عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلي خلقك، في دينه وخلقه.
﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَي لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ هذا الكلام يتضمن محذوفًا، وهو: أنه أجيب إلي ما سأل في دعائه، فقيل: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَي﴾ كما قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَي مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾.
وقوله: ﴿لم نجعل له من قبل سميًّا﴾ قال قتادة وابن جريج وابن زيد (١٧): أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم.
واختاره ابن جرير ﵀.
وقال مجاهد (١٨): ﴿لم نجعل له من قبل سميًّا﴾ أي: شبيهًا-[أخذه من معنى قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: شبيهًا] [١]-.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (١٩): أي: لم تلد العواقر قبله مثله.
وهذا دليل علي أن زكريا ﵇ كان لا وولد له، وكذلك امرأته كانت عاقرًا من أول عمرها، بخلاف إبراهيم وسارة ﵉ فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق علي كبرهما لا لعقرهما؛ ولهذا قال: ﴿أبشرتموني علي أن مسني الكبر فبم تبشرون﴾ مع أنه قد كان ولد له قبله إسماعيل بثلاث عشوة سنة، وقالت امرأته: ﴿قَالتْ يَاوَيلَتَي أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيخًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُمْ أَهْلَ الْبَيتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾.
﴿قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَال كَذَلِكَ قَال رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيئًا (٩)﴾ هذا تعجب من زكريا ﵇ حين أجيب إلى ما سأل وبشر بالولد، ففرح فرحًا شديدًا، وسأل عن كيفية ما يولد له، والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع [١]- أن امرأته عاقر لا تلد من أول عمرها مع كبرها، ومع [٢] أنه قد كبر وعتا، أي: عَسَا عظمه ونحُل، ولم يبق فيه لقاح ولا جماع.
والعرب تقول للعود إذا يبس: عتا يعتو عتيًّا وعتوًّا، وعسي يعسو عسوًّا وعسيًّا.
وقال مجاهد (٢٠): ﴿عتيًّا﴾ بمعني نحول العظم.
وقال ابن عباس (٢١) وغيره: ﴿عتيًّا﴾ يعني الكبر.
والظاهر أنَّه اخصّ من الكبر.
وقال ابن جرير (٢٢): حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، في عكرمة، عن ابن عباس قال: لقد علمت السنة كلها، غير أني لا أدري أكان رسول الله، ﷺ، يقرأ في الظهر والعصر أم لا، ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف: ﴿وقد بلغت من الكبر عتيًّا﴾ أو عسيًّا.
ورواه الإمام أحمد (٢٣) عن سريج [٣] بن النعمان.
وأبو داود عن زياد بن أيوب، كلاهما عن هشيم، به.
﴿قال﴾ أي الملك مجيبًا لزكريا عما استعجب منه ﴿كذلك قال ربك هو عليّ هين﴾ أي: إيجاد الولد منك و [١] من زوجتك هذه لا من غيرها ﴿هين﴾ أي: يسير سهل علي الله.
ثم ذكر له ما هو أعجب [] [٢] مما سأل عنه، فقال: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيئًا﴾ كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيئًا مَذْكُورًا (١)﴾ ﴿قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن زكريا ﵇ أنه ﴿قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي: علامة ودليلًا علي وجود ما وعدتني، لتستقر نفسي، ويطمئن قلبي بما وعدتني، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، ﴿قال آيتك﴾ أي: علامتك ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾، أي: إن تحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليال، وأنت صحيح سوى من غير مرض ولا علة.
قال ابن عباس ومجاهد، وعكرمة ووهب، والسدي، وقتادة (٢٤)، وغير واحد: اعتقل لسانه من غير مرض.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٢٥): كان يقرأ ويسبح، ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة.
وقال العوفي عن ابن عباس (٢٦): ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ أي: متتابعات.
والقول الأول عنه، وعن الجمهور أصحّ، كما قال تعالى في آل عمران: ﴿قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ [٣] بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾.
وقال مالك عن زيد بن أسلم (٢٧): ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ من غير خرس.
وهذا دليل علي أنه لم يكن [١]، يكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها ﴿إلا رَمزًا﴾ أي: إشارة؛ ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ أي: الذي بشر فيه بالولد ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ﴾ أي: أشار إشارة خفية سريعة ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أي: موافقة له [] [٢] فيما أمر به [٣] في هذه الأيام الثلاثة، زيادة علي أعماله و [٤] شكرًا لله علي ما أولاه.
قال مجاهد: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ﴾ أي: أشار.
وبه قال وهب (٢٨)، وقتادة (٢٩).
وقال مجاهد (٣٠) في رواية عنه: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ﴾ أي: كتب لهم في الأرض.
وكذا قال السدي (٣١).
﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَ كَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ وهذا أيضًا تضمن محذوفًا تقدمه: أنه وجد هذا الغلام [٥]، المبشر به، وهو: يحيي ﵇، وأن الله علمه الكتاب، وهو التوراة التي كانوا يتدارسونها بينهم، ويحكم بها النبيون الله أسلموا للذين هادوا، والربانيون والأحبار، وقد كان سنه إذ ذاك صغيرًا، فلهذا نوه بذكره، وبما أنعم به [٦] عليه وعلي والديه، فقال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾، أي [١]-: تعلم الكتاب ﴿بقوة﴾، أي: بجد، وحرص، واجتهاد ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي: الفهم والعلم، والجد والعؤم، والإِقبال علي الخير، والإِكباب عليه، والاجتهاد فيه، وهو صغير حدث.
قال عبد الله بن المبارك: قال معمر (٣٢): قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب.
قال: ما للعب خلقنا [٢].
قال فلهذا أنزل الله: ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾.
وقوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس (٣٣): ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ يقول: ورحمة من عندنا.
وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك (٣٤).
وزاد: لا يقدر عليها غيرنا.
وزاد قتادة (٣٥): رحم بها زكريا.
و [٣] قال مجاهد (٣٦): ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾: وتعطفًا من ربه عليه.
وقال عكرمة (٣٧): ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [قال: محبة عليه.
وقال ابن زيد (٣٨): أما الحنان فالمحبة.
وقال عطاء بن أبي رباح (٣٩) ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾] [٤] قال: تعظيمًا من لدنا.
وقال ابن جريج (٤٠) [٥]: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة عن ابن عباس قال: لا والله، لا [٦] أدري ما ﴿حَنَانًا﴾.
وقال ابن جرير (٤١): حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور، سألت سعيد بن جبير، عن قوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ فقال: سألت عنها ابن عباس فلم يُحر (*) [١]- فيها شيئًا، والظاهر من هذا السياق أن: ﴿وَحَنَانًا﴾ معطوف علي قوله: ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي [٢]: وآتيناه الحكم وحنانًا، وزكاة، أي: وجعلناه ذا حنان وزكاة.
فالحنان: هو المحبة في شفقة وميل، كما تقول العرب: حنت الناقة علي ولدها، وحنت المرأة علي زوجها، ومنه سميت المرأة حَنّة من الحَنَّة، وحنَّ الرجلُ إلي وطنِه، ومنه التعطُّف والرحمة.
كما قال الشاعر: تَحَنّنْ [٣] عَلَيّ هَدَاكَ الملَيكُ … فإن لكُلّ مقام مقالا وفي المسند للإِمام أحمد (٤٢) عن أنس ﵁ أن رسول الله، ﷺ، قال: "يبقي رجل في النار ينادي ألف سنة: ياحنان يامنان".
وقد يثني، ومنهم من يجعل ما ورد من ذلك لغة بذاتها.
كما قال طرفة.
أبا منذرٍ أَفْنَيتَ فَاسْتَبْق بَعْضَنَا … حَنَانَيكَ [٤] بَعْض الشَّرِّ أَهْوَنُ من بَعض وقوله: ﴿وَزَكَاةً﴾ معطوف على ﴿وَحَنَانًا﴾، فالزكاة الطهارة من الدنس والآثام والذنوب.
وقال قتادة: الزكاة العمل الصالح.
وقال الضحاك، وابن جريج: العمل الصالح الزكي.
وقال العوفي عن ابن عباس (٤٣): ﴿وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾: طهر فلم يعمل بذنب.
وقوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى، عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما، ومجانبته عقوقهما قولًا وفعلًا [أمرًا] [١]، ونهيًا؛ ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له علي ذلك: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أي: له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال.
وقال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد، فيري نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيري قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيري نفسه في محشر عظيم.
قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا، فخصه بالسلام عليه، فقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾.
رواه ابن جرير (٤٤) عن أحمد بن منصور المروزي [٢] عن صدقة بن الفضل عنه.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة (٤٥) في قوله: ﴿جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ قال: كان ابن المسيب يذكر قال: قال النبي، ﷺ: "مما من أحد يلقي الله يوم القيامة إلا ذا ذنب، إلا يحيى بن زكريا".
قال قتادة (٤٦) [عن الحسن قال: قال النبي، ﷺ: "] (*) ما أذنب ولا هَمَّ بامرأة [٣].
مرسل.
وقال محمد بن إسحاق (٤٧): عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: حدثني ابن العاص، أنه سمع رسول الله، ﷺ، [] [٤] قال: "كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب، إلا ما كان من يحيى بن زكريا".
ابن إسحاق هذا مدلس، وقد عنعن هذا الحديث، فالله أعلم.
وقال الإمام أحمد (٤٨): حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أن رسول الله، ﷺ، قال: "ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ، أو هَمَّ بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى".
وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن علي بن زيد بن جدعان له منكرات كثيرة، والله أعلم.
وقال سعيد بن أبي عروبة [١]، عن قتادة: أن الحسن [٢] (٤٩) قال: إن يحيي وعيسي ﵉ التقيا، فقال له عيسى: استغفر لي أنت خير مني.
فقال له الآخر: استغفر لي فأنت خير مني.
فقال له عيسى: أنت خير مني؛ سلمت علي نفسي وسلم الله عليك.
فعُرِفَ والله فضلهما [٣].
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا (١٧) قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَال كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾ لما ذكر تعالى قصة زكريا ﵇ وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم زوجته ولدًا زكيًّا طاهرًا مباركًا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى ﵉ منها من غير أب، فإن بين القصتين [١]- مناسبة ومشابهة، ولهذا ذكرهما في آل عمران وهاهنا، وفي سورة الأنبياء يقرن بين القصتين [٢]؛ لتقارب ما بينهما في المعنى؛ ليدل عباده علي قدرته وعظمة سلطانه، وأنه علي ما يشاء قادر، فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ وهي: مريم بنت عمران، من سلالة داود ﵇ وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل، وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمّها لها في سورة [٣] آل عمران، وأنها نذرتها [٤] محررة، أي: تخدم مسجد [٥] بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلك [٦] ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة، فكانت إحدي العابدات الناسكات، المشهورات بالعبادة العظيمة، والتبتل والدءوب، وكانت في كفالة زوج أختها -وقيل: خالتها- زكريا، نبي بني إسرائيل إذ ذاك، وعظيمهم الذي يرجعون إليه في دينهم، ورأي لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره؛ ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ فذكر أنه كان يجد عندها ثمر [٧] الشتاء في الصيف، وثمر [٨] الصيف في الشتاء، كما تقدم بيانه [٩] في سورة [١٠] آل عمران، فلمّا أراد الله تعالى -وله الحكمة والحجة البالغة- أن ورجد منها عبده ورسوله عيسى ﵇ أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ أي: اعتزلتهم وتنحت عنهم، وذهبت إلي شرق [١١] المسجد المقدس.
قال السدي: لحيض أصابها.
وقيل: لغير ذلك، قال أبو كدينة عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس (٥٠) قال: إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلي البيت والحج إليه، وما صرفهم عنه إلا قيل ربك: ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ قال: خرجت مريم مكانًا شرقيًّا، فصلوا قبل مطلع الشمس.
رواه ابن أبي (٥١) حاتم، وابن جرير (٥٢).
وقال ابن جرير (٥٣) أيضًا: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، عن ابن عباس قال: إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة؛ لقول الله تعالى: ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ واتخذوا ميلاد عيسى قبلة.
وقال قتادة (٥٤): ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ شاسعًا متنحيًا.
وقال محمد بن إسحاق: ذهبت بقلتها [تستقي من] [١] الماء.
وقال نوف البكالي: اتخذت لها منزلًا تتعبد فيه، فالله أعلم.
وقوله: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ أي: استترت منهم وتوارت، فأرسل الله تعالى إليها جبريل ﵇ ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا﴾ أي: علي صورة إنسان تام كامل.
قال مجاهد، والضحاك، وقتادة (٥٥)، وابن جريج (٥٦)، ووهب بن منبه (٥٧)، والسدي (٥٨) في قوله [٢]: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ في: جبريل ﵇.
وهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن؛ فإنه تعالى قد قال في الآية الأخرى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَي قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب (٥٩) قال: إن روح عيسى ﵇ من جملة الأرواح التي أخذ عليها العهد في زمان آدم- ﵇ وهو الذي تمثل لها بشرًا سويًّا.
أي: روح عيسى، فحملت الذي خاطبها، وحَلَّ في [١]، فيها.
وهذا في غاية الغرابة والنكارة، وكأنه إسرائيلي.
﴿قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أي: لما تبدى لها الملك في صورة بشر، وهي [٢] في مكان منفرد، وبينها ولن قومها حجاب خافته، وظنت أنه يريدها علي نفسها، فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أي: إن كنت تخاف الله، تذكيرًا له بالله، وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل، فخوفته أولًا بالله ﷿.
قال ابن جرير: حدثني أبو كريب، حدثنا أبو بكر عن عاصم قال: قال أبو وائل (٦٠) - وذكر قصة مريم- فقال: قد علمت أن التقي ذو نهية حين قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾.
أي: فقال لها الملك مجيبًا لها ومزيلًا ما حصل عندها من الخوف علي نفسها: لست مما تظنين، ولكني رسول ربك، أي: بعثني الله إليك، ويقال: إنها لما ذكرت الرحمن انتفض جبريل فرقًا، وعاد إلي هيته، وقال: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾.
[هكذا قرأ أبو عمرو بن العلاء أحد مشهوري القراء (*).
وقرأ الآخرون (* * *): ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾] [٣] وكلا القراءتين له وجه حسن ومعنى صحيح، وكل تستلزم الأخرى.
﴿قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ أي [٤]: فتعجبت مريم من هذا، وقالت: كيف يكون لي غلام، أي: على أي صفة يوجد هذا الغلام مني، ولست بذات زوج، ولا يتصور مني الفجور، ولهذا قالت [٥]: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ والبَغِي: هي الزانية، ولهذا جاء في الحديث نهى [٦] عن مهر البغي ﴿قَال كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: فقال لها الملك مجيبًا لها عما سألت: إن الله قد قال: إنه سيوجد منك غلامًا، وإن لم يكن لك بعل، ولا توجد منك فاحشة، فإنه علي ما يشاء قادر، ولهذا قال: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: دلالة وعلامة للناس علي قدرة بارئهم وخالقهم، الذي نوع [١] في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذربة من ذكر وأنثى إلا عيسى، فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية، الدالة على كمال قدرته وعطم سلطانه، فلا إله غيره ولا رب سواه.
وقوله: ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ أي: ونجعل هذا الغلام -رحمة من الله- نبيًّا من الأنبياء، يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده، كما قال تعالى في الآية الآخرى: ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: يدعوا إلى عبادة الله ربه في مهده وكهولته.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم -دُحَيم-[٢] حدثنا مروان، حدثنا العلاء بن الحارث الكوفي، عن مجاهد (٦١) قال: قالت مريم ﵍: كنت إذا خلوت حدثني عيسى، وكلمني وهو في بطني، وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر.
وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ يحتمل أن هذا من [تمام] [٣] كلام جبريل لمريم، يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله تعالى وقدرته ومشيئته، ويحتمل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد [٤]، ﷺ، وأنه كني بهذا عن النفخ في فرجها، كما قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ وقال: ﴿والَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾.
قال محمد بن إسحاق (٦٢): ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي: إن الله قد عزم على هذا فليس منه بد.
واختار هذا [] [٥] ابن جرير في تفسيره، ولم يحك غيره، والله أعلم.
﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالتْ يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ يقول تعالى مخبرًا عن مريم: إنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال، أنها استسلمت لقضاء الله تعالى، فذكر غير واحد من علماء السلف أن الملك وهو جبرائيل ﵇ عند ذلك، نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج، فحملت بالولد بإذن الله تعالى، فلما حملت [به] [١] ضاقت ذرعًا، [به] [٢] ولم تدر ماذا تقول للناس، فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به، غير أنها أفشت سرها [٣]، وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا ﵇، وذلك أن زكريا ﵇ كان قد سأل الله الولد فأجيب إلي ذلك، فحملت امرأته، فدخلت عليها مريم، فقامت إليها فاعتنقتها، وقالت أشعرت يا مريم أني حبلي؟
فقالت لها مريم: وهل علمت أيضًا أني حبلى.
وذكرت لها شأنها، وما كان من خبرها، وكانوا بيت إيمان وتصديق، ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم، تجد الذي في جوفها [٤] يسجد للذي في بطن مريم، أي: يعظمه ويخضع له، فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعًا، كما سجد ليوسف أبواه [٥] وإخوته، وكما أمر الله الملائكة أن تسجد [٦] لآدم ﵇ ولكن حرم في ملتنا هذه؛ تكميلًا لتعظيم جلال الرب ﵎.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين قال: قرئ علي الحارث بن مسكين وأنا أسمع [] [٧] أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم قال: قال مالك ﵀: بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن [٨] زكريا ﵉ ابنا خالة، وكان حملهما جميعًا معًا، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم: إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك.
قال مالك: أرى ذلك لتفضيل عيسى ﵇ لأن الله جعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص.
ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى ﵇ فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر، و [٩] قال عكرمة: ثمانية أشهر قال: ولهذا لا يعيش ولد لثمانية أشهر.
وقال ابن جريج: أخبرني المغيرة [بن عثمان] [١٠]، بن عبد الله الثقفي، سمع ابن عباس، وسئل عن حَبَل [١] مريم؟
قال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت [٢].
وهذا غريب، وكأنه [٣] [أخذه] [٤] من ظاهر قوله تعالى ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ فالفاء وإن كانت للتعقيب، لكن تعقيب كل شيء بحسبه، كقوله [٥] تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ فهذه الفاء للتعقيب بحسبها.
وقد ثبت في الصحيحين (٦٣) أن بين كل صفتين أربعين يومًا، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ فالمشهور الظاهر -والله علي كل شيء قدير-: أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن؛ ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل، عليها [٦] وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها، يخدم معها البيت المقدس، يقال له: يوسف النجار، فلما رأى ثقل بطها وكبره، أنكر ذلك من أمرها، ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها، ودينها وعبادتها، ثم تأمّل ما هي فيه، فجعل أمرها يجوس في فكره، لا يستطع صرفه عن نفسه، فحمل نفسه علي أن عَرضَ لها في القول، فقال: يا مريم، إني سائلك عن أمر فلا تعجلي علي.
قالت: وما هو؟
قال: هل يكون قط شجر من غير حب، وهل يكون زرع من غير بذر، وهل يكون ولد من غير أب؟
فقالت: نعم -وفَهِمَتْ ما أشار إليه- أما [٧] قولك: هل يكون شجر من غير حب، وزرع من غير بذر: فإن الله قد [٨] خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب، ولا بذر، و [هل خلقٌ يكون] [٩] من غير أب: فإن الله تعالى قد خلق آدم من غير أب ولا أم.
فصدقها وسلم لها حالها.
ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة، انتبذت منهم (مكانًا قصيًّا)، أي: قاصيًا منهم بعيدًا عنهم؛ لئلا تراهم ولا يروها.
قال محمد بن إسحاق: فلما حملت به، وملأت قلتها ووجعت، استمسك عنها الدم، وأصابها ما يصيب الحامل على الولد؛ من الوصب (*) والتوحم [١] وتغير اللون، حتى فطر لسانها، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا، وشاع الحديث في بني إسرائيل، فقالوا: إنما صاحبها يوسف، ولم يكن معها [٢] في الكنيسة غيره، وتوارت من الناس، واتخذت من دونهم حجابًا، فلا يراها أحد ولا تراه.
وقوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [أي: فاضطرها وألجأها الطلق إلي جذع النخلة] [٣] [وهي] [٤] نخلة في المكان الذي تنَحَّتْ إليه.
وقد اختلفوا فيه، فقال السدي [٥] (٦٤): كان شرقيَّ محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس.
وقال وهب بن منبه (٦٥): ذهبت هاربة، فلما كانت بين الشام، وبلاد مصر ضربها الطلق.
وفي رواية عن وهب (٦٦) كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس، في قرية هناك يقال لها "بيت لحم".
قلت: وقد تقدم في أحاديث الإسراء، من رواية النسائي عن أنس (٦٧) - رضي الله عنه- والبيهقي عن شداد بن أوس (٦٨) ﵁ أن ذلك ببيت لحم، فالله أعلم.
وهذا هو المشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض، ولا تشك فيه النصارى: أنه ببيت لحم، وقد [١] تلقاه الناس، وقد ورد به الحديث إن صح.
وقوله تعالى إخبارًا عنها: ﴿قَالتْ يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ - فيه دليل علي جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلي وتمتحن بهذا المولود، الذي لا يحمل الناس أمرها فيه علي السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة، تصبح عندهم -فيما يظنون- عاهرة زانية، فقالت: ﴿يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ أي: قبل هذا الحال ﷺ أي: لم أخلق ولم أك شيئًا.
قاله ابن عباس (٦٩).
وقال السدي (٧٠): قالت وهي تطلق من الحبَل استحياء من الناس: ياليتني مت قبل هذا الكرب، الذي أنا فيه، والحزن بولادتي المولود من غير بعل.
﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ نُسي فترك طلبه، كخرق الحيض التي [٢] إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر [٣].
وكذلك [٤] كل شيء نسى وترك فهو نَسْيٌ.
وقال قتادة: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ أي: شيئًا لا يعرف [٥] ولا يذكر ولا يدرى من أنا.
وقال الربيع بن أنس (٧١): ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾: وهو السقط.
وقال ابن زيد (٧٢): لم أكن شيئًا قط.
وقد قدمنا الأحاديث الدالة علي النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة، عند قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ قرأ بعضهم (*): (مَن تَحتَها) بمعنى الذي تحتها.
وقرأ آخرون: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ على أنه حرف جر.
واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟
فقال العوفي وغيره عن ابن عباس (٧٣): ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها.
وكذا قال سعيد بن جبير (٧٤) والضحاك (٧٥)، وعمرو بن ميمون (٧٦) والسدي (٧٧) وقتادة (٧٨): إنه الملك جبريل ﵊، أي: ناداها من أسفل الوادي.
وقال مجاهد (٧٩): ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: عيسى ابن مريم.
وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة (٨٠) قال: قال الحسن (٨١): هو ابنها.
وهو إحدى الروايتين عن سعيد بن جبير (٨٢) أنه ابنها، قال: أو لم تسمع الله يقول: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ﴾؟
واختاره ابن زيد وابن جرير في تفسيره.
وقوله: ﴿أَن لا تَحْزَنِي﴾ أي: ناداها قائلًا: لا تحزني.
﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [قال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب (٨٣): ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾] [١] قال: الجدول.
وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٨٤): السريُّ: النهر.
وبه قال عمرو بن ميمون (٨٥): نهر تشرب منه.
وقال مجاهد (٨٦): هو النهر بالسريانية.
وقال سعيد بن جبير (٨٧): السري: النهر الصغير بالنبطية.
وقال الضحاك (٨٨): هو النهر الصغير بالسريانية.
وقال إبراهيم النخعي (٨٩): هو النهر الصغير.
وقال قتادة (٩٠): هو الجدول بلغة أهل الحجاز.
وقال [وهب بن منبه] [٢] (٩١): السري هو ربيع الماء.
وقال السدي (٩٢): هو النهر.
واختار هذا القول ابن جرير، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع؛ فقال الطبراني (٩٣): حدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي [١]، حدثنا أيوب بن نهيك، سمعت عكرمة مولى ابن عباس، [يقول] [٢]: [سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ] [٣] يقول: "إن السري الذي قال الله لمريم: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ نهر أخرجه الله لتشرب [٤] منه".
وهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه، وأيوب بن نهيك هذا هو الحلبي [٥]، قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف.
وقال أبو زرعة: منكر الحديث.
وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث.
وقال آخرون: المراد بالسري عيسى ﵇ ربه قال الحسن والربيع بن أنس ومحمد بن عباد بن جعفر، وهو إحدى الروايتين عن قتادة (٩٤)، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٩٥)، والقول الأول أظهر؛ ولهذا قال بعده: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أي: وخذي إليك بجذع النخلة، قيل: كانت يابسة.
قاله ابن عباس (٩٦).
وقيل: مثمرة.
قال مجاهد (٩٧): كانت عجوة.
وقال الثوري عن أبي داود [٦] نفيع الأعمى: كانت صرفانة (*) [٧].
والظاهر أنها كانت شجرة، ولكن لم [تكن في إبان] [٨] ثمرها، قاله وهب ابن منبه، ولهذا امتن عليها بذلك، أن [١] جعل عندها طعامًا وشرابًا فقال: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا﴾ أي: طيبي نفسًا، ولهذا قال عمرو [٢] بن ميمون (٩٨): ما من شيء خير للنفساء [٣] من التمر والرطب.
و [٤] تلا هذه الآية الكريمة.
و [٥] قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا شيبان، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن عروة بن رويم، عن علي بن أبي طالب (٩٩) قال: قال رسول الله ﷺ: "أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم ﵇، وليس من الشجر شيء يلقح غيرها".
وقال رسول الله ﷺ: "أطعموا نساءكم الولّدَ: الرُّطَبَ، فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجر [٦] شجرة أكرم علي الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران".
هذا حديث منكر جدًّا، ورواه أبو يعلى (١٠٠) عن شيبان، به.
وقرأ بعضهم (*) [قوله] [٧]: ﴿تُسَاقِطْ﴾ بتشديد السين، وآخرون بتخفيفها (**)، وقرأ أبو نهيك: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ وروى أبو إسحاق عن البراء أنه قرأها: ﴿يسّاقط [٨]﴾ أي: الجذع.
والكل متقارب.
وقوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ أي: مهما رأيت من أحد ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لأن المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾.
قال أنس بن مالك (١٠١) في قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي [١]: صمتًا.
وكذا قال ابن عباس (١٠٢) والضحاك (١٠٣)، وفي رواية عن أنس (١٠٤): صومًا وصمتًا، وكذا قال قتادة وغيرهما.
والمراد: أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام، نص على ذلك السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد (١٠٥).
قال [أبو إسحاق] [٢]، عن حارثة [٣] قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟
قال أصحابه: حلف ألا يكلم الناس اليوم.
فقال عبد الله بن مسعود: كلم الناس وَسلِّم عليهم، فإنما تلك امرأة علمت أن أحدًا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج -يعني لذلك: مريم ﵍ ليكون عذرًا لها إذا سئلت.
رواه ابن أبي حاتم (١٠٦) وابن جرير (١٠٧) رحمهما الله.
وقال عبد الرحمن بن زيد (١٠٨): لما قال عيسى لمريم: ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج ولا مملوكة، أي شيء عذري عند الناس؟
﴿يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ قال: هذا كله من كلام عيسى لأمه.
وكذا قال وهب (١٠٩).
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك، وألّا تكلم أحدًا من البشر، فإنها ستكفى أمرها، ويقام بحجتها، فسلمت لأمر الله ﷿، واستسلمت لقضائه، وأخذت [١] ولدها ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ فلما رأوها كذلك أعظموا [٢] أمرها، واستنكروه جدًّا، و ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا﴾ أي: أمرًا عظيمًا.
قاله مجاهد (١١٠) وقتادة (١١١) والسدي (١١٢) وغير واحد.
وقال ابن أبي حاتم (١١٣): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن [] [٣] سليمان، حدثنا أبو عمران الجوني، عن نوف البكالي، قال: وخرج قومها في طلبها.
وكانت من أهل بيت نبوة وشرف، فلم يحسوا منها شيئًا، فرأوا [٤] راعي بقر، فقالوا: أرأيت فتاة كذا وكذا نعتها [٥].
قال: لا، ولكني رأيت الليلة من بقري ما لم أره منها قط.
قالوا: وما رأيت؟
قال: رأيتها الليلة [١]، سُجَّدًا [٢] نحو هذا الوادي.
قال عبد الله بن زياد: وأحفظ عن سيار أنه قال: رأيت نورًا ساطعًا.
فتوجهوا حيث قال لهم، فاستقبلتهم مريم، فلما رأتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها، فجاءوا حتى قاموا عليها وقالوا: ﴿يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا﴾ أمرًا عظيمًا ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ أي: [يا] [٣] شبيهة هارون في العبادة ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ أي: أنت من بيت طيب طاهر، معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟.
قال علي بن أبي طلحة والسدي (١١٤): قيل لها: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ أي: أخي موسى، وكانت من قبيلته [٤]، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر.
وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون، فكانت تتأسى [٥]، به في الزهادة والعبادة.
وحكى ابن جرير (١١٥) عن بعضهم أنهم شبهوها برجل فاجرٍ كان فيهم، يقال له هارون.
ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير (١١٦) وأغرب من هذا كله؛ ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين الهسمنْجَاني [٦]، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا المفضل [٧] بن فضالة، حدثنا أبو صخر، عن القرظي في قول الله ﷿: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ قال: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصت أثر موسى ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
وهذا القول خطأ محض؛ فإن الله تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفى بعيسى بعد الرسل، فدل على أنه آخر الأنبياء بعثًا، وليس بعده إلا محمد، صلوات الله وسلامه عليهما [٨]، ولهذا ثبت في [الصحيح عند] [٩] البخاري عن أبي هريرة (١١٧) ﵁ عن رسول الله، ﷺ، أنه قال: "أنا" [١] أولى الناس بابن مريم [] [٢] إلا [٣] أنه ليس بيني وبينه نبي".
ولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي، لم يكن متأخرًا عن الرسل سوى محمد، ولكان قبل سليمان وداود؛ فإن الله قد ذكر أن داود بعد موسى ﵉ في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فذكر [٤] القصة إلى أن قال: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ … ﴾ الآية.
والذي جَرَّأ [٥] القرظي على هذه المقالة ما في التوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر، وإغراق فرعون وقومه، قال: وكانت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين [٦]-تضرب بالدفّ هي والنساء معها، يسبحن الله ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل، فاعتقد القرظي أن هذه هي أم عيسى، وهي [٧] هفوة وغلطة شديدة، بل هي باسم هذه، وقد كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، كما [٨] قال الإمام أحمد (١١٨): حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت أبي يذكر [٩]، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله، ﷺ، إلى نجران، فقالوا: أرأيت [١٠] ما تقرءون [١١] ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟
قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله، ﷺ، فقال: "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم".
انفرد بإخراجه مسلم (١١٩) والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن سماك به.
وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس.
وقال ابن جرير (١٢٠): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن كعبًا قال: إن قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ ليس بهارون أخي موسى.
قال: فقالت له عائشة: كذبت.
قال: يا أم المؤمنين، إن كان النبي، ﷺ، قاله فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة.
قال: فسكتت.
وفي هذا التاريخ نظر.
وقال ابن جرير (١٢١) أيضًا: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾.
قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح، ولا يعرفون بالفساد، [ومن الناس من يعرفون بالصلاح] [١] ويتوالدون به، [وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون به] [٢]، وكان هارون مصلحًا محببًا في عشيرته، وليس بهارون أخي موسى، ولكنه هارون آخر.
قال: وذكر لنا أنه [٣] شيع جنازته يوم مات أربعون ألفًا، كلهم يسمى [٤] هارون من بني إسرائيل.
وقوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ أي: إنهم لما استرابوا في أمرها، واستنكروا [٥] قضيتها، وقالوا لها ما قالوا، معرضين بقذفها، ورميها بالفرية، وقد كانت يومها ذلك صائمة صامتة، فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا متهكمين بها، ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم: ﴿كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾.
[قال ميمون بن مهران (١٢٢): ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ﴾ قالت: كلِّموه.
فقالوا: على ما جاءت به من الداهية تأمرنا أن نكلم من كان في المهد صبيًّا!] [٦] وقال السدي (١٢٣): لما أشارت إليه غضبوا، وقالوا: لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها.
﴿قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ أي: مَنْ هو موجود في مهده، في حال صباه وصغره، كيف يتكلم؟
﴿قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى، وبرأ الله عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه.
وقوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ تبوئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة، قال نوف البكالي (١٢٤): لما قالوا لأمه ما قالوا كان يرتضع ثديه، فنزع الثدي من فمه، واتكأ على جنبه الأيسر، وقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾.
وقال حماد بن سلمة، عن ثابت البناني: رفع أصبعه السبابة فوق منكبه، وهو يقول] [١]: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ الآية.
وقال عكرمة (١٢٥): ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ أي: قضى أن [٢] يؤتنى الكتاب فيما مضى [٣].
وقال ابن أبي حاتم (١٢٦): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا يحيى بن سعيد-[هو العطار] [٤]- عن عبد العزيز بن زياد، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان عيسى ابن مريم قد درس الإِنجيل وأحكمه [٥] وهو [٦] في بطن أمه، فذلك قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾.
يحيى بن سعيد العطار الحمصي، متروك.
وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ﴾ قال مجاهد (١٢٧)، وعمرو [٧] بن قيس، والثوري (١٢٨): وجعلني معلمًا للخير.
وفي رواية عن مجاهد (١٢٩): نفاعًا.
وقال ابن جرير (١٣٠): حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن يزيد بن خُنيس [١] المخزومي، سمعت وهيب بن الوَرْد مولى بني مخزوم قال [٢]: لقي عالم عالمًا هو فوقه في العلم، فقال له: يرحمك الله!
ما الذي أعلن من عملي؟
قال: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإنه دين الله الذي بعث به [٣] أنبياء إلى عباده، وقد أجمع الفقهاء على قول الله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ﴾ وقيل: ما بركته [٤]؟
قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان.
وقوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ كقوله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ وقال عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس في قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ قال: أخبره ما [٥] هو كائن من أمره إلى أن يموت.
ما أبيَّنها لأهل القدر!.
وقوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ أي: و [٦] أمرني ببر والدتي، ذكره بعد طاعة الله ربه، لأن الله تعالى كثيرًا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ وقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ أي: ولم يجعلني جبارًا مستكبرًا عن عبادته وطاعته، وبر والدتي، فأشقى بذلك.
قال [٧] سفيان الثوري (١٣١): الجبار الشقي: [] [٨] الذي يقبل على الغضب [٩].
وقال بعض السلف: لا تجد أحدًا عاقًّا لوالديه إلا وجدته جبارًا شقيًّا ثم قرأ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾، قال: ولا تجد سيئ [١] الملكة إلا وجدته مختالًا فخورًا، [ثم قرأ: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [٢].
وقال قتادة (١٣٢): ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، في آيات سلطه الله عليهن، وأذن له فيهن، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك [٣]، [وطوبى للثدي] [٤] الذي أرضعت به.
فقال نبي الله عيسى ﵇ مجيبها [٥]: طوبى لمن تلا كتاب [٦] الله، فاتبع ما فيه ولم يكن جبارًا شقيًّا.
وقوله: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ إثبات منه لعبوديته لله ﷿، وأنه مخلوق من خلق الله، يحيى ويموت، ويبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي [٧] هي أشق ما يكون على العباد، صلوات الله وسلامه عليه.
﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾ يقول تعالى لرسوله محمد -صلوات الله وسلامه عليه-: ذلك الذي قصصنا عليك من خبر عيسى ﵇ ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي: يختلف المبطلون والمحقون ممن آمن به وكفر به: ولهذا قرأ الأكثرون (*) ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ برفع قول، وقرأ عاصم وعبد الله بن عامر ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾.
وعن ابن مسعود أنه قرأ: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾.
والرفع أظهر إعرابًا، ويشهد له قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ولما ذكر تعالى أنه خلفه عبدًا نبيًّا، نزّه نفسه المقدسة وقال [١]: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ أي: عما يقول هؤلاء الجاهلون الظالمون [٢] المعتدون علوا كبيرًا ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: إذا أراد شيئًا فإنما يأمر به فيصير كما يشاء، كما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: ومما أمر به عيسى قومه وهو [٣] في مهده [٤]، أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربه وربهم، وأمرهم بعبادته، فقال: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم، أي: قويم، من اتبعه رشد وهدي، ومن خالفه ضل وغوى.
وقوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ﴾ أي: اختلفت [٥] أقوال أهل الكتاب في عيسى، بعد بيان أمره ووضوح حاله، وأنه عبده ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فصممت طائفة [] [٦]-وهم جمهور اليهود عليهم لعائن الله!
- على أنه ولد زنية، وقالوا: كلامه هذا سحر.
وقالت طائفة أخرى: إنما تكلم الله.
وقال آخرون: هو ابن الله، وقال آخرون: ثالث ثلاثة.
وقال آخرون: بل هو عبد الله ورسوله.
وهذا هو [٧] قول الحق، الذي أرشد الله إليه المؤمنين، وقد روي [نحو هذا] عن عمرو بن ميمون، وابن جريج، وقتادة (١٣٣)، وغير واحد من السلف والخلف.
قال عبد الرزاق (١٣٤): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قال: اجتمع بنو إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم [٨] عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء -وهم اليعقوبيّة- فقال الثلاثة: كذبت.
ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه.
قال: هو ابن الله -وهم النسطورية- فقال الاثنان: كذبت.
ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه.
قال: هو ثالث ثلاثة؛ الله إله، وهو إله، وأمه إله [١]-وهم الإِسرائيلية ملوك النصارى عليهم لعائن الله!
- قال الرابع: كذبت، بل [٢] هو عبد الله ورسوله، وروحه وكلمته -وهم المسلمون- فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا، فاقتتلوا فظهر على المسلمين، فذلك قول الله تعالى ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾.
وقال قتادة (١٣٥): وهم الذين قال الله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ﴾ قال: اختلفوا فيه فصاروا أحزابًا.
وقد روى ابن أبي حاتم (١٣٦) عن ابن عباس، وعن عروة بن الزبير، وعن بعض أهل العلم، قريبًا من ذلك.
وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم؛ أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم، فكان جماعة الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفًا، فاختلفوا في عيسى ابن مريم ﵇ اختلافًا متباينًا، فقالت كل شرذمة فيه قولًا، فمائة تقول فيه قولًا، وسبعون تقول فيه قولًا آخر، وخمسون تقول فيه شيئًا آخر، ومائة وستون تقول شيئًا، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاثمائة وثمانية منهم، اتفقوا على قول وصمموا عليه، ومال إليهم [٣] الملك، وكان فيلسوفًا، فقدمهم ونصرهم وطرد من عداهم، فوضعوا له الأمانة الكبيرة، بل هي الخيانة العظيمة، ووضعوا له كتب القوانين، وشرعوا له أشياء، وابتدعوا بدعًا كثيرة، وحرفوا دين المسيح وغيروه، فابتنى حينئذ لهم [٤] الكنائس الكبار في مملكته كلها؛ بلاد الشام، والجزيرة، والروم، فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثنتي عشر ألف كنيسة، وبنت أمه هيلانة قُمَامة على المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي تزعم اليهود والنصارى أنه المسيح، وقد كذبوا، بل رفعه الله إلى السماء.
وقوله: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله، وافترى، وزعم أن له ولدًا، ولكن أنظرهم تعالى إلى يوم القيامة، وأجلهم حلمًا وثقة بقدرته عليهم؛ [فإنه الذي] [٥] لا يعجل على من عصاه، بل كما جاء في الصحيحين (١٣٧): " [إن الله] [٦] ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته".
ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
وفي الصحيحين (١٣٨) أيضًا عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم".
وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: يوم القيامة.
وقد جاء في الحديث الصحيح المتفق على صحته (١٣٩)، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من شهد ألا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله [١] وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنَّة على ما كان من العمل".
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيهَا وَإِلَينَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن الكفار [يوم القيامة] [٢]: إنهم يكونون [٣] أسمَع شيء وأبصره، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾، أي: يقولون ذلك حين لا ينفعهم ولا يجدي عنهم شيئًا، ولو كان هذا قبل معاينة العذاب، لكان نافعًا لهم ومنقذًا من عذاب الله، ولهذا قال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ أي: ما أسمعهم وأبصرهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ يعني: يوم القيامة ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ﴾ أي: في الدنيا ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فحيث يطلب منهم الهدى لا يهتدون، ويكونون مطعين حيث لا ينفعهم ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ أي: أنذر الخلائق يوم الحسرة ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: فصل بين أهل الجنَّة وأهل النار، ودخل كل إلى ما صار إليه مخلدًا فيه ﴿وَهُمْ﴾ أي: اليوم ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ عما أنذروا به [يوم الحسرة والندامة] [١] ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون له.
قال الإِمام أحمد (١٤٠): حدَّثنا محمد بن عبيد، حدَّثنا الأعمَش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله، ﷺ: "إذا دخل أهل الجنَّة الجنَّة وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنَّة والنار، فيقال يا أهل الجنَّة، هل تعرفون هذا؟
قال: فيشرئبون فينظرون [٢] ويقولون: نعم، هذا الموت.
قال: فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟
قال: فيشرئبون فينظرون [٣] ويقولون: نعم، هذا الموت.
قال: فيؤمر [٤] به فيذبح، يل: يهقال: يا أهل الجنَّة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت".
قال: ثم قرأ رسول الله، ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ وأشار بيده.
قال: "أهل الدنيا في غفلة الدنيا".
هكذا رواه الإِمام أحمد، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الأعمش به، ولفظهما قريب من ذلك.
وقد روى هذا الحديث الحسن [٥] بن عرفة، حدثني أسباط بن محمد، عن الأعمَش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (١٤١) مرفوعًا مثله، وفي سنن ابن ماجة وغيره، من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (١٤٢) بنحوه.
وهو في الصحيحين (١٤٣) عن ابن عمر.
ورواه ابن جريج قال: قال ابن عبَّاس (١٤٤): فذكر من قبله نحوه، ورواه أيضًا عن أبيه أنَّه سمع عبيد بن عمير (١٤٥) يقول في قصصه: يؤتى بالموت كأنه دابة، فيذبح ليالناس ينظرون.
وقال سفيان الثَّوري عن سلمة بن كهيل، حدَّثنا أَبو الزعراء [١]، عن عبد الله -هو ابن مسعود (١٤٦) - في قصة ذكرها.
قال: فليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار، وهو هم الحسرة، [فيرى أهل النار البيت الذي كان قد أعده الله لهم لو آمنوا فيقال لهم: لو آمنتم وعملتم صالحا كان لكم هذا الذي ترونه في الجنَّة.
فتأخذهم الحسرة] [٢].
قال: ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال: لولا أن من الله عليكم.
وقال السدي عن زياد، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ قال: إذا دخل أهل الجنَّة الجنَّة، وأهل النار النار، أتي بالموت في صورة كبش أملح، حتَّى يوقف بين الجنَّة والنار، ثم ينادي مناد يا أهل الجنَّة، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في أهل عليين، ولا في أسفل درجة من الجنَّة إلا نظر إليه، ثم ينادى: يا أهل النار، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في ضحضاح من نار، ولا في أسفل درك من جهنم إلا نظر إليه، ثم يذبح بين الجنَّة والنار، ثم ينادى [] [٣]: يا أهل الجنَّة هو الخلود أبد الآبدين، [ويا أهل النار هو الخلود أبد الآبدين] [٤].
فيفرح أهل الجنَّة فرحة لو كان أحد ميتًا من فرح لماتوا [٥]، ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتًا من شهقة لماتوا [١].
فذلك قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ يقول: إذا ذبح الموت رواه ابن أَبي حاتم (١٤٧) في تفسيره، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس (١٤٨) في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ من أسماء يوم القيامة، عظمه الله وحذره عباده.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (١٤٩) في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ قال: يوم القيامة، وقرأ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيهَا وَإِلَينَا يُرْجَعُونَ﴾ يخبر تعالى أنَّه الخالق المالك المتصرف، وأن الخلق كلهم يهلكون، ويبقى هو تعالى وتقدس، ولا أحد يدعي ملكًا ولا تصرفًا، بل هو الوارث لجميع خلقه، الباقي بعدهم، الحاكم فيهم، فلا تظلم نفس شيئًا، ولا جناح بعوضة، ولا مثقال ذرة.
قال ابن أبي حاتم (١٥٠): ذكر هدبة بن خالد القيسي، حدَّثنا حزم بن أبي حزم القطعي [٢]، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن صاحب الكوفة: أما بعد، فإن الله كتب على خلقه حين [٣] خلقهم الموت، فجعل مصيرهم إليه، وقال فيما أنزل من كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه، وأشهد ملائكته على خلقه إنه يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَال لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَويًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ واتله على قومك هؤلاء الذين يعبدون الأصنام، واذكر لهم ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن - الذين هم من ذريته، ويدعون أنَّهم على ملته، وقد [١] كان صديقًا نبيًّا - مع أبيه، كيف نهاه عن عبادة الأصنام، فقال: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا﴾ أي: لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررًا.
﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي﴾ يقول: وإن [٢] كنت من صلبك، وتراني [٣] أصغر منك؛ لأني ولدك، فاعلم أني قد اطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت، ولا اطلعت عليه، ولا جائك بعد ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَويًّا﴾ أي: طريقًا مستقيمًا موصلًا إلى نيل المطوب، والنجاة من المرهوب.
﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ﴾ أي: لا تطعه [٤] في عبادتك هذه الأصنام، فإنه هو الداعي إلى ذلك، والراضي به، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
وقال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إلا شَيطَانًا مَرِيدًا﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ أي: مخالفًا مستكبرًا [٥] عن طاعة ربه، فطرده وأبعده، فلا تتبعه تَصِر مثله.
﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أي: على شركك وعصيانك لما أمرك به ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا﴾: يعني: فلا يكون لك مولى ولا ناصرًا ولا مغيثًا إلَّا إبليس، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء، بل اتباعك له موجب لإِحاطة العذاب بك، كما قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَال أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَال سَلَامٌ عَلَيكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن جواب أبي إبراهيم [لولده إبراهيم] [٦] فيما دعاه إليه أنَّه قال: ﴿قَال أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ يعني: [ن كنت لا] [١] تريد عبادتها ولا ترضاها، فانته عن سبها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك اقتصصت منك وشتمتك وسببتك، وهو قوله: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قاله ابن عبَّاس، والسدي، وابن جريج، والضحاك (١٥١) وغيرهم وقوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (١٥٢)، وعكرمة، وسعيد بن جبير (١٥٣)، ومحمد بن إسحاق (١٥٤): يعني دهرًا [٢].
وقال الحسن البصري (١٥٥): زمانا طويلًا، وقال السدي (١٥٦): ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: أبدًا.
وقال عليّ بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عبَّاس (١٥٧) ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: سويًّا سالمًا، قبل أن تصيبك [٣] مني عقوبة.
وكذا قال الضحاك، وقَتَادة، وعطية الجدلي (١٥٨)، وأَبو [٤] مالك، وغيرهم واختاره ابن جرير.
فعندها قال إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيكَ﴾ كما قال تعالى في صفة المؤمنين [] [٥]: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ ومعنى قول إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيكَ﴾ يعني: اما أنا فلا ينالك مني مكروه، ولا أذى، وذلك لحرمة الأَبوة ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾، أي: ولكن سأسأل الله تعالى فيك [٦] أن يهديك ويغفر ذنبك ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ قال [٧] ابن عبَّاس (١٥٩) وغيره (١٦٠): لطفًا.
أي: في أن هداني لعبادته والإِخلاص له.
وقال قَتَادة ومجاهد (١٦١) وغيرهما ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ قال: عوَّده [١] الإجابة.
وقال السدي (الحفي) الذي يهتم بأمره.
وقد استغفر إبراهيم ﷺ لأبيه مدة طويلة، وبعد أن هاجر إلى الشام وبنى المسجد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق ﵉ في قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ وقد استغفر المسلمون لقراباتهم [٢] وأهلهم من المشركين في ابتداء الإسلام، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك، حتَّى أنزل الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ﴾ الآية.
يعني: إلا في هذا القول فلا تتأسوا به، ثم بين تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك ورجع عنه، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ وقوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أي: أجتنبكم وأتبرأ منكم، ومن آلهتكم التي تعبدونها [من دون الله] [٣] ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ وعسى هذه موجبة لا محالة، فإنه ﵇ سيد الأنبياء بعد محمد ﷺ.
﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾ يقول تعالى: [فلما اعتزل] [٤] الخليل أباه وقومه في الله، أبدله الله من هو خير منهم، وَهْب له إسحاق ويعقوب، يعني ابنه وابن إسحاق، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ وقال: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ ولا [٥] خلاف أن إسحاق والد يعقوب، وهو نص القرآن في سورة البقرة: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَال لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ولهذا إنما ذكر هاهنا إسحاق ويعقوب، أي [١] جعلنا له نسلًا وعقبًا أنبياء، أقر الله بهم عينه في حياته، ولهذا قال: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ فلو لم يكن يعقوب قد [٢] نبئ في حياة إبراهيم، لما اقتصر عليه، ولذكر [٣] ولده يوسف، فإنه نبي أيضًا، كما قال رسول الله ﷺ في الحديث المتفق على صحته (١٦٢)، حين سئل عن خير الناس، فقال: "يوسف نبي الله، ابن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق نبي الله، ابن إبراهيم خليل الله" وفي [٤] اللفظ الآخر: "إن الكريم ابنَ الكريم ابنِ الكريم ابنِ الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" (١٦٣) وقوله: (﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس (١٦٤): يعني الثناء الحسن.
وكذا قال السدي ومالك بن أَنس.
وقال ابن جرير (١٦٥): إنما قال: ﴿عَلِيًّا﴾ لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ لما ذكر تعالى إبراهيم الخليل وأثنى عليه، عطف بذكر الكليم، فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ قرأ بعضهم (*): بكسر اللام من الإِخلاص في العبادة.
قال الثَّوري عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي لبابة [١] قال: قال الحواريون: يا روح الله، أخبرنا عن المخلص لله.
قال: الذي يعمل لله، لا، يحب أن يحمده الناس.
وقرأ الآخرون بفتحها بمعنى أنَّه كان مصطفى، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾.
﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ جمع الله [٢] له بين الوصفين، فإنه كان من المرسلين الكبار أولي العزم الخمسة، وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر الأنبياء [٣] أجمعين.
وقوله: ﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ أي: الجبل ﴿الْأَيمَنِ﴾ أي: من جانبه الأيمن من موسى، حين ذهب [٤] يبتغي من تلك [٥] النار جذوة، رآها تلوح فقصدها، فوجدها في جانب الطور الأيمن منه، عند شاطئ الوادي، فكلمه الله تعالى، ناداه وقربه وناجاه.
قال ابن جرير (١٦٦): حدَّثنا ابن بشار [٦]، حدَّثنا يحيى -هو القطان-، حدَّثنا سفيان، عن عطاء بن السائب [٧] عن سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، قال [٨] أدنى حتَّى سمع صرف القلم.
وهكذا قال مجاهد (١٦٧) وأَبو العالية (١٦٨).
وغيرهم (١٦٩).
يعنون صريف القلم بكتابة التوراة.
وقال السدي (١٧٠): ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أدخل في السماء فكلم.
وعن مجاهد (١٧١) نحوه.
و [١] قال عبد الرزاق عن معمر عن قَتَادة (١٧٢): ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [٢]: نجا بصدقه.
وقال ابن أبي حاتم (١٧٣): حدَّثنا عبد الجبار بن عاصم، حدَّثنا محمد بن سلمة الحراني، عن أبي الواصل، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن [معد يكرب] [٣] قال: لما قرَّب الله موسى نجيًّا بطور سيناء، قال: يا موسى، إذا خلقت لك قلبًا شاكرًا، ولسانا ذاكرًا، وزوجة تعين على الخير، فلم أخزن [٤] عنك من الخير شيئًا، ومن أخزن [٥] عنه هذا فلم أفتح له من الخير شيئًا.
وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ أي: وأجبنا سؤاله وشفاعته في [٦] أخيه، فجعلناه نبيًّا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [] [٧]، وقال [٨]: ﴿قَال قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ وقال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾؛ ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا، أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيًّا، قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾.
قال ابن جرير (١٧٤): حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود،.
عن عكرمة قال: قال ابن عباس قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ قال: كان هارون أكبرَ من موسى ولكن أراد وهب له نبوته.
وقد ذكره ابن أبي حاتم (١٧٥) معلقًا عن يعقوب، وهو ابن إبراهيم الدورقي به.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾ هذا ثناء من الله تعالى على إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ وهو والد عرب الحجاز كلهم، بأنه ﴿كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾.
قال ابن جريج (١٧٦): لم يعد ربه عدة إلا أنجزها.
يعني: ما التزم عبادة قط بنذر إلا قام بها ووفاها حقها.
وقال ابن جرير (١٧٧): حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن سهل بن عقيل حدثه أن إسماعيل النبي ﵇ وعد رجلا مكانًا أن يأتيه، فجاء ونسي الرجل، فظل به إسماعيل، وبات حتى جاء الرجل من الغد، فقال: ما برحت من هاهنا؟
قال: لا.
قال: إني نسيت.
قال: لم أكن لأبرح حتى تأتيني.
فلذلك: ﴿كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾.
وقال سفيان الثوري: بلغني أنه أقام في ذلك المكان ينتظره حولًا حتى جاءه.
وقال [ابن شوذب]: بلغني أنه اتخذ ذلك الموضع سكنًا.
وقد روى أبو داود (١٧٨) في سننه، وأبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي في كتابه "مكارم الأخلاق" من طريق إبراهيم بن طهمان عن [بديل بن ميسرة] [١]، [] [٢] عن عبد الكريم -يعني: ابن عبد الله بن شقيق- عن أبيه، عن عبد الله بن أبي الحمساء قال: "بايعت رسول الله، ﷺ، قبل أن يبعث، فبقيت له عليَّ بقية، فوعدته [٣] أن آتيه بها في مكانه ذلك، قال: فنسيت [٤] يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه ذلك، فقال لي: "يا فتى، لقد شققت عليَّ، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك".
لفظ الخرائطي، وساق آثارًا [٥] حسنة في ذلك.
ورواه ابن منده أبو عبد الله في كتاب "معرفة الصحابة" بإسناده: عن إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الكريم به [٦].
وقال بعضهم: إنما قيل له: ﴿صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ لأنه قال لأبيه: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ فصدق في ذلك.
فصدقُ الوعدِ من الصفات الحميدة [٧]، كما أن خُلْفَه من الصفات الذميمة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وقال رسول الله ﷺ: "آية المنافق ثلاث، إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" (١٧٩).
ولما كانت هذه صفات المنافقين، كان التلبس بضدها من صفات المؤمنين، ولهذا أثنى الله على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد، وكذلك كان رسول الله، ﷺ، صادق الوعد أيضًا، لا يعد أحدًا شيئًا إلا وفَّى له به، وقد أثنى على أبي [٨] العاص بن الربيع زوج ابنته زينب [٩] فقال: "حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي (١٨٠) " ولما توفي النبي، ﷺ، قال الخليفة أبو بكر الصديق: من كان له عند رسول الله ﷺ عِدَة أو دَيْن فليأتني أنجز له.
فجاءه جابر بن عبد الله فقال: إن رسول الله ﷺ كان قال: "لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا".
يعني [١]: ملء كفيه، فلما جاء مال البحرين أمر الصديق جابرًا، فغرف بيديه من المال، ثم أمره بِعَدِّهِ، فإذا هو خمسمائة درهم، فأعطاه مثليها معها (١٨١).
وقوله: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ في هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق؛ لأنه إنما وصف بالنبوّة فقط، وإسماعيل وصف بالنبوّة والرسالة، وقد ثبت في صحيح مسلم (١٨٢) أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل … " وذكر تمام الحديث فدل على صحة ما قلناه.
وقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ هذا أيضًا من الثناء الجميل، والصفة الحميدة، والخلة السديدة، حيث كان مثابرًا على طاعة ربه ﷿ آمرًا بها لأهله، كما قال تعالى لرسوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هملًا؛ فتأكلهم النار يوم القيامة.
وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "رحم الله رجلًا قام من الليل فصلّى، وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء.
رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها، فإن أبى [نضحت في وجهه الماء] [١] ".
أخرجه أبو داود (١٨٣) وابن ماجة.
وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته، فصليا ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات".
رواه أبو داود (١٨٤)، والنسائي (١٨٥)، وابن ماجة (١٨٦) واللفظ له.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾.
وهذا ذكر إدريس ﵇ بالثناء عليه، بأنه كان صديقًا نبيًّا، وأن الله رفعه مكانًا علما، وقد تقدم في الصحيح (١٨٧): أن رسول الله ﷺ مر به في ليلة الإسراء، وهو في السماء الرابعة.
وقد روى ابن جرير (١٨٨) هاهنا أثرًا غربيًا عجيبًا، فقال [٢]: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يَسَاف، قال: سأل ابن عباس كعبًا -وأنا حاضر- فقال له: ما قول الله ﷿ لإدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه: إني أرفع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحب أن يزداد عملًا، فأتاه خليل له من الملائكة فقال: إن الله أوحى إليَّ [١] كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت [فليؤخرني حتى أزداد عملًا] [٢] فحمله بين جناحيه، ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة، تلقاهم ملك الموت منحدرًا، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟
فقال: هو ذا على ظهري.
قال ملك الموت: فالعجب!
بعثت وقيل لي: اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض؟
فقبض روحه هناك.
فذلك [قول الله] [٣] ": ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
و [٤] هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة، والله أعلم.
وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن ابن عباس: أنه سأل كعبًا، فذكر نحو ما تقدم، غير أنه قال لذلك [٥] الملك: هل لك أن تسأله -يعني: ملك الموت- كم بقي من أجلي لكي أزداد من العمل -وذكر باقيه [٦]- وفيه: أنه لما سأله عما بقي من أجله، قال: لا أدري حتى أنظر.
ثم نظر، ثم [٧] قال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين.
فنظر الملك [] [٨] تحت جناحه إلى إدريس، فإذا هو قد قبض ﵇ وهو لا يشعر به.
ثم رواه من وجه آخر عن ابن عباس أن إدريس كان خياطًا، فكان لا يغرز إبرة إلا قال: سبحان الله، فكان يمسي حين يمسي، وليس في الأرض أحد أفضل عملًا منه.
وذكر بقيته كالذي قبله، أو نحوه.
وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد (١٨٩) في قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى] [٩].
[وقال سفيان عن منصور، عن مجاهد (١٩٠)] [١٠] في قوله] [١١]: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: السماء الرابعة.
وقال العوفي عن ابن عباس (١٩١): ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: رفع إلى السماء السادسة فمات بها.
وهكذا قال الضحاك بن مزاحم.
قال [١] الحسن (١٩٢) وغيره في قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: الجنَّة.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَينَا وَاجْتَبَينَا إِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ يقول تعالى: هؤلاء النبيون -وليس المراد المذكورين في هذه السورة فقط، بل جنس الأنبياء ﵈، استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس- ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ الآية.
قال السدي (١٩٣) وابن جرير (١٩٤) ﵀: [فالذي [٢] عنى به من ذرية [آدم: إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح: إبراهيم] [٣] والذي عنى به من ذرية] [٤] إبراهيم: إسحاق ويعقوب وإسماعيل، والذي عنى به من ذرية إسرائيل: موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم.
قال ابن جرير (١٩٥): ولذلك [٥] فرّق أنسابهم، وإن كان يجمع جميعهم آدم؛ لأن فيهم مَن ليس منْ ولد من كان مع نوح في السفينة، وهو إدريس، فإنه جد نوح.
قلت: هذا هو الأظهر: أن إدريس في عمود نسب نوح ﵉، وقد قيل: إنه من أنبياء بني إسرائيل، أخذًا من حديث الإسراء، حيث قال في سلامه على النبي ﷺ: مرحبًا بالنبي الصالح، والأخ الصالح.
ولم يقل: والولد الصالح، كما قال آدم وإبراهيم ﵉.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرنا [١] ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي [٢] حبيب، عن عبد الله بن محمد: أن إدريس أقدم من نوح، بعثه الله إلى قومه، فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، ويعملوا ما شاءوا، فأبوا، فأهلكهم الله ﷿.
[ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنس الأنبياء، أنها كقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَينَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ] [٣] إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَينَا وَنُوحًا هَدَينَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى [٤] وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَينَاهُمْ وَهَدَينَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى قوله [٥]: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إلا ذِكْرَى لِلْعَالمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وفي صحيح البخاري (١٩٦)، عن مجاهد: أنه سأل ابن عباس في "ص" سجدة؟
قال: نعم، ثم تلا هذه الآية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فنبيكم ممن أمر أن يقتدي بهم، قال: وهو منهم.
يعني: داود.
وقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ أي: إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه، سجدوا لربهم خضوعًا واستكانة، وحمدًا وشكرًا على ما هم فيه من النعم العظيمة.
و "البُكي": جمع باك فلهذا أجمع العلماء على شرعية [٦] السجود هاهنا اقتداءً بهم واتباعًا لمنوالهم.
قال سفيان الثوري (١٩٧): عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁[] [١] سورة مريم فسجد، وقال: هذا السجود، فأين البُكِيّ؟
يريد: البكاء.
رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (١٩٨)، وسقط من روايته ذكر [٢] "أبي معمر" فيما رأيت، فالله [٣] أعلم.
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيئًا (٦٠)﴾ ولما ذكر تعالى حزب السعداء، وهم الأنبياء ﵈، ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله وأوامره، المؤدين فرائض الله، التاركين لزواجره ذكر أنه ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أي: قرون أخر ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ -وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع؛ لأنها عماد الدين وقوامه، وخير أعمال العباد- وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها [٤]، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء سيلقون غيًّا، أي: خسارًا يوم القيامة.
وقد اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة هاهنا؛ فقال قائلون: المراد بإضاعتها تركها بالكلية.
قاله محمد بن كعب القرظي، وابن زيد بن أسلم، والسدي، واختاره ابن جرير، ولهذا ذهب من ذهب من السلف والخلف والأئمة، كما هو المشهور عن الإِمام أحمد، وقول عن الشافعي: إلى تكفير تارك الصلاة؛ للحديث: "بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة" (١٩٩) والحديث الآخر: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" (٢٠٠).
وليس هذا محل بسط هذه المسألة.
وقال [١] الأوزاعي: عن موسى بن سليمان، عن القاسم بن مخيمرة (٢٠١) في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ قال: إنما أضاعوا المواقيت، ولو كان تركًا كان كفرًا.
وقال وكيع: عن المسعودي [٢]، عن القاسم بن عبد الرحمن والحسن بن سعد، عن ابن مسعود (٢٠٢): أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ و ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ و ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال ابن مسعود: على [٣] مواقيتها.
قالوا [٤]،: ما كنا نرى ذاك إلا على الترك؟
قال: ذلك الكفر.
وقال مسروق [٥] (٢٠٣): لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس فيكتب من الغافلين، وفي إفراطهن الهلكة، وإفراطهن إضاعتهن عن وقتهن.
وقال الأوزاعي: عن إبراهيم بن يزيد: أن عمر بن عبد العزيز (٢٠٤) قرأ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ثم قال: لم تكن إضاعتهم تركها، ولكن أضاعوا الوقت.
وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد (٢٠٥): ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ قال: عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة محمد ﷺ ينزو بعضهم على بعض في الأزقة [٦].
وكذا روى ابن جريج [٧] عن مجاهد (٢٠٦) مثله [٨].
وروى جابر الجعفي (٢٠٧) عن مجاهد، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح: أنهم من هذه الأمة يعنون في آخر الزمان.
وقال ابن جرير (٢٠٨): حدثني الحارث، حدثنا الحسن الأشيب، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ قال: هم في هذه الأمة، يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق، لا يخافون الله في السماء، ولا يستحيون الناس في الأرض.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الوسطى حدثنا أبو [١] عبد الرحمن المقرئ [٢] حدثنا حيوة [٣]، حدثنا بشير بن أبي عمرو الخولاني، أن الوليد بن قيس حدثه، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ[٤]: "يكون خلف بعد ستين سنة، أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيًّا، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر".
قال بشير: قلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟
قال: المؤمن مؤمن به، والمنافق كافر به، والفاجر يأكل [٥] به.
وهكذا رواه أحمد عن أبي عبد الرحمن المقرئ به (٢٠٩).
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا عيسى بن يونس، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن مالك، عن [٦] أبي الرجال: أن عائشة كانت ترسل بالشيء صدقة لأهل الصفة، وتقول: لا تعطوا منه بربريًّا ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله ﷺ قول: "هم الخلف الذين قال الله تعالى [فيهم] [١]: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ " (٢١٠).
هذا حديث غريب.
وقال أيضًا: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن بن [٢] الضحاك، حدثنا الوليد، حدثنا حَريز [٣]، عن شيخ من أهل المدينة: أنه سمع محمد بن كعب القرطبي يقول في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ الآية، قال: هم أهل الغرب [٤]، يملكون وهم شر من ملك.
وقال كعب الأحبار: والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله ﷿ شرابين للقهوات تراكين للصلوات، لعابين بالكعبات، رقادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، تراكين [٥] للجمعات [٦]، قال: ثم تلا هذه الآية ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
وقال الحسن البصري: عطلوا المساجد ولزموا الضيعات [٧].
وقال أبو الأشهب العطاردي: أوحى الله تعالى إلى داود [﵇] [٨] يا داود؛ حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة، وإن أهون ما أصنع بالعبد من عبيدي إذا آثر شهوة من شهواته علي أن أحرمه طاعتي.
وقال الإمام أحمد (٢١١): حدثنا زيد بن الحباب، حدثني [٩] أبو السمح [١٠] التميمي، عن أبي قبيل، أنه سمع عقبة [١١] بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: "إني أخاف على أمتي اثنتين: القرآن واللبن [١]،، أما اللبن [٢] فيتبعون الريف، ويتبعون الشهوات، ويتركون الصلوات، وأما القرآن فيتعلمه المنافقون، فيجادلون به المؤمنين".
ورواه عن حسن بن مرسى (٢١٢)، عن ابن لهيعة، حدثنا أبو قبيل، عن عقبة، به مرفوعًا بنحوه تفرد به.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٢١٣): ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ أي: خسرانًا.
وقال قتادة (٢١٤): شرًّا.
وقال سفيان الثوري وشعبة ومحمد بن إسحاق عن أبي إسحاق، السبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود (٢١٥): ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: واد في جهنم، بعيد القعر، خبيث الطعم.
وقال الأعمش: عن زياد، عن أبي عياض (٢١٦) في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: واد في جهنم من قيح ودم.
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير (٢١٧): حدثني عباس بن أبي طالب، حدثنا محمد بن زياد بن زيار [٣]، حدثنا شرقي بن قُطَامِي [٤]، عن لقمان بن عامر الخزاعي قال: جئت أبا أمامة صُدَيّ [٥] بن عجلان الباهلي فقلت: حدثنا حديثًا سمعته [٦] من رسول الله صلي الله عليه وسلم.
قال: فدعا بطعام، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: "لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف [١] بها من شفير جهنم، ما بلغت قعرها خمسين خويفًا، ثم تنتهي [٢] إلي غي وأثام".
قال: قلت: وما غي وأثام؟
قال [٣]: بئران [٤] في أسفل جهنم، يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللتان [٥] ذكر الله في كتابه: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ وقوله في الفرقان: ﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾.
هذا حديث غريب ورفعه منكر.
وقوله: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أي: إلا من رجع عن ترك الصلوات [٦]، واتباع الشهوات، فإن الله يقبل [٧] توبته، ويحسن عاقبته، ويجعله من ورثة جنة النعيم، ولهذا قال: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيئًا﴾ وذلك لأن التوبة تَجُبُّ ما قبلها، وفي الحديث الآخر: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (٢١٨)؛ ولهذا لا ينقص هؤلاء التائبون من أعمالهم التي عملوها شيئًا، ولا قوبلوا بما عملوه قبلها فينقص [٨] لهم مما عملوه بعدها [٩]؛ لأن ذلك [١٠] ذهب هدرًا، وترك نسيًا، وذهب مجانًا، من كرم الكريم، وحلم الحليم.
وهذا الاستثناء هاهنا: كقوله في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ يقول تعالى: الجنات التي يدخلها [١] التائبون من ذنوبهم هي: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: إقامة، ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ﴾ بظهر الغيب، أي: هي من الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه، وذلك لشدة إيقانهم وقوة إيمانهم.
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره، فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله، كقوله: ﴿و [٢] كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ أي: كائنًا [٣] لا محالة.
وقوله هاهنا: ﴿مَأْتِيًّا﴾ أي: العباد صائرون إليه وسيأتونه.
ومنهم من قال: ﴿مَأْتِيًّا﴾ بمعنى آتيًا؛ لأن كل ما أتاك فقد أتيته، كما تقول [٤] العرب: أتت علي خمسون سنة، وأتيت علي خمسين سنة [٥]، كلاهما بمعنى وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ أي: [] [٦] هذه [الجنات ليس] [٧] فيها كلام ساقط تافه لا معنى له، كما قد يوجد في الدنيا.
وقوله: ﴿إلا سَلَامًا﴾ استثناء منقطع، كقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إلا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ وقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أي: في مثل وقت البكرات ووقت العشيّات لا أن هناك [ليلا أو نهارًا] [٨]، ولكنهم في أوقات تتعاقب، يعرفون مضيها بأضواء وأنوار، كما قال الإمام أحمد (٢١٩): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أول زمرة [٩] تلج الجنة صورهم [علي صورة] [١٠] القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يتمخطون فيها، ولا يتغوطون، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم [١] [٢] الأُلوَّة، ورشحهم المسك، ولكل [واحد منهم] [٣] زوجتان، يرى مخ ساقيهما من وراء اللحم؛ من الحسن، لا اختلاف بينهم، ولا تباغض، قلوبهم علي قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًّا [٤] ".
أخرجاه في الصحيحين (٢٢٠)، من حديث معمر به.
وقال الإمام أحمد (٢٢١): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن [] [٥] ابن إسحاق، حدثني الحارث بن فضيل الأنصاري، عن محمود بن لبيد الأنصاري، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "الشهداء على بارق نهر [٦] بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًّا".
تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال: مقادير الليل والنهار.
وقال ابن جرير (٢٢٢): حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت زهير [٧] ابن محمد عن قول الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال: ليس في الجنة ليل، هم في نور أبدًا، ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وبفتح الأبواب.
وبهذا الإسناد (٢٢٣) عن الوليد بن مسلم، عن خليد [٨]، عن الحسن البصري، وذكر أبواب الجنة فقال: أبواب يرى ظاهرها من باطنها، فتكلم وتكلم، فَتُهَمهِم [٩]: انفتحي … انغلقي … ، فتفعل.
وقال قتادة (٢٢٤) في قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فيها ساعتان، بكرة وعشي، ليس ثَمّ [١] ليل ولا نهار، وإنما هو ضوء ونور.
وقال مجاهد (٢٢٥): ليس بكرة ولا عشيًّا، ولكن [٢] يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا.
وقال الحسن (٢٢٦) وقتادة (٢٢٧) وغيرهما (٢٢٨): كانت العرب، الأنْعَم فيهم من يتغدى ويتعشى، ونزل القرآن على ما في أنفسهم من النعيم [٣]، فقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
وقال ابن مهدي عن حماد بن زيد، عن هشام، عن الحسن: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال: البكور يرد على العشي، والعشي يرد على البكور، ليس فيها ليل.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سليم [٤] بن منصور بن عمار، حدثني أبي، حدثنا محمد بن زياد قاضي أهل شمشاط [٥] عن عبد الله بن حُدير [٦] عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ما من غداة من غدوات الجنة -وكل الجنة غدوات- إلا أنه يزف إلى ولي الله فيها زوجة من الحور العين، أدناهن التي خلقت من الزعفران" (٢٢٩).
قال أبو محمد: هذا حديث منكر.
وقوله [٧]: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّ﴾ أي: هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات العظيمة، هي التي [٨] نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله -عز وجل- في السراء والضراء، والكاظمون [١] الغيظ، والعافون [٢] عن الناس، وكما [٣] قال [٤] تعالى في أول سورة المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال الإمام أحمد (٢٣٠): حدثنا يعلى ووكيع قالا: حدثنا عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله- صلي الذ عليه وسلم - لجبريل [٥]: "ما يمنعك أن تزورنا [٦] أكثر مما تزورنا؟
" قال: فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ إلي آخر الآية.
انفرد بإخراجه البخاري (٢٣١)، فرواه عند تفسير هذه الآية: عن أبي نعيم، عن عمر بن ذر، به.
ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير: من [٧] حديث عمر بن ذر، به.
وعندهما زيادة في آخر الحديث.
فكان ذلك الجواب لمحمد، ﷺ (٢٣٢).
وقال العوفي عن ابن عباس (٢٣٣): احتبس جبريل عن رسول الله ﷺ، فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وحزن، فأتاه جبريل فقال [٨]: يا محمد ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
وقال مجاهد (٢٣٤): لبث جبريل عن محمد ﷺ اثنتي [١] عشرة ليلة، ويقولون: قُلِيَ [٢]، فلما جاءه، قال: "يا جبريل، لقد رثت [٣] عليَّ، حتى ظن المشركون كل ظن".
فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ [لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ] [٤] وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، قال: وهذه الآية كالتي في الضحي.
وكذلك قال الضحاك (٢٣٥) بن مزاحم، وقتادة (٢٣٦)، والسدي، وغير واحد: إنها نزلت في احتباس جبريل.
وقال الحكم بن أبان عن عكرمة قال: أبطأ جبريل النزول علي رسول الله، ﷺ أربعين يومًا، ثم نزل، فقال له النبي ﷺ: "ما نزلت حتى اشتقت إليك".
فقال له جبريل: بل أنا كنت إليك أشوق، ولكني مأمور.
فأوحي إلى جبريل أن قل له: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية.
رواه ابن أبي حاتم ﵀ وهو غريب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مجاهد قال: أبطأت [٥] الرسل على النبي ﷺ، ثم أتاه جبريل فقال له: "ما حبسك يا جبربل؟
" فقال له [٦] جبريل: وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تُنْقُون براجمكم، ولا تأخذون شواربكم، ولا تستاكون؟
ثم قرأ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر الآية.
وقد قال الطبراني (٢٣٧): حدثنا أبو عامر النحوي، حدثنا محمد بن إبراهيم الصوري، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن [الدمشقي]، حدثنا إسماعيل بن عياش، أخبرني ثعلبة بن مسلم، عن أبي [] [٧] كعب مولى ابن عباس، [عن ابن عباس] [٨]، عن النبي صلي الله عليه وسلم: أن جبريل أبطأ عليه، فذكر له ذلك، فقال: وكيف وأنتم لا تستنون، ولا تُقَلِّمون أظفاركم، ولا تقصون شواربكم، ولا تُنْقُون رواجبكم (*) [١].
وهكذا رواه الإمام أحمد (٢٣٨) عن أبي اليمان، عن إسماعيل بن عياش به ونحوه.
وقال الإمام أحمد (٢٣٩): حدثنا سيار [٢]، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا المغيرة بن حبيب ختن [٣] مالك بن دينار، حدثني شيخ من أهل المدينة، عن أم سلمة قالت: قال لي رسول الله ﷺ: "أصلحي لنا المجلس، فإنه ينزل ملك إلى الأرض لم ينزل إليها قط".
وقوله: ﴿لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ قيل: المراد بـ: ﴿مَا بَينَ أَيدِينَا﴾: أمر الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: أمر الآخرة ﴿وَمَا بَينَ ذَلِكَ﴾: ما بين النفختين.
هذا قول أبي العالية (٢٤٠) وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير (٢٤١)، وقتادة في رواية عنهما، والسدي (٢٤٢)، والربيع بن أنس (٢٤٣).
وقيل: ﴿مَا بَينَ أَيدِينَا﴾ ما نستقبل من أمر الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ أي: ما مضى من الدنيا ﴿وَمَا بَينَ ذَلِكَ﴾ أي: ما بين الدنيا والآخرة.
يروى نحوه عن ابن عباس (٢٤٤)، وسعيد بن جبير (٢٤٥)، والضحاك (٢٤٦)، وقتادة (٢٤٧)، وابن جريج (٢٤٨)، والثوري، واختاره ابن جرير أيضًا، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ قال مجاهد (٢٤٩): معناه ما نسيك ربك.
وقد تقدم عنه أن هذه الآية كقوله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد [١] بن محمد بن عبد الصمد الدمشقي، حدثنا محمد بن عثمان [٢]-يعني: أبا الجماهر- حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عاصم بن رجاء بن حَيْوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء رفعه قال: لم ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه [٣] فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا".
ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٢٥٠).
وقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا [﴾ أي: خالق ذلك ومدبره، والحاكم فيه، والمتصرف الذي لا معقب لحكمه] [٤] ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس (٢٥١): هل تعلم للرب مثلًا أو شبيهًا [٥].
وكذلك قال مجاهد (٢٥٢)، وسعيد بن جبير، وقتادة (٢٥٣)، وابن جريج (٢٥٤) وغيرهم.
وقال عكرمة عن ابن عباس (٢٥٥): ليس أحد يسمَّى [١]، الرحمن غيره ﵎، وتقدس اسمه.
﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾ يخبر تعالى عن الإِنسان أنه يتعجب، ويستبعد إعادته بعد موته، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ وقال هاهنا: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا﴾ [يستدل تعالى بالبداءة علي الإِعادة، يعني أنه تعالى قد [٢] خلق الإِنسان ولم يك شيئًا] [٣]، أفلا يعيده وقد صار شيئًا، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾.
وفي الصحيح (٢٥٦): " يقول الله تعالى: كذبني ابن [٤] آدم، ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني؛ أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الحلق بأهون عليَّ [١]، من آخره، وأما أذاه إياي فقوله: إن لي ولدًا، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد".
وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ أقسم الرب ﵎ بنفسه الكريمة، أنه لا بد أن يحشرهم جميعًا، وشياطينهم [٢] الذين كانوا يعبدون من دون الله ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾.
قال العوفي عن ابن عباس (٢٥٧): يعني قعودًا، كقوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾.
وقال السدي في قوله: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ يعني: قيامًا، وروي عن مرة عن ابن مسعود مثله [٣].
وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ يعني من كل أمة.
قاله مجاهد (٢٥٨).
﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾.
قال الثوري عن [علي بن الأقمر عن أبي الأحوص] [٤]، عن ابن مسعود (٢٥٩) قال: يحبس الأول على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة [٥] أتاهم جميعًا، ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرمًا، وهو قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾.
وقال قتادة (٢٦٠): ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ قال: ثم لننزعن من أهل كل دين قادتهم ورؤساءهم [٦] في الشر.
وكذا قال ابن جريج، وغير واحد من السلف.
وهذا كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَينَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.
وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ "ثم" هاهنا لعطف الخبر على الخبر، والمراد: أنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يصلى بنار جهنم، ويخلد فيها، وبمن [١] يستحق تضعيف [٢] العذاب، كما قال في الآية المتقدمة: ﴿قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ قال الإِمام أحمد (٢٦١): حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد البُرْساني [٣]، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود؛ فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضهم: يدخلونها جميعًا، ثم ينجي الله الذين اتقوا.
فلقيت جابر بن عبد الله، فقلت له: إنا اختلفنا في الورود.
فقال: يردونها جميعًا -وقال سليمان بن [٤] مرة: يدخلونها جميعًا- وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه، وقال: صمَّتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يبقي بر ولا فاجر إلّا دخلها، فتكون علي المؤمن بردًا وسلامًا، كما كانت علي إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجًا من بردهم، ثم ينجّي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيًّا".
غريب ولم يخرجوه.
وقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية، عن بكار [٥] بن أبي مروان، عن خالد بن معدان (٢٦٢) قال: قال أهل الجنة بعد ما دخلوا الجنة: ألم يعدنا ربنا [٦] الورود علي النار؟
قال: قد مررتم عليها وهي خامدة.
وقال عبد الرزاق (٢٦٣): عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: كان عبد الله بن رواحة واضعًا رأسه في حجر امرأته، فبكي، فبكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟
فقالت: رأيتك تبكي فبكيت.
قال: إني ذكرت قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ فلا أدري أنجو منها أم لا؟
وفي رواية: وكان مريضًا.
وقال ابن جرير (٢٦٤): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن [١] يمان، عن مالك بن مِغُوَل، عن أبي إسحاق: كان أبو ميسرة إذا أوي [٢] إلي فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني.
ثم يبكي، فقيل: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟
فقال: أخبرنا أنَّا واردوها، ولم نخبر أنَّا صادرون عنها.
وقال عبد الله بن المبارك عن الحسن البصري (٢٦٥) قال: قال رجل لأخيه: هل [٣] أتاك بأنك [٤] وارد النار؟
قال: نعم.
[قال: هل] [٥] أتاك أنك صادر عنها [٦]؟
قال: لا.
قال: ففيم الضحك؟
[قال: فما رُؤي ضاحكًا حتى لحق بالله] [٧].
وقال عبد الرزاق أيضًا: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، أخبرني من سمع ابن عباس يخاصم نافع بن الأزرق، فقال ابن عباس: الورود: الدخول.
فقال نافع: لا.
فقرأ ابن عباس: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ وردوا أم لا، وقال: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ أورْدٌ هو أم لا؟
أما [٨] أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟
وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك.
فضحك نافع (٢٦٦).
وروي ابن جريج، عن عطاء قال: قال أبو راشد الحروري -وهو نافع بن الأزرق (٢٦٧) -: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾.
فقال ابن عباس: ويلك، أمجنون أنت؟
أين قوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا (٨٦)﴾، ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ والله إن كان دعاء من مضي: اللهم أخرجني من النار سالمًا، وأدخلني الجنة غانمًا.
وقال ابن جرير (٢٦٨): حدثني محمد بن عبيد المحاربي [٩]، حدثنا أسباط، عن عبد الملك، عن عبيد الله، عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس؛ فأتاه رجل يقال له: أبو راشد -وهو نافع بن الأزرق- فقال له: يا بن عباس، أرأيت قول الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾؟.
قال: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر هل نصدر عنها أم لا؟
وقال أبو داود الطيالسي (٢٦٩): قال شعبة: أخبرني عبد الله بن السائب، عمن سمع ابن عباس يقرؤها.
(وإن منهم إلا واردها) يعني: الكفار.
وهكذا روي عمر بن الوليد الشَّنيّ [١]: أنه سمع عكرمة يقرؤها كذلك (وإن منهم إلا واردها) قال: وهم: الظلمة، كذلك كنا نقرؤها.
رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير (٢٧٠).
وقال العوفي عن ابن عباس (٢٧١) قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ يعني: البر والفاجر، ألم [٢] تسمع إلى قول الله لفرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْورْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾.
﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا﴾؟
فسمى الورود على [٣] النار دخولًا وليس بصادر.
و [٤] قال الإِمام أحمد (٢٧٢): حدثنا عبد الرحمن، عن إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ قال رسول الله ﷺ: "يرد الناس النار [٥] كلهم، ثم يصدرون عنها بأعمالهم".
ورواه الترمذي [٦] (٢٧٣) عن عبد [٧] بن حميد، عن [٨] عبيد الله، عن [] [٩] إسرائيل، عن السدي به.
ورواه من طريق شعبة، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفًا.
هكذا وقع [] [١٠] هذا الحديث ها هنا مرفوعًا، وقد رواه أسباط، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال: يرد الناس جميعًا الصراط، وورودهم قيامهم حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل الريح، [ومنهم من يمر مثل الطير] [١]، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإِبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل، حتى إن آخرهم مَرًّا رجل نوره علي موضعي إبهامي قدميه، يمر يتكفأ به الصراط، والصراط دَحْضٌ مزلة، عليه حسك كحسك القَتَاد (*) [٢]، حافتاه ملائكة، معهم كلاليب من نار، يختطفون بها الناس … وذكر تمام الحديث.
رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير (٢٧٤): حدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر، حدثنا إسرائيل، أخبرنا أبو إسحاق، [عن أبي] الأحوص [٣]، عن عبد [٤] الله: قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ قال: الصراط علي جهنم مثل حد السيف، فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم، ثم يمرون والملائكة يقولون: اللهم سلّم سلّم.
ولهذا شواهد في الصحيحن وغيرهما؛ من رواية أنس (٢٧٥)، وأبي سعيد (٢٧٦)، وأبي هريرة (٢٧٧)، وجابر (٢٧٨)، وغيرهم من الصحابة ﵃.
وقال ابن جرير (٢٧٩): حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن الجُريري، عن [أبي السليل] [١]، عن غنيم بن قيس قال: ذكروا ورود النار فقال كعب: تمسك النار للناس كأنها متن [٢] إهالة حتى يستوي [٣] عليها أقدام الخلائق؛ برهم وفاجرهم، ثم يناديها مناد: أن أمسكي أصحابك، ودعي أصحابي.
قال: فتخسف [٤] بكل ولي لها، و [٥] لهي أعلم بهم من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون نَديَّة ثيابهم.
قال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنتها مسيرة سنة، مع كل واحد منهم عمود ذو [٦] شعبتين، يدفع به الدفع فيصرع به في النار سبعمائة ألف.
و [٧] قال الإمام أحمد (٢٨٠): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر عن أم مُبَشّر، عن حفصة قالت: قال رسول الله ﷺ: "إني لأرجو ألا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدرًا والحديبية".
قالت: فقلت: أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ قالت: فسمعته يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.
وقال أحمد أيضًا (٢٨١): حدثنا ابن إدريس، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان [٨]، عن جابر، عن أم مبشر -امرأة زيد بن حارثة- قالت: كان رسول الله ﷺ في بيت حفصة، فقال: "لا يدخل النار أحد شهد [٩] بدرًا والحديبية".
قالت حفصة: أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾؟
فقال رسول الله ﷺ: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾.
وفي الصحيحين (٢٨٢) من حديث الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسه النار، إلا تَحِلَّة القسم".
وقال [١] عبد الرزاق (٢٨٣): قال معمر: أخبرني الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "من مات له ثلاثة لم تمسه النار إلا تَحِلَّة القسم".
يعني: الورود.
وقال أبو [٢] داود الطيالسي (٢٨٤): حدثنا زمعة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد تمسه النار إلا تَحِلَّة القسم".
قال الزهري: كأنه يريد هذه الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.
وقال ابن جرير (٢٨٥): حدثنا عمران بن بكار الكلاعي [٣]، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، حدثنا إسماعيل بن عبيد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ يعود رجلًا من أصحابه وَعِكا، وأنا معه، ثم قال: "إن الله تعالى يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن؛ لتكون [٤] حظه من النار في الآخرة".
غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه.
وحدثنا أبو كريب، حدثنا ابن [٥] يمان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد (٢٨٦) قال: الحمّى حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾.
و [٦] قال الإِمام أحمد (٢٨٧): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان [٧] بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ حتى يختمها عشر مرات، بنى الله له قصرًا في الجنة".
فقال عمر: إذًا نستكثر يا رسول الله.
فقال رسول الله ﷺ: "الله [١] أكثر وأطيب".
وقال رسول الله ﷺ: "من قرأ ألف آية في سبيل الله، كتب يوم القيامة مع النبين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، إن شاء الله، ومن حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعًا لا بأجرة [٢] سلطان، لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾، وإن الذكر في سبيل الله [٣] يضاعف [٤] فوق النفقة بسبعمائة ضعف".
وفي رواية: "بسبعمائة ألف ضعف" (٢٨٨).
وروي أبو داود (٢٨٩) عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن يحيى بن أيوب [وسعيد بن أبي أيوب] [١]، كلاهما عن زبان [٢]، عن سهل، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ: "إن الصلاة والصيام [٣] والذكر تضاعف [٤] علي النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف".
وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة (٢٩٠) قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ قال: هو الممر [٥] عليها.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٢٩١) في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ قال: ورود المسلمين المرور [٦] على الجسر بين ظهريها، وورود المشركين أن يدخلوها، وقال النبي ﷺ: "الزالون والزالات يومئذ كثير، وقد أحاط بالجسر يومئذ سماطان من الملائكة، دعاؤهم: يا الله: سلّم سلّم".
وقال السدي عن مرة، عن ابن مسعود (٢٩٢) في قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ قال: قسمًا واجبًا.
وقال مجاهد (٢٩٣): حتمًا.
قال: قضاء.
وكذا قال ابن جريج (٢٩٤).
وقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: إذا مر الخلائق كلهم علي النار، وسقط مها من سقط [] [١] من الكفار والعصاة ذوي المعاصي، بَحَسَبهم، نجي الله تعالى المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم، فَجَوَازهم علي الصراط وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا، ثم يشفعون في أصحاب الكبائر من المؤمنين، فيشفع [] [٢] الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أكلتهم النار، إلا دارات وجوههم -وهي مواضع السجود- وإخراجهم إياهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان، فيخرجونا أولًا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، [ثم الذي يليه]، حتى يخرجون من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، ثم يخرج الله من النار من قال يومًا من الدهر: لا إله إلا الله، وإن لم يعمل خيرًا قط، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود، كما وردت [٣] بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَينِ خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾ يخبر تعالى عن الكفار حين تتلى عليهم آيات الله [٤]، ظاهرة الدلالة، بينة الحجة، واضحة البرهان أنهم يصدون ويعرضون عن ذلك، ويقولون عن الذين آمنوا، مفتخرين عليهم، ومحتجين [] [٥] على صحة ما هم عليه من الدين الباطل، بأنهم [٦]: ﴿خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [أي: أحسن منازل، وأرفع دورًا، وأحسن نديًّا] [٧]، وهو [٨]: مجمع الرجال للحديث [٩]، أي: ناديهم [١٠] أعمر وأكثر واردًا وطارقًا، يعنون: فكيف [نكون ونحن] [١١] بهذه المثابة على باطل، وأولئك [الذين هم] [١٢] مختفون مستترون في دار الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من [١] الدور على الحق؟
كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيهِ﴾ وقال قوم نوح: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ ليقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنْ بَينِنَا أَلَيسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾، ولهذا قال تعالى رادًّا عليهم شبهتهم: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: وكم [٢] من أمة وقرن من المكذبين، قد أهلكناهم بكفرهم ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ أي: كانوا أحسن من هؤلاء أموالًا وأمتعة، ومناظر وأشكالًا.
قال الأعمش: عن أبي ظبيان، عن ابن عباس (٢٩٥): ﴿خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ قال: المقام: المنزل، والندي: المجلس، والأثاث: المتاع، والرئي: المنظر.
وقال العوفي عن ابن عباس (٢٩٦): المقام: المسكن، والندي: المجلس والنعمة والبهجة التي كانوا فيها.
وهو كما قال الله لقوم فرعون حين أهلكهم وقص [٣] شأنهم في القرآن: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ [٤] وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ فالمقام: المسكن والنعيم، والندي: المجلس والمجمع الذي كانوا يجتمعون فيه، وقال تعالى فيما قص علي رسوله من أمر قوم لوط [إذ قال] [٥]: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ والعرب تسمي المجلس: النادي.
وقال قتادة (٢٩٧): لما رأوا أصحاب محمد ﷺ في عيشهم خشونة، وفيهم قشافة، فَعَرَّض أهل الشرك بما تسمعون [٦]: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَينِ خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ وكذا قال مجاهد (٢٩٨) والضحّاك.
ومنهم من قال في الأثاث: هو المال.
ومنهم من قال: المتاع.
ومنهم من قال: الثياب.
والرئي: المنظر، كما قاله [٧] ابن عباس (٢٩٩) ومجاهد (٣٠٠) وغير واحد.
وقال الحسن البصري: يعني الصور.
وكذا قال مالك: ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾: أكثر أموالًا، وأحسن صورًا.
والكل متقارب صحيح.
﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)﴾ يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم، المدعين أنهم علي الحق وأنكم على الباطل ﴿مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ﴾ أي: منا ومنكم ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ أي: فأمهله الرحمن فيما هو فيه، حتى يلقي ربه وينقضي أجله ﴿إِمَّا الْعَذَابَ [١]﴾ يصيبه ﴿وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ بغتة تأتيه ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ حينئذ ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ في مقابلة ما احتجوا به من خيرية المقام وحسن الندي.
قال مجاهد (٣٠١) في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ فليدعه الله في طغيانه.
وهكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير، ﵀.
وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم [٢] علي هدًى فيما [٣] هم فيه، كما ذكر تعالى مباهلة اليهود في قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: ادعوا علي المبطل منا ومنكم بالموت، إن كنتم تدعون أنكم علي الحق، فإنه لا يضركم الدعاء، فنكلوا عن ذلك، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة البقرة مبسوطًا، ولله الحمد.
وكما ذكر تعالى المباهلة مع النصارى في سورة آل عمران حين صمموا على الكفر، واستمروا علي الطغيان والغلو في دعواهم أن عيسى ولد الله، وقد [٤] ذكما [٥] الله حججه وبراهينه علي عبودية عيسى، وأنه مخلوق كآدم، قال تعالى [بعد ذلك] [٦]: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ [٧] بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ فنكلوا أيضًا عن ذلك.
﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾.
لما ذكر تعالى إمداد من هو في الضلالة فيما هو فيه، وزيادته علي ما هو عليه، أخبر بزيادة المهتدين هدى، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ قد تقدم تفسيرها، والكلام عليها، وإيراد الأحاديث المتعلقة بها في سورة الكهف ﴿خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ أي: جزاءً ﴿وَخَيرٌ مَرَدًّا﴾ أي: عاقبة ومردا علي صاحبها.
وقال عبد الرزاق (٣٠٢): أخبرنا عُمَر بن راشد، عن يحيي [١] بن أبي كثير، عن أبي [٢] سلمة بن عبد الرحمن قال: جلس رسول الله ﷺ ذات يوم، فأخذ عودًا يابسًا فحط [٣] ورقه، ثم قال: "إن قول لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، تحط الخطايا كما تحط ورق هذه الشجرة الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يُحال بينك وبينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة".
قال أبو سلمة: فكان [٤] أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهَللن الله، ولأكبرن الله، وَلأسبحن الله، حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون.
وهذا ظاهره أنه مرسل، ولكن قد يكون من رواية أبي سلمة عن إلي الدرداء، والله أعلم.
وهكذا وقع في سنن ابن ماجة (٣٠٣) من حديث أبي معاوية، عن عُمَرَ [٥] بن راشد، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي الدرداء فذكر نحوه.
﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾ قال الإمام أحمد (٣٠٤): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلًا قينًا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا، والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد [فقلت: لا، والله لا أكفر بمحمد ﷺ] [١] حتى تموت، ثم تبعث.
قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثَمَّ مال وولد فأعطيتك [٢].
فأنزل الله: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ أخرجه [٣] صاحبا الصحيح وغيرهما، من غير وجه عن الأعمش به.
وفي لفظ البخاري (٣٠٥): كنت قينًا بمكة، فعملت للعاص بن وائل سيفًا، فجئت أتقاضاه فذكر الحديث، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال: مَوْثقًا.
وقال عبد الرزاق (٣٠٦): أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي الضحي، عن مسروق قال: قال خباب بن الأرت: كنت قينًا بمكة، فكنت أعمل للعاص بن وائل، قال: فاجتمعت لي عليه دراهم، فجعت لأتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد.
فقلت: لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث.
قال: فإذا بعثت كان لي مال وولد.
قال [٤]: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾.
وقال العوفي عن ابن عباس (٣٠٧): إن رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يطلبون العاص بن وائل السهمي بدَيْن، فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضة وحريرًا، ومن كل الثمرات؟
قالوا: بلي.
قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالًا وولدًا، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به.
فضرب الله مثله في القرآن فقال: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾.
و [١] هكذا قال مجاهد (٣٠٨) وقتادة (٣٠٩) وغيرهم: إنها نزلت في العاص بن وائل.
وقوله ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ قرأ بعضهم (*) بفتح "الواو" من "ولدًا"، وقرأ آخرون بضمها وهو بمعناه قال رؤبة: الحمدُ للهِ العزيزِ فَردَا … لم يتخذ مِنْ وُلد شيء وُلْدًا.
وقال الحارث بن [٢] حلّزَة [٣]: وَلَقَدْ رَأَيتُ مَعَاشرًا … قَد تَمَّروا مالًا وَوُلْدَا وقال الشاعر: فَلَيْتَ [٤] فلانًا كان في بَطْنِ أمه … وليت فلانًا كان وُلْد حمار وقيل: إن الوُلْد بالضم: جمع، والولَد بالفتح: مفرد، وهي لغة قيس، والله أعلم.
وقوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيبَ﴾ إنكار على هذا القائل: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ يعني: يوم القيامة، أي: أعلم ما له في الآخرة حتى تَألَّى وحلف على ذلك ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ أم له عند الله [عهد سيؤتيه] [٥] ذلك؟
وقد تقدم عند البخاري: أنه الموثق.
وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال: لا إله إلا الله فيرجو بها.
وقال محمد بن كعب القرظي: ﴿إلا من اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ثم قرأ: ﴿إلا من اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾.
وقوله: ﴿كَلَّا﴾ هي حرف رَدْع لما قبلها، وتأكيد لما بعدها ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ أي: من طلبه ذلك، وحكمه لنفسه بما يتمناه، وكفره بالله العظيم ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ أي: في الدار الآخرة على قوله ذلك، وكفره بالذي الدنيا ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ أي: من مال وولد نسلبه منه، عكس ما قال: إنه يؤتى [١] في الدار الآخرة مالًا وولدًا زيادة [٢] على [الذي له] [٣] في الدنيا، بل في الآخرة يسلب [٤] من الذي كان له في الدنيا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ أي: من المال والولد.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٣١٠): ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [قال: نرثه] [٥].
وقال مجاهد (٣١١): ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [ماله وولده.
وذلك الذي قال العاص بن وائل.
وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة (٣١٢): ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾:] [٦] قال: ما عنده، و [٧] هو قوله: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ وفي حرف ابن مسعود: (ونرثه ما عنده).
وقال قتادة (٣١٣): ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ لا مال له، ولا ولد.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٣١٤): ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُول﴾ قال: ما جمع من الدنيا وما عمل فيها، قال: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ قال: فردًا من ذلك، لا يتبعه قليل ولا كثير.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾ يخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم: أنهم اتخذوا من دونه آلهة؛ لتكون لهم تلك الآلهة ﴿عِزًّا﴾ يعتزون بهم ويستنصرونهم.
ثم أخبر أنه ليس الأمر كما زعموا، ولا يكون ما طمعوا، فقال: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ أي: بخلاف ما ظنوا فيهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ وقرأ أبو [١]، نهيك: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾.
وقال السدى: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ أي: بعبادة الأوثان.
وقوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ أي: بخلاف ما رجوا منهم.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٣١٥): ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ قال: أعوانًا.
قال مجاهد (٣١٦): عونًا عليهم، تخاصمهم وتكذبهم.
وقال العوفي عن ابن عباس (٣١٧): ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ قال [٢]: قرناء.
و [٣] قال السدي: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ قال: الخصماء الأشداء في [٤] الخصومة.
و [٥] قال قتادة (٣١٨): قرناء في النار يلعن بعضهم بعضًا، ويكفر بعضهم ببعض.
وقال الضحاك (٣١٩): ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ قال: أعداء.
وقال ابن زيد (٣٢٠): الضد: البلاء.
وقال عكرمة (٣٢١): الضد: الحسرة.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٣٢٢): تغويهم إغواء.
وقال العوفي عنه: تحرضهم على محمد وأصحابه.
وقال مجاهد (٣٢٣): تشليهم [١] إشلاء.
وقال قتادة (٣٢٤): تزعجهم إزعاجًا إلى معاصي الله.
وقال سفيان الثوري: تغريهم إغراء، وتستعجلهم استعجالًا.
وقال السدي (٣٢٥): تطغيهم طغيانًا.
وقال عبد الرحمن بن زيد: هذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ وقوله: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي: لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي: إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله، [] [٢]: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا﴾ ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾، ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾.
قال السدي: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾: السنين والشهور والأيام والساعات.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٣٢٦): ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ قال: نعد أنفاسهم في الدنيا.
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ يخبر تعالى عن أوليائه المتقين، الذين خافوه في الدار الدنيا، واتبعوا رسله، وصدقوهم فيما أخبروهم، وأطاعوهم فيما أمروهم به [١]، وانتهوا عما عنه زجروهم أنه يحشرهم يوم القيامة وفدًا إليه [٢]، والوفد: هم القادمون ركبانًا، ومنه الوفود، وركوبهم على نجائب من نور، من مراكب الدار الآخرة، وهم قادمون على خير موفود إليه، إلى دار كرامته ورضوانه.
وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم، فإنهم يساقون عنفًا إلى النار، ﴿ورْدًا﴾ عطاشًا.
قاله عطاء [٣]، وابن عباس (٣٢٧)، ومجاهد، والحسن (٣٢٨)، وقتادة (٣٢٩)، وغير واحد.
وههنا يقال: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَينِ خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.
وقال ابن أبي حاتم (٣٣٠): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن خالد، عن عمرو بن قيس الملائي، عن ابن مرزوق: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها، وأطيبها ريحا، فيقول: من أنت؟
فيقول: أما تعرفني؟
فيقول: لا، إلا أن الله قد طيب ريحك وحسَّن وجهك.
فيقول: أنا عملك الصالح، وهكذا كنت في الدنيا، حسنَ العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلم اركبني.
فيركبه، فذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٣٣١): ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: ركبانًا [٤].
وقال ابن جرير (٣٣٢): [حدثني ابن [١] المثنى] [٢]، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة [٣]، عن إسماعيل، عن رجل، عن أبي هريرة: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: على الإِبل.
وقال ابن جريج [٤] (٣٣٣): على النجائب.
وقال الثوري (٣٣٤): على الإبل النوق.
وقال قتادة (٣٣٥): ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: إلى الجنة.
وقال عبد الله بن الإِمام أحمد في مسند أبيه (٣٣٦): حدثنا سويد بن سعيد، أخبرنا عليّ ن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا النعمان بن سعد قال: كنا جلوسًا عند عليّ ﵁، فقرأ هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: لا، والله ما على أرجلهم يحشرون، ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق [٥] لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب، فيركبون عليها، حتى يضربوا أبواب الجنة.
وهكذا رواه ابن أبي حاتم (٣٣٧) وابن جرير (٣٣٨)، من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني به.
وزاد: عليها [٦] رحائل الذهب، وأزمتها الزبرجد، والباقي مثله.
وقد روى ابن أبي حاتم ها هنا حديثًا غريبًا جدًّا مرفوعًا، عن علي فقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي [٧]، حدثنا مسلمة بن جعفر البجلي، سمعت أبا معاذ البصري قال: إن عليًّا كان ذات يوم عند رسول الله ﷺ فقرأ عليَّ هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله.
فقال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده، إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون -أو يؤتون- بنُوق [١] بيض لها أجنحة، وعليها وحال الذهب، شُرُك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما، فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى، فلا تشعث [أبشارهم ولا] [٢] أشعارهم [٣] بعدها أبدًا، وتجري عليهم نضرة النعيم، فينتهون -أو فيأتون- باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على [٤] صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفيحة، فيسمع لها طنين يا [٥] علي، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيمها فيفتح له، فإذا رآه خرّ له -قال مسلمة: أراه قال: ساجدًا- فيقول: ارفع رأسك، إنما أنا قيمك وكلت بأمرك.
فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة، فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت حبي، وأنا حِبك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط [٦]، وأنا المقيمة التي لا أظعن.
فيدخل بيتًا من أسّه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق: أصفر وأحمر وأخضر، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها [٧]، وفي البيت سبعون سريرًا، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الحلل، يقضى جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه، الأنهار من تحتهم تطرد؛ أنهار من ماء غير آسن -قال: صاف لا كَدَرَ فيه- وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، لم يخرج من ضروع الماشية، وأنهار من خمر لذة للشاربين، لم يعتصرها الرجال بأقدامهم [٨]، وأنهار من عسل مصفى، لم يخرج من بطون النحل، فيستحلي الثمار، فإن شاء أكل قائمًا، وإن قاعدًا، وإن شاء متكئًا.
ثم تلا: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ فيشتهي الطعام فيأتيه تطير أبيض- وربما قال: أخضر [٩]- فترفع أجنحتها، فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء، ثم تطير فتذهب، فيدخل الملك فيقول: سلام عليكم ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت [١] لأهل الأرض، لأضاءت، الشمس معها سواد في نور".
هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعًا، وقد رويناه في المقدمات من كلام علي ﵁ بنحوه، وهو أشبه بالصحة، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا﴾ أي: عطاشًا، ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ أي: ليس لهم من يشفع لهم كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾.
وقوله: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ هذا استثناء منقطع، بمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا [٢]، وهو شهادة ألّا إله إلا الله، والقيام بحقها.
قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس (٣٣٩): ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال: العهد شهادة أن لا إله إلا الله، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله ﷿.
وقال ابن أبي حاتم (٣٤٠): حدثنا عثمان بن خالد الواسطي، حدثنا محمد بن الحسن الواسطي، عن المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد قال: قرأ عبد الله -يعني ابن مسعود- هذه الآية ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ ثم قال: اتخذوا عند الله عهدًا، فإن الله يقول يوم القيامة: من كان له [عند الله] [٣] عهد فليقم.
قالوا: يا أبا عبد الرحمن؛ فَعَلَّمنا.
قال: قولوا: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنك إن تكلني إلى عملي يقربني من الشر ويباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا [برحمتك، فاجعل] [٤] لي عندك عهدًا تؤديه إليَّ يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد.
قال المسعودي: فحدثني زكريا، عن القاسم بن عبد الرحمن، أخبرنا [٥] ابن مسعود: وكان يُلْحِقُ [٦] بهن: خائفًا مستجيرًا مستغفرًا راهبًا راغبًا إليك.
ثم رواه من وجه آخر عن المسعودي بنحوه.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ لما قرر تعالى في هذه السورة الشريفة عبودية عيسى ﵇، وذكر خلقه من مريم بلا أب، شرع في مقام الإنكار على من زعم أن له ولدًا -تعالى وتقدّس وتنزه عن ذلك علوًّا كبيرًا- فقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئًا إِدًّا﴾ أي: في قولكم هذا ﴿شَيئًا إِدًّا﴾ قال ابن عباس (٣٤١) ومجاهد (٣٤٢) وقتادة (٣٤٣) ومالك: أي: عظيمًا.
ويقال: إدًّا بكسر الهمزة وفتحها، ومع مدها أيضًا، ثلاث لغات، أشهرها الأولى.
وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ أي: يكاد يكون ذلك عند سماعهن [١] هذه المقالة من فجرة بني آدم، إعظامًا للرب وإجلالًا؛ لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد.
وفي كُلِّ شيء له آية … تدل على أنه واحد [٢] وقال ابن جرير (٣٤٤): حدثني عليّ، حدثنا عبد الله، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ [٣] مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ قال: إن الشرك فزعت منه السموات والأرض والجبال، وجميع الخلائق إلا الثقلين، فكادت أن تزول منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين، وقال رسول الله ﷺ: "لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله، فمن قالها عند موته وجبت له الجنة".
قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟
قال: "تلك أوجب وأوجب".
ثم قال: "والذي نفسي بيده، لو جيء بالسموات والأرضين وما فيهن، وما بينهن وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن".
وهكذا رواه ابن جرير، ويشهد له حديث البطاقة (٣٤٥)، والله أعلم.
وقال الضحاك: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ [١] مِنْهُ﴾ أي: يتشققن فَرَقًا [٢] من عظمة الله.
وقال عبد الرحمن [٣] بن زيد بن أسلم: ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾ أي: غضبًا لله ﷿.
﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ قال ابن عباس (٣٤٦): هدمًا.
وقال سعيد بن جبير: ﴿هَدًّا﴾ [٤] ينكسر بعضها على بعض متتابعات.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن سويد المقبري، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا مسعر، عن عون، عن [٥] عبد الله، قال: إن الجبل لينادي الجبل باسمه: يا فلان، هل مر بك اليوم ذاكرًا لله ﷿؟
فيقول: نعم ويستبشر.
قال عون: لهي للخير أسمع، أفيسمعن الزور والباطل إذا قيل ولا يسمعن غيره، ثم قرأ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾.
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا هَوذَة، حدثنا عوف، عن غالب بن عَجْرَد، حدثني رجل من أهل الشام في مسجد منى قال: بلغني أن الله لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر، لم يكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة -[أو قال: كان لهم فيها منفعة] [١]- ولم تزل الأرض والشجر بذلك حتى تكلم فجرة بني آدم بتلك الكلمة العظيمة: قولهم ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ فلما تكلموا بها اقشعرت الأرض وشاك الشجر.
وقال كعب الأحبار (٣٤٧): غضبت الملائكة واستعرت [٢] النار، حين قالوا ما قالوا.
وقال الإمام أحمد (٣٤٨): حدثنا أبو [٣] معاوية، حدثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله: إنه يشرك به ويجعل له ولد وهو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم".
أخرجاه في الصحيحين.
وفي لفظ: "إنهم يجعلون لي ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم".
وقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ أي: لا يصلح له ولا يليق به؛ لجلاله وعظمته لأنه لا كفء له من خلقه [٤] لأن جميع الخلائق عبيد له ولهذا قال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ أي: قد علم عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة، ذكرهم وأنثاهم، وصغيرهم وكبيرهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ أي: لا ناصر له ولا مجير إلا الله وحده لا شريك له، فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة ولا يظلم أحدًا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾ يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات -وهي الأعمال التي ترضي الله ﷿ لمتابعتها الشريعة المحمدية- يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين مودة، وهذا أمر لا بد منه ولا [١] محيد عنه، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ من غير وجه: قال الإمام أحمد (٣٤٩): حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبربل فقال: يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبه".
قال: "فيحبه جبريل".
قال: "ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا [فأحبوه] ".
قال: "فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض.
وإن الله إذا أبغض عبدًا دعا جبربل فقال: يا جبريل، إني أبغض فلانًا فأبغضه".
قال: "فيبغضه جبربل، لم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه".
قال: "فيبغضه أهل السماء، ثم توضع [٢] له البغضاء في الأرض".
ورواه مسلم (٣٥٠) من حديث سهيل.
ورواه أحمد (٣٥١) والبخاري من حديث ابن جريج، عن موسى بن عقبة [٣]، عن نافع مولى ابن عمر، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه.
وقال الإمام أحمد (٣٥٢): حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون -أبو محمد المرئي [٤]- حدثنا محمد بن عباد المخزومي، عن ثوبان ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إن العبد ليلتمس مرضات الله فلا يزال كذلك، فيقول الله ﷿ لجبريل: إن فلانًا عبدي يلتمس أن يرضيني، ألا وإن رحمتي عليه.
فيقول جبربل: رحمة الله على فلان، ويقولها [١] حملة العرش، ويقولها من حولهم، حتى يقولها أهل السموات السبع، ثم يهبط إلى الأرض".
غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه.
وقال الإمام أحمد (٣٥٣): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن محمد بن سعد الواسطي، عن أبي ظبية، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن المقَة من الله -قال شريك: هي المجة- والصيت من السماء، فإذا أحب الله عبدًا قال لجبريل ﵇: إني أحب فلانًا.
فينادى جبريل: إن ربكم يمقُ [٢]-يعني: يحب- فلا، فأحبوه -وأرى [٣] شريكًا قد قال: "فتنزل له المحبة في الأرض"-"وإذا أبغض عبدًا قال لجبريل: إني أبغض فلانًا فأبغضه.
قال: "فينادي جبريل: إن ربكم يبغض فلانًا فأبغضوه، قال: أرى شريكًا [قد قال] [٤]: فيجرى له البغض في الأرض".
غريب ولم يخرجوه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو داود الحَفريّ، حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد، وهو: الدراوردي [٥]- عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: إني قد [٦] أحببت فلانًا فأحبه.
فينادى في السماء، ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾.
ورواه مسلم (٣٥٤) والترمذي [٧]- كلاهما عن قتيبة [٨]، عن الدراوردي به.
وقال الترمذي [٩]: حسن صحيح.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٣٥٥) في قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ قال: حبًّا.
وقال مجاهد عنه (٣٥٦) ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ قال: محبة في الناس في الدنيا.
وقال سعيد بن جبير (٣٥٧) عنه: يحبهم ويحبِّبهم، يعني: إلى خلقه المؤمنين.
كما قال مجاهد (٣٥٨) أيضًا.
والضحاك (٣٥٩) وغيرهم.
وقال العوفي عن ابن عباس (٣٦٠) أيضًا: الود من المسلمين في الدنيا، والرزق الحسن، واللسان الصادق.
وقال قتادة (٣٦١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ إي والله في قلوب أهل الإيمان، ذكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم.
وقال قتادة (٣٦٢): وكان عثمان بن عفان ﵁ يقول: ما من عبد يعمل خيرًا أو شرًّا إلا كساه الله ﷿ رداء عمله.
وقال ابن أبي حاتم ﵀ حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن الربيع بن صبيح [١]، عن الحسن البصري ﵀ قال: قال رجل: والله لأعبدن الله عبادة أذكر بها.
فكان لا يرى في حين صلاة إلا قائمًا يصلي، وكان أول داخل إلى المسجد وآخر خارج، فكان لا يعظم، فمكث بذلك سبعة أشهر، وحسان لا يمر على قوم إلا قالوا: انظروا إلى هذا المرائي.
فأقبل على نفسه فقال: لا أراني أذكر إلا بشر، لأجعلن عملي كله لله ﷿ فلم يزد على أن قلب نيته، ولم يزد على العمل الذي كان يعمل، فكان يمر بعد بالقوم، فيقولون: رحم الله فلانًا، الآن [] [١].
وتلا الحسن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾.
وقد روى ابن جرير (٣٦٣) أثرًا أن هذه الآية نزلت في هجرة عبد الرحمن بن عوف.
وهو خطأ، فإن هذه السورة بتمامها مكية، لم ينزل منها شيء بعد الهجرة، ولم يصح سند ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ﴾ يعني: القرآن ﴿بِلِسَانِكَ﴾ أي: يا محمد، وهو اللسان العربي المبين الفصيح الكامل ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: المستجيبين لله المصدقين لرسوله ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ أي: عوجًا عن الحق، مائلين [٢] إلى الباطل.
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد (٣٦٤): ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ لا يستقيمون [٣].
وقال الثوري عن إسماعيل -وهو السدي- عن أبي صالح: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ عوجًا عن الحق.
وقال الحسن البصري (٣٦٥): ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾: صمًّا.
وقال غيره: صمّ آذان القلوب.
وقال قتادة (٣٦٦): ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾.
يعني: قريشًا.
وقال العوفي عن ابن عباس (٣٦٧): ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ فجارًا.
وكذا روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد (٣٦٨).
وقال ابن زيد (٣٦٩): الألد: الظلوم، وقرأ قول الله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.
وقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: من [١] أمة كفروا بآيات الله، وكذبوا رسله ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾.
أي: هل ترى منهم أحدًا، أو تسمع لهم ركزًا.
قال ابن عبَّاس (٣٧٠) وأَبو العالية، وعكرمة، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، والضحاك (٣٧١)، وابن زيد: يعني صوتًا.
وقال الحسن (٣٧٢) وقَتَادة (٣٧٣): هل ترى عينًا، أو تسمع صوتًا.
والركز في أصل اللغة هو: الصوت الخفي، قال الشاعر: فتوجست [٢] ركز الأنيس فراعها … عن ظهر غيبِ والإنيس سقامها آخر تفسير سورة مريم، ولله الحمد والمنة.
ويتلوه إن شاء الله تعالى تفسير سورة طه، والحمد لله.
* * *