الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة يوسف
تفسيرُ سورةِ يوسف كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 806 دقيقة قراءة(سُورَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ - 12) مَكِّيَّةٌ كُلُّها عَلى المُعْتَمَدِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن أوَّلِها، واسْتَثْنى بَعْضُهم رابِعَةً، وهي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ واهٍ جِدًّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وما اعْتَمَدْناهُ كَغَيْرِنا هو الثّابِتُ عَنِ الحَبْرِ، وقَدْ أخْرَجَهُ النَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْهُ، وأخْرَجَهُ الأخِيرُ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ رِفاعَةَ بْنِ رافِعٍ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ يُحْكى فِيهِ قُدُومُ رافِعٍ مَكَّةَ وإسْلامُهُ وتَعْلِيمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهُ هَذِهِ السُّورَةَ و(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) وآياتُها مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِالإجْماعِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الدّانِي وغَيْرِهِ، وسَبَبُ نُزُولِها عَلى ما رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ «أنَّهُ أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَتَلاهُ عَلى أصْحابِهِ زَمانًا فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنا فَنَزَلَتْ،» وقِيلَ: هو تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا يَفْعَلُهُ بِهِ قَوْمُهُ بِما فَعَلَتْ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ، وقِيلَ: إنَّ اليَهُودَ سَألُوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُحَدِّثَهم بِأمْرِ يَعْقُوبَ ووَلَدِهِ وشَأْنِ يُوسُفَ وما انْتَهى إلَيْهِ فَنَزَلَتْ، وقِيلَ: إنَّ كُفّارَ مَكَّةَ أمَرَتْهُمُ اليَهُودُ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي أحَلَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ فَسَألُوهُ فَنَزَلَتْ؛ ويُبْعِدُ القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ فِيما زَعَمُوا ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ حَبْرًا مِنَ اليَهُودِ دَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَوافَقَهُ وهو يَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ مَن عَلَّمَكَها؟
قالَ: اللَّهُ عَلَّمَنِيها فَعَجِبَ الحَبْرُ لِما سَمِعَ مِنهُ فَرَجَعَ إلى اليَهُودِ فَقالَ لَهُمْ: واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَيَقْرَأُ القُرْآنَ كَما أُنْزِلَ في التَّوْراةِ، فانْطَلَقَ بِنَفَرٍ مِنهم حَتّى دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ ونَظَرُوا إلى خاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَجَعَلُوا يَسْتَمِعُونَ إلى قِراءَةِ سُورَةِ يُوسُفَ فَتَعَجَّبُوا وأسْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ،» وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ الخَبَرِ ما فِيهِ، ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِلَّتِي قَبْلَها اشْتِمالُها عَلى شَرْحِ ما قاساهُ بَعْضُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الأقارِبِ، وفي الأوْلى ذِكْرُ ما لَقَوْا مِنَ الأجانِبِ، وأيْضًا قَدْ وقَعَ فِيما قَبْلُ ﴿ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ ﴾ ووَقَعَ هُنا حالُ يَعْقُوبَ مَعَ أوْلادِهِ وما صارَتْ إلَيْهِ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ مِمّا هو أقْوى شاهِدٍ عَلى الرَّحْمَةِ، وقَدْ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّ يُونُسَ نَزَلَتْ، ثُمَّ هُودٌ ثُمَّ يُوسُفَ، وعُدَّ هَذا وجْهًا آخَرَ مِن وُجُوهِ المُناسَبَةِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم ﴿ الر ﴾ الكَلامُ فِيهِ وفي نَظائِرِهِ شَهِيرٌ وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ مِنهُ ما فِيهِ إقْناعٌ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ ﴾ إلَيْهِ في قَوْلٍ، وإلى ( آياتِ ) هَذِهِ السُّورَةِ في آخَرَ، وأُشِيرَ إلَيْها مَعَ أنَّها لَمْ تُذْكَرْ بَعْدُ لِتَنْزِيلِها لِكَوْنِها مُتَرَقَّبَةً مَنزِلَةَ المُتَقَدِّمِ أوْ لِجَعْلِ حُضُورِها في الذِّهْنِ بِمَنزِلَةِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ والإشارَةُ بِما يُشارُ بِهِ لِلْبَعِيدِ، أمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ ما أُشِيرَ إلَيْهِ لِما لَمْ يَكُنْ مَحْسُوسًا نَزَلَ مَنزِلَةَ البَعِيدِ لِبُعْدِهِ عَنْ حَيِّزِ الإشارَةِ أوِ العَظَمَةِ وبُعْدِ مَرْتَبَتِهِ وعَلى غَيْرِهِ لِذَلِكَ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا وصَلَ مِنَ المُرْسِلِ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ صارَ كالمُتَباعِدِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الإشارَةَ إلى ما في اللَّوْحِ وهو بَعِيدٌ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ كَوْنُ الإشارَةِ إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أوِ الآياتِ الَّتِي ذُكِرَتْ في سُورَةِ هُودٍ؛ والمُرادُ بِالكِتابِ إمّا هَذِهِ السُّورَةُ أوِ القُرْآنُ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ في يُونُسَ ما يُؤْنِسُكَ تَذَكُّرُهُ هُنا فَتَذَكَّرْ ( المُبِين ) مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ أيْ ظَهَرَ فَهو لازِمٌ أيِ الظّاهِرُ أمْرُهُ في كَوْنِهِ مِن عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وفي إعْجازِهِ أوِ الواضِحُ مَعانِيهِ لِلْعَرَبِ بِحَيْثُ لا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ حَقائِقُهُ ولا تَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ دَقائِقُهُ وكَأنَّهُ عَلى المَعْنَيَيْنِ حُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فارْتَفَعَ واسْتَتَرَ ولا يُعَدُّ هَذا مِن حَذْفِ الفاعِلِ المَحْظُورِ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ الإسْنادَ مَجازِيٌّ فِرارًا مِنهُ، أوْ بِمَعْنى بُيِّنَ بِمَعْنًى أظْهَرَ فَهو مُتَعَدٍّ والمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ أيِ المُظْهَرُ ما فِيهِ هُدًى ورُشْدٌ، أوْ ما سَألَتْ عَنْهُ اليَهُودُ، أوْ ما أُمِرْتَ أنْ تَسْألَ عَنْهُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي أحَلَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ، أوِ الأحْكامُ والشَّرائِعُ وخَفايا المُلْكِ والمَلَكُوتِ وأسْرارُ النَّشْأتَيْنِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الحُكْمِ والمَعارِفِ والقِصَصِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ الِاقْتِصارُ عَلى الحَلالِ والحَرامِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ في أمْرِ الدِّينِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ عَنْ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ الحُرُوفَ الَّتِي سَقَطَتْ عَنْ ألْسُنِ الأعاجِمِ، وهي سِتَّةُ أحْرُفٍ: الطّاءُ والظّاءُ والصّادُ والضّادُ والعَيْنُ والحاءُ المُهْمَلَتانِ، والمَذْكُورُ في الفَرْهَنْكِ وغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ المُؤَلَّفَةِ في اللُّغَةِ الفارِسِيَّةِ أنَّ الأحْرُفَ السّاقِطَةَ ثَمانِيَةٌ، ونَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهم فَقالَ: هَشَّتْ حرفست أنِكْهُ أنْدَر فارِسِيّ نايدهمي تايناموزي بِناشِي أندرين مَعْنى مُعافٍ بشنوا كَنُونٍ تاكدام أسْت أنَّ حُرُوف ويادٍ كِير ∗∗∗ ثا وحا وصاد ضاد وطاء وظا وعَيْن وقاف ومَعَ هَذا فالأمْرُ مَبْنِيٌّ عَلى الشّائِعِ الغالِبِ وإلّا فَبَعْضُ هَذِهِ الأحْرُفِ مَوْجُودٌ في بَعْضِ كَلِماتِهِمْ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، ولَعَلَّ الوَصْفَ عَلى الأقْوالِ الأُوَلِ أمْدَحُ مِنهُ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ وصْفٌ لَهُ بِاعْتِبارِ الشَّرَفِ الذّاتِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ وصْفٌ لَهُ بِاعْتِبارِ الشَّرَفِ الإضافِيِّ وضَمِيرُ الغائِبِ لِلْكِتابِ السّابِقِ ذِكْرُهُ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِهِ القُرْآنَ كُلَّهُ كَما هو الظّاهِرُ المُناسِبُ لِلْحالِ فَذاكَ وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ هَذِهِ السُّورَةَ فَتَسْمِيَتُهُ قُرْآنًا لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الكَثِيرِ والقَلِيلِ فَكَما يُطْلَقُ عَلى الكُلِّ يُطْلَقُ عَلى البَعْضِ، نَعَمْ إنَّهُ غَلَبَ عَلى الكُلِّ عِنْدَ الإطْلاقِ مُعَرَّفًا لِتَبادُرِهِ، وهَلْ وصَلَ بِالغَلَبَةِ إلى حَدِّ العَلَمِيَّةِ أوْ لا؟
فِيهِ خِلافٌ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ البَيْضاوِيُّ قَدَّسَ سِرَّهُ فَتَلْزَمُهُ الألِفُ واللّامُ ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَهْجُرِ المَعْنى الأوَّلِ، ووَقَعَ في كُتُبِ الأُصُولِ أنَّهُ وُضِعَ تارَةً لِلْكُلِّ خاصَّةً وأُخْرى لِما يَعُمُّهُ، والبَعْضُ أعْنِي الكَلامَ المَنقُولَ في المُصْحَفِ تَواتُرًا، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ الغَلَبَةَ لَيْسَ لَها وضْعٌ ثانٍ وإنَّما هي تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ أفْرادِ المَوْضُوعِ لَهُ، ولِذا لَزِمَتِ العِلْمَ بِها اللّامُ أوِ الإضافَةُ إلّا أنْ يُدَّعى أنَّ فِيها وضْعًا تَقْدِيرِيًّا كَذا قِيلَ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بِأنَّ التَّعْيِينَ بِالغَلَبَةِ قَسِيمٌ لِلتَّعْيِينِ بِالوَضْعِ -العَلّامَةُ الزَّرْقانِيُّ وغَيْرُهُ لَكِنْ تَعَقَّبَهُ الحِمَّصِيُّ فَقالَ: إنَّ دَلالَةَ الإعْلامِ بِالغَلَبَةِ عَلى تَعْيِينِ مُسَمّاها بِالوَضْعِ وإنْ كانَ غَيْرَ الوَضْعِ الأوَّلِ فَلْيُتَأمَّلْ.
وعَنِ الزَّجّاجِ وابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ الضَّمِيرَ لِنَبَأِ يُوسُفَ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ في النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقِيلَ: هو لِلْإنْزالِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، و(قُرْآنًا) هو المَفْعُولُ بِهِ، والقَوْلانِ ضَعِيفانِ كَما لا يَخْفى، ونُصِبَ (قُرْآنًا) عَلى أنَّهُ حالٌ وهو بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمّا بَعْدَهُ وعَنْ تَأْوِيلِهِ بِالمُشْتَقِّ حالٌ مُوطِّئَةٌ لِلْحالِ الَّتِي هي عَرَبِيًّا وإنْ أُوِّلَ بِالمُشْتَقِّ أيْ مَقْرُوءًا فَحالٌ غَيْرُ مُوطِّئَةٍ و(عَرَبِيًّا) إمّا صِفَتُهُ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ وصْفَ الصِّفَةِ، وإمّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ عَلى رَأْيِ مَن يَقُولُ بِتَحَمُّلِ المَصْدَرِ الضَّمِيرِ إذا كانَ مُؤَوَّلًا بِاسِمِ المَفْعُولِ مَثَلًا، وقِيلَ: (قُرْآنًا) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، و(عَرَبِيًّا) صِفَتُهُ، وظاهِرُ صَنِيعِ أبِي حَيّانَ يَقْتَضِي اخْتِيارَهُ، ومَعْنى كَوْنِهِ (عَرَبِيًّا) أنَّهُ مَنسُوبٌ إلى العَرَبِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ وهي لُغَةٌ قَدِيمَةٌ.
أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ في التّارِيخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لُغَتُهُ في الجَنَّةِ العَرَبِيَّةَ فَلَمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ سُلِبَها فَتَكَلَّمَ بِالسُّرْيانِيَّةِ فَلَمّا تابَ رَدَّها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: كانَ اللِّسانُ الأوَّلُ الَّذِي هَبَطَ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ عَرَبِيًّا إلى أنْ بَعُدَ وطالَ العَهْدُ حُرِّفَ وصارَ سُرْيانِيًّا، وهو مَنسُوبٌ إلى أرْضِ سُورِيَّةَ وهي أرْضُ الجَزِيرَةِ، وبِها كانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمُهُ قَبْلَ الغَرَقِ، وكانَ يُشاكِلُ اللِّسانَ العَرَبِيَّ إلّا أنَّهُ مُحَرَّفٌ، وكانَ أيْضًا لِسانَ جَمِيعِ مَن في السَّفِينَةِ إلّا رَجُلًا واحِدًا يُقالُ لَهُ: جُرْهم فَإنَّهُ كانَ لِسانُهُ العَرَبِيَّ الأوَّلَ فَلَمّا خَرَجُوا مِنَ السَّفِينَةِ تَزَوَّجَ إرَمُ بْنُ سامٍ بَعْضَ بَناتِهِ وصارَ اللِّسانُ العَرَبِيُّ في ولَدِهِ عُوصٍ أبِي عادٍ، وعَبِيلَ وجاثِرٍ أبِي ثَمُودَ وجَدِيسَ، وسُمِّيَتْ عادٌ بِاسْمِ جُرْهُمَ لِأنَّهُ كانَ جَدَّهم مِنَ الأُمِّ وبَقِيَ اللِّسانُ السُّرْيانِيُّ في ولَدِ أرْفَخَشْدِ ابْنِ سامٍ إلى أنْ وصَلَ إلى قَحْطانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ وكانَ بِاليَمَنِ فَنَزَلَ هُناكَ بَنُو إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَتَعَلَّمَ مِنهم بَنُو قَحْطانَ اللِّسانَ العَرَبِيَّ، وقالَ ابْنُ دِحْيَةَ: العَرَبُ أقْسامٌ: الأوَّلُ عارِبَةُ وعَرْباءُ -وهُمُ الخُلَّصُ- وهم تِسْعُ قَبائِلَ مِن ولَدِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ؛ وهي عادٌ وثَمُودُ وأمِيمُ وعَبِيلُ وطَسْمُ وجَدِيسُ وعَمَلِيقُ وجُرْهُمُ ووِبارُ، ومِنهم تَعَلَّمَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ العَرَبِيَّةَ، والثّانِي المُتَعَرِّبَةُ قالَ في الصِّحاحِ: وهُمُ الَّذِينَ لَيْسُوا بِخُلَّصٍ وهم بَنُو قَحْطانَ، والثّالِثُ المُسْتَعْرِبَةُ وهُمُ الَّذِينَ لَيْسُوا بِخُلَّصٍ أيْضًا -وهم بَنُو إسْماعِيلَ- وهم ولَدُ مَعْدِ بْنِ عَدْنانَ بْنِ أُدَدَ، اهـ.
وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ في الجَمْهَرَةِ العَرَبُ العارِبَةُ سَبْعُ قَبائِلَ: عادٌ وثَمُودُ وعَمَلِيقُ وطَسْمُ وجَدِيسُ وأمِيمُ وجاسِمٌ، وقَدِ انْقَرَضَ أكْثَرُهم إلّا بَقايا مُتَفَرِّقِينَ مِنَ القَبائِلِ، وأوَّلُ مَنِ انْعَدَلَ لِسانُهُ عَنِ السُّرْيانِيَّةِ إلى العَرَبِيَّةِيَعْرُبُ بْنُ قَحْطانَ، وهو مُرادُ الجَوْهَرِيِّ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ أوَّلُ مَن تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى أنَّهُ أوَّلُ مَن تَكَلَّمَ بِها بِما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ في التّارِيخِ بِسَنَدٍ رَواهُ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ مَوْقُوفًا ولا أراهُ يَصِحُّ، ذُكِرَ فِيهِ تَبَلْبُلُ الألْسِنَةِ بِبابِلَ وأنَّهُ أوَّلُ مَن تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ مِن طَرِيقِ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ «عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ إلَخْ، ثُمَّ قالَ: ”أُلْهِمَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا اللِّسانَ العَرَبِيَّ إلْهامًا“،» وقالَ الشِّيرازِيُّ في كِتابِ الألْقابِ: أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ إسْماعِيلَ المُدانِيُّ أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ إسْحاقَ الماشِيُّ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جابِرٍ، حَدَّثَنا أبُو يُوسُفَ بْنُ السِّكِّيتِ قالَ: حَدَّثَنِي الأثْرَمُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنا مَسْمَعُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ عَنْ آبائِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «”أوَّلُ مَن فَتَقَ لِسانُهُ بِالعَرَبِيَّةِ المُبِينَةِ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ابْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً“».
ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ مَن تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ المَحْضَةِ، وأُرِيدَ بِذَلِكَ -عَلى ما قالَهُ بَعْضُ الحُفّاظِ- عَرَبِيَّةَ قُرَيْشٍ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ، وإلّا فاللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ مُطْلَقًا كانَتْ قَبْلَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتْ لُغَةَ حِمْيَرَ، وقَحْطانَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلّامٍ: أخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ قالَ: العَرَبُ كُلُّها ولَدُ إسْماعِيلَ إلّا حِمْيَرًا وبَقايا جُرْهُمَ وقَدْ جاوَرَهم وأصْهَرَ إلَيْهِمْ، وذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن لَيْسَ مِن ذُرِّيَّتِهِ كَعادٍ وثَمُودَ وطَسْمَ وجَدِيسَ وأمِيمَ وجُرْهُمَ والعَمالِيقِ وأُمَمٍ غَيْرِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ كانُوا قَبْلَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ وفي زَمانِهِ وكانَ عَرَبُ الحِجازِ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وأمّا عَرَبُ اليَمَنِ -وهم حِمْيَرُ- فالمَشْهُورُ كَما قالَ ابْنُ ماكُولا: إنَّهم مِن قَحْطانَ واسْمُهُ مِهْزَمٌ وهو ابْنُ هُودٍ، وقِيلَ: أخُوهُ، وقِيلَ: مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقِيلَ: قَحْطانُ هو هُودٌ، وحَكى ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ أنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ العَرَبَ القَحْطانِيَّةَ مِن عَرَبِ اليَمَنِ وغَيْرِهِمْ لَيْسُوا مِن ذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ مُطْلَقًا كانَتْ قَبْلَهُ وهي إحْدى اللُّغاتِ الَّتِي عَلِمَها آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ يَتَكَلَّمُ بِها وبِغَيْرِها أيْضًا، وكَثُرَ تَكَلُّمُهُ فِيما قِيلَ: بِالسُّرْيانِيَّةِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّها أوَّلُ اللُّغاتِ وأنَّ كُلَّ لُغَةٍ سِواها حَدَثَتْ بَعْدَها إمّا تَوْقِيفًا أوِ اصْطِلاحًا، واسْتَدَلُّوا عَلى أسْبَقِيَّتِها وُجُودًا بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى وهو عَرَبِيٌّ وفِيهِ ما فِيهِ، وهي أفْضَلُ اللُّغاتِ حَتّى حَكى شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنِ الإمامِ أبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَراهَةَ التَّكَلُّمِ بِغَيْرِها لِمَن يُحْسِنُها مِن غَيْرِ حاجَةٍ، وبَعْدَها في الفَضْلِ عَلى ما قِيلَ: الفارِسِيَّةُ الدُّرِّيَّةُ حَتّى رُوِيَ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ جَوازُ قِراءَةِ القُرْآنِ بِها سَواءٌ في ذَلِكَ ما كانَ ثَناءً كالإخْلاصِ وغَيْرِهِ، وسَواءٌ كانَتْ عَنْ عَجْزٍ عَنِ العَرَبِيَّةِ أمْ لا، ورُوِيَ عَنْ صاحِبَيْهِ جَوازُ القِراءَةِ في الصَّلاةِ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ لِمَن لا يُحْسِنُها، وفي النِّهايَةِ والدِّرايَةِ أنَّ أهْلَ فارِسَ كَتَبُوا إلى سَلْمانَ الفارِسِيِّ أنْ يَكْتُبَ لَهُمُ الفاتِحَةَ بِالفارِسِيَّةِ فَكَتَبَ فَكانُوا يَقْرَأُونَ ما كَتَبَ في الصَّلاةِ حَتّى لانَتْ ألْسِنَتُهم.
وقَدْ عَرَضَ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، نَعَمِ الصَّحِيحُ أنَّ الإمامَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وفي النَّفْحَةِ القُدْسِيَّةِ في أحْكامِ قِراءَةِ القُرْآنِ وكِتابَتِهِ بِالفارِسِيَّةِ لِلشِّرْنِبْلالِيِّ ما مُلَخَّصُهُ: حُرْمَةُ كِتابَةِ القُرْآنِ بِالفارِسِيَّةِ إلّا أنْ يَكْتُبَهُ بِالعَرَبِيَّةِ ويَكْتُبَ تَفْسِيرَ كُلِّ حَرْفٍ وتَرْجَمَتَهُ وحُرْمَةُ مَسِّهِ لِغَيْرِ الطّاهِرِ اتِّفاقًا كَقِراءَتِهِ وعَدَمُ صِحَّةِ الصَّلاةِ بِافْتِتاحِها بِالفارِسِيَّةِ وعَدَمُ صِحَّتِها بِالقِراءَةِ بِها إذا كانَتْ ثَناءً واقْتِصارُهُ عَلَيْها مَعَ القُدْرَةِ عَلى العَرَبِيَّةِ وعَدَمُ الفَسادِ بِما هو ذِكْرٌ وفَسادُها بِما لَيْسَ ذِكْرًا بِمُجَرَّدِ قِراءَتِهِ ولا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ أُمِّيًّا وهو يَعْلَمُ الفارِسِيَّةَ فَقَطْ، وتَصِحُّ الصَّلاةُ بِدُونِ قِراءَةٍ لِلْعَجْزِ عَنِ العَرَبِيَّةِ عَلى الصَّحِيحِ عِنْدَ الإمامِ وصاحِبَيْهِ، وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ، وفي مِعْراجِ الدِّرايَةِ مَن تَعَمَّدَ قِراءَةَ القُرْآنِ أوْ كِتابَتَهُ بِالفارِسِيَّةِ فَهو مَجْنُونٌ أوْ زِنْدِيقٌ، والمَجْنُونُ يُداوى والزِّنْدِيقُ يُقْتَلُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ البُخارِيِّ ومَعَ هَذا لا يُنْكَرُ فَضْلُ الفارِسِيَّةِ، فَفي الحَدِيثِ: «”لِسانُ أهْلِ الجَنَّةِ العَرَبِيُّ والفارِسِيُّ الدُّرِّيُّ“،» وقَدِ اشْتُهِرَ ذَلِكَ لَكِنْ ذَكَرَ الذَّهَبِيُّ في تارِيخِهِ عَنْ سُفْيانَ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا أنَّ النّاسَ يَتَكَلَّمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالسُّرْيانِيَّةِ فَإذا دَخَلُوا الجَنَّةَ تَكَلَّمُوا بِالعَرَبِيَّةِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، وآخَرُونَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أحِبُّوا العَرَبَ لِثَلاثٍ؛ لِأنِّي عَرَبِيٌّ والقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، وكَلامُ أهْلِ الجَنَّةِ عَرَبِيٌّ”».
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ما يُعَضِّدُهُ، ولا يَخْفى عَلى الخَبِيرِ بِمَزايا الكَلامِ أنَّ في الكَلامِ العَرَبِيِّ مِن لَطائِفِ المَعانِي ودَقائِقِ الأسْرارِ ما لا يَسْتَقِلُّ بِأدائِهِ لِسانٌ ويَلِيهِ في ذَلِكَ الكَلامُ الفارِسِيُّ، فَإنْ كانَ هَذا مَدارَ الفَضْلِ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَتَنازَعَ اثْنانِ في أفْضَلِيَّةِ العَرَبِيِّ ثُمَّ الفارِسِيِّ مِمّا وصَلَ إلَيْنا مِنَ اللُّغاتِ، وإنْ كانَ شَيْئًا آخَرَ فالظّاهِرُ وُجُودُهُ في العَرَبِيِّ الَّذِي اخْتارَ سُبْحانَهُ إنْزالَ القُرْآنِ بِهِ لا غَيْرَ، وقَدْ قَسَمَ لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن هَذا اللِّسانِ ما لَمْ يَقْسِمْ لِأحَدٍ مِن فُصَحاءِ العَرَبِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما لِكَ أفْصَحُنا ولَمْ تَخْرُجْ مِن بَيْنِ أظْهُرِنا؟
قالَ: كانَتْ لُغَةُ إسْماعِيلَ قَدْ دَرَسَتْ فَجاءَ بِها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَفَّظَنِيها فَحَفِظْتُها“».
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ يُونُسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ بْنِ الحَرْثِ التَّيْمِيِّ عَنْ أبِيهِ مِن حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أفْصَحَكَ ما رَأيْنا الَّذِي هو أعْرَبُ مِنكَ؟
قالَ: حَقَّ لِي فَإنَّما أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَيَّ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ"،» هَذا وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ العَرَبِيُّ مَنسُوبًا إلى عَرَبَةٍ وهي ناحِيَةُ دارِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ الشّاعِرُ: (وعَرَبَةٌ) أرْضٌ ما يَحِلُّ حَرامَها مِنَ النّاسِ إلّا اللَّوْذَعِيُّ الحُلاحِلُ والمُرادُ لُغَةُ أهْلِ هَذِهِ النّاحِيَةِ، واسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِنهُمُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو عُبَيْدَةَ، والقاضِي أبُو بَكْرٍ بِوَصْفِ القُرْآنِ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا عَلى أنَّهُ لا مُعْرَبَ فِيهِ، وشَدَّدَ الشّافِعِيُّ النَّكِيرَ عَلى مَن زَعَمَ وُقُوعَ ذَلِكَ فِيهِ، وكَذا أبُو عُبَيْدَةَ فَإنَّهُ قالَ: مَن زَعَمَ أنَّ فِيهِ غَيْرَ العَرَبِيَّةِ فَقَدْ أعْظَمَ القَوْلَ.
ووَجَّهَ ابْنُ جَرِيرٍ ما ورَدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وغَيْرَهُ في تَفْسِيرِ ألْفاظٍ مِنهُ أنَّها بِالفارِسِيَّةِ أوِ الحَبَشِيَّةِ أوِ النَّبَطِيَّةِ كَذا بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا اتَّفَقَ فِيهِ تَوارُدُ اللُّغاتِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ كانَ لِلْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ بَعْضُ مُخالَطَةٍ لِأهْلِ سائِرِ الألْسِنَةِ في أسْفارٍ لَهم فَعَلُقَتْ مِن لُغاتِهِمْ ألْفاظٌ غَيَّرَتْ بَعْضَها بِالنَّقْصِ مِن حُرُوفِها واسْتَعْمَلَتْها في أشْعارِها ومُحاوَرَتِها حَتّى جَرَتْ مَجْرى العَرَبِيِّ الفَصِيحِ ووَقَعَ بِها البَيانُ، وعَلى هَذا الحَدِّ نَزَلَ بِها القُرْآنُ.
وقالَ آخَرُونَ: كُلُّ تِلْكَ الألْفاظِ عَرَبِيَّةٌ صِرْفَةٌ ولَكِنَّ لُغَةَ العَرَبِ مُتَّسِعَةٌ جِدًّا ولا يَبْعُدُ أنْ تَخْفى عَلى الأكابِرِ الأجِلَّةِ، وقَدْ خَفِيَ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ مَعْنى فاطِرٍ وفاتِحٍ، ومِن هُنا قالَ الشّافِعِيُّ في الرِّسالَةِ: لا يُحِيطُ بِاللُّغَةِ إلّا نَبِيٌّ.
وذَهَبَ جَمْعٌ إلى وُقُوعِ غَيْرِ العَرَبِيِّ فِيهِ، وأجابُوا عَنِ الآيَةِ بِأنَّ الكَلِماتِ اليَسِيرَةَ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ لا تُخْرِجُهُ عَنِ العَرَبِيَّةِ، فالقَصِيدَةُ الفارِسِيَّةُ لا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِها فارِسِيَّةً بِلَفْظَةٍ عَرَبِيَّةٍ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: المُرادُ أنَّهُ عَرَبِيُّ الأُسْلُوبِ، واسْتَدَلُّوا بِاتِّفاقِ النُّحاةِ عَلى أنَّ مَنعَ صَرْفِ نَحْوِ إبْراهِيمَ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، ورَدَ بِأنَّ الأعْلامَ لَيْسَتْ مَحَلَّ خِلافٍ وإنَّما الخِلافُ في غَيْرِها، وأُجِيبَ بِأنَّهُ إذا اتُّفِقَ عَلى وُقُوعِ الأعْلامِ فَلا مانِعَ مِن وُقُوعِ الأجْناسِ ونُظِرَ فِيهِ، واخْتارَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ القَوْلَ بِالوُقُوعِ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِما صَحَّ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ التّابِعِيِّ الجَلِيلِ أنَّهُ قالَ: في القُرْآنِ مِن كُلِّ لِسانٍ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ.
وذُكِرَ أنَّ حِكْمَةَ وُقُوعِ تِلْكَ الألْفاظِ فِيهِ أنَّهُ حَوى عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ونَبَأ كُلِّ شَيْءٍ فَلا بُدَّ أنْ تَقَعَ فِيهِ الإشارَةُ إلى أنْواعِ اللُّغاتِ لِتَتِمَّ إحاطَتُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ فاخْتِيرَ لَهُ مِن كُلِّ لُغَةٍ أعْذَبُها وأخَفُّها وأكْثَرُها اسْتِعْمالًا لِلْعَرَبِ وأيْضًا لَمّا كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُرْسَلًا إلى كُلِّ أُمَّةٍ ناسَبَ أنْ يَكُونَ في كِتابِهِ المَبْعُوثِ بِهِ مِن لِسانِ كُلِّ قَوْمٍ شَيْءٌ، وقَدْ أشارَ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ ابْنُ النَّقِيبِ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القاسِمُ بْنُ سَلامٍ بَعْدَ أنْ حَكى القَوْلَ بِالوُقُوعِ عَنِ الفُقَهاءِ: والمَنعُ عَنْ أهْلِ العَرَبِيَّةِ الصَّوابِ تَصْدِيقُ القَوْلَيْنِ جَمِيعًا، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأحْرُفَ أُصُولُها عَجَمِيَّةٌ كَما قالَ الفُقَهاءُ لَكِنَّها وقَعَتْ لِلْعَرَبِ فَعَرَّبَتْها بِألْسِنَتِها وحَوَّلَتْها عَنْ ألْفاظِ العَجَمِ إلى ألْفاظِها فَصارَتْ عَرَبِيَّةً ثُمَّ نَزَلَ القُرْآنُ، وقَدِ اخْتَلَطَتْ هَذِهِ الأحْرُفُ بِكَلامِ العَرَبِ فَمَن قالَ: إنَّها عَرَبِيَّةٌ فَهو صادِقٌ، ومَن قالَ: إنَّها عَجَمِيَّةٌ فَهو صادِقٌ، ومالَ إلى هَذا القَوْلِ الجَوالِيقِيُّ وابْنُ الجَزَرِيِّ وآخَرُونَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ أيْضًا فَلْيُتَفَطَّنْ ولْيُتَأمَّلْ.
واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِالآيَةِ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مَخْلُوقًا مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ وصْفُهُ بِالإنْزالِ، والقَدِيمُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، الثّانِي وصْفُهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، والقَدِيمُ لا يَكُونُ عَرَبِيًّا ولا فارِسِيًّا، الثّالِثُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى إنْزالِهِ غَيْرَ عَرَبِيٍّ وهو ظاهِرُ الدَّلالَةِ عَلى حُدُوثِهِ.
الرّابِعُ أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ ﴾ يَدُلُّ عَلى تَرْكُّبِهِ مِنَ الآياتِ والكَلِماتِ وكُلُّ ما كانَ مُرَكَّبًا كانَ مُحْدَثًا ضَرُورَةَ أنَّ الجُزْءَ الثّانِيَ غَيْرُ مَوْجُودٍ حالَ وُجُودِ الجُزْءِ الأوَّلِ.
وأجابَ الأشاعِرَةُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِأنَّ قُصارى ما يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ والكَلِماتِ مُحْدَثٌ وذَلِكَ مِمّا لا نِزاعَ فِيهِ، والَّذِي نَدَّعِي قِدَمَهُ شَيْءٌ آخَرُ نُسَمِّيهِ الكَلامَ النَّفْسِيَّ وهو مِمّا لا يَتَّصِفُ بِالإنْزالِ ولا بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا ولا غَيْرَهُ، ولا بِكَوْنِهِ مُرَكَّبًا مِنَ الحُرُوفِ ولا غَيْرِها، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ في المُقَدِّماتِ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَلا تَغْفَلْ.
﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ أيْ لِكَيْ تَفْهَمُوا مَعانِيهِ وتُحِيطُوا بِما فِيهِ مِنَ البَدائِعِ أوْ تَسْتَعْمِلُوا فِيهِ عُقُولَكم فَتَعْلَمُوا أنَّهُ خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ مُشْتَمِلٌ عَلى ما يَشْهَدُ لَهُ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ خَلّاقِ القُوى والقُدَرِ، وهَذا بَيانٌ لِحِكْمَةِ إنْزالِهِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ -لَعَلَّ- مُسْتَعْمَلَةٌ بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، ومُرادُهُ مِن ذَلِكَ ظاهِرٌ، وجَعْلُها لِلرَّجاءِ مِن جانِبِ المُخاطَبِينَ وإنْ كانَ جائِزًا لا يُناسِبُ المَقامَ.
وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ المَعْنى أنْزَلَهُ لِتَعْقِلُوا مَعانِيَهُ في أمْرِ الدِّينِ فَتَعْرِفُوا الأدِلَّةَ الدّالَّةَ عَلى تَوْحِيدِهِ وما كَلَّفَكم بِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ مَن حَصَلَ مِنهُ ذَلِكَ ومَن لَمْ يَحْصُلْ، وفِيهِ أنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ الِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى ما ذَكَرَ كَما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"
﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ أيْ نُخْبِرُكَ ونُحَدِّثُكَ مِن قَصَّ أثَرَهَ إذا اتَّبَعَهُ كَأنَّ المُحْدَثَ يَتْبَعُ ما حَدَثَ بِهِ وذَكَرَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، ومِثْلُ ذَلِكَ تُلِيَ ﴿ أحْسَنَ القَصَصِ ﴾ أيْ أحْسَنَ الِاقْتِصاصِ فَنَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ إمّا لِإضافَتِهِ إلى المَصْدَرِ أوْ لِكَوْنِهِ في الأصْلِ صِفَةَ مَصْدَرٍ أيْ قَصَصًا أحْسَنَ القَصَصِ، وفِيهِ مَعَ بَيانِ الواقِعِ إيهامٌ لِما في اقْتِصاصِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ القُبْحِ والخَلَلِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ أيْ مَضْمُونُ هَذا القُرْآنِ، والمُرادُ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ، وكَذا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بِما أوْحَيْنا ﴾ أيْ بِسَبَبِ إيحائِنا.
﴿ إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ ﴾ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ قُرْآنِيَّتِها لِتَحْقِيقِ أنَّ الِاقْتِصاصَ لَيْسَ بِطَرِيقِ الإلْهامِ أوِ الوَحْيِ غَيْرِ المَتْلُوِّ، ولَعَلَّ كَلِمَةَ (هَذا) لِلْإيماءِ إلى تَعْظِيمِ المُشارِ إلَيْهِ.
وقِيلَ: فِيها إيماءٌ إلى مُغايَرَةِ هَذا القُرْآنِ لِما في قَوْلِهِ تَعالى: ( قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) بِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ المَجْمُوعَ وفِيهِ تَأمُّلٌ، وأحْسَنِيَّتُهُ لِأنَّهُ قَدْ قُصَّ عَلى أبْدَعِ الطَّرائِقِ الرّائِعَةِ الرّائِقَةِ، وأعْجَبِ الأسالِيبِ الفائِقَةِ اللّائِقَةِ كَما لا يَكادُ يَخْفى عَلى مَن طالَعَ القِصَّةَ مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ وإنْ كانَ لا يُمَيِّزُ الغَثَّ مِنَ السَّمِينِ ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ الشَّمالِ واليَمِينِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هَذا المَذْكُورُ مَفْعُولَ (نَقُصُّ).
وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الآيَةَ مِن بابِ تَنازُعِ الفِعْلَيْنِ، والمَذْهَبُ البَصْرِيُّ أوْلى هُنا أمّا لَفْظًا فَظاهِرٌ وأمّا مَعْنًى فَلِأنَّ القُرْآنَ كَما سَمِعْتَ السُّورَةَ وإيقاعَ الإيحاءِ عَلَيْها أظْهَرُ مِن إيقاعِ (نَقُصُّ) بِاعْتِبارِ اشْتِمالِها عَلى القِصَّةِ وما هو أظْهَرُ أوْلى بِإعْمالِ صَرِيحِ الفِعْلِ فِيهِ، وفِيهِ مِن تَفْخِيمِ القُرْآنِ وإحْضارِ ما فِيهِ مِنَ الإعْجازِ وحُسْنِ البَيانِ ما لَيْسَ في إعْمالِ (نَقُصُّ) صَرِيحًا، وجَوَّزَ تَنْزِيلَ أحَدِ الفِعْلَيْنِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أحْسَنَ) مَفْعُولًا بِهِ -لِنَقُصُّ-، والقَصَصُ: إمّا فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالنَّبَأِ والخَبَرِ أوْ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ كالخَلْقِ والصَّيْدِ أيْ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ ما يُقَصُّ مِنَ الأنْباءِ وهو قِصَّةُ آلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ووَجْهُ أحْسَنِيَّتِها اشْتِمالُها عَلى حاسِدٍ ومَحْسُودٍ، ومالِكٍ ومَمْلُوكٍ، وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ وعاشِقٍ ومَعْشُوقٍ وحَبْسٍ وإطْلاقٍ وخِصْبٍ وجَدْبٍ، وذَنْبٍ وعَفْوٍ، وفِراقٍ ووِصالٍ، وسَقَمٍ وصِحَّةٍ، ورَحْلٍ وارْتِحالٍ، وذُلٍّ وعِزٍّ، وقَدْ أفادَتْ أنَّهُ لا دافِعَ لِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى ولا مانِعَ مِن قَدْرِهِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا قَضى لِإنْسانٍ بِخَيْرٍ ومَكْرُمَةٍ فَلَوْ أنَّ أهْلَ العالَمِ اجْتَمَعُوا عَلى دَفْعِ ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرُوا وأنَّ الحَسَدَ سَبَبُ الخِذْلانِ والنُّقْصانِ، وأنَّ الصَّبْرَ مِفْتاحُ الفَرَجِ، وأنَّ التَّدْبِيرَ مِنَ العَقْلِ وبِهِ يَصْلُحُ أمْرُ المَعاشِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْجِزُ عَنْ بَيانِهِ بَنانُ التَّحْرِيرِ.
وقِيلَ: إنَّما كانَتْ (أحْسَنَ) لِأنَّ غالِبَ مَن ذَكَرَ فِيها كانَ مَآلُهُ إلى السَّعادَةِ، وقِيلَ: المَقْصُوصُ أخْبارُ الأُمَمِ السّالِفَةِ والقُرُونِ الماضِيَةِ لا قِصَّةُ آلِ يَعْقُوبَ فَقَطْ، والمُرادُ بِهَذا القُرْآنِ ما اشْتَمَلَ عَلى ذَلِكَ، و(أحْسَنَ) لَيْسَ أفْعَلَ تَفْضِيلٍ بَلْ هو بِمَعْنى حَسَنٍ كَأنَّهُ قِيلَ: حَسَنُ القَصَصِ مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيِ القَصَصُ الحَسَنُ، والقَوْلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ ما ذَكَرْنا، قِيلَ: ولِكَوْنِها بِتِلْكَ المَثابَةِ مِنَ الحُسْنِ تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي إلى نَقْلِها ولِذا لَمْ تَتَكَرَّرْ كَغَيْرِها مِنَ القَصَصِ، وقِيلَ: سَبَبُ ذَلِكَ مِنِ افْتِتانِ امْرَأةٍ ونِسْوَةٍ بِأبْدَعِ النّاسِ جَمالًا، ويُناسِبُ ذَلِكَ عَدَمَ التَّكْرارِ لِما فِيهِ مِنَ الإغْضاءِ والسَّتْرِ، وقَدْ صَحَّحَ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ تَعْلِيمِ النِّساءِ سُورَةَ يُوسُفَ، وقالَ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ: إنَّما كَرَّرَ اللَّهُ تَعالى قَصَصَ الأنْبِياءِ وساقَ هَذِهِ القِصَّةَ مَساقًا واحِدًا إشارَةً إلى عَجْزِ العَرَبِ، كَأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُمْ: إنْ كانَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي فافْعَلُوا في قِصَّةِ يُوسُفَ ما فَعَلْتُ في سائِرِ القِصَصِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ إلّا أنَّهُ يُبْقِي عَلَيْهِ أنَّ تَخْصِيصَ سُورَةِ يُوسُفَ لِذَلِكَ يَحْتاجُ إلى بَيانٍ، فَإنَّ سَوْقَ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَثَلًا مَساقًا واحِدًا يَتَضَمَّنُ الإشارَةَ إلى ذَلِكَ أيْضًا بِعَيْنِ ما ذُكِرَ، وقالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: ظَهَرَ لِي وجْهٌ في سَوْقِها كَذَلِكَ، وهو أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ طَلَبِ الصَّحابَةِ أنْ يَقُصَّ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَتْ مَبْسُوطَةً تامَّةً لِيَحْصُلَ لَهم مَقْصُودُ القِصَصِ مِن الِاسْتِيعابِ وتَرْوِيحِ النَّفْسِ بِالإحاطَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ قالَ: وأقْوى ما يُجابُ بِهِ أنَّ قِصَصَ الأنْبِياءِ إنَّما كُرِّرَتْ لِأنَّ المَقْصُودَ بِها إفادَةُ إهْلاكِ مَن كَذَّبُوا رُسُلَهم والحاجَةُ داعِيَةٌ إلى ذَلِكَ كَتَكْرِيرِ تَكْذِيبِ الكُفّارِ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَكُلَّما كَذَّبُوا أُنْزِلَتْ قِصَّةٌ مُنْذِرَةٌ بِحُلُولِ العَذابِ كَما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ في آياتٍ: ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ ﴾ ، ﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ ﴾ وقِصَّةُ يُوسُفَ لَمْ يُقْصَدْ مِنها ذَلِكَ، وبِهَذا أيْضًا يَحْصُلُ الجَوابُ عَنْ عَدَمِ تَكْرِيرِ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وقِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ وقِصَّةِ مُوسى مَعَ الخِضْرِ، وقِصَّةِ الذَّبِيحِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: قَدْ تَكَرَّرَتْ قِصَّةُ وِلادَةِ يَحْيى ووِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مَرَّتَيْنِ ولَيْسَتْ مِن قَبِيلِ ما ذَكَرْتَ، (قُلْتُ) الأُولى في سُورَةِ -كهيعص- وهي مَكِّيَّةٌ أُنْزِلَتْ خِطابًا لِأهْلِ مَكَّةَ، والثّانِيَةُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وهي مَدَنِيَّةٌ أُنْزِلَتْ خِطابًا لِلْيَهُودِ ولِنَصارى نَجْرانَ حِينَ قَدِمُوا، ولِهَذا اتَّصَلَ بِهَذا ذِكْرُ المُحاجَّةِ والمُباهَلَةِ، اهـ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كُرِّرَتْ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ بِها إفادَةَ إهْلاكِ مَن كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ، وأُجِيبَ بِأنَّها وإنْ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ بِها إفادَةَ ما ذُكِرَ إلّا أنَّ فِيها مِنَ الزَّجْرِ عَنِ المَعْصِيَةِ ما فِيها، فَهي أشْبَهُ قِصَّةٍ بِتِلْكَ القِصَصِ الَّتِي كُرِّرَتْ لِذَلِكَ فافْهَمْ.
﴿ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ ﴾ أيْ قَبْلِ إيحائِنا إلَيْكَ ذَلِكَ ﴿ لَمِنَ الغافِلِينَ ﴾ عَنْهُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِكَ ولَمْ يَقْرَعْ سَمْعَكَ، وهَذا تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ مُوحًى كَما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ والأكْثَرُ في مِثْلِهِ تَرْكُ الواوِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ عَدَمِ العِلْمِ بِالغَفْلَةِ لِإجْلالِ شَأْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكَذا العُدُولُ عَنْ -لَغافِلًا- إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ عِنْدَ بَعْضٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ بَدِيعًا وفِيهِ نَوْعُ غَرابَةٍ إذا وقَفَ عَلَيْهِ قِيلَ لِلْمُخاطَبِ: كُنْتَ عَنْ هَذا غافِلًا فَيَجُوزُ أنْ يَقْصِدَ الإشارَةَ إلى غَرابَةِ تِلْكَ القِصَّةِ فَيَكُونُ كالتَّأْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ إلّا أنَّ فِيهِ ما لا يَخْفى، وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ واللّامُ فارِقَةٌ، وجُمْلَةُ (كُنْتَ) إلَخْ خَبَرُ -إنْ- <div class="verse-tafsir"
﴿ إذْ قالَ يُوسُفُ ﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ -اذْكُرْ- بِناءً عَلى تَصَرُّفِها، وذِكْرُ الوَقْتِ كِنايَةٌ عَنْ ذِكْرِ ما حَدَثَ فِيهِ، والكَلامُ شُرُوعٌ في إنْجازِ ما وعَدَ سُبْحانَهُ، وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ العامِلَ في (إذِ) الغافِلِينَ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيها (نَقُصُّ)، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ عَلى مَعْنى نَقُصُّ عَلَيْكَ الحالَ (إذْ) إلَخْ، وهي لِلْوَقْتِ المُطْلَقِ المُجَرَّدِ عَنِ اعْتِبارِ المُضِيِّ، وفي كِلا الوَجْهَيْنِ ما فِيهِ.
واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ بَقاءَها عَلى مَعْناها الأصْلِيِّ وأنَّ العامِلَ فِيها (قالَ يا بُنَيَّ) كَما تَقُولُ: إذْ قامَ زَيْدٌ قامَ عَمْرٌو، ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَها بَدَلًا مِن (أحْسَنَ القَصَصِ) عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِهِ مَفْعُولًا بِهِ وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، وأوْرَدَ أنَّهُ إذا كانَ بَدَلًا مِنَ المَفْعُولِ يَكُونُ الوَقْتُ مَقْصُوصًا ولا مَعْنى لَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ لازَمَهُ وهو اقْتِصاصُ قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ اقْتِصاصَ وقْتِ القَوْلِ مَلْزُومٌ لِاقْتِصاصِ القَوْلِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَكُونُ بَدَلَ بَعْضٍ أوْ كُلٍّ لا اشْتِمالٍ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنَّما يَلْزَمُ ما ذَكَرَ لَوْ كانَ الوَقْتُ بِمَعْنى القَوْلِ، وهو إمّا عَيْنُ المَقْصُوصِ أوْ بَعْضُهُ، أمّا لَوْ بَقِيَ عَلى مَعْناهُ وجُعِلَ مَقْصُوصًا بِاعْتِبارِ ما فِيهِ فَلا يَرُدُّ الِاعْتِراضَ.
هَذا ولَمْ يُجَوِّزُوا البَدَلِيَّةَ عَلى تَقْدِيرِ نَصْبِ ﴿ أحْسَنَ القَصَصِ ﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِعَدَمِ صِحَّةِ المَعْنى حِينَئِذٍ وبِقِيامِ المانِعِ عَرَبِيَّةٌ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ المَقْصُوصَ في ذَلِكَ الوَقْتُ لا الِاقْتِصاصُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ أحْسَنَ الِاقْتِصاصِ مَصْدَرٌ فَلَوْ كانَ الظَّرْفُ بَدَلًا وهو المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ لَكانَ مَصْدَرًا أيْضًا وهو غَيْرُ جائِزٍ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَأْوِيلِهِ بِالفِعْلِ، وأوْرَدَ عَلى هَذا أنَّ المَصْدَرَ كَما يَكُونُ ظَرْفًا نَحْوَ أتَيْتُكَ طُلُوعَ الشَّمْسِ يَكُونُ الظَّرْفُ أيْضًا مَصْدَرًا ومَفْعُولًا مُطْلَقًا لِسَدِّهِ مَسَدَّ المَصْدَرِ كَما في قَوْلِهِ: لَمْ تَغْتَمِضْ عَيْناكَ لَيْلَةَ أرْمَدَ.
فَإنَّهم صَرَّحُوا -كَما في التَّسْهِيلِ وشُرُوحِهِ- أنَّ لَيْلَةَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أيِ اغْتِماضُ لَيْلَةٍ، وما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ التَّأْوِيلِ بِالفِعْلِ فَهو مِنَ الأوْهامِ الفارِغَةِ، نَعَمْ إذا نابَ عَنِ المَصْدَرِ فَفي كَوْنِهِ بَدَلَ اشْتِمالٍ شُبْهَةٌ وهو شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ ما ذَكَرَ، وعَلى الأوَّلِ أنَّهُ وإنْ لَمْ يَشْتَمِلِ الوَقْتُ عَلى الِاقْتِصاصِ فَهو مُشْتَمِلٌ عَلى المَقْصُوصِ فَلِمَ لَمْ تَجُزِ البَدَلِيَّةُ بِهَذِهِ المُلابَسَةِ؟
ورُدَّ بِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ المُلابَسَةِ لا تُصَحِّحُ البَدَلِيَّةَ، ونُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ أنَّ الِاشْتِمالَ لَيْسَ كاشْتِمالِ الظَّرْفِ عَلى المَظْرُوفِ، بَلْ كَوْنُهُ دالًّا عَلَيْهِ إجْمالًا ومُتَقاضِيًا لَهُ بِوَجْهٍ ما بِحَيْثُ تَبْقى النَّفْسُ عِنْدَ ذِكْرِ الأوَّلِ مُتَشَوِّقَةً إلى الثّانِي مُنْتَظِرَةً لَهُ، فَيَجِيءُ الثّانِي مُبَيِّنًا لِما أُجْمِلُ فِيهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَكُنْ بَدَلَ غَلَطٍ وعَلى هَذا يُقالُ في عَدَمِ صِحَّةِ البَدَلِيَّةِ: إنَّ النَّفْسَ إنَّما تَتَشَوَّقُ لِذِكْرِ وقْتِ الشَّيْءِ لا لِذِكْرِ وقْتٍ لازَمَهُ، ووَقْتُ القَوْلِ لَيْسَ وقْتًا لِلِاقْتِصاصِ، و(يُوسُفُ) عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ لا عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأسَفِ وسُمِّيَ بِهِ لِأسَفِ أبِيهِ عَلَيْهِ، أوْ أسَفِهِ عَلى أبِيهِ أوْ أسَفِ مَن يَراهُ عَلى مُفارَقَتِهِ لِمَزِيدِ حُسْنِهِ كَما قِيلَ، وإلّا لانْصَرَفَ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ العَلَمِيَّةِ ولا يُتَوَهَّمَنَّ أنَّ فِيهِ وزْنَ الفِعْلِ أيْضًا إذْ لَيْسَ لَنا فِعْلٌ مُضارِعٌ مَضْمُومُ الأوَّلِ والثّالِثِ، وكَذا يُقالُ في يُونُسَ، وقُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها عَلى ما هو الشّائِعُ في الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ مِنَ التَّغْيِيرِ لا عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ أوْ لِلْفاعِلِ مِن آسَفَ، لِأنَّ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ شَهِدَتْ بِعَجَمِيَّتِهِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أعْجَمِيًّا وغَيْرَ أعْجَمِيٍّ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ لَكِنْ فِي الصِّحاحِ أنَّ يَعْفُرَ ولَدُ الأسْوَدِ الشّاعِرِ إذا قُلْتَهُ بِفَتْحِ الياءِ لَمْ تَصْرِفْهُ لِأنَّهُ مِثْلُ يَقْتُلُ.
وقالَ يُونُسُ: سَمِعْتُ رُؤْبَةَ يَقُولُ: أسْوَدُ بْنُ يُعْفُرَ بِضَمِّ الياءِ وهَذا يَنْصَرِفُ لِأنَّهُ قَدْ زالَ عَنْهُ شَبَهُ الفِعْلِ، اهـ.
وصَرَّحُوا بِأنَّ هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأنَّ الأخْفَشَ خالَفَهُ فَمَنَعَ صَرْفَهُ لِعُرُوضِ الضَّمِّ لِلْإتْباعِ، وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَرَبِيٌّ ومُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ والكَسْرِ لِلْعَلَمِيَّةِ ووَزْنِ الفِعْلِ، وكَذا عَلى قِراءَةِ الضَّمِّ بِناءً عَلى ما يَقُولُهُ الأخْفَشُ ويَلْتَزِمُ كَوْنُ ضُمَّ ثالِثُهُ إتْباعًا لِضَمِّ أوَّلِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ عَرَبِيًّا لَوَقَعَ فِيهِ الخِلافُ كَما وقَعَ في يَعْفُرَ، والظّاهِرُ أنَّ أعْجَمِيَّتَهُ مُتَحَقِّقَةٌ عِنْدَهم ولِذا التَزَمُوا مَنعَهُ مِنَ الصَّرْفِ لَها ولِلْعَلَمِيَّةِ ولا التِفاتَ لِذَلِكَ الِاحْتِمالِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ -يُؤْسَفُ- بِالهَمْزِ وفَتْحِ السِّينِ، وقَدْ جاءَ فِيهِ الضَّمُّ والكَسْرُ مَعَ الهَمْزِ أيْضًا فَيَكُونُ فِيهِ سِتُّ لُغاتٍ ( لِأبِيهِ ) يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وفي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: "قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ».
نَسَبٌ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن شَمْسِ الضُّحى نُورًا ومِن ضَوْءِ الصَّباحِ عَمُودًا ( يا أبَت ) أصْلُهُ يا أبِي فَعَوَّضْ عَنِ الياءِ تاءُ التَّأْنِيثِ لِتَناسُبِهِما في كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مِن حُرُوفِ الزِّيادَةِ، ويُضَمُّ إلى الِاسْمِ في آخِرِهِ ولِهَذا قَلَبَها هاءً في الوَقْفِ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ، وخالَفَ الباقُونَ فَأبْقَوْها تاءً في الوَقْفِ وكُسِرَتْ لِأنَّها عِوَضٌ عَنِ الياءِ الَّتِي هي أُخْتُ الكَسْرَةِ فَحُرِّكَتْ بِحَرَكَةٍ تُناسِبُ أصْلَها لا لِتَدُلَّ عَلى الياءِ لِيَكُونَ ذَلِكَ كالجَمْعِ بَيْنَ عِوَضَيْنِ أوْ بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوِّضِ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الكَسْرَةَ كَسْرَةَ الياءِ زُحْلِقَتْ إلى التّاءِ لِما فُتِحَ ما قَبْلُها لِلُزُومِ فَتْحِ ما قَبْلَ تاءِ التَّأْنِيثِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ بِفَتْحِها لِأنَّ أصْلَها وهو الياءُ إذا حُرِّكَ حُرِّكَ بِالفَتْحِ، وقِيلَ: لِأنَّ أصْلَ ( يا أبَتِ ) يا أبَتا بِأنْ قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا ثُمَّ حُذِفَتْ وأُبْقِيَتْ فَتْحَتُها دَلِيلًا عَلَيْها، وتُعُقِّبَ بِأنَّ يا أبَتا ضَعِيفٌ كَيا أبَتِي حَتّى قِيلَ: إنَّهُ يَخْتَصُّ بِالضَّرُورَةِ كَقَوْلِهِ.
يا أبَتا عَلَّكَ أوْ عَساكا.
وقالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ: إنَّ الألِفَ المَحْذُوفَةَ مِن يا أبَتا لِلنُّدْبَةِ، ورُدَّ بِأنَّ المَوْضِعَ لَيْسَ مَوْضِعَ نُدْبَةٍ، وعَنْ قُطْرُبٍ أنَّ الأصْلَ -يا أبَةٍ- بِالتَّنْوِينِ فَحُذِفَ والنِّداءُ بابُ حَذْفٍ، ورُدَّ بِأنَّ التَّنْوِينَ لا يُحْذَفُ مِنَ المُنادى المَنصُوبِ نَحْوَ يا ضارِبًا رَجُلًا، وقُرِئَ بِضَمِّ التّاءِ إجْراءً لَها مَجْرى الأسْماءِ المُؤَنَّثَةِ بِالتّاءِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ التَّعْوِيضِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ضَمَّ المُنادى المُضافِ شاذٌّ وإنَّما لَمْ تُسَكَّنْ مَعَ أنَّ الباءَ الَّتِي وقَعَتْ هي عِوَضًا عَنْها تُسَكَّنُ لِأنَّها حَرْفٌ صَحِيحٌ مُنْزَلٌ مَنزِلَةَ الِاسْمِ فَيَجِبُ تَحْرِيكُها كَكافِ الخِطابِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الياءَ أُبْدِلَتْ تاءً لِأنَّها تَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ والتَّعْظِيمِ في نَحْوِ عَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، والأبُ والأُمُّ مَظِنَّةُ التَّعْظِيمِ، فَعَلى هَذا لا حَذْفَ ولا تَعْوِيضَ، والتّاءُ حِينَئِذٍ اسْمٌ، فَقَدْ صَرَّحُوا أنَّ الِاسْمَ إذا كانَ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وأُبْدِلَ لا يَخْرُجُ عَنْ الِاسْمِيَّةِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّ التّاءَ لِمُجَرَّدِ التَّأْنِيثِ وياءُ الإضافَةِ مُقَدَّرَةٌ، ويَأْباهُ عَدَمُ سَماعِ يا أبَتِي في السِّعَةِ، وكَذا سَماعُ فَتْحِها عَلى ما قِيلَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ تاءَ لاتَ لِلتَّأْنِيثِ عِنْدَ الجُمْهُورِ وكَذا تاءُ رُبَّتْ وثَمَّتْ وهِيَ مَفْتُوحَةٌ ﴿ إنِّي رَأيْتُ ﴾ أيْ في المَنامِ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ ﴾ و(هَذا) تَأْوِيلُ رُؤْيايَ، فَإنَّ مَصْدَرَ رَأى الحُلْمِيَّةِ الرُّؤْيا ومَصْدَرُ البَصْرِيَّةِ الرُّؤْيَةُ في المَشْهُورِ، ولِذا خُطِّئَ المُتَنَبِّي في قَوْلِهِ.
ورُؤْياكَ أحْلى في العُيُونِ مِنَ الغَمْضِ.
وذَهَبَ السُّهَيْلِيُّ، وبَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ إلى أنَّ الرُّؤْيا سُمِعَتْ مِنَ العَرَبِ بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ لَيْلًا ومُطْلَقًا، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم لِكَوْنِ رَأى حُلْمِيَّةً بِأنَّ ذَلِكَ لَوْ وقَعَ يَقَظَةً وهو أمْرٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ لَشاعَ وعُدَّ مُعْجِزَةً لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ إرْهاصًا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في زَمانٍ يَسِيرٍ مِنَ اللَّيْلِ والنّاسُ غافِلُونَ، والحَقُّ أنَّها حُلْمِيَّةٌ، ومِثْلُ هَذا الِاحْتِمالِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (إنِّيَ) بِفَتْحِ الياءِ ﴿ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ﴾ وهي جِرْبانُ، والطّارِقُ، والذَّيّالُ، وقابِسُ، وعَمُودانِ، والفَيْلَقُ، والمُصْبِحُ والفَزِعُ ووَثّابُ وذُو الكَتِفَيْنِ، والضَّرُوجُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جابِرٍ «أنَّ سِنانًا اليَهُودِيَّ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أخْبِرْنِي يا مُحَمَّدُ عَنِ النُّجُومِ الَّتِي رَآهُنَّ يُوسُفُ فَسَكَتَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَلْ أنْتَ مُؤْمِنٌ إنْ أخْبَرْتُكَ؟
قالَ: نَعَمْ، فَعَدَّ ما ذُكِرَ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: أيْ واللَّهِ إنَّها لَأسْماؤُها».
وأخْرَجَ السُّهَيْلِيُّ عَنِ الحَرْثِ بْنِ أبِي أُسامَةَ نَحْوَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ النَّطْحَ بَدَلَ المُصْبِحِ، وأخْرَجَ الخَبَرَ الأوَّلَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وأهْلُ الأخْبارِ، وصَحَّحَهُ الحاكِمُ، وقالَ: إنَّهُ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ وابْنُ الجَوْزِيِّ: إنَّهُ مُنْكَرٌ مَوْضُوعٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ وغَيْرُهُما (أحَدَ عَشْرَ) بِسُكُونِ العَيْنِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ ولِيَظْهَرَ جَعْلُ الِاسْمَيْنِ اسْمًا واحِدًا، ( والشَّمْس والقَمَر ) عَطْفٌ عَلى ما قَبْلُ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الواوَ لِلْمَعِيَّةِ ولَيْسَ بِذاكَ وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ وعَدَمِ الِانْدِراجِ في عُمُومِ الكَواكِبِ لِاخْتِصاصِهِما بِالشَّرَفِ وتَأْخِيرِهِما لِأنَّ سُجُودَهُما أبْلَغُ وأعْلى كَعْبًا، فَهو مِن بابٍ لا يَعْرِفُهُ فُلانٌ ولا أهْلُ بَلَدِهِ، وتَقْدِيمُ الشَّمْسِ عَلى القَمَرِ لِما جَرَتْ عَلَيْهِ عادَةُ القُرْآنِ إذا جَمَعَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وكانَ ذَلِكَ إمّا لِكَوْنِها أعْظَمَ جُرْمًا وأسْطَعَ نُورًا وأكْثَرَ نَفْعًا مِنَ القَمَرِ وإمّا لِكَوْنِها أعْلى مَكانًا مِنهُ وكَوْنِ فَلَكِها أبْسَطَ مِن فَلَكِهِ عَلى ما زَعَمَهُ أهْلُ الهَيْئَةِ وكَثِيرٌ مِن غَيْرِهِمْ، وإمّا لِأنَّها مُفِيضَةُ النُّورِ عَلَيْهِ كَما ادَّعاهُ غَيْرُ واحِدٍ، واسْتَأْنَسَ لَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا ﴾ وإنَّما أوْرَدَ الكَلامَ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ ولَمْ يَطْوِ ذِكْرَ العَدَدِ لِأنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ أنْ يَتَطابَقَ المَنامُ ومَن هو في شَأْنِهِمْ وبِتَرْكِ العَدَدِ يَفُوتُ ذَلِكَ ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ اسْتَظْهَرَ في البَحْرِ أنَّ ( رَأيْتُهم ) تَأْكِيدٌ لِما تَقَدَّمَ تَطْرِيَةً لِلْعَهْدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ ﴾ واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ التَّأْسِيسَ وأنَّ الكَلامَ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ كَيْفَ رَأيْتَها؟
سائِلًا عَنْ حالِ رُؤْيَتِها فَقالَ: ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ وكَأنَّهُ لا يَرى أنَّ رَأى الحُلْمِيَّةَ مِمّا تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ كالعِلْمِيَّةِ لِيَلْتَزِمَ كَوْنُ المَفْعُولِ الثّانِي لِلْفِعْلِ الأوَّلِ مَحْذُوفًا، ويَرى أنَّها تَتَعَدّى لِواحِدٍ كالبَصَرِيَّةِ فَلا حَذْفَ، و( ساجِدِينَ ) حالٌ عِنْدَهُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُهُ، والمَشْهُورُ عِنْدَ الجُمْهُورِ أنَّها تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ ولا يُحْذَفُ ثانِيهُما اقْتِصارًا.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَذْهَبُهُ القَوْلَ بِالتَّعَدِّي إلى ما ذَكَرَ إلّا أنَّهُ يَقُولُ بِجَوازِ ما مَنَعُوهُ مِنَ الحَذْفِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما اسْتَظْهَرَهُ في البَحْرِ سالِمٌ عَنِ المُخالَفَةِ، والنَّظَرِيَّةُ أمْرٌ مَعْهُودٌ في الكِتابِ الجَلِيلِ، وإنَّما أُجْرِيَتْ هَذِهِ المُتَعاطِفاتُ مَجْرى العُقَلاءِ في الضَّمِيرِ جَمْعَ الصِّفَةِ لِوَصْفِها بِوَصْفِ العُقَلاءِ أعْنِي السُّجُودَ سَواءٌ كانَ المُرادُ مِنهُ التَّواضُعَ أوِ السُّجُودَ الحَقِيقِيَّ، وإعْطاءُ الشَّيْءِ المُلابِسِ لِآخَرَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ حُكْمًا مِن أحْكامِهِ إظْهارًا لِأثَرِ المُلابَسَةِ والمُقارَبَةِ شائِعٌ في الكَلامِ القَدِيمِ والحَدِيثِ، وفي الكَلامِ عَلى ما قِيلَ: اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ بِتَشْدِيدِ المَذْكُوراتِ بِقَوْمٍ عُقَلاءَ ساجِدِينَ، والضَّمِيرُ والسُّجُودُ قَرِينَةٌ أوْ أحَدُهُما قَرِينَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ والآخَرُ تَرْشِيحٌ.
وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الفَلاسِفَةِ إلى أنَّ الكَواكِبَ أحْياءٌ ناطِقَةٌ، واسْتَدَلَّ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها، وكَثِيرٌ مِن ظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ يَشْهَدُ لَهُمْ، ولَيْسَ في القَوْلِ بِذَلِكَ إنْكارُ ما هو مِن ضَرُورِيّاتِ الدِّينِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِإظْهارِ العِنايَةِ والِاهْتِمامِ مَعَ ما في ضِمْنِهِ عَلى ما قِيلَ: مِن رِعايَةِ الفَواصِلِ، وكانَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ فِيما قِيلَ: لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مُنَبِّهٍ أنَّها كانَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ، ولَعَلَّهُ لا مُنافاةَ لِظُهُورِ إمْكانِ كَوْنِ لَيْلَةٍ واحِدَةٍ لَيْلَةَ القَدْرِ ولَيْلَةَ الجُمُعَةِ، واسْتُشْكِلَ كَوْنُها في لَيْلَةِ القَدْرِ بِأنَّها مِن خَواصِّ هَذِهِ الأُمَّةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ما هو مِنَ الخَواصِّ تَضْعِيفُ ثَوابِ العَمَلِ فِيها إلى ما قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وكانَ عُمْرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ رَأى ذَلِكَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فِيما يُرْوى عَنْ وهْبٍ.
وقِيلَ: سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ قَدْ رَأى قَبْلُ وهو ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أنَّ إحْدى عَشْرَةَ عَصا طِوالًا كانَتْ مَرْكُوزَةً في الأرْضِ كَهَيْئَةِ الدّائِرَةِ وإذا عَصا صَغِيرَةٌ تَثِبُ عَلَيْها حَتّى اقْتَلَعَتْها وغَلَبَتْها فَوَصَفَ ذَلِكَ لِأبِيهِ فَقالَ: إيّاكَ أنْ تَذْكُرَ هَذا لِإخْوَتِكَ، وتَعْبِيرُ هَذِهِ العِصِيِّ الإحْدى عَشْرَةَ هو بِعَيْنِهِ تَعْبِيرُ الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما إشارَةٌ إلى إخْوَتِهِ، ولَيْسَ في الرُّؤْيا الأُولى ما يُشِيرُ إلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ في الرُّؤْيَةِ الثّانِيَةِ، ولا ضَرُورَةَ إلى التِزامِ القَوْلِ بِاتِّحادِ المَنامَيْنِ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى في كُلِّ أحَدَ عَشَرَ شَيْئًا إلّا أنَّ ذَلِكَ في الأوَّلِ عِصِيٌّ وفي الثّانِي كَواكِبُ، ويَكُونُ عَطْفُ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ مِيكائِيلَ وجِبْرِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى المَلائِكَةِ كَما يُوهِمُهُ كَلامُ بَعْضِهِمْ، وعُبِّرَتِ الشَّمْسُ بِأبِيهِ والقَمَرُ بِأُمِّهِ اعْتِبارًا لِلْمَكانِ والمَكانَةِ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ القَمَرَ خالَتُهُ لِأنَّ أُمَّهُ راحِيلَ قَدْ ماتَتْ، والقَوْلُ: بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياها بَعْدُ لِتَصْدِيقِ رُؤْياهُ لا يَخْفى حالُهُ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الشَّمْسَ أُمُّهُ والقَمَرَ أبُوهُ، وهو اعْتِبارٌ لِلتَّأْنِيثِ والتَّذْكِيرِ، وقَدْ تُعَبَّرُ الشَّمْسُ بِالمُلْكِ وبِالذَّهَبِ وبِالزَّوْجَةِ الجَمِيلَةِ، والقَمَرُ بِالأمِيرِ، والكَواكِبُ بِالرُّؤَساءِ وكَذا بِالعُلَماءِ أيْضًا.
وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ رُؤْيَةَ القَمَرِ تُؤَوَّلُ عَلى سَبْعَةَ عَشَرَ وجْهًا، مَلِكٌ أوْ وزِيرٌ أوْ نَدِيمُ المَلِكِ أوْ رَئِيسٌ، أوْ شَرِيفٌ أوْ جارِيَةٌ، أوْ غُلامٌ، أوْ أمْرٌ باطِلٌ، أوْ والٍ، أوْ عالِمٌ مُفْسِدٌ، أوْ رَجُلٌ مُعَظَّمٌ، أوْ والِدٌ، أوْ والِدَةٌ، أوْ زَوْجَةٌ، أوْ بَعْلٌ لَها، أوْ ولَدٌ أوْ عَظَمَةٌ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِلافِ الرّائِي وكَيْفِيَّةِ الرُّؤْيَةِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ رَأى الكَواكِبَ ولا الشَّمْسَ والقَمَرَ وإنَّما رَأى إخْوَتَهُ وأبَوَيْهِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحَةِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ويَكادُ يُعَدُّ مِن كَلامِ النّائِمِ، ويُؤَيِّدُ ظاهِرُ ما نَقَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ قَدْ نَزَلَتْ فَسَجَدَتْ لَهُ فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى أبِيهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ يا بُنَيَّ ﴾ صَغَّرَهُ لِلشَّفَقَةِ ويُسَمِّي النُّحاةُ مِثْلَ هَذا تَصْغِيرَ التَّحْبِيبِ، وما ألْطَفَ قَوْلَ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ: قَدْ صَغَّرَ الجَوْهَرَ في ثَغْرِهِ لَكِنَّهُ تَصْغِيرُ تَحْبِيبٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِذَلِكَ ولِصِغَرِ السِّنِّ، وفَتْحِ الياءِ قِراءَةُ حَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ الأبُ بَعْدَ سَماعِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ العَجِيبَةِ مِنِ ابْنِهِ؟
فَقِيلَ: قالَ: ﴿ يا بُنَيَّ) لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ﴾ أيْ فَيَحْتالُوا لِإهْلاكِكَ حِيلَةً عَظِيمَةً لا تَقْدِرُ عَلى التَّفَصِّي عَنْها أوْ خُفْيَةً لا تَتَصَدّى لِمُدافَعَتِها، وإنَّما قالَ لَهُ ذَلِكَ لِما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَرَفَ مِن رُؤْياهُ أنْ سَيُبَلِّغُهُ اللَّهُ تَعالى مَبْلَغًا جَلِيلًا مِنَ الحِكْمَةِ ويَصْطَفِيهِ لِلنُّبُوَّةِ ويُنْعِمُ عَلَيْهِ بِشَرَفِ الدّارَيْنِ فَخافَ عَلَيْهِ حَسَدَ الأُخُوَةِ وبَغْيِهِمْ، فَقالَ لَهُ ذَلِكَ صِيانَةً لَهم مِنَ الوُقُوعِ فِيما لا يَنْبَغِي في حَقِّهِ ولَهُ مِن مُعاناةِ المَشاقِّ ومُقاساةِ الأحْزانِ، وإنْ كانَ واثِقًا بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى تَحْوِيلِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيا وأنَّهُ سُبْحانَهُ سَيُحَقِّقُ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، وطَمَعًا في حُصُولِهِ بِلا مَشَقَّةٍ ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الغَيْبَةِ المَحْظُورَةِ في شَيْءٍ، والرُّؤْيا -مَصْدَرُ رَأى- الحُلْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى ما يَقَعُ في النَّوْمِ سَواءٌ كانَ مَرْئِيًّا أمْ لا عَلى ما هو المَشْهُورُ، والرُّؤْيَةُ -مَصْدَرُ رَأى- البَصَرِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى إدْراكٍ مَخْصُوصٍ، وفُرِّقَ بَيْنَ مَصْدَرِ المَعْنَيَيْنِ بِالتَّأُنِيثَيْنِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ القُرْبَةُ لِلتَّقَرُّبِ المَعْنَوِيِّ بِعِبادَةٍ ونَحْوِها، والقُرْبى لِلتَّقَرُّبِ النِّسْبِيِّ وحَقِيقَتُها عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، كَما قالَ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ نَقْلًا عَنِ المازِنِيِّ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَخْلُقُ في قَلْبِ النّائِمِ اعْتِقاداتٍ كَما يَخْلُقُها في قَلْبِ اليَقِظانِ وهو سُبْحانُهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ لا يَمْنَعُهُ نَوْمٌ ولا يَقَظَةٌ، وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ تِلْكَ الِاعْتِقاداتِ عِلْمًا عَلى أُمُورٍ أُخَرَ يَخْلُقُها في ثانِي الحالِ، ثُمَّ إنَّ ما يَكُونُ عِلْمًا عَلى ما يَسُرُّ يَخْلُقُهُ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الشَّيْطانِ، وما يَكُونُ عِلْمًا عَلى ما يَضُرُّ يَخْلُقُهُ بِحَضْرَتِهِ، ويُسَمّى الأوَّلُ رُؤْيا وتُضافُ إلَيْهِ تَعالى إضافَةَ تَشْرِيفٍ، والثّانِي حُلْمًا تُضافُ إلى الشَّيْطانِ كَما هو الشّائِعُ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ المَكْرُوهِ إلَيْهِ، وإنْ كانَ الكُلُّ مِنهُ تَعالى، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ : «”الرُّؤْيا مِنَ اللَّهِ تَعالى والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ“،» وفي الصَّحِيحِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «”إذا رَأى أحَدُكُمُ الرُّؤْيا يُحِبُّها فَإنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ تَعالى ولْيُحَدِّثْ بِها، وإذا رَأى غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَكْرَهُ فَإنَّما هي مِنَ الشَّيْطانِ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ومِن شَرِّها ولا يَذْكُرْها لِأحَدٍ فَإنَّها لَنْ تَضُرَّهُ“».
وصَحَّ عَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «”إذا رَأى أحَدُكُمُ الرُّؤْيا يَكْرَهُها فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسارِهِ ثَلاثًا ولْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، ولْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ“،» ولا يَبْعُدُ جَعْلُ اللَّهِ تَعالى ما ذُكِرَ سَبَبًا لِلسَّلامَةِ عَنِ المَكْرُوهِ كَما جَعَلَ اللَّهُ الصَّدَقَةَ سَبَبًا لِدَفْعِ البَلاءِ، وإنْ لَمْ نَعْرِفْ وجْهَ مَدْخَلِيَّةِ البَصْقِ عَنِ اليَسارِ والتَّحَوُّلِ عَنِ الجَنْبِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ مَثَلًا في السَّبَبِيَّةِ، وقِيلَ: هي أحادِيثُ المَلَكِ المُوَكَّلِ بِالأرْواحِ إنْ كانَتْ صادِقَةً ووَسْوَسَةُ الشَّيْطانِ والنَّفْسِ إنْ كانَتْ كاذِبَةً، ونُسِبَ هَذا إلى المُحَدِّثِينَ، وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ بِأنَّ مَقْصُودَ القائِلِ بِأنَّها اعْتِقاداتٌ يَخْلُقُها اللَّهُ تَعالى في قَلْبٍ إلَخْ أنَّها اعْتِقاداتٌ تُخْلَقُ كَذَلِكَ بِواسِطَةِ حَدِيثِ المَلَكِ، أوْ بِواسِطَةِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ مَثَلًا، والمُسَبِّباتُ في المَشْهُورِ عَنِ الأشاعِرَةِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعالى عِنْدَ الأسْبابِ لا بِها فَتَدَبَّرْ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُتَفَلْسِفَةِ هي انْطِباعُ الصُّورَةِ المُنْحَدِرَةِ مِن أُفُقِ المُتَخَيِّلَةِ إلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ، والصّادِقَةُ مِنها إنَّما تَكُونُ بِاتِّصالِ النَّفْسِ بِالمَلَكُوتِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّناسُبِ عِنْدَ فَراغِها مِن تَدْبِيرِ البَدَنِ أدْنى فَراغٍ فَتَتَصَوَّرُ بِما فِيها مِمّا يَلِيقُ بِها مِنَ المَعانِي الحاصِلَةِ هُناكَ، ثُمَّ إنَّ المُتَخَيِّلَةَ تُحاكِيهِ بِصُورَةٍ تُناسِبُها فَتُرْسِلُها إلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ فَتَصِيرُ مُشاهَدَةً، ثُمَّ إنْ كانَتْ شَدِيدَةَ المُناسَبَةِ لِذَلِكَ المَعْنى بِحَيْثُ لا يَكُونُ التَّفاوُتُ إلّا بِالكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ اسْتَغْنَتْ عَنِ التَّعْبِيرِ وإلّا احْتاجَتْ إلَيْهِ.
وذَكَرَ بَعْضُ أكابِرِ الصُّوفِيَّةِ ما يَقْرُبُ مِن هَذا، وهُوَ: إنَّ الرُّؤْيا مِن أحْكامِ حَضْرَةِ المِثالِ المُقَيَّدِ المُسَمّى بِالخَيالِ وهو قَدْ يَتَأثَّرُ مِنَ العُقُولِ السَّماوِيَّةِ والنُّفُوسِ النّاطِقَةِ المُدْرِكَةِ لِلْمَعانِي الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ، فَيَظْهَرُ فِيهِ صُوَرٌ مُناسِبَةٌ لِتِلْكَ المَعانِي، وقَدْ يَتَأثَّرُ مِنَ القُوى الوَهْمِيَّةِ المُدْرِكَةِ لِلْمَعانِي الجُزْئِيَّةِ فَقَطْ فَيَظْهَرُ فِيهِ صُورَةٌ تُناسِبُها، وهَذا قَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ سُوءِ مِزاجِ الدِّماغِ، وقَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ تَوَجُّهِ النَّفْسِ بِالقُوَّةِ الوَهْمِيَّةِ إلى إيجادِ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ كَمَن يَتَخَيَّلُ صُورَةَ مَحْبُوبِهِ الغائِبِ عَنْهُ تَخَيُّلًا قَوِيًّا فَتَظْهَرُ صُورَتُهُ في خَيالِهِ فَيُشاهِدُهُ، وهي أوَّلُ مَبادِي الوَحْيِ الإلَهِيِّ في أهْلِ العِنايَةِ لِأنَّ الوَحْيَ لا يَكُونُ إلّا بِنُزُولِ المَلَكِ، وأوَّلُ نُزُولِهِ في الحَضْرَةِ الخَيالِيَّةِ ثُمَّ الحِسِّيَّةِ، وقَدْ صَحَّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ: «”أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصّادِقَةٌ، فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ“،» والمَرْئِيُّ عَلى ما قالَ بَعْضُهُمْ: سَواءٌ كانَ عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ أوْ لا قَدْ يَكُونُ بِإرادَةِ المَرْئِيِّ، وقَدْ يَكُونُ بِإرادَةِ الرّائِي، وقَدْ يَكُونُ بِإرادَتِهِما مَعًا، وقَدْ يَكُونُ لا بِإرادَةٍ مِن شَيْءٍ مِنهُما، فالأوَّلُ كَظُهُورِ المَلَكِ عَلى نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ وظُهُورِ الكُمَّلِ مِنَ الأناسِيِّ عَلى بَعْضِ الصّالِحِينَ في صُوَرٍ غَيْرِ صُوَرِهِمْ، والثّانِي كَظُهُورِ رُوحٍ مِنَ الأرْواحِ المَلَكِيَّةِ أوِ الإنْسانِيَّةِ بِاسْتِنْزالِ الكامِلِ إيّاهُ إلى عالَمِهِ لِيَكْشِفَ مَعْنى ما مُخْتَصًّا عِلْمُهُ بِهِ، والثّالِثُ كَظُهُورِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاسْتِنْزالِهِ إيّاهُ وبَعْثِ الحَقِّ سُبْحانَهُ إيّاهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والرّابِعُ كَرُؤْيَةِ زَيْدٍ مَثَلًا صُورَةَ عَمْرٍو في النَّوْمِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ وإرادَةٍ مِنهُما، وكانَتْ رُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا القِسْمِ لِظُهُورِ أنَّها لَوْ كانَتْ بِإرادَةِ الأُخْوَةِ لَعَلِمُوا فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّهْيِ عَنْ الِاقْتِصاصِ مَعْنًى، ويُشِيرُ إلى أنَّها لَمْ تَكُنْ بِقَصْدِهِ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ﴾ .
هَذا والمَنقُولُ عَنِ المُتَكَلِّمِينَ أنَّها خَيالاتٌ باطِلَةٌ وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ بَعْدَ شَهادَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِصِحَّتِها، ووَجَّهَ ذَلِكَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ مُرادَهم أنَّ كَوْنَ ما يَتَخَيَّلُهُ النّائِمُ إدْراكًا بِالبَصَرِ رُؤْيَةً وكَوْنَ ما يَتَخَيَّلُهُ إدْراكًا بِالسَّمْعِ سَمْعًا باطِلٌ فَلا يُنافِي حَقِّيَّةِ ذَلِكَ بِمَعْنى كَوْنِهِ أمارَةً لِبَعْضِ الأشْياءِ كَذَلِكَ الشَّيْءُ نَفْسُهُ أوْ ما يُضاهِيهِ ويُحاكِيهِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ فَتَيَقَّظَ.
والمَشْهُورُ الَّذِي تَعاضَدَتْ فِيهِ الرِّواياتُ أنَّ الرُّؤْيا الصّادِقَةَ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ جَمْعٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَقِيَ حَسْبَما أشارَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها سِتَّةَ أشْهُرٍ يَرى الوَحْيَ مَنامًا ثُمَّ جاءَهُ المَلَكُ يَقَظَةً، وسِتَّةُ أشْهُرٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا.
وذَكَرَ الحَلِيمِيُّ أنَّ الوَحْيَ كانَ يَأْتِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ نَوْعًا: مِثْلُ النَّفْثِ في الرُّوعِ، وتَمَثُّلُ المَلَكِ بِصُورَةِ دِحْيَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَثَلًا، وسَماعُهُ مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولِذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما قالَ، وذَكَرَ الحافِظُ العَسْقَلانِيُّ أنَّ كَوْنَ الرُّؤْيا الصّادِقَةِ جُزْءًا مِن كَذا مِنَ النُّبُوَّةِ إنَّما هو بِاعْتِبارِ صِدْقِها لا غَيْرَ وإلّا لَساغَ لِصاحِبِها أنْ يُسَمّى نَبِيًّا ولَيْسَ كَذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ أنَّ في بَعْضِ الرِّواياتِ ما فِيهِ مُخالَفَةٌ لِما في هَذِهِ الرِّوايَةِ مِن عِدَّةِ الأجْزاءِ، ولَعَلَّ المَقْصُودَ مِن كُلِّ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ: مَدْحُ الرُّؤْيا الصّادِقَةِ والتَّنْوِيهُ بِرِفْعَةِ شَأْنِها لا خُصُوصِيَّةُ العَدَدِ ولا حَقِيقَةُ الجُزْئِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ الأثِيرِ في جامِعِ الأُصُولِ: رَوى قَلِيلٌ أنَّها جُزْءٌ مِن خَمْسَةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا ولَهُ وجْهُ مُناسَبَةٍ بِأنْ عُمُرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَسْتَكْمِلْ ثَلاثًا وسِتِّينَ بِأنْ يَكُونَ تُوَفِّيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأثْناءِ السَّنَةِ الثّالِثَةِ والسِّتِّينَ ورِوايَةُ أنَّها جُزْءٌ مِن أرْبَعِينَ جُزْءًا تَكُونُ مَحْمُولَةً عَلى كَوْنِ عُمُرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سِتِّينَ وهو رِوايَةٌ لِبَعْضِهِمْ، ورُوِيَ أنَّها جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا ولا أعْلَمُ لِذَلِكَ وجْهًا، اهـ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ سَبْعِينَ كَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ في التَّكْثِيرِ فَلَعَلَّهُ هو الوَجْهُ، والغَرَضُ الإشارَةُ إلى كَثْرَةِ أجْزاءِ النُّبُوَّةِ فَتَدَبَّرْ، والمُرادُ -بِإخْوَتِهِ- هَهُنا عَلى ما قِيلَ: الأُخْوَةُ الَّذِينَ يَخْشى غَوائِلَهم ومَكايِدَهم مِن بَنِي عِلاتِهِ الأحَدَ عَشَرَ، وهُمْ: يَهُوذا ورُوبِيلُ وشَمْعُونُ ولاوى ورِيالُونُ ويَشْجُرُ ودِينَهُ بَنُو يَعْقُوبَ مِن لِيّا بِنْتِ لِيانَ بْنِ ناهِرٍ وهي بِنْتُ خالَتِهِ، ودانُ ويِفْتالى وجادٌ وآشِرُ بَنُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن سَرِّيَّتَيْنِ لَهُ زُلْفَةُ وبِلْهَةُ وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِالكَواكِبِ، وأمّا بِنْيامِينُ الَّذِي هو شَقِيقُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمُّهُما راحِيلُ الَّتِي تَزَوَّجَها يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ وفاةِ أُخْتِها لِيّا أوْ في حَياتِها إذْ لَمْ يَكُنْ جَمْعُ الأُخْتَيْنِ إذْ ذاكَ مُحَرَّمًا، فَلَيْسَ بِداخِلٍ تَحْتَ هَذا النَّهْيِ إذْ لا تُتَوَهَّمُ مَضَرَّتُهُ ولا تُخْشى مَعَرَّتُهُ، ولَمْ يَكُنْ مَعَهم في الرُّؤْيا إذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهم في السُّجُودِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَشْهُورَ أنَّ بَنِي عِلاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَشْرَةٌ ولَيْسَ فِيهِمْ مَنِ اسْمُهُ دِينَهُ، ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ ذَلِكَ في عِدادِ أوْلادِ يَعْقُوبَ إلّا أنَّهُ قالَ: هي أُخْتُ يُوسُفَ، وبِناءُ الكَلامِ عَلَيْهِ ظاهِرُ الفَسادِ بَلْ لا تَكادُ تَدْخُلُ في الأُخْوَةِ إلّا بِاعْتِبارِ التَّغْلِيبِ لِأنَّهُ جَمْعُ أخٍ فَهو مَخْصُوصٌ بِالذُّكُورِ، فَلَعَلَّ المُخْتارَ أنَّ المُرادَ مِنَ الأُخْوَةِ ما يَشْمَلُ الأعْيانَ والعِلّاتِ، ويُعَدُّ بِنْيامِينُ بَدَلَ دِينَهِ إتْمامًا لِأحَدَ عَشَرَ عِدَّةٍ الكَواكِبِ المَرْئِيَّةِ، والنَّهْيُ عَنْ الِاقْتِصاصِ عَلَيْهِ -وإنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ تُخْشى غَوائِلُهُ- مِن بابِ الِاحْتِياطِ وسَدِّ بابِ الِاحْتِمالِ، ومِمّا ذاعَ كُلُّ سِرٍّ جاوَزَ الِاثْنَيْنِ شاعَ، ويَلْتَزِمُ القَوْلُ بِوُقُوعِ السُّجُودِ مِنهُ كَسائِرِ أهْلِهِ، وإسْنادُ الكَيْدِ إلى الأُخْوَةِ بِاعْتِبارِ الغالِبِ فَلا إشْكالَ كَذا قِيلَ، وهو عَلى عِلّاتِهِ أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِإخْوَتِهِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَهُ بِنْيامِينُ ودِينَهُ لِأنَّهُما لا تُخْشى مَعَرَّتُهُما ولا يُتَوَهَّمُ مَضَرَّتُهُما فَهم حِينَئِذٍ تِسْعَةٌ وتُكَمَّلُ العِدَّةُ بِأبِيهِ وأُمِّهِ أوْ خالَتِهِ ويَكُونُ عَطْفُ الشَّمْسِ والقَمَرِ مِن قَبِيلِ عَطْفِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ عَلى المَلائِكَةِ، وفِيهِ مِن تَعْظِيمِ أمْرِهِما ما فِيهِ لِما أنَّ في ذَلِكَ ما فِيهِ، ونَصْبُ (يَكِيدُوا) بِأنْ مُضْمَرَةٍ في جَوابِ النَّهْيِ وعُدِّيَ بِاللّامِ مَعَ أنَّهُ مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكِيدُونِي ﴾ لِتَضْمِينِهِ ما يَتَعَدّى بِها وهو الِاحْتِيالُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وذَلِكَ لِتَأْكِيدِ المَعْنى بِإفادَةِ مَعْنى الفِعْلَيْنِ المُتَضَمِّنِ والمُضَمَّنِ جَمِيعًا، ولِكَوْنِ القَصْدِ إلى التَّأْكِيدِ، والمَقامُ مَقامَهُ أكَّدَ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ وقَرَّرَ بِالتَّعْلِيلِ بَعْدُ، وجَعْلُ اللّامِ زائِدَةً كَجَعْلِهِ مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالحَرْفِ خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: إنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ مِن مُتَعَلِّقاتِ التَّأْكِيدِ عَلى مَعْنى فَيَكِيدُوا كَيْدًا لَكَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ عَلى مَعْنى فَيَفْعَلُوا لِأجْلِكَ وإهْلاكِكَ كَيْدًا راسِخًا أوْ خَفِيًّا، وزَعَمَ أنَّ هَذا الأُسْلُوبَ آكَدُ مِن أنْ يُقالَ: فَيَكِيدُوكَ كَيْدًا إذْ لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِ نَفْسِ الفِعْلِ مَقْصُودَ الإيقاعِ، وفِيهِ نَوْعُ مُخالَفَةٍ لِلظّاهِرِ أيْضًا فافْهَمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ رُؤْياكَ ﴾ بِالهَمْزِ مِن غَيْرِ إمالَةٍ، والكِسائِيُّ ﴿ رُؤْياكَ ﴾ بِالإمالَةِ وبِغَيْرِ هَمْزٍ وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ ﴿ إنَّ الشَّيْطانَ لِلإنْسانِ ﴾ أيْ لِهَذا النَّوْعِ ﴿ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ فَلا يَأْلُو جُهْدًا في تَسْوِيلِ إخْوَتِكَ وإثارَةِ الحَسَدِ فِيهِمْ حَتّى يَحْمِلَهم عَلى ما لا خَيْرَ فِيهِ وإنْ كانُوا ناشِئِينَ في بَيْتِ النُّبُوَّةِ، والظّاهِرُ أنَّ القَوْمَ كانُوا بِحَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّهم لَمْ يَكُونُوا أنْبِياءَ، والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ فالَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ سَلَفًا وخَلَفًا أنَّهم لَمْ يَكُونُوا أنْبِياءَ أصْلًا، أمّا السَّلَفُ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ الصَّحابَةِ مِنهم أنَّهُ قالَ بِنُبُوَّتِهِمْ ولا يُحْفَظُ عَنْ أحَدٍ مِنَ التّابِعِينَ أيْضًا، وأمّا أتْباعُ التّابِعِينَ فَنُقِلَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ بِنُبُوَّتِهِمْ وتابَعَهُ شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ، وأمّا الخَلَفُ فالمُفَسِّرُونَ فِرَقٌ: فَمِنهم مَن قالَ بِقَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ كالبَغَوِيِّ، ومِنهم مَن بالَغَ في رَدِّهِ كالقُرْطُبِيِّ وابْنِ كَثِيرٍ، ومِنهم مَن حَكى القَوْلَيْنِ بِلا تَرْجِيحٍ كابْنِ الجَوْزِيِّ، ومِنهم مَن لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَسْألَةِ لَكِنْ ذَكَرَ ما يُشْعِرُ بِعَدَمِ كَوْنِهِمْ أنْبِياءَ كَتَفْسِيرِهِ الأسْباطَ بِمَن نُبِّئَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ والمُنَزَّلِ إلَيْهِمْ بِالمُنَزَّلِ إلى أنْبِيائِهِمْ كَأبِي اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيِّ والواحِدَيِّ، ومِنهم مَن لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ولَكِنْ فَسَّرَ الأسْباطَ بِأوْلادِ يَعْقُوبَ فَحَسِبَهُ ناسٌ قَوْلًا بِنُبُوَّتِهِمْ ولَيْسَ نَصًّا فِيهِ لِاحْتِمالِ أنْ يُرِيدَ بِالأوْلادِ ذُرِّيَّتَهُ لِابْنَيْهِ لِصُلْبِهِ، وذَكَرَ الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في مُؤَلَّفٍ لَهُ خاصٍّ في هَذِهِ المَسْألَةِ ما مُلَخَّصُهُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ واللُّغَةُ والِاعْتِبارُ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسُوا بِأنْبِياءَ، ولَيْسَ في القُرْآنِ ولا عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَلْ ولا عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم خَبَرٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَبَّأهُمْ، وإنَّما احْتَجَّ مَن قالَ: بِأنَّهم نُبِّئُوا بِقَوْلِهِ تَعالى في آيَتِيِ البَقَرَةِ والنِّساءِ: (والأسْباطُ) وفَسَّرَ ذَلِكَ بِأوْلادِ يَعْقُوبَ، والصَّوابُ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِمْ أوْلادَهُ لِصُلْبِهِ بَلْ ذُرِّيَّتُهُ كَما يُقالُ لَهُمْ: بَنُو إسْرائِيلَ، وكَما يُقالُ لِسائِرِ النّاسِ: بَنُو آدَمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ ، ﴿ وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ الأسْباطَ هُمُ الأُمَمُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكُلُّ سِبْطٍ أُمَّةٌ، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ الأسْباطَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كالقَبائِلِ مِن بَنِي إسْماعِيلَ، وأصْلُ السِّبْطِ كَما قالَ أبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: شَجَرَةٌ واحِدَةٌ مُلْتَفَّةٌ كَثِيرَةُ الأغْصانِ فَلا مَعْنى لِتَسْمِيَةِ الأبْناءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ أسْباطًا قَبْلَ أنْ يَنْتَشِرَ عَنْهُمُ الأوْلادُ، فَتَخْصِيصُ الأسْباطِ في الآيَةِ بِبَنِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِصُلْبِهِ غَلَطٌ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ ولا المَعْنى ومَنِ ادَّعاهُ فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً بَيِّنًا، والصَّوابُ أيْضًا أنَّهم إنَّما سُمُّوا أسْباطًا مِن عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِن حِينَئِذٍ كانَتْ فِيهِمُ النُّبُوَّةُ فَإنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ نَبِيٌّ قَبْلَهُ إلّا يُوسُفَ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ الأنْبِياءَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ قالَ: ﴿ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ ﴾ الآياتِ، فَذَكَرَ يُوسُفَ ومَن مَعَهُ ولَمْ يَذْكُرِ الأسْباطَ ولَوْ كانَ إخْوَةُ يُوسُفَ قَدْ نُبِّئُوا كَما نُبِّئَ لَذُكِرُوا كَما ذُكِرَ، وأيْضًا إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ المَحامِدِ والثَّناءِ ما يُناسِبُ النُّبُوَّةَ وإنْ كانَ قَبْلَها، وجاءَ في الحَدِيثِ: «”أكْرَمُ النّاسِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيٍّ“،» فَلَوْ كانَتْ إخْوَتُهُ أنْبِياءَ كانُوا قَدْ شارَكُوهُ في هَذا الكَرَمِ، وهو سُبْحانُهُ لَمّا قَصَّ قِصَّتَهم وما فَعَلُوا بِأخِيهِمْ ذَكَرَ اعْتِرافَهم بِالخَطِيئَةِ وطَلَبَهُمُ الِاسْتِغْفارَ مِن أبِيهِمْ ولَمْ يَذْكُرْ مِن فَضْلِهِمْ ما يُناسِبُ النُّبُوَّةَ وإنْ كانَ قَبْلَها، بَلْ ولا ذَكَرَ عَنْهم تَوْبَةً باهِرَةً كَما ذَكَرَ عَمَّنْ ذَنْبُهُ دُونَ ذَنْبِهِمْ، ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ عَنْ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ ولا بَعْدَها أنَّهُ فَعَلَ مِثْلَ هَذِهِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ مِن عُقُوقِ الوالِدِ، وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وإرْقاقِ المُسْلِمِ وبَيْعِهِ إلى بِلادِ الكُفْرِ، والكَذِبِ البَيِّنِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حَكاهُ عَنْهُمْ، بَلْ لَوْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ نُبُوَّتِهِمْ سِوى صُدُورِ هَذِهِ العَظائِمِ مِنهم لَكَفى لِأنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ عَنْ صُدُورِ مِثْلِ ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبَعْدَها عِنْدَ الأكْثَرِينَ، وهي أيْضًا أُمُورٌ لا يُطِيقُها مَن هو دُونَ البُلُوغِ فَلا يَصِحُّ الِاعْتِذارُ بِأنَّها صَدَرَتْ مِنهم قَبْلَهُ وهو لا يَمْنَعُ الِاسْتِنْباءَ بَعْدُ، وأيْضًا ذَكَرَ أهْلُ السِّيَرِ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ كُلُّهم ماتُوا بِمِصْرَ وهو أيْضًا ماتَ بِها لَكِنْ أوْصى بِنَقْلِهِ إلى الشّامِ فَنَقَلَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يُذْكَرْ في القُرْآنِ أنَّ أهْلَ مِصْرَ قَدْ جاءَهم نَبِيٌّ قَبْلَ مُوسى غَيْرُ يُوسُفَ ولَوْ كانَ مِنهم نَبِيٌّ لَذُكِرَ، وهَذا دُونَ ما قَبْلَهُ في الدَّلالَةِ كَما لا يَخْفى والحاصِلُ أنَّ الغَلَطَ في دَعْوى نُبُوَّتِهِمْ إنَّما جاءَ في ظَنِّ أنَّهم هُمُ الأسْباطُ ولَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما الأسْباطُ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ، ولَوْ كانَ المُرادُ بِالأسْباطِ أبْناءَ يَعْقُوبَ لَقالَ سُبْحانَهُ ويَعْقُوبَ وبَنِيهِ فَإنَّهُ أبْيَنُ وأوْجَزُ، لَكِنَّهُ عَبَّرَ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ النُّبُوَّةَ حَصَلَتْ فِيهِمْ مِن حِينِ تَقْطِيعِهِمْ أسْباطًا مِن عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلْيُحْفَظْ.
<div class="verse-tafsir"
هَذا ولَمّا نَبَّهَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّ لِرُؤْياهُ شَأْنًا عَظِيمًا وحَذَّرَهُ مِمّا حَذَّرَهُ شَرَعَ في تَعْبِيرِها وتَأْوِيلِها عَلى وجْهٍ إجْمالِيٍّ فَقالَ: ﴿ وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ﴾ أيْ يَصْطَفِيكَ ويَخْتارُكَ لِلنُّبُوَّةِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، أوْ لِلسُّجُودِ لَكَ كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ، أوْ لِأُمُورٍ عِظامٍ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَيَشْمَلُ ما تَقَدَّمَ وكَذا يَشْمَلُ إغْناءَ أهْلِهِ ودَفْعَ القَحْطِ عَنْهم بِبَرَكَتِهِ وغَيْرَ ذَلِكَ، ولَعَلَّ خَيْرَ الأقْوالِ وسَطُها؛ وأصْلُ الِاجْتِباءِ مِن جَبَيْتُ الشَّيْءَ إذا حَصَّلْتَهُ لِنَفْسِكَ، وفَسَّرُوهُ بِالِاخْتِيارِ لِأنَّهُ إنَّما يُجْتَبى ما يُخْتارُ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ اجْتِباءَ اللَّهِ تَعالى العَبْدَ تَخْصِيصُهُ إيّاهُ بِفَيْضٍ إلَهِيٍّ يَتَحَصَّلُ مِنهُ أنْواعٌ مِنَ المَكْرُماتِ بِلا سَعْيٍ مِنَ العَبْدِ، وذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومَن يُقارِبُهم مِنَ الصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، والمُشارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ إمّا الِاجْتِباءُ لِمِثْلِ تِلْكَ الرُّؤْيا، فالمُشَبَّهُ والمُشَبَّهُ بِهِ مُتَغايِرانِ، وإمّا لِمَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ وهو المُشَبَّهُ والمُشَبَّهُ بِهِ، ( وكَذَلِكَ ) في مَحَلِّ نَصْبِ صِفَةٍ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ وقُدِّمَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ، وقِيلَ هُنا: إنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ولا يَخْفى ما في ذِكْرِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ مِنَ اللُّطْفِ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَفاصِيلَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الرُّؤْيا حَذَرًا مِن إذاعَتِهِ عَلى ما قِيلَ ﴿ ويُعَلِّمُكَ ﴾ ذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ التَّشْبِيهِ أرادَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَأْكِيدَ مَقالَتِهِ وتَحْقِيقِها وتَوْطِينَ نَفْسِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما أخْبَرَ بِهِ عَنْ طَرِيقِ التَّعْبِيرِ والتَّأْوِيلِ أيْ وهو (يُعَلِّمُكَ ﴿ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ أيْ ذَلِكَ الجِنْسِ مِنَ العُلُومِ، أوْ طَرَفًا صالِحًا مِنهُ فَتَطَّلِعُ عَلى حَقِيقَةِ ما أقُولُ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِن تَأْكِيدِ ما سَبَقَ والبَعْثِ عَلى تَلَقِّي ما سَيَأْتِي بِالقَبُولِ، وعُلِّلَ عَدَمُ دُخُولِهِ تَحْتَ التَّشْبِيهِ بِأنَّ الظّاهِرَ أنْ يُشَبَّهَ الِاجْتِباءُ بِالِاجْتِباءِ والتَّعْلِيمُ غَيْرُ الِاجْتِباءِ فَلا يُشَبَّهُ بِهِ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ التَّعْلِيمَ نَوْعٌ مِن الِاجْتِباءِ والنَّوْعُ يُشَبَّهُ بِالنَّوْعِ، وقِيلَ: العِلَّةُ في ذَلِكَ أنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى ويُعَلِّمُكَ تَعْلِيمًا مِثْلَ الِاجْتِباءِ بِمِثْلِ هَذِهِ الرُّؤْيا ولا يَخْفى سَماجَتُهُ فَإنَّ الِاجْتِباءَ وجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ، ولَمْ يُلاحَظْ في التَّعْلِيمِ ذَلِكَ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا مانِعَ مِن جَعْلِهِ داخِلًا تَحْتَ التَّشْبِيهِ عَلى أنَّ المَعْنى بِذَلِكَ الإكْرامُ بِتِلْكَ الرُّؤْيا، أيْ كَما أكْرَمَكَ بِهَذِهِ المُبَشِّراتِ يُكْرِمُكَ بِالِاجْتِباءِ والتَّعْلِيمِ، ولا يَحْتاجُ في ذَلِكَ إلى جَعْلِهِ تَشْبِيهَيْنِ وتَقْدِيرِ كَذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُنْساقَ إلى الفَهْمِ هو العَطْفُ ولا بَأْسَ فِيما قَرَّرَهُ هَذا المُحَقِّقُ لِتَوْجِيهِهِ، نَعَمْ لِلِاسْتِئْنافِ وجْهٌ وجِيهٌ وإنْ لَمْ يَكُنِ المُنْساقَ إلى الفَهْمِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا إذْ هي إخْباراتٌ غَيْبِيَّةٌ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى بِواسِطَتِها اعْتِقاداتٍ في قَلْبِ النّائِمِ حَسْبَما يَشاؤُهُ ولا حَجْرَ عَلَيْهِ تَعالى، أوْ أحادِيثُ المَلَكِ إنْ كانَتْ صادِقَةً، أوِ النَّفْسِ أوِ الشَّيْطانِ إنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ التَّأْوِيلَ مِنَ الأوَّلِ وهو الرُّجُوعُ، وذَلِكَ رَدُّ الشَّيْءِ إلى الغايَةِ المُرادَةِ مِنهُ عِلْمًا كانَ أوْ فِعْلًا، فالأوَّلُ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ ﴾ والثّانِي كَقَوْلِهِ.
ولِلنَّوى قَبْلَ يَوْمِ البَيْنِ تَأْوِيلٌ.
وجاءَ الأوَّلُ بِمَعْنى السِّياسَةِ الَّتِي يُراعى مَآلُها يُقالُ: ألَنا وايِلٌ عَلَيْنا اهـ.
وشاعَ التَّأْوِيلُ في إخْراجِ الشَّيْءِ عَنْ ظاهِرِهِ، و(الأحادِيثُ) جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِحَدِيثٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَما قالُوا: باطِلٌ وأباطِيلُ، ولَيْسَ بِاسْمِ جَمْعٍ لَهُ لِأنَّ النُّحاةَ قَدْ شَرَطُوا في اسْمِ الجَمْعِ أنْ لا يَكُونَ عَلى وزْنٍ يَخْتَصُّ بِالجَمْعِ كَمَفاعِيلَ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بِأنَّهُ جَمْعٌ الزَّمَخْشَرِيُّ في المُفَصَّلِ، وهو مُرادُهُ مِنِ اسْمِ الجَمْعِ في الكَشّافِ فَإنَّهُ كَغَيْرِهِ كَثِيرًا ما يُطْلَقُ اسْمُ الجَمْعِ عَلى الجَمْعِ المُخالِفِ لِلْقِياسِ فَلا مُخالَفَةَ بَيْنَ كَلامَيْهِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ، ورُدَّ بِأنَّ الأُحْدُوثَةَ الحَدِيثُ المُضْحِكُ كالخُرافَةِ فَلا يُناسِبُ هُنا، ولا في أحادِيثِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ، وقالَ ابْنُ هِشامٍ: الأُحْدُوثَةُ مِنَ الحَدِيثِ ما يُتَحَدَّثُ بِهِ ولا تُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّرِّ، ولَعَلَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما ذَكَرُوا، وقَدْ نَصَّ المُبَرَّدُ عَلى أنَّها تَرِدُ في الخَيْرِ، وأنْشَدَ قَوْلَ جَمِيلٍ وهو مِمّا سارَ وغارَ: وكُنْتُ إذا ما جِئْتُ سُعْدى أزُورُها أرى الأرْضَ تُطْوى لِي ويَدْنُو بَعِيدُها مِنَ الخَفَراتِ البِيضِ ودَّ جَلِيسُها ∗∗∗ إذا ما انْقَضَتْ أُحْدُوثَةٌ لَوْ تُعِيدُها وقِيلَ: إنَّهم جَمَعُوا حَدِيثًا عَلى أُحْدُوثَةٍ ثُمَّ جَمَعُوا الجَمْعَ عَلى أحادِيثَ كَقَطِيعٍ أوْ أقْطِعَةٍ وأقاطِيعَ، وكَوْنُ المُرادِ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا هو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ عَواقِبُ الأُمُورِ، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ المُرادَ بَيانُ مَعانِي أحادِيثِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ السّالِفَةِ والكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأحادِيثِ الأُمُورُ المُحْدَثَةُ مِنَ الرُّوحانِيّاتِ والجِسْمانِيّاتِ، وبِتَأْوِيلِها كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ وجَلالَتِهِ، والكُلُّ خِلافُ الظّاهِرِ فِيما أرى ﴿ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ بِأنْ يَصِلَ نِعْمَةَ الدُّنْيا بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ، أوْ بِأنْ يَضُمَّ إلى النُّبُوَّةِ المُسْتَفادَةِ مِن الِاجْتِباءِ المُلْكَ ويَجْعَلُهُ تَتِمَّةً لَها، أوْ بِأنْ يَضُمَّ إلى التَّعْلِيمِ الخَلاصَ مِنَ المِحَنِ والشَّدائِدِ، وتَوْسِيطُ ذِكْرِ التَّعْلِيمِ لِكَوْنِهِ مِن لَوازِمِ النُّبُوَّةِ والِاجْتِباءِ ولِرِعايَةِ تَرْتِيبِ الوُجُودِ الخارِجِيِّ، ولِأنَّ التَّعْلِيمَ وسِيلَةٌ إلى إتْمامِ النِّعْمَةِ فَإنَّ تَعْبِيرَهُ لِرُؤْيا صاحِبَيِ السِّجْنِ ورُؤْيا المَلِكِ صارَ ذَرِيعَةً إلى الخَلاصِ مِنَ السَّجْنِ والِاتِّصالِ بِالرِّياسَةِ العُظْمى.
وفَسَّرَ بَعْضُهم الِاجْتِباءَ بِإعْطاءِ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ كالمُلْكِ والجَلالَةِ في قُلُوبِ الخَلْقِ، وإتْمامِ النِّعْمَةِ بِالنُّبُوَّةِ، وأُيِّدَ بِأنَّ إتْمامَ النِّعْمَةِ عِبارَةٌ عَمّا تَصِيرُ بِهِ النِّعْمَةُ تامَّةً كامِلَةً خالِيَةً عَنْ جِهاتِ النُّقْصانِ وما ذاكَ في حَقِّ البَشَرِ إلّا النُّبُوَّةُ فَإنَّ جَمِيعَ مَناصِبِ الخَلْقِ ناقِصَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها.
وجَوَّزَ أنْ تَعُدَّ نَفْسُ الرُّؤْيا مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ فَيَكُونُ جَمِيعُ النِّعَمِ الواصِلَةِ إلَيْهِ بِحَسَبِها مِصْداقًا لَها تَمامًا لِتِلْكَ النِّعْمَةِ ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وقِيلَ: المُرادُ مِن الِاجْتِباءِ إفاضَةُ ما يَسْتَعِدُّ بِهِ لِكُلِّ خَيْرٍ ومَكْرَمَةٍ، ومِن تَعْلِيمِ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ تَعْلِيمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا، ومِن إتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ تَخْلِيصُهُ مِنَ المِحَنِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ بِحَيْثُ يَكُونُ مَعَ خَلاصِهِ مِنها مِمَّنْ يَخْضَعُ لَهُ، ويَكُونُ في تَعْلِيمِ التَّأْوِيلِ إشارَةٌ إلى اسْتِنْبائِهِ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِالوَحْيِ، وفِيهِ أنَّ تَفْسِيرَ الِاجْتِباءِ بِما ذُكِرَ غَيْرُ ظاهِرٍ، وكَوْنُ التَّعْلِيمِ فِيهِ إشارَةً إلى الِاسْتِنْباءِ في حَيِّزِ المَنعِ وما ذُكِرَ مِنَ الدَّلِيلِ لا يُثْبِتُهُ، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ إخْوَتَهُ كانُوا يَعْلَمُونَ التَّأْوِيلَ وإلّا لَمْ يَنْهَهُ أبُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ اقْتِصاصِ رُؤْياهُ عَلَيْهِمْ خَوْفَ الكَيْدِ، وكَوْنُهم أنْبِياءَ إذْ ذاكَ مِمّا لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ ذاهِبٌ ولا يَكادُ يَذْهَبُ إلَيْهِ أصْلًا، نَعَمْ ذَكَرُوا أنَّهُ لا يَعْرِفُ التَّعْبِيرَ كَما يَنْبَغِي إلّا مَن عَرَفَ المُناسَباتِ الَّتِي بَيْنَ الصُّوَرِ ومَعانِيها وعَرَفَ مَراتِبَ النُّفُوسِ الَّتِي تَظْهَرُ في حَضْرَةِ خَيالاتِهِمْ بِحَسَبِها فَإنَّ أحْكامَ الصُّورَةِ الواحِدَةِ تَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلى الأشْخاصِ المُخْتَلِفَةِ المَراتِبِ، وهَذا عَزِيزُ الوُجُودِ، وقَدْ ثَبَتَ الخَطَأُ في التَّعْبِيرِ مِن عُلَماءَ أكابِرَ، فَقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «أنَّ رَجُلًا أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: ”إنِّي رَأيْتُ ظُلَّةً يَنْطِفُ مِنها السَّمْنُ والعَسَلُ وأرى النّاسَ يَتَكَفَّفُونَ في أيْدِيهِمْ فالمُسْتَكْثِرُ والمُسْتَقِلُّ وأرى سَبَبًا وأصْلًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ فَأراكَ يا رَسُولَ اللَّهِ أخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ ثُمَّ أخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلا، ثُمَّ أخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلا، ثُمَّ أخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلا، ثُمَّ أخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فانْقَطَعَ بِهِ ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلا، فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أيْ رَسُولَ اللَّهِ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي واللَّهِ لَتَدَعْنِي فَلْأُعَبِّرْها، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: عَبِّرْها، فَقالَ: أمّا الظُّلَّةُ فَظُلَّةُ الإسْلامِ، وأمّا ما يَنْطِفُ مِنَ السَّمْنِ والعَسَلِ فَهو القُرْآنُ لِينُهُ وحَلاوَتُهُ، وأمّا المُسْتَكْثِرُ والمُسْتَقِلُّ فالمُسْتَكْثِرُ مِنَ القُرْآنِ والمُسْتَقِلُّ مِنهُ، وأمّا السَّبَبُ الواصِلُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ فَهو الحَقُّ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ بَعْدَكَ فَيَعْلُو بِهِ ثُمَّ آخَرُ بَعْدَهُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ آخَرُ بَعْدَهُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ أيْ رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثْنِي أصَبْتُ أمْ أخْطَأْتُ.
فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أصَبْتَ بَعْضًا وأخْطَأْتَ بَعْضًا، فَقالَ: أقْسَمْتُ بِأبِي وأُمِّي لَتُحَدِّثْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ ما الَّذِي أخْطَأْتُ؟
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لا تُقْسِمْ“،» اهـ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَدَّعِيَ أنَّ المُرادَ التَّعْلِيمُ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ بِحَيْثُ لا يُخْطِئُ مَن يُخْطِئُ بِهِ، وهو يُسْتَدْعِي كَوْنَ الرَّجُلِ بِحَيْثُ يَعْرِفُ المُناسَباتِ ومَراتِبَ النُّفُوسِ ويَلْتَزِمُ القَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا نَبِيًّا، واخْتِيرَ أنَّ المُرادَ بِالِاجْتِباءِ الإصْفاءُ لِلنُّبُوَّةِ، وبِتَعْلِيمِ التَّأْوِيلِ ما هو الظّاهِرُ، وبِإتْمامِ النِّعْمَةِ تَخْلِيصُهُ مِنَ المَكارِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ ﴾ إشارَةً إجْمالِيَّةً مِنهُ إلى تَعْبِيرِ الرُّؤْيا كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ ذَوْقٌ وهو أيْضًا مُتَضَمِّنٌ لِلْبِشارَةِ، وهَذا إرْدافٌ لَها بِما هو أجَلُّ في نَظَرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ووَجْهُ تَوْسِيطِ التَّعْلِيمِ عَلَيْهِ لا يَخْفى.
وحاصِلُ المَعْنى كَما أكْرَمَكَ بِهَذِهِ المُبَشِّرَةِ الدّالَّةِ عَلى سُجُودِ إخْوَتِكَ لَكَ ورِفْعَةِ شَأْنِكَ عَلَيْهِمْ يُكْرِمُكَ بِالنُّبُوَّةِ والعِلْمِ الَّذِي تَعْرِفُ بِهِ تَأْوِيلَ أمْثالِ ما رَأيْتَ وإتْمامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ ﴿ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ ﴾ بِالخَلاصِ مِنَ المَكارِهِ وهي في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا يَخْفى، وفي حَقِّ آلِ يَعْقُوبَ، والمُرادُ بِهِمْ أهْلُهُ مِن بَنِيهِ وغَيْرِهِمْ، وأصْلُهُ أهْلٌ، وقِيلَ: أوَّلُ، وقَدْ حَقَّقْناهُ في غَيْرِ ما كِتابٍ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيمَنُ لَهُ خَطَرٌ مُطْلَقًا ولا يُضافُ لِما لا يَعْقِلُ ولَوْ كانَ ذا خَطَرٍ بِخِلافِ أهْلٍ فَلا يُقالُ: آلُ الحِجامِ ولا آلُ الحَرَمِ، ولَكِنْ أهْلُ الحِجامِ وأهْلُ الحَرَمِ، نَعَمْ قَدْ يُضافُ لَما نَزَلْ مَنزِلَةَ العاقِلِ كَما في قَوْلِ عَبْدِ المُطَّلِبِ.
وانْصُرْ عَلى آلِ الصَّلِيبِ وعابِدِيهِ اليَوْمَ آلَكَ.
وفِيهِ رَدٌّ عَلى أبِي جَعْفَرٍ الزَّبِيدِيِّ حَيْثُ زَعَمَ عَدَمَ جَوازِ إضافَتِهِ إلى الضَّمِيرِ لِعَدَمِ سَماعِهِ مُضافًا إلَيْهِ، ويَعْقُوبُ كابْنِهِ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا اشْتِقاقَ لَهُ فَما قِيلَ: مِن أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ خَرَجَ مِن بَطْنِ أُمِّهِ عَقِبَ أخِيهِ العِيصِ غَيْرُ مَرَضِيٍّ عِنْدَ الجُلَّةِ الفاقَةِ والقَحْطِ وتَفَرُّقِ الشَّمْلِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَعُمُّ أوْ يَخُصُّ، ومِنهم مَن فَسَّرَ الآلَ بِالبَنِينَ وإتْمامِ النِّعْمَةِ بِالِاسْتِنْباءِ، وجَعَلَ حاصِلَ المَعْنى يَمُنُّ عَلَيْكَ وعَلى سائِرِ أبْناءِ يَعْقُوبَ بِالنُّبُوَّةِ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهم صارُوا بَعْدُ أنْبِياءَ.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ رُؤْيَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إخْوَتَهُ كَواكِبَ يُهْتَدى بِأنْوارِها مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ لِدَلالَتِها عَلى مَصِيرِ أمْرِهِمْ إلى النُّبُوَّةِ، فَيَقَعُ كُلُّ ما يَخْرُجُ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ مِن كَمالاتِهِمْ بِحَسَبِ ذَلِكَ تَمامًا لِتِلْكَ النِّعْمَةِ لا مَحالَةَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذُكِرَ لا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى أنَّهم صارُوا أنْبِياءَ لِما عَلِمْتَ مِن الِاحْتِمالاتِ والدَّلِيلُ إذا طَرَقَهُ الِاحْتِمالُ بَطَلَ بِهِ الِاسْتِدْلالُ ورُؤْيَتُهم كَواكِبَ يُهْتَدى بِأنْوارِها بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ تَكُونَ دَلِيلًا عَلى أنَّ مَصِيرَهم إلى النُّبُوَّةِ، وإنَّما تَكُونُ دَلِيلًا عَلى أنَّ مَصِيرَهم إلى كَوْنِهِمْ هادِينَ لِلنّاسِ وهو مِمّا لا يَلْزَمُهُ النُّبُوَّةُ، فَقَدْ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ“،» ونَحْنُ لا نُنْكِرُ أنَّ القَوْمَ صارُوا هادِينَ بَعْدَ أنْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالتَّوْبَةِ بَلْ هم لَعَمْرِي حِينَئِذٍ مِن أجِلَّةِ أصْحابِ نَبِيِّهِمْ، وقَدْ يُقالُ أيْضًا: إنَّهُ لَوْ دَلَّ رُؤْيَتُهم كَواكِبَ عَلى أنَّ مَصِيرَهم إلى النُّبُوَّةِ لَكانَتْ رُؤْيَةُ أُمِّهِ قَمَرًا أدَلَّ عَلى ذَلِكَ ولا قائِلَ بِهِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: لا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ -بِآلِ يَعْقُوبَ- سائِرَ بَنِيهِ، و-بِإتْمامِ النِّعْمَةِ- إتْمامُها بِالنُّبُوَّةِ لَكِنْ لا يَثْبُتُ بِذَلِكَ نُبُوَّتُهم بَعْدُ لِجَوازِ أنْ يُرادَ ﴿ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ﴾ بِالنُّبُوَّةِ ﴿ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ ﴾ بِشَيْءٍ آخَرَ كالخَلاصِ مِنَ المَكْرُوهِ مَثَلًا، وهَذا كَقَوْلِكَ: أنْعَمْتُ عَلى زَيْدٍ وعَلى عَمْرٍو وهو لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الإنْعامُ عَلَيْهِما مِن نَوْعٍ واحِدٍ لِصِدْقِ الكَلامِ بِأنْ يَكُونَ قَدْ أنْعَمْتَ عَلى زَيْدٍ بِمَنصِبٍ وعَلى عَمْرٍو بِإعْطائِهِ ألْفَ دِينارٍ، أوْ بِتَخْلِيصِهِ مِن ظالِمٍ مَثَلًا وهو ظاهِرٌ.
ورَجَّحَ بَعْضُهم حَمْلَ الآلِ عَلى ما يَعُمُّ الأبْناءَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ الأبْناءَ لَكانَ الأظْهَرُ الأخْصَرُ وعَلى إخْوَتِكَ بَدَلَ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ وقِيلَ: إنَّما اخْتارَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ يَتَبادَرُ مِنَ الإخْوَةِ الإخْوَةُ الَّذِي نُهِي عَنْ الِاقْتِصاصِ عَلَيْهِمْ فَلا يَدْخُلُ بِنْيامِينُ، والمُرادُ إدْخالُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِآلِ يَعْقُوبَ أتْباعُهُ الَّذِينَ عَلى دِينِهِ.
وقِيلَ: يَعْقُوبُ خاصَّةً عَلى أنَّ الآلَ بِمَعْنى الشَّخْصِ ولا يَخْفى ما في القَوْلَيْنِ مِنَ البُعْدِ، وأبْعَدُهُما الأخِيرُ ومَن جَعَلَ إتْمامَ النِّعْمَةِ إشارَةً إلى المُلْكِ جَعَلَ العَطْفَ بِاعْتِبارِ أنَّهم يَغْتَنِمُونَ آثارَهُ مِنَ العِزِّ والجاهِ والمالِ هَذا.
﴿ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ﴾ أيْ إتْمامًا كائِنًا كَإتْمامِ نِعْمَتِهِ عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ أوْ مِن قَبْلِكَ، والِاسْمانِ الكَرِيمانِ عَطْفُ بَيانٍ -لِأبَوَيْكَ- والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِالأبِ مَعَ كَوْنِهِما أبا جَدِّهِ وأبا أبِيهِ لِلْإشْعارِ بِكَمالِ ارْتِباطِهِ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وتَذْكِيرُ مَعْنى -الوَلَدُ سِرُّ أبِيهِ- لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِما أُخْبِرَ بِهِ، وإتْمامُ النِّعْمَةِ عَلى إبْراهِيمَ إمّا بِالنُّبُوَّةِ وإمّا بِاتِّخاذِهِ خَلِيلًا وإمّا بِإنْجائِهِ مِن نارِ عَدُوِّهِ، وإمّا مِن ذَبْحِ ولَدِهِ، وإمّا بِأكْثَرَ مِن واحِدٍ مِن هَذِهِ، وعَلى إسْحاقَ إمّا بِالنُّبُوَّةِ أوْ بِإخْراجِ يَعْقُوبَ مِن صُلْبِهِ أوْ بِإنْجائِهِ مِنَ الذَّبْحِ وفِدائِهِ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ عَلى رِوايَةِ أنَّهُ الذَّبِيحُ، وذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ، وأمْرُ التَّشْبِيهِ عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ سَهْلٌ إذْ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مِن كُلِّ وجْهٍ، والِاقْتِصارُ في المُشَبَّهِ بِهِ عَلى ذِكْرِ إتْمامِ النِّعْمَةِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلِاجْتِباءِ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ كَما قِيلَ فَإنَّ إتْمامَ النِّعْمَةِ يَقْتَضِي سابِقَةَ النِّعْمَةِ المُسْتَدْعِيَةِ لِلِاجْتِباءِ لا مَحالَةَ ومَعْرِفَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما أخْبَرَ بِهِ مِمّا لَمْ تَدُلَّ عَلَيْهِ الرُّؤْيا إمّا بِفِراسَةٍ وكَثِيرًا ما تَصْدُقُ فِراسَةُ الوالِدِ بِوَلَدِهِ كَيْفَما كانَ الوالِدُ، فَما ظَنُّكَ بِفِراسَتِهِ إذا كانَ نَبِيًّا أوْ بِوَحْيٍ؟
وقَدْ يُدَّعى أنَّهُ اسْتُدِلَّ بِالرُّؤْيا عَلى كُلِّ ذَلِكَ ﴿ إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ ﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ فَيَعْلَمُ مَن يَسْتَحِقُّ المَذْكُوراتِ ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فاعِلٌ لِكُلِّ شَيْءٍ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فَيَفْعَلُ ما يَفْعَلُ جَرْيًا عَلى سُنَنِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَحْقِيقِ الجُمَلِ المَذْكُورَةِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ ﴾ أيْ في قِصَصِهِمْ، والظّاهِرْ أنَّ المُرادَ بِالإخْوَةِ هُنا ما أُرِيدَ بِالإخْوَةِ فِيما مَرَّ، وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهم هُناكَ بَنُو عِلّاتِهِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِهِمْ هَهُنا ما يَشْمَلُ مَن كانَ مِنَ الأعْيانِ لِأنَّ لِبِنْيامِينَ أيْضًا حِصَّةٌ مِنَ القِصَّةِ، ويُبْعِدُهُ عَلى ما قِيلَ: (قالُوا) الآتِي (آياتٌ) عَلاماتٌ عَظِيمَةُ الشَّأْنِ دالَّةٌ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى القاهِرَةِ وحِكْمَتِهِ الباهِرَةِ ﴿ لِلسّائِلِينَ ﴾ لِكُلِّ مَن سَألَ عَنْ قِصَّتِهِمْ وعَرَفَها، أوْ لِلطّالِبِينَ لِلْآياتِ المُعْتَبِرِينَ بِها فَإنَّهُمُ الواقِفُونَ عَلَيْها المُنْتَفِعُونَ بِها دُونَ مَن عَداهم مِمَّنِ انْدَرَجَ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ ﴾ ، فالمُرادُ بِالقِصَّةِ نَفْسُ المَقْصُوصِ، أوْ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِينَ سَألُوهُ عَنْ قِصَّتِهِمْ حَسْبَما عَلِمْتَ في بَيانِ سَبَبِ النُّزُولِ فَأخْبَرَهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِذَلِكَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ ولا قِراءَةِ كِتابٍ، فالمُرادُ بِالقِصَّةِ اقْتِصاصُها، وجَمْعُ -الآياتِ- حِينَئِذٍ قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِأنَّ اقْتِصاصَ كُلِّ طائِفَةٍ مِنَ القِصَّةِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ كافِيَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى نُبُوَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِتَعَدُّدِ جِهَةِ الإعْجازِ لَفْظًا ومَعْنًى، وزَعَمَ بَعْضُ الجُلَّةِ أنَّ الآيَةَ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ، والمُرادُ (آياتٌ) لِلَّذِينِ يَسْألُونَ والَّذِينَ لا يَسْألُونَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ سَواءً لِلسّائِلِينَ ﴾ وحُسْنُ ذَلِكَ لِقُوَّةِ دَلالَةِ الكَلامِ عَلى المَحْذُوفِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ المُرادَ مِنَ السّائِلِينَ النّاسُ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ تَحْضِيضًا عَلى تَعَلُّمِ مِثْلِ هَذِهِ القِصَّةِ لِما فِيها مِن مَزِيدِ العِبَرِ، وكِلا القَوْلَيْنِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.
وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ وابْنُ كَثِيرٍ ومُجاهِدٍ -آيَةً- عَلى الإفْرادِ وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ -عِبْرَةً لِلسّائِلِينَ- <div class="verse-tafsir"
﴿ إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ ﴾ بِنْيامِينُ وتَخْصِيصُهُ بِالإضافَةِ لِاخْتِصاصِهِ بِالأُخُوَّةِ مِن جانِبَيِ الأُمِّ والأبِ وهي أقْوى مِنَ الأُخُوَّةِ مِن أحَدِهِما، ولَمْ يَذْكُرُوهُ بِاسْمِهِ إشْعارًا بِأنَّ مَحَبَّةَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ لِأجْلِ شَقِيقِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِذا لَمْ يَتَعَرَّضُوهُ بِشَيْءٍ مِمّا أُوقِعَ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، واللّامُ لِلِابْتِداءِ، ويُوسُفُ مُبْتَدَأٌ (وأخُوهُ) عُطِفَ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ﴾ خَبَرٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وهو أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ شُذُوذًا، ولِذا عُدِّيَ بِإلى حَسْبَما ذَكَرُوا مِن أنَّ أفْعَلَ مِنَ الحُبِّ والبُغْضِ يُعَدّى إلى الفاعِلِ مَعْنًى بِإلى وإلى المَفْعُولِ بِاللّامِ وفِي، تَقُولُ: زَيْدٌ أحَبُّ إلَيَّ مِن بَكْرٍ إذا كُنْتَ تُكْثِرُ مَحَبَّتَهُ؛ ولِي وفِيَّ إذا كانَ يُحِبُّكَ أكْثَرَ مِن غَيْرِهِ، ولَمْ يُثَنَّ مَعَ أنَّ المُخْبَرَ عَنْهُ بِهِ اثْنانِ لِأنَّ أفْعَلَ مِن كَذا لا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الواحِدِ وما فَوْقَهُ ولا بَيْنَ المُذَكَّرِ وما يُقابِلُهُ بِخِلافِ أخَوَيْهِ، فَإنَّ الفَرْقَ واجِبٌ في المَحَلِّيِّ جائِزٌ في المُضافِ إذا أُرِيدَ تَفْضِيلُهُ عَلى المُضافِ إلَيْهِ، وإذا أُرِيدَ تَفْضِيلُهُ مُطْلَقًا فالفَرْقُ لازِمٌ، وجِيءَ بِلامِ الِابْتِداءِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ وتَأْكِيدِهِ أيْ كَثْرَةُ حُبِّهِ لَهُما أمْرٌ ثابِتٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ ﴿ ونَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ أيْ والحالُ أنّا جَماعَةٌ قادِرُونَ عَلى خِدْمَتِهِ والجَدِّ في مَنفَعَتِهِ دُونِهِما، والعُصْبَةُ والعِصابَةُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ: العَشْرَةُ فَما زادَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّ الأُمُورَ تُعْصَبُ بِهِمْ أيْ تُشَدُّ فَتَقْوى.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ العُصْبَةَ ما زادَ عَلى العَشَرَةِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّها ما بَيْنَ العَشَرَةِ والأرْبَعِينَ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشْرَةَ.
وعَنْ مُقاتِلٍ هي عَشَرَةٌ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ، وقِيلَ: ما بَيْنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ، والزَّجّاجِ وابْنِ قُتَيْبَةَ هي الجَماعَةُ مُطْلَقًا ولا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها كالنَّفَرِ والرَّهْطِ، وقِيلَ: الثَّلاثَةُ نَفَرٌ وإذا زادُوا فَهم رَهْطٌ إلى التِّسْعَةِ فَإذا زادُوا فَهم عُصْبَةٌ، ولا يُقالُ لِأقَلَّ مِن عَشَرَةٍ: عُصْبَةٌ، ورَوى النِّزالُ بْنُ سَبْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قَرَأ بِنَصْبِ (عُصْبَةً) فَيَكُونُ الخَبَرُ مَحْذُوفًا، وعُصْبَةٌ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أيْ نَجْتَمِعُ عُصْبَةً، وقُدِّرَ ذَلِكَ لِيَكُونَ في الحالِ دَلالَةٌ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ لِما فِيها مِن مَعْنى الِاجْتِماعِ.
وزَعَمَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ الكَلامَ عَلى طَرِيقَةِ: أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي، والتَّقْدِيرُ ونَحْنُ نَحْنُ عُصْبَةً، وحُذِفَ الخَبَرُ لِمُساواتِهِ المُبْتَدَأ وعَدَمِ زِيادَتِهِ عَلَيْهِ لَفْظًا فَفي حَذْفِهِ خَلاصٌ مِن تَكْرارِ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ مَعَ دَلالَةِ السِّياقِ عَلى المَحْذُوفِ، ولا غَرْوَ في وُقُوعِ الحالِ بَعْدَ نَحْنُ لِأنَّهُ بِالتَّقْدِيرِ المَذْكُورِ كَلامٌ تامٌّ فِيهِ مِنَ الفَخامَةِ ما فِيهِ وقُدِّرَ في ﴿ هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ ﴾ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ مِثْلُ ذَلِكَ، وفِيهِ أنَّ الفَخامَةَ إنَّما تَجِيءُ مِنَ التَّكْرارِ فَلا يَجُوزُ الحَذْفُ عَلى أنَّ الدَّلالَةَ عَلى المَحْذُوفِ غَيْرُ بَيِّنَةٍ.
وعَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ ذَلِكَ كَما تَقُولُ العَرَبُ: إنَّما العامِرِيُّ عَمَّتُهُ أيْ يَتَعَهَّدُ ذَلِكَ، والدّالُّ عَلى المَحْذُوفِ فِيهِ عَمَّتُهُ فَإنَّ الفِعْلَةَ لِلْحالَةِ الَّتِي يَسْتَمِرُّ عَلَيْها الشَّخْصُ فَيَلْزَمُ لا مَحالَةَ تَعَهُّدُهُ لَها، والأوْلى أنْ يُعْتَبَرَ نَظِيرُ قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: يا لَهْذَمُ حُكْمُكَ مُسْمَطًا، فَإنَّهُ أرادَ كَما قالَ المُبَرَّدُ: حُكْمُكَ لَكَ مُسْمَطًا، أيْ مُثْبَتٌ نافِذٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ، وقَدْ شاعَ هَذا فِيما بَيْنَهم لَكِنْ ذَكَرُوا أنَّ فِيهِ شُذُوذًا مِن وجْهَيْنِ، والآيَةُ عَلى قِراءَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أكْثَرُ شُذُوذًا مِنهُ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَدَرِّبِ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ ﴿ إنَّ أبانا ﴾ أيْ في تَرْجِيحِهِما عَلَيْنا في المَحَبَّةِ مَعَ فَضْلِنا عَلَيْهِما وكَوْنِهِما بِمَعْزِلٍ عَنْ كِفايَةِ الأُمُورِ ﴿ لَفِي ضَلالٍ ﴾ أيْ خَطَأٍ في الرَّأْيِ وذَهابٍ عَنْ طَرِيقِ التَّعْدِيلِ اللّائِقِ مِن تَنْزِيلِ كُلٍّ مِنّا مَنزِلَتَهُ ﴿ مُبِينٍ ﴾ ظاهِرُ الحالِ، وجُعِلَ الضَّلالُ ظَرْفًا لِتَمَكُّنِهِ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِالمُبِينِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُناسِبٍ بِزَعْمِهِمْ والتَّأْكِيدُ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ، يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أحَبَّ إلَيْهِ لِما يَرى فِيهِ مِن أنَّ المَخايِلَ وكانَتْ إخْوَتُهُ يَحْسُدُونَهُ فَلَمّا رَأى الرُّؤْيا تَضاعَفَتْ لَهُ المَحَبَّةُ فَكانَ لا يَصْبِرُ عَنْهُ ويَضُمُّهُ كُلَّ ساعَةٍ إلى صَدْرِهِ، ولَعَلَّهُ أحْسَّ قَلْبُهُ بِالفِراقِ فَتَضاعَفَ لِذَلِكَ حَسَدُهم حَتّى حَمَلَهم عَلى ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ سَبَبَ زِيادَةِ حُبِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُوسُفَ وأخِيهِ صِغَرُهُما ومَوْتُ أُمِّهِما، وحُبُّ الصَّغِيرِ أمْرٌ مَرْكُوزٌ في فِطْرَةِ البَشَرِ فَقَدْ قِيلَ لِابْنَةِ الحَسَنِ: أيُّ بَنِيكِ أحَبُّ إلَيْكِ؟
قالَتِ: الصَّغِيرُ حَتّى يَكْبُرَ، والغائِبُ حَتّى يَقْدُمَ، والمَرِيضُ حَتّى يُشْفى، وقَدْ نَظَمَ بَعْضُ الشُّعَراءِ في مَحَبَّةِ الوَلَدِ الصَّغِيرِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ومِن ذَلِكَ ما قالَهُ الوَزِيرُ أبُو مَرْوانَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ إدْرِيسَ الجَزِيرِيُّ مِن قَصِيدَةٍ بَعَثَ بِها إلى أوْلادِهِ وهو في السِّجْنِ.
وصَغِيرُهم عَبْدُ العَزِيزِ فَإنَّنِي أطْوِي لِفُرْقَتِهِ جَوًى لَمْ يَصْغُرْ ذاكَ المُقَدَّمُ في الفُؤادِ وإنْ غَدا ∗∗∗ كَفَأ لَكم في المُنْتَمى والعُنْصُرْ إنَّ البَنانَ الخَمْسَ أكْفاءٌ مَعًا ∗∗∗ والحُلِيُّ دُونَ جَمِيعِها لِلْخِنْصَرْ وإذا الفَتى فَقَدَ الشَّبابَ سَما لَهُ ∗∗∗ حُبُّ البَنِينَ ولا كَحُبِّ الأصْغَرْ وفِيهِ أنَّ مَنشَأ زِيادَةِ الحُبِّ لَوْ كانَتْ ما ذُكِرَ لَكانَ بِنْيامِينُ أوْفَرَ حَظًّا في ذَلِكَ لِأنَّهُ أصْغَرُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ: إنَّ أُمَّهُما ماتَتْ في نِفاسِهِ، والآيَةُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ مُشِيرَةٌ إلى أنَّ مَحَبَّتَهُ لِأجْلِ شَقِيقِهِ يُوسُفَ، فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أحَبَّهُ أكْثَرَ مِنهم لِما رَأى فِيهِ مِن مَخايِلِ الخَيْرِ ما لَمْ يَرَ فِيهِمْ وزادَ ذَلِكَ الحُبُّ بَعْدَ الرُّؤْيا لِتَأْكِيدِها تِلْكَ الأماراتِ عِنْدَهُ ولا لَوْمَ عَلى الوالِدِ في تَفْضِيلِهِ بَعْضَ ولَدِهِ عَلى بَعْضٍ في المَحَبَّةِ لِمِثْلِ ذَلِكَ، وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ المَحَبَّةَ لَيْسَتْ مِمّا تَدْخُلُ تَحْتَ وُسْعِ البَشَرِ، والمَرْءُ مَعْذُورٌ فِيما لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَهُ، نَعَمْ ظَنَّ أبْناؤُهُ أنَّ ما كانَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما كانَ عَنِ اجْتِهادٍ، وأنَّهُ قَدْ أخْطَأ في ذَلِكَ والمُجْتَهِدُ يُخْطِئُ ويُصِيبُ وإنْ كانَ نَبِيًّا، وبِهَذا يَنْحَلُّ ما قِيلَ: إنَّهم إنْ كانُوا قَدْ آمَنُوا بِكَوْنِ أبِيهِمْ رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ اعْتَرَضُوا وكَيْفَ زَيَّفُوا طَرِيقَتَهُ وطَعَنُوا فِيما هو عَلَيْهِ، وإنْ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِذَلِكَ فَهو يُوجِبُ كُفْرَهم والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى وهو مِمّا لَمَّ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ ووَجْهُ الِانْحِلالِ ظاهِرٌ <div class="verse-tafsir"
﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن جُمْلَةِ ما حُكِيَ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إذْ قالُوا ﴾ وقَدْ قالَهُ بَعْضٌ مِنهم مُخاطِبًا لِلْباقِينَ وكانُوا راضِينَ بِذَلِكَ إلّا مَن قالَ: ﴿ لا تَقْتُلُوا ﴾ إلَخْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ قالَهُ كُلٌّ مِنهم مُخاطِبًا لِلْبَقِيَّةِ، والِاسْتِثْناءُ هو الِاسْتِثْناءُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ القائِلَ رَجُلٌ غَيْرُهم شاوَرُوهُ في ذَلِكَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولا ثَبْتَ لَهُ، والظّاهِرُ أنَّ القائِلَ خَيَّرَهم بَيْنَ الأمْرَيْنِ القَتْلِ والطَّرْحِ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ قالَ بَعْضٌ: ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ وبَعْضٌ ﴿ اطْرَحُوهُ ﴾ والطَّرْحُ رَمْيُ الشَّيْءِ وإلْقاؤُهُ، ويُقالُ: طَرَحْتُ الشَّيْءَ أبْعَدْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الوَرْدِ: ومَن يَكُ مِثْلِي ذا عِيالٍ ومُقَتِّرًا مِنَ المالِ يَطْرَحُ نَفْسَهُ كُلَّ مَطْرَحٍ ونُصِبَ (أرْضًا) عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أيْ ألْقُوهُ في أرْضٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الأرْضِ الَّتِي هو فِيها، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ -لِاطْرَحُوهُ- لِتَضْمِينِهِ مَعْنى أنْزِلُوهُ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبارَكًا)، ﴾ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ورَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ بِأنَّ ما يَنْتَصِبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَكانِيَّةِ لا يَكُونُ إلّا مُبْهَمًا وحَيْثُ كانَ المُرادُ أرْضًا بَعِيدَةً عَنْ أرْضِهِ لَمْ يَكُنْ هُناكَ إبْهامٌ، ودُفِعَ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، وحاصِلُ المَعْنى اقْتُلُوهُ أوْ غَرِّبُوهُ فَإنَّ التَّغْرِيبَ كالقَتْلِ في حُصُولِ المَقْصُودِ مَعَ السَّلامَةِ مِن إثْمِهِ، ولَعَمْرِي لَقَدْ ذَكَرُوا أمْرَيْنِ مُرَّيْنِ فَإنَّ الغُرْبَةَ كُرْبَةٌ أيَّةُ كُرْبَةٍ؛ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ: حَسَّنُوا القَوْلَ وقالُوا غُرْبَةٌ ∗∗∗ إنَّما الغُرْبَةُ لِلْأحْرارِ ذَبْحٌ ﴿ يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ ﴾ بِالجَزْمِ جَوابُ الأمْرِ، والوَجْهُ الجارِحَةُ المَعْرُوفَةُ، وفي الكَلامِ كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ عَنْ خُلُوصِ المَحَبَّةِ، ومِن هُنا قِيلَ: أيْ يُقْبِلُ عَلَيْكم إقْبالَةً واحِدَةً لا يَلْتَفِتُ عَنْكم إلى غَيْرِكُمْ، والمُرادُ سَلامَةُ مَحَبَّتِهِ لَهم مِمَّنْ يُشارِكُهم فِيها ويُنازِعُهم إيّاها، وقَدْ فُسِّرَ الوَجْهُ بِالذّاتِ والكِنايَةِ بِحالِها خَلا أنَّ الِانْتِقالَ إلى المَقْصُودِ بِمَرْتَبَتَيْنِ عَلى الأوَّلِ وبِمَرْتَبَةٍ عَلى هَذا، وقِيلَ: الوَجْهُ بِمَعْنى الذّاتِ، وفي الكَلامِ كِنايَةٌ عَنِ التَّوَجُّهِ والتَّقَيُّدِ بِنَظْمِ أحْوالِهِمْ وتَدْبِيرِ أُمُورِهِمْ لِأنَّ خُلُوَّهُ لَهم يَدُلُّ عَلى فَراغِهِ عَنْ شَغْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَشْتَغِلُ بِهِمْ ويُنَظِّمُ أُمُورَهُمْ، ولَعَلَّ الوَجْهَ الأوْجَهَ هو الأوَّلُ ﴿ وتَكُونُوا ﴾ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الأمْرِ، وبِالنَّصْبِ بَعْدَ الواوِ بِإضْمارِ أنَّ أيْ يَجْتَمِعُ لَكم خُلُوُّ وجْهِهِ والكَوْنُ ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أيْ بَعْدِ يُوسُفَ عَلى مَعْنى بَعْدِ الفَراغِ مِن أمْرِهِ، أوْ مِن بَعْدِ قَتْلِهِ أوْ طَرْحِهِ، فالضَّمِيرُ إمّا لِيُوسُفَ أوْ لِأحَدِ المَصْدَرَيْنِ المَفْهُومَيْنِ مِنَ الفِعْلَيْنِ.
﴿ قَوْمًا صالِحِينَ ﴾ بِالتَّوْبَةِ والتَّنَصُّلِ إلى اللَّهِ تَعالى عَمّا جِئْتُمْ بِهِ مِنَ الذَّنْبِ -كَما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ- وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ، فالمُرادُ بِالصَّلاحِ الصَّلاحُ الدِّينِيُّ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، ويَحْتَمِلُ أنَّ المُرادَ ذَلِكَ لَكِنْ بَيْنَهم وبَيْنَ أبِيهِمْ بِالعُذْرِ، وهو وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلدِّينِ لِكَوْنِهِ كَذِبًا لَكِنَّهُ مُوافِقٌ لَهُ مِن جِهَةِ أنَّهم يَرْجُونَ عَفْوَ أبِيهِمْ وصَفْحَهُ بِهِ لِيَخْلُصُوا مِنَ العُقُوقِ عَلى ما قِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الصَّلاحُ الدُّنْيَوِيُّ أيْ صالِحِينَ في أمْرِ دُنْياكم فَإنَّهُ يَنْتَظِمُ لَكم بَعْدَهُ بِخُلُوِّ وجْهِ أبِيكُمْ، وإيثارُ الخِطابِ في (لَكُمْ) وما بَعْدَهُ لِلْمُبالَغَةِ في حَمْلِهِمْ عَلى القَبُولِ فَإنَّ اعْتِناءَ المَرْءِ بِشَأْنِ نَفْسِهِ واهْتِمامِهِ بِتَحْصِيلِ مَنافِعِهِ أتَمُّ وأكْمَلُ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ قائِلٌ مِنهُمْ ﴾ وهو يَهُوذا وكانَ رَأْيُهُ فِيهِ أهْوَنَ شَرًّا مِن رَأْيِ غَيْرِهِ وهو القائِلُ: ﴿ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ ﴾ إلَخْ قالَهُ السُّدِّيُّ.
وقالَ قَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ: هو رُوبِيلُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ شَمْعُونُ، وقِيلَ: دانُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ أحَدَ هَذَيْنِ هو القائِلُ: ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ إلَخْ، وأمّا القائِلُ ﴿ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ فَغَيْرُهُ، ولَعَلَّ الأصَحَّ أنَّهُ يَهُوذا.
قِيلَ: وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ أحَدٌ مِنهم بِاسْمِهِ سَتْرًا عَلى المُسِيءِ، وكُلٌّ مِنهم لَمْ يَخْلُ عَنِ الإساءَةِ وإنْ تَفاوَتَتْ مَراتِبُها، والقَوْلُ بِأنَّهُ عَلى هَذا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُعَيِّنَ أحَدًا مِنهم بِاسْمِهِ تَأسِّيًا بِالكِتابِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ذَلِكَ مَقامُ تَفْسِيرٍ وهو فِيهِ أمْرٌ مَطْلُوبٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّ سائِلًا سَألَ اتَّفَقُوا عَلى ما عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِن خَصْلَتَيِ الصَّنِيعِ أمْ خالَفَهم في ذَلِكَ أحَدٌ؟
فَقِيلَ: قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: ﴿ لا تَقْتُلُوا ﴾ إلَخْ، والإتْيانُ بِيُوسُفَ دُونَ ضَمِيرِهِ لِاسْتِجْلابِ شَفَقَتِهِمْ عَلَيْهِ واسْتِعْظامِ قَتْلِهِ وهو هُوَ، فَإنَّهُ يُرْوى أنَّهُ قالَ لَهُمُ: القَتْلُ عَظِيمٌ ولَمْ يُصَرِّحْ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الخِصْلَةِ الأُخْرى، وأحالَهُ عَلى أوْلَوِيَّةِ ما عَرَضَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ وألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ ﴾ أيْ في قَعْرِهِ وغَوْرِهِ سُمِّيَ بِهِ لِغَيْبَتِهِ عَنْ عَيْنِ النّاظِرِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْقَبْرِ: غَيابَةٌ، قالَ المِنخَلُ السَّعْدِيُّ: إذا أنا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي (غَيابَتِي) فَسِيرُوا بِسَيْرِي في العَشِيرَةِ والأهْلِ وقالَ الهَرَوِيُّ: الغَيابَةُ في الجُبِّ شِبْهُ كَهْفٍ، أوْ طاقٍ في البِئْرِ فَوْقَ الماءِ يَغِيبُ ما فِيهِ عَنِ العُيُونِ، والجُبُّ الرَّكْيَةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ فَإذا طُوِيَتْ فَهي بِئْرٌ، قالَ الأعْشى: لَئِنْ كُنْتُ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ∗∗∗ ورَقِيتُ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمٍ ويُجْمَعُ عَلى جُبَبٍ وجِبابٍ وأجْبابٍ، وسُمِّيَ جُبًّا لِأنَّهُ جُبَّ مِنَ الأرْضِ أيْ قُطِعَ، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في تَأْنِيثِهِ وتَذْكِيرِهِ.
وقَرَأ نافِعٌ في -غَياباتِ- في المَوْضِعَيْنِ كَأنَّ لِتِلْكَ الجُبِّ غَياباتٍ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى سِعَتِها، أوْ أرادَ بِالجُبِّ الجِنْسَ أيْ في بَعْضِ غَياباتِ الجُبِّ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ -غَيّاباتِ- بِتَشْدِيدِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، ووَزْنُهُ عَلى ما نَقَلَ صاحِبُ اللَّوامِحِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعّالاتٍ كَحَمّاماتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَيْعالاتٍ كَشَيْطاناتٍ في جَمْعِ شَيْطانَةٍ، وقَرَأ الحَسَنُ غَيَبَةِ بِفُتُحاتٍ عَلى أنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالغَلَبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ غائِبٍ كَصانِعٍ وصَنَعَةٍ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ غَيْبَةٌ بِسُكُونِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ الغائِبُ.
﴿ يَلْتَقِطْهُ ﴾ أيْ يَأْخُذْهُ عَلى وجْهِ الصِّيانَةِ عَنِ الضَّياعِ والتَّلَفِ، فَإنَّ الِالتِقاطَ أخْذُ شَيْءٍ مُشْرِفٍ عَلى الضَّياعِ كَذا قِيلَ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ هو أنْ يَجِدَ الشَّيْءَ ويَأْخُذَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَحْسَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ومَنهَلٌ ورَدْتُهُ التِقاطًا.
﴿ بَعْضُ السَّيّارَةِ ﴾ أيْ بَعْضُ جَماعَةٍ تَسِيرُ في الأرْضِ وألْ في السَّيّارَةِ كَما في الجُبِّ وما فِيهِما، وفي -البَعْضِ- مِنَ الإبْهامِ لِتَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ مِن تَرْوِيجِ كَلامِهِ بِمُوافَقَتِهِ لِغَرَضِهِمُ الَّذِي هو تَنائِي يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْهم بِحَيْثُ لا يُدْرى أثَرُهُ ولا يُرْوى خَبَرُهُ، وقَرَأ الحَسَنُ -تَلْتَقِطْهُ- عَلى التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما في قَوْلِهِ: إذا بَعْضُ السِّنِينَ (تَعْرِفَتُنا) ∗∗∗ كَفى الأيْتامَ فَقْدُ أبِي اليَتِيمِ وجاءَ قُطِعَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ وجَعَلُوا هَذا مِن بابِ اكْتِسابِ المُضافِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ التَّأْنِيثَ كَقَوْلِهِ: كَما شَرَقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ.
﴿ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ عازِمِينَ مُصِرِّينَ عَلى أنْ تَفْعَلُوا بِهِ ما يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ أوْ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ بِمَشُورَتِي ورَأْيِي فَألْقُوهُ إلَخْ، ولَمْ يَبِتَّ القَوْلَ لَهم بَلْ عَرَضَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِهِمْ وتَوْجِيهًا لَهم إلى رَأْيِهِ وحَذَرًا مِن سُوءِ ظَنِّهِمْ بِهِ؛ ولَمّا كانَ هَذا مَظِنَّةً لِسُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: فَما فَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ قَبِلُوا رَأْيَهُ أمْ لا؟
فَأُجِيبَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ عَلى وجْهٍ أدْرَجَ في تَضاعِيفِهِ قَبُولَهم لَهُ بِما سَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ ﴾ فَقِيلَ: <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا يا أبانا ﴾ خاطَبُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ تَحْرِيكًا لِسِلْسِلَةِ النَّسَبِ وتَذْكِيرًا لِرابِطَةِ الأُخُوَّةِ لِيَتَسَبَّبُوا بِذَلِكَ اسْتِنْزالَهُ عَنْ رَأْيِهِ في حِفْظِهِ مِنهم لِما أحَسَّ بِحَسَدِهِمْ فَكَأنَّهم قالُوا: ﴿ ما لَكَ ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ لَكَ ﴿ لا تَأْمَنّا ﴾ لا تَجْعَلْنا أُمَناءَ ﴿ عَلى يُوسُفَ ﴾ مَعَ أنَّكَ أبُونا ونَحْنُ بَنُوكَ وهو أخُونا ﴿ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ ﴾ مُرِيدُونَ لَهُ الخَيْرَ ومُشْفِقُونَ عَلَيْهِ لَيْسَ فِينا ما يُخِلُّ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ ﴿ لا تَأْمَنّا ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وكَذا جُمْلَةُ ﴿ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ ﴾ والِاسْتِفْهامُ -بِما لَكَ- فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، والكَلامُ ظاهِرٌ في أنَّهُ تَقَدَّمَ مِنهم سُؤالٌ أنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم فَلَمْ يَرْضَ أبُوهم بِذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ لا تَأْمَنّا ﴾ بِالإدْغامِ والإشْمامِ، وفُسِّرَ بِضَمِّ الشَّفَتَيْنِ مَعَ انْفِراجٍ بَيْنَهُما إشارَةً إلى الحَرَكَةِ مَعَ الإدْغامِ الصَّرِيحِ كَما يَكُونُ في الوَقْفِ وهو المَعْرُوفُ عِنْدَهم وفِيهِ عُسْرٌ هُنا، ويُطْلَقُ عَلى إشْرابِ الكَسْرَةِ شَيْئًا مِنَ الضَّمَّةِ كَما قالُوا في قِيلَ، وعَلى إشْمامِ أحَدِ حَرْفَيْنِ شَيْئًا مِن حَرْفٍ آخَرَ كَما قالُوا في الصِّراطِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبُو جَعْفَرٍ والزُّهْرِيُّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ بِالإدْغامِ مِن غَيْرِ إشْمامٍ، وإرادَةُ النَّفْيِ ظاهِرَةٌ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ بِضَمِّ المِيمِ مَعَ الإدْغامِ، وهَذِهِ الضَّمَّةُ مَنقُولَةٌ إلى المِيمِ مِنَ النُّونِ الأُولى بَعْدَ سَلْبِ حَرَكَتِها.
وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: لا تَأْمَنُنا- بِالإظْهارِ وضَمِّ النُّونِ عَلى الأصْلِ، وهو خِلافُ خَطِّ المُصْحَفِ لِأنَّهُ بِنُونٍ واحِدَةٍ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وأبُو رَزِينٍ -لا تِيمَنّا- بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ؛ وسَهَّلَ الهَمْزَةَ بَعْدَ الكَسْرَةِ ابْنُ وثّابٍ، ولَمْ يُسَهِّلْ أبُو رَزِينٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ بِذَلِكَ بِمَحْضَرِ عُبَيْدِ بْنِ فَضْلَةَ فَقالَ لَهُ: لَحَنْتَ، فَقالَ أبُو رَزِينٍ: ما لَحَنَ مَن قَرَأ بِلُغَةِ قَوْمِهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ الزَّمانِيَّةِ وهو يُطْلَقُ عَلى اليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ، وعَلى الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ مُطْلَقًا، وأصْلُهُ غَدَوٌ فَحُذِفَتْ لامُهُ وقَدْ جاءَ تامًّا أيِ ابْعَثْهُ مَعَنا غَدًا إلى الصَّحْراءِ ﴿ يَرْتَعْ ﴾ أيْ يَتَّسِعُ في أكْلِ الفَواكِهِ ونَحْوِها، وأصْلُ مَعْنى الرَّتْعِ أنْ تَأْكُلَ وتَشْرَبَ ما تَشاءُ في خِصْبٍ وسِعَةٍ، ويُقالُ: رَتَعَ أقامَ في خِصْبٍ وتَنَعُّمٍ، ويُسَمّى الخِصْبُ رَتْعَةً بِسُكُونِ التّاءِ وفَتْحِها، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ الرَّتْعَ حَقِيقَةٌ في أكْلِ البَهائِمِ ويُسْتَعارُ لِلْإنْسانِ إذا أُرِيدَ بِهِ الأكْلُ الكَثِيرُ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ.
وإذْ يَخْلُو لَهُ الحِمى رَتَعَ.
﴿ ويَلْعَبْ ﴾ بِالِاسْتِباقِ والِانْتِضالِ ونَحْوِهِما مِمّا يَتَدَرَّبُ بِهِ لِقِتالِ العَدُوِّ، ولَيْسَ المُرادُ لَعِبَ لَهْوٍ وإلّا لَمْ يُقِرَّهم عَلَيْهِ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما عَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ بِهِ لِكَوْنِهِ عَلى هَيْئَتِهِ تَحْقِيقًا لِما رَمَوْهُ مِنِ اسْتِصْحابِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَصْوِيرِهِمْ لَهُ بِصُورَةِ ما يُلائِمُ حالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن صِغَرِ السِّنِّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ يَرْتَعْ ويَلْعَبْ ﴾ بِالياءِ والجَزْمِ، والِابْنانِ وأبُو عَمْرٍو بِالنُّونِ والجَزْمِ، وكَسَرَ العَيْنَ الحَرَمِيّانِ، واخْتُلِفَ عَنْ قُنْبُلٍ في إثْباتِ الياءِ وحَذْفِها، ويُرْوى عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ -نَرْتَعُ- بِالنُّونِ و(يَلْعَبُ) بِالياءِ، وهي قِراءَةُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقَرَأ العَلاءُ بْنُ سَيابَةَ (يَرْتَعِ) بِالياءِ وكَسْرِ العَيْنِ مَجْزُومًا مَحْذُوفَ اللّامِ (ويَلْعَبُ) بِالياءِ أيْضًا وضَمِّ الباءِ عَلى أنَّهُ مُسْتَأْنِفٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ وهو يَلْعَبُ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ -نُرْتَعْ- بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ وعَيْنٍ ساكِنَةٍ مِن أرْتَعْنا -ونَلْعَبُ- بِالنُّونِ أيْضًا، وكَذَلِكَ أبُو رَجاءٍ إلّا أنَّهُ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ فِيهِما، والقِراءَتانِ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ أيْ نُرْتِعِ المَواشِي أوْ غَيْرَها، والفِعْلانِ في هَذِهِ القِراآتِ كُلِّها مَبْنِيّانِ لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (يُرْتَعُ ويُلْعَبُ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِما، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى أنَّ نائِبَ الفاعِلِ ضَمِيرُ غَدٍ، والأصْلُ يَرْتَعُ فِيهِ ويَلْعَبُ فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ واتَّسَعَ فَعُدِّيَ الفِعْلُ لِلضَّمِيرِ فَصارَ يُرْتِعُهُ ويُلْعِبُهُ، ثُمَّ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ فاسْتُتِرَ الضَّمِيرُ الَّذِي كانَ مَنصُوبًا لِكَوْنِهِ نائِبًا عَنِ الفاعِلِ، ومَن كَسَرَ العَيْنَ مِنَ الفِعْلِ الأوَّلِ فَهو عِنْدَهُ مِنَ المُراعاةِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْ يُراعِي بَعْضُنا بَعْضًا ويَحْرُسُهُ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِن رَعْيِ الإبِلِ أيْ نَتَدَرَّبُ في الرَّعْيِ وحِفْظِ المالِ، أوْ مِن رَعْيِ النَّباتِ والكَلَأِ، والمُرادُ نَرْعى مَواشِيَنا إلّا أنَّهُ أسْنَدَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ مَجازًا، أوْ تَجُوزُ عَنْ أكْلِهِمْ بِالرَّعْيِ، وضَعَّفَ ابْنُ عَطِيَّةَ القِراءَةَ بِإثْباتِ الياءِ، وقالَ: إنَّ إثْباتَها في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمى بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ وقِيلَ: إنَّ تَقْدِيرَ حَذْفِ الحَرَكَةِ في الياءِ ونَحْوِها لِلْجازِمِ لُغَةٌ ولَيْسَ مِنَ الضَّرُورَةِ في شَيْءٍ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ نَلْهُو ونَلْعَبُ ﴿ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ أيْ مِن أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ والعامِلُ فِيها فِعْلُ الأمْرِ أوِ الجَوابُ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن بابِ الأعْمالِ كَما قالَ أبُو حَيّانَ لِأنَّ الحالَ لا تُضْمَرُ، وذَلِكَ البابُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإضْمارِ إذا أُعْمِلَ الأوَّلُ، وقَدْ أكَّدُوا مَقالَتَهم بِأصْنافِ التَّأْكِيدِ مِن إيرادِ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً وتَحْلِيَتِها بِأنْ واللّامِ، وإسْنادُ الحِفْظِ إلى كُلِّهِمْ وتَقْدِيمُ (لَهُ) عَلى الخَبَرِ احْتِيالًا في تَحْصِيلِ مَقْصِدِهِمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّ سائِلًا يَقُولُ: فَماذا قالَ أبُوهم لَهُمْ؟
فَقِيلَ: قالَ ﴿ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ ﴾ لِشِدَّةِ مُفارَقَتِهِ عَلَيَّ وقِلَّةِ صَبْرِي عَنْهُ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ إنَّ إذا كانَ مُضارِعًا قِيلَ: تَقْصُرُهُ عَلى الحالِ وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ، وقِيلَ: تَكُونُ لَهُ ولِغَيْرِهِ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ ، وقِيلَ: إنَّها لِلْحالِ إنْ خَلَتْ عَنْ قَرِينَةٍ ومَعَها تَكُونُ لِغَيْرِهِ، وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ ما في الآيَةِ، وبَعْضُهم جَعَلَها هُنا لِلْحالِ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ الذَّهابَ مُسْتَقْبَلٌ فَيَلْزَمُ تَقَدُّمُ الفِعْلِ عَلى فاعِلِهِ وهو غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ أثَرُهُ ولا يُعْقَلُ تَقَدُّمُ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ التَّقْدِيرَ قَصْدُ أوْ تَوَقُّعُ أنْ تَذْهَبُوا بِهِ، فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ وهو الفاعِلُ ولَيْسَ ذاكَ أمْرًا مُسْتَقْبَلًا بَلْ حالٌ، ولا يَمْتَنِعُ في مِثْلِ ذَلِكَ حَذْفُ الفاعِلِ لِما صَرَّحُوا بِهِ أنَّهُ إنَّما يَمْتَنِعُ إذا لَمْ يَسُدَّ مَسَدَّهُ شَيْءٌ وهُنا قَدْ سَدَّ، ولا يَجِبُ أنْ يَكُونَ السّادُّ هو المُضافُ إلَيْهِ كَما ظُنَّ، بَلْ لَوْ سَدَّ غَيْرُهُ كانَ الحَذْفُ جائِزًا أيْضًا، ومِن هُنا كانَ تَقْدِيرُ قَصْدِكم أنْ تَذْهَبُوا صَحِيحًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَقْدِيرَ مَعْنًى لا تَقْدِيرَ إعْرابٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يُمْكِنُ دَفْعُ الإشْكالِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ بِأنْ يُقالَ: إنَّ الذَّهابَ يُحْزِنُهُ بِاعْتِبارِ تَصَوُّرِهِ كَما قِيلَ نَظِيرُهُ في العِلَّةِ الغائِيَّةِ، وقالَ شِهابٌ: ذَلِكَ التَّحْقِيقُ أظُنُّ أنَّ ما قالُوهُ في تَوْجِيهِ الإشْكالِ مَغْلَطَةٌ لا أصْلَ لَها، فَإنَّ لُزُومَ كَوْنِ الفاعِلِ مَوْجُودًا عِنْدَ وُجُودِ الفِعْلِ إنَّما هو الفاعِلُ الحَقِيقِيُّ لا النَّحْوِيُّ واللُّغَوِيُّ فَإنَّ الفِعْلَ قَدْ يَكُونُ قَبْلَهُ سَواءٌ كانَ حالًا كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، أوْ ماضِيًا كَما أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ في مِثْلِهِ أمْرًا مَعْدُومًا كَما في قَوْلِهِ: ومَن سَرَّهُ أنْ لا يَرى ما يَسُوءُهُ فَلا يَتَّخِذُ شَيْئًا يَخافُ لَهُ فَقْدًا ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ في مِثْلِهِ إنَّهُ مُحْتاجٌ إلى التَّأْوِيلِ فَإنَّ الحُزْنَ والغَمَّ كالسُّرُورِ والفَرَحِ يَكُونُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ هِلالٍ في فُرُوقِهِ، ولا حاجَةَ إلى تَأْوِيلٍ أوْ تَقْدِيرٍ أوْ تَنْزِيلٍ لِلْوُجُودِ الذِّهْنِيِّ مَنزِلَةَ الخارِجِيِّ عَلى القَوْلِ بِهِ أوْ الِاكْتِفاءِ بِهِ، فَإنَّهُ مِثْلُهُ لا يَعْرِفُهُ أهْلُ العَرَبِيَّةِ أوِ اللِّسانُ فَإنْ أبَيْتَ إلّا اللَّجاجَ فِيهِ فَلْيَكُنْ مِنَ التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ إلى ما يَسْتَقْبِلُ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْحُزْنِ الآنَ اهـ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ فِعْلَ الفاعِلِ الِاصْلاحِيِّ إمّا قائِمٌ بِهِ أوْ واقِعٌ مِنهُ، وقِيامُ الشَّيْءِ بِما لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ ووُقُوعُهُ مِنهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وحِينَئِذٍ فالتَّأْوِيلُ بِما يَصِحُّ القِيامُ أوِ الوُقُوعُ في فاقِدِ ذَلِكَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ واجِبٌ كَذا قِيلَ فَتَدَبَّرْ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ -لِيَحْزُنِّي- بِالإدْغامِ، وبِذَلِكَ قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَرَأ أيْضًا تَذْهَبُوا بِهِ مِن أذْهَبَ رُباعِيًّا، ويَخْرُجُ كَما قالَ أبُو حَيّانَ عَلى زِيادَةِ الباءِ في (بِهِ) كَما خَرَّجَ بَعْضُهم (تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ) في قِراءَةِ مَن ضَمَّ التّاءَ وكَسَرَ الباءَ المُوَحَّدَةَ عَلى ذَلِكَ أيْ -لِيُحْزِنِّي أنْ تُذْهِبُوهُ.
﴿ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ﴾ هو حَيَوانٌ مَعْرُوفٌ وخَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الأرْضَ عَلى ما قِيلَ: كانَتْ مُذْئَبَةً، وقِيلَ: لِأنَّهُ سَبُعٌ ضَعِيفٌ حَقِيرٌ فَنَبَّهَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَوْفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ مِنهُ عَلى خَوْفِهِ عَلَيْهِ مِمّا هو أعْظَمُ مِنهُ افْتِراسًا مِن بابِ أوْلى، ولِحَقارَةِ الذِّئْبِ خَصَّهُ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبْعٍ الفَزارِيُّ في كَوْنِهِ يَخْشاهُ لِما بَلَغَ مِنَ السِّنِّ ما بَلَغَ في قَوْلِهِ: (والذِّئْبُ) أخْشاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ ∗∗∗ وحْدِي وأخْشى الرِّياحَ والمَطَرا وقِيلَ: لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى في المَنامِ أنَّ ذِئْبًا قَدْ شَدَّ عَلَيْهِ فَكانَ يَحْذَرُهُ، ولَعَلَّ هَذا الحَذَرَ لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِمُناسَبَتِهِمُ التّامَّةِ بِعالَمِ المَلَكُوتِ تَكُونُ واقِعاتُهم بِعَيْنِها واقِعَةً، وإلّا فالذِّئْبُ في النَّوْمِ يُؤَوَّلُ بِالعَدُوِّ.
وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ورى بِالذِّئْبِ عَنْ واحِدٍ مِنهم فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أجَلُّ قَدْرًا مِن أنْ لا يَعْلَمَ أنَّ رُؤْياهُ تِلْكَ مِن أيِّ أقْسامِ الرُّؤْيا هِيَ، فَإنَّ مِنها ما يَحْتاجُ لِلتَّعْبِيرِ، ومِنها ما لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، والكامِلُ يَعْرِفُ ذَلِكَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ كَما قَدْ خَفِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَلى جَدِّهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو بِناءٌ عَلى ما ذَكَرَهُ شَيْخُنا ابْنُ العَرَبِيِّ قَدَّسَ سِرَّهُ مِن أنَّ رُؤْياهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَبْحَ ولَدِهِ مِنَ الرُّؤْيا المُعَبِّرَةِ بِذَبْحِ كَبْشٍ لَكِنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ولا يَخْفى ما فِيهِ، والمَذْكُورُ في بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى في مَنامِهِ كَأنَّهُ عَلى ذُرْوَةِ جَبَلٍ وكَأنَّ يُوسُفَ في بَطْنِ الوادِي فَإذا عَشَرَةٌ مِنَ الذِّئابِ قَدِ احْتَوَشَتْهُ تُرِيدُ أكْلَهُ فَدَرَأ عِنْدَ واحِدٍ ثُمَّ انْشَقَّتِ الأرْضُ فَتَوارى يُوسُفُ فِيها ثَلاثَةَ أيّامٍ، وأنا لَمْ أجِدْ لِرِوايَةِ الرُّؤْيا مُطْلَقًا سَنَدًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، ولا حاجَةَ بِنا إلى اعْتِبارِها لِتَكَلُّفِ الكَلامِ فِيها، وبِالجُمْلَةِ ما وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا القَوْلِ كانَ تَلْقِينًا لِلْجَوابِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ وهو عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ ﴾ والبَلاءُ مُوَكَّلٌ بِالمَنطِقِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”لا تُلَقِّنُوا النّاسَ فَيَكْذِبُوا فَإنَّ بَنِي يَعْقُوبَ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ الذِّئْبَ يَأْكُلُ النّاسَ فَلَمّا لَقَّنَهم أبُوهم كَذَّبُوا فَقالُوا: أكَلَهُ الذِّئْبُ“،» والحُزْنُ ألَمُ القَلْبِ لِفَوْتِ المَحْبُوبِ، والخَوْفُ انْزِعاجُ النَّفْسِ لِنُزُولِ المَكْرُوهِ، ولِذَلِكَ أسْنَدَ الأوَّلَ إلى الذَّهابِ بِهِ المُفَوِّتِ لِاسْتِمْرارِ مُصاحَبَتِهِ ومُواصَلَتِهِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والثّانِي إلى ما يُتَوَقَّعُ نُزُولُهُ مِن أكْلِ الذِّئْبِ، والذِّئْبُ أصْلُهُ الهَمْزَةُ وهي لُغَةُ الحِجازِ، وبِها قَرَأ غَيْرُ واحِدٍ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ وخَلَفٌ وأبُو جَعْفَرٍ ووَرْشٌ والأعْشى وغَيْرُهم بِإبْدالِها ياءً لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها وهو القِياسُ في مِثْلِ ذَلِكَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ قَدْ هَمَزَهُ عَلى الأصْلِ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ، وأبُو عَمْرٍو وقْفًا، وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ دَرَجا وأبْدَلا وقْفًا، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ التِقاءَ السّاكِنَيْنِ في الوَقْفِ وإنْ كانَ جائِزًا إلّا أنَّهُ إذا كانَ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ يَكُونُ أحْسَنَ.
وقالَ نَصْرٌ: سَمِعْتُ أبا عَمْرٍو لا يَهْمِزُهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ مُطْلَقًا فَيَكُونُ ما تَقَدَّمَ رِوايَةً وهَذِهِ أُخْرى، ويَجْمَعُ عَلى أذْؤُبٍ وذِئابٍ وذُؤْبانٍ، واشْتِقاقُهُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ مِن تَذاءَبَتِ الرِّيحُ إذا هَبَّتْ مِن كُلِّ جِهَةٍ.
وقالَ الأصْمَعِيُّ: إنَّ اشْتِقاقَ تَذاءَبَتْ مِنَ الذِّئْبِ لِأنَّ الذِّئْبَ يَفْعَلُهُ في عَدُوِّهِ، قِيلَ: وهو أنْسَبُ ولِذا عُدَّ تَذاءَبَتِ الرِّيحُ مِنَ المَجازِ في الأساسِ لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ أخْذَ الفِعْلِ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ -كَإبِلٍ- قَلِيلٌ مُخالِفٌ لِلْقِياسِ ﴿ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ﴾ لِاشْتِغالِكم بِالرَّتْعِ واللَّعِبِ، أوْ لِقِلَّةِ اهْتِمامِكم بِحِفْظِهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ أيْ والحالُ أنّا جَماعَةٌ جَدِيرَةٌ بِأنْ تَعْصِبَ بِنا الأُمُورُ وتَكْفِيَ بِآرائِنا وتَدْبِيراتِنا الخُطُوبُ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى الشَّرْطِ مُوطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ ﴾ جَوابٌ مُجْزِئٌ عَنِ الجَزاءِ، والخَسارُ إمّا بِمَعْنى الهَلاكِ تَجَوُّزًا عَنِ الضَّعْفِ أوِ اسْتِحْقاقِهِ، أوْ عَنِ اسْتِحْقاقِ الدُّعاءِ بِهِ أيْ لَضُعَفاءُ عاجِرُونَ، أوْ مُسْتَحِقُّونَ لِلْهَلاكِ لا غِناءَ عِنْدَنا ولا نَفْعَ في حَياتِنا، أوْ مُسْتَحِقُّونَ لِأنْ يُدْعى عَلَيْنا بِالخَسارِ والدَّمارِ فَيُقالُ: خَسَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى ودَمَّرَهم إذْ أكَلَ الذِّئْبُ أخاهم وهم مَعَهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ أيْ إنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلى حِفْظِهِ وهو أعَزُّ شَيْءٍ عِنْدَنا فَقَدْ هَلَكَتْ مَواشِينا وخَسِرْناها، وإنَّما اقْتَصَرُوا عَلى جَوابِ خَوْفِ أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أكْلِ الذِّئْبِ مَعَ أنَّهُ ذَكَرَ في وجْهِ عَدَمِ مُفارَقَتِهِ أمْرَيْنِ: حُزْنُهُ لِمُفارَقَتِهِ وخَوْفُهُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ لِأنَّهُ السَّبَبُ القَوِيُّ في المَنعِ دُونَ الحُزْنِ لِقَصْرِ زَمانِهِ بِناءً عَلى سُرْعَةِ عَوْدِهِمْ بِهِ، أوْ لِأنَّ حُزْنَهُ بِالذَّهابِ إنَّما هو لِلْخَوْفِ عَلَيْهِ، فَنَفْيُ الثّانِي يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الأوَّلِ، أوْ لِكَراهَتِهِمْ لِذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَبُ حَسَدِهِمْ لَهُ فَلِذَلِكَ أعارُوهُ أُذُنًا صَمّاءَ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا ﴾ أيْ عَزَمُوا عَزْمًا مُصَمِّمًا عَلى ﴿ أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ ﴾ قِيلَ: هو بِئْرٌ عَلى ثَلاثِ فَراسِخَ مِن مَقامِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَنْعانَ الَّتِي هي مِن نَواحِي الأُرْدُنِّ، وقِيلَ: هو بَيْنَ مِصْرَ ومَدْيَنَ، وقِيلَ: بِنَفْسِ أرْضِ الأُرْدُنِّ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها بِئْرُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَرُدُّهُ التَّعْلِيلُ بِالتِقاطِ بَعْضِ السَّيّارَةِ ومَجِيئِهِمْ عِشاءَ ذَلِكَ اليَوْمِ فَإنَّ بَيْنَ مَنزِلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْتِ المَقْدِسِ مَراحِلَ، وجَوابُ -لَمّا- مَحْذُوفٌ إيذانًا بِظُهُورِهِ وإشْعارًا بِأنَّ تَفْصِيلَهُ مِمّا لا يَحْوِيهِ فَلَكَ العِبارَةُ، ومُجْمَلُهُ فَعَلُوا ما فَعَلُوا، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم عَظُمَتْ فِتْنَتُهم وهو أوْلى مِن تَقْدِيرٍ وضَعُوهُ فِيها، وقِيلَ: لا حَذْفَ والجَوابُ أوْحَيْنا، والواوُ زائِدَةٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
قالَ وهْبٌ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ السِّيَرِ والأخْبارِ: إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: أما تَشْتاقُ أنْ تَخْرُجَ مَعَنا إلى مَواشِينا فَنَصِيدُ ونَسْتَبِقُ؟
فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلى، قالُوا: فَسَلْ أباكَ أنْ يُرْسِلَكَ مَعَنا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أفْعَلُ، فَدَخَلُوا بِجَماعَتِهِمْ عَلى يَعْقُوبَ فَقالُوا: يا أبانا إنَّ يُوسُفَ قَدْ أحَبَّ أنْ يَخْرُجَ مَعَنا إلى مَواشِينا، فَقالَ يَعْقُوبُ: ما تَقُولُ يا بُنَيَّ؟
قالَ: نَعَمْ يا أبَتِ إنِّي أرى مِن إخْوَتِي مِنَ اللِّينِ واللُّطْفِ فَأُحِبُّ أنْ تَأْذَنَ لِي، وكانَ يَعْقُوبُ يَكْرَهُ مُفارَقَتَهُ ويُحِبُّ مَرْضاتَهُ، فَأذِنَ لَهُ وأرْسَلَهُ مَعَهم فَلَمّا خَرَجُوا بِهِ جَعَلُوا يَحْمِلُونَهُ عَلى رِقابِهِمْ ويَعْقُوبُ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ فَلَمّا بَعِدُوا عَنْهُ وصارُوا بِهِ إلى الصَّحْراءِ ألْقَوْهُ إلى الأرْضِ وأظْهَرُوا لَهُ ما في أنْفُسِهِمْ مِنَ العَداوَةِ وبَسَطُوا لَهُ القَوْلَ وجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فَجَعَلَ كُلَّما جاءَ إلى واحِدٍ مِنهم واسْتَغاثَ بِهِ ضَرَبَهُ فَلَمّا فَطِنَ لِما عَزَمُوا عَلَيْهِ جَعَلَ يُنادِي يا أبَتا لَوْ رَأيْتَ يُوسُفَ وما نَزَلَ بِهِ مِن إخْوَتِهِ لَأحْزَنَكَ ذَلِكَ وأبْكاكَ، يا أبَتاهُ ما أسْرَعَ ما نَسُوا عَهْدَكَ وضَيَّعُوا وصِيَّتَكَ، وجَعَلَ يَبْكِي بُكاءً شَدِيدًا فَأخَذَهُ رُوبِيلُ فَجَلَدَ بِهِ الأرْضَ ثُمَّ جَثَمَ عَلى صَدْرِهِ وأرادَ قَتْلَهُ، فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: مَهْلًا يا أخِي لا تَقْتُلْنِي، فَقالَ لَهُ: يا ابْنَ راحِيلَ أنْتَ صاحِبُ الأحْلامِ، قُلْ لِرُؤْياكَ تُخَلِّصُكَ مِن أيْدِينا ولَوى عُنُقَهُ فاسْتَغاثَ بِيَهُوذا وقالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ تَعالى فِيَّ وحُلْ بَيْنِي وبَيْنَ مَن يُرِيدُ قَتْلِي، فَأدْرَكَتْهُ رَحْمَةُ الأُخُوَّةِ ورَقَّ لَهُ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ ما عَلى هَذا عاهَدْتُمُونِي ألا أدُلُّكم عَلى ما هو أهْوَنُ لَكم وأرْفَقُ بِهِ؟
قالُوا: وما هُوَ؟
قالَ: تُلْقُونَهُ في هَذا الجُبِّ، فَإمّا أنْ يَمُوتَ أوْ يَلْتَقِطَهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ، فانْطَلَقُوا بِهِ إلى بِئْرٍ هُناكَ واسِعِ الأسْفَلِ ضَيِّقِ الرَّأْسِ فَجَعَلُوا يُدَلُّونَهُ فِيها فَتَعَلَّقَ بِشَفِيرِها فَرَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ رُدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي لِأسْتَتِرَ بِهِ في الجُبِّ فَلَمْ يَفْعَلُوا، ثُمَّ ألْقَوْهُ فِيها، فَقالَ لَهُمْ: يا إخْوَتاهُ أتَدَعُونِي وحِيدًا؟
قالُوا: ادْعُ الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ تُؤْنِسُكَ.
وقِيلَ: جَعَلُوهُ في دَلْوٍ ثُمَّ أدْلَوْهُ فَلَمّا بَلَغَ نِصْفَها ألْقَوْهُ إرادَةَ أنْ يَمُوتَ وكانَ في البِئْرِ ماءٌ فَسَقَطَ فِيهِ ثُمَّ قامَ عَلى صَخْرَةٍ فِيها.
ورُوِيَ أنَّهم لَمّا ألْقَوْهُ في الجُبِّ جَعَلَ يَبْكِي فَنادَوْهُ فَظَنَّ أنَّها رَحْمَةٌ أدْرَكَتْهم فَأجابَهم فَأرادُوا رَضْخَهُ بِصَخْرَةٍ لِيَقْتُلُوهُ فَمَنَعَهم يَهُوذا، وكانَ عِنْدَ يَعْقُوبَ قَمِيصُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي كَساهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ مِنَ الجَنَّةِ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ وكانَ قَدْ جَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِن فِضَّةٍ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا خَرَجَ مَعَ إخْوَتِهِ، فَلَمّا صارَ في البِئْرِ أخْرَجَهُ مَلَكٌ وألْبَسَهُ إيّاهُ فَأضاءَ لَهُ الجُبَّ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ لَمّا أُلْقِيَ فِيها عَذُبَ ماؤُها وكانَ يُغْنِيهِ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ ونَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُؤْنِسُهُ، فَلَمّا أمْسى نَهَضَ لِيَذْهَبَ فَقالَ لَهُ: إنِّي أسْتَوْحِشُ إذا ذَهَبْتَ، فَقالَ: إذا رُمْتَ شَيْئًا فَقُلْ: يا صَرِيخَ المُسْتَصْرِخِينَ، ويا غَوْثَ المُسْتَغِيثِينَ، ويا مُفَرِّجَ كَرْبِ المَكْرُوبِينَ قَدْ تَرى مَكانِي وتَعْلَمُ حالِي ولا يَخْفى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن أمْرِي، فَلَمّا قالَها يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَفَّتْهُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ واسْتَأْنَسَ بِهِمْ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطّائِفِيُّ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ قالَ: يا شاهِدًا غَيْرَ غائِبٍ ويا قَرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ ويا غالِبًا غَيْرَ مَغْلُوبٍ اجْعَلْ لِي فَرَجًا مِمّا أنا فِيهِ، وقِيلَ: كانَ يَقُولُ: يا إلَهَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ارْحَمْ ضَعْفِي وقِلَّةَ حِيلَتِي وصِغَرَ سِنِّي، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”لَمّا أُلْقِيَ يُوسُفُ في الجُبِّ أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا غُلامُ مَن ألْقاكَ في هَذا الجُبِّ؟
قالَ: إخْوَتِي، قالَ: ولِمَ؟
قالَ: لِمَوَدَّةِ أبِي إيّايَ حَسَدُونِي، قالَ: تُرِيدُ الخُرُوجَ مِن هَهُنا؟
قالَ: ذاكَ إلى إلَهِ يَعْقُوبَ، قالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِاسْمِكَ المَكْنُونِ المَخْزُونِ يا بَدِيعَ السَّماواتِ والأرْضِ يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ أنْ تَغْفِرَ لِي وتَرْحَمَنِي وأنْ تَجْعَلَ مِن أمْرِي فَرَجًا ومَخْرَجًا، وأنْ تَرْزُقَنِي مِن حَيْثُ أحْتَسِبُ ومِن حَيْثُ لا أحْتَسِبُ، فَقالَها فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِن أمْرِهِ فَرَجًا ومَخْرَجًا ورَزَقَهُ مُلْكَ مِصْرَ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:“ألْظُوا بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ فَإنَّهُنَّ دُعاءُ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ"».
ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، والرِّواياتُ في كَيْفِيَّةِ إلْقائِهِ وما قالَ: وما قِيلَ لَهُ كَثِيرَةٌ، وقَدْ تَضَمَّنَتْ ما يَلِينُ لَهُ الصَّخْرُ لَكِنْ لَيْسَ فِيها ما لَهُ سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿ وأوْحَيْنا إلَيْهِ ﴾ الضَّمِيرُ لِيُوسُفَ أيْ أعْلَمْناهُ عِنْدَ ذَلِكَ تَبْشِيرًا لَهُ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ وإزالَةً لِوَحْشَتِهِ وتَسْلِيَةً لَهُ، وكانَ ذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ بِالإلْهامِ، وقِيلَ: بِالإلْقاءِ في مُبَشِّراتِ المَنامِ، وقالَ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ: بِإرْسالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ والمُوحِي إلَيْهِ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا ﴾ وهو بِشارَةٌ لَهُ بِالخَلاصِ أيْضًا أيْ لَتُخَلَّصَنَّ مِمّا أنْتَ فِيهِ مِن سُوءِ الحالِ وضِيقِ المَجالِ ولَتُخْبِرَنَّ إخْوَتَكَ بِما فَعَلُوا بِكَ ﴿ وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ بِأنَّكَ يُوسُفُ لِتَبايُنِ حالَيْكَ: حالُكَ هَذا وحالُكَ يَوْمَئِذٍ بِعُلُوِّ شَأْنِكَ وكِبْرِياءِ سُلْطانِكَ وبُعْدِ حالِكَ مِن أوْهامِهِمْ، وقِيلَ: لِبُعْدِ العَهْدِ المُبْدَلِ لِلْهَيْئاتِ المُغَيِّرِ لِلْأشْكالِ والأوَّلُ أُدْخِلَ في التَّسْلِيَةِ، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا دَخَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ جِيءَ بِالصُّواعِ فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ ثُمَّ نَقَرَهُ فَطِنٌ، فَقالَ: إنَّهُ لَيُخْبِرُنِي هَذا الجامُ أنَّهُ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ يُدْنِيهِ دُونَكم وأنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ فَألْقَيْتُمُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ فَأتَيْتُمْ أباكم فَقُلْتُمْ: إنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ وجِئْتُمْ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ هَذا الجامَ لَيُخْبِرُهُ بِخَبَرِكُمْ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَلا نَرى هَذِهِ الآيَةَ ﴿ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ ﴾ إلَخْ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ، وجَوَّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿ وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ بِالإيحاءِ عَلى مَعْنى أنّا آنَسْناهُ بِالوَحْيِ وأزَلْنا عَنْ قَلْبِهِ الوَحْشَةَ الَّتِي أوْرَثُوهُ إيّاها وهم لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ ويَحْسَبُونَ أنَّهُ مُسْتَوْحِشٌ لا أنِيسَ لَهُ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وكانَ هَذا الإيحاءُ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنَ سِتٍّ عِنْدَ الضَّحّاكِ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً عِنْدَ الحَسَنِ، وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً عِنْدَ ابْنِ السّائِبِ -وهُوَ الَّذِي يَزْعُمُهُ اليَهُودُ- وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ومَن نَظَرَ في الآياتِ ظَهَرَ لَهُ أنَّ الرّاجِحَ كَوْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ إذْ ذاكَ، وعَلى جَمِيعِ الأقْوالِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ بالِغًا الأرْبَعِينَ عِنْدَ الإيحاءِ إلَيْهِ، نَعَمْ أكْثَرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ نُبِّئُوا في سِنِّ الأرْبَعِينَ وقَدْ أُوحِيَ إلى بَعْضِهِمْ كَيَحْيى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ قَبْلَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ.
وزَعَمَ بَعْضُهِمْ أنَّ ضَمِيرَ (إلَيْهِ) يَعُودُ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَيُنَبِّئَنَّهم بِياءِ الغَيْبَةِ وكَذا في مَصاحِفِ البَصْرَةِ.
وقَرَأ سَلامٌ بِالنُّونِ عَلى أنَّهُ وعِيدٌ لَهُمْ، فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ -بِأوْحَيْنا- لا غَيْرَ عَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَن تَبِعَهُ، ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ ﴾ وأنْ يُرادَ بِإنْباءِ اللَّهِ تَعالى إيصالُ فِعْلِهِمْ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهم لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ، ودُفِعَ بِأنَّهُ بِناءٌ عَلى الظّاهِرِ وأنَّهُ لا يَجْتَمِعُ إنْباءُ اللَّهِ تَعالى مَعَ عَدَمِ شُعُورِهِمْ بِما أنْبَأهم بِهِ إلّا بِتَأْوِيلٍ كَتَقْدِيرِ لَنُعْلِمَنَّهم بِعَظِيمِ ما ارْتَكَبُوهُ قَبْلُ وهم لا يَشْعُرُونَ بِما فِيهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وجاءُوا أباهم عِشاءً ﴾ أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهو -كَما قالَ الرّاغِبُ- مِن صَلاةِ المَغْرِبِ إلى العَتَمَةِ، والعِشاآنِ: المَغْرِبُ والعَتَمَةُ.
وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ -عُشَيًّا- بِضَمِّ العَيْنِ وفَتْحِ الشِّينِ وتَشْدِيدِ الياءِ مُنَوَّنًا وهو تَصْغِيرُ عَشِيٍّ وهو مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى الصَّباحِ، وعَنْهُ أنَّهُ قَرَأ -عُشى- بِالضَّمِّ والقَصْرِ كَدُجى فَنَصْبُهُ عَلى الحالِ وهو جَمْعُ أعْشى عِنْدَ بَعْضٍ وعاشَ عِنْدَ آخَرِينَ، وأصْلُهُ عُشاةٌ كَماشٍ ومُشاةٍ فَحُذِفَتِ الهاءُ تَخْفِيفًا، وأوْرَدَ عَلَيْهِما بِأنَّهُ لا جَوازَ لِمِثْلِ هَذا الحَذْفِ وأنَّهُ لا يُجْمَعُ أفْعَلُ فَعْلاءَ عَلى فُعَلٍ بِضَمِّ الفاءِ وفَتْحِ العَيْنِ بَلْ فُعْلٍ بِسُكُونِ العَيْنِ، ولِذا قِيلَ: كانَ أصْلُهُ عَشْوا فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى ما قَبْلَها لِكَوْنِهِ حَرْفًا صَحِيحًا ساكِنًا ثُمَّ حُذِفَتْ بَعْدَ قَلْبِها ألِفًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وإنْ قُدِّرَ ما بَكَوْا بِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا يَعْشُو مِنهُ الإنْسانُ، وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّ المَقْصُودَ المُبالَغَةُ في شِدَّةِ البُكاءِ والنَّحِيبِ لا حَقِيقَتُهُ أيْ كادَ يَضْعُفُ بَصَرُهم لِكَثْرَةِ البُكاءِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ عَشْوَةٍ مُثَلَّثُ العَيْنِ وهي رُكُوبُ أمْرٍ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ، يُقالُ: أوْطَأهُ عَشْوَةً أيْ أمْرًا مُلْتَبِسًا يُوقِعُهُ في حِيرَةٍ وبَلِيَّةً فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِكَذِبِهِمْ وهو تَمْيِيزٌ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعُ عَشْوَةٍ بِالضَّمِّ بِمَعْنى شُعْلَةِ النّارِ عِبارَةً عَنْ سُرْعَتِهِمْ لِابْتِهاجِهِمْ بِما فَعَلُوا مِنَ العَظِيمَةِ وافْتَعَلُوا مِنَ العَضِيهَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ (عِشاءً) أيْ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ جَمْعَ عاشٍ مِثْلِ راعٍ ورِعاءٍ ويَكُونُ نَصْبُهُ عَلى الحالِ، والظّاهِرُ الأوَّلُ، وإنَّما -جاءُوا عِشاءً- إمّا لِأنَّها لَمْ يَصِلُوا مِن مَكانِهِمْ إلّا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإمّا لِيَكُونُوا أقْدَرَ عَلى الِاعْتِذارِ لِمَكانِ الظُّلْمَةِ الَّتِي يَرْتَفِعُ فِيها الحَياءُ، ولِذا قِيلَ: لا تَطْلُبِ الحاجَةَ بِاللَّيْلِ فَإنَّ الحَياءَ في العَيْنَيْنِ ولا تَعْتَذِرْ في النَّهارِ مِن ذَنْبٍ فَتَلَجْلَجَ في الِاعْتِذارِ وهَلْ جاءُوا في عِشاءِ اليَوْمِ الَّذِي ذَهَبُوا فِيهِ أوْ في عِشاءِ يَوْمٍ آخَرَ؟
ظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمُ الأوَّلُ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى الثّانِي بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَثَ في الجُبِّ ثَلاثَةَ أيّامٍ وكانَ إخْوَتُهُ يَرْعَوْنَ حَوالَيْهِ وكانَ يَهُوذا يَأْتِيهِ بِالطَّعامِ.
وفِي الكَلامِ عَلى ما في البَحْرِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ ﴿ وجاءُوا أباهُمْ ﴾ دُونَ يُوسُفَ ﴿ عِشاءً يَبْكُونَ ﴾ أيْ مُتَباكِينَ أيْ مَظْهِرِينَ البُكاءَ بِتَكَلُّفٍ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ حُزْنٍ لَكِنَّهُ يُشْبِهُهُ، وكَثِيرًا ما يَفْعَلُ بَعْضُ الكَذّابِينَ كَذَلِكَ، أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: جاءَتِ امْرَأةٌ إلى شُرَيْحٍ تُخاصِمُ في شَيْءٍ فَجَعَلَتْ تَبْكِي، فَقالُوا: يا أبا أُمَيَّةَ أما تَراها تَبْكِي!
فَقالَ: قَدْ جاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ أباهم عِشاءً يَبْكُونَ، وقالَ الأعْمَشُ: لا يُصَدَّقُ باكٍ بَعْدَ إخْوَةِ يُوسُفَ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ بُكاءَهم قالَ: ما بالُكم أجَرى في الغَنَمِ شَيْءٌ؟
قالُوا: لا، قالَ: فَما أصابَكم وأيْنَ يُوسُفُ؟
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ ﴾ أيْ مُتَسابِقِينَ في العَدْوِ عَلى الأقْدامِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، أوْ في الرَّمْيِ بِالسِّهامِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، أوْ في أعْمالٍ نَتَوَزَّعُها مِن سَقْيٍ ورَعْيٍ واحْتِطابٍ، أوْ في الصَّيْدِ وأخَذَهُ كَما قِيلَ، ورَجُحَ ما قالَهُ الزَّجّاجُ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ -إنّا ذَهَبْنا نَنْتَضِلُ- وأوْرَدَ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ كَيْفَ ساغَ لَهم الِاسْتِباقُ في العَدْوِ وهو مِن أفْعالِ الصِّبْيانِ الَّتِي لا ثَمَرَةَ فِيها، وأُجِيبَ بِالمَنعِ وثَمَرَتُهُ التَّدْرِيبُ في العَدْوِ لِمُحارَبَةِ العَدُوِّ ومُدافِعَةِ الذِّئْبِ مَثَلًا؛ وبِالجُمْلَةِ (نَسْتَبِقُ) بِمَعْنى نَتَسابَقُ وقَدْ يَشْتَرِكُ الِافْتِعالُ والتَّفاعُلُ فَيَكُونانِ بِمَعْنًى كالِانْتِضالِ والتَّناضُلِ ونَظائِرِهِما ﴿ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا ﴾ أيْ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ الثِّيابِ والأزْوادِ وغَيْرِهِما ﴿ فَأكَلَهُ الذِّئْبُ ﴾ عَقِيبَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ مُضِيِّ زَمانٍ يُعْتادُ فِيهِ التَّفَقُّدُ والتَّعَهُّدُ وحَيْثُ لا يَكادُ يَطْرَحُ المَتاعَ عادَةً إلّا في مَقامٍ يُؤْمَنُ فِيهِ مِنَ الغَوائِلِ لَمْ يُعَدَّ تَرْكُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَهُ مِن بابِ الغَفْلَةِ وتَرْكِ الحِفْظِ المُلْتَزَمِ لا سِيَّما إذْ لَمْ يَغِيبُوا عَنْهُ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنّا لَمْ نُقَصِّرْ في مُحافَظَتِهِ ولَمْ نَغْفُلْ عَنْ مُراقَبَتِهِ بَلْ تَرَكْناهُ في مَأْمَنِنا ومَجْمَعِنا بِمَرْأًى مِنّا وما فارَقْناهُ إلّا ساعَةً يَسِيرَةً بَيْنَنا وبَيْنَهُ مَسافَةٌ قَصِيرَةٌ فَكانَ ما كانَ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، والظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يُرِيدُوا إلّا أنَّ الذِّئْبَ أكَلَ يُوسُفَ ولَمْ يَقْصِدُوا بِذَلِكَ تَعْرِيضًا فَما قِيلَ: إنَّهم عَرَضُوا وأرادُوا أكَلَ الذِّئْبُ المَتاعَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لِما فِيهِ مِنَ الخُرُوجِ عَنِ الجادَّةِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ ﴿ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ﴾ أيْ ما أنْتَ مُصَدِّقٌ لَنا في هَذِهِ المَقالَةِ ﴿ ولَوْ كُنّا ﴾ عِنْدَكَ وفي اعْتِقادِكَ ﴿ صادِقِينَ ﴾ أيْ مَوْصُوفِينَ بِالصِّدْقِ والثِّقَةِ لِفَرْطِ مَحَبَّتِكَ فَكَيْفَ وأنْتَ سَيِّئُ الظَّنِّ بِنا غَيْرُ واثِقٍ بِقَوْلِنا، قِيلَ: ولا بُدَّ مِن هَذا التَّأْوِيلِ إذْ لَوْ كانَ المَعْنى ﴿ ولَوْ كُنّا صادِقِينَ ﴾ في نَفْسِ الأمْرِ لَكانَ تَقْدِيرُهُ فَكَيْفَ إذا كُنّا كاذِبِينَ فِيهِ فَيَلْزَمُ اعْتِرافُهم بِكَذِبِهِمْ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المُرادَ في مِثْلِ ذَلِكَ تَحْقِيقُ الحُكْمِ السّابِقِ عَلى كُلِّ حالٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ هُنا: ﴿ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ﴾ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ فَتَذَكَّرْ وتَأمَّلْ.
﴿ وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ أيْ ذِي كَذِبٍ أوْ وصْفٍ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً كَأنَّهُ نَفْسُ الكَذِبِ وعَيْنُهُ كَما يُقالُ لِلْكَذّابِ: هو الكَذِبُ بِعَيْنِهِ والزُّورُ بِذاتِهِ، ومِن ذَلِكَ ما في قَوْلِهِ: أفِيضُوا عَلى عُزّابِكم مِن بَناتِكم فَما في كِتابِ اللَّهِ أنْ يُحْرَمَ الفَضْلَ وفِيهِنَّ فَضْلٌ قَدْ عَرَفْنا مَكانَهُ ∗∗∗ فَهُنَّ بِهِ جُودٌ وأنْتُمْ بِهِ بُخْلُ وبَعْضُهم يُؤَوِّلُ كَذِبٌ بِمَكْذُوبٍ فِيهِ، فَإنَّ المَصْدَرَ قَدْ يُؤَوَّلُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَذِبًا بِالنَّصْبِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلٍ (جاءُوا) بِتَأْوِيلِ كاذِبِينَ، وقِيلَ: مِن دَمٍ عَلى تَأْوِيلِ مَكْذُوبًا فِيهِ، وفِيهِ أنَّ الحالَ مِنَ النَّكِرَةِ عَلى خِلافِ القِياسِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ جاءُوا بِذَلِكَ لِأجْلِ الكَذِبِ، وقَرَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها والحَسَنُ -كَدِبٍ- بِالدّالِ المُهْمَلَةِ ولَيْسَ مِن قَلْبِ الذّالِ دالًا بَلْ هو لُغَةٌ أُخْرى بِمَعْنى كَدَرٍ أوْ طَرِيٍّ أوْ يابِسٍ فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: المَعْنى ذِي كَدِبٍ أيْ أثَرٍ لِأنَّ الكَدِبَ بَياضٌ يَخْرُجُ في أظافِيرِ الشُّبّانِ ويُؤَثِّرُ فِيها فَهو كالنَّقْشِ، ويُسَمّى ذَلِكَ الفُوفَ ولَمْ يَعْتَبِرْ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ تَقْدِيرَ المُضافِ وجَعَلَ ذَلِكَ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ أوْ الِاسْتِعارَةِ فَإنَّ الدَّمَ في القَمِيصِ يُشْبِهُ الكَدِبَ مِن جِهَةِ مُخالَفَةِ لَوْنِهِ لَوْنَ ما هو فِيهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ عَلى قَمِيصِهِ ﴾ -عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو البَقاءِ- حالٌ مِن دَمٍ، وفي جَوازِ تَقْدِيمِ الحالِ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ بِالحَرْفِ غَيْرِ الزّائِدِ خِلافٌ، والحَقُّ كَما قالَ السَّفاقِسِّيُّ: الجَوازُ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ، وفي اللُّبابِ ولا تَتَقَدَّمُ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ عَلى الأصَحِّ نَحْوَ مَرَرْتُ جالِسَةً بِهِنْدٍ إلّا أنْ يَكُونَ الحالُ ظَرْفًا عَلى أنَّ الحَقَّ ما اخْتارَهُ ابْنُ مالِكٍ مِن جَوازِ التَّقْدِيمِ مُطْلَقًا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَن تَبِعَهُ: إنَّهُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ جاءُوا فَوْقَ قَمِيصِهِ كَما تَقُولُ: جاءَ عَلى جِمالِهِ بِأحْمالٍ، وأرادَ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ (عَلى) عَلى حَقِيقَةِ الِاسْتِعْلاءِ وهو ظَرْفٌ لَغْوٌ، ومَنَعَ في البَحْرِ كَوْنَ العامِلِ فِيهِ المَجِيءُ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الفَوْقِيَّةَ ظَرْفٌ لِلْجائِينَ، وأُجِيبَ بِأنَّ الظَّرْفِيَّةَ لَيْسَتْ بِاعْتِبارِ الفاعِلِ بَلْ بِاعْتِبارِ المَفْعُولِ.
وفِي بَعْضِ الحَواشِي أنَّ الأوْلى أنْ يُقالَ: جاءُوا مُسْتَوْلِينَ عَلى قَمِيصِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِدَمٍ ﴾ حالٌ مِنَ القَمِيصِ، وجَعَلَ المَعْنى اسْتَوْلَوْا عَلى القَمِيصِ مُلْتَبِسًا بِدَمٍ جائِينَ، وهو عَلى ما قِيلَ: أوْلى مِن جاءُوا مُسْتَوْلِينَ لِما تَقَرَّرَ في التَّضْمِينِ، والأمْرُ في ذَلِكَ سَهْلٌ فَإنَّ جُعِلَ المُضَمَّنُ أصْلًا والمَذْكُورُ حالًا وبِالعَكْسِ كُلٌّ مِنهُما جائِزٌ، وإذا اقْتَضى المَقامُ أحَدَهُما رَجُحَ، واسْتَظْهَرَ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِلْمَجِيءِ المُتَعَدِّي، والمَعْنى أتَوْا بِدَمٍ كَذِبٍ فَوْقَ قَمِيصِهِ ولا يَخْفى اسْتِقامَتُهُ، هَذا ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الدَّمَ كانَ دَمَ سَخْلَةٍ ذَبَحُوها ولَطَّخُوا بِدَمِها القَمِيصَ -كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم أخَذُوا ظَبْيًا فَذَبَحُوهُ فَلَطَّخُوا بِدَمِهِ القَمِيصَ، ولَمّا جاءُوا بِهِ جَعَلَ يُقَلِّبُهُ فَيَقُولُ: ما أرى بِهِ أثَرَ نابٍ ولا ظُفْرٍ إنَّ هَذا السَّبُعَ رَحِيمٌ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ أخَذَ القَمِيصَ وألْقاهُ عَلى وجْهِهِ وبَكى حَتّى خَضَّبَ وجْهَهُ بِدَمِ القَمِيصِ، وقالَ: تاللَّهِ ما رَأيْتُ كاليَوْمِ ذِئْبًا أحْلَمُ مِن هَذا أكَلَ ابْنِي ولَمْ يُمَزِّقْ عَلَيْهِ قَمِيصَهَ، وجاءَ أنَّهُ بَكى وصاحَ وخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَأفاضُوا عَلَيْهِ الماءَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ ونادَوْهُ فَلَمْ يُجِبْ ووَضَعَ يَهُوذا يَدَهُ عَلى مَخارِجِ نَفَسِهِ فَلَمْ يَحِسَّ بِنَفَسٍ ولا تَحَرَّكَ لَهُ عِرْقٌ، فَقالَ: ويْلٌ لَنا مِن دَيّانِ يَوْمِ الدِّينِ ضَيَّعْنا أخانا وقَتَلْنا أبانا فَلَمْ يَفُقْ إلّا بِبَرْدِ السَّحَرِ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكُمْ ﴾ أيْ زَيَّنَتْ وسَهَّلَتْ ﴿ أمْرًا ﴾ مِنَ الأُمُورِ مُنْكَرًا لا يُوصَفُ ولا يُعْرَفُ، وأصْلُ التَّسْوِيلِ تَقْدِيرُ شَيْءٍ في النَّفْسِ مَعَ الطَّمَعِ في إتْمامِهِ.
وقالَ الرّاغِبُ: هو تَزْيِينُ النَّفْسِ لِما تَحْرِصُ عَلَيْهِ وتَصْوِيرُ القَبِيحِ بِصُورَةِ الحَسَنِ.
وقالَ الأزْهَرِيُّ: كَأنَّ التَّسْوِيلَ تَفْعِيلٌ مِن سِوالِ الإنْسانِ وهو أُمْنِيَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُها فَتُزَيِّنُ لِطالِبِها الباطِلَ وغَيْرَهُ، وأصْلُهُ مَهْمُوزٌ، وقِيلَ: مِنَ السَّوَلِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو اسْتِرْخاءٌ في العَصَبِ ونَحْوِهِ كَأنَّ المُسَوِّلَ لِمَزِيدِ حِرْصِهِ اسْتَرْخى عَصَبُهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ عَلى ما في البَحْرِ أيْ لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ ﴾ إلَخْ، وعِلْمُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكَذِبِهِمْ قِيلَ: حَصَلَ مِن سَلامَةِ القَمِيصِ عَنِ التَّمْزِيقِ وهي إحْدى ثَلاثِ آياتٍ في القَمِيصِ: ثانِيَتُها عَوْدُ يَعْقُوبَ بَصِيرًا بِإلْقائِهِ عَلى وجْهِهِ، وثالِثَتُها قَدُّهُ مِن دُبُرٍ فَإنَّهُ كانَ دَلِيلًا عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ، ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ وُقُوفُهُ بِالرُّؤْيا الدّالَّةِ عَلى بُلُوغِهِ مَرْتَبَةً عَلْياءَ تَنْحَطُّ عَنْها الكَواكِبُ، وقِيلَ: مَن تُناقِضُهم فَإنَّهُ يُرْوى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ما تَقَدَّمَ عَنْ قَتادَةَ قالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ، فَقالَ: كَيْفَ قَتَلُوهُ وتَرَكُوا قَمِيصَهُ وهم إلى قَمِيصِهِ أحْوَجُ مِنهم إلى قَتْلِهِ؟!
ولَعَلَّهُ مَعَ هَذا العِلْمِ إنَّما حَزِنَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما خَشِيَ عَلَيْهِ مِنَ المَكْرُوهِ والشَّدائِدِ غَيْرِ المَوْتِ، وقِيلَ: إنَّما حَزِنَ لِفِراقِهِ وفِراقُ الأحِبَّةِ مِمّا لا يُطاقُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: لَوْ لا مُفارَقَةُ الأحْبابِ ما وجَدَتْ لَها المَنايا إلى أرْواحِنا سُبُلًا ولا بَأْسَ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ أحْزَنَهُ فِراقُهُ وخَوْفُ أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ أيْ فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ كَما قالَ قُطْرُبٌ، أوْ فالَّذِي أفْعَلُهُ ذَلِكَ كَما قالَ الخَلِيلُ، أوْ فَهو صَبْرٌ إلَخْ، كَما قالَ الفَرّاءُ، وصَبْرٌ في كُلِّ ذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أمْثَلُ وأجْمَلُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وهَلِ الحَذْفُ في مِثْلِ ذَلِكَ واجِبٌ أوْ جائِزٌ؟
فِيهِ خِلافٌ، وكَذا اخْتَلَفُوا فِيما إذا صَحَّ في كَلامٍ واحِدٍ اعْتِبارُ حَذْفِ المُبْتَدَأِ وإبْقاءِ الخَبَرِ واعْتِبارُ العَكْسِ هَلْ الِاعْتِبارُ الأوَّلُ أوْلى أمِ الثّانِي؟
وقَرَأ أُبَيٌّ والأشْهَبُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ -فَصَبْرًا جَمِيلًا- بِنَصْبِهِما، وكَذا في مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكِسائِيِّ، وخَرَجَ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ فاصْبِرْ صَبْرًا عَلى أنَّ اصْبِرْ مُضارِعٌ مُسْنَدٌ لِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ النَّصْبُ في مِثْلِ ذَلِكَ إلّا مَعَ الأمْرِ، والتَزَمَ بَعْضُهم تَقْدِيرَهُ هُنا بِأنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ نَفْسِهِ فَقالَ: صَبْرًا جَمِيلًا عَلى مَعْنى فاصْبِرِي يا نَفْسُ صَبْرًا جَمِيلًا، والصَّبْرُ الجَمِيلُ عَلى ما رَوى الحَسَنُ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -ما لا شَكْوى فِيهِ أيْ إلى الخَلْقِ وإلّا فَقَدَ قالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَقَطَ حاجِباهُ عَلى عَيْنَيْهِ فَكانَ يَرْفَعُهُما بِعِصابَةٍ فَسُئِلَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ، فَقالَ: طُولُ الزَّمانِ وكَثْرَةُ الأحْزانِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أتَشْكُو إلى غَيْرِي، فَقالَ: يا رَبِّ خَطِيئَةٌ فاغْفِرْها.
وقِيلَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ أنّى أتَجَمَّلُ لَكم في صَبْرِي فَلا أُعاشِرُكم عَلى كَآبَةِ الوَجْهِ وعُبُوسِ الجَبِينِ بَلْ أبْقى عَلى ما كُنْتُ عَلَيْهِ مَعَكم وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ﴿ واللَّهُ المُسْتَعانُ ﴾ أيِ المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ وهو إنْشاءٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلِاسْتِعانَةِ المُسْتَمِرَّةِ ﴿ عَلى ما تَصِفُونَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالمُسْتَعانِ والوَصْفُ ذِكْرُ الشَّيْءِ بِنِعْمَتِهِ وهو قَدْ يَكُونُ صِدْقًا وقَدْ يَكُونُ كَذِبًا، والمُرادُ بِهِ هُنا الثّانِي كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ ﴾ بَلْ قِيلَ: إنَّ الصِّيغَةَ قَدْ غَلَبَتْ في ذَلِكَ ومَعْنى اسْتِعانَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللَّهِ تَعالى عَلى كَذِبِهِمْ طَلَبُهُ مِنهُ سُبْحانَهُ إظْهارُ كَوْنِهِ كَذِبًا بِسَلامَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ والِاجْتِماعِ مَعَهُ فَيَكُونُ ذِكْرُ الِاسْتِعانَةِ هَنا نَظِيرَ ﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ فِيما بَعْدُ: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)، ﴾ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ يَوْمَ الإفْكِ: واللَّهِ لَئِنْ حَلَفْتُ لا تُصَدِّقُونِي ولَئِنِ اعْتَذَرْتُ لا تَعْذِرُونِي فَمَثَلِي ومَثَلُكم كَمَثَلِ يَعْقُوبَ ووَلَدِهِ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في عُذْرِها ما أنْزَلَ، وقِيلَ: المُرادُ إنَّهُ تَعالى المُسْتَعانُ عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَهُ مِن هَلاكِ يُوسُفَ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ قالَ: صَبْرٌ جَمِيلٌ طَلَبَ الإعانَةَ مِنهُ تَعالى عَلى الصَّبْرِ وذَلِكَ لِأنَّ الدَّواعِيَ النَّفْسانِيَّةَ تَدْعُو إلى إظْهارِ الجَزَعِ وهي قَوِيَّةٌ والدَّواعِي الرُّوحانِيَّةُ الصَّبْرُ الجَمِيلُ فَكَأنَّهُ وقَعَتِ المُحارَبَةُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ فَما لَمْ تَحْصُلِ المَعُونَةُ مِنهُ جَلَّ وعَلا لا تَحْصُلُ الغَلَبَةُ، فَقَوْلُهُ: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) يَجْرِي مَجْرى ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ ﴾ ، ﴿ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ﴾ يَجْرِي مَجْرى ﴿ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ولَعَلَّ الأوَّلَ أسْلَمُ مِنَ القالِ والقِيلِ، ولِلْإمامِ الرّازِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في هَذا المَقامِ بَحْثٌ، وهُوَ: أنَّ الصَّبْرَ عَلى قَضاءِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ، وأمّا الصَّبْرُ عَلى ظُلْمِ الظّالِمِينَ ومَكْرِ الماكِرِينَ فَغَيْرُ واجِبٍ بَلِ الواجِبُ إزالَتُهُ لا سِيَّما في الضَّرَرِ العائِدِ إلى الغَيْرِ، فَكانَ اللّائِقُ بِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ التَّفْتِيشَ والسَّعْيَ في تَخْلِيصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ البَلِيَّةِ والشِّدَّةِ إنْ كانَ حَيًّا، وفي إقامَةِ القَصاصِ إنْ صَحَّ أنَّهم قَتَلُوهُ بَلْ قَدْ يُقالُ: إنَّ الواجِبَ المُتَعَيَّنَ عَلَيْهِ السَّعْيُ في طَلَبِهِ وتَخْلِيصِهِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ حَيٌّ سَلِيمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ إنَّما قالَهُ عَنْ وحْيٍ، وأيْضًا إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَظِيمَ القَدْرِ جَلِيلَ الشَّأْنِ مُعَظَّمًا في النُّفُوسِ مَشْهُورًا في الآفاقِ فَلَوْ بالَغَ في الطَّلَبِ والتَّفَحُّصِ لَظَهَرَ ذَلِكَ واشْتُهِرَ ولَزالَ وجْهُ التَّلْبِيسِ فَما السَّبَبُ في تَرْكِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الفَحْصَ مَعَ نِهايَةِ رَغْبَتِهِ في حُضُورِ يُوسُفَ وغايَةِ مَحَبَّتِهِ لَهُ، وهَلِ الصَّبْرُ في هَذا المَقامِ إلّا مَذْمُومٌ عَقْلًا وشَرْعًا؟
ثُمَّ قالَ: والجَوابُ أنْ نَقُولَ: لا جَوابَ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَنَعَهُ عَنِ الطَّلَبِ تَشْدِيدًا لِلْمِحْنَةِ وتَغْلِيظًا لِلْأمْرِ، وأيْضًا لَعَلَّهُ عَرَفَ بِقَرائِنِ الأحْوالِ أنَّ أوْلادَهُ أقْوِياءُ وأنَّهم لا يُمَكِّنُونَهُ مِنَ الطَّلَبِ والتَّفَحُّصِ، وأنَّهُ لَوْ بالَغَ في البَحْثِ رُبَّما أقْدَمُوا عَلى إيذائِهِ وقَتْلِهِ، وأيْضًا لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَصُونُ يُوسُفَ عَنِ البَلاءِ والمِحْنَةِ، وأنَّ أمْرَهُ سَيُعَظَّمُ بِالآخِرَةِ ثُمَّ لَمْ يُرِدْ هَتْكَ سِتْرِ أوْلادِهِ وما رَضِيَ بِإلْقائِهِمْ في ألْسِنَةِ النّاسِ، وذَلِكَ لِأنَّ أحَدَ الوَلَدَيْنِ إذا ظَلَمَ الآخَرَ وقَعَ الأبُ في العَذابِ الشَّدِيدِ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَقِمْ يَحْتَرِقْ قَلْبُهُ عَلى الوَلَدِ المَظْلُومِ وإنِ انْتَقَمَ يَحْتَرِقْ عَلى الوَلَدِ الَّذِي يَنْتَقِمُ مِنهُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ما أشارَ إلَيْهِ الشّاعِرُ بِقَوْلِهِ: قَوْمِي هم قَتَلُوا أُمَيْمَ أخِي ∗∗∗ فَإذا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي ولَئِنْ عَفَوْتُ لَأعْفُوَنَّ جَلَلًا ∗∗∗ ولَئِنْ سَطَوْتُ لَمُوهِنٌ عَظْمِي فَلَمّا وقَعَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذِهِ البَلِيَّةِ رَأى أنَّ الأصْوَبَ الصَّبْرُ والسُّكُوتُ وتَفْوِيضُ الأمْرِ بِالكُلِّيَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى لا سِيَّما إنْ قُلْنا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عالِمًا بِأنَّ ما وقَعَ لا يُمْكِنُ تَلافِيهِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابْ أجَلَهُ <div class="verse-tafsir"
﴿ وجاءَتْ ﴾ شُرُوعٌ فِيما جَرى عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُبِّ بَعْدَ الفَراغِ عَنْ ذِكْرِ ما وقَعَ بَيْنَ إخْوَتِهِ وبَيْنَ أبِيهِ أيْ وجاءَتْ إلى الجُبِّ ﴿ سَيّارَةٌ ﴾ رُفْقَةٌ تَسِيرُ مِن جِهَةِ مَدْيَنَ إلى مِصْرَ وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ مَضَتْ مِن زَمَنِ إلْقائِهِ في قَوْلٍ، وقِيلَ: في اليَوْمِ الثّانِي، والظّاهِرُ أنَّ الجُبَّ كانَ في طَرِيقِ سَيْرِهِمُ المُعْتادُ.
وقِيلَ: إنَّهُ كانَ في قَفْرَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ العُمْرانِ فَأخْطَأُوا الطَّرِيقَ فَأصابُوهُ ﴿ فَأرْسَلُوا ﴾ إلَيْهِ ﴿ وارِدَهُمْ ﴾ الَّذِي يَرِدُ الماءَ ويَسْتَقِي لَهم وكانَ ذَلِكَ مالِكَ بْنَ ذُعْرٍ الخُزاعِيَّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الوارِدُ هُنا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَماعَةِ اهـ، والظّاهِرُ الأوَّلُ، والتَّأْنِيثُ في (جاءَتْ) والتَّذْكِيرُ في أرْسَلُوا و وارِدَهُمْ) بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ والمَعْنى، وفي التَّعْبِيرِ بِالمَجِيءِ إيماءٌ إلى كَرامَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ رَبِّهِ سُبْحانَهُ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُهُ وكَذا مُتَعَلِّقُ الإرْسالِ لِظُهُورِهِ، ولِذا حُذِفَ المُتَعَلِّقُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأدْلى دَلْوَهُ ﴾ أيْ أرْسَلَها إلى الجُبِّ لِيُخْرِجَ الماءَ، ويُقالَ: دَلا الدَّلْوَ إذا أخْرَجَها مَلْأى، والدَّلْوُ مِنَ المُؤَنَّثاتِ لِلسَّماعِيَّةِ فَتُصَغَّرُ عَلى دُلِيَّةٍ وتُجْمَعُ عَلى أدُلٍ ودِلاءٍ ودُلِيٍّ.
وقالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ: إنَّ الدَّلْوَ الَّتِي يُسْتَقى بِها مُؤَنَّثَةٌ وقَدْ تُذَكَّرُ، وأمّا الدَّلْوُ مَصْدَرُ دَلَوْتُ وضَرْبٌ مِنَ السَّيْرِ فَمُذَكَّرٌ ومِثْلُها في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ الجُبُّ عِنْدَ الفَرّاءِ عَلى ما نَقَلَهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الجَهْمِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ مُذَكَّرٌ لا غَيْرَ، وأمّا البِئْرُ مُؤَنَّثَةٌ فَقَطْ في المَشْهُورِ، ويُقالُ في تَصْغِيرِها: بُوَيْرَةٌ، وفي جَمْعِها آبارٌ وأبْآرٌ وأبْؤُرٌ وبِئارٌ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ فَأدْلى دَلْوَهُ فَتَدَلّى بِها يُوسُفُ فَخَرَجَ (قالَ) اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَقْتَضِيهِ الحالُ.
﴿ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ ﴾ نادى البُشْرى بِشارَةً لِنَفْسِهِ أوْ لِقَوْمِهِ ورُفْقَتِهِ كَأنَّهُ نَزَّلَها مَنزِلَةَ شَخْصٍ فَناداهُ، فَهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ أيْ يا بُشْرى تَعالَيْ فَهَذا أوانُ حُضُورِكِ، وقِيلَ: المُنادى مَحْذُوفٌ كَما في يا لَيْتَ أيْ يا قَوْمِي انْظُرُوا واسْمَعُوا بُشْرايَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّبْشِيرِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى النِّداءِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ بُشْرى اسْمُ صاحِبٍ لَهُ ناداهُ لِيُعِينَهُ عَلى إخْراجِهِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ السُّدِّيِّ -ولَيْسَ بِذاكَ- وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ -يا بُشْرايَ- بِالإضافَةِ، وأمالَ فَتْحَةَ الرّاءِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وقَرَأ ورْشٌ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ.
ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ -يا بُشْرايَ- بِسُكُونِ ياءِ الإضافَةِ ويُلْزِمُهُ التِقاءَ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ واعْتَذَرَ بِأنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: جازَ ذَلِكَ لِأنَّ الألِفَ لِمَدِّها تَقُومُ مَقامَ الحَرَكَةِ، وقَرَأ أبُو الطُّفَيْلِ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والجَحْدَرِيُّ (يا بُشْرَيَّ) بِقَلْبِ الألِفِ ياءً وإدْغامِها في ياءِ الإضافَةِ -وهِيَ لُغَةٌ لِهُذَيْلٍ ولِناسٍ غَيْرِهِمْ- ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: سَبَقُوا (هُوِيَّ) وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ فَتَخَرَّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ ويَقُولُونَ: يا سَيِّدِي ومَوْلَيَّ، و-الغُلامُ- كَثِيرًا ما يُطْلَقُ عَلى ما بَيْنَ الحَوْلَيْنِ إلى البُلُوغِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الرَّجُلِ الكامِلِ كَما في قَوْلِ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ في الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ: غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها والظّاهِرُ أنَّ التَّنْوِينَ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ، وحُقَّ لَهُ ذَلِكَ فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ مِن أحْسَنِ الغِلْمانِ، وذَكَرَ البَغْوِيُّ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «أُعْطِيَ يُوسُفُ شَطْرَ الحُسْنِ».
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: ذَهَبَ يُوسُفُ وأُمُّهُ بِثُلُثَيِ الحُسْنِ، وحَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: كانَ يُوسُفُ حَسَنَ الوَجْهِ جَعْدَ الشَّعَرِ ضَخْمَ العَيْنَيْنِ مُسْتَوِي الخَلْقِ أبْيَضَ اللَّوْنِ غَلِيظَ السّاعِدَيْنِ والسّاقَيْنِ خَمِيصَ البَطْنِ صَغِيرَ السُّرَّةِ، وكانَ إذا تَبَسَّمَ رَأيْتَ النُّورَ في ضَواحِكِهِ، وإنْ تَكَلَّمَ رَأيْتَ شُعاعَ النُّورِ مِن ثَناياهُ ولا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ وصْفَهُ وكانَ حُسْنُهُ كَضَوْءِ النَّهارِ عِنْدَ اللَّيْلِ وكانَ يُشْبِهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ خَلَقَهُ قَبْلَ أنْ يُصِيبَ الخَطِيئَةَ، ويُحْكى أنَّ جَوانِبَ الجُبِّ بَكَتْ عَلَيْهِ حِينَ خَرَجَ مِنها، ولَعَلَّهُ مِن بابِ بَكَتِ الدّارُ لِفَقْدِ فُلانٍ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَ الوارِدِ ﴿ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ ﴾ كانَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ حِينَ وُرُودِهِ عَلى أصْحابِهِ صاحَ بِذاكَ ﴿ وأسَرُّوهُ ﴾ أيْ أخْفاهُ الوارِدُ وأصْحابُهُ عَنْ بَقِيَّةِ الرُّفْقَةِ حَتّى لا تَراهُ فَتَطْمَعَ فِيهِ، وقِيلَ: أخْفَوْا أمْرَهُ وكَوْنَهُ وُجِدَ في البِئْرِ، وقالُوا لِسائِرِ القافِلَةِ: دَفَعَهُ إلَيْنا أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِإخْوَةِ يُوسُفَ، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَهم رَجَعَ لِيَتَحَقَّقَ أمْرَهُ فَرَآهُ عِنْدَ السَّيّارَةِ فَأخْبَرَ إخْوَتَهُ فَجاءُوا إلَيْهِمْ فَقالُوا: هَذا غُلامٌ أبَقَ لَنا فاشْتَرُوهُ فاشْتَرَوْهُ وسَكَتَ يُوسُفُ مَخافَةَ أنْ يَقْتُلُوهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّهم قالُوا بِالعِبْرانِيَّةِ: لا تُنْكِرِ العُبُودِيَّةَ نَقْتُلْكَ فَأقَرَّ بِها واشْتَرَوْهُ مِنهُمْ، وقِيلَ: كانَ يَهُوذا يَأْتِيهِ بِالطَّعامِ فَأتاهُ يَوْمَ أُخْرِجَ فَلَمْ يَجِدْهُ في الجُبِّ ووَجَدَهُ عِنْدَ الرُّفْقَةِ فَأخْبَرَ إخْوَتَهُ فَأتَوْهم فَقالُوا ما قالُوا، ورُوِيَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْأُخْوَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، قِيلَ: وهو المُناسِبُ لِإفْرادِ (قالَ) وجَمْعِ ضَمِيرِ -أسَرُّوا- ولِلْوَعِيدِ الآتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولَيْسَ فِيهِ اخْتِلالٌ في النَّظْمِ، ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا، ونَصْبُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِضاعَةً ﴾ عَلى الحالِ أيْ أخْفَوْهُ حالَ كَوْنِهِ مَتاعًا لِلتِّجارَةِ، وفي الفَرائِدِ أنَّهُ ضَمَّنَ أسَرُّوهُ مَعْنى جَعَلُوهُ أيْ جَعَلُوهُ بِضاعَةً مُسَرِّينَ إيّاهُ فَهو مَفْعُولٌ بِهِ.
وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ أيْ لِأجْلِ التِّجارَةِ ولَيْسَ شَرْطُهُ مَفْقُودًا لِاتِّحادِ فاعِلِهِ وفاعِلِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ إذِ المَعْنى كَتَمُوهُ لِأجْلِ تَحْصِيلِ المالِ بِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا وهو مِنَ -البِضْعِ- بِمَعْنى القِطْعِ وكَأنَّ البِضاعَةَ إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُقْطَعُ مِنَ المالِ وتُجْعَلُ لِلتِّجارَةِ، ومِن ذَلِكَ البِضْعُ بِالكَسْرِ لِما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى العَشَرَةِ أوْ لِما فَوْقَ الخَمْسِ ودُونَ العَشَرَةِ، والبَضِيعَةُ لِلْجَزِيرَةِ المُنْقَطِعَةِ عَنِ البَرِّ، واعْتَبَرَ الرّاغِبُ في البِضاعَةِ كَوْنَها قِطْعَةً وافِرَةً مِنَ المالِ تُقْتَنى لِلتِّجارَةِ ولَمْ يَعْتَبِرِ الكَثِيرُ كَوْنَها وافِرَةً ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أسْرارُهُمْ، وصَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ هَذا وعِيدٌ لِإخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما صَنَعُوا بِأبِيهِمْ وأخِيهِمْ وجَعْلِهِمْ إيّاهُ، وهو هو عُرْضَةٌ لِلِابْتِذالِ بِالبَيْعِ والشِّراءِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وشَرَوْهُ ﴾ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ إمّا لِلْأُخْوَةِ فَشَرى بِمَعْنى باعَ، وإمّا لِلسَّيّارَةِ فَهو بِمَعْنى اشْتَرى كَما في قَوْلِهِ: (وشَرَيْتُ) بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهُ وقَوْلِهِ: ولَوْ أنَّ هَذا المَوْتَ يَقْبَلُ فِدْيَةً ∗∗∗ شَرَيْتُ أبا زَيْدٍ بِما مَلَكَتْ يَدِي وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَعْنى باعَ بِناءً عَلى أنَّهم باعُوهُ لَمّا التَقَطُوهُ مِن بَعْضِهِمْ ﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ أيْ نَقْصٍ وهو مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ المَفْعُولِ أيْ مَنقُوصٌ، وجَوَّزَ الرّاغِبُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى باخِسٍ أيْ ناقِصٍ عَنِ القِيمَةِ نُقْصانًا ظاهِرًا، وقالَ مُقاتِلٌ: زَيْفٌ ناقِصُ العِيارِ، وقالَ قَتادَةُ: بَخْسٌ ظُلْمٌ لِأنَّهُ ظَلَمُوهُ في بَيْعِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ في آخَرِينَ: البَخْسُ الحَرامُ وكانَ ذَلِكَ حَرامًا لِأنَّهُ ثَمَنُ الحُرِّ وسُمِّيَ الحَرامُ بَخْسًا لِأنَّهُ مَبْخُوسُ البَرَكَةِ أيْ مَنقُوصُها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ دَراهِمَ ﴾ بَدَلٌ مِن ثَمَنٍ أيْ لا دَنانِيرَ ﴿ مَعْدُودَةٍ ﴾ أيْ قَلِيلَةٍ وكُنِّيَ بِالعَدِّ عَنِ القِلَّةِ لِأنَّ الكَثِيرَ يُوزَنُ عِنْدَهم وكانَتْ عِدَّةُ هَذِهِ الدَّراهِمِ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ، وفي أُخْرى عَنْهُ عِشْرِينَ وحُلَّةً ونَعْلَيْنِ، وقِيلَ: ثَلاثِينَ وحُلَّةً ونَعْلَيْنِ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ اشْتَرَوْا بِها أخْفافًا ونِعالًا، وقِيلَ: عَشَرَةً، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها كانَتْ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا، ولا يَأْبى هَذا ما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أنَّ عادَتَهم أنَّهم لا يَزِنُونَ إلّا ما بَلَغَ أُوقِيَّةً وهي أرْبَعُونَ دِرْهَمًا إذْ لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أنَّ الأرْبَعِينَ قَدْ تُعَدُّ ﴿ وكانُوا فِيهِ ﴾ أيْ في يُوسُفَ كَما هو الظّاهِرُ ﴿ مِنَ الزّاهِدِينَ ﴾ أيِ الرّاغِبِينَ عَنْهُ، والضَّمِيرُ في ( وكانُوا ) إنْ كانَ لِلْإخْوَةِ فَظاهِرٌ وإنْ كانَ لِلرُّفْقَةِ وكانُوا بائِعِينَ فَزُهْدُهم فِيهِ لِأنَّهُمُ التَقَطُوهُ، والمُلْتَقِطُ لِلشَّيْءِ مُتَهاوِنٌ بِهِ لا يُبالِي بِما باعَهُ، ولِأنَّهُ يَخافُ أنْ يَعْرِضَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ يَنْتَزِعُهُ مِن يَدِهِ فَيَبِيعُهُ مِن أوَّلِ مُساوِمٍ بِأوْكَسِ الثَّمَنِ وإنْ كانَ لَهم وكانُوا مُبْتاعِينَ بِأنِ اشْتَرَوْهُ مِن بَعْضِهِمْ أوْ مِنَ الإخْوَةِ فَزُهْدُهم لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ آبِقٌ، فَخافُوا أنْ يُخاطِرُوا بِما لَهم فِيهِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ (فِيهِ) لِلثَّمَنِ وزُهْدُهم فِيهِ لِرَداءَتِهِ أوْ لِأنَّ مَقْصُودَهم لَيْسَ إلّا إبْعادُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (كانُوا) لِلْإخْوَةِ، والجارُّ -عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ مالِكٍ- مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ -الزّاهِدِينَ- أيْ كانُوا زاهِدِينَ فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، وذَلِكَ أنَّ اللّامَ في الزّاهِدِينَ اسْمٌ مَوْصُولٌ ولا يَتَقَدَّمُ ما في صِلَةِ المَوْصُولِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ ما بَعْدَ الجارِّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، وهَلْ ﴿ مِنَ الزّاهِدِينَ ﴾ حِينَئِذٍ صِفَةٌ لِزاهِدِينَ المَحْذُوفِ مُؤَكَّدَةٌ كَما تَقُولُ: عالِمٌ مِنَ العُلَماءِ، أوْ صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ أيْ زاهِدِينَ بَلَغَ بِهِمُ الزُّهْدُ إلى أنْ يُعَدُّوا في الزّاهِدِينَ لِأنَّ الزّاهِدَ قَدْ لا يَكُونُ عَرِيقًا في الزّاهِدِينَ حَتّى يُعَدَّ فِيهِمْ إذا عُدُّوا، أوْ يَكُونُ خَبَرًا ثانِيًا؟
كُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، ولَيْسَ بَدَلًا مِنَ المَحْذُوفِ لِوُجُودِ (مِن) مَعَهُ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَحْذُوفَ أعْنِي وأنا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، وقالَ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالصِّلَةِ والمَعْنى عَلَيْهِ بِلا شُبْهَةٍ، وإنَّما فَرُّوا مِنهُ لِما فَهِمُوا مِن أنَّ صِلَةَ المَوْصُولِ لا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَ المَوْصُولِ مُطْلَقًا، وبَيْنَ صِلَةِ -ألْ- وغَيْرِها فَرْقٌ فَإنَّ هَذِهِ عَلى صُورَةِ الحَرْفِ المُنْزَلِ مَنزِلَةَ الجُزْءِ مِنَ الكَلِمَةِ فَلا يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِها عَلَيْها فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ تَعَلُّقَهُ بِالمَذْكُورِ إنَّما هو مَذْهَبُ المازِنِيِّ الَّذِي جَعَلَ -ألْ- في مِثْلِ ذَلِكَ حَرْفَ تَعْرِيفٍ وكَأنَّهُ لا يَرى تَقَدُّمَ مَعْمُولِ المَجْرُورِ مُمْتَنِعًا، وإلّا لَمْ يَتِمَّ بِما ذَكَرَهُ ارْتِفاعُ المَحْذُورِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَلْزَمُ بَعْدَ عَمَلِ اسْمِ الفاعِلِ مِن غَيْرِ اعْتِمادٍ مِنَ الغَفْلَةِ بِمَكانٍ لِأنَّ مَحَلَّ الخِلافِ عَمَلُهُ في الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ الصَّرِيحِ لا في الجارِّ والمَجْرُورِ الَّذِي يَكْفِيهِ رائِحَةَ الفِعْلِ؛ وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: إنَّ الصِّفَةَ هُنا مُعْتَمِدَةٌ عَلى اسْمِ -كانُوا- وهو مُبْتَدَأٌ في الأصْلِ، والِاعْتِمادُ عَلى ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَهُمْ، فَفي الرَّضِيِّ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الحاجِبِ: والِاعْتِمادُ عَلى صاحِبِهِ ويَعْنِي بِصاحِبِهِ المُبْتَدَأ إمّا في الحالِ نَحْوَ زَيْدٌ ضارِبٌ أخَواهُ، أوْ في الأصْلِ نَحْوَ كانَ زَيْدٌ ضارِبًا أخَواهُ، وظَنَنْتُكَ ضارِبًا أخَواكَ وإنَّ زَيْدًا ضارِبٌ غُلاماهُ، وعَلى هَذا لا يَحْتاجُ في الجَوابِ إلى إخْراجِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَنْ حُكْمِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ الصَّرِيحِ وإنْ كانَ لَهُ وجْهٌ وجِيهٌ خِلافًا لِمَن أنْكَرَهُ، ومِنَ النّاسِ مَن يَتَمَسَّكُ بِعُمُومٍ يَتَوَسَّعُ في الظَّرْفِ والجارِّ والمَجْرُورِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِما في دَفْعِ ما يُورَدُ عَلى تَعَلُّقِ الجارِّ هُنا بِالصِّفَةِ المَجْرُورِ الواقِعَةِ صِلَةً لِألْ كائِنًا ما كانَ فَلْيُفْهَمْ.
هَذا والشّائِعُ أنَّ الباعَةَ إخْوَتُهُ والزّاهِدِينَ هُمْ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم حِينَ باعُوهُ قالُوا لِلتّاجِرِ: إنَّهُ لِصٌّ آبِقٌ فَقَيِّدْهُ ووَكِّلْ بِهِ عَبْدًا أسْوَدَ فَلَمّا جاءَ وقْتُ ارْتِحالِهِمْ بَكى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ لَهُ التّاجِرُ: ما لَكَ تَبْكِي؟
فَقالَ: أُرِيدُ أنْ أصِلَ إلى الَّذِينَ باعُونِي لِأُوَدِّعَهم وأُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ سَلامَ مَن لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ، فَقالَ التّاجِرُ لِلْعَبْدِ: خُذْهُ واذْهَبْ بِهِ إلى مَوالِيهِ لِيُوَدِّعَهم ثُمَّ ألْحِقْهُ بِالقافِلَةِ فَما رَأيْتُ غُلامًا أبَرَّ مِن هَذا بِمَوالِيهِ ولا قَوْمًا أجْفى مِنهُمْ، فَتَقَدَّمَ العَبْدُ بِهِ إلى إخْوَتِهِ وكانَ واحِدٌ مِنهم مُسْتَيْقِظًا يَحْرُسُ الأغْنامَ فَلَمّا وصَلَ إلَيْهِ يُوسُفُ وهو يَعْثُرُ في قَيْدِهِ انْكَبَّ عَلَيْهِ وبَكى، فَقالَ لَهُ: لِما جِئْتَ؟
فَقالَ: جِئْتُ لِأُوَدِّعَكم وأُسَلِّمَ عَلَيْكم فَصاحَ عَلَيْهِمْ أخُوهم قُومُوا إلى مَن أتاكم يُسَلِّمُ عَلَيْكم سَلامَ مَن لا يَرْجُو أنْ يَراكم أبَدًا فَوَيْلٌ لَكم مِن هَذا الوَداعِ فَقامُوا فَجَعَلَ يُوسُفُ يَنْكَبُّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم ويُقَبِّلُهُ ويُعانِقُهُ، ويَقُولُ: حَفِظَكُمُ اللَّهُ تَعالى وإنْ ضَيَّعْتُمُونِي آواكُمُ اللَّهُ تَعالى وإنْ طَرَدْتُمُوَنِي رَحِمَكُمُ اللَّهُ تَعالى وإنْ لَمْ تَرْحَمُونِي، قِيلَ: إنَّ الأغْنامَ ألْقَتْ ما في بُطُونِها مِن هَوْلِ هَذا التَّوْدِيعِ، ثُمَّ أخَذَهُ العَبْدُ وطَلَبَ القافِلَةَ فَبَيْنَما هو عَلى الرّاحِلَةِ إذْ مَرَّ بِقَبْرِ أُمِّهِ راحِيلَ في مَقابِرِ كَنْعانَ فَلَمّا أبْصَرَ القَبْرَ لَمْ يَتَمالَكْ أنْ رَمى بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ فاعْتَنَقَهُ وجَعَلَ يَبْكِي ويَقُولُ: يا أُمّاهُ ارْفَعِي رَأْسَكِ مِنَ التُّرابِ حَتّى تَرَيْ ولَدَكِ مُقَيَّدًا يا أُمّاهُ إخْوَتِي في الجُبِّ طَرَحُونِي ومِن أبِي فَرَّقُونِي وبِأبْخَسِ الأثْمانِ باعُونِي ولَمْ يَرِقُّوا لِصِغَرِ سِنِّي ولَمْ يَرْحَمُونِي فَأنا أسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وبَيْنَ والِدِي في مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ إنَّهُ هو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، فالتَفَتَ العَبْدُ فَلَمْ يَرَهُ فَرَجَعَ فَرَآهُ عَلى القَبْرِ فَقالَ: واللَّهِ لَقَدْ صَدَقَ مَوالِيكَ إنَّكَ عَبْدٌ آبِقٌ ثُمَّ لَطَمَهُ لَطْمَةً شَدِيدَةً فَغُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أفاقَ فَقالَ لَهُ: لا تُؤاخِذْنِي هَذا قَبْرُ أُمِّي نَزَلْتُ أُسَلِّمُ عَلَيْها ولا أعُودُ بَعْدُ لِما تَكْرَهُهُ أبَدًا ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ إلى السَّماءِ وقَدْ تَمَرَّغَ بِالتُّرابِ والدُّمُوعُ في وجْهِهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَتْ لِي خَطِيئَةٌ أخْلَقَتْ وجْهِي عِنْدَكَ فَبِحُرْمَةِ آبائِي الكِرامِ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أنْ تَعْفُوَ عَنِّي وتَرْحَمَنِي يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ فَضَجَّتِ المَلائِكَةُ إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ، فَقالَ تَبارَكَ وتَعالى: يا مَلائِكَتِي هَذا نَبِيِّي وابْنُ أنْبِيائِي وقَدِ اسْتَغاثَ بِي وأنا مُغِيثُهُ ومُغِيثُ المُسْتَغِيثِينَ يا جِبْرِيلُ أدْرِكْهُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا صَدِيقَ اللَّهِ رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ لَكَ: مَهْلًا عَلَيْكَ فَقَدْ أبْكَيْتَ مَلائِكَةَ السَّماواتِ السَّبْعِ أتُرِيدُ أنْ أُطْبِقَ السَّماءَ عَلى الأرْضِ؟
فَقالَ: لا يا جِبْرِيلُ ارْفُقْ بِخَلْقِ رَبِّي فَإنَّهُ حَلِيمٌ لا يُعَجِّلُ، فَضَرَبَ الأرْضَ بِجَناحِهِ فَهَبَّتْ رِيحٌ حَمْراءُ وكَسَفَتِ الشَّمْسُ وأظْلَمَتِ الغَبْراءُ فَلَمْ يَرَ أهْلُ القافِلَةِ بَعْضُهم بَعْضًا، فَقالَ التّاجِرُ: انْزِلُوا قَبْلَ أنْ تَهْلَكُوا إنَّ لِي سِنِينَ عَدِيدَةً أمُرُّ بِهَذا الطَّرِيقِ فَما رَأيْتُ كاليَوْمِ فَمَن أصابَ مِنكم ذَنْبًا فَلْيَتُبْ مِنهُ فَما أصابَنا هَذا إلّا بِذَنْبٍ اقْتَرَفْناهُ فَأخْبَرَهُ العَبْدُ بِما فَعَلَ مَعَ يُوسُفَ، وقالَ يا سَيِّدِي: إنِّي لَمّا ضَرَبْتُهُ رَفَعَ عَيْنَيْهِ إلى السَّماءِ وحَرَّكَ شَفَتَيْهِ فَقالَ لَهُ التّاجِرُ: ويْحَكَ أهْلَكْتَنا وأهْلَكْتَ نَفْسَكَ، فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ التّاجِرُ وقالَ: يا غُلامُ إنّا ظَلَمْناكَ حِينَ ضَرَبْناكَ فَإنْ شِئْتَ أنْ تَقْتَصَّ مِنّا فَها نَحْنُ بَيْنَ يَدَيْكَ؟
فَقالَ يُوسُفُ: ما أنا مِن قَوْمٍ إذا ظَلَمُوا يَقْتَصُّونَ ولَكِنِّي مِن أهْلِ بَيْتٍ إذْ ظَلَمُوا عَفَوْا وغَفَرُوا ولَقَدْ عَفَوْتُ عَنْكم رَجاءَ أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ تَعالى عَنِّي فانْجَلَتِ الظُّلْمَةُ وسَكَنَتِ الرِّيحُ وأسْفَرَتِ الشَّمْسُ وأضاءَتْ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، فَسارُوا حَتّى دَخَلُوا مِصْرَ آمِنِينَ، وكانَ هَذا التّاجِرُ فِيما قِيلَ: مالِكُ بْنُ ذُعْرٍ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجُبِّ، وقِيلَ: غَيْرُهُ.
ورُوِيَ أنَّهُ حِينَ ورَدَ بِهِ مِصْرَ باعَهُ بِعِشْرِينَ دِينارًا، وزَوْجَيْ نَعْلٍ وثَوْبَيْنِ أبْيَضَيْنِ، وقِيلَ: أدْخُلُ السُّوقَ لِلْبَيْعِ فَتَرافَعُوا في ثَمَنِهِ حَتّى بَلَغَ وزْنَهُ مِسْكًا، ووَزْنَهُ ورِقًّا، ووَزْنَهُ حَرِيرًا، فاشْتَراهُ بِذَلِكَ العَزِيزُ الَّذِي كانَ عَلى خَزائِنِ مِصْرَ عِنْدَ مَلِكِها، وقِيلَ: كانَ خَبّازَ المَلِكِ وصاحِبَ شَرابِهِ ودَوابِّهِ وصاحِبَ السِّجْنِ المَشْهُورِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هو الأوَّلُ، واسْمُهُ قَطْفِيرُ أوْ أطْفِيرُ أوْ قَنْطُورا، والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو المُرادُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"
﴿ وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ ﴾ فَهَذا الشِّراءُ غَيْرُ الشِّراءِ السّابِقِ الَّذِي كانَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، وزَعَمَ اتِّحادُهُما ضَعِيفٌ جِدًّا وإلّا لا يَبْقى لِقَوْلِهِ: ﴿ مِن مِصْرَ ﴾ كَثِيرُ جَدْوى، وكانَ المَلِكُ يَوْمَئِذٍ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ العَمْلِيقِيُّ وماتَ في حَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ آمَنَ بِهِ فَمَلَكَ بَعْدَهُ قابُوسُ بْنُ مُصْعَبٍ فَدَعاهُ إلى الإيمانِ فَأبى.
وقِيلَ: كانَ المَلِكُ في أيّامِهِ فِرْعَوْنُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ ﴾ وقِيلَ: فِرْعَوْنُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أوْلادِ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والآيَةُ مِن قَبِيلِ خِطابِ الأوْلادِ بِأحْوالِ الآباءِ وهو الصَّحِيحُ، وظاهِرُ أمْرِ العَزِيزِ أنَّهُ كانَ كافِرًا.
واسْتَدَلَّ في البَحْرِ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ الصَّنَمِ في بَيْتِهِ حَسْبَما يُذْكَرُ في بَعْضِ الرِّواياتِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ مُؤْمِنًا، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّهُ آمَنَ بَعْدَ ذاكَ، وإلّا فَكَوْنُهُ مُؤْمِنًا يَوْمَ الِاشْتِراءِ مِمّا لا يَكادُ يُسَلَّمُ، نَعَمْ إنَّهُ اعْتَنى بِأمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِذا قالَ: ﴿ لامْرَأتِهِ ﴾ راعِيلَ بِنْتِ رَعابِيلَ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: زُلَيْخا بِنْتُ تَمْلِيخا، وقِيلَ: اسْمُها راعِيلُ ولَقَبُها زُلَيْخا، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، والجارُّ الأوَّلُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ: مُتَعَلِّقٌ -بِاشْتَراهُ- كَقَوْلِكَ اشْتَرَيْتُهُ مِن بَغْدادَ أيْ فِيها أوْ بِها، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الَّذِي أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في -اشْتَرى- أيْ كائِنًا مِن أهْلِ مِصْرَ، والجارُّ الثّانِي مُتَعَلِّقٌ -بِقالَ- كَما أشَرْنا إلَيْهِ لا -بِاشْتَراهُ- ومَقُولُ القَوْلِ: ﴿ أكْرِمِي مَثْواهُ ﴾ أيِ اجْعَلِي مَحَلَّ ثِوائِهِ وإقامَتِهِ كَرِيمًا أيْ حَسَنًا مَرْضِيًّا، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ إكْرامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأتَمِّهِ لِأنَّ مَن أكْرَمَ المَحَلَّ بِتَنْظِيفِهِ وفَرْشِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَقَدْ أكْرَمَ ضَيْفَهُ بِسائِرِ ما يُكْرَمُ بِهِ، وقِيلَ: المَثْوى مُقْحَمٌ، يُقالُ: المَجْلِسُ العالِي والمَقامُ السّامِي، والمَعْنى أحْسِنِي تَعَهُّدَهُ والنَّظَرَ فِيما يَقْتَضِيهِ إكْرامُ الضَّيْفِ ﴿ عَسى أنْ يَنْفَعَنا ﴾ في قَضاءِ مَصالِحِنا إذا تَدَرَّبَ في الأُمُورِ وعَرَفَ مَجارِيها ﴿ أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا ﴾ أيْ نَتَبَنّاهُ ونُقِيمُهُ مَقامَ الوَلَدِ، وكانَ فِيما يُرْوى عَقِيمًا، ولَعَلَّ الِانْفِصالَ لِمَنعِ الخُلُوِّ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لِمَنعِ الجَمْعِ عَلى مَعْنى عَسى أنْ نَبِيعَهُ فَنَنْتَفِعَ بِثَمَنِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وكانَ هَذا القَوْلُ مِنَ العَزِيزِ لِما تَفَرَّسَ فِيهِ مِن مَخايِلِ الرُّشْدِ والنَّجابَةِ، ومِن ذَلِكَ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ: أفْرَسُ النّاسِ ثَلاثَةٌ: العَزِيزُ حِينَ تَفَرَّسَ في يُوسُفَ فَقالَ لِاِمْرَأتِهِ: ﴿ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا ﴾ إلَخْ، والمَرْأةُ الَّتِي أتَتْ مُوسى فَقالَتْ لِأبِيها: ﴿ يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ وأبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ.
﴿ وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ﴾ أيْ جَعَلْنا لَهُ فِيها مَكانًا يُقالُ: مَكَّنَهُ فِيهِ أيْ أثْبَتَهُ فِيهِ، ومَكَّنَ لَهُ فِيهِ أيْ جَعَلَ لَهُ مَكانًا فِيهِ، ولِتَقارُبِهِما وتَلازُمِهِما يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنهُما في مَقامِ الآخَرِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾ والمُرادُ بِالمَكانِ هُنا المَكانَةُ والمَنزِلَةُ لا البُعْدُ المُجَرَّدُ أوِ السَّطْحُ الباطِنُ مِنَ الحاوِي المُماسِّ لِلسَّطْحِ الظّاهِرِ مِنَ المَحْوِيِّ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ مَن ذَهَبَ مِنَ الفَلاسِفَةِ إنْ حَقًّا وإنْ باطِلًا، والإشارَةُ إلى ما يُفْهَمُ مِمّا تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِتَفْخِيمِهِ، والكافُ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أيْ كَما جَعَلْنا لَهُ مَثْوًى كَرِيمًا في مَنزِلِ العَزِيزِ أوْ مَكانًا عَلِيًّا في قَلْبِهِ حَتّى أمَرَ امْرَأتَهُ دُونَ سائِرِ حَواشِيهِ بِإكْرامِ مَثْواهُ جَعَلْنا لَهُ مَكانَةً رَفِيعَةً في أرْضِ مِصْرَ، وفُسِّرَ الجَعْلُ المَذْكُورُ بِجَعْلِهِ وجِيهًا فِيما بَيْنَ أهْلِ مِصْرَ ومُحَبَّبًا في قُلُوبِهِمْ بِناءً عَلى أنَّهُ الَّذِي يُؤَدِّي إلى الغايَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ أيْ بَعْضِ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا الَّتِي عُمْدَتُها رُؤْيا المَلِكِ، وصاحِبَيِ السِّجْنِ، ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ مُجاهِدٍ، وهو الظّاهِرُ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي ﴾ سَواءٌ جُعِلَ مَعْطُوفًا عَلى غايَةٍ مُقَدَّرَةٍ يَنْساقُ إلَيْها الكَلامُ ويَسْتَدْعِيها النِّظامُ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِثْلُ ذَلِكَ التَّمْكِينِ البَدِيعِ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ وجَعَلْنا قُلُوبَ أهْلِها كافَّةً مَحالَّ مَحَبَّتِهِ لِيَتَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ ما يَتَرَتَّبُ مِمّا جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأةِ العَزِيزِ، ولِنُعَلِّمَهُ بَعْضَ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الرُّتْبَةِ العُلْيا والرِّياسَةِ العُظْمى، ولَعَلَّ تَرْكَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ كَوْنِهِ مُرادًا أوْ جُعِلَ عِلَّةً لِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِهَذِهِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ فَعَلْنا ذَلِكَ التَّمْكِينَ لا لِشَيْءٍ غَيْرِها مِمّا لَيْسَ لَهُ عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ.
واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ كَوْنَ ذَلِكَ إشارَةً إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ، والكافُ مُقْحَمَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى تَأْكِيدِ فَخامَةِ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ عَلى ما ذَكَرُوا في ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ والمُرادُ بِهِ التَّمْكِينُ في قَلْبِ العَزِيزِ أوْ في مَنزِلِهِ، وكَوْنُ ذَلِكَ تَمْكِينًا في الأرْضِ بِمُلابَسَةِ أنَّهُ عَزِيزٌ فِيها لِما أنَّ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ تِلْكَ الأُمُورُ، إنَّما هو التَّمْكِينُ في جانِبِ العَزِيزِ، وأمّا التَّمْكِينُ في جانِبِ النّاسِ كافَّةً فَتَأْدِيَتُهُ إلَيْها إنَّما هي بِاعْتِبارِ اشْتِمالِهِ عَلى ذَلِكَ التَّمْكِينِ، ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ التَّمْكِينِ في الأرْضِ عَلى التَّمْكِينِ في قَلْبِ العَزِيزِ، أوْ في مَنزِلِهِ خِلافُ الظّاهِرِ، وكَذا حَمْلُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ، ولَعَلَّ الظّاهِرَ حَمْلُهُ عَلى جَعْلِهِ مَلِكًا يَتَصَرَّفُ في أرْضِ مِصْرَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ إلّا أنَّ في جَعْلِ التَّعْلِيمِ المَذْكُورِ غايَةً لَهُ خَفاءً؛ لِأنَّ ذَلِكَ الجَعْلَ مِن آثارِهِ ونَتائِجِهِ المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْهِ دُونَ العَكْسِ ولَمْ يُعْهَدْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَضاعِيفِ قَضاياهُ العَمَلَ بِمُوجِبِ الرُّؤْيا المُنَبِّهَةِ عَلى الحَوادِثِ قَبْلَ وُقُوعِها عَهْدًا مُصَحَّحًا لِجَعْلِهِ غايَةً لِذَلِكَ وما وقَعَ مِنَ التَّداوُلِ في أمْرِ السِّنِينَ فَإنَّما هو عَمَلٌ بِمُوجِبِ الرُّؤْيا السّابِقَةِ المَعْهُودَةِ وإرادَةٌ لِيَظْهَرَ تَعْلِيمُنا لَهُ كَما تَرى، وكَأنَّ مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ -لِأنَّهُ الظّاهِرُ- أرادَ بِتَعْلِيمِ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ تَفْهِيمَ غَوامِضِ أسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ ودَقائِقِ سُنَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَكُونُ المَعْنى حِينَئِذٍ مَكَّنّا لَهُ في أرْضِ مِصْرَ لِيَتَصَرَّفَ فِيها بِالعَدْلِ ولِنُعَلِّمَهُ مَعانِيَ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامَها ودَقائِقَ سُنَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيَقْضِي بِها بَيْنَ أهْلِها، والتَّعْلِيمُ الإجْمالِيُّ لِتِلْكَ الأحادِيثِ وإنْ كانَ غَيْرَ مُتَأخِّرٍ عَنْ تَمْكِينِهِ بِذَلِكَ المَعْنى إلّا أنَّ تَعْلِيمَ كُلِّ مَعْنًى شَخْصِيٍّ يَتَّفِقُ في ضِمْنِ الحَوادِثِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ في كُلِّ نازِلَةٍ مِنَ النَّوازِلِ مُتَأخِّرٌ عَنْ ذَلِكَ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ غايَةً لَهُ، وأدْرَجَ بَعْضُهُمُ الإنْجاءَ تَحْتَ الإشارَةِ بِذَلِكَ، وفِيهِ بَحْثٌ فَتَدَبَّرْ ﴿ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ﴾ لا يُمْنَعُ عَمّا يَشاءُ ولا يُنازَعُ فِيما يُرِيدُ، بَلْ إنَّما أمْرُهُ لِشَيْءٍ إذا أرادَ أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، ويَدْخُلُ في عُمُومِ المَصْدَرِ المُضافِ شُؤُونُهُ سُبْحانَهُ المُتَعَلِّقَةُ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ دُخُولًا لا أوَّلِيًّا أوْ مُتَوَلٍّ عَلى أمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيُدَبِّرُهُ ولا يَكِلُهُ إلى غَيْرِهِ، وإلى رُجُوعِ ضَمِيرِ أمْرِهِ إلى اللَّهِ تَعالى ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وإلى رُجُوعِهِ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَهَبَ القُرْطُبِيُّ، وأيّامّا كانَ فالكَلامُ عَلى ما في الكَشْفِ تَذْيِيلٌ أمّا عَلى الأوَّلِ فَلِجَرْيِهِ مَجْرى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا ﴾ مِن سابِقِهِ لِأنَّهُ لَمّا كانَ غالِبًا عَلى جَمِيعِ أُمُورِهِ لا يُزاحِمُهُ أحَدٌ ولا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مُرادٌ كانَتْ إرادَتُهُ تَمْكِينَ يُوسُفَ وكَيْتَ وكَيْتَ، والوُقُوعُ رَضِيعِي لَبّانٍ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ يَتَوَلّاهُ بِلَطِيفِ صُنْعِهِ وجَزِيلِ إحْسانِهِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ تَعالى بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ فَأيْنَ يَقَعُ كَيْدُ الإخْوَةِ وغَيْرِهِمْ كامْرَأةِ العَزِيزِ مَوْقِعَهُ فَهو كَقَوْلِهِ: وعَلامَ أرْكَبُهُ إذا لَمْ أنْزِلْ مِن سابِقِهِ أعْنِي فَدَعُوا نِزالَ فَكُنْتُ أوَّلَ نازِلٍ والآيَةُ عَلى الأوَّلِ صَرِيحَةٌ في مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ زَعْمًا مِنهم أنَّ لَهم مِنَ الأمْرِ شَيْئًا، وأنّى لَهم ذَلِكَ؟!
وأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ لا يَعْلَمُونَ لَطائِفَ صُنْعِهِ وخَفايا فَضْلِهِ، والمُرادُ -بِأكْثَرِ النّاسِ- قِيلَ: الكُفّارُ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ.
وقِيلَ: أهْلُ مِصْرَ، وقِيلَ: أهْلُ مَكَّةَ، وقِيلَ: الأكْثَرُ بِمَعْنى الجَمِيعِ، والمُرادُ أنَّ جَمِيعَ النّاسِ لا يَطَّلِعُونَ عَلى غَيْبِهِ تَعالى، والأوْلى أنْ يَبْقى عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ ولا يَقْتَصِرُ في تَفْسِيرِهِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ الأقْوالُ قَبْلُ، بَلْ يُرادُ بِهِ مَن نَفى عَنْهُ العِلْمَ بِما تَقَدَّمَ كائِنًا ما كانَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَنْدَرِجَ في عُمُومِهِ أهْلُ الِاعْتِزالِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ ﴾ أيْ بَلَغَ زَمانَ انْتِهاءِ اشْتِدادِ جِسْمِهِ وقُوَّتِهِ وهو سِنُّ الوُقُوفِ عَنِ النُّمُوِّ المُعْتَدِّ بِهِ أعْنِي ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ والأرْبَعِينَ، وسُئِلَ القاضِي النَّحْوِيِّ مُهَذَّبُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ الخَيْمِيُّ عَنْهُ، فَقالَ: هو خَمْسٌ وثَلاثُونَ سَنَةً وتَمامُهُ أرْبَعُونَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو سَبْعَةَ عَشَرَ عامًا إلى نَحْوِ الأرْبَعِينَ، وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ -ورَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ- عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ، أوْ ثَلاثُونَ أوْ أحَدُ وعِشْرُونَ، وقالَ الضَّحّاكُ: عِشْرُونَ، وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّهُ ثَمانٍ وثَلاثُونَ.
وقالَ الحَسَنُ: أرْبَعُونَ، والمَشْهُورُ أنَّ الإنْسانَ يَقِفُ جِسْمُهُ عَنِ النُّمُوِّ إذا بَلَغَ ذَلِكَ، وإذا وقَفَ الجِسْمُ وقَفَتِ القُوى والشَّمائِلُ والأخْلاقُ، ولِذا قِيلَ: إذا المَرْءُ وفى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ دُونَ ما يَهْوى حَياءٌ ولا سِتْرُ فَدَعْهُ ولا تُنَفِّسْ عَلَيْهِ الَّذِي مَضى ∗∗∗ وإنْ جَرَّ أسْبابَ الحَياةِ لَهُ العُمُرُ وقِيلَ: أقْصى الأشُدِّ اثْنانِ وسِتُّونَ، وإلى كَوْنِ الأشُدِّ مُنْتَهى الشَّبابِ والقُوَّةِ قَبْلَ أنْ يُؤْخَذَ في النُّقْصانِ ذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ مِن ثِقاتِ اللُّغَوِيِّينَ، واسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وهو عِنْدَ سِيبَوَيْهِ جَمْعٌ واحِدُهُ شِدَّةٌ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ- وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّهُ جَمْعُ شَدٍّ نَحْوُ صَكٍّ وأصُكٍّ وفَلْسٍ وأفْلُسٍ- وهَذا عَلى ما ذَكَرَ أبُو حاتِمٍ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ مُؤَنَّثًا لِأنَّ كُلَّ جَمْعٍ عَلى أفْعُلٍ مُؤَنَّثٌ.
وزَعَمَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ عِنْدَ العَرَبِ، وقالَ الفَرّاءُ: أهْلُ البَصْرَةِ يَزْعُمُونَ أنَّهُ اسْمٌ واحِدٌ لَكِنَّهُ عَلى بِناءٍ نَدَرَ في المُفْرَداتِ وقَلَّما رَأيْنا اسْمًا عَلى أفْعْلٍ إلّا وهو جَمْعٌ ﴿ آتَيْناهُ حُكْمًا ﴾ أيْ حِكْمَةً وهي في لِسانِ الشَّرْعِ العِلْمُ النّافِعُ المُؤَيَّدُ بِالعَمَلِ لِأنَّهُ بِدُونِهِ لا يُعْتَدُّ بِهِ، والعَمَلُ بِخِلافِ العِلْمِ سَفَهٌ، أوْ حُكْمًا بَيْنَ النّاسِ ﴿ وعِلْمًا ﴾ يَعْنِي عِلْمَ تَأْوِيلِ الرُّؤْيا، وخُصَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ فِيما قَبْلَهُ، أوْ أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ مِمّا لَهُ شَأْنٌ ولِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ اخْتِصاصٌ تامٌّ كَذا قِيلَ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الحِكْمَةَ بِالنُّبُوَّةِ والعِلْمَ بِالتَّفَقُّهِ في الدِّينِ، وقِيلَ: الحِكْمَةُ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ هَواها وصَوْنُها عَمّا لا يَنْبَغِي، والعِلْمُ هو العِلْمُ النَّظَرِيُّ، وقِيلَ: أرادَ بِالحِكْمَةِ الحُكْمَ بَيْنَ النّاسِ، وبِالعِلْمِ العِلْمَ بِوُجُوهِ المَصالِحِ، فَإنَّ النّاسَ كانُوا إذا تَحاكَمُوا إلى العَزِيزِ أمَرَهُ بِأنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم لِما رَأى مِن عَقْلِهِ وإصابَتِهِ في الرَّأْيِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الحُكْمَ النُّبُوَّةُ، والعِلْمَ الشَّرِيعَةُ، وتَنْكِيرُهُما لِلتَّفْخِيمِ أيْ حُكْمًا وعِلْمًا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُما ولا يُقادَرُ قَدْرُهُما، وتُعُقِّبَ كَوْنُ المُرادِ بِالعِلْمِ العِلْمَ بِتَأْوِيلِ الأحادِيثِ -بِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ العَجِيبِ ﴿ نَجْزِي المُحْسِنِينَ ﴾ أيْ كُلَّ مَن يُحْسِنُ في عِلْمِهِ -يَأْباهُ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَزاءً لِأعْمالِهِ الحَسَنَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُعاناةُ الأحْزانِ والشَّدائِدِ إلّا أنْ يُخَصَّ بِعِلْمِ تَأْوِيلِ رُؤْيا المَلِكِ فَإنَّ ذَلِكَ حَيْثُ كانَ عِنْدَ تَناهِي أيّامِ البَلاءِ صَحَّ أنْ يُعَدَّ إيتاؤُهُ مِن جُمْلَةِ الجَزاءِ؛ وأمّا رُؤْيا صاحِبَيِ السِّجْنِ فَقَدْ لَبِثَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ تَعْبِيرِها في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، وفي تَعْلِيقِ الجَزاءِ المَذْكُورِ بِالمُحْسِنِينَ إشْعارٌ بِعَلِيَّةِ الإحْسانِ لَهُ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما آتاهُ ما آتاهُ لِكَوْنِهِ مُحْسِنًا في أعْمالِهِ مُتْقِنًا في عُنْفُوانِ أمْرِهِ، ومِن هُنا قالَ الحَسَنُ: مَن أحْسَنَ عِبادَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ في شَبِيبَتِهِ آتاهُ اللَّهُ تَعالى الحِكْمَةَ في اكْتِهالِهِ، واسْتُشْكِلَ ما أفادَهُ تَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالمُشْتَقِّ مِنَ العِلْيَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ مِنَ الحِكْمَةِ العِلْمُ المُؤَيَّدُ بِالعَمَلِ مَثَلًا بِأنَّ إحْسانَ العَمَلِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِهِ فَلَوْ كانَ العِلْمُ المُؤَيَّدُ بِهِ مَثَلًا عِلَّةً لِلْإحْسانِ بِذَلِكَ لَزِمَ الدَّوْرُ.
وأُجِيبَ بِأنَّ إحْسانَ العَمَلِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بِطَرِيقٍ آخَرَ كالتَّقْلِيدِ والتَّوْفِيقِ الإلَهِيِّ فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْعِلْمِ بِهِ عَنْ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ أوْ سَمْعِيٍّ، أوِ المُرادُ الأعْمالُ غَيْرُ المُتَوَقِّفَةِ عَلى السَّمْعِ فَيَكُونُ ذَلِكَ السَّبَبَ لِلْعِلْمِ بِما شَرَعَ لَهُ مِنَ الأعْمالِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الظّاهِرُ تَغايُرُ العِلْمَيْنِ كَما في الأثَرِ: ”مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ يَسَّرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ“.
وعَنِ الضَّحّاكِ تَفْسِيرُ ( المُحْسِنِينَ ) بِالصّابِرِينَ عَلى النَّوائِبِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها ﴾ رُجُوعٌ إلى شَرْحِ ما جَرى عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَنزِلِ العَزِيزِ بَعْدَ ما أمَرَ امْرَأتَهُ بِإكْرامِ مَثْواهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ ﴾ إلى هُنا اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ أُنْمُوذَجًا لِلْقِصَّةِ لِيَعْلَمَ السّامِعُ مِن أوَّلِ الأمْرِ أنَّ ما لَقِيَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الفِتَنِ الَّتِي سَتُحْكى بِتَفاصِيلِها لَهُ غايَةٌ جَمِيلَةٌ وعاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُحْسِنٌ في أعْمالِهِ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ما يُخِلُّ بِنَزاهَتِهِ، والمُراوَدَةُ المُطالَبَةُ بِرِفْقٍ مِن رادَ يَرُودُ إذا ذَهَبَ وجاءَ لِطَلَبِ شَيْءٍ، ومِنهُ الرّائِدُ لِطالِبِ الكَلَأِ والماءِ، وبِاعْتِبارِ الرِّفْقِ قِيلَ: رادَتِ الإبِلُ في مِشْيَتِها تَرُودُ رَوَدانًا، ومِنهُ بَنى المِرْوَدِ، ويُقالُ: أرْوَدَ يَرُودُ إذا رَفَقَ، ومِنهُ بَنِي رُوَيْدٍ، والإرادَةُ مَنقُولَةٌ مِن رادَ يَرُودُ إذا سَعى في طَلَبِ شَيْءٍ وهي مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ نَحْوَ مُطالَبَةِ الدّائِنِ ومُماطَلَةِ المَدْيُونِ ومُداواةِ الطَّبِيبِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ مِن أحَدِ الجانِبَيْنِ الفِعْلُ ومِنَ الآخَرِ سَبَبُهُ فَإنَّ هَذِهِ الأفْعالَ وإنْ كانَتْ صادِرَةً عَنْ أحَدِ الجانِبَيْنِ لَكِنْ لَمّا كانَتْ أسْبابُها صادِرَةً عَنِ الجانِبِ الآخَرِ جُعِلَتْ كَأنَّها صادِرَةٌ عَنْهُما، قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وهَذا بابٌ لَطِيفُ المَسْلَكِ مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِبارٍ دَقِيقٍ تَحْقِيقُهُ أنَّ سَبَبَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقامَهُ ويُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُهُ كَما في قَوْلِهِمْ: كَما تَدِينُ تُدانُ، أيْ كَما تَجْزِي تُجْزى، فَإنَّ فِعْلَ البادِئِ وإنْ لَمْ يَكُنْ جَزاءً لَكِنَّهُ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْجَزاءِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اِسْمُهُ، وكَذَلِكَ إرادَةُ القِيامِ إلى الصَّلاةِ وإرادَةُ قِراءَةِ القُرْآنِ حَيْثُ كانَتا سَبَبًا لِلْقِيامِ والقِراءَةِ عَبَّرَ عَنْهُما بِهِما فَقِيلَ: ﴿ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ ﴾ ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ)، ﴾ وهَذِهِ قاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، ولَمّا كانَتْ أسْبابُ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ فِيما نَحْنُ فِيهِ صادِرَةً عَنِ الجانِبِ المُقابِلِ لِجانِبِ فاعِلِها فَإنَّ مُطالَبَةَ الدّائِنِ لِلْمُماطَلَةِ الَّتِي هي مِن جانِبِ الغَرِيمِ وهي مِنهُ لِلْمُطالَبَةِ الَّتِي مِن جانِبِ الدّائِنِ، وكَذا مُداواةُ الطَّبِيبِ لِلْمَرَضِ الَّذِي هو مِن جانِبِ المَرِيضِ، وكَذَلِكَ مُراوَدَتُها فِيما نَحْنُ فِيهِ لِجَمالِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ صُدُورُها عَنْ مَحالِها بِمَنزِلَةِ صُدُورِ مُسَبِّباتِها الَّتِي هي تِلْكَ الأفْعالُ فَبُنِيَ الصِّيغَةُ عَلى ذَلِكَ ورُوعِيَ جانِبُ الحَقِيقَةِ بِأنْ أسْنَدَ الفِعْلَ إلى الفاعِلِ وأوْقَعَ عَلى صاحِبِ السَّبَبِ فَتَأمَّلْ، اهـ.
وكَأنَّهُ أشارَ بِالأمْرِ بِالتَّأمُّلِ إلى ما فِيهِ مِمّا لا يَخْفى عَلى ذَوِيِهِ، وفي الكَشْفِ المُراوَدَةُ مُنازَعَةٌ في الرَّوْدِ بِأنْ يَكُونَ لَهُ مَقْصِدٌ مَجِيئًا وذَهابًا ولِلْمُفاعِلِ مَقْصِدٌ آخَرُ يُقابِلُهُ فِيهِما، ومَعْنى المُفاعَلَةِ هَهُنا إمّا المُبالَغَةُ في رَوْدِها أوِ الدَّلالَةُ عَلى اخْتِلافِهِما فِيهِ، فَإنَّها طَلَبَتْ مِنهُ الفِعْلَ وهو طَلَبَ مِنها التَّرْكَ وهَذا أبْلَغُ ولِما كانَ مُنازَعَةً جِيءَ -بِعْنَ- في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ كَما تَقُولُ: جاذَبْتُهُ عَنْ كَذا دَلالَةً عَلى الِإبْعادِ وتَحْصِيلِ الجَذْبِ البالِغِ، ولِهَذا قالَ في الأساسِ: ومِنَ المَجازِ راوَدَهُ عَنْ نَفْسِهِ خادَعَهُ عَنْها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا: أيْ فَعَلَتْ ما يَفْعَلُ المُخادِعُ بِصِحابِهِ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَهُ مِن يَدِهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا إنَّما يَحْصُلُ مِنَ المُنازَعَةِ في الرَّوْدِ، ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ جُعِلَ كِنايَةً عَنِ التَّمَحُّلِ لِمُوافَقَتِهِ إيّاها، والعُدُولُ عَنِ التَّصْرِيحِ بِاسْمِها لِلْمُحافَظَةِ عَلى السَّتْرِ ما أمْكَنَ، أوْ لِلِاسْتِجْهانِ بِذِكْرِهِ، وإيرادُ المَوْصُولِ دُونَ امْرَأةِ العَزِيزِ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأظْهَرُ لِتَقْرِيرِ المُراوَدَةِ فَإنَّ كَوْنَهُ في بَيْتِها مِمّا يَدْعُو إلى ذَلِكَ ولِإظْهارِ كَمالِ نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ عَدَمَ مَيْلِهِ إلَيْها مَعَ دَوامِ مُشاهَدَتِهِ لِمَحاسِنِها واسْتِعْصائِهِ عَلَيْها مَعَ كَوْنِهِ تَحْتَ يَدِها يُنادِي بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في أعْلى مَعارِجِ العِفَّةِ، وإضافَةُ البَيْتِ إلى ضَمِيرِها لِما أنَّ العَرَبَ تُضِيفُ البُيُوتَ إلى النِّساءِ بِاعْتِبارِ أنَّهُنَّ القائِماتُ بِمَصالِحِهِ أوِ المُلازِماتُ لَهُ، وخُرِّجَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ﴾ وكَثُرَ في كَلامِهِمْ صاحِبَةُ البَيْتِ ورَبَّةُ البَيْتِ لِلْمَرْأةِ، ومِن ذَلِكَ: يا رَبَّةَ البَيْتِ قُومِي غَيْرَ صاغِرَةٍ.
﴿ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ ﴾ أيْ أبْوابَ البَيْتِ، وتَشْدِيدُ الفِعْلِ لِلتَّكْثِيرِ في المَفْعُولِ إنْ قُلْنا: إنَّ الأبْوابَ كانَتْ سَبْعَةً كَما قِيلَ، فَإنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ فَهو لِتَكْثِيرِ الفِعْلِ فَكَأنَّهُ غُلِقَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ أوْ بِمِغْلاقٍ بَعْدَ مِغْلاقٍ، وجَمْعُ (الأبْوابِ) حِينَئِذٍ إمّا لِجَعْلِ كُلِّ جُزْءٍ مِنهُ كَأنَّهُ بابٌ أوْ لِجَعْلِ تَعَدُّدِ إغْلاقِهِ بِمَنزِلَةِ تَعَدُّدِهِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لَمْ يُغْلَقْ إلّا بابانِ: بابُ الدّارِ، وبابُ الحُجْرَةِ الَّتِي هُما فِيها.
وادَّعى بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّعْدِيَةِ وأنَّ كَوْنَهُ لِلتَّكْثِيرِ وهم مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأنَّ (غَلَّقَتِ الأبْوابَ) غَلْقًا لُغَةٌ رَدِيئَةٌ مَتْرُوكَةٌ حَسْبَما ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ، ورُدَّ بِأنَّ إفادَةَ التَّعْدِيَةِ لا تُنافِي إفادَةَ التَّكْثِيرِ مَعَها، فَإنَّ مُجَرَّدَ التَّعْدِيَةِ يَحْصُلُ بِبابِ الأفْعالِ، فاخْتِيارُ التَّفْعِيلِ عَلَيْهِ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ، ولِذا قالَ الجَوْهَرِيُّ أيْضًا: ﴿ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ ﴾ شَدَّدَ لِلتَّكْثِيرِ اهـ.
وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّهُ لَمْ يَتَنَبَّهِ الرّادُّ لِأنَّ ما نَقَلَهُ عَلَيْهِ لا لَهُ لِأنَّ الرَّدِيءَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللُّغَوِيُّونَ إنَّما هو اسْتِعْمالُ الثُّلاثِيِّ مِنهُ لا أنَّ لَهُ ثُلاثِيًّا لازِمًا حَتّى يَتَعَيَّنَ كَوْنُ التَّفْعِيلِ لِلتَّعْدِيَةِ فَتَعَدِّيهِ لازِمٌ في الثُّلاثِيِّ وغَيْرِهِ سَواءٌ كانَ رَدِيئًا أوْ فَصِيحًا فَتَعَيَّنَ أنَّهُ لِلتَّكْثِيرِ، وقَدْ قالَ بِذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، فالواهِمُ ابْنُ أُخْتِ خالَةِ المُوهَمِ فافْهَمْ.
﴿ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ ﴾ أيْ أسْرِعْ فَهي اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ كَأيْنَ، وفَسَّرَها الكِسائِيُّ والفَرّاءُ بِتَعالَ، وزَعَما أنَّها كَلِمَةٌ حُورانِيَّةٌ وقَعَتْ إلى أهْلِ الحِجازِ فَتَكَلَّمُوا بِها؛ وقالَ أبُو زَيْدٍ: هي عِبْرانِيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ هي سُرْيانِيَّةٌ، وقالَ السُّدِّيُّ هي قِبْطِيَّةٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ هي عَرَبِيَّةٌ تَدْعُوهُ بِها إلى نَفْسِها، وهي كَلِمَةُ حَثٍّ وإقْبالٍ، واللّامُ لِلتَّبْيِينِ كالَّتِي في سُقْيا لَكَ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ إرادَتِي كائِنَةٌ لَكَ، أوْ أقُولُ لَكَ، وجَوَّزَ كَوْنَها اسْمَ فِعْلٍ خَبَرِيٍّ كَهَيْهاتَ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِها والمَعْنى تَهَيَّأْتُ لَكَ، وجَعَلَها بَعْضُهم عَلى هَذا لِلتَّبْيِينِ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ أيْضًا لِأنَّ اسْمَ الفِعْلِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجارُّ، والتّاءُ مُطْلَقًا مِن بِنْيَةِ الكَلِمَةِ، ولَيْسَ تَفْسِيرُها بِتَهَيَّأْتُ لِكَوْنِ الدّالِّ عَلى التَّكَلُّمِ التّاءُ لِيُرَدَّ أنَّها إذا كانَتْ بِمَعْنى تَهَيَّأْتُ لا تَكُونُ اسْمَ فِعْلٍ بَلْ تَكُونُ فِعْلًا مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ بَلْ لِأنَّهُ لَمّا بَيَّنَتِ التَّهَيُّؤَ بِأنَّهُ لَهُ لَزِمَ كَوْنُها هي المُتَهَيَّأةُ كَما إذا قِيلَ لَكَ: قَرِّبْنِي مِنكَ فَقُلْتُ هَيْهاتَ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى مَعْنى بَعُدَتْ بِالقَرِينَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ (هَيْتُ) بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ الياءِ وضَمِّ التّاءِ تَشْبِيهًا لَهُ بِحَيْثُ.
وقَرَأ أبُو الأسْوَدِ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى البَصْرَةِ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (هَيْتِ) بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ التّاءِ تَشْبِيهًا لَهُ بِجَيْرِ، والكَلامُ فِيها عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ كالكَلامِ فِيها عَلى القِراءَةِ السّابِقَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ وابْنُ ذَكْوانَ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ (هِيتَ) بِكَسْرِ الهاءِ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وتاءٌ مَفْتُوحَةٌ، وحَكى الحَلْوانِيُّ عَنْ هِشامٍ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ هَمَزَ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الدّانِيُّ تَبَعًا لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في الحُجَّةِ، وقَدْ تَبِعَهُ أيْضًا جَماعَةٌ بِأنَّ فَتْحَ التّاءِ فِيما ذَكَرَ وهْمٌ مِنَ الرّاوِي لِأنَّ الفِعْلَ حِينَئِذٍ مِنَ التَّهَيُّؤِ، ويُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَهَيَّأْ لَها بِدَلِيلِ ﴿ وراوَدَتْهُ ﴾ إلَخْ فَلا بُدَّ مِن ضَمِّ التّاءِ، ورَدَّ ذَلِكَ صاحِبُ النَّشْرِ بِأنَّ المَعْنى عَلى ذَلِكَ تَهَيَّأ لِي أمْرُكَ لِأنَّها لَمْ يَتَيَسَّرْ لَها الخَلْوَةُ بِهِ قَبْلُ، أوْ حَسُنَتْ هَيْئَتُكَ و(لَكَ) عَلى المَعْنَيَيْنِ لِلْبَيانِ، والرِّوايَةُ عَنْ هِشامٍ صَحِيحَةٌ جاءَتْ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ بِكَسْرِ الهاءِ والهَمْزَةِ وضَمِّ التّاءِ، وهي رِوايَةٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عامِرٍ وأبِي عَمْرٍو أيْضًا، وقَرَأ كَذَلِكَ أبُو رَجاءٍ، وأبُو وائِلٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وطَلْحَةُ وآخَرُونَ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وابْنُ أبِي إسْحاقَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما سَهَّلا الهَمْزَةَ، وذَكَرَ النَّحّاسُ أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِ الهاءِ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وكَسْرِ ِالتّاءِ، وقُرِئَ أيْضًا هَيّا بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِها وتَشْدِيدِ الياءِ، وهي عَلى ما قالَ ابْنُ هِشامٍ: لُغَةٌ في (هَيْتَ)، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ القِراآتِ كُلَّها لُغاتٌ وهي فِيها اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى هَلُمَّ، ولَيْسَتِ التّاءُ ضَمِيرًا، وقالَ آخَرُ: إنَّها لُغاتٌ والكَلِمَةُ عَلَيْها اسْمُ فِعْلٍ إلّا عَلى قِراءَةِ ضَمِّ التّاءِ مَعَ الهَمْزِ وتَرْكِهِ فَإنَّ الكَلِمَةَ عَلَيْها تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ فِعْلًا رافِعًا لِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مِن هاءَ الرَّجُلُ يَهِيءُ كَجاءَ يَجِيءُ إذا حَسُنَتْ هَيْئَتُهُ، أوْ بِمَعْنى تَهَيَّأْتُ، يُقالُ: هِئْتُ وتَهَيَّأْتُ بِمَعْنًى وإذا كانَتْ فِعْلًا تَعَلَّقَتِ اللّامُ بِها، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ هُيِيْتُ مِثْلَ حُبِبْتُ وهي في ذَلِكَ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ مُسَهَّلُ الهَمْزَةِ مِن هَيَّأْتُ الشَّيْءَ كَأنَّ أحَدًا هَيَّأها لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ قالَ مَعاذَ اللَّهِ ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ يُقالُ: عُذْتُ عَوَذًا وعِياذًا وعِياذَةً ومُعاذًا أيْ أعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَعاذًا مِمّا تُرِيدِينَ مِنِّي، وهَذا اجْتِنابٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ وإشارَةٌ إلى التَّعْلِيلِ بِأنَّهُ مُنْكَرٌ هائِلٌ يَجِبُ أنْ يُعاذَ بِاللَّهِ جَلَّ وعَلا لِلْخَلاصِ مِنهُ، وما ذَلِكَ إلّا لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِما أراهُ اللَّهُ تَعالى ما هو عَلَيْهِ في حَدِّ ذاتِهِ مِن غايَةِ القُبْحِ ونِهايَةِ السُّوءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ ﴾ تَعْلِيلٌ بِبَعْضِ الأسْبابِ الخارِجَةِ مِمّا عَسى يَكُونُ مُؤَثِّرًا عِنْدَها وداعِيًا لَها إلى اعْتِبارِهِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى سَبَبِهِ الذّاتِيِّ الَّتِي لا تَكادُ تَقْبَلُهُ لِما سَوَّلَتْهُ لَها نَفْسُها، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِهِ مِنَ الإيذانِ بِفَخامَةِ مَضْمُونِها ما فِيهِ مَعَ زِيادَةِ تَقْرِيرِهِ في الذِّهْنِ أيْ إنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ هَذا أيْ هو رَبِّي أيْ سَيِّدِي العَزِيزِ أحْسَنَ تَعَهُّدِي حَيْثُ أمَرَكَ بِإكْرامِي عَلى أكْمَلِ وجْهٍ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ أُسِيءَ إلَيْهِ بِالخِيانَةِ في حَرَمِهِ؟
!
وفِيهِ إرْشادٌ لَها إلى رِعايَةِ حَقِّ العَزِيزِ بِألْطَفِ وجْهٍ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ إطْلاقَ الرَّبِّ عَلى غَيْرِهِ تَعالى فَإنْ أُرِيدَ بِهِ الرَّبُّ بِمَعْنى الخالِقِ فَهو باطِلٌ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُطْلِقَ نَبِيٌّ كَرِيمٌ عَلى مَخْلُوقٍ ذَلِكَ، وإذا أُرِيدَ بِهِ السَّيِّدُ فَهو عَلَيْهِ السَّلامُ في الحَقِيقَةِ مَمْلُوكٌ لَهُ، ومِن هُنا -وإنْ كانَ فِيما ذَكَرَ نَظَرٌ ظاهِرٌ- اخْتارَ في البَحْرِ أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعالى، و(رَبِّي) خَبَرُ إنَّ، و ﴿ أحْسَنَ مَثْوايَ ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ هو الخَبَرُ، والأوَّلُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ إنَّهُ تَعالى خالِقِي أحْسَنَ مَثْوايَ بِعَطْفِ قَلْبٍ مِن أمْرِكَ بِإكْرامِي عَلَيَّ فَكَيْفَ أعْصِيهِ بِارْتِكابِ تِلْكَ الفاحِشَةِ الكَبِيرَةِ؟
!
وفِيهِ تَحْذِيرٌ لَها عَنْ عِقابِ اللَّهِ تَعالى، وجَوَّزَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الرَّبُّ بِمَعْنى الخالِقِ كَوْنَ الضَّمِيرِ لِلشَّأْنِ أيْضًا، وأيًّا ما كانَ فَفي الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ هَذِهِ الحالَةِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِاقْتِضائِها الِامْتِناعُ عَمّا دَعَتْهُ إلَيْهِ إيذانٌ بِأنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ البَيانِ كافِيَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى اسْتِحالَتِهِ وكَوْنِهِ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُقُوعِ أصْلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ ﴾ تَعْلِيلٌ غِبَّ تَعْلِيلٍ لِلِامْتِناعِ المَذْكُورِ، والفَلاحُ الظَّفَرُ وإدْراكُ البُغْيَةِ، وذَلِكَ ضَرْبانِ: دُنْيَوِيٌّ وأُخْرَوِيٌّ، فالأوَّلُ الظَّفَرُ بِالسَّعاداتِ الَّتِي تَطِيبُ بِها حَياةُ الدُّنْيا وهو البَقاءُ، والغِنى والعِزُّ، والثّانِي أرْبَعَةُ أشْياءَ: بَقاءٌ بِلا فَناءٍ وغِنًى بِلا فَقْرٍ وعِزٌّ بِلا ذُلٍّ وعِلْمٌ بِلا جَهْلٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ: لا عَيْشَ إلّا عَيْشُ الآخِرَةِ، ومَعْنى أفْلَحَ دَخَلَ في الفَلاحِ كَأصْبَحَ وأخَواتِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ هُنا الفَلاحُ الأُخْرَوِيُّ، وبِالظّالِمِينَ كُلَّ مَن ظَلَمَ كائِنًا مَن كانَ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ المُجازُونَ لِلْإحْسانِ بِالإساءَةِ والعُصاةُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: الزُّناةُ لِأنَّهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ، ولِلْمَزْنِيِّ بِأهْلِهِ، وقِيلَ: الخائِنُونَ لِأنَّهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ أيْضًا ولِمَن خانُوهُ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ أيْ بِمُخالَطَتِهِ إذًا لَهم -سَواءٌ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى القَصْدِ والإرادَةِ مُطْلَقًا أوْ بِمَعْنى القَصْدِ الجازِمِ والعَقْدِ الثّابِتِ كَما هو المُرادُ هَهُنا، لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ.
والمَعْنى أنَّها قَصَدَتِ المُخالَطَةَ وعَزَمَتْ عَلَيْها عَزْمًا جازِمًا لا يَلْوِيها عَنْهُ صارِفٌ بَعْدَ ما باشَرَتْ مَبادِيها وفَعَلَتْ ما فَعَلَتْ مِمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى، ولَعَلَّها تَصَدَّتْ هُنالِكَ لِأفْعالٍ أُخَرَ مِن بَسْطِ يَدِها إلَيْهِ وقَصْدِ المُعانَقَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اضْطَرَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الهَرَبِ نَحْوَ البابِ، والتَّأْكِيدُ لِدَفْعِ ما عَسى يُتَوَهَّمُ مِنِ احْتِمالِ إقْلاعِها عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ بِما في مَقالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الزَّواجِرِ ﴿ وهَمَّ بِها ﴾ أيْ مالَ إلى مُخالَطَتِها بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ كَمَيْلِ الصّائِمِ في اليَوْمِ الحارِّ إلى الماءِ البارِدِ، ومِثْلَ ذَلِكَ لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ لا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَصَدَها قَصْدًا اخْتِيارِيًّا لِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مَذْمُومٌ تُنادِي الآياتُ عَلى عَدَمِ اتِّصافِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالهَمِّ لِمُجَرَّدِ وُقُوعِهِ في صُحْبَةِ هَمِّها في الذَّكَرِ بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ لا لِشَبَهِهِ بِهِ كَما قِيلَ، وقَدْ أُشِيرَ إلى تَغايُرِهِما كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: حَيْثُ لَمْ يَلُزّا في قَرْنٍ واحِدٍ مِنَ التَّعْبِيرِ بِأنْ قِيلَ: ولَقَدْ هَمّا بِالمُخالَطَةِ أوْ هَمَّ كُلٌّ مِنهُما بِالآخَرِ وأكَّدَ الأوَّلَ دُونَ الثّانِي.
﴿ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ أيْ حُجَّتَهُ الباهِرَةَ الدّالَّةَ عَلى كَمالِ قُبْحِ الزِّنا وسُوءِ سَبِيلِهِ، والمُرادُ بِرُؤْيَتِهِ لَها كَمالُ إيقانِهِ بِها ومُشاهَدَتُهُ لَها مُشاهَدَةً واصِلَةً إلى مَرْتَبَةِ عَيْنِ اليَقِينِ، وقِيلَ: المُرادُ بِرُؤْيَةِ البُرْهانِ حُصُولُ الأخْلاقِ وتَذْكِيرُ الأحْوالِ الرّادِعَةِ عَنِ الإقْدامِ عَلى المُنْكَرِ، وقِيلَ: رُؤْيَةٌ ﴿ ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا ﴾ مَكْتُوبًا في السَّقْفِ، وجَوابُ (لَوْلا) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ لَوْلا مُشاهَدَتُهُ البُرْهانَ لَجَرى عَلى مُوجَبِ مَيْلِهِ الجِبِلِّيِّ لَكِنَّهُ حَيْثُ كانَ مُشاهِدًا لَهُ اسْتَمَرَّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن قَضِيَّةِ البُرْهانِ، هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في مَعْنى الآيَةِ، وهو قَوْلٌ بِإثْباتِ هَمَّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا أنَّهُ هَمٌّ غَيْرُ مَذْمُومٍ.
وفِي البَحْرِ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هَمٌّ بِها ألْبَتَّةَ بَلْ هو مَنفِيٌّ لِوُجُودِ رُؤْيَةِ البُرْهانِ كَما تَقُولُ: قارَفْتُ الذَّنْبَ لَوْ لا أنْ عَصَمَكَ اللَّهُ تَعالى ولا نَقُولُ: إنَّ جَوابَ (لَوْلا) مُتَقَدِّمٌ عَلَيْها وإنْ كانَ لا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلى امْتِناعِ ذَلِكَ بَلْ صَرِيحُ أدَواتِ الشَّرْطِ العامِلَةِ مُخْتَلِفٌ في جَوازِ تَقْدِيمِ أجْوِبَتِها عَلَيْها، وقَدْ ذَهَبَ إلى الجَوازِ الكُوفِيُّونَ.
ومِن أعْلامِ البَصْرِيِّينَ أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ وأبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ بَلْ نَقُولُ: إنَّ جَوابَ (لَوْلا) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَما يَقُولُ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ في قَوْلِ العَرَبِ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ كَذا فَيُقَدِّرُونَهُ إنْ فَعَلْتَ فَأنْتَ ظالِمٌ، ولا يَدُلُّ قَوْلُهُمْ: أنْتَ ظالِمٌ عَلى ثُبُوتِ الظُّلْمِ بَلْ هو مُثْبَتٌ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الفِعْلِ، وكَذَلِكَ هَهُنا التَّقْدِيرُ ﴿ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ لَهم بِها فَكانَ يُوجَدُ الهَمُّ عَلى تَقْدِيرِ انْتِفاءِ رُؤْيَةِ البُرْهانِ لَكِنَّهُ وجَدَ رُؤْيَةَ البُرْهانِ فانْتَفى الهَمُّ، والمُرادُ بِالبُرْهانِ ما عِنْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ العِلْمِ الدّالِّ عَلى تَحْرِيمِ ما هَمَّتْ بِهِ وأنَّهُ لا يُمْكِنُ الهَمُّ فَضْلًا عَنِ الوُقُوعِ فِيهِ، ولا التِفاتَ إلى قَوْلِ الزَّجّاجِ: ولَوْ كانَ الكَلامُ ولَهَمَّ بِها كانَ بَعِيدًا فَكَيْفَ مَعَ سُقُوطِ اللّامِ لِأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (هَمَّ بِها) هو جَوابُ (لَوْلا) ونَحْنُ لَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ دَلِيلُ الجَوابِ عَلى أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ نَفْسَ الجَوابِ قَدْ يُقالُ: إنَّ اللّامَ لَيْسَتْ بِلازِمَةٍ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَأْتِيَ جَوابُ (لَوْلا) إذا كانَتْ بِصِيغَةِ الماضِي بِاللّامِ وبِدُونِها فَيُقالُ: لَوْلا زَيْدٌ لَأكْرَمْتُكَ ولَوْلا زَيْدٌ أكْرَمْتُكَ، فَمَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَذْكُورَ هو نَفْسُ الجَوابِ لَمْ يَبْعُدْ، وكَذا لا التِفاتَ أيْضًا لِقَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ: إنَّ قَوْلَ مَن قالَ إنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ وأنَّ جَوابَ (لَوْلا) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وهَمَّ بِها ﴾ وأنَّ المَعْنى ﴿ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ لَهَمَّ بِها فَلَمْ يَهِمَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرُدُّهُ لِسانُ العَرَبِ، وأقْوالُ السَّلَفِ لِما في قَوْلِهِ: يَرُدُّهُ لِسانُ العَرَبِ مِنَ البَحْثِ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن ذَهَبَ إلى الجَوازِ بِوُجُودِهِ في لِسانِ العَرَبِ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها ﴾ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ كادَتْ ﴾ إلَخْ؛ إمّا أنْ يَكُونَ هو الجَوابَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ القائِلُ، وإمّا أنْ يَكُونَ دَلِيلَ الجَوابِ عَلى ما قَرَّرْناهُ، وأمّا أقْوالُ السَّلَفِ فالَّذِي نَعْتَقِدُهُ أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنها شَيْءٌ عَنْهم لِأنَّها أقْوالٌ مُتَكاذِبَةٌ يُناقِضُ بَعْضُها بَعْضًا مَعَ كَوْنِها قادِحَةً في بَعْضِ فُسّاقِ المُسْلِمِينَ فَضْلًا عَنِ المَقْطُوعِ لَهم بِالعِصْمَةِ عَلى أنَّ ما رُوِيَ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ كَلامُ العَرَبِ لِأنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ الجَوابِ مَحْذُوفًا لِغَيْرِ دَلِيلٍ لِأنَّهم لَمْ يُقَدِّرُوا بِناءً عَلى ذَلِكَ لَهَمَّ بِها، وكَلامُ العَرَبِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ مِن مَعْنى ما قَبْلَ الشَّرْطِ لِأنَّهُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، هَذا ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى تَحَقُّقِ الهَمِّ القَبِيحِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ الواحِدِيُّ فَإنَّهُ قالَ في كِتابِ البَسِيطِ: قالَ المُفَسِّرُونَ المَوْثُوقُ بِعِلْمِهِمُ المَرْجُوعُ إلى رِوايَتِهِمُ الآخِذُونَ لِلتَّأْوِيلِ عَمَّنْ شاهَدَ التَّنْزِيلَ: هَمَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا بِهَذِهِ المَرْأةِ هَمًّا صَحِيحًا وجَلَسَ مِنها مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنَ المَرْأةِ فَلَمّا رَأى البُرْهانَ مِن رَبِّهِ زالَ كُلُّ شَهْوَةٍ عَنْهُ.
قالَ أبُو جَعْفَرٍ الباقِرُ: رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِإسْنادِهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهُهُ أنَّهُ قالَ: ”طَمِعَتْ فِيهِ وطَمِعَ فِيها“ وكانَ طَمَعُهُ فِيها أنْ هَمَّ أنْ يَحُلَّ التِّكَّةَ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ حَلَّ الهِمْيانَ وجَلَسَ مِنها مَجْلِسَ الخاتِنَ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّها اسْتَلْقَتْ لَهُ وقَعَدَ بَيْنَ رِجْلَيْها يَنْزِعُ ثِيابَهُ، ورَوَوْا في البُرْهانِ رِواياتٍ شَتّى: مِنها ما أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّها قامَتْ إلى صَنَمٍ مُكَلَّلٍ بِالدُّرِّ والياقُوتِ في ناحِيَةِ البَيْتِ فَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ أبْيَضَ بَيْنَها وبَيْنَهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أيُّ شَيْءٍ تَصْنَعِينَ؟
فَقالَتْ: أسْتَحِي مِن إلَهِي أنْ يَرانِي عَلى هَذِهِ السَّوْأةِ، فَقالَ: تَسْتَحِينَ مِن صَنَمٍ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ ولا أسْتَحْيِ أنا مِن إلَهِي الَّذِي هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ؟!
ثُمَّ قالَ: لا تَنالِيها مِنِّي أبَدًا وهو البُرْهانُ الَّذِي رَأى، ومِنها ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى صَدْرِهِ، ومِنها ما أخْرَجَهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ عاضًّا عَلى إصْبَعَيْهِ وهو يَقُولُ: يا يُوسُفُ أتَهِمُّ بِعَمَلِ السُّفَهاءِ وأنْتَ مَكْتُوبٌ مِنَ الأنْبِياءِ، ومِنها ما أخْرَجَهُ عَنِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ قالَ: نُودِيَ يا ابْنَ يَعْقُوبَ لا تَكُونَنَّ كالطَّيْرِ لَهُ رِيشٌ فَإذا زَنى قَعَدَ لَيْسَ لَهُ رِيشٌ فَلَمْ يَعْرِضْ لِلنِّداءِ وقَعَدَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَرَأى وجْهَ يَعْقُوبَ عاضًّا عَلى إصْبَعِهِ فَقامَ مَرْعُوبًا اسْتِحْياءً مِن أبِيهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وتَعَقَّبَ الإمامُ الرّازِيُّ ما ذُكِرَ بِأنَّ هَذِهِ المَعْصِيَةَ الَّتِي نَسَبُوها إلى يُوسُفَ -وحاشاهُ- مِن أقْبَحِ المَعاصِي وأنْكَرِها، ومِثْلُها لَوْ نُسِبَ إلى أفْسَقِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى وأبْعَدِهِمْ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ لاسْتَنْكَفَ مِنهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إسْنادُهُ إلى هَذا الصِّدِّيقِ الكَرِيمِ؟
وأيْضًا إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ شَهِدَ بِكَوْنِ ماهِيَّةِ السُّوءِ وماهِيَّةِ الفَحْشاءِ مَصْرُوفَتَيْنِ عَنْهُ، ومَعَ هَذِهِ الشَّهادَةِ كَيْفَ يُقْبَلُ القَوْلُ بِنِسْبَةِ أعْظَمِ السُّوءِ والفَحْشاءِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأيْضًا إنَّ هَذا الهَمَّ القَبِيحَ لَوْ كانَ واقِعًا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما زَعَمُوا وكانَتِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لَهُ لَكانَ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ ﴾ خارِجًا عَنِ الحِكْمَةِ لِأنّا لَوْ سَلَّمْنا أنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ المَعْصِيَةِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَدُلَّ عَلى المَدْحِ العَظِيمِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَحْكِيَ إقْدامَهُ عَلى مَعْصِيَةٍ عَظِيمَةٍ ثُمَّ إنَّهُ يَمْدَحُهُ ويُثْنِي عَلَيْهِ بِأعْظَمِ المَدائِحِ والأثْنِيَةِ، وأيْضًا إنَّ الأكابِرَ كالأنْبِياءِ مَتى صَدَرَتْ عَنْهم زَلَّةٌ أوْ هَفْوَةٌ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ وأتْبَعُوهُ بِإظْهارِ النَّدامَةِ والتَّوْبَةِ والتَّخَضُّعِ والتَّنَصُّلِ فَلَوْ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أقْدَمَ عَلى هَذِهِ الفاحِشَةِ المُنْكَرَةِ لَكانَ مِنَ المُحالِ أنْ لا يُتْبِعَها بِذَلِكَ، ولَوْ كانَ قَدْ أتْبَعَها لَحُكِيَ، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ عِلْمُنا أنَّهُ ما صَدَرَ عَنْهُ في هَذِهِ الواقِعَةِ ذَنْبٌ أصْلًا، وأيْضًا جَمِيعُ مَن لَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذِهِ الواقِعَةِ قَدْ أفْصَحَ بِبَراءَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ المَعْصِيَةِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، ومَن نَظَرَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ ﴾ رَآهُ أفْصَحَ شاهِدٍ عَلى بَراءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن ضَمَّ إلَيْهِ قَوْلَ إبْلِيسَ: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ وجَدَ إبْلِيسَ مُقِرًّا بِأنَّهُ لَمْ يُغْوِهِ ولَمْ يُضِلَّهُ عَنْ سَبِيلِ الهُدى كَيْفَ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى المُخْلَصِينَ بِشَهادَةِ اللَّهِ تَعالى، وقَدِ اسْتَثْناهم مِن عُمُومِ ﴿ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ).
﴾ وعِنْدَ هَذا يُقالُ لِلْجَهَلَةِ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تِلْكَ الفَعْلَةَ الشَّنِيعَةَ: إنْ كانُوا مِن أتْباعِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَلْيَقْبَلُوا شَهادَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى طَهارَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْ كانُوا مِن أتْباعِ إبْلِيسَ فَلْيَقْبَلُوا شَهادَتَهُ، ولَعَلَّهم يَقُولُونَ كُنّا في أوَّلِ الأمْرِ مِن تَلامِذَتِهِ إلى أنْ تَخَرَّجْنا فَزِدْنا عَلَيْهِ في السَّفاهَةِ كَما قالَ الحَرِيرِيُّ: وكُنْتُ امْرَءًا مِن جُنْدِ إبْلِيسَ فانْتَهى بِيَ الحالُ حَتّى صارَ إبْلِيسُ مِن جُنْدِي فَلَوْ ماتَ قَبْلِي كُنْتُ أُحْسِنُ بَعْدَهُ ∗∗∗ طَرائِقَ فِسْقٍ لَيْسَ يُحْسِنُها بَعْدِي ومَن أمْعَنَ النَّظَرَ في الحُجَجِ وأنْصَفَ جَزَمَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ في يَدِ الواحِدِي ومَن وافَقَهُ إلّا مُجَرَّدُ التَّصَلُّفِ وتَعْدِيدُ أسْماءِ المُفَسِّرِينَ ولَمْ يَجِدْ مَعَهم شُبْهَةً في دَعْواهُمُ المُخالِفَةِ لِما شَهِدَ لَهُ الآياتُ البَيِّناتُ سِوى رِواياتٍ واهِياتٍ.
وقَدْ ذَكَرَ الطِّيبِيُّ طَيَّبَ اللَّهُ تَعالى ثَراهُ بَعْدَ أنْ نَقَلَ ما حَكاهُ مُحْيِي السُّنَّةِ عَنْ بَعْضِ أهْلِ الحَقائِقِ مِن أنَّ الهَمَّ هَمّانِ: هَمٌّ ثابِتٌ وهو ما كانَ مَعَهُ عَزْمٌ وعَقْدٌ ورِضا مِثْلُ هَمِّ امْرَأةِ العَزِيزِ، وهَمٌّ عارِضٌ وهو الخَطِرَةُ وحَدِيثُ النَّفْسِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ ولا عَزْمٍ مِثْلُ هَمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ هو الَّذِي يَجِبُ أنْ نَذْهَبَ إلَيْهِ ونَتَّخِذَهُ مَذْهَبًا، وإنْ نَقَلَ المُفَسِّرُونَ ما نَقَلُوا لِأنَّ مُتابَعَةَ النَّصِّ القاطِعِ وبَراءَةَ المَعْصُومِ عَنْ تِلْكَ الرَّذِيلَةِ وإحالَةِ التَّقْصِيرِ عَلى الرُّواةِ أوْلى بِالمَصِيرِ إلَيْهِ عَلى أنَّ أساطِينَ النَّقْلِ المُتْقِنِينَ لَمْ يَرْوُوا في ذَلِكَ شَيْئًا مَرْفُوعًا في كُتُبِهِمْ، وجُلَّ تِلْكَ الرِّواياتِ بَلْ كُلُّها مَأْخُوذٌ مِن مَسْألَةِ أهْلِ الكِتابِ اهـ، نَعَمْ قَدْ صَحَّحَ الحاكِمُ بَعْضًا مِنَ الرِّواياتِ الَّتِي اسْتَنَدَ إلَيْها مَن نَسَبَ تِلْكَ الشَّنِيعَةَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَكِنَّ تَصْحِيحَ الحاكِمِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الِاعْتِبارِ عِنْدَ ذَوِي الِاعْتِبارِ.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ بَعْدَ نَقْلِ نُبْذَةٍ مِنها إنْ كُلُّ ذَلِكَ إلّا خُرافاتٍ وأباطِيلَ تَمُجُّها الآذانُ وتَرُدُّها العُقُولُ والأذْهانُ ويْلٌ لِمَن لاكَها ولَفَّقَها أوْ سَمِعَها وصَدَّقَها، ثُمَّ إنَّ الإمامَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ ذَكَرَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَعْدَ أنْ مَنَعَ دَلالَتَها عَلى الهَمِّ ما حاصِلُهُ: إنّا سَلَّمْنا أنَّ الهَمَّ قَدْ حَصَلَ إلّا أنّا نَقُولُ: لا بُدَّ مِن إضْمارِ فِعْلٍ مَخْصُوصٍ يَجْعَلُ مُتَعَلِّقَ الهَمِّ إذِ الذَّواتُ لا تَصْلُحُ لَهُ ولا يَتَعَيَّنُ ما زَعَمُوهُ مِن إيقاعِ الفاحِشَةِ بِها بَلْ نُضْمِرُهُ شَيْئًا آخَرَ يُغايِرُ ما أضْمَرُهُ، فَنَقُولُ: المُرادُ هَمَّ بِدَفْعِها عَنْ نَفْسِهِ ومَنعِها عَنْ ذَلِكَ القَبِيحِ لِأنَّهُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ حالُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ جاءَ هَمَمْتُ بِفُلانٍ أيْ قَصَدْتُهُ ودَفَعْتُهُ ويُضْمِرُ في الأوَّلِ المُخالَطَةَ والتَّمَتُّعَ ونَحْوَ ذَلِكَ لِأنَّهُ اللّائِقُ بِحالِها، فَإنْ قالُوا: لا يَبْقى حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ فائِدَةٌ، قُلْنا: بَلْ فِيهِ أعْظَمُ الفَوائِدِ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ أنَّهُ تَعالى أعْلَمَ يُوسُفَ أنَّهُ لَوْ هَمَّ بِدَفْعِها لَفَعَلَتْ مَعَهُ ما يُوجِبُ هَلاكُهُ فَكانَ في الِامْتِناعِ عَنْ ذَلِكَ صَوْنُ النَّفْسِ عَنِ الهَلاكِ، الثّانِي أنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِدَفْعِها فَلَرُبَّما تَعَلَّقَتْ بِهِ فَكانَ يَتَمَزَّقُ ثَوْبُهُ مِن قُدّامَ، وكانَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّ الشّاهِدَ يَشْهَدُ بِأنَّ ثَوْبَهُ لَوْ كانَ مُتَمَزِّقًا مِن قُدّامَ لَكانَ هو الجانِي، ولَوْ كانَ مُتَمَزِّقًا مِن خَلْفٍ لَكانَتْ هي الجانِيَةُ فَأعْلَمَهُ هَذا المَعْنى فَلا جَرْمَ لَمْ يَشْتَغِلْ بِدَفْعِها وفَّرَ عَنْها حَتّى صارَتِ الشَّهادَةُ حُجَّةً لَهُ عَلى بَراءَتِهِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وإلى تَقْدِيرِ الدَّفْعِ ذَهَبَ بَعْضُ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم فَفي الجَواهِرِ والدُّرَرِ لِلشَّعْرانِيِّ: سَألْتُ شَيْخَنا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها ﴾ ما هَذا الهَمُّ الَّذِي أُبْهِمَ فَقَدْ تَكَلَّمَ النّاسُ فِيهِ بِما لا يَلِيقُ بِرُتَبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؟
فَقالَ: لا أعْلَمُ، قُلْتُ: قَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قَدَّسَ سِرَّهُ أنَّ مُطْلَقَ اللِّسانِ يَدُلُّ عَلى أُحَدِيَّةِ المَعْنى، ولَكِنَّ ذَلِكَ أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ فالحَقُّ أنَّها هَمَّتْ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَقْهَرَهُ عَلى ما أرادَتْهُ مِنهُ، وهَمَّ هو بِها لِيَقْهَرَها في الدَّفْعِ عَمّا أرادَتْهُ مِنهُ، فالِاشْتِراكُ في طَلَبِ القَهْرِ مِنهُ ومِنها والحُكْمُ مُخْتَلِفٌ، ولِهَذا قالَتْ: ﴿ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ وما جاءَ في السُّورَةِ أصْلًا أنَّهُ راوَدَها عَنْ نَفْسِها اهـ، وجَوَّزَ الإمامُ أيْضًا تَفْسِيرَ الهَمِّ بِالشَّهْوَةِ، وذُكِرَ أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في اللُّغَةِ الشّائِعَةِ فَإنَّهُ يَقُولُ القائِلُ فِيما لا يَشْتَهِيهِ: لا يُهِمُّنِي هَذا، وفِيما يَشْتَهِيهِ: هَذا أهَمُّ الأشْياءِ إلَيَّ، وهو ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ حَمَلَ الهَمَّ في المَوْضِعَيْنِ عَلى ذَلِكَ فَقالَ بَعْدُ: فَمَعْنى الآيَةِ ولَقَدِ اشْتَهَتْهُ واشْتَهاها ولَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَفَعَلَ وهو مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ إذْ لا مَحْذُورَ في نِسْبَةِ الهَمِّ المَذْمُومِ إلَيْها، والظّاهِرُ أنَّ الهَمَّ بِهَذا المَعْنى مَجازٌ كَما نَصَّ عَلَيْهِ السَّيِّدُ المُرْتَضِي في دُرَرِهِ لا حَقِيقَةَ كَما يُوهِمُهُ ظاهِرُ كَلامِ الإمامِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا التَّأْوِيلِ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ وغَيْرُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وبِالجُمْلَةِ لا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلى ما شاعَ في الأخْبارِ والعُدُولُ عَمّا ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ الأخْيارُ، وإيّاكَ والهَمَّ بِنِسْبَةِ تِلْكَ الشَّنِيعَةِ إلى ذَلِكَ الجَنابِ بَعْدَ أنْ كَشَفَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ بَصَرِ بَصِيرَتِكَ فَرَأيْتَ بُرْهانَ رَبِّكَ بِلا حِجابٍ ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ ﴾ قِيلَ: خِيانَةُ السَّيِّدِ ﴿ والفَحْشاءَ ﴾ الزِّنا لِأنَّهُ مُفْرَطُ القُبْحِ، وقِيلَ: (السُّوءُ) مُقَدِّماتُ الفَحْشاءِ مِنَ القُبْلَةِ والنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ، وقِيلَ: هو الأمْرُ السَّيِّئُ مُطْلَقًا فَيَدْخُلُ فِيهِ الخِيانَةُ المَذْكُورَةُ وغَيْرُها، والكافُ عَلى ما قِيلَ: في مَحَلِّ نَصْبٍ، والإشارَةُ إلى التَّثْبِيتِ اللّازِمِ لِلْإراءَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّثْبِيتِ ثَبَّتْناهُ ﴿ لِنَصْرِفَ ﴾ إلَخْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الكافَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ جَرَتْ أفْعالُنا وأقْدارُنا ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ)، ﴾ وقَدَّرَ أبُو البَقاءِ نُراعِيهِ كَذَلِكَ، والحَوْفِيُّ أرَيْناهُ البَراهِينَ كَذَلِكَ، وجَوَّزَ الجَمِيعُ كَوْنَهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فَقِيلَ: أيِ الأمْرُ أوْ عِصْمَتُهُ مِثْلُ ذَلِكَ لَكِنْ قالَ الحَوْفِيُّ: إنَّ النَّصْبَ أجْوَدُ لِمُطالَبَةِ حُرُوفِ الجَرِّ لِلْأفْعالِ أوْ مَعانِيها، واخْتارَ في البَحْرِ كَوْنَ الإشارَةِ إلى الرُّؤْيا المَفْهُومَةِ مِن رَأى أوِ الرَّأْيِ المَفْهُومِ، وقَدْ جاءَ مَصْدَرُ الرَّأْيِ كالرُّؤْيَةِ كَما في قَوْلِهِ: ورَأْيُ عَيْنَيِ الفَتى أباكا ∗∗∗ يُعْطِي الجَزِيلَ فَعَلَيْكَ ذاكا والكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْلا أنْ رَأى ﴾ إلَخْ وهو أيْضًا مُتَعَلِّقُ ﴿ لِنَصْرِفَ ﴾ أيْ مِثْلُ الرُّؤْيَةِ أوِ الرَّأْيِ يَرى بَراهِينَنا ﴿ لِنَصْرِفَ ﴾ إلَخْ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ومِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ ما قِيلَ: إنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِهَمَّ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَقْدِيرُهُ ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها كَذَلِكَ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لِنَصْرِفَ عَنْهُ إلَخْ، ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ بِما في النَّظْمِ الجَلِيلِ دُونَ لِنَصْرِفَهُ عَنِ السُّوءِ والفَحْشاءِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى رَدِّ مَن نَسَبَ إلَيْهِ ما نُسِبَ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى.
وقَرَأ الأعْمَشُ -لِيَصْرِفَ- بِياءِ الغَيْبَةِ وإسْنادِ الصَّرْفِ إلى ضَمِيرِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ ﴿ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ، والمُخْلَصُونَ هُمُ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ تَعالى واخْتارَهم لِطاعَتِهِ بِأنْ عَصَمَهم عَمّا هو قادِحٌ فِيها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الحُكْمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مُخْتارٌ لِطاعَتِهِ سُبْحانَهُ، ويُحْتَمَلُ عَلى ما قِيلَ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ جَلَّ وعَلا: ﴿ إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ المُخْلِصِينَ إذا كانَ فِيهِ ألْ حَيْثُ وقَعَ بِكَسْرِ اللّامِ، وهُمُ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى انْتِظامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في سِلْكِ أُولَئِكَ العِبادِ الَّذِينَ هم هم مِن أوَّلِ الأمْرِ لا أنَّهُ حَدَثَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وفي هَذا عِنْدَ ذَوِي الألْبابِ ما يَنْقَطِعُ مَعَهُ عُذْرُ أُولَئِكَ المُتَشَبِّثِينَ بِأذْيالِ هاتَيْكَ الأخْبارِ الَّتِي ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِها مِن كِتابٍ <div class="verse-tafsir"
﴿ واسْتَبَقا البابَ ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها ﴾ إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى: (كَذَلِكَ) إلَخِ..
اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ تَقْرِيرًا لِنَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وأبى هو واسْتَبَقا أيْ تَسابَقا إلى البابِ عَلى مَعْنى قَصَدَ كُلٌّ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وامْرَأةِ العَزِيزِ سَبْقَ الآخَرِ إلَيْهِ فَهو لِيَخْرُجَ وهي لِتَمْنَعَهُ مِنَ الخُرُوجِ؛ وقِيلَ: المُرادُ مِنَ السَّبْقِ في جانِبِها الإسْراعُ إثْرَهُ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ، ووَحَّدَ البابَ هُنا مَعَ جَمْعِهِ أوَّلًا لِأنَّ المُرادَ البابُ البَرّانِيُّ الَّذِي هو المَخْلَصُ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ كَيْفَ يَسْتَبِقانِ إلَيْهِ ودُونَهُ أبْوابٌ جَوّانِيَّةٌ بِناءً عَلى ما ذَكَرُوا مِن أنَّ الأبْوابَ كانَتْ سَبْعَةً.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أنَّ أقْفالَ هاتَيْكَ الأبْوابِ كانَتْ تَتَناثَرُ إذا قَرُبَ إلَيْها يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَتَفَتَّحُ لَهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأبْوابُ المُغْلَقَةُ عَلى التَّرْتِيبِ بابًا فَبابًا بَلْ كانَتْ في جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلُّها مَنافِذُ لِلْمَكانِ الَّذِي كانا فِيهِ، فاسْتَبِقا إلى بابٍ يَخْرُجُ مِنهُ، ونُصِبَ البابُ عَلى الِاتِّساعِ لِأنَّ أصْلَ اسْتَبَقَ أنْ يَتَعَدّى بِإلى لَكِنْ جاءَ كَذَلِكَ عَلى حَدِّ ﴿ وإذا كالُوهُمْ)، ﴾ ﴿ واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا)، ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ ضَمَّنَ الِاسْتِباقَ مَعْنى الِابْتِداءِ فَعُدِّيَ تَعْدِيَتَهُ ﴿ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (اسْتَبَقا)، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ كَما قالَ أبُو حَيّانَ، أيْ وقَدْ قَدَّتْ، والقَدُّ القَطْعُ والشَّقُّ وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ فِيما كانَ طُولًا وهو المُرادُ هُنا بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّها جَذَبَتْهُ مِن وراءٍ فانْخَرَقَ القَمِيصُ إلى أسْفَلِهِ، ويُسْتَعْمَلُ القَطُّ فِيما كانَ عَرْضًا، وعَلى هَذا جاءَ ما قِيلَ في وصْفِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّهُ كانَ إذا اعْتَلى قَدَّ وإذا اَعْتُرِضَ قَطَّ، وقِيلَ: القَدُّ هَنا مُطْلَقُ الشَّقِّ، ويُؤَيِّدُهُ ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ قَرَأتْ فِرْقَةٌ -وقُطَّ- وقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ في مُصْحَفِ المُفَضَّلِ بْنِ حَرْبٍ.
وعَنْ يَعْقُوبَ تَخْصِيصُ القَدِّ بِما كانَ في الجِلْدِ والثَّوْبِ الصَّحِيحَيْنِ، والقَمِيصُ مَعْرُوفٌ، وجَمْعُهُ أقْمِصَةٌ وقُمُصٌ وقُمْصانٌ، وإسْنادُ القَدِّ بِأيِّ مَعْنًى كانَ إلَيْها خاصَّةً مَعَ أنَّ لِقُوَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا دَخْلًا فِيهِ إمّا لِأنَّها الجُزْءُ الأخِيرُ لِلْعِلَّةِ التّامَّةِ، وإمّا لِلْإيذانِ بِمُبالَغَتِها في مَنعِهِ عَنِ الخُرُوجِ وبَذْلِ مَجْهُودِها في ذَلِكَ لِفَوْتِ المَحْبُوبِ أوْ لِخَوْفِ الِافْتِضاحِ ﴿ وألْفَيا ﴾ أيْ وجَدا، وبِذَلِكَ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ﴿ سَيِّدَها ﴾ أيْ زَوْجَها وهو فَيْعَلٌ مِن سادَ يَسُودُ، وشاعَ إطْلاقُهُ عَلى المالِكِ وعَلى الرَّئِيسِ، وكانَتِ المَرْأةُ إذْ ذاكَ عَلى ما قِيلَ: تَقُولُ لِزَوْجِها سَيِّدِي، ولِذا لَمْ يَقُلْ سَيِّدُهُما، وفي البَحْرِ إنَّما لَمْ يُضِفْ إلَيْهِما لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مالِكًا لِيُوسُفَ حَقِيقَةً لِحُرِّيَّتِهِ ﴿ لَدى البابِ ﴾ أيْ عِنْدِ البابِ البَرّانِيِّ، قِيلَ: وجَداهُ يُرِيدُ أنْ يَدْخُلَ مَعَ ابْنِ عَمٍّ لَها ﴿ قالَتْ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: فَماذا كانَ حِينَ ألْفَيا السَّيِّدَ عِنْدَ البابِ؟
فَقِيلَ: قالَتْ: ﴿ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا ﴾ مِنَ الزِّنا ونَحْوِهِ.
﴿ إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ الظّاهِرُ أنَّ (ما) نافِيَةٌ، و(جَزاءُ) مُبْتَدَأٌ، و(مَن) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ مُضافٌ إلَيْهِ، والمَصْدَرُ المُؤَوَّلُ خَبَرٌ، و(أوْ) لِلتَّنْوِيعِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ وما بَعْدُ مَعْطُوفٌ عَلى ذَلِكَ المَصْدَرِ، أيْ لَيْسَ جَزاؤُهُ إلّا السَّجْنَ أوِ العَذابَ الألِيمَ، والمُرادُ بِهِ عَلى ما قِيلَ: الضَّرْبُ بِالسَّوْطِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ القَيْدُ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامِيَّةً -فَجَزاءُ- مُبْتَدَأٌ أوْ خَبَرٌ أيْ أيُّ شَيْءٍ جَزاؤُهُ غَيْرَ ذَلِكَ أوْ ذَلِكَ، ولَقَدْ أتَتْ في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي يَدْهَشُ فِيها الفَطِنُ اللَّوْذَعِيُّ حَيْثُ شاهَدَها زَوْجُها عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ بِحِيلَةٍ جَمَعَتْ فِيها غَرَضَيْها وهُما تَبْرِئَةُ ساحَتِها مِمّا يَلُوحُ مِن ظاهِرِ الحالِ، واسْتِنْزالُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ رَأْيِهِ في اسْتِعْصائِهِ عَلَيْها وعَدَمِ مُواتاتِهِ لَها عَلى مُرادِها بِإلْقاءِ الرُّعْبِ في قَلْبِهِ مِن مَكْرِها طَمَعًا في مُواقَعَتِهِ لَها مُكْرَهًا عِنْدَ يَأْسِها عَنْ ذَلِكَ مُخْتارًا كَما قالَتْ: ﴿ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ ﴾ ثُمَّ إنَّها جَعَلَتْ صُدُورَ الإرادَةِ المَذْكُورَةِ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرًا مُحَقَّقًا مَفْرُوغًا عَنْهُ غَنِيًّا عَنِ الإخْبارِ بِوُقُوعِهِ، وإنَّ ما هي عَلَيْهِ مِنَ الأفاعِيلِ لِأجْلِ تَحْقِيقِ جَزائِها، ولَمْ تُصَرِّحْ بِالِاسْمِ بَلْ أتَتْ بِلَفْظٍ عامٍّ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ ومُبالَغَةً في التَّخْوِيفِ كَأنَّ ذَلِكَ قانُونٌ مُطَّرِدٌ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ كائِنًا مَن كانَ، وذَكَّرَتْ نَفْسَها بِعُنْوانِ أهْلِيَّةِ العَزِيزِ إعْظامًا لِلْخَطْبِ وإغْراءً لَهُ عَلى تَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ بِحُكْمِ الغَضَبِ والحَمِيَّةِ كَذا قَرَّرَهُ غَيْرُ واحِدٍ.
وذَكَرَ الإمامُ في تَفْسِيرِهِ ما فِيهِ نَوْعُ مُخالَفَةٍ لِذَلِكَ حَيْثُ قالَ: إنَّ في الآيَةِ لَطائِفَ: أحَدُها أنَّ حُبَّها الشَّدِيدَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَمَلَها عَلى رِعايَةِ دَقِيقَتَيْنِ في هَذا المَوْضِعِ وذَلِكَ لِأنَّها بَدَأتْ بِذِكْرِ السَّجْنِ وأخَّرَتْ ذِكْرَ العَذابِ لِأنَّ المُحِبَّ لا يَسْعى في إيلامِ المَحْبُوبِ، وأيْضًا إنَّها لَمْ تَذْكُرْ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَجِبُ أنْ يُقابَلَ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ بَلْ ذَكَرَتْ ذَلِكَ ذِكْرًا كُلِّيًّا صَوْنًا لِلْمَحْبُوبِ عَنِ الذِّكْرِ بِالشَّرِّ والألَمِ، وأيْضًا قالَتْ: ﴿ إلا أنْ يُسْجَنَ ﴾ والمُرادُ مِنهُ أنْ يُسْجَنَ يَوْمًا، أوْ أقَلَّ عَلى سَبِيلِ التَّخْفِيفِ، فَأمّا الحَبْسُ الدّائِمُ فَإنَّهُ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ بَلْ يُقالُ: يَجِبُ أنْ يُجْعَلَ مِنَ المَسْجُونِينَ، ألا تَرى أنَّ فِرْعَوْنَ كَيْفَ قالَ حِينَ هَدَّدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ ﴾ .
وثانِيها أنَّها لَمّا شاهَدَتْ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ اسْتَعْصَمَ مِنها مَعَ أنَّهُ كانَ في عُنْفُوانِ الشَّبابِ وكَمالِ القُوَّةِ ونِهايَةِ الشَّهْوَةِ عَظُمَ اعْتِقادُها في طَهارَتِهِ ونَزاهَتِهِ فاسْتَحْيَتْ أنْ تَقُولَ: إنَّ يُوسُفَ قَصَدَنِي بِسُوءٍ وما وجَدَتْ مِن نَفْسِها أنْ تَرْمِيَهُ بِهَذا الكَذِبِ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ بَلِ اكْتَفَتْ بِهَذا التَّعْرِيضِ، ولَيْتَ الحَشْوِيَّةَ كانُوا يَكْتَفُونَ بِمِثْلِ ما اكْتَفَتْ بِهِ، ولَكِنَّهم لَمْ يَفْعَلُوهُ ووَصَفُوهُ بَعْدَ قَرِيبٍ مِن أرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ بِما وصَفُوهُ مِنَ القَبِيحِ وحاشاهُ.
وثالِثُها أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَضْرِبَها ويَدْفَعَها عَنْ نَفْسِهِ وكانَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها جارِيًا مَجْرى السُّوءِ فَقَوْلُها ﴿ ما جَزاءُ ﴾ إلَخْ، جارٍ مَجْرى التَّعْرِيضِ فَلَعَلَّها بِقَلْبِها كانَتْ تُرِيدُ إقْدامَهُ عَلى دَفْعِها ومَنعِها، وفي ظاهِرِ الأمْرِ كانَتْ تُوهِمُ أنَّهُ قَصَدَنِي بِما لا يَنْبَغِي انْتَهى المُرادُ مِنهُ، وفِيهِ مِنَ الأنْظارِ ما فِيهِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوْ عَذابًا ألِيمًا بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ كَما قالَ الكِسائِيُّ: أيْ أوْ يُعَذَّبُ عَذابًا ألِيمًا إلّا أنَّهُ حُذِفَ ذَلِكَ لِظُهُورِهِ، وهَذِهِ القِراءَةُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ يُسْجَنَ ﴾ ولَمْ يَظْهَرْ لِي سِرُّ اخْتِلافِ التَّعْبِيرِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ فَتَدَبَّرْ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ وجَوابٌ عَمّا يُقالُ: فَماذا قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ؟
فَقِيلَ: قالَ: ﴿ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ أيْ طالَبَتْنِي لِلْمُواتاةِ لا أنِّي أرَدْتُ بِها سُوءًا كَما زَعَمَتْ وإنَّما قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ عَنِ التُّهْمَةِ ودَفْعِ الضَّرَرِ عَنْها لا لِتَفْضِيحِها.
وفِي التَّعْبِيرِ عَنْها بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ دُونَ الخِطابِ أوِ اسْمِ الإشارَةِ مُراعاةٌ لِحُسْنِ الأدَبِ مَعَ الإيماءِ إلى الإعْراضِ عَنْها كَذا قالُوا، وفي هَذا الضَّمِيرِ ونَحْوِهِ كَلامٌ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ في بَعْضِ حَواشِيهِ عَلى قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في ألْفِيَّتِهِ: فَما لِذِي غَيْبَةٍ أوْ حُضُورٍ إلَخْ لِيُنْظُرْ إلى نَحْوِ ﴿ هِيَ راوَدَتْنِي ﴾ فَإنَّ هي ضَمِيرٌ بِاتِّفاقٍ، ولَيْسَ هو لِلْغائِبِ بَلْ لِمَن بِالحَضْرَةِ، وكَذا ﴿ يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ وهَذا في المُتَّصِلِ وذاكَ في المُنْفَصِلِ، وقَوْلُ مَن يُخاطِبُ شَخْصًا في شَأْنٍ آخَرَ حاضِرٍ مَعَهُ قُلْتُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ تَعالى وأمَرْتُهُ بِفِعْلِ الخَيْرِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ نَزَلَ الضَّمِيرُ فِيهِنَّ مَنزِلَةَ الغائِبِ وكَذا في عَكْسِ ذَلِكَ يَبْلُغُكَ عَنْ شَخْصٍ غائِبٍ شَيْءٌ فَنَقُولُ: ويْحَكَ يا فُلانُ أتَفْعَلُ كَذا؟
تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ مَن بِالحَضْرَةِ، وحِينَئِذٍ يُقالُ: الحَدُّ المُسْتَفادُ مِمّا ذُكِرَ إنَّما هو لِلضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ وضْعِهِ اهـ.
وقالَ السِّراجُ البَلْقِينِيُّ في رِسالَتِهِ المُسَمّاةِ نَشْرَ العَبِيرِ لِطَيِّ الضَّمِيرِ المُفَسِّرِ لِضَمِيرِ الغائِبِ إمّا مُصَرَّحٌ بِهِ أوْ مُسْتَثْنًى بِحُضُورِ مَدْلُولِهِ حِسًّا أوْ عِلْمًا، فالحِسُّ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هِيَ راوَدَتْنِي ﴾ و ﴿ يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ كَما ذَكَرَهُ ابْنُ مالِكٍ، وتَعَقَّبَهُ شَيْخُنا أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ كَما مَثَّلَ بِهِ لِأنَّ هَذَيْنِ الضَّمِيرَيْنِ عائِدانِ عَلى ما قَبْلَهُما فَضَمِيرُ ﴿ هِيَ راوَدَتْنِي ﴾ عائِدٌ عَلى الأهْلِ في قَوْلِها: ﴿ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا ﴾ ولِما كَنَّتْ عَنْ نَفْسِها بِذَلِكَ ولَمْ تَقُلْ بِي بَدَلُ (بِأهْلِكَ) كَنّى هو عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْها بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿ هِيَ راوَدَتْنِي ﴾ ولَمْ يُخاطِبْها بِأنْتِ راوَدْتِينِي، ولا أشارَ إلَيْها بِهَذِهِ راوَدَتْنِي وكُلُّ هَذا عَلى سَبِيلِ الأدَبِ في الألْفاظِ والِاسْتِحْياءِ في الخِطابِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَأبْرَزُ الِاسْمِ في صُورَةِ ضَمِيرِ الغائِبِ تَأدُّبًا مَعَ العَزِيزِ وحَياءً مِنهُ، وضَمِيرُ ﴿ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى فَمُفَسِّرُهُ مُصَرَّحٌ بِلَفْظِهِ، وكَأنَّ ابْنَ مالِكٍ تَخَيَّلَ أنَّ هَذا مَوْضِعُ إشارَةٍ لِكَوْنِ صاحِبِ الضَّمِيرِ حاضِرًا عِنْدَ المُخاطَبِ فاعْتَقَدَ أنَّ المُفَسِّرَ يُسْتَغْنى عَنْهُ بِحُضُورِ مَدْلُولِهِ حِسًّا فَجَرى الضَّمِيرُ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ، والتَّحْقِيقُ ما ذَكَرْناهُ هَذا كَلامُهُ.
وعِنْدِي أنَّ الَّذِي قالَهُ ابْنُ مالِكٍ أرْجَحُ مِمّا قالَهُ الشَّيْخُ، وذَلِكَ أنَّ الِاثْنَيْنِ إذا وقَعَتْ بَيْنَهُما خُصُومَةٌ عِنْدَ حاكِمٍ فَيَقُولُ المُدَّعِي لِلْحاكِمِ: لِي عَلى هَذا كَذا: فَيَقُولُ المُدَّعى عَلَيْهِ: هو يَعْلَمُ أنَّهُ لا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ، فالضَّمِيرُ في هو إنَّما هُوَ لِحُضُورِ مَدْلُولِهِ حِسًّا لا لِقَوْلِهِ: لِي كَما هو المُتَبادَرُ إلى الأفْهامِ، وأيْضًا يَرِدُ عَلى ما ذَكَرَهُ في ضَمِيرِ ﴿ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ عِنْدَ حُضُورِهِ مَعَ بِنْتِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ قالَتْ: ﴿ يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ وقَصَدَها بِالضَّمِيرِ الرَّجُلُ الحاضِرُ الَّذِي بانَ لَها مِن قُوَّتِهِ وأمانَتِهِ الأمْرُ العَظِيمُ، ثُمَّ إنَّ مَن خاصَمَ زَوْجَتَهُ فَقالَ لِلْحاضِرِينَ مِن أهْلِها أوْ مِن غَيْرِهِمْ: هي طالِقٌ تُطَلَّقُ زَوْجَتُهُ لِوُجُودِ ما قَرَّرَهُ ابْنُ مالِكٍ، ولا يَتَمَشّى عَلى ما قَرَّرَهُ الشَّيْخُ كَما لا يَخْفى، وبِالجُمْلَةِ إنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ في الآيَتَيْنِ وإنْ سَلِمَ فِيهِما لَكِنْ لا يَكادُ يَتَمَشّى مَعَهُ في غَيْرِهِما هَذا فَلْيُفْهَمْ ﴿ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها ﴾ ذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهُ كانَ ابْنُ خالِها، وكانَ طِفْلًا في المَهْدِ أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِبَراءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَدْ ورَدَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «تَكَلَّمَ أرْبَعَةٌ في المَهْدِ وهم صِغارٌ: ابْنُ ماشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، وشاهِدُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ”،» وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ بِقَوْلِهِ: يَرُدُّهُ دَلالَةُ الحَصْرِ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ“أنَّ النَّبِيَّ قالَ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ: عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ وصَبِيٌّ كانَ يَرْضَعُ مِن أُمِّهِ فَمَرَّ راكِبٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ فَقالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذا فَتَرَكَ الصَّبِيُّ الثَّدْيَ وقالَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ”».
اهـ، ورَدَّهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ فَقالَ: هَذا مِنهُ عَلى جارِي عادَتِهِ مِن عَدَمِ الِاطِّلاعِ عَلى طُرُقِ الأحادِيثِ، والحَدِيثُ المُتَقَدِّمُ صَحِيحٌ أخْرَجَهُ أحْمَدُ في مَسْنَدِهِ، وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ، والحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ الحاكِمُ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وقالَ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وفي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ المُشارِ إلَيْهِ آنِفًا زِيادَةٌ عَلى الأرْبَعَةِ: «“الصَّبِيُّ الَّذِي كانَ يَرْضَعُ مِن أُمِّهِ فَمَرَّ راكِبٌ» إلَخْ فَصارُوا خَمْسَةً وهم أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ تَكَلَّمَ الطِّفْلُ في قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وقَدْ جَمَعْتُ مَن تَكَلَّمَ في المَهْدِ فَبَلَغُوا أحَدَ عَشَرَ، ونَظَمْتُها فَقُلْتُ: تَكَلَّمَ في المَهْدِ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ ∗∗∗ ويَحْيى وعِيسى والخَلِيلُ ومَرْيَمُ ومَبْرِيُّ جُرَيْجٍ ثُمَّ شاهِدُ يُوسُفَ ∗∗∗ وطِفْلٌ لِذِي الأُخْدُودِ يَرْوِيهِ مُسْلِمُ وطِفْلٌ عَلَيْهِ مَرَّ بِالأُمَّةِ الَّتِي ∗∗∗ يُقالُ لَها تَزْنِي ولا تَتَكَلَّمُ وماشِطَةٌ في عَهْدِ فِرْعَوْنَ طِفْلُها ∗∗∗ وفي زَمَنِ الهادِي المُبارَكِ يُخْتَمُ اهـ، وفِيهِ أنَّهُ لَمْ يَرُدَّ الطِّيبِيُّ الطَّعْنَ عَلى الحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَ كَما تَوَهَّمَ، وإنَّما أرادَ أنَّ بَيْنَ الحَدِيثِ الدّالِّ عَلى الخَصْرِ وغَيْرِهِ تَعارُضًا يَحْتاجُ إلى التَّوْفِيقِ؛ وفي الكَشْفِ بَعْدَ ذِكْرِهِ حَدِيثُ الأرْبَعَةِ، وما تَعَقَّبَ بِهِ مِمّا تَقَدَّمَ عَنِ الطِّيبِيِّ أنَّهُ نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ البُرُوجِ خامِسًا فَإنْ ثَبَتَتْ هَذِهِ أيْضًا فالوَجْهُ أنْ يُجْعَلَ في المَهْدِ قَيْدًا وتَأْكِيدًا لِكَوْنِهِ في مَبادِي الصِّبا، وفي هَذِهِ الرِّوايَةِ يُحْمَلُ عَلى الإطْلاقِ أيْ سَواءٌ كانَ في المَبادِي أوْ بِعِيدَها بِحَيْثُ يَكُونُ تَكَلُّمُهُ مِنَ الخَوارِقِ، ولا يَخْفى أنَّهُ تَوْفِيقٌ بَعِيدٌ.
وقِيلَ: كانَ ابْنُ عَمِّها الَّذِي كانَ مَعَ زَوْجِها لَدى البابِ وكانَ رَجُلًا ذا لِحْيَةٍ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلُ قَتادَةَ: إنَّهُ كانَ رَجُلًا حَكِيمًا مِن أهْلِها ذا رَأْيٍ يَأْخُذُ المَلِكُ بِرَأْيِهِ ويَسْتَشِيرُهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ بَعْضُ أهْلِها وكانَ مَعَهُما في الدّارِ بِحَيْثُ لَمْ يَشْعُرا بِهِ فَبَصَرَ بِما جَرى بَيْنَهُما فَأغْضَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِيُوسُفَ فَقالَ الحَقَّ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الشّاهِدَ هو القَمِيصُ المَقْدُودُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وجَعَلَ اللَّهُ تَعالى الشّاهِدَ مِن أهْلِها قِيلَ: لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْفى لِلتُّهْمَةِ وألْزَمَ لَها، وخَصَّ هَذا بِما إذا لَمْ يَكُنِ الشّاهِدُ الطِّفْلَ الَّذِي أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وأمّا إذا كانَ ذَلِكَ فَذَكَرَ كَوْنَهُ مِن أهْلِها لِبَيانِ الواقِعِ فَإنَّ شَهادَةَ الصَّبِيِّ حُجَّةٌ قاطِعَةٌ ولا فَرْقَ فِيها بَيْنَ الأقارِبِ وغَيْرِهِمْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَوْنَ شَهادَةِ القَرِيبِ مُطْلَقًا أقْوى مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَشُكَّ فِيهِ، وسُمِّيَ شاهِدًا لِأنَّهُ أدّى تَأْدِيَتَهُ في أنْ ثَبَتَ بِكَلامِهِ قَوْلُ يُوسُفَ وبَطَلَ قَوْلُها، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ دَلَّ عَلى الشّاهِدِ وهو تَخْرِيقُ القَمِيصِ، وفَسَّرَ مُجاهِدٌ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ الشَّهادَةَ بِالحُكْمِ أيْ وحَكَمَ حاكِمٌ مِن أهْلِها <div class="verse-tafsir"
﴿ إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ ﴾ أيْ مِن قُدّامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ مِن قُدّامِ القَمِيصِ؛ و(إنْ) شَرْطِيَّةٌ، و(كانَ) فِعْلُ الشَّرْطِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَصَدَقَتْ ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ وهو بِتَقْدِيرِ قَدْ، وإلّا فالفاءُ لا تَدْخُلُ في مِثْلِهِ، وعَنِ ابْنِ خَرُوفٍ أنَّ مِثْلَ هَذا عَلى إضْمارِ المُبْتَدَأِ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ لا الماضِي وحْدَهُ، وفي الكَشّافِ إنِ الشَّرْطِيَّةُ هَنا نَظِيرُ قَوْلِكَ: إنْ أحْسَنْتَ إلَيَّ فَقَدْ أحْسَنْتُ إلَيْكَ مِن قَبْلُ لِمَن يَمْتَنُّ عَلَيْكَ بِإحْسانِهِ فَإنَّهُ عَلى مَعْنى إنْ تَمْتَنَّ عَلَيَّ أمْتَنَّ عَلَيْكَ، وكَذا هُنا المُرادُ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ ونَحْوَهُ وإلّا فَبَيَّنَ أنَّ الَّذِي لِلِاسْتِقْبالِ و(كانَ) تُنافِ قِيلَ: وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ مِن أنَّ (كانَ) قَوِيَّةٌ في الدَّلالَةِ عَلى الزَّمانِ فَحَرْفُ الشَّرْطِ لا يَقْلِبُ ماضِيها مُسْتَقْبَلًا وإلّا فَكُلُّ ماضٍ دَخَلَ عَلَيْهِ الشَّرْطُ قَلَبَهُ مُسْتَقْبَلًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّأْوِيلِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ هَهُنا وجَعَلَ حُدُوثَ العِلْمِ ونَحْوِهِ جُزْأيِ الشَّرْطِيَّةِ كَأنْ يُقالَ: إنْ يَعْلَمْ أوْ يَظْهَرْ كَوْنُهُ كَذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ الصِّدْقُ، ويُقالُ نَظِيرُهُ في الشَّرْطِيَّةِ الأُخْرى الآتِيَةِ: وإنْ كانَتْ (كانَ) مِمّا يَقْلِبُ حَرْفُ الشَّرْطِ ماضِيَها مُسْتَقْبَلًا كَسائِرِ الأفْعالِ الماضِيَةِ لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى تَعْلِيقِ الصِّدْقِ أوِ الكَذِبِ في المُسْتَقْبَلِ عَلى كَوْنِ القَمِيصِ كَذا أوْ كَذا كَذَلِكَ بَلْ عَلى تَعْلِيقِ ظُهُورِ أحَدِ الأمْرَيْنِ الصِّدْقِ والكَذِبِ عَلى حُدُوثِ العِلْمِ بِكَوْنِهِ كَذَلِكَ وهو ظاهِرٌ، وهَلْ هَذا التَّأْوِيلُ مِن بابِ التَّقْدِيرِ، أوْ مِن غَيْرِهِ؟
فِيهِ خِلافٌ، والَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ بَعْضِ المُدَقِّقِينَ أنَّهُ يَنْزِلُ في مِثْلِ ذَلِكَ العِلْمِ بِالشَّيْءِ مَنزِلَةَ اسْتِقْبالِهِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّلازُمِ كَما قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ يَخْفى؟
فَقِيلَ: ما لا يَكُونُ فَلْيُفْهَمْ، ثُمَّ إنَّ مُتَعَلِّقَ الصِّدْقِ ما دَلَّ كَلامُها عَلَيْهِ مِن أنَّ يُوسُفَ أرادَ بِها سُوءًا وهو مُتَعَلِّقُ الكَذِبِ المُسْنَدِ إلَيْها فِيما بَعْدُ، وهُما كَما يَتَعَلَّقانِ بِالنِّسْبَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها الكَلامُ بِاعْتِبارِ مَنطُوقِهِ يَتَعَلَّقانِ بِالنِّسْبَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها بِاعْتِبارِ ما يَسْتَلْزِمُهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ ﴾ في دَعْواها أنَّ يُوسُفَ أرادَ بِها سُوءًا ﴿ وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ ﴾ في دَعْواهُ أنَّها راوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ ﴿ وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ ﴾ أيْ مِن خَلْفِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ خَلْفِ القَمِيصِ (فَكَذَبَتْ) في دَعْواها ﴿ وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ في دَعْواهُ، والشَّرْطِيَّتانِ مَحْكِيَّتانِ: إمّا بِقَوْلٍ مُضْمَرٍ أيْ شَهِدَ قائِلًا أوْ فَقالَ (إنْ كانَ) إلَخْ كَما هو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وإمّا يَشْهَدُ لِأنَّ الشَّهادَةَ قَوْلٌ مِنَ الأقْوالِ فَجازَ أنْ تَعْمَلَ في الجُمَلِ كَما هو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ في الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ لِيَدُلَّ عَلى الِاسْتِقْلالِ مَعَ رِعايَةِ زِيادَةِ الإيضاحِ، وجُمْلَتا -وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ، وهو مِنَ الصّادِقِينَ- مُؤَكِّدَتانِ لِأنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَصَدَقَتْ ﴾ يَعْلَمُ كَذِبَهُ، ومِن قَوْلِهِ: ﴿ فَكَذَبَتْ ﴾ يَعْلَمُ صِدْقَهُ ووَجْهُ دَلالَةِ قَدِّ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ عَلى كَذِبِها أنَّها تَبِعَتْهُ وجَذَبَتْ ثَوْبَهُ فَقَدَّتْهُ، وأمّا دَلالَةُ قَدِّهِ مِن قُبُلٍ عَلى صِدْقِها فَمِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ إذا كانَ تابَعَها وهي دافَعَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن قُدّامٍ بِالدَّفْعِ، وثانِيهُما أنْ يُسْرِعَ إلَيْها لِيَلْحَقَها فَيَتَعَثَّرُ في مَقامِ قَمِيصِهِ فَيَشُقُّهُ كَذا في الكَشّافِ، وتَعَقَّبَ ابْنُ المُنِيرِ الوَجْهَ الأوَّلَ بِأنَّ ما قَرَّرَ في اتِّباعِهِ لَها يَحْتَمِلُ مِثْلَهُ في اتِّباعِها لَهُ فَإنَّها إنَّما تَقُدُّ قَمِيصَهُ مِن قُبُلٍ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ بِها حَتّى صارا مُتَقابِلَيْنِ فَدَفَعَتْهُ عَنْ نَفْسِها، وهَذا بِعَيْنِهِ يَحْتَمِلُ إذا كانَتْ هي التّابِعَةَ بِأنْ تَكُونَ اجْتَذَبَتْهُ حَتّى صارا مُتَقابِلَيْنِ ثُمَّ جَذَبَتْ قَمِيصَهُ إلَيْها مِن قُبُلٍ بَلْ هَذا أظْهَرُ لِأنَّ المُوجَبَ لِقَدِّ القَمِيصِ غالِبًا الجَذْبُ لا الدَّفْعُ، والوَجْهُ الثّانِي بِأنَّ ما ذُكِرَ بِعَيْنِهِ مُحْتَمَلٌ لَوْ كانَتْ هي التّابِعَةَ وهو فارٌّ مِنها بِأنْ يَنْقَدَّ قَمِيصُهُ في إسْراعِهِ لِلْفِرارِ اهـ.
وأُجِيبَ عَمّا ذَكَرَهُ أوَّلًا بِأنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ السَّرِيعَةَ لا تَحْتَمِلُ إلّا أيْسَرَ ما يُمْكِنُ وأسْرَعَهُ، وعَلى تَقْدِيرِ اتِّباعِها لَهُ تَعَيَّنَ القَدُّ مِن دُبُرٍ لِأنَّهُ أهْوَنُ الجَذْبَيْنِ، ثُمَّ لا نَفْرِضُ كَرَّ الفارِّ لِيَدْفَعَها أوْ كَما لَحِقَتْ جَذَبَتْ فَهَذا الفَرْضُ لا وجْهَ لَهُ هُنالِكَ فَإذا ثَبَتَ دَلالَتُهُ في الجُمْلَةِ عَلى هَذا القِسْمِ تَعَيَّنَتْ، وعَمّا ذَكَرَهُ ثانِيًا بِأنَّ الظّاهِرَ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ تابِعَةً أنَّهُ إذا تَعَثَّرَ الفارُّ يَتَعَلَّقُ بِهِ التّابِعُ مُتَشَبِّثًا وإذا كانا مُنْفَلِتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ الِاحْتِمالِ.
وذَكَرَ الفاضِلُ المُتَعَقِّبُ أنَّ الحَقَّ في هَذا الفَصْلِ أنْ يُقالَ: إنَّ الشّاهِدَ المَذْكُورَ إنْ كانَ صَبِيًّا أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى في المَهْدِ كَما ورَدَ في بَعْضِ الأحادِيثِ فالآيَةُ في مُجَرَّدِ كَلامِهِ قَبْلَ أوانِهِ حَتّى لَوْ قالَ صَدَقَ يُوسُفُ وكَذَبَتْ لَكَفى بُرْهانًا عَلى صِدْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما كانَ مُجَرَّدُ إخْبارِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَهْدِ بُرْهانًا عَلى صِدْقِ مَرْيَمَ، فَلا تَنْبَغِي المُناسَبَةُ بَيْنَ الأمارَةِ المَنصُوبَةِ وما رُتِّبَ عَلَيْها لِأنَّ العُمْدَةَ في الدَّلائِلِ نَصْبُها لا مُناسَبَتُها، وإنْ كانَ قَرِيبًا لَها قَدْ بَصَرَ بِها مِن حَيْثُ لا تَشْعُرُ فَهَذا -واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ- كانَ مِن حَقِّهِ أنْ يُصَرِّحَ بِما رَأى فَيُصَدِّقُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويُكَذِّبُها ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ لا يَكُونَ هو الفاضِحَ لَها، ووَثَّقَ بِأنَّ قَدَّ قَمِيصِهِ إنَّما كانَ مِن دُبُرٍ فَنَصَبَهُ أمارَةً لِصِدْقِهِ وكَذِبِها، ثُمَّ ذَكَرَ القِسْمَ الآخَرَ وهو قَدُّهُ مِن قُبُلٍ عَلى عِلْمٍ بِأنَّهُ لَمْ يَنْقَدَّ كَذَلِكَ حَتّى يَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ التُّهْمَةَ في الشَّهادَةِ وقَصَدَ الفَضِيحَةَ ويُنْصِفُهُما جَمِيعًا فَلِذا ذَكَرَ أمارَةً عَلى صِدْقِها المَعْلُومِ نَفْيُهُ كَما ذَكَرَ أمارَةً عَلى صِدْقِهِ المَعْلُومِ وُجُودُهُ، وأخْرَجَهُما مَخْرَجًا واحِدًا وبَنى (قُدَّ) لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ في المَوْضِعَيْنِ سَتْرًا عَلى قَدِّهِ، وقَدَّمَ أمارَةَ صِدْقِها في الذِّكْرِ إزاحَةً لِلتُّهْمَةِ ووُثُوقًا بِأنَّ الأمارَةَ الثّانِيَةَ هي الواقِعَةُ فَلا يَضُرُّهُ تَأْخِيرُها.
والحاصِلُ أنَّ عُمْدَةَ هَذا الشّاهِدِ الأمارَةُ الأخِيرَةُ فَقَطْ والمُناسَبَةُ فِيها مُحَقَّقَةٌ، وأمّا الأمارَةُ الأُولى فَلَيْسَتْ مَقْصُودَةً وإنَّما هي كالغَرَضِ ذُكِرَتْ تَوْطِئَةً لِلثّانِيَةِ فَلَمْ يَلْتَمِسْ لَها مُناسَبَةً مِثْلَ تِلْكَ المُناسَبَةِ، وأمّا إنْ كانَ الحَكِيمُ الَّذِي كانَ المَلِكُ يَرْجِعُ إلى رَأْيِهِ فَلا بُدَّ مِنِ التِماسِ المُناسَبَةِ في الطَّرَفَيْنِ لِأنَّها عُمْدَةُ الحَكِيمِ، وأقْرَبُ وجْهٍ في المُناسَبَةِ أنَّ قَدَّ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ دَلِيلٌ عَلى إدْبارِهِ عَنْها، وقَدُّهُ مِن قُبُلٍ دَلِيلٌ عَلى إقْبالِهِ عَلَيْها بِوَجْهِهِ، ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا الوَجْهِ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَطْمَحَ نَظَرِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَلْتَفِتُ إلّا لِلْيَقِينِيّاتِ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: يُحْتَمَلُ أنَّ ذَلِكَ الحَكِيمَ كانَ واقِفًا عَلى حَقِيقَةِ الحالِ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ المُمْكِنَةِ، ويَسْهُلُ أمْرُ ذَلِكَ إذا قُلْنا: إنَّهُ كانَ ابْنَ عَمٍّ لَها فَهو مُتَيَقَّنٌ بِعَدَمِ مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى وبِوُجُودِ مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ، ومِن ضَرُورِيّاتِ ذَلِكَ الجَزْمِ بِانْتِفاءٍ تالِي الأُولى ووُقُوعِ تالِي الثّانِيَةِ فَإذا هو إخْبارٌ بِكَذِبِها وصِدْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَكِنَّهُ ساقَ شَهادَتَهُ مَساقًا مَأْمُونًا مِنَ الجَرْحِ والطَّعْنِ حَيْثُ صَوَّرَها بِصُورَةِ الشَّرْطِيَّةِ المُتَرَدِّدَةِ ظاهِرًا بَيْنَ نَفْعِها ونَفْعِهِ، وأمّا حَقِيقَةً فَلا تَرَدُّدَ فِيها قَطْعًا كَما أُشِيرَ إلَيْهِ وإلى كَوْنِ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى غَيْرَ مَقْصُودَةٍ بِالذّاتِ ذَهَبَ العَلّامَةُ ابْنُ الكَمالِ مُعَرَّضًا بِغَفْلَةِ القاضِي البَيْضاوِيِّ حَيْثُ قالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ ﴾ إلَخْ مِن قَبِيلِ المُسامَحَةِ في أحَدِ شِقَّيِ الكَلامِ لِتَعَيُّنِ الآخَرِ عِنْدَ القائِلِ تَنْزِيلًا لِلْمُحْتَمَلِ مَنزِلَةَ الظّاهِرِ لِأنَّ الشَّقَّ بِالجَذْبِ في هَذا الشَّقِّ أيْضًا مُحْتَمَلٌ، ومَن غَفَلَ عَنْ هَذا قالَ: لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَصَدَها فَدَفَعَتْ عَنْ نَفْسِها إلى آخِرِ عِبارَةِ البَيْضاوِيِّ، وحاصِلُ ذَلِكَ عَلى ما قَرَّرَهُ بَعْضُ مَشايِخِنا عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ أنَّ القائِلَ: يَعْلَمُ يَقِينًا وُقُوعَ الشَّقِّ مِن دُبُرٍ لَكِنَّهُ ذَكَرَ الشَّقَّ مِنَ القُبُلِ مَعَ أنَّهُ مُحْتَمِلٌ أنْ يَكُونَ بِجَذْبِها إيّاهُ إلى طَرَفِها كَما أنَّ كَوْنَهُ مِن دَفْعِها إيّاهُ مِن بَعْضِ مُحْتَمَلاتِهِ تَنْزِيلًا لِهَذا المُحْتَمَلِ مَنزِلَةَ الظّاهِرِ تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً لِثُبُوتِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ الثّانِيَةُ مِن صِدْقِهِ وكَذِبِها يَعْنِي أنّا نَحْكُمُ بِصِدْقِها وكَذِبِهِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ الشَّقِّ في القُبُلِ، وإنْ كانَ مُحْتَمِلًا لِأسْبابٍ أُخَرَ غَيْرِ دَفْعِها لَكِنَّهُ ما وقَعَ هَذا الشَّقُّ أصْلًا فَلا صِدْقَ لَها وذَلِكَ كَما إذا قِيلَ لَكَ: بَلَّغْتَ إلى زَيْدٍ الكَلامَ الفُلانِيَّ في هَذا اليَوْمِ؟
فَقُلْتُ: إنْ كُنْتَ تَكَلَّمْتَ في هَذا اليَوْمِ مَعَ زَيْدٍ فَقَوْلُكم هَذا صادِقٌ مَعَ أنَّ تَكَلُّمَكَ مَعَهُ في هَذا اليَوْمِ مُطْلَقًا لا يَدُلُّ عَلى صِدْقِ دَعْواهم لِاحْتِمالِ أنَّكَ تَكَلَّمْتَ مَعَهُ بِكَلامٍ غَيْرِ ذَلِكَ الكَلامِ لَكِنَّكَ قُلْتَ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِعَدَمِ تَبْلِيغِكَ ذَلِكَ الكَلامَ إلَيْهِ، هَذا وذَكَرَ شَيْخُ مَشايِخِنا العَلّامَةُ صِبْغَةُ اللَّهِ الحَيْدَرِيُّ طَيَّبَ اللَّهُ تَعالى ثَراهُ: أنَّ الظّاهِرَ أنَّ دَلالَةَ كُلٍّ مِنَ الشِّقَّيْنِ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ مُوافَقَتُهُ لِما ادَّعاهُ صاحِبُهُ فَإنَّها كانَتْ تَقُولُ: هو طَلَبَنِي مُقْبِلًا عَلَيَّ فَخَلَّصْتُ نَفْسِي عَنْهُ بِالدَّفْعِ أوِ الفِرارِ وهو كانَ يَقُولُ: هي الطّالِبَةُ فَفَرَرْتُ مِنها وتَبِعَتْنِي واجْتَذَبَتْ ثَوْبِي فَقَدَّتْهُ فَوُقُوعُ الشَّقِّ في شَقِّ الدُّبُرِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُدْبِرًا عَنْها لا مُقْبِلًا عَلَيْها وعَكْسُهُ عَلى عَكْسِهِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلى هَذا أنَّ ما ذَكَرَهُ ابْنُ الكَمالِ غَفْلَةٌ عَنِ المُخاصَمَةِ بِالمُقاوَلَةِ وهو تَوْجِيهٌ لَطِيفٌ لِلْآيَةِ الكَرِيمَةِ، بَيْدَ أنَّ دَعْوى وُقُوعِ المُخاصَمَةِ بِالمُقاوَلَةِ عَلى الطَّرْزِ الَّذِي ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مِمّا لا شاهِدَ لَها، وعَلى المُدَّعِي البَيانُ عَلى أنَّهُ يَبْعُدُ عَقْلًا أنْ تَقُولَ هو طَلَبَنِي مُقْبِلًا فَخَلَّصْتُ نَفْسِي مِنهُ فانْقَدَّ قَمِيصُهُ مِن قُبُلٍ وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ دَعْواهُ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ دَلالَةَ كُلٍّ مِنَ الشَّقَّيْنِ إلَخْ لِظُهُورِ أنَّ ظُهُورَ كَذِبِها حِينَئِذٍ أسْرَعُ ما يَكُونُ، وبِالجُمْلَةِ قِيلَ: إنَّ الِاحْتِمالاتِ المُضْعِفَةَ لِهَذِهِ المُشاهَدَةِ كَثِيرَةٌ: مِنها ما عَلِمْتَ ومِنها ما تَعْلَمُهُ بِأدْنى التِفاتٍ، ومِن هُنا قالُوا: إنَّ ذَلِكَ مِن بابِ اعْتِبارِ الأمارَةِ، ولِذَلِكَ احْتَجَّ بِالآيَةِ كَما قالَ ابْنُ الفُرْسِ: مَن يَرى الحُكْمَ مِنَ العُلَماءِ بِالأماراتِ والعَلاماتِ فِيما لا تَحْضُرُهُ البَيِّناتُ كاللُّقَطَةِ والسَّرِقَةِ والوَدِيعَةِ ومَعاقِدِ الحِيطانِ والسُّقُوفِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وذَكَرَ الإمامُ أنَّ عَلاماتِ كَذِبِ المَرْأةِ كانَتْ كَثِيرَةً بالِغَةً مَبْلَغَ اليَقِينِ فَضَمُّوا إلَيْها هَذِهِ العَلامَةَ الأُخْرى لا لِأجْلِ أنْ يُعَوِّلُوا في الحُكْمِ عَلَيْها، بَلْ لِأجْلِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى المُقَوِّياتِ والمُرَجِّحاتِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقَرَأ الحَسَنِ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ (مِن قُبُلٍ ومِن دُبُرٍ) بِسُكُونِ الباءِ فِيهِما والتَّنْوِينِ وهي لُغَةُ الحِجازِ وأسَدٍ، وقَرَأ أبُو يَعْمُرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والعُطارِدِيُّ وأبُو الزِّنادِ وآخَرُونَ (مِن قُبُلٍ ومِن دُبُرٍ) بِثَلاثِ ضَمّاتٍ، وقَرَأ الأوَّلانِ، والجارُودُ في رِوايَةٍ عَنْهم بِإسْكانِ الباءِ فِيهِما مَعَ بِنائِهِما عَلى الضَّمِّ جَعَلُوهُما -كَقَبْلُ وبَعْدُ- بَعْدَ حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ ونِيَّةِ مَعْناهُ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حاتِمٍ بِأنَّ هَذا رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ وإنَّما يَقَعُ بَعْدَ البِناءِ في الظُّرُوفِ، وهَذانِ اللَّفْظانِ اسْمانِ مُتَمَكِّنانِ ولَيْسا بِظَرْفَيْنِ، وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهُ قَرَأ -مِن قَبَلٍ ومِن دَبَرٍ- بِالفَتْحِ قِيلَ: كَأنَّهُ جَعَلَهُما عَلَمَيْنِ لِلْجِهَتَيْنِ فَمَنَعَهُما الصَّرْفَ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ الجِهَةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا رَأى ﴾ أيِ السَّيِّدُ وقِيلَ: الشّاهِدُ، والفِعْلُ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ أوِ القَلْبِيَّهِ أيْ فَلَمّا عَلِمَ ﴿ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ ﴾ أيْ هَذا القَدُّ والشَّقُّ كَما قالَ الضَّحّاكُ ﴿ مِن كَيْدِكُنَّ ﴾ أيْ ناشِئٌ مِنِ احْتِيالِكُنَّ أيَّتُها النِّساءُ ومَكْرِكُنَّ ومُسَبَّبٌ عَنْهُ، وهَذا تَكْذِيبٌ لَها وتَصْدِيقٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتِ الَّتِي راوَدْتِيهِ فَلَمْ يَفْعَلْ وفَرَّ فاجْتَذَبْتِيهِ فَشَقَقْتِ قَمِيصَهُ فَهو الصّادِقُ في إسْنادِ المُراوَدَةِ إلَيْكِ وأنْتِ الكاذِبَةُ في نِسْبَةِ السُّوءِ إلَيْهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأمْرِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ التَّشاجُرُ وهو عِبارَةٌ عَنْ إرادَةِ السُّوءِ الَّتِي أُسْنِدَتْ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَدْبِيرِ عُقُوبَتِهِ بِقَوْلِها ﴿ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا ﴾ إلَخْ، أيْ إنَّ ذَلِكَ مِن جِنْسِ مَكْرِكُنَّ واحْتِيالِكُنَّ، وقِيلَ: هو لِلسُّوءِ وهو نَفْسُهُ وإنْ لَمْ يَكُنِ احْتِيالًا لَكِنَّهُ يُلازِمُهُ، وقالَ الماوَرْدِيُّ: هو لِهَذا الأمْرِ وهو طَمَعُها في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعْلُهُ مِنَ الحِيلَةِ مَجازٌ أيْضًا كَما في الوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو لِقَوْلِها ﴿ ما جَزاءُ ﴾ إلَخْ فَقَطْ، واخْتارَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ القِيلَ الأوَّلَ وتَكَلَّفَ لَهُ بِما تَكَلَّفَ واعْتَرَضَ عَلى ما بَعْدَهُ مِنَ الأقْوالِ بِما اعْتَرَضَ.
ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أقْرَبُ لِلذَّوْقِ وأقَلُّ مُؤْنَةٍ مِمّا تَكَلَّفَ لَهُ، وأيًّا ما كانَ فالخِطابُ عامٌّ لِلنِّساءِ مُطْلَقًا وكَوْنُهُ لَها ولِجَوارِيها -كَما قِيلَ- لَيْسَ بِذاكَ، وتَعْمِيمُ الخِطابِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الكَيْدَ خُلُقٌ لَهُنَّ عَرِيقٌ: ولا تَحْسَبا هِنْدًا لَها الغَدْرُ وحْدَها سَجِيَّةُ نَفْسِ كُلِّ غانِيَةٍ هِنْدُ ﴿ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ فَإنَّهُ ألْطَفُ وأعْلَقُ بِالقَلْبِ وأشَدُّ تَأْثِيرًا في النَّفْسِ ولِأنَّ ذَلِكَ قَدْ يُورِثُ مِنَ العارِ ما لا يُورِثُهُ كَيْدُ الرِّجالِ، ولِرَبّاتِ القُصُورِ مِنهُنَّ القَدَحُ المُعَلّى مِن ذَلِكَ لِأنَّهُنَّ أكْثَرُ تَفَرُّغًا مِن غَيْرِهِنَّ مَعَ كَثْرَةِ اخْتِلافِ الكَيّاداتِ إلَيْهِنَّ فَهُنَّ جَوامِعُ كَوامِلُ، ولِعِظْمِ كَيْدِ النِّساءِ اتَّخَذَهُنَّ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وسائِلَ لِإغْواءِ مَن صَعُبَ عَلَيْهِ إغْواؤُهُ، فَفي الخَبَرِ «ما أيِسَ الشَّيْطانُ مِن أحَدٍ إلّا أتاهُ مِن جِهَةِ النِّساءِ» وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: أنا أخافُ مِنَ النِّساءِ ما لا أخافُ مِنَ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا ﴾ وقالَ لِلنِّساءِ: ﴿ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ ولِأنَّ الشَّيْطانَ يُوَسْوِسُ مُسارَقَةً وهُنَّ يُواجِهْنَ بِهِ، ولا يَخْفى أنَّ اسْتِدْلالَهُ بِالآيَتَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلى ظاهِرِ إطْلاقِهِما، ومِثْلُهُ ما تَنْقَبِضُ لَهُ النَّفْسُ وتَنْبَسِطُ يَكْفِي فِيهِ ذَلِكَ القَدْرُ فَلا يَضُرُّ كَوْنُ ضَعْفِ كَيْدِ الشَّيْطانِ إنَّما هو في مُقابَلَةِ كَيْدِ اللَّهِ تَعالى، وعِظَمِ كَيْدِهِنَّ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى كَيْدِ الرِّجالِ، وما قِيلَ: إنَّ ما ذُكِرَ لِكَوْنِهِ مَحْكِيًّا عَنْ قَطْفِيرٍ -لا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلالِ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ- لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قَصَّهُ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ فَلا جَناحَ في الِاسْتِدْلالِ بِهِ كَما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"
﴿ يُوسُفُ ﴾ حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ لِقُرْبِهِ وكَمالِ تَفَطُّنِهِ لِلْحَدِيثِ، وفي نِدائِهِ بِاسْمِهِ تَقْرِيبٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَلْطِيفٌ.
وقَرَأ الأعْمَشُ (يُوسُفَ) بِالفَتْحِ، والأشْبَهُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ: أنْ يَكُونَ أخْرَجَهُ عَلى أصْلِ المُنادى كَما جاءَ في الشِّعْرِ.
يا عَدِيًّا لَقَدْ وقَتْكَ الأواقِي.
وقِيلَ: لَمْ تُضْبَطْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الأعْمَشِ، وقِيلَ: إنَّهُ أجْرى الوَقْفَ مَجْرى الوَصْلِ ونَقَلَ إلى الفاءِ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أعْرِضْ عَنْ هَذا ﴾ أيْ عَنْ هَذا الأمْرِ واكْتُمْهُ ولا تَتَحَدَّثْ بِهِ فَقَدْ ظَهَرَ صِدْقُكَ وطَهارَةُ ثَوْبِكَ، وهَذا كَما حَكى اللَّهُ أكْبَرُ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِالوَصْلِ والفَتْحِ، وقُرِئَ (أعْرَضَ) بِصِيغَةِ الماضِي فَيُوسُفُ حِينَئِذٍ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ، ولَعَلَّ المُرادَ الطَّلَبُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَيُؤَوَّلُ إلى مَعْنى (أعْرِضْ ﴿ واسْتَغْفِرِي ﴾ أنْتِ أيَّتُها المَرْأةُ، وضَعَّفَ أبُو البَقاءِ هَذِهِ القِراءَةَ بِأنَّهُ الأشْبَهُ عَلَيْها أنْ يُقالُ: فاسْتَغْفِرِي ﴿ لِذَنْبِكِ ﴾ الَّذِي صَدَرَ عَنْكِ وثَبَتَ عَلَيْكِ ﴿ إنَّكِ كُنْتِ ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ مِنَ الخاطِئِينَ ﴾ أيْ مِن جُمْلَةِ القَوْمِ المُتَعَمِّدِينَ لِلذَّنْبِ، أوْ مِن جِنْسِهِمْ يُقالُ: خَطِئَ يُخْطِئُ خَطَأً وخِطْأً إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا، وأخْطَأ إذا أذْنَبَ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ الخَطَأ العُدُولُ عَنِ الجِهَةِ وهو أضْرُبٌ: الأوَّلُ أنْ يُرِيدَ غَيْرَ ما تَحْسُنُ إرادَتُهُ فَيَفْعَلُهُ، وهَذا هو الخَطَأُ التّامُّ المَأْخُوذُ بِهِ الإنْسانُ، والثّانِي أنْ يُرِيدَ ما يَحْسُنُ فِعْلُهُ ولَكِنْ يَقَعُ مِنهُ خِلافَ ما يُرِيدُ وهَذا قَدْ أصابَ في الإرادَةِ وأخْطَأ في الفِعْلِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَنِ اجْتَهَدَ فَأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ» والثّالِثُ أنْ يُرِيدَ ما لا يَحْسُنُ فِعْلُهُ ويَتَّفِقُ مِنهُ خِلافُهُ فَهَذا مُخْطِئٌ في الإرادَةِ مُصِيبٌ في الفِعْلِ، ولا يَخْفى أنَّ المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ راجِعٌ إلى الضَّرْبِ الأوَّلِ مِن هَذِهِ الضُّرُوبِ، والجُمْلَةُ المُؤَكِّدَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ والتَّذْكِيرِ لِتَغْلِيبِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ، واحْتِمالُ أنْ يُقالَ: المُرادُ إنَّكَ مِن نَسْلِ الخاطِئِينَ فَمِنهم سَرى ذَلِكَ العِرْقُ الخَبِيثُ فِيكَ بَعِيدٌ جِدًّا، وهَذا النِّداءُ قِيلَ: مِنَ الشّاهِدِ الحَكِيمِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وحُمِلَ الِاسْتِغْفارُ عَلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ والصَّفْحِ مِنَ الزَّوْجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ طَلَبَ المَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ويُقالُ: إنَّ أُولَئِكَ القَوْمَ وإنْ كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ إلّا أنَّهم مَعَ ذَلِكَ يُثْبِتُونَ الصّانِعَ ويَعْتَقِدُونَ أنَّ لِلْقَبائِحِ عاقِبَةَ سُوءٍ مِن لَدَيْهِ سُبْحانَهُ إذا لَمْ يَغْفِرْها، واسْتَدَلَّ عَلى أنَّهم يُثْبِتُونَ الصّانِعَ أيْضًا بِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُمْ: ﴿ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ هو العَزِيزُ، ولَعَلَّهُ كَما قِيلَ: كانَ رَجُلًا حَلِيمًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، ولِذا اكْتُفِيَ بِهَذا القَدْرِ مِن مُؤاخَذَتِها، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ وهو لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي البَحْرِ أنَّ تُرْبَةَ إقْلِيمِ قَطْفِيرَ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، وأيْنَ هَذا مِمّا جَرى لِبَعْضِ مُلُوكِ المَغْرِبِ أنَّهُ كانَ مَعَ نُدَمائِهِ المُخْتَصِّينَ بِهِ في مَجْلِسِ أُنْسٍ وجارِيَةٍ تُغَنِّيهم مِن وراءِ سِتْرٍ فاسْتَعادَ بَعْضُ خُلَصائِهِ بَيْتَيْنِ مِنَ الجارِيَةِ كانَتْ قَدْ غَنَّتْ بِهِما فَما لَبِثَ أنْ جِيءَ بِرَأْسِ الجارِيَةِ مَقْطُوعًا في طَسْتٍ، وقالَ لَهُ المَلِكُ: اسْتَعِدِ البَيْتَيْنِ مِن هَذا الرَّأْسِ فَسَقَطَ في يَدِ ذَلِكَ المُسْتَعِيدِ ومَرِضَ مُدَّةَ حَياةِ المَلِكِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وقالَ نِسْوَةٌ ﴾ المَشْهُورُ -وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ- أنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِلْقِلَّةِ كَصِبْيَةٍ وغِلْمَةٍ، ولَيْسَ لَهُ واحِدٌ مِن لَفْظِهِ بَلْ مِن مَعْناهُ وهو امْرَأةٌ.
وزَعَمَ ابْنُ السِّراجِ أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وعَلى كُلٍّ فَتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولا التِفاتَ إلى كَوْنِ ذَلِكَ المُفْرَدِ مُؤَنَّثًا حَقِيقِيًّا لِأنَّهُ مَعَ طُرُوِّ ما عارَضَ ذَلِكَ لَيْسَ كَسائِرِ المُفْرَداتِ ولِذا لَمْ يُؤَنَّثْ فِعْلُهُ، وفي نُونِهِ لُغَتانِ: الكَسْرُ وهي المَشْهُورَةُ والضَّمُّ وبِهِ قَرَأ المُفَضَّلُ والأعْمَشُ والسِّلْمِيُّ كَما قالَ القُرْطُبِيُّ فَلا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَ ذَلِكَ، وهو إذْ ذاكَ اسْمُ جَمْعٍ بِلا خِلافٍ، ويُكْسَرُ لِلْكَثْرَةِ عَلى نِساءٍ ونِسْوانَ، وكُنَّ فِيما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ خَمْسًا: امْرَأةُ الخَبّازِ وامْرَأةُ السّاقِي وامْرَأةُ البَوّابِ وامْرَأةُ السَّجّانِ وامْرَأةُ صاحِبِ الدَّوابِّ.
ورَوى الكَلْبِيُّ أنَّهُنَّ كُنَّ أرْبَعًا بِإسْقاطِ امْرَأةِ البَوّابِ ﴿ فِي المَدِينَةِ ﴾ أُرِيدَ بِها مِصْرُ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ -لِنِسْوَةٍ- عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ، ووُصِفْنَ بِذَلِكَ لِأنَّ إغاظَةَ كَلامِهِنَّ بِهَذا الِاعْتِبارِ لِاتِّصافِهِنَّ بِما يُقَوِّي جانِبَ الصِّدْقِ أكْثَرَ فَإنَّ كَلامَ البَدَوِيّاتِ لِبُعْدِهِنَّ عَنْ مَظانِّ الِاجْتِماعِ والِاطِّلاعِ عَلى حَقِيقَةِ أحْوالِ الحَضَرِيّاتِ القَصْرِيّاتِ لا يُلْتَفَتُ إلى كَلامِهِنَّ فَلا يُغِيظُ تِلْكَ الإغاظَةَ، والكَثِيرُ عَلى اخْتِيارِ تَعَلُّقِهِ -بِقالَ- ومَعْنى كَوْنِ قَوْلِهِنَّ في المَدِينَةِ إشاعَتُهُ وإفْشاؤُهُ فِيها، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ امْرَأتُ العَزِيزِ ﴾ هو في الأصْلِ الَّذِي يَقْهَرُ ولا يُقْهَرُ كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن عَزَّ أيْ حَصَلَ في عِزازٍ وهي الأرْضُ الصُّلْبَةُ الَّتِي يَصْعُبُ وطْؤُها ويُطْلَقُ عَلى المَلِكِ، ولَعَلَّهم كانُوا يُطْلِقُونَهُ إذْ ذاكَ فِيما بَيْنَهم عَلى كُلِّ مَن ولّاهُ المَلِكُ عَلى بَعْضٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الوِلاياتِ الَّتِي لَها شَأْنٌ فَكانَ مِن خَواصِّهِ ذَوِي القَدْرِ الرَّفِيعِ والمَحَلِّ المَنِيعِ، وهو بِهَذا المَعْنى مُرادٌ هُنا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ قَطْفِيرُ، وهو في المَشْهُورِ كَما عَلِمْتُ إنَّما كانَ عَلى خَزائِنِ المَلِكِ -وكانَ المَلِكُ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ- وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَلِكُ، وكانَ قَطْفِيرُ مَلِكَ مِصْرَ وإسْكَنْدَرِيَّةَ، وإضافَتُهُنَّ لَها إلَيْهِ بِهَذا العُنْوانِ دُونَ أنْ يُصَرِّحْنَ بِاسْمِها أوِ اسْمِهِ لِيَظْهَرَ كَوْنُها مِن ذَواتِ الأخْطارِ فَيَكُونُ عَوْنًا عَلى إشاعَةِ الخَبَرِ بِحُكْمِ أنَّ النُّفُوسَ إلى سَماعِ أخْبارِ ذَوِي الأخْطارِ أمْيَلُ، وقِيلَ -وهُوَ الأوْلى- إنَّ ذاكَ لِقَصْدِ المُبالِغَةِ في لَوْمِها بِقَوْلِهِنَّ ﴿ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ ﴾ أيْ تَطْلُبُ مُواقَعَتَهُ إيّاها وتَتَمَحَّلُ في ذَلِكَ، وإيثارُهُنَّ صِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ المُراوَدَةِ كَأنَّها صارَتْ سَجِيَّةً لَها، والفَتى مِنَ النّاسِ الطَّرِيِّ مِنَ الشُّبّانِ، وأصْلُهُ فَتِيٌّ بِالياءِ لِقَوْلِهِمْ في التَّثْنِيَةِ -وهِيَ تَرُدُّ الأشْياءَ إلى أُصُولِها- فِتْيانٌ، فالفُتُوَّةُ عَلى هَذا شاذٌّ، وجَمْعُهُ فِتْيَةٌ وفِتْيانٌ، وقِيلَ: إنَّهُ يائِيٌّ وواوِيٌّ كَكَنَوْتُ وكَنَيْتُ، ولَهُ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ، ويُطْلَقُ عَلى المَمْلُوكِ والخادِمِ لِما أنَّ جُلَّ الخَدَمَةِ شُبّانٌ.
وفِي الحَدِيثِ ”لا يَقُلْ أحَدُكم عَبْدِي وأمَتِي ولْيَقُلْ فَتايَ وفَتاتِي“.
وأُطْلِقَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا لِأنَّهُ كانَ يَخْدِمُها، وقِيلَ: لِأنَّ زَوْجَها وهَبَهُ لَها فَهو مَمْلُوكُها بِزَعْمِ النِّسْوَةِ، وتَعْبِيرُهُنَّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ مُضافًا إلَيْها لا إلى العَزِيزِ لِإبانَةِ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ النّاشِئِ عَنِ الخادِمِيَّةِ والمَخْدُومِيَّةِ أوِ المالِكِيَّةِ والمَمْلُوكِيَّةِ؛ وكُلُّ ذَلِكَ لِتَرْبِيَةِ ما مَرَّ مِنَ المُبالَغَةِ في اللَّوْمِ فَإنَّ مَن لا زَوْجَ لَها مِنَ النِّساءِ أوْ لَها زَوْجٌ دَنِيءٌ قَدْ تُعْذَرُ في مُراوَدَةِ الأخْدانِ لا سِيَّما إذا كانَ فِيهِمْ عُلُوُّ الجَنابِ، وأمّا الَّتِي لَها زَوْجٌ وأيُّ زَوْجٍ فَمُراوَدَتُها لِغَيْرِهِ لا سِيَّما لِمَن لَمْ يَكُنْ بَيْنَها وبَيْنَهُ كَفاءَةٌ لَها وتَمادِيها في ذَلِكَ غايَةُ الغَيِّ ونِهايَةُ الضَّلالِ ﴿ قَدْ شَغَفَها حُبًّا ﴾ أيْ شَقَّ حُبُّهُ شَغافَ قَلْبِها وهو حِجابُهُ.
وقِيلَ: هو جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ يُقالُ لَها: لِسانُ القَلْبِ حَتّى وصَلَ إلى فُؤادِها، وبِهَذا يَحْصُلُ المُبالَغَةُ في وصْفِها بِالحُبِّ لَهُ، وقِيلَ: الشَّغافُ سُوَيْداءُ القَلْبِ، فالمُبالَغَةُ حِينَئِذٍ ظاهِرَةٌ، وإلى هَذا يَرْجِعُ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِن أنَّ الشَّغافَ باطِنُ القَلْبِ، وما حُكِيَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ مِن أنَّهُ وسَطُهُ والفِعْلُ مَفْتُوحُ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ ثابِتٌ البَنانِيُّ بِكَسْرِها وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ وابْنُهُ جَعْفَرٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والشَّعْبِيُّ وعَوْفٌ الأعْرابِيُّ -شَعَفَها- بِفَتْحِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ، وهي رِوايَةٌ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ هُرْمُزَ ومُجاهِدٍ، وحُمَيْدٍ والزُّهْرِيِّ، ورُوِيَ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيُّ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّهُ كَسَرَ العَيْنَ، وهو مِن شَعَفَ البَعِيرَ إذْ هَنَّأهُ فَأحْرَقَهُ بِالقَطِرانِ، فالمَعْنى وصَلَ حُبُّهُ إلى قَلْبِها فَكادَ يَحْتَرِقُ، ومِن هَذا قَوْلُ الأعْشى: يَعْصِي الوُشاةُ وكانَ الحُبُّ آوِنَةً مِمّا يُزَيِّنُ لِلْمَشْعُوفِ ما صَنَعا وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ مِن شَعَفَةِ القَلْبِ وهي رَأْسُهُ عِنْدَ مُعَلَّقِ النِّياطِ، ويُقالُ: لِأعْلى الجَبَلِ شَعْفَةٌ أيْضًا، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الشَّغَفَ الحُبُّ القاتِلُ، والشَّعْفُ حُبٌّ دُونَ ذَلِكَ، وأخْرَجا عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ الشَّغَفَ الحُبُّ، والشَّعَفُ الجُنُونُ، وأخْرَجا أيْضًا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ الشَّغَفَ في الحُبِّ، والشَّعَفَ في البُغْضِ، وهَذا المَعْنى مُمْتَنِعُ الإرادَةِ هُنا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وفي كِتابِ أسْرارِ البَلاغَةِ في فَصْلِ تَرْتِيبِ الحُبِّ أنَّ أوَّلَ مَراتِبِ الحُبِّ الهَوى، ثُمَّ العَلاقَةُ وهي الحُبُّ اللّازِمُ لِلْقَلْبِ ثُمَّ الكَلَفُ وهو شِدَّةُ الحُبِّ، ثُمَّ العِشْقُ وهو اسْمٌ لِما فَضُلَ عَنِ المِقْدارِ المُسَمّى بِالحُبِّ، ثُمَّ الشَّعَفُ بِالمُهْمَلَةِ وهو احْتِراقُ القَلْبِ مَعَ لَذَّةٍ يَجِدُها، وكَذَلِكَ اللَّوْعَةُ واللّاعِجُ، ثُمَّ الشَّغَفُ بِالمُعْجَمَةِ وهو أنْ يَبْلُغَ الحُبُّ شَغافَ القَلْبِ، ثُمَّ الجَوى وهو الهَوى الباطِنُ، ثُمَّ التَّيْمُ وهو أنْ يَسْتَعْبِدَهُ الحُبُّ، ثُمَّ التَّبْلُ وهو أنْ يُسْقِمَهُ الحُبُّ، ثُمَّ التَّدَلُّهُ وهو ذَهابُ العَقْلِ مِنَ الحُبِّ، ثُمَّ الهَيُومُ وهو أنْ يَذْهَبَ الرَّجُلُ عَلى وجْهِهِ لِغَلَبَةِ الهَوى عَلَيْهِ، اهـ.
ورَتَّبَ بَعْضُهم ذَلِكَ عَلى طَرْزٍ آخَرَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ إمّا خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مِن فاعِلِ (تُراوِدُ) أوْ مِن مَفْعُولِهِ، والمَقْصُودُ مِنها تَكْرِيرُ اللَّوْمِ وتَأْكِيدُ العَذَلِ بِبَيانِ اخْتِلافِ أحْوالِها القَلْبِيَّةِ كَأحْوالِها القالَبِيَّةِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَها اسْتِئْنافِيَّةً فَهي حِينَئِذٍ عَلى ما قِيلَ: في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِدَوامِ المُراوَدَةِ، ولَيْسَ بِذاكَ لِأنَّهُ إنِ اعْتُبِرَ مِن حَيْثُ الإنْيَةُ كانَ مَصِيرُهُ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالأخْفى عَلى الأجْلى، وإنِ اعْتُبِرَ مِن حَدِيثِ اللَّمِّيَّةِ كانَ فِيهِ مَيْلٌ إلى تَمْهِيدِ العُذْرِ مِن قَبْلِها ولَيْسَ المَقامُ لَهُ، وانْتِصابُ (حُبًّا) عَلى التَّمْيِيزِ وهو مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ إذِ الأصْلُ قَدْ شَغَفَها حُبُّهُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وأدْغَمَ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ وهِشامٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ دالَ (قَدْ) في شِينِ شَغَفَها.
﴿ إنّا لَنَراها ﴾ أيْ نَعْلَمُها فالرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ واسْتِعْمالُها بِمَعْنى العِلْمِ حَقِيقَةٌ كاسْتِعْمالِها بِمَعْنى الإحْساسِ بِالبَصَرِ، وإذا أُرِيدَ مِنها البَصَرِيَّةُ ثُمَّ تَجَوَّزَ بِها عَنِ العِلْمِيَّةِ كانَ أبْلَغَ في إفادَةِ كَوْنِها فِيما صَنَعَتْ مِنَ المُراوَدَةِ والمَحَبَّةِ المُفْرِطَةِ مُسْتَقِرَّةً ﴿ فِي ضَلالٍ ﴾ عَظِيمٍ عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ والصَّوابِ أوْ سُنَنِ العَقْلِ ﴿ مُبِينٍ ﴾ واضِحٌ لا يَخْفى كَوْنُهُ ضَلالًا عَلى أحَدٍ، أوْ مُظْهِرٌ لِأمْرِها بَيْنَ النّاسِ، فالتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ والجُمْلَةُ مُقَرَّرَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ المَسُوقَتَيْنِ لِلَّوْمِ والتَّشْنِيعِ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْها بِأنَّها في أمْرِها عَلى خَطَأٍ عَظِيمٍ، وإنَّما لَمْ يَقُلْنَ: إنَّها لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ إشْعارًا كَما قِيلَ: بِأنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ غَيْرُ صادِرٍ مِنهُنَّ مُجازَفَةً، بَلْ عَنْ عِلْمٍ ورَأْيٍ مَعَ التَّلْوِيحِ بِأنَّهُنَّ مُتَنَزِّهاتٌ عَنْ أمْثالِ ما هي عَلَيْهِ، وصَحَّ اللَّوْمُ عَلى الشَّغَفِ قِيلَ: لِأنَّهُ اخْتِيارِيٌّ بِاعْتِبارِ مَبادِيهِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: مازَحَتْهُ فَعَشِقَتْهُ ∗∗∗ والعِشْقُ أوَّلُهُ مِزاحٌ وإلّا فَما لَيْسَ بِاخْتِيارِي لا يَنْبَغِي اللَّوْمُ عَلَيْهِ كَما أشارَ إلَيْهِ البُوصَيْرِيُّ بِقَوْلِهِ: يا لائِمِي في الهَوى العُذْرِيِّ مَعْذِرَةً ∗∗∗ مِنِّي إلَيْكَ ولَوْ أنْصَفْتَ لَمْ تَلُمِ وقِيلَ: اللَّوْمُ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ الِاسْتِرْسالِ مَعَهُ وتَرْكِ عِلاجِهِ فَإنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ الأدْواءِ، وذَكَرُوا لَهُ مِنَ المُعالَجَةِ ما ذَكَرُوا، ومِن أحْسَنِ ما ذُكِرَ لَهُ مِن ذَلِكَ تَذَكُّرُ مَساوِي المَحْبُوبِ والتَّفَكُّرِ في عَواقِبِهِ فَقَدْ قِيلَ: لَوْ فَكَّرَ العاشِقُ في مُنْتَهى ∗∗∗ حُسْنِ الَّذِي يَسْبِيهِ لَمْ يَسْبِهِ وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يَطْلُبُ في مَحَلِّهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ أيْ بِاغْتِيابِهِنَّ وسُوءِ مَقالَتِهِنَّ، وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ مَكْرًا لِشَبَهِهِ لَهُ في الإخْفاءِ، وقِيلَ: كانَتِ اسْتَكْتَمَتْهُنَّ سِرَّها فَأفْشَيْنَهُ وأطْلَعْنَ عَلى أمْرِها، وقِيلَ: إنَّهُنَّ قَصَدْنَ بِتِلْكَ المَقالَةِ إغْضابِها حَتّى تَعْرِضَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفَ لِتُبْدِيَ عُذْرَها فَيَفُزْنَ بِمُشاهَدَتِهِ، والمَكْرُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ حَقِيقَةٌ ﴿ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ ﴾ تَدْعُوهُنَّ، قِيلَ: دَعَتْ أرْبَعِينَ امْرَأةً مِنهُنَّ الخَمْسُ أوِ الأرْبَعُ المَذْكُوراتُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ وهْبٍ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى تِلْكَ النِّسْوَةِ القائِلَةِ ما قُلْنَ عَنْها ﴿ وأعْتَدَتْ ﴾ أيْ هَيَّأتْ ﴿ لَهُنَّ مُتَّكَأً ﴾ أيْ ما يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ مِنَ النَّمارِقِ والوَسائِدِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مِن الِاتِّكاءِ المَيْلُ إلى أحَدِ الشِّقَّيْنِ، وأصْلُهُ مَوْتَكَأٌ لِأنَّهُ مِن تَوَكَّأْتُ فَأُبْدِلَتِ الواوُ تاءً وأُدْغِمَتْ في مِثْلِها، ورُوِيَ عَنِ الحَبْرِ أيْضًا أنَّ المُتَّكَأ مَجْلِسُ الطَّعامِ لِأنَّهم كانُوا يَتَّكِئُونَ كَعادَةِ المُتْرَفِينَ المُتَكَبِّرِينَ، ولِذَلِكَ نُهِيَ عَنْهُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ نَهى أنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشَمالِهِ وأنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا،» وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ نَفْسُ الطَّعامِ، قالَ العُتْبِيُّ: يُقالُ: اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ أيْ أكَلْنا؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ جَمِيلٍ: فَظَلِلْنا بِنِعْمَةٍ واتَّكَأْنا وشَرِبْنا الحَلالَ مِن قُلَلِهِ وهُوَ عَلى هَذا اسْمُ مَفْعُولٍ أيْ مُتَّكِئًا لَهُ أوْ مَصْدَرٌ أيِ اتِّكاءً، وعَبَّرَ بِالهَيْئَةِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الآكِلُ المُتْرَفُ عَنْ ذَلِكَ مَجازًا، وقِيلَ: هو مِن بابِ الكِنايَةِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الطَّعامُ يُحَزُّ حَزًّا بِالسِّكِّينِ واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِ، فَقِيلَ: كانَ لَحْمًا وكانُوا لا يَنْهَشُونَ اللَّحْمَ، وإنَّما يَأْكُلُونَهُ حَزًّا بِالسَّكاكِينِ، وقِيلَ: كانَ أُتْرُجًّا ومَوْزًا وبِطِّيخًا، وقِيلَ: الزَّماوَرْدُ وهو الرُّقاقُ المَلْفُوفُ بِاللَّحْمِ وغَيْرُهُ أوْ شَيْءٌ شَبِيهٌ بِالأُتْرُجِّ، وكَأنَّهُ إنَّما سُمِّيَ ما يُقْطَعُ بِالسِّكِّينِ بِذَلِكَ لِأنَّ عادَةَ مَن يَقْطَعُ شَيْئًا أنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مُتَّكَأً عَلَيْهِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ -مُتَّكًى مُشَدَّدُ التّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ بِوَزْنِ مُتَّقًى وهو حِينَئِذٍ إمّا أنْ يَكُونَ مِن الِاتِّكاءِ وفِيهِ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ كَما قالُوا في تَوَضَّأْتُ: تَوَضَّيْتُ، أوْ يَكُونُ مُفْتَعَلًا مِن أوْكَيْتُ السِّقاءَ إذا شَدَدْتَهُ بِالوِكاءِ، والمَعْنى أعْتَدَتْ لَهُنَّ ما يُشْتَدُّ عَلَيْهِ بِالِاتِّكاءِ أوْ بِالقَطْعِ بِالسِّكِّينِ، وقَرَأ الأعْرَجُ مَتْكَأً عَلى وزْنِ مَفْعَلًا مِن تَكَأ يَتْكَأُ إذا اتَّكَأ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ هُرْمُزَ مُتَّكَأٌ بِالمَدِّ والهَمْزِ وهو مُفْتَعَلٌ مِن الِاتِّكاءِ إلّا أنَّهُ أشْبَعَ الفَتْحَةَ فَتَوَلَّدَتْ مِنها الألِفُ وهو كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ: وأنْتَ مِنَ الغَوائِلِ حِينَ تَرْمِي ∗∗∗ وعَنْ ذَمِّ الرِّجالِ بِمُنْتَزاحِ وقَوْلُهُ: يَنْباعُ مِن ذَفْرى عَضُوبٍ حَسْرَةً ∗∗∗ زَيافَةً مِثْلَ الفَنِيقِ المُكَرَّمِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وآخَرُونَ مُتْكًا بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ التّاءِ وتَنْوِينِ الكافِ، وجاءَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ أيْضًا، وهو الأُتْرُجُّ عِنْدَ الأصْمَعِيِّ، وجَماعَةٍ والواحِدُ مَتْكَةٌ، وأنْشَدَ: فَأهْدَتْ (مَتْكَةً) لِبَنِي أبِيها ∗∗∗ تَخِبُّ بِها العَثْمَثْمَةَ الوَقاحَ وقِيلَ: هو اسْمٌ يَعُمُّ جَمِيعَ ما يُقْطَعُ بِالسِّكِّينِ -كالأُتْرُجِّ وغَيْرِهِ- مِنَ الفَواكِهِ، وأنْشَدَ: نَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُّواعِ جِهارًا ∗∗∗ ونَرى (المَتْكَ) بَيْنَنا مُسْتَعارًا وهُوَ مِن مَتَكَ الشَّيْءَ بِمَعْنى بَتَكَهُ أيْ قَطَعَهُ، وعَنِ الخَلِيلِ تَفْسِيرُ المُتْكِ مَضْمُومُ المِيمِ بِالعَسَلِ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو تَفْسِيرُهُ بِالشَّرابِ الخالِصِ، وحَكى الكِسائِيُّ تَثْلِيثَ مِيمِهِ، وفَسَّرَهُ بِالفالَوْذَجِ، وكَذا حَكى التَّثْلِيثَ المُفَضَّلُ لَكِنْ فَسَّرَهُ بِالزَماوَرْدِ، وذَكَرَ أنَّهُ بِالضَّمِّ المائِدَةُ أوِ الخَمْرُ في لُغَةِ كِنْدَةَ، وبِالفَتْحِ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ومُعاذٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وفي الآيَةِ عَلى سائِرِ القِراءاتِ حَذْفٌ أيْ فَجِئْنَ وجَلَسْنَ ﴿ وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا ﴾ .
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا يَبْعُدُ أنْ تُسَمّى هَذِهِ الواوُ فَصِيحَةً، وإنَّما أعْطَتْ كُلَّ واحِدَةٍ ذَلِكَ لِتَسْتَعْمِلَهُ في قَطْعِ ما يُعْهَدُ قَطْعُهُ مِمّا قُدِّمَ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وقُرِّبَ إلَيْهِنَّ، وغَرَضُها مِن ذَلِكَ ما سَيَقَعُ مِن تَقْطِيعِ أيْدِيهِنَّ لِتَبْكِتَهُنَّ بِالحُجَّةِ.
وقِيلَ: غَرَضُها ذاكَ والتَّهْوِيلُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَكْرِها إذا خَرَجَ عَلى أرْبَعِينَ نِسْوَةٍ مُجْتَمِعاتٍ في أيْدِيهِنَّ الخَناجِرُ تُوهِمُهُ أنَّهُنَّ يَثِبْنَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ خائِفًا مِن مَكْرِها دائِمًا فَلَعَلَّهُ يُجِيبُها إلى مُرادِها، والسِّكِّينُ مُذَكَّرٌ عِنْدَ السِّجِسْتانِيِّ قالَ: وسَألْتُ أبا زَيْدٍ الأنْصارِيَّ، والأصْمَعِيَّ وغَيْرَهم مِمَّنْ أدْرَكْناهُ فَكُلُّهم يُذَكِّرُهُ ويُنْكِرُ التَّأْنِيثَ فِيهِ، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وذَلِكَ حُكِيَ عَنِ اللِّحْيانِي ويَعْقُوبَ، ومَنَعَ بَعْضُهم أنْ يُقالَ: سِكِّينَةٌ، وأُنْشِدَ عَنِ الكِسائِيِّ ما يُخالِفُ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: الذِّئْبُ سِكِّينَتُهُ في شِدْقِهِ ∗∗∗ ثُمَّ قِرابًا نَصْلُها في حَلْقِهِ ﴿ وقالَتِ ﴾ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهُنَّ مَشْغُولاتٌ بِمُعالَجَةِ السَّكاكِينِ وإعْمالِها فِيما بِأيْدِيهِنَّ، والعَطْفُ بِالواوِ رُبَّما يُشِيرُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ أيِ ابْرُزْ لَهُنَّ لَمْ يَكُنْ عَقِيبَ تَرْتِيبِ أُمُورِهِنَّ لِيَتِمَّ غَرَضُها بِهِنَّ.
والظّاهِرُ أنَّها لَمْ تَأْمُرْهُ بِالخُرُوجِ إلّا لِمُجَرَّدِ أنْ يَرَيْنَهُ فَيَحْصُلَ مَرامُها، وقِيلَ: أمَرَتْهُ بِالخُرُوجِ عَلَيْهِنَّ لِلْخِدْمَةِ أوْ لِلسَّلامِ، وقَدْ أضْمَرَتْ مَعَ ذَلِكَ ما أضْمَرَتْ يُحْكى أنَّها ألْبَسَتْهُ ثِيابًا بِيضًا في ذَلِكَ اليَوْمِ لِأنَّ الجَمِيلَ أحْسَنُ ما يَكُونُ في البَياضِ ﴿ فَلَمّا رَأيْنَهُ ﴾ عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ الأمْرُ بِالخُرُوجِ ويَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ أيْ فَخَرَجَ عَلَيْهِنَّ فَرَأيْنَهُ، وإنَّما حُذِفَ عَلى ما قِيلَ: تَحْقِيقًا لِمُفاجَأةِ رُؤْيَتِهِنَّ كَأنَّها تُفَوِّتُ عِنْدَ ذِكْرِ خُرُوجِهِ عَلَيْهِنَّ، وفِيهِ إيذانٌ بِسُرْعَةِ امْتِثالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأمْرِها فِيما لا يُشاهِدُ مَضَرَّتَهُ مِنَ الأفاعِيلِ، ونَظِيرُ هَذا آتٍ كَما مَرَّ آنِفًا ﴿ أكْبَرْنَهُ ﴾ أيْ أعْظَمْنَهُ ودَهِشْنَ بِرُؤْيَةِ جَمالِهِ الفائِقِ الرّائِعِ الرّائِقِ، فَإنَّ فَضْلَ جَمالِهِ عَلى جَمالِ كُلِّ جَمِيلٍ كانَ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «رَأيْتُ يُوسُفَ لَيْلَةَ المِعْراجِ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ،» وحُكِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا سارَ في أزِقَّةِ مِصْرَ تَلَأْلَأ وجْهُهُ عَلى الجُدْرانِ كَما يُرى نُورُ الشَّمْسِ، وجاءَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أُعْطِيَ ثُلْثَ الحُسْنِ، وفي رِوايَةٍ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُعْطِيَ هو وأُمُّهُ شَطْرَ الحُسْنِ،» وتَقَدَّمَ خَبَرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُشْبِهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ خَلَقَهُ رَبُّهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ مَعْنى أكْبَرْنَ حِضْنَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: يَأْتِي النِّساءَ عَلى أطْهارِهِنَّ ∗∗∗ ولا يَأْتِي النِّساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبارًا وكَأنَّهُ إنَّما سُمِّيَ الحَيْضُ إكْبارًا لِكَوْنِ البُلُوغِ يُعْرَفُ بِهِ فَكَأنَّهُ يُدْخِلُ الصِّغارَ سِنَّ الكِبَرِ فَيَكُونُ في الأصْلِ كِنايَةً أوْ مَجازًا، والهاءُ عَلى هَذا إمّا ضَمِيرُ المَصْدَرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أكْبَرْنَ إكْبارًا، وإمّا ضَمِيرُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى إسْقاطِ الجارِّ أيْ حِضْنَ لِأجْلِهِ مِن شَدَّةِ شَبَقِهِنَّ، والمَرْأةُ كَما زَعَمَ الواحِدِيُّ إذا اشْتَدَّ شَبَقُها حاضَتْ، ومِن هُنا أخَذَ المُتَنَبِّي قَوْلَهُ: خَفِ اللَّهَ واسْتُرْ ذا الجَمالِ بِبُرْقُعٍ ∗∗∗ إذا لُحْتَ حاضَتْ في الخُدُورِ العَواتِقُ وقِيلَ: إنَّ الهاءَ لِلسَّكْتِ، ورُدَّ بِأنَّها لا تُحَرَّكُ ولا تَثْبُتُ في الوَصْلِ، وإجْراءُ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ وتَحْرِيكُها تَشْبِيهًا لَها بِالضَّمِيرِ كَما في قَوْلِهِ: واحَرَّ قَلْباهُ مِمَّنْ قَلْبُهُ شَبَمُ.
عَلى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ ضَعِيفٌ في العَرَبِيَّةِ.
واعْتَرَضَ في الكَشْفِ التَّخْرِيجَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَقالَ: إنَّ نَزْعَ الخافِضِ ضَعِيفٌ لِأنَّهُ إنَّما يَجْرِي في الظُّرُوفِ والصِّفاتِ والصِّلاتِ، وذَلِكَ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلى مَكانِ الحَذْفِ، وأمّا في مِثْلِ هَذا فَلا، والمَصْدَرُ لَيْسَ مِن مَجازِهِ إذْ لَيْسَ المَقامُ لِلتَّأْكِيدِ، وزَعَمَ أنَّ الوَجْهَ هو الأخِيرُ، وكُلُّ ما ذَكَرَهُ في حَيِّزِ المَنعِ كَما لا يَخْفى.
وأنْكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ مَجِيءَ أكْبَرْنَ بِمَعْنى حِضْنَ، وقالَ: لا نَعْرِفُ ذَلِكَ في اللُّغَةِ، والبَيْتُ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ لا يَعْرِفُهُ العُلَماءُ بِالشِّعْرِ، ونُقِلَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ الطَّبَرِيِّ.
وابْنِ عَطِيَّةَ.
وغَيْرِ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ، ورِوايَةُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّما أخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ، وهو -وإنْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِيهِ عَلِيٍّ عَنْ أبِيهِ ابْنِ عَبّاسٍ- لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فَقَدْ قالُوا: إنَّهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ لَيْسَ مِن رُواةِ العِلْمِ.
وعَنِ الكُمَيْتِ الشّاعِرِ تَفْسِيرُ أكْبَرْنَ بِأمْنَيْنَ، ولَعَلَّ الكَلامَ في ذَلِكَ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ تَخْرِيجًا وقَبُولًا، وأنا لا أرى الكُمَيْتَ مِن خَيْلِ هَذا المَيْدانِ وفُرْسانِ ذَلِكَ الشَّأْنِ ﴿ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ أيْ جَرَحْنَها بِما في أيْدِيهِنَّ مِنَ السَّكاكِينِ لِفَرْطِ دَهْشَتِهِنَّ وخُرُوجِ حَرَكاتِ جَوارِحِهِنَّ عَنْ مِنهاجِ الِاخْتِيارِ حَتّى لَمْ يَعْلَمْنَ بِما عَمِلْنَ ولَمْ يَشْعُرْنَ بِمَأْلَمِ ما نالَهُنَّ، وهَذا كَما تَقُولُ: كُنْتُ أقْطَعُ اللَّحْمَ فَقَطَعْتُ يَدِي، وهو مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لِلتَّقْطِيعِ عِنْدَ بَعْضٍ.
فِي الكَشْفِ إنَّهُ مَعْنًى مَجازِيٌّ عَلى الأصَحِّ، والتَّضْعِيفُ لِلتَّكْثِيرِ إمّا بِالنِّسْبَةِ لِكَثْرَةِ القاطِعاتِ، وإمّا بِالنِّسْبَةِ لِكَثْرَةِ القَطْعِ في يَدِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ فَسَّرَ التَّقْطِيعَ بِالإبانَةِ، والمَعْنى الأوَّلُ أسْرَعُ تَبادُرًا إلى الذِّهْنِ، وحَمْلُ الأيْدِي عَلى الجَوارِحِ المَعْلُومَةِ مِمّا لا يَكادُ يُفْهَمُ خِلافُهُ، ومِنَ العَجِيبِ ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ مِن أنَّ المُرادَ بِها الأكْمامُ، وأظُنُّ أنَّ مَنشَأ هَذا مَحْضُ اسْتِبْعادِ وُقُوعِ التَّقْطِيعِ عَلى الأيْدِي بِالمَعْنى المُتَبادَرِ، ولَعَمْرِي لَوْ عُرِضَ ما قالَهُ عَلى أدْنى الأفْهامِ لاسْتَبْعَدَتْهُ ﴿ وقُلْنَ ﴾ تَنْزِيهًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَنْ صِفاتِ التَّقْصِيرِ والعَجْزِ وتَعَجُّبًا مِن قُدْرَتِهِ جَلَّ وعَلا عَلى مِثْلِ ذَلِكَ الصُّنْعِ البَدِيعِ ﴿ حاشَ لِلَّهِ ﴾ أصْلُهُ حاشا اللَّهَ بِالألِفِ كَما قَرَأ أبُو عَمْرٍو في الدَّرَجِ فَحُذِفَتْ ألِفُهُ الأخِيرَةُ تَخْفِيفًا، وهو عَلى ما قِيلَ: حَرْفٌ وُضِعَ لِلِاسْتِثْناءِ والتَّنْزِيهِ مَعًا ثُمَّ نُقِلَ وجُعِلَ اسْمًا بِمَعْنى التَّنْزِيهِ وتَجَرَّدَ عَنْ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ ولَمْ يُنَوَّنْ مُراعاةً لِأصْلِهِ المَنقُولِ عَنْهُ، وكَثِيرًا ما يُراعُونَ ذَلِكَ، ألا تَراهم قالُوا: جَلَسْتُ مِن عَنْ يَمِينِهِ؟
فَجَعَلُوا -عَنْ- اسْمًا ولَمْ يُعْرِبُوهُ، وقالُوا: غَدَتْ مِن عَلَيْهِ فَلَمْ يُثْبِتُوا ألِفَ عَلى مَعَ المُضْمَرِ كَما أثْبَتُوا ألِفَ فَتى في فَتاهُ كُلُّ ذَلِكَ مُراعاةٌ لِلْأصْلِ، واللّامُ لِلْبَيانِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، ورَدَ في البَحْرِ دَعْوى إفادَتِهِ والتَّنْزِيهِ في الِاسْتِثْناءِ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عِنْدَ النُّحاةِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، وحاشا زَيْدًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ عَدَمَ ذِكْرِ النُّحاةِ ذَلِكَ لا يَضُرُّ لِأنَّهُ وظِيفَةُ اللُّغَوِيِّينَ لا وظِيفَتُهُمْ، واعْتَرَضَ بَعْضُهم حَدِيثَ النَّقْلِ بِأنَّ الحَرْفَ لا يَكُونُ اسْمًا إلّا إذا نُقِلَ وسُمِّيَ بِهِ وجُعِلَ عَلَمًا، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ فِيهِ الحِكايَةُ والإعْرابُ، ولِذا جَعَلَهُ ابْنُ الحاجِبِ اسْمَ فِعْلٍ بِمَعْنى بَرِئَ اللَّهُ تَعالى مِنَ السُّوءِ، ولَعَلَّ دُخُولَ اللّامِ كَدُخُولِها في ﴿ هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ ﴾ ، وكَوْنُ المَعْنى عَلى المَصْدَرِيَّةِ لا يَرُدُّ عَلَيْهِ لِأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أسْماءَ الأفْعالِ مَوْضُوعَةٌ لِمَعانِي المَصادِرِ وهو المَنقُولُ عَنِ الزَّجّاجِ، نَعَمْ ذَهَبَ المُبَرِّدُ وأبُو عَلِيٍّ وابْنُ عَطِيَّةَ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى جانِبٍ، وأصْلُهُ مِن حاشِيَةِ الشَّيْءِ وحْشَيُهُ أيْ جانِبُهُ وناحِيَتُهُ، وفِيهِ ضَمِيرُ يُوسُفَ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ أيْ جانِبَ يُوسُفَ ما قَرِفَ بِهِ لِلَّهِ تَعالى أيْ لِأجْلِ خَوْفِهِ ومُراقَبَتِهِ، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ وبُعْدُهُ كَأنَّهُ صارَ في جانِبٍ عَمّا اتُّهِمَ بِهِ لِما رُؤِيَ فِيهِ مِن آثارِ العِصْمَةِ وأُبَّهَةِ النُّبُوَّةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى هَذا يُفَوِّتُ مَعْنى التَّعَجُّبِ، واسْتَدَلَّ عَلى اسْمِيَّتِها بِقِراءَةِ أبِي السِّمالِ (حاشًا لِلَّهِ) بِالتَّنْوِينِ، وهو في ذَلِكَ عَلى حَدِّ: سَقْيًا لَكَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ اسْمَ فِعْلٍ والتَّنْوِينُ كَما في صَهٍ وكَذا بِقِراءَةِ أُبَيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -حاشا اللَّهِ- بِالإضافَةِ كَسُبْحانَ اللَّهِ، وزَعَمَ الفارِسِيُّ أنَّ (حاشا) في ذَلِكَ حَرْفُ جَرٍّ مُرادًا بِهِ الِاسْتِثْناءُ كَما في قَوْلِهِ: (حاشا) أبِي ثَوْبانَ إنَّ أبا ∗∗∗ ثَوْبانَ لَيْسَ بِبِكْمَةٍ فَدَمِ ورُدَّ بِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ هُنا ما يُسْتَثْنى مِنهُ، وجاءَ في رِوايَةٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ -حاشْ لِلَّهِ- بِسُكُونِ الشِّينِ وصْلًا ووَقْفًا مَعَ لامِ الجَرِّ في الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى أنَّ الفَتْحَةَ أتْبَعَتِ الألِفَ في الإسْقاطِ لِأنَّها كالعَرَضِ اللّاحِقِ لَها، وضُعِّفَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّ فِيها التِقاءَ السّاكِنِينِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ -حاشَ الإلَهَ- وقَرَأ الأعْمَشُ -حَشا لِلَّهِ- بِحَذْفِ الألِفِ الأُولى، هَذا واسْتَدَلَّ المُبَرَّدُ، وابْنُ جِنِّيٍّ، والكُوفِيُّونَ عَلى أنَّ -حاشٍ- قَدْ تَكُونُ فِعْلًا بِالتَّصَرُّفِ فِيها بِالحَذْفِ كَما عَلِمَتْ في هَذِهِ القِراءاتِ، وبِأنَّهُ قَدْ جاءَ المُضارِعُ مِنها كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: ولا أرى فاعِلًا في النّاسِ يُشْبِهُهُ ∗∗∗ ولا -أُحاشِي- مِنَ الأقْوامِ مِن أحَدٍ ومَقْصُودُهُمُ الرَّدُّ عَلى -س- وأكْثَرِ البَصْرِيَّةِ حَيْثُ أنْكَرُوا فِعْلِيَّتَها، وقالُوا: إنَّها حَرْفٌ دائِمًا بِمَنزِلَةِ إلّا لَكِنَّها تَجُرُّ المُسْتَثْنى، وكَأنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّصْبُ بِها كَما في قَوْلِهِ: حاشا قُرَيْشًا فَإنَّ اللَّهَ فَضَّلَهم.
ورُبَّما يُجِيبُونَ عَنِ التَّصَرُّفِ بِالحَذْفِ بِأنَّ الحَذْفَ قَدْ يَدْخُلُ الحَرْفَ كَقَوْلِهِمْ: أما واللَّهِ وأمَ واللَّهِ، نَعَمْ رُدَّ عَلَيْهِمْ أيْضًا بِأنَّها تَقَعُ قَبْلَ حَرْفِ الجَرِّ، ويُقابِلُ هَذا القَوْلَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَرّاءُ مِن أنَّها لا تَكُونُ حَرْفًا أصْلًا بَلْ هي فِعْلٌ دائِمًا ولا فاعِلَ لَها، والجَرُّ الوارِدُ بَعْدَها كَما في.
حاشايَ إنِّي مُسْلِمٌ مَعْذُورٌ.
والبَيْتُ المارُّ آنِفًا بِلامٍ مُقَدَّرَةٍ، والحَقُّ أنَّها تَكُونُ فِعْلًا تارَةً فَيَنْصِبُ ما بَعْدَها ولَها فاعِلٌ وهو ضَمِيرٌ مُسْتَكِنٌّ فِيها وُجُوبًا يَعُودُ إمّا عَلى البَعْضِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ، أوِ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، ولِذا لَمْ يُثَنَّ ولَمْ يُجْمَعْ ولَمْ يُؤَنَّثْ، وحُرُوفًا أُخْرى ويُجَرُّ ما بَعْدَها، ولا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ كالحُرُوفِ الزّائِدَةِ عِنْدَ ابْنِ هِشامٍ، أوْ تَتَعَلَّقُ بِما قَبْلَها مِن فِعْلٍ أوْ شَبَهِهِ عِنْدَ بَعْضٍ، ولا تَدْخُلُ عَلَيْها إلّا كَما إذا كانَتْ فِعْلًا خِلافًا لِلْكِسائِيِّ في زَعْمِهِ جَوازَ ذَلِكَ إذا جَرَتْ، وأنَّها إذا وقَعَتْ قَبْلَ لامِ الجَرِّ كانَتِ اسْمَ مَصْدَرٍ مُرادِفًا لِلتَّنْزِيهِ، وتَمامُ الكَلامِ في مَحَلِّهِ ﴿ ما هَذا بَشَرًا ﴾ نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ لِما شاهَدْنَ مِن جَمالِهِ الَّذِي لَمْ يُعْهَدْ مِثالُهُ في النَّوْعِ الإنْسانِيِّ، وقَصَرَهُنَّ عَلى المَلَكِيَّةِ بِقَوْلِهِنَّ: ﴿ إنْ هَذا ﴾ أيْ ما هَذا ﴿ إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ أيْ شَرِيفٌ كَثِيرُ المَحاسِنِ بِناءً عَلى ما رَكَزَ في الطِّباعِ مِن أنَّهُ لا حَيَّ أحْسَنُ مِنَ المَلَكِ كَما رَكَزَ فِيها أنْ لا أقْبَحَ مِنَ الشَّيْطانِ، ولِذا لا يَزالُ يُشَبَّهُ بِهِما كُلُّ مُتَناهٍ في الحُسْنِ والقُبْحِ وإنْ لَمْ يَرَهُما أحَدٌ، وأنْشَدُوا لِبَعْضِ العَرَبِ: فَلَسْتُ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلاكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَّماءِ يُصَوِّبُ وكَثُرَ في شِعْرِ المُحْدَثِينَ ما هو مِن هَذا البابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: تَرَكَ إذا قُوبِلُوا كانُوا مَلائِكَةً ∗∗∗ حُسْنًا وإنْ قُوتِلُوا كانُوا عَفارِيتا وغَرَضُهُنَّ مِن هَذا وصْفُهُ بِأنَّهُ في أقْصى مَراتِبِ الحُسْنِ والكَمالِ المُلائِمِ لِطِباعِهِنَّ، ويُعْلَمُ مِمّا قُرِّرَ أنَّ الآيَةَ لا تَقُومُ دَلِيلًا عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِن بَنِي آدَمَ كَما ظَنَّ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ وأتْباعُهُ وأيَّدَهُ الفَخْرُ -ولا فَخْرَ لَهُ- بِما أيَّدَهُ، وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ الغَرَضَ تَنْزِيهُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا رُمِيَ بِهِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ، وافْتَتَحُوا ذَلِكَ -بِحاشا لِلَّهِ- عَلى ما هو الشّائِعُ في مِثْلِ ذَلِكَ، فَفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ الِاسْتِعْمالُ عَلى أنَّهم إذا أرادُوا تَبْرِئَةَ أحَدٍ مِن سُوءٍ ابْتَدَأُوا تَبْرِئَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ السُّوءِ ثُمَّ يُبَرِّئُونَ مَن أرادُوا تَبْرِئَتَهُ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ لا يُطَهِّرَهُ مِمّا يَضِيمُهُ فَيَكُونُ آكَدَ وأبْلَغَ، والمَنصُورُ ما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ والسِّباقُ، نَعَمْ هَذا الِاسْتِعْمالُ ظاهِرٌ فِيما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ تَعالى عَنِ النِّسْوَةِ: ﴿ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ﴾ و(ما) عامِلَةٌ عَمَلَ لَيْسَ وهي لُغَةٌ لِلْحِجازِيِّينَ لِمُشابَهَتِها لَها في نَفْيِ الحالِ عَلى ما هو المَشْهُورُ في لَيْسَ مِن أنَّها لِذَلِكَ أوْ في مُطْلَقِ النَّفْيِ بِناءً عَلى ما قالَ الرَّضِيُّ مِن أنَّها تَرِدُ لِنَفْيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، والغالِبُ عَلى لُغَتِهِمْ جَرُّ الخَبَرِ بِالباءِ حَتّى أنَّ النَّحْوِيِّينَ لَمْ يَجِدُوا شاهِدًا عَلى النَّصْبِ في أشْعارِهِمْ غَيْرَ قَوْلِهِ: وأنا النَّذِيرُ بِحُرَّةٍ مُسَوَّدَةٍ ∗∗∗ تَصِلُ الجُيُوشُ إلَيْكم قِوادَها أبْناؤُها مُتَكَنِّفُونَ أباهم ∗∗∗ حَنَقُوا الصُّدُورَ وما هم أوْلادَها والزَّمَخْشَرِيُّ يُسَمِّي هَذِهِ اللُّغَةَ: اللُّغَةُ القُدْمى الحِجازِيَّةُ، ولُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ في مِثْلِ ذَلِكَ الرَّفْعُ، وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُهُ: ومُهَفْهَفُ الأعْطافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ ∗∗∗ فَأجابَ ما قَتْلُ المُحِبِّ حَرامُ وبِلُغَتِهِمْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِها أحَدٌ هُنا، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو الحُوَيْرِثِ الحَنَفِيُّ -ما هَذا بِشِرى- بِالباءِ الجارَّةِ وكَسْرِ الشِّينِ عَلى أنَّ شِرى -كَما قالَ صاحِبُ اللَّوائِحِ- مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ المَفْعُولِ بِهِ أيْ ما هَذا بِمَشْرِيٍّ أيْ لَيْسَ مِمَّنْ يُشْتَرى بِمَعْنى أنَّهُ أعَزُّ مِن أنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
ورَوى هَذِهِ القِراءَةَ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو أيْضًا إلّا أنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ كَسَرَ اللّامَ مِن مَلِكٍ، ورَوى الكَسْرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الحَسَنِ، وأبِي الحُوَيْرِثِ أيْضًا، والمُرادُ إدْخالُهُ في حَيِّزِ المُلُوكِ بَعْدُ، فَفي كَوْنِهِ مِمّا يَصْلُحُ لِلْمُلُوكِيَّةِ فَبَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ تَناسُبٌ ظاهِرٌ، وكَأنَّ بَعْضَهم لَمْ يَرَ أنَّ مَن قَرَأ بِذَلِكَ قَرَأ أيْضًا (مَلِكٌ) بِكَسْرِ اللّامِ فَقالَ: لِتَحْصِيلِ التَّناسُبِ بَيْنَهُما في تَفْسِيرِ ذَلِكَ أيْ ما هَذا بِعَبْدٍ مُشْتَرًى لَئِيمٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يُقالُ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ مُخالِفَةٌ لِمُقْتَضى المَقامِ، نَعَمْ إنَّها مُخالِفَةٌ لِرَسْمِ المُصْحَفِ لِأنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ ذَلِكَ بِالياءِ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَتْ فَذَلِكُنَّ ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ والخِطابُ لِلنِّسْوَةِ والإشارَةُ -حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ- إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعُنْوانِ الَّذِي وصَفَتْهُ بِهِ الآنَ مِنَ الخُرُوجِ في الحُسْنِ والكَمالِ عَنِ المَراتِبِ البَشَرِيَّةِ، والِاقْتِصارِ عَلى المَلَكِيَّةِ، أوْ بِعُنْوانِ ما ذَكَرَ مَعَ الأخْبارِ وتَقْطِيعِ الأيْدِي بِسَبَبِهِ أيْضًا، فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولُ خَبَرُهُ، والمَعْنى إنْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتُنَّ فَذَلِكُنَّ المَلَكُ الكَرِيمُ الخارِجُ في الحُسْنِ عَنِ المَراتِبِ البَشَرِيَّةِ، أوِ الَّذِي قَطَعْتُنَّ أيْدِيَكُنَّ بِسَبَبِهِ وأكْبَرْتُنَّهُ ووَصَفْتُنَّهُ بِما وصَفْتُنَّهُ هو ﴿ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ أيْ عَيَّرْتُنَّنِي في الِافْتِتانِ فِيهِ أوْ بِالعُنْوانِ الَّذِي وصَفْنَهُ بِهِ فِيما سَبَقَ بِقَوْلِهِنَّ: امْرَأةُ العَزِيزِ عَشِقَتْ عَبْدَها الكَنْعانِيَّ، فاسْمُ الإشارَةِ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَخَلَتِ الفاءُ عَلَيْهِ بَعْدَ حَذْفِهِ، والمَوْصُولُ صِفَةُ اسْمِ الإشارَةِ أيْ فَهو ذَلِكُنَّ العَبْدُ الكَنْعانِيُّ الَّذِي صَوَّرْتُنَّ في أنْفُسِكُنَّ وقُلْتُنَّ فِيهِ وفِيَّ ما قُلْتُنَّ، فالآنَ قَدْ عَلِمْتُنَّ مَن هو وما قَوْلُكُنَّ فِينا، وقِيلَ: أرادَتْ هَذا ذَلِكَ العَبْدَ الكَنْعانِيَّ الَّذِي صَوَّرْتُنَّ في أنْفُسِكُنَّ ثُمَّ لُمْتُنَّنِي فِيهِ عَلى مَعْنى أنَّكُنَّ لَمْ تُصَوِّرْنَهُ بِحَقِّ صُورَتِهِ ولَوْ صَوَّرْتُنَّهُ بِما عايَنْتُنَّ لَعَذَرْتُنَّنِي في الِافْتِتانِ بِهِ، والإشارَةُ بِما يُشارُ بِهِ إلى البَعِيدِ مَعَ قُرْبِ المُشارِ إلَيْهِ وحُضُورِهِ قِيلَ: رَفْعًا لِمَنزِلَتِهِ في الحُسْنِ واسْتِبْعادًا لِمَحَلِّهِ فِيهِ، وإشارَةً إلى أنَّهُ لِغَرابَتِهِ بَعِيدٌ أنْ يُوجَدَ مِثْلُهُ.
وقِيلَ: إنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في وقْتِ اللَّوْمِ غَيْرَ حاضِرٍ وهو عِنْدَ هَذا الكَلامِ كانَ حاضِرًا فَإنْ جُعِلَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ الزَّمانِ الأوَّلِ كانَتْ عَلى أصْلِها، وإنْ لُوحِظَ الثّانِي كانَ قَرِيبًا، وكانَتِ الإشارَةُ بِما ذُكِرَ لِتَنْزِيلِهِ لِعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ مَنزِلَةَ البَعِيدِ، واحْتِمالُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أبْعَدُ عَنْهُنَّ وقْتَ هَذا الكَلامِ لِئَلّا يَزْدَدْنَ دَهْشَةً وفِتْنَةً ولِذا أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ بِعِيدٌ.
وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَ الإشارَةِ إلى حُبِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ (فِيهِ) عائِدٌ إلَيْهِ، وجَعَلَ الإشارَةَ عَلى هَذا إلى غائِبٍ عَلى بابِها ويُبْعِدُهُ عَلى ما فِيهِ ﴿ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ وهو إباحَةٌ مِنها بِبَقِيَّةِ سِرِّها بَعْدَ أنْ أقامَتْ عَلَيْهِنَّ الحُجَّةَ وأوْضَحَتْ لَدَيْهُنَّ عُذْرَها وقَدْ أصابَهُنَّ مِن قِبَلِهِ ما أصابَها أيْ واللَّهِ لَقَدْ راوَدْتُهُ حَسْبَما قُلْتُنَّ وسَمِعْتُنَّ ﴿ فاسْتَعْصَمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ طَلَبَ العِصْمَةَ وتَمَسَّكَ بِها وعَصانِي.
وفِي الكَشّافِ أنَّ الِاسْتِعْصامَ بِناءً مُبالَغَةٌ يَدُلُّ عَلى الِامْتِناعِ البَلِيغِ والتَّحَفُّظِ الشَّدِيدِ كَأنَّهُ في عِصْمَةٍ وهو مُجْتَهِدٌ في الِاسْتِزادَةِ مِنها، ونَحْوُهُ اسْتَمْسَكَ واسْتَوْسَعَ الفَتْقُ واسْتَجْمَعَ الرَّأْيُ واسْتَفْحَلَ الخَطْبُ اهـ.
وفِي البَحْرِ والَّذِي ذَكَرَهُ الصَّرْفِيُّونَ في (اسْتَعْصَمَ) أنَّهُ مُوافِقٌ لِاعْتَصَمَ، وأمّا اسْتَمْسَكَ واسْتَوْسَعَ واسْتَجْمَعَ فاسْتَفْعَلَ فِيهِ أيْضًا مُوافِقَةٌ لِافْتَعَلَ، والمَعْنى امْتَسَكَ واتَّسَعَ واجْتَمَعَ، وأمّا اسْتَفْحَلَ فاسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافِقَةٌ لِتَفَعَّلَ أيْ تَفَحَّلَ نَحْوَ اسْتَكْبَرَ وتَكَبَّرَ، فالمَعْنى فامْتَنَعَ عَمّا أرادَتْ مِنهُ، وبِالِامْتِناعِ فُسِّرَتِ العِصْمَةُ عَلى إرادَةِ الطَّلَبِ لِأنَّهُ هو مَعْناها لُغَةً، قِيلَ: وعَنَثَ بِذَلِكَ فِرارُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها فَإنَّهُ امْتَنَعَ مِنها أوَّلًا بِالمَقالِ ثُمَّ لَمّا لَمْ يُفِدْهُ طَلَبَ ما يَمْنَعُهُ مِنها بِالفِرارِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالعِصْمَةِ ما أوْدَعَهُ اللَّهُ تَعالى في بَعْضِ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِمّا يَمْنَعُ عَنِ المَيْلِ لِلْمَعاصِي، فَإنَّهُ مَعْنًى عُرْفِيٌّ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ بَلْ لَوْ كانَ لَمْ يَكُنْ مُرادًا كَما لا يَخْفى، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ مَعَ أنَّ مَضْمُونَها مِن مُراوَدَتِها لَهُ عَنْ نَفْسِهِ مِمّا تَحَدَّثَ بِهِ النِّسْوَةُ لِإظْهارِ ابْتِهاجِها بِذَلِكَ.
وقِيلَ: إنَّهُ بِاعْتِبارِ المَعْطُوفِ وهو الِاسْتِعْصامُ كَأنَّها نَظَّمَتْهُ لِقُوَّةِ الدّاعِي إلى خِلافِهِ مِن كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في عُنْفُوانِ الشَّبابِ ومَزِيدِ اخْتِلاطِهِ مَعَها ومُراوَدَتِها إيّاهُ مَعَ ارْتِفاعِ المَوانِعِ فِيما تَظُنُّ في سَلْكِ ما يُنْكِرُ ويُكَذِّبُ المُخْبَرُ بِهِ فَأكَّدَتْهُ لِذَلِكَ وهو كَما تَرى، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ ما سَوَّدَ بِهِ القَصّاصُ وُجُوهَ الطُّرُوسِ، ولَيْتَ السُّدِّيَّ لَوْ كانَ قَدْ سَدَّ فاهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ فاسْتَعْصَمَ ﴾ بَعْدَ حَلِّ سَراوِيلِهِ، ثُمَّ إنَّها بَعْدَ أنِ اعْتَرَفَتْ لَهُنَّ بِما سَمِعْنَهُ وتُحَدِّثُهُنَّ بِهِ وأظْهَرَتْ مِن إعْراضِهِ عَنْها واسْتِعْصامِهِ ما أظْهَرَتْ ذَكَرَتْ أنَّها مُسْتَمِرَّةٌ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ لا يَلْوِيها عَنْها لَوْمٌ ولا إعْراضٌ فَقالَتْ: ﴿ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ ﴾ أيِ الَّذِي آمُرُ بِهِ فِيما سَيَأْتِي كَما لَمْ يَفْعَلْ فِيما مَضى -فَما- مَوْصُولَةٌ والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ والعائِدُ الهاءُ، وقَدْ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِنهُ فاتَّصَلَ بِالفِعْلِ وهَذا أمْرٌ شائِعٌ مَعَ -أمَرَ- كَقَوْلِهِ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ.
ومَفْعُولُ -أمَرَ- الأوَّلِ إمّا مَتْرُوكٌ لِأنَّ مَقْصُودَها لُزُومُ امْتِثالِ ما أمَرَتْ بِهِ مُطْلَقًا كَما قِيلَ، وإمّا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ (يَفْعَلُ) عَلَيْهِ وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى يُوسُفَ أيْ ما آمُرُهُ بِهِ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَوْجُودُ هو العائِدَ عَلى يُوسُفَ والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ أيْ بِهِ، ويُعْتَبَرُ الحَذْفُ تَدْرِيجًا لِاشْتِراطِهِمْ في حَذْفِ العائِدِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ كَوْنَهُ مَجْرُورًا بِمِثْلِ ما جُرَّ بِهِ المَوْصُولُ لَفْظًا ومَعْنًى ومُتَعَلِّقًا، وإذا اعْتُبِرَ التَّدْرِيجُ في الحَذْفِ يَكُونُ المَحْذُوفُ مَنصُوبًا، وكَذا يُقالُ في أمْثالِ ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ المُنِيرِ في تَفْسِيرِهِ: إنَّ هَذا الجارَّ مِمّا أنِسَ حَذْفُهُ فَلا يُقَدَّرُ العائِدُ إلّا مَنصُوبًا مَفْصُولًا كَأنَّهُ قِيلَ: أُمِرَ يُوسُفُ إيّاهُ لِتَعَذُّرِ اتِّصالِ ضَمِيرَيْنِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، فالضَّمِيرُ المَذْكُورُ لِيُوسُفَ أيْ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ أمْرِي إيّاهُ، ومَعْنى فِعْلِ الأمْرِ فِعْلُ مُوجِبِهِ ومُقْتَضاهُ فَهو إمّا عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ أوْ تَقْدِيرِ المُضافِ، وعَبَّرَتْ عَنْ مُراوَدَتِها بِالأمْرِ إظْهارًا لِجَرَيانِ حُكُومَتِها عَلَيْهِ واقْتِضاءً لِلِامْتِثالِ لِأمْرِها ﴿ لَيُسْجَنَنَّ ﴾ بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ آثَرَتْ بِناءَ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى رَسْمِ المُلُوكِ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ إيهامًا لِسُرْعَةِ تَرَتُّبِ ذَلِكَ عَلى عَدَمِ امْتِثالِهِ لِأمْرِها كَأنَّهُ لا يَدْخُلُ بَيْنَهُما فِعْلُ فاعِلٍ.
﴿ ولَيَكُونًا ﴾ بِالمُخَفَّفَةِ ﴿ مِنَ الصّاغِرِينَ ﴾ أيِ الأذِلّاءِ المُهانِينَ، وهو مِن صَغِرَ كَفَرِحَ، ومَصْدَرُ صَغَرَ بِفَتْحَتَيْنِ، وصُغْرًا بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وصَغارٌ بِالفَتْحِ، وهَذا في القَدْرِ، وأمّا في الجُثَّةِ والجُرْمِ فالفِعْلُ صَغُرَ كَكَرُمَ، ومَصْدَرُهُ صِغَرٌ كَعِنَبٍ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الصَّغارَ مَصْدَرًا لِهَذا أيْضًا، وكَذا الصَّغَرُ بِالتَّحْرِيكِ، والمَشْهُورُ الأوَّلُ، وأكَّدَتِ السَّجْنَ بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ قِيلَ: لِتَحَقُّقِهِ، وما بَعْدَهُ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ.
وقِيلَ: لِأنَّ ذَلِكَ الكَوْنَ مِن تَوابِعِ السَّجْنِ ولَوازِمِهِ، فاكْتَفَتْ في تَأْكِيدِهِ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ بَعْدَ أنْ أكَّدَتِ الأوَّلَ بِالثَّقِيلَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالتَّثْقِيلِ فِيهِما، وهو مُخالِفٌ لِرَسْمِ المُصْحَفِ لِأنَّ النُّونَ رُسِمَتْ فِيهِ بِالألِفِ -كَنَسْفَعًا- عَلى حُكْمِ الوَقْفِ وهي يُوقَفُ عَلَيْها بِالألْفِ كَما في قَوْلِ الأعْشى.
ولا تَعْبُدُ الشَّيْطانَ واللَّهَ فاعْبُدا.
وذَلِكَ في الحَقِيقَةِ لِشَبَهِها بِالتَّنْوِينِ لَفْظًا لِكَوْنِها نُونًا ساكِنَةً مُفْرَدَةً تَلْحَقُ الآخِرَ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى حَرْفِ الشَّرْطِ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ سادٌّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ، ولا يَخْفى شِدَّةُ ما تَوَعَّدْتَ بِهِ كَيْفَ وأنَّ لِلذُّلِّ تَأْثِيرًا عَظِيمًا في نُفُوسِ الأحْرارِ وقَدْ يُقَدِّمُونَ المَوْتَ عَلَيْهِ وعَلى ما يَجُرُّ إلَيْهِ: قِيلَ: ولَمْ تَذْكُرِ العَذابَ الألِيمَ الَّذِي ذَكَرَتْهُ في ﴿ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا ﴾ إلَخْ لِأنَّها إذْ ذاكَ كانَتْ في طَراوَةِ غَيْظِها ومُتَنَصِّلَةً مِن أنَّها هي الَّتِي راوَدَتْهُ فَناسَبَ هُناكَ التَّغْلِيظُ بِالعُقُوبَةِ، وأمّا هُنا فَإنَّها في طَماعِيَةٍ ورَجاءٍ، وإقامَةُ عُذْرِها عِنْدَ النِّسْوَةِ فَرَقَّتْ عَلَيْهِ فَتَوَعَّدَتْهُ بِالسَّجْنِ وما هو مِن فُرُوعِهِ ومُسْتَتْبَعاتِهِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَها: ﴿ ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ ﴾ إنَّما أتَتْ بِهِ بَدَلَ قَوْلِها هُناكَ: ﴿ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ذُلُّهُ بِالقَيْدِ أوْ بِالضَرْبِ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أنَّها أرادَتْ بِالذُّلِّ والعَذابِ الألِيمِ ما يَكُونُ بِالضَّرْبِ بِالسِّياطِ فَقَطْ، أوْ ما يَكُونُ بِهِ أوْ بِغَيْرِهِ، أوْ أرادَتْ بِالذُّلِّ ما يَكُونُ بِالضَّرْبِ، وبِالعَذابِ الألِيمِ ما يَكُونُ بِهِ أوْ بِغَيْرِهِ، أوْ بِالعَكْسِ، وكَيْفَما كانَ الأمْرُ فَما طَلَبَتْهُ هُنا أعْظَمُ مِمّا لَوَّحَتْ بِطَلَبِهِ هُناكَ لِمَكانِ الواوِ هُنا وأوْ هُناكَ، ولَعَلَّها إنَّما بالَغَتْ في ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِن تِلْكَ النِّسْوَةِ لِمَزِيدِ غَيْظِها بِظُهُورِ كَذِبِها وصِدْقِهِ وإصْرارِهِ عَلى عَدَمِ بَلِّ غَلِيلِها، ولِتُعْلِمَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها لَيْسَتْ في أمْرِها عَلى خِيفَةٍ ولا خِفْيَةٍ مِن أحَدٍ، فَيَضِيقُ عَلَيْهِ الحِيَلُ ويَعِي بِهِ العِلَلُ ويَنْصَحْنَ لَهُ ويُرْشِدْنَهُ إلى مُوافَقَتِها فَتَدَبَّرْ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّ سائِلًا يَقُولُ: فَماذا صَنَعَ يُوسُفُ حِينَئِذٍ؟
فَقِيلَ: (قالَ) مُناجِيًا لِرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ رَبِّ السِّجْنُ ﴾ الَّذِي وعَدَتْنِي بِالإلْقاءِ فِيهِ، وهو اسْمٌ لِلْمَحْبَسِ، وقَرَأ عُثْمانُ ومَوْلاهُ طارِقٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ هُرْمُزَ ويَعْقُوبُ (السَّجْنُ) بِفَتْحِ السِّينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ سَجَنَهُ أيْ حَبَسَهُ وهو في القِراءَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، وقَرَأ (رَبُّ) بِالضَّمِّ و(السِّجْنِ) بِكَسْرِ السِّينِ والجَرِّ عَلى الإضافَةِ -فَرَبُّ- حِينَئِذٍ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ هو الخَبَرُ، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ: لِقاءُ صاحِبِ السِّجْنِ أوْ مُقاساةُ أمْرِهِ ﴿ أحَبُّ إلَيَّ ﴾ أيْ آثَرُ عِنْدِي لِأنَّ فِيهِ مَشَقَّةً قَلِيلَةً نافِدَةً إثْرَها راحاتٌ كَثِيرَةٌ أبَدِيَّةٌ ﴿ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ ﴾ مِن مُواتاتِها الَّتِي تُؤَدِّي إلى الشَّقاوَةِ والعَذابِ الألِيمِ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ لَيْسَتْ عَلى بابِها إذْ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شائِبَةُ مَحَبَّةٍ لِما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ وإنَّما هو والسِّجْنُ شَرّانِ أهْوَنُهُما وأقْرَبُهُما إلى الإيثارِ السِّجْنُ، والتَّعْبِيرُ عَنِ الإيثارِ بِالمَحَبَّةِ لِحَسْمِ مادَّةِ طَمَعِها عَنِ المُساعَدَةِ لَها عَلى مَطْلُوبِها خَوْفًا مِنَ الحَبْسِ، والِاقْتِصارُ عَلى السَّجْنِ لِكَوْنِ الصِّغارِ مِن مُسْتَتْبَعاتِهِ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: اكْتَفى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ السِّجْنِ عَنْ ذِكْرِهِ لِوَفائِهِ بِالغَرَضِ وهو قَطْعُ طَمَعِها عَنِ المُساعَدَةِ خَوْفًا مِمّا تَوَعَّدَتْهُ لِأنَّها تَظُنُّ أنَّ السِّجْنَ أشَدُّ عَلَيْهِ مِنَ الصِّغارِ بِناءً عَلى زَعْمِها أنَّهُ فَتاها حَقِيقَةً وأنَّ الفِتْيانَ لا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مَشَقَّةَ السَّجْنِ، ومَتى كانَ الأشَدُّ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا يَدْعُونَهُ إلَيْهِ كانَ غَيْرُ الأشَدِّ أحَبَّ إلَيْهِ مِن بابٍ أوْلى، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، وإسْنادُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِنَّ لِأنَّهُنَّ خَوَّفْنَهُ عَنْ مُخالَفَتِها وزَيَّنَّ لَهُ مُطاوَعَتَها، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُنَّ قُلْنَ لَهُ: أطِعْ مَوْلاتَكَ واقْضِ حاجَتَها لِتَأْمَنَ مِن عُقُوبَتِها فَإنَّها المَظْلُومَةُ وأنْتَ الظّالِمُ، ورُوِيَ أنَّ كُلًّا مِنهُنَّ طَلَبَتِ الخَلْوَةَ لِنَصِيحَتِهِ فَلَمّا خَلَتْ بِهِ دَعَتْهُ إلى نَفْسِها، وعَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِ سِرًّا تَسْألُهُ الزِّيارَةَ، فَإسْنادُ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ لِأنَّهُنَّ أيْضًا دَعَوْنَهُ إلى أنْفُسِهِنَّ صَرِيحًا أوْ إشارَةً.
وفِي أثَرٍ ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَ: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ ﴾ إلَخْ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا يُوسُفُ أنْتَ جَنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ ولَوْ قُلْتَ: العافِيَةُ أحَبُّ إلَيَّ عُوفِيتَ، ولِذَلِكَ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى مَن كانَ يَسْألُ الصَّبْرَ، فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ «عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا وهو يَقُولُ: ”اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الصَّبْرَ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: سَألْتَ اللَّهَ تَعالى البَلاءَ فاسْألْهُ العافِيَةَ“».
﴿ وإلا تَصْرِفْ ﴾ أيْ وإنْ لَمْ تَدْفَعْ ﴿ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ في تَحْبِيبِ ذَلِكَ إلَيَّ وتَحْسِينِهِ لَدَيَّ بِأنْ تُثَبِّتَنِي عَلى ما أنا عَلَيْهِ مِنَ العِصْمَةِ والعِفَّةِ ﴿ أصْبُ إلَيْهِنَّ ﴾ أيْ أمِلْ عَلى قَضِيَّةِ الطَّبِيعَةِ وحُكْمِ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ إلى إجابَتِهِنَّ بِمُواتاتِها، أوْ إلى أنْفُسِهِنَّ وهو كِنايَةٌ عَنْ مُواتاتِهِنَّ، وهَذا فَزَعٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى ألْطافِ اللَّهِ تَعالى جَرْيًا عَلى سُنَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والصّالِحِينَ في قَصْرِ نَيْلِ الخَيْراتِ والنَّجاةِ عَنِ الشُّرُورِ عَلى جَنابِ اللَّهِ تَعالى وسَلْبِ القُوى والقُدَرِ عَنْ أنْفُسِهِمْ ومُبالَغَةً في اسْتِدْعاءِ لُطْفِهِ سُبْحانَهُ في صَرْفِ كَيْدِهِنَّ بِإظْهارِ أنَّهُ لا طاقَةَ لَهُ بِالمُدافَعَةِ كَقَوْلِ المُسْتَغِيثِ: أدْرِكْنِي وإلّا هَلَكْتُ لا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَطْلُبُ الإجْبارَ الإلْجاءَ إلى العِصْمَةِ والعِفَّةِ وفي نَفْسِهِ داعِيَةٌ تَدْعُوهُ إلى السُّوءِ كَذا قَرَّرَهُ المَوْلى أبُو السُّعُودِ وهو مَعْنًى لَطِيفٌ، وقَدْ أخَذَهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ لَكِنْ قالَ القُطْبُ وغَيْرُهُ: إنَّهُ فِرارٌ إلى الِاعْتِزالِ وإشارَةٌ إلى جَوابِ اسْتِدْلالِ الأشاعِرَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَنْصَرِفُ عَنِ المَعْصِيَةِ إلّا إذا صَرَفَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ الإمامُ بِما قَرَّرَهُ فَلْيُراجَعْ ولْيُتَأمَّلْ، وأصْلُ (إلّا) إنْ لا فَهي مُرَكَّبَةٌ مِن إنِ الشَّرْطِيَّةِ ولا النّافِيَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقَدْ أُدْغِمَتْ فِيهِ النُّونُ بِاللّامِ و(أصْبُ) مِن صَبا يَصْبُو صَبْوًا وصَبْوَةً إذا مالَ إلى الهَوى، ومِنهُ الصَّبا لِلرِّيحِ المَخْصُوصَةِ لِأنَّ النُّفُوسَ تَمِيلُ إلَيْها لِطِيبِ نَسِيمِها ورُوحِها، مُضارِعٌ مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ السِّجْنُ أحَبُّ ﴾ وجِيءَ بِالأُولى اسْمِيَّةً دُونَ الثّانِيَةِ لِأنَّ أحْبِيَّتَهُ السِّجْنَ مِمّا يَدْعُونَهُ إلَيْهِ كانَتْ ثابِتَةً مُسْتَمِرَّةً ولا كَذَلِكَ الصَّرْفُ المَطْلُوبُ، وقُرِئَ (أصْبُ) مِن صَبَيْتُ صَبابَةً إذا عَشِقْتَ، وفي البَحْرِ الصَّبابَةُ إفْراطُ الشَّوْقِ كَأنَّ صاحِبَها يَنْصَبُّ فِيما يَهْوى، والفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى المَيْلِ أيْضًا ولِذا عُدِّيَ بِإلى أيْ أصْبُ مائِلًا إلَيْهِنَّ ﴿ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ أيِ الَّذِينَ لا يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ لِأنَّ مَن لا جَدْوى لِعِلْمِهِ فَهو ومَن لا يَعْلَمُ سَواءٌ، أوْ مِنَ السُّفَهاءِ بِارْتِكابِ ما يَدْعُونَنِي إلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ لِأنَّ الحَكِيمَ لا يَفْعَلُ القَبِيحَ، فالجَهْلُ بِمَعْنى السَّفاهَةِ ضِدُّ الحِكْمَةِ لا بِمَعْنى عَدَمِ العِلْمِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ؎ألا لا يَجْهَلَنَّ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا <div class="verse-tafsir"
﴿ فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ ﴾ أيْ أجابَ لَهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ دُعاءَهُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿ وإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ في قُوَّةِ قَوْلِهِ: اصْرِفْهُ عَنِّي بَلْ أقْوى مِنهُ في اسْتِدْعاءِ الصَّرْفِ عَلى ما عَلِمْتَ، وفي إسْنادِ الِاسْتِجابَةِ إلى الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما لا يَخْفى مِن إظْهارِ اللُّطْفِ، وزادَ حُسْنَ مَوْقِعِ ذَلِكَ افْتِتاحُ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِدائِهِ تَعالى بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ ﴿ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ﴾ حَسَبَ دُعائِهِ بِأنْ ثَبَّتَهُ عَلى العِصْمَةِ والعِفَّةِ وحالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْصِيَةِ ﴿ إنَّهُ هو السَّمِيعُ ﴾ لِدُعاءِ المُتَضَرِّعِينَ إلَيْهِ ﴿ العَلِيمُ ﴾ بِأحْوالِهِمْ وما انْطَوَتْ عَلَيْهِ نِيّاتُهم وبِما يُصْلِحُهم لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ <div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ بَدا لَهُمْ ﴾ أيْ ظَهَرَ لِلْعَزِيزِ وأصْحابِهِ المُتَصَدِّينَ لِلْحَلِّ والعَقْدِ رُبَّما اكْتَفَوْا بِأمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكِتْمانِ والإعْراضِ عَنْ ذَلِكَ ﴿ مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ ﴾ الصّارِفَةَ لَهم عَنْ ذَلِكَ البَدا وهي الشَّواهِدُ الدّالَّةُ عَلى بَراءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وطَهارَتِهِ مِن قَدِّ القَمِيصِ وقَطْعِ النِّساءِ أيْدِيَهُنَّ، وعَلَيْهِما اقْتَصَرَ قَتادَةُ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وفِيهِ إطْلاقُ الجَمْعِ عَلى اثْنَيْنِ والأمْرُ فِيهِ هَيِّنٌ، وعَنْ مُجاهِدٍ الِاقْتِصارُ عَلى القَدِّ فَقَطْ لِأنَّ القَطْعَ لَيْسَ مِنَ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى البَراءَةِ في شَيْءٍ حِينَئِذٍ لِلتَّعْظِيمِ، ويُحْمَلُ الجَمْعُ حِينَئِذٍ عَلى التَّعْظِيمِ أوْ ألْ عَلى الجِنْسِيَّةِ وهي تُبْطِلُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ كَذا قِيلَ، وهو كَما تَرى، ووَجَّهَ بَعْضُهم عَدَّ القَطْعِ مِنَ الشَّواهِدِ بِأنَّ حُسْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الفاتِنُ لِلنِّساءِ في مَجْلِسٍ واحِدٍ، وفي أوَّلِ نَظْرَةٍ يَدُلُّ عَلى فِتْنَتِها بِالطَّرِيقِ الأُولى وأنَّ الطَّلَبَ مِنها لا مِنهُ، وعَدَّ بَعْضُهُمُ اسْتِعْصامَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ النِّسْوَةِ إذْ دَعَوْنَهُ إلى أنْفُسِهِنَّ فَإنَّ العَزِيزَ وأصْحابَهُ قَدْ سَمِعُوهُ وتَيَقَّنُوا بِهِ حَتّى صارَ كالمُشاهِدِ لَهُمْ، ودَلالَةُ ذَلِكَ عَلى البَراءَةِ ظاهِرَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنِ الآياتِ فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ قَبْلَكَ، مِنَ الآياتِ: قَدُّ القَمِيصِ وأثَرُها في جَسَدِهِ، وأثَرُ السِّكِّينِ، فَعَدَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الأثَرَ مِنَ الآياتِ ولَمْ يُذْكَرْ فِيما سَبَقَ، ومِن هُنا قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ آياتٌ غَيْرُ ما ذُكِرَ تُرِكَ ذِكْرُها كَما تُرِكَ ذِكْرُ كَثِيرٍ مِن مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفاعِلُ (بَدا) ضَمِيرٌ يَعُودُ إمّا لِلْبَداءِ مَصْدَرُ الفِعْلِ المَذْكُورِ أوْ بِمَعْنى الرَّأْيِ كَما في قَوْلِهِ: 50 لَعَلَّكَ والمَوْعُودَ حَقَّ لِقاؤُهُ (بَدا) لَكَ في تِلْكَ القَلُوصِ بِداءُ وإمّا لِلسَّجْنِ بِالفَتْحِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَيَسْجُنُنَّهُ ﴾ وجُمْلَةُ القَسَمِ وجَوابِهِ إمّا مَفْعُولٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِهِمْ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ المُبَرِّدُ، وإمّا مُفَسِّرَةٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (بَدا) فَلا مَوْضِعَ لَها.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ ﴿ لَيَسْجُنُنَّهُ ﴾ جَوابٌ -لِبَدا- لِأنَّهُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، والعَرَبُ تُجْرِيها مَجْرى القَسَمِ وتَتَلَقّاها بِما يَتَلَقّى بِهِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ هو فاعِلُ (بَدا) كَما قالُوا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ ﴾ أنَّ الفاعِلَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ أيْ كَثْرَةُ إهْلاكِنا وكَيْفِيَّةُ فِعْلِنا، وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ مالِكٍ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ أنَّ الفاعِلَ في ذَلِكَ الجُمْلَةِ لِتَأْوِيلِها بِالمُفْرَدِ حَيْثُ قالَ: وجازَ الإسْنادُ في هَذا البابِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ كَما جازَ في بابِ المُبْتَدَأِ نَحْوَ ﴿ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ﴾ وجُمْهُورُ النُّحاةِ لا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ كَما حَقَّقَ في مَوْضِعِهِ.
واخْتارَ المازِنِيُّ في الفاعِلِ الوَجْهَ الأوَّلَ، قِيلَ: وحَسُنَ -بَدا لَهُمْ- بِداءً- وإنْ لَمْ يَحْسُنْ ظَهَرَ لَهم ظُهُورًا لِأنَّ البَداءَ قَدْ اسْتُعْمِلَ في غَيْرِ المَصْدَرِيَّةِ كَما عَلِمْتَ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ الوَجْهَ الأخِيرَ وكَوْنَهُ ضَمِيرَ السَّجْنِ السّابِقِ عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ السِّينَ، والأوْلى كَوْنُهُ ضَمِيرَ السِّجْنِ المَفْهُومِ مِنَ الجُمْلَةِ أيْ بَدا لَهم سَجْنُهُ المَحْتُومُ قائِلِينَ: (واللَّهِ لَيَسْجُنُنَّهُ) وكانَ ذَلِكَ البَداءُ بِاسْتِنْزالِ المَرْأةِ لِزَوْجِها ومُطاوَعَتِهِ لَها وحُبِّهِ إيّاها وجَعْلِهِ زِمامَ أمْرِهِ بِيَدِها.
ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا اسْتَعْصَمَ عَنْها ويَئِسَتْ مِنهُ قالَتْ لِلْعَزِيزِ: إنَّ هَذا الغُلامَ العِبْرانِيَّ قَدْ فَضَحَنِي في النّاسِ يُخْبِرُهم بِأنِّي راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَأبى ويَصِفُ الأمْرَ حَسْبَما يَخْتارُ، وأنا مَحْبُوسَةٌ مَحْجُوبَةٌ فَإمّا أنْ تَأْذَنَ لِي فَأخْرُجُ فَأعْتَذِرُ إلى النّاسِ وأُكَذِّبُهُ، وإمّا أنْ تَحْبِسَهُ كَما أنِّي مَحْبُوسَةٌ فَحُبِسَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ أُمِرَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحُمِلَ عَلى حِمارٍ وضُرِبَ مَعَهُ الطَّبْلُ ونُودِيَ عَلَيْهِ في أسْواقِ مِصْرَ أنَّ يُوسُفَ العِبْرانِيَّ راوَدَ سَيِّدَتَهُ فَهَذا جَزاؤُهُ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما قالَ أبُو صالِحٍ: كُلَّما ذَكَرَ هَذا بَكى، وأرادَتْ بِذَلِكَ تَحْقِيقَ وعِيدِها لِتَلِينَ بِهِ عَرِيكَتُهُ وتَنْقادَ لَها قَرُونَتُهُ لِما انْصَرَمَتْ حِبالُ رَجائِها عَنِ اسْتِتْباعِهِ بِعَرْضِ الجَمالِ بِنَفْسِها وبِأعْوانِها.
وقَرَأ الحَسَنُ -لَتَسْجُنُنَّهُ- عَلى صِيغَةِ الخِطابِ بِأنْ خاطَبَ بَعْضُهُمُ العَزِيزَ ومَن يَلِيهِ أوِ العَزِيزَ وحْدَهُ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ، أوْ خاطَبَ بِهِ العَزِيزَ ومَن عِنْدَهُ مِن أصْحابِ الرَّأْيِ المُباشِرِينَ لِلسِّجْنِ والحَبْسِ ﴿ حَتّى حِينٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلى انْقِطاعِ المَقالِ وما شاعَ في المَدِينَةِ مِنَ الفاحِشَةِ، وهَذا بادِي الرَّأْيِ عِنْدَ العَزِيزِ، وأمّا عِنْدَها فَحَتّى يُذَلِّلَهُ السَّجْنُ ويُسَخِّرَهُ لَها ويَحْسَبَ النّاسُ أنَّهُ المُجْرِمُ، وقِيلَ: الحِينُ هَهُنا خَمْسُ سِنِينَ، وقِيلَ: بَلْ سَبْعٌ.
وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حُبِسَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، والأوْلى أنْ لا يُجْزَمَ بِمِقْدارٍ، وإنَّما يُجْزَمُ بِالمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، والحِينُ عِنْدَ الأكْثَرِينَ وقْتٌ مِنَ الزَّمانِ غَيْرُ مَحْدُودٍ يَقَعُ عَلى القَصِيرِ مِنهُ والطَّوِيلِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ في غَيْرِ ذَلِكَ كَما ذَكَرْناهُ في شَرْحِ القادِرِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ -عَتّى- بِإبْدالِ حاءِ حَتّى عَيْنًا وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقَدْ أقْرَأ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِذَلِكَ إلى أنْ كَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنْ يُقْرِئَ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ (حَتّى) بِالحاءِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ ﴾ غُلامانِ كانا لِلْمَلِكِ الأكْبَرِ الرَّيّانِ بْنِ الوَلِيدِ: أحَدُهُما خَبّازُهُ وصاحِبُ طَعامِهِ، والآخَرُ ساقِيهِ وصاحِبُ شَرابِهِ، وكانَ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهِما المَلِكُ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً مِن أشْرافِ مِصْرَ أرادُوا المَكْرَ بِالمَلِكِ واغْتِيالَهُ فَضَمَّنُوا لَهُما مالًا عَلى أنْ يُسِمّاهُ في طَعامِهِ وشَرابِهِ فَأجابا إلى ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ السّاقِيَ نَدِمَ فَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وقَبِلَ الخَبّازُ الرَّشْوَةَ وسَمَّ الطَّعامَ فَلَمّا حَضَرَ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ قالَ السّاقِي: لا تَأْكُلْ أيُّها المَلِكُ فَإنَّ الطَّعامَ مَسْمُومٌ، وقالَ الخَبّازُ: لا تَشْرَبْ فَإنَّ الشَّرابَ مَسْمُومٌ، فَقالَ لِلسّاقِي: اشْرَبْهُ فَشَرِبَهُ فَلَمْ يَضُرَّهُ، وقالَ لِلْخَبّازِ: كُلْ مِن طَعامِكَ فَأبى فَأُطْعِمَ مِن ذَلِكَ لِدابَّةٍ فَهَلَكَتْ فَأمَرَ المَلِكُ بِحَبْسِهِما فاتَّفَقَ أنْ أُدْخِلا مَعَهُ السِّجْنَ، ولَعَلَّهُ إنَّما عَبَّرَ -بِدَخَلَ- الظّاهِرِ في كَوْنِ الدُّخُولِ بِالِاخْتِيارِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لِلْإشارَةِ عَلى ما قِيلَ: إلى أنَّهُما لَمّا رَأيا يُوسُفَ هانَ عَلَيْهِما أمْرُ السَّجْنِ لِما وقَعَ في قُلُوبِهِما مِن مَحَبَّتِهِ.
وهَوى كُلِّ نَفْسٍ حَيْثُ حَبِيبُها.
فَقَدْ أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهُما لَمّا رَأياهُ قالا لَهُ: يا فَتى لَقَدْ واللَّهِ أحْبَبْناكَ حِينَ رَأيْناكَ، فَقالَ لَهُما عَلَيْهِ السَّلامُ: أنْشُدُكُما اللَّهَ تَعالى أنْ لا تُحِبّانِي فَواللَّهِ ما أحَبَّنِي أحَدٌ قَطُّ إلّا دَخَلَ عَلَيَّ مِن حُبِّهِ بَلاءٌ، لَقَدْ أحَبَّتْنِي عَمَّتِي فَدَخَلَ عَلَيَّ مِن حُبِّها بَلاءٌ، ثُمَّ أحَبَّنِي أبِي فَدَخَلَ عَلَيَّ مِن حُبِّهِ بَلاءٌ، ثُمَّ أحَبَّتْنِي زَوْجَةُ صاحِبِي هَذا فَدَخَلَ عَلَيَّ بِحُبِّها إيّايَ بَلاءٌ، فَلا تُحِبّانِي بارَكَ اللَّهُ تَعالى فِيكُما فَأبَيا إلّا حُبَّهُ واللَّهِ حَيْثُ كانَ، وقِيلَ: عَبَّرَ بِذَلِكَ لَمّا أنْ ذَكَرَ (مَعَهُ) يُفِيدُ اتِّصافَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما يُنْسَبُ إلَيْهِما، والمُناسِبُ في حَقِّهِ نِسْبَةُ الدُّخُولِ لِمَكانِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ ﴾ لا الإدْخالُ المُفِيدُ لِسَلْبِ الِاخْتِيارِ، ولَوْ عَبَّرَ بِأدْخَلَ لَأفادَ ذَلِكَ نِسْبَةَ الإدْخالِ إلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالدُّخُولِ تَرْجِيحًا لِجانِبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والظّاهِرُ أنَّ -مَعَ- تَدُلُّ عَلى الصُّحْبَةِ والمُقارَنَةِ لِفاعِلِ الفِعْلِ في ابْتِداءِ تَلَبُّسِهِ بِالفِعْلِ، فَتُفِيدُ أنَّ دُخُولَهُما مُصاحِبِينَ لَهُ وأنَّهم سُجِنُوا الثَّلاثَةَ في ساعَةٍ واحِدَةٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا مُنْتَقَضٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ ﴾ حِكايَةً عَنْ بِلْقِيسَ إذْ لَيْسَ إسْلامُهُما مُقارِنًا لِابْتِداءِ إسْلامِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأُجِيبَ بِأنَّ الحَمْلَ عَلى المَجازِ هُنالِكَ لِلْصارِفِ ولا صارِفَ فِيما نَحْنُ فِيهِ، فَيُحْمَلُ عَلى الحَقِيقَةِ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ مِن أنَّهُ بَيانٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لِتَعَذُّرِ التَّعَلُّقِ -بِبَلَغَ- أوِ (السَّعْيِ) مَعْنًى أوْ لَفْظًا.
وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ المَحْكِيُّ عَنْها لِمَعِيَّةِ الفاعِلِ فَجازَ أنْ يُرادَ أسْلَمْتُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ مَثَلًا، وتَقْدِيمُ (مَعَ) لِلْإشْعارِ بِأنَّها كانَتْ تَظُنُّ أنَّها عَلى دِينٍ قَبْلُ وأنَّها كانَتْ مُسْلِمَةً فِيما كانَتْ تَعْبُدُ مِنَ الشَّمْسِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ إسْلامٌ يُعْتَدُّ بِهِ مِن أثَرِ مُتابَعَةِ نَبِيِّهِ لا إسْلامٌ كالأوَّلِ فاسِدٌ، وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ أوْلى، وإنْ حُمِلَ عَلى مَعِيَّةِ الفاعِلِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مَحْذُوفٍ نَحْوَ مَعَ بُلُوغِ دَعْوَتِهِ وإظْهارِ مُعْجِزَتِهِ لِأنَّ فَرْقَ ما بَيْنَ المَعِيَّةِ ومُطْلَقِ الجَمْعِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، اهـ.
وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الفِعْلِ المُمْتَدِّ كالإسْلامِ وغَيْرِهِ كالدُّخُولِ بِأنَّ الأوَّلَ لا يَقْتَضِي مُقارَنَتَهُما في ابْتِدائِهِ بِخِلافِ الثّانِي، وهو عَلى ما قِيلَ: راجِعٌ إلى الجَمْعِ ولَيْسَ مِنَ المَعِيَّةِ في شَيْءٍ عَلى أنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ في آيَةِ ﴿ فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ واخْتِيرَ أنَّ المُقارَنَةَ هي الأصْلُ ولا يَعْدِلُ عَنْها ما أمْكَنَتْ، فَتَأمَّلْ.
وتَأْخِيرُ الفاعِلِ عَنِ المَفْعُولِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِن الِاهْتِمامِ بِالمُقْدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ لِيَتَمَكَّنَ عِنْدَ النَّفْسِ حِينَ وُرُودِهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ عَلى السِّجْنِ لِأنَّ الِاهْتِمامَ بِأمْرِ المَعِيَّةِ أشَدُّ مِن الِاهْتِمامِ بِأمْرِهِ لِما أنَّها المَنشَأُ لِما كانَ، وقِيلَ: إنَّما قُدِّمَ لِأنَّ تَأْخِيرَهُ يُوهِمُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مُقَدَّمًا عَلى المُبْتَدَأِ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا مِن فاعِلِ -دَخَلَ- وتُعُقِّبَ بِأنَّ حاصِلَ التَّرْكِيبِ الأوَّلِ مُصاحَبَةُ الفَتَيَيْنِ لَهُ عِنْدَ دُخُولِهِما، وحاصِلُ الثّانِي مُصاحَبَةُ الفَتَيَيْنِ لَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ، ويُؤَوَّلُ الأمْرانِ إلى دُخُولِهِما ودُخُولِهِ مُتَصاحِبِينَ فافْهَمْ.
والجُمْلَةُ عَلى ما قِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا بَدا لَهم ذَلِكَ سَجَنُوهُ ﴿ ودَخَلَ مَعَهُ ﴾ إلَخْ، وقَرَأ (السَّجْنَ) بِفَتْحِ السِّينِ عَلى مَعْنى مَوْضِعِ السَّجْنِ (قالَ) اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ مَن يَقُولُ: ما صَنَعا بَعْدَما دَخَلا؟
فَأُجِيبَ بِأنَّهُ (قالَ) (أحَدُهُما) وهو الشَّرابِيُّ واسْمُهُ بِنُّو ﴿ إنِّي أرانِي ﴾ أيْ رَأيْتُنِي في المَنامِ والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّوَرِ الماضِيَةِ ﴿ أعْصِرُ خَمْرًا ﴾ أيْ عِنَبًا، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ حَبْلَةً مِن كَرْمٍ حَسَنَةٍ لَها ثَلاثَةُ أغْصانٍ فِيها عَناقِيدُ عِنَبٍ فَكُنْتُ أعْصِرُها وأسْقِي المَلِكَ، وسَمّاهُ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ لِأنَّ الخَمْرَ مِمّا لا يُعْصَرُ إذْ عَصْرُ الشَّيْءِ إخْراجُ ما فِيهِ مِنَ المائِعِ بِقُوَّةٍ، وكَوْنُ العِنَبِ يُؤَوَّلُ إلى الخَمْرِ وكَوْنُ الَّذِي يُؤَوَّلُ إلَيْهِ ماؤُهُ لِإجْرَمِهِ لا يَضُرُّ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنهُ فَما عَداهُ غَيْرُ مَنظُورٍ إلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِ تَجُوُّزانِ بِالنَّظَرِ إلى المُتَعارَفِ فِيهِ، وقِيلَ: الخَمْرُ بِلُغَةِ غَسّانَ اسْمٌ لِلْعِنَبِ، وقِيلَ: في لُغَةِ أذَرِعانِ، وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ -أعْصِرُ عِنَبًا- قالَ في البَحْرِ: ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى التَّفْسِيرِ لِمُخالَفَتِهِ لِسَوادِ المُصْحَفَ، والثّابِتُ عَنْهُما بِالتَّواتُرِ قِراءَتُهُما ﴿ أعْصِرُ خَمْرًا ﴾ انْتَهى، وقَدْ أخْرَجَ القِراءَةَ كَذَلِكَ عَنِ الثّانِي البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طُرُقٍ، وذَكَرُوا أنَّهُ قالَ: واللَّهِ لَقَدْ أخَذْتُها مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَكَذا، فافْهَمْ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفُ الخَمْرِ بِأنَّها مَعْصُورَةٌ لِأنَّ العَصْرَ مِن أجْلِها فَلَيْسَ ذَلِكَ مِن مَجازِ الأوَّلِ، والمَشْهُورُ أنَّهُ مِنهُ كَما قالَ الفَرّاءُ: مُؤَنَّثَةٌ ورُبَّما ذُكِّرَتْ، وعَنِ السِّجِسْتانِيِّ أنَّهُ سَمِعَ التَّذْكِيرَ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ مِنَ الفُصَحاءِ، ورَأى الحُلْمِيَّةُ جَرى مَجْرى أفْعالِ القُلُوبِ في جَوازِ كَوْنِ فاعِلِها ومَفْعُولِها ضَمِيرَيْنِ مُتَّحِدَيِ المَعْنى، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في غَيْرِ ما ذُكِرَ، فَلا يُقالُ: أضْرِبُنِي ولا أكْرِمُنِي، وحاصِلُهُ أرى نَفْسِي أعْصِرُ خَمْرًا ﴿ وقالَ الآخَرُ ﴾ وهو الخَبّازُ واسْمُهُ مِجْلَثُ ﴿ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا ﴾ ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ -ثَرِيدًا-.
﴿ تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ ﴾ وهَذا كَما قِيلَ أيْضًا: تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ، رُوِيَ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ أنِّي أخْرُجُ مِن مَطْبَخَةِ المَلِكِ وعَلى رَأْسِي ثَلاثُ سِلالٍ فِيها خُبْزٌ والطَّيْرُ تَأْكُلُ مِن أعْلاهُ، والخُبْزُ مَعْرُوفٌ، وجَمْعُهُ أخْبازُ وهو مَفْعُولُ (أحْمِلُ) والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ -بِأحْمِلُ- وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ لِما مَرَّ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنهُ، وجُمْلَةُ (تَأْكُلُ) إلَخْ صِفَةٌ لَهُ أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ ﴿ نَبِّئْنا ﴾ أيْ أخْبِرْنا ﴿ بِتَأْوِيلِهِ ﴾ بِتَعْبِيرِهِ وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، والضَّمِيرُ لِلرُّؤْيَتَيْنِ بِتَأْوِيلِ ما ذُكِرَ أوْ ما رُؤِيَ وقَدْ أُجْرِيَ الضَّمِيرُ مَجْرى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ يُشارُ بِهِ إلى مُتَعَدِّدٍ كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، هَذا إذا قالاهُ مَعًا أوْ قالَهُ أحَدُهُما مِن جِهَتِهِما مَعًا، وأمّا إذا قالَهُ كُلٌّ مِنهُما إثْرَ ما قَصَّ ما رَآهُ، فالمَرْجِعُ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ ولا يَمْنَعُ مِن هَذا الِاحْتِمالِ صِيغَةُ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ لِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ واقِعَةً في الحِكايَةِ دُونَ المَحْكِيِّ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ فَإنَّهم لَمْ يُخاطَبُوا دُفْعَةً بَلْ خُوطِبَ كُلُّ واحِدٍ في زَمانٍ بِصِيغَةٍ مُفْرَدَةٍ خاصَّةٍ بِهِ ﴿ إنّا نَراكَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِعَرْضِ رُؤْياهُما عَلَيْهِ واسْتِفْسارِهِما مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ إنّا نَعْتَقِدُكَ ﴿ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ أيْ مِنَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيا لَمّا رَأياهُ يَقُصُّ عَلَيْهِ بَعْضُ أهْلِ السِّجْنِ رُؤْياهُ فَيُؤَوِّلُها تَأْوِيلًا حَسَنًا، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ دَخَلَ السِّجْنَ قَدْ قالَ: إنِّي أعْبُرُ الرُّؤْيا وأُجِيدُ أوْ مِنَ العُلَماءِ كَما في قَوْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ ما يُحْسِنُهُ وذَلِكَ لِما سَمِعاهُ يَذْكُرُ لِلنّاسِ ما يَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ وفَضْلِهِ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا انْتَهى يُوسُفُ إلى السِّجْنِ وجَدَ فِيهِ قَوْمًا قَدِ انْقَطَعَ رَجاؤُهم واشْتَدَّ بَلاؤُهم وطالَ حُزْنُهم فَجَعَلَ يَقُولُ: أبْشِرُوا واصْبِرُوا تُؤْجَرُوا إنَّ لِهَذا لَأجْرًا، فَقالُوا: يا فَتى بارَكَ اللَّهُ تَعالى فِيكَ ما أحْسَنَ وجْهَكَ وأحْسَنَ خُلُقَكَ وخَلْقَكَ لَقَدْ بُورِكَ لَنا في جِوارِكَ ما نُحِبُّ أنّا كُنّا في غَيْرِ هَذا مُنْذُ جِئْتَنا لِما تُخْبِرُنا مِنَ الأجْرِ والكَفّارَةِ والطَّهارَةِ، فَمَن أنْتَ يا فَتى؟
قالَ: أنا يُوسُفُ بْنُ صَفِيِّ اللَّهِ تَعالى يَعْقُوبَ بْنِ ذَبِيحِ اللَّهِ تَعالى إسْحاقَ بْنِ خَلِيلِ اللَّهِ تَعالى إبْراهِيمَ فَقالَ لَهُ عامِلُ السِّجْنِ: يا فَتى لَوِ اسْتَطَعْتُ خَلَّيْتُ سَبِيلَكَ ولَكِنْ سَأُحْسِنُ جِوارَكَ فَكُنْ في أيِّ بُيُوتِ السِّجْنَ شِئْتَ، أوْ ﴿ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ إلى أهْلِ السِّجْنِ أيْ فَأحْسِنْ إلَيْنا بِكَشْفِ غُمَّتِنا إنْ كُنْتَ قادِرًا عَلى ذَلِكَ، وإلى هَذا ذَهَبَ الضَّحّاكُ، أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ ما كانَ إحْسانُ يُوسُفَ؟
فَقالَ: كانَ إذا مَرِضَ إنْسانٌ في السِّجْنِ قامَ عَلَيْهِ، وإذا ضاقَ عَلَيْهِ مَكانٌ أوْسَعَ لَهُ، وإذا احْتاجَ جَمَعَ لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ ﴾ في الحَبْسِ حَسَبَ عادَتِكُما المُطَّرِدَةِ ﴿ إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ ما نَبَّأْتُكُما بِهِ بِأنْ بَيَّنْتُ لَكُما ماهِيَّتَهُ وكَيْفِيَّتَهُ وسائِرَ أحْوالِهِ ﴿ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ﴾ ، وحاصِلُهُ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ إلّا أخْبَرْتُكُما قَبْلَ إتْيانِهِ إيّاكُما بِأنَّهُ يَأْتِيكُما طَعامٌ مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، وإطْلاقُ التَّأْوِيلِ عَلى ذَلِكَ مَعَ أنَّ حَقِيقَتَهُ في المَشْهُورِ تَفْسِيرُ الألْفاظِ المُرادِ مِنها خِلافُ الظّاهِرِ بِبَيانِ المُرادِ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ فَإنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ تَفْسِيرَ المُشْكَلِ، أوْ أنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الطَّعامِ المُبْهَمِ بِمَنزِلَةِ التَّأْوِيلِ بِالتَّأْوِيلِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما رُؤِيَ في المَنامِ وشَبِيهٌ لَهُ.
ويُحْسِنُ هَذِهِ الاسْتِعارَةَ ما في ذَلِكَ مِنَ المُشاكَلَةِ لِما وقَعَ في عِبارَتِهِما مِن قَوْلِهِما: ﴿ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ وكَوْنُ المُرادِ بِالتَّأْوِيلِ الأمْرَ الآيِلَ المَآلَ بِناءً عَلى أنَّهُ في الأصْلِ جَعْلُ شَيْءٍ آيِلًا إلى شَيْءٍ آخَرَ، وكَما يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الثّانِي يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الأوَّلُ، ويَكُونُ المَعْنى -إلّا نَبَّأْتُكُما بِما يُؤَوَّلُ إلَيْهِ مِنَ الكَلامِ- والخَبَرُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ في غايَةِ البُعْدِ بَلْ لا يَكادُ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، وكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِما التَّوْحِيدَ ويُزَيِّنَهُ لَهُما ويُقَبِّحَ لَهُما الشِّرْكَ بِاللَّهِ تَعالى قَبْلَ أنْ يُجِيبَهُما عَمّا سَألاهُ مِن تَعْبِيرِ رُؤْياهُما ثُمَّ يُجِيبُهُما عَنْ ذَلِكَ.
وهَذِهِ طَرِيقَةٌ عَلى كُلِّ ذِي عَقْلٍ أنْ يَسْلُكَها مَعَ الجَهَلَةِ والفَسَقَةِ إذا اسْتَفْتاهُ واحِدٌ مِنهم أنْ يُقَدِّمَ الإرْشادَ والنَّصِيحَةَ أوَّلًا ويَدْعُوَهُ إلى ما هو أوْلى بِهِ وأوْجَبَهُ عَلَيْهِ مِمّا اسْتَفْتى فِيهِ ثُمَّ يُفْتِيهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ مُفْتَرَضًا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَصَفَ نَفْسَهُ أوَّلًا بِما هو فَوْقَ عِلْمِ العُلَماءِ وهو الإخْبارُ بِالمَغِيباتِ وجَعَلَهُ تَخَلُّصًا لِما أرادَ كالتَّخَلُّصاتِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَهُمْ، فَإنَّ الإخْبارَ بِالغَيْبِ يُناسِبُ ما سَألاهُ مِن تَأْوِيلِ رُؤْياهُما وأنَّ مَن كانَ هَكَذا لا مَحالَةَ يَكُونُ بِغَيْرِهِ صادِقًا، ويُقَوِّي أمْرُ المُناسَبَةِ تَخْصِيصَ الطَّعامِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ المَغِيباتِ كَما لا يَخْفى، ويُناسِبُ ما أرادَهُ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ لِأنَّهُ ثَبَتَ صِدْقُهُ ونُبُوَّتُهُ وكَوْنُهُ مِنَ المُرْتَضِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، وفي حِكايَةِ اللَّهِ تَعالى ذَلِكَ إرْشادٌ لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ، وقَدْ أُدْمِجَ فِيهِ أنَّ وصْفَ العالِمِ نَفْسَهُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ لا يَحْرُمُ ولا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ التَّزْكِيَةِ المَحْظُورَةِ، وإلى ما ذَكَرْنا مِن حَمْلِ الإتْيانِ عَلى الإتْيانِ في اليَقَظَةِ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى الإتْيانِ مَنامًا، قالَ السُّدِّيُّ وابْنُ إسْحاقَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ مِن رُؤْيَةِ الخَبّازِ أنَّهُ يُقْتَلُ أخَذَ في حَدِيثٍ آخَرَ تَنْسِيَةً لَهُما أمْرَ المَنامِ وطَماعِيَةً في إيمانِهِما لِيَأْخُذَ المَقْتُولُ بِحَظِّهِ مِنَ الإيمانِ وتَسْلَمَ لَهُ آخِرَتُهُ، فَقالَ بِعَظِيمِ عِلْمِهِ بِالتَّعْبِيرِ: إنَّهُ لا يَجِيئُكُما طَعامٌ في نَوْمِكُما تَرَيانِ أنَّكُما تُرْزَقانِهِ إلّا أعْلَمْتُكُما بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ في اليَقَظَةِ قَبْلَ أنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ- ولا يَخْفى أنَّ حَدِيثَ الطَّماعِيَةِ المَذْكُورَةِ مِمّا لا بَأْسَ إلّا أنَّ حَدِيثَ التَّنْسِيَةِ لا يَخْلُو عَنْ مَنعٍ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْهُ ما يَقْرُبُ مِن هَذا الحَدِيثِ مِن وجْهٍ فَإنَّهُ قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَرِهَ العِبارَةَ لَهُما فَأجابَهُما بِأنَّ لَهُ عِلْمًا بِما يَأْتِيهِما مِنَ الطَّعامِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ رُؤْياهُما شَفَقَةً عَلى الهالِكِ مِنهُما، وكانَ المَلِكُ إذا أرادَ قَتَلَ إنْسانٍ صَنَعَ لَهُ طَعامًا مَعْلُومًا فَأرْسَلَ بِهِ فَلَمّا لَمْ يَكْتَفِيا بِذَلِكَ وطَلَبا مِنهُ التَّعْبِيرَ أيْضًا دَعاهُما إلى التَّوْحِيدِ كَراهَةً لِلْعِبارَةِ أيْضًا، فَلَمّا لَمْ يَكْتَفِيا عَبَّرَ لَهُما وأوْضَحَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ رُؤْياهُما وهو كَما تَرى، وأيّامّا كانَ فالضَّمِيرُ في تَأْوِيلِهِ يَعُودُ عَلى الطَّعامِ، وجَوَّزَ عَلى ما قَصّاهُ عَلَيْهِ مِنَ الرُّؤْيَتَيْنِ عَلى مَعْنى لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ حَسَبَ عادَتِكُما إلّا أخْبَرْتُكُما بِتَأْوِيلِ ما قَصَصْتُما عَلَيَّ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذَلِكَ الطَّعامُ المُوَقَّتُ، والمُرادُ الإخْبارُ بِالِاسْتِعْجالِ بِالتَّنْبِئَةِ، وفِيهِ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ مَعَ أنَّ الإخْبارَ بِالِاسْتِعْجالِ مِمّا لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ مُناسَبَةٍ لِما هو بِصَدَدِهِ، وقَدْ يُقالُ: يَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى ما قَصّاهُ ويَكُونُ المُرادُ مِنَ الطَّعامِ المَرْزُوقِ ما رَأياهُ في النَّوْمِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ أيْضًا لَكِنَّ التَّأْوِيلَ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لا يَحْتاجُ إلى التَّأْوِيلِ، بَلْ يُرادُ مِنهُ ما أُرِيدَ مِن تَأْوِيلِهِ في كَلامِهِما، وكَذا الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (يَأْتِيكُما) يَعُودُ عَلى الطَّعامِ وعَوْدُهُ عَلى التَّأْوِيلِ وإنْ كانَ أقْرَبَ بَعِيدٌ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَهُما بِأنَّ عِلْمَهُ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عُلُومِ الكَهَنَةِ والمُنَجِّمِينَ بَلْ هو فَضْلٌ إلَهِيٌّ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ فَقالَ: ﴿ ذَلِكُما ﴾ ويُرْوى أنَّهُما قالا لَهُ: مِن أيْنَ لَكَ ما تَدَّعِيهِ مِنَ العِلْمِ وأنَّكَ لَسْتَ بِكاهِنٍ ولا مُنَجِّمٍ؟!
وقِيلَ: قالا إنَّ هَذا كَهانَةٌ أوْ تَنْجِيمٌ، فَقالَ: أيْ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ والكَشْفُ عَنِ المَغِيباتِ، ومَعْنى البُعْدِ في ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِ ﴿ مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي ﴾ بِالوَحْيِ أوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَحْصُلُ بِهِ العِلْمُ كَما يَكُونُ لِلْأوْلِياءِ أهْلِ الكَشْفِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى الأوَّلِ وادَّعى أنَّ الآيَةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذْ ذاكَ نَبِيًّا، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ أنَّ ذَلِكَ بَعْضُ ما عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ تَعالى، أوْ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ الَّذِي لا يَنالُهُ إلّا الأصْفِياءُ، ولَقَدْ دَلَّهُما بِذَلِكَ عَلى أنَّ لَهُ عُلُومًا جَمَّةً ما سَمِعاهُ قَطْرَةٌ مِن تَيّارِها وزَهْرَةٌ مِن أزْهارِها؛ وقَوْلُهُ: ﴿ إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا تَقَدَّمَ وتَعْلِيلًا لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: لِماذا عَلَّمَكَ رَبُّكَ تِلْكَ العُلُومَ الجَلِيلَةَ الشَّأْنِ؟
فَقالَ: لِأنِّي تَرَكْتُ دِينَ الكُفْرِ الَّذِي اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وعِبادَةِ الأوْثانِ.
وقِيلَ: تَعْلِيلٌ لِلتَّعْلِيمِ الواقِعِ صِلَةً وهو يُؤَدِّي إلى مَعْنى أنَّهُ مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي لِهَذا السَّبَبِ دُونَ غَيْرِهِ ولَيْسَ بِمُرادٍ.
وقِيلَ: لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، وفِيهِ أنَّ ما ذُكِرَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِكَوْنِ التَّأْوِيلِ المَذْكُورِ بَعْضًا مِمّا عَلَّمَهُ رَبُّهُ- أوْ لِكَوْنِهِ مِن جِنْسِهِ- بَلْ لِنَفْسِ التَّعْلِيمِ، والمُرادُ بِالتَّرْكِ الِامْتِناعُ فَإنَّهُ لَمْ يَتَلَوَّثْ بِتِلْكَ قَطُّ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ ما يَأْتِي مِن كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لَكِنْ عَبَّرَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ اسْتِجْلابًا لَهُما لِأنْ يَتْرُكا تِلْكَ المِلَّةَ الَّتِي هم عَلَيْها عَلى أحْسَنِ وجْهٍ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى بِسَلْبِ الإيمانِ بِهِ سُبْحانَهُ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ عِبادَتَهم لَهُ تَعالى مَعَ عِبادَةِ الأوْثانِ لَيْسَ بِإيمانٍ بِهِ تَعالى كَما يَزْعُمُونَهُ، وأرادَ بِأُولَئِكَ القَوْمَ المُتَّصِفِينَ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ حَيْثُ كانُوا، وقِيلَ: أهْلَ مِصْرَ فَإنَّهم كانُوا عَبَدَةً إذْ ذاكَ ﴿ وهم بِالآخِرَةِ ﴾ وما فِيها مِنَ الجَزاءِ ﴿ هم كافِرُونَ ﴾ أيْ عَلى الخُصُوصِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ الَّذِينَ هم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما يُفِيدُهُ تَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ هُنا عِنْدَ البَعْضِ، وذَكَرَ أنَّ تَقْدِيمَ الضَّمِيرِ لِلتَّخْصِيصِ وتَكْرِيرَهُ لِلتَّأْكِيدِ، ولَعَلَّهُ إنَّما أكَّدَ إنْكارَهم لِلْمَعادِ لِأنَّهُ كانَ أشَدَّ مِن إنْكارِهِمْ لِلْمَبْدَأِ فَتَأمَّلْ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ كَأنَّهُ قالَ: إنَّما فُزْتُ بِما فُزْتُ بِسَبَبِ أنِّي لَمْ أتَّبِعْ مِلَّةَ قَوْمٍ كَفَرُوا بِالمَبْدَأِ والمَعادِ واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي الكِرامِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وإنَّما قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَرْغِيبًا لِصاحِبَيْهِ في الإيمانِ والتَّوْحِيدِ وتَنْفِيرًا لَهُما عَمّا كانا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والضَّلالِ، وقَدَّمَ ذِكْرَ تَرْكِهِ لِمِلَّتِهِمْ عَلى ذِكْرِ اِتِّباعِهِ لِمِلَّةِ آبائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ لا يَكُونَ هُناكَ تَعْلِيلٌ وإنَّما الجُمْلَةُ الأُولى مُسْتَأْنِفَةٌ ذُكِرَتْ تَمْهِيدًا لِلدَّعْوَةِ، والثّانِيَةُ إظْهارًا لِأنَّهُ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ لِتَقْوى الرَّغْبَةُ فِيهِ، وفي كَلامِ أبِي حَيّانَ ما يَقْتَضِي أنَّهُ الظّاهِرُ ولَيْسَ بِذاكَ، وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ والكُوفِيُّونَ (آبائِي) بِإسْكانِ الياءِ وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو (ما كانَ) ما صَحَّ وما اسْتَقامَ فَضْلًا عَنِ الوُقُوعِ (لَنا) مَعاشِرَ الأنْبِياءِ لِقُوَّةِ نُفُوسِنا، وقِيلَ: أيْ أهْلُ هَذا البَيْتِ لِوُفُورِ عِنايَةِ اللَّهِ تَعالى بِنا ﴿ أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ شَيْئًا أيَّ شَيْءٍ كانَ مِن مَلَكٍ أوْ جِنِّيٍّ أوْ إنْسِيٍّ فَضْلًا عَنِ الصَّنَمِ الَّذِي لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ -فَمِن- زائِدَةٌ في المَفْعُولِ بِهِ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا فَيُرادُ مِن (شَيْءٍ) المَصْدَرُ وأمْرُ العُمُومِ بِحالِهِ، ويَلْزَمُ مِن عُمُومِ ذَلِكَ عُمُومُ المُتَعَلِّقاتِ (ذَلِكَ) أيِ التَّوْحِيدُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِنَفْيِ صِحَّةِ الشِّرْكِ ﴿ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا ﴾ أيْ ناشِئٌ مِن تَأْيِيدِهِ لَنا بِالنُّبُوَّةِ والوَحْيِ بِأقْسامِهِ، والمُرادُ أنَّهُ فَضْلٌ عَلَيْنا بِالذّاتِ ﴿ وعَلى النّاسِ ﴾ بِواسِطَتِنا ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ ﴾ أيْ لا يُوَحِّدُونَ، وحَيْثُ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِذَلِكَ العُنْوانِ عَبَّرَ عَنِ التَّوْحِيدِ الَّذِي يُوجِبُهُ بِالشُّكْرِ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مِن آثارِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّأْيِيدِ شُكْرٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى النّاسِ لِزِيادَةِ التَّوْضِيحِ والبَيانِ، ولِقَطْعِ تَوَهُّمِ رُجُوعِهِ إلى مَجْمُوعِ النّاسِ وما كُنِّيَ عَنْهُ -بِنا- المُوهِمُ لِعَدَمِ اِخْتِصاصِ غَيْرِ الشّاكِرِ بِالنّاسِ، وفِيهِ مِنَ الفَسادِ ما فِيهِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ذَلِكَ التَّوْحِيدُ ناشِئٌ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا حَيْثُ نَصَبَ لَنا أدِلَّةً نَنْظُرُ فِيها ونَسْتَدِلُّ بِها عَلى الحَقِّ، وقَدْ نَصَبَ مِثْلَ تِلْكَ الأدِلَّةِ لِسائِرِ النّاسِ أيْضًا مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَنْظُرُونَ ولا يَسْتَدِلُّونَ بِها اتِّباعًا لِأهْوائِهِمْ فَيَبْقَوْنَ كافِرِينَ غَيْرَ شاكِرِينَ، والفَضْلُ عَلى هَذا عَقْلِيٌّ، وعَلى الأوَّلِ سَمْعِيٌّ، وجَوَّزَ المَوْلى أبُو السُّعُودِ أنْ يُقالَ: المَعْنى ذَلِكَ التَّوْحِيدُ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا حَيْثُ أعْطانا عُقُولًا ومَشاعِرَ نَسْتَعْمِلُها في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ الَّتِي مَهَّدَها في الأنْفُسِ والآفاقِ، وقَدْ أعْطى سائِرَ النّاسِ أيْضًا مِثْلَها ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ أيْ لا يَصْرِفُونَ تِلْكَ القُوى والمَشاعِرَ إلى ما خُلِقَتْ هي لَهُ ولا يَسْتَعْمِلُونَها فِيما ذَكَرَ مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ انْتَهى، ولَكَ أنْ تَقُولَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ -بِذَلِكُما- ويُرادُ ما يُفْهَمُ مِمّا قَبْلُ مِن عِلْمِهِ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا، و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿ مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ تَبْعِيضِيَّةٌ، ويَكُونُ قَدْ أخْبَرَ عَنْهُ أوَّلًا بِأنَّهُ مِمّا عَلَّمَهُ إيّاهُ رَبُّهُ، وثانِيًا بِأنَّهُ بَعْضُ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى آبائِهِ بِالذّاتِ وعَلى النّاسِ بِواسِطَتِهِمْ لِأنَّهم يَعْبُرُونَ لَهم رُؤْياهم فَيَكْشِفُونَ ما أُبْهِمَ عَلَيْهِمْ ويُزِيلُونَ عَنْهم ما أشْغَلَ أذْهانَهم مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ النَّفْعِ الَّذِي لا يُنْكِرُهُ إلّا نائِمٌ أوْ مُتَناوِمٌ، ومَن وقَفَ عَلى ما تَرَتَّبَ عَلى تَعْبِيرِ رُؤْيا المَلِكِ مِنَ النَّفْعِ الخاصِّ والعامِّ لَمْ يَشُكَّ في أنَّ عِلْمَ التَّعْبِيرِ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ فَضْلَ اللَّهِ تَعالى مُطْلَقًا أوْ فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ بِوُجُودِ مَن يَرْجِعُونَ إلَيْهِ في تَعْبِيرِ رُؤْياهُمْ، ويَكُونُ ذَلِكَ نَظِيرَ قَوْلِكَ لِمَن سَألَكَ عَنْ زَيْدٍ: ذَلِكَ أخِي ذَلِكَ حَبِيبِي، لَكِنَّهُ وسَّطَ هَهُنا ما وسَّطَ وتَفَنَّنَ في التَّعْبِيرِ فَأتى بِاسْمِ الإشارَةِ أوَّلًا مَقْرُونًا بِخِطابِهِما ولَمْ يَأْتِ بِهِ ثانِيًا كَذَلِكَ، وأتى بِالرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ أوَّلًا وبِالِاسْمِ الجَلِيلِ ثانِيًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ في المَوْضِعَيْنِ الإخْبارَ بِالمَغِيباتِ مُطْلَقًا، والكَلامُ في سائِرِ الآيَةِ عَلَيْهِ لا أظُنُّهُ مُشْكِلًا، وعَلى الوَجْهَيْنِ لا يُنافِي تَعْلِيلُ نَيْلِ تِلْكَ الكَرامَةِ -بِتَرْكِهِ مِلَّةَ الكَفَرَةِ واتِّباعِهِ مِلَّةَ آبائِهِ الكِرامِ- الإخْبارَ بِأنَّ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى مَن مَعَهُ كَما لا يَخْفى، نَعَمْ إنَّ حَمْلَ الإشارَةِ عَلى ما ذُكِرَ وتَوْجِيهَ الآيَةِ عَلَيْهِ بِما وُجِّهَتْ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.
ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الإشارَةَ إلى النُّبُوَّةِ وفِيهِ ما فِيهِ أيْضًا، هَذا وأوْجَبَ الإمامُ كَوْنَ المُرادِ في قَوْلِهِ: ( لا يَشْكُرُونَ ) لا يَشْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ، ثُمَّ قالَ: وحَكى أنَّ واحِدًا مِن أهْلِ السُّنَّةِ دَخَلَ عَلى بِشْرِ بْنِ المُعْتَمِرِ فَقالَ: هَلْ تَشْكُرُ اللَّهَ تَعالى عَلى الإيمانِ أمْ لا؟
فَإنْ قُلْتَ: لا فَقْدَ خالَفْتَ الإجْماعَ، وإنْ شَكَرْتَهُ فَكَيْفَ تَشْكُرُهُ عَلى ما لَيْسَ فِعْلًا لَهُ؟!
فَقالَ بِشْرٌ: إنّا نَشْكُرُهُ عَلى أنْ أعْطانا القُدْرَةَ والعَقْلَ والآلَةَ، وأمّا أنْ نَشْكُرَهُ عَلى الإيمانِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ فِعْلًا لَهُ فَذَلِكَ باطِلٌ، وصَعُبَ الكَلامُ عَلى بِشْرٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ ثُمامَةُ بْنُ الأشْرَسِ، فَقالَ: إنّا لا نَشْكُرُ اللَّهَ تَعالى عَلى الإيمانِ بَلِ اللَّهُ تَعالى يَشْكُرُهُ عَلَيْنا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا ﴾ ، فَقالَ بِشْرٌ: لَمّا صَعُبَ الكَلامُ سَهُلَ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِأنَّ الَّذِي التَزَمَهُ ثُمامَةُ باطِلٌ وهو عَلى طَرَفِ الثُّمامِ بِنَصِّ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ فِيها أنَّ عَدَمَ الإشْراكِ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وقَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى مُؤْمِنٍ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعالى عَلى الإيمانِ لِئَلّا يَدْخُلَ في الذَّمِّ وحِينَئِذٍ تَقْوى الحُجَّةُ وتَكْمُلُ الدَّلالَةُ اهـ.
ولَعَلَّ الوَجْهَ في الآيَةِ ما تَقَدَّمَ فَلْيُفْهَمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ يا صاحِبَيِ السِّجْنِ ﴾ أيْ يا صاحِبَيَّ فِيهِ إلّا أنَّهُ أُضِيفَ إلى الظَّرْفِ تَوَسُّعًا كَما في قَوْلِهِمْ: يا سارِقَ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدّارِ، ولَعَلَّهُ إنَّما ناداهُما بِعُنْوانِ الصُّحْبَةِ في مَدارِ الأشْجانِ ودارِ الأحْزانِ الَّتِي تَصْفُو فِيها المَوَدَّةُ وتَتَمَحَّضُ النَّصِيحَةُ لِيُقْبِلا عَلَيْهِ ويَقْبَلا مَقالَتَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالصُّحْبَةِ السُّكْنى كَما يُقالُ: (أصْحابُ النّارِ) (وأصْحابُ الجَنَّةِ) لِمُلازَمَتِهِمْ لَهُما، والإضافَةُ مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى شِبْهِ المَفْعُولِ عِنْدَ أبِي حَيّانَ وإلى المَفْعُولِ عِنْدَ غَيْرِهِ ولا اتِّساعَ في ذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ هُناكَ اتِّساعٌ أيْضًا، وأنَّهُ أضافَهُما إلى السَّجْنِ دُونَهُ لِكَوْنِهِما كافِرَيْنِ وفِيهِ نَظَرٌ، ولَعَلَّ في نِدائِهِما بِذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ حَثًّا لَهُما عَلى الإقْرارِ بِالحَقِّ كَأنَّهُ قالَ لَهُما: يا ساكِنِي هَذا المَكانِ الشّاقِّ والمَحَلِّ الضَّنْكِ إنِّي ذاكِرٌ لَكم أمْرًا فَقُولُوا الحَقَّ فِيهِ ولا تَزِيغُوا عَنْ ذَلِكَ فَأنْتُمْ تَحْتَ شِدَّةٍ ولا يَنْبَغِي لِمَن كانَ كَذَلِكَ أنْ يَزِيغَ عَنِ الحَقِّ، وإنَّما حَمَلَ الصّاحِبَ عَلى ما سَمِعْتَ لِأنَّ صاحِبَ السِّجْنِ في الِاسْتِعْمالِ المَشْهُورِ السَّجّانُ أوِ المَلِكُ، والنِّداءُ -بِيا- بِناءً عَلى الشّائِعِ مِن أنَّها لِلْبَعِيدِ لِلْإشارَةِ إلى غَفْلَتِهِما وهَيَمانِهِما في أوْدِيَةِ الضَّلالِ، وقَدْ تَلَطَّفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِما في رَدِّهِما إلى الحَقِّ وإرْشادِهِما إلى الهُدى حَيْثُ أبْرَزَ لَهُما ما يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ ما هُما عَلَيْهِ بِصُورَةِ الِاسْتِفْهامِ حَتّى لا تَنْفِرَ طِباعُهُما مِنَ المُفاجَأةِ بِإبْطالِ ما ألِفاهُ دَهْرًا طَوِيلًا ومَضَتْ عَلَيْهِ أسْلافُهُما جِيلًا فَجِيلًا، فَقالَ: ﴿ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ ﴾ مُتَعَدِّدُونَ مُتَكَثِّرُونَ يَسْتَعْبِدُكُما مِنهم هَذا وهَذا، والكَلامُ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ أبُو حَيّانَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ أعِبادَةُ أرْبابٍ مُتَفَرِّقِينَ ﴿ خَيْرٌ ﴾ لَكُما ﴿ أمِ اللَّهُ ﴾ أيْ أمْ عِبادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿ الواحِدُ ﴾ المُنْفَرِدُ بِالأُلُوهِيَّةِ ﴿ القَهّارُ ﴾ الغالِبُ الَّذِي لا يُغالِبُهُ أحَدٌ جَلَّ وعَلا، وهو أوْلى مِمّا قالَهُ الخَطّابِيُّ مِن أنَّهُ الَّذِي قَهَرَ الجَبابِرَةَ بِالعُقُوبَةِ والخَلْقَ بِالمَوْتِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ هَذا مَثَلٌ ضُرِبَ لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ ولِعِبادَةِ الأصْنامِ، واعْتَرَضَهُ القُطْبُ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَصِحُّ لَوْ نُسِبا تارَةً إلى أرْبابٍ شَتّى وأُخْرى إلى رَبٍّ واحِدٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ ﴾ الآيَةَ، لَكِنَّهُما نُسِبا إلى أرْبابٍ وإلى اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يَكُونُ مَثَلًا !
وأجابَ بِأنَّهُ يُفَسِّرُ اللَّهَ تَعالى بِرَبٍّ واحِدٍ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ أرْبابٍ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ رَبٍّ واحِدٍ بِاللَّهِ تَعالى لِانْحِصارِهِ فِيهِ جَلَّ جَلالُهُ.
وقالَ الطِّيبِيُّ أيْضًا: إنَّ في ذَلِكَ إشْكالًا لِأنَّ الظّاهِرَ مِنَ الآيَةِ نَفْيُ اسْتِواءِ الأصْنامِ وعِبادَتِها بِاللَّهِ تَعالى وعِبادَتِهِ فَأيْنَ المَثَلُ؟
ثُمَّ قالَ: لَكِنَّ التَّقْدِيرَ أساداتٌ شَتّى تَسْتَعْبِدُ مَمْلُوكًا واحِدًا خَيْرٌ مِن سَيِّدٍ واحِدٍ قَهّارٍ فَوُضِعَ مَوْضِعَ الرَّبِّ، والسَّيِّدُ اللَّهُ لِكَوْنِهِ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ: ﴿ أأرْبابٌ ﴾ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ ﴾ الآيَةَ.
وقَرَّرَ في الكَشْفِ ما ادَّعى مَعَهُ ظُهُورَ كَوْنِهِ مَثَلًا طَهُورًا لا إشْكالَ فِيهِ، والحَقُّ أنَّهُ ظاهِرٌ في نَفْيِ الِاسْتِواءِ وإنَّ جَعْلَهُ مَثَلًا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ حَسْبَما سَمِعْتُ عَنِ الطِّيبِيِّ إلّا أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ لُطْفٍ، ولَعَلَّهُ الأوْلى وإنِ أُحْوِجَ إلى ما أُحْوِجَ، وحَمْلُ التَّفَرُّقِ عَلى التَّفَرُّقِ في العَدَدِ والتَّكاثُرِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى الِاخْتِلافِ في الكِبَرِ والصِّغَرِ والشَّكْلِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَحْصُلُ لَها بِواسِطَةِ تَأْثِيرِ الغَيْرِ فِيها، وجَعَلَهُ إشارَةً إلى كَوْنِها مَقْهُورَةً عاجِزَةً.
وأمّا التَّعَدُّدُ فَيُشِيرُ إلَيْهِ جَمْعُ أرْبابٍ بِاعْتِبارِ أنَّهُ جَمْعٌ فَيَكُونُ ذِكْرُ (الواحِدِ) عَلى هَذا في مُقابَلَةِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ التَّعَدُّدِ، (والقَهّارُ) في مُقابَلَةِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ المَقْهُورِيَّةِ والعَجْزِ، والمَعْنى أمُتَعَدِّدُونَ سَمَّيْتُمُوهم أرْبابًا عَجَزَ مَقْهُورُونَ مُتَأثِّرُونَ مِن غَيْرِهِمْ خَيْرٌ (أمِ اللَّهِ) أيْ صاحِبِ هَذا الِاسْمِ الجَلِيلِ (الواحِدُ) الَّذِي يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ التَّكْثِيرُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ (القَهّارُ) الَّذِي لا مَوْجُودَ إلّا وهو مُسَخَّرٌ تَحْتَ قَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ عاجِزٌ في قَبْضَتِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ مِن (مُتَفَرِّقُونَ) مُخْتَلِفُو الأجْناسِ والطَّبائِعِ كالمَلَكِ والجِنِّ والجَمادِ مَثَلًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنهُ مَن لا ارْتِباطَ بَيْنَهم ولا اتِّفاقَ، وكَثِيرًا ما يُكَنّى بِذَلِكَ عَنِ العَجْزِ واخْتِلالِ الحالِ، وقَدِ اسْتَنْبَطَ الإمامُ مِنَ الآيَةِ غَيْرَ ما حُجَّةٍ عَلى بُطْلانِ عِبادَةِ الأصْنامِ، وظاهِرُ كَلامِهِ أنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْها مَثَلًا فَلْيُتَأمَّلْ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ زادَ في الإرْشادِ بِبَيانِ سُقُوطِ آلِهَتِهِما عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ رَأْسًا فَضْلًا عَنِ الأُلُوهِيَّةِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَقالَ مُعَمِّمًا لِلْخِطابِ لَهُما ولِمَن عَلى دِينِهِما مِن أهْلِ مِصْرَ كَما هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: مُطْلَقًا، وقِيلَ: مَن مَعَهُما مِن أهْلِ السِّجْنِ: <div class="verse-tafsir"
﴿ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ ﴾ أيْ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا ﴿ إلا أسْماءً ﴾ أيْ ألْفاظًا فارِغَةً لا مُطابِقَ لَها في الخارِجِ لِأنَّ ما لَيْسَ فِيهِ مِصْداقُ إطْلاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ لا وُجُودَ لَهُ أصْلًا فَكانَتْ عِبادَتُهم لِتِلْكَ الألْفاظِ فَقَطْ ﴿ سَمَّيْتُمُوها ﴾ جَعَلُوها أسْماءً ﴿ أنْتُمْ وآباؤُكُمْ ﴾ بِمَحْضِ الجَهْلِ والضَّلالَةِ ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها ﴾ أيْ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلْعِبادَةِ ﴿ مِن سُلْطانٍ ﴾ أيْ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِها، وقِيلَ: كانُوا يُطْلِقُونَ عَلى مَعْبُوداتِهِمُ الباطِلَةِ اسْمَ الآلِهَةِ ويَزْعُمُونَ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ فَرُدُّوا بِأنَّكم سَمَّيْتُمْ ما لَمْ يَدُلَّ عَلى اسْتِحْقاقِهِ هَذا الِاسْمَ عَقْلٌ ولا نَقْلٌ ثُمَّ أخَذْتُمْ تَعْبُدُونَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ ما تُطْلِقُونَهُ عَلَيْهِ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ المُسَمَّياتِ تَرْبِيَةً لِما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِن إسْقاطِها عَنْ مَرْتَبَةِ الوُجُودِ وإيذانًا بِأنَّ تَسْمِيَتَهم في البُطْلانِ حَيْثُ كانَتْ بِلا مُسَمًّى كَعِبادَتِهِمْ حَيْثُ كانَتْ بِلا مَعْبُودٍ، ويَلْحَقُ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى وهم يَتَخَيَّلُونَهُ سُبْحانَهُ جِسْمًا عَظِيمًا جالِسًا فَوْقَ العَرْشِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُنَزِّهُهُ العَقْلُ والنَّقْلُ عَنْهُ تَعالى تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا لِأنَّ ما وُضِعَ لَهُ الِاسْمُ الجَلِيلُ في نَفْسِ الأمْرِ لَيْسَ هو الَّذِي تَخَيَّلُوهُ بَلْ هو أمْرٌ وراءَ ذَلِكَ وهو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وما وضَعُوهُ هم لَهُ لَيْسَ بِإلَهٍ في نَفْسِ الأمْرِ ولا مُسْتَحِقٍّ لِلْعِبادَةِ وهو الَّذِي عَبَدُوهُ فَما عَبَدُوا في الحَقِيقَةِ إلّا اسْمًا لا مُطابِقَ لَهُ في الخارِجِ لِأنَّ ما في الخارِجِ أمْرٌ وما وضَعُوا الِاسْمَ لَهُ أمْرٌ آخَرُ ﴿ إنِ الحُكْمُ ﴾ أيْ ما الحُكْمُ في شَأْنِ العِبادَةِ المُتَفَرِّعَةِ عَلى تِلْكَ التَّسْمِيَةِ وفي صِحَّتِها ﴿ إلا لِلَّهِ ﴾ عَنْ سُلْطانِهِ لِأنَّهُ المُسْتَحِقُّ لَها بِالذّاتِ -إذْ هو الواجِبُ بِالذّاتِ المُوجِدُ لِلْكُلِّ والمالِكُ لِأمْرِهِ- ﴿ أمَرَ ألا تَعْبُدُوا ﴾ أيْ بِأنْ لا تَعْبُدُوا أحَدًا ﴿ إلا إيّاهُ ﴾ حَسْبَما يَقْتَضِي بِهِ قَضِيَّةَ العَقْلِ أيْضًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ ناشِئٍ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا حَكَمَ اللَّهُ في هَذا الشَّأْنِ؟
فَقِيلَ: (أمَرَ) إلَخْ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الحُكْمُ في أمْرِ العِبادَةِ إلّا لَهُ فَلا تَكُونُ العِبادَةُ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، أوْ لِمَن يَأْمُرُ بِعِبادَتِهِ وهو لا يَأْمُرُ بِذَلِكَ ولا يَجْعَلُهُ لِغَيْرِهِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ ﴿ أمَرَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ﴾ وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ سَرْدُ هَذِهِ الجُمَلِ عَلى هَذا الطَّرْزِ لِسَدِّ الطُّرُقِ في تَوْجِيهِ صِحَّةِ عِبادَةِ الأصْنامِ عَلَيْهِمْ أحْكَمَ سَدٍّ، فَإنَّهم إنْ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أنْزَلَ حُجَّةً في ذَلِكَ رُدُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ ﴾ وإنْ قالُوا: حَكَمَ لَنا بِذَلِكَ كُبَراؤُنا رُدُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ ﴾ وإنْ قالُوا: حَيْثُ لَمْ يَنْزِلْ حُجَّةٌ في ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ حُكْمٌ لِغَيْرِهِ بَقِيَ الأمْرُ مَوْقُوفًا إذْ عَدَمُ إنْزالِ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى الصِّحَّةِ لا يَسْتَلْزِمُ إنْزالَ حُجَّةٍ عَلى البُطْلانِ رُدُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ أمَرَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ( ذَلِكَ ﴾ أيْ تَخْصِيصِهِ تَعالى بِالعِبادَةِ ﴿ الدِّينُ القَيِّمُ ﴾ الثّابِتِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ البَراهِينُ العَقْلِيَّةُ والنَّقْلِيَّةُ ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ ذَلِكَ هو الدِّينُ القَيِّمُ لِجَهْلِهِمْ تِلْكَ البَراهِينَ أوْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا أصْلًا فَيَعْبُدُونَ أسْماءً سَمَّوْها مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مُعْرِضِينَ عَمّا يَقْتَضِيهِ العَقْلُ ويَسُوقُ إلَيْهِ سائِقُ النَّقْلِ، ومَنشَأُ هَذا الإعْراضِ الوُقُوفُ عِنْدَ المَأْلُوفاتِ والتَّقَيُّدُ بِالحِسِّيّاتِ وهو مَرْكُوزٌ في أكْثَرِ الطِّباعِ ومِن ذَلِكَ جاءَ التَّشْبِيهُ والتَّجْسِيمُ ونِسْبَةُ الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ إلى الشَّمْسِ والقَمَرِ وسائِرِ الكَواكِبِ ونَحْوِ ذَلِكَ، <div class="verse-tafsir"
ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ تَحْقِيقِ الحَقِّ وبَيانِهِ لَهُما مِقْدارَ عِلْمِهِ الواسِعِ شَرَعَ في إنْبائِهِما عَمّا اسْتَنْبَآهُ عَنْهُ، ولِكَوْنِهِ بَحْثًا مُغايِرًا لِما سَبَقَ فَصْلُهُ عَنْهُ بِتَكْرِيرِ الخِطابِ فَقالَ: ﴿ يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما ﴾ أرادَ بِهِ الشَّرابِيَّ، وإنَّما لَمْ يُعَيِّنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثِقَةً بِدَلالَةِ التَّعْبِيرِ مَعَ ما فِيهِ مِن رِعايَةِ حُسْنِ الصُّحْبَةِ ﴿ فَيَسْقِي رَبَّهُ ﴾ أيْ سَيِّدَهُ ﴿ خَمْرًا ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: ما رَأيْتَ مِنَ الكَرْمَةِ وحُسْنِها هو المَلِكُ وحُسْنُ حالِكَ عِنْدَهُ، وأمّا القُضْبانُ الثَّلاثَةُ فَإنَّها ثَلاثَةُ أيّامٍ تَمْضِي في السِّجْنِ ثُمَّ تَخْرُجُ وتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ، وقُرِئَ (فَيُسْقِي) بِضَمِّ الياءِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ مِن أسْقى، قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يُقالُ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ (نَسْقِيكُمْ) و(نُسْقِيكُمْ) بِالفَتْحِ والضَّمِّ، والمَعْرُوفُ أنَّ سَقاهُ ناوَلَهُ لِيَشْرَبَ وأسْقاهُ جَعَلَ لَهُ سَقْيًا، ونُسِبَ ضَمُّ الياءِ لِعِكْرِمَةَ، والجَحْدَرِيِّ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ عِكْرِمَةَ قَرَأ (فَيُسْقى) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، و-رَيِّهِ- بِالياءِ المُثَنّاةِ والرّاءِ المَكْسُورَةِ، والمُرادُ بِهِ ما يُرْوى بِهِ وهو مَفْعُولٌ ثانٍ -لِيَسْقِي- والمَفْعُولُ الأوَّلُ الضَّمِيرُ النّائِبُ عَنِ الفاعِلِ العائِدِ عَلى أحَدٍ، ونُصِبَ (خَمْرًا) حِينَئِذٍ عَلى التَّمْيِيزِ ﴿ وأمّا الآخَرُ ﴾ وهو الخَبّازُ ﴿ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ: ما رَأيْتَ مِنَ السِّلالِ الثَّلاثِ ثَلاثَةَ أيّامٍ تَمُرُّ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُصْلَبُ (قُضِيَ) أتَمَّ وأُحْكِمَ ﴿ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ﴾ وهو ما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُكُما وتَدُلُّ عَلَيْهِ رُؤْياكُما مِن نَجاةِ أحَدِكُما وهَلاكِ الآخَرِ، ومَعْنى اسْتِفْتائِهِما فِيهِ سُؤالُهُما عَنْهُ، أخْرَجَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ما رَأى صاحِبا يُوسُفَ شَيْئًا إنَّما تَحالَما لِيُجَرِّبا عِلْمَهُ فَلَمّا أوَّلَ رُؤْياهُما قالا: إنَّما كُنّا نَلْعَبُ ولَمْ نَرَ شَيْئًا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ( قُضِيَ الأمْرُ ) إلَخْ يَقُولُ: وقَعَتِ العِبارَةُ اهـ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ ما اتُّهِما بِهِ، والكَلامُ حِينَئِذٍ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ عاقِبَةُ ذَلِكَ.
وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ المُرادَ بِهِ ما رَأياهُ مِنَ الرُّؤْيَتَيْنِ، ونَفى أنْ يَكُونَ المُرادُ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُما، قالَ: لِأنَّ الِاسْتِفْتاءَ إنَّما يَكُونُ في الحادِثَةِ لا في حُكْمِها يُقالُ: اسْتَفْتى الفَقِيهُ في الحادِثَةِ أيْ طَلَبَ مِنهُ بَيانَ حُكْمِها ولا يُقالُ: اسْتَفْتاهُ في حُكْمِها وكَذا الإفْتاءُ، يُقالُ: أفْتى في الواقِعَةِ الفُلانِيَّةِ بِكَذا ولا يُقالُ: أفْتى في حُكْمِها بِكَذا؛ ومِمّا هو عِلْمٌ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ ﴾ ومَعْنى اسْتِفْتائِهِما فِيهِ طَلَبَهُما لِتَأْوِيلِهِ بِقَوْلِهِما ﴿ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالأمْرِ وعَنْ طَلَبِ تَأْوِيلِهِ بِالِاسْتِفْتاءِ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ إذْ الِاسْتِفْتاءُ إنَّما يَكُونُ في النَّوازِلِ المُشَكِّلَةِ الحُكْمِ المُبْهَمَةِ الجَوابِ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِما أنَّهُما بِصَدَدِ الِاسْتِفْتاءِ إلى أنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَوابِ وطَرَهُ، وإسْنادُ القَضاءِ إلَيْهِ مَعَ أنَّهُ مِن أحْوالِ مَآلِهِ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ عَيْنُ ذَلِكَ المَآلِ، وقَدْ ظَهَرَ في عالَمِ المِثالِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ، وأمّا تَوْحِيدُهُ مَعَ تَعَدُّدِ رُؤْياهُما فَوارِدٌ عَلى حَسَبِ ما وحَّداهُ في قَوْلِهِما: ﴿ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ لا لِأنَّ الأمْرَ ما اتُّهِما بِهِ وسُجِنا لِأجْلِهِ مِن سَمِّ المَلِكِ فَإنَّهُما لَمْ يَسْتَفْتِيا فِيهِ ولا فِيما هو صُورَتُهُ بَلْ فِيما هو صُورَةٌ لِمَآلِهِ وعاقِبَتِهِ فَتَأمَّلْ، اهـ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ بِالأمْرِ المَآلُ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ إسْنادِ القَضاءِ إلَيْهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الكَثِيرُ، وتُجْعَلُ -فِي- لِلسَّبَبِيَّةِ مِثْلَها في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ» ويَكُونُ مَعْنى الِاسْتِفْتاءِ فِيهِ الِاسْتِفْتاءَ بِسَبَبِهِ أيْ طَلَبَ بَيانَ حُكْمِ الرُّؤْيَتَيْنِ لِأجْلِهِ، وهُما إنَّما طَلَبا ذَلِكَ لِتُعْرَفَ حالُهُما ومَآلُ أمْرِهِما.
وإنْ أبَيْتَ ذَلِكَ فَأيُّ مانِعٍ مِن أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْتاءُ في الأمْرِ مَعَ أنَّ الِاسْتِفْتاءَ إنَّما يَكُونُ في الحادِثَةِ، وهي هُنا الرُّؤْيَتانِ لِما أنَّ بَيْنَ الأمْرِ وتِلْكَ الحادِثَةِ اتِّحادًا كَما ادَّعاهُ هُوَ، ووَجَّهَ بِهِ إسْنادَ القَضاءِ إلى الأمْرِ بِالمَعْنى الَّذِي حَمَلَهُ عَلَيْهِ مَعَ أنَّهُ مِن أحْوالِ مَآلِهِ، ولَيْسَ لَهُ أنْ يَقُولَ بِصِحَّةِ اعْتِبارِ العَيْنِيَّةِ في إسْنادِ القَضاءِ وعَدَمِ صِحَّةِ اعْتِبارِها في تَعَلُّقِ الِاسْتِفْتاءِ إذْ بَعْدَ اعْتِبارِ العَيْنِيَّةِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَكُونُ صِحَّةُ نِسْبَةِ ما هو مِن أحْوالِ أحَدِهِما إلى الآخَرِ دُونَ صِحَّةِ نِسْبَةِ ما هو مِن أحْوالِ ذَلِكَ الآخَرِ إلَيْهِ تَرْجِيحًا بِلا مُرَجِّحٍ، ومَنَعَ ذَلِكَ مُكابَرَةً، ويُرَجَّحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكَثِيرُ أنَّ فِيهِ سَلامَةَ مَن نَزَعَ الخُفَّ قَبْلَ الوُصُولِ إلى الماءِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن تَيَمَّمَ كَعْبَةَ الإنْصافِ، وبِأنَّ ما ذَكَرَهُ في تَعْلِيلِ عَدَمِ صِحَّةِ تَفْسِيرِ الأمْرِ بِما اتُّهِما بِهِ وسُجِنا لِأجْلِهِ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ تَعْرِيضًا بِصاحِبِ الكَشّافِ وهُوَ عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ: ما عَنى بِالأمْرِ إلّا العاقِبَةَ، نَعَمْ صَدْرُ كَلامِهِ ظاهِرٌ فِيما ذَكَرَ والأمْرُ فِيهِ سَهْلٌ، ولَعَلَّ وجْهَ الأمْرِ بِالتَّأمُّلِ في كَلامِ هَذا المُحَقِّقِ مَجْمُوعُ ما ذَكَرْناهُ فَتَأمَّلْ، ثُمَّ إنَّ هَذا الإخْبارَ كَما يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِلرَّدِّ عَلَيْهِما حَسْبَما ورَدَ في الأثَرِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَحْقِيقًا لِتَعْبِيرِهِ وتَأْكِيدًا لَهُ، ولا يَشْكُلُ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ لا داعِيَ لِجُحُودِ الشَّرابِيِّ لِأنّا نَقُولُ عَلى تَقْدِيرِ كَذِبِهِما في ذَلِكَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِمُراعاةِ جانِبِ صاحِبِهِ الخَبّازِ.
وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ ”إنَّ الَّذِي جَحَدَ هو الخَبّازُ“ فَحِينَئِذٍ الأمْرُ واضِحٌ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى ما هو المَشْهُورُ مِن أنَّ الرُّؤْيا تَقَعُ كَما تُعَبَّرُ، ولِذا قِيلَ: المَنامُ عَلى جَناحِ طائِرٍ إذا قُصَّ وقَعَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وقالَ ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ ﴾ أُوثِرَ عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ مُبالَغَةً في الدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ النَّجاةِ حَسْبَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ إلَخْ، وهو السِّرُّ في إيثارِ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ: لِلَّذِي ظَنَّهُ ناجِيًا ﴿ مِنهُما ﴾ أيْ مِن صاحِبَيْهِ، وإنَّما ذَكَرَ بِوَصْفِ النَّجاةِ تَمْهِيدًا لِمَناطِ التَّوْصِيَةِ بِالذِّكْرِ بِما يَدُورُ عَلَيْهِ الِامْتِيازُ بَيْنَهُ وبَيْنَ صاحِبِهِ المَذْكُورِ بِوَصْفِ الهَلاكِ، والظّانُّ هو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا صاحِبُهُ، وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ لِأنَّ التَّوْصِيَةَ لا تَدُورُ عَلى ظَنِّ النّاجِي بَلْ عَلى ظَنِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو بِمَعْنى اليَقِينِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ﴾ ونَظائِرِهِ.
ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِهِ مِن بابِ إرْخاءِ العِنانِ والتَّأدُّبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى فالتَّعْبِيرُ عَلى هَذا بِالوَحْيِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ( قُضِيَ الأمْرُ ) إلَخْ، وقِيلَ: هو بِمَعْناهُ، والتَّعْبِيرُ بِالِاجْتِهادِ والحُكْمُ بِقَضاءِ الأمْرِ أيْضًا اجْتِهادِيٌّ، واسْتَدَلَّ بِهِ مَن قالَ: إنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيا ظَنِّيٌّ لا قَطْعِيٌّ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا في مَوْضِعِ الصِّفَةِ -لِناجٍ- أوِ الحالِ مِنَ المَوْصُولِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا -بِناجٍ- لِأنَّهُ لَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ ﴿ اذْكُرْنِي ﴾ بِما أنا عَلَيْهِ مِنَ الحالِ والصِّفَةِ.
﴿ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ سَيِّدِكَ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا انْتَهى بِالنّاجِي في اليَوْمِ الثّالِثِ إلى بابِ السِّجْنِ قالَ لَهُ: أوْصِنِي بِحاجَتِكَ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: حاجَتِي أنْ تَذْكُرَنِي عِنْدَ رَبِّكَ وتَصِفَنِي بِصِفَتِيِ الَّتِي شاهَدْتَها ﴿ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ﴾ أيْ أنْسى ذَلِكَ النّاجِيَ بِوَسْوَسَتِهِ وإلْقائِهِ في قَلْبِهِ أشْغالًا حَتّى يُذْهَلَ عَنِ الذِّكْرِ، وإلّا فالإنْساءُ حَقِيقَةً لِلَّهِ تَعالى، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ فَإنَّ تَوْصِيَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ المُتَضَمِّنَةَ لِلِاسْتِعانَةِ بِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كانَتْ باعِثَةً لِما ذَكَرَ مِن إنْسائِهِ ﴿ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ أيْ ذِكْرَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ المَلِكِ، والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذِكْرِ إخْبارِ رَبِّهِ (فَلَبِثَ) أيْ فَمَكَثَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ أوِ الإنْساءِ ﴿ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ البِضْعُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ مِنَ الثَّلاثِ إلى السَّبْعِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مِنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، ولا يُذْكَرُ عَلى ما قالَ الفَرّاءُ: إلّا مَعَ العَشَراتِ دُونَ المِائَةِ والألْفِ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ البِضْعِ بِمَعْنى القَطْعِ؛ والمُرادُ بِهِ هُنا في أكْثَرِ الأقاوِيلِ سَبْعُ سِنِينَ وهي مُدَّةُ لُبْثِهِ كُلُّها فِيما صَحَّحَهُ البَعْضُ، وسَنَتانِ مِنها كانَتْ مُدَّةَ لُبْثِهِ بَعْدَ ذَلِكَ القَوْلِ، ولا يَأْبى ذَلِكَ فاءُ السَّبَبِيَّةِ لِأنَّ لُبْثَ هَذا المَجْمُوعِ مُسَبَّبٌ عَمّا ذُكِرَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ السَّبْعَ مُدَّةُ لُبْثِهِ بَعْدَ ذَلِكَ القَوْلِ، وقَدْ لَبِثَ قَبْلَها خَمْسًا فَجَمِيعُ المُدَّةِ اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، ويَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ «”رَحِمَ اللَّهُ تَعالى أخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ: ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ لَما لَبِثَ في السِّجْنِ سَبْعًا بَعْدَ خَمْسٍ“،» وتُعُقِّبَ بِأنَّ الخَبَرَ لَمْ يَثْبُتْ بِهَذا اللَّفْظِ وإنَّما الثّابِتُ في عِدَّةِ رِواياتٍ ما لَبِثَ في السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ وهو لا يَدُلُّ عَلى المُدَّعى، ورَوى ابْنُ حاتِمٍ عَنْ طاوُسٍ والضَّحّاكِ تَفْسِيرَ البِضْعِ هَهُنا بِأرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وهو خِلافُ المَعْرُوفِ في تَفْسِيرِهِ، والأوْلى أنْ لا يُجْزَمَ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ كَما قَدَّمْنا، وكَوْنُ هَذا اللُّبْثِ مُسَبَّبًا عَنِ القَوْلِ هو الَّذِي تَظافَرَتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ كالخَبَرِ السّابِقِ، والخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ أنَسٍ قالَ: ”أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ القَتْلِ حِينَ هَمَّ إخْوَتُكَ أنْ يَقْتُلُوكَ؟
قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ الجُبِّ إذْ ألْقَوْكَ فِيهِ؟
قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ المَرْأةِ إذْ هَمَّتْ بِكَ؟
قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَما بالُكَ نَسِيتَنِي وذَكَرْتَ آدَمِيًّا؟
قالَ: يا رَبِّ كَلِمَةٌ تَكَلَّمَ بِها لِسانِي، قالَ: وعِزَّتِي لَأُدْخِلَنَّكَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ“، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، ولا يُشْكَلُ عَلى هَذا أنَّ الِاسْتِعانَةَ بِالعِبادِ في كَشْفِ الشَّدائِدِ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ﴾ فَكَيْفَ عُوتِبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأشْخاصِ، واللّائِقُ بِمَناصِبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَرْكُ ذَلِكَ والأخْذُ بِالعَزائِمِ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما قالَ لِلشَّرابِيِّ ما قالَ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى هِدايَةِ المَلِكِ وإيمانِهِ بِاللَّهِ تَعالى كَما تَوَصَّلَ إلى إيضاحِ الحَقِّ لِصاحِبَيْهِ، وإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن بابِ الِاسْتِعانَةِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى في تَفْرِيجِ كَرْبِهِ وخَلاصِهِ مِنَ السَّجْنِ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ، ومُوجِبٌ لِلطَّعْنِ في غَيْرِ ما خَبَرٍ، نَعَمْ إنَّهُ اللّائِقُ بِمَنصِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ضَمِيرِ -أنْساهُ- و(رَبِّهِ) عائِدَيْنِ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنْساءُ الشَّيْطانِ لَيْسَ مِنَ الإغْواءِ في شَيْءٍ بَلْ هو تَرْكُ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ لِمَقامِ الخَواصِّ الرّافِعِينَ لِلْأسْبابِ مِنَ البَيْنِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأوَّلَ هو المُناسِبُ لِمَكانِ الفاءِ، ولِقَوْلِهِ تَعالى الآتِي: ﴿ وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ <div class="verse-tafsir"
﴿ وقالَ المَلِكُ ﴾ وهو الرَّيّانُ وكانَ كافِرًا، فَفي إطْلاقِ ذَلِكَ عَلَيْهِ دَلالَةٌ عَلى ما قِيلَ: عَلى جَوازِ تَسْمِيَةِ الكافِرِ مَلِكًا، ومَنَعَهُ بَعْضُهم وكَذا مَنَعَ أنْ يُقالَ: لَهُ أمِيرٌ احْتِجاجًا بِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَتَبَ إلى هِرَقْلَ ”عَظِيمِ الرُّومِ“ ولَمْ يَكْتُبْ مِلْكَ الرُّومِ أوْ أمِيرَهم لِما فِيهِ مِن إيهامِ كَوْنِهِ عَلى الحَقِّ، وجَعَلَ هَذا حِكايَةَ اسْمٍ مَضى حُكْمُهُ وتَصَرَّمَ وقْتُهُ، ومِثْلُهُ لا يَضُرُّ أيْ قالَ لِمَن عِنْدَهُ: ﴿ إنِّي أرى ﴾ أيْ رَأيْتُ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ ﴿ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ ﴾ مُمْتَلِئاتٍ لَحْمًا وشَحْمًا مِن سَمْنٍ كَسَمِعَ سَمانَةً بِالفَتْحِ، وسِمَنًا كَعِنَبٍ فَهو سامِنٌ وسَمِينٌ، وذُكِرَ أنَّ سَمِينًا وسَمِينَةٌ تُجْمَعُ عَلى سِمانٍ فَهو كَكِرامٍ جَمْعِ كَرِيمٍ وكَرِيمَةٍ، يُقالُ: رِجالٌ كِرامٌ ونِسْوَةٌ كِرامٌ ﴿ يَأْكُلُهُنَّ ﴾ أيْ أكَلَهُنَّ، والعُدُولُ إلى المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ تَعْجِيبًا، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ البَقَراتِ أوْ صِفَةً لَها ﴿ سَبْعٌ عِجافٌ ﴾ أيْ سَبْعُ بَقَراتٍ مَهْزُولَةٍ جِدًّا مِن قَوْلِهِمْ: نَصْلٌ أعْجَفُ أيْ دَقِيقٌ وهو جَمْعُ عَجْفاءَ عَلى خِلافِ القِياسِ، والقِياسُ عُجْفٌ كَحَمْراءَ وحُمْرٍ، فَإنَّ فَعْلاءَ وأفْعَلُ لا يُجْمَعُ عَلى فِعالٍ لَكِنَّهم بَنَوْهُ عَلى ( سِمانٍ ) وهم قَدْ يَبْنُونَ الشَّيْءَ عَلى ضِدِّهِ كَقَوْلِهِمْ: عَدُوَّةٌ بِالهاءِ لِمَكانِ صَدِيقَةٍ، وفَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ لا تَدْخُلُهُ الهاءُ، وأجْرى ( سِمانٍ ) عَلى المُمَيَّزِ فَجُرَّ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لَهُ، ولَمْ يُنْصَبْ عَلى أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْعَدَدِ المُمَيَّزِ لِأنَّ وصْفَ تَمْيِيزِهِ وصْفٌ لَهُ مَعْنًى، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّهُ إذا وُصِفَ التَّمْيِيزُ كانَ التَّمْيِيزُ بِالنَّوْعِ، وإذا وُصِفَ المُمَيَّزُ كانَ التَّمْيِيزُ بِالجِنْسِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أوْلى وأبْلَغُ لِاشْتِمالِ النَّوْعِ عَلى الجِنْسِ فَهو أزْيَدُ في رَفْعِ الإبْهامِ المَقْصُودِ مِنَ التَّمْيِيزِ، فَلِهَذا رُجِّحَ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى غَيْرِهِ ولَمْ يَقُلْ: ( سَبْعُ عِجافٍ) بِالإضافَةِ، وجَعَلَهُ صِفَةً لِلتَّمْيِيزِ المُقَدَّرِ عَلى قِياسِ ما قَبْلَهُ -لِأنَّ التَّمْيِيزَ لِبَيانِ الجِنْسِ والحَقِيقَةِ والوَصْفِ- لا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ عَلى شَيْءٍ ما لَهُ حالٌ وصِفَةٌ، فَلِذا ذَكَرُوا أنَّ التَّمْيِيزَ يَكُونُ بِاسْمِ الجِنْسِ الجامِدِ ولا يَكُونُ بِالوَصْفِ المُشْتَقِّ في فَصِيحِ الكَلامِ، فَتَقُولُ: عِنْدِي ثَلاثُونَ قُرَشِيُّونَ ولا تَقُولُ قُرَشِيِّينَ بِالإضافَةِ، وأمّا قَوْلُكَ: ثَلاثَةُ فُرْسانٍ وخَمْسَةُ رُكْبانٍ فَلِجَرَيانِ الفارِسِ والرّاكِبِ مَجْرى الأسْماءِ لِاسْتِعْمالِها في الأغْلَبِ مِن غَيْرِ مَوْصُوفٍ.
واعْتَرَضَ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّ الأصْلَ في العَدَدِ التَّمْيِيزُ بِالإضافَةِ فَإذا وُصِفَ السَّبْعُ بِالعِجافِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ إلَيْهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الوَصْفِ -وتَقْدِيرِ المُضافِ إلَيْهِ- خِلافُ الأصْلِ أمّا إذا أُضِيفَ كانَتِ الصِّفَةُ قائِمَةً مَقامَ المَوْصُوفِ فَقَوْلُنا: ( سَبْعٌ عِجافٌ ) في قُوَّةِ قَوْلِنا: سَبْعُ بَقَراتٍ عِجافٍ، فالتَّمْيِيزُ المَطْلُوبُ بِالإضافَةِ حاصِلٌ بِالإضافَةِ إلى الصِّفَةِ لِقِيامِها مَقامَ المَوْصُوفِ، فَكَما يَجُوزُ سَبْعُ بَقَراتٍ عِجافٍ يَجُوزُ سَبْعٌ عِجافٌ، وإنَّما لَمْ يُضَفْ لِأنَّهُ قائِمٌ مَقامَ البَقَراتِ وهي مَوْصُوفَةٌ بِعِجافٍ فَكانَتْ مِن قَبِيلِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ وهي غَيْرُ جائِزَةٍ إلّا بِتَأْوِيلٍ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ القُطْبُ بِأنَّهُ هَبْ أنَّ الأصْلَ في العَدَدِ التَّمْيِيزُ بِالإضافَةِ لَكِنْ لَمّا سَبَقَ ذِكْرُ ( سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ ) تَبَيَّنَ أنَّ السَّبْعَ العِجافَ بَقَراتٌ فَهَذا السَّبْعُ مُمَيَّزٌ بِما تَقَدَّمَ فَقَدْ حَصَلَ التَّمْيِيزُ بِالإضافَةِ فَلَوْ أُضِيفَ إلى العِجافِ لَكانَ العِجافُ قائِمًا مَقامَ البَقَراتِ في التَّمْيِيزِ فَيَكُونُ التَّمْيِيزُ بِالوَصْفِ وهو خِلافُ الأصْلِ، وأمّا إنَّ السَّبْعَ قائِمٌ مَقامَ البَقَراتِ فَإنَّما يَكُونُ إذا وُصِفَ بِالعِجافِ أمّا إذا أُضِيفَ بِكَوْنِ العِجافِ قائِمَةً مَقامَ البَقَراتِ فَلا يَلْزَمُ إضافَةُ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ اهـ، وفِيهِ تَأمُّلٌ.
وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ في هَذا المَقامِ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُمَيَّزَ إذا وُصِفَ ثُمَّ رُفِعَ بِهِ الإبْهامُ والإجْمالُ مِنَ العَدَدِ آذَنُ بِأنَّهُما مَقْصُودانِ في الذِّكْرِ بِخِلافِهِ إذا مُيِّزَ ثُمَّ وُصِفَ بَلِ الوَصْفُ أدْعى لِأنَّ المُمَيِّزَ إنَّما اسْتُجْلِبَ لِلْوَصْفِ، ومِن ثَمَّ تُرِكَ التَّمْيِيزُ في القَرائِنِ الثَّلاثِ والمَقامُ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ الِابْتِلاءِ بِالشِّدَّةِ بَعْدَ الرَّخاءِ، وبَيانُ الكَمِّيَّةِ بِالعَدَدِ والكَيْفِيَّةِ بِالبَقَراتِ تابِعٌ فَلْيُفْهَمْ، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ وجْهُ العُدُولِ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ عَنْ أنْ يُقالَ: إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ عِجافٍ يَأْكُلْنَ سَبْعًا سِمانًا الأخْصَرُ مِنهُ.
وقِيلَ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِذَلِكَ بِأنَّهُ أوَّلُ ما رَأى السِّمانَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ رَأى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خَرَجْنَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ ثُمَّ خَرَجَ عَقِيبَهُنَّ سَبْعُ بَقَراتٍ عِجافٍ فابْتَلَعَتِ السِّمانَ ولَمْ يَتَبَيَّنْ عَلَيْها مِنهُنَّ شَيْءٌ.
﴿ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ ﴾ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها ﴿ وأُخَرَ ﴾ أيْ وسَبْعًا أُخَرَ ﴿ يابِساتٍ ﴾ قَدْ أدْرَكَتْ والتَوَتْ عَلى الخُضْرِ حَتّى غَلَبَتْها ولَمْ يَبْقَ مِن خُضْرَتِها شَيْءٌ عَلى ما رُوِيَ، ولَعَلَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ العَدَدِ لِلِاكْتِفاءِ بِما ذُكِرَ مِن حالِ البَقَراتِ، ولا يَجُوزُ عَطْفُ أُخَرَ عَلى سُنْبُلاتٍ لِأنَّ العَطْفَ عَلى المُمَيَّزِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ بَيانًا لِلْمَعْدُودِ سَواءٌ قِيلَ: بِالِانْسِحابِ أوْ بِتَكْرِيرِ العامِلِ لِأنَّ المَعْنى عَلى القَوْلَيْنِ لا يَخْتَلِفُ؛ وإنَّما الِاخْتِلافُ في التَّقْدِيرِ اللَّفْظِيِّ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ التَّدافُعُ في الآيَةِ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ السُّنْبُلاتُ خَضِرُها ويابِسُها سَبْعًا، ولَفْظُ (أُخَرَ) يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ غَيْرَ السَّبْعِ وذَلِكَ لِأنَّ تَبايُنَها في الوَصْفِ أعْنِي الخُضْرَةَ واليُبْسَ مَنطُوقٌ، واشْتِراكُهُما في السُّنْبُلِيَّةِ فَيَكُونُ مُقْتَضى لَفْظِ (أُخَرَ) تَغايُرَهُما في العَدَدِ ولَزِمَ التَّدافُعُ، وعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ تَقُولَ: عِنْدِي سَبْعَةُ رِجالٍ قِيامٍ وقُعُودٍ بِالجَرِّ لِأنَّكَ مَيَّزْتَ سَبْعَةَ رِجالٍ مَوْصُوفِينَ بِالقِيامِ والقُعُودِ عَلى أنَّ بَعْضَهم كَذا وبَعْضَهم كَذا، ولا يَصِحُّ سَبْعَةُ رِجالٍ قِيامٍ وآخَرِينَ قُعُودٍ لِما عَلِمْتَ، فالآيَةُ والمِثالُ في هَذا المَبْحَثِ عَلى وِزانٍ واحِدٍ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الكَشّافِ، ونَظَرَ في ذَلِكَ صاحِبُ الفَرائِدِ فَقالَ: إنَّ الصَّحِيحَ أنَّ العَطْفَ في حُكْمِ تَكْرِيرِ العامِلِ لا الِانْسِحابِ فَلَوْ عُطِفَ آخَرِينَ عَلى رِجالٍ قِيامٍ لَكانَ سَبْعَةٌ مُكَرَّرَةً في المَعْطُوفِ أيْ وسَبْعَةٌ آخَرِينَ أيْ رِجالٍ آخَرِينَ قُعُودٍ، ويُفْسِدُ المَعْنى لِأنَّ المَفْرُوضَ أنَّ الرِّجالَ سَبْعَةٌ، وأمّا الآيَةُ فَلَوْ كُرِّرَ فِيها وقِيلَ: وسَبْعٌ أُخَرُ أيْ وسَبْعُ سُنْبُلاتٍ أُخَرُ اسْتَقامَ لِأنَّ الخُضْرَ سَبْعٌ واليابِساتِ سَبْعٌ، نَعَمْ لَوْ خَرَجَ ذَلِكَ عَلى المَرْجُوحِ وهو الِانْسِحابُ أدّى إلى أنَّ السَّبْعَ المَذْكُورَةَ مُمَيَّزَةٌ بِسُنْبُلاتٍ خُضَرٍ وسُنْبُلاتٍ أُخَرَ يابِساتٍ، وفَسَدَ إذِ المُرادُ أنَّ كُلًّا مِنهُما سَبْعَةٌ لا أنَّها سَبْعَةٌ، فالمِثالُ والآيَةُ لَيْسا عَلى وزانٍ إذْ هو عَلى تَكْرِيرِ العامِلِ يَفْسُدُ، وعَلى الِانْسِحابِ يَصِحُّ، والآيَةُ بِالعَكْسِ، ثُمَّ بَنى عَلى ما زَعَمَهُ مِن أنَّ الصَّحِيحَ قَوْلُ التَّكْرِيرِ جَوازُ العَطْفِ.
وادَّعى أنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى (خُضْرٍ) لا عَلى ﴿ يابِساتٍ ﴾ لِيَدُلَّ عَلى مَوْصُوفٍ آخَرَ، وهو سُنْبُلاتٍ ولا يُقَدَّرَ مَوْصُوفُها بِقَرِينَةِ السِّياقِ، ولا يَخْفى أنَّ الكَلامَ إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مُمَيِّزُ السَّبْعِ ما عَلِمْتَ، وعَلى ذَلِكَ يَلْزَمُ التَّدافُعُ، ولا يُبْنى عَلى فَرْضِ أنَّهم سَبْعَةٌ أوْ أرْبَعَةَ عَشَرَ فَيَصِحُّ في الآيَةِ ولا يَصِحُّ في المِثالِ فَإنَّهُ وهْمٌ.
ومِن ذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّهُ لا مَدْخَلَ لِلتَّكْرِيرِ والِانْسِحابِ في هَذا الفَرْضِ، ثُمَّ إنَّ المُخْتارَ قَوْلُ الِانْسِحابِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ ابْنُ الحاجِبِ وحَقَّقَهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى الِانْسِحابِ لا التَّقْدِيرِ وإلّا لَكانَ لَفْظُ (أُخَرَ) تَطْوِيلًا يُصانُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى المُعْجِزُ عَنْهُ فَغَيْرُ سَدِيدٍ عَلى ما في الكَشْفِ لِأنَّ القائِلَ بِالتَّقْدِيرِ يَدَّعِي الظُّهُورَ في الِاسْتِقْلالِ، وكَذَلِكَ القائِلُ بِالِانْسِحابِ يَدَّعِي الظُّهُورَ في المُقابِلِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ أئِمَّةُ العَرَبِيَّةِ فَلا يَكُونُ التَّأْكِيدُ -بِأُخَرَ- لِإرادَةِ النُّصُوصِ تَطْوِيلًا بَلْ إطْنابًا يَكُونُ واقِعًا في حَلْقِ مَوْقِعِهِ هَذا ﴿ يا أيُّها المَلأُ ﴾ خِطابٌ لِلْأشْرافِ مِمَّنْ يَظُنُّ بِهِ العِلْمَ، يُرْوى أنَّهُ جَمَعَ السَّحَرَةَ والكَهَنَةَ والمَعَبِّرِينَ فَقالَ لَهُمْ: ( يا أيُّها المَلَأُ).
﴿ أفْتُونِي في رُؤْيايَ ﴾ هَذِهِ أيْ عَبِّرُوها وبَيِّنُوا حُكْمَها وما تَؤُولُ إلَيْهِ مِنَ العاقِبَةِ.
وقِيلَ: هو خِطابٌ لِجُلَسائِهِ وأهْلِ مَشُورَتِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالإفْتاءِ لِتَشْرِيفِهِمْ وتَفْخِيمِ أمْرِ رُؤْياهُ ﴿ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ عِبارَةَ جِنْسِ الرُّؤْيا عِلْمًا مُسْتَمِرًّا وهي الِانْتِقالُ مِنَ الصُّورَةِ المُشاهَدَةِ في المَنامِ إلى ما هي صُورَةٌ ومِثالٌ لَها مِنَ الأُمُورِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ الواقِعَةِ في الخارِجِ مِنَ العُبُورِ وهو المُجاوَزَةُ، تَقُولُ: عَبَرْتُ النَّهْرَ إذا قَطَعْتَهُ وجاوَزْتَهُ، ونَحْوُهُ أوَّلْتُها أيْ ذَكَرَتْ ما تَؤُولُ إلَيْهِ وعَبَرْتُ الرُّؤْيا بِالتَّخْفِيفِ عِبارَةً أقْوى وأعْرَفُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ مِن عَبَّرْتُ بِالتَّشْدِيدِ تَعْبِيرًا حَتّى أنْ بَعْضَهم أنْكَرَ التَّشْدِيدَ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ ما أنْشَدُهُ المُبَرِّدِ في الكامِلِ لِبَعْضِ الأعْرابِ وهُوَ: رَأيْتُ رُؤْيا ثُمَّ عَبَّرْتُها وكُنْتُ لِلْأحْلامِ عَبّارًا والجَمْعُ بَيْنَ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، واللّامُ قِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ والمَقْصُودُ بِذاكَ البَيانِ كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿ تَعْبُرُونَ ﴾ قِيلَ: لِأيِّ شَيْءٍ؟
فَقِيلَ: لِلرُّؤْيا فَهي لِلْبَيانِ كَما في سُقْيًا لَهُ إلّا أنَّ تَقْدِيمَ البَيانِ عَلى المُبِينِ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، وقِيلَ -واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ- إنَّها لِتَقْوِيَةِ الفِعْلِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ ضَعُفَ بِالتَّأْخِيرِ، ويُقالُ لَها: لامُ التَّقْوِيَةِ وتَدْخُلُ في الفَصِيحِ عَلى المَعْمُولِ إذا تَقَدَّمَ عَلى عامِلِهِ مُطْلَقًا، وعَلى مَعْمُولِ غَيْرِ الفِعْلِ إذا تَأخَّرَ كَزَيْدٍ ضارِبٌ لِعَمْرٍو، وفي كَوْنِها زائِدَةً أوَّلًا خِلافٌ، وقِيلَ: إنَّهُ جِيءَ بِها لِتَضْمِينِ الفِعْلِ المُتَعَدِّي مَعْنى فِعْلٍ قاصِرٍ يَتَعَدّى بِاللّامِ أيْ إنْ كُنْتُمْ تُنْتَدَبُونَ لِعِبارَتِها، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ لِلرُّؤْيا خَبَرُ كانَ كَما تَقُولُ: كانَ فُلانٌ لِهَذا الأمْرِ إذا كانَ مُسْتَقْبَلًا بِهِ مُتَمَكِّنًا مِنهُ، وجُمْلَةُ ﴿ تَعْبُرُونَ ﴾ خَبَرٌ آخَرُ أوْ حالٌ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ، وكَذا فِيما قَبْلَهُ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِالإدْغامِ في الرُّؤْيا وبابُهُ بَعْدَ قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا ثُمَّ قَلْبُ الواوِ ياءً لِسَبْقِها إيّاها ساكِنَةً، ونَصُّوا عَلى شُذُوذِ ذَلِكَ لِأنَّ الواوَ بَدَلٌ غَيْرُ لازِمٍ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ المَلَأُ لِلْمَلِكِ إذْ قالَ لَهم ذَلِكَ؟
فَقِيلَ: قالُوا: هي ﴿ أضْغاثُ أحْلامٍ ﴾ أيْ هي ( أضْغاثُ) إلَخْ، وهي جَمْعُ ضِغْثٍ وهو أقَلُّ مِنَ الحُزْمَةِ وأكْثَرُ مِنَ القَبْضَةِ مِن أخْلاطَ النَّباتِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى ما كانَ مِن جِنْسٍ واحِدٍ كَما في قَوْلِهِ: خُودٌ كَأنَّ فِراشَها وضَعَتْ بِهِ أضْغاثَ رَيْحانٍ غَداةَ شَمالٍ وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ﴾ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ عِثْكالًا مِنَ النَّخْلِ فَضَرَبَ بِهِ، وفي الكَشّافِ أنَّ (أضْغاثُ الأحْلامٍ) تَخالِيطُها وأباطِيلُها وما يَكُونُ مِنها مِن حَدِيثِ نَفْسٍ أوْ وسْوَسَةِ شَيْطانٍ، وقَدِ اسْتُعِيرَتْ لِذَلِكَ، وأصْلُها ما جُمِعَ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وحُزَمِهِ وإضافَتُها عَلى مَعْنى مِن أيِّ أضْغاثٍ مِن أحْلامٍ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ الأضْغاثَ إذا اسْتُعِيرَتْ لِلْأحْلامِ الباطِلَةِ، والأحْلامُ مَذْكُورَةٌ، ولَفْظُ هي المُقَدَّرُ عِبارَةٌ عَنْ رُؤْيا مَخْصُوصَةٍ فَقَدْ ذُكِرَ المُسْتَعارُ والمُسْتَعارُ لَهُ، وذَلِكَ مانِعٌ مِن الِاسْتِعارَةِ عَلى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ، وقَدْ أجابَ الكَثِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِما لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في تَقْرِيرِ ذاكَ وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ أنَّهُ يُرِيدُ أنَّ حَقِيقَةَ الأضْغاثِ أخْلاطُ النَّباتِ فَشَبَّهَ بِهِ التَّخالِيطَ والأباطِيلَ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَتْ أحْلامًا أمْ غَيْرَها، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الصِّحاحِ، والأساسُ: ضِغْثُ الحَدِيثِ خَلْطُهُ، ثُمَّ أُرِيدَ هُنا بِواسِطَةِ الإضافَةِ أباطِيلُ مَخْصُوصَةٌ فَطَرَفا الِاسْتِعارَةِ أخْلاطُ النَّباتِ والأباطِيلُ المُلْفَقاتُ، فالأحْلامُ ورُؤْيا المَلِكِ خارِجانِ عَنْهُما فَلا يَضُرُّ ذِكْرُهُما كَما إذا قُلْتَ: رَأيْتُ أسَدَ قُرَيْشٍ فَهو قَرِينَةٌ أوْ تَجْرِيدٌ، وقَوْلُهُ: تَخالِيطُها تَفْسِيرٌ لَهُ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وقَوْلُهُ: وقَدِ اسْتُعِيرَتْ لِذَلِكَ إشارَةً إلى التَّخالِيطِ.
الثّانِي أنَّ الأضْغاثَ اسْتُعِيرَتْ لِلتَّخالِيطِ الواقِعَةِ في الرُّؤْيا الواحِدَةِ فَهي أجْزاؤُها لا عَيْنُها فالمُسْتَعارُ مِنهُ حُزَمُ النَّباتِ والمُسْتَعارُ لَهُ أجْزاءُ الرُّؤْيا، وهَذا كَما إذا اسْتَعَرْتَ الوَرْدَ لِلْخَدِّ، ثُمَّ قُلْتَ: شَمَمْتُ ورْدَ هِنْدٍ مَثَلًا فَإنَّهُ لا يُقالُ: إنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ الطَّرَفانِ اهـ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وارْتِكابِ غَيْرِ الظّاهِرِ.
واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم كَوْنَ ( أضْغاثُ أحْلامٍ ) مِن قَبِيلِ لُجَيْنِ الماءِ، ولا يَخْفى أنَّهُ سالِمٌ عَمّا أوْرَدَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ إلّا أنَّ صاحِبَ الأساسِ قَدْ صَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ المَجازِ، والمُتَبادِرُ مِنهُ المَجازُ المُتَعارَفُ الَّذِي لا يُطْلَقُ عَلى ما ذُكِرَ، ولَعَلَّ الأمْرَ في ذَلِكَ سَهْلٌ، والأحْلامُ جَمْعُ حُلُمٍ بِضَمَّةٍ وبِضَمَّتَيْنِ المَناماتُ الباطِلَةُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ جَمْعٌ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الرُّؤْيا والحُلْمُ عِبارَةٌ عَمّا يَراهُ النّائِمُ مُطْلَقًا لَكِنْ غَلَبَتِ الرُّؤْيا عَلى ما يَراهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّيْءِ الحَسَنِ، وغَلَبَ الحُلْمُ عَلى خِلافِهِ، وفي الحَدِيثِ: «”الرُّؤْيا مِنَ اللَّهِ تَعالى والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ“،» وقالَ التُّورَبَشْتِيُّ: الحُلْمُ عِنْدَ العَرَبِ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الرُّؤْيا، والتَّفْرِيقُ مِن الِاصْطِلاحاتِ الَّتِي سَنَّها الشّارِعُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ كَأنَّهُ كَرِهَ أنْ يُسَمِّيَ ما كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وما كانَ مِنَ الشَّيْطانِ بِاسْمٍ واحِدٍ فَجَعَلَ الرُّؤْيا عِبارَةً عَنِ القِسْمِ الصّالِحِ لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مُشاهَدَةِ الشَّيْءِ بِالبَصَرِ والبَصِيرَةِ، وجَعَلَ الحُلْمَ عِبارَةً عَمّا كانَ مِنَ الشَّيْطانِ لِأنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ لَمْ تُسْتَعْمَلْ إلّا فِيما يُخَيَّلُ لِلْحالِمِ في مَنامِهِ مِن قَضاءِ الشَّهْوَةِ بِما لا حَقِيقَةَ لَهُ اهـ، وهو كَلامٌ حَسَنٌ، ومِمّا يَشْهَدُ لَهُ في دَعْوى كَوْنِ الحُلُمِ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ العَرَبِ اسْتِعْمالَ الرُّؤْيا البَيْتُ السّابِقُ الَّذِي أنْشَدَهُ المُبَرِّدُ كَما لا يَخْفى، وإنَّما قالُوا ( أضْغاثُ أحْلامٍ ) بِالجَمْعِ مَعَ أنَّ الرُّؤْيا ما كانَتْ إلّا واحِدَةً لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِ ذَلِكَ بِالبُطْلانِ، وهَذا كَما يُقالُ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ ويَلْبَسُ عَمائِمَ الخَزِّ لِمَن لا يَرْكَبُ إلّا فَرَسًا واحِدًا وما لَهُ إلّا عِمامَةٌ فَرْدَةٌ.
وفِي الفَرائِدِ لِما كانَتْ ( أضْغاثُ أحْلامٍ ) مُسْتَعارَةً لِما ذُكِرَ وهي تَخالِيطُها وأباطِيلُها وهي مُتَحَقِّقَةٌ في رُؤْيا واحِدَةٍ بِحَسَبِ أنَّها مُتَرَكِّبَةٌ مِن أشْياءَ كُلٌّ مِنها حُلُمٌ فَكانَتْ أحْلامًا، قالَ الشِّهابُ: وهو واهٍ وإنِ اسْتَحْسَنَهُ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ، نَعَمْ لَيْسَ هَذا مِن إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ لِوُجُودِ ذَلِكَ في هَذا الجِنْسِ إذِ الإضافَةُ عَلى مَعْنى فِي، ثُمَّ نُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ أنَّهُ قالَ في شَرْحِ الشّافِيَةِ إنَّ جَمْعَ القِلَّةِ لَيْسَ بِأصْلٍ في الجَمْعِ لِأنَّهُ لا يُذْكَرُ إلّا حَيْثُ يُرادُ بَيانُ القِلَّةِ فَلا يُسْتَعْمَلُ لِمُجَرَّدِ الجَمْعِيَّةِ والجِنْسِيَّةِ كَما يُسْتَعْمَلُ لَهُ جَمْعُ الكَثْرَةِ، يُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الثِّيابِ في مَعْنى حَسَنِ الثَّوْبِ ولا يَحْسُنُ حَسَنُ الثَّوْبِ، وكَمْ عِنْدَكَ مِنَ الثَّوْبِ، أوْ مِنَ الثِّيابِ، ولا يَحْسُنُ مِنَ الأثْوابِ اهـ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذَكَرَهُالشَّرِيفُ في شَرْحِ المِفْتاحِ وهو مُخالِفٌ لِما ذَكَرُوهُ هُنا فَتَأمَّلْهُ، ولَعَلَّ ما ذُكِرَ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ إنَّما هو في جَمْعِ القِلَّةِ الَّذِي مَعَهُ جَمْعُ كَثْرَةٍ كَما ذَكَرَهُ في المِثالِ لا في ذَلِكَ وجَمْعُ القِلَّةِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ جَمْعُ كَثْرَةٍ كَما هُنا، فَإنّا لَمْ نَجِدْ في كُتُبِ اللُّغَةِ جَمْعًا لِمُفْرَدِ هَذا الجَمْعِ غَيْرَ هَذا الجَمْعِ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ جَمْعَ القِلَّةِ إذا لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ جَمْعُ كَثْرَةٍ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ جَمْعِ الكَثْرَةِ، ثُمَّ لا يَخْفى حُسْنُ مَوْقِعِ الأضْغاثِ مَعَ السَّنابِلِ، فَيا لِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ ما أبْدَعَ رِياضِ بَلاغَتِهِ.
﴿ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ ﴾ أيِ المَناماتِ الباطِلَةِ ﴿ بِعالِمِينَ ﴾ لِأنَّها لا تَأْوِيلَ لَها وإنَّما التَّأْوِيلُ لِلْمَناماتِ الصّادِقَةِ، وهَذا إمّا لِشُيُوعِ الأحْلامِ في أباطِيلِها، وإمّا لِكَوْنِ اللّامِ لِلْعَهْدِ والمَعْهُودُ الأضْغاثُ مِنها، والكَلامُ وارِدٌ عَلى أُسْلُوبِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ.
وهو إشارَةٌ إلى كُبْرى قِياسٌ ساقُوهُ لِلْعُذْرِ عَنْ جَهْلِهِمْ كَأنَّهم قالُوا هَذِهِ رُؤْيا باطِلَةٌ وكُلُّ رُؤْيا كَذَلِكَ لا نَعْلَمُ تَأْوِيلَها أيْ لا تَأْوِيلَ لَها حَتّى نَعْلَمَهُ يَنْتُجُ هَذِهِ رُؤْيا لا تَأْوِيلَ لَها.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأحْلامِ الرُّؤى مُطْلَقًا، وألْ فِيهِ لِلْجِنْسِ، والكَلامُ اعْتِرافٌ مِنهم بِقُصُورِ عِلْمِهِمْ وأنَّهم لَيْسُوا بِنَحارِيرَ في تَأْوِيلِ الرُّؤى مَعَ أنَّ لَها تَأْوِيلًا، واخْتارَهُ ابْنُ المُنِيرِ وادَّعى أنَّهُ الظّاهِرُ، وأنَّ قَوْلَ المَلِكِ لَهم أوَّلًا ﴿ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا في عِلْمِهِ عالِمِينَ بِها لِأنَّهُ أتى بِكَلِمَةِ الشَّكِّ فَجاءَ اعْتِرافُهم بِالقُصُورِ مُطابِقًا لِشَكِّ المَلِكِ الَّذِي أخْرَجَهُ مَخْرَجَ اسْتِفْهامِهِمْ عَنْ كَوْنِهِمْ عالِمِينَ، وأنَّ قَوْلَ الفَتى: ﴿ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ أيْضًا.
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ يُشْعِرُ بِهِ عُدُولُهم عَمّا وقَعَ في كَلامِ المَلِكِ مِنَ العِبارَةِ المُعَبِّرَةِ عَنْ مُجَرَّدِ الِانْتِقالِ مِنَ الدّالِّ إلى المَدْلُولِ حَيْثُ لَمْ يَقُولُوا بِتَعْبِيرِ الأحْلامِ أوْ عِبارَتُها إلى التَّأْوِيلِ المُنْبِئِ عَنِ التَّصَرُّفِ، والتَّكَلُّفُ في ذَلِكَ لِما بَيْنَ الآيِلِ والمَآلِ مِنَ البُعْدِ، واعْتَرَضَ بِأنَّهُ عَلى هَذا يَبْقى قَوْلُهُمْ: ﴿ أضْغاثُ أحْلامٍ ﴾ ضائِعًا إذْ لا دَخْلَ لَهُ في العُذْرِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ إزالَةَ خَوْفِ المَلِكِ مِن تِلْكَ الرُّؤْيا فَلا يَبْقى ضائِعًا.
وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ وجْهَ ذَلِكَ أنْ يُجْعَلَ الأوَّلُ جَوابًا مُسْتَقِلًّا، والثّانِي كَذَلِكَ أيْ هَهُنا أمْرانِ: أحَدُهُما مِن جانِبِ الرّائِي، والثّانِي مِن جانِبِ المُعَبِّرِ، ووَجْهُ تَقْدِيرِ الظَّرْفِ عَلى عامِلِهِ إنّا أصْحابُ الآراءِ والتَّدابِيرِ وعِلْمُنا بِذَلِكَ رَصِينٌ لا بِتَأْوِيلِ الرُّؤى، ووَجْهُهُ عَلى الأوَّلِ ظاهِرٌ، وادَّعى أنَّ المَقامَ يُطابِقُهُ، ووُرُودُهُ عَلى ذَلِكَ الأُسْلُوبِ مَقُولُهُ لا مُوهِنَ خِلافًا لِما في الِانْتِصافِ، ويَقْوى عِنْدَ اخْتِيارِ الوَجْهِ الثّانِي إذا كانَ الخِطابُ لِجُلَسائِهِ وأهْلِ مَشُورَتِهِ مِن أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ لِأنَّ الأغْلَبَ عَلى أمْثالِهِمُ الجَهْلُ بِمِثْلِ هَذا العِلْمِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا أفْرادٌ مِنَ النّاسِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما ﴾ أيْ صاحِبَيْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الشَّرابِيُّ ﴿ وادَّكَرَ ﴾ بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وأصْلُهُ اذْتَكَرَ أُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا وأُدْغِمَتِ الدّالُ فِيها.
وقَرَأ الحَسَنُ -اذَّكَرَ- بِإبْدالِ التّاءِ ذالًا مُعْجَمَةً وإدْغامِ الذّالِ المُعْجَمَةِ فِيها، والقِراءَةُ الأُولى أفْصَحُ، والمَعْنى عَلى كِلَيْهِما تَذَكَّرَ ما سَبَقَ لَهُ مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ أيْ طائِفَةٍ مِنَ الزَّمانِ ومُدَّةٍ طَوِيلَةٍ.
وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ (إمَّةٍ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ المِيمِ أيْ نِعْمَةٍ عَلَيْهِ بَعْدَ نِعْمَةٍ، والمُرادُ بِذَلِكَ خَلاصُهُ مِنَ القَتْلِ والسَّجْنِ وإنْعامُ مَلِكِهِ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُهُ: ألا لا أرى ذا (إمَّةٍ) أصْبَحَتْ بِهِ فَتَتْرُكُهُ الأيّامُ وهي كَما هِيَ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ بَعْدَ نِعْمَةٍ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى بِها عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي تَقْرِيبُ إطْلاقِهِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -وأُمَّةٍ- وأمَهٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والمِيمِ المُخَفَّفَةِ وهاءٍ مُنَوَّنَةٍ مِن أمَهَ يَأْمَهُ أمَهًا إذا نَسِيَ، وجاءَ في المَصْدَرِ -أمْهٌ- بِسُكُونِ المِيمِ أيْضًا، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةِ وشَبِيلِ بْنِ عَزَرَةَ الضَّبْعِيِّ أنَّهم قَرَأُوا بِذَلِكَ ولا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ القَوْلِ والمَقُولِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِن ضَمِيرِهِ في الصِّلَةِ، ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى تَقْدِيرِ قَدْ عَلى المَشْهُورِ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى نَجا ولَيْسَ بِشَيْءٍ -كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ- لِأنَّ حَقَّ كُلٍّ مِنَ الصِّلَةِ والصِّفَةِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُولِ والمَوْصُوفِ عِنْدَ المُخاطَبِ كَما عِنْدَ المُتَكَلِّمِ، ومِن هُنا قِيلَ: الأوْصافُ قَبْلَ العِلْمِ بِها أخْبارٌ والأخْبارُ بَعْدَ العِلْمِ بِها أوْصافٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَذَكُّرَهُ بَعْدَ أُمَّةٍ إنَّما عُلِمَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ فَلا مَعْنى لِنَظْمِهِ مَعَ نَجاتِهِ المَعْلُومَةِ مِن قَبْلُ في سَلْكِ الصِّلَةِ ﴿ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ ﴾ أيْ أُخْبِرُكم بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ الَّذِي خَفِيَ أمْرُهُ بِالتَّلَقِّي مِمَّنْ عِنْدَهُ عِلْمُهُ لا مِن تِلْقاءِ نَفْسِي ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ أُفْتِيكم في ذَلِكَ، وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَأرْسِلُونِ ﴾ إلى مَن عِنْدَهُ عِلْمُهُ، وأرادَ بِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ حِرْصًا عَلى أنْ يَكُونَ هو المُرْسَلَ إلَيْهِ فَإنَّهُ لَوْ ذَكَرَهُ فَلَرُبَّما أرْسَلُوا غَيْرَهُ، وضَمِيرُ الجَمْعِ إمّا لِأنَّهُ أرادَ المَلِكَ وحْدَهُ لَكِنْ خاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ كَما هو المَعْرُوفُ في خِطابِ المُلُوكِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ مَقالَةَ القَوْمِ جَثى بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ وقالَ: إنْ في السِّجْنِ رَجُلًا عالِمًا يَعْبُرُ الرُّؤْيا فابْعَثُونِي إلَيْهِ فَبَعَثُوهُ، وكانَ السِّجْنُ -عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما- في غَيْرِ مَدِينَةِ المَلِكِ، وقِيلَ: كانَ فِيها، قالَ أبُو حَيّانَ ويَرْسُمُ النّاسُ اليَوْمَ سِجْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَوْضِعِ النِّيلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفُسْطاطِ ثَمانِيَةُ أمْيالٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ -أنا آتِيكُمْ- مُضارِعُ أتى مِنَ الإتْيانِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو ﴿ أنا أُنَبِّئُكُمْ ﴾ فَقالَ: أهُوَ كانَ يُنَبِّئُهُمْ؟!
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُ عَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ قَرَأ أيْضًا كَذَلِكَ.
وفِي البَحْرِ أنَّهُ كَذا في الإمامِ أيْضًا <div class="verse-tafsir"
﴿ يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ فَأرْسَلُوهُ فَأتاهُ فَقالَ: يا يُوسُفُ، ووَصَفَهُ بِالمُبالَغَةِ في الصِّدْقِ حَسْبَما عَلِمَهُ وجَرَّبَ أحْوالَهُ في مُدَّةِ إقامَتِهِ مَعَهُ في السَّجْنِ لِكَوْنِهِ بِصَدَدِ اغْتِنامِ آثارِهِ واقْتِباسِ أنْوارِهِ، فَهو مِن بابِ بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلّا أنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْتَفْتِي أنْ يُعَظِّمَ المُفْتِي، واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُما لَمْ يَكْذِبا عَلى يُوسُفَ في مَنامِهِما وأنَّهُما كَذَبا في قَوْلِهِما: كَذَبْنا إنْ ثَبَتَ.
﴿ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعِ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ ﴾ أيْ في رُؤْيا ذَلِكَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِوُضُوحِ مَرامِهِ بِقَرِينَةِ ما سَبَقَ مِن مُعامَلَتِهِما ولِدَلالَةِ مَضْمُونِ الحادِثَةِ عَلَيْهِ حَيْثُ إنَّ مِثْلَهُ لا يَقَعُ في عالَمِ الشَّهادَةِ، والمَعْنى بَيِّنَ لَنا مَآلَ ذَلِكَ وحُكْمَهُ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإفْتاءِ، ولَمْ يَقُلْ كَما قالَ هو وصاحِبُهُ أوَّلًا ﴿ نَبِّئْنا) بِتَأْوِيلِهِ ﴾ -تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ عايَنَ رُتْبَتَهُ في الفَضْلِ- ولَمْ يَقُلْ: أفْتِنِي مَعَ أنَّهُ المُسْتَفْتِي وحْدَهُ إشْعارًا بِأنَّ الرُّؤْيا لَيْسَتْ لَهُ بَلْ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ مُلابَسَةٌ بِأُمُورِ العامَّةِ وأنَّهُ في ذَلِكَ مَعْبَرٌ وسَفِيرٌ، ولِذا لَمْ يُغَيِّرْ لَفْظَ المَلِكِ، ويُؤْذِنُ بِهَذا قَوْلُهُ: ﴿ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ ﴾ أيْ إلى المَلِكِ ومَن عِنْدَهُ، أوْ إلى أهْلِ البَلَدِ فَأُنَبِّئُهم بِما أفْتَيْتَ ﴿ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ ذَلِكَ ويَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ، أوْ يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ ومَكانَكَ مَعَ ما أنْتَ فِيهِ مِنَ الحالِ فَتَتَخَلَّصُ مِنهُ، والجُمْلَةُ عِنْدَ أبِي حَيّانَ عَلى الأوَّلِ كالتَّعْلِيلِ لِلرُّجُوعِ، وعَلى الثّانِي كالتَّعْلِيلِ -لِأفْتِنا- وإنَّما لَمْ يَبُتَّ القَوْلَ بَلْ قالَ: (لَعَلِّي) و(لَعَلَّهُمْ) مُجاراةً مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى نَهْجِ الأدَبِ واحْتِرازًا عَنِ المُجازَفَةِ إذْ لَمْ يَكُنْ عَلى يَقِينٍ مِنَ الرُّجُوعِ: فَبَيْنَما المَرْءُ في الأحْياءِ مُغْتَبِطٌ إذا هو الرَّمْسُ تَعْفُوهُ الأعاصِيرُ ولا مِن عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ فَرُبَّما لَمْ يَعْلَمُوهُ إمّا لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ أوْ لِعَدَمِ اعْتِمادِهِمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ ﴾ مُسْتَأْنِفٌ عَلى قِياسِ ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا ﴾ قَرَأ حَفْصٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والجُمْهُورُ بِإسْكانِها، وقُرِئَ -دابًا- بِألْفٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ عَلى التَّخْفِيفِ، وهو في كُلِّ ذَلِكَ مَصْدَرٌ -لِدَأْبٍ- وأصْلُ مَعْناهُ التَّعَبُ، ويُكَنّى بِهِ عَنِ العادَةِ المُسْتَمِرَّةِ لِأنَّها تَنْشَأُ مِن مُداوَمَةِ العَمَلِ اللّازِمِ لَهُ التَّعَبُ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿ تَزْرَعُونَ ﴾ أيْ دائِبِينَ، أوْ ذَوِي دَأْبٍ، وأُفْرِدَ لِأنَّ المَصْدَرَ الأصْلُ فِيهِ الإفْرادُ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ تَدْأبُونَ دَأبًا.
والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أيْضًا، وعِنْدَ المُبَرِّدِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ -لِتَزْرَعُونَ- وذَلِكَ عِنْدَهُ نَظِيرُ قَعَدَ القُرْفُصاءَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَدْ أوَّلَ عَلَيْهِ السَّلامُ البَقَراتِ السِّمانِ والسُّنْبُلاتِ الخُضْرِ بِسِنِينَ مَخاصِيبَ، والعِجافُ واليابِساتُ بِسِنِينَ مُجْدِبَةٍ، فَأخْبَرَهم بِأنَّهم يُواظِبُونَ عَلى الزِّراعَةِ سَبْعَ سِنِينَ ويُبالِغُونَ فِيها إذْ بِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الخِصْبُ الَّذِي هو مِصْداقُ البَقَراتِ السِّمانِ وتَأْوِيلِها، وقِيلَ: المُرادُ الأمْرُ بِالزِّراعَةِ كَذَلِكَ، فالجُمْلَةُ خَبَرٌ لَفْظًا أمْرٌ مَعْنًى، وأُخْرِجَ عَلى صُورَةِ الخَبَرِ مُبالَغَةً في إيجابِ إيجادِهِ حَتّى كَأنَّهُ وقَعَ وأُخْبِرَ عَنْهُ، وأُيِّدَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَما حَصَدْتُمْ ﴾ أيْ في كُلِّ سَنَةٍ.
﴿ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ ﴾ ولا تَذَرُوهُ كَيْلا يَأْكُلَهُ السُّوسُ كَما هو شَأْنُ غِلالِ مِصْرَ ونَواحِيها إذا مَضى عَلَيْها نَحْوُ عامَيْنِ، ولَعَلَّهُ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالسُّنْبُلاتِ الخُضْرِ يُناسِبُ كَوْنَهُ أمْرًا مِثْلَهُ، قِيلَ: لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤَوَّلْ ذَلِكَ بِالأمْرِ لَزِمَ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ لِأنَّ -ما- إمّا شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَلِكَوْنِ الجَزاءِ إنْشاءً تَكُونُ إنْشائِيَّةً مَعْطُوفَةً عَلى خَبَرِيَّةٍ.
وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ الَّتِي جَوابُها إنْشائِيٌّ إنْشائِيَّةٌ، ولَوْ سَلِمَ فَلا نُسَلِّمُ العَطْفَ بَلِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ لِنُصْحِهِمْ وإرْشادِهِمْ إلى ما يَنْبَغِي أنْ يَفْعَلُوهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُعْتادًا لَهم كَما كانَ الزَّرْعُ كَذَلِكَ، أوْ هي جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ إنْ زَرَعْتُمْ ﴿ فَما حَصَدْتُمْ ﴾ إلَخْ، وأيْضًا يَحْتَمِلُ الأمْرُ عَكْسَ ما ذَكَرُوهُ بِأنْ يَكُونَ ذَرُوهُ بِمَعْنى تَذَرُوهُ، وأُبْرِزَ في صُورَةِ الأمْرِ لِأنَّهُ بِإرْشادِهِ فَكَأنَّهم أمَرَهم بِهِ، والتَّحْقِيقُ ما في الكَشْفِ مِن أنَّ الأظْهَرَ أنَّ ﴿ تَزْرَعُونَ ﴾ عَلى أصْلِهِ لِأنَّهُ تَأْوِيلُ المَنامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الآتِي: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ ﴾ اعْتِراضٌ اهْتِمامًا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِشَأْنِهِمْ قَبْلَ تَتْمِيمِ التَّأْوِيلِ، وفِيهِ ما يُؤَكِّدُ أمْرَ السّابِقِ واللّاحِقِ كَأنَّهُ قَدْ كانَ فَهو يَأْمُرُهم بِما فِيهِ صَلاحُهم وهَذا هو النَّظْمُ المُعْجِزُ، انْتَهى.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ -ما حَصَدْتُمْ- إلَخْ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ﴿ تَزْرَعُونَ ﴾ بِمَعْنى ازْرَعُوا داخِلًا في العِبارَةِ، فَإنَّ أكْلَ السَّبْعِ العِجافِ السَّبْعَ السِّمانَ وغَلَبَةَ السُّنْبُلاتِ اليابِساتِ الخُضْرَ دالٌّ عَلى أنَّهم يَأْكُلُونَ في السِّنِينَ المُجْدِبَةِ ما حَصَلَ في السِّنِينَ المُخْصِبَةِ، وطَرِيقُ بَقائِهِ تَعْلَمُوهُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَقِيَ لَهم في تِلْكَ المُدَّةِ، وقِيلَ: إنَّ ﴿ تَزْرَعُونَ ﴾ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وكَذا ما بَعْدَهُ خارِجٌ عَنِ العِبارَةِ، والكُلُّ كَما تَرى ﴿ إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ ﴾ أيِ اتْرُكُوا ذَلِكَ في السُّنْبُلِ إلّا ما لا غِنًى عَنْهُ مِنَ القَلِيلِ الَّذِي تَأْكُلُونَهُ في تِلْكَ السِّنِينَ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى التَّقْلِيلِ في الأكْلِ.
وقَرَأ السِّلْمِيُّ مِمّا -يَأْكُلُونَ- بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ أيْ يَأْكُلُ النّاسُ، والِاقْتِصارُ عَلى اسْتِثْناءِ المَأْكُولِ دُونَ البَذْرِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مَعْلُومًا مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ ﴾ <div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ أيْ مِن بَعْدِ السِّنِينَ السَّبْعِ المَذْكُوراتِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ مِن بَعْدِهِنَّ قَصْدًا إلى تَفْخِيمِ شَأْنِهِنَّ ﴿ سَبْعٌ شِدادٌ ﴾ أيْ سَبْعُ سِنِينَ صِعابٍ عَلى النّاسِ، وحَذْفُ التَّمْيِيزِ لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ ﴿ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ﴾ أيْ ما ادَّخَرْتُمْ في تِلْكَ السِّنِينَ مِنَ الحُبُوبِ المَتْرُوكَةِ في سَنابِلِها لِأجْلِهِنَّ، وإسْنادُ الأكْلِ إلَيْهِنَّ مَعَ أنَّهُ حالُ النّاسِ فِيهِنَّ مَجازِيٌّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( والنَّهارُ مُبَصِّرًا ) واللّامُ في (لَهُنَّ) تَرْشِيحٌ لِذَلِكَ، وكانَ الدّاعِي إلَيْهِ التَّطْبِيقَ بَيْنَ المُعَبَّرِ والمُعَبَّرِ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِلْمُشاكَلَةِ لِما وقَعَ في الواقِعَةِ.
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الأكْلَ بِالإفْناءِ كَما في قَوْلِهِمْ: أكَلَ السَّيْرُ لَحْمَ النّاقَةِ أيْ أفْناهُ وذَهَبَ بِهِ ﴿ إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ ﴾ أيْ تُحْرِزُونَهُ وتُخَبِّئُونَهُ لِبُرُوزِ الزِّراعَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصْنِ وهو الحِرْزُ والمَلْجَأُ <div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ أيِ السِّنِينَ المَوْصُوفَةِ بِما ذُكِرَ مِنَ الشِّدَّةِ وأكْلِ المُدَّخَرِ مِنَ الحُبُوبِ ﴿ عامٌ ﴾ هو كالسَّنَةِ لَكِنَّ كَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ فِيما فِيهِ الرَّخاءُ والخِصْبُ، والسُّنَّةُ فِيما فِيهِ الشِّدَّةُ والجَدْبُ ولِهَذا يُعَبَّرُ عَنِ الجَدْبِ بِالسَّنَةِ، وكَأنَّهُ تَحاشِيًا عَنْ ذَلِكَ وتَنْبِيهًا مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى اخْتِلافِ الحالِ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّوابِقِ عَبَّرَ بِهِ دُونَ السَّنَةِ ﴿ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ ﴾ أيْ يُصِيبُهم غَيْثٌ أيْ مَطَرٌ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والجُمْهُورُ فَهو مِن غاثَ الثُّلاثِيِّ اليائِيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيَّةِ: غُثْنا ماشِيَتَنا؛ وقَوْلُ بَعْضِهِمْ أذى البَراغِيثُ إذا البَراغِيثُ، وقِيلَ: هو مِنَ الغَوْثِ أيِ الفَرَجِ، يُقالُ: أغاثَنا اللَّهُ تَعالى إذا أمَدَّنا بِرَفْعِ المَكارِهِ حِينَ أظَلَّتْنا فَهو رُباعِيٌّ واوِيٌّ ﴿ وفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ مِنَ العَصْرِ المَعْرُوفِ أيْ يَعْصِرُونَ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْصَرَ مِنَ العِنَبِ والقَصَبِ والزَّيْتُونِ والسِّمْسِمِ ونَحْوِها مِنَ الفَواكِهِ لِكَثْرَتِها، والتَّعَرُّضُ لِذِكْرِهِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مَعَ جَوازِ الِاكْتِفاءِ عَنْهُ بِذِكْرِ الغَيْثِ المُسْتَلْزِمِ لَهُ عادَةً كَما اكْتَفى بِهِ عَنْ ذِكْرِ تَصْرِيفِهِمْ في الحُبُوبِ: إمّا لِأنَّ اسْتِلْزامَ الغَيْثِ لَهُ لَيْسَ كاسْتِلْزامِهِ لِلْحُبُوبِ إذِ المَذْكُوراتُ يَتَوَقَّفُ صَلاحُها عَلى أُمُورٍ أُخْرى غَيْرِ المَطَرِ، وإمّا لِمُراعاةِ جانِبِ المُسْتَفْتِي بِاعْتِبارِ حالَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ بِشارَةً لَهُ، وهي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها حُسْنُ مُوقِعِ تَغْلِيبِهِ عَلى النّاسِ في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالفَوْقانِيَّةِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِيَحْلُبُونَ وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ العَصْرِ المَعْرُوفِ لِأنَّ في الحَلْبِ عَصْرُ الضَّرْعِ لِيَخْرُجَ الدَّرُّ، وتَكْرِيرُ فِيهِ إمّا كَما قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِاخْتِلافِ ما يَقَعُ فِيهِ زَمانًا وعُنْوانًا، وإمّا لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَعْدادِ مَنافِعِ ذَلِكَ العامِ، ولِأجْلِهِ قُدِّمَ في المَوْضِعَيْنِ عَلى العامِلِ فَإنَّ المَقامَ بَيانُ أنَّهُ يَقَعُ في ذَلِكَ العامِ هَذا وذاكَ لا بَيانَ أنَّهُما يَقَعانِ في ذَلِكَ العامِ كَما يُفِيدُهُ التَّأْخِيرُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ عَلى مَعْنى أنَّ غَيْثَهم في تِلْكَ السِّنِينَ كالعَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى عامِهِمْ ذَلِكَ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الأخِيرِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، وفي الأوَّلِ لِرِعايَةِ حالِهِ.
وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والأعْرَجُ وعِيسى البَصْرَةِ (يُعْصَرُونَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَنْ عِيسى -تُعْصَرُونَ- بِالفَوْقانِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْضًا مِن عَصَرَهُ اللَّهُ تَعالى إذا أنْجاهُ أيْ يُنْجِيهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِمّا هم فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ، وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ يُغاثُ النّاسُ ﴾ وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وغَيْرِهِ أخَذَ المَبْنِيَّ لِلْفاعِلِ مِنَ العَصْرِ بِمَعْنى النَّجاةِ أيْضًا، وفي البَحْرِ تَفْسِيرُ العَصْرِ والعُصْرَةِ بِالضَّمِّ بِالمَنجا، وأنْشَدَ قَوْلَ أبِي زُبَيْدٍ في عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: مَعْناهُ عَصِيرُونَ مِن أعْصَرَتِ السَّحابَةُ عَلَيْهِمْ أيْ حانَ وقْتُ عَصْرِ الرِّياحِ لَها لِتُمْطِرَ، فَعَلى صِلَةِ الفِعْلِ كَما عَصَرْتُ اللَّيْمُونَ عَلى الطَّعامِ فَحُذِفَتْ وأُوصِلَ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ، أوْ تَضَمَّنَ أعْصَرَتْ مَعْنى مَطَرَتْ فَتَعَدّى تَعْدِيَتَهُ، وفي الصِّحاحِ عَصَرَ القَوْمُ أيْ أُمْطِرُوا، ومِنهُ قِراءَةُ بَعْضِهِمْ، وفِيهِ ﴿ يَعْصِرُونَ ﴾ وظاهِرُهُ أنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِذَلِكَ فَلا يَحْتاجُ إلى التَّضْمِينِ عَلَيْهِ، وحَكى النَّقّاشُ أنَّهُ قُرِئَ (يُعْصِّرُونَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الصّادِ وتَشْدِيدِها مِن عَصَّرَ مُشَدَّدًا لِلتَّكْثِيرِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (وفِيهِ تِعِصِّرُونَ) بِكَسْرِ التّاءِ والعَيْنِ والصّادِ وتَشْدِيدِها، وأصْلُهُ -يَعْتَصِرُونَ- فَأدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى العَيْنِ، وأتْبَعَ حَرَكَةَ التّاءِ لِحَرَكَةِ العَيْنِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِنِ اعْتَصَرَ العِنَبُ ونَحْوَهُ أوْ مِنِ اعْتَصَرَ بِمَعْنى نَجا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: لَوْ بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرَقٌ ∗∗∗ كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي ثُمَّ إنَّ أحْكامَ هَذا العامِ المُبارَكِ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ عِلْمٌ آتاهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَهُ لَمْ يَكُنْ فِيما سُئِلَ عَنْهُ، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَنَيا أنَّ ذَلِكَ بِالوَحْيِ وهو الظّاهِرُ، ولَقَدْ أتى عَلَيْهِ السَّلامُ بِما يَدُلُّ عَلى فَضْلِهِ في آخِرِ فَتْواهُ عَلى عَكْسِ ما فَعَلَ أوَّلًا عِنْدَ الجَوابِ عَنْ رُؤْيا صاحِبَيْهِ حَيْثُ أتى بِذَلِكَ في أوَّلِها ووَجْهُ ذَلِكَ ظاهِرٌ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ البِشارَةَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ تَكُنْ عَنْ وحْيٍ بَلْ لِأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِأنَّ انْتِهاءَ الجَدْبِ الخِصْبُ، أوْ لِأنَّ السُّنَّةَ الآلِهِيَّةَ عَلى أنْ يُوَسِّعَ عَلى عِبادِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ ما ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَأجْمَلَ في البِشارَةِ، وإنَّ حَصْرَ الجَدْبِ يَقْتَضِي تَغْيِيرَهُ بِخِصْبِ ما لا عَلى ما ذَكَرَهُ خُصُوصًا عَلى ما تَقْتَضِيهِ بَعْضُ القِراآتِ مِن إغاثَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فَإنَّها لا تُعْلَمُ إلّا بِالوَحْيِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ أفْتاهم وأرْشَدَهم وبَشَّرَهم كانَ يَتَوَقَّعُ وُقُوعَ ما أخْبَرَ بِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَصْنَعُ لِرَجُلٍ طَعامَ اثْنَيْنِ فَيُقَرِّبُهُ إلى الرَّجُلِ فَيَأْكُلُ نِصْفَهُ ويَدَعُ نِصْفَهُ حَتّى إذا كانَ يَوْمٌ قَرَّبَهُ لَهُ فَأكَلَهُ كُلَّهُ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذا أوَّلُ يَوْمٍ مِنَ الشِّدادِ، واسْتَدَلَّ البَلْخِيُّ بِتَأْوِيلِهِ لِذَلِكَ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ الرُّؤْيا عَلى ما عُبِّرَتْ أوَّلًا فَإنَّهم كانُوا قَدْ قالُوا: ( أضْغاثُ أحْلامٍ ) فَلَوْ كانَ ما قالُوهُ مُؤَثِّرًا شَيْئًا لَأعْرَضَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ تَأْوِيلِها وفِيهِ بَحْثٌ، فَقَدْ رَوى أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي رَزِينٍ الرُّؤْيا عَلى جَناحِ طائِرٍ ما لَمْ تُعَبَّرْ فَإذا عُبِّرَتْ وقَعَتْ، ولا تَقُصُّها إلّا عَلى وادٍّ وذِي رَأْيٍ، ولَعَلَّهُ إذا صَحَّ هَذا يَلْتَزِمُ القَوْلُ بِأنَّ الحُكْمَ عَلى الرُّؤْيا بِأنَّها ( أضْغاثُ أحْلامٍ ) وأنَّها لا ذَيْلَ لَها لَيْسَ مِنَ التَّعْبِيرِ في شَيْءٍ، وإلّا فالجَمْعُ بَيْنَ ما هُنا وبَيْنَ الخَبَرِ مُشْكِلٌ.
وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَخُصَّ ذَلِكَ بِما يَحْتَمِلُ مِنَ الرُّؤْيا وُجُوهًا فَيَعْبُرُ بِأحَدِها فَيَقَعُ عَلَيْهِ، واسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ أيْضًا عَلى صِحَّةِ رُؤْيا الكافِرِ وهو ظاهِرٌ، وقَدْ ذَكَرُوا لِلِاسْتِفْتاءِ عَنِ الرُّؤْيا آدابًا: مِنها أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أوْ عِنْدَ غُرُوبِها أوْ في اللَّيْلِ، وقالُوا: إنَّ تَعْبِيرَها مَنامًا هو تَعْبِيرُها في نَفْسِ الأمْرِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَعْبِيرٍ بَعْدُ، وأكْثَرُوا القَوْلَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِها، وأكْثَرُ ما قِيلَ مِمّا لا يَظْهَرُ لِي سِرُّهُ ولا أدْرِي بَعْضَ ذَلِكَ إلّا كَأضْغاثِ أحْلامٍ <div class="verse-tafsir"
﴿ وقالَ المَلِكُ ﴾ بَعْدَ ما جاءَ السَّفِيرُ المُعَبِّرُ بِالتَّعْبِيرِ وسَمِعَ مِنهُ ما سَمِعَ مِن نَقِيرٍ وقِطْمِيرٍ.
﴿ ائْتُونِي بِهِ ﴾ لِما رَأى مِن عِلْمِهِ وفَضْلِهِ وإخْبارِهِ عَمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴿ فَلَمّا جاءَهُ ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ الرَّسُولُ ﴾ وهو صاحِبُهُ الَّذِي اسْتَفْتاهُ، وقالَ لَهُ: إنَّ المَلِكَ يُرِيدُ أنْ تَخْرُجَ إلَيْهِ.
﴿ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ ﴾ أيْ سَيِّدِكَ وهو المَلِكُ ﴿ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ أيْ فَتِّشْهُ عَنْ شَأْنِهِنَّ وحالِهِنَّ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ فاسْألْهُ أنْ يُفَتِّشَ عَنْ ذَلِكَ حَثًّا لِلْمَلِكِ عَلى الجِدِّ في التَّفْتِيشِ لِتَتَبَيَّنَ بَراءَتُهُ وتَتَّضِحَ نَزاهَتُهُ، فَإنَّ السُّؤالَ عَنْ شَيْءٍ مِمّا يُهَيِّجُ الإنْسانَ ويُحَرِّكُهُ لِلْبَحْثِ لِأنَّهُ يَأْنَفُ مِنَ الجَهْلِ، ولَوْ قالَ: سَلْهُ أنْ يُفَتِّشَ لَكانَ تَهْيِيجًا لَهُ عَنِ الفَحْصِ عَنْ ذَلِكَ، وفِيهِ جَراءَةٌ عَلَيْهِ فَرُبَّما امْتَنَعَ مِنهُ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ عَلَيْهِ السَّلامُ لِامْرَأةِ العَزِيزِ مَعَ أنَّها الأصْلُ الأصِيلُ لِما لاقاهَ تَأدُّبًا وتَكَرُّمًا، ولِذا حَمَلَها ذَلِكَ عَلى الِاعْتِرافِ بِنَزاهَتِهِ وبَراءَةِ ساحَتِهِ، وقِيلَ: احْتِرازًا عَنْ مَكْرِها حَيْثُ اعْتَقَدَها باقِيَةً في ضَلالِها القَدِيمِ، وأمّا النِّسْوَةُ فَقَدْ كانَ يَطْمَعُ في صَدْعِهِنَّ بِالحَقِّ وشَهادَتِهِنَّ بِإقْرارِها بِأنَّها راوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ، ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى وصْفِهِنَّ بِتَقْطِيعِ الأيْدِي ولَمْ يُصَرِّحْ بِمُراوَدَتِهِنَّ لَهُ واكْتَفى بِالإيماءِ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ مُجامَلَةً مَعَهُنَّ واحْتِرازًا عَنْ سُوءِ مَقالَتِهِنَّ وانْتِصابِهِنَّ عِنْدَ رَفْعِهِنَّ إلى المَلِكِ لِلْخُصُومَةِ عَنْ أنْفُسِهِنَّ مَتى سَمِعْنَ بِنِسْبَتِهِ لَهُنَّ إلى الفَسادِ، وفي الكَشّافِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ بِهَذا أنَّهُ كَيْدٌ عَظِيمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، أوِ اسْتَشْهَدَ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُنَّ كِدْنَهُ وأنَّهُ بَرِيءٌ مِمّا قَرِفَ بِهِ، أوْ أرادَ الوَعِيدَ لَهُنَّ -أيْ عَلِيمٌ بِكَيْدِهِنَّ- فَمُجازِيهِنَّ عَلَيْهِ، انْتَهى.
وكانَ الحَصْرُ عَلى الأوَّلِ مِن قُرْبِهِ مِن زَيْدٍ يَعْلَمُ وصُلُوحِهِ لِإفادَتِهِ عِنْدَهُ أوْ مِنِ اقْتِضاءِ المَقامِ لِأنَّهُ إذا حَمَلَهُ عَلى السُّؤالِ ثُمَّ أضافَ عِلْمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى دَلَّ بِهِ عَلى عَظَمَتِهِ، وأنَّ الكُنْهَ غَيْرُ مَأْمُولِ الوُصُولِ لَكِنْ ما لا يُدْرَكُ كُلُّهُ لا يُتْرَكُ كُلُّهُ، وهَذا هو الوَجْهُ، وفِيهِ زِيادَةُ تَشْوِيقٍ وبَعْثٍ إلى تَعَرُّفِ الأمْرِ، فالجُمْلَةُ عَلَيْهِ تَتْمِيمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ فاسْألْهُ ﴾ إلَخْ، والكَيْدُ اسْمٌ لِما كِدْنَهُ بِهِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ تَذْيِيلًا كَأنَّهُ قِيلَ: احْمِلْهُ عَلى التَّعَرُّفِ يَتَبَيَّنُ لَهُ بَراءَةُ ساحَتِي، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ كانَ كَيْدًا مِنهُنَّ، وإذا كانَ كَيْدًا يَكُونُ لا مَحالَةَ بَرِيئًا، والكَيْدُ هو الحَدَثُ؛ وعَلى الثّالِثِ تَحْتَمِلُهُما، والمَعْنى بَعْثُ المَلِكَ عَلى الغَضَبِ لَهُ والِانْتِقامِ مِنهُنَّ، وإلّا لَمْ يَتَلاءَمِ الكَلامُ ولا يُطابِقُ كَرَمَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي عَجِبَ مِنهُ نَبِيُّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقَدْ أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «لَقَدْ عَجِبْتُ مِن يُوسُفَ وكَرَمِهِ وصَبْرِهِ، واللَّهُ تَعالى يَغْفِرُ لَهُ حِينَ سُئِلَ عَنِ البَقَراتِ العِجافِ والسِّمانِ ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ ما أجَبْتُهم حَتّى اشْتَرَطْتُ أنْ يُخْرِجُونِي، ولَقَدْ عَجِبْتُ مِنهُ حِينَ أتاهُ الرَّسُولُ فَقالَ: ﴿ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ ﴾ ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ ولَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ لَأسْرَعْتُ الإجابَةَ وبادَرْتُهُمُ البابَ ولَما ابْتَغَيْتُ العُذْرَ أنْ كانَ حَلِيمًا ذا أناةٍ”،» ودُعاؤُهُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قِيلَ: إشارَةٌ إلى تَرْكِ العَزِيمَةِ بِالرُّخْصَةِ وهي تَقْدِيمُ حَقِّ اللَّهِ تَعالى بِتَبْلِيغِ التَّوْحِيدِ والرِّسالَةِ عَلى بَراءَةِ نَفْسِهِ، وجَعَلَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ مِن قَبِيلِ قَوْلِكَ لِمَن تُعَظِّمُهُ: رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْكَ ما جَوابُكَ عَنْ كَلامِي، وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ في بَراءَتِهِ النَّفْسَ مِن حَقِّ اللَّهِ تَعالى ما فِيها، فَإنَّها إذا تَحَقَّقَتْ عِنْدَهم وقَعَ ما تَلاها مَوْقِعَ القَبُولِ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ الِاجْتِهادَ في نَفْيِ التُّهَمِ واجِبٌ وُجُوبَ اتِّقاءِ الوُقُوفِ في مَواقِفِها، فَقَدْ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «“مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ فَلا يَقِفَنَّ مَواقِفَ التُّهَمِ”».
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ مِن رِوايَةِ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «“كانَ مَعَ إحْدى نِسائِهِ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَدَعاهُ، وقالَ: هَذِهِ زَوْجَتِي، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن كُنْتُ أظُنُّ بِهِ فَلَمْ أكُنْ أظُنُّ بِكَ؟!
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ”،» وكَأنَّهُ لِهَذا كانَ الزَّمَخْشَرِيُّ وكانَ ساقِطَ الرِّجْلِ قَدْ أثْبَتَ عَلى القُضاةِ أنَّ رِجْلَهُ لَمْ تُقْطَعْ في جِنايَةٍ ولا فَسادٍ بَلْ سَقَطَتْ مِن ثَلَجٍ أصابَها في بَعْضِ الأسْفارِ، وكانَ يُظْهِرُ مَكْتُوبَ القُضاةِ في كُلِّ بَلَدٍ دَخَلَهُ خَوْفًا مِن تُهْمَةِ السُّوءِ فَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَشِيَ أنْ يَخْرُجَ ساكِتًا عَنْ أمْرِ ذَنْبِهِ غَيْرَ مُتَّضِحَةٍ بَراءَةُ ساحَتِهِ عَمّا سُجِنَ فِيهِ وقَرَفَ بِهِ مِن أنْ يَتَسَلَّقَ بِهِ الحاسِدُونَ إلى تَقْبِيحِ أمْرِهِ ويَجْعَلُوهُ سُلَّمًا إلى حَطِّ قَدْرِهِ ونَظَرَ النّاسُ إلَيْهِ بِعَيْنِ الِاحْتِقارِ فَلا يَعْلَقُ كَلامُهُ في قُلُوبِهِمْ ولا يَتَرَتَّبُ عَلى دَعْوَتِهِ قَبُولُهُمْ، وفي ذَلِكَ مِن تَعَرِّي التَّبْلِيغِ عَنِ الثَّمَرَةِ ما فِيهِ، وما ذَكَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «“ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ» إلَخْ كانَ تَواضُعًا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا أنَّهُ لَوْ كانَ مَكانَهُ بادَرَ وعَجَّلَ وإلّا فَحِلْمُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَحَمُّلُهُ واهْتِمامُهُ بِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَبُولُ الخَلْقِ أوامِرَ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى أمْرٌ مَعْلُومٌ لَدى الخَواصِّ والعُمُومِ، وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ بِالرَّبِّ العَزِيزَ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ ﴾ فَفي ذَلِكَ اسْتِشْهادٌ بِهِ وتَقْرِيعٌ لَهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ كَيْدِهِنَّ لَيْسَ عائِدًا عَلى النِّسْوَةِ المَذْكُوراتِ بَلْ عائِدٌ عَلى الجِنْسِ فافْهَمْ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في رِوايَةِ (النُّسْوَةِ) بِضَمِّ النُّونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةُ -اللّائِي- بِالياءِ وهو كاللّاءِ جَمْعُ الَّتِي <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَما سَبَقَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ بَعْدَ ذَلِكَ؟
فَقِيلَ: قالَ المَلِكُ إثْرَ ما بَلَّغَهُ الرَّسُولُ الخَبَرَ وأحْضَرَهُنَّ: ﴿ ما خَطْبُكُنَّ ﴾ أيْ شَأْنُكُنَّ، وأصْلُهُ الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي يَحِقُّ لِعَظَمَتِهِ أنْ يُكْثِرَ فِيهِ التَّخاطُبَ ويَخْطُبَ لَهُ ﴿ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ ﴾ وخادَعْتُنَّهُ ﴿ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ ورَغَّبْتُنَّهُ في طاعَةِ مَوْلاتِهِ هَلْ وجَدْتُنَّ فِيهِ مَيْلًا إلَيْكُنَّ؟
﴿ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ﴾ تَنْزِيهًا لَهُ وتَعْجِيبًا مِن نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وعِفَّتِهِ ﴿ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ﴾ بالَغْنَ في نَفْيِ جِنْسِ السُّوءِ عَنْهُ بِالتَّنْكِيرِ وزِيادَةِ (مِن) وفي الكَشْفِ في تَوْجِيهِ كَوْنِ السُّؤالِ المُقَدَّرِ في نَظْمِ الكَلامِ عَنْ وِجْدانِهِنَّ فِيهِ المَيْلَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ سُؤالٌ عَنْ شَأْنِهِنَّ مَعَهُ عِنْدَ المُراوَدَةِ، وأوَّلُهُ المَيْلُ ثُمَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وحَمْلُهُ عَلى السُّؤالِ يَدَّعِي النَّزاهَةَ الكُلِّيَّةَ فَيَكُونُ سُؤالُ المَلِكِ مُنْزَلًا عَلَيْهِ إذْ لا يُمْكِنُ ما بَعْدَهُ إلّا إذا سَلِمَ المَيْلَ، وجَوابُهُنَّ عَلَيْهِ يَنْطَبِقُ لِتَعَجُّبِهِنَّ عَنْ نَزاهَتِهِ بِسَبَبِ التَّعَجُّبِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى خُلُقٍ عَفِيفٍ مِثْلِهِ لِيَكُونَ التَّعَجُّبُ مِنها عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ فَيَكُونُ أبْلَغَ وأبْلَغَ، ثُمَّ نَفْيُهُنَّ العِلْمَ مُطْلَقًا وطَرَفًا أيَّ طَرَفٍ دَهَمَ مِن سُوءٍ أيَّ سُوءٍ فَضْلًا عَنْ شُهُودِ المَيْلِ مَعَهُنَّ، اهـ، وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ.
وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ -مِن أنَّ النِّسْوَةَ قَدْ أجَبْنَ بِجَوابٍ جَيِّدٍ يَظْهَرُ مِنهُ بَراءَةُ أنْفُسِهِنَّ جُمْلَةً وأعْطَيْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْضَ بَراءَةٍ، وذَلِكَ أنَّ المَلِكَ لَمّا قَرَّرَهُنَّ أنَّهُنَّ راوَدْنَهُ قُلْنَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ وتَنْزِيهًا لِأنْفُسِهِنَّ: ﴿ حاشَ لِلَّهِ ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في جِهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهُنَّ: ﴿ ما عَلِمْنا ﴾ إلَخْ لَيْسَ بِإبْراءٍ تامٍّ، وإنَّما هو شَرْحُ القِصَّةِ عَلى وجْهِها حَتّى يَتَقَرَّرَ الخَطَأُ في جِهَتِهِنَّ- ناشِئٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَمّا قَرَّرَهُ المَوْلى صاحِبُ الكَشْفِ ﴿ قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ ﴾ وكانَتْ حاضِرَةَ المَجْلِسِ، قِيلَ: أقْبَلَتِ النِّسْوَةُ عَلَيْها يُقَرِّرْنَها، وقِيلَ: خافَتْ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْها بِما قالَتْ يَوْمَ قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ فَأقَرَّتْ قائِلَةً: ﴿ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ بَعْدَ خَفاءٍ قالَهُ الخَلِيلُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحِصَّةِ وهي القِطْعَةُ مِنَ الجُمْلَةِ أيْ تَبَيَّنَتْ حِصَّةُ الحَقِّ مِن حِصَّةِ الباطِلِ، والمُرادُ تُمَيُّزُ هَذا عَنْ هَذا، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الزَّجّاجُ أيْضًا، وقِيلَ: هو مِن حَصَّ شَعَرَهُ إذا اسْتَأْصَلَهُ بِحَيْثُ ظَهَرَتْ بَشَرَةُ رَأْسِهِ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: قَدْ حَصَّتِ البَيْضَةُ رَأْسِي فَما أطْعَمُ نَوْمًا غَيْرَ تَهْجاعٍ ويَرْجِعُ هَذا إلى الظُّهُورِ أيْضًا، وقِيلَ: هو مِن حَصْحَصَ البَعِيرُ إذا ألْقى مَبارِكَهُ لِيُناخَ، قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ الهِلالِيُّ يَصِفُ بَعِيرًا: فَحَصْحَصَ في صُمٍّ الصَّفا ثَفِناتِهِ ∗∗∗ وناءَ بِسَلْمى نَوْءَةً ثُمَّ صَمَّما والمَعْنى الآنَ ثَبَتَ الحَقُّ واسْتَقَرَّ، وذَكَرَ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ أنَّ حَصَّ وحَصْحَصَ -كَكَفَّ وكَفْكَفَ، وكَبَّ وكَبْكَبَ، وقُرِئَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى مَعْنى أُقِرَّ الحَقُّ في مَقَرِّهِ ووُضِعَ في مَوْضِعِهِ، و(الآنَ) مِنَ الظُّرُوفِ المَبْنِيَّةِ في المَشْهُورِ وهو اسْمٌ لِلْوَقْتِ الحاضِرِ جَمِيعِهِ كَوَقْتِ فِعْلِ الإنْشاءِ حالَ النُّطْقِ بِهِ أوِ الحاضِرِ بَعْضُهُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ﴾ وقَدْ يَخْرُجُ عِنْدَ ابْنِ مالِكٍ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ كَخَبَرِ ”فَهُوَ يَهْوى في النّارِ الآنَ حِينَ انْتَهى إلى مَقَرِّها“ فَإنَّ الآنَ فِيهِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، و”حِينَ“ خَبَرُهُ وهو مَبْنِيٌّ لِإضافَتِهِ إلى جُمْلَةٍ صَدْرُها ماضٍ وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ لِقَوْلِهِمْ في مَعْناهُ: الأوانُ، وقِيلَ: عَنْ ياءٍ لِأنَّهُ مِن آنَ يَئِينُ إذا قَرُبَ، وقِيلَ: أصْلُهُ أوانٍ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا ثُمَّ حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ورُدَّ بِأنَّ الواوَ قَبْلَ الألْفِ لا تُقْلَبُ كالجَوادِ والسَّوادِ، وقِيلَ: حُذِفَتِ الألِفُ وغُيِّرَتِ الواوُ إلَيْها كَما في راحَ ورَواحٍ اسْتَعْمَلُوهُ مَرَّةً عَلى فَعَلٍ وأُخْرى عَلى فِعالٍ كَزَمَنٍ وزَمانٍ، واخْتَلَفُوا في عِلَّةِ بِنائِهِ فَقالَ الزَّجّاجُ: بُنِيَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإشارَةِ لِأنَّ مَعْناهُ هَذا الوَقْتُ، ورُدَّ بِأنَّ المُتَضَمِّنَ مَعْنى الإشارَةِ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الإشارَةِ وهو لا تَدْخُلُهُ ألْ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى لامِ التَّعْرِيفِ لِأنَّهُ اسْتُعْمِلَ مَعْرِفَةً ولَيْسَ عَلَمًا وألْ فِيهِ زائِدَةٌ، وضُعِّفَ بِأنَّ تَضَمُّنَ اسْمٍ مَعْنى حَرْفٍ اخْتِصارًا يُنافِي زِيادَةَ ما لا يُعْتَدُّ بِهِ هَذا مَعَ كَوْنِ المَزِيدِ غَيْرَ المُضَمَّنِ مَعْناهُ فَكَيْفَ إذا كانَ إيّاهُ، وقالَ المُبَرِّدُ وابْنُ السَّرّاجِ: لِأنَّهُ خالَفَ نَظائِرَهُ إذْ هو نَكِرَةٌ في الأصْلِ اسْتُعْمِلَ مِن أوَّلِ وضْعِهِ بِاللّامِ، وبابُها أنْ تَدْخُلَ عَلى النَّكِرَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ورَدَّهُ ابْنُ مالِكٍ بِلُزُومِ بِناءِ الجَمّاءِ الغَفِيرِ ونَحْوِهِ مِمّا وقَعَ في أوَّلِ وضْعِهِ بِاللّامِ، وبِأنَّهُ لَوْ كانَتْ مُخالَفَةُ الِاسْمِ لِسائِرِ الأسْماءِ مُوجِبَةً لِشَبَهِ الحَرْفِ واسْتِحْقاقِ البِناءِ لَوَجَبَ بِناءُ كُلِّ اسْمٍ خالَفَ الأسْماءَ بِوَزْنٍ أوْ غَيْرِهِ وهو باطِلٌ بِإجْماعٍ، واخْتارَ أنَّهُ بُنِيَ لِشَبَهِ الحَرْفِ في مُلازَمَةِ لَفْظٍ واحِدٍ لِأنَّهُ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ولا يُصَغَّرُ بِخِلافِ حِينَ، ووَقْتٍ وزَمانٍ ومُدَّةٍ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِما رَدَّ هو بِهِ عَلى مَن تَقَدَّمَ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما بُنِيَ لِأنَّهُ نُقِلَ مِن فِعْلٍ ماضٍ وهو آنَ بِمَعْنى حانَ فَبَقِيَ عَلى بِنائِهِ اسْتِصْحابًا عَلى حَدِّ أنْهاكم عَنْ قِيلٍ وقالَ، ورُدَّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهِ ألْ كَما لا تَدْخُلُ عَلى ما ذُكِرَ، وجازَ فِيهِ الإعْرابُ كَما جازَ فِيهِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ مُعْرَبٌ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: كَأنَّهُما مِلَآنِ لَمْ يَتَغَيَّرا.
بِكَسْرِ النُّونِ أيْ مِنَ الآنِ فَحُذِفَتِ النُّونُ والهَمْزَةُ وجُرَّ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مُعْرَبٌ وضَعُفَ بِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ الكَسْرَةُ كَسْرَةَ بِناءٍ ويَكُونُ في بِناءِ الآنِ لُغَتانِ: الفَتْحُ والكَسْرُ كَما في شَتّانَ إلّا أنَّ الفَتْحَ أكْثَرُ وأشْهَرُ، وفي شَرْحِ الألْفِيَّةِ لِابْنِ الصّائِغِ أنَّ الَّذِي قالَ: إنَّ أصْلَهُ أوانٍ يَقُولُ: بِإعْرابِهِ كَما أنَّ وأْنًا مُعْرَبٌ.
واخْتارَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ القَوْلَ بِإعْرابِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِبِنائِهِ عِلَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ فَهو عِنْدَهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وإنْ دَخَلَتْ مِن جُرَّ وخُرُوجُهُ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ غَيْرُ ثابِتٍ، وفي الِاسْتِدْلالِ بِالحَدِيثِ السّابِقِ مَقالٌ، وأيّامّا كانَ فَهو هُنا مُتَعَلِّقٌ -بِحَصْحَصَ- أيْ حَصْحَصَ الحَقُّ في هَذا الوَقْتِ ﴿ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ لا أنَّهُ راوَدَنِي عَنْ نَفْسِي، وإنَّما قالَتْ ذَلِكَ بَعْدَ اعْتِرافِها تَأْكِيدًا لِنَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَذا قَوْلُها: ﴿ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴾ أيْ في قَوْلِهِ حِينَ افْتَرَيْتُ عَلَيْهِ ﴿ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ قِيلَ: إنَّ الَّذِي دَعاها لِذَلِكَ كُلِّهِ التَّوَخِّي لِمُقابَلَةِ الِاعْتِرافِ حَيْثُ لا يُجْدِي الإنْكارُ بِالعَفْوِ، وقِيلَ: إنَّها لَمّا تَناهَتْ في حُبِّهِ لَمْ تُبالِ بِانْتِهاكِ سَتْرِها وظُهُورِ سِرِّها، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّها لَمْ تُرِدْ بِقَوْلِها: (الآنَ) إلَخْ مُجَرَّدَ ظُهُورِ ما ظَهَرَ بِشَهادَةِ النِّسْوَةِ مِن مُطْلَقِ نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما أحاطَ بِهِ عِلْمُهُنَّ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَزاهَتِهِ في سائِرِ المَواطِنِ خُصُوصًا فِيما وقَعَ فِيهِ التَّشاجُرُ بِمَحْضَرِ العَزِيزِ ولا بَحَثَ عَنْ حالِ نَفْسِها وما صَنَعَتْ في ذَلِكَ بَلْ أرادَتْ ظُهُورَ ما هو مُتَحَقِّقٌ في نَفْسِ الأمْرِ وثُبُوتَهُ مِن نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَحَلِّ النِّزاعِ وخِيانَتَها، ولِهَذا قالَتْ: ﴿ أنا راوَدْتُهُ ﴾ إلَخْ، وأرادَتْ -بِالآنَ- زَمانَ تَكَلُّمِها بِهَذا الكَلامِ لا زَمانَ شَهادَتِهِنَّ اهـ فافْهَمْ وتَأمَّلْ، هَلْ تَرى فَوْقَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ نَزاهَةً حَيْثُ لَمْ يَتَمالَكِ الخُصَماءُ مِنَ الشَّهادَةِ بِها عَلى أتَمِّ وجْهٍ.
والفَضْلُ ما شَهِدَتْ بِهِ الخُصَماءُ.
ولَيْتَ مَن نَسَبَ إلَيْهِ السُّوءَ -وحاشاهُ- كانَ عِنْدَهُ عُشْرُ مِعْشارِ ما كانَ عِنْدَ أُولَئِكَ النِّسْوَةِ الشّاهِداتِ مِنَ الإنْصافِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ ﴾ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى التَّثَبُّتِ مَعَ ما تَلاهُ مِنَ القِصَّةِ أجْمَعَ فَهو مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَعَلَهُ فَذْلَكَةً مِنهُ لِما نَهَضَ لَهُ أوَّلًا مِنَ التَّشَمُّرِ لِطَهارَةِ ذَيْلِهِ وبَراءَةِ ساحَتِهِ، وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى ما وقَعَ مِن ذَلِكَ طِبْقَ الوُجُودِ مَعَ رِعايَةِ ما عَلَيْهِ دَأْبُ القُرْآنِ مِنَ الإيجازِ كَحَذْفِ فَرَجَعَ إلى رَبِّهِ فَأنْهاهُ مَقالَةَ يُوسُفَ فَأحْضَرَهُنَّ سائِلًا قالَ: ﴿ ما خَطْبُكُنَّ ﴾ إلَخْ، وكَذَلِكَ كَما قِيلَ في ﴿ قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ ﴾ إلَخْ، وكَذَلِكَ هَذا أيْضًا لِأنَّ المَعْنى فَرَجَعَ إلَيْهِ الرَّسُولُ قائِلًا فَتَّشَ المَلِكُ عَنْ كُنْهِ الأمْرِ وبانَ لَهُ جَلِيَّةَ الحَقِّ مِن عِصْمَتِكَ وأنَّكَ لَمْ تَرْجِعْ في ذَلِكَ المَقامِ الدَّحْضِ بِمَسِّ مَلامٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ ﴾ العَزِيزُ ﴿ أنِّي لَمْ أخُنْهُ ﴾ في حُرْمَتِهِ ﴿ بِالغَيْبِ ﴾ أيْ بِظَهْرِ الغَيْبِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ (يَعْلَمَ) لِلْمَلِكِ، وضَمِيرُ (أخُنْهُ) لِلْعَزِيزِ، وقِيلَ: لِلْمَلِكِ أيْضًا لِأنَّ خِيانَةَ وزِيرِهِ خِيانَةٌ لَهُ، والباءُ إمّا لِلْمُلابَسَةِ أوْ لِلظَّرْفِيَّةِ، وعَلى الأوَّلِ هو حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ أخُنْهُ ﴾ أيْ تَرَكْتُ خِيانَتَهُ وأنا غائِبٌ عَنْهُ، أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ وهو غائِبٌ عَنِّي وهُما مُتَلازِمانِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنهُما ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَلى الثّانِي فَهو ظَرْفُ لَغْوٍ لِما عِنْدَهُ أيْ ﴿ لَمْ أخُنْهُ ﴾ بِمَكانِ الغَيْبِ وراءَ الأسْتارِ والأبْوابِ المُغْلَقَةِ، ويَحْتَمِلُ الحالِيَّةَ أيْضًا ﴿ وأنَّ اللَّهَ ﴾ أيْ ولِيَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى.
﴿ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ ﴾ أيْ لا يُنْفِذُهُ ولا يُسَدِّدُهُ بَلْ يُبْطِلُهُ ويُزْهِقُهُ فَهِدايَةُ الكَيْدِ مَجازٌ عَنْ تَنْفِيذِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لا يَهْدِي الخائِنِينَ بِسَبَبِ كَيْدِهِمْ فَأوْقَعَ الهِدايَةَ المَنفِيَّةَ عَلى الكَيْدِ وهي واقِعَةٌ عَلَيْهِمْ تَجَوُّزًا لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّهُ إذا لَمْ يُهْدَ السَّبَبَ عُلِمَ مِنهُ عَدَمُ هِدايَةِ مُسَبِّبِهِ بِالطَّرِيقِ الأُولى، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِامْرَأةِ العَزِيزِ في خِيانَتِها أمانَتَهُ، وبِهِ في خِيانَتِهِ أمانَةَ اللَّهِ تَعالى حِينَ ساعَدَها عَلى حَبْسِهِ بَعْدَما رَأوُا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِأمانَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مَعْنى لَوْ كُنْتُ خائِنًا لَما هَدى اللَّهُ تَعالى كَيْدِي ولا سَدَّدَهُ، وتُوهِمُ عِبارَةُ بَعْضِهِمْ عَدَمَ اجْتِماعِ التَّأْكِيدِ والتَّعْرِيضِ، والحَقُّ أنَّهُ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ، وأرادَ بِكَيْدِهِ تَشَمُّرَهُ وثَباتَهُ ذَلِكَ، وتَسْمِيَتُهُ كَيْدًا عَلى فَرْضِ الخِيانَةِ عَلى بابِها حَقِيقَةٌ كَما لا يَخْفى، فَما في الكَشْفِ مِن أنَّهُ سَمّاهُ كَيْدًا اسْتِعارَةٌ أوْ مُشاكَلَةٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ (يَعْلَمُ) و ﴿ لَمْ أخُنْهُ ﴾ لِلَّهِ تَعالى أيْ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنِّي لَمْ أعْصِهِ أيْ لِيُظْهِرَ أنِّي غَيْرُ عاصٍ ويُكْرِمَنِي بِهِ ويَصِيرُ سَبَبَ رَفْعِ مَنزِلَتِي، ولِيُظْهِرَ أنَّ كَيْدَ الخائِنِ لا يَنْفُذُ وأنَّ العاقِبَةَ لِلْمُطِيعِ لا لِلْعاصِي فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ ﴾ ولَهُ نَظائِرُ أُخَرُ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ وأمّا غَيْرُهُ فَلَمْ يَرِدْ في الكِتابِ العَزِيزِ، وفِيهِ نَوْعُ إيهامٍ التَّحاشِي عَنْهُ أحْسَنُ عَلى أنَّ المَقامَ لِما تَقَدَّمَ أدْعى.
(تَمَّ الجُزْءُ الثّانِيَ عَشَرَ ويَلِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ الثّالِثَ عَشَرَ وأوَّلُهُ ﴿ وما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ ) .
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
﴿ وما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ أيْ أُنَزِّهُها عَنِ السُّوءِ قالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَضْمًا لِنَفْسِهِ البَرِيَّةِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وتَواضُعًا لِلَّهِ تَعالى وتَحاشِيًا عَنِ التَّزْكِيَةِ والإعْجابِ بِحالِها عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» أوْ تَحْدِيثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى وإبْرازًا لِسِرِّهِ المَكْنُونِ في شَأْنِ أفْعالِ العِبادِ أيْ أُنَزِّهُها مِن حَيْثُ هي هي ولا أُسْنِدُ هَذِهِ الفَضِيلَةَ إلَيْها بِمُقْتَضى طَبْعِها مِن غَيْرِ تَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بَلْ إنَّما ذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ورَحْمَتُهُ وقِيلَ: إنَّهُ أشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ المَيْلِ الطَّبِيعِيِّ بَلْ لِخَوْفِ اللَّهِ تَعالى ﴿ إنَّ النَّفْسَ ﴾ البَشَرِيَّةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها نَفْسِي في حَدِّ ذاتِها ﴿ لأمّارَةٌ ﴾ لَكَثِيرَةُ الأمْرِ ﴿ بِالسُّوءِ ﴾ أيْ بِجِنْسِهِ والمُرادُ أنَّها كَثِيرَةُ المَيْلِ إلى الشَّهَواتِ مُسْتَعْمِلَةٌ في تَحْصِيلِها القُوى والآلاتِ وفي كَثِيرٍ مِنَ التَّفاسِيرِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ: ﴿ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ولا حِينَ هَمَمْتَ فَقالَ: ﴿ وما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ ..
إلَخْ وقَدْ أخْرَجَهُ الحاكِمُ في تارِيخِهِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِلَفْظٍ قَرِيبٍ مِن هَذا عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا ورَوى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وحَكِيمِ بْنِ جابِرٍ والحَسَنِ وغَيْرِهِمْ وهو إنْ صَحَّ يُحْمَلُ الهَمُّ فِيهِ عَلى المَيْلِ الصّادِرِ عَنْ طَرِيقِ الشَّهْوَةِ البَشَرِيَّةِ لا عَنْ طَرِيقِ العَزْمِ والقَصْدِ وقِيلَ: لا مانِعَ مِن أنْ يُحْمَلَ عَلى الثّانِي ويُقالَ: إنَّهُ صَغِيرَةٌ وهي تَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ ويَلْتَزِمُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ نَبِيًّا والزَّمَخْشَرِيُّ جَعَلَ ذَلِكَ وما أشْبَهُهُ مِن تَلْفِيقِ المُبْطِلَةِ وبُهْتِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ وارْتَضاهُ وهو الحَرِيُّ بِذَلِكَ ابْنُ المُنِيرِ وعَرَّضَ بِالمُعْتَزِلَةِ بِقَوْلِهِ: وذَلِكَ شَأْنُ المُبْطِلَةِ مِن كُلِّ طائِفَةٍ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الجُمْهُورُ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ و( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ لَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّي هي الَّتِي تَصْرِفُ عَنْها السُّوءَ عَلى حَدِّ ما جُوِّزَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا هم يُنْقَذُونَ ﴾ ﴿ إلا رَحْمَةً مِنّا ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن أعَمِّ الأوْقاتِ و( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ زَمانِيَّةٌ أيْ هي أمّارَةٌ بِالسُّوءِ في كُلِّ وقْتٍ إلّا في وقْتِ رَحْمَةِ رَبِّي وعِصْمَتِهِ والنَّصْبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لا عَلى الِاسْتِثْناءِ كَما تُوُهِّمَ لَكِنَّ فِيهِ التَّفْرِيغَ في الإثْباتِ والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا بَعْدَ النَّفْيِ أوْ شِبْهِهِ نَعَمْ أجازَهُ بَعْضُهم في الإثْباتِ إنِ اسْتَقامَ المَعْنى كَقَرَأْتُ إلّا يَوْمَ الجُمُعَةِ وأوْرَدَ عَلى هَذا بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ كَوْنُ نَفْسِ يُوسُفَ وغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مائِلَةً إلى الشَّهَواتِ في أكْثَرِ الأوْقاتِ إلّا أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى ما قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِناءً عَلى جَوازِ ما ذُكِرَ قَبْلَها أوْ يُرادُ جِنْسُ النَّفْسِ لا كُلَّ واحِدَةٍ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ الأخِيرَ غَيْرُ ظاهِرٍ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِعْيارُ العُمُومِ ولا يَرِدُ ما ذُكِرَ رَأْسًا لِأنَّ المُرادَ هَضْمُ النَّوْعِ البَشَرِيِّ اعْتِرافًا بِالعَجْزِ لَوْلا العِصْمَةُ عَلى أنَّ وقْتَ الرَّحْمَةِ قَدْ يَعُمُّ العُمُرَ كُلَّهُ لِبَعْضِهِمْ.
اهَـ.
ولَعَلَّ الأوْلى الِاقْتِصارُ عَلى ما في حَيِّزِ العِلاوَةِ فَتَأمَّلْ وأنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ النَّفْسِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في أمّارَةٍ الرّاجِعِ إلَيْها أيْ كُلُّ نَفْسٍ أمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا الَّتِي رَحِمَها اللَّهُ تَعالى وعَصَمَها عَنْ ذَلِكَ كَنَفْسِي أوْ مِن مَفْعُولِ أمّارَةٍ المَحْذُوفِ أيْ أمّارَةٌ صاحِبَها إلّا ما رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وفِيهِ وُقُوعُ ( ما ) عَلى مَن يَعْقِلُ وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولْيُنْظَرِ الفَرْقُ في ذَلِكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ انْقِطاعِ الِاسْتِثْناءِ ﴿ إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .
(53) .
عَظِيمُ المَغْفِرَةِ فَيَغْفِرُ ما يَعْتَرِي النُّفُوسَ بِمُقْتَضى طِباعِها ومُبالِغٌ في الرَّحْمَةِ فَيَعْصِمُها مِنَ الجَرَيانِ عَلى مُوجَبِ ذَلِكَ والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِتَرْبِيَةِ مَبادِئِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ولَعَلَّ تَقْدِيمَ ما يُفِيدُ الأُولى عَلى ما يُفِيدُ الثّانِيَةُ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ وذَهَبَ الجُبّائِيُّ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ ﴾ إلى هُنا مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ والمَعْنى ذَلِكَ الإقْرارُ والِاعْتِرافُ بِالحَقِّ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ ولَمْ أكْذِبْ عَلَيْهِ في حالِ غَيْبَتِهِ وما أُبَرِّئُ نَفْسِي مَعَ ذَلِكَ مِنَ الخِيانَةِ حَيْثُ قُلْتُ ما قُلْتُ وفَعَلْتُ بِهِ ما فَعَلْتُ إنَّ كُلَّ نَفْسٍ أمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا نَفْسًا رَحِمَها اللَّهُ تَعالى بِالعِصْمَةِ كَنَفْسِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّ رَبِّي غَفُورٌ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لِذَنْبِهِ واعْتَرَفَ بِهِ رَحِيمٌ لَهُ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ لَيْسَ مُوجِبُهُ إلّا ما تُوُهِّمَ مِنَ الِاتِّصالِ الصُّورِيِّ ولَيْسَ بِذاكَ ومِن أيْنَ لَها أنْ تَقُولَ: ﴿ وما أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ بَعْدَ ما وضَحَ ولا كَشِيَةِ الأبْلَقِ أنَّها أُمُّها يَرْجِعُ إلَيْها طَمُّها ورَمُّها.
ومِنَ النّاسِ مَنِ انْتَصَرَ لَهُ بِأنَّ أمْرَ التَّعْلِيلِ ظاهِرٌ عَلَيْهِ وهو عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِهِ مِن كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ ظاهِرٍ لِأنَّ عِلْمَ العَزِيزِ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهُ ما قَرَفَ بِهِ إنَّما يَسْتَدْعِي التَّفْتِيشَ مُطْلَقًا لا خُصُوصَ تَقْدِيمِهِ عَلى الخُرُوجِ حِينَ طَلَبَهُ المَلِكُ والظّاهِرُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ جَعْلُهُ لَهُ وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ لِيَظْهَرَ عِلْمُهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وهو يَسْتَدْعِي الخُصُوصَ ويُساعِدُ عَلى إرادَةِ ظُهُورِ العِلْمِ أنَّ أصْلَ العِلْمِ كانَ حاصِلًا لِلْعَزِيزِ قَبْلُ حِينَ شَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها وفِيهِ نَظَرٌ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ في التَّثَبُّتِ وتَقْدِيمِ التَّفْتِيشِ عَلى الخُرُوجِ مِن مُراعاةِ حُقُوقِ العَزِيزِ ما فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَخْرُجْ مِن جِنْسِهِ قَبْلَ ظُهُورِ بُطْلانِ ما جَعَلَهُ سَبَبًا لَهُ مَعَ أنَّ المَلِكَ دَعاهُ إلَيْهِ ويَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ عِلْمُهُ بِأنَّهُ لَمْ يَخُنْهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أصْلًا عَنْ خِيانَتِهِ في أهْلِهِ لِظُهُورِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا لَمْ يُقْدِمْ عَلى ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّهُ نَقْضٌ لِما أبْرَمَهُ مَعَ قُوَّةِ الدّاعِي وتَوَفُّرِ الدَّواعِي فَهو بِعَدَمِ الإقْدامِ عَلى غَيْرِهِ أجْدَرُ وأحْرى فالعِلَّةُ لِلتَّثَبُّتِ مَعَ ما تَلاهُ مِنَ القِصَّةِ هي قَصْدُ حُصُولِ العِلْمِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مِنهُ ما يَخُونُ بِهِ كائِنًا ما كانَ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ وذَلِكَ العِلْمُ إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى ما ذُكِرَ عَلى التَّفْتِيشِ ولَوْ بَعْدَ الخُرُوجِ كَما لا يَخْفى أوْ يُقالُ: إنَّ المُرادَ لِيَجْرِيَ عَلى مُوجِبِ العِلْمِ بِما ذُكِرَ بِناءً عَلى التِزامِ أنَّهُ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ عالِمًا بِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلى مُوجِبِ عِلْمِهِ وإلّا لَما حَبَسَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَتَلافى تَقْصِيرُهُ بِالإعْراضِ عَنْ تَقْبِيحِ أمْرِهِ أوْ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ لِيَحْظى عِنْدَ المَلِكِ ويُعَظِّمَهُ النّاسُ فَتَيْنَعُ مِن دَعْوَتِهِ أشْجارُها وتَجْرِي في أوْدِيَةِ القُلُوبِ أنْهارُها ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى تَقْدِيمِ التَّفْتِيشِ كَما فَعَلَ ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَثِيرًا ما يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ في مَبادِي أمْرِهِمْ وقَدْ كانَ نَبِيُّنا يُعْطِي الكافِرَ إذا كانَ سَيِّدَ قَوْمِهِ ما يُعْطِيهِ تَرْوِيجًا لِأمْرِهِ وإذا حُمِلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِصاحِبِهِ النّاجِي ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ عَلى مِثْلِ هَذا كَما فَعَلَ أبُو حَيّانَ تَناسَبَ طَرَفا الكَلامِ أشَدَّ تَناسُبٍ وكَذا لَوْ حُمِلَ ذاكَ عَلى ما اقْتَضاهُ ظاهِرُ الكَلامِ وتَضافَرَتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ.
وقِيلَ هُنا: إنَّ ذَلِكَ لِئَلّا يُقَبِّحَ العَزِيزُ أمْرَهُ عِنْدَ المَلِكِ تَمَحُّلًا لِإمْضاءِ ما قَضاهُ ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ السَّعْيِ في تَحْقِيقِ المُقْتَضى لِخَلاصِهِ وهَذا مِن قَبِيلِ التَّشْمِيرِ لِرَفْعِ المانِعِ لَكِنَّهُ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَلالَةِ شَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ولَعَلَّ الدُّعاءَ بِالمَغْفِرَةِ في الخَبَرِ السّالِفِ عَلى هَذا إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ ويُقالُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما لَمْ يُعاتَبْ عَلَيْهِ كَما عُوتِبَ عَلى الأوَّلِ لِكَوْنِهِ دُونَهُ مَعَ أنَّهُ قَدْ بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبى ولا يَخْفى أنَّ عَوْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما يَسْتَدْعِي أدْنى عِتابٍ بِالنِّسْبَةِ إلى مَنصِبِهِ بَعْدَ أنْ جَرى ما جَرى في غايَةِ البُعْدِ ومِن هُنا قِيلَ: الأوْلى أنْ يُجْعَلَ ما تَقَدَّمَ كَما تَقَدَّمَ ويُحْمَلُ هَذا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ بِهِ تَمْهِيدَ أمْرِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى جَبْرًا لِما فَعَلَ قَبْلُ واتِّباعًا لِخِلافِ الأوْلى بِالنَّظَرِ إلى مَقامِهِ بِالأوْلى وقِيلَ: في وجْهِ التَّعْلِيلِ غَيْرُ ذَلِكَ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ هَذا مِن تَقْدِيمِ القُرْآنِ وتَأْخِيرِهِ وذَهَبَ إلى أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ ..
إلَخْ ويَرِدُ عَلى ظاهِرِهِ ما لا يَخْفى فَتَأمَّلْ جَمِيعَ ما ذَكَرْناهُ لِتَكُونَ عَلى بَصِيرَةٍ مِن أمْرِكَ وفي رِوايَةِ البَزِّيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وقالُونَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُما قَرَآ ( بِالسَّوِّ ) عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا <div class="verse-tafsir"
﴿ وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ ﴾ أجْعَلْهُ خالِصًا لِنَفْسِي وخاصًّا بِي ﴿ فَلَمّا كَلَّمَهُ ﴾ في الكَلامِ إيجازٌ أيْ فَأتَوْا بِهِ فَلَمّا ..
إلَخْ وحُذِفَ ذَلِكَ لِلْإيذانِ بِسُرْعَةِ الإتْيانِ فَكَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأمْرِ بِإحْضارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والخِطابُ مَعَهُ زَمانٌ أصْلًا ولَمْ يَكُنْ حاضِرًا مَعَ النِّسْوَةِ في المَجْلِسِ كَما زَعَمَهُ بَعْضٌ وجَعَلَ المُرادَ مِن هَذا الأمْرِ قَرِّبُوهُ إلَيَّ والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُ في ( كَلَّمَهَ ) لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ والبارِزُ لِلْمَلِكِ أيْ فَلَمّا كَلَّمَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ المَلِكَ إثْرَ ما أتاهُ فاسْتَنْطَقَهُ ورَأى حُسْنَ مَنطِقِهِ بِما صَدَّقَ الخَبَرُ الخَبَرَ واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ كَوْنَ الضَّمِيرِ الأوَّلِ لِلْمَلِكِ والثّانِي لِيُوسُفَ أيْ فَلَمّا كَلَّمَهُ المَلِكُ ورَأى حُسْنَ جَوابِهِ ومُحاوَرَتِهِ ﴿ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ ﴾ ذُو مَكانَةٍ ومَنزِلَةٍ رَفِيعَةٍ ﴿ أمِينٌ ﴾ .
(54) .
مُؤْتَمَنٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وقِيلَ: آمِنٌ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ والوَصْفُ بِالأمانَةِ هو الأبْلَغُ في الإكْرامِ و ﴿ اليَوْمَ ﴾ لَيْسَ بِمِعْيارٍ لِلْمَكانَةِ والأمانَةِ بَلْ هو آنُ التَّكَلُّمِ والمُرادُ تَحْدِيدُ مَبْدَئِهِما احْتِرازًا عَنْ كَوْنِهِما بَعْدَ حِينٍ وفي اخْتِيارِ لَدَيَّ عَلى عِنْدَ ما لا يَخْفى مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا في اسْمِيَّةِ الجُمْلَةِ وتَأْكِيدِها رُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ جاءَهُ فَقالَ لَهُ: أجِبِ المَلِكَ الآنَ بِلا مُعاوَدَةٍ وألْقِ عَنْكَ ثِيابَ السِّجْنِ واغْتَسِلْ والبَسْ ثِيابًا جُدُدًا فَفَعَلَ فَلَمّا قامَ لِيَخْرُجَ دَعا لِأهْلِ السِّجْنِ اللَّهُمَّ عَطِّفْ عَلَيْهِمْ قُلُوبَ الأخْيارِ ولا تُعَمِّ عَلَيْهِمُ الأخْبارَ فَهم أعْلَمُ النّاسِ بِالأخْبارِ في كُلِّ بَلَدٍ ثُمَّ خَرَجَ فَكُتِبَ عَلى البابِ هَذِهِ مَنازِلُ البَلْوى وقُبُورُ الأحْياءِ وشَماتَةُ الأعْداءِ وتَجْرِبَةُ الأصْدِقاءِ فَلَمّا وصَلَ إلى بابِ المَلِكِ قالَ: حَسْبِي رَبِّي مِن دُنْيايَ وحَسْبِي رَبِّي مِن خَلْقِهِ عَزَّ جارُكَ وجَلَّ ثَناؤُكَ ولا إلَهَ غَيْرُكَ فَلَمّا دَخَلَ عَلى المَلِكِ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِخَيْرِكَ مِن خَيْرِهِ وأعُوذُ بِكَ مِن شَرِّهِ وشَرِّ غَيْرِهِ ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ بِالعَرَبِيَّةِ فَقالَ لَهُ المَلِكُ: ما هَذا اللِّسانُ فَقالَ: لِسانُ عَمِّي إسْماعِيلَ ثُمَّ دَعا لَهُ بِالعِبْرانِيَّةِ فَقالَ لَهُ: وما هَذا اللِّسانُ أيْضًا فَقالَ: هَذا لِسانُ آبائِي وكانَ المَلِكُ يَعْرِفُ سَبْعِينَ لِسانًا فَكَلَّمَهُ بِها فَأجابَهُ بِجَمِيعِها فَتَعَجَّبَ مِنهُ وقالَ: أيُّها الصِّدِّيقُ إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ رُؤْيايَ مِنكَ فَحَكاها عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ طِبْقَ ما رَأى لَمْ يَخْرِمْ مِنها حَرْفًا فَقالَ المَلِكُ: أعْجَبُ مِن تَأْوِيلِكَ إيّاها مَعْرِفَتُكَ لَها فَأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى السَّرِيرِ وفَوَّضَ إلَيْهِ أمْرَهُ وقِيلَ: إنَّهُ أجْلَسَهُ قَبْلَ أنْ يَقُصَّ الرُّؤْيا وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ قالَ: ذَكَرُوا أنَّ قِطْفِيرَ هَلَكَ في تِلْكَ اللَّيالِي وأنَّ المَلِكَ زَوَّجَ يُوسُفَ امْرَأتَهُ راعِيلَ فَقالَ لَها حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ: ألَيْسَ هَذا خَيْرًا مِمّا كُنْتِ تُرِيدِينَ فَقالَتْ: أيُّها الصِّدِّيقُ لا تَلُمْنِي فَإنِّي كُنْتُ امْرَأةً كَما تَرى حَسْناءَ جَمْلاءَ ناعِمَةً في مُلْكٍ ودُنْيا وكانَ صاحِبِي لا يَأْتِي النِّساءَ وكُنْتَ كَما جَعَلَكَ اللَّهُ تَعالى في حُسْنِكَ وهَيْئَتِكَ فَغَلَبَتْنِي نَفْسِي عَلى ما رَأيْتَ فَيَزْعُمُونَ أنَّهُ وجَدَها عَذْراءَ فَأصابَها فَوَلَدَتْ لَهُ رَجُلَيْنِ أفْراثِيمَ ومِيشا.
أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ وهْبٍ قالَ: أصابَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ حاجَةً فَقِيلَ لَها: لَوْ أتَيْتِ يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ فَسَأْلَتِيهِ فاسْتَشارَتِ النّاسَ في ذَلِكَ فَقالُوا: لا تَفْعَلِي فَإنّا نَخافُهُ عَلَيْكِ قالَتْ: كَلّا إنِّي لا أخافُ مِمَّنْ يَخافُ اللَّهَ تَعالى فَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ فَرَأتْهُ في مُلْكِهِ فَقالَتِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ العَبِيدَ مُلُوكًا بِطاعَتِهِ ثُمَّ نَظَرَتْ إلى نَفْسِها فَقالَتِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ المُلُوكَ عَبِيدًا بِمَعْصِيَتِهِ فَقَضى لَها جَمِيعَ حَوائِجِها ثُمَّ تَزَوَّجَها بِكْرًا، الخَبَرَ.
وفِي رِوايَةٍ أنَّها تَعَرَّضَتْ لَهُ في الطَّرِيقِ فَقالَتْ ما قالَتْ فَعَرَفَها فَتَزَوَّجَها فَوَجَدَها بِكْرًا وكانَ زَوْجُها عِنِّينًا وشاعَ عِنْدَ القَصّاصِ أنَّها عادَتْ شابَّةً بِكْرًا إكْرامًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما كانَتْ ثَيِّبًا غَيْرَ شابَّةٍ وهَذا مِمّا لا أصْلَ لَهُ وخَبَرُ تَزَوُّجِها أيْضًا مِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ وعَلى فَرْضِ ثُبُوتِ التَّزْوِيجِ فَظاهِرُ خَبَرِ الحَكِيمِ أنَّهُ إنَّما كانَ بَعْدَ تَعْيِينِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما عُيِّنَ لَهُ مِن أمْرِ الخَزائِنِ قِيلَ: ويُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ ﴾ أيْ أرْضِ مِصْرَ وفي مَعْناهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أيْ أرْضِكَ الَّتِي تَحْتَ تَصَرُّفِكَ وقِيلَ: أرادَ بِالأرْضِ الجِنْسَ وبِخَزائِنِها الطَّعامَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنها و( عَلى ) مُتَعَلِّقَةٌ عَلى ما قِيلَ بِمُسْتَوْلٍ مُقَدَّرٍ والمَعْنى ولِّنِي عَلى أمْرِها مِنَ الإيرادِ والصَّرْفِ ﴿ إنِّي حَفِيظٌ ﴾ لَها مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّها ﴿ عَلِيمٌ ﴾ .
(55) .
بِوُجُوهِ التَّصَرُّفِ فِيها وقِيلَ: بِوَقْتِ الجُوعِ وقِيلَ: حَفِيظٌ لِلْحِسابِ عَلِيمٌ بِالألْسُنِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مَدْحِ الإنْسانِ نَفْسَهُ بِالحَقِّ إذا جُهِلَ أمْرُهُ: وجَوازُ طَلَبِ الوِلايَةِ إذا كانَ الطّالِبُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلى إقامَةِ العَدْلِ وإجْراءِ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ وإنْ كانَ مِن يَدِ الجائِرِ أوِ الكافِرِ ورُبَّما يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ إذا تَوَقَّفَ عَلى وِلايَتِهِ إقامَةُ واجِبٍ مَثَلًا وكانَ مُتَعَيَّنًا لِذَلِكَ وما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ «يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لا تَسْألِ الإمارَةَ فَإنَّكَ إنْ أُوتِيتَها عَنْ مَسْألَةٍ وُكِلْتَ إلَيْها وإنْ أُعْطِيتَها مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْها» وارِدٌ في غَيْرِ ما ذُكِرَ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ أسْلَمَ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَعَلَّ إيثارَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتِلْكَ الوِلايَةِ خاصَّةً إنَّما كانَ لِلْقِيامِ بِما هو أهَمُّ أُمُورِ السَّلْطَنَةِ إذْ ذاكَ مِن تَدْبِيرِ أمْرِ السِّنِينَ لِكَوْنِهِ مِن فُرُوعِ تِلْكَ الوِلايَةِ لا لِمُجَرَّدِ عُمُومِ الفائِدَةِ كَما قِيلَ.
وجاءَ في رِوايَةِ أنَّ المَلِكَ لَمّا كَلَّمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَصَّ رُؤْياهُ لَهُ قالَ: ما تَرى أيُّها الصِّدِّيقُ قالَ: تَزْرَعُ في سِنِي الخِصْبِ زَرْعًا كَثِيرًا فَإنَّكَ لَوْ زَرَعْتَ فِيها عَلى حَجْرٍ نَبَتَ وتَبْنِي الخَزائِنَ وتَجْمَعُ فِيها الطَّعامَ بِقَصَبِهِ وسُنْبُلِهِ فَإنَّهُ أبْقى لَهُ ويَكُونُ القَصَبُ عَلَفًا لِلدَّوابِّ فَإذا جاءَتِ السُّنُونُ بِعْتُ ذَلِكَ فَيَحْصُلُ لَكَ مالٌ عَظِيمٌ فَقالَ المَلِكُ: ومَن لِي بِهَذا ومَن يَجْمَعُهُ ويَبِيعُهُ لِي ويَكْفِينِي العَمَلُ فِيهِ فَقالَ: ﴿ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ ﴾ ..
إلَخْ والظّاهِرُ أنَّهُ أجابَهُ لِذَلِكَ حِينَ سَألَهُ وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ إجابَتَهُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا مَرَدَّ لَهُ غِنًى عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ لا سِيَّما بَعْدَ تَقْدِيمِ ما تَنْدَرِجُ تَحْتَهُ أحْكامُ السَّلْطَنَةِ جَمِيعُها وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ «يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى أخِي يُوسُفَ لَوْ لَمْ يَقُلِ: ﴿ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ ﴾ لاسْتَعْمَلَهُ مِن ساعَتِهِ ولَكِنَّهُ أخَّرَ ذَلِكَ سَنَةً» ثُمَّ إنَّهُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ تَوَّجَهُ وخَتَمَهُ بِخاتَمِهِ ورَدّاهُ بِسَيْفِهِ ووَضَعَ لَهُ سَرِيرًا مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ والياقُوتِ طُولُهُ ثَلاثُونَ ذِراعًا وعَرْضُهُ عَشْرَةُ أذْرُعٍ ووَضَعَ عَلَيْهِ الفُرُشَ وضَرَبَ عَلَيْهِ حُلَّةً مَنِ إسْتَبْرَقٍ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أمّا السَّرِيرُ فَأشُدُّ بِهِ مُلْكَكَ وأمّا الخاتَمُ فَأُدَبِّرُ بِهِ أمْرَكَ وأمّا التّاجُ فَلَيْسَ مِن لِباسِي ولا لِباسِ آبائِي فَقالَ: قَدْ وضَعْتُهُ إجْلالًا لَكَ وإقْرارًا بِفَضْلِكَ فَجَلَسَ عَلى السَّرِيرِ ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ وفَوَّضَ إلَيْهِ المَلِكُ أمَرَهُ وأقامَ العَدْلَ بِمِصْرَ وأحَبَّتْهُ الرِّجالُ والنِّساءُ وباعَ مِن أهْلِ مِصْرَ في سِنِي القَحْطِ الطَّعامَ في السَّنَةِ الأُولى بِالدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنها شَيْءٌ وفي الثّانِيَةِ بِالحُلِيِّ والجَواهِرِ وفي الثّالِثَةِ بِالدَّوابِّ والمَواشِي وفي الرّابِعَةِ بِالعَبِيدِ والجَوارِي وفي الخامِسَةِ بِالضَّياعِ والعَقارِ وفي السّادِسَةِ بِالأوْلادِ وفي السّابِعَةِ بِالرِّقابِ حَتّى اسْتَرَقَّهم جَمِيعًا وكانَ ذَلِكَ مِمّا يَصِحُّ في شَرْعِهِمْ فَقالُوا: ما رَأيْنا كاليَوْمِ مَلِكًا أجَلَّ وأعْظَمَ مِنهُ فَقالَ لِلْمَلِكِ: كَيْفَ رَأيْتَ صُنْعَ اللَّهِ تَعالى فِيما خَوَّلَنِي فَما تَرى في هَؤُلاءِ فَقالَ المَلِكُ: الرَّأْيُ رَأْيُكَ ونَحْنُ لَكَ تَبَعٌ فَقالَ: إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ تَعالى وأُشْهِدُكَ أنِّي قَدْ أعْتَقْتُهم ورَدَدْتُ إلَيْهِمْ أمْلاكَهم.
ولَعَلَّ الحِكْمَةَ في ذَلِكَ إظْهارُ قُدْرَتِهِ وكَرَمِهِ وانْقِيادُهم بَعْدَ ذَلِكَ لِأمْرِهِ حَتّى يَخْلُصَ إيمانُهم ويَتَّبِعُوهُ فِيما يَأْمُرُهم بِهِ فَلا يُقالُ: ما الفائِدَةُ في تَحْصِيلِ ذَلِكَ المالِ العَظِيمِ ثُمَّ إضاعَتِهِ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ في تِلْكَ المُدَّةِ فِيما يُرْوى لا يَشْبَعُ مِنَ الطَّعامِ فَقِيلَ لَهُ: أتَجُوعُ وخَزائِنُ الأرْضِ بِيَدِكَ فَقالَ: أخافُ إنْ شَبِعْتُ أنْسى الجائِعَ وأمَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ طَبّاخِي المَلِكِ أنْ يَجْعَلُوا غِذاءَهُ نِصْفَ النَّهارِ وأرادَ بِذَلِكَ أنْ يَذُوقَ طَعْمَ الجُوعِ قَلّا يَنْسى الجِياعَ قِيلَ: ومِن ثَمَّ جَعَلَ المُلُوكُ غِذاءَهم نِصْفَ النَّهارِ وقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ إلى ما آتاهُ مِنَ المُلْكِ العَظِيمِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: <div class="verse-tafsir"
﴿ وكَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ التَّمْكِينِ البَدِيعِ ﴿ مَكَّنّا لِيُوسُفَ ﴾ أيْ جَعَلْنا لَهُ مَكانًا ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ أيْ أرْضِ مِصْرَ رُوِيَ أنَّها كانَتْ أرْبَعِينَ فَرْسَخًا في أرْبَعِينَ وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الجَعْلِ المَذْكُورِ بِالتَّمْكِينِ في الأرْضِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِهِ تَعالى مِن تَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُبالَغَةِ في كَمالِ وِلايَتِهِ والإشارَةُ إلى حُصُولِ ذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ لا أنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ السُّؤالِ ما لا يَخْفى واللّامُ في ( لِيُوسُفَ ) عَلى ما زَعَمَ أبُو البَقاءِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً أيْ مَكَّنّا يُوسُفَ وأنْ تَكُونَ كَذَلِكَ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ مَكَّنّا لَهُ الأُمُورَ وقَدْ مَرَّ لَكَ ما يَتَّضِحُ مِنهُ الحَقُّ ﴿ يَتَبَوَّأُ مِنها ﴾ يَنْزِلُ مِن قِطَعِها وبِلادِها ﴿ حَيْثُ يَشاءُ ﴾ ظَرْفٌ لِيَتَبَوَّأُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ﴾ و( مِنها ) مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن حَيْثُ وتُعُقِّبَ بِأنَّ ( حَيْثُ ) لا يَتِمُّ إلّا بِالمُضافِ إلَيْهِ وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى المُضافِ إلَيْهِ لا يَجُوزُ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن يُوسُفَ وضَمِيرُ ( يَشاءُ ) لَهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعالى فَفِيهِ التِفاتٌ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والحَسَنُ وبِخِلافٍ عَنْهم أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ ( نَشاءُ ) بِالنُّونِ فَإنَّ الضَّمِيرَ عَلى ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى قَطْعًا ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا ﴾ بِنِعْمَتِنا وعَطائِنا في الدُّنْيا مِنَ المُلْكِ والغِنى وغَيْرِهِما مِنَ النِّعَمِ وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ النُّبُوَّةُ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿ مَن نَشاءُ ﴾ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ لِلْمَشِيئَةِ ﴿ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ .
(56) .
بَلْ نُوَفِّي لَهم أُجُورَهم في الدُّنْيا لِإحْسانِهِمْ والمُرادُ بِهِ عَلى ما قِيلَ: الإيمانُ والثَّباتُ عَلى التَّقْوى فَإنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"
﴿ ولأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ .
(57) .
قَدْ وُضِعَ فِيهِ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِ ﴿ المُحْسِنِينَ ﴾ وجُمِعَ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ والمَعْنى ولَأجْرُهم في الآخِرَةِ خَيْرٌ والإضافَةُ فِيهِ لِلْمُلابَسَةِ وجَعَلَ في تَعْقِيبِ الجُمْلَةِ المُثْبَتَةِ بِالجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ إشْعارٌ بِأنَّ مَدارَ المَشِيئَةِ المَذْكُورَةِ إحْسانُ مَن تُصِيبُهُ الرَّحْمَةُ المَذْكُورَةُ وفي ذِكْرِ الجُمْلَةِ الثّالِثَةِ المُؤَكَّدَةِ بَعْدَ دَفْعِ تَوَهُّمِ انْحِصارِ ثَمَراتِ الإحْسانِ فِيما ذَكَرَ مِنَ الأجْرِ العاجِلِ ويُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ المُرادَ مِمَّنْ نَشاءُ مَن نَشاءُ أنْ نُصِيبَهُ بِالرَّحْمَةِ مِن عِبادِنا الَّذِينَ آمَنُوا واسْتَمَرُّوا عَلى التَّقْوى وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ ولَعَلَّ الظّاهِرَ حَمْلُ ( مَن ) عَلى ما هو أعَمُّ مِمّا ذُكِرَ وحِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالرَّحْمَةِ النِّعْمَةُ الَّتِي لا تَكُونُ في مُقابَلَةِ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ وبِالأجْرِ ما كانَ في مُقابَلَةِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ يَبْقى أمْرُ وضْعِ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ عَلى حالِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: نَتَفَضَّلُ عَلى مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا كَيْفَ كانُوا ونُنْعِمُ عَلَيْهِمْ بِالمُلْكِ والغِنى وغَيْرِهِما لا في مُقابَلَةِ شَيْءٍ ونُوَفِّي أُجُورَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى التَّقْوى مِنهم ونُعْطِيهِمْ في الدُّنْيا ما نُعْطِيهِمْ في مُقابَلَةِ إيمانِهِمْ واسْتِمْرارِهِمْ عَلى التَّقْوى وما نُعْطِيهِمْ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ في الآخِرَةِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ المُقِيمِ خَيْرٌ لَهم مِمّا نُعْطِيهِمْ في الدُّنْيا لِعِظَمِهِ ودَوامِهِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ إطْلاقَ الرَّحْمَةِ عَلى ما يُصِيبُ الكافِرَ مِن نَحْوِ المُلْكِ والغِنى مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِرَحْمَةٍ كَما يُشْعِرُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الآياتِ ويَقْتَضِيهِ قَوْلُهم: لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى نِعْمَةٌ عَلى كافِرٍ وأُجِيبَ بِأنَّ قَوْلَهم: في ( الرَّحْمَنِ ) أنَّهُ الَّذِي يَرْحَمُ المُؤْمِنَ والكافِرَ في الدُّنْيا ظاهِرٌ في صِحَّةِ إطْلاقِ الرَّحْمَةِ عَلى ما يُصِيبُ الكافِرَ مِن ذَلِكَ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ ظاهِرٌ في صِحَّةِ القَوْلِ بِكَوْنِ الكافِرِ مَرْحُومًا في الجُمْلَةِ وأمْرُ الإشْعارِ سَهْلٌ وقَوْلُهم: لَيْسَ لِلَّهِ تَعالى نِعْمَةٌ عَلى كافِرٍ إنَّما قالَهُ البَعْضُ بِناءً عَلى أخْذٍ يُحْمَدُ عاقِبَتُها في تَعْرِيفِها وإنْ أبَيْتَ ولا أظُنُّ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَبَّرَ عَمّا ذُكِرَ بِالرَّحْمَةِ رِعايَةً لِجانِبِ مَنِ انْدَرَجَ في عُمُومِ ( مَن ) مِنَ المُؤْمِنِينَ.
نَعَمْ يُرَدُّ عَلى تَفْسِيرِ الرَّحْمَةِ هُنا بِالنِّعْمَةِ الَّتِي لا تَكُونُ في مُقابَلَةِ شَيْءٍ مِنَ الأعْمال والأجْرِ بِما كانَ ما رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: المُؤْمِنُ يُثابُ عَلى حَسَناتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ والفاجِرُ يُعَجَّلُ لَهُ الخَيْرُ في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ وتَلا الآيَةَ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ ما يُصِيبُ الكافِرَ مِمّا تَقَدَّمَ في مُقابَلَةِ عَمَلٍ لَهُ وأنَّ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ولَيْسَ هو إلّا ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ﴾ وقَدْ يُجابُ بِأنَّهُ لَعَلَّهُ حَمَلَ ﴿ المُحْسِنِينَ ﴾ عَلى ما يَشْمَلُ الكُفّارَ الفاعِلِينَ لِما يُحْسُنُ كَصِلَةِ الرَّحِمِ ونُصْرَةِ المَظْلُومِ وإطْعامِ الفَقِيرِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَحَصْرُ الدَّلالَةِ فِيما ذُكِرَ مَمْنُوعٌ نَعَمْ إنَّ هَذا الأثَرَ يُعَكِّرُ عَلى التَّفْسِيرِ السّابِقِ عَكَرًا بَيِّنًا إذِ الآيَةُ عَلَيْهِ لا تَعَرُّضَ فِيها لِلْكافِرِ أصْلًا فَلا مَعْنى لِتِلاوَتِها إثْرَ ذَلِكَ الكَلامِ.
وعَمَّمَ بَعْضُهُمُ الأوْقاتِ في ﴿ نُصِيبُ ﴾ - ﴿ ولا نُضِيعُ ﴾ فَقالَ نُصِيبُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ بَلْ نُوَفِّي أُجُورَهم عاجِلًا وآجِلًا وأُيِّدَ بِأنَّهُ لا مُوجِبَ لِلتَّخْصِيصِ وأنَّ خَبَرَ سُفْيانَ يَدُلُّ عَلى العُمُومِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ مَن خَصَّ ذَلِكَ بِالدُّنْيا فَإنَّما خَصَّهُ لِيَكُونَ ما بَعْدَهُ تَأْسِيسًا وبِأنَّهُ لا دَلالَةَ لِلْخَبَرِ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن مَجْمُوعِ الآيَةِ وفِيهِ ما فِيهِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ ﴿ المُحْسِنِينَ ﴾ بِالصّابِرِينَ ولَعَلَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الرِّوايَةِ رَأى ذَلِكَ أوْفَقَ بِالمَقامِ وأيًّا ما كانَ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ في الآخِرَةِ أفْضَلُ مِمّا أعْطاهُ في الدُّنْيا مِنَ المُلْكِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ ﴾ مُمْتارِينَ لِما أصابَ أرْضَ كَنْعانَ وبِلادَ الشّامِ ما أصابَ مِصْرَ وقَدْ كانَ حَلَّ بِآلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما آلَ بِأهْلِها فَدَعا أبْناءَهُ ما عَدا بِنْيامِينَ فَقالَ لَهم: يا بَنِيَّ بَلَغَنِي أنَّ بِمِصْرَ مَلِكًا صالِحًا يَبِيعُ الطَّعامَ فَتَجَهَّزُوا إلَيْهِ واقْصِدُوهُ تَشْتَرُوا مِنهُ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ فَخَرَجُوا حَتّى قَدِمُوا مِصْرَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو في مَجْلِسِ وِلايَتِهِ فَعَرَفَهم لِقُوَّةِ فَهْمِهِ وعَدَمِ مُبايَنَةِ أحْوالِهِمُ السّابِقَةِ أحْوالَهم يَوْمَ المُفارَقَةِ لِمُفارَقَتِهِ إيّاهم وهم رِجالٌ وتَشابُهِ هَيْئاتِهِمْ وزِيِّهِمْ في الحالَيْنِ ولِكَوْنِ هِمَّتِهِ مَعْقُودَةً بِهِمْ وبِمَعْرِفَةِ أحْوالِهِمْ لا سِيَّما في زَمَنِ القَحْطِ ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُتَرَقِّبًا مَجِيئَهم إلَيْهِ لِما يَعْلَمُ مِن تَأْوِيلِ رُؤْياهُ ورُوِيَ أنَّهُمُ انْتَسَبُوا في الِاسْتِئْذانِ عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وأمَرَ بِإنْزالِهِمْ ولِذَلِكَ قالَ الحَسَنُ: ما عَرَفَهم حَتّى تَعَرَّفُوا إلَيْهِ وتُعُقِّبَ ذَلِكَ في الِانْتِصافِ بِأنَّ تَوْسِيطَ الفاءِ بَيْنَ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ ومَعْرِفَتِهِ لَهم يَأْبى كَلامَ الحَسَنِ ويَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ اسْتَعْقَبَهُ المَعْرِفَةُ بِلا مُهْلَةٍ وفِيهِ تَأمُّلٌ.
﴿ وهم لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾ .
(58) .
أيْ والحالُ أنَّهم مُنْكِرُونَ لَهُ لِنِسْيانِهِمْ لَهُ بِطُولِ العَهْدِ وتَبايُنِ ما بَيْنَ حالَيْهِ في نَفْسِهِ ومَنزِلَتِهِ وزِيِّهِ ولِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ هَلَكَ وقِيلَ: إنَّما لَمْ يَعْرِفُوهُ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْقَفَهم مَوْقِفَ ذَوِي الحاجاتِ بَعِيدًا مِنهُ وكَلَّمَهم بِالواسِطَةِ وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِمَحْضِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَخْلُقِ العِرْفانَ في قُلُوبِهِمْ تَحْقِيقًا لِما أخْبَرَ أنَّهُ سَيُنْبِئُهم بِأمْرِهِمْ وهم لا يَشْعُرُونَ فَكانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقابَلَ المَعْرِفَةَ بِالإنْكارِ عَلى ما هو الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ فَعَنِ الرّاغِبِ المَعْرِفَةُ والعِرْفانُ مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ بِتَفَكُّرٍ في إثْرِهِ فَهو أخَصُّ مِنَ العِلْمِ وأصْلُهُ مِن عَرَفْتُ أيْ أصَبْتُ عَرْفَهُ أيْ رائِحَتَهُ ويُضادُّ المَعْرِفَةَ الإنْكارُ والعِلْمُ والجَهْلُ وحَيْثُ كانَ إنْكارُهم لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمْرًا مُسْتَمِرًّا في حالَتَيِ المَحْضَرِ والمَغِيبِ أُخْبِرَ عَنْهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بِخِلافِ عِرْفانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ ﴾ أصْلَحَهم بِعُدَّتِهِمْ وأوْقَرَ رَكائِبَهم بِما جاءُوا لِأجْلِهِ ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما باعَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم حِمْلَ بِعِيرٍ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لا يَبِيعُ أحَدًا مِنَ المُمْتارِينَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ تَقْسِيطًا بَيْنَ النّاسِ وفِيما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ ما يُؤَيِّدُهُ وأصْلُ الجَهازِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ مِن زادٍ ومَتاعٍ وجَهازُ العَرُوسِ ما تُزَفُّ بِهِ إلى زَوْجِها والمَيِّتِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في دَفْنِهِ وقُرِئَ بِكَسْرِ الجِيمِ قالَ ﴿ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ ﴾ ولَمْ يَقُلْ بِأخِيكم مُبالَغَةً في إظْهارِ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ لَهم كَأنَّهُ لا يَدْرِي مَن هو ولَوْ أضافَهُ اقْتَضى مَعْرِفَتَهُ لِإشْعارِ الإضافَةِ بِهِ ومِن هُنا قالُوا في أرْسِلْ غُلامًا لَكَ: الغُلامُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وفي أرْسِلْ غُلامَكَ مَعْرُوفٌ بَيْنَكَ وبَيْنَ مُخاطِبِكَ عَهْدٌ فِيهِ ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما قالَ ذَلِكَ لِما قِيلَ: مِن أنَّهم سَألُوهُ حِمْلًا زائِدًا عَلى المُعْتادِ لِبِنْيامِينَ فَأعْطاهم ذَلِكَ وشَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْتُوهُ بِهِ مُظْهِرًا لَهم أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ صِدْقَهم وقِيلَ: إنَّهم لَمّا رَأوْهُ فَكَلَّمُوهُ بِالعِبْرِيَّةِ قالَ لَهم: مَن أنْتُمْ فَإنِّي أُنْكِرُكم فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ رُعاةٌ أصابَنا الجَهْدُ فَجِئْنا نَمْتارُ فَقالَ: لَعَلَّكم جِئْتُمْ عُيُونًا تَنْظُرُونَ عَوْرَةَ بِلادِي قالُوا: مَعاذَ اللَّهِ نَحْنُ إخْوَةٌ بَنُو أبٍ واحِدٍ وهو شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ قالَ: كَمْ أنْتُمْ قالُوا: كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ فَهَلَكَ مِنّا واحِدٌ فَقالَ: كَمْ أنْتُمْ ها هُنا قالُوا: عَشَرَةٌ قالَ: فَأيْنَ الحادِي عَشَرَ قالُوا: هو عِنْدَ أبِيهِ يَتَسَلّى بِهِ عَنِ الهالِكِ قالَ: فَمَن يَشْهَدُ لَكم أنَّكم لَسْتُمْ عُيُونًا وأنَّ ما تَقُولُونَ حَقٌّ قالُوا: نَحْنُ بِبِلادٍ لا يَعْرِفُنا فِيها أحَدٌ فَيَشْهَدُ لَنا قالَ: فَدَعُوا بَعْضَكم عِنْدِي رَهِينَةً وائْتَوِنِي بِأخِيكم مِن أبِيكم وهو يَحْمِلُ رِسالَةً مِن أبِيكم حَتّى أُصَدِّقَكم فاقْتَرَعُوا فَأصابَ القُرْعَةُ شَمْعُونَ وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي اخْتارَهُ لِأنَّهُ كانَ أحْسَنَهم رَأْيًا فِيهِ والمَشْهُورُ أنَّ الأحْسَنَ يَهُوذا فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ ومِن هَذا يُعْلَمُ سَبَبُ هَذا القَوْلِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ وُرُودُ الأمْرِ بِالإتْيانِ بِهِ عِنْدَ التَّجْهِيزِ ولا الحَثُّ عَلَيْهِ بِإيفاءِ الكَيْلِ ولا الإحْسانِ في الإنْزالِ ولا الِاقْتِصارِ عَلى مَنعِ الكَيْلِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ الرِّسالَةِ عَلى أنَّ اسْتِبْقاءَ شَمْعُونَ لَوْ وقَعَ لَكانَ ذَلِكَ طامَّةً يَنْسى عِنْدَها كُلَّ قِيلٍ وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ يُضْعِفُ الخَبَرَ اشْتِمالُهُ عَلى بُهْتُ إخْوَتِهِ يَجْعَلُهم جَواسِيسَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ عَنْ وحْيٍ.
وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّهُ إذا ظَنَّهم جَواسِيسَ كَيْفَ يَطْلُبُ مِنهم واحِدًا مِن إخْوَتِهِمْ وما في النَّظْمِ الكَرِيمِ يُخالِفُهُ وأطالَ في ذَلِكَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ: إنَّهم أوْلادُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ أخاهم وبِهِ يَتَّضِحُ الحالُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ جاءَ بِصُواعِ المَلِكِ الَّذِي كانَ يَشْرَبُ فِيهِ فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَ يَنْقُرُهُ ويَطِنُّ ويَنْقُرُهُ ويَطِنُّ فَقالَ: إنَّ هَذا الجامَ لَيُخْبِرُنِي خَبَرًا هَلْ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ وكانَ أبُوهُ يُحِبُّهُ دُونَكم وإنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ فَألْقَيْتُمُوهُ في الجُبِّ وأخْبَرْتُمْ أباكم أنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ وجِئْتُمْ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ: فَجَعَلَ بَعْضُهم يَنْظُرُ إلى بَعْضٍ ويَعْجَبُونَ أنَّ الجامَ يُخْبِرُ بِذَلِكَ وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِلْخَبَرِ السّابِقِ وفي البابِ أخْبارٌ أُخَرُ وكُلُّها مُضْطَرِبَةٌ فَلْيُقْصَرْ عَلى ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى مِمّا قالُوا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: ﴿ ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ ﴾ أُتِمُّهُ لَكم وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِ هَذا الكَلامِ بَعْدَ التَّجْهِيزِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ ﴿ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ ﴾ .
(59) .
جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أيْ ألا تَرَوْنَ أنِّي أوْفِ الكَيْلَ لَكم إيفاءً مُسْتَمِرًّا والحالُ أنِّي في غايَةِ الإحْسانِ في إنْزالِكم وضِيافَتِكم وكانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمُ التَّعْمِيمُ في الجُمْلَتَيْنِ بِحَيْثُ يَنْدَرِجُ في ذَلِكَ المُخاطَبُونَ وتَخْصِيصُ الرُّؤْيَةِ بِالإيفاءِ لِوُقُوعِ الخِطابِ في أثْنائِهِ وأمّا الإحْسانُ في الإنْزالِ فَقَدْ كانَ مُسْتَمِرًّا فَبِما سَبَقَ ولَحِقَ ولِذَلِكَ أُخْبِرَ عَنْهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ الِامْتِنانِ بَلْ لِحَثِّهِمْ عَلى تَحْقِيقِ ما أمَرَهم بِهِ والِاقْتِصارُ في الكَيْلِ عَلى ذِكْرِ الإيفاءِ لِأنَّ مُعامَلَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم في ذَلِكَ كَمُعامَلَتِهِ مَعَ غَيْرِهِمْ في مُراعاةِ مَواجِبِ العَدْلِ وأمّا الضِّيافَةُ فَلَيْسَ لِلنّاسِ فِيها حَقٌّ فَخَصَّهم في ذَلِكَ بِما يَشاءُ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ﴾ إيعادٌ لَهم عَلى عَدَمِ الإتْيانِ بِهِ والمُرادُ لا كَيْلَ لَكم في المَرَّةِ الأُخْرى فَضْلًا عَنْ إيفائِهِ ﴿ ولا تَقْرَبُونِ ﴾ .
(60) .
أيْ لا تَقْرَبُونِي بِدُخُولِ بِلادِي فَضْلًا عَنِ الإحْسانِ في الإنْزالِ والضِّيافَةِ وهو إمّا نَهْيٌ أوْ نَفْيٌ مَعْطُوفٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ عَلى الجَزاءِ وقِيلَ: وهو عَلى الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ لِئَلّا يَلْزَمَ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ وأُجِيبَ بِأنَّ العَطْفَ مُغْتَفَرٌ فِيهِ لِأنَّ النَّهْيَ يَقَعُ جَزاءً وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كانُوا عَلى نِيَّةِ الِامْتِيارِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى وأنَّ ذَلِكَ كانَ مَعْلُومًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ والظّاهِرُ أنَّ ما فَعَلَهُ مَعَهم كانَ بِوَحْيٍ وإلّا فالبِرُّ يَقْتَضِي أنْ يُبادِرَ إلى أبِيهِ ويَسْتَدْعِيَهُ لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أرادَ تَكْمِيلَ أجْرِ يَعْقُوبَ في مِحْنَتِهِ وهو الفَعّالُ لِما يُرِيدُ في خَلِيفَتِهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ ﴾ أيْ سَنُخادِعُهُ ونَسْتَمِيلُهُ بِرِفْقٍ ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِزِّ المَطْلَبِ وصُعُوبَةِ مَنالِهِ ﴿ وإنّا لَفاعِلُونَ ﴾ .
(61) .
أيْ إنّا لَقادِرُونَ عَلى ذَلِكَ لا نَتَعايا بِهِ وإنّا لَفاعِلُونَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ ولا نُفَرِّطُ فِيهِ ولا نَتَوانى والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ تَذْيِيلٌ يُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الأُولى ويُحَقِّقُ حُصُولَ المَوْعُودِ مِن إطْلاقِ المُسَبَّبِ أعْنِي الفِعْلَ عَلى السَّبَبِ أعْنِي القُدْرَةَ وعَلى الثّانِي هي تَحْقِيقٌ لِلْوَفاءِ بِالوَعْدِ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْعُودَ يَحْصُلُ أوَّلًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وقالَ ﴾ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ لِفِتْيانِهِ ﴾ لِغِلْمانِهِ الكَيّالِينَ كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ أوْ لِأعْوانِهِ المُوَظِّفِينَ لِخِدْمَتِهِ كَما قِيلَ وهو جَمْعُ فَتًى أوِ اسْمُ جَمْعٍ لَهُ عَلى قَوْلٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ ( لِفِتْيَتِهِ ) وهو جَمْعُ قِلَّةٍ لَهُ ورُجِّحَتِ القِراءَةُ الأُولى بِأنَّها أوْفَقُ بِقَوْلِهِ: ﴿ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ ﴾ فَإنَّ الرِّحالَ فِيهِ جَمْعُ كَثْرَةٍ ومُقابَلَةُ الجَمْعِ بِالجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسامَ الآحادِ عَلى الآحادِ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في مُقابَلَةِ صِيغَةِ جَمْعِ الكَثْرَةِ وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى يُسْتَعارُ أحَدُ الجَمْعَيْنِ لِلْآخَرِ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَلَ بِكُلِّ رَحْلٍ رَجُلًا يُعَبِّي فِيهِ بِضاعَتَهُمُ الَّتِي اشْتَرَوْا بِها الطَّعامَ وكانَتْ نِعالًا وأُدْمًا وأصْلُ البِضاعَةِ قِطْعَةٌ وافِرَةٌ مِنَ المالِ تُقْتَنى لِلتِّجارَةِ والمُرادُ بِها هُنا ثَمَنُ ما اشْتَرَوْهُ.
والرَّحْلُ ما عَلى ظَهَرَ المَرْكُوبُ مِن مَتاعِ الرّاكِبِ وغَيْرُهُ كَما في البَحْرِ وقالَ الرّاغِبُ: هو ما يُوضَعُ عَلى البَعِيرِ لِلرُّكُوبِ ثُمَّ يُعَبَّرُ بِهِ تارَةً عَنِ البَعِيرِ وأُخْرى عَمّا يُجْلَسُ عَلَيْهِ في المَنزِلِ ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أرْحِلَةٍ والظّاهِرُ أنَّ هَذا الأمْرَ كانَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ وقِيلَ: قَبْلَهُ فَفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ ولا حاجَةَ إلَيْهِ وإنَّما فَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ وخَوْفًا أنْ لا يَكُونَ عِنْدَ أبِيهِ ما يَرْجِعُونَ بِهِ مَرَّةً أُخْرى وكُلُّ ذَلِكَ لِتَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ مِن رُجُوعِهِمْ بِأخِيهِمْ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها ﴾ أيْ يَعْرِفُونَ حَقَّ رَدِّها والتَّكَرُّمِ بِذَلِكَ فَلَعَلَّ عَلى ظاهِرِها وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لِكَيْ يَعْرِفُوها فَلا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ وهو ظاهِرُ التَّعَلُّقِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إذا انْقَلَبُوا ﴾ أيْ رَجَعُوا ﴿ إلى أهْلِهِمْ ﴾ فَإنَّ مَعْرِفَتَهم لَها مُقَيَّدَةٌ بِالرُّجُوعِ وتَفْرِيغِ الأوْعِيَةِ قَطْعًا وأمّا مَعْرِفَةُ حَقِّ التَّكَرُّمِ في رَدِّها وإنْ كانَتْ في ذاتِها غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِذَلِكَ لَكِنْ لَمّا كانَ ابْتِداؤُها حِينَئِذٍ قُيِّدَتْ بِهِ ﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ .
(62) .
حَسْبَما طَلَبْتُ مِنهم فَإنَّ التَّفَضُّلَ بِإعْطاءِ البَدَلَيْنِ ولا سِيَّما عِنْدَ إعْوازِ البِضاعَةِ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى الرُّجُوعِ وقِيلَ: إنَّما فَعَلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما أنَّهُ لَمْ يَرَ مِنَ الكَرَمِ أنْ يَأْخُذَ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ ثَمَنًا وهو الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ وهو كَلامٌ حَقٌّ في نَفْسِهِ ولَكِنْ يَأْباهُ التَّعْلِيلُ المَذْكُورُ ومِثْلُهُ في هَذا ما زَعَمَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن وُجُوبِ صِلَتِهِمْ وجَبْرِهِمْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في تِلْكَ الشِّدَّةِ إذْ هو مَلِكٌ عادِلٌ وهم أهْلُ إيمانٍ ونُبُوَّةٍ وأغْرَبُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِجَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ لِمَن يَتَأمَّلُ القِصَّةَ ووَجَّهَ بَعْضُهم عَلَيْهِ الجَعْلَ المَذْكُورَ لِلرُّجُوعِ بِأنَّ دِيانَتَهم تَحْمِلُهم عَلى رَدِّ البِضاعَةِ لِاحْتِمالِ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ قَصْدًا أوْ قَصْدًا لِلتَّجْرِبَةِ فَيَرْجِعُونَ عَلى هَذا إمّا لازِمٌ وإمّا مُتَعَدٍّ والمَعْنى يُرْجِعُونَها أيْ يَرُدُّونَها وفِيهِ أنَّ هَيْئَةَ التَّعْبِيَةِ تُنادِي بِأنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ فاحْتِمالُ غَيْرِهِ في غايَةِ البُعْدِ ألا تَرى أنَّهم كَيْفَ جَزَمُوا بِذَلِكَ حِينَ رَأوْها وجَعَلُوا ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى التَّفَضُّلاتِ السّابِقَةِ كَما سَتُحِيطُ بِهِ خُبْرًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ ﴾ أيْ حُكِمَ بِمَنعِهِ بَعْدَ اليَوْمِ إنْ لَمْ نَذْهَبْ بِأخِينا بِنْيامِينَ حَيْثُ قالَ لَنا المَلِكُ ( إنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ) والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ عَمّا ذُكِرَ مَجازٌ والدّاعِي لِارْتِكابِهِ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ مَنعٌ ماضٍ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى كَوْنِ الِامْتِيارِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى كانَ مَعْهُودًا بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: إنَّ الفِعْلَ عَلى حَقِيقَتِهِ والمُرادُ مُنِعَ أنْ يُكالَ لِأخِيهِمُ الغائِبِ حِمْلًا آخَرَ ورُدَّ بِعِيرُهُ غَيْرَ مُحَمَّلٍ بِناءً عَلى رِوايَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُعْطِ لَهُ وسْقًا ﴿ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا ﴾ بِنْيامِينَ إلى مِصْرَ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ مَدارَ المَنعِ عَلى عَدَمِ كَوْنِهِ مَعَهم ﴿ نَكْتَلْ ﴾ أيْ مِنَ الطَّعامِ ما نَحْتاجُ إلَيْهِ وهو جَوابُ الطَّلَبِ قِيلَ: والأصْلُ يَرْفَعُ المانِعَ ونَكْتَلْ فالجَوابُ هو يَرْفَعُ إلّا أنَّهُ رُفِعُ ووُضِعَ مَوْضِعَهُ يَكْتَلْ لِأنَّهُ لَمّا عُلِّقَ المَنعُ مِنَ الكَيْلِ بِعَدَمِ إتْيانِ أخِيهِمْ كانَ إرْسالُهُ رَفْعًا لِذَلِكَ المانِعِ ووُضِعَ مَوْضِعُهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ المَقْصُودُ وقِيلَ: إنَّهُ جِيءَ بِآخِرِ الجُزْأيْنِ تَرَتُّبًا دَلالَةً عَلى أوَّلِهِما مُبالَغَةً وأصْلُ هَذا الفِعْلِ نَكْتِيلُ عَلى وزْنِ نَفْعِيلٍ قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها ثُمَّ حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ومِنَ الغَرِيبِ أنَّهُ نَقَلَ السَّجاوَنْدِيُّ أنَّهُ سَألَ المازِنِيُّ ابْنَ السِّكِّيتِ عِنْدَ الواثِقِ عَنْ وزْنِ نَكْتَلْ فَقالَ: تَفْعَلُ فَقالَ المازِنِيُّ: فَإذا ماضِيهِ كُتَلْ فَخَطَّأهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يَكْتَلْ ) بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى إسْنادِهِ لِلْأخِ مَجازًا لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلِاكْتِيالِ أوْ يَكْتَلْ أخُونا فَيَنْضَمَّ اكْتِيالُهُ إلى اكْتِيالِنا وقَوّى أبُو حَيّانَ بِهَذِهِ القِراءَةِ القَوْلَ بِبَقاءِ مُنِعَ عَلى حَقِيقَتِهِ ومِثْلُهُ الإمامُ ﴿ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ .
(63) .
مِن أنْ يُصِيبَهُ مَكْرُوهٌ وهَذا سَدٌّ لِبابِ الِاعْتِذارِ وقَدْ بالَغُوا في ذَلِكَ كَما لا يَخْفى وفي بَعْضِ الأخْبارِ ولا يَخْفى حالُهُ أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلى أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ سَلَّمُوا عَلَيْهِ سَلامًا ضَعِيفًا فَقالَ لَهم: يا بَنِيَّ ما لَكم تُسَلِّمُونَ عَلَيَّ سَلامًا ضَعِيفًا وما لِي لا أسْمَعُ فِيكم صَوْتَ شَمْعُونَ فَقالُوا: يا أبانا جِئْناكَ مِن عِنْدِ أعْظَمِ النّاسِ مُلْكًا ولَمْ يُرَ مِثْلُهُ عِلْمًا وحُكْمًا وخُشُوعًا وسَكِينَةً ووَقارًا ولَئِنْ كانَ لَكَ شَبَهٌ فَإنَّهُ يُشْبِهُكَ ولَكِنّا أهْلُ بَيْتٍ خُلِقْنا لِلْبَلاءِ إنَّهُ اتَّهَمَنا وزَعَمَ أنَّهُ لا يُصَدِّقُنا حَتّى تُرْسِلَ مَعَنا بِنْيامِينَ بِرِسالَةٍ مِنكَ تُخْبِرُهُ عَنْ حُزْنِكَ وما الَّذِي أحْزَنَكَ وعَنْ سُرْعَةِ الشَّيْبِ إلَيْكَ وذَهابِ بَصَرِكَ وقَدْ مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فِيما يُسْتَقْبَلُ إنْ لَمْ نَأْتِهِ بِأخِينا فَأرْسِلْهُ مَعَنا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ حَتّى نَأْتِيَكَ بِهِ <div class="verse-tafsir"
قالَ ﴿ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ و ﴿ آمَنُكُمْ ﴾ بِالمَدِّ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعِ النُّونِ مُضارِعٌ مِن بابِ عَلِمَ وأمِنَهُ وائْتَمَنَهُ بِمَعْنًى أيْ ما ائْتَمَنكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم أيْ إلّا ائْتِمانًا مِثْلَ ائْتِمانِي إيّاكم عَلى أخِيهِ يُوسُفَ ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ وقَدْ قُلْتُمْ أيْضًا في حَقِّهِ ما قُلْتُمْ ثُمَّ فَعَلْتُمْ بِهِ ما فَعَلْتُمْ فَلا أثِقُ بِكم ولا بِحِفْظِكم وإنَّما أُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ تَعالى ﴿ فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ .
(64) .
فَأرْجُو أنْ يَرْحَمَنِي بِحِفْظِهِ ولا يَجْمَعَ عَلَيَّ مُصِيبَتَيْنِ وهَذا كَما تَرى مَيْلٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الإذْنِ والإرْسالِ لَمّا رَأى فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ وفِيهِ أيْضًا مِنَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى ما لا يَخْفى ولِذا رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: وعِزَّتِي وجَلالِي لَأرُدَّهُما عَلَيْكَ إذْ تَوَكَّلْتَ عَلَيَّ ونُصِبَ ﴿ حافِظًا ﴾ عَلى التَّمْيِيزِ نَحْوَ لِلَّهِ دَرُّهُ فارِسًا وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ عَلى الحالِيَّةِ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِما فِيهِ مِن تَقْيِيدِ الخَيْرِيَّةِ بِهَذِهِ الحالَةِ ورُدَّ بِأنَّها حالٌ لازِمَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لا مُبَيِّنَةٌ ومِثْلُها كَثِيرٌ مَعَ أنَّهُ قَوْلٌ بِالمَفْهُومِ وهو غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ولَوِ اعْتُبِرَ ورُدَّ عَلى التَّمْيِيزِ وفِيهِ نَظَرٌ وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ ( حِفْظًا ) ونَصْبُهُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ عَلى التَّمْيِيزِ لا غَيْرَ وقَرَأ الأعْمَشُ ( خَيْرُ حافِظٍ ) عَلى الإضافَةِ وإفْرادُ ( حافِظٍ ) وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ ( خَيْرُ الحافِظِينَ ) عَلى الإضافَةِ والجَمْعِ ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو خَيْرُ الحافِظِينَ ) قالَ أبُو حَيّانَ: ويَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ جُمْلَةُ ( وهو خَيْرُ ) ..
إلَخْ تَفْسِيرًا لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها لا أنَّها قُرْآنٌ وقَدْ مَرَّ تَعْلِيلُ ذَلِكَ
﴿ ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ ﴾ قالَ الرّاغِبُ: المَتاعُ كُلُّ ما يُنْتَفَعُ بِهِ عَلى وجْهٍ وهو في الآيَةِ الطَّعامُ وقِيلَ: الوِعاءُ وكِلاهُما مَتاعٌ وهُما مُتَلازِمانِ فَإنَّ الطَّعامَ كانَ في الوِعاءِ والمَعْنى عَلى أنَّهم لَمّا فَتَحُوا أوْعِيَةَ طَعامِهِمْ ﴿ وجَدُوا بِضاعَتَهُمْ ﴾ الَّتِي كانُوا أعْطَوْها ثَمَنًا لِلطَّعامِ ﴿ رُدَّتْ إلَيْهِمْ ﴾ أيْ تَفَضُّلًا وقَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ بِما مَرَّ مِن دَلالَةِ الحالِ وقَرَأ عَلْقَمَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ( رِدَّتْ ) بِكَسْرِ الرّاءِ وذَلِكَ أنَّهُ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الدّالِ المُدْغَمَةِ إلى الرّاءِ بَعْدَ تَوَهُّمِ خُلُوِّها مِنَ الضَّمَّةِ وهي لُغَةٌ لِبَنِي ضَبَّةَ كَما نَقَلَتِ العَرَبُ في قِيلَ وبِيعَ وحَكى قُطْرُبٌ النَّقْلَ في الحَرْفِ الصَّحِيحِ غَيْرِ المُدْغَمِ نَحْوَ ضِرِبَ زَيْدٌ.
﴿ قالُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا حِينَئِذٍ فَقِيلَ: قالُوا لِأبِيهِمْ ولَعَلَّهُ كانَ حاضِرًا عِنْدَ الفَتْحِ ﴿ يا أبانا ما نَبْغِي ﴾ إذا فُسِّرَ البَغْيُّ بِمَعْنى الطَّلَبِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ فَما يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً مَنصُوبَةَ المَحَلِّ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِنَبْغِي فالمَعْنى ماذا نَطْلُبُ وراءَ ما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ إلَيْنا وكَرَمِهِ الدّاعِي إلى امْتِثالِ أمْرِهِ والمُراجَعَةِ إلَيْهِ في الحَوائِجِ وقَدْ كانُوا أخْبَرُوهُ بِذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ أنَّهم قالُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنّا قَدِمْنا عَلى خَيْرِ رَجُلٍ وأنْزَلَنا وأكْرَمَنا كَرامَةً لَوْ كانَ رَجُلًا مِن آلِ يَعْقُوبَ ما أكْرَمَنا كَرامَتَهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الإنْكارُ مِن بُلُوغِ اللُّطْفِ غايَتَهُ كَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ لا وهَذِهِ بِضاعَتُنا رَدَّها إلَيْنا تَفَضُّلًا مِن حَيْثُ لا نَدْرِي بَعْدَ ما مَنَّ عَلَيْنا بِما يُثْقِلُ الكَواهِلَ مِنَ المِنَنِ العِظامِ وهَلْ مِن مَزِيدٍ عَلى هَذا فَنَطْلُبُهُ ومُرادُهم بِهِ أنَّ ذَلِكَ كافٍ في اسْتِيجابِ الِامْتِثالِ لِأمْرِهِ والِالتِجاءِ إلَيْهِ في اسْتِجْلابِ المَزِيدِ ولَمْ يُرِيدُوا أنَّهُ كافٍ مُطْلَقًا فَيَنْبَغِي التَّقاعُدُ عَنْ طَلَبِ نَظائِرِهِ وهو ظاهِرٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ رُدَّتْ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿ بِضاعَتُنا ﴾ بِتَقْدِيرِ قَدْ عِنْدَ مَن يَرى وُجُوبَها في أمْثالِ ذَلِكَ والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ وجَعْلُها خَبَرَ ﴿ هَذِهِ ﴾ و ﴿ بِضاعَتُنا ﴾ بَيانًا لَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ وإيثارُ صِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ قِيلَ: لِلْإيذانِ بِكَمالِ الإحْسانِ النّاشِئِ عَنْ كَمالِ الإخْفاءِ المَفْهُومِ مِن كَمالِ غَفْلَتِهِمْ عَنْهُ بِحَيْثُ لَمْ يَشْعُرُوا بِهِ ولا بِفاعِلِهِ وقِيلَ: لِلْإيذانِ بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ وفِيهِ مِن مَدْحِهِ أيْضًا ما فِيهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ونَمِيرُ أهْلَنا ﴾ أيْ نَجْلِبُ لَهُمُ المِيرَةَ وهي بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الياءِ طَعامٌ يَمْتارُهُ الإنْسانُ أيْ يَجْلِبُهُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ وحاصِلُهُ نَجْلِبُ لَهُمُ الطَّعامَ مِن عِنْدِ المَلِكِ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ رَدُّ البِضاعَةِ أيْ فَنَسْتَظْهِرُ بِها ونُمَيْرُ أهْلَنا ﴿ ونَحْفَظُ أخانا ﴾ مِنَ المَكارِهِ حَسْبَما وعَدْنا وتَفَرُّعُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ بِاعْتِبارِ دَلالَتِهِ عَلى إحْسانِ المَلِكِ فَإنَّهُ مِمّا يُعِينُ عَلى الحِفْظِ ﴿ ونَزْدادُ ﴾ أيْ بِواسِطَتِهِ ولِذَلِكَ وسَّطَ الإخْبارَ بِهِ بَيْنَ الأصْلِ والمَزِيدِ ﴿ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ أيْ وسْقَ بَعِيرٍ زائِدًا عَلى أوَساقِ أباعِرِنا عَلى قَضِيَّةِ التَّقْسِيطِ المَعْهُودِ مِنَ المَلِكِ والبَعِيرُ في المَشْهُورِ مُقابِلُ النّاقَةِ وقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْها وتُكْسَرُ في لُغَةٍ باؤُهُ ويُجْمَعُ عَلى أبْعِرَةٍ وبِعِرانٍ وأباعِرَ وعَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ هُنا بِالحِمارِ وذُكِرَ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ لِلْحِمارِ بَعِيرٌ وهو شاذٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ذَلِكَ كَيْلٌ ﴾ أيْ مَكِيلٌ ﴿ يَسِيرٌ ﴾ .
(65) .
أيْ قَلِيلٌ لا يَقُومُ بِأوَدِنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما كِيلَ لَهم أوَّلًا والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِها لِلْجَوابِ عَمّا عَسى أنْ يُقالَ لَهم: قَدْ صَدَقْتُمْ فِيما قُلْتُمْ ولَكِنْ ما الحاجَةُ إلى التِزامِ ذَلِكَ وقَدْ جِئْتُمْ بِالطَّعامِ فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّ ما جِئْنا بِهِ غَيْرُ كافٍ لَنا فَلا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ مَرَّةً أُخْرى وأخْذِ مِثْلِ ذَلِكَ مَعَ زِيادَةٍ ولا يَكُونُ ذَلِكَ بِدُونِ اسْتِصْحابِ أخِينا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما تَحْمِلُهُ أباعِرُهم والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِما سَبَقَ مِنَ الِازْدِيادِ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ حاجَةٍ إلى الِازْدِيادِ فَقِيلَ: إنَّ ما تَحْمِلُهُ أباعِرُنا قَلِيلٌ لا يَكْفِينا وقِيلَ: المَعْنى إنَّ ذَلِكَ الكَيْلَ الزّائِدَ قَلِيلٌ لا يُضايِقُنا فِيهِ المَلِكُ أوْ سَهْلٌ عَلَيْهِ لا يَتَعاظَمُهُ وكَأنَّ الجُمْلَةَ عَلى هَذا اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِدَفْعِ ما يُقالُ: لَعَلَّ المَلِكَ لا يُعْطِيكم فَوْقَ العَشَرَةِ شَيْئًا ويَرى ذَلِكَ كَثِيرًا أوْ صَعْبًا عَلَيْهِ وهو كَما تَرى وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى الكَيْلِ الَّذِي هم بِصَدَدِهِ وتَضَمُّنُهُ كَلامُهم وهو المُنْضَمُّ إلَيْهِ كَيْلُ البَعِيرِ الحاصِلُ بِسَبَبِ أخِيهِمُ المُتَعَهَّدِ بِحِفْظِهِ كَأنَّهم لَمّا ذَكَرُوا ما ذَكَرُوا وصَرَّحُوا بِما يُفْهَمُ مِنهُ مُبالَغَةٌ في اسْتِنْزالِ أبِيهِمْ فَقالُوا: ذَلِكَ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ كَيْلٌ سَهْلٌ لا مَشَقَّةَ فِيهِ ولا مِحْنَةَ تَتْبَعُهُ وقَدْ يَبْقى الكَيْلُ عَلى مَعْناهُ المَصْدَرِيِّ والكَلامُ عَلى هَذا الطَّرْزِ إلّا يَسِيرًا.
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ذَلِكَ مِن كَلامِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ والإشارَةُ إلى كَيْلِ البَعِيرِ أيْ كَيْلُ بَعِيرٍ واحِدٍ شَيْءٌ قالَ لا يُخاطَرُ لِمِثْلِهِ بِالوَلَدِ وكانَ الظّاهِرُ عَلى هَذا ذِكْرَهُ مَعَ كَلامِهِ السّابِقِ أوِ اللّاحِقِ وقِيلَ: مَعْنى ﴿ ما نَبْغِي ﴾ أيَّ مَطْلَبٍ نَطْلُبُ مِن مُهِمّاتِنا والجُمَلُ الواقِعَةُ بَعْدَهُ تَوْضِيحٌ وبَيانٌ لِما يُشْعِرُ بِهِ الإنْكارُ مِن كَوْنِهِمْ فائِزِينَ بِبَعْضِ المَطالِبِ أوْ مُتَمَكِّنِينَ مِن تَحْصِيلِهِ فَكَأنَّهم قالُوا: هَذِهِ بِضاعَتُنا حاضِرَةٌ فَنَسْتَظْهِرُ بِها ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا مِنَ المَكْرُوهِ ونَزْدادُ بِسَبَبِهِ غَيْرَ ما نَكْتالُهُ لِأنْفُسِنا كَيْلَ بَعِيرٍ فَأيُّ شَيْءٍ نَبْغِي وراءَ هَذِهِ المُباغِي وما ذَكَرْنا مِنَ العَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ هو المَشْهُورُ وفي الكَشْفِ لَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ ( نَمِيرُ ) وما تَلاهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ ﴿ ما نَبْغِي ﴾ والمَعْنى اجْتِماعُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ مِنهم في الوُجُودِ ولا يَحْتاجُ إلى جامِعٍ وراءَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِما مَحْكِيَّيْنِ قَوْلًا لَهم عَلى أنَّهُ حاصِلٌ لِاشْتِراكِ الكُلِّ في كَوْنِهِ لِاسْتِنْزالِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ رَأْيِهِ وأنَّ المَلِكَ إذا كانَ مُحْسِنًا كانَ الحِفْظُ أهْوَنَ شَيْءٍ والِاسْتِفْهامُ لِرُجُوعِهِ إلى النَّفْيِ لا يَمْنَعُ العَطْفَ ووافَقَهُ في ذَلِكَ بَعْضُهم.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو حَيْوَةَ ( ما تَبْغِي ) بِتاءِ الخِطابِ ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والخِطابُ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ والمَعْنى أيُّ شَيْءٍ وراءَ هَذِهِ المُباغِي المُشْتَمِلَةِ عَلى سَلامَةِ أخِينا وسِعَةِ ذاتِ أيْدِينا أوْ وراءَ ما فَعَلَ المَلِكُ مِنَ الإحْسانِ داعِيًا إلى التَّوَجُّهِ إلَيْهِ والجُمْلَةُ المُسْتَأْنَفَةُ مُوَضِّحَةٌ أيْضًا لِذَلِكَ أوْ أيُّ شَيْءٍ تَبْغِي شاهِدًا عَلى صِدْقِنا فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِهِ والجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ عِبارَةٌ عَنِ الشّاهِدِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِفَحْوى الإنْكارِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ( ما ) نافِيَةً ومَفْعُولُ ﴿ نَبْغِي ﴾ مَحْذُوفٌ أيْ ما نَبْغِي شَيْئًا غَيْرَ ما رَأيْناهُ مِن إحْسانِ المَلِكِ في وُجُوبِ المُراجَعَةِ إلَيْهِ أوْ ما نَبْغِي غَيْرَ هَذِهِ المُباغِي والقَوْلُ بِأنَّ المَعْنى ما نَبْغِي مِنكَ بِضاعَةً أُخْرى نَشْتَرِي بِها ضَعِيفٌ والجُمْلَةُ المُسْتَأْنَفَةُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ تَعْلِيلٌ لِلنَّفْيِ وأمّا إذا فُسِّرَ البَغْيُ بِمُجاوَزَةِ الحَدِّ فَما نافِيَةٌ فَقَطْ والمَعْنى ما نَبْغِي في القَوْلِ ولا نَكْذِبُ فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ إلَيْنا وكَرْمِهِ المُوجِبِ لِما ذُكِرَ والجُمْلَةُ المُسْتَأْنَفَةُ لِبَيانِ ما ادَّعَوْا مِن عَدَمِ البَغْيِ وقَوْلُهُ: ﴿ ونَمِيرُ ﴾ ..
إلَخْ عَطْفٌ عَلى ﴿ ما نَبْغِي ﴾ أيْ لا نَبْغِي فِيما نَقُولُ ونُمَيْرُ ونَفْعَلُ كَيْتَ وكَيْتَ فاجْتَمَعَ أسْبابُ الإذْنِ في الإرْسالِ والأوَّلُ كالتَّمْهِيدِ والمُقَدَّمَةُ لِلْبَواقِي والتَّناسُبُ مِن هَذا الوَجْهِ لِأنَّ الكُلَّ مُتَشارِكَةٌ في أنَّ المَطْلُوبَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْها بِوَجْهٍ ما عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ الِاجْتِماعِ في المَقُولِيَّةِ لَكَفى عَلى ما مَرَّ آنِفًا عَنِ الكَشْفِ.
وجُوِّزَ كَوْنُهُ كَلامًا ما مُبْتَدَأً أيْ جُمْلَةٌ تُذْيِيلِيَّةٌ اعْتِراضِيَّةٌ كَقَوْلِكَ: فُلانٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ والحَقُّ أبْلَجُ كَأنَّهُ قِيلَ: ويَنْبَغِي أنْ نَمِيرَ ووَجْهُ التَّأْكِيدِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّذْيِيلُ أنَّ المَعْنى أنَّ المَلِكَ مُحْسِنٌ ونَحْنُ مُحْتاجُونَ فَفِيمَ التَّوَقُّفُ في الإرْسالِ وقَدْ تَأكَّدَ مُوَجِباهُ وقالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ: إنَّما صَحَّ التَّأْكِيدُ والتَّذْيِيلُ لِأنَّ الكَلامَ في الِامْتِيارِ وكُلٌّ مِنَ الجُمَلِ بِمَعْناهُ أوِ المَعْنى ﴿ ما نَبْغِي ﴾ في الرَّأْيِ وما نَعْدِلُ عَنِ الصَّوابِ فِيما نُشِيرُ بِهِ عَلَيْكَ مِن إرْسالِ أخِينا مَعَنا والجُمَلُ كُلُّها لِلْبَيانِ أيْضًا إلّا أنَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ أيْ بِضاعَتُنا حاضِرَةٌ نَسْتَظْهِرُ بِها ونَمِيرُ أهْلَنا ونَصْنَعُ كَيْتَ وذَيْتَ وهو عَلى ما قِيلَ: وجْهٌ واضِحٌ حَسَنٌ يُلائِمُ ما كانُوا فِيهِ مَعَ أبِيهِمْ فَتَأمَّلْ هَذا وقَرَأتْ عائِشَةُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ﴿ ونَمِيرُ ﴾ بِضَمِّ النُّونِ وقَدْ جاءَ مارَ عِيالَهُ وأمارَهم بِمَعْنًى كَما في القامُوسِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ ﴾ بَعْدَ أنْ عايَنْتُ مِنكم ما أجْرى المَدامِعَ ﴿ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ حَتّى تُعْطُونِي ما أتَوَثَّقُ بِهِ مِن جِهَتِهِ فالمَوْثِقُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى المَفْعُولِ وأرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَحْلِفُوا لَهُ بِاللَّهِ تَعالى وإنَّما جَعَلَ الحَلِفَ بِهِ سُبْحانَهُ مَوْثِقًا مِنهُ لِأنَّهُ مِمّا تُؤَكَّدُ العُهُودُ بِهِ وتُشَدَّدُ وقَدْ أذِنَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ فَهو إذْنٌ مِنهُ تَعالى شَأْنُهُ ﴿ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مُضْمَرٍ إذِ المَعْنى حَتّى تَحْلِفُوا بِاللَّهِ وتَقُولُوا واللَّهِ لَنَأْتِيَنَّكَ بِهِ.
وفِي مَجْمَعِ البَيانِ نَقْلًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنهم أنْ يَحْلِفُوا بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاتَمِ النَّبِيِّينَ وسَيِّدِ المُرْسَلِينَ والظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّةِ الخَبَرِ وذَكَرَ العِمادِيُّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم: قُولُوا بِاللَّهِ رَبِّ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَنَأْتِيَنَّكَ بِهِ ﴿ إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ ﴾ أيْ إلّا أنْ تُغْلَبُوا فَلا تُطِيقُوا ذَلِكَ أوْ إلّا أنْ تَهْلَكُوا جَمِيعًا وكِلاهُما مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ واسْتِعْمالُهُ في الهَلاكِ لِأنَّ مَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ فَقَدْ هَلَكَ غالِبًا والِاسْتِثْناءُ قِيلَ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ والتَّقْدِيرُ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ عَلى كُلِّ حالٍ إلّا حالَ الإحاطَةِ بِكم ورُدَّ بِأنَّ المَصْدَرَ مِن ( أنْ ) والفِعْلِ لا يَقَعُ مَوْقِعَ الحالِ كالمَصْدَرِ الصَّرِيحِ فَيَجُوزُ جِئْتُكَ رَكْضًا أيْ راكِضًا دُونَ جِئْتُكَ أنْ تَرْكُضَ وإنْ كانَ في تَأْوِيلِهِ لِما أنَّ الحالَ عِنْدَهم نَكِرَةٌ و( أنْ ) مَعَ ما في حَيِّزِها مَعْرِفَةٌ في رُتْبَةِ الضَّمِيرِ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالحالِ الحالَ المُصْطَلَحَ عَلَيْها بَلِ الحالُ اللُّغَوِيَّةُ ويَؤُولُ ذَلِكَ إلى نَصْبِ المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وفِيهِ نَظَرٌ وفي البَحْرِ أنَّهُ لَوْ قُدِّرَ كَوْنُ أنْ والفِعْلِ في مَوْقِعِ المَصْدَرِ الواقِعِ ظَرْفَ زَمانٍ أيْ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ في كُلِّ وقْتٍ إلّا إحاطَةً بِكم أيْ إلّا وقْتَ إحاطَةٍ بِكم لَمْ يَجُزْ عِنْدَ ابْنِ الأنْبارِيِّ لِأنَّهُ يَمْنَعُ وُقُوعَ المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ ظَرْفًا ويَشْتَرِطُ المَصْدَرَ الصَّرِيحَ فَيَجُوزُ خَرَجْنا صِياحَ الدِّيكِ دُونَ خَرَجْنا أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ أوْ ما يَصِيحُ الدِّيكُ وجازَ عِنْدَ ابْنِ جِنِّيٍّ المُجَوِّزِ لِذاكَ كَما في قَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ: وتاللَّهِ ما إنَّ شَهْلَةَ أُمَّ واحِدٍ بِأوْجَدَ مِنِّي أنْ يُهانَ صَغِيرُها وقِيلَ: مِن أعَمِّ العِلَلِ عَلى تَأْوِيلِ الكَلامِ بِالنَّفْيِ الَّذِي يَنْساقُ إلَيْهِ أيْ لَتَأْتُنَّنِي ولا تَمْتَنِعُنَّ مِنَ الإتْيانِ بِهِ إلّا الإحاطَةَ بِكم كَقَوْلِهِمْ: أقْسَمْتُ عَلَيْكَ إلّا فَعَلْتَ أيْ ما أطْلُبُ إلّا فِعْلَكَ والظّاهِرُ اعْتِبارُ التَّأْوِيلِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيْضًا فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ فِيهِ مُفَرَّغٌ كَما عَلِمْتَ وهو لا يَكُونُ في الإثْباتِ إلّا إذا كانَ صَحَّ وظَهَرَ إرادَةُ العُمُومِ فِيهِ نَحْوَ قَرَأْتُ إلّا يَوْمَ الجُمُعَةِ لِإمْكانِ القِراءَةِ في كُلِّ يَوْمٍ غَيْرَ الجُمُعَةِ وهُنا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ لِإخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَأْتُوا بِأخِيهِمْ في كُلِّ وقْتٍ وعَلى كُلِّ حالٍ سِوى وقْتِ الإحاطَةِ بِهِمْ لِظُهُورِ أنَّهم لا يَأْتُونَ بِهِ لَهُ وهو في الطَّرِيقِ أوْ في مِصْرَ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ وأنَّ العُمُومَ والِاسْتِغْراقَ فِيهِ عُرْفِيٌّ أيْ في كُلِّ حالٍ يُتَصَوَّرُ الإتْيانُ فِيها وتَعَقَّبَ المَوْلى أبُو السُّعُودِ تَجْوِيزَ الأوَّلِ بِلا تَأْوِيلٍ بِقَوْلِهِ: وأنْتَ تَدْرِي أنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنِ الإتْيانُ مِنَ الأفْعالِ المُمْتَدَّةِ الشّامِلَةِ لِلْأحْوالِ عَلى سَبِيلِ المَعِيَّةِ كَما في قَوْلِكَ: لَألْزَمَنَّكَ إلّا أنْ تَقْضِيَنِي حَقِّي ولَمْ يَكُنْ مُرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُقارَنَتَهُ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ لِما عَدا الحالَ المُسْتَثْناةَ كَما إذا قُلْتَ: صِلْ إلّا أنْ تَكُونَ مُحَدِّثًا بَلْ مُجَرَّدَ تَحَقُّقِهِ ووُقُوعِهِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِهِ كَما في قَوْلِكَ: لَأحُجَّنَّ العامَ إلّا أنْ أُحْصَرَ فَإنَّ مُرادَكَ إنَّما هو الإخْبارُ بِعَدَمِ مَنعِ ما سِوى حالِ الإحْصارِ عَنِ الحَجِّ لا الإخْبارُ بِمُقارَنَتِهِ لِتِلْكَ الأحْوالِ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ كَما هو مُرادُكَ في مِثالِ الصَّلاةِ كانَ اعْتِبارُ الأحْوالِ مَعَهُ مِن حَيْثُ عَدَمِ مَنعِها مِنهُ فَآلَ المَعْنى إلى التَّأْوِيلِ المَذْكُورِ.
اهَـ.
وبَحَثَ فِيهِ واحِدٌ مِنَ الفُضَلاءِ بِثَلاثَةِ أوْجُهٍ الأوَّلُ أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ الإخْبارُ بِمُجَرَّدِ تَحَقُّقِ الإتْيانِ ووُقُوعِهِ مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِهِ لَمْ يَحْتَجْ إلى التَّأْوِيلِ المَذْكُورِ أعْنِي التَّأْوِيلَ بِالنَّفْيِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ فَكَلامُهُ يُفِيدُ خِلافَ مُرادِهِ الثّانِي أنّا سَلَّمْنا أنْ لَيْسَ مُرادُ القائِلِ مِن قَوْلِهِ: لَأحُجَّنَّ ..
إلَخِ الإخْبارَ بِمُقارَنَةِ الحَجِّ لِما عَدا حالِ الإحْصارِ عَلى سَبِيلِ البَدَلِ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنْ لَيْسَ مُرادُهُ مِنهُ إلّا الإخْبارَ بِعَدَمِ مَنعِ ما سِوى حالِ الإحْصارِ عَنْهُ غايَتُهُ أنَّ بَيْنَهُما مُلازِمَةً وذاكَ لا يَسْتَلْزِمُ الِاحْتِياجَ إلى التَّأْوِيلِ بِالنَّفْيِ الثّالِثُ أنَّهُ إنْ أرادَ مِن قَوْلِهِ: كانَ اعْتِبارُ الأحْوالِ ..
إلَخْ أنَّ الإتْيانَ بِهِ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ اعْتِبارُ الأحْوالِ كَما هو الظّاهِرُ فَمَمْنُوعٌ وإنْ أرادَ أنَّ اعْتِبارَ الأحْوالِ مَعَهُ يَسْتَلْزِمُ حَيْثِيَّةَ عَدَمِ مَنعِها مِنهُ فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ لا يَلْزَمُ مِنهُ الِاحْتِياجُ إلى التَّأْوِيلِ المَذْكُورِ أيْضًا ولَيْسَ المُدَّعى إلّا ذاكَ.
اهَـ.
وهو كَما تَرى فَتَبَصَّرْ ثُمَّ إنَّهم أجابُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى ما أرادَ ﴿ فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ ﴾ عَهْدَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ قالَ ﴾ عَرْضًا لِثِقَتِهِ بِاللَّهِ تَعالى وحَثًّا لَهم عَلى مُراعاةِ حَلِفِهِمْ بِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ ﴾ في أثْناءِ طَلَبِ المَوْثِقِ وإيتائِهِ مِنَ الجانِبَيْنِ وإيثارِ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ المُؤَدِّي إلى تَثَبُّتِهِمْ ومُحافَظَتِهِمْ عَلى تَذَكُّرِهِ ومُراقَبَتِهِ ﴿ وكِيلٌ ﴾ .
(66) .
أيْ مُطَّلِعٌ رَقِيبٌ فَإنَّ المُوَكَّلَ بِالأمْرِ يُراقِبُهُ ويَحْفَظُهُ قِيلَ: والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ مُجازٍ عَلى ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وقالَ ﴾ ناصِحًا لَهم لَمّا عَزَمَ عَلى إرْسالِهِمْ جَمِيعًا ﴿ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا ﴾ مِصْرَ ﴿ مِن بابٍ واحِدٍ ﴾ نَهاهم عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ ذَلِكَ حَذَرًا مِن إصابَةِ العَيْنِ فَإنَّهم كانُوا ذَوِي جَمالٍ وشارَةٍ حَسَنَةٍ وقَدِ اشْتَهَرُوا بَيْنَ أهْلِ مِصْرَ بِالزُّلْفى والكَرامَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِمْ عِنْدَ المَلِكِ فَكانُوا مَظِنَّةً لِأنْ يُعانُوا إذا دَخَلُوا كَوْكَبَةً واحِدَةً وحَيْثُ كانُوا مَجْهُولِينَ مَغْمُورِينَ بَيْنَ النّاسِ لَمْ يُوصِهِمْ بِالتَّفَرُّقِ في المَرَّةِ الأُولى وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَوْفُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ مِنَ العَيْنِ في هَذِهِ الكَرَّةِ بِسَبَبِ أنَّ فِيهِمْ مَحْبُوبَهُ وهو بِنْيامِينُ الَّذِي يَتَسَلّى بِهِ عَنْ شَقِيقِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ في المَرَّةِ الأُولى فَأهْمَلَ أمْرَهم ولَمْ يَحْتَفِلْ بِهِمْ لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ في يُوسُفَ والقَوْلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَهاهم عَنْ ذَلِكَ أنْ يُسْتَرابَ بِهِمْ لِتَقَدُّمِ قَوْلِ أنْتُمْ جَواسِيسُ لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ طَمَعًا أنْ يَتَسَمَّعُوا خَبَرَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ «والعَيْنُ حَقٌّ» كَما صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وصَحَّ أيْضًا بِزِيادَةٍ «ولَوْ كانَ شَيْءٌ سابِقَ القَدَرِ سَبَقَتْهُ العَيْنُ وإذا اسْتَغْسَلْتُمْ فاغْتَسِلُوا» وقَدْ ورَدَ أيْضًا «إنَّ العَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبْرَ والجَمَلَ القِدْرَ» «وقَدْ كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُعَوِّذُ الحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِقَوْلِهِ: أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ تَعالى التّامَّةِ مَن كُلِّ شَيْطانٍ وهامَّةٍ ومِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ وكانَ يَقُولُ: كانَ أبُوكُما يُعَوِّذُ بِهِما إسْماعِيلَ وإسْحاقَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ».
ولِبَعْضِهِمْ في هَذا المَقامِ كَلامٌ مُفَصَّلٌ مَبْسُوطٌ لا بَأْسَ بِاطِّلاعِكَ عَلَيْهِ وهو أنَّ تَأْثِيرَ شَيْءٍ في آخَرَ إمّا نَفْسانِيٌّ أوْ جُسْمانِيٌّ وكُلٌّ مِنهُما إمّا في نَفْسانِيٍّ أوْ جُسْمانِيٍّ فالأنْواعُ أرْبَعَةٌ يَنْدَرِجُ تَحْتَها ضُرُوبُ الوَحْيِ والمُعْجِزاتِ والكَراماتِ والإلْهاماتِ والمَناماتِ وأنْواعِ السِّحْرِ والأعْيُنِ والنِّيرَنْجاتِ ونَحْوِ ذَلِكَ أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ أعْنِي تَأْثِيرَ النَّفْسانِيِّ في مِثْلِهِ فَكَتَأْثِيرِ المَبادِئِ العالِيَةِ في النُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ بِإفاضَةِ العُلُومِ والمَعارِفِ ويَنْدَرِجُ في ذَلِكَ صِنْفانِ: أحَدُهُما ما يَتَعَلَّقُ بِالعِلْمِ الحَقِيقِيِّ بِأنْ يُلْقى إلى النَّفْسِ المُسْتَعِدَّةِ لِذَلِكَ كَما العِلْمُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ تَعْلِيمٍ وتَعَلُّمٍ حَتّى تُحِيطَ بِمَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ بِحَسَبِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ كَما أُلْقِيَ إلى نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عُلُومُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانَ يَتْلُو مِن قَبْلُ كِتابًا ولا يَخُطُّهُ بِيَمِينِهِ.
وثانِيهِما ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّخَيُّلِ القَوِيِّ بِأنْ يُلْقى إلى مَن يَكُونُ مُسْتَعِدًّا لَهُ ما يَقْوى بِهِ عَلى تَخَيُّلاتِ الأُمُورِ الماضِيَةِ والِاطِّلاعِ عَلى المُغَيَّباتِ المُسْتَقْبَلَةِ والمَناماتِ والإلْهاماتُ داخِلَةٌ أيْضًا تَحْتَ هَذا النَّوْعِ وقَدْ يَدْخُلُ تَحْتَهُ نَوْعٌ مِنَ السِّحْرِ وهو تَأْثِيرُ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ القَوِيَّةِ فِيها قُوَّتا التَّخَيُّلِ والوَهْمِ في نُفُوسٍ بَشَرِيَّةٍ أُخْرى ضَعِيفَةٌ فِيها هاتانِ القُوَّتانِ كَنُفُوسِ البُلْهِ والصِّبْيانِ والعَوامِّ الَّذِينَ لَمْ تَقْوَ قُوَّتُهُمُ العَقْلِيَّةُ فَتَتَخَيَّلُ ما لَيْسَ بِمَوْجُودٍ في الخارِجِ مَوْجُودًا فِيهِ وما هو مَوْجُودٌ فِيهِ عَلى ضِدِّ الحالِ الَّذِي هو عَلَيْها وقَدْ يُسْتَعانُ في هَذا القِسْمِ مِنَ السِّحْرِ بِأفْعالٍ وحَرَكاتٍ يَعْرِضُ مِنها لِلْحِسِّ حَيْرَةٌ ولِلْخَيالِ دَهْشَةٌ ومِن ذَلِكَ الِاسْتِهْتارُ في الكَلامِ والتَّخْلِيطُ فِيهِ وأمّا النَّوْعُ الثّانِي أعْنِي تَأْثِيرَ النَّفْسانِيِّ في الجُسْمانِيِّ فَكَتَأْثِيرِ النُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ في الأبْدانِ مِن تَغْذِيَتِها وإنْمائِها وقِيامِها وقُعُودِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ ومِن هَذا القَبِيلِ صِنْفٌ مِنَ المُعْجِزاتِ وهو ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ المُحَرِّكَةِ لِلنَّفْسِ بِأنْ تَبْلُغَ قُوَّتُها إلى حَيْثُ تَتَمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ في العالَمِ تَمَكُّنُها مِنَ التَّصَرُّفِ في بَدَنِها كَتَدْمِيرِ قَوْمٍ بِرِيحٍ عاصِفَةٍ أوْ صاعِقَةٍ أوْ زَلْزَلَةٍ أوْ طُوفانٍ ورُبَّما يُسْتَعانُ فِيهِ بِالتَّضَرُّعِ والِابْتِهالِ إلى المَبادِئِ العالِيَةِ كَأنْ يَسْتَقِيَ لِلنّاسِ فَيُسْقَوْنَ ويَدْعُوَ عَلَيْهِمْ فَيَهْلَكُونَ ولَهم فَيَنْجُونَ ويَنْدَرِجُ في هَذا صِنْفٌ مِنَ السِّحْرِ أيْضًا كَما في بَعْضِ النُّفُوسِ الخَبِيثَةِ الَّتِي تَقْوى فِيها القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كالرِّياضَةِ والمُجاهَدَةِ مَثَلًا فَيُسَلِّطُها صاحِبُها عَلى التَّأْثِيرِ فِيمَن أرادَهُ بِتَوَجُّهٍ تامٍّ وعَزِيمَةٍ صادِقَةٍ إلى أنْ يَحْصُلَ المَطْلُوبُ الَّذِي هو تَأثُّرُهُ بِنَحْوِ مَرَضٍ وذُبُولِ جِسْمٍ ويَصِلُ ذَلِكَ إلى الهَلاكِ وأمّا النَّوْعُ الثّالِثُ وهو تَأْثِيرُ الجُسْمانِيِّ في الجُسْمانِيِّ فَكَتَأْثِيرِ الأدْوِيَةِ والسُّمُومِ في الأبْدانِ ويَدْخُلُ فِيهِ أنْواعُ النَّيْرَنْجاتِ والطَّلْسَماتِ فَإنَّها بِتَأْثِيرِ بَعْضِ المُرَكَّباتِ الطَّبِيعِيَّةِ في بَعْضٍ بِسَبَبِ خَواصَّ فِيها كَجَذْبِ المِغْناطِيسِ لِلْحَدِيدِ واخْتِطافِ الكَهْرَباءِ التِّبْنَ وقَدْ يُسْتَعانُ في ذَلِكَ بِتَحْصِينِ المُناسَباتِ بِالأجْرامِ العَلَوِيَّةِ المُؤَثِّرَةِ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ كَما يُشاهَدُ في صُوَرِ أشْكالٍ مَوْضُوعَةٍ في أوْقاتٍ مَخْصُوصَةٍ عَلى أوْضاعٍ مَعْلُومَةٍ في مُقابَلَةِ بَعْضِ الجِهاتِ ومُسامَتَةِ بَعْضِ الكَواكِبِ يَسْتَدْفِعُ بِها كَثِيرٌ مِن أذِيَّةِ الحَيَواناتِ وأمّا النَّوْعُ الرّابِعُ وهو تَأْثِيرُ الجُسْمانِيِّ في النَّفْسانِيِّ فَكَتَأْثِيرِ الصُّوَرِ المُسْتَحْسَنَةِ أوِ المُسْتَقْبَحَةِ في النُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ مِنَ اسْتِمالَتِها إلَيْها وتَنْفِيرِها عَنْها وعُدَّ مِن ذَلِكَ تَأْثِيرُ أصْنافِ الأغانِي والرَّقْصِ والمَلاهِي في بَعْضِ النُّفُوسِ وتَأْثِيرُ البَيانِ فِيمَن لَهُ ذَوْقٌ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا» إذا تَمَهَّدَ هَذا فاعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في إصابَةِ العَيْنِ فَأبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنْكَرَها إنْكارًا بَلِيغًا ولَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ شُبْهَةً فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ وأثْبَتَها غَيْرُهُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ وغَيْرِهِمْ إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ فَقالَ الجاحِظُ: إنَّهُ يَمْتَدُّ مِنَ العَيْنِ أجْزاءٌ فَتَصِلُ بِالشَّخْصِ المُسْتَحْسَنِ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ تَأْثِيرَ السُّمِّ في الأبْدانِ فالتَّأْثِيرُ عِنْدَهُ مِن تَأْثِيرِ الجُسْمانِيِّ في الجُسْمانِيِّ.
وضَعَّفَ ذَلِكَ القاضِي بِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ لَوَجَبَ أنْ تُؤَثِّرَ العَيْنُ في الشَّخْصِ الَّذِي لا يُسْتَحْسَنُ كَتَأْثِيرِها فِيما يُسْتَحْسَنُ وتَعَقَّبَهُ الإمامُ بِأنَّهُ تَضْعِيفُ ضَعِيفٍ وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا اسْتَحْسَنَ العائِنُ شَيْئًا فَإمّا أنْ يُحِبَّ بَقاءَهُ كَما إذا اسْتَحْسَنَ ولَدَهُ مَثَلًا وإمّا أنْ يَكْرَهَ ذَلِكَ كَما إذا أحَسَّ بِذَلِكَ المُسْتَحْسَنُ عِنْدَ عَدُوِّهِ الحاسِدِ هو لَهُ فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَإنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ ذَلِكَ الِاسْتِحْسانِ خَوْفٌ شَدِيدٌ مِن زَوالِهِ وهو يُوجِبُ انْحِصارَ الرُّوحِ في داخِلِ القَلْبِ فَحِينَئِذٍ يَسْخُنُ القَلْبُ والرُّوحُ جِدًّا ويَحْصُلُ في الرُّوحِ الباصِرِ كَيْفِيَّةٌ قَوِيَّةٌ مُسَخِّنَةٌ وإنْ كانَ الثّانِي فَإنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ ذَلِكَ الِاسْتِحْسانِ هَمٌّ شَدِيدٌ وحُزْنٌ عَظِيمٌ بِسَبَبِ حُصُولِ ذَلِكَ المُسْتَحْسَنِ لِعَدُوِّهِ وذَلِكَ أيْضًا يُوجِبُ انْحِصارَ الرُّوحِ وحُصُولَ الكَيْفِيَّةِ القَوِيَّةِ المُسَخِّنَةِ وفي الصُّورَتَيْنِ يَسْخُنُ شُعاعُ العَيْنِ فَيُؤَثِّرُ ولا كَذَلِكَ في عَدَمِ الِاسْتِحْسانِ فَبانَ الفَرْقُ ولِذَلِكَ السَّبَبِ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ العائِنَ بِالوُضُوءِ ومَن أُصِيبَ بِالِاغْتِسالِ.
اهَـ.
وما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ العائِنَ قَدْ يُصِيبُ ولَدَهُ مَثَلًا مِمّا شَهِدَتْ لَهُ التَّجْرِبَةُ لَكِنْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وقالَ الهَيْثَمِيُّ: رِجالُهُ رِجالُ الصَّحِيحِ أنَّهُ قالَ: «العَيْنُ حَقٌّ يَضُرُّها الشَّيْطانُ وحَسَدُ ابْنِ آدَمَ» وظاهِرُهُ يَقْتَضِي خِلافَ ذَلِكَ وأمّا ما ذَكَرَهُ مِنَ الأمْرِ بِالوُضُوءِ والِاغْتِسالِ فَقَدْ جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ وكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ أنْ يَغْسِلَ العائِنُ وجْهَهُ ويَدَيْهِ ومَرْفِقَيْهِ ورُكْبَتَيْهِ وأطْرافَ رِجْلَيْهِ وداخِلَ إزارِهِ أيْ ما يَلِي جَسَدَهُ مِنَ الإزارِ وقِيلَ وِرْكَيْهِ: وقِيلَ: مَذاكِيرَهُ ويَصُبُّ الغُسالَةَ عَلى رَأْسِ المَعِينِ وقَدْ مَرَّ إذا اسْتُغْسِلْتُمْ فاغْسِلُوا وهو خِطابٌ لِلْعائِنِينَ أيْ إذا طُلِبَ مِنكم ما اعْتِيدَ مِنَ الغُسْلِ فافْعَلُوا والأمْرُ لِلنَّدْبِ عِنْدَ بَعْضٍ وقالَ الماوَرْدِيُّ تَبَعًا لِلْجَماعَةِ: لِلْوُجُوبِ فَيَجِبُ عَلى العائِنِ أنْ يَغْسِلَ ثُمَّ يُعْطِي الغُسالَةَ لِلْمَعِينِ لِأنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الأمْرِ ولِأنَّهُ قَدْ جُرِّبَ ذَلِكَ وعُلِمَ البُرْءُ بِهِ فَفِيهِ تَخْلِيصٌ مِنَ الهَلاكِ كَإطْعامِ المُضْطَرِّ وذُكِرَ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ وهو مُخالِفٌ لِما أشارَ إلَيْهِ الإمامُ مِن كَوْنِ الحِكْمَةِ فِيهِ تَبْرِيدَ تِلْكَ السُّخُونَةِ وهو مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ ابْنِ القَيِّمِ حَيْثُ قالَ في تَعْلِيلِ ذَلِكَ: لِأنَّهُ كَما يُؤْخَذُ دِرْياقٌ لِسُمِّ الحَيَّةِ مِن لَحْمِها يُؤْخَذُ عِلاجُ هَذا الأمْرِ مِن أثَرِ الشَّخْصِ العائِنِ وأثَرُ تِلْكَ العَيْنِ كَشُعْلَةِ نارٍ أصابَتِ الجَسَدَ فَفي الِاغْتِسالِ إطْفاءٌ لِتِلْكَ الشُّعْلَةِ وهو عَلى عِلّاتِهِ أوْفى مِن كَلامِ الإمامِ ويُرَدُّ عَلى ما قَرَّرَهُ في الِانْتِصارِ لِلْجاحِظِ أنَّهُ لا يَسُدُّ عَنْهُ بابُ الِاعْتِراضِ عَلى ما ذَكَرَهُ في كَيْفِيَّةِ إصابَةِ العَيْنِ إذْ يَرُدُّ عَلَيْهِ ما ثَبَتَ مِن أنَّ بَعْضَ العائِنِينَ قَدْ يُصِيبُ ما يُوصَفُ لَهُ ويُمَثَّلُ ولَوْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ فَراسِخُ والتِزامُ امْتِدادِ تِلْكَ الأجْزاءِ إلى حَيْثُ المُصابِ مِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي عَيْنٍ وقالَ الحُكَماءُ واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ: إنَّ ذَلِكَ مِن تَأْثِيرِ النَّفْسانِيِّ بِالجُسْمانِيِّ وبَنَوْهُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ المُؤَثِّرِ أنْ يَكُونَ تَأْثِيرُهُ بِحَسَبِ هَذِهِ الكَيْفِيّاتِ المَحْسُوسَةِ أعْنِي الحَرارَةَ والبُرُودَةَ والرُّطُوبَةَ واليُبُوسَةَ بَلْ قَدْ يَكُونُ التَّأْثِيرُ نَفْسِيًّا مَحْضًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ اللَّوْحَ الَّذِي يَكُونُ قَلِيلَ عَرْضٍ إذا كانَ مَوْضُوعًا عَلى الأرْضِ يَقْدِرُ كُلُّ إنْسانٍ عَلى المَشْيِ عَلَيْهِ ولَوْ كانَ مَوْضُوعًا بَيْنَ جِدارَيْنِ مُرْتَفِعَيْنِ لَمْ يَقْدِرْ كُلُّ أحَدٍ عَلى المَشْيِ عَلَيْهِ وما ذاكَ إلّا لِأنَّ الخَوْفَ مِنَ السُّقُوطِ مِنهُ يُوجِبُ السُّقُوطَ وأيْضًا إنَّ الإنْسانَ إذا تَصَوَّرَ أنَّ فُلانًا مُؤْذِيًا لَهُ حَصَلَ في قَلْبِهِ غَضَبٌ وتَسَخَّنَ مِزاجُهُ فَمَبْدَأُ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا التَّصَوُّرُ النَّفْسانِيُّ بَلْ مَبْدَأُ الحَرَكاتِ البَدَنِيَّةِ مُطْلَقًا لَيْسَ إلّا التَّصَوُّراتُ النَّفْسانِيَّةُ ومَتى ثَبَتَ أنَّ تَصَوُّرَ النَّفْسِ يُوجِبُ تَغَيُّرَ بَدَنِهِ الخاصِّ لَمْ يَبْعُدْ أيْضًا أنْ يَكُونَ بَعْضُ النُّفُوسِ بِحَيْثُ تَتَعَدّى تَأْثِيراتُها إلى سائِرِ الأبْدانِ وأيْضًا جَواهِرُ النُّفُوسِ مُخْتَلِفَةٌ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ النُّفُوسِ بِحَيْثُ تُؤَثِّرُ في تَغَيُّرِ بَدَنِ حَيَوانٍ آخَرَ بِشَرْطِ أنْ تَراهُ أوْ تَرى مِثالَهُ عَلى ما نُقِلَ وتَتَعَجَّبَ مِنهُ ومَتى ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ وكانَتِ التَّجارِبُ شاهِدَةً بِوُقُوعِهِ وجَبَ القَوْلُ بِهِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ ولِأنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ أكْثَرِيٌّ عِنْدَ إعْمالِ العَيْنِ والنَّظَرِ بِها إلى الشَّيْءِ نُسِبَ التَّأْثِيرُ إلى العَيْنِ وإلّا فالمُؤَثِّرُ إنَّما هو النَّفْسُ ونِسْبَةُ التَّأْثِيرِ إلَيْها كَنِسْبَةِ الإحْراقِ إلى النّارِ والرَّيِّ إلى الماءِ ونَحْوِ ذَلِكَ والفاعِلُ لِلْآثارِ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ عَزَّ سُلْطانُهُ بِالإجْماعِ لَكِنْ جَرَتْ عادَتُهُ تَعالى عَلى خَلْقِها بِالأسْبابِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَقْلِيٍّ عَلَيْها كَما يَظُنُّ جَهَلَةُ الفَلاسِفَةِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ أوْ عِنْدَ الأسْبابِ مِن غَيْرِ مَدْخَلِيَّةٍ لَها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ عَلى ما شاعَ عَنِ الأشْعَرِيِّ.
فَمَعْنى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «العَيْنُ حَقٌّ» أنَّ إصابَةَ النَّفْسِ بِواسِطَتِها أمْرٌ كائِنٌ مَقْضِيٌّ بِهِ في الوَضْعِ الإلَهِيِّ لا شُبْهَةَ في تَحَقُّقِهِ وهو كَسائِرِ الآثارِ المُشاهَدَةِ لِنَحْوِ النّارِ والماءِ والأدْوِيَةِ مَثَلًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مَدارَ كُلِّ شَيْءٍ المَشِيئَةُ الإلَهِيَّةُ فَما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وحِكْمَةُ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى التَّأْثِيرَ في مَسْألَةِ العَيْنِ أمْرٌ مَجْهُولٌ لَنا وزَعَمَ أبُو هاشِمٍ وأبُو القاسِمِ البَلْخِيُّ أنَّ ذَلِكَ مِمّا يَرْجِعُ إلى مَصْلَحَةِ التَّكْلِيفِ قالا: لا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ العَيْنُ حَقًّا عَلى مَعْنى أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ اسْتِحْسانًا كانَ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُتَعَلِّقًا بِهِ ثُمَّ لا يَبْعُدُ أيْضًا أنَّهُ لَوْ ذَكَرَ رَبَّهُ عِنْدَ تِلْكَ الحالَةِ وعَدَلَ عَنِ الإعْجابِ وسَألَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ بَقاءَ ذَلِكَ تَتَغَيَّرُ المَصْلَحَةُ فَيُبْقِيهِ اللَّهُ تَعالى ولا يُفْنِيهِ وهو كَما تَرى ثُمَّ إنَّ ما أشارَ إلَيْهِ مِن نَفْعِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والِالتِجاءِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ حَقٌّ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ الأدْعِيَةَ والرُّقى مِن جُمْلَةِ الأسْبابِ لِدَفْعِ أذى العَيْنِ بَلْ إنَّ مِن ذَلِكَ ما يَكُونُ سَبَبًا لِرَدِّ سَهْمِ العائِنِ إلَيْهِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ أنَّ سَعِيدَ السّاحِيَّ قِيلَ لَهُ: احْفَظْ ناقَتَكَ مِن فُلانٍ العائِنِ فَقالَ: لا سَبِيلَ لَهُ إلَيْها فَعانَها فَسَقَطَتْ تَضْطَرِبُ فَأُخْبِرَ السّاحِيُّ فَوَقَفَ عَلَيْها فَقالَ: حَبْسُ حابِسٍ وشِهابٍ قابِسٍ رَدَدْتَ عَيْنَ العائِنِ عَلَيْهِ وعَلى أحَبِّ النّاسِ إلَيْهِ وعَلى كَبِدِهِ وكُلْيَتَيْهِ رَشِيقُ وفي مالِهِ يَلِيقُ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تُرى مِن فُطُورٍ الآيَةَ فَخَرَجَتْ حَدَقَتا العائِنِ وسَلِمَتِ النّاقَةُ.
ويَدُلُّ عَلى نَفْعِ الرُّقْيَةِ مِنَ العَيْنِ مَشْرُوعِيَّتُها كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ وقَدْ جاءَ في بَعْضِها أنَّهُ قالَ: «لا رُقْيَةَ إلّا مِن عَيْنٍ أوْ حُمَّةٍ» والمُرادُ مِنهُ أنَّهُ لا رُقْيَةَ أوْلى وأنْفَعَ مِن رُقْيَةِ العَيْنِ والحُمَّةِ وإلّا فَقَدْ رَقى بَعْضَ أصْحابِهِ مَن غَيْرِهِما ويَنْبَغِي لِمَن عَلِمَ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ ذُو عَيْنٍ أنْ لا يَنْظُرَ إلى شَيْءٍ نَظَرَ إعْجابٍ وأنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ رُؤْيَةِ ما يُسْتَحْسَنُ فَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُجَرِّبِينَ أنَّهُ إذا فَعَلَ ذَلِكَ لا يُؤَثِّرُ ونَقَلَ الأجْهُورِيُّ أنَّهُ يُنْدَبُ أنَّهُ يُعَوِّذُ المَعِينَ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ بارِكْ فِيهِ ولا تَضُرَّهُ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ وفي تُحْفَةِ المُحْتاجِ أنَّ مِن أدْوِيَتِها أيِ العَيْنِ المُجَرَّبَةِ الَّتِي أمَرَ النَّبِيُّ بِها أنْ يَتَوَضَّأ العائِنُ إلى آخِرِ ما ذَكَرْناهُ آنِفًا وأنْ يَدْعُوَ لِلْمَعِينِ وأنْ يَقُولَ المَعِينُ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ حَصَّنْتُ نَفْسِي بِالحَيِّ القَيُّومِ الَّذِي لا يَمُوتُ أبَدًا ودَفَعْتُ عَنْها السُّوءَ بِألْفِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ ويُسَنُّ عِنْدَ القاضِي لِمَن رَأى نَفْسَهُ سَلِيمَةً وأحْوالَهُ مُعْتَدِلَةً أنْ يَقُولَ ذَلِكَ وفي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنِ العُلَماءِ أنَّهُ عَلى السُّلْطانِ مَنعُ مَن عُرِفَ بِذَلِكَ مِن مُخالَطَةِ النّاسِ ويَرْزُقَهُ مِن بَيْتِ المالِ إنْ كانَ فَقِيرًا فَإنَّ ضَرَرَهُ أشَدُّ مِن ضَرَرِ المَجْذُومِ الَّذِي مَنَعَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن مُخالَطَةِ النّاسِ ورَأيْتُ لِبَعْضِ أصْحابِنا أيْضًا القَوْلَ بِنَدْبِ ذَلِكَ وأنَّهُ لا كَفّارَةَ عَلى عائِنٍ قِيلَ: لِأنَّ العَيْنَ لا تُعَدُّ مُهْلِكًا عادَةً عَلى أنَّ التَّأْثِيرَ يَقَعُ عِنْدَها لا بِها حَتّى بِالنَّظَرِ لِلظّاهِرِ وهَذا بِخِلافِ السّاحِرِ فَإنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّهُ يُقْتَلُ إذا أقَرَّ أنَّ سِحْرَهُ يَقْتُلُ غالِبًا ونُقِلَ عَنِ المالِكِيَّةِ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ السّاحِرِ والعائِنِ فَيُقْتُلانِ إذا قَتَلا ثُمَّ إنَّ العَيْنَ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الرّازِيِّ لا تُؤَثِّرُ مِمَّنْ لَهُ نَفْسٌ شَرِيفَةٌ لِما في ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِعْظامِ لِلشَّيْءِ وفِيما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ ما يُؤَيِّدُ المُدَّعِيَ واعْتُرِضَ بِما رَواهُ القاضِي أنَّ نَبِيًّا اسْتَكْثَرَ قَوْمَهُ فَماتَ مِنهم في لَيْلَةٍ مِائَةُ ألْفٍ فَشَكا ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: إنَّكَ اسْتَكْثَرْتَهم فَعِنَتَهم هَلّا حَصَّنَتْهم إذا اسْتَكْثَرْتَهم فَقالَ: يا رَبِّ كَيْفَ أُحَصِّنُهم قالَ: تَقُولُ حَصَّنْتُكم بِالحَيِّ القَيُّومِ إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ وقَدْ يُجابُ بِأنَّ ما ذَكَرَ الرّازِيُّ هو الأغْلَبُ بَلْ يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ هَذا إنْ صَحَّ بِأنَّ ذَلِكَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا غَفَلَ عَنِ الذِّكْرِ عِنْدَ الِاسْتِكْثارِ عُوتِبَ فِيهِمْ لِيَسْألَ فَيَعْلَمَ فَهو كالإصابَةِ بِالعَيْنِ لا أنَّهُ عانٍ حَقِيقَةً هَذا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكْتَفِ بِالنَّهْيِ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ﴾ بَيانًا لِلْمُرادِ بِهِ وذَلِكَ لِأنَّ عَدَمَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِلدُّخُولِ مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وفي دُخُولِهِمْ مِن بابَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ بَعْضُ ما في الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ مِن نَوْعِ اجْتِماعٍ مُصَحِّحٍ لِوُقُوعِ المَحْذُورِ وإنَّما لَمْ يَكْتَفِ بِهَذا الأمْرِ مَعَ كَوْنِهِ مُسْتَلْزِمًا لِلنَّهْيِ السّابِقِ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِهِ وإيذانًا بِأنَّهُ المُرادُ بِالأمْرِ المَذْكُورِ لا تَحْقِيقَ شَيْءٍ آخَرَ ﴿ وما أُغْنِي عَنْكُمْ ﴾ أيْ لا أنْفَعُكم ولا أدْفَعُ عَنْكم بِتَدْبِيرِي ﴿ مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ أيْ مِن قَضائِهِ تَعالى عَلَيْكم شَيْئًا فَإنَّهُ لا يُغْنِي حَذَرٌ مِن قَدَرٍ ولَمْ يُرِدْ بِهَذا عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قِيلَ إلْغاءَ الحَذَرِ بِالمَرَّةِ كَيْفَ وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ وقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ ﴾ بَلْ أرادَ بَيانَ أنَّ ما وصّاهم بِهِ لَيْسَ مِمّا يَسْتَوْجِبُ المُرادَ لا مَحالَةَ بَلْ هو تَدْبِيرٌ وتَشَبُّثٌ بِالأسْبابِ العادِيَّةِ الَّتِي لا تُؤَثِّرُ إلّا بِإذْنِهِ تَعالى وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُدافِعَةٍ لِلْقَدَرِ بَلْ هو اسْتِعانَةٌ بِاللَّهِ تَعالى وهَرَبٌ مِنهُ إلَيْهِ ﴿ إنِ الحُكْمُ ﴾ أيْ ما الحُكْمُ مُطْلَقًا ﴿ إلا لِلَّهِ ﴾ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ ولا يُمانِعُهُ شَيْءٌ ﴿ عَلَيْهِ ﴾ سُبْحانَهُ دُونَ غَيْرِهِ ﴿ تَوَكَّلْتُ ﴾ في كُلِّ ما آتِي بِهِ وأذَرُ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ تَرْتِيبَ الأسْبابِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِالتَّوَكُّلِ وفي الخَبَرِ اعْقِلْها وتَوَكَّلْ.
﴿ وعَلَيْهِ ﴾ عَزَّ سُلْطانُهُ دُونَ غَيْرِهِ ﴿ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ ﴾ .
(67) .
أيِ المُرِيدُونَ لِلتَّوَكُّلِ قِيلَ: جَمَعَ بَيْنَ الواوِ والفاءِ في عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ مَعَ تَقْدِيمِ الصِّلَةِ لِلِاخْتِصاصِ لِيُفِيدَ بِالواوِ عَطْفَ فِعْلِ غَيْرِهِ مِن تَخْصِيصِ التَّوَكُّلِ بِاللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ عَلى فِعْلِ نَفْسِهِ وبِالفاءِ سَبَبِيَّةُ فِعْلِهِ لِكَوْنِهِ نَبِيًّا لِفِعْلِ غَيْرِهِ مِنَ المُقْتَدِينَ بِهِ وهي عَلى ما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهم زائِدَةٌ حَيْثُ قالَ: ولا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِزِيادَةِ الفاءِ وإفادَتِها السَّبَبِيَّةَ ويَلْتَزِمُ أنَّ الزّائِدَ قَدْ يَدُلُّ عَلى مَعْنًى غَيْرَ التَّوْكِيدِ وذُكِرَ أنَّهُ لَوِ اكْتَفى بِالفاءِ وحْدَها وقِيلَ: فَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ ..
إلَخْ أفادَ تَسَبُّبَ الِاخْتِصاصِ لا أصْلَ التَّوَكُّلِ وهو المَقْصُودُ وكُلُّ ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ جِيءَ بِالفاءِ إفادَةً لِلتَّأْكِيدِ فَقَطْ كَما هو الأمْرُ الشّائِعُ في الحُرُوفِ الزّائِدَةِ فَتَدَبَّرْ وأيًّا ما كانَ فَيَدْخُلُ بَنُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في عُمُومِ الأمْرِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وفي هَذا الأُسْلُوبِ ما لا يَخْفى مِن حُسْنِ هِدايَتِهِمْ وإرْشادِهِمْ إلى التَّوَكُّلِ فِيما هم بِصَدَدِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ غَيْرَ مُعْتَمِدِينَ عَلى ما وصّاهم بِهِ مِنَ التَّدْبِيرِ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ ﴾ مِنَ الأبْوابِ المُتَفَرِّقَةِ مِنَ البَلَدِ قِيلَ: كانَتْ لَهُ أرْبَعَةُ أبْوابٍ فَدَخَلُوا مِنها وإنَّما اكْتَفى بِذِكْرِهِ لِاسْتِلْزامِهِ الِانْتِهاءَ عَمّا نُهُوا عَنْهُ وحاصِلُهُ لَمّا دَخَلُوا مُتَفَرِّقِينَ ﴿ ما كانَ ﴾ ذَلِكَ الدُّخُولُ ﴿ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ ﴾ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ شَيْئًا مِمّا قَضاهُ عَلَيْهِمْ جَلَّ شَأْنُهُ والجُمْلَةُ قِيلَ: جَوابُ ( لَمّا ) والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ المُقارَنَةِ الواجِبَةِ بَيْنَ جَوابِ ( لَمّا ) ومَدْخُولِها فَإنَّ عَدَمَ الإغْناءِ بِالفِعْلِ إنَّما يَتَحَقَّقُ عِنْدَ نُزُولِ المَحْذُورِ لا وقْتَ الدُّخُولِ وإنَّما المُتَحَقَّقُ حِينَئِذٍ ما أفادَهُ الجَمْعُ المَذْكُورُ مِن عَدَمِ كَوْنِ الدُّخُولِ مُغْنِيًا فِيما سَيَأْتِي ولَيْسَ المُرادُ بَيانَ سَبَبِيَّةِ الدُّخُولِ لِعَدَمِ الإغْناءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلا نُفُورًا ﴾ فَإنَّ مَجِيءَ النَّذِيرِ هُناكَ سَبَبٌ لِزِيادَةِ نُفُورِهِمْ بَلْ بَيانُ عَدَمِ سَبَبِيَّتِهِ لِلْإغْناءِ مَعَ كَوْنِها مُتَوَقَّعَةً في بادِئِ الرَّأْيِ حَيْثُ أنَّهُ وقَعَ حَسْبَما وصّاهم بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: حَلَفَ أنْ يُعْطِيَ حَقِّيَ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ فَلَمّا حَلَّ لَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا فَإنَّ المُرادَ بَيانُ عَدَمِ سَبَبِيَّةِ حُلُولِ الأجَلِ لِلْإعْطاءِ مَعَ كَوْنِها مَرْجُوَّةً بِمُوجِبِ الحَلِفِ لا بَيانَ سَبَبِيَّتِهِ لِعَدَمِ الإعْطاءِ فالمَآلُ بَيانُ عَدَمِ تَرَتُّبِ الغَرَضِ المَقْصُودِ عَلى التَّدْبِيرِ المَعْهُودِ مَعَ كَوْنِهِ مَرْجُوَّ الوُجُودِ لا بَيانَ تَرَتُّبِ عَدَمِهِ عَلَيْهِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ذَلِكَ أيْضًا بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَضاعِيفِ وصِيَّتِهِ مِن أنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهم تَدْبِيرُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَمّا فَعَلُوا ما وصّاهم بِهِ لَمْ يُفِدْهِمْ ذَلِكَ شَيْئًا ووَقَعَ الأمْرُ حَسْبَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَقُوا ما لَقُوا فَيَكُونُ مِن بابِ وُقُوعِ المُتَوَقَّعِ.
اهَـ.
وإلى كَوْنِ الجَوابِ ما ذُكِرَ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ وقالَ: إنَّ فِيهِ حُجَّةً لِمَن زَعَمَ أنَّ لَمّا حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ لا ظَرْفَ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ ما جازَ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لَما بَعْدَ ( ما ) النّافِيَةِ ولَعَلَّ مَن يَذْهَبُ إلى ظَرْفِيَّتِها يُجَوِّزُ ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ الظَّرْفَ يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: في جَوابِ ( لَمّا ) وجْهانِ أحَدُهُما أنَّهُ ﴿ آوى ﴾ وهو جَوابُ ( لَمّا ) الأُولى والثّانِيَةِ كَقَوْلِكَ: لَمّا جِئْتُكَ وكَلَّمْتُكَ أجَبْتَنِي وحَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ دُخُولَهم عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعَقَّبَ دُخُولَهم مِنَ الأبْوابِ والثّانِي أنَّهُ مَحْذُوفٌ أيِ امْتَثَلُوا أوْ قَضَوْا حاجَةَ أبِيهِمْ وإلى الوَجْهِ الأخِيرِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا ولا يَخْفى أنَّهُ عَلَيْهِ وعَلى ما قَبْلَهُ تَرْتَفِعُ غائِلَةُ تَوْجِيهِ أمْرِ التَّرَتُّبِ وما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ القِيلِ في ثانِي وجْهَيْهِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ حَيْثُ ذَكَرُوا أنَّ هَذا مِنهُ تَعالى تَصْدِيقٌ لِما أشارَ إلَيْهِ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ .
واعْتُرِضَ القَوْلُ بِعَدَمِ تَرَتُّبِ الغَرَضِ عَلى التَّدْبِيرِ بِأنَّ الغَرَضَ لَيْسَ إلّا دَفْعَ إصابَةِ العَيْنِ لَهم وقَدْ تَحَقَّقَ بِدُخُولِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ وهو وارِدٌ أيْضًا عَلى ما ذُكِرَ في الوَجْهِ الأخِيرِ كَما لا يَخْفى وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِدَفْعِ العَيْنِ أنْ لا يَمَسَّهم سُوءٌ ما وإنَّما خُصَّتْ إصابَةُ العَيْنِ لِظُهُورِها وقِيلَ: إنَّ ما أصابَهم مِنَ العَيْنِ أيْضًا فَلَمْ يَتَرَتَّبِ الغَرَضُ عَلى التَّدْبِيرِ بَلْ تَخَلَّفَ ما أرادَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ تَدْبِيرِهِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَشِيَ عَلَيْهِمْ شَرَّ العَيْنِ فَأصابَهم شَرٌّ آخَرُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ فَلَمْ يُفِدْ دَفْعُ ما خافَهُ شَيْئًا وحِينَئِذٍ يُدَّعى أنَّ دُخُولَهم مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم كانَ مُفِيدًا لَهم مِن حَيْثُ أنَّهُ دَفَعَ العَيْنَ عَنْهم إلّا أنَّهُ لَمّا أصابَهم ما أصابَهم مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ وافْتِضاحِهِمْ بِذَلِكَ مَعَ أخِيهِمْ بِوُجْدانِ الصُّواعِ في رَحْلِهِ وتَضاعُفِ المُصِيبَةِ عَلى أبِيهِمْ لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ فائِدَةً فَكَأنَّ دُخُولَهم لَمْ يُفِدْهم شَيْئًا واعْتُرِضَ أيْضًا ما ذُكِرَ في تَوْجِيهِ الجَمْعِ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ بِأنَّ المَشْهُورَ أنَّ الغَرَضَ مِنهُ إفادَةُ الِاسْتِمْرارِ كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ وظاهِرُ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ قِيلَ: وإذا كانَ الغَرَضُ هُنا ذاكَ احْتَمَلَ الكَلامُ وجْهَيْنِ نَفْيُ اسْتِمْرارِ الإغْناءِ واسْتِمْرارُ نَفْيِهِ وفِيهِ تَأمُّلٌ فَتَأمَّلْ جِدًّا هَذا وما أشَرْنا إلَيْهِ مِن زِيادَةِ ( مِن ) في المَنصُوبِ هو أحَدُ وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما الرّازِيُّ في الآيَةِ ثانِيهُما جَوازُ كَوْنِها زائِدَةً في المَرْفُوعِ وحِينَئِذٍ لَيْسَ في الكَلامِ ضَمِيرُ الدُّخُولِ كَما لا يَخْفى قِيلَ: ولَوِ اعْتُبِرَ عَلى هَذا الوَجْهِ كَوْنَ مَرْفُوعٍ كانَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ لَمْ يَبْعُدْ أيْ ما كانَ الشَّأْنُ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ ﴿ إلا حاجَةً ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ ولَكِنَّ حاجَةً ﴿ فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها ﴾ أيْ أظْهَرَها ووَصّاهم بِها دَفْعًا لِلْخَطْرَةِ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ أنَّ لِلتَّدْبِيرِ تَأْثِيرًا في تَغْيِيرِ التَّقْدِيرِ والمُرادُ بِالحاجَةِ شَفَقَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وحَرازَتُهُ مِن أنْ يُعانُوا.
وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ الحاجَةَ إلى الشَّيْءِ الفَقْرُ إلَيْهِ مَعَ مَحَبَّتِهِ وجَمْعُهُ حاجٌ وحاجاتٌ وحَوائِجُ وحاجَ يَحُوجُ احْتاجَ ثُمَّ ذَكَرَ الآيَةَ وأنْكَرَ بَعْضُهم مَجِيءَ الحَوائِجِ جَمِيعًا لَها وهو مَحْجُوجٌ بِوُرُودِهِ في الفَصِيحِ وفي التَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إشْعارٌ بِالتَّعَطُّفِ والشَّفَقَةِ والتَّرَحُّمِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدِ اشْتَهَرَ بِالحُزْنِ والرِّقَّةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿ قَضاها ﴾ لِلدُّخُولِ عَلى مَعْنى أنَّ ذَلِكَ الدُّخُولَ قَضى حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي إرادَتُهُ أنْ يَكُونَ دُخُولُهم مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ فالمَعْنى ما كانَ ذَلِكَ الدُّخُولُ يُغْنِي عَنْهم مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا لَكِنْ قَضى حاجَةً حاصِلَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ لِوُقُوعِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْضًا وجُمْلَةُ ﴿ قَضاها ﴾ صِفَةُ ﴿ حاجَةً ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ﴿ إلا ﴾ لِأنَّها بِمَعْنى لَكِنْ وهي يَكُونُ لَها اسْمٌ وخَبَرٌ فَإذا أُوِّلَتْ بِها فَقَدْ يُقَدَّرُ خَبَرُها وقَدْ يُصَرَّحُ بِهِ كَما نَقَلَهُ القُطْبُ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ الحاجِبِ وفِيهِ أنَّ عَمَلَ إلّا بِمَعْنى لَكِنْ عَمَلُها مِمّا لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ وجَوَّزَ الطَّيِّبِيُّ كَوْنَ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا عَلى أنَّهُ مِن بابِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ فالمَعْنى ما أغْنى عَنْهم ما وصّاهم بِهِ أبُوهم شَيْئًا إلّا شَفَقَتَهُ الَّتِي في نَفْسِهِ ومِنَ الضَّرُورَةِ أنَّ شَفَقَةَ الأبِ مَعَ قَدَرِ اللَّهِ تَعالى كالهَباءِ فَإذَنْ ما أغْنى عَنْهم شَيْئًا أصْلًا ﴿ وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ ﴾ جَلِيلٍ ﴿ لِما عَلَّمْناهُ ﴾ أيْ لِتَعْلِيمِنا إيّاهُ بِالوَحْيِ ونَصْبِ الأدِلَّةِ حَيْثُ لَمْ يُعْتَقِدْ أنَّ الحَذَرَ يَدْفَعُ القَدَرَ حَتّى يَتَبَيَّنَ الخَلَلُ في رَأْيِهِ عِنْدَ تَخَلُّفِ الأثَرِ أوْ حَيْثُ بَتَّ القَوْلَ بِأنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا فَكانَتِ الحالُ كَما قالَ فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ و( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وجُوِّزَ كَوْنُ ( ما ) مَوْصُولًا اسْمِيًّا والضَّمِيرُ لَها واللّامُ صِلَةُ عِلْمٍ والمُرادُ بِهِ الحِفْظُ أيْ إنَّهُ لَذُو حِفْظٍ ومُراقَبَةٍ لِلَّذِي عَلَّمْناهُ إيّاهُ وقِيلَ: المَعْنى إنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِفَوائِدِ الَّذِي عَلَّمْناهُ وحُسْنِ إثارَةٍ وهو إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عامِلًا بِما عَلِمَهُ وما أُشِيرَ إلَيْهِ أوَّلًا هو الأوْلى ويُؤَيِّدُ التَّعْلِيلَ قِراءَةُ الأعْمَشِ ( مِمّا عَلِمْناهُ ) وفي تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ بِإنَّ واللّامِ وتَنْكِيرِ ﴿ عِلْمٍ ﴾ وتَعْلِيلِهِ بِالتَّعْلِيمِ المُسْنَدِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى جَلالَةِ شَأْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعُلُوِّ مَرْتَبَةِ عِلْمِهِ وفَخامَتِهِ ما لا يَخْفى ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ .
(68) .
سِرَّ القَدَرِ ويَزْعُمُونَ أنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ الحَذَرُ وقِيلَ: المُرادُ ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ إيجابَ الحَذَرِ مَعَ أنَّهُ لا يُغْنِي شَيْئًا مِنَ القَدَرِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ مَقامُ بَيانِ تَخَلُّفِ المَطْلُوبِ عَنِ المَبادِي.
وقِيلَ: المُرادُ ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ المَثابَةِ مِنَ العِلْمِ ويُرادُ بِأكْثَرِ النّاسِ حِينَئِذٍ المُشْرِكُونَ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَيْفَ أرْشَدَ أوْلِياءَهُ إلى العُلُومِ الَّتِي تَنْفَعُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وفِيهِ أنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَمّا نَحْنُ فِيهِ.
وجَعَلَ المَفْعُولَ سِرَّ القَدَرِ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ وقَدْ سَعى في بَيانِ المُرادِ مِنهُ وتَحْقِيقِ إلْغاءِ الحَذِرِ بَعْضُ أفاضِلِ المُتَأخِّرِينَ المُتَشَبِّثِينَ بِأذْيالِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم فَقالَ: إنَّ لَنا قَضاءً وقَدَرًا وسِرَّ قَدَرٍ وسِرَّ سِرِّهِ وبَيانُهُ أنَّ المُمْكِناتِ المَوْجُودَةَ وإنْ كانَتْ حادِثَةً بِاعْتِبارِ وجُودِها العَيْنِيِّ لَكِنَّها قَدِيمَةٌ بِاعْتِبارِ وجُودِها العِلْمِيِّ وتُسَمّى بِهَذا الِاعْتِبارِ مُهَيِّئاتِ الأشْياءِ والحُرُوفَ العالِيَةَ والأعْيانَ الثّابِتَةَ ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الأعْيانَ الثّابِتَةَ صُوَرٌ نِسْبِيَّةٌ وظِلالُ شُؤُوناتٍ ذاتِيَّةٍ لِحَضْرَةِ الواجِبِ تَعالى فَكَما أنَّ الواجِبَ تَعالى والشُّؤُونَ الذّاتِيَّةَ لَهُ سُبْحانَهُ مُقَدَّسَةٌ عَنْ قَبُولِ التَّغَيُّرِ أزَلًا وأبَدًا كَذَلِكَ الأعْيانُ الثّابِتَةُ الَّتِي هي ظِلالُها وصُوَرُها يَمْتَنِعُ عَلَيْها أنْ تَتَغَيَّرَ عَنِ الأحْكامِ الَّتِي هي عَلَيْها في حَدِّ نَفْسِها فالقَضاءُ هو الحُكْمُ الكُلِّيُّ عَلى أعْيُنِ المَوْجُوداتِ بِأحْوالٍ جارِيَةٍ وأحْكامٍ طارِئَةٍ عَلَيْها مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ والقَدَرُ تَفْصِيلُ هَذا الحُكْمِ الكُلِّيِّ بِتَخْصِيصِ إيجادِ الأعْيانِ وإظْهارِها بِأوْقاتٍ وأزْمانٍ يَقْتَضِي اسْتِعْدادُها الوُقُوعَ فِيها وتَعْلِيقُ كُلِّ حالٍ مِن أحْوالِها بِزَمانٍ مُعَيَّنٍ وسَبَبٍ مَخْصُوصٍ وسِرُّ القَدَرِ هو أنْ يَمْتَنِعَ أنْ يَظْهَرَ عَيْنٌ مِنَ الأعْيانِ إلّا عَلى حَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ وسِرُّ سِرِّ القَدَرِ هو أنَّ تِلْكَ الِاسْتِعْداداتِ أزَلِيَّةٌ غَيْرُ مَجْعُولَةٍ بِجَعْلِ الجاعِلِ لِكَوْنِ تِلْكَ الأعْيانِ ظِلالَ شُؤُوناتٍ ذاتِيَّةٍ مُقَدَّسَةٍ عَنِ الجَعْلِ والِانْفِعالِ ولا شَكَّ أنَّ الحُكْمَ الكُلِّيَّ عَلى المَوْجُوداتِ تابِعٌ لِعِلْمِهِ تَعالى بِأعْيانِها الثّابِتَةِ وعِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِتِلْكَ الأعْيانِ تابِعٌ لِنَفْسِ تِلْكَ الأعْيانِ إذْ لا أثَرَ لِلْعِلْمِ الأزَلِيِّ في المَعْلُومِ بِإثْباتِ أمْرٍ لَهُ لا يَكُونُ ثابِتًا أوْ بِنَفْيِ أمْرٍ عَنْهُ يَكُونُ ثابِتًا بَلْ عِلْمُهُ تَعالى بِأمْرٍ ما إنَّما يَكُونُ عَلى وجْهٍ يَكُونُ هو في حَدِّ ذاتِهِ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ وأمّا الأعْيانُ فَقَدْ عَرَفْتَ أنَّها ظِلالٌ لِأُمُورٍ أزَلِيَّةٍ مُقَدَّسَةٍ عَنْ شَوائِبِ التَّغَيُّرِ فَكانَتْ أزَلًا فاللَّهُ تَعالى عَلِمَ بِها كَما كانَتْ وقَضى وحَكَمَ كَما عَلِمَ وقَدَّرَ وأوْجَدَ كَما قَضى وحَكَمَ فالقَدَرُ تابِعٌ لِلْقَضاءِ التّابِعِ لِلْعِلْمِ التّابِعِ لِلْمَعْلُومِ التّابِعِ لِما هو ظِلٌّ لَهُ فَإلَيْهِ سُبْحانَهُ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فَيَمْتَنِعُ أنْ يَظْهَرَ خِلافَ ما عَلِمَ فَلِذا يَلْغُو الحَذَرُ لَكِنْ أمَرَ بِهِ رِعايَةً لِلْأسْبابِ فَإنَّ تَعْطِيلَها مِمّا يُفَوِّتُ انْتِظامَ أمْرِ هَذِهِ النَّشْأةِ ولِذا ورَدَ أنَّ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَرَكَ تَعاطِيَ أسْبابِ تَحْصِيلِ الغِذاءِ وقالَ: لا أسْعى في طَلَبِ شَيْءٍ بَعْدَ أنْ كانَ اللَّهُ تَعالى هو المُتَكَفِّلُ بِرِزْقِي ولا آكُلُ ولا أشْرَبُ ما لَمْ يَكُنْ سُبْحانَهُ هو الَّذِي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي فَبَقِيَ أيّامًا عَلى ذَلِكَ حَتّى كادَتْ تَغِيظُ نَفْسُهُ مِمّا كابَدَهُ فَأوْحى إلَيْهِ سُبْحانَهُ يا فُلانُ لَوْ بَقِيتَ كَذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ تَتَعاطَ سَبَبًا ما رَزَقْتُكَ أتُرِيدُ أنْ تُعَطِّلَ أسْبابِيَ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ سَبَبَ إيجابِ الحَذَرِ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الأُمُورِ قَضى مُعَلَّقًا ونِيطَ تَحْصِيلُهُ بِالأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ لِلْبَشَرِ بِتَرْتِيبِ أسْبابِهِ ودَفْعِ مَوانِعِهِ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الحِفْظُ عَنِ المَكْرُوهِ مِن جُمْلَةِ ما نِيطَ بِفِعْلٍ اخْتِيارِيٍّ وهو الحَذَرُ وهو لا يَأْبى ما قُلْناهُ كَما لا يَخْفى هَذا.
وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ القَدَرَ مَرْتَبَةٌ بَيْنَ الذّاتِ والمَظاهِرِ ومَن عَلَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلِمَهُ ومَن جَهَلَّهُ سُبْحانَهُ جَهِلَهُ واللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ لا يُعْلَمُ فالقَدَرَ أيْضًا لا يُعْلَمُ وإنَّما طَوى عِلْمَهُ حَتّى لا يُشارَكَ الحَقُّ في عِلْمِ حَقائِقِ الأشْياءِ مِن طَرِيقِ الإحاطَةِ بِها إذْ لَوْ عَلِمَ أيَّ مَعْلُومٍ كانَ بِطَرِيقِ الإحاطَةِ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ كَما يَعْلَمُهُ الحَقُّ لَما تَمَيَّزَ عِلْمُ الحَقِّ عَنْ عِلْمِ العَبْدِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ ولا يَلْزَمُنا عَلى هَذا الِاسْتِواءِ فِيما عُلِمَ مِنهُ فَإنَّ الكَلامَ فِيما عُلِمَ كَذَلِكَ فَإنَّ العَبْدَ جاهِلٌ بِكَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ العِلْمِ مُطْلَقًا بِمَعْلُومِهِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ الِاشْتِراكُ مَعَ الحَقِّ في العِلْمِ بِمَعْلُومٍ ما ومِنَ المَعْلُوماتِ العِلْمُ بِالعِلْمِ وما مِن وجْهٍ مِنَ المَعْلُوماتِ إلّا ولِلْقَدَرِ فِيهِ حُكْمٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا هو سُبْحانَهُ فَلَوْ عُلِمَ القَدَرُ عُلِمَتْ ولَوْ عُلِمَتْ أحْكامُهُ لاسْتَقَلَّ العَبْدُ في العِلْمِ بِكُلِّ شَيْءٍ وما احْتاجَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ في شَيْءٍ وكانَ لَهُ الغِنى عَلى الإطْلاقِ وسِرُّ القَدَرِ عَيْنُ تَحَكُّمِهِ في الخَلائِقِ وأنَّهُ لا يَنْكَشِفُ لَهم هَذا السِّرُّ حَتّى يَكُونَ الحَقُّ بَصَّرَهم.
وقَدْ ورَدَ النَّهْيُ عَنْ طَلَبِ عِلْمِ القَدَرِ وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ عُزَيْرًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ كَثِيرَ السُّؤالِ عَنْهُ إلى أنْ قالَ الحَقُّ سُبْحانَهُ لَهُ: يا عُزَيْرُ لَئِنْ سَألْتَ عَنْهُ لَأمْحُوَنَّ اسْمَكَ مِن دِيوانِ النُّبُوَّةِ ويَقْرُبُ مِن ذَلِكَ السُّؤالِ عَنْ عِلَلِ الأشْياءِ في مَكْنُوناتِها فَإنَّ أفْعالَ الحَقِّ لا يَنْبَغِي أنْ تُعَلَّلَ فَإنَّ ما ثُمَّ عِلَّةٌ مُوجِبَةٌ لِتَكْوِينِ شَيْءٍ إلّا عَيْنُ وُجُودِ الذّاتِ وقَبُولُ عَيْنِ المُمْكِنِ لِظُهُورِ الوُجُودِ والأزَلِ لا يَقْبَلُ السُّؤالَ عَنِ العِلَلِ والسُّؤالُ عَنْ ذَلِكَ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ جاهِلٍ بِاللَّهِ تَعالى فافْهَمْ ذاكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ يَتَوَلّى هُداكَ <div class="verse-tafsir"
﴿ ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى ﴾ أيْ ضَمَّ ﴿ إلَيْهِ أخاهُ ﴾ بِنْيامِينَ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: أيُّها المَلِكُ هَذا أخُونا الَّذِي أمَرْتَنا أنْ نَأْتِيَكَ بِهِ قَدْ جِئْناكَ بِهِ فَقالَ لَهم: أحْسَنْتُمْ وأصَبْتُمْ وسَتَجِدُونَ ذَلِكَ عِنْدِي وبَلَّغُوهُ رِسالَةَ أبِيهِمْ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ودَّعُوهُ قالَ لَهم: بَلِّغُوا مَلِكَ مِصْرَ سَلامِي وقُولُوا لَهُ: إنَّ أبانا يُصَلِّي عَلَيْكَ ويَدْعُو لَكَ ويَشْكُرُ صَنِيعَكَ مَعَنا وقالَ أبُو مَنصُورٍ المُهْرانِيُّ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَهُ بِذَلِكَ في كِتابٍ فَلَمّا قَرَأهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَكى ثُمَّ إنَّهُ أكْرَمَهم وأنْزَلَهم وأحْسَنَ نُزُلَهم ثُمَّ أضافَهم وأجْلَسَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنهم عَلى مائِدَةٍ فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحِيدًا فَبَكى وقالَ: لَوْ كانَ أخِي يُوسُفُ حَيًّا لَأجْلَسَنِي مَعَهُ فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَقِيَ أخُوكم وحْدَهُ فَقالُوا لَهُ: كانَ لَهُ أخٌ فَهَلَكَ قالَ: فَأنا أُجْلِسُهُ مَعِي فَأخَذَهُ وأجْلَسَهُ مَعَهُ عَلى مائِدَةٍ وجَعَلَ يُؤاكِلُهُ فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ أمَرَهم بِمِثْلِ ذَلِكَ وقالَ: يَنامُ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنكم عَلى فِراشٍ فَبَقِيَ بِنْيامِينُ وحْدَهُ فَقالَ: هَذا يَنامُ عِنْدِي عَلى فِراشِي فَنامَ مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فِراشِهِ فَجَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَضُمُّهُ إلَيْهِ ويَشُمُّ رِيحَهُ حَتّى أصْبَحَ وسَألَهُ عَنْ ولَدِهِ فَقالَ: لِي عَشَرَةُ بَنِينَ اشْتَقَقْتُ أسْماءَهم مِنَ اسْمِ أخٍ لِي هَلَكَ فَقالَ لَهُ: أتُحِبُّ أنْ أكُونَ أخاكَ بَدَلَ أخِيكَ الهالِكِ قالَ: مَن يَجِدُ أخًا مِثْلَكَ أيُّها المَلِكُ ولَكِنْ لَمْ يَلِدْكَ يَعْقُوبُ ولا راحِيلُ فَبَكى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقامَ إلَيْهِ وعانَقَهُ وتَعَرَّفَ إلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ ﴾ يُوسُفُ ﴿ فَلا تَبْتَئِسْ ﴾ أيْ فَلا تَحْزَنْ ﴿ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .
(69) .
بِنا فِيما مَضى فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحْسَنَ إلَيْنا وجَمَعَنا عَلى خَيْرٍ ولا تُعْلِمْهم بِما أعْلَمْتُكَ والقَوْلُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعَرَّفَ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ بِأنَّهُ أخُوهُ حَقِيقَةً هو الظّاهِرُ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِما إلّا أنَّ ابْنَ إسْحاقَ قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ بَعْدَ أنْ تَعَرَّفَ إلَيْهِ: لا تُبالِ بِكُلِّ ما تَراهُ مِنَ المَكْرُوهِ في تَحَيُّلِي في أخْذِكَ مِنهم قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ ﴿ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ إلى ما يَعْمَلُهُ فِتْيانُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أمْرِ السِّقايَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ وهو لَعَمْرِي مِمّا لا يَكادُ يَقُولُ بِهِ مَن لَهُ أدْنى مَعْرِفَةٍ بِأسالِيبِ الكَلامِ وقالَ وهْبٌ: إنَّما أخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قائِمٌ مَقامَ أخِيهِ الذّاهِبِ في الوِدِّ ولَمْ يَكْشِفْ إلَيْهِ الأمْرَ ومَعْنى ”( لا تَبْتَئِسْ )“ ..
إلَخْ لا تَحْزَنْ بِما كُنْتَ تَلْقاهُ مِنهم مَنِ الحَسَدِ والأذى فَقَدْ أمِنتَهم ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنا لا أُفارِقُكَ قالَ: قَدْ عَلِمْتُ اغْتِمامَ والِدِي فَإذا حَبَسْتُكَ ازْدادَ غَمُّهُ ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا أنْ أنْسِبُكَ إلى ما لا يَجْمُلُ قالَ: لا أُبالِي فافْعَلْ ما بَدا لَكَ قالَ: فَإنِّي أدُسُّ صاعِيَ في رَحْلِكَ ثُمَّ أُنادِي عَلَيْكَ بِأنَّكَ سَرَقْتَهُ لِيَتَهَيَّأ لِي رَدُّكَ بَعْدَ تَسْرِيحِكَ مَعَهم قالَ: افْعَلْ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ ﴾ ووَفّى لَهُمُ الكَيْلَ وزادَ كُلًّا مِنهم عَلى ما رُوِيَ حِمْلَ بِعِيرٍ ﴿ جَعَلَ السِّقايَةَ ﴾ هي إناءٌ يَشْرَبُ بِهِ المَلِكُ وبِهِ كانَ يُكالُ الطَّعامُ لِلنّاسِ وقِيلَ: كانَتْ تُسْقى بِها الدَّوابُّ ويُكالُ بِها الحُبُوبُ وكانَتْ مِن فِضَّةٍ مُرَصَّعَةٍ بِالجَواهِرِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أوْ بِدُونِ ذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها مِن ذَهَبٍ وقِيلَ: مِن فِضَّةٍ مُمَوَّهَةٍ بِالذَّهَبِ وقِيلَ: كانَتْ إناءً مُسْتَطِيلَةً تُشْبِهُ المَكُّوكَ الفارِسِيَّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفاهُ يَسْتَعْمِلُهُ الأعاجِمُ يُرْوى أنَّهُ كانَ لِلْعَبّاسِ مِثْلُهُ يَشْرَبُ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ ولِعِزَّةِ الطَّعامِ في تِلْكَ الأعْوامِ قَصَرَ كَيْلَهُ عَلى ذَلِكَ والظّاهِرُ أنَّ الجاعِلَ هو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسُهُ ويَظْهَرُ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مَلِكًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُباشِرِ الجَعْلَ بِنَفْسِهِ بَلْ أمَرَ أحَدًا فَجَعَلَها ﴿ فِي رَحْلِ أخِيهِ ﴾ بِنْيامِينَ مِن حَيْثُ يَشْعُرُ أوْ لا يَشْعُرُ.
وقُرِئَ ( وجَعَلَ ) بِواوٍ وفي ذَلِكَ احْتِمالانِ الأوَّلُ أنْ تَكُونَ الواوُ زائِدَةً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ وما بَعْدَها هو جَوابُ ( لَمّا ) والثّانِي أنْ تَكُونَ عاطِفَةً عَلى مَحْذُوفٍ وهو الجَوابُ أيْ فَلَمّا جَهَّزَهم أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا وجَعَلَ ﴿ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ ﴾ نادى مُسْمِعٌ كَما في مَجْمَعِ البَيانِ وفي الكَشّافِ وغَيْرِهِ نادى مُنادٍ.
وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ النُّحاةَ قالُوا: لا يُقالُ قامَ قائِمٌ لِأنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ وأُجِيبَ بِأنَّهم أرادُوا أنَّ ذَلِكَ المُنادِيَ مِن شَأْنِهِ الإعْلامُ بِما نادى بِهِ بِمَعْنى أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ مُقَدَّرَةٍ تَتِمُّ بِها الفائِدَةُ أيْ أذَّنَ رَجُلٌ مُعَيَّنٌ لِلْأذانِ ﴿ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ ﴾ .
(70) .
وقَدْ يُقالُ: قِياسُ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى المِثالِ المَذْكُورِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ وكَثِيرًا ما تَتِمُّ الفائِدَةُ بِما لَيْسَ مِن أجْزاءِ الجُمْلَةِ ومِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ ولا يَشْرَبُ الخَمْرَ وهو مُؤْمِنٌ» والعِيرُ الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَعِيرُ أيْ تَذْهَبُ وتَجِيءُ وهو اسْمُ جَمْعٍ لِذَلِكَ لا واحِدَ لَهُ والمُرادُ هُنا أصْحابُ العِيرِ كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» وذَلِكَ إمّا مِن بابِ المَجازِ أوِ الإضْمارِ إلّا أنَّهُ نُظِرَ إلى المَعْنى في الآيَةِ ولَمْ يُنْظَرْ إلَيْهِ في الحَدِيثِ وقِيلَ: العِيرُ قافِلَةُ الحَمِيرِ ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيها حَتّى قِيلَتْ لِكُلِّ قافِلَةٍ كَأنَّها جَمْعُ عَيْرٍ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ الياءِ وهو الحِمارُ وأصْلُها عُيُرٌ بِضَمِّ العَيْنِ والياءِ اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الياءِ فَحُذِفَتْ ثُمَّ كُسِرَتِ العَيْنُ لِثِقَلِ الياءِ بَعْدَ الضَّمَّةِ كَما فُعِلَ في بِيضٍ جَمْعِ أبْيَضَ وغِيدٍ جَمْعِ أغْيَدَ وحُمِلَ العِيرُ هُنا عَلى قافِلَةِ الإبِلِ هو المَرْوِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها كانَتْ قافِلَةُ حَمِيرٍ والخِطابُ بِـ ﴿ إنَّكم لَسارِقُونَ ﴾ إنْ كانَ بِأمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَعَلَّهُ أُرِيدَ بِالسَّرِقَةِ أخْذُهم لَهُ مِن أبِيهِ عَلى وجْهِ الخِيانَةِ كالسُّرّاقِ ودُخُولِ بِنْيامِينَ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ أوْ أُرِيدُ سَرِقَةُ السِّقايَةِ ولا يَضُرُّ لُزُومُ الكَذِبِ لِأنَّهُ إذا تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً رُخِّصَ فِيهِ وإمّا كَوْنُهُ بِرِضا أخِيهِ فَلا يَدْفَعُ ارْتِكابَ الكَذِبِ وإنَّما يَدْفَعُ تَأذِّي الأخِ مِنهُ أوْ يَكُونُ المَعْنى عَلى الِاسْتِفْهامِ أيْ أئِنَّكم لَسارِقُونَ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ وإلّا فَهو مِن قِبَلِ المُؤَذِّنِ بِناءً عَلى زَعْمِهِ قِيلَ والأوَّلُ هو الأظْهَرُ الأوْفَقُ لِلسِّياقِ وفي البَحْرِ الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا التَّحَيُّلَ ورَمْيَ البُرّاءِ بِالسَّرِقَةِ وإدْخالَ الهَمِّ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِما عَلِمَ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ مِنَ الصَّلاحِ ولِما أرادَ مِن مِحْنَتِهِمْ بِذَلِكَ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ﴾ وقَرَأ اليَمانِيُّ ( إنَّكم سارِقُونَ ) بِلا لامٍ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا ﴾ أيِ الإخْوَةُ ﴿ وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ عَلى طالِبِي السِّقايَةِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ أوْ عَلى المُؤَذِّنِ إنْ كانَ أُرِيدَ مِنهُ جَمْعٌ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَعَلَ مُؤَذِّنِينَ يُنادُونَ بِذَلِكَ عَلى ما في البَحْرِ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( قالُوا ) جِيءَ بِها لِلدَّلالَةِ عَلى انْزِعاجِهِمْ مِمّا سَمِعُوهُ لِمُبايَنَتِهِ لِحالِهِمْ أيْ قالُوا مُقْبِلِينَ عَلَيْهِمْ ﴿ ماذا تَفْقِدُونَ ﴾ .
(71) .
أيْ أيَّ شَيْءٍ تَفْقِدُونَ أوْ ما الَّذِي تَفْقِدُونَهُ والفَقْدُ كَما قالَ الرّاغِبُ: عَدَمُ الشَّيْءِ بَعْدَ وُجُودِهِ فَهو أخَصُّ مِنَ العَدَمِ فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ ولِما لَمْ يُوجَدْ أصْلًا وقِيلَ: هو عَدَمُ الشَّيْءِ بِأنْ يَضِلَّ عَنْكَ لا بِفِعْلِكَ وحاصِلُ المَعْنى ما ضاعَ مِنكم وصِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ ( تُفْقِدُونَ ) بِضَمِّ التّاءِ مِن أفْقَدْتُهُ إذا وجَدْتُهُ فَقِيدًا نَحْوَ أحْمَدْتُهُ إذا وجَدْتُهُ مَحْمُودًا وضَعَّفَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ ووَجْهُها ما ذُكِرَ وعَلى القِراءَتَيْنِ فالعُدُولُ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِن قَوْلِهِمْ: ماذا سُرِقَ مِنكم عَلى ما قِيلَ لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِمْ بِإظْهارِ أنَّهُ لَمْ يُسْرَقْ مِنهم شَيْءٌ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونُوا هُمُ السّارِقِينَ لَهُ وإنَّما المُمْكِنُ أنْ يَضِيعَ مِنهم شَيْءٌ فَيَسْألُونَهم ماذا وفِيهِ إرْشادٌ لَهم إلى مُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ والِاحْتِرازِ عَنِ المُجازَفَةِ ونِسْبَةِ البُرّاءِ إلى ما لا خَيْرَ فِيهِ لا سِيَّما بِطْرِيقِ التَّأْكِيدِ فَلِذَلِكَ غَيَّرُوا كَلامَهم حَيْثُ قالُوا في جَوابِهِمْ: <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ﴾ ولَمْ يَقُولُوا سَرَقْتُمُوهُ أوْ سُرِقَ وقِيلَ: كانَ الظّاهِرُ أنْ يُبادِرُوا بِالإنْكارِ ونَفْيِ أنْ يَكُونُوا سارِقِينَ ولَكِنَّهم قالُوا ذَلِكَ طَلَبًا لِإكْمالِ الدَّعْوى إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيها ما تَبْطُلُ بِهِ فَلا تَحْتاجُ إلى خِصامٍ وعَدَلُوا عَنْ ماذا سُرِقَ مِنكم إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِما ذُكِرَ آنِفًا والصُّواعُ بِوَزْنِ غُرابٍ المِكْيالُ وهو السِّقايَةُ ولَمْ يُعَبَّرْ بِها مُبالَغَةً في الإفْهامِ والإفْصاحِ ولِذا أعادَ الفِعْلَ وصِيغَةَ المُسْتَقْبَلِ لِما تَقَدَّمَ أوْ لِلْمُشاكَلَةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَما قَرَأ الجُمْهُورُ إلّا أنَّهم كَسَرُوا الصّادَ وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ ومُجاهِدٌ ( صاعَ ) بِغَيْرِ واوٍ عَلى وزْنِ فَعْلٍ فالألِفُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَفْتُوحَةِ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ ( صَوْعَ ) بِوَزْنِ قَوْسٍ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنِ بْنِ أبِي أرْطَبانَ ( صُوعَ ) بِضَمِّ الصّادِ وكُلُّها لُغاتٌ في الصّاعِ وهو مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ وأبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَحْفَظِ التَّأْنِيثَ وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ فِيما نَقَلَ عَنْهُما صاحِبُ اللَّوامِحِ ( صُواغَ ) بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ عَلى وزْنِ غُرابٍ أيْضًا وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ الألِفَ وسَكَّنَ الواوَ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ( صَوْغَ ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن صاغَ يَصُوغُ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ وكَذا يُرادُ مِن ( صُواغَ ) و( صَوْغَ ) في القِراءَتَيْنِ أيْ نَفْقِدُ مَصُوغَ المَلِكِ ﴿ ولِمَن جاءَ بِهِ ﴾ أيْ أتى بِهِ مُطْلَقًا ولَوْ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ وقِيلَ: مَن دَلَّ عَلى سارِقِهِ وفَضَحَهُ ﴿ حِمْلُ بَعِيرٍ ﴾ أيْ مِنَ الطَّعامِ جُعْلًا لَهُ والحِمْلَ عَلى ما في مَجْمَعِ البَيانِ بِالكَسْرِ لِما انْفَصَلَ وبِالفَتْحِ لِما اتَّصَلَ وكَأنَّهُ أشارَ إلى ما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ مِن أنَّ الحِمْلَ بِالفَتْحِ يُقالُ في الأثْقالِ المَحْمُولَةِ في الباطِنِ كالوَلَدِ في البَطْنِ والماءِ في السَّحابِ والثَّمَرَةِ في الشَّجَرَةِ ﴿ وأنا بِهِ زَعِيمٌ ﴾ .
(72) .
أيْ كَفِيلٌ أُؤَدِّيهِ إلَيْهِ وهو قَوْلُ المُؤَذِّنِ.
واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ كَما في الهِدايَةِ وشُرُوحِها عَلى جَوازِ تَعْلِيقِ الكَفالَةِ بِالشُّرُوطِ لِأنَّ مُنادِيَهُ عَلَّقَ الِالتِزامَ بِالكَفالَةِ بِسَبَبِ وُجُوبِ المالِ وهو المَجِيءُ بِصُواعِ المَلِكِ ونِدائِهِ بِأمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وشَرْعُ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا إذا مَضى مِن غَيْرِ إنْكارٍ وأُورِدَ عَلَيْهِ أمْرانِ الأوَّلُ ما قالَهُ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ مِن أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَحْمُولَةٌ عَلى الجَعالَةِ لِما يَأْتِي بِهِ لا لِبَيانِ الكَفالَةِ فَهي كَقَوْلِ مَن أبَقَ عَبْدُهُ مَن جاءَ بِهِ فَلَهُ عَشْرَةُ دَراهِمَ وهو لَيْسَ بِكَفالَةٍ لِأنَّها إنَّما تَكُونُ إذا التَزَمَ عَنْ غَيْرِهِ وهُنا قَدِ التَزَمَ عَنْ نَفْسِهِ الثّانِي أنَّ الآيَةَ مَتْرُوكَةُ الظّاهِرِ لِأنَّ فِيها جَهالَةَ المَكْفُولِ لَهُ وهي تُبْطِلُ الكَفالَةَ وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ الزَّعْمَ حَقِيقَةٌ في الكَفالَةِ والعَمَلَ بِها مَهْما أمْكَنَ واجِبٌ فَكَأنَّ مَعْناهُ قَوْلُ المُنادِي لِلْغَيْرِ: إنَّ المَلِكَ قالَ: لِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بِعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ فَيَكُونُ ضامِنًا عَنِ المَلِكِ لا عَنْ نَفْسِهِ فَتَتَحَقَّقُ حَقِيقَةُ الكَفالَةِ وعَنِ الثّانِي بِأنَّ في الآيَةِ ذِكْرَ أمْرَيْنِ الكَفالَةُ مَعَ الحَمالَةِ لِلْمَكْفُولِ لَهُ وإضافَتُها إلى سَبَبِ الوُجُوبِ وعَدَمُ جَوازِ أحَدِهِما بِدَلِيلٍ لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ جَوازِ الآخَرِ.
وفِي كِتابِ الأحْكامِ أنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ زَعِيمٌ بِمَعْنى كَفِيلٍ فَظَنَّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ ذَلِكَ كَفالَةُ إنْسانٍ ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ قائِلَهُ جَعَلَ حِمْلَ بِعِيرٍ أُجْرَةً لِمَن جاءَ بِالصّاعِ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: وأنا بِهِ زَعِيمٌ أيْ ضامِنٌ فَألْزَمَ نَفْسَهُ ضَمانَ الأُجْرَةِ لِرَدِّ الصّاعِ وهَذا أصْلٌ في جَوازِ قَوْلِ القائِلِ: مَن حَمَلَ هَذا المَتاعَ لِمَوْضِعِ كَذا فَلَهُ دِرْهَمٌ وأنَّهُ إجارَةٌ جائِزَةٌ إنْ لَمْ يُشارِطْ رَجُلًا بِعَيْنِهِ وكَذا قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ في السِّيَرِ الكَبِيرِ: ولَعَلَّ حِمْلَ البَعِيرِ كانَ قَدْرًا مَعْلُومًا فَلا يُقالُ: إنَّ الإجارَةَ لا تَصِحُّ إلّا بِأجْرٍ مَعْلُومٍ كَذا ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.
وقالَ الإمامُ: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكَفالَةَ كانَتْ صَحِيحَةً في شَرْعِهِمْ وقَدْ حَكَمَ بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ «الزَّعِيمُ غارِمٌ» ولَيْسَتْ كَفالَةً بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ لِأنَّ حِمْلَ بِعِيرٍ مِنَ الطَّعامِ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم فَصَحَّتِ الكَفالَةُ بِهِ إلّا أنَّ هَذِهِ كَفالَةُ مالٍ لِرَدِّ السَّرِقَةِ وهي كَفالَةٌ لِما لَمْ يَجِبْ لِأنَّهُ لا يَحِلُّ لِلسّارِقِ أنْ يَأْخُذَ شَيْئًا عَلى رَدِّ السَّرِقَةِ.
ولَعَلَّ مِثْلَ هَذِهِ الكَفالَةِ كانَتْ تَصِحُّ عِنْدَهم وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى أنَّ الرّادَّ هو مَن عَلِمَ أنَّهُ الَّذِي سَرَقَ لِيَحْتاجَ إلى التِزامِ القَوْلِ بِصِحَّةِ ذَلِكَ في دِينِهِمْ وتَمامُ البَحْثِ في مَحَلِّهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا تاللَّهِ ﴾ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ عَلى أنَّ التّاءَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ كَما أُبْدِلَتْ في تُراثٍ وتَوْراةٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وقِيلَ هي بَدَلٌ مِنَ الباءِ وقالَ السُّهَيْلِيُّ: إنَّها أصْلٌ بِرَأْسِها وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّها لا يُقْسَمُ بِها إلّا في اللَّهِ خاصَّةً وتُعُقِّبَ بِالمَنعِ لِدُخُولِها عَلى الرَّبِّ مُطْلَقًا أوْ مُضافًا لِلْكَعْبَةِ وعَلى الرَّحْمَنِ وقالُوا تَحِيّاتِكَ أيْضًا وأيًّا ما كانَ فَفي القَسَمِ بِها مَعْنى التَّعَجُّبِ كَأنَّهم تَعَجَّبُوا مِن رَمْيِهِمْ بِما ذُكِرَ مَعَ ما شاهَدُوهُ مِن حالِهِمْ فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَعْكُمُونَ أفْواهَ إبِلِهِمْ لِئَلّا تَنالَ مِن زُرُوعِ النّاسِ وطَعامِهِمْ شَيْئًا واشْتَهَرَ أمْرُهم في مِصْرَ بِالعِفَّةِ والصَّلاحِ والمُثابَرَةِ عَلى فُنُونِ الطّاعاتِ ولِذا قالُوا: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ﴾ عِلْمًا جازِمًا مُطابِقًا لِلْواقِعِ ﴿ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ ﴾ أيْ لِنَسْرِقَ فَإنَّ السَّرِقَةَ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الإفْسادِ أوْ لِنُفْسِدَ فِيها أيَّ إفْسادٍ كانَ فَضْلًا عَمّا نَسَبْتُمُونا إلَيْهِ مِنَ السَّرِقَةِ ونَفْيُ المَجِيءِ لِلْإفْسادِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْزِمًا لِما هو مُقْتَضى المَقامِ مِن نَفْيِ الإفْسادِ مُطْلَقًا لَكِنَّهم جَعَلُوا المَجِيءَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ولَوْ بِطَرِيقِ الِاتِّفاقِ مَجِيئًا لِغَرَضِ الإفْسادِ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ ادِّعاءً إظْهارًا لِكَمالِ قُبْحِهِ عِنْدَهم وتَرْبِيَةً لِاسْتِحالَةِ صُدُورِهِ عَنْهم فَكَأنَّهم قالُوا: إنْ صَدَرَ عَنّا إفْسادٌ كانَ مَجِيئُنا لِذَلِكَ مُرِيدِينَ بِهِ تَقْبِيحَ حالِهِ وإظْهارَ كَمالِ نَزاهَتِهِمْ عَنْهُ كَذا قِيلَ.
وقِيلَ: إنَّهم أرادُوا نَفْيَ لازِمِ المَجِيءِ لِلْإفْسادِ في الجُمْلَةِ وهو تَصَوُّرُ الإفْسادِ مُبالَغَةً في نَزاهَتِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فَكَأنَّهم قالُوا: ما مَرَّ لَنا الإفْسادُ بِبالٍ ولا تَعَلَّقَ بِخَيالٍ فَضْلًا عَنْ وُقُوعِهِ مِنّا ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿ وما كُنّا سارِقِينَ ﴾ .
(73) .
أيْ ما كُنّا نُوصَفُ بِالسَّرِقَةِ قَطُّ والظّاهِرُ دُخُولُ هَذا في حَيِّزِ العِلْمِ كالأوَّلِ ووَجْهُهُ أنَّ العِلْمَ بِأحْوالِهِمُ المُشاهَدَةِ يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِأحْوالِهِمُ الفائِتَةِ والحِلْفُ في الحَقِيقَةِ عَلى الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ في حَيِّزِ العِلْمِ لا عَلى عِلْمِ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ إلّا أنَّهم ذَكَرُوهُ لِلِاسْتِشْهادِ وتَأْكِيدِ الكَلامِ ولِذا أجْرَتِ العَرَبُ العِلْمَ مَجْرى القَسَمِ كَما في قَوْلِهِ: ولَقَدْ عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتِي إنَّ المَنايا لا تَطِيشُ سِهامُها وفِي ذَلِكَ مِن إلْزامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وتَحْقِيقِ أمْرِ التَّعَجُّبِ المَفْهُومِ مِن تاءِ القَسَمِ مِن كَلامِهِمْ كَما فِيهِ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَما جِئْنا ..
إلَخْ مُتَعَلِّقَ العِلْمِ وأنْ يَكُونَ جَوابَ القَسَمِ أوْ جَوابَ العِلْمِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْناهُ وهو لا يَأْبى ما تَقَدَّمَ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا ﴾ أيْ أصْحابُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ فَما جَزاؤُهُ ﴾ أيِ الصُّواعُ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ما جَزاءُ سَرِقَتِهِ: الضَّمِيرُ لِسَرَقَ أوْ لِلسّارِقِ والجَزاءُ إلى الجِنايَةِ حَقِيقَةً وإلى صاحِبِها مَجازًا وقَدْ يُقالُ: بِحَذْفِ المُضافِ فافْهَمْ والمُرادُ فَما جَزاءُ ذَلِكَ عِنْدَكم وفي شَرِيعَتِكم ﴿ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ ﴾ .
(74) .
أيْ في ادِّعاءِ البَراءَةِ كَما هو الظّاهِرُ وفي التَّعْبِئَةِ بِإنْ مُراعاةً لِجانِبِهِمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا ﴾ أيِ الإخْوَةُ ﴿ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ ﴾ أيْ أخْذُ مَن وُجِدَ الصُّواعُ ﴿ فِي رَحْلِهِ ﴾ واسْتِرْقاقُهُ وقُدِّرَ المُضافُ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الذّاتِ ولِأنَّ نَفْسَ ذاتِ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ لَيْسَتْ جَزاءً في الحَقِيقَةِ واخْتارُوا عُنْوانَ الوُجْدانِ في الرَّحْلِ دُونَ السَّرِقَةِ مَعَ أنَّهُ المُرادُ لِأنَّ كَوْنَ الأخْذِ والِاسْتِرْقاقِ سُنَّةً عِنْدَهم ومِن شَرِيعَةِ أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى السّارِقِ دُونَ مَن وُجِدَ عِنْدَهُ مالُ غَيْرِهِ كَيْفَما كانَ إشارَةً إلى كَمالِ نَزاهَتِهِمْ حَتّى كَأنَّ أنْفُسَهم لا تُطاوِعُهم وألْسِنَتَهم لا تُساعِدُهم عَلى التَّلَفُّظِ بِهِ مُثْبِتًا لِأحَدِهِمْ بِأيِّ وجْهٍ وكَأنَّهم تَأْكِيدًا لِتِلْكَ الإشارَةِ عَدَلُوا عَمَّنْ وُجِدَ عِنْدَهُ إلى مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ ﴿ فَهُوَ جَزاؤُهُ ﴾ أيْ فَأخْذُهُ جَزاؤُهُ وهو تَقْدِيرٌ لِلْحُكْمِ السّابِقِ بِإعادَتِهِ كَما في قَوْلِكَ: حَقُّ الضَّيْفِ أنْ يُكْرَمَ فَهو حَقُّهُ ولَيْسَ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ فالغَرَضُ مِنَ الأوَّلِ إفادَةُ الحُكْمِ ومِنَ الثّانِي إفادَةُ حَقِّيَّتِهِ والِاحْتِفاظُ بِشَأْنِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَهَذا ما تَلَخَّصَ وتَحَقَّقَ لِلنّاظِرِ في المَسْألَةِ لا مِرْيَةَ فِيهِ قِيلَ: وذَكَرَ الفاءَ في ذَلِكَ لِتَفَرُّغِهِ عَلى ما قَبْلَهُ ادِّعاءً وإلّا فَكانَ الظّاهِرُ تَرْكَها لِمَكانِ التَّأْكِيدِ ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ الجُمْلَةَ المُؤَكِّدَةَ قَدْ تُعْطَفُ لِنُكْتَةٍ وإنْ لَمْ يَذْكُرْهُ أهْلُ المَعانِي وجُوِّزَ كَوْنُ ﴿ مَن ﴾ مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُهُ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ خَبَرُ ﴿ جَزاؤُهُ ﴾ وأنْ تَكُونَ ﴿ مَن ﴾ شَرْطِيَّةً مُبْتَدَأً و ﴿ وُجِدَ في رَحْلِهِ ﴾ فِعْلُ الشَّرْطِ و( جَزاؤُهُ فَهو جَزاؤُهُ ) والفاءُ رابِطَةٌ والشَّرْطُ وجَزاؤُهُ خَبَرٌ أيْضًا كَما في احْتِمالِ المَوْصُولَةِ واعْتُرِضَ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ خُلُوُّ الجُمْلَةِ الواقِعَةَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ عَنْ عائِدٍ إلَيْهِ لِأنَّ الضَّمِيرَ المَذْكُورَ لِمَن لا لَهُ وأُجِيبَ بِأنَّهُ جُعِلَ الِاسْمُ الظّاهِرُ وهو الجَزاءُ الثّانِي قائِمًا مَقامَ الضَّمِيرِ والرَّبْطُ كَما يَكُونُ بِالضَّمِيرِ يَكُونُ بِالظّاهِرِ والأصْلُ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو هو أيْ فَهو الجَزاءُ وفي العُدُولِ ما عُلِمَ مِنَ التَّقْرِيرِ السّابِقِ وإزالَةِ اللَّبْسِ والتَّفْخِيمِ لا سِيَّما في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ فَهو كاللّازِمِ وقَدْ صَرَّحَ الزَّجّاجُ بِأنَّ الإظْهارَ هُنا أحْسَنُ مِنَ الإضْمارِ وعَلَّلَهُ بِبَعْضِ ما ذُكِرَ وأنْشَدَ: لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ ما في البَحْرِ اعْتِراضًا عَلى هَذا الجَعْلِ مِن أنَّ وضْعَ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلرَّبْطِ إنَّما يُفَصَّحُ إذا كانَ المَقامُ مَقامَ تَعْظِيمٍ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ فَلا يَنْبَغِي حَمْلُ النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى ذَلِكَ وأنْ يَكُونَ ﴿ جَزاؤُهُ ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ المَسْؤُولُ عَنْهُ جَزاؤُهُ فَهو حِكايَةُ قَوْلِ السّائِلِ ويَكُونُ ﴿ مَن وُجِدَ ﴾ ..
إلَخْ بَيانًا وشُرُوعًا في الفَتْوى وهَذا عَلى ما قِيلَ كَما يَقُولُ مَن يَسْتَفْتِي في جَزاءِ صَيْدِ المُحْرِمِ: جَزاءُ صَيْدِ المُحْرِمِ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾ فَإنَّ قَوْلَ المُفْتِي: جَزاءُ صَيْدِ الحَرَمِ بِتَقْدِيرِ ما اسْتَفْتَيْتُ فِيهِ أوْ سَألْتُ عَنْهُ ذَلِكَ وما بَعْدَهُ بَيانٌ لِلْحُكْمِ وشَرْحٌ لِلْجَوابِ ولَيْسَ التَّقْدِيرُ ما أذْكُرُهُ جَزاءُ صَيْدِ الحَرَمِ لِأنَّ مَقامَ الجَوابِ والسُّؤالِ نابَ عَنْهُ نَعَمْ إذا ابْتَدَأ العالِمُ بِإلْقاءِ مَسْألَةٍ فَهُنالِكَ يُناسِبُ هَذا التَّقْدِيرَ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ في الإخْبارِ عَنِ المَسْؤُولِ عَنْهُ بِذَلِكَ كَثِيرُ فائِدَةٍ إذْ قَدْ عُلِمَ أنَّ المَسْؤُولَ عَنْهُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ فَما جَزاؤُهُ ﴾ وكَذا يُقالُ في المِثالِ وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ إعْلامُ المُفْتِي المُسْتَفْتِي أنَّهُ قَدْ أحاطَ خَبَرَهُ بِسُؤالِهِ لِيَأْخُذَ فَتْواهُ بِالقَبُولِ ولا يَتَوَقَّفُ في ذَلِكَ لِظَنِّ الغَفْلَةِ فِيها عَنْ تَحْقِيقِ المَسْؤُولِ وهي فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الخَبَرِ والمُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ عَلى مَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كَأنَّ المَسْؤُولَ يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ المَسْؤُولُ عَنْهُ ذَلِكَ لِظُهُورِ جَوابِهِ ثُمَّ يَعُودُ فَيُجِيبُ وهو كَما تَرى ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الأوْفى ﴿ نَجْزِي الظّالِمِينَ ﴾ .
بِالسَّرِقَةِ والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن تَتِمَّةِ كَلامِ الإخْوَةِ فَهو تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ غِبُّ تَأْكِيدٍ وبَيانٌ لِقُبْحِ السَّرِقَةِ وقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ ثِقَةً بِكَمالِ بَراءَتِهِمْ عَنْها وهم عَمّا فُعِلَ بِهِمْ غافِلُونَ وقِيلَ: هو مِن كَلامِ أصْحابِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: كَلامُهُ نَفْسُهُ أيْ مِثْلُ الجَزاءِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ نَجْزِي السّارِقِينَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَبَدَأ ﴾ قِيلَ المُؤَذِّنُ ورُجِّحَ بِقُرْبِ سَبْقِ ذِكْرِهِ وقِيلَ: يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ إخْوَتَهُ لَمّا قالُوا ما قالُوا قالَ لَهم أصْحابُهُ: لا بُدَّ مِن تَفْتِيشِ رِحالكم فَرَدُّوهم بَعْدَ أنْ سارُوا مَنزِلًا أوْ بَعْدَ أنْ خَرَجُوا مِنَ العِمارَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَبَدَأ ﴿ بِأوْعِيَتِهِمْ ﴾ أيْ بِتَفْتِيشِ أوْعِيَةِ الإخْوَةِ العَشَرَةِ ورُجِّحَ ذَلِكَ بِمُقاوَلَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّها تَقْتَضِي ظاهِرًا وُقُوعَ ما ذُكِرَ بَعْدَ رَدِّهِمُ إلَيْهِ ولا يَخْفى أنَّ الظّاهِرَ أنَّ إسْنادَ التَّفْتِيشِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَجازِيٌّ والمُفَتِّشُ حَقِيقَةً أصْحابُهُ بِأمْرِهِ بِذَلِكَ ﴿ قَبْلَ ﴾ تَفْتِيشِ ﴿ وِعاءِ أخِيهِ ﴾ بِنْيامِينَ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا بَلَغَتِ النَّوْبَةُ إلى وِعائِهِ قالَ: ما أظُنُّ هَذا أخَذَ شَيْئًا فَقالُوا: واللَّهِ لا تَتْرُكْهُ حَتّى تَنْظُرَ في رَحْلِهِ فَإنَّهُ أطْيَبُ لِنَفْسِكَ وأنْفُسِنا فَفَعَلَ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أيِ السِّقايَةَ أوِ الصُّواعَ لِأنَّهُ كَما عَلِمْتَ مِمّا يُؤَنَّثُ ويَذَكَّرُ عِنْدَ الحِفاظِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلسَّرِقَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الكَلامِ أيْ ثُمَّ اسْتَخْرَجَ السَّرِقَةَ مِن وِعاءِ أخِيهِ لَمْ يَقُلْ مِنهُ عَلى رَجْعِ الضَّمِيرِ إلى الوِعاءِ أوْ مِن وِعائِهِ عَلى رَجْعِهِ إلى أخِيهِ قَصْدًا إلى زِيادَةِ كَشْفٍ وبَيانٍ والوِعاءُ الظَّرْفُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الشَّيْءُ وكَأنَّ المُرادَ بِهِ هُنا ما يَشْمَلُ الرَّحْلَ وغَيْرَهُ لِأنَّهُ الأنْسَبُ بِمَقامِ التَّفْتِيشِ ولِذا لَمْ يُعَبَّرْ بِالرِّحالِ عَلى ما قِيلَ وعَلَيْهِ يَكُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ فَتَّشَ كُلَّ ما يُمْكِنُ أنْ يُحْفَظَ الصُّواعُ فِيهِ مِمّا كانَ مَعَهم مِن رَحْلٍ وغَيْرِهِ.
وقَوْلُهم: مُقابَلَةُ الجَمْعِ بِالجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسامَ الآحادِ عَلى الآحادِ كَما قالَ المُدَقِّقَ أبُو القاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيُّ لا يَقْتَضِي أنْ يَلْزَمَ في كُلِّ مُقابَلَةٍ مُقارَنَةُ الواحِدِ لِلْواحِدِ لِأنَّ انْقِسامَ الآحادِ عَلى الآحادِ كَما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى السَّواءِ كَما في رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى التَّفاوُتِ كَما في باعَ القَوْمُ دَوابَّهم فَإنَّهُ يُفْهَمُ مَعَهُ أنَّ كُلًّا مِنهم باعَ ما لَهُ مِن دابَّةٍ وقَدْ مَرَّ التَّنْبِيهُ عَلى هَذا فِيما سَبَقَ وحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِن وِعاءِ أخِيهِ الواحِدُ والمُتَعَدِّدُ.
وقَرَأ الحَسَنُ ( وُعاءِ ) بِضَمِّ الواوِ وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ نافِعٍ وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ ( إعاءِ ) بِإبْدالِ الواوِ المَكْسُورَةِ هَمْزَةً كَما قالُوا في وِشاحٍ إشاحٌ وفي وِسادَةٍ إسادَةٌ وقَلْبُ الواوِ المَكْسُورَةِ في أوَّلِ الكَلِمَةِ هَمْزَةً مُطَّرِدٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الكَيْدِ العَجِيبِ وهو إرْشادُ الإخْوَةِ إلى الإفْتاءِ المَذْكُورِ بِإجْرائِهِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ وحَمْلِهِمْ عَلَيْهِ بِواسِطَةِ المُسْتَفْتِينَ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴿ كِدْنا لِيُوسُفَ ﴾ أيْ صَنَعْنا ودَبَّرْنا لِأجْلِ تَحْصِيلِ غَرَضِهِ مِنَ المُقَدِّماتِ الَّتِي رَتَّبَها مِن دَسِّ السِّقايَةِ وما يَتْلُوهُ فالكَيْدُ مَجازٌ لُغَوِيٌّ في ذَلِكَ وإلّا فَحَقِيقَتُهُ وهي أنْ تُوهِمَ غَيْرَكَ خِلافَ ما تُخْفِيهِ وتُرِيدُهُ عَلى ما قالُوا مُحالٌ عَلَيْهِ تَعالى وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى التَّمْثِيلِ وقِيلَ: إنَّ في الكَيْدِ إسْنادَيْنِ بِالفَحْوى إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِالتَّصْرِيحِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ والأوَّلُ حَقِيقِيٌّ والثّانِي مَجازِيٌّ والمَعْنى فَعَلْنا كَيْدَ يُوسُفَ ولَيْسَ بِذاكَ وفي دُرَرِ المُرْتَضى إنَّ كِدْنا بِمَعْنى أرَدْنا وأنْشَدَ: كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى واللّامُ لِلنَّفْعِ لا كاللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ﴾ فَإنَّها لِلضَّرَرِ عَلى ما هو الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ.
﴿ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ ﴾ أيْ في سُلْطانِهِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ في حُكْمِهِ وقَضائِهِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والكَلامُ اسْتِئْنافٌ وتَعْلِيلٌ لِذَلِكَ الكَيْدِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِماذا فَعَلَ ذَلِكَ فَقِيلَ: لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَأْخُذَ أخاهُ جَزاءَ وُجُودِ الصُّواعِ عِنْدَهُ في دِينِ المَلِكِ في أمْرِ السّارِقِ إلّا بِذَلِكَ الكَيْدِ لِأنَّ جَزاءَ السّارِقِ في دِينِهِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ وغَيْرِهِ أنْ يُضاعَفَ عَلَيْهِ الغُرْمُ وفي رِوايَةٍ ويُضْرَبَ دُونَ أنْ يُؤْخَذَ ويُسْتَرَقَّ كَما هو شَرِيعَةُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يَكُنْ يَتَمَكَّنُ بِما صَنَعَهُ مِن أخْذِ أخِيهِ بِما نُسِبَ إلَيْهِ مِنَ السَّرِقَةِ بِحالٍ مِنَ الأحْوال.
﴿ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ تَعالى الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ الكَيْدِ أوْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِلْأخْذِ بِذَلِكَ الوَجْهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذَلِكَ الكَيْدِ الإرْشادَ المَذْكُورَ ومَبادِيهِ المُؤَدِّيَةُ إلَيْهِ جَمِيعًا مِن إرْشادِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ إلى ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ حَسْبَما شُرِحَ مُرَتَّبًا وأمْرُ التَّعْلِيلِ كَما هو بَيْدَ أنَّ المَعْنى عَلى هَذا الِاحْتِمالِ مِثْلُ ذَلِكَ الكَيْدِ البالِغِ إلى هَذا الحَدِّ كِدْنا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ نَكْتَفِ بِبَعْضٍ مِن ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ بِهِ إلّا حالَ مَشِيئَتِنا لَهُ بِإيجادِ ما يَجْرِي فَجَرى الجَزاءُ الصُّورِيُّ مِنَ العِلَّةِ التّامَّةِ وهو إرْشادُ إخْوَتِهِ إلى الإفْتاءِ المَذْكُورِ فالقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَقْدِيمِ المَجْرُورِ مَأْخُوذٌ بِالنِّسْبَةِ إلى البَعْضِ وكَذا يُقالُ في تَفْسِيرِ مَن فَسَّرَ ﴿ كِدْنا لِيُوسُفَ ﴾ بِقَوْلِهِ عَلَّمْناهُ إيّاهُ وأوْحَيْنا إلَيْهِ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ المُسْتَتْبَعِ لَمّا شَرَحَ عَلَّمْناهُ دُونَ بَعْضٍ مِن ذَلِكَ فَقَطْ ..
إلَخْ والِاسْتِثْناءُ عَلى كُلِّ حالٍ مِن أعَمِّ الأحْوالِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن أعَمِّ العِلَلِ والأسْبابِ أيْ لَمْ يَكُنْ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ وسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا لِعِلَّةِ مَشِيئَتِهِ تَعالى وأيًّا ما كانَ فَهو مُتَّصِلٌ لِأنَّ أخْذَ السّارِقِ إذا كانَ مِمَّنْ يَرى ذَلِكَ ويَعْتَقِدُهُ دِينًا لا سِيَّما عِنْدَ رِضاهُ وإفْتائِهِ بِهِ لَيْسَ مُخالِفًا لِدِينِ المالِكِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُنازِعْهُ المَلِكُ وأصْحابُهُ في مُخالَفَةِ دِينِهِمْ بَلْ لَمْ يَعُدُّوهُ مُخالَفَةً.
وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ ﴿ ما كانَ ﴾ ..
إلَخْ في مَوْضِعِ البَيانِ والتَّفْسِيرِ لِلْكَيْدِ وأنَّ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ الحُكْمَ حُكْمَ المَلِكِ وفِيهِ بَحْثٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا أيْ لَكِنَّ أخْذَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وإذْنِهِ في دِينٍ غَيْرِ دِينِ المَلِكِ ﴿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ ﴾ أيْ رُتَبًا كَثِيرَةً عالِيَةً مِنَ العِلْمِ وانْتِصابُها عَلى ما نُقِلَ عَنْ أبِي البَقاءِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أيْ إلى دَرَجاتٍ وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ وأيًّا ما كانَ فالمَفْعُولُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن نَشاءُ ﴾ أيْ نَشاءُ رَفْعَهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وتَسْتَدْعِيهِ المَصْلَحَةُ كَما رَفَعْنا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِهَذِهِ المادَّةِ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ ﴿ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ ﴾ مِن أُولَئِكَ المَرْفُوعَيْنِ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ .
(76) .
لا يَنالُونَ شَأْوَهُ.
قالَ المَوْلى المُحَقِّقُ شَيْخُ الإسْلامِ قُدِّسَ سِرُّهُ في بَيانِ رَبْطِ الآيَةِ بِما قَبْلُ: إنَّهُ إنْ جُعِلَ الكَيْدُ عِبارَةً عَنْ إرْشادِ الإخْوَةِ إلى الإفْتاءِ وحَمْلَهم عَلَيْهِ أوْ عِبارَةً عَنْ ذَلِكَ مَعَ مَبادِيهِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ فالمُرادُ بِرَفْعِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما اعْتُبِرَ فِيهِ بِالشَّرْطِيَّةِ أوِ الشَّطْرِيَّةِ مِن إرْشادِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى ما يَتِمُّ مِن قِبَلِهِ مِنَ المَبادِي المُفْضِيَةِ إلى اسْتِبْقاءِ أخِيهِ والمَعْنى أرْشَدْنا إخْوَتَهُ إلى الإفْتاءِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِن غَرَضِهِ بِدُونِهِ أوْ أرْشَدْنا كُلًّا مِنهم ومِن يُوسُفَ وأصْحابِهِ إلى ما صَدَرَ عَنْهم ولَمْ نَكْتَفِ بِما تَمَّ مِن قِبَلِ يُوسُفَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِن غَرَضِهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ.
وحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَرْفَعُ ﴾ إلى ﴿ عَلِيمٌ ﴾ تَوْضِيحًا لِذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّ الرَّفْعَ المَذْكُورَ لا يُوجِبُ تَمامَ مَرامِهِ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ بَلْ إنَّما نَرْفَعُ كُلَّ مَن نَرْفَعُ حَسَبَ اسْتِعْدادٍ وفَوْقَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلِيمٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ يَرْفَعُ كُلًّا مِنهم إلى ما يَلِيقُ بِهِ مِن مَعارِجِ العِلْمِ وقَدْ رَفَعَ يُوسُفَ إلى ذَلِكَ وعَلِمَ أنَّ: ما حَواهُ دائِرَةُ عِلْمِهِ لا يَفِي بِمَرامِهِ فَأرْشَدَ إخْوَتَهُ إلى الإفْتاءِ المَذْكُورِ فَكانَ ما كانَ وكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ عَلى يَقِينٍ مِن صُدُورِ ذَلِكَ مِنهم وإنْ كانَ عَلى طَمَعٍ مِنهُ فَإنَّ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ وُجُودًا وعَدَمًا والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ العِلْمِ لِتَعْيِينِ جِهَةِ الفَوْقِيَّةِ وفي صِيغَةِ المُبالَغَةِ مَعَ التَّنْكِيرِ والِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَخامَةِ شَأْنِهِ عَنْ شَأْنِهِ وجَلالَةِ مِقْدارِ عِلْمِهِ المُحِيطِ جَلَّ جَلالُهُ ما لا يَخْفى وإنْ جُعِلَ عِبارَةً عَنِ التَّعْلِيمِ المُسْتَتْبَعِ لِلْإفْتاءِ فالرَّفْعُ عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ والإفْتاءِ وإنْ كانَ لَمْ يَكُنْ داخِلًا تَحْتَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَكِنَّهُ كانَ داخِلًا تَحْتَ عِلْمِهِ بِواسِطَةِ الوَحْيِ والتَّعْلِيمِ والمَعْنى مِثْلُ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ البالِغِ إلى هَذا الحَدِّ عَلَّمْناهُ ولَمْ نَقْتَصِرْ عَلى تَعْلِيمِ ما عَدا الإفْتاءِ الَّذِي سَيَصْدُرُ عَنْ إخْوَتِهِ إذْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِن غَرَضِهِ في أخِيهِ إلّا بِذَلِكَ وحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ ﴾ تَوْضِيحًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كِدْنا ﴾ وبَيانًا لِأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الرَّفْعِ إلى الدَّرَجاتِ العالِيَةِ مِنَ العِلْمِ ومَدْحًا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِرَفْعِهِ إلَيْها ﴿ وفَوْقَ ﴾ ..
إلَخْ تَذْلِيلًا لَهُ أيْ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ عالِيَةً مَن نَشاءُ رَفْعَهُ وفَوْقَ كُلٍّ مِنهم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ هو أعْلى دَرَجَةً قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: فَوْقَ كُلِّ عالِمٍ عالِمٌ إلى أنْ يَنْتَهِيَ العِلْمُ إلى اللَّهِ تَعالى والمَعْنى أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ كانُوا عُلَماءَ إلّا أنَّ يُوسُفَ أفْضَلُ مِنهُمُ.
اهَـ.
والَّذِي اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى ما قِيلَ حَدِيثُ التَّذْيِيلِ إلّا أنَّهُ أوْجَزَ في كَلامِهِ حَتّى خَفِيَ مَغْزاهُ وعَدَّ ذَلِكَ مِنَ المَداحِضِ حَيْثُ قالَ: وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ فَوْقَهُ أرْفَعُ دَرَجَةً مِنهُ في عِلْمِهِ أوْ فَوْقَ العُلَماءِ كُلِّهِمْ عَلِيمٌ هم دُونَهُ في العِلْمِ وهو اللَّهُ عَزَّ وعَلا وبَيانُ ذَلِكَ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ غَرَضَهُ أنْ يُبَيِّنَ وجْهَ التَّذْيِيلِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ فَأفادَ أنَّهُ إمّا عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ لِرَفْعِ دَرَجَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى إخْوَتِهِ في العِلْمِ أيْ فاقَهم عِلْمًا لِأنَّ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ أرْفَعُ دَرَجَةً مِنهُ وفِيهِ مَدْحٌ لَهُ بِأنَّ الَّذِينَ فاقَهم عُلَماءُ أيْضًا وإمّا عَلى تَحْقِيقِ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَهُ دَرَجاتٍ وهو إلَيْهِ لا مُنازِعَ لَهُ فِيهِ فَقالَ: وفَوْقَ العُلَماءِ كُلِّهِمْ عَلِيمٌ هم دُونَهُ يَرْفَعُ مَن يَشاءُ يُقَرِّبُهُ إلَيْهِ بِالعِلْمِ كَما رَفَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَكَرَ أنْ ما يُقالُ: مِن أنَّ الكُلَّ عَلى الثّانِي مَجْمُوعِيٌّ وعَلى الأوَّلِ بِمَعْنى كُلِّ واحِدٍ كَلامٌ غَيْرُ مُحَصَّلٍ لِأنَّ الدّاخِلَ عَلى النَّكِرَةِ لا يَكُونُ مَجْمُوعِيًّا وأصْلُ النُّكْتَةِ في التَّرْدِيدِ أنَّهُ لَوْ نُظِرَ إلى العِلْمِ ولا تَناهِيهِ كانَ الأوَّلَ فَيَرْتَقِي إلى ما لا نِهايَةَ لِعِلْمِهِ بَلْ جَلَّ عَنِ النِّهايَةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ ولا بُدَّ مِن تَخْصِيصٍ في لَفْظِ ( كُلِّ ) والمَعْنى وفَوْقَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ عالِمٌ وهَكَذا إلى أنْ يَنْتَهِيَ ولَوْ نُظِرَ إلى العالِمِ وإفادَتِهِ إيّاهُ كانَ الثّانِي والمَعْنى وفَوْقَ كُلِّ واحِدٍ عالِمٌ واحِدٌ فَأوْلى أنْ يَكُونَ فَوْقَ كُلِّهِمْ لِأنَّ الثّانِيَ مَعْلُولُ الأوَّلِ ولِظُهُورِ المَعْنى عَلَيْهِ قَدِّرْ وفَوْقَ العُلَماءِ كُلِّهِمْ وكِلا الوَجْهَيْنِ يُناسِبُ المَقامَ.
اهَـ.
ولَعَلَّ اعْتِبارَ كَوْنِ الجُمْلَةِ الأُولى مَدْحًا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَعْظِيمًا لِشَأْنِ الكَيْدِ وكَوْنِ الثّانِيَةِ تَذْلِيلًا هو الأظْهَرُ فَتَأمَّلْ وقَدِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ عالِمٌ بِذاتِهِ لا بِصِفَةِ عِلْمٍ زائِدَةٍ عَلى ذَلِكَ وحاصِلُ اسْتِدْلالِهِمْ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ سُبْحانَهُ صِفَةُ عِلْمٍ زائِدَةٌ عَلى ذاتِهِ كانَ ذا عِلْمٍ لِاتِّصافِهِ بِهِ وكُلُّ ذِي عِلْمٍ فَوْقَهُ عَلِيمٌ لِلْآيَةِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ فَوْقَهُ وأعْلَمَ مِنهُ جَلَّ وعَلا عَلِيمٌ آخَرُ وهو مِنَ البُطْلانِ بِمَكانٍ وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِكُلِّ ذِي عِلْمٍ المَخْلُوقاتُ ذَوُو العِلْمِ لِأنَّ الكَلامَ في الخَلْقِ ولِأنَّ العَلِيمَ صِيغَةٌ مُبالَغَةٌ مَعْناهُ أعْلَمُ مِن كُلِّ ذِي عِلْمٍ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ اللَّهَ تَعالى فَما يُقابِلُهُ يَلْزَمُ كَوْنُهُ مِنَ الخَلائِقِ لِئَلّا يَدْخُلَ فِيما يُقابِلُهُ وكَوْنُ المُرادِ مِنَ العَلِيمِ ذَلِكَ هو إحْدى رِوايَتَيْنِ عَنِ الحَبْرِ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وجَماعَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَحَدَّثَ بِحَدِيثٍ فَقالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِئْسَما قَلْتَ اللَّهُ العَلِيمُ وهو فَوْقَ كُلِّ عالِمٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الضَّحّاكُ فَقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ بَعْدَ أنْ تَلا الآيَةَ يَعْنِي اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ نَفْسَهُ عَلى أنَّهُ لَوْ صَحَّ ما ذَكَرَهُ المُسْتَدِلُّ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعالى عالِمًا بِناءً عَلى أنَّ الظّاهِرَ اتِّفاقُهُ مَعَنا في صِحَّةِ قَوْلِنا فَوْقَ كُلِّ العُلَماءِ عَلِيمٌ وذَلِكَ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى تَسْلِيمِ دَلِيلِهِ إذا كانَ اللَّهُ تَعالى عالِمًا أنْ يَكُونَ فَوْقَهُ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ فَإنْ أجابَ بِالتَّخْصِيصِ في المِثالِ فالآيَةُ مِثْلُهُ.
وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ ( دَرَجاتِ مَن نَشاءُ ) بِالإضافَةِ قِيلَ: والقِراءَةُ الأُولى أنْسَبُ بِالتَّذْيِيلِ حَيْثُ نُسِبَ فِيها الرَّفْعُ إلى مَن نُسِبَ إلَيْهِ الفَوْقِيَّةُ لا إلى دَرَجَتِهِ والأمْرُ في ذَلِكَ هَيِّنٌ وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالياءِ في ( يَرْفَعُ ) و( يَشاءُ ) وقَرَأ عِيسى البَصْرَةُ ( نَرْفَعُ ) بِالنُّونِ و( دَرَجاتٍ ) مُنَوَّنًا و( مَن يَشاءُ ) بِالياءِ قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهَذِهِ قِراءَةٌ مَرْغُوبٌ عَنْها ولا يُمْكِنُ إنْكارُها وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ الحَبْرُ ( وفَوْقَ كُلِّ ذِي عالِمٍ عَلِيمٌ ) فَخَرَجَتْ كَما في البَحْرِ عَلى زِيادَةِ ذِي أوْ عَلى أنَّ ( عالِمٍ ) مَصْدَرٌ بِمَعْنى عِلْمٍ كالباطِلِ أوْ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ كُلِّ ذِي شَخْصٍ عالِمٍ والَّذِي في الدُّرِّ المَنثُورِ أنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قَرَأ ( وفَوْقَ كُلِّ عالِمٍ عَلِيمٌ ) بِدُونِ ( ذِي ) ولَعَلَّهُ الأثْبَتُ واللَّهُ تَعالى العَلِيمُ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا ﴾ أيِ الإخْوَةُ ﴿ إنْ يَسْرِقْ ﴾ يَعْنُونَ بِنْيامِينَ ﴿ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ يُرِيدُونَ بِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما جَرى عَلَيْهِ مِن جِهَةِ عَمَّتِهِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ أوَّلُ ما دَخَلَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ البَلاءِ فِيما بَلَغَنِي أنَّ عَمَّتَهُ كانَتْ تَحْضُنُهُ وكانَتْ أكْبَرَ ولَدِ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتْ إلَيْها مِنطَقَةُ أبِيها وكانُوا يَتَوارَثُونَها بِالكِبَرِ فَكانَتْ لا تُحِبُّ أحَدًا كَحُبِّها إيّاهُ حَتّى إذا تَرَعْرَعَ وقَعَتْ نَفْسُ يَعْقُوبَ إلَيْهِ فَأتاها فَقالَ: يا أُخْتاهُ سَلِّمِي إلَيَّ يُوسُفَ فَواللَّهِ ما أقْدِرُ عَلى أنْ يَغِيبَ عَنِّي ساعَةً فَقالَتْ واللَّهِ ما أنا بِتارِكَتِهِ فَدَعْهُ عِنْدِي أيّامًا أنْظُرْ إلَيْهِ لَعَلَّ ذَلِكَ يُسَلِّينِي فَلَمّا خَرَجَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عِنْدِها عَمَدَتْ إلى تِلْكَ المِنطَقَةِ فَحَزَمَتْها عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَحْتِ ثِيابِهِ ثُمَّ قالَتْ: فَقَدْتُ مِنطَقَةَ أبِي إسْحاقَ فانْظُرُوا مَن أخَذَها فالتَمَسَتْ ثُمَّ قالَتِ: اكْشِفُوا أهْلَ البَيْتِ فَكَشَفُوهم فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَتْ: واللَّهِ إنَّهُ لَسَلْمٌ لِي أصْنَعُ فِيهِ ما شِئْتُ فَأتاها يَعْقُوبُ فَأخْبَرَتْهُ الخَبَرَ فَقالَ لَها: أنْتَ وذاكَ إنْ كانَ فَعَلَ فَأمْسَكَتْهُ فَما قَدَرَ عَلَيْهِ حَتّى ماتَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «سَرَقَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَنَمًا لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ فَعَيَّرَهُ إخْوَتُهُ بِذَلِكَ» وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ غُلامًا صَغِيرًا مَعَ أُمِّهِ عِنْدَ خالٍ لَهُ وهو يَلْعَبُ مَعَ النُّعْمانِ فَدَخَلَ كَنِيسَةً لَهم فَوَجَدَ تِمْثالًا صَغِيرًا مِن ذَهَبٍ فَأخَذَهُ وذَلِكَ الَّذِي عَنَوْهُ بِسَرِقَتِهِ وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ سائِلًا جاءَهُ يَوْمًا فَأخَذَ بَيْضَةً فَناوَلَها إيّاهُ: وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أخَذَ دَجاجَةً فَأعْطاها السّائِلَ وقالَ وهْبٌ: كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُخَبِّئُ الطَّعامَ مِنَ المائِدَةِ لِلْفُقَراءِ وقِيلَ وقِيلَ وعَنِ ابْنِ المُنِيرِ أنَّ ذَلِكَ تَصَلُّفٌ لا يَسُوغُ نِسْبَةُ مِثْلِهِ إلى بَيْتِ النُّبُوَّةِ بَلْ ولا إلى أحَدٍ مِنَ الأشْرافِ فالواجِبُ تَرْكُهُ وإلَيْهِ ذَهَبَمَكِّيٌّ وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ مِثْلُهُ مِن بَنِي آدَمَ وذَكَرَ لَهُ نَظائِرَ في الحَدِيثِ قِيلَ: وهو كَلامٌ حَقِيقٌ بِالقَبُولِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في عَدِّ كُلِّ ما قِيلَ في بَيانِ المُرادِ مِن سَرِقَةِ الأخِ تَصَلُّفًا فَإنَّ فِيهِ ما لا بَأْسَ في نِسْبَتِهِ إلى بَيْتِ النُّبُوَّةِ وإنِ ادَّعى أنَّ دَعْوى نِسْبَتِهِمُ السَّرِقَةَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا يَلِيقُ نِسْبَةُ مِثْلِهِ إلَيْهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ إذْ لا سَرِقَةَ في الحَقِيقَةِ وهم أهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ الَّذِينَ لا يَكْذِبُونَ جاءَ حَدِيثُ أكْلِهِ الذِّئْبُ وهم غَيْرُ مَعْصُومِينَ أوَّلًا وآخِرًا وما قالَهُ البَعْضُ وقِيلَ: إنَّهُ كَلامٌ حَقِيقٌ بِالقَبُولِ مِمّا يَأْباهُ ما بَعْدُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ ذَوْقٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ في نَفْسِهِ بَعِيدٌ ذَوْقًا وأتَوْا بِكَلِمَةِ ﴿ إنْ ﴾ لِعَدَمِ جَزْمِهِمْ بِسَرِقَتِهِ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِ السِّقايَةِ مِن رَحْلِهِ فَقَدْ وجَدُوا مِن قِبَلِ بِضاعَتِهِمْ في رِحالِهِمْ ولَمْ يَكُونُوا سارِقِينَ وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهم لَمّا رَأوْا إخْراجَ السِّقايَةِ مِن رَحْلِهِ خَجِلُوا فَقالُوا: يا ابْنَ راحِيلَ كَيْفَ سَرَقْتَ هَذِهِ السِّقايَةَ فَرَفَعَ يَدَهُ إلى السَّماءِ فَقالَ: واللَّهِ ما فَعَلْتُ فَقالُوا: فَمَن وضَعَها في رَحْلِكَ قالَ: الَّذِي وضَعَ البِضاعَةَ في رِحالِكم فَإنْ كانَ قَوْلُهم: ﴿ إنْ يَسْرِقْ ﴾ ..
إلَخْ بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَمَةِ فالظّاهِرُ أنَّها هي الَّتِي دَعَتْهم ( لِأنَّ ) وأمّا قَوْلُهم: ﴿ إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ﴾ فَبِناءً عَلى الظّاهِرِ ومُدَّعى القَوْمِ وكَذا عِلْمُهم مَبْنِيٌّ عَلى ذَلِكَ وقِيلَ: إنَّهم جَزَمُوا بِذَلِكَ و ﴿ إنْ ﴾ لِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ ولَعَلَّهُ الأوْلى لِظاهِرِ ما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ و ﴿ يَسْرِقْ ﴾ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ والمَعْنى إنْ كانَ سَرَقَ فَلَيْسَ بِبِدْعٍ لِسَبْقِ مِثْلِهِ مِن أخِيهِ وكَأنَّهم أرادُوا بِذَلِكَ دَفْعَ المَعَرَّةِ عَنْهم واخْتِصاصَها بِالشَّقِيقَيْنِ وتَنْكِيرُ ﴿ أخٌ ﴾ لِأنَّ الحاضِرِينَ لا عِلْمَ لَهم بِهِ وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيُّ وابْنُ أبِي سُرَيْجٍ عَنِ الكِسائِيِّ والوَلِيدِ بْنِ حَسّانَ وغَيْرِهِمْ ( فَقَدْ سُرِّقَ ) بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ ﴿ فَأسَرَّها يُوسُفُ ﴾ الضَّمِيرُ لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ والمَقامِ أيْ أضْمَرَ الحَزازَةَ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا قالُوا وقِيلَ: أضْمَرَ مَقالَتَهم أوْ نِسْبَةَ السَّرِقَةِ إلَيْهِ فَلَمْ يُجِبْهم عَنْها ﴿ فِي نَفْسِهِ ﴾ لا أنَّهُ أسَرَّها لِبَعْضِ أصْحابِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا ﴾ ﴿ ولَمْ يُبْدِها ﴾ أيْ يُظْهِرْها لَهم لا قَوْلًا ولا فِعْلًا صَفْحًا لَهم وحِلْمًا وهو تَأْكِيدٌ لِما سَبَقَ ﴿ قالَ ﴾ أيْ في نَفْسِهِ وهو اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الإخْبارِ بِالإسْرارِ المَذْكُورِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ في نَفْسِهِ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ فَقِيلَ: ﴿ قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ﴾ أيْ مَنزِلَةً في السَّرْقِ وحاصِلُهُ أنَّكم أثْبَتُ في الِاتِّصافِ بِهَذا الوَصْفِ وأقْوى فِيهِ حَيْثُ سَرَّقْتُمْ أخاكم مِن أبِيكم ثُمَّ طَفِقْتُمْ تَفْتَرُونَ عَلى البَرِيءِ وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الإضْمارَ هُنا عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ لِأنَّ ﴿ قالَ أنْتُمْ ﴾ ..
إلَخْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ والمَعْنى فَأسَرَّ يُوسُفُ في نَفْسِهِ قَوْلَهُ: ﴿ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ﴾ والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ جُمْلَةٌ أوْ كَلِمَةٌ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ بِأنَّ الإضْمارَ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ عَلى ضَرْبَيْنِ أحَدُهُما أنْ يُفَسَّرَ بِمُفْرَدٍ نَحْوَ نِعْمَ رَجُلًا ورَبَّهُ رَجُلًا وثانِيهِما أنْ يُفَسَّرَ بِجُمْلَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ وأصْلُ هَذا أنْ يَقَعَ في الِابْتِداءِ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِ النَّواسِخُ نَحْوَ ﴿ إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا ﴾ .
﴿ فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ﴾ ولَيْسَ مِنها شِفاءُ النَّفْسِ مَبْذُولٌ وغَيْرُ ذَلِكَ وتَفْسِيرُ المُضْمَرِ في كِلا المَوْضِعَيْنِ مُتَّصِلٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها المُتَضَمِّنَةِ لِذَلِكَ المُضْمَرِ ومُتَعَلِّقٌ بِها ولا يَكُونُ مُنْقَطِعًا عَنْها والَّذِي ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ مُنْقَطِعٌ فَلا يَكُونُ مِنَ الإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ وفي أنْوارِ التَّنْزِيلِ أنَّ المُفَسَّرَ بِالجُمْلَةِ لا يَكُونُ إلّا ضَمِيرَ الشَّأْنِ واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِالمَنعِ وفي الكَشْفِ أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ التَّفْسِيرِ بِالجُمَلِ في شَيْءٍ حَتّى يُعْتَرَضَ بِأنَّهُ مِن خَواصِّ ضَمِيرِ الشَّأْنِ الواجِبِ التَّصْدِيرِ وإنَّما هو نَظِيرُ ﴿ ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ ﴾ ..
إلَخْ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ في تِلْكَ الآيَةِ تَفْسِيرُ جُمْلَةٍ بِجُمْلَةٍ وهَذِهِ فِيها تَفْسِيرُ ضَمِيرٍ بِجُمْلَةٍ وفي الكَشّافِ جَعَلَ ﴿ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا ﴾ هو المُفَسَّرُ وفِيهِ خَفاءٌ لِأنَّ ذَلِكَ مَقُولُ القَوْلِ واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى إثْباتِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ بِجَعْلِ ﴿ قالَ ﴾ ..
إلَخْ بَدَلًا مِن أسَرَّ ولَعَلَّ الأمْرَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى ذَلِكَ لِما أشَرْنا إلَيْهِ مِن أنَّ المُرادَ قالَ في نَفْسِهِ نَعَمْ قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَهم وواجَهَهم بِهِ بَعْدَ أنْ أسَرَّ كَراهِيَةَ مَقالَتِهِمْ في نَفْسِهِ وغَرَضُهُ تَوْبِيخُهم وتَكْذِيبُهم ويُقَوِّيهِ أنَّهم تَرَكُوا أنْ يَشْفَعُوا بِأنْفُسِهِمْ وعَدَلُوا إلى الشَّفاعَةِ لَهُ بِأبِيهِ وفِيهِ نَظَرٌ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( فَأسَرَّهُ ) بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ﴾ .
(77) .
أيْ عالِمٌ عِلْمًا بالِغًا إلى أقْصى المَراتِبِ بِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما تَصِفُونَ مِن صُدُورِ السَّرِقَةِ مِنّا فَصِيغَةُ أفْعَلَ لِمُجَرَّدِ المُبالَغَةِ لا لِتَفْضِيلِ عِلْمِهِ تَعالى عَلى عِلْمِهِمْ كَيْفَ لا ولَيْسَ لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ المَعْنى أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ بِهِ مِنكم لِأنَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِحَقائِقِ الأُمُورِ وكَيْفَ كانَتْ سَرِقَةُ أخِيهِ الَّذِي أحَلْتُمْ سَرِقَتَهُ عَلَيْهِ فَأفْعَلُ حِينَئِذٍ عَلى ظاهِرِهِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عِلْمٌ والتَّفْضِيلُ يَقْتَضِي الشَّرِكَةَ وأُجِيبَ بِأنَّهُ تَكْفِي الشَّرِكَةُ بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ فَإنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ العِلْمَ لِأنْفُسِهِمْ ألا تَرى قَوْلَهم: ﴿ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ جَزْمًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا ﴾ عِنْدَما شاهَدُوا مَخايِلَ أخْذِ بِنْيامِينَ مُسْتَعْطِفِينَ ﴿ يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا ﴾ طاعِنًا في السِّنِّ لا يَكادُ يَسْتَطِيعُ فِراقَهُ وهو عُلالَةٌ بِهِ يَتَعَلَّلُ عَنْ شَقِيقِهِ الهالِكِ وقِيلَ: أرادُوا مُسِنًّا كَبِيرًا في القَدْرِ والوَصْفُ عَلى القَوْلَيْنِ مَحَطُّ الفائِدَةِ وإلّا فالإخْبارُ بِأنَّ لَهُ أبًا مَعْلُومٌ مِمّا سَبَقَ ﴿ فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ ﴾ بَدَلَهُ فَلَسْنا عِنْدَهُ بِمَنزِلَتِهِ مِنَ المَحَبَّةِ والشَّفَقَةِ ﴿ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ .
(78) .
إلَيْنا فَأتِمَّ إحْسانَكَ فَما الإنْعامُ إلّا بِالإتْمامِ أوْ مِن عادَتِكَ الإحْسانُ مُطْلَقًا فاجْرِ عَلى عادَتِكَ ولا تَغَيِّرْها مَعَنا فَنَحْنُ أحَقُّ النّاسِ بِذَلِكَ فالإحْسانُ عَلى الأوَّلِ خاصٌّ وعَلى الثّانِي عامٌّ والجُمْلَةُ عَلى الوَجْهَيْنِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ وذَهَبَ بَعْضٌ آخَرُ إلى أنَّهُ إذا أُرِيدَ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ تَكُونُ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما قَبْلُ إذْ أخْذُ البَدَلِ الإحْسانُ إلَيْهِمْ وإذا أُرِيدَ أنَّ عُمُومَ ذَلِكَ مِن دَأْبِكَ وعادَتِكَ تَكُونُ مُؤَكِّدَةً لِما قَبْلُ وذِكْرُ أمْرٍ عامٍّ عَلى سَبِيلِ التَّذْيِيلِ أنْسَبُ بِذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ مَعاذَ اللَّهِ ﴾ أيْ نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مُعاذًا مِن أنْ نَأْخُذَ فَحُذِفَ الفِعْلُ وأُقِيمَ المَصْدَرُ مَقامَهُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ بِهِ وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ كَما في أمْثالِهِ ﴿ إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ ﴾ لِأنَّ أخْذَنا لَهُ إنَّما هو بِقَضِيَّةِ فَتْواكم فَلَيْسَ لَنا الإخْلالُ بِمُوجِبِها ﴿ إنّا إذًا ﴾ أيْ إذا أخَذْنا غَيْرَ مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ ولَوْ بِرِضاهُ ﴿ لَظالِمُونَ ﴾ .
(79) .
في مَذْهَبِكم وشَرْعِكم وما لَنا ذَلِكَ وإيثارُ صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ مِن جِهَةِ إخْوَتِهِ عَلى التَّوْحِيدِ مِن بابِ السُّلُوكِ إلى سُنَنِ المُلُوكِ ولِلْإشْعارِ بِأنَّ الأخْذَ والإعْطاءَ لَيْسَ مِمّا يَسْتَبِدُّ بِهِ بَلْ هو مَنُوطٌ بِآراءِ أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ وإيثارُ ﴿ مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ ﴾ عَلى مَن سَرَقَ مَتاعَنا الأخْصَرُ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِما وقَعَ في الِاسْتِفْتاءِ والفَتْوى أوْ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ والِاحْتِرازُ عَنِ الكَذِبِ في الكَلامِ مَعَ تَمامِ المَرامِ فَإنَّهم لا يَحْمِلُونَ وُجْدانَ الصُّواعِ عِنْدَهُ عَلى مَحْمَلِ غَيْرِ السَّرِقَةِ والمَتاعُ اسْمٌ لِما يُنْتَفَعُ بِهِ وأُرِيدَ بِهِ الصُّواعُ وما ألْطَفَ اسْتِعْمالَهُ مَعَ الأخْذِ المُرادِ بِهِ الِاسْتِرْقاقُ والِاسْتِخْدامُ وكَأنَّهُ لِهَذا أُوثِرَ عَلى الصُّواعِ والظّاهِرُ أنَّ الأخْذَ في كَلامِهِمْ مَحْمُولٌ عَلى هَذا المَعْنى أيْضًا حَقِيقَةٌ.
وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَجازًا لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَجُوزُ اسْتِرْقاقُ حُرٍّ غَيْرِ سارِقٍ بَدَلٌ مِن قَدْ أحْكَمَتِ السُّنَّةُ رِقَّهُ فَقَوْلُهم ذَلِكَ كَما تَقُولُ لِمَن تَكْرَهُ فِعْلَهُ: اقْتُلْنِي ولا تَفْعَلْ كَذا وأنْتَ لا تُرِيدُ أنْ يَقْتُلَكَ ولَكِنَّكَ تُبالِغُ في اسْتِنْزالِهِ ثُمَّ قالَ: وعَلى هَذا يَتَّجِهُ قَوْلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ مَعاذَ اللَّهِ ﴾ لِأنَّهُ تَعُوُّذٌ مِن غَيْرِ جائِزٍ ويُحْتَمَلُ أنْ لا يُرِيدُوا هَذا المَعْنى وبَعِيدٌ عَلَيْهِمْ وهم أنْبِياءُ أنْ يُرِيدُوا اسْتِرْقاقَ حُرٍّ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ الحَمالَةَ أيْ خُذْ أحَدَنا وأبْقِهِ عِنْدَكَ حَتّى يَنْصَرِفَ إلَيْكَ صاحِبُكَ ومَقْصِدُهم بِذَلِكَ أنْ يَصِلَ بِنْيامِينُ إلى أبِيهِ فَيَعْرِفُهُ جَلِيَّةُ الحالِ.
اهَـ.
وهو كَلامٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ أصْلًا كَما لا يَخْفى ولِجَوابِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعْنًى باطِنٌ هو أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إنَّما أمَرَنِي بِالوَحْيِ أنْ آخُذَ بِنْيامِينَ لِمَصالِحَ عَلِمَها سُبْحانَهُ في ذَلِكَ فَلَوْ أخَذْتُ غَيْرَهُ كُنْتُ ظالِمًا لِنَفْسِي وعامِلًا بِخِلافِ الوَحْيِ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ ﴾ أيْ يَئِسُوا مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإجابَتُهُ لَهم وإلى مُرادِهِمْ فاسْتَفْعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ نَحْوَ سَخِرَ واسْتَسْخَرَ وعَجِبَ واسْتَعْجَبَ عَلى ما في البَحْرِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ السِّينَ والتّاءَ زائِدَتانِ لِلْمُبالَغَةِ أيْ يَئِسُوا يَأْسًا كامِلًا لِأنَّ المَطْلُوبَ المَرْغُوبَ مُبالَغٌ في تَحْصِيلِهِ ولَعَلَّ حُصُولَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ مِنَ اليَأْسِ لَهم لِما شاهَدُوهُ مِن عَوْذِهِ بِاللَّهِ تَعالى مِمّا طَلَبُوهُ الدّالِّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ عِنْدَهُ في أقْصى مَراتِبِ الكَراهَةِ وأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُحْتَرَزَ عَنْهُ ويُعاذَ بِاللَّهِ تَعالى مِنهُ ومِن تَسْمِيَتِهِ ذَلِكَ ظُلْمًا بِقَوْلِهِ: ﴿ إنّا إذًا لَظالِمُونَ ﴾ .
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم لَمّا رَأوْا خُرُوجَ الصُّواعِ مِن رَحْلِهِ وكانُوا قَدْ أفْتَوْا بِما أفْتَوْا تَذَكَّرُوا عَهْدَهم مَعَ أبِيهِمُ اسْتَشاطَ مِن بَيْنِهِمْ رُوبِيلُ غَضَبًا وكانَ لا يَقُومُ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ ووَقَفَ شَعْرُهُ حَتّى خَرَجَ مِن ثِيابِهِ فَقالَ: أيُّها المَلِكُ لَتَتْرُكَنَّ أخانا أوْ لَأصِيحَنَّ صَيْحَةً لا يَبْقِينَ بِها في مِصْرَ حامِلٌ إلّا وضَعَتْ فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِوَلَدٍ لَهُ صَغِيرٍ: قُمْ إلى هَذا فَمِسَّهُ أوْ خُذْ بِيَدِهِ وكانَ إذا مَسَّهُ مِن ولَدِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسْكُنُ غَضَبُهُ فَلَمّا فَعَلَ الوَلَدُ سَكَنَ غَضَبُهُ فَقالَ لِإخْوَتِهِ: مَن مَسَّنِي مِنكم فَقالُوا: ما مَسَّكَ أحَدٌ مِنّا فَقالَ: لَقَدْ مَسَّنِي ولَدٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ قالَ لِإخْوَتِهِ كَمْ عَدَدُ الأسْواقِ بِمِصْرَ قالُوا: عَشْرَةٌ قالَ: اكْفُونِي أنْتُمُ الأسْواقَ وأنا أكْفِيكُمُ المَلِكَ أوِ اكْفُونِي أنْتُمُ المَلِكَ أوِ وأنا أكْفِيكُمُ الأسْواقَ فَلَمّا أحَسَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ قامَ إلَيْهِ وأخَذَ بِتَلابِيبِهِ وصَرَعَهُ وقالَ: أنْتُمْ يا مَعْشَرَ العِبْرانِيِّينَ تَزْعُمُونَ أنْ لا أحَدَ أشَدَّ مِنكم قُوَّةً فَعِنْدَ ذَلِكَ خَضَعُوا وقالُوا: ﴿ يا أيُّها العَزِيزُ ﴾ ..
إلَخْ ويُمْكِنُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ حُصُولُ اليَأْسِ الكامِلِ لَهم مِن مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ضَمِيرِ ﴿ مِنهُ ﴾ لِبِنْيامِينَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهم لَمْ يَيْأسُوا مِنهُ بِدَلِيلِ تَخَلُّفِ كَبِيرِهِمْ لِأجْلِهِ ورَوى أبُو رَبِيعَةَ عَنِ البَزِّيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ ( اسْتَآيَسُوا ) مِن أيِسَ مَقْلُوبِ يَئِسَ ودَلِيلُ القَلْبِ عَلى ما في البَحْرِ عَدَمُ انْقِلابِ ياءِ أيِسَ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها وحاصِلُ المَعْنى لَمّا انْقَطَعَ طَمَعُهم بِالكُلِّيَّةِ ﴿ خَلَصُوا ﴾ انْفَرَدُوا عَنْ غَيْرِهِمْ واعْتَزَلُوا النّاسَ.
وقَوْلُ الزَّجّاجِ: انْفَرَدَ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ فِيهِ نَظَرٌ ﴿ نَجِيًّا ﴾ أيْ مُتَناجِينَ مُتَشاوِرِينَ فِيما يَقُولُونَ لِأبِيهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنَّما وحَّدَهُ وكانَ الظّاهِرُ جَمْعَهُ لِأنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِحَسَبِ الأصْلِ كالتَّناجِي أُطْلِقَ عَلى المُتَناجِينَ مُبالَغَةً أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالمُشْتَقِّ والمَصْدَرِ ولَوْ بِحَسَبِ الأصْلِ يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ أوْ لِكَوْنِهِ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ لِأنَّ فَعِيلًا مِن أبْنِيَةِ المَصادِرِ هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ كَجَلِيسٍ بِمَعْنى مُجالِسٍ وكَعَشِيرٍ بِمَعْنى مُعاشِرٍ أيْ مُناجٍ بَعْضُهم بَعْضًا فَيَكُونُونَ مُتَناجِينَ وجَمْعُهُ أنْجِيَةٌ قالَ لَبِيَدٌ: وشَهِدَتْ أنْجِيَةُ الخِلافَةِ عالِيًا كَعْبَيْ وأرْدافَ المُلُوكِ شُهُودُ وأنْشَدَ الجَوْهَرِيُّ: إنِّي إذا ما القَوْمُ كانُوا أنْجِيَهْ ∗∗∗ واضْطَرَبُوا مِثْلَ اضْطِرابِ الأرْشِيَهْ هُناكَ أوْصِينِي ولا تُوصِي بِيهْ.
وهُوَ عَلى خِلافِ القِياسِ إذْ قِياسُهُ في الوَصْفِ أفْعِلاءُ كَغَنِيٍّ وأغْنِياءَ ﴿ قالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ أيْ رَئِيسُهم وهو شَمْعُونُ قالَهُ مُجاهِدٌ أوْ كَبِيرُهم في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ قالَهُ قَتادَةُ أوْ كَبِيرُهم في العَقْلِ وهو يَهُوذا قالَهُ وهْبٌ والكَلْبِيُّ وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ أنَّهُ لاوى ﴿ ألَمْ تَعْلَمُوا ﴾ كَأنَّهم أجْمَعُوا عِنْدَ التَّناجِي عَلى الِانْقِلابِ جُمْلَةً ولَمْ يَرْضَ بِهِ فَقالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿ ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ﴾ عَهْدًا يُوثَقُ بِهِ وهو حَلِفُهم بِاللَّهِ تَعالى وكَوْنُهُ مِنهُ تَعالى لِأنَّهُ بِإذْنِهِ فَكَأنَّهُ صَدَرَ مِنهُ تَعالى أوْ هو مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ فَـ ( مِن ) ابْتِدائِيَّةٌ ﴿ ومِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ هَذا والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ ﴾ أيْ قَصَّرْتُمْ في شَأْنِهِ ولَمْ تَحْفَظُوا عَهْدَ أبِيكم فِيهِ وقَدْ قُلْتُمْ ما قُلْتُمْ و( ما ) مَزِيدَةٌ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ وهَذا عَلى ما قِيلَ أحْسَنُ الوُجُوهِ في الآيَةِ وأسْلَمُها وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً ومَحَلُّ المَصْدَرِ النَّصْبُ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ ﴿ تَعْلَمُوا ﴾ أيْ ألَمْ تَعْلَمُوا أخْذَ أبِيكم مَوْثِقًا عَلَيْكم وتَفْرِيطَكُمُ السّابِقَ في شَأْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأُورِدَ عَلَيْهِ أمْرانِ الفَصْلُ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ وتَقْدِيمُ مَعْمُولِ صِلَةِ المَوْصُولِ الحَرْفِيِّ عَلَيْهِ وفي جَوازِهِما خِلافٌ لِلنُّحاةِ والصَّحِيحُ الجَوازُ خُصُوصًا بِالظَّرْفِ المُتَوَسَّعِ فِيهِ وقِيلَ: بِجَوازِ العَطْفِ عَلى اسْمِ ( أنَّ ) ويَحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى خَبَرٍ لِأنَّ الخَبَرَ الأوَّلَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لَهُ فَهو ﴿ فِي يُوسُفَ ﴾ أوْ ( مِن قَبْلُ ) عَلى مَعْنى ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ تَفْرِيطَكُمُ السّابِقَ وقَعَ في شَأْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ أنَّ تَفْرِيطَكُمُ الكائِنَ أوْ كائِنًا في شَأْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَعَ مِن قَبْلُ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ مُقْتَضى المَقامِ إنَّما هو الإخْبارُ بِوُقُوعِ ذَلِكَ التَّفْرِيطِ لا يَكُونُ تَفْرِيطُهُمُ السّابِقُ واقِعًا في شَأْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما هو مُفادُ الأوَّلِ ولا يَكُونُ تَفْرِيطُهُمُ الكائِنُ في شَأْنِهِ واقِعًا مِن قَبْلُ كَما هو مُفادُ الثّانِي.
وفِيهِ أيْضًا ما ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ وتَبِعَهُ أبُو حَيّانَ مِن أنَّ الغاياتِ لا تَقَعُ خَبَرًا ولا صِلَةً ولا صِفَةً ولا حالًا وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ سِيبَوَيْهِ سَواءً جَرَتْ أمْ لَمْ تَجْرِ فَنَقُولُ: يَوْمُ السَّبْتِ يَوْمٌ مُبارَكٌ والسَّفَرُ بَعْدَهُ ولا تَقُولُ والسَّفَرُ بَعْدُ وأجابَ عَنْهُ في الدُّرِّ المَصُونِ بِأنَّهُ إنَّما امْتَنَعَ ذَلِكَ لِعَدَمِ الفائِدَةِ لِعَدَمِ العِلْمِ بِالمُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ فَيَنْبَغِي الجَوازُ إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ مَعْلُومًا مَدْلُولًا عَلَيْهِ كَما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ ورُدَّ بِأنَّ جَوازَ حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ في الغاياتِ مَشْرُوطٌ بِقِيامِ القَرِينَةِ عَلى تَعْيِينِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ فَدَلَّ عَلى أنَّ الِامْتِناعَ لَيْسَ مُعَلَّلًا بِما ذُكِرَ.
وقالَ الشِّهابُ: إنَّ ما ذَكَرُوهُ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَقَدْ قالَ الإمامُ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ: إنَّها تَقَعُ صِفاتٍ وأخْبارًا وصِلاتٍ وأحْوالًا ونُقِلَ هَذا الإعْرابُ المَذْكُورُ هُنا عَنِ الرُّمّانِيِّ وغَيْرِهِ واسْتُشْهِدَ لَهُ بِما يُثْبِتُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ ثُمَّ إنَّ في تَعَرُّفِها بِالإضافَةِ بِاعْتِبارِ تَقْدِيرِ المُضافِ إلَيْهِ مَعْرِفَةٌ يُعُيِّنُهُ الكَلامُ السّابِقُ عَلَيْها اخْتِلافًا والمَشْهُورُ أنَّها مَعارِفُ وقالَ بَعْضُهم: نَكِراتٌ وإنَّ التَّقْدِيرَ مِن قِبَلِ شَيْءٍ كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ والفاضِلُ صاحِبُ الدُّرِّ سَلَكَ مَسْلَكًا حَسَنًا وهو أنَّ المُضافَ إلَيْهِ إذا كانَ مَعْلُومًا مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا مُعَيَّنًا صَحَّ الإخْبارُ لِحُصُولِ الفائِدَةِ فَإنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِأنْ قامَتْ قَرِينَةُ العُمُومِ دُونَ الخُصُوصِ وقُدِّرَ مِن قِبَلِ شَيْءٍ لَمْ يَصِحَّ الإخْبارُ ونَحْوَهُ إذْ ما شَيْءٌ إلّا وهو قَبْلَ شَيْءٍ ما فَلا فائِدَةَ في الإخْبارِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْرِفَةً ونَكِرَةً ولا مُخالَفَةَ بَيْنَ كَلامِهِ وكَلامِ الرَّضِيِّ مَعَ أنَّ كَلامَ الرَّضِيِّ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ انْتَهى وهو كَما قالَ تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ وقِيلَ: مَحَلُّ مَصْدَرِ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ ( مِن قَبْلُ ) وفِيهِ البَحْثُ السّابِقُ وقِيلَ: ﴿ ما ﴾ مَوْصُولَةٌ ومَحَلُّها مِنَ الإعْرابِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الرَّفْعِ أوِ النَّصْبِ وجُمْلَةُ ﴿ فَرَّطْتُمْ ﴾ صِلَتُها والعائِدُ مَحْذُوفٌ والتَّفْرِيطُ بِمَعْنى التَّقْدِيمِ مِنَ الفَرْطِ لا بِمَعْنى التَّقْصِيرِ أيْ ما قَدَّمْتُمُوهُ مِنَ الجِنايَةِ.
وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ( مِن قَبْلُ ) تَكْرارًا فَإنْ جُعِلَ خَبَرًا يَكُونُ الكَلامُ غَيْرَ مُفِيدٍ وإنْ جُعِلَ مُتَعَلِّقًا بِالصِّلَةِ يَلْزَمُ مَعَ التَّكْرارِ تَقْدِيمُ مُتَعَلِّقِ الصِّلَةِ عَلى المَوْصُولِ وهو غَيْرُ جائِزٍ وقِيلَ: ( ما ) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ ومَحَلُّها ما تَقَدَّمَ وفِيهِ ما فِيهِ ﴿ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ ﴾ مُفَرَّعٌ عَلى ما ذَكَرَهُ وذَكَرَ بِهِ و( بَرَحَ ) تامَّةٌ وتُسْتَعْمَلُ إذا كانَتْ كَذَلِكَ بِمَعْنى ذَهَبَ وبِمَعْنى ظَهَرَ كَما في قَوْلِهِمْ: بَرَحَ الخَفاءُ وقَدْ ضُمِّنَتْ هُنا مَعْنى فارَقَ فَنُصِبَتِ الأرْضُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً لِأنَّ الأرْضَ لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ خَبَرًا عَنِ المُتَكَلِّمِ هُنا ولَيْسَتْ مَنصُوبَةً عَلى الظَّرْفِيَّةِ ولا بِنَزْعِ الخافِضِ وعَنى بِها أرْضَ مِصْرَ أيْ فَلَنْ أُفارِقَ أرْضَ مِصْرَ جَرْيًا عَلى قَضِيَّةِ المِيثاقِ ﴿ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي ﴾ فِي البَراحِ بِالِانْصِرافِ إلَيْهِ ﴿ أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ﴾ بِالخُرُوجِ مِنها عَلى وجْهٍ لا يُؤَدِّي إلى نَقْضِ المِيثاقِ أوْ بِخَلاصِ أخِي بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ قالَ في البَحْرِ: إنَّهُ غَيّا ذَلِكَ بِغايَتَيْنِ خاصَّةٌ وهي إذْنُ أبِيهِ وعامَّةٌ وهي حُكْمُ اللَّهِ تَعالى لَهُ وكَأنَّهُ بَعْدَ أنْ غَيّا بِالأُولى رَجَعَ وفَوَّضَ الأمْرَ إلى مَن لَهُ الحُكْمُ جَلَّ شَأْنُهُ وأرادَ حُكْمَهُ سُبْحانَهُ بِما يَكُونُ عُذْرًا لَهُ ولَوِ المَوْتُ والظّاهِرُ أنَّ أحَبَّ الغايَتَيْنِ إلَيْهِ الأُولى فَلِذا قَدَّمَ ﴿ لِي ﴾ فِيها وأخَّرَهُ في الثّانِيَةِ فَلِيُفْهَمْ ﴿ وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ ﴾ .
(80) .
إذْ لا يَحْكُمُ سُبْحانَهُ إلّا بِالحَقِّ والعَدْلِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا ﴾ لَهُ ﴿ يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ كَبِيرِهِمْ وقِيلَ: هو مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِيهِ بُعْدٌ كَما أنَّ الظّاهِرَ أنَّهم أرادُوا أنَّهُ سَرَقَ في نَفْسِ الأمْرِ.
﴿ وما شَهِدْنا ﴾ عَلَيْهِ ﴿ إلا بِما عَلِمْنا ﴾ مِن سَرِقَتِهِ وتَبَقَّيْناهُ حَيْثُ اسْتُخْرِجَ صُواعُ المَلِكِ مِن رَحْلِهِ.
﴿ وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ﴾ .
(81) .
وما عَلِمْنا أنَّهُ سَيَسْرِقُ حِينَ أعْطَيْناكَ المِيثاقَ أوْ ما عَلِمْنا أنَّكَ سَتُصابُ بِهِ كَما أُصِبْتَ بِيُوسُفَ وقَرَأ الضَّحّاكُ ( سارِقٌ ) بِاسْمِ الفاعِلِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رُزَيْنٍ والكِسائِيُّ في رِوايَةٍ ( سُرِّقَ ) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ فَمَعْنى ﴿ وما شَهِدْنا ﴾ ..
إلَخْ وما شَهِدْنا إلّا بِقَدْرِ ما عَلِمْنا مِنَ التَّسْرِيقِ وما كُنّا لِلْأمْرِ الخَفِيِّ بِحافِظِينَ أسَرَقَ بِالصِّحَّةِ أمْ دُسَّ الصُّواعُ في رَحْلِهِ ولَمْ يَشْعُرْ واسْتُحْسِنَتْ هَذِهِ القِراءَةُ لِما فِيها مِنَ التَّنْزِيهِ كَذا قالُوا والظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ بِاسْتِفادَةِ اليَقِينِ مِنَ اسْتِخْراجِ الصُّواعِ مِن رَحْلِهِ مِمّا لا يَصِحُّ فَكَيْفَ يُوجِبُ اليَقِينَ واحْتِمالُ أنَّهُ دُسَّ فِيهِ مِن غَيْرِ شُعُورٍ قائِمٌ جَعَلَ مُجَرَّدَ وُجُودِ الشَّيْءِ في يَدِ المُدَّعى عَلَيْهِ بَعْدَ إنْكارِهِ مُوجِبًا لِلسَّرْقِ في شَرْعِهِمْ أوَّلًا قِيلَ: فالوَجْهُ أنَّ الظَّنَّ البَيِّنَ قائِمٌ مَقامَ العِلْمِ ألا تَرى أنَّ الشَّهادَةَ تَجُوزُ بِناءً عَلى الِاسْتِصْحابِ ويُسَمّى عِلْمًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ ﴾ وإنَّما جَزَمُوا بِذَلِكَ لِبُعْدِ الِاحْتِمالاتِ المُعارِضَةِ عِنْدَهم وإذْ جُعِلَ الحُكْمُ بِالسَّرِقَةِ وكَذا عِلْمُهم أيْضًا مَبْنِيًّا عَلى ما شاهَدُوا مِن ظاهِرِ الأمْرِ اتَّحَدَتِ القِراءَتانِ ويُفَسَّرُ ﴿ وما كُنّا ﴾ ..
إلَخْ بِما فُسِّرَ بِهِ عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ وقِيلَ: مَعْنى ﴿ ما شَهِدْنا ﴾ ..
إلَخْ ما كانَتْ شَهادَتُنا في عُمْرِنا عَلى شَيْءٍ إلّا بِما عَلِمْنا ولَيْسَتْ هَذِهِ شَهادَةً مِنّا إنَّما هي خَبَرٌ عَنْ صَنِيعِ ابْنِكَ بِزَعْمِهِمْ ﴿ وما كُنّا ﴾ ..
إلَخْ كَما هو وهو ذَهابٌ أيْضًا إلى أنَّهم غَيْرُ جازِمِينَ وفي الكَشْفِ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الذَّوْقُ إنَّهم كانُوا جازِمِينَ وقَوْلُهم: ﴿ إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ ﴾ تَمْهِيدٌ بَيِّنٌ وادِّعاءُ العِلْمِ لا يُلْزِمُ العِلْمَ فَإنْ كانَ لِبُعْدِ الِاحْتِمالاتِ المُعارِضَةِ فَلا يَكُونُ كَذِبًا مُحَرَّمًا وإلّا فَغايَتُهُ الكَذِبُ في دَعْوى العِلْمِ ولَيْسَ بِأوَّلِ كِذْباتِهِمْ وكانَ قَبْلَ أنْ تَنَبَّؤُوا ولِهَذا خَوَّنَهُمُ الأبُ في هَذِهِ أيْضًا عَلى أنَّ قَوْلَهم: ﴿ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ ﴾ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ التَّأْكِيدَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم جَعَلُوا الوُجْدانَ في الرَّحْلِ قاطِعًا وإلّا كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَقُولُوا: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ مُتَعَدِّيًا أوْ سارِقًا ونَحْوَهُ فَإنَّ يُحْتَمَلُ عَنْهُمُ الحَزْمُ هُنالِكَ فَلِمَ لا يُحْتَمَلُ ها هُنا.
اهَـ.
وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِبَعْضِ ما نَحْنُ عَلَيْهِ وكَذا لِما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ ( جَزاؤُهُ ) ..
إلَخْ ولَعَلَّ الأمْرَ في هَذا هَيِّنٌ: ومِن غَرِيبِ التَّفْسِيرِ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ لِلْغَيْبِ ﴾ لِلَّيْلِ وهو بِهَذا المَعْنى في لُغَةِ حِمْيَرٍ وكَأنَّهم قالُوا: وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا مِن ظاهِرِ حالِهِ وما كُنّا لِلَّيْلِ حافِظِينَ أيْلا نَدْرِي ما يَقَعُ فِيهِ فَلَعَلَّهُ سَرَقَ فِيهِ أوْ دُلِّسَ عَلَيْهِ وأنا لا أدْرِي ما الدّاعِي إلى هَذا التَّفْسِيرِ المُظْلِمِ مَعَ تَبَلُّجِ صُبْحِ المَعْنى المَشْهُورِ وأيًّا ما كانَ فَلامُ ﴿ لِلْغَيْبِ ﴾ لِلتَّقْوِيَةِ والمُرادُ حافِظِينَ الغَيْبَ <div class="verse-tafsir"
﴿ واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها ﴾ يَعْنُونَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والحَسَنِ مِصْرَ وقِيلَ: قَرْيَةٌ بِقُرْبِها لِحَقَهُمُ المُنادِي بِها والأوَّلُ ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُفَتِّشَ لَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ والثّانِي الظّاهِرُ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ المُؤَذِّنُ وسُؤالُ القَرْيَةِ عِبارَةٌ عَنْ سُؤالِ أهْلِها إمّا مَجازًا في القَرْيَةِ لْإطْلاقِها عَلَيْها بِعَلاقَةِ الحالِيَّةِ والمَحَلِّيَّةِ أوْ في النِّسْبَةِ أوْ يُقَدَّرُ فِيهِ مُضافٌ وهو مَجازٌ أيْضًا عِنْدَسِيبَوَيْهِ وجَماعَةٍ وفي المَحْصُولِ وغَيْرِهِ أنَّ الإضْمارَ والمَجازَ مُتَبايِنانِ لَيْسَ أحَدُهُما قِسْمًا مِنَ الآخَرِ والأكْثَرُونَ عَلى المُقابَلَةِ بَيْنَهُما وأيًّا ما كانَ فالمَسْؤُولُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ وحاصِلُ المَعْنى أرْسِلْ مَن تَثِقُ بِهِ إلى أهْلِ القَرْيَةِ واسْألْهم عَنِ القِصَّةِ ﴿ والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها ﴾ أيْ أصْحابَها الَّذِينَ تَوَجَّهْنا فِيهِمْ وكُنّا مَعَهم فَإنَّ القِصَّةَ مَعْرُوفَةٌ فِيما بَيْنَهم وكانُوا قَوْمًا مِن كَنْعانَ مِن جِيرانِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: مِن أهْلِ صَنْعاءَ والكَلامُ هُنا في التَّجَوُّزِ والإضْمارِ كالكَلامِ سابِقًا.
وقِيلَ: لا تَجَوُّزَ ولا إضْمارَ في المَوْضِعَيْنِ والمَقْصُودُ إحالَةُ تَحْقِيقِ الحالِ والِاطِّلاعِ عَلى كُنْهِ القِصَّةِ عَلى السُّؤالِ مِنَ الجَماداتِ والبَهائِمِ أنْفُسِها بِناءً عَلى أنَّهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ نَبِيٌّ فَلا يَبْعُدُ أنْ تَنْطِقَ وتُخْبِرَهُ بِذَلِكَ عَلى خَرْقِ العادَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُرادًا ولا يَقْتَضِيهِ المَقامُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِصَدَدِ إظْهارِ المُعْجِزَةِ وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الأوْلى إبْقاءُ القَرْيَةِ والعِيرِ عَلى ظاهِرِهِما وعَدَمُ إضْمارِ مُضافٍ إلَيْهِما ويَكُونُ الكَلامُ مَبْنِيًّا عَلى دَعْوى ظُهُورِ الأمْرِ بِحَيْثُ أنَّ الجَماداتِ والبَهائِمَ قَدْ عَلِمَتْ بِهِ وقَدْ شاعَ مِثْلُ ذَلِكَ في الكَلامِ قَدِيمًا وحَدِيثًا ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الدُّمَيْنَةِ: سَلِ القاعَةَ الوَعْسا مِنَ الأجْرَعِ الَّذِي بِهِ البانُ هَلْ حَيِيَتْ أطْلالُ دارِكَ وقَوْلُهُ: سَلُوا مَضْجَعِيَ عَنِّي وعَنْها فَإنَّنا ∗∗∗ رَضِينا بِما يُخْبِرْنَ عَنّا المَضاجِعُ وقَوْلُهُ: واسْألْ نُجُومَ اللَّيْلِ هَلْ زارَ الكَرى ∗∗∗ جَفْنِيَ وكَيْفَ يَزُورُ مَن لَمْ يَعْرِفِ ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا لا يَخْلُو عَنِ ارْتِكابِ مَجازٍ نَعَمْ هو مَعْنًى لَطِيفٌ بَيْدَ أنَّ الجُمْهُورَ عَلى خِلافِهِ وأكْثَرُهم عَلى اعْتِبارِ مَجازِ الحَذْفِ ﴿ وإنّا لَصادِقُونَ ﴾ .
(82) .
فِيما أخْبَرْناكَ بِهِ ولَيْسَ المُرادُ إثْباتَ صِدَقِهِمْ بِما ذُكِرَ حَتّى يَكُونَ مُصادَرَةً بَلْ تَأْكِيدُ صِدْقِهِمْ بِما يُفِيدُ ذَلِكَ مِنَ الِاسْمِيَّةِ وإنَّ واللّامِ وهو مُرادُ مَن قالَ: إنَّهُ تَأْكِيدٌ في مَحَلِّ القَسَمِ ويُحْتَمَلُ عَلى ما قِيلَ أنْ يُرِيدَ أنَّ هُنا قَسَمًا مُقَدَّرًا وقِيلَ: المُرادُ الإثْباتُ ولا مُصادَرَةَ عَلى مَعْنى أنّا قَوْمٌ عادَتُنا الصِّدْقُ فَلا يَكُونُ ما أخْبَرْناكَ بِهِ كَذِبًا ولا نَظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن عَدَمِ قَبُولِهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ ﴾ أيْ أبُوهم عَلَيْهِ السَّلامُ وهو اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا سَبَقَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ عِنْدَ قَوْلِ ذَلِكَ القائِلِ لِلْإخْوَةِ ما قالَ فَقِيلَ: قالَ أبُوهم عِنْدَما رَجَعُوا إلَيْهِ فَقالُوا لَهُ ما قالُوا: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا ﴾ وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِأنَّ مُسارَعَتَهم إلى قَبُولِ كَلامِ ذَلِكَ القائِلِ ورُجُوعَهم بِهِ إلى أبِيهِمْ أمْرٌ مُسَلَّمٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ وإنَّما المُحْتاجُ إلَيْهِ جَوابُهُ يُرْوى أنَّهم لَمّا عَزَمُوا عَلى الرُّجُوعِ إلى أبِيهِمْ قالَ لَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إذا أتَيْتُمْ أباكم فاقْرَؤُوا عَلَيْهِ السَّلامَ وقُولُوا لَهُ: إنَّ مَلِكَ مِصْرَ يَدْعُو لَكَ أنْ لا تَمُوتَ حَتّى تَرى ولَدَكَ يُوسُفَ لِيَعْلَمَ أنَّ في أرْضِ مِصْرَ صِدِّيقِينَ مِثْلَهُ فَسارُوا حَتّى وصَلُوا إلَيْهِ فَأخْبَرُوهُ بِجَمِيعِ ما كانَ فَبَكى وقالَ ما قالَ ( وبَلْ ) لِلْأضْرابِ وهُوَ عَلى ما قِيلَ إضْرابٌ لا عَنْ صَرِيحِ كَلامِهِمْ فَإنَّهم صادِقُونَ فِيهِ بَلْ عَمّا يَتَضَمَّنُهُ مِنَ ادِّعاءِ البَراءَةِ عَنِ التَّسَبُّبِ فِيما نَزَلَ بِهِ وإنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم ما أدّى إلى ذَلِكَ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ زَيَّنَتْ وسَهَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا مِنَ الأُمُورِ فَأتَيْتُمُوهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ فُتْياهم بِأخْذِ السّارِقِ بِسَرِقَتِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن دِينِ المَلِكِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ إنَّ هُنا كَلامًا مَحْذُوفًا وقَعَ الإضْرابُ عَنْهُ والتَّقْدِيرُ لَيْسَ حَقِيقَةً كَما أخْبَرْتُمْ بَلْ سَوَّلَتْ ..
إلَخْ وهو عِنْدَ ابْنِ عَطِيَّةَ وادَّعى أنَّهُ الظّاهِرُ عَلى حَدِّ ما قالَ في قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَنَّ سُوءًا بِهِمْ خَلا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَدَقَ ظَنُّهُ هُناكَ ولَمْ يَتَحَقَّقْ هُنا وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ في تَوْجِيهِ هَذا القَوْلِ ها هُنا مَعَ أنَّهم لَمْ يَعْتَمِدُوا في حَقِّ بِنْيامِينَ سُوءًا ولا أخْبَرُوا أباهم إلّا بِالواقِعِ عَلى جَلِيَّتِهِ وما تَرَكُوهُ بِمِصْرَ إلّا مَغْلُوبِينَ عَنِ اسْتِصْحابِهِ إنَّهم كانُوا عِنْدَ أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ مُتَّهَمِينَ وهم قَمِنٌ بِاتِّهامِهِ لِما أسْلَفُوهُ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقامَتْ عِنْدَهُ قَرِينَةٌ تُؤَكِّدُ التُّهْمَةُ وتُقَوِّيها وهو أخْذُ المَلِكِ لَهُ في السَّرِقَةِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلّا مِن دِينِهِ لا مِن دِينِهِ ولا مِن دِينِ غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ فَظَنَّ أنَّهُمُ الَّذِينَ أفْتَوْهُ بِذَلِكَ بَعْدَ ظُهُورِ السَّرِقَةِ الَّتِي ذَكَرُوها تَعَمُّدًا لِيَتَخَلَّفَ دُونَهم واتِّهامُ مَن هو بِحَيْثُ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التُّهْمَةُ لا جَرْحَ فِيهِ لا سِيَّما فِيما يَرْجِعُ إلى الوالِدِ مَعَ الوَلَدِ ثُمَّ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الوَجْهُ الَّذِي سَوَّغَ لَهُ هَذا القَوْلَ في حَقِّهِمْ أنَّهم جَعَلُوا مُجَرَّدَ وُجُودِ الصُّواعِ في رَحْلِ مَن يُوجَدُ في رَحْلِهِ سَرِقَةً مِن غَيْرِ أنْ يُحِيلُوا الحُكْمَ عَلى ثُبُوتِ كَوْنِهِ سارِقًا بِوَجْهٍ مَعْلُومٍ وهَذا في شَرْعِنا لا يُثْبِتُ السَّرِقَةَ عَلى مَنِ ادُّعِيَتْ عَلَيْهِ فَإنْ كانَ في شَرْعِهِمْ أيْضًا كَذَلِكَ فَفي عَدَمِ تَحْرِيرِ الفَتْوى إشْعارٌ بِأنَّهم كانُوا حُرّاصًا عَلى أخْذِهِ وهو مِنَ التَّسْوِيلِ وإنِ اقْتَضى ذَلِكَ في شَرْعِهِمْ فالعُمْدَةُ عَلى الجَوابِ الأوَّلِ هَذا والتَّنْوِينُ في ﴿ أمْرًا ﴾ لِلتَّعْظِيمِ أيْ أمْرًا عَظِيمًا ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ أيْ فَأمْرِي ذَلِكَ أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ فِيهِ فَتَذَكَّرْ.
﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ﴾ بِيُوسُفَ وأخِيهِ بِنْيامِينَ والمُتَوَقِّفُ بِمِصْرَ ﴿ إنَّهُ هو العَلِيمُ ﴾ بِحالِي وحالِهِمُ ﴿ الحَكِيمُ ﴾ .
(83) .
الَّذِي يَبْتَلِي ويَرْفَعُ البَلاءَ حَسَبَ الحِكْمَةِ البالِغَةِ قِيلَ: إنَّما تَرَجّى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلرُّؤْيا الَّتِي رَآها يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَ يَنْتَظِرُها ويُحْسِنُ ظَنَّهُ بِاللَّهِ تَعالى لا سِيَّما بَعْدَ أنْ بَلَغَ الشُّظاظُ الوِرْكَيْنِ وجاوَزَ الحِزامُ الطَّبْيَيْنِ فَإنَّهُ قَدْ جَرَتْ سُنَّتُهُ تَعالى أنَّ الشِّدَّةَ إذا تَناهَتْ يَجْعَلُ وراءَها فَرَجًا عَظِيمًا وانْضَمَّ إلى ذَلِكَ ما أُخْبِرَ بِهِ عَنْ مَلِكِ مِصْرَ أنَّهُ يَدْعُو أنْ لا يَمُوتَ حَتّى يَرى ولَدَهُ <div class="verse-tafsir"
﴿ وتَوَلّى ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنْهم كَراهَةً لِما جاءُوا بِهِ ﴿ وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ ﴾ الأسَفُ أشَدُّ الحُزْنِ عَلى ما فاتَ والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ والألِفُ بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ لِلتَّخْفِيفِ والمَعْنى يا أسَفى تَعالَ فَهَذا أوانُكَ وقِيلَ: الألِفُ ألِفُ النُّدْبَةِ والهاءُ مَحْذُوفَةٌ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الأوَّلُ وإنَّما تَأسَّفَ عَلى يُوسُفَ مَعَ أنَّ الحادِثَ مُصِيبَةُ أخَوَيْهِ لِأنَّ رُزْأهُ كانَ قاعِدَةَ الأرْزاءِ عِنْدَهُ وإنْ تَقادَمَ عَهْدُهُ أخْذًا بِمَجامِعِ قَلْبِهِ لا يَنْساهُ ولا يَزُولُ عَنْ فِكْرِهِ أبَدًا ولَمْ تُنْسِنِي أوْفى المُصِيباتِ بُعْدَهُ ولَكِنَّ نَكاءَ القُرْحِ بِالقُرْحِ أوْجَعُ ولا يَرُدُّ أنَّ هَذا مُنافٍ لِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ إذْ يَقْتَضِي ذَلِكَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى ومَن عَرَفَهُ سُبْحانَهُ أحَبَّهُ ومَن أحَبَّهُ لَمْ يَتَفَرَّغْ قَلْبُهُ لِحُبِّ ما سِواهُ لِما قِيلَ: إنَّ هَذِهِ مَحَبَّةٌ طَبِيعِيَّةٌ ولا تَأْبى الِاجْتِماعَ مَعَ حُبِّهِ تَعالى وقالَ الإمامُ: إنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَحَبَّةِ الشَّدِيدَةِ تُزِيلُ عَنِ القَلْبِ الخَواطِرَ ويَكُونُ صاحِبُها كَثِيرَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ تَعالى كَثِيرَ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِكَمالِ الِاسْتِغْراقِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما لِلصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم في هَذا المَقامِ في بابِ الإشارَةِ وقِيلَ: لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ واثِقًا بِحَياتِهِما عالِمًا بِمَكانِهِما طامِعًا بِإيابِهِما وأمّا يُوسُفُ فَلَمْ يَكُنْ في شَأْنِهِ ما يُحَرِّكُ سِلْسِلَةَ رَجائِهِ سِوى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ وفِيهِ بَحْثٌ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لَمْ تُعْطَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ إلّا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أيْ لَمْ يُعَلَّمُوهُ ولَمْ يُوَفَّقُوا لَهُ عِنْدَ نُزُولِ المُصِيبَةِ بِهِمْ ألا يَرى إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أصابَهُ ما أصابَهُ لَمْ يَسْتَرْجِعْ وقالَ ما قالَ وفي ﴿ أسَفى ﴾ .
﴿ ويُوسُفَ ﴾ تَجْنِيسٌ نَفِيسٌ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ وهو مِمّا يَزِيدُ الكَلامَ الجَلِيلَ بَهْجَةً ﴿ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ ﴾ أيْ بِسَبَبِهِ وهو في الحَقِيقَةِ سَبَبٌ لِلْبُكاءِ والبُكاءُ سَبَبٌ لِابْيِضاضِ عَيْنِهِ فَإنَّ العَبْرَةَ إذا كَثُرَتْ مَحَقَتْ سَوادَ العَيْنِ وقَلَبَتْهُ إلى بَياضٍ كَدِرٍ فَأُقِيمَ سَبَبُ السَّبَبِ مَقامَهُ لِظُهُورِهِ والِابْيِضاضُ قِيلَ إنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ العَمى فَيَكُونُ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكُلِّيَّةِ واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فارْتَدَّ بَصِيرًا ﴾ وهو يُقابَلُ بِالأعْمى وقِيلَ: لَيْسَ كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ والمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صارَتْ في عَيْنَيْهِ غِشاوَةٌ بَيْضَتْهُما وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في حُكْمِ العَمى بِالنِّسْبَةِ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وكانَ الحَسَنُ مِمَّنْ يَرى جَوازَهُ.
فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: كانَ مُنْذُ خَرَجَ يُوسُفُ مِن عِنْدِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى يَوْمَ رَجَعَ ثَمانُونَ سَنَةً لَمْ يُفارِقِ الحُزْنُ قَلْبَهُ ودُمُوعُهُ تَجْرِي عَلى خَدَّيْهِ ولَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتّى ذَهَبَ بَصَرُهُ وما عَلى الأرْضِ يَوْمَئِذٍ واللَّهِ أكْرَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ هَذا الأمْرُ عِنْدَ الحادِثِ الأخِيرِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في السِّجْنِ فَعَرَفَهُ فَقالَ لَهُ: أيُّها المَلِكُ الكَرِيمُ عَلى رَبِّهِ هَلْ لَكَ عِلْمٌ بِيَعْقُوبَ قالَ: نَعَمْ قالَ: ما فَعَلَ قالَ: ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ عَلَيْكَ قالَ: فَما بَلَغَ مِنَ الحُزْنِ قالَ: حَزِنَ سَبْعِينَ مُشْكِلَةً قالَ: هَلْ لَهُ عَلى ذَلِكَ مِن أجْرٍ قالَ: نَعَمْ أجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ ( مِنَ الحَزَنِ ) بِفَتْحِ الحاءِ والزّايِ وقَرَأ قَتادَةُ بِضَمِّهِما واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ التَّأسُّفِ والبُكاءِ عِنْدَ النَّوائِبِ ولَعَلَّ الكَفَّ عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ لا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ فَإنَّهُ قَلَّ مَن يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ.
وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ «أنَّهُ بَكى عَلى ولَدِهِ إبْراهِيمَ وقالَ: إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ والقَلْبَ يَخْشَعُ ولا نَقُولُ إلّا ما يُرْضِي رَبَّنا وإنّا لِفِراقِكَ يا إبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» وإنَّما المَنهِيُّ عَنْهُ ما يَفْعَلُهُ الجَهَلَةُ مِنَ النِّياحَةِ ولَطْمِ الخُدُودِ والصُّدُورِ وشَقِّ الجُيُوبِ وتَمْزِيقِ الثِّيابِ ورَوَيا أيْضًا مِن حَدِيثِ أُسامَةَ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رُفِعَ إلَيْهِ صَبِيٌّ لِبَعْضِ بَناتِهِ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَأقْعَدَهُ في حِجْرِهِ ونَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ كَأنَّها في شَنٍّ فَفاضَتْ عَيْناهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ سَعْدٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما هَذا فَقالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى فِيمَن شاءَ مِن عِبادِهِ وإنَّما يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى مِن عِبادِهِ الرُّحَماءَ» وفي الكَشّافِ «أنَّهُ قِيلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: تَبْكِي وقَدْ نَهَيْتَنا عَنِ البُكاءِ قالَ ما نَهَيْتُكم عَنِ البُكاءِ وإنَّما نَهَيْتُكم عَنْ صَوْتَيْنِ أحْمَقَيْنِ صَوْتٍ عِنْدَ الفَرَحِ وصَوْتٍ عِنْدَ التَّرَحِ» وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ بَكى عَلى ولَدٍ أوْ غَيْرِهِ فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: ما رَأيْتُ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الحُزْنَ عارًا عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ .
(84) .
أيْ مَمْلُوءٌ مِنَ الغَيْظِ عَلى أوْلادِهِ مُمْسِكٌ لَهُ في قَلْبِهِ لا يُظْهِرُهُ وقِيلَ: مَمْلُوءٌ مِنَ الحُزْنِ مُمْسِكٌ لَهُ لا يُبْدِيهِ وهو مِن كَظْمِ السِّقاءِ إذا شَدَّهُ بَعْدَ مَلْئِهِ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَكْظُومٌ فَهو كَما جاءَ في يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى فاعِلٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ والكاظِمِينَ ﴾ مِن كَظْمِ الغَيْظِ إذا تَجَرَّعَهُ أيْ شَدِيدُ التَّجَرُّعِ لِلْغَيْظِ أوِ الحُزْنِ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكِهِ إلى أحَدٍ قَطُّ وأصْلُهُ مِن كَظْمِ البَعِيرِ جَرَّتَهُ إذا رَدَّها في جَوْفِهِ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرُدُّ ذَلِكَ في جَوْفِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى مِن غَيْرِ أنْ يُطْلِعَ أحَدًا عَلَيْهِ وفي الكَلامِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ عَلى الوَجْهَيْنِ ما لا يَخْفى ورُجِّحَ الأخِيرُ مِنهُما بِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ مُطَّرَدٌ ولا كَذَلِكَ فَعِيلًا بِمَعْنى <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا ﴾ أيِ الإخْوَةُ وقِيلَ غَيْرُهم مِن أتْباعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ تاللَّهِ تَفْتَأُ ﴾ أيْ لا تَفْتَأُ ولا تَزالُ ﴿ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴾ تَفَجُّعًا عَلَيْهِ فَحُذِفَ حَرْفُ النَّفْيِ كَما في قَوْلِهِ: فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِيَ لَدَيْكَ وأوْصالِيَ لِأنَّ القَسَمَ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَلامَةُ الإثْباتِ كانَ عَلى النَّفْيِ وعَلامَةُ الإثْباتِ هي اللّامُ ونُونُ التَّأْكِيدِ وهُما يَلْزَمانِ جَوابَ القَسَمِ المُثْبَتَ فَإذا لَمْ يُذْكَرا دَلَّ عَلى أنَّهُ مَنفِيٌّ لِأنَّ المَنفِيَّ لا يُقارِنُهُما ولَوْ كانَ المَقْصُودُ ها هُنا الإثْباتَ لَقِيلَ لَتَفْتَأنَّ ولُزُومُ اللّامِ والنُّونِ مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ وقالَ الكُوفِيُّونَ والفارِسِيُّ: يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما وجاءَ الحَذْفُ فِيما إذا كانَ الفِعْلُ حالًا كَقِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ( لَأُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ) وقَوْلِهِ: لَأبْغَضُ كُلَّ امْرِئٍ يُزَخْرِفُ قَوْلًا ولا يَفْعَلُ ويَتَفَرَّعُ عَلى هَذا مَسْألَةٌ فِقْهِيَّةٌ وهي أنَّهُ إذا قالَ: واللَّهِ أقُومُ يَحْنَثُ إذا قامَ وإنْ لَمْ يَقُمْ لا ولا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ القائِلِ عالِمًا بِالعَرَبِيَّةِ أوْ لا عَلى ما أفْتى بِهِ خَيْرُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ وذَكَرَ أنَّ الحَلِفَ بِالطَّلاقِ كَذَلِكَ فَلَوْ قالَ: عَلَيَّ الطَّلاقُ بِالثَّلاثِ تَقُومِينَ الآنَ تُطَلَّقُ إنْ قامَتْ ولا تُطَلَّقُ إنْ لَمْ تَقُمْ وهَذِهِ المَسْألَةُ مُهِمَّةٌ لا بَأْسَ بِتَحْقِيقِ الحَقِّ فِيها وإنْ أدّى إلى الخُرُوجِ عَمّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ فَنَقُولُ: قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ العَوامَّ لَوْ أسْقَطُوا اللّامَ والنُّونَ في جَوابِ القَسَمِ المُثْبَتِ المُسْتَقْبَلِ فَقالَ أحَدُهم: واللَّهِ أقُومُ مَثَلًا لا يَحْنَثُ بِعَدَمِ القِيامِ فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ وتَعَقَّبَهُ المَقْدِسِيُّ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ تَلْزَمَهُمُ الكَفّارَةُ لِتَعارُفِهِمُ الحَلِفَ كَذَلِكَ ويُؤَيِّدُهُ ما في الظَّهِيرِيَّةِ أنَّهُ لَوْ سَكَّنَ الهاءَ أوْ نَصَبَ في بِاللَّهِ يَكُونُ يَمِينًا مَعَ أنَّ العَرَبَ ما نَطَقَتْ بِغَيْرِ الجَرِّ وقالَ أيْضًا: إنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَمِينًا وإنْ خَلا مِنَ اللّامِ والنُّونِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الوَلْوالَجِيَّةِ: سُبْحانَ اللَّهِ أفْعَلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أفْعَلُ كَذا لَيْسَ بِيَمِينٍ إلّا أنْ يَنْوِيَهُ واعْتَرَضَهُ الخَيْرُ الرَّمْلِيُّ بِأنَّ ما نَقَلَهُ لا يَدُلُّ لِمُدَّعاهُ أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ تَغْيِيرُ إعْرابٍ لا يَمْنَعُ المَعْنى المَوْضُوعَ فَلا يَضُرُّ التَّسْكِينُ والرَّفْعُ والنَّصْبُ لَمّا تَقَرَّرَ مِن أنَّ اللَّحْنَ لا يَمْنَعُ الِانْعِقادَ وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُتَنازَعِ فِيهِ إذْ هو الإثْباتُ والنَّفْيُ لا أنَّهُ يَمِينٌ وقَدْ نُقِلَ ما ذَكَرْناهُ عَنِ المَذْهَبِ والنَّقْلُ يَجِبُ اتِّباعُهُ ونَظَرُ فِيهِ.
أمّا أوَّلًا فَبِأنَّ اللَّحْنَ كَما في المِصْباحِ وغَيْرِهِ الخَطَأُ في العَرَبِيَّةِ وأمّا ثانِيًا فَبِأنَّ ما في الوَلْوالَجِيَّةِ مِنَ المُتَنازَعِ فِيهِ فَإنَّهُ أتى بِالفِعْلِ المُضارِعِ مُجَرَّدًا مِنَ اللّامِ والنُّونِ وجَعَلَهُ يَمِينًا مَعَ النِّيَّةِ ولَوْ كانَ عَلى النَّفْيِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مَعَ النِّيَّةِ يَمِينٌ عَلى عَدَمِ الفِعْلِ كَما لا يَخْفى وإنَّما اشْتَرَطَ في ذَلِكَ النِّيَّةَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَعارَفٍ.
وقالَ الفاضِلُ الحَلَبِيُّ: إنَّ بَحْثَ المَقْدِسِيَّ وجِيهٌ والقَوْلُ بِأنَّهُ يُصادِمُ المَنقُولَ يُجابُ عَنْهُ بِأنَّ المَنقُولَ في المَذْهَبِ كانَ عَلى عُرْفِ صَدْرِ الإسْلامِ قَبْلَ أنْ تَتَغَيَّرَ اللُّغَةُ وأمّا الآنَ فَلا يَأْتُونَ بِاللّامِ والنُّونِ في مُثْبَتِ القَسَمِ أصْلًا ويُفَرِّقُونَ بَيْنَ الإثْباتِ والنَّفْيِ بِوُجُودِ لا ولا وُجُودَها وما اصْطِلاحُهم عَلى هَذا إلّا كاصْطِلاحِ الفُرْسِ ونَحْوِهِمْ في أيْمانِهِمْ وغَيْرِها.
اهَـ.
ويُؤَيِّدُ هَذا ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ قاسِمٌ وغَيْرُهُ مِن أنَّهُ يُحْمَلُ كَلامُ كُلِّ عاقِدٍ وحالِفٍ وواقِفٍ عَلى عُرْفِهِ وعادَتِهِ سَواءً وافَقَ كَلامَ العَرَبِ أمْ لا ومِثْلُهُ في الفَتْحِ وقَدْ فَرَّقَ النُّحاةُ بَيْنَ بَلى ونَعَمْ في الجَوابِ أنَّ بَلى لِإيجابِ ما بَعْدَ النَّفْيِ ونَعَمْ لِلتَّصْدِيقِ فَإذا قِيلَ: ما قامَ زَيْدٌ فَإنْ قُلْتَ: بَلى كانَ المَعْنى قَدْ قامَ وإنْ نَعَمْ كانَ ما قامَ ونُقِلَ في شَرْحِ المَنارِ عَنِ التَّحْقِيقِ أنَّ المُعْتَبَرَ في أحْكامِ الشَّرْعِ العُرْفُ حَتّى يُقامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ ومِثْلُهُ في التَّلْوِيحِ وقَوْلُ المُحِيطِ والحَلِفُ بِالعَرَبِيَّةِ أنْ يَقُولَ في الإثْباتِ واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ إلى آخِرِ ما قالَ بَيانٌ لِلْحُكْمِ عَلى قَواعِدِ العَرَبِيَّةِ وعُرْفِ العَرَبِ وعادَتِهِمُ الخالِيَةِ عَنِ اللَّحْنِ وكَلامُ النّاسِ اليَوْمَ إلّا ما نَدَرَ خارِجٌ عَنْ هاتِيكِ القَواعِدِ فَهو لُغَةٌ اصْطِلاحِيَّةٌ لَهم كَسائِرِ اللُّغاتِ الأعْجَمِيَّةِ الَّتِي تَصَرَّفَ فِيها أهْلُها بِما تَصَرَّفُوا فَلا يُعامَلُونَ بِغَيْرِ لُغاتِهِمْ وقَصْدِهِمْ إلّا مَنِ التَزَمَ مِنهُمُ الإعْرابَ أوْ قَصَدَ المَعْنى فَيَنْبَغِي أنْ يَدِينَ ومِن هُنا قالَ السّائِحانِيُّ: إنَّ أيْمانَنا الآنَ لا تَتَوَقَّفُ عَلى تَأْكِيدٍ فَقَدْ وضَعْناها نَحْنُ وضْعًا جَدِيدًا واصْطَلَحْنا عَلَيْها اصْطِلاحًا حادِثًا وتَعارَفْناها تَعارُفًا مَشْهُورًا فَيَجِبُ مُعامَلَتُنا عَلى هَذا ما قالُوهُ: مِن أنَّهُ لَوْ أُسْقِطَتِ الفاءُ الرّابِطَةُ لِجَوابِ الشَّرْطِ فَهو تَنْجِيزٌ لا تَعْلِيقٌ حَتّى لَوْ قالَ: إنْ دَخَلْتُ الدّارَ أنْتِ طالِقٌ تُطَلَّقُ في الحالِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى قَواعِدِ العَرَبِيَّةِ أيْضًا وهو خِلافُ المُتَعارَفِ الآنَ فَيَنْبَغِي بِناؤُهُ عَلى العُرْفِ فَيَكُونُ تَعْلِيقًا وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي يُوسُفَ.
وفِي البَحْرِ أنَّ الخِلافَ مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ حَذْفِها اخْتِيارًا وعَدَمِهِ فَأجازَهُ أهْلُ الكُوفَةِ وعَلَيْهِ فَرَّعَ أبُو يُوسُفَ ومَنَعَهُ أهْلُ البَصْرَةِ وعَلَيْهِ تَفَرَّعَ المَذْهَبُ وفي شَرْحِ نَظْمِ الكَنْزِ لِلْمَقْدِسِيِّ أنَّهُ يَنْبَغِي تَرْجِيحُ قَوْلٍ أبِي يُوسُفَ لِكَثْرَةِ حَذْفِ الفاءِ في الفَصِيحِ ولِقَوْلِهِمُ: العَوامُّ لا يُعْتَبَرُ مِنهُمُ اللَّحْنُ في قَوْلِهِمْ: أنْتَ واحِدَةٌ بِالنَّصْبِ الَّذِي لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ.
اهَـ.
هَذا ثُمَّ إنَّ ما ذُكِرَ إنَّما هو في القَسَمِ بِخِلافِ التَّعْلِيقِ وهو وإنْ سُمِّيَ عِنْدَ الفُقَهاءِ حَلِفًا ويَمِينًا لَكِنَّهُ لا يُسَمّى قَسَمًا فَإنَّ القَسَمَ خاصٌّ بِاليَمِينِ بِاللَّهِ تَعالى كَما صَرَّحَ بِهِ القَهَسْتانِيُّ فَلا يَجْرِي فِيهِ اشْتِراطُ اللّامِ والنُّونِ في المُثْبَتِ مِنهُ لا عِنْدَ الفُقَهاءِ ولا عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ ومِنهُ الحَرامُ يَلْزَمُنِي وعَلَيَّ الطَّلاقُ لا أفْعَلُ كَذا فَإنَّهُ يُرادُ بِهِ في العُرْفِ إنْ فَعَلْتُ كَذا فَهي طالِقٌ فَيَجِبُ إمْضاؤُهُ عَلَيْهِمْ كَما صَرَّحَ بِهِ في الفَتْحِ وغَيْرِهِ قالَ الحَلَبِيُّ: وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الأفاضِلِ مِن أنَّ في قَوْلِ القائِلِ: عَلَيَّ الطَّلاقُ أجِيءُ اليَوْمَ إنْ جاءَ في اليَوْمِ وقَعَ الطَّلاقُ وإلّا فَلا لِعَدَمِ اللّامِ والنُّونِ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ النُّحاةَ إنَّما اشْتَرَطُوا ذَلِكَ في جَوابِ القَسَمِ المُثْبَتِ لا في جَوابِ الشَّرْطِ وكَيْفَ يَسُوغُ لِعاقِلٍ فَضْلًا عَنْ فاضِلٍ أنْ يَقُولَ إنْ إنْ قامَ زَيْدٌ أقُمْ عَلى مَعْنى إنْ قامَ زَيْدٌ لَمْ أقُمْ عَلى أنَّ أجِيءُ لَيْسَ جَوابَ الشَّرْطِ بَلْ هو فِعْلُ الشَّرْطِ لِأنَّ المَعْنى إنْ لَمْ أجِئِ اليَوْمَ فَأنْتِ طالِقٌ وقَدْ وقَعَ هَذا الوَهْمُ لِكَثِيرٍ مِنَ المُفْتِينَ كالخَيْرِ الرَّمْلِيِّ وغَيْرِهِ وقالَ السَّيِّدُ أحْمَدُ الحَمَوِيُّ في تَذْكِرَتِهِ الكُبْرى: رُفِعَ إلَيَّ سُؤالٌ صُورَتُهُ رَجُلٌ اغْتاظَ مِن ولَدِ زَوْجَتِهِ فَقالَ: عَلَيَّ الطَّلاقُ بِالثَّلاثِ إنِّي أُصْبِحُ أشْتَكِيكَ مِنَ النَّقِيبِ فَلَمّا أصْبَحَ تَرَكَهُ ولَمْ يَشْتَكِهِ ومَكَثَ مُدَّةً فَهَلْ والحالَةُ هَذِهِ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلاقُ أمْ لا الجَوابُ إذا تَرَكَ شِكايَتَهُ ومَضَتْ مُدَّةٌ بَعْدَ حَلِفِهِ لا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلاقُ لِأنَّ الفِعْلَ المَذْكُورَ وقَعَ في جَوابِ اليَمِينِ وهو مُثْبَتٌ فَيُقَدَّرُ النَّفْيُ حَيْثُ لَمْ يُؤَكَّدُ ثُمَّ قالَ: فَأجَبْتُ أنا بَعْدَ الحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى ما أُفْتِي بِهِ هَذا المُجِيبَ مِن عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلاقِ مُعَلِّلًا بِما ذُكِرَ فَمُنْبِئٌ عَنْ فَرْطِ جَهْلِهِ وحُمْقِهِ وكَثْرَةِ مُجازَفَتِهِ في الدِّينِ وخَرْقِهِ إذْ ذاكَ في الفِعْلِ إذا وقَعَ جَوابًا لِلْقَسَمِ بِاللَّهِ تَعالى نَحْوَ تَفْتَأُ لا في جَوابِ اليَمِينِ بِمَعْنى التَّعْلِيقِ بِما يَشُقُّ مِن طَلاقٍ وعَتاقٍ ونَحْوِهِما وحِينَئِذٍ إذا أصْبَحَ الحالِفُ ولَمْ يَشْتَكِهِ وقَعَ عَلَيْهِ الطَّلاقُ الثَّلاثُ وبانَتْ زَوْجَتُهُ مِنهُ بَيْنُونَةً كُبْرى.
اهَـ.
ولَنِعْمَ ما قالَ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ القائِلِ: مِنَ الدِّينِ كَشْفُ السِّتْرِ عَنْ كُلِّ كاذِبِ وعَنْ كُلِّ بِدْعِيٍّ أتى بِالعَجائِبِ فَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ لَهُدِّمَتْ ∗∗∗ صَوامِعُ دِينِ اللَّهِ مِن كُلِّ جانِبْ ( وفَتِئَ ) هَذِهِ مِن أخَواتِ كانَ النّاقِصَةِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ويُقالُ فِيها: فَتَأ كَضَرَبَ وأفْتَأ كَأكْرَمَ وزَعَمَ ابْنُ مالِكٍ أنَّها تَكُونُ بِمَعْنى سَكَنَ وفَتَرَ فَتَكُونُ تامَّةً وعَلى ذَلِكَ جاءَ تَفْسِيرُ مُجاهِدٍ لِلا تَفْتَأُ بِلا تَفْتُرُ عَنْ حُبِّهِ وأوَّلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ جَعَلَ الفُتُوءَ والفُتُورَ أخَوَيْنِ أيْ مُتَلازِمَيْنِ لا أنَّهُ بِمَعْناهُ فَإنَّ الَّذِي بِمَعْنى فَتَرَ وسَكَنَ هو فَثَأ بِالمُثَلَّثَةِ كَما في الصِّحاحِ مِن فَثَأتِ القِدْرُ إذا سَكَنَ غَلَيانُها والرَّجُلُ إذا سَكَنَ غَضَبُهُ ومِن هُنا خَطَّأ أبُو حَيّانَ ابْنَ مالِكٍ فِيما زَعَمَهُ وادَّعى أنَّهُ مِنَ التَّصْحِيفِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما قالَهُ فَإنَّ ابْنَ مالِكٍ نَقَلَهُ عَنِ الفَرّاءِ وقَدْ صَرَّحَ بِهِ السَّرْقُسْطِيُّ ولا يَمْتَنِعُ اتِّفاقُ مادَّتَيْنِ في مَعْنًى وهو كَثِيرٌ وقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ في كِتابٍ سَمّاهُ ما اخْتَلَفَ إعْجامُهُ واتَّفَقَ إفْهامُهُ ونَقَلَهُ عَنْهُ صاحِبُ القامُوسِ واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ الحَلِفِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ وقِيلَ: إنَّهم عَلِمُوا ذَلِكَ مِنهُ ولَكِنَّهم نَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ فَلِذا أكَّدُوهُ بِالقَسَمِ أيْ نُقْسِمُ بِاللَّهِ تَعالى لا تَزالُ ذاكِرَ يُوسُفَ مُتَفَجِّعًا عَلَيْهِ ﴿ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا ﴾ مَرِيضًا مُشْفِيًا عَلى الهَلاكِ وقِيلَ: الحَرَضُ مَن أذابَهُ هَمٌّ أوْ مَرَضٌ وجَعَلَهُ مَهْزُولًا نَحِيفًا وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ حَرَضَ فَهو حَرِضٌ بِكَسْرِ الرّاءِ وجاءَ أحْرَضَنِي كَما في قَوْلِهِ: إنِّي امْرُؤٌ لَجٌّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ حَتّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّنِي السَّقَمُ ولِكَوْنِهِ كَذَلِكَ في الأصْلِ لا يُؤَنَّثُ ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ لِأنَّ المَصْدَرَ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الحَرَضُ الفاسِدُ الَّذِي لا عَقْلَ لَهُ وقُرِئَ ( حَرِضًا ) بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ ( حُرُضًا ) بِضَمَّتَيْنِ ونَحْوُهُ مِنَ الصِّفاتِ رَجُلٌ جُنُبٌ وغُرُبٌ ﴿ أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ ﴾ .
(85) .
أيِ المَيِّتِينَ و( أوْ ) قِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى بَلْ أوْ بِمَعْنى إلى فَلا يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ حَقَّ هَذا التَّقْدِيمُ عَلى ﴿ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا ﴾ فَإنْ كانَتْ لِلتَّرْدِيدِ فَهي لِمَنعِ الخُلُوِّ والتَّقْدِيمُ عَلى تَرْتِيبِ الوُجُودِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ ﴾ أوْ لِأنَّهُ أكْثَرُ وُقُوعًا <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي ﴾ البَثُّ في الأصْلِ إثارَةُ الشَّيْءِ وتَفْرِيقُهُ كَبَثَّ الرِّيحُ التُّرابَ واسْتُعْمِلَ في الغَمِّ الَّذِي لا يُطِيقُ صاحِبُهُ عَلَيْهِ كَأنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ فَلا يُطِيقُ حَمْلَهُ وحْدَهُ فَيُفَرِّقُهُ عَلى مَن يُعِينُهُ فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفاعِلِ أيِ الغَمُّ الَّذِي بَثَّ الفِكْرَ وفَرَّقَهُ وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ القَوْمَ قالُوا ما قالُوا بِطَرِيقِ التَّسْلِيَةِ والإشْكاءِ فَقالَ في جَوابِهِمْ: إنِّي لا أشْكُو ما بِي إلَيْكم أوْ إلى غَيْرِكم حَتّى تَتَصَدَّوْا لِتَسْلِيَتِي وإنَّما أشْكُو غَمِّي ﴿ وحُزْنِي إلى اللَّهِ ﴾ تَعالى مُتَلَجِّئًا إلى جَنابِهِ مُتَضَرِّعًا في دَفْعِهِ لَدى بابِهِ فَإنَّهُ القادِرُ عَلى ذَلِكَ وفي الخَبَرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ «مِن كُنُوزِ البِرِّ إخْفاءُ الصَّدَقَةِ وكِتْمانُ المَصائِبِ والأمْراضِ ومَن بَثَّ لَمْ يَصْبِرْ» وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى ( حَزَنِي ) بِفَتْحَتَيْنِ وقَرَأ قَتادَةُ بِضَمَّتَيْنِ.
﴿ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ مِن لُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ ﴿ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ .
(86) .
فَأرْجُو أنْ يَرْحَمَنِي ويَلْطُفَ بِي ولا يُخَيِّبَ رَجائِيَ فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ و( مِن ) بَيانِيَّةٌ قُدِّمَتْ عَلى المُبَيَّنِ وقَدْ جَوَّزَهُ النُّحاةُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً أيْ أعْلَمُ وحْيًا أوْ إلْهامًا أوْ بِسَبَبٍ مِن أسْبابِ العِلْمِ مِن جِهَتِهِ تَعالى ما تَعْلَمُونَ مِن حَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ ذَلِكَ مِنَ الرُّؤْيا حَسْبَما تَقَدَّمَ وقِيلَ إنَّهُ رَأى مَلَكَ المَوْتِ في المَنامِ فَأخْبَرَهُ أنَّ يُوسُفَ حَيُّ ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ ولَمْ يَذْكُرُوا لَهُ سَنَدًا والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ النَّضْرِ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَثَ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ عامًا لا يَدْرِي يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيٌّ أمْ مَيِّتٌ حَتّى تَمَثَّلَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ لَهُ: مَن أنْتَ قالَ: أنا مَلَكُ المَوْتِ فَقالَ: أنْشُدُكَ بِإلَهِ يَعْقُوبَ هَلْ قَبَضْتَ رُوحَ يُوسُفَ قالَ: لا فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: <div class="verse-tafsir"
﴿ يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا ﴾ أيْ فَتَعَرَّفُوا وهو تَفَعَّلَ مِنَ الحِسِّ وهو في الأصْلِ الإدْراكُ بِالحاسَّةِ وكَذا أصْلُ التَّحَسُّسِ طَلَبُ الإحْساسِ واسْتِعْمالُهُ في التَّعَرُّفِ اسْتِعْمالٌ لَهُ في لازِمِ مَعْناهُ وقَرِيبٌ مِنهُ التَّجَسُّسُ بِالجِيمِ وقِيلَ: إنَّهُ بِهِ في الشَّرِّ وبِالحاءِ في الخَيْرِ ورُدَّ بِأنَّهُ قُرِئَ هُنا ( فَتَجَسَّسُوا ) بِالجِيمِ أيْضًا وقالَ الرّاغِبُ: أصْلُ الجَسِّ مَسُّ العِرْقِ وتَعَرُّفُ نَبْضِهِ لِلْحُكْمِ بِهِ عَلى الصِّحَّةِ والمَرَضِ وهو أخَصُّ مِنَ الحِسِّ فَإنَّهُ تَعَرُّفُ ما يُدْرِكُهُ الحِسُّ والجَسُّ تَعَرُّفُ حالِ ما مِن ذَلِكَ مِن يُوسُفَ وأخِيهِ أيْ مِن خَبَرِهِما ولَمْ يُذْكَرِ الثّالِثُ لِأنَّ غَيْبَتَهُ اخْتِيارِيَّةٌ لا يَعْسُرُ إزالَتُها وعَلى فَرْضِ ذَلِكَ الدّاعِيَةِ فِيهِمْ لِلتَّحَسُّسِ مِنهُ لِكَوْنِهِ أخاهم قَوِيَّةً فَلا حاجَةَ لِأمْرِهِمْ بِذَلِكَ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ وهو بِمَعْنى عَنْ بِناءٍ عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّهُ لا يُقالُ: تَحَسَّسْتُ مِن فُلانٍ وإنَّما يُقالُ: تَحَسَّسْتُ عَنْهُ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ عَلى مَعْنى تَحَسُّوا خَبَرًا مِن أخْبارِ يُوسُفَ وأخِيهِ.
﴿ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ ﴾ أيْ لا تَقْنَطُوا مِن فَرَجِهِ سُبْحانَهُ وتَنْفِيسِهِ وأصْلُ مَعْنى الرَّوْحِ بِالفَتْحِ كَما قالَ الرّاغِبُ التَّنَفُّسُ يُقالُ: أراحَ الإنْسانُ إذا تَنَفَّسَ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْفَرَجِ كَما قِيلَ: لَهُ تَنْفِيسٌ مِنَ النَّفَسِ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والحَسَنُ وقَتادَةُ ( رُوحِ ) بِالضَّمِّ وفُسِّرَ بِالرَّحْمَةِ عَلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مِن مَعْناها المَعْرُوفِ لِأنَّ الرَّحْمَةَ سَبَبُ الحَياةِ كالرُّوحِ وإضافَتُها إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّها مِنهُ سُبْحانَهُ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَأنَّ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ لا تَيْأسُوا مِن حَيٍّ مَعَهُ رُوحُ اللَّهِ الَّذِي وهَبَهُ فَإنَّ كُلَّ مَن بَقِيَتْ رُوحُهُ يُرْجى ومِن هَذا قَوْلُهُ: وفِي غَيْرِ مَن قَدْ وارَتِ الأرْضُ فاطْمَعْ وقَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ الأبْرَصِ: وكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يَؤُوبُ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ وقَرَأ أُبَيٌّ ( مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ) وعَبْدُ اللَّهِ ( مِن فَضْلِ اللَّهِ ) وكِلاهُما عِنْدَ أبِي حَيّانَ تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ وقُرِئَ ( تَأْيَسُوا ) وقَرَأ الأعْرَجُ ( تِيئَسُوا ) بِكَسْرِ التّاءِ والأمْرُ والنَّهْيُ عَلى ما قِيلَ إرْشادٌ لَهم إلى بَعْضِ ما أُبْهِمَ في قَوْلِهِ: ﴿ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَذَّرَهم عَنْ تَرْكِ العَمَلِ بِمُوجِبِ نَهْيِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ ﴾ أيِ الشَّأْنُ ﴿ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ ﴾ .
(87) .
لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ فَإنَّ العارِفَ لا يَقْنَطُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أوْ تَأْكِيدًا لِما يَعْلَمُونَهُ مِن ذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُؤْمِنَ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى خَيْرٍ يَرْجُوهُ فِي البَلاءِ ويَحْمَدُهُ في الرَّخاءِ.
وذَكَرَ الإمامُ أنَّ اليَأْسَ لا يَحْصُلُ إلّا إذا اعْتَقَدَ الإنْسانُ أنَّ الإلَهَ غَيْرُ قادِرٍ عَلى الكَمالِ أوْ غَيْرُ عالِمٍ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ أوْ لَيَسَ بِكَرِيمٍ واعْتِقادُ كُلٍّ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ يُوجِبُ الكُفْرَ فَإذا كانَ اليَأْسُ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ أحَدِها وكُلٌّ مِنها كُفْرٌ ثَبَتَ أنَّ اليَأْسَ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن كانَ كافِرًا واسْتَدَلَّ بَعْضُ أصْحابِنا بِالآيَةِ عَلى أنَّ اليَأْسَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ وادَّعى أنَّها ظاهِرَةٌ في ذَلِكَ.
وقالَ الشِّهابُ: لَيْسَ فِيها دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ بَلْ هو ثابِتٌ بِدَلِيلٍ آخَرَ وجُمْهُورُ الفُقَهاءِ عَلى أنَّ اليَأْسَ كَبِيرَةٌ ومَفادُ الآيَةِ أنَّهُ مِن صِفاتِ الكُفّارِ لا أنَّ مَنِ ارْتَكَبَهُ كانَ كافِرًا بِارْتِكابِهِ وكَوْنُهُ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ أحَدِ المُكَفِّراتِ الَّتِي ذَكَرَها الإمامُ مَعَ كَوْنِهِ في حَيِّزِ المَنعِ لِجَوازِ أنْ يَيْأسَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مَعَ إيمانِهِ بِعُمُومِ قُدْرَتِهِ تَعالى وشُمُولِ عِلْمِهِ وعِظَمِ كَرَمِهِ جَلَّ وعَلا لِمُجَرَّدِ اسْتِعْظامِ ذَنْبِهِ مَثَلًا واعْتِقادِهِ عَدَمَ أهْلِيَّتِهِ لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ لَهُ أدْنى ذَرَّةٍ مِن تِلْكَ الِاعْتِقاداتِ السَّيِّئَةِ المُوجِبَةِ لِلْكُفْرِ لا يَسْتَدْعِي أكْثَرَ مِنَ اقْتِضائِهِ سابِقِيَّةِ الكُفْرِ دُونَ كَوْنِ ارْتِكابِهِ نَفْسِهِ كُفْرًا كَذا قِيلَ وقِيلَ: الأوْلى التِزامُ القَوْلِ بِأنَّ اليَأْسَ قَدْ يُجامِعُ الإيمانَ وأنَّ القَوْلَ بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا بِأحَدِ الِاعْتِقاداتِ المَذْكُورَةِ غَيْرُ بَيِّنٍ ولا مُبَيِّنٍ.
نَعَمْ كَوْنُهُ كَبِيرَةً مِمّا لا شَكَّ فِيهِ بَلْ جاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ أكْبَرُ الكَبائِرِ وكَذا القُنُوطُ وسُوءُ الظَّنِّ وفَرَّقُوا بَيْنَها بِأنَّ اليَأْسَ عَدَمُ أمَلِ وُقُوعِ شَيْءٍ مِن أنْواعِ الرَّحْمَةِ لَهُ والقُنُوطُ هو ذاكَ مَعَ انْضِمامِ حالَةٍ هي أشَدُّ مِنهُ في التَّصْمِيمِ عَلى عَدَمِ الوُقُوعِ وسُوءُ الظَّنِّ هو ذاكَ مَعَ انْضِمامِ أنَّهُ مَعَ عَدَمِ رَحْمَتِهِ لَهُ يُشَدَّدُ لَهُ العَذابُ كالكُفّارِ وذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ في بَعْضِ رَسائِلِهِ ما بِهِ يَرْجِعُ الخِلافُ بَيْنَ مَن قالَ: إنَّ اليَأْسَ كُفْرٌ ومَن قالَ: إنَّهُ كَبِيرَةٌ لَفْظِيًّا فَقالَ: قَدْ ذَكَرَ الفُقَهاءُ مِنَ الكَبائِرِ الأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى واليَأْسُ مِن رَحْمَتِهِ وفي العَقائِدِ واليَأْسُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ فَيَحْتاجُ إلى التَّوْفِيقِ والجَوابُ أنَّ المُرادَ بِاليَأْسِ إنْكارُ سِعَةِ الرَّحْمَةِ لِلذُّنُوبِ ومِنَ الأمْنِ الِاعْتِقادُ أنْ لا مَكْرَ ومُرادُ الفُقَهاءِ مِنَ اليَأْسِ اليَأْسُ لِاسْتِعْظامِ ذُنُوبِهِ واسْتِبْعادُ العَفْوِ عَنْها ومِنَ الأمْنِ الأمْنُ لِغَلَبَةِ الرَّجاءِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ دَخَلَ في حَدِّ الأمْنِ ثُمَّ قالَ والأوْفَقُ بِالسُّنَّةِ طَرِيقُ الفُقَهاءِ لِحَدِيثِ الدّارَقُطْنِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا حَيْثُ عَدَّها مِنَ الكَبائِرِ وعَطَفَها عَلى الإشْراكِ بِاللَّهِ تَعالى.
اهَـ.
وهو تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ فَلْيُفْهَمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ ﴾ أيْ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما رَجَعُوا إلى مِصْرَ بِمُوجِبِ أمْرِ أبِيهِمْ وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ إيذانًا بِمُسارَعَتِهِمْ إلى ما أُمِرُوا بِهِ وإشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ لا يَفْتَقِرُ إلى الذِّكْرِ والبَيانِ وأنْكَرَ اليَهُودُ رُجُوعَهم بَعْدَ أخْذِ بِنْيامِينَ إلى أبِيهِمْ ثُمَّ عَوْدَهم إلى مِصْرَ وزَعَمُوا أنَّهم لَمّا جاءُوا أوَّلًا لِلْمِيرَةِ اتَّهَمَهم بِأنَّهم جَواسِيسُ فاعْتَذَرُوا وذَكَرُوا أنَّهم أوْلادُ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى يَعْقُوبَ وأنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ولَدًا هَلَكَ واحِدٌ مِنهم وتَخَلَّفَ أخُوهُ عِنْدَ أبِيهِمْ يَتَسَلّى بِهِ عَنِ الهالِكِ حَيْثُ أنَّهُ كانَ يُحِبُّهُ كَثِيرًا فَقالَ: ائْتُونِي بِهِ لِأتَحَقَّقَ صِدْقَكم وحُبِسَ شَمْعُونُ عِنْدَهُ حَتّى يَجِيئُوا فَلَمّا أتَوْا بِهِ ووَقَعَ ما وقَعَ مِن أمْرِ السَّرِقَةِ أظْهَرُوا الخُضُوعَ والِانْكِسارَ فَلَمْ يَمْلِكْ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسَهُ حَتّى تَعَرَّفَ إلَيْهِمْ ثُمَّ أمَرَهم بِالعَوْدِ إلى أبِيهِمْ لِيُخْبِرُوهُ الخَبَرَ ويَأْتُوا بِهِ وهو الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ تَوْراتُهُمُ اليَوْمَ وما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ ﴿ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ ﴾ خاطَبُوهُ بِذَلِكَ تَعْظِيمًا لَهُ عَلى حَدِّ خِطابِهِمُ السّابِقِ بِهِ عَلى ما هو ظاهِرٌ وهَلْ كانُوا يَعْرِفُونَ اسْمَهُ أمْ لا لَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِذَلِكَ فَإنْ كانُوا يَعْرِفُونَهُ ازْدادَ أمْرُ جَهالَتِهِمْ غَرابَةً والمُرادُ عَلى ما قالَ الإمامُ وغَيْرُهُ يا أيُّها المَلِكُ القادِرُ المَنِيعُ ﴿ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ ﴾ الهُزالُ مِن شِدَّةِ الجُوعِ والمُرادُ بِالأهْلِ ما يَشْمَلُ الزَّوْجَةَ وغَيْرَها ﴿ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ﴾ مَدْفُوعَةٍ يَدْفَعُها كُلُّ تاجِرٍ رَغْبَةً عَنْها واحْتِقارًا مِن أزْجَيْتُهُ إذا دَفَعْتُهُ وطَرَدْتُهُ والرِّيحُ تُزْجِي السَّحابَ وأنْشَدُوا لِحاتِمٍ: لِيَبْكِ عَلى مُلْحانَ ضَيْفٌ مُدْفَعٌ وأرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيْلِ أرْمَلا وكُنِّيَ بِها عَنِ القَلِيلِ أوِ الرَّدِيءِ لِأنَّهُ لِعَدَمِ الِاعْتِناءِ يُرْمى ويُطْرَحُ قِيلَ: كانَتْ بِضاعَتُهم مِن مَتاعِ الأعْرابِ صُوفًا وسَمْنًا وقِيلَ: الصَّنَوْبَرُ وحَبَّةُ الخَضْراءِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي صالِحٍ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وقِيلَ: سَوِيقُ المَقْلِ والأقْطُ وقِيلَ: قَدِيدٌ وحَشٌّ وقِيلَ: حِبالًا وأعْدالًا وأحْقابًا وقِيلَ: كانَتْ دَراهِمَ زُيُوفًا لا تُؤْخَذُ إلّا بِوَضِيعَةٍ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والمَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ تَفْسِيرُها بِقَلِيلَةٍ لا غَيْرَ وعَلى كُلٍّ فَمُزْجاةٌ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِلْبِضاعَةِ وقالَ الزَّجّاجُ: هي مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ أيْ يَدْفَعُ الزَّمانَ بِالقَلِيلِ والمَعْنى إنّا جِئْنا بِبِضاعَةٍ يُدْفَعُ بِها الزَّمانُ ولَيْسَتْ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ بِها الأيّامُ أيْ تُدْفَعُ بِها ويُصَبَّرُ عَلَيْها حَتّى تَنْقَضِيَ كَما قِيلَ: دَرِّجِ الأيّامَ تَنْدَرِجْ ∗∗∗ وبُيُوتُ الهَمِّ لا تُلَجْ وما ذُكِرَ أوَّلًا هو الأوْلى وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ مُزْجاةً مِن لُغَةِ العَجَمِ وقِيلَ: مِن لُغَةِ القِبْطِ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ ابْنُ الأنْبارِيِّ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ لَفْظٌ مَعْرُوفُ الِاشْتِقاقِ والتَّصْرِيفِ مَنسُوبًا إلى غَيْرِ لُغَةِ العَرَبِ فالنِّسْبَةُ إلى ذَلِكَ مُزْجاةٌ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( مُزْجِيةٍ ) بِالإمالَةِ لِأنَّ أصْلَها الياءُ والظّاهِرُ أنَّهم إنَّما قَدَّمُوا هَذا الكَلامَ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى إسْعافِ مَرامِهِمْ بِبَعْثِ الشَّفَقَةِ وهَزِّ العَطْفِ والرَّأْفَةِ وتَحْرِيكِ سِلْسِلَةِ الرَّحْمَةِ ثُمَّ قالُوا: ﴿ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ ﴾ أيْ أتْمِمْهُ لَنا ولا تَنْقُصْهُ لِقِلَّةِ بِضاعَتِنا أوْ رَداءَتِها واسْتُدِلَّ بِهَذا عَلى أنَّ الكَيْلَ عَلى البائِعِ ولا دَلِيلَ فِيهِ ﴿ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا ﴾ ظاهِرُهُ بِالإيفاءِ أوْ بِالمُسامَحَةِ وقَبُولِ المُزْجاةِ أوْ بِالزِّيادَةِ عَلى ما يُساوِيها.
وقالَ الضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ إنَّهم أرادُوا تَصَدَّقْ عَلَيْنا بَرَدِّ أخِينا بِنْيامِينَ عَلى أبِيهِ قِيلَ: وهو الأنْسَبُ بِحالِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى أمْرِ أبِيهِمْ وكَأنَّهم أرادُوا تَفَضَّلْ عَلَيْنا بِذَلِكَ لِأنَّ رَدَّ الأخِ لَيْسَ بِصَدَقَةٍ حَقِيقَةً وقَدْ جاءَتِ الصَّدَقَةُ بِمَعْنى التَّفَضُّلِ كَما قِيلَ: ومِنهُ تَصَدَّقَ اللَّهُ تَعالى عَلى فُلانٍ بِكَذا وأمّا قَوْلُ الحَسَنِ لِمَن سَمِعَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتَصَدَّقُ إنَّما يَتَصَدَّقُ مَن يَبْغِي الثَّوابَ قُلِ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي أوْ تَفَضَّلْ عَلَيَّ أوِ ارْحَمْنِي فَقَدْ رُدَّ بِقَوْلِهِ : «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ تَعالى بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» وأُجِيبَ عَنْهُ مَجازًا ومُشاكَلَةً وإنَّما رَدَّ الحَسَنُ عَلى القائِلِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَلِيغًا كَما في قِصَّةِ المُتَوَفّى وادَّعى بَعْضُهم تَعَيُّنَ الحَمْلِ عَلى المَجازِ أيْضًا إذا كانَ المُرادُ طَلَبَ الزِّيادَةِ عَلى ما يُعْطى بِالثَّمَنِ بِناءً عَلى أنَّ حُرْمَةَ أخْذِ الصَّدَقَةِ لَيْسَتْ خاصَّةً بِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بَلْ هي عامَّةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وآلِهِمْ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ والسّائِلُونَ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ لا مَحالَةَ وتُعُقِّبَ بِأنّا لَوْ سَلَّمْنا العُمُومَ لا نُسَلِّمُ أنَّ المُحَرَّمَ أخْذُ الصَّدَقَةِ مُطْلَقًا بَلِ المُحَرَّمُ إنَّما هو أخْذُ الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ وما هُنا لَيْسَ مِنها والظّاهِرُ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم تَمَسْكَنُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ مَسَّنا ﴾ ..
إلَخْ وطَلَبُوا إلَيْهِ أنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ( تَصَدَّقْ عَلَيْنا ) فَلَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلى الظّاهِرِ لَما طابَقَهُ ذَلِكَ التَّمْهِيدُ ولا هَذا التَّوْطِيدُ أعْنِي ﴿ إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ ﴾ .
(88) .
بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وجَزائِهِ الحامِلِينَ عَلى ذَلِكَ وإنَّ فاعِلَهُ مِنهُ تَعالى بِمَكانٍ.
قالَ النَّقّاشُ: وفي العُدُولِ عَنْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْزِيكَ بِصَدَقَتِكَ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ مَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ فَهو مِنَ المَعارِيضِ فَإنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مَلِكًا كافِرًا ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الضَّحّاكِ ووَجْهُ عَدَمِ بَدْئِهِمْ بِما أُمِرُوا بِهِ عَلى القَوْلِ بِخِلافِ الظّاهِرِ في مُتَعَلِّقِ التَّصَدُّقِ بِأنَّ فِيما سَلَكُوهُ اسْتِجْلابًا لِلشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ فَكَأنَّهم أرادُوا أنْ يَمْلَؤُوا حِياضَ قَلْبِهِ مِن نَمِيرِها لِيَسْقُوا بِهِ أشْجارَ تَحَسُّسِهِمْ لِتُثْمِرَ لَهم غَرَضَ أبِيهِمْ ووَجَّهَهُ بَعْضُهم بِمِثْلِ هَذا ثُمَّ قالَ: عَلى أنَّ قَوْلَهم ﴿ وتَصَدَّقْ ﴾ ..
إلَخْ كَلامٌ ذُو وجْهَيْنِ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ الحَمْلَ عَلى المَحْمَلَيْنِ فَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَمَلَهُ عَلى طَلَبِ الرَّدِّ ولِذَلِكَ <div class="verse-tafsir"
قالَ مُجِيبًا عَمّا عَرَّضُوا بِهِ وضَمَّنُوهُ كَلامَهم مِن ذَلِكَ ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ وكانَ الظّاهِرُ عَلى هَذا الِاقْتِصارَ عَلى التَّعَرُّضِ بِما فَعَلَ مَعَ الأخِ إلّا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعَرَّضَ لِما فُعِلَ بِهِ أيْضًا لِاشْتِراكِهِما في وُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِما فَإنَّ المُرادَ بِذَلِكَ إفْرادُهم لَهُ عَنْهُ وإذْلالُهُ بِذَلِكَ حَتّى كانَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمَهم إلّا بِعَجْزٍ وذِلَّةٍ والِاسْتِفْهامُ لَيْسَ عَنِ العِلْمِ بِنَفْسِ ما فَعَلُوهُ لِأنَّ الفِعْلَ الإرادِيَّ مَسْبُوقٌ بِالشُّعُورِ لا مَحالَةَ بَلْ هو عَمّا فِيهِ مِنَ القُبْحِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ ﴾ .
(89) .
أيْ هَلْ عَلِمْتُمْ قُبْحَ ما فَعَلْتُمُوهُ زَمانَ جَهْلِكم قُبْحَهُ وزالَ ذَلِكَ الجَهْلُ أمْ لا وفِيهِ مِن إبْداءِ عُذْرِهِمْ وتَلْقِينِهِمْ إيّاهُ ما فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ ﴾ والظّاهِرُ لِهَذا أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَشَفِّيًا بَلْ حَثٌّ عَلى الإقْلاعِ ونُصْحٌ لَهم لَمّا رَأى مِن عَجْزِهِمْ وتَمَسْكُنِهِمْ ما رَأى مَعَ خَفِيِّ مُعاتَبَةٍ عَلى وُجُودِ الجَهْلِ وأنَّهُ حَقِيقُ الِانْتِفاءِ في مِثْلِهِمْ فَلِلَّهِ تَعالى هَذا الخُلُقُ الكَرِيمُ كَيْفَ تَرَكَ حَظَّهُ مِنَ التَّشَفِّي إلى حَقِّ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ حَقَّ الأُخُوَّتَيْنِ أيْضًا والتَّلَطُّفَ في إسْماعِهِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ هَذا الضُّرَّ أوْلى بِالكَشْفِ قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُنْقَطِعًا عَنْ كَلامِهِمْ وتَنْبِيهًا لَهم عَمّا حَقُّهم ووَظِيفَتُهم مِنَ الإعْراضِ عَنْ جَمِيعِ المَطالِبِ والتَّمَخُّضِ لِطَلَبِ بِنْيامِينَ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَقِفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ أوِ الإلْهامِ عَلى وصِيَّةِ أبِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإرْسالِهِ إيّاهم لِلتَّحَسُّسِ مِنهُ ومِن أخِيهِ فَلَمّا رَآهم قَدِ اشْتَغَلُوا عَنْ ذَلِكَ قالَ ما قالَ والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى ما رَأى مِنهم وهو مِن أرَقِّ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى قَلْبًا وكانَ قَدْ بَلَغَ الكِتابُ أجَلَهُ شَرَعَ في كَشْفِ أمْرِهِ فَقالَ ما قالَ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهم لَمّا اسْتَعْطَفُوهُ رَقَّ لَهم ورَحِمَهم حَتّى أنَّهُ ارْفَضَّ دَمْعُهُ باكِيًا ولَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ فَشَرَعَ في التَّعَرُّفِ لَهم وأرادَ بِما فَعَلُوهُ بِهِ جَمِيعَ ما جَرى وبِما فَعَلُوهُ بِأخِيهِ أذاهم لَهُ وجَفاءَهم إيّاهُ وسُوءَ مُعامَلَتِهِمْ لَهُ وإفْرادَهم كَما سَمِعْتَ ولَمْ يَذْكُرْ لَهم ما آذَوْا بِهِ أباهم عَلى ما قِيلَ تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ أنْ يَذْكُرَهُ مَعَ نَفْسِهِ وأخِيهِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ مِن فُرُوعِ ما ذُكِرَ وقِيلَ: إنَّهم أدَّوْا إلَيْهِ كِتابًا مِن أبِيهِمْ وصُورَتَهُ كَما في الكَشّافِ مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلَ اللَّهِ بْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ إلى عَزِيزِ مِصْرَ أمّا بَعْدُ فَإنّا أهْلُ بَيْتٍ مُوَكَّلٍ بِنا البَلاءُ أمّا جَدِّي فَشُدَّتْ يَداهُ ورِجْلاهُ ورُمِيَ بِهِ في النّارِ لِيُحْرَقَ فَنَجّاهُ اللَّهُ تَعالى وجُعِلَتِ النّارُ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا وأمّا أبِي فَوُضِعَ عَلى قَفاهُ السِّكِّينُ لِيُقْتَلَ فَفَداهُ اللَّهُ تَعالى وأمّا أنا فَكانِ لِي ابْنٌ وكانَ أحَبَّ الأوْلادِ إلَيَّ فَذَهَبَ بِهِ إخْوَتُهُ إلى البَرِيَّةِ ثُمَّ أتَوْنِي بِقَمِيصِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ وقالُوا: قَدْ أكَلَهُ الذِّئْبُ فَذَهَبَتْ عَيْنايَ مِن بُكائِي عَلَيْهِ ثُمَّ كانَ لِي ابْنٌ كانَ أخاهُ مِن أُمِّهِ وكُنْتُ أتَسَلّى بِهِ فَذَهَبُوا بِهِ ثُمَّ رَجَعُوا وقالُوا: إنَّهُ سَرَقَ وإنَّكَ حَبَسْتَهُ لِذَلِكَ وإنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَسْرِقُ ولا نَلِدُ سارِقًا فَإنْ رَدَدْتَهُ عَلَيَّ وإلّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السّابِعَ مِن ولَدِكَ والسَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي رَوْقٍ نَحْوَهُ فَلَمّا قَرَأ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ الكِتابَ لَمْ يَتَمالَكْ وعِيلَ صَبْرُهُ فَقالَ لَهم ذَلِكَ ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَرَأ الكِتابَ بَكى وكَتَبَ الجَوابَ اصْبِرْ كَما صَبَرُوا تَظْفَرْ كَما ظَفَرُوا هَذا وما أشَرْنا إلَيْهِ مِن كَوْنِ المُرادِ إثْباتَ الجَهْلِ لَهم حَقِيقَةً هو الظّاهِرُ وقِيلَ: لَمْ يَرِدْ نَفْيُ العِلْمِ عَنْهم لِأنَّهم كانُوا عُلَماءَ ولَكِنَّهم لَمّا لَمْ يَفْعَلُوا ما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ وتَرْكُ مُقْتَضى العِلْمِ مِن صَنِيعِ الجُهّالِ سَمّاهم جاهِلِينَ وقِيلَ: المُرادُ جاهِلُونَ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ الأمْرُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ﴿ جاهِلُونَ ﴾ صِبْيانٌ قَبْلَ أنْ تَبْلُغُوا أوانَ الحُلُمِ والرَّزانَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِالوَجْهِ لِأنَّهُ لا يُطابِقُ الوُجُودَ ويُنافِي ( ونَحْنُ عُصْبَةٌ ) فالظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّةِ الإسْنادِ وزَعَمَ في التَّحْرِيرِ أنَّ قَوْلَ الجُمْهُورِ: إنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ ومُرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ أيْ ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ في يُوسُفَ وأخِيهِ كَما يُقالُ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ وقِيلَ: هَلْ بِمَعْنى قَدْ كَما في ﴿ هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ﴾ والمَقْصُودُ هو التَّوْبِيخُ أيْضًا وكِلا القَوْلَيْنِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ والصَّحِيحُ ما تَقَدَّمَ ومِنَ الغَرِيبِ الَّذِي لا يَصِحُّ البَتَّةَ ما حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالُوا لَهُ ما قالُوا غَضِبَ عَلَيْهِمْ فَأمَرَ بِقَتْلِهِمْ فَبَكَوْا وجَزِعُوا فَرَقَّ لَهم وقالَ: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ ﴾ ..
إلَخْ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ ﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِإنَّ واللّامِ لِأنَّ التَّأْكِيدَ يَقْتَضِي التَّحَقُّقَ المُنافِيَ لِلِاسْتِفْهامِ الحَقِيقِيِّ ولَعَلَّهم قالُوهُ اسْتِغْرابًا وتَعَجُّبًا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وقَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( إنَّكَ ) بِغَيْرِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ قالَ في البَحْرِ: والظّاهِرُ أنَّها مُرادَةٌ ويَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى الخَبَرِ المَحْضِ وقَدْ قالَهُ بَعْضُهم لِتَعارُضِ الِاسْتِفْهامِ والخَبَرِ إنِ اتَّحَدَ القائِلُونَ وهو الظّاهِرُ فَإنْ قُدِّرَ أنَّ بَعْضًا اسْتَفْهَمَ وبَعْضًا أخْبَرَ ونُسِبَ كُلٌّ إلى المَجْمُوعِ أمْكَنَ وهو مَعَ ذَلِكَ بِعِيدٌ و( أنْتَ ) في القِراءَتَيْنِ مُبْتَدَأٌ و( يُوسُفُ ) خَبَرُهُ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ خَبَرُ ( إنَّ ) ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنْتَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي هو اسْمُ إنَّ لِحَيْلُولَةِ اللّامِ وقَرَأ أُبَيٌّ أإنَّكَ أوْ أنْتَ يُوسُفُ وخَرَّجَ ذَلِكَ ابْنُ جِنِّيٍّ في كِتابِ المُحْتَسِبِ عَلى حَذْفِ خَبَرِ إنَّ وقَدَّرَهُ أإنَّكَ لَغَيْرُ يُوسُفَ أوْ أنْتَ يُوسُفُ وكَذا الزَّمَخْشَرِيُّ إلّا أنَّهُ قَدَّرَهُ أإنَّكَ يُوسُفُ أوْ أنْتَ يُوسُفُ ثُمَّ قالَ: وهَذا كَلامٌ مُتَعَجَّبٌ مُسْتَغْرَبٌ لِما يُسْمَعُ فَهو يُكَرِّرُ الِاسْتِيثاقَ قالَ في الكَشْفِ: وما قَدَّرَهُ أوْلى لِقِلَّةِ الإضْمارِ وقُوَّةِ الدَّلالَةِ عَلى المَحْذُوفِ وإنْ كانَ الأوَّلُ أجْرى عَلى قانُونِ الِاسْتِفْهامِ ولَعَلَّ الأنْسَبَ أنْ يُقَدَّرَ أإنَّكَ أنْتَ أوْ أنْتَ يُوسُفُ تَجْهِيلًا لِنَفْسِهِ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةُ يُوسُفَ أيْ أإنَّكَ المَعْرُوفُ عَزِيزُ مِصْرَ أوْ أنْتَ يُوسُفُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَكُونَ العَزِيزُ يُوسُفَ أوْ يُوسُفَ عَزِيزًا وفِيهِ قِلَّةُ الإضْمارِ أيْضًا مَعَ تَغايُرِ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وقُوَّةِ الدَّلالَةِ عَلى المَحْذُوفِ والجَرْيِ عَلى قانُونِ الِاسْتِفْهامِ مَعَ زِيادَةِ الفائِدَةِ مِن إيهامِ البُعْدِ بَيْنَ الحالَتَيْنِ.
فَإنْ قِيلَ: ذاكَ أوْفَقُ لِلْمَشْهُورِ لِقُوَّةِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ هو يُجابُ بِأنَّهُ يَكْفِي في الدَّلالَةِ عَلى الأوْجُهِ كُلِّها أنَّ الِاسْتِفْهامَ غَيْرُ جارٍ عَلى الحَقِيقَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ التَّنافِي بَيْنَ كَوْنِهِ مُخاطِبَهُمُ المَعْرُوفَ وكَوْنِهِ يُوسُفَ شَدِيدُ الدَّلالَةِ أيْضًا مَعَ زِيادَةِ إفادَةِ ذِكْرِ مُوجِبِ اسْتِبْعادِهِمْ وهو كَلامٌ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِ سَبَبِ مَعْرِفَتِهِمُ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقِيلَ: عَرَفُوهُ بِرِوائِهِ وشَمائِلِهِ وكانَ قَدْ أدْناهم إلَيْهِ ولَمْ يُدْنِهِمْ مِن قَبْلُ وقِيلَ: كانَ يُكَلِّمُهم مِن وراءِ حِجابٍ فَلَمّا أرادَ التَّعَرُّفَ إلَيْهِمْ رَفَعَهُ فَعَرَفُوهُ وقِيلَ: تَبَسَّمَ فَعَرَفُوهُ بِثَناياهُ وكانَتْ كاللُّؤْلُؤِ المَنظُومِ وكانَ يُضِيءُ ما حَوالَيْهِ مِن نُورِ تَبَسُّمِهِ وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَفَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَنَظَرُوا إلى عَلامَةٍ بِقَرْنِهِ كانَ لِيَعْقُوبَ وإسْحاقَ وسارَةَ مِثْلُها تُشْبِهُ الشّامَةَ البَيْضاءَ فَعَرَفُوهُ بِذَلِكَ ويَنْضَمُّ إلى كُلِّ ذَلِكَ عِلْمُهم أنَّ ما خاطَبَهم بِهِ لا يَصْدُرُ مِثْلُهُ إلّا عَنْ حَنِيفٍ مُسْلِمٍ مِن سِنْخِ إبْراهِيمَ لا عَنْ بَعْضِ أعِزّاءِ مِصْرَ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُمُ إنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى التَّوَهُّمِ ولَمْ يَعْرِفُوهُ حَتّى أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ ﴿ قالَ أنا يُوسُفُ ﴾ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ وهَذا جَوابٌ عَنْ مُساءَلَتِهِمْ وزادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ وهَذا أخِي ﴾ أيْ مِن أبَوَيَّ مُبالَغَةً في تَعْرِيفِ نَفْسِهِ قالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ: إنَّهم سَألُوهُ مُتَعَجِّبِينَ عَنْ كَوْنِهِ يُوسُفَ مُحَقِّقِينَ لِذَلِكَ مُخَيِّلِينَ لِشِدَّةِ التَّعَجُّبِ أنَّهُ لَيْسَ إيّاهُ فَأجابَهم بِما يُحَقِّقُ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا ولِهَذا لَمْ يَقُلْ عَلَيْهِ السَّلامُ: بَلى أوْ أنا هو فَأعادَ صَرِيحَ الِاسْمِ ﴿ وهَذا أخِي ﴾ بِمَنزِلَةِ أنا يُوسُفُ لا شُبْهَةَ فِيهِ عَلى أنَّ فِيهِ ما يَبْنِيهِ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ وجَوَّزَ الطَّيِّبِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ جارِيًا عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَأنَّهم لَمّا سَألُوهُ مُتَعَجِّبِينَ أنْتَ يُوسُفُ أجابَ لا تَسْألُوا عَنْ ذَلِكَ فَإنَّهُ ظاهِرٌ ولَكِنِ اسْألُوا ما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِكَ مِنَ الِامْتِنانِ والإعْزازِ وكَذَلِكَ بِأخِي ولَيْسَ مِن ذَلِكَ في شَيْءٍ كَما لا يَخْفى وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ في زِيادَةِ الجَوابِ مُبالَغَةً وتَفْخِيمًا لِشَأْنِ الأخِ وتَكْمِلَةً لِما أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ حَسْبَما يُفِيدُهُ ﴿ قَدْ مَنَّ ﴾ ..
إلَخْ فَكَأنَّهُ قالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِنا مِنَ التَّفْرِيقِ والإذْلالِ فَأنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا بِالخَلاصِ عَمّا ابْتُلِيناهُ والِاجْتِماعِ بَعْدَ الفُرْقَةِ والعِزَّةِ بَعْدَ الذِّلَّةِ والأُنْسِ بَعْدَ الوَحْشَةِ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ فِيهِ إشارَةٌ إلى الجَوابِ عَنْ طَلَبِهِمْ لَرَدِّ بِنْيامِينَ بِأنَّهُ أخِي لا أخُوكم فَلا وجْهَ لِطَلَبِكُمُ.
انْتَهى.
وفِيهِ ما فِيهِ وجُمْلَةُ ﴿ قَدْ مَنَّ ﴾ ..
إلَخْ عِنْدَ أبِي البَقاءِ مُسْتَأْنَفَةٌ وقِيلَ: حالٌ مِن يُوسُفَ و ﴿ أخِي ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ بُعْدًا لِعَدَمِ العامِلِ في الحالِ حِينَئِذٍ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ هَذا لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى واحِدٍ و ﴿ عَلَيْنا ﴾ راجِعٌ إلَيْهِما جَمِيعًا ﴿ إنَّهُ ﴾ أيِ الشَّأْنُ ﴿ مَن يَتَّقِ ﴾ أيْ يَفْعَلُ التَّقْوى في جَمِيعِ أحْوالِهِ أوْ يَقِ نَفْسَهُ عَمّا يُوجِبُ سُخْطَ اللَّهِ تَعالى وعَذابَهُ ﴿ ويَصْبِرْ ﴾ عَلى البَلايا والمِحَنِ أوْ عَلى مَشَقَّةِ الطّاعاتِ أوْ عَنِ المَعاصِي الَّتِي لا تَسْتَلِذُّها النَّفْسُ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ .
(90) .
أيْ أجْرَهم وإنَّما وُضِعَ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَنعُوتِينَ بِالتَّقْوى والصَّبْرِ مَوْصُوفُونَ بِالإحْسانِ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِلْمَنِّ واخْتارَ أبُو حَيّانَ عَدَمَ التَّخْصِيصِ في التَّقْوى والصَّبْرِ وقالَ مُجاهِدٌ المُرادُ مَن يَتَّقِ في تَرْكِ المَعْصِيَةِ ويَصْبِرْ في السِّجْنِ والنَّخَعِيُّ مَن يَتَّقِ الزِّنا ويَصْبِرْ عَلى العُزُوبَةِ وقِيلَ: مَن يَتَّقِ المَعاصِيَ ويَصْبِرْ عَلى أذى النّاسِ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُرادُ مَن يَخَفِ اللَّهَ تَعالى ويَصْبِرْ عَنِ المَعاصِي وعَلى الطّاعاتِ وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّ فِيهِ حَمْلَ مَن يَتَّقِ عَلى المَجازِ ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ والعُدُولُ عَنْ ذَلِكَ إلى المَجازِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ غَيْرُ جائِزٍ فالوَجْهُ أنْ يُقالَ: مَن يَتَّقِ مَن يَحْتَرِزْ عَنْ تَرْكِ ما أُمِرَ بِهِ وارْتِكابِ ما نُهِيَ عَنْهُ ويَصْبِرْ في المَكارِهِ وذَلِكَ بِاخْتِيارِهِ وهَذا بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ فَهو مُحْسِنٌ وذِكْرُ الصَّبْرِ بَعْدَ التَّقْوى مِن ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِإرادَةِ الثَّباتِ عَلى التَّقْوى كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَتَّقِ ويَثْبُتْ عَلى التَّقْوى.
انْتَهى.
والوَجْهُ الأوَّلُ مَيْلٌ لِما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الطَّيِّبِيُّ بِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ وتَعْرِيضٌ بِإخْوَتِهِ بِأنَّهم لَمْ يَخافُوا عِقابَهُ تَعالى ولَمْ يَصْبِرُوا عَلى طاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وطاعَةِ أبِيهِمْ وعَنِ المَعْصِيَةِ إذْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا فَيَكُونُ المُرادُ بِالِاتِّقاءِ الخَوْفَ وبِالصَّبْرِ الصَّبْرَ عَلى الطّاعَةِ وعَنِ المَعْصِيَةِ ورُدَّ بِأنَّ التَّعْرِيضَ حاصِلٌ في التَّفْسِيرِ الآخَرِ فَكَأنَّهُ فَسَّرَهُ بِهِ لِئَلّا يَتَكَرَّرَ مَعَ الصَّبْرِ وفِيهِ نَظَرٌ وقَرَأ قُنْبُلٌ ( مَن يَتَّقِي ) بِإثْباتِ الياءِ فَقِيلَ: هو مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الياءِ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ وهَذِهِ ياءُ إشْباعٍ وقِيلَ: جَزْمُهُ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ وقَدْ حَكَمُوا ذَلِكَ لُغَةً وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ و( مَن ) مَوْصُولٌ وعُطِفَ المَجْزُومُ عَلَيْهِ عَلى التَّوَهُّمِ كَأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّ ( مَن ) شُرْطِيَّةٌ و ﴿ يَتَّقِي ﴾ مَجْزُومٌ وقِيلَ: إنَّ ( يَصْبِرُ ) مَرْفُوعٌ كَيَتَّقِي إلّا أنَّهُ سُكِّنَتِ الرّاءُ لِتَوالِي الحَرَكاتِ وإنْ كانَ ذَلِكَ في كَلِمَتَيْنِ كَما سُكِّنَتْ في ( يَأْمُرْكم ) و( يُشْعِرْكم ) ونَحْوِهِما أوْ لِلْوَقْفِ وأُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ والأحْسَنُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ كَما في البَحْرِ أنْ يَكُونَ يَتَّقِي مَجْزُومًا عَلى لُغَةٍ وإنْ كانَتْ قَلِيلَةً وقَوْلُ أبِي عَلِيٍّ: إنَّهُ لا يُحْمَلُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ إنَّما يَجِيءُ في الشِّعْرِ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لِأنَّ غَيْرَهُ مِن رُؤَساءِ النَّحْوِيِّينَ حَكَوْهُ لُغَةً نَظْمًا ونَثْرًا <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا ﴾ أيِ اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ عَلَيْنا بِالتَّقْوى والصَّبْرِ وقِيلَ: بِالمُلْكِ وقِيلَ: بِالصَّبْرِ والعِلْمِ ورُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقِيلَ: بِالحُلْمِ والصَّفْحِ ذَكَرَهُ سُلَيْمانُ الدِّمَشْقِيُّ وقالَ صاحِبُ الغَنِيّانِ: بِحُسْنِ الخَلْقِ والخُلُقِ والعِلْمِ والحُلْمِ والإحْسانِ والمُلْكِ والسُّلْطانِ والصَّبْرِ عَلى أذانا والأوَّلُ أوْلى.
( وإنْ ) أيْ والحالُ أنَّ الشَّأْنَ ﴿ كُنّا لَخاطِئِينَ ﴾ .
(91) .
أيْ لَمُتَعَمِّدِينَ لِلذَّنْبِ إذْ فَعَلْنا ما فَعَلْنا ولِذَلِكَ أعَزَّكَ وأذَلَّنا فالواوُ حالِيَّةٌ و( إنْ ) مُخَفَّفَةٌ اسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ واللّامُ الَّتِي في خَبَرِ كانَ هي المُزَحْلَقَةُ وخاطِئِينَ مِن خَطِئَ إذا تَعَمَّدَ وأمّا أخْطَأ فَقَصَدَ الصَّوابَ ولَمْ يُوَفَّقْ لَهُ وفي قَوْلِهِمْ: هَذا مِنَ الِاسْتِنْزالِ لِإحْسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والِاعْتِرافِ بِما صَدَرَ مِنهم في حَقِّهِ مَعَ الإشْعارِ بِالتَّوْبَةِ ما لا يَخْفى ولِذَلِكَ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ لا تَثْرِيبَ ﴾ أيْ لا تَأْنِيبَ ولا لَوْمَ عَلَيْكم وأصْلُهُ مِنَ الثَّرْبِ وهو الشَّحْمُ الرَّقِيقُ في الجَوْفِ وعَلى الكِرْشِ وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ لِلسَّلْبِ أيْ إزالَةُ الثَّرْبِ كالتَّجْلِيدِ والتَّقْرِيعِ بِمَعْنى إزالَةِ الجِلْدِ والقَرْعِ واسْتُعِيرَ لِلَّوْمِ الَّذِي يُمَزِّقُ الأعْراضَ ويُذْهِبُ بَهاءَ الوَجْهِ لِأنَّهُ بِإزالَةِ الشَّحْمِ يَبْدُو الهُزالُ وما لا يُرْضِي كَما أنَّهُ بِاللَّوْمِ تَظْهَرُ العُيُوبُ فالجامِعُ بَيْنَهُما طَرَيانُ النَّقْصِ بَعْدَ الكَمالِ وإزالَةِ ما بِهِ الكَمالُ والجَمالُ وهو اسْمُ لا و ﴿ عَلَيْكُمُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ خَبَرًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الخَبَرِ المُقَدَّرِ أوْ بِالظَّرْفِ أيْ لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولَيْسَ التَّقْيِيدُ بِهِ لِإفادَةِ وُقُوعِ التَّثْرِيبِ في غَيْرِهِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا لَمْ يُثَرِّبْ أوَّلَ لِقائِهِ واشْتِعالَ نارِهِ فَبَعْدَهُ بِطَرِيقٍ الأوْلى وقالَ المُرْتَضِي: إنَّ اليَوْمَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الزَّمانِ كُلِّهِ كَقَوْلِهِ: اليَوْمَ يَرْحَمُنا مَن كانَ يَغْبِطُنا واليَوْمَ نَتَّبِعُ مَن كانُوا لَنا تَبَعا كَأنَّهُ أُرِيدَ بَعْدَ اليَوْمِ وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعَلُّقَهُ بِتَثْرِيبَ وتَعَقَّبَهِ أبُو حَيّانَ قائِلًا: لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّ التَّثْرِيبَ مَصْدَرٌ وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ بِعَلَيْكم وهو إمّا خَبَرٌ أوْ صِفَةٌ ولا يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِنَحْوِ ذَلِكَ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ مِن تَمامِهِ وأيْضًا لَوْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ لَمْ يَجُزْ بِناؤُهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ مِن قَبِيلِ المُشَبَّهِ بِالمُضافِ وهو الَّذِي يُسَمّى المُطَوَّلَ والمَمْطُولَ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مُعَرَّبًا مُنَوَّنًا ولَوْ قِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ و ﴿ عَلَيْكُمُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ تَثْرِيبَ ﴾ وذَلِكَ المَحْذُوفُ هو العامِلُ في اليَوْمِ والتَّقْدِيرُ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ كَما قَدَّرُوا في ﴿ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ أيْ لا عاصِمَ يَعْصِمُ اليَوْمَ لَكانَ وجْهًا قَوِيًّا لِأنَّ خَبَرَ لا إذا عُلِمَ كَثُرَ حَذْفُهُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ ولَمْ يَلْفِظْ بِهِ بَنُو تَمِيمٍ وكَذا مَنَعَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ وعَلَّلَهُ بِلُزُومِ الإعْرابِ والتَّنْوِينِ أيْضًا واعْتُرِضَ بِأنَّ المُصَرَّحَ بِهِ في مُتُونِ النَّحْوِ بِأنَّ شَبِيهَ المُضافِ سُمِعَ فِيهِ عَدَمُ التَّنْوِينِ نَحْوَ لا طالِعَ جَبَلًا ووَقَعَ في الحَدِيثِ لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ بِاتِّفاقِ الرُّواةِ فِيهِ وإنَّما الخِلافُ فِيهِ هَلْ هو مَبْنِيٌّ أوْ مُعَرَّبٌ تُرِكَ تَنْوِينُهُ وفي التَّصْرِيحِ نَقْلًا عَنِ المُغْنِي أنَّ نَصْبَ الشَّبِيهِ بِالمُضافِ وتَنْوِينَهُ هو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ وأجازَ البَغْدادِيُّونَ لا طالِعَ جَبَلًا بِلا تَنْوِينٍ أجْرَوْهُ في ذَلِكَ مَجْرى المُضافِ كَما أجْرَوْهُ مَجْراهُ في الإعْرابِ وعَلَيْهِ يَتَخَرَّجُ الحَدِيثُ لا مانِعَ ..
إلَخْ.
فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَبْنى ما قالَهُ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ والحَدِيثُ المَذْكُورُ لا يَتَعَيَّنُ كَما قالَ الدَّنُوشَرِيُّ أخْذًا مِن كَلامِ المُغْنِي في الجِهَةِ الثّانِيَةِ مِنَ البابِ الخامِسِ حَمْلُهُ عَلى ما ذُكِرَ لِجَوازِ كَوْنِ اسْمِ لا فِيهِ مُفْرَدًا واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالخَبَرِ والتَّقْدِيرُ لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ وكَذا فِيما بَعْدَهُ وذَكَرَ الرَّضِيُّ أنَّ الظَّرْفَ بَعْدَ النَّفْيِ لا يَتَعَلَّقُ بِالمَنفِيِّ بَلْ بِمَحْذُوفٍ وهو خَبَرٌ وأنَّ ﴿ اليَوْمَ ﴾ في الآيَةِ مَعْمُولُ ﴿ عَلَيْكُمُ ﴾ ويَجُوزُ العَكْسُ واعْتُرِضَ أيْضًا حَدِيثُ الفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِما فِيهِ ما فِيهِ وقِيلَ: ﴿ عَلَيْكُمُ ﴾ بَيانٌ كَلَكَ في سُقْيا لَكَ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ و ﴿ اليَوْمَ ﴾ خَبَرٌ.
وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُ الخَبَرِ ذاكَ و ﴿ اليَوْمَ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ ونُقِلَ عَنِ المُرْتَضى أنَّهُ قالَ في الدُّرَرِ: قَدْ ضَعَّفَ هَذا قَوْمٌ مِن جِهَةِ أنَّ الدُّعاءَ لا يَنْصُبُ ما قَبْلَهُ ولَمْ يَشْتَهِرْ ذَلِكَ وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: لَوْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ لَقَطَعُوا بِالمَغْفِرَةِ بِإخْبارِ الصِّدِّيقِ ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا طائِلَ تَحْتَهُ لِأنَّ المَغْفِرَةَ وهي سَتْرُ الذَّنْبِ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى لا يُؤاخَذُوا بِهِ ولا يُقَرَّعُوا إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ الوَقْتُ وأمّا قَبْلَهُ لِحاصِلٍ هو الإعْلامُ بِهِ والعِلْمُ بِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ بِخَبَرِ الصّادِقِ لا يُمْنَعُ الطَّلَبُ لِأنَّ المُمْتَنِعَ طَلَبُ الحاصِلِ لا طَلَبَ ما يُعْلَمُ حُصُولُهُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَضْمًا لِلنَّفْسِ واعْتُبِرَ بِاسْتِغْفارِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا فَرْقَ بَيْنَ الدُّعاءِ والإخْبارِ هُنا.
انْتَهى.
وقَدْ يُقالُ أيْضًا: إنَّ الَّذِي طَلَبُوهُ مِن أبِيهِمْ مَغْفِرَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ ويَرْجِعُ إلى حَقِّهِ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهم عِلْمٌ بِتَحَقُّقِ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمْ يَعْتَقِدُوا إذْ ذاكَ نُبُوَّتَهُ وظَنُّوهُ مِثْلَهم غَيْرَ نَبِيٍّ فَإنَّهُ لَمْ يَمْضِ وقْتٌ بَعْدَ مَعْرِفَةِ أنَّهُ يُوسُفُ يَسَعُ مَعْرِفَةَ أنَّهُ نَبِيٌّ أيْضًا وما جَرى مِنَ المُفاوَضَةِ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فافْهَمْ وإلى حَمْلِ الكَلامِ عَلى الدُّعاءِ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ وذَهَبَ جَمْعٌ أيْضًا إلى كَوْنِهِ خَبَرًا والحُكْمُ بِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ غَيْبٌ قِيلَ: لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَفْحٌ عَنْ جَرِيمَتِهِمْ حِينَئِذٍ وهم قَدِ اعْتَرَفُوا بِها أيْضًا فَلا مَحالَةَ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَغْفِرُ لَهم ما يَتَعَلَّقُ بِهِ تَعالى وما يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُقْتَضى وعْدِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِقَبُولِ تَوْبَةِ العِبادِ وقِيلَ: لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أكْثَرَ القُرّاءِ عَلى الوَقْفِ عَلى ( اليَوْمَ ) وهو ظاهِرٌ في عَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِيَغْفِرُ وهو اخْتِيارُ الطَّبَرِيِّ وابْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِمْ واخْتارُوا كَوْنَ الجُمْلَةِ بَعْدُ دِعائِيَّةً وهو الَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ الذَّوْقُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿ وهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ .
فَإنَّ كُلَّ مَن يَرْحَمُ سِواهُ جَلَّ وعَلا فَإنَّما يَرْحَمُ بِرَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ مَبْنِيًّا عَلى جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ ولا أقَلَّ مِن دَفْعِ ما يَجِدُهُ في نَفْسِهِ مِنَ التَّألُّمِ الرُّوحانِيِّ مِمّا يَجِدُهُ في المَرْحُومِ وقِيلَ: لِأنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ الصَّغائِرَ والكَبائِرَ الَّتِي لا يَغْفِرُها غَيْرُهُ سُبْحانَهُ ويَتَفَضَّلُ عَلى التّائِبِ بِالقَبُولِ والجُمْلَةُ إمّا بَيانٌ لِلْوُثُوقِ بِإجابَةِ الدُّعاءِ أوْ تَحْقِيقٌ لِحُصُولِ المَغْفِرَةِ لِأنَّهُ عَفا عَنْهم فاللَّهُ تَعالى أوْلى بِالعَفْوِ والرَّحْمَةِ لَهم هَذا.
ومِن كَرَمِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما رُوِيَ أنَّ إخْوَتَهُ أرْسَلُوا إلَيْهِ إنَّكَ تَدْعُونا إلى طَعامِكَ بِكُرَةً وعَشِيَّةً ونَحْنُ نَسْتَحِي مِنكَ بِما فَرَطَ مِنّا فِيكَ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ أهْلَ مِصْرَ وإنْ مَلَكْتُ فِيهِمْ كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيَّ بِالعَيْنِ الأُولى ويَقُولُونَ: سُبْحانَ مَن بَلَّغَ عَبَدًا بِيعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ما بَلَغَ ولَقَدْ شَرُفْتُ بِكُمُ الآنَ وعَظُمْتُ في العُيُونِ حَيْثُ عَلِمَ النّاسُ أنَّكم إخْوَتِي وأنِّي مِن حَفَدَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ حَصَلَ بِذَلِكَ مِنَ العِلْمِ لِلنّاسِ ما لَمْ يَحْصُلْ قَبْلُ فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الآياتِ السّابِقَةِ والأخْبارُ قَدْ أخْبَرَهم أنَّهُ ابْنُ مَن ومِمَّنْ.
وكَذا ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المَلِكُ يَوْمًا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنِّي أُحِبُّ أنْ تُخالِطَنِي في كُلِّ شَيْءٍ إلّا في أهْلِي وأنا آنَفُ أنْ تَأْكُلَ مَعِي فَغَضِبَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: أنا أحَقُّ أنْ آنَفَ أنا ابْنُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ وأنا ابْنُ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ وأنا ابْنُ يَعْقُوبَ نَبِيِّ اللَّهِ لَكِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ ذَلِكَ أوْ لَمْ يُفِدِ النّاسَ عِلْمًا وفي التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِي اليَهُودِ اليَوْمَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِن إخْوَتِهِ مَزِيدَ الخَجَلِ أدْناهم إلَيْهِ وقالَ: لا يَشُقُّ عَلَيْكم إنْ بِعْتُمُونِي وإلى هَذا المَكانِ أوْصَلْتُمُونِي فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ ما يَقَعُ مِنَ القَحْطِ والجَدْبِ وما يَنْزِلُ بِكم مِن ذَلِكَ فَفَعَلَ ما أوْصَلَنِي بِهِ إلى هَذا المَكانِ والمَكانَةِ لِيُزِيلَ عَنْكم بِي ما يَنْزِلُ بِكم ويَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِبَقائِكم في الأرْضِ وانْتِشارِ ذَرارِيكم فِيها وقَدْ مَضَتْ مِن سِنِي الجَدْبِ سَنَتانِ وبَقِيَ خَمْسُ سِنِينَ وأنا اليَوْمَ قَدْ صَيَّرَنِي اللَّهُ تَعالى مَرْجِعًا لِفِرْعَوْنَ وسَيِّدًا لِأهْلِهِ وسُلْطانًا عَلى جَمِيعِ أهْلِ مِصْرَ فَلا يَضِقْ عَلَيْكم أمْرُكُمُ <div class="verse-tafsir"
﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا ﴾ هو القَمِيصُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ كَما هو الظّاهِرُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ القَمِيصُ الَّذِي كَساهُ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ وكانَ مِن قُمُصِ الجَنَّةِ جَعَلَهُ يَعْقُوبُ حِينَ وصَلَ إلَيْهِ في قَصَبَةٍ فِضَّةٍ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ وكانَ لا يَقَعُ عَلى عاهَةٍ مِن عاهاتِ الدُّنْيا إلّا بَرَّأها بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وضَعَّفَ هَذا بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لابِسًا لَهُ في تَعْوِيذَتِهِ كَما تَشْهَدُ بِهِ الإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِ وهو تَضْعِيفٌ ضَعِيفٌ كَما لا يَخْفى وقِيلَ هو القَمِيصُ الَّذِي قُدَّ مِن دُبُرٍ وأرْسَلَهُ لِيَعْلَمَ أنَّهُ عُصِمَ مِنَ الفاحِشَةِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ وأيًّا ما كانَ فالباءُ إمّا لِلْمُصاحَبَةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ أيِ اذْهَبُوا مَصْحُوبِينَ أوْ مُلْتَبِسِينَ بِهِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ عَلى ما قِيلَ أيْ أذْهِبُوا قَمِيصِيَ هَذا ﴿ فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا ﴾ أيْ يَصِرْ بَصِيرًا ويَشْهَدْ لَهُ ﴿ فارْتَدَّ بَصِيرًا ﴾ أوْ يَأْتِ إلَيَّ وهو بَصِيرٌ ويَنْصُرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ ﴾ .
(93) .
مِنَ النِّساءِ والذَّرارِي وغَيْرِهِمْ مِمّا لا يَنْتَظِمُهُ لَفْظُ الأهْلِ كَذا قالُوا.
وحاصِلُ الوَجْهَيْنِ كَما قالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ أنَّ الإتْيانَ في الأوَّلِ مَجازٌ عَنِ الصَّيْرُورَةِ ولَمْ يُذْكَرْ إتْيانُ الأبِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ داخِلًا في الأهْلِ فَإنَّهُ يَجِلُّ عَنِ التّابِعِيَّةِ بَلْ تَفادِيًا عَنْ أمْرِ الإخْوَةِ بِالإتْيانِ لِأنَّهُ نَوْعٌ إجْبارٍ عَلى مَن يُؤْتى بِهِ فَهو إلى اخْتِيارِهِ وفي الثّانِي عَلى الحَقِيقَةِ وفِيهِ التَّفادِي المَذْكُورُ والجَزْمُ بِأنَّهُ مِنَ الآتِينَ لا مَحالَةَ وُثُوقًا بِمَحَبَّتِهِ وإنَّ فائِدَةَ الإلْقاءِ إتْيانُهُ عَلى ما أحَبَّ مِن كَوْنِهِ مُعافًى سَلِيمَ البَصَرِ وفِيهِ أنَّ صَيْرُورَتَهُ بَصِيرًا أمْرٌ مَفْرُوغٌ عَنْهُ مَقْطُوعٌ إنَّما الكَلامُ في تَسَبُّبِ الإلْقاءِ لِإتْيانِهِ كَذَلِكَ فَهَذا الوَجْهُ أرْجَحُ وإنْ كانَ الأوَّلُ مِنَ الخِلافَةِ بِالقَبُولِ بِمَنزِلٍ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ وعِلْمُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِإعْلامِهِمْ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالوَحْيِ وكَذا عِلْمُهُ بِما يَتَرَتَّبُ عَلى الإلْقاءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَنْ وحْيٍ أيْضًا أوْ عَنْ وُقُوفٍ مِن قَبْلُ عَلى خَواصِّ ذَلِكَ القَمِيصِ بِالتَّجْرِبَةِ أوْ نَحْوِها إنْ كانَ المُرادُ بِالقَمِيصِ الَّذِي كانَ في التَّعْوِيذَةِ ويَتَعَيَّنُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ إنْ كانَ المُرادُ غَيْرَهُ عَلى ما هو الظّاهِرُ وقالَ الإمامُ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَعَلَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ أباهُ ما عَرا بَصَرَهُ ما عَراهُ إلّا مِن كَثْرَةِ البُكاءِ وضِيقِ القَلْبِ فَإذا أُلْقِيَ عَلَيْهِ قَمِيصُهُ فَلا بُدَّ وأنْ يَنْشَرِحَ صَدْرُهُ وأنْ يَحْصُلَ في قَلْبِهِ الفَرَحُ الشَّدِيدُ وذَلِكَ يُقَوِّي الرُّوحَ ويُزِيلُ الضَّعْفَ عَنِ القُوى فَحِينَئِذٍ يَقْوى بَصَرُهُ ويَزُولُ عَنْهُ ذَلِكَ النُّقْصانُ فَهَذا القَدْرُ مِمّا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالعَقْلِ فَإنَّ القَوانِينَ الطِّبِّيَّةَ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ وأنا لا أرى ذَلِكَ قالَ الكَلْبِيُّ: وكانَ أُولَئِكَ الأهْلُ نَحْوًا مِن سَبْعِينَ إنْسانًا وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُمُ اثْنانِ وسَبْعُونَ مِن ولَدِهِ ووَلَدِ ولَدِهِ وقِيلَ: ثَمانُونَ وقِيلَ: تِسْعُونَ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم ثَلاثَةٌ وتِسْعُونَ وقِيلَ: سِتٌّ وتِسْعُونَ وقَدْ نَمَوْا في مِصْرَ فَخَرَجُوا مِنها مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وخَمْسُمِائَةٍ وبِضْعَةٌ وسَبْعُونَ رَجُلًا سِوى الذُّرِّيَّةِ والهَرْمى وكانَتِ الذَّرِّيَّةُ ألْفَ ألْفٍ ومِائَتَيْ ألْفٍ عَلى ما قِيلَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ ﴾ خَرَجَتْ مِن عَرِيشِ مِصْرَ قاصِدَةً مَكانَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ قَرِيبًا مِن بَيْتِ المَقْدِسِ والقَوْلُ بِأنَّهُ كانَ بِالجَزِيرَةِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ يُقالُ: فَصَلَ مِنَ البَلَدِ يَفْصِلُ فُصُولًا إذا انْفَصَلَ مِنهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ وهو لازِمٌ وفَصَلَ الشَّيْءَ فَصْلًا إذا فَرَّقَهُ وهو مُتَعَدٍّ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( ولَمّا انْفَصَلَ العِيرُ ) .
﴿ قالَ أبُوهُمْ ﴾ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَن عِنْدَهُ ﴿ إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ أيْ لَأشُمُّ فَهو وُجُودُ حاسَّةِ الشَّمِّ أشَمَّهُ اللَّهُ تَعالى ما عَبِقَ بِالقَمِيصِ مِن رِيحِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ مِن ثَمانِينَ فَرْسَخًا وفي رِوايَةٍ عَنِ الحَسَنِ أُخْرى مِن مَسِيرَةِ ثَلاثِينَ يَوْمًا وفي أُخْرى عَنْهُ مِن مَسِيرَةِ عَشْرِ لَيالٍ وقَدِ اسْتَأْذَنَتِ الرِّيحُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي أيُّوبَ الهَرَوِيِّ في إيصالِ عَرْفِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأذِنَ اللَّهُ تَعالى لَها وقالَ مُجاهِدٌ: صَفَقَتِ الرِّيحُ القَمِيصَ فَراحَتْ رَوائِحُ الجَنَّةِ في الدُّنْيا واتَّصَلَتْ بِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَجَدَ رِيحَ الجَنَّةِ فَعَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا إلّا ما كانَ مِن ذَلِكَ القَمِيصِ فَقالَ ما قالَ ويُبْعِدُ ذَلِكَ الإضافَةُ فَإنَّها حِينَئِذٍ لِأدْنى مُلابَسَةٍ وهي فِيما قَبْلُ وإنْ كانَتْ كَذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّها أقْوى بِكَثِيرٍ مِنها عَلى هَذا كَما لا يَخْفى ﴿ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ ﴾ .
(94) .
أيْ تَنْسِبُونِي إلى الفَنَدِ بِفَتْحَتَيْنِ ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الفَسادِ كَما في قَوْلِهِ: إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ الإلَهُ لَهُ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ وبِمَعْنى ضَعْفِ الرَّأْيِ والعَقْلِ مِنَ الهَرَمِ وكِبَرِ السِّنِّ ويُقالُ: فَنَدَ الرَّجُلُ إذا نَسَبَهُ إلى الفَنَدِ وهو عَلى ما قِيلَ مَأْخُوذٌ مِنَ الفَنَدِ وهو الحَجَرُ كَأنَّهُ جُعِلَ حَجَرًا لِقِلَّةِ فَهْمِهِ كَما قِيلَ: إذا أنْتَ لَمْ تَعْشَقْ ولَمْ تَدْرِ ما الهَوى فَكُنْ حَجَرًا مِن يابِسِ الصَّخْرِ جَلْمَدِ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَقِيلَ فَنَّدَهُ إذا ضَعَّفَ رَأْيَهُ ولامَهُ عَلى ما فَعَلَ قالَ الشّاعِرُ: يا عاذِلِيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِي ∗∗∗ فَلَيْسَ ما قُلْتُ مِن أمْرٍ بِمَرْدُودِ وجاءَ أفْنَدَ الدَّهْرُ فُلانًا أفْسَدَهُ قالَ ابْنُ مَقْتَلٍ: دَعِ الدَّهْرَ يَفْعَلُ ما أرادَ فَإنَّهُ ∗∗∗ إذا كُلِّفَ الإفْنادُ بِالنّاسِ أفْنَدا ويُقالُ: شَيْخٌ مُفَنَّدٌ إذا فَسَدَ رَأْيُهُ ولا يُقالُ: عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ لِأنَّها لا رَأْيَ لَها في شَبِيبَتِها حَتّى يُضَعَّفَ قالَهُ الجَوْهَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ وذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ وغَيْرُهُ واسْتَغْرَبَهُ السَّمِينُ ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ لَها عَقْلًا وإنْ كانَ ناقِصًا يَشْتَدُّ نَقْصُهُ بِكِبَرِ السِّنِّ فَتَأمَّلْ وجَوابُ ﴿ لَوْلا ﴾ مَحْذُوفٌ أيْ لَوْلا تَفْنِيدُكم إيّايَ لَصَدَّقْتُمُونِي أوْ لَقُلْتُ: إنَّ يُوسُفَ قَرِيبٌ مَكانُهُ أوْ لِقاؤُهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ والمُخاطَبُ قِيلَ: مَن بَقِيَ مِن ولَدِهِ غَيْرَ الَّذِينَ ذَهَبُوا يَمْتارُونَ وهم كَثِيرٌ وقِيلَ: ولَدُ ولَدِهِ ومَن كانَ بِحَضْرَتِهِ مِن ذَوِي قَرابَتِهِ وهو المَشْهُورُ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا ﴾ أيْ أُولَئِكَ المُخاطَبُونَ ﴿ تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ ﴾ .
(95) .
أيْ لَفي ذَهابِكَ عَنِ الصَّوابِ قُدُمًا بِالإفْراطِ في مَحَبَّةِ يُوسُفَ والإكْثارِ مِن ذِكْرِهِ والتَّوَقُّعِ لِلِقائِهِ وجَعْلِهِ فِيهِ لِتَمَكُّنِهِ ودَوامِهِ عَلَيْهِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الضَّلالَ هُنا بِمَعْنى الحُبِّ وقالَ مُقاتِلٌ: هو الشَّقاءُ والعَناءُ وقِيلَ: الهَلاكُ والذَّهابُ مِن قَوْلِهِمْ: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ أيْ ذَهَبَ فِيهِ وهَلَكَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ تَفْسِيرَهُ بِالجُنُونِ وهو مِمّا لا يَلِيقُ وكَأنَّهُ لِتَفْسِيرٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ قالَ قَتادَةُ: لَقَدْ قالُوا كَلِمَةً غَلِيظَةً لا يَنْبَغِي أنْ يَقُولَها مِثْلُهم لِمِثْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَعَلَّهم إنَّما قالُوا ذَلِكَ لِظَنِّهِمْ أنَّهُ ماتَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ هو يَهُوذا رُوِيَ أنَّهُ قالَ لِإخْوَتِهِ قَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي ذَهَبْتُ إلى أبِي بِقَمِيصِ التَّرْحَةِ فَدَعُونِي أذْهَبْ إلَيْهِ بِقَمِيصِ الفَرْحَةِ فَتَرَكُوهُ وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مالِكُ بْنُ ذُعْرٍ والرِّوايَةُ الشَّهِيرَةُ عَنْهُ ما تَقَدَّمَ و( أنْ ) صِلَةٌ وقَدِ اطَّرَدَتْ زِيادَتُها بَعْدَ لَمّا وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعُدَّ ذَلِكَ قِراءَةُ تَفْسِيرٍ ( وجاءَ البَشِيرُ مِن بَيْنِ يَدَيِ العِيرِ ) .
﴿ ألْقاهُ ﴾ أيْ ألْقى البَشِيرُ القَمِيصَ ﴿ عَلى وجْهِهِ ﴾ أيْ وجْهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: فاعِلُ ألْقى ضَمِيرُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا والأوَّلُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ: فَألْقَوْهُ عَلى وجْهِ أبِي وهو يَبْعُدُ كَوْنَ البَشِيرِ مالِكًا كَما لا يَخْفى والثّانِي قِيلَ: هو الأنْسَبُ بِالأدَبِ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى فَرْقَدٍ قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَهُ فَشَمَّهُ ثُمَّ وضَعَهُ عَلى بَصَرِهِ ﴿ فارْتَدَّ بَصِيرًا ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالوَجْهِ كُلِّهِ وقَدْ جَرَتِ العادَةُ أنَّهُ مَتى وجَدَ الإنْسانُ شَيْئًا يَعْتَقِدُ فِيهِ البَرَكَةَ مَسَحَ بِهِ وجْهَهُ وقِيلَ: عَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ العَيْنَيْنِ لِأنَّهُما فِيهِ وقِيلَ: عَبَّرَ بِالكُلِّ عَنِ البَعْضِ وارْتَدَّ عِنْدَ بَعْضِهِمْ مِن أخَواتِ كانَ وهي بِمَعْنى صارَ فَبَصِيرًا خَبَرُها وصَحَّحَ أبُو حَيّانَ أنَّها لَيْسَتْ مَن أخَواتِها فَبَصِيرًا حالٌ والمَعْنى أنَّهُ رَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن سَلامَةِ البَصَرِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في الكَلامِ ما يُشْعِرُ بِأنَّ بَصَرَهُ صارَ أقْوى مِمّا كانَ عَلَيْهِ لِأنَّ فَعِيلًا مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ وما عَدَلَ مِن يُفْعِلُ إلَيْهِ إلّا لِهَذا المَعْنى وتُعُقِّبَ بِأنَّ فَعِيلًا هُنا لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ إذْ ما يَكُونُ لَها هو المَعْدُولُ عَنْ فاعِلٍ وأمّا بَصِيرٌ هُنا فَهو اسْمُ فاعِلٍ مِن بَصُرَ بِالشَّيْءِ فَهو جارٍ عَلى قِياسِ فَعُلَ نَحْوِ ظَرُفَ فَهو ظَرِيفٌ ولَوْ كانَ كَما زَعَمَ بِمَعْنى مُبْصِرٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُبالَغَةِ أيْضًا لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مُفْعِلٍ لَيْسَ لِلْمُبالَغَةِ نَحْوَ ألِيمٍ وسَمِيعٍ وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ عَوْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَصِيرًا بِإلْقاءِ القَمِيصِ عَلى وجْهِهِ لَيْسَ إلّا مِن بابِ خَرْقِ العادَةِ ولَيْسَ الخارِقُ بِدْعًا في هَذِهِ القِصَّةِ وقِيلَ إنَّ ذاكَ لِما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ انْتَعَشَ حَتّى قَوِيَ قَلْبُهُ وحَرارَتُهُ الغَرِيزِيَّةُ فَأوْصَلَ نُورَهُ إلى الدِّماغِ وأدّاهُ إلى البَصَرِ ومِن هَذا البابِ اسْتِشْفاءُ العُشّاقِ بِما يَهُبُّ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ أرْضِ المَعْشُوقِ كَما قالَ: وإنِّي لَأسْتَشْفِي بِكُلِّ غَمامَةٍ يَهُبُّ بِها مِن نَحْوِ أرْضِكِ رِيحُ وقالَ آخَرُ: ألا يا نَسِيمَ الصُّبْحِ ما لَكَ كُلَّما ∗∗∗ تَقَرَّبْتَ مِنّا فاحَ نَشْرُكَ طِيبا كَأنَّ سُلَيْمى نُبِّئَتْ بِسِقامِنا ∗∗∗ فَأعْطَتْكَ رَيّاها فَجِئْتَ طَبِيبا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى وهو قَرِيبٌ مِمّا سَمِعْتُهُ آنِفًا عَنِ الإمامِ هَذا وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ البَشِيرَ كَيْفَ يُوسُفُ قالَ: مَلَكَ مِصْرَ فَقالَ: ما أصْنَعُ بِالمُلْكِ عَلى أيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ قالَ: عَلى الإسْلامِ قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا جاءَ البَشِيرُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ما وجَدْتَ عِنْدَنا شَيْئًا وما اخْتَبَزْنا مُنْذُ سَبْعَةِ أيّامٍ ولَكِنْ هَوَّنَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ سَكَراتِ المَوْتِ وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ لَهُ: ما أدْرِي ما أُثِيبُكَ اليَوْمَ ثُمَّ دَعا لَهُ بِذَلِكَ ﴿ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَن كانَ عِنْدَهُ مِن قَبْلُ أيْ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِبَنِيهِ القادِمِينَ أيْ ألَمْ أقُلْ لَكم لا تَيْأسُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ .
(96) .
فَإنَّ مَدارَ النَّهْيِ العِلْمُ الَّذِي أُوتِيَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والجُمْلَةُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى الأخِيرِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَقُولَ القَوْلِ أيْ ألَمْ أقُلْ لَكم حِينَ أرْسَلْتُكم إلى مِصْرَ وأمَرْتُكم بِالتَّحَسُّسِ ونَهَيْتُكم عَنِ اليَأْسِ مِن رَوْحِ اللَّهِ تَعالى إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ مِن حَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ واسْتَظْهَرَ في البَحْرِ كَوْنَها مَقُولَ القَوْلِ وهو كَذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ﴾ طَلَبُوا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ الِاسْتِغْفارَ ونادَوْهُ بِعُنْوانِ الأُبُوَّةِ تَحْرِيكًا لِلْعَطْفِ والشَّفَقَةِ وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ إنّا كُنّا خاطِئِينَ ﴾ .
(97) .
أيْ ومِن حَقِّ المُعْتَرِفِ بِذَنْبِهِ أنْ يُصْفَحَ عَنْهُ ويُسْتَغْفَرَ لَهُ: وكَأنَّهم كانُوا عَلى ثِقَةٍ مِن عَفْوِهِ ولِذَلِكَ اقْتَصَرُوا عَلى طَلَبِ الِاسْتِغْفارِ وأدْرَجُوا ذَلِكَ في الِاسْتِغْفارِ وقِيلَ: حَيْثُ نادَوْهُ بِذَلِكَ أرادُوا ومِن حَقِّ شَفَقَتِكَ عَلَيْنا أنْ تَسْتَغْفِرَ لَنا فَإنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ لَكُنّا هالِكِينَ لِتَعَمُّدِ الإثْمِ فَمَن ذا يَرْحَمُنا إذا لَمْ تَرْحَمْنا ولَيْسَ بِذاكَ <div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ .
(98) .
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى السَّحَرِ لِأنَّ الدُّعاءَ فِيهِ مُسْتَجابٌ ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا كَذَلِكَ أنَّهُ أخَّرَهُ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ وجاءَ ذَلِكَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وقِيلَ: سَوَّفَهم إلى قِيامِ اللَّيْلِ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وفِرْقَةٌ: إلى اللَّيالِي البِيضِ فَإنَّ الدُّعاءَ فِيها يُسْتَجابُ وقالَ الشَّعْبِيُّ: أخَّرَهُ حَتّى يَسْألَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنْ عَفا عَنْهُمُ اسْتَغْفَرَ لَهم وقِيلَ أخَّرَ لِيَعْلَمَ حالَهم في صِدْقِ التَّوْبَةِ وتَعَقَّبَ بَعْضُهم بَعْضَ هَذِهِ الأقْوالِ بِأنَّ سَوْفَ تَأْبى ذَلِكَ لِأنَّها أبْلَغُ مِنَ السِّينِ في التَّنْفِيسِ فَكانَ حَقُّهُ عَلى ذَلِكَ السِّينَ ورُدَّ بِما في المُغْنِي مِن أنَّ ما ذُكِرَ مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ وغَيْرِهِمْ يُسَوِّي بَيْنَهُما وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: هَذا غَيْرُ وارِدٍ حَتّى يَحْتاجَ إلى الدَّفْعِ لِأنَّ التَّنْفِيسَ التَّأْخِيرُ مُطْلَقًا ولَوْ أقَلَّ مِن ساعَةٍ فَتَأْخِيرُهُ إلى السَّحَرِ مَثَلًا ومَضى ذَلِكَ اليَوْمَ مَحَلٌّ لِلتَّنْفِيسِ بِسَوْفَ وقِيلَ: أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ الدَّوامَ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهم وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ السِّينَ وسَوْفَ يَدُلّانِ عَلى الِاسْتِمْرارِ في المُسْتَقْبَلِ وفِيهِ كَلامٌ لِلنَّحْوِيِّينَ نَعَمْ جاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَمَرَّ بُرْهَةً مِنَ الزَّمانِ يَسْتَغْفِرُ لَهم أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا جَمَعَ شَمْلَهُ بِبَنِيهِ وأقَرَّ عَيْنَهُ خَلا ولَدُهُ نَجِيًّا فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لَسْتُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ ما صَنَعْتُمْ وما لَقِيَ مِنكُمُ الشَّيْخُ وما لَقِيَ مِنكم يُوسُفُ قالُوا بَلى قالَ فَيَغُرُّكم عَفْوُهُما عَنْكم فَكَيْفَ لَكم بِرَبِّكم واسْتَقامَ أمْرُهم عَلى أنْ أتَوُا الشَّيْخَ فَجَلَسُوا بَيْنَ يَدَيْهِ ويُوسُفُ إلى جَنْبِهِ فَقالُوا يا أبانا أتَيْناكَ في أمْرٍ لَمْ نَأْتِكَ في مِثْلِهِ قَطُّ ونَزَلَ بِنا أمْرٌ لَمْ يَنْزِلْ بِنا مِثْلُهُ حَتّى حَرَّكُوهُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أرْحَمُ البَرِيَّةِ فَقالَ: ما لَكَمَ يا بَنِيَّ قالُوا ألَسْتَ قَدْ عَلِمْتَ ما كانَ مِنّا إلَيْكَ وما كانَ مِنّا إلى أخِينا يُوسُفَ قالا بَلى قالُوا أفْلَسْتُما قَدْ عَفَوْتُما قالا بَلى قالُوا فَإنَّ عَفْوَكُما لا يُغْنِي عَنّا شَيْئًا إنْ كانَ اللَّهُ تَعالى لَمْ يَعْفُ عَنّا قالَ فَما تُرِيدُونَ يا بَنِيَّ قالُوا: نُرِيدُ أنْ تَدْعُوَ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَإذا جاءَكَ الوَحْيُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ قَدْ عَفا عَمّا صَنَعْنا قَرَّتْ أعْيُنُنا واطْمَأنَّتْ قُلُوبُنا وإلّا فَلا قُرَّةَ عَيْنٍ في الدُّنْيا لَنا أبَدًا قالَ فَقامَ الشَّيْخُ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وقامَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلْفَهُ وقامُوا خَلْفَهُما أذِلَّةً خاشِعِينَ فَدَعا وأمَّنَ يُوسُفُ فَلَمْ يُجَبْ فِيهِمْ عِشْرِينَ سَنَةً حَتّى إذا كانَ رَأْسُ العِشْرِينَ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَنِي أُبَشِّرُكَ بِأنَّهُ قَدْ أجابَ دَعْوَتَكَ في ولَدِكَ وأنَّهُ قَدْ عَفا عَمّا صَنَعُوا وأنَّهُ قَدْ عَقَدَ مَواثِيقَهم مِن بَعْدِكَ عَلى النُّبُوَّةِ قِيلَ: وهَذا إنْ صَحَّ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِمْ وإنَّ ما صَدَرَ مِنهم كانَ قَبْلَ اسْتِنْبائِهِمْ والحَقُّ عَدَمُ الصِّحَّةِ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقٌ بِما فِيهِ كِفايَةٌ فَتَذْكَّرْ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عائِشَةَ قالَ: ما تِيبَ عَلى ولَدِ يَعْقُوبَ إلّا بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً وكانَ أبُوهم بَيْنَ يَدَيْهِمْ فَما تِيبَ عَلَيْهِمْ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَعَلَّمَهُ هَذا الدُّعاءَ يا رَجاءَ المُؤْمِنِينَ لا تَقْطَعْ رَجاءَنا يا غِياثَ المُؤْمِنِينَ أغِثْنا يا مُعِينَ المُؤْمِنِينَ أعِنّا يا مُحِبَّ التَّوّابِينَ تُبْ عَلَيْنا فَأخَّرَهُ إلى السَّحَرِ فَدَعا بِهِ فَتِيبَ عَلَيْهِمْ وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهَذا وهو مِن تَقْدِيمِ القُرْآنِ وتَأْخِيرِهِ والأصْلُ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنْ شاءَ اللَّهُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا مِمّا لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلَيْهِ فَإنَّ ذاكَ مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلا مِرْيَةٍ ولا أدْرِي ما الدّاعِي إلى ارْتِكابِهِ ولَعَلَّهُ مَحْضُ الجَهْلِ.
واعْلَمْ أنَّهُ ذَكَرَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الصَّحِيحَ أنَّ ﴿ أسْتَغْفِرُ ﴾ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ يُقالُ: اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ الذَّنْبَ وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ ابْنُ هِشامٍ وقَدْ حُذِفَ مَنِ ﴿ اسْتَغْفِرْ لَنا ﴾ أوَّلُهُما وذُكِرَ ثانِيهِما وعُكِسَ الأمْرُ في ﴿ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ ﴾ ولَعَلَّ السِّرَّ واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ أنَّ حَذْفَ الأوَّلِ مِنَ الأوَّلِ لِإرادَةِ التَّعْمِيمِ أيِ اسْتَغْفِرْ لَنا كُلَّ مَن أذْنَبْنا في حَقِّهِ لِيَشْمَلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ويَشْمَلَ يُوسُفَ وبِنْيامِينَ وغَيْرَهُما ولَمْ يُحْذَفِ الثّانِي أيْضًا تَسْجِيلًا عَلى أنْفُسِهِمْ بِاقْتِرافِ الذُّنُوبِ لِأنَّ المَقامَ مَقامَ الِاعْتِرافِ بِالخَطَأِ والِاسْتِعْطافِ لِما سَلَفَ فالمُناسِبُ هو التَّصْرِيحُ وأمّا إثْباتُهُ في الثّانِي فَلِأنَّهُ الأصْلُ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الأهَمَّ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ الهَمُّ ويُمَحَّضَ لَهُ الوَجْهُ هو اسْتِغْفارُ الرَّبِّ واسْتِجْلابُ رِضاهُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ إذا رَضِيَ أرْضى عَلى أنَّ يُوسُفَ وأخاهُ قَدْ ظَهَرَتْ مِنهُما مَخايِلُ العَفْوِ وأدْرَكَتْهُما رِقَّةُ الأُخُوَّةِ وأمّا حَذْفُ الثّانِي مِنهُ فَلِلْإيجازِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا مِنَ الأوَّلِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِذِكْرِهِ.
اهَـ.
ولَعَلَّ التَّسْوِيفَ عَلى هَذا لِيَزْدادَ انْقِطاعُهم إلى اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ ذَلِكَ أرْجى لِحُصُولِ المَقْصُودِ <div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَهَّزَ إلى أبِيهِ جَهازًا ومِائَتَيْ راحِلَةٍ لِيَتَجَهَّزَ إلَيْهِ بِمَن مَعَهُ وفي التَّوْراةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أعْطى لِكُلٍّ مِن إخْوَتِهِ خُلْعَةً وأعْطى بِنْيامِينَ ثَلاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ وخَمْسَ خُلَعٍ وبَعَثَ لِأبِيهِ بِعَشْرَةِ حَمِيرٍ مُوقَرَةٍ بِالتُّحَفِ وبِعَشَرَةٍ أُخْرى مُوقَّرَةٍ بُرًّا وطَعامًا.
وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ هو والمَلِكُ في أرْبَعَةِ آلافٍ مِنَ الجُنْدِ والعُظَماءِ وأهْلِ مِصْرَ بِأجْمَعِهِمْ لِاسْتِقْبالِهِ فَتَلْقَّوْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو يَمْشِي يَتَوَكَّأُ عَلى يَهُوذا فَنَظَرَ إلى الخَيْلِ والنّاسِ فَقالَ: يا يَهُوذا أهَذا فِرْعَوْنُ مِصْرَ قالَ: لا يا أبَتِ ولَكِنْ هَذا ابْنُكَ يُوسُفُ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ قادِمٌ فَتَلَقّاكَ بِما تَرى فَلَمّا لَقِيَهُ ذَهَبَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَبْدَأهُ بِالسَّلامِ فَمُنِعَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنَّ يَعْقُوبَ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ تَعالى مِنهُ فاعْتَنَقَهُ وقَبَّلَهُ وقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها الذّاهِبُ بِالأحْزانِ عَنِّي وجاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِأبِيهِ: يا أبَتِ بَكَيْتَ عَلَيَّ حَتّى ذَهَبَ بَصَرُكَ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ القِيامَةَ تَجْمَعُنا قالَ: بَلى ولَكِنْ خَشِيتُ أنْ تُسْلَبَ دِينَكَ فَيُحالُ بَيْنِي وبَيْنَكَ.
وفِي الكَلامِ إيجازٌ والتَّقْدِيرُ فَرَحَلَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأهْلِهِ وسارُوا حَتّى أتَوْا يُوسُفَ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ وكانَ ذَلِكَ فِيما قِيلَ يَوْمَ عاشُوراءَ ﴿ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ ﴾ أيْ ضَمَّهُما إلَيْهِ واعْتَنَقَهُما والمُرادُ بِهِما أبُوهُ وخالَتُهُ لَيا وقِيلَ: راحِيلُ ولَيْسَ بِذاكَ والخالَةُ تُنَزَّلُ مَنزِلَةَ الأُمِّ لِشَفَقَتِها كَما يُنَزَّلُ العَمُّ مَنزِلَةَ الأبِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا تَزَوَّجَها بَعْدَ أُمِّهِ صارَتْ رابَّةً لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَزَلَتْ مَنزِلَةَ الأُمِّ لِكَوْنِها مِثْلَها في زَوْجِيَّةِ الأبِ وقِيامِها مَقامَها والرّابَّةُ تُدْعى أُمًّا وإنْ لَمْ تَكُنْ خالَةً ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ أبُوهُ وجَدَّتُهُ أُمُّ أُمِّهِ حَكاهُ الزَّهْراوِيُّ وقالَ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ: إنَّ أُمَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ بِالحَياةِ فَلا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ لَكِنَّ المَشْهُورَ أنَّها ماتَتْ في نِفاسِ بِنْيامِينَ وعَنِ الحَسَنِ وابْنِ إسْحاقَ القَوْلُ بِذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّهُما قالا: إنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياها لَهُ لِيَصْدُقَ رُؤْياهُ والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ولَوْ ثَبَتَ مِثْلُهُ لاشْتَهَرَ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ( آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وإخْوَتَهُ ) .
﴿ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ ﴾ وكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ضَرَبَ في المُلْتَقى خارِجَ البَلَدِ مَضْرِبًا فَنَزَلَ فِيهِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِيهِ فَآواهُما إلَيْهِ ثُمَّ طَلَبَ مِنهُمُ الدُّخُولَ في البَلْدَةِ فَهُناكَ دُخُولانِ: أحَدُهُما دُخُولٌ عَلَيْهِ خارِجَ البَلْدَةِ والثّانِي دُخُولٌ في البَلْدَةِ وقِيلَ: إنَّهم إنَّما دَخَلُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في مِصْرَ وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ادْخُلُوا مِصْرَ ﴾ تَمَكَّنُوا مِنها واسْتَقِرُّوا فِيها ﴿ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾ .
(99) .
أيْ مِنَ القَحْطِ وسائِرِ المَكارِهِ والِاسْتِثْناءُ عَلى ما في التَّيْسِيرِ داخِلٌ في الأمْنِ لا في الأمْرِ بِالدُّخُولِ لِأنَّهُ إنَّما يَدْخُلُ في الوَعْدِ لا في الأمْرِ وفي الكَشّافِ أنَّ المَشِيئَةَ تَعَلَّقَتْ بِالدُّخُولِ المُكَيَّفِ بِالأمْنِ لِأنَّ القَصْدَ إلى اتِّصافِهِمْ بِالأمْنِ في دُخُولِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أسْلِمُوا وآمِنُوا في دُخُولِكم إنْ شاءَ اللَّهُ والتَّقْدِيرُ ادْخُلُوا مِصْرَ آمِنِينَ إنْ شاءَ اللَّهُ دَخَلْتُمْ آمِنِينَ فَحُذِفَ الجَزاءُ لِدَلالَةِ الكَلامِ ثُمَّ اعْتُرِضَ بِالجُمْلَةِ الجَزائِيَّةِ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ.
اهَـ.
وكَأنَّهُ أشارَ بِقَوْلِهِ: فَكَأنَّهُ قِيلَ ..
إلَخْ إلى أنَّ في التَّرْكِيبِ مَعْنى الدُّعاءِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ وقالَ في الكَشْفِ: إنَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّ الكَيْفِيَّةَ مَقْصُودَةٌ بِالأمْرِ كَما إذا قُلْتَ: ادْخُلْ ساجِدًا كُنْتَ آمِرًا بِهِما ولَيْسَ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ فِي التَّرْكِيبِ مَعْنى الدُّعاءِ فَلَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ والحَقُّ مَعَ العَلّامَةِ كَما لا يَخْفى وزَعَمَ صاحِبُ الفَرائِدِ أنَّ التَّقْدِيرَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ دَخَلْتُمْ آمِنِينَ فَآمِنِينَ مُتَعَلِّقٌ بِالجَزاءِ المَحْذُوفِ وحِينَئِذٍ لا يَفْتَقِرُ إلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ وإلى أنْ يَجْعَلَ الجَزائِيَّةَ مُعْتَرِضَةً وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا ارْتِيابَ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ في أثْناءِ الكَلامِ كالتَّسْمِيَةِ في الشُّرُوعِ فِيهِ لِلتَّيَمُّنِ والتَّبَرُّكِ واسْتِعْمالُهُ مَعَ الجَزاءِ كالشَّرِيعَةِ المَنسُوخَةِ فَحَسُنَ مَوْقِعُهُ في الكَلامِ أنْ يَكُونَ مُعْتَرِضًا فافْهَمْ <div class="verse-tafsir"
﴿ ورَفَعَ أبَوَيْهِ ﴾ عِنْدَ نُزُولِهِمْ بِمِصْرَ ﴿ عَلى العَرْشِ ﴾ عَلى السَّرِيرِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما تَكَرُّمًا لَهُما فَوْقَ ما فَعَلَهُ بِالإخْوَةِ ﴿ وخَرُّوا لَهُ ﴾ أيْ أبَواهُ وإخْوَتُهُ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْإخْوَةِ فَقَطْ ولَيْسَ بِذاكَ فَإنَّ الرُّؤْيا تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الأبَوانِ والإخْوَةُ خَرُّوا لَهُ ﴿ سُجَّدًا ﴾ أيْ عَلى الجِباهِ كَما هو الظّاهِرُ وهو كَما قالَ أبُو البَقاءِ حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّ السُّجُودَ يَكُونُ بَعْدَ الخُرُورِ وكانَ ذَلِكَ جائِزًا عِنْدَهم وهو جارٍ مَجْرى التَّحِيَّةِ والتَّكْرِمَةُ كالقِيامِ والمُصافَحَةِ وتَقْبِيلِ اليَدِ ونَحْوِها مِن عاداتِ النّاسِ الفاشِيَةِ في التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ قالَ قَتادَةُ: كانَ السُّجُودُ تَحِيَّةَ المُلُوكِ عِنْدَهم وأعْطى اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ السَّلامَ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ كَرامَةً مِنهُ تَعالى عَجَّلَها لَهم وقِيلَ: ما كانَ ذَلِكَ إلّا إيماءً بِالرَّأْسِ وقِيلَ: كانَ كالرُّكُوعِ البالِغِ دُونَ وضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّواضُعُ ويُرادُ بِالخُرُورِ المُرُورُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا ﴾ فَقَدْ قِيلَ: المُرادُ لَمْ يَمُرُّوا عَلَيْها كَذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اللَّفْظَ ظاهِرٌ في السُّقُوطِ وقِيلَ: ونُسِبَ لِابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى خَرُّوا لِأجْلِ يُوسُفَ سُجَّدًا لِلَّهِ شُكْرًا عَلى ما أوْزَعَهم مِنَ النِّعْمَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ ﴾ إذْ فِيها ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ ودُفِعَ بِأنَّ القائِلَ بِهِ يَجْعَلُ اللّامَ لِلتَّعْلِيلِ فِيهِما وقِيلَ: اللّامُ فِيهِما بِمَعْنى إلى كَما في صَلّى لِلْكَعْبَةِ قالَ حَسّانُ: ما كُنْتُ أعْرِفُ أنَّ الدَّهْرَ مُنْصَرِفٌ عَنْ هاشِمٍ ثُمَّ مِنها عَنْ أبِي حَسَنِ ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكم ∗∗∗ وأعْرَفَ النّاسِ بِالأشْياءِ والسُّنَنِ وذَكَرَ الإمامُ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ السُّجُودَ كانَ لِلَّهِ تَعالى لا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسَنٌ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّهم صَعِدُوا ثُمَّ سَجَدُوا ولَوْ كانَ السُّجُودُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَبْلَ الصُّعُودِ والجُلُوسِ لِأنَّهُ أدْخَلُ في التَّواضُعِ بِخِلافِ سُجُودِ الشُّكْرِ لِلَّهِ تَعالى ومُخالَفَةُ ظاهِرِ التَّرْتِيبِ ظاهِرُ المُخالَفَةِ لِلظّاهِرِ ودَفَعَ ما يَرُدُّ عَلَيْهِ مِمّا عَلِمْتَ بِما عَلِمْتَ ثُمَّ قالَ: وهو مُتَعَيَّنٌ عِنْدِي لِأنَّهُ يَبْعُدُ مِن عَقْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ودِينِهِ أنْ يَرْضى بِأنْ يَسْجُدَ لَهُ أبُوهُ مَعَ سابِقَتِهِ في حُقُوقِ الوِلادَةِ والشَّيْخُوخَةِ والعِلْمِ والدِّينِ وكَمالِ النُّبُوَّةِ وأُجِيبَ بِأنَّ تَأْخِيرَ الخُرُورِ عَنِ الرَّفْعِ لَيْسَ بِنَصٍّ في المَقْصُودِ لِأنَّ التَّرْتِيبَ الذِّكْرِيَّ لا يَجِبُ كَوْنُهُ عَلى وفْقِ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ فَلَعَلَّ تَأْخِيرَهُ عَنْهُ لِيَتَّصِلَ بِهِ ذِكْرُ كَوْنِهِ تَعْبِيرًا لِرُؤْياهُ وما يَتَّصِلُ بِهِ وبِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَ يَعْقُوبَ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ لا يَعْلَمُها إلّا هو وكانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمًا بِالأمْرِ فَلَمْ يَسَعْهُ إلّا السُّكُوتُ والتَّسْلِيمُ وكَأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ يا أبَتِ ﴾ ..
إلَخْ إشارَةً إلى ذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: يا أبَتِ لا يَلِيقُ بِمِثْلِكَ عَلى جَلالَتِكَ في العِلْمِ والدِّينِ والنُّبُوَّةِ أنَّ تَسْجُدَ لِوَلَدِكَ إلّا أنَّ هَذا أمْرٌ أمِرْتُ بِهِ وتَكْلِيفٌ كُلِّفْتُ بِهِ فَإنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ كَما أنَّ رُؤْيا إبْراهِيمَ ذَبْحَ ولَدِهِ صارَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الذَّبْحِ في اليَقَظَةِ ولِذا جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى سُجُودَ أبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ لَهُ هالَهُ ذَلِكَ واقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنهُ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن تَمامِ تَشْدِيدِ اللَّهِ تَعالى عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: أنْتَ كُنْتَ دائِمَ الرَّغْبَةِ في وِصالِهِ والحُزْنِ عَلى فِراقِهِ فَإذا وجَدْتَهُ فاسْجُدْ لَهُ ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما فَعَلَهُ مَعَ عِظَمِ قَدْرِهِ لِتَتْبَعَهُ الإخْوَةُ فِيهِ لِأنَّ الأنَفَةَ رُبَّما حَمَلَتْهم عَلى الأنَفَةِ مِنهُ فَيَجُرُّ إلى ثَوَرانِ الأحْقادِ القَدِيمَةِ وعَدَمِ عَفْوِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يَخْفى أنَّ الجَوابَ عَنِ الأوَّلِ لا يُفِيدُ لِما عَلِمْتَ أنَّ مَبْناهُ مُوافَقَةُ الظّاهِرِ والِاحْتِمالاتُ المَذْكُورَةُ في الجَوابِ عَنِ الثّانِي قَدْ ذَكَرَها أيْضًا الإمامُ وهي كَما تَرى وأحْسَنُها احْتِمالُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أمَرَهُ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ لا يَعْلَمُها إلّا هو ومَنِ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ لَمْ يَكُنْ إلّا مِنَ الإخْوَةِ فِرارًا مِن نِسْبَتِهِ إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما عَلِمْتَ وقَدْ رُدَّ بِما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا مِن أنَّ الرُّؤْيا تَسْتَدْعِي العُمُومَ وقَدْ أجابَ عَنْ ذَلِكَ الإمامُ بِأنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيا لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِلرُّؤْيا بِحَسَبِ الصُّورَةِ والصِّفَةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ فَسُجُودُ الكَواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ يُعَبَّرُ بِتَعْظِيمِ الأكابِرِ مِنَ النّاسِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولا شَكَّ أنَّ ذَهابَ يَعْقُوبَ وأوْلادِهِ مِن كَنْعانَ إلى مِصْرَ لِأجْلِهِ في نِهايَةِ التَّعْظِيمِ لَهُ فَكَفى هَذا القَدْرُ في صِحَّةِ الرُّؤْيا فَأمّا أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ كالأصْلِ حَذْوَ القَذَّةِ بِالقَذَّةِ فَلَمْ يُوجِبْهُ أحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ.
اهَـ.
والحَقُّ أنَّ السُّجُودَ بِأيِّ مَعْنًى كانَ وقَعَ مِنَ الأبَوَيْنِ والإخْوَةِ جَمِيعًا والقَلْبُ يَمِيلُ إلى أنَّهُ كانَ انْحِناءً كَتَحِيَّةِ الأعاجِمِ وكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ اليَوْمَ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالخُرُورِ ولا بَأْسَ في أنْ يَكُونَ مِنَ الأبَوَيْنِ وهُما عَلى سَرِيرِ مُلْكِهِ ولا يَأْبى ذَلِكَ رُؤْياهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ سُجُودِكم أوْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الحَوادِثِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِرُؤْيايَ وجُوِّزَ تَعَلُّقُها بِتَأْوِيلٍ لِأنَّها أُوِّلَتْ بِهَذا قَبْلَ وُقُوعِها وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ﴿ رُؤْيايَ ﴾ وصِحَّةُ وُقُوعِ الغاياتِ حالًا تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها ﴿ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ﴾ أيْ صِدْقًا والرُّؤْيا تُوصَفُ بِذَلِكَ ولَوْ مَجازًا وأعْرَبَهُ جَمْعٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ وهي بِمَعْنى صَيَّرَ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ وضَعَها صَحِيحَةً وأنْ يَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ جَعْلًا حَقًّا وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ بَلْ مِن مَعْناهُ لِأنَّ جَعَلَها في مَعْنى حَقَّقَها و ﴿ حَقًّا ﴾ في مَعْنى تَحْقِيقٍ والجُمْلَةُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ حالٌ مُقَدَّرَةٌ أوْ مُقارَنَةٌ ﴿ وقَدْ أحْسَنَ بِي ﴾ الأصْلُ كَما في البَحْرِ أنْ يَتَعَدّى الإحْسانُ بِإلى أوِ اللّامِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ﴾ وقَدْ يَتَعَدّى بِالباءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ﴾ وكَقَوْلِ كُثَيِّرِ عَزَّةَ: أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً ∗∗∗ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةَ إنْ تَقَلَّتِ وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى تَضْمِينِ ﴿ أحْسَنَ ﴾ مَعْنى لَطِّفْ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ اللُّطْفِ إلّا أنَّ بَعْضَهم أنْكَرَ تَعْدِيَةَ لَطُفَ بِالباءِ وزَعَمَ أنَّهُ لا يَتَعَدّى إلّا بِاللّامِ فَيُقالُ: لَطَفَ اللَّهُ تَعالى لَهُ أيْ أوْصَلَ إلَيْهِ مُرادَهُ بِلُطْفٍ وهَذا ما في القامُوسِ لَكِنَّ المَعْرُوفَ في الِاسْتِعْمالِ تَعَدِّيهِ بِالباءِ وبِهِ صَرَّحَ في الأساسِ وعَلَيْهِ المُعَوَّلُ وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى إلى وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ أحْسِنْ صُنْعَهُ بِي فالباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَفْعُولِ المَحْذُوفِ وفِيهِ حَذْفُ المَصْدَرِ وإبْقاءُ مَعْمُولِهِ وهو مَمْنُوعٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وقَوْلُهُ ﴿ إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾ مَنصُوبٌ بِأحْسِنْ أوْ بِالمَصْدَرِ المَحْذُوفِ عِنْدَ مَن يَرى جَوازَ ذَلِكَ وإذا كانَتْ تَعْلِيلِيَّةً فالإحْسانُ هو الإخْراجُ مِنَ السِّجْنِ بَعْدَ أنِ ابْتُلِيَ بِهِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ وإذا كانَتْ ظَرْفِيَّةً فَهو غَيْرُهُما ولَمْ يُصَرِّحْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقِصَّةِ الجُبِّ حَذَرًا مِن تَثْرِيبِ إخْوَتِهِ وتَناسِيًا لِما جَرى مِنهم لِأنَّ الظّاهِرَ حُضُورُهم لِوُقُوعِ الكَلامِ عَقِيبَ خَرُورِهِمْ سُجَّدًا ولِأنَّ الإحْسانَ إنَّما تَمَّ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السَّجْنِ لِوُصُولِهِ لِلْمَلِكِ وخُلُوصِهِ مِنَ الرِّقِّ والتُّهْمَةِ واكْتِفاءً بِما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ ﴾ أيِ البادِيَةِ وأصْلُهُ البَسِيطُ مِنَ الأرْضِ وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ ما فِيهِ يَبْدُو لِلنّاظِرِ لِعَدَمِ ما يُوارِيهِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى البَرِّيَّةِ مُطْلَقًا وكانَ مَنزِلُهم عَلى ما قِيلَ: بِأطْرافِ الشّامِ بِبادِيَةِ فِلَسْطِينَ وكانُوا أصْحابَ إبِلٍ وغَنَمٍ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا أهْلَ عُمُدٍ وأصْحابَ مَواشٍ يَنْتَقِلُونَ في المِياهِ والمَناجِعِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما تَحَوَّلَ إلى البادِيَةِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِنَ البادِيَةِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: كانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ تَحَوَّلَ إلى بَدا وسَكَنَها ومِنها قَدِمَ عَلى يُوسُفَ ولَهُ بِها مَسْجِدٌ تَحْتَ جَبَلِها: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ بَدا اسْمُ مَوْضِعٍ مَعْرُوفٍ يُقالُ: هو بَيْنَ شِعْبٍ وبَدا وهُما مَوْضِعانِ ذَكَرَهُما جَمِيلٌ بِقَوْلِهِ: وأنْتَ الَّذِي حَبَّبْتَ شِعْبًا إلى بَدا ∗∗∗ إلَيَّ وأوْطانِي بِلادٌ سِواهُما فالبَدْوُ عَلى هَذا قَصْدُ هَذا المَوْضِعِ يُقالُ: بَدا القَوْمُ بَدْوًا إذا أتَوْا بَدًا كَما يُقالُ: أغارُوا غَوْرًا إذا أتَوُا الغَوْرَ فالمَعْنى أتى بِكم مِن قَصْدِ بَدا فَهم حِينَئِذٍ حَضَرِيُّونَ كَذا قالَهُ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ وذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ﴿ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي ﴾ أيْ أفْسَدَ وحَرَّشَ وأصْلُهُ مِن نَزَغَ الرّابِضُ الدّابَّةَ إذا نَخَسَها وحَمَلَها عَلى الجَرْيِ وأُسْنِدَ ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ مَجازًا لِأنَّهُ بِوَسْوَسَتِهِ وإلْقائِهِ وفِيهِ تَفادٍ عَنْ تَثْرِيبِهِمْ أيْضًا وذَكَرَهُ تَعْظِيمًا لِأمْرِ الإحْسانِ لِأنَّ النِّعْمَةَ بَعْدَ البَلاءِ أحْسَنُ مَوْقِعًا واسْتَدَلَّ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ والقاضِي بِالآيَةِ عَلى بُطْلانِ الجَبْرِ وفِيهِ نَظَرٌ ﴿ إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ ﴾ أيْ لَطِيفُ التَّدْبِيرِ لَهُ إذْ ما مِن صَعْبٍ إلّا وتَنْفُذُ فِيهِ مَشِيئَتُهُ تَعالى ويَتَسَهَّلُ دُونَها كَذا قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وحاصِلُهُ أنَّ اللَّطِيفَ هُنا بِمَعْنى العالِمِ بِخَفايا الأُمُورِ المُدَبِّرِ لَها والمُسَهِّلِ لِصِعابِها ولِنُفُوذِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ فَإذا أرادَ شَيْئًا سَهَّلَ أسْبابَهُ أطْلَقَ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ اللَّطِيفَ لِأنَّ ما يَلْطُفُ يَسْهُلُ نُفُوذُهُ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الرّاغِبِ حَيْثُ قالَ: اللَّطِيفُ ضِدَّ الكَثِيفِ ويُعَبَّرُ بِاللَّطِيفِ عَنِ الحَرَكَةِ الخَفِيفَةِ وتَعاطِي الأُمُورِ الدَّقِيقَةِ فَوُصِفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ لِعِلْمِهِ بِدَقائِقِ الأُمُورِ ورِفْقِهِ بِالعِبادِ فاللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِلَطِيفٍ لِأنَّ المُرادَ مُدَبِّرٌ لَمّا يَشاءُ عَلى ما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المَعْنى لِأجَلِ ما يَشاءُ وهو عَلى الأوَّلِ مُتَعَدٍّ بِاللّامِ وعَلى الثّانِي غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِها وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا ما في ذَلِكَ ﴿ إنَّهُ هو العَلِيمُ ﴾ بِوُجُوهِ المَصالِحِ ﴿ الحَكِيمُ ﴾ .
(100) .
الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ لا غَيْرُهُ رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ طافَ بِأبِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ في خَزائِنِهِ فَلَمّا أدْخَلَهُ خَزِينَةَ القِرْطاسِ قالَ: يا بُنَيَّ ما أعَقَّكَ عِنْدَكَ هَذِهِ القَراطِيسُ وما كَتَبْتَ إلَيَّ عَلى ثَمانِ مَراحِلَ قالَ: أمَرَنِي جِبْرِيلُ قالَ: أوَما تَسْألُهُ قالَ: أنْتَ أبْسَطُ مِنِّي إلَيْهِ فَسَألَهُ قالَ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ اللَّهُ تَعالى أمَرَنِي بِذَلِكَ لِقَوْلِكَ: ﴿ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ﴾ قالَ: فَهَلّا خِفْتَنِي وهَذا عُذْرٌ واضِحٌ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في عَدَمِ إعْلامِ أبِيهِ بِسَلامَتِهِ وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْحى إلَيْهِ بِإخْفاءِ الأمْرِ عَلى أبِيهِ إلى أنْ يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ لَكِنْ يَبْقى السُّؤالُ بِأنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَن أكابِرِ الأنْبِياءِ نَفْسًا وأبًا وجَدًّا وكانَ مَشْهُورًا في أكْنافِ الأرْضِ ومَن كانَ كَذَلِكَ ثُمَّ وقَعَتْ لَهُ واقِعَةٌ هائِلَةٌ في أعَزِّ أوْلادِهِ عَلَيْهِ لَمْ تَبْقَ تِلْكَ الواقِعَةُ خَفِيَّةً بَلْ لا بُدَّ وأنْ تَبْلُغَ في الشُّهْرَةِ إلى حَيْثُ يَعْرِفُها كُلُّ أحَدٍ لا سِيَّما وقَدِ انْقَضَتِ المُدَّةُ الطَّوِيلَةُ فِيها وهو في ذَلِكَ الحُزْنِ الَّذِي تُضْرَبُ فِيهِ الأمْثالُ ويُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ بِمَكانٍ بَعِيدٍ عَنْ مَكانِهِ ولا مُتَوَطِّنًا زَوايا الخَفاءِ ولا خامِلَ الذِّكْرِ بَلْ كانَ مَرْجِعَ العامِّ والخاصِّ وداعِيًا إلى اللَّهِ تَعالى في السِّرِّ والعَلَنِ وأوْقاتَ السُّرُورِ والمِحَنِ فَكَيْفَ غُمَّ أمْرُهُ ولَمْ يَصِلْ إلى أبِيهِ خَبَرُهُ.
وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ إلّا مِن بابِ خَرْقِ العادَةِ واخْتَلَفُوا في مِقْدارِ المُدَّةِ بَيْنَ الرُّؤْيا وظُهُورِ تَأْوِيلِها فَقِيلَ: ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُدَّةَ ثَمانُونَ سَنَةً وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّها سَبْعٌ وتِسْعُونَ سَنَةً وعَنْ حُذَيْفَةَ أنَّها سَبْعُونَ سَنَةً وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّها خَمْسٌ وثَلاثُونَ سَنَةً وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ أنَّها أرْبَعُونَ سَنَةً وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ قالَ ابْنُ شَدّادٍ: وإلى ذَلِكَ يَنْتَهِي تَأْوِيلُ الرُّؤْيا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ ﴾ أيْ بَعْضًا عَظِيمًا مِنهُ فَمِن لِلتَّبْعِيضِ ويَبْعُدُ القَوْلُ بِزِيادَتِها أوْ جَعْلِها لِبَيانِ الجِنْسِ والتَّعْظِيمُ مِن مُقْتَضَياتِ المَقامِ وبَعْضُهم قَدَّرَ عَظِيمًا في النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ كَما نَقَلَ أبُو البَقاءِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ مِن ذَلِكَ البَعْضِ مُلْكَ مِصْرَ ومِنَ ﴿ المُلْكِ ﴾ ما يَعُمُّ مِصْرَ وغَيْرَها ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ جَوازُ أنْ يُرادَ مِنَ المُلْكِ مِصْرُ ومِنَ البَعْضِ شَيْءٌ مِنها وزَعَمَ أنَّهُ لا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا فِيهِ وإنْ كانَ مُمَكَّنًا وفِيهِ تَأمُّلٌ وقِيلَ: أرادَ مُلْكَ نَفْسِهِ مِن إنْفاذِ شَهْوَتِهِ وقالَ عَطاءٌ: مَلَكَ حُسّادَهُ بِالطّاعَةِ ونَيْلِ الأمانِي ولَيْسَ بِذاكَ ﴿ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ﴾ أيْ بَعْضًا مِن ذَلِكَ كَذَلِكَ والمُرادُ بِتَأْوِيلِ الأحادِيثِ إمّا تَعْلِيمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا وهو الظّاهِرُ وإمّا تَفْهِيمُ غَوامِضِ أسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ ودَقائِقِ سُنَنِ الأنْبِياءِ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَمْ يُؤْتَ عَلَيْهِ السَّلامُ جَمِيعَ ذَلِكَ والتَّرْتِيبُ عَلى غَيْرِ الظّاهِرِ ظاهِرٌ وأمّا عَلى الظّاهِرِ فَلَعَلَّ تَقْدِيمَ إيتاءِ المُلْكِ عَلى ذَلِكَ في الذِّكْرِ لِأنَّهُ بِمَقامِ تَعْدادِ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ والمُلْكُ أعْرَقُ في كَوْنِهِ مِنَ التَّعْلِيمِ المَذْكُورِ وإنْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا نِعْمَةً جَلِيلَةً في نَفْسِهِ فَتَذَكَّرْ وتَأمَّلْ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ ذَرٍّ ( آتَيْتَنِ وعَلَّمْتَنِ ) بِحَذْفِ الياءِ فِيهِما اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الأخِيرِ ( آتَيْتَنِي ) بِغَيْرِ قَدْ ﴿ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ مُبْدِعَهُما وخالِقَهُما ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِرَبِّ أوْ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ أوْ مَنصُوبٌ بِأعْنِي أوْ مُنادى ثانٍ ووَصْفُهُ تَعالى بِهِ بَعْدَ وصْفِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ مُبالَغَةً في تَرْتِيبِ مَبادِئِ ما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ أنْتَ ولِيِّي ﴾ مُتَوَلِّي أُمُورِي ومُتَكَفِّلٌ بِها أوْ مُوالٍ لِي وناصِرٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فالوَلِيُّ إمّا في الوِلايَةِ أوِ المُوالاةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَوْلى كالمُعْطِي لَفْظًا ومَعْنًى أيِ الَّذِي يُعْطِينِي نِعَمَ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿ تَوَفَّنِي ﴾ اقْبِضْنِي ﴿ مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ﴾ .
(101) .
مِن آبائِي عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ بِعامَّةِ الصّالِحِينَ في الرُّتْبَةِ والكَرامَةِ كَما قِيلَ واعْتُرِضَ بِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كِبارِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والصَّلاحُ أوَّلُ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهِ أنْ يَطْلُبَ اللَّحاقَ بِمَن هو في البِدايَةِ وأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَهُ هَضْمًا لِنَفْسِهِ فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ اسْتِغْفارِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا سُؤال ولا جَوابَ إذا أُرِيدَ مِنَ الصّالِحِينَ آباؤُهُ الكِرامُ يَعْقُوبُ وإسْحاقُ وإبْراهِيمُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقالَ الإمامُ: ها هُنا وها هُنا مَقامٌ آخَرُ في الآيَةِ عَلى لِسانِ أصْحابِ المُكاشَفاتِ وهو أنَّ النُّفُوسَ المُفارِقَةَ إذا أشْرَقَتِ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ واللِّواءِ مَعَ القُدُسِيَّةِ فَإذا كانَتْ مُتَناسِبَةً مُتَشاكِلَةً انْعَكَسَ النُّورُ الَّذِي في كُلِّ واحِدٍ مِنها إلى الأُخْرى بِسَبَبِ تِلْكَ المُلاءَمَةِ والمُجانَسَةِ فَعَظُمَتْ تِلْكَ الأنْوارُ وتَقَوَّتْ هاتِيكِ الأضْواءُ ومِثالُ ذَلِكَ المَرايا الصَّقِيلَةُ الصّافِيَةُ إذا وصَفَتْ وصْفًا مَتى أشْرَقَتِ الشَّمْسُ عَلَيْها انْعَكَسَ الضَّوْءُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنها إلى الأُخْرى فَهُناكَ يَقْوى الضَّوْءُ ويَكْمُلُ النُّورُ ويَنْتَهِي في الإشْراقِ والبَرِيقِ إلى حَدٍّ تُطِيقُهُ الأبْصارُ الضَّعِيفَةُ فَكَذَلِكَ ها هُنا انْتَهى وهو كَما تَرى والحَقُّ أنْ يُقالَ: إنَّ الصَّلاحَ مَقُولٌ بِالتَّشْكِيكِ مُتَفاوِتٌ قُوَّةً وضَعْفًا والمَقامُ يَقْتَضِي أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ بِالصّالِحِينَ المُتَّصِفِينَ بِالمَرْتَبَةِ المُعْتَنى بِها مِن مَراتِبِ الصَّلاحِ وقَدْ قَدَّمْنا ما عِنْدَ أهْلِ المُكاشَفاتِ في الصَّلاحِ فارْجِعْ إلَيْهِ.
بَقِيَ أنَّ المُفَسِّرِينَ اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا هَلْ هو مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَمَنّى لِلْمَوْتِ وطَلَبَ مِنهُ أمْ لا فالكَثِيرُ مِنهم عَلى أنَّهُ طَلَبَ وتَمَنّى لِذَلِكَ قالَ الإمامُ: ولا يَبْعُدُ مِنَ الرَّجُلِ العاقِلِ إذا كَمُلَ عَقْلُهُ أنْ يَتَمَنّى المَوْتَ وتَعْظُمَ رَغْبَتُهُ فِيهِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُحِسُّ بِنُقْصانِهِ مَعَ شَغَفِهِ بِزَوالِهِ وعِلْمِهِ بِأنَّ الكَمالَ المُطْلَقَ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ تَعالى فَيَبْقى في قَلَقٍ لا يُزِيلُهُ إلّا المَوْتُ فَيَتَمَنّاهُ وأيْضًا يَرى أنَّ السَّعادَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ سَرِيعَةُ الزَّوالِ مُشْرِفَةٌ عَلى الفَناءِ والألَمُ الحاصِلُ عِنْدَ زَوالِها أشَدُّ مِنَ اللَّذَّةِ الحاصِلَةِ عِنْدَ وُجْدانِها مَعَ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ لَذَّةٌ إلّا وهي مَمْزُوجَةٌ بِما يُنَغِّصُها بَلْ لَوْ حُقَّقَتْ لا تَرى لَذَّةً حَقِيقِيَّةً في هَذِهِ اللَّذائِذِ الجُسْمانِيَّةِ وإنَّما حاصِلُها دَفْعُ الآلامِ فَلَذَّةُ الأكْلِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ ألَمِ الجُوعِ ولَذَّةُ النِّكاحِ عِبارَةٌ عَنْ دَفْعِ الألَمِ الحاصِلِ بِسَبَبِ الدَّغْدَغَةِ المُتَوَلِّدَةِ مِن حُصُولِ المَنِيِّ في أوْعِيَتِهِ وكَذا الأمارَةُ والرِّياسَةُ يُدْفَعُ بِها الألَمُ الحاصِلُ بِسَبَبِ شَهْوَةِ الِانْتِقامِ ونَحْوِ ذَلِكَ والكُلُّ لِذَلِكَ خَسِيسٌ وبِالمَوْتِ التَّخَلُّصُ عَنِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ عَلى أنَّ عُمْدَةَ المَلاذِّ الدُّنْيَوِيَّةِ الأكْلُ والجِماعُ والرِّياسَةُ والكُلُّ في نَفْسِهِ خَسِيسٌ مَعِيبٌ فَإنَّ الأكْلَ عِبارَةٌ عَنْ تَرْطِيبِ الطَّعامِ بِالبُزاقِ المُجْتَمِعِ في الفَمِ ولا شَكَّ أنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ في نَفْسِهِ ثُمَّ حِينَما يَصِلُ إلى المَعِدَةِ يَظْهَرُ فِيهِ الِاسْتِحالَةُ والتَّعَفُّنُ ومَعَ ذا يُشارِكُ الإنْسانُ فِيهِ الحَيَواناتِ الخَسِيسَةَ فَيَلْتَذُّ الجُعْلُ بِالرَّوْثِ التِذاذَ الإنْسانِ بِاللَّوْزِينْجِ وقَدْ قالَ العُقَلاءُ: مَن كانَ هِمَّتُهُ ما يَدْخُلُ في بَطْنِهِ فَقِيمَتُهُ ما يَخْرُجُ مِن بَطْنِهِ والجِماعُ نِهايَةُ ما يُقالُ فِيهِ: إنَّهُ إخْراجُ فَضْلَةٍ مُتَوَلِّدَةٍ مِنَ الطَّعامِ بِمَعُونَةِ جِلْدَةٍ مَدْبُوغَةٍ بِالبَوْلِ ودَمِ الحَيْضِ والنِّفاسِ مَعَ حَرَكاتٍ لَوْ رَأيْتَها مِن غَيْرِكَ لَأضْحَكَتْكَ وفِيهِ أيْضًا تِلْكَ المُشارَكَةُ وغايَةُ ما يُرْجى مِن ذَلِكَ تَحْصِيلُ الوَلَدِ الَّذِي يَجُرُّ إلى شَغْلِ البالِ والتَّحَيُّلِ لِجَمْعِ المالِ ونَحْوِ ذَلِكَ والرِّياسَةُ إذا لَمْ يَكُنْ فِيها سِوى أنَّها عَلى شَرَفِ الزَّوالِ في كُلِّ آنٍ لِكَثْرَةِ مَن يُنازِعُ فِيها ويَطْمَحُ نَظَرُهُ إلَيْها فَصاحِبُها لَمْ يَزَلْ خائِفًا وجِلًا مِن ذَلِكَ لَكَفاها عَيْبًا وقَدْ يُقالُ أيْضًا: إنَّ النَّفْسَ خُلِقَتْ مَجْبُولَةً عَلى طَلَبِ اللَّذّاتِ والعِشْقِ الشَّدِيدِ لَها والرَّغْبَةِ التّامَّةِ في الوُصُولِ إلَيْها فَما دامَ في هَذِهِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ يَكُونُ طالِبًا لَها وما دامَ كَذَلِكَ فَهو في عَيْنِ الآفاتِ ولُجَّةِ الحَسَراتِ وهَذا اللّازِمُ مَكْرُوهٌ والمَلْزُومُ مِثْلُهُ فَلِهَذا يَتَمَنّى العاقِلُ زَوالَ هَذِهِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ لِيَسْتَرِيحَ مِن ذَلِكَ النَّصَبِ ولِلَّهِ تَعالى قَوْلُ مَن قالَ: ضَجْعَةُ المَوْتِ رَقْدَةٌ يَسْتَرِيحُ الجِسْمُ فِيها والعَيْشُ مِثْلُ السُّهادِ وقالَ: تَعَبٌ كُلُّها الحَياةُ فَما أعْجَبُ إلّا مِن راغِبٍ في ازْدِيادٍ إنَّ حُزْنًا في ساعَةِ الفَوْتِ أضْعافُ سُرُورٍ في ساعَةِ المِيلادِ وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ تَمَنِّيَ المَوْتِ حُبًّا لِلِقاءِ اللَّهِ تَعالى مِمّا لا بَأْسَ بِهِ وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى أحَبَّ اللَّهُ تَعالى لِقاءَهُ الحَدِيثَ نَعَمْ تَمَنِّي المَوْتِ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ مَنهِيٌّ عَنْهُ فَفي الخَبَرِ لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ وإنَّما عَدَّدَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ ثُمَّ دَعا بِأنْ تَدُومَ تِلْكَ النِّعَمُ في باقِي عُمُرِهِ حَتّى إذا حانَ أجَلُهُ قَبَضَهُ عَلى الإسْلامِ وألْحَقَهُ بِالصّالِحِينَ.
والحاصِلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما طَلَبَ المُوافاةَ عَلى الإسْلامِ لا الوَفاةَ ولا يَرِدُ عَلى القَوْلَيْنِ أنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَمُوتُونَ إلّا مُسْلِمِينَ إمّا لِأنَّ الإسْلامَ هُنا بِمَعْنى الِاسْتِسْلامِ لِكُلِّ ما قَضاهُ اللَّهُ تَعالى أوْ لِأنَّ ذَلِكَ بَيانٌ لِأنَّهُ وإنْ لَمْ يَتَخَلَّفْ لَيْسَ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ والذّاهِبُونَ إلى الأوَّلِ قالُوا إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ أُسْبُوعٌ حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى وكانَ الحَسَنُ يَذْهَبُ إلى القَوْلِ الثّانِي ويَقُولُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عاشَ بَعْدَ هَذا القَوْلِ سِنِينَ كَثِيرَةً ورَوى المُؤَرِّخُونَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أقامَ مَعَ يُوسُفَ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ وأوْصى أنْ يُدْفَنَ بِالشّامِ إلى جَنْبِ أبِيهِ فَذَهَبَ بِهِ ودَفَنَهُ ثَمَّتَ وعاشَ بَعْدَهُ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً وقِيلَ: أكْثَرَ ثُمَّ تاقَتْ نَفْسُهُ إلى المُلْكِ المُخَلَّدِ فَتَمَنّى المَوْتَ فَتَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى طَيِّبًا طاهِرًا فَتَخاصَمَ أهْلُ مِصْرَ في مَدْفِنِهِ حَتّى هَمُّوا بِالقِتالِ فَرَأوْا أنْ يَجْعَلُوهُ في صُنْدُوقٍ مِن مَرْمَرٍ ويَدْفِنُوهُ في النِّيلِ بِحَيْثُ يَمُرُّ عَلَيْهِ الماءُ ثُمَّ يَصِلُ إلى مِصْرَ لِيَكُونُوا شَرْعًا فِيهِ فَفَعَلُوا ثُمَّ أرادَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَقْلَهُ إلى مَدْفِنِ آبائِهِ فَأخْرَجَهُ بَعْدَ أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ عَلى ما قِيلَ: مِن صُنْدُوقِ المَرْمَرِ لِثِقَلِهِ وجَعَلَهُ في تابُوتٍ مِن خَشَبٍ ونَقَلَهُ إلى ذَلِكَ وكانَ عُمْرُهُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً وقِيلَ: مِائَةٌ وسَبْعُ سِنِينَ وقَدْ وُلِدَ لَهُ مِنَ امْرَأةِ العَزِيزِ أفْراثِيمُ وهو جَدُّ يُوشَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومِيشا ورَحْمَةُ زَوْجَةُ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَقَدْ تَوارَثَتِ الفَراعِنَةُ مِنَ العَمالِقَةِ بَعْدَهُ مِصْرَ ولَمْ يَزَلْ بَنُو إسْرائِيلَ تَحْتَ أيْدِيهِمْ عَلى بَقايا دِينِ يُوسُفَ وآبائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَ ما كانَ.
وفِي التَّوْراةِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أسْكَنَ أباهُ وإخْوَتَهُ في مَكانٍ يُقالُ لَهُ عَيْنُ شَمْسٍ مِن أرْضِ السَّدِيرِ وبَقِيَ هُناكَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وكانَ عُمُرُهُ حِينَ دَخَلَ مِصْرَ مِائَةً وثَلاثِينَ سَنَةً ولَمّا قَرُبَ أجَلُهُ دَعا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجاءَ ومَعَهُ ولَداهُ مِيشا وهو بِكْرُهُ وأفْراثِيمُ فَقَدَّمَهُما إلَيْهِ ودَعا لَهُما ووَضَعَ يَدَهُ اليُمْنى عَلى رَأْسِ الأصْغَرِ واليُسْرى عَلى رَأْسِ الأكْبَرِ وكانَ يُوسُفُ يُحِبُّ عَكْسَ ذَلِكَ فَكَلَّمَ أباهُ فِيهِ فَقالَ: يا بُنَيَّ إنِّي لَأعْلَمُ أنَّ ما يَتَناسَلُ مِن هَذا الأصْغَرِ أكْثَرُ مِمّا يَتَناسَلُ مِن هَذا الأكْبَرِ ودَعا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبارَكَ عَلَيْهِ وقالَ: يا بُنَيَّ إنِّي مَيِّتٌ كانَ اللَّهُ تَعالى مَعَكم ورَدَّكم إلى بَلَدِ أبِيكم يا بُنَيَّ إذا أنا مُتُّ فَلا تَدْفِنَنِي في مِصْرَ وادْفِنِّي في مَقْبَرَةِ آبائِي وقالَ: نَعَمْ يا أبَتِ وحَلَفَ لَهُ ثُمَّ دَعا سائِرَ بَنِيهِ وأخْبَرَهم بِما يَنالُهم في أيّامِهِمْ ثُمَّ أوْصاهم بِالدَّفْنِ عِنْدَ آبائِهِ في الأرْضِ الَّتِي اشْتَراها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عَفْرُونَ الخَتِّيِّ في أرْضِ الشّامِ وجَعَلَها مَقْبَرَةً وبَعْدَ أنْ فَرَغَ مِن وصِيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تُوُفِّيَ فانْكَبَّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ ويَبْكِي وأقامَ لَهُ حُزْنًا عَظِيمًا وحَزِنَ عَلَيْهِ أهْلُ مِصْرَ كَثِيرًا ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ يُوسُفُ وإخْوَتُهُ وسائِرُ آلِهِ سِوى الأطْفالِ ومَعَهم قُوّادُ المَلِكِ ومَشايِخُ أهْلِ مِصْرَ ودَفَنُوهُ في المَكانِ الَّذِي أرادَ ثُمَّ رَجَعُوا وقَدْ تَوَهَّمَ إخْوَةُ يُوسُفَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُسِيءَ المُعامَلَةَ مَعَهم بَعْدَ مَوْتِ أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا عَلِمَ ذَلِكَ مِنهم قالَ لَهم: لا تَخافُوا إنِّي أخافُ اللَّهَ تَعالى ثُمَّ عَزّاهم وجَبَرَ قُلُوبَهم ثُمَّ أقامَ هو وآلُ أبِيهِ بِمِصْرَ وعاشَ مِائَةً وعَشْرَ سِنِينَ حَتّى رَأى لِأفْرايِمَ ثَلاثَةَ بَنِينَ ووُلِدَ بَنُو ماخِيرَ بْنِ مَنشا في حِجْرِهِ أيْضًا ثُمَّ لَمّا أحَسَّ بِقُرْبِ أجَلِهِ قالَ لِإخْوَتِهِ: إنِّي مَيِّتٌ واللَّهُ سُبْحانَهُ سَيَذْكُرُكم ويَرُدُّكم إلى البَلَدِ الَّذِي أقْسَمَ أنْ يُمَلِّكَهُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ فَإذا ذَكَرَكم سُبْحانَهُ ورَدَّكم إلى ذَلِكَ البَلَدِ فاحْمِلُوا عِظامِيَ مَعَكم ثُمَّ تُوُفِّيَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَنَّطُوهُ وصَيَّرُوهُ في تابُوتٍ بِمِصْرَ وبَقِيَ إلى زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا خَرَجَ حَمَلَهُ حَسْبَما أوْصى عَلَيْهِ السَّلامُ <div class="verse-tafsir"
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن أنْباءِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا والخِطابُ لِلرَّسُولِ وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ﴾ الَّذِي لا يَحُومُ حَوْلَهُ أحَدٌ خَبَرُهُ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ نُوحِيهِ إلَيْكَ ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْمًا مَوْصُولًا مُبْتَدَأً و ﴿ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ﴾ صِلَتُهُ و ﴿ نُوحِيهِ إلَيْكَ ﴾ خَبَرُهُ وهو مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبٍ مَرْجُوحٍ مِن جَعْلِ سائِرِ أسْماءِ الإشارَةِ مَوْصُولاتٍ.
﴿ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ ﴾ يُرِيدُ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ ﴾ وهو جَعْلُهُمُ إيّاهُ في غَيابَةِ الجُبِّ ﴿ وهم يَمْكُرُونَ ﴾ .
(102) .
بِهِ ويَبْغُونَ لَهُ الغَوائِلَ والجُمْلَةُ قِيلَ: كالدَّلِيلِ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ومُوحى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمَعْنى أنَّ هَذا النَّبَأ غَيْبٌ لَمْ تَعْرِفْهُ إلّا بِالوَحْيِ لِأنَّكَ لَمْ تَحْضُرْ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ عَزَمُوا عَلى ما هَمُّوا بِهِ مِن أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وهم يَمْكُرُونَ بِهِ ومِنَ المَعْلُومِ الَّذِي لا يَخْفى عَلى مُكَذِّبِيكَ أنَّكَ ما لَقِيتَ أحَدًا سَمِعَ ذَلِكَ فَتَعَلَّمْتَهُ مِنهُ وهَذا مِنَ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ وإنَّما حُذِفَ الشِّقُّ الأخِيرُ مَعَ أنَّ الدّالَّ عَلى ما ذُكِرَ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ لِعِلْمِهِ مِن آيَةٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ ﴾ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ هَذا تَهَكُّمٌ بِمَن كَذَّبَهُ وذَلِكَ مِن حَيْثُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ المَشْكُوكَ فِيهِ كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حاضِرًا بَيْنَ يَدَيْ أوْلادِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ماكِرِينَ فَنَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ ﴾ وإنَّما الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَرْتابَ فِيهِ المُرْتابُ قَبْلَ التَّعَرُّفِ هو تَلَقِّيهِ مِن أصْحابِ هَذِهِ القِصَّةِ وكانَ ظاهِرُ الكَلامِ أنْ يُنْفى ذَلِكَ فَما جَعَلَ المَشْكُوكَ ما لا رَيْبَ فِيهِ لِأنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَلْقَ أحَدًا ولا سَمِعَ كانَ عِنْدَهم كَفَلَقِ الفَجْرِ جاءَ التَّهَكُّمُ البالِغُ وصارَ حاصِلَ المَعْنى قَدْ عَلِمْتُمْ يا مُكابِرَةُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُشاهِدًا لِمَن مَضى مِنَ القُرُونِ الخالِيَةِ وإنْكارُكم لِما أخْبَرَ بِهِ يُفْضِي إلى أنْ تُكابِرُوا بِأنَّهُ قَدْ شاهَدَ مَن مَضى مِنهم وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا ﴾ ومِنهُ يَظْهَرُ فائِدَةُ العُدُولِ عَنْ أُسْلُوبِ ﴿ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ ﴾ إلى هَذا الأُسْلُوبِ وهو أبْلَغُ مِمّا ذُكِرَ أوَّلًا وذُكِرَ لِتَرْكِ ذَلِكَ نُكْتَةٌ أُخْرى أيْضًا وهي أنَّ المَذْكُورَ مَكْرُهم وما دَبَّرُوهُ وهو مِمّا أخْفَوْهُ حَتّى لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهم فَلا يُمْكِنُ تَعَلُّمُهُ مِنَ الغَيْرِ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ وأيًّا ما كانَ فَفي الآيَةِ إيذانٌ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ النَّبَأِ هو الحَقُّ المُطابِقُ لِلْواقِعِ وما يَنْقُلُهُ أهْلُ الكِتابِ لَيْسَ عَلى ما هو عَلَيْهِ: <div class="verse-tafsir"
﴿ وما أكْثَرُ النّاسِ ﴾ الظّاهِرُ العُمُومُ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهم أهْلُ مَكَّةَ ﴿ ولَوْ حَرَصْتَ ﴾ أيْ عَلى إيمانِهِمْ وبالَغْتَ في إظْهارِ الآياتِ القاطِعَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِكَ عَلَيْهِمْ ﴿ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ .
(103) .
لِتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ وإصْرارِهِمْ عَلى العِنادِ حَسْمًا اقْتَضاهُ اسْتِعْدادُهم و( حَرَصَ ) مِن بابِ ضَرَبَ وعَلِمَ كِلاهُما لُغَةٌ فَصِيحَةٌ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سَألَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَزَلَتْ مَشْرُوحَةً شَرْحًا وافِيًا فَأمَّلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ إسْلامِهِمْ وقِيلَ: إنَّهم وعَدُوهُ أنْ يُسْلِمُوا فَلَمّا لَمْ يَفْعَلُوا عَزّاهُ تَعالى بِذَلِكَ وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ وقِيلَ: في النَّصارى وقِيلَ: في المُشْرِكِينَ فَقَطْ وقِيلَ: في أهْلِ الكِتابِ فَقَطْ وقِيلَ: في الثَّنَوِيَّةِ <div class="verse-tafsir"
﴿ وما تَسْألُهم عَلَيْهِ ﴾ أيْ هَذا الإنْباءِ أوْ جِنْسِهِ أوِ القُرْآنِ وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِمّا قَبْلَهُ والمَعْنى ما تَطْلُبُ مِنهم عَلى تَبْلِيغِهِ ﴿ مِن أجْرٍ ﴾ أيْ جُعْلٍ ما كَما يَفْعَلُهُ حَمَلَةُ الأخْبارِ ﴿ إنْ هو إلا ذِكْرٌ ﴾ أيْ ما هو إلّا تَذْكِيرٌ وعِظَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ .
(104) .
كافَّةً والجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها لِأنَّ الوَعْظَ العامَّ يُنافِي أخْذَ الأُجْرَةِ مِنَ البَعْضِ لِأنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِهِمْ وقِيلَ: أُرِيدَ أنَّهُ لَيْسَ إلّا عِظَةً مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أُمِرْتُ أنْ أُبَلِّغَها فَوَجَبَ عَلَيَّ ذَلِكَ فَكَيْفَ أسْألُ أجْرًا عَلى أداءِ الواجِبِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وعَلَيْهِ تَكُوُنُ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى حُرْمَةِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى أداءِ الواجِباتِ وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ ( وما نَسْألُهم ) بِالنُّونِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ ﴾ أيْ وكَمْ مِن آيَةٍ قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: إنَّ كَأيِّ اسْمٌ كَكَمِ التَّكْثِيرِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ في المَعْنى مُرَكَّبٌ مِن كافِ التَّشْبِيهِ وأيٍّ الِاسْتِفْهامِيَّةِ المُنَوَّنَةِ وحُكِيَتْ ولِهَذا جازَ الوَقْفُ عَلَيْها بِالنُّونِ لِأنَّ التَّنْوِينَ لَمّا دَخَلَ في التَّرْكِيبِ أشْبَهَ النُّونَ الأصْلِيَّةَ ولِذا رُسِمَ في المُصْحَفِ نُونًا ومَن وقَفَ عَلَيْها بِحَذْفِهِ أعْتَبَرَ حُكْمَهُ في الأصْلِ وقِيلَ: الكافُ فِيها هي الزّائِدَةُ قالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: ألا تَرى أنَّكَ لا تُرِيدُ بِها مَعْنى التَّشْبِيهِ وهي مَعَ ذا لازِمَةٌ وغَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِشَيْءٍ وأيْ مَجْرُورُها وقِيلَ: هي اسْمٌ بَسِيطٌ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ قالَ: ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ تَلاعُبُ العَرَبِ بِها في اللُّغاتِ وإفادَتُها لِلِاسْتِفْهامِ نادِرٌ حَتّى أنْكَرَهُ الجُمْهُورُ ومِنهُ قَوْلُ أُبَيٍّ لِابْنِ مَسْعُودٍ: كَأيِّنْ تَقْرَأُ سُورَةَ الأحْزابِ آيَةً فَقالَ: ثَلاثًا وسَبْعِينَ والغالِبُ وُقُوعُها خَبَرِيَّةً ويَلْزَمُها الصَّدْرُ فَلا تَجُرُّ خِلافًا لِابْنِ قُتَيْبَةَ وابْنِ عُصْفُورٍ ولا يَحْتاجُ إلى سَماعٍ والقِياسُ عَلى كَمْ يَقْتَضِي أنْ يُضافَ إلَيْها ولا يُحْفَظُ ولا يُخْبَرَ عَنْها إلّا بِجُمْلَةٍ فِعْلِيَّهٍ مُصَدَّرَةٍ بِماضٍ أوْ مُضارِعٍ كَما هُنا قالَ أبُو حَيّانَ: والقِياسُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ أوِ الظَّرْفِ أوْ خَبَرَ كانَ كَما كانَ ذَلِكَ في كَمْ وفي البَسِيطِ أنَّها تَكُونُ مُبْتَدَأً وخَبَرًا ومَفْعُولًا ويُقالُ فِيها: كائِنٌ بِالمَدِّ بِوَزْنِ اسْمِ الفاعِلِ مِن كانَ ساكِنَةِ النُّونِ وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( وكَأ ) بِالقَصْرِ بِوَزْنِ ( عَمَ ) .
( وكَأيْ ) بِوَزْنِ رَمى وبِهِ قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ( وكَيْءِ ) بِتَقْدِيمِ الياءِ عَلى الهَمْزَةِ وذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ أنَّ الحَسَنَ قَرَأ ( وكَيِ ) بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا ألِفٍ ولا تَشْدِيدٍ و ﴿ آيَةٍ ﴾ في مَوْضِعِ التَّمْيِيزِ و( مِن ) زائِدَةٌ وجَرُّ تَمْيِيزِ كَأيِّنْ بِها دائِمِيٌّ أوْ أكْثَرِيٌّ وقِيلَ: هي مُبَيِّنَةٌ لِلتَّمْيِيزِ المُقَدَّرِ والمُرادُ مِنَ الآيَةِ الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وهي وإنْ كانَتْ مُفْرَدَةً لَفْظًا لَكِنَّها في مَعْنى الجَمْعُ أيْ آياتٌ لِمَكانٍ كائِنٍ والمَعْنى وكَأيِّ عَدَدٍ شِئْتَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ ما جِئْتَ بِهِ غَيْرَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ فِي السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ كائِنَةٌ فِيهِما مِنَ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ وما فِيها مِنَ النُّجُومِ وتَغَيُّرِ أحْوالِها ومِنَ الجِبالِ والبِحارِ وسائِرِ ما في الأرْضِ مِنَ العَجائِبِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ: وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ ﴿ يَمُرُّونَ عَلَيْها ﴾ يُشاهِدُونَها ﴿ وهم عَنْها مُعْرِضُونَ ﴾ .
(105) .
غَيْرُ مُتَفَكِّرِينَ فِيها ولا مُعْتَبِرِينَ بِها وفي هَذا مِن تَأْكِيدِ تَعَزِّيهِ وذَمِّ القَوْمِ ما فِيهِ والظّاهِرُ أنَّ ﴿ فِي السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِآيَةٍ وجُمْلَةُ ﴿ يَمُرُّونَ ﴾ خَبَرُ كَأيِّنْ كَما أشَرْنا إلَيْهِ سابِقًا وجُوِّزَ العَكْسُ وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ قائِدٍ ( والأرْضُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ في السَّماواتِ هو الخَبَرُ لِكَأيِّنْ والأرْضُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ ويَكُونُ ضَمِيرُ عَلَيْها لِلْأرْضِ لا لِلْآياتِ كَما في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ وقَرَأ السُّدِّيُّ ( والأرْضَ ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ﴿ يَمُرُّونَ ﴾ وهو مِنَ الِاشْتِغالِ المُفَسَّرِ بِما يُوافِقُهُ في المَعْنى وضَمِيرُ ﴿ عَلَيْها ﴾ كَما هو فِيما قَبْلُ أيْ ويَطَؤُونَ الأرْضَ يَمُرُّونَ عَلَيْها وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ يَطَؤُونَ ناصِبًا لِلْأرْضِ وجُمْلَةُ ﴿ يَمُرُّونَ ﴾ حالٌ مِنها أوْ مِن ضَمِيرِ عامِلِها.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( والأرْضُ ) بِالرَّفْعِ و( يَمْشُونَ ) بَدَلَ ( يَمُرُّونَ ) والمَعْنى عَلى القِراءاتِ الثَّلاثِ أنَّهم يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ في الأرْضِ ويَرَوْنَ آثارَ الأُمَمِ الهالِكَةِ وما فِيها مِنَ الآياتِ والعِبَرِ ولا يَتَفَكَّرُونَ في ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ ﴾ في إقْرارِهِمْ بِوُجُودِهِ تَعالى وخالِقِيَّتِهِ ﴿ إلا وهم مُشْرِكُونَ ﴾ .
(106) .
بِهِ سُبْحانَهُ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مَنِ الأكْثَرِ أيْ ما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم إلّا في حالِ إشْراكِهِمْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ: هم أهْلُ مَكَّةَ آمَنُوا وأشْرَكُوا كانُوا يَقُولُونَ في تَلْبِيَتِهِمْ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ ومِن هُنا «كانَ إذا سَمِعَ أحَدَهم يَقُولُ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ يَقُولُ لَهُ: قَطُّ قَطُّ أيْ يَكْفِيكَ ذَلِكَ ولا تَزِدْ إلّا شَرِيكًا ..» إلَخْ وقِيلَ: هم أُولَئِكَ آمَنُوا لَمّا غَشِيَهُمُ الدُّخانُ في سِنِي القَحْطِ وعادُوا إلى الشِّرْكَ بَعْدَ كَشْفِهِ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ أيْضًا أنَّ هَؤُلاءِ كُفّارُ العَرَبِ مُطْلَقًا أقَرُّوا بِالخالِقِ الرّازِقِ المُمِيتِ وأشْرَكُوا بِعِبادَةِ الأوْثانِ والأصْنامِ وقِيلَ: أشْرَكُوا بِقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهم أهْلُ الكِتابِ أقَرُّوا بِاللَّهِ تَعالى وأشْرَكُوا بِهِ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ مِن حَيْثُ عَبَدُوا عُزَيْرًا والمَسِيحَ عَلَيْهِما السَّلامُ.
وقِيلَ: أشْرَكُوا بِالتَّبَنِّي واتِّخاذِهِمْ أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا وقِيلَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ يُخْلِصُونَ في الدُّعاءِ عِنْدَ الشِّدَّةِ ويُشْرِكُونَ إذا نَجَوْا مِنها ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ وقِيلَ: هُمُ الثَّنَوِيَّةُ قالُوا بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ جَهَرُوا بِالإيمانِ وأخْفَوُا الكُفْرَ ونُسِبَ ذَلِكَ لِلْبَلْخِيِّ وعَنِ الحَبْرِ أنَّهُمُ المُشَبِّهَةُ آمَنُوا مُجْمَلًا وكَفَرُوا مُفَصَّلًا وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ المُراؤُونَ بِأعْمالِهِمْ والرِّياءُ شِرْكٌ خَفِيٌّ وقِيلَ: هُمُ المُناظِرُونَ إلى الأسْبابِ المُعْتَمِدُونَ عَلَيْها وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يُطِيعُونَ الخَلْقَ بِمَعْصِيَةِ الخالِقِ وقَدْ يُقالُ نَظَرًا إلى مَفْهُومِ الآيَةِ: إنَّهم مَن يَنْدَرِجُ فِيهِمْ كُلُّ مَن أقَرَّ بِاللَّهِ تَعالى وخالِقِيَّتِهِ مَثَلًا وكانَ مُرْتَكِبًا ما يُعَدُّ شِرْكًا كَيْفَما كانَ ومِن أُولَئِكَ عَبَدَةُ القُبُورِ النّاذِرُونَ لَها المُعْتَقِدُونَ لِلنَّفْعِ والضُّرِّ مِمَّنِ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحالِهِ فِيها وهُمُ اليَوْمَ أكْثَرُ مِنَ الدُّودِ واحْتَجَتِ الكَرامِيَّةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ مُجَرَّدُ الإقْرارِ بِاللِّسانِ وفِيهِ نَظَرٌ <div class="verse-tafsir"
﴿ أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ ﴾ أيْ عُقُوبَةٌ تَغْشاهم وتَشْمَلُهم والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ فِيهِ مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ كَما في البَحْرِ والكَلامُ في العَطْفِ ومَحَلِّ الِاسْتِفْهامِ في الحَقِيقَةِ مَشْهُورٌ وقَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ والمُرادُ بِهَذِهِ العُقُوبَةِ ما يَعُمُّ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةَ عَلى ما قِيلَ وفي البَحْرِ ما هو صَرِيحٌ في الدُّنْيَوِيَّةِ لِلْمُقابَلَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً ﴾ فَجْأةً مِن غَيْرِ سابِقَةِ عَلامَةٍ وهو الظّاهِرُ ﴿ وهم لا يَشْعُرُونَ ﴾ بِإتْيانِها غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لَها ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾ أيْ هَذِهِ السَّبِيلُ الَّتِي هي الدَّعْوَةُ إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ سَبِيلِي كَذا قالُوا والظّاهِرُ أنَّهم أخَذُوا الدَّعْوَةَ إلى الإيمانِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ لِإفادَةِ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى الإيمانِ بِجِدٍّ وحِرْصٍ وإنْ لَمْ يَنْفَعْ فِيهِمْ والدَّعْوَةُ إلى التَّوْحِيدِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ ﴾ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ ذِكْرًا لَهم لِاشْتِمالِهِ عَلى التَّوْحِيدِ لَكِنَّهم لا يَرْفَعُونَ لَهُ رَأْسًا كَسائِرِ آياتِ الآفاقِ والأنْفُسِ الدّالَّةِ عَلى تَوَحُّدِهِ تَعالى ذاتًا وصِفاتٍ وفُسِّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أدْعُو إلى اللَّهِ ﴾ أيْ أدْعُو النّاسَ إلى مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ بِصِفاتِ كَمالِهِ ونُعُوتِ جَلالِهِ ومِن جُمْلَتِها التَّوْحِيدُ فالجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الياءِ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الحالَ في مِثْلِهِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ مُخالِفَةٌ لِلْقَواعِدِ ظاهِرًا ولَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَ ﴿ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا ﴾ واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ فِيهِ تَقْيِيدَ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ ولَيْسَ ذاكَ ﴿ عَلى بَصِيرَةٍ ﴾ أيْ بَيانٍ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ غَيْرِ عَمْياءَ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿ أدْعُو ﴾ وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ الظّاهِرَ تَعَلُّقُهُ بِأدْعُو وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنا ﴾ تَأْكِيدٌ لِذَلِكَ الضَّمِيرِ أوْ لِلضَّمِيرِ الَّذِي في الحالِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ عُطِفَ عَلى ذِي الحالِ ونِسْبَةُ أدْعُو إلَيْهِ مِن بابِ التَّغْلِيبِ كَما قُرِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ ﴾ ومِنهم مَن قَدَّرَ في مِثْلِهِ فِعْلًا عامِلًا في المَعْطُوفِ ولَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ ومُنِعَ عَطْفُهُ عَلى ( أنا ) لِكَوْنِهِ تَأْكِيدًا ولا يَصِحُّ في المَعْطُوفِ كَوْنُهُ تَأْكِيدًا كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ المُحَقِّقِينَ وجُوِّزَ كَوْنُ ( مَن ) مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ ومَنِ اتَّبَعَنِي كَذَلِكَ أيْ داعٍ وأنْ يَكُونَ ﴿ عَلى بَصِيرَةٍ ﴾ خَبَرًا مُقَدَّمًا وأنا مُبْتَدَأٌ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وسُبْحانَ اللَّهِ ﴾ أيْ وأُنَزِّهُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَنْزِيهًا مِنَ الشُّرَكاءِ وهو داخِلٌ تَحْتَ القَوْلِ وكَذا ﴿ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ .
(108) .
في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ والكَلامُ مُؤَكِّدٌ لِما سَبَقَ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( قُلْ هَذا سَبِيلِي ) عَلى التَّذْكِيرِ والسَّبِيلُ تُؤَنَّثُ وقَدْ تُذَكَّرُ <div class="verse-tafsir"
﴿ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ( لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ) نَفْيٌ لَهُ وقِيلَ: المُرادُ نَفْيُ اسْتِنْباءِ النِّساءِ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في سَجاحٍ بِنْتِ المُنْذِرِ المُنَبِّئَةِ الَّتِي يَقُولُ فِيها الشّاعِرُ: أمْسَتْ نَبِيَّتُنا أُنْثى نَطُوفُ بِها ولَمْ تَزَلْ أنْبِياءُ اللَّهِ ذُكْرانا ∗∗∗ فَلَعْنَةُ اللَّهِ والأقْوامِ كُلِّهِمْ ∗∗∗ عَلى سَجاحٍ ومَن بِالإفْكِ أغْرانا أعْنِي مُسَيْلِمَةَ الكَذّابَ لا سُقِيَتْ ∗∗∗ أصْداؤُهُ ماءَ مُزْنٍ أيْنَما كانا وهُوَ مِمّا لا صِحَّةَ لَهُ لِأنَّ ادِّعاءَها النُّبُوَّةَ كانَ بَعْدَ النَّبِيِّ وكَوْنُهُ إخْبارًا بِالغَيْبِ لا قَرِينَةَ عَلَيْهِ ﴿ نُوحِي إلَيْهِمْ ﴾ كَما أوْحَيْنا إلَيْكَ وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ ( يُوحى ) /بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وقِراءَةُ النُّونِ وهي قِراءَةُحَفْصٍ وطَلْحَةَ وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُوافَقَةٌ لَأرْسَلْنا ﴿ مِن أهْلِ القُرى ﴾ لِأنَّ أهْلَها كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: وهو مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ أعْلَمُ وأحْلَمُ مِن أهْلِ البادِيَةِ ولِذا يُقالُ: لِأهْلِ البادِيَةِ أهْلُ الجَفاءِ وذَكَرُوا أنَّ التَّبَدِّيَ مَكْرُوهٌ إلّا في الفِتَنِ وفي الحَدِيثِ «مَن بَدا جَفا» قالَ قَتادَةُ: ما نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ رَسُولًا قَطُّ إلّا مِن أهْلِ القُرى ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَمْ يُبْعَثْ رَسُولٌ مِن أهْلِ البادِيَةِ ولا مِنَ النِّساءِ ولا مِنَ الجِنِّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ ﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ آنِفًا.
﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ والآياتِ مِن قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ لُوطٍ وقَوْمِ صالِحٍ وسائِرِ مَن عَذَّبَهُ اللَّهُ تَعالى فَيَحْذَرُوا تَكْذِيبَكَ ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ عاقِبَةَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ المَشْغُوفِينَ بِالدُّنْيا المُتَهالِكِينَ عَلَيْها فَيُقْلِعُوا ويَكُفُّوا عَنْ حُبِّها وكَأنَّهُ لاحَظَ المُجَوِّزُ ما سَيُذْكَرُ والِاسْتِفْهامُ عَلى ما في البَحْرِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ﴿ ولَدارُ الآخِرَةِ ﴾ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ الكُوفِيَّةِ أيْ ولا الدّارُ الآخِرَةُ وقَدَّرَ البَصْرِيُّ مَوْصُوفًا أيْ ولَدارُ الحالِ أوِ السّاعَةِ أوِ الحَياةِ الآخِرَةِ وهو المُخْتارُ عِنْدَ الكَثِيرِ في مِثْلِ ذَلِكَ ﴿ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ .
(109) .
فَتَسْتَعْمِلُوا عُقُولَكم لِتَعْرِفُوا خَيْرِيَّةَ دارِ الآخِرَةِ فَتَتَوَسَّلُوا إلَيْها بِالِاتِّقاءِ قِيلَ: إنَّ هَذا مِن مَقُولِ ( قُلْ ) أيْ قُلْ لَهم مُخاطِبًا أفَلا تَعْقِلُونَ فالخِطابُ عَلى ظاهِرِهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ ﴾ إلى ﴿ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أوِ ﴿ اتَّقَوْا ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ مَقُولِ القَوْلِ واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم كَوْنَ هَذا التِفاتًا وقَرَأ جَماعَةٌ ( يَعْقِلُونَ ) بِالياءِ رَعْيًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ ﴾ غايَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ والتَّقْدِيرُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ لا يَغُرَّنَّهم تَمادِيهِمْ فِيما هم فِيهِ مِنَ الدَّعَةِ والرَّخاءِ فَإنَّ مَن قَبْلَهم قَدْ أُمْهِلُوا حَتّى يَئِسَ الرُّسُلُ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا أوْ مِن إيمانِهِمْ لِانْهِماكِهِمْ في الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ في الطُّغْيانِ مِن غَيْرِ وازِعٍ وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: التَّقْدِيرُ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا فَدَعَوْا قَوْمَهم فَكَذَّبُوهم وصَبَرُوا وطالَ دُعاؤُهم وتَكْذِيبُ قَوْمِهِمْ ﴿ حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ ﴾ ..
إلَخْ وقالَ القُرْطُبِيُّ: التَّقْدِيرُ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا ثُمَّ لَمْ نُعاقِبُ أُمَمَهم حَتّى إذا اسْتَيْأسَ ..
إلَخْ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّقْدِيرُ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا فَتَراخى النَّصْرُ حَتّى إذا ..
إلَخْ ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى وإنْ كانَ فِيهِ كَثْرَةُ حَذْفٍ والِاسْتِفْعالُ بِمَعْنى المُجَرَّدِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ ( وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا ) بِالتَّخْفِيفِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وطَلْحَةَ والأعْمَشِ والكُوفِيِّينَ واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ فَقِيلَ: الضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ لِلرُّسُلِ والظَّنُّ بِمَعْنى التَّوَهُّمِ لا بِمَعْناهُ الأصْلِيِّ ولا بِمَعْناهُ المَجازِيِّ أعْنِي اليَقِينَ وفاعِلُ ( كُذِبُوا ) المُقَدَّرُ إمّا أنْفُسُهم أوْ رَجاؤُهم فَإنَّهُ يُوصَفُ بِالصِّدْقِ والكَذِبِ أيْ كَذَبَتْهم أنْفُسُهم حِينَ حَدَّثَتْهم بِأنَّهم يُنْصَرُونَ أوْ كَذَبَهم رَجاؤُهُمُ النَّصْرَ والمَعْنى أنَّ مُدَّةَ التَّكْذِيبِ والعَداوَةِ مِنَ الكُفّارِ وانْتِظارِ النَّصْرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى قَدْ تَطاوَلَتْ وتَمادَتْ حَتّى اسْتَشْعَرُوا القُنُوطَ وتَوَهَّمُوا أنْ لا نَصْرَ لَهم في الدُّنْيا ﴿ جاءَهم نَصْرُنا ﴾ فَجْأةً وقِيلَ: الضَّمائِرُ كُلُّها لِلرُّسُلِ والظَّنُّ بِمَعْناهُ وفاعِلُ ( كُذِبُوا ) المُقَدَّرُ مَن أخْبَرَهم عَنِ اللَّهِ تَعالى ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَرَأ قَدْ ( كُذِبُوا ) مُخَفَّفَةً ثُمَّ قالَ: يَقُولُ أُخْلِفُوا وكانُوا بَشَرًا وتَلا ﴿ حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: فَذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى أنَّهم يَئِسُوا أوْ ضَعُفُوا فَظَنُّوا أنَّهم قَدْ أُخْلِفُوا ورَوى ذَلِكَ عَنْهُ البُخارِيُّ في الصَّحِيحِ واسْتُشْكِلَ هَذا بِأنَّ فِيهِ ما لا يَلِيقُ نِسْبَتُهُ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَلْ إلى صالِحِي الأُمَّةِ ولِذا نُقِلَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها ذَلِكَ فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُما مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَنْ هَذِهِ الآيَةِ قالَ: قُلْتُ أكُذِبُوا أمْ كُذِّبُوا فَقالَتْ عائِشَةُ بَلْ كُذِّبُوا يَعْنِي فَقُلْتُ: لَعَلَّهُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا مُخَفَّفَةً قالَتْ: مَعاذَ اللَّهِ تَعالى لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ لِتَظُنَّ ذَلِكَ بِرَبِّها قُلْتُ: فَما هَذِهِ الآيَةُ قالَتْ: هُمُ أتْباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وصَدَّقُوهم وطالَ عَلَيْهِمُ البَلاءُ واسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهم مِن قَوْمِهِمْ وظَنَّتِ الرُّسُلُ أنَّ أتْباعَهم قَدْ كَذَّبُوهم جاءَ نَصْرُ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ.
وأجابَ بَعْضُهم بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أرادَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِالظَّنِّ ما يَخْطِرُ بِالبالِ ويَهْجِسُ بِالقَلْبِ مِن شُبَهِ الوَسْوَسَةِ وحَدِيثِ النَّفْسِ عَلى ما عَلَيْهِ البَشَرِيَّةُ وذَهَبَ المَجْدُ بْنُ تَيْمِيَةَ إلى رُجُوعِ الضَّمائِرِ جَمِيعِها أيْضًا إلى الرُّسُلِ مائِلًا إلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُدَّعِيًا أنَّهُ الظّاهِرُ وأنَّ الآيَةَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ ﴾ فَإنَّ الإلْقاءَ في قَلْبِهِ وفي لِسانِهِ وفي عَمَلِهِ مِن بابٍ واحِدٍ واللَّهُ تَعالى يَنْسَخُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ قالَ: والظَّنُّ لا يُرادُ بِهِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ الِاعْتِقادُ الرّاجِحُ كَما هو في اصْطِلاحِ طائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ ويُسَمُّونَ الِاعْتِقادَ المَرْجُوحَ وهْمًا فَقَدْ قالَ : «إيّاكم والظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ» وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴾ فالِاعْتِقادُ المَرْجُوحُ هو ظَنٌّ وهو وهْمٌ وهَذا قَدْ يَكُونُ ذَنْبًا يُضْعِفُ الإيمانَ ولا يُزِيلُهُ وقَدْ يَكُونُ حَدِيثَ النَّفْسِ المَعْفُوَّ عَنْهُ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى تَجاوَزَ لِأُمَّتِي عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسُها ما لَمْ تَتَكَلَّمْ أوْ تَعْمَلْ» وقَدْ يَكُونُ مِن بابِ الوَسْوَسَةِ الَّتِي هي صَرِيحُ الإيمانِ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «أنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أحَدَنا لَيَجِدُ في نَفْسِهِ ما أنْ يُحْرَقَ حَتّى يَصِيرَ حِمَمًا أوْ يَخِرَّ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أحَبُّ إلَيْهِ مِن أنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ قالَ : أوَقَدْ وجَدْتُمُوهُ قالُوا: نَعَمْ قالَ: ذَلِكَ صَرِيحُ الإيمانِ» وفي حَدِيثٍ آخَرَ «إنَّ أحَدَنا لَيَجِدُ ما يَتَعاظَمُ أنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إلى الوَسْوَسَةِ» ونَظِيرُ هَذا ما صَحَّ مِن قَوْلِهِ : «نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ: ﴿ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ » فَسَمّى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ التَّفاوُتَ بَيْنَ الإيمانِ والِاطْمِئْنانِ شَكًّا بِإحْياءِ المَوْتى وعَلى هَذا يُقالُ: الوَعْدُ بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا لِشَخْصٍ قَدْ يَكُونُ الشَّخْصُ مُؤْمِنًا بِإنْجازِهِ ولَكِنْ قَدْ يَضْطَرِبُ قَلْبُهُ فِيهِ فَلا يَطْمَئِنُّ فَيَكُونُ فَواتُ الِاطْمِئْنانِ ظَنًّا أنَّهُ كَذِبٌ فالشَّكُّ وظَنُّ أنَّهُ كَذِبٌ مِن بابٍ واحِدٍ وهَذِهِ الأُمُورُ لا تَقْدَحُ في الإيمانِ الواجِبِ وإنْ كانَ فِيها ما هو ذَنْبٌ فالأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعْصُومُونَ مِنَ الإقْرارِ عَلى ذَلِكَ كَما في أفْعالِهِمْ عَلى ما عُرِفَ مِن أُصُولِ السُّنَّةِ والحَدِيثِ وفي قَصِّ مِثْلِ ذَلِكَ عِبْرَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهم لا بُدَّ أنْ يُبْتَلَوْا بِما هو أكْثَرُ مِن ذَلِكَ فَلا يَيْأسُوا إذا ابْتُلُوا ويَعْلَمُونَ أنَّهُ قَدِ ابْتُلِيَ مَن هو خَيْرٌ مِنهم وكانَتِ العاقِبَةُ إلى خَيْرٍ فَيَتَيَقَّنُ المُرْتابُ ويَتُوبُ المُذْنِبُ ويَقْوى إيمانُ المُؤْمِنِ وبِذَلِكَ يَصِحُّ الِاتِّساءُ بِالأنْبِياءِ ومِن هُنا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ ﴾ ولَوْ كانَ المَتْبُوعُ مَعْصُومًا مُطْلَقًا لا يَتَأتّى الِاتِّساءُ فَإنَّهُ يَقُولُ: التّابِعُ أنا لَسْتُ مِن جِنْسِهِ فَإنَّهُ لا يُذَكَّرُ بِذَنْبٍ فَإذا أذْنَبَ اسْتَيْأسَ مِنَ المُتابَعَةِ والِاقْتِداءِ لِما أتى بِهِ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي يُفْسِدُ المُتابِعَةَ عَلى القَوْلِ بِالعِصْمَةِ بِخِلافِ ما إذا عُلِمَ أنَّهُ قَدْ وقَعَ شَيْءٌ وجُبِرَ بِالتَّوْبَةِ فَإنَّهُ يَصِحُّ حِينَئِذٍ أمْرُ المُتابَعَةِ كَما قِيلَ: أوَّلُ مَن أذْنَبَ وأجْرَمَ ثُمَّ تابَ ونَدِمَ أبُو البَشَرِ آدَمُ.
ومَن يُشابِهْ أبَهُ فَما ظَلَمَ ولا يَلْزَمُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ فِيما نُهُوا عَنْهُ ووَقَعَ مِنهم ثُمَّ تابُوا عَنْهُ لِتَحَقُّقِ الأمْرِ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ فِيما أقَرُّوا عَلَيْهِ ولَمْ يُنْهَوْا عَنْهُ ووَقَعَ مِنهم ولَمْ يَتُوبُوا مِنهُ وما ذُكِرَ لَيْسَ بِدُونِ المَنسُوخِ مِن أفْعالِهِمْ وإذا كانَ ما أُمِرُوا بِهِ وأُبِيحَ لَهم ثُمَّ نُسِخَ تَنْقَطِعُ فِيهِ المُتابِعَةُ فَما لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ ووَقَعَ مِنهم وتابُوا عَنْهُ أحْرى وأوْلى بِانْقِطاعِ المُتابَعَةِ فِيهِ.
اهَـ.
ولا يَخْفى أنْ ما ذَكَرَهُ مُسْتَلْزِمٌ لِجَوازِ وُقُوعِ الكَبائِرِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وحاشاهم مِن غَيْرِ أنْ يُقِرُّوا عَلى ذَلِكَ والقَوْلُ بِهِ جَهْلٌ عَظِيمٌ ولا يُقْدِمُ عَلَيْهِ ذُو قَلْبٍ سَلِيمٍ عَلى أنَّ في كَلامِهِ بُعْدٌ ما فِيهِ ولَيْتَهُ اكْتَفى بِجَعْلِ الضَّمائِرِ لِلرُّسُلِ وتَفْسِيرِ الظَّنِّ بِالتَّوَهُّمِ كَما فَعَلَ غَيْرُهُ فَإنَّهُ ما لا بَأْسَ بِهِ وكَذا لا بَأْسَ في حَمْلِ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى أنَّهُ أرادَ بِالظَّنِّ فِيهِ ما هو عَلى طَرِيقِ الوَسْوَسَةِ ومِثالُها مِن حَدِيثِ النَّفْسِ فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ الوَسْوَسَةِ المُنَزَّهِ عَنْها الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ عَلى أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ المُبالَغَةَ في التَّراخِي وطُولِ المُدَّةِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِأنَّ شُبَهَ المُبالَغَةِ في التَّراخِي بِظَنِّ الكَذِبِ بِاعْتِبارٍ اسْتَلْزَمَ كُلٌّ مِنهُما لِعَدَمِ تَرَتُّبِ المَطْلُوبِ فاسْتُعْمِلَ ما لِأحَدِهِما في الآخَرِ وقِيلَ: إنَّ الضَّمائِرَ الثَّلاثَةَ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ لِأنَّ ذِكْرَ الرُّسُلِ مُتَقاضٍ ذاكَ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: أمِنَكَ البَرْقَ أرْقُبُهُ فَهاجا ∗∗∗ وبِتُّ أخالُهُ دَهْمًا خِلاجا فَإنَّ ضَمِيرَ أخالُهُ لِلرَّعْدِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِهِ بَلِ اكْتَفى بِوَمِيضِ البَرْقِ عَنْهُ وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: إنَّ ذِكْرَهم قَدْ جَرى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ مِمَّنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمَعْنى ظَنَّ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهم فِيما ادَّعُوهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وفِيما وعَدُوا بِهِ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنَ العِقابِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا فَقَدْ أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم مِن طُرُقٍ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( كُذِبُوا ) مُخَفَّفَةً ويَقُولُ: حَتّى إذا يَئِسَ الرُّسُلُ مِن قَوْمِهِمْ أنْ يَسْتَجِيبُوا لَهم وظَنَّ قَوْمُهم أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهم فِيما جاءُوا بِهِ جاءَ الرُّسُلَ نَصْرُنا ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كُلْثُومٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي أنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسارٍ سَألَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَقالَ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ آيَةٌ قَدْ بَلَغَتْ مِنِّي كُلَّ مَبْلَغٍ ﴿ حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا ﴾ فَإنَّ المَوْتَ أنْ تَظُنَّ الرُّسُلَ أنَّهم قَدْ كَذَّبُوا مُثَقَّلَةً أوْ تَظُنُّ أنَّهم قَدْ كُذِبُوا مُخَفَّفَةً فَقالَ سَعِيدٌ: حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِن قَوْمِهِمْ أنْ يَسْتَجِيبُوا لَهم وظَنَّ قَوْمُهم أنَّ الرُّسُلَ كَذَبَتْهم جاءَهم نَصْرُنا فَقامَ مُسْلِمٌ إلَيْهِ فاعْتَنَقَهُ وقالَ: فَرَّجَ اللَّهُ تَعالى عَنْكَ كَما فَرَّجْتَ عَنِّي ورُوِيَ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الضَّحّاكِ فَقالَ لَهُ: لَوْ رَحَلْتُ في هَذِهِ إلى اليَمَنِ لَكانَ قَلِيلًا وقِيلَ: ضَمِيرُ ( ظَنُّوا ) لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ وضَمِيرُ ( أنَّهم ) و( كُذِبُوا ) لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أيْ وظَنُّوا أنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أُخْلِفُوا فِيما وُعِدَ لَهم مِنَ النَّصْرِ وخَلَطَ الأمْرُ عَلَيْهِمْ وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ والحَسَنُ وقَتادَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وأبُو رَجاءٍ وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ والأعْرَجُ وعائِشَةُ في المَشْهُورِ ( كُذِّبُوا ) بِالتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ والضَّمائِرُ عَلى هَذا لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أيْ ظَنَّ الرُّسُلُ أنَّ أُمَمَهم كَذَّبُوهم فِيما جاءُوا بِهِ لِطُولِ البَلاءِ عَلَيْهِمْ فَجاءَهم نَصْرُ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ وهو تَفْسِيرُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها الَّذِي رَواهُ البُخارِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ والظَّنُّ بِمَعْناهُ أوْ بِمَعْنى اليَقِينِ أوِ التَّوَهُّمِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ أنَّهم قَرَؤُوا ( كُذِبُوا ) مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ فَضَمِيرُ ( ظَنُّوا ) لِلْأُمَمِ وضَمِيرُ ﴿ أنَّهم قَدْ كُذِبُوا ﴾ لِلرُّسُلِ أيْ ظَنَّ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا فِيما وعَدُوهم بِهِ مِنَ النَّصْرِ أوِ العِقابِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿ ظَنُّوا ﴾ لِلرُّسُلِ وضَمِيرُ ﴿ أنَّهم قَدْ كُذِبُوا ﴾ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ أيْ ظَنَّ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّ الأُمَمَ كَذَّبَتْهم فِيما وعَدُوهم بِهِ مِن أنَّهم يُؤْمِنُونَ والظَّنُّ الظّاهِرُ كَما قِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى اليَقِينِ وقُرِئَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ: ( كَذَّبُوا ) بِالتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ وأوَّلُ ذَلِكَ بِأنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ظَنُّوا أنَّ الأُمَمَ قَدْ كَذَّبُوهم في وعْدِهِمْ هَذا والمَشْهُورُ اسْتِشْكالُ الآيَةِ مِن جِهَةِ أنَّها مُتَضَمِّنَةٌ ظاهِرًا عَلى القِراءَةِ الأُولى نِسْبَةَ ما لا يَلِيقُ مِنَ الظَّنِّ إلى الأنْبِياءِ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ واسْتَشْكَلَ بَعْضُهم نِسْبَةَ الِاسْتِيئاسِ إلَيْهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُمُ اسْتَيْأسُوا مِمّا وُعِدُوا بِهِ وأُخْبِرُوا بِكَوْنِهِ فَإنَّ ذَلِكَ أيْضًا مِمّا لا يَلِيقُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِمْ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يُرادُ ذَلِكَ وإنَّما يُرادُ أنَّهُمُ اسْتَيْأسُوا مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُبْعِدُهُ عَطْفُ ﴿ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا ﴾ الظّاهِرِ في أنَّهم ظَنُّوا كَوْنَهم مَكْذُوبِينَ فِيما وعَدُوا بِهِ عَلَيْهِ.
وذَكَرَ المَجْدُ في هَذا المَقامِ غَيْرَ ما ذَكَرَهُ أوَّلًا وهو أنَّ الِاسْتِيئاسَ وظَنَّ أنَّهم مَكْذُوبِينَ كِلَيْهِما مُتَعَلِّقانِ بِما ضُمَّ لِلْمَوْعُودِ بِهِ اجْتِهادًا وذَلِكَ أنَّ الخَبَرَ عَنِ اسْتِيئاسِهِمْ مُطْلَقٌ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى تَقْيِيدِهِ بِما وُعِدُوا بِهِ وأُخْبِرُوا بِكَوْنِهِ وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا وعَدَ الرُّسُلَ بِنَصْرٍ مُطْلَقٍ كَما هو غالِبُ إخْباراتِهِ لَمْ يُعَيَّنْ زَمانُهُ ولا مَكانُهُ ولا صِفَتُهُ فَكَثِيرًا ما يَعْتَقِدُ النّاسُ في المَوْعُودِ بِهِ صِفاتٍ أُخْرى لَمْ يَدُلَّ عَلَيْها خِطابُ الحَقِّ تَعالى بَلِ اعْتَقَدُوها بِأسْبابٍ أُخْرى كَما اعْتَقَدَ طائِفَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم إخْبارَ النَّبِيِّ لَهم أنَّهم يَدْخُلُونَ المَسْجِدَ الحَرامَ ويَطُوفُونَ بِهِ أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عامَ الحُدَيْبِيَةَ لِأنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ مُعْتَمِرًا ورَجا أنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ ذَلِكَ العامَ ويَطُوفَ ويَسْعى فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِن ذَلِكَ ذَلِكَ العامَ لَمّا صَدَّهُمُ المُشْرِكُونَ حَتّى قاضاهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الصُّلْحِ المَشْهُورِ بَقِيَ في قَلْبِ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَعَ أنَّهُ كانَ مِنَ المُحَدِّثِينَ: ألَمْ تُخْبِرْنا يا رَسُولَ اللَّهِ أنّا نَدْخُلُ البَيْتَ ونَطُوفُ قالَ: بَلى أفَأخْبَرْتُكَ إنَّكَ تَدْخُلُهُ هَذا العامَ قالَ: لا قالَ: إنَّكَ داخِلُهُ ومُطَوِّفٌ بِهِ وكَذَلِكَ قالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَبَيَّنَ لَهُ أنَّ الوَعْدَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ وكَوْنُهُ سَعى في ذَلِكَ العامِ إلى مَكَّةَ وقَصَدَها لا يُوجِبُ تَخْصِيصًا لِوَعْدِهِ تَعالى بِالدُّخُولِ في تِلْكَ السَّنَةِ ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما سَعى بِناءً عَلى ظَنِّ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ ولا مَحْذُورَ في ذَلِكَ فَلَيْسَ مِن شَرْطِ النَّبِيِّ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما قَصَدَهُ بَلْ مِن تَمامِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ أنْ يَأْخُذَ بِهِ عَمّا يَقْصِدُهُ إلى أمْرٍ آخَرَ هو أنْفَعُ مِمّا قَصَدَهُ إنْ كانَ كَما كانَ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ ولا يَضُرُّ أيْضًا خُرُوجُ الأمْرِ عَلى خِلافِ ما يَظُنُّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ في تَأْبِيرِ النَّخْلِ: إنَّما ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلا تُؤاخِذُونِي بِالظَّنِّ ولَكِنْ إذا حَدَّثْتُكم عَنِ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإنِّي لَنْ أكْذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى» ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ في حَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ: «ما قُصِرَتِ الصَّلاةَ ولا نَسِيتُ» ثُمَّ تَبَيَّنَ النِّسْيانُ وفي قِصَّةِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ النّازِلِ فِيها ﴿ إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾ الآيَةَ وقِصَّةِ بَنِي أُبَيْرِقٍ النّازِلِ فِيها ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ ما فِيهِ كِفايَةٌ في العِلْمِ بِأنَّهُ قَدْ يَظُنُّ الشَّيْءَ فَيُبَيِّنُهُ اللَّهُ تَعالى عَلى وجْهٍ آخَرَ وإذا كانَ رَسُولُ اللَّهِ وهو هو هَكَذا فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومِمّا يَزِيدُ هَذا قُوَّةً أنَّ جُمْهُورَ المُحَدِّثِينَ والفُقَهاءِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الِاجْتِهادُ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ ويَجُوزُ عَلَيْهِمُ الخَطَأُ في ذَلِكَ لَكِنْ لا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لا شَكَّ أنَّ هَذا دُونَ الخَطَأِ في ظَنِّ ما لَيْسَ مَنِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ في شَيْءٍ وإذا تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ أُولَئِكَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أُخْبِرُوا بِعَذابِ قَوْمِهِمْ ولَمْ يُعَيَّنَ لَهم وقْتٌ لَهُ فاجْتَهَدُوا وعَيَّنُوا لِذَلِكَ وقْتًا حَسْبَما ظَهَرَ لَهم كَما عُيِّنَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ لِدُخُولِ مَكَّةَ فَلَمّا طالَتِ المُدَّةُ اسْتَيْأسُوا وظَنُّوا كَذِبَ أنْفُسِهِمْ وغَلَطَ اجْتِهادُهم ولَيْسَ في ذَلِكَ ظَنٌّ بِكَذِبِ وعْدِهِ تَعالى ولا مُسْتَلْزِمًا لَهُ أصْلًا فَلا مَحْذُورَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأوْفَقَ بِتَعْظِيمِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والأبْعَدُ عَنِ الحَوْمِ حَوْلَ حِمى ما لا يَلِيقُ بِهِمُ القَوْلُ بِنِسْبَةِ الظَّنِّ إلى غَيْرِهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ ﴿ جاءَهُمْ ﴾ عَلى سائِرِ القِراءاتِ والوُجُوهِ لِلرُّسُلِ وقِيلَ: إنَّهُ راجِعٌ إلَيْهِمْ وإلى المُؤْمِنِينَ جاءَ الرُّسُلَ ومَن آمَنَ بِهِمْ نَصْرُنا ﴿ فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ﴾ أنْجاهُ وهُمُ الرُّسُلُ والمُؤْمِنُونَ بِهِمْ وإنَّما لَمْ يُعَيَّنُوا لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُمُ الَّذِينَ يَسْتَأْهِلُونَ أنْ يَشاءَ نَجاتَهم ولا يُشارِكُهم فِيهِ غَيْرُهم.
وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ ( فَنُجِّيَ ) بِنُونٍ واحِدَةٍ وجِيمٍ مُشَدَّدَةٍ وياءٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى أنَّهُ ماضٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ و( مَن ) نائِبُ الفاعِلِ وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ وطَلْحَةُ وابْنُ هُرْمُزَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم سَكَّنُوا الياءَ وخُرِّجَتْ عَلى أنَّ الفِعْلَ ماضٍ أيْضًا كَما في القِراءَةِ الَّتِي قَبْلَها إلّا أنَّهُ سُكِّنَتِ الياءُ عَلى لُغَةِ مَن يَسْتَثْقِلُ الحَرَكَةَ عَلى الياءِ مُطْلَقًا ومِنهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ( ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم ) بِسُكُونِ الياءِ وقِيلَ: الأصْلُ نُنْجِي بِنُونَيْنِ فَأُدْغِمُ النُّونُ في الجِيمِ ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّها لا تُدْغَمُ فِيها وتُعُقِّبَ بِأنَّ بَعْضَهم قَدْ ذَهَبَ إلى جَوازِ إدْغامِها ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الكِسائِيِّ ونافِعٍ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ كَما قَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِنُونَيْنِ مُضارِعُ أُنْجِيَ إلّا أنَّهم فَتَحُوا الياءَ ورَواها هُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ مِن هُبَيْرَةَ إذْ لا وجْهَ لِلْفَتْحِ وفِيهِ أنَّ الوَجْهَ ظاهِرٌ فَقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الشَّرْطَ والجَزاءَ يَجُوزُ أنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُما المُضارِعُ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الفاءِ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ ( وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرَ ) بِنَصْبِ يَغْفِرَ ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ أداةُ الشَّرْطِ جازِمَةً أوْ غَيْرَ جازِمَةٍ.
وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ السَّمَيْقَعِ وعِيسى البَصْرَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وكَذا الحَسَنُ ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ ( فَنَجا ) ماضِيًا مُخَفَّفًا و( مَن ) فاعِلُهُ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ شَدَّدَ الجِيمَ والفاعِلُ حِينَئِذٍ ضَمِيرُ النَّصْرِ و( مَن ) مَفْعُولُهُ وقَدْ رُجِّحَتْ قِراءَةُ عاصِمٍ ومَن مَعَهُ بِأنَّ المَصاحِفَ اتَّفَقَتْ عَلى رَسْمِها بِنُونٍ واحِدَةٍ وقالَ مَكِّيٌّ: أكْثَرُ المَصاحِفِ عَلَيْهِ فَأشْعُرُ بِوُقُوعِ خِلافٍ في الرَّسْمِ وحِكايَةُ الِاتِّفاقِ نُقِلَتْ عَنِ الجَعْبَرِيِّ وابْنِ الجَزَرِيِّ وغَيْرِهِما وعَنِ الجَعْبَرِيِّ أنَّ قِراءَةَ مَن قَرَأ بِنُونَيْنِ تُوافِقُ الرَّسْمَ تَقْدِيرًا لِأنَّ النُّونَ الثّانِيَةَ ساكِنَةٌ مُخْفاةٌ عِنْدَ الجِيمِ كَما هي مُخْفاةٌ عِنْدَ الصّادِ والظّاءِ في ( لَنَنْصُرُ ) والإخْفاءُ لِكَوْنِهِ سَتْرًا يُشْبِهُ الإدْغامَ لِكَوْنِهِ تَغْيِيبًا فَكَما يُحْذَفُ عِنْدَ الإدْغامِ يُحْذَفُ عِنْدَ الإخْفاءِ بَلْ هو عِنْدَهُ أوْلى لِمَكانِ الِاتِّصالِ وعَنْ أبِي حَيْوَةَ أنَّهُ قَرَأ ( فَنُجِّيَ مَن يَشاءُ ) بِياءِ الغَيْبَةِ أيْ مَن يَشاءُ اللَّهُ تَعالى نَجاتَهُ ﴿ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا ﴾ عَذابُنا ﴿ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ﴾ .
(110) .
إذا نَزَلَ بِهِمْ وفِيهِ بَيانٌ لِمَن تَعَلَّقَ بِهِمُ المَشِيئَةُ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِنَ المُقابَلَةِ أنَّهم مَن لَيْسُوا بِمُجْرِمِينَ وقَرَأ الحَسَنُ ( بَأْسُهُ ) بِضَمِيرِ الغائِبِ أيْ بَأْسُ اللَّهِ تَعالى ولا يَخْفى ما في الجُمْلَةِ مِنَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ لِمُعاصِرِي النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ <div class="verse-tafsir"
﴿ لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ ﴾ أيْ قَصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأُمَمِهِمْ وقِيلَ: قَصَصُ يُوسُفَ وأبِيهِ وإخْوَتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وقِيلَ: قَصَصُ أُولَئِكَ وهَؤُلاءِ والقَصَصُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ ورَجَّحَ الزَّمَخْشَرِيُّ الأوَّلَ بِقِراءَةِ أحْمَدَ بْنِ جُبَيْرٍ الأنْطاكِيِّ عَنِ الكِسائِيِّ وعَبْدِ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو ( قِصَصِهِمْ ) بِكَسْرِ القافِ جَمْعُ قِصَّةٍ ورُدَّ بِأنَّ قِصَّةَ يُوسُفَ وأبِيهِ وإخْوَتِهِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى قِصَصٍ وأخْبارٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلى أنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ الجَمْعُ عَلى الواحِدِ وفِيهِ أنَّهُ كَما قِيلَ إلّا أنَّهُ خِلافُ المُتَبادَرِ المُعْتادِ فَإنَّهُ يُقالُ في مِثْلِهِ قِصَّةُ قِصَصٍ واقْتَصَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى القَوْلِ الثّالِثِ وهو ظاهِرٌ في اخْتِيارِهِ ﴿ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ ﴾ أيْ لِذَوِي العُقُولِ المُبَرَّأةِ عَنِ الأوْهامِ النّاشِئَةِ عَنِ الإلْفِ والحِسِّ وأصْلُ اللُّبِّ الخالِصُ مِنَ الشَّيْءِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى ما زَكا مِنَ العَقْلِ فَكُلُّ لُبٍّ عَقَلٌ ولَيْسَ كُلُّ عَقْلٍ لُبًّا وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ اللُّبَّ هو العَقْلُ مُطْلَقًا وسُمِّي بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ خالِصَ ما في الإنْسانِ مِن قُواهُ ولَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ إلّا جَمْعًا والعِبْرَةُ كَما قالَ الرّاغِبُ الحالَةُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِها مِن مَعْرِفَةِ المَشاهِدِ إلى ما لَيْسَ بِمَشاهِدَ وفي البَحْرِ أنَّها الدَّلالَةُ الَّتِي تَعْبُرُ بِها إلى العِلْمِ ﴿ ما كانَ ﴾ أيِ القُرْآنُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِما سَبَقَ دَلالَةً واضِحَةً واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى القَصَصِ فِيما قَبْلُ واخْتارَ بَعْضُهُمُ الأوَّلَ لِأنَّهُ يَجْرِي عَلى القِراءَتَيْنِ بِخِلافِ عَوْدِهِ إلى المُتَقَدِّمِ فَإنَّهُ لا يَجْرِي عَلى قِراءَةِ القِصَصِ بِكَسْرِ القافِ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ وجَوَّزَ بَعْضُهم عَوْدَهُ إلى القَصَصِ في القِراءَةِ بِهِ وإلَيْهِ في ضِمْنِ المَكْسُورِ في القِراءَةِ بِهِ وكَذا إلى المَكْسُورِ نَفْسِهِ والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ وهو كَما تَرى ﴿ حَدِيثًا يُفْتَرى ﴾ أيْ يُخْتَلَقُ ﴿ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ﴿ وتَفْصِيلَ ﴾ أيْ تَبْيِينَ ﴿ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ قِيلَ: أيْ مِمّا يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ إذْ ما مِن أمْرٍ دِينِيٍّ إلّا وهو يَسْتَنِدُ إلى القُرْآنِ بِالذّاتِ أوْ بِوَسَطٍ وقالَ ابْنُ الكَمالِ: إنَّ ( كُلِّ ) لِلتَّكْثِيرِ والتَّفْخِيمِ لا لِلْإحاطَةِ والتَّعْمِيمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ومَن لَمْ يَنْتَبِهْ لِهَذا احْتاجَ إلى تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ ثُمَّ تَكَلَّفَ في بَيانِهِ فَقالَ: إذْ ما مِن أمْرٍ ..
إلَخْ ولَمْ يَدْرِ أنَّ عِبارَةَ التَّفْصِيلِ لا تَتَحَمَّلُ هَذا التَّأْوِيلَ ورُدَّ بِأنَّهُ مَتى أمْكَنَ حَمْلُ كَلِمَةِ ( كُلِّ ) عَلى الِاسْتِغْراقِ الحَقِيقِيِّ لا يُحْمَلُ عَلى غَيْرِهِ والتَّخْصِيصُ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ عَلى أنَّهُ نَفْسَهُ قَدِ ارْتَكَبَ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ وكَوْنُ عِبارَةِ التَّفْصِيلِ لا تَتَحَمَّلُ ذَلِكَ التَّأْوِيلَ في حَيِّزِ المَنعِ ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ ( كُلِّ ) عَلى الِاسْتِغْراقِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ذاهِبًا إلى أنَّ في القُرْآنِ تَبْيِينَ كُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا شاءَ اللَّهُ تَعالى ولَكِنَّ مَراتِبَ التَّبْيِينِ مُتَفاوِتَةٌ حَسَبَ تَفاوُتِ ذَوِي العِلْمِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِالبَعِيدِ عِنْدَ مَن لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ وقِيلَ: المُرادُ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ واقِعٍ لِيُوسُفَ وأبِيهِ وإخْوَتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِمّا يُهْتَمُّ بِهِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في ( كانَ ) لِقَصَصِهِمْ ﴿ وهُدًى ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ ﴿ ورَحْمَةً ﴾ يَنالُ بِها خَيْرَ الدّارَيْنِ ﴿ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
(111) .
يُصَدِّقُونَ تَصْدِيقًا بِهِ وخُصُّوا بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ ونُصِبَ ﴿ تَصْدِيقَ ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ مَحْذُوفًا أيْ ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ والإخْبارُ بِالمَصْدَرِ لا يَخْفى أمْرُهُ.
وقَرَأ حُمْرانُ بْنُ أعْيُنَ وعِيسى الكُوفَةُ فِيما ذَكَرَ صاحِبُ اللَّوامِحِ وعِيسى الثَّقَفِيُّ فِيما ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ ( تَصْدِيقُ ) بِالرَّفْعِ وكَذا بِرَفْعِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ ولَكِنْ هو تَصْدِيقُ ..
إلَخْ وقَدْ سُمِعَ مِنَ العَرَبِ في مِثْلِ ذَلِكَ الرَّفْعُ والنَّصْبُ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: وما كانَ مالِي مِن تُراثٍ ورِثْتُهُ ولا دِيَةَ كانَتْ ولا كَسْبَ مَأْثَمِ ولَكِنَّ عَطاءَ اللَّهِ مِن كُلِّ رِحْلَةٍ ∗∗∗ إلى كُلِّ مَحْجُوبِ السُّرَدِاقِ خَضْرَمِ فَإنَّهُ رُوِيَ بِنَصْبِ عَطاءً ورَفْعِهِ هَذا واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
* * * ( ومِن بابِ الإشارَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ ) قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ ﴾ وهو اقْتِصاصُ ما جَرى لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأبِيهِ وإخْوَتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنَّما كانَ ذَلِكَ أحْسَنَ القَصَصِ لِتَضَمُّنِهِ ذِكْرَ العاشِقِ والمَعْشُوقِ وذَلِكَ مِمّا تَرْتاحُ لَهُ النُّفُوسُ أوْ لِما فِيهِ مِن بَيانِ حَقائِقِ مَحَبَّةِ المُحِبِّينَ وصَفاءِ سِرِّ العارِفِينَ والتَّنْبِيهُ عَلى حُسْنِ عَواقِبِ الصّادِقِينَ والحَثُّ عَلى سُلُوكِ سَبِيلِ المُتَوَكِّلِينَ والِاقْتِداءُ بِزُهْدِ الزّاهِدِينَ والدَّلالَةُ عَلى الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى والِاعْتِمادُ عَلَيْهِ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدائِدِ والكَشْفُ عَنْ أحْوالِ الخائِنِينَ وقُبْحُ طَرائِقِ الكاذِبِينَ وابْتِلاءُ الخَواصِّ بِأنْواعِ المِحَنِ وتَبْدِيلُها بِأنْواعِ الألْطافِ والمِنَنِ مَعَ ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى سِياسَةِ المُلُوكِ وحالِهِمْ مَعَ رَعِيَّتِهِمْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وقِيلَ: لِخُلُوِّ ذَلِكَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي يَشْغَلُ سَماعُها القَلْبَ ﴿ إذْ قالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يا أبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ هَذِهِ أوَّلُ مَبادِي الكُشُوفِ فَقَدْ ذَكَرُوا أنَّ أحْوالَ المُكاشِفِينَ أوائِلُها المَناماتُ فَإذا قَوِيَ الحالُ تَصِيرُ الرُّؤْيا كَشْفًا قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ سَلَكَ بِهِ نَحْوًا مِمّا سَلَكَ بِرَسُولِ اللَّهِ وذَلِكَ أنَّهُ بُدِئَ بِالرُّؤْيا الصّادِقَةِ كَما بُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ بِها فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا كانَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الخَلاءُ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ ﴾ كَما حُبِّبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكانَ يَتَحَنَّثُ في غارِ حِراءَ اللَّيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ وفِيهِ أنَّ حَدِيثَ السِّجْنِ بَعْدَ إيتاءِ النُّبُوَّةِ فَتَدَبَّرْ.
وذَكَرَ بَعْضُ الكِبارِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ آدَمَ الثّانِيَ لِما كانَ عَلَيْهِ مِن كُسْوَةِ الرُّبُوبِيَّةِ ما كانَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو مَجْلى الحَقِّ لِلْخَلْقِ لَوْ يَعْلَمُونَ فَلَمّا رَأتِ المَلائِكَةُ ما رَأتْ مِن آدَمَ سَجَدُوا لَهُ وها هُنا سَجَدَ لِيُوسُفَ مَن سَجَدَ وهُمُ الشَّمْسُ والقَمَرُ والكَواكِبُ المَعْدُودَةُ المُشارُ بِهِمْ إلى أبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ الَّذِينَ هم عَلى القَوْلِ بِنُبُوَّتِهِمْ خَيْرٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولا بِدْعَ إذْ سَجَدُوا لِمَن يَتَلَأْلَأُ مِن وجْهِهِ الأنْوارُ القُدُسِيَّةُ والأشِعَّةُ السُّبُوحِيَّةُ.
لَوْ يَسْمَعُونَ كَما سَمِعْتُ حَدِيثَها خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعًا وسُجُودا وقَدْ يُقالُ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى في وجْنَةِ الكَوْكَبِ ونُقْطَةِ حالِ القَمَرِ وأُسْرَةِ جَبِينِ الشَّمْسِ أماراتِ الحَدَثانِ وصَرَفَ وجْهَهُ عَنْها مُتَوَجِّهًا إلى ساحَةِ القِدَمِ المُنَزَّهَةِ عَنِ التَّغَيُّرِ المَصُونَةِ عَمّا يُوجِبُ النَّقْصَ قائِلًا: ﴿ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ﴾ أسْجَدَ اللَّهُ تَعالى الشَّمْسَ والقَمَرَ وأسْجَدَ بَدَلَ الكَواكِبِ كَواكِبَ لِبَعْضِ بَنِيهِ إعْظامًا لِأمْرِهِ ومُبالَغَةً في تَنْزِيهِ جَلالِ الكِبْرِياءِ وحَيْثُ تَأخَّرَتِ البَراءَةُ إلى الثّالِثِ تَأخَّرَ أمْرُ الإسْجادِ إلى ثالِثِ البَنِينَ ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا إلّا بَيانَ بَعْضٍ مِن أسْرارِ تَخْصِيصِ المَذْكُورِ بِالإراءَةِ مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ هُناكَ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ رُؤْياهُ ساجِدًا مُعَبِّرًا بِسُجُودِ أبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ لَهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في عالَمِ الحُسْنِ فَتَدَبَّرْ.
﴿ قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى بَعْضِ آدابِ المُرِيدِينَ فَقَدْ قالُوا: إنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهم أنْ يُفْشُوا سِرَّ المُكاشَفَةِ إلّا لِشُيُوخِهِمْ وألّا يَقَعُوا في ورْطَةٍ ويَكُونُوا مُرْتَهِنِينَ بِعُيُونِ الغَيْرَةِ.
بِالسِّرِّ إنْ باحُوا تُباحُ دِماؤُهم وكَذا دِماءُ البائِحِينَ تُباحُ ﴿ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ﴾ هَذا مِنَ الإلْهاماتِ المُجْمَلَةِ وهي إنْذاراتٌ وبِشاراتٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلِمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ مِنَ الرُّؤْيا قالَ بَعْضُهم: إنَّ يَعْقُوبَ دَبَّرَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِما السَّلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ خَوْفًا عَلَيْهِ فَوُكِلَ إلى تَدْبِيرِهِ فَوَقَعَ بِهِ ما وقَعَ ولَوْ تَرَكَ التَّدْبِيرَ ورَجَعَ إلى التَّسْلِيمِ لَحُفِظَ ﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ ﴾ وذَلِكَ كَسَواطِعِ نُورِ الحَقِّ مِن وجْهِهِ وظُهُورِ عِلْمِ الغَيْبِ مِن قِبَلِهِ ومَزِيدِ الكَرَمِ مِن أفْعالِهِ وحُسْنِ عُقْبى الصَّبْرِ مِن عاقِبَتِهِ وكَسُوءِ حالِ الحاسِدِ وعَدَمِ نَقْضِ ما أبْرَمَهُ اللَّهُ تَعالى وغَيْرِ ذَلِكَ وقالَ بَعْضُهم: إنَّ مِنَ الآياتِ في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ حُجَّةٌ عَلى كُلِّ مَن حَسَّنَ اللَّهُ تَعالى خَلْقَهُ أنْ لا يُشَوِّهَهُ بِمَعْصِيَتِهِ ومَن لَمْ يُراعِ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى فَعَصى كانَ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالكَنِيفِ المُبَيَّضِ والرَّوْثِ المُفَضَّضِ.
وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: مِنَ الآياتِ أنْ لا يَسْمَعَ هَذِهِ القِصَّةَ مَحْزُونٌ مُؤْمِنٌ بِها إلّا اسْتَرْوَحَ وتَسَرّى بِهِ ما فِيهِ ﴿ وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ ﴾ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ بُكاءَ فَرَحٍ بِظَفَرِهِمْ بِمَقْصُودِهِمْ لَكِنَّهم أظْهَرُوا أنَّهُ بُكاءُ حُزْنٍ عَلى فَقْدِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ بُكاءً حَقِيقَةً وإنَّما هو تَباكٍ مِن غَيْرِ عَبْرَةٍ، وجاءَوُا عِشاءً لِيَكُونُوا أجْرَأ في الظُّلْمَةِ عَلى الِاعْتِذارِ أوْ لِيُدَلِّسُوا عَلى أبِيهِمْ ويُوهِمُوهُ أنَّ ذَلِكَ بُكاءٌ حَقِيقَةً لا تَباكٍ فَإنَّهم لَوْ جاءُوا ضُحًى لافْتُضِحُوا.
إذا اشْتَبَكَتْ دُمُوعٌ في خُدُودٍ ∗∗∗ تَبَيَّنَ مَن بَكى مِمَّنْ تَباكى ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ وهو السُّكُونُ إلى مَوارِدِ القَضاءِ سِرًّا وعَلَنًا وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: الصَّبْرُ الجَمِيلُ أنْ يَتَلَقّى البَلاءَ بِقَلْبٍ رَحِيبٍ ووَجْهٍ مُسْتَبْشِرٍ وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هو أنْ يُلْقِيَ العَبْدُ عِنانَهُ إلى مَوْلاهُ ويُسَلِّمَ إلَيْهِ نَفْسَهُ مَعَ حَقِيقَةِ المَعْرِفَةِ فَإذا جاءَ حُكْمٌ مِن أحْكامِهِ ثَبَتَ لَهُ مُسَلِّمًا ولا يُظْهِرُ لِوُرُودِهِ جَزَعًا ولا يُرى لِذَلِكَ مُغْتَمًّا وأنْشَدَ الشِّبْلِيُّ في حَقِيقَةِ الصَّبْرِ: عَبَراتٌ خَطَطْنَ في الخَدِّ سَطْرًا ∗∗∗ فَقَراهُ مَن لَمْ يَكُنْ قَطُّ يَقْرا صابِرُ الصَّبْرِ فاسْتَغاثَ بِهِ الصَّبْرُ ∗∗∗ فَصاحَ المُحِبُّ بِالصَّبْرِ صَبْرا ﴿ قالَ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ ﴾ قالَ جَعْفَرٌ: كانَ لِلَّهِ تَعالى في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ سِرٌّ فَغَطّى عَلَيْهِمْ مَوْضِعَ سِرِّهِ ولَوْ كَشَفَ لِلسَّيّارَةِ عَنْ حَقِيقَةِ ما أوْدَعَ في ذَلِكَ البَدْرِ الطّالِعِ مِن بُرْجِ دَلْوِهِمْ لَما اكْتَفى قائِلُهم بِذَلِكَ ولَما اتَّخَذُوهُ بِضاعَةً ولِهَذا لَمّا كُشِفَ لِلنِّسْوَةِ بَعْضُ الأمْرِ قُلْنَ: ﴿ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ ولِجَهْلِهِمْ أيْضًا بِما أوْدَعَ فِيهِ مِن خَزائِنِ الغَيْبِ باعُوهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ وهو مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ قالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: كُلُّ ما وقَعَ تَحْتَ العَدِّ والإحْصاءِ فَهو بَخْسٌ ولَوْ كانَ جَمِيعَ ما في الكَوْنَيْنِ فَلا يَكُنْ حَظُّكَ البَخْسَ مِن رَبِّكَ فَتَمِيلَ إلَيْهِ وتَرْضى بِهِ دُونَ رَبِّكَ جَلَّ جَلالُهُ وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: لَيْسَ ما باعَ إخْوَةُ يُوسُفَ مِن نَفْسٍ لا يَقَعُ عَلَيْها البَيْعُ بِأعْجَبَ مِن بَيْعِ نَفْسِكَ بِأدْنى شَهْوَةٍ بَعْدَ أنْ بِعْتَها مِن رَبِّكَ بِأوْفَرِ الثَّمَنِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ الآيَةَ فَبَيْعُ ما تَقَدَّمَ بَيْعُهُ باطِلٌ وإنَّما باعَ يُوسُفَ أعْداؤُهُ وأنْتَ تَبِيعُ نَفْسَكَ مِن أعْدائِكَ ﴿ وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ ﴾ قِيلَ: أيْ لا تَنْظُرِي إلَيْهِ نَظَرَ الشَّهْوَةِ فَإنَّ وجْهَهُ مِرْآةٌ تُجْلِي الحَقَّ في العالَمِ أوْ لا تَنْظُرِي إلَيْهِ بِنَظَرِ العُبُودِيَّةِ ولَكِنِ انْظُرِي إلَيْهِ بِنَظَرِ المَعْرِفَةِ لِتَرَيْ فِيهِ أنْوارَ الرُّبُوبِيَّةِ أوِ اجْعَلِي مَحَبَّتَهُ في قَلْبِكِ لا في نَفْسِكِ فَإنَّ القَلْبَ مَوْضِعُ المَعْرِفَةِ والطّاعَةَ والنَّفْسَ مَوْضِعُ الفِتْنَةِ والشَّهْوَةِ ﴿ عَسى أنْ يَنْفَعَنا ﴾ قِيلَ: أيْ بِأنْ يُعَرِّفَنا مَنازِلَ الصِّدِّيقِينَ ومَراتِبَ الرَّوْحانِيِّينَ ويُبَلِّغَنا بِبَرَكَةِ صُحْبَتِهِ إلى مُشاهَدَةِ رَبِّ العالَمِينَ وقِيلَ: أرادَ حُسْنى صُحْبَتِهِ في الدُّنْيا لَعَلَّهُ أنْ يَشْفَعَ لَنا في العُقْبى ﴿ وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها ﴾ حَيْثُ غَلَبَ عَلَيْها العِشْقُ ﴿ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ ﴾ قَطَّعَتِ الأسْبابَ وجَمَعَتِ الهِمَّةَ إلَيْهِ أوْ غَلَّقَتْ أبْوابَ الدّارِ غَيْرَةَ أنْ يَرى أحَدٌ أسْرارَهُما ﴿ ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: هَمَّ شَهْوَةٍ ﴿ وهَمَّ بِها ﴾ هَمَّ زَجْرٍ عَمّا هَمَّتْ بِهِ بِضَرْبٍ أوْ نَحْوِهِ ﴿ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ وهو الواعِظُ الإلَهِيُّ في قَلْبِهِ ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ ﴾ والخَواطِرَ الرَّدِيئَةَ ﴿ والفَحْشاءَ ﴾ الأفْعالَ القَبِيحَةَ وقِيلَ: البُرْهانُ هو أنَّهُ لَمْ يُشاهِدْ في ذَلِكَ الوَقْتِ إلّا الحَقَّ سُبْحانَهُ وتَعالى وقِيلَ: هو مُشاهَدَةُ أبِيهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ عاضًّا عَلى سَبّابَتِهِ وجَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُ أجِلَّةِ مَشايِخِنا أحَدَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ لِلرّابِطَةِ المَشْهُورَةِ عِنْدَ ساداتِنا النَّقْشَبَنْدِيَّةِ أصْلًا أصِيلًا وهو عَلى فَرْضِ صِحَّتِهِ بِمَراحِلَ عَنْ ذَلِكَ ﴿ واسْتَبَقا البابَ ﴾ فِرارًا مِن مَحَلِّ الخَطَرِ: قِيلَ: لَوْ فَرَّ إلى اللَّهِ تَعالى لَكَفاهُ ولَما نالَهُ بَعْدُ ما عَناهُ ﴿ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا ﴾ نَفَتْ عَنْ نَفْسِها الذَّنْبَ لِأنَّها عَلِمَتْ إذْ ذاكَ أنَّها لَوْ بَيَّنَتِ الحَقَّ لَقُتِلَتْ وحُرِمَتْ مِن حَلاوَةِ مَحَبَّةِ يُوسُفَ والنَّظَرِ إلى وجْهِهِ.
لِحُبِّكَ أحْبَبْتُ البَقاءَ لِمُهْجَتِي ∗∗∗ فَلا طالَ إنْ أعْرَضْتَ عَنِّي بَقائِيا وإنَّما عَرَّضَتْ بِنِسْبَةِ الذَّنْبِ إلَيْهِ لِعِلْمِها بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَبْقَ في البُؤْسِ ولا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يُؤْذِيَهُ لِما أنَّ وجْهَهُ سالِبٌ القُلُوبَ وجالِبٌ الأرْواحَ.
لَهُ في طَرْفِهِ لَحَظاتُ سِحْرٍ ∗∗∗ يُمِيتُ بِها ويُحْيِي مَن يُرِيدُ ويَسْبِي العالِمِينَ بِمُقْلَتَيْهِ ∗∗∗ كَأنَّ العالَمِينَ لَهُ عَبِيدُ وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: إنَّها إذْ ذاكَ لَمْ تَسْتَغْرِقْ في مَحَبَّتِهِ بَعْدُ فَلِذا لَمْ تُخْبِرْ بِالصِّدْقِ وآثَرَتْ نَفْسَها عَلَيْهِ ولِهَذا لَمّا اسْتَغْرَقَتْ في المَحَبَّةِ آثَرَتْ نَفْسَهُ عَلى نَفْسِها فَقالَتِ: ﴿ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ ﴾ الآيَةَ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَسَعْهُ بَعْدَ تُهْمَتِها لَهُ إلّا الذَّبُّ عَنْ ساحَةِ النُّبُوَّةِ الَّتِي هي أمانَةُ اللَّهِ تَعالى العُظْمى فَقالَ: ﴿ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ وإلّا فاللّائِقُ بِمَقامِ الكَرَمِ السُّكُوتُ عَنْ جَوابِها لِئَلّا يَفْضَحَها وقِيلَ: إنَّها ادَّعَتْ مَحَبَّةَ يُوسُفَ وتَبَرَّأتْ مِنها عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ أرادَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُلْزِمَها مَلامَةَ المَحَبَّةِ فَإنَّ المَلامَةَ شِعارُ المُحِبِّينَ ومَن لَمْ يَكُنْ مَلُومًا في العِشْقِ لَمْ يَكُنْ مُتَحَقِّقًا فِيهِ أنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ عِظَمَ كَيْدِهِنَّ لِأنَّهُنَّ إذا ابْتُلِينَ بِالحُبِّ أظْهَرْنَ مِمّا يَجْلِبُ القَلْبَ ما يَعْجِزُ عَنْهُ إبْلِيسُ مَعَ مُساعَدَةِ الطَّبِيعَةِ إلى المَيْلِ إلَيْهِنَّ وقُوَّةِ المُناسِبَةِ بَيْنَ الرِّجالِ وبَيْنَهُنَّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها ﴾ فَما في العالَمِ فِتْنَةٌ أضَرَّ عَلى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ ﴿ قَدْ شَغَفَها حُبًّا ﴾ قالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: الشَّغَفُ أنْ لا يَرى المُحِبُّ جَفاءً لَهُ جَفاءً بَلْ يَراهُ عَدْلًا مِنهُ ووَفاءً.
وتَعْذِيبُكم عَذْبٌ لَدَيَّ وجَوْرُكم عَلَيَّ بِما يَقْضِي الهَوى لَكم عَدْلُ ﴿ إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: في عِشْقٍ مُزْعِجٍ ﴿ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ ﴾ عَظَّمْنَهُ لَمّا رَأيْنَ في وجْهِهِ نُورَ الهَيْبَةِ ﴿ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ﴾ لِاسْتِغْراقِهِنَّ في عَظَمَتِهِ وجَلالِهِ ولَعَلَّهُ كَشَفَ لَهُنَّ ما لَمْ يَكْشِفْ لِزُلَيْخا قالَ ابْنُ عَطاءٍ: دَهِشْنَ في يُوسُفَ وتَحَيَّرْنَ حَتّى قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ولَمْ يَشْعُرْنَ بِالألَمِ وهَذِهِ غَلَبَةُ مُشاهَدَةِ مَخْلُوقٍ لِمَخْلُوقٍ فَكَيْفَ بِمَن يَحْظى بِمُشاهَدَةٍ مِنَ الحَقِّ فَيَنْبَغِي أنَّ لا يُنْكَرَ عَلَيْهِ إنْ تَغَيَّرَ وصَدَرَ عَنْهُ ما صَدَرَ وأعْظَمُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا البابِ عِنْدَ ذَوِي الأبْصارِ السَّلِيمَةِ النُّورُ المُحَمَّدِيُّ المُنْقَدِحُ مِنَ النُّورِ الإلَهِيِّ والمُتَشَعْشِعُ في مِشْكاةِ خاتَمِ الرُّسُلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ لَعَمْرِي أبُو الأنْوارِ وما نُورُ يُوسُفَ بِالنِّسْبَةِ إلى نُورِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا النَّجْمُ وشَمْسُ النَّهارِ.
لِواحِي زُلَيْخا لَوْ رَأيْنَ جَبِينَهُ ∗∗∗ لَآثَرْنَ بِالقَطْعِ القُلُوبَ عَلى الأيْدِي وقُلْنَ: ﴿ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ قُلْنَ ذَلِكَ إعْظامًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أنْ يَكُونَ مِنَ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أرَدْنَ ما هَذا بِأهْلٍ أنْ يُدْعى إلى المُباشَرَةِ بَلْ مِثْلُهُ مَن يُكَرَّمُ ويُنَزَّهُ عَنْ مَواضِعِ الشُّبَهِ والأوَّلُ أوْفَقُ بِقَوْلِها: ﴿ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ أرادَتْ أنْ لَوْ مُكِّنَ لَمْ يَقَعْ في مَحَزِّهِ وكَيْفَ يُلامُ مَن هَذا مَحْبُوبُهُ وكَأنَّها أشارَتْ إلى أنَّها مَجْبُورَةٌ في ذَلِكَ الوَلَهِ مَعْذُورَةٌ في مَزِيدِ حُبِّها لَهُ: خَلِيلَيَّ إنِّي قُلْتُ بِالعَدْلِ مَرَّةً ∗∗∗ ومُنْذُ عَلانِي الحُبُّ مَذْهَبِي الجَبْرُ وفِي ذَلِكَ إشارَةٌ أيْضًا إلى أنَّ اللَّوْمَ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ خَلِيٍّ ولِذا لَمْ تُعاتِبْهُنَّ حَتّى رَأتْ ما صَنَعَ الهَوى بِهِنَّ وما أحْسَنَ ما قِيلَ: وكُنْتُ إذا ما حَدَّثَ النّاسُ بِالهَوى ∗∗∗ ضَحِكْتُ وهم يَبْكُونَ في حَسَراتِ فَصِرْتُ إذا ما قِيلَ هَذا مُتَيَّمٌ ∗∗∗ تَلَقَّيْتُهم بِالنَّوْحِ والعَبَراتِ وقالَ سُلْطانُ العاشِقِينَ: دَعْ عَنْكَ تَعْنِيفِي وذُقْ طَعْمَ الهَوى ∗∗∗ فَإذا عَشِقْتَ فَبَعْدَ ذَلِكَ عَنِّفِ ﴿ قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ ﴾ قِيلَ: لِأنَّ السِّجْنَ مَقامُ الأُنْسِ والخَلْوَةِ والمُناجاةِ والمُشاهَداتِ والمُواصَلاتِ وفِيما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ ما يُوجِبُ البُعْدَ عَنِ الحَضْرَةِ والحِجابَ عَنْ مُشاهَدَةِ القُرْبَةِ وقِيلَ: طَلَبَ السَّجْنَ لِيَحْتَجِبَ عَنْ زُلَيْخا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِازْدِيادِ عِشْقِها وانْقِلابِهِ رُوحانِيًّا قُدُسِيًّا كَعِشْقِ أبِيهِ لَهُ وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: ما أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَلَبِ ذَلِكَ إلّا الخَلاصُ مِنَ الزِّنا ولَعَلَّهُ لَوْ تَرَكَ الِاخْتِيارَ لَعُصِمَ مِن غَيْرِ امْتِحانٍ كَما عُصِمَ في وقْتِ المُراوَدَةِ ﴿ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ: أحْسَنُ النّاسِ حالًا مَن رَأى نَفْسَهُ تَحْتَ ظِلِّ الفَضْلِ والمِنَّةِ لا تَحْتَ ظِلِّ العَمَلِ والسَّعْيِ ﴿ يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ دُعاءٌ إلى التَّوْحِيدِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وحُكِي أنَّ رَجُلًا قالَ لِلْفُضَيْلِ: عِظْنِي فَقَرَأ لَهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ كانَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ غَفْلَةً مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا يَقْتَضِيهِ مَقامُهُ ويُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُهُ ولِهَذا أدَّبَهُ رَبُّهُ بِاللُّبْثِ في السِّجْنِ لِيَبْلُغَ أقْصى دَرَجاتِ الكَمالِ والأنْبِياءِ مُؤاخَذُونَ بِمَثاقِيلِ الذَّرِّ لِمَكانَتِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وقَدْ يُحْمَلُ كَلامُهُ هَذا عَلى ما لا يُوجِبُ العِتابَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ ذَوِي الألْبابِ ﴿ يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ ﴾ قالَ أبُو حَفْصٍ: الصِّدِّيقُ مَن لا يَتَغَيَّرُ عَلَيْهِ باطِنُ أمْرِهِ مِن ظاهِرِهِ وقِيلَ: الَّذِي لا يُخالِفُ قالَهُ حالَهُ وقِيلَ: الَّذِي يَبْذُلُ الكَوْنَيْنِ في رِضا مَحْبُوبِهِ ﴿ وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا ما رَحِمَ رَبِّي ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ النَّفْسَ بِطَبْعِها كَثِيرَةُ المَيْلِ إلى الشَّهَواتِ قالَ أبُو حَفْصٍ: النَّفْسُ ظُلْمَةٌ كُلُّها وسِراجُها التَّوْفِيقُ فَمَن لَمْ يَصْحَبْهُ التَّوْفِيقُ كانَ في ظُلْمَةٍ وقَدْ تَخْفى دَسائِسُ النَّفْسِ إلى حَيْثُ تَتَأمَّرُ بِخَيْرٍ وتُضْمِرُ فِيهِ شَرًّا ولا يَفْطَنُ لِدَسائِسِها إلّا لَوْذَعِيٌّ: فَخالِفِ النَّفْسَ والشَّيْطانَ واعْصِمْها وإنْ هُما مَحَضاكَ النُّصْحَ فاتَّهِمِ وذَكَرَ بَعْضُ السّادَةِ أنَّ النَّفْسَ تَتَرَقّى بِواسِطَةِ المُجاهَدَةِ والرِّياضَةِ مِن مَرْتَبَةِ كَوْنِها أمّارَةً إلى مَرْتَبَةٍ أُخْرى مِن كَوْنِها لَوّامَةً وراضِيَةً مَرْضِيَّةً ومُطَمْئِنَةً وغَيْرَ ذَلِكَ وجَعَلُوا لَها في كُلِّ مَرْتَبَةٍ ذِكْرًا مَخْصُوصًا وأطْنَبُوا في ذَلِكَ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ ﴿ قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ قِيلَ: خَزائِنُ الأرْضِ رِجالُها أيِ اجْعَلْنِي عَلَيْهِمْ أمِينًا فَإنِّيَ حَفِيظٌ لِما يُظْهِرُونَهُ عَلِيمٌ بِما يُضْمِرُونَهُ وقِيلَ: أرادَ الظّاهِرَ إلّا أنَّهُ أشارَ أنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنَ التَّصَرُّفِ مَعَ عَدَمِ الغَفْلَةِ أيْ حَفِيظٌ لِلْأنْفاسِ بِالذِّكْرِ ولِلْخَواطِرِ بِالفِكْرِ عَلِيمٌ بِسِواكِنِ الغُيُوبِ وخَفايا الأسْرارِ ﴿ وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾ قالَ بَعْضُهم: لَمّا جَفَوْهُ صارَ جَفاؤُهم حِجابًا بَيْنَهم وبَيْنَ مَعْرِفَتِهِمُ إيّاهُ وكَذَلِكَ المَعاصِي تَكُونُ حِجابًا عَلى وجْهِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ ﴾ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ بِذَلِكَ لِيُكْمِلَ لِأبِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَقامَ الحُزْنِ الَّذِي هو كَما قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ: مِن أعْلى المَقاماتِ وقالَ بَعْضُهم: إنَّ عَلاقَةَ المَحَبَّةِ كانَتْ بَيْنَ يُوسُفَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ مِنَ الجانِبَيْنِ فَتَعَلَّقَ أحَدُهُما بِالآخَرِ كَتَعَلُّقِ الآخَرِ بِهِ كَما يُرى ذَلِكَ في بَعْضِ العُشّاقِ مَعَ مَن يَعْشَقُونَهُ وأنْشَدُوا: لَمْ يَكُنِ المَجْنُونُ في حالَةٍ ∗∗∗ إلّا وقَدْ كُنْتَ كَما كانا لَكِنَّهُ باحَ بِسِرِّ الهَوى ∗∗∗ وإنَّنِي قَدْ ذُبْتُ كِتْمانا فَغارَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَنْظُرَ أبُوهُ إلى أخِيهِ نَظَرَهُ إلَيْهِ فَيَكُونا شِرْكَيْنِ في ذَلِكَ والمُحِبُّ غَيُورٌ فَطَلَبَ أنْ يَأْتُوهُ بِهِ لِذَلِكَ والحَقُّ أنَّ الأمْرَ كانَ عَنْ وحْيٍ لِحِكْمَةٍ غَيْرِ هَذِهِ ﴿ وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ﴾ إشارَةٌ إلى العِلْمِ اللَّدُنِّي وهو عَلى نَوْعَيْنِ ظاهِرُ الغَيْبِ وهو عِلْمُ دَقائِقِ المُعامَلاتِ والمَقاماتِ والحالاتِ والكَراماتِ والفِراساتِ وباطِنُ الغَيْبِ وهو عِلْمُ بُطُونِ الأفْعالِ ويُسَمّى حِكْمَةَ المَعْرِفَةِ وعَلَمُ الصِّفاتِ ويُسَمّى المَعْرِفَةَ الخاصَّةَ وعِلْمُ الذّاتِ ويُسَمّى التَّوْحِيدَ والتَّفْرِيدَ والتَّجْرِيدَ وعِلْمُ أسْرارِ القِدَمِ ويُسَمّى عِلْمَ الفَناءِ والبَقاءِ وفي الأوَّلَيْنِ لِلرُّوحِ مَجالٌ وفي الثّالِثِ لِلسِّرِّ والرّابِعِ لِسِرِّ السِّرِّ وفي المَقامِ تَفْصِيلٌ وبَسْطٌ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ ﴿ ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ ﴾ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِيُعَرِّفَهُ الحالَ بِالتَّدْرِيجِ حَتّى يَتَحَمَّلَ أثْقالَ السُّرُورِ إذِ المُفاجَأةُ في مِثْلِ ذَلِكَ رُبَّما تَكُونُ سَبَبَ الهَلاكِ ومِن هُنا كانَ كَشْفَ سُجُفِ الجَمالِ لِلسّالِكِينَ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ ﴿ فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ﴾ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِذَلِكَ لِيَكُونَ شَرِيكًا لِإخْوَتِهِ في الإيذاءِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ فَلا يَخْجَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ إذا كُشِفَ الأمْرُ وحَيْثُ طُلِبَ قَلْبُ بِنْيامِينَ لِعَيْنٍ بِرُؤْيَةِ يُوسُفَ احْتَمَلَ المَلامَةَ وكَيْفَ لا يُحْتَمَلُ ذَلِكَ وبَلاءُ العالِمِ مَحْمُولٌ بِلَمْحَةِ رُؤْيَةِ المَعْشُوقِ والعاشِقِ الصّادِقِ يُؤْثِرُ المَلامَةَ مِمَّنْ كانَتْ في هَوى مَحْبُوبِهِ.
أجِدُ المَلامَةَ في هَواكَ لَذِيذَةً ∗∗∗ حُبًّا لِذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ وفِي الآيَةِ عَلى ما قِيلَ إشارَةٌ لَطِيفَةٌ إلى أنَّ مَنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ لِمَحَبَّتِهِ ومُشاهَدَتِهِ وضَعَ في رَحْلِهِ صاعَ مَلامَةِ الثَّقَلَيْنِ ألا تَرى إلى ما فَعَلَ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ صَفِيِّهِ كَيْفَ اصْطَفاهُ ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ الأمانَةَ الَّتِي لَمْ يَحْمِلْها السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ وأشْفَقْنَ مِنها فَحَمَلَها ثُمَّ هَيَّجَ شَهْوَتَهُ إلى حَبَّةِ حِنْطَةٍ ثُمَّ نادى عَلَيْهِ بِلِسانِ الأزَلِ ﴿ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ﴾ وذَلِكَ لِغايَةِ حُبِّهِ لَهُ حَتّى صَرَفَهُ عَنِ الكَوْنِ وما فِيهِ ومِن فِيهِ إلَيْهِ ولَوْلا أنْ كَشَفَ جَمالَهُ لَهُ لَمْ يَتَحَمَّلْ بَلاءَ المَلامَةِ وهَذا كَما فَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأخِيهِ آواهُ إلَيْهِ وكَشَفَ جَمالَهُ لَهُ وخاطَبَهُ بِما خاطَبَهُ ثُمَّ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِهِ ثُمَّ نادى عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ لِيُبْقِيَهُ مَعَهُ ﴿ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ أيْ نَرْفَعُ دَرَجاتِهِمْ في العِلْمِ فَلا يَزالُ السّالِكُونَ يَتَرَقَّوْنَ في العِلْمِ وتَشْرَبُ أطْيارُ أرْواحِهِمُ القُدُسِيَّةِ مِن بِحارِ عُلُومِهِ تَعالى عَلى مَقادِيرِ حَواصِلِها وتَنْتَهِي الدَّرَجاتُ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ عُلُومَ الخَلْقِ مَحْدُودَةٌ وعِلْمَهُ تَعالى غَيْرُ مَحْدُودٍ وإلى اللَّهِ تَعالى تَصِيرُ الأُمُورُ ﴿ قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ قالَ بَعْضُ السّاداتِ: لَمّا كانَ بِنْيامِينُ بَرِيئًا مِمّا رُمِيَ بِهِ مِنَ السَّرِقَةِ أنْطَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى حَتّى رَمَوْا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالسَّرِقَةِ وهو بَرِيءٌ مِنها فَكانَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ واحِدَةٍ بِواحِدَةٍ لِيَعْلَمَ العالِمُونَ أنَّ الجَزاءَ واجِبٌ.
وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّهم صَدَقُوا بِنِسْبَةِ السَّرِقَةِ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَكِنَّها سَرِقَةُ ألْبابِ العاشِقِينَ وأفْئِدَةِ المُحِبِّينَ بِما أوْدَعَ فِيهِ مِن مَحاسِنِ الأزَلِ ﴿ قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ ﴾ الإشارَةُ في ذَلِكَ مِنَ الحَقِّ عَزَّ وجَلَّ أنْ لا نُفْشِيَ أسْرارَنا ونُدْنِيَ إلى حَضْرَتِنا إلّا مَن كانَ في قَلْبِهِ اسْتِعْدادُ قَبُولِ مَعْرِفَتِنا أوْ لا نَخْتارُ لِكَشْفِ جَمالِنا إلّا مَن كانَ في قَلْبِهِ شَوْقٌ إلى وِصالِنا وقالَ بَعْضُ الخُراسانِيِّينَ: الإشارَةُ فِيهِ أنّا لا نَأْخُذُ مِن عِبادِنا أشَدَّ أخْذٍ إلّا مَنِ ادَّعى فِينا أوْ أخْبَرَ عَنّا ما لَمْ يَكُنْ لَهُ الإخْبارُ عَنْهُ والِادِّعاءُ فِيهِ وقالَ بَعْضُهم: إلّا مَن مَدَّ يَدَهُ إلى مالِنا وادَّعاهُ لِنَفْسِهِ وقالَ أبُو عُثْمانَ: الإشارَةُ أنّا لا نَتَّخِذُ مِن عِبادِنا ولِيًّا إلّا مَنِ ائْتَمَنّاهُ عَلى ودائِعِنا فَحَفِظَها ولَمْ يَخُنْ فِيها ولَطِيفَةُ الواقِعَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَرْضَ أنْ يَأْخُذَ بَدَلَ حَبِيبِهِ أذْ لَيْسَ لِلْحَبِيبِ بَدِيلٌ في شَرْعِ المَحَبَّةِ.
أبى القَلْبُ إلّا أُحِبُّ لَيْلى فَبُغِّضَتْ ∗∗∗ إلَيَّ نِساءٌ ما لَهُنَّ ذُنُوبُ ﴿ إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ﴾ قالَ بَعْضُهم: إنَّهم صَدَقُوا بِذَلِكَ لَكِنَّهُ سَرَقَ أسْرارَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ سَمِعَ مِنهُ في الخَلْوَةِ ما سَمِعَ ولَمْ يُبْدِهِ لَهم ﴿ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ ﴾ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى اشْتِدادَ البَلاءِ قَوِيَ رَجاؤُهُ بِالفَرَجِ فَقالَ ما قالَ.
اشْتَدِّي أزْمَةُ تَنْفَرِجِي ∗∗∗ قَدْ آذَنَ لَيْلُكِ بِالبَلَجِ وكَأنَّ لِسانَ حالِهِ يَقُولُ: دَنا وِصالُ الحَبِيبِ واقْتَرَبا ∗∗∗ وأطْرَبا لِلْوِصالِ وأطْرَبا ﴿ وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ ﴾ قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ تَأسُّفَهُ عَلى رُؤْيَةِ جَمالِ اللَّهِ تَعالى مِن مِرْآةِ وجْهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ تَمَتَّعَ بِذَلِكَ بُرْهَةً مِنَ الزَّمانِ حَتّى حالَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ طَوارِقُ الحَدَثانِ فَتَأسَّفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِذَلِكَ واشْتاقَتْ نَفْسُهُ لِما هُنالِكَ.
سَقى اللَّهُ أيّامًا لَنا ولَيالِيا ∗∗∗ مَضَتْ فَجَرَتْ مِن ذِكْرِهِنَّ دُمُوعُ فَيا هَلْ لَها يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ أوْبَةٌ ∗∗∗ وهَلْ لِي إلى أرْضِ الحَبِيبِ رُجُوعُ ﴿ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ ﴾ حَيْثُ بَكى حَتّى أضَرَّ بِعَيْنَيْهِ وكانَ ذَلِكَ حَتّى لا يَرى غَيْرَ حَبِيبِهِ.
لَمّا تَيَقَّنْتُ أنِّي لَسْتُ أُبْصِرُكم ∗∗∗ غَمَّضْتُ عَيْنَيَّ فَلَمْ أنْظُرْ إلى أحَدِ قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: الحِكْمَةُ في ذَهابِ بَصَرِ يَعْقُوبَ وبَقاءِ بَصَرِ آدَمَ وداوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ مَعَ أنَّهُما بَكَيا دَهْرًا طَوِيلًا إنَّ بُكاءَ يَعْقُوبَ كانَ بُكاءَ حُزْنٍ مَعْجُونٍ بِألَمِ الفِراقِ حَيْثُ فَقَدْ تَجَلّى جَمالُ الحَقِّ مِن مِرْآةِ وجْهِ يُوسُفَ ولا كَذَلِكَ بُكاءُ آدَمَ وداوُدَ فَإنَّهُ كانَ بُكاءَ النَّدَمِ والتَّوْبَةِ وأيْنَ ذَلِكَ المَقامُ مِن مَقامِ العِشْقِ وقالَ أبُو سَعِيدٍ القُرَشِيُّ: إنَّما لَمْ يَذْهَبْ بَصَرُهُما لِأنَّ بُكاءَهُما كانَ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَعالى فَحُفِظا وبُكاءُ يَعْقُوبَ كانَ لِفَقْدِ لَذَّةٍ فَعُوتِبَ وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَهابُ بَصَرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ حِينَ بَكى لِغَيْرِهِ وإنْ كانَ واسِطَةً بَيْنَهُ وبَيْنَهُ ولِهَذا جاءَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ يا يَعْقُوبُ أتَتَأسَّفُ عَلى غَيْرِي وعِزَّتِي لَآخُذَنَّ عَيْنَيْكَ ولا أرُدُّهُما عَلَيْكَ حَتّى تَنْساهُ واخْتارَ بَعْضُ العارِفِينَ أنَّ ذَلِكَ الأسَفَ والبُكاءَ لَيْسا إلّا لِفَواتِ ما انْكَشَفَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَجَلِّي اللَّهِ تَعالى في مِرْآةِ وجْهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَعَمْرِي إنَّهُ لَوْ كانَ شاهِدُ تَجَلِّيهِ تَعالى في أوَّلِ التَّعَيُّناتِ وعَيْنِ أعْيانِ المَوْجُوداتِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَنَسِيَ ما رَأى ولَما عَراهُ ما عَرا ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ سَيِّدِي ابْنِ الفارِضِ حَيْثُ يَقُولُ: لَوْ أسْمَعُوا يَعْقُوبَ بَعْضَ مَلاحَةٍ ∗∗∗ في وجْهِهِ نَسِيَ الجَمالَ اليُوسُفِيَّ ﴿ قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ ﴾ هَذا مِنَ الجَهْلِ بِأحْوالِ العِشْقِ وما عَلَيْهِ العاشِقُونَ فَإنَّ العاشِقَ يَتَغَذّى بِذِكْرِ مَعْشُوقِهِ.
فَإنْ تَمْنَعُوا لَيْلى وحُسْنَ حَدِيثِها ∗∗∗ فَلَنْ تَمْنَعُوا مِنِّي البُكا والقَوافِيا وإذا لَمْ يَسْتَطِعْ ذِكْرَهُ بِلِسانِهِ كانَ مُسْتَغْرِقًا بِذِكْرِهِ إيّاهُ بِجَنانِهِ.
غابَ وفي قَلْبِي لَهُ شاهِدٌ ∗∗∗ يَوْلَعُ إضْمارِي بِذِكْراهُ مَثَّلَتِ الفِكْرَةُ لِي شَخْصَهُ ∗∗∗ حَتّى كَأنِّي أتَراءاهُ وكَيْفَ يُخَوَّفُ العاشِقُ بِالهَلاكِ في عِشْقِ مَحْبُوبِهِ وهَلاكِهِ عَيْنَ حَياتِهِ كَما قِيلَ: ولَكِنْ لَدى المَوْتِ فِيهِ صَبابَةً ∗∗∗ حَياةٌ لِمَن أهْوى عَلَيَّ بِها الفَضْلُ ومَن لَمْ يَمُتْ في حُبِّهِ لَمْ يَعِشْ بِهِ ∗∗∗ ودُونَ اجْتِناءِ النَّحْلِ ما جَنَتِ النَّحْلُ ﴿ قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ أيْ أنا لا أشْكُو إلى غَيْرِهِ فَإنِّي أعْلَمُ غَيْرَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أحْبابِهِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ وأيْضًا مَنِ انْقَطَعَ إلَيْهِ تَعالى كَفاهُ ومَن أناخَ بِبابِهِ أعْطاهُ وأنْشَدَ ذُو النُّونِ: إذا ارْتَحَلَ الكِرامُ إلَيْكَ يَوْمًا ∗∗∗ لِيَلْتَمِسُوكَ حالًا بَعْدَ حالِ فَإنَّ رِحالَنا حَطَّتْ رِضاءً ∗∗∗ بِحُكْمِكَ عَنْ حُلُولٍ وارْتِحالِ فَسُسْنا كَيْفَ شِئْتَ ولا تَكِلْنا ∗∗∗ إلى تَدْبِيرِنا يا ذا المَعالِي وعَلى هَذا دَرَجَ العاشِقُونَ إذا اشْتَدَّ بِهِمُ الحالُ فَزِعُوا إلى المَلِكِ المُتَعالِ ومِن ذَلِكَ: إلى اللَّهِ أشْكُو ما لَقِيتُ مِنَ الهَجْرِ ∗∗∗ ومِن كَثْرَةِ البَلْوى ومِن ألَمِ الصَّبْرِ ومِن حَرْقٍ بَيْنَ الجَوانِحِ والحَشا ∗∗∗ كَجَمْرِ الغَضا بَلْ أحَرُّ مِنَ الجَمْرِ وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما رَفَعَ قِصَّةَ شَكْواهُ إلى عالِمِ سِرِّهِ ونَجْواهُ اسْتِرْواحًا مِمّا يَجِدُهُ بِتِلْكَ المُناجاةِ كَما قِيلَ: إذا ما تَمَنّى النّاسُ رَوْحًا وراحَةً ∗∗∗ تَمَنَّيْتُ أنْ أشْكُوَ إلَيْهِ فَيَسْمَعُ ﴿ يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ﴾ كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَنَسَّمَ نَسائِمَ الفَرَجِ بَعْدَ أنْ رَفَعَ الأمْرُ إلى مَوْلاهُ عَزَّ وجَلَّ فَقالَ ذَلِكَ: ﴿ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ ﴾ مِن رَحْمَتِهِ بِإرْجاعِهِما إلَيَّ أوْ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى بِتَوْفِيقِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِرَفْعِ خَجالَتِكم إذا وجَدْتُمُوهُ ﴿ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ ﴾ أرادُوا ضُرَّ المَجاعَةِ ولَوْ أنَّهم عَلِمُوا وأنْصَفُوا لَقَصَدُوا ضُرَّ فِراقِكَ فَإنَّهُ قَدْ أضَرَّ بِأبِيهِمْ وبِهِمْ وبِأهْلِهِمْ لَوْ يَعْلَمُونَ.
كَفى حُزْنًا بِالوالِهِ الصَّبِّ أنْ يَرى ∗∗∗ مَنازِلَ مَن يَهْوى مُعَطَّلَةً قَفْرا واعْلَمْ أنَّ فِيما قالَهُ إخْوَةُ يُوسُفَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هُنا إلى المُتَصَدِّقِينَ تَعْلِيمَ آدابِ الدُّعاءِ والرُّجُوعَ إلى الأكابِرِ ومُخاطَبَةَ السّاداتِ فَمَن لَمْ يَرْجِعْ إلى بابِ سَيِّدِهِ بِالذِّلَّةِ والِافْتِقارِ وتَذْلِيلِ النَّفْسِ وتَصْغِيرِ ما يَبْدُو مِنها ويَرَ أنَّ ما مِن سَيِّدِهِ إلَيْهِ عَلى طَرِيقِ الصُّدْفَةِ والفَضْلِ لا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِحْقاقِ كانَ مُبْعَدًا مَطْرُودًا ويَنْبَغِي لِعُشّاقِ جَمالِ القِدَمِ إذا دَخَلُوا الحَضْرَةَ أنْ يَقُولُوا: يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا مِن ضُرِّ فِراقِكَ والبُعْدِ عَنْ ساحَةِ وِصالِكَ ما لا يَحْتَمِلُهُ الصُّمُّ الصِّلابُ.
خَلِيلَيَّ ما ألْقاهُ في الحُبِّ إنْ يَدُمْ ∗∗∗ عَلى صَخْرَةٍ صَمّاءَ يَنْفَلِقِ الصَّخْرُ ويَقُولُوا: ( جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ ) مِن أعْمالٍ مَعْلُولَةٍ وأفْعالٍ مَغْشُوشَةٍ ومَعْرِفَةٍ قَلِيلَةٍ لَمْ تُحِطْ بِذَرَّةٍ مِن أنْوارِ عَظَمَتِكَ وكُلُّ ذَلِكَ لا يَلِيقُ بِكَمالِ عِزَّتِكَ وجَلالِ صَمَدِيَّتِكَ ﴿ فَأوْفِ لَنا ﴾ كَيْلَ قُرْبِكَ مِن بَيادِرِ جُودِكَ وفَضْلِكَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا بِنِعَمِ مُشاهَدَتِكَ فَإنَّهُ إذا عُومِلَ المَخْلُوقُ بِما عُومِلَ فَمُعامَلَةُ الخالِقِ بِذَلِكَ أوْلى ﴿ قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ ﴾ خاطَبُوهُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ بِخِطابِ المَوَدَّةِ لا بِخِطابِ التَّكَلُّفِ وفِيهِ مِن حُسْنِ الظَّنِّ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما فِيهِ.
إذا صَفَتِ المَوَدَّةُ بَيْنَ قَوْمٍ ∗∗∗ ودامَ ولاؤُهم سَمِجَ الثَّناءُ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمّا عَرَفُوهُ سَقَطَتْ عَنْهُمُ الهَيْبَةُ وهاجَتِ الحَمِيَّةُ فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ عَلى النَّمَطِ الأوَّلِ وقَوْلُهُ: ﴿ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي ﴾ جَوابٌ لَهم لَكِنَّ زِيادَةً ﴿ وهَذا أخِي ﴾ قِيلَ: لِتَهْوِينِ حالِ بَدِيهَةِ الخَجَلِ وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ أُخُوَّتَهم لا تُعَدُّ أُخُوَّةً لِأنَّ الأُخُوَّةَ الصَّحِيحَةَ ما لَمْ يَكُنْ فِيها جَفاءٌ ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى اعْتِرافَهم واعْتِذارَهم قالَ: ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ وهَذا مِن شَرائِطِ الكَرَمِ فالكَرِيمُ إذا قَدَرَ عَفا.
والعُذْرُ عِنْدَ كِرامِ النّاسِ مَقْبُولُ وقالَ شاهٌ الكَرْمانِيُّ: مَن نَظَرَ إلى الخَلْقِ بِعَيْنِ الحَقِّ لَمْ يَعْبَأْ بِمُخالَفَتِهِمْ ومَن نَظَرَ إلَيْهِمْ بِعَيْنِهِ أفْنى أيّامَهُ بِمُخاصَمَتِهِمْ ألا تَرى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ مَجارِيَ القَضاءِ كَيْفَ عَذَرَ إخْوَتَهُ ﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا ﴾ لَمّا عَلِمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أباهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَحْتَمِلُ الوِصالَ الكُلِّيَّ بِالبَدِيهَةِ جَعَلَ وِصالَهُ بِالتَّدْرِيجِ فَأرْسَلَ إلَيْهِ بِقَمِيصِهِ ولَمّا كانَ مَبْدَأُ الهَمِّ الَّذِي أصابَهُ مِنَ القَمِيصِ الَّذِي جاءُوا عَلَيْهِ بِدَمٍ كَذِبٍ عَيَّنَ هَذا القَمِيصُ مَبْدَأً لِلسُّرُورِ دُونَ غَيْرِهِ مِن آثارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُدْخِلَ عَلَيْهِ السُّرُورَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي دَخَلَ عَلَيْهِ الهَمُّ مِنها ﴿ وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ ﴾ كانَ كَرَمُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْتَضِي أنْ يَسِيرَ بِنَفْسِهِ إلى أبِيهِ ولَعَلَّهُ إنَّما لَمْ يَفْعَلْ لِعِلْمِهِ أنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى أبِيهِ لِكَثْرَةِ مَن يَسِيرُ مَعَهُ ولا يُمْكِنُ أنْ يَسِيرَ إلَيْهِ بِدُونِ ذَلِكَ أوْ لِأنَّ في ذَلِكَ تَعَطُّلَ أمْرِ العامَّةِ ولَيْسَ هُناكَ مَن يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أُوحِيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ أُخْرى وقِيلَ: إنَّ المَعْشُوقِيَّةَ اقْتَضَتْ ذَلِكَ ومَن رَأى مَعْشُوقًا رَحِيمًا بِعاشِقِهِ وفِيهِ ما لا يَخْفى ﴿ ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ يُقالُ: إنَّ رِيحَ الصَّبا سَألَتِ اللَّهَ تَعالى فَقالَتْ: يا رَبِّ خُصَّنِي أنْ أُبَشِّرَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِابْنِهِ فَأذِنَ لَها بِذَلِكَ فَحَمَلَتْ نَشْرَهُ إلى مَشامِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ ساجِدًا فَرَفَعَ رَأسَهُ وقالَ ذَلِكَ وكَأنَّ لِسانُ حالِهِ يَقُولُ: أيا جَبَلَيْ نُعْمانَ بِاللَّهِ خَلِّيا ∗∗∗ نَسِيمَ الصَّبا يَخْلُصْ إلى نَسِيمِها أجِدْ بَرْدَها أوْ تَشِفَّ مِنِّي حَرارَةٌ ∗∗∗ عَلى كَبِدٍ لَمْ يَبْقَ إلّا صَمِيمُها فَإنَّ الصَّبا رِيحٌ إذا ما تَنَسَّمَتْ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها وهَكَذا عُشّاقُ الحَضْرَةِ لا يَزالُونَ يَتَعَرَّضُونَ لِنَفَحاتِ رِيحِ وِصالِ الأزَلِ وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ لِرَبِّكم في أيّامِ دَهْرِكم نَفَحاتٍ ألا فَتَعَرَّضُوا لِنَفَحاتِ الرَّحْمَنِ» ويُقالُ: المُؤْمِنُ المُتَحَقِّقُ يَجِدُ نَسِيمَ الإيمانِ في قَلْبِهِ ورُوحَ المَعْرِفَةِ السّابِقَةِ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في سِرِّهِ وإنَّما وجَدَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا الرِّيحَ حَيْثُ بَلَغَ الكِتابُ أجَلَهُ ودَنَتْ أيّامُ الوِصالِ وحانَ تَصَرَّمُ أيّامِ الهَجْرِ والبِلْبالِ وإلّا فَلِمَ لَمْ يَجِدْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ يُوسُفُ في الجُبِّ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ إلّا سُوَيْعَةٌ مِن نَهارٍ وما ذَلِكَ إلّا لِأنَّ الأُمُورَ مَرْهُونَةٌ بِأوْقاتِها وعَلى هَذا كُشُوفاتُ الأوْلِياءِ فَإنَّهم آوِنَةٌ يُكْشَفُ لَهم عَلى ما قِيلَ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ وأُخْرى لا يَعْرِفُونَ ما تَحْتَ أقْدامِهِمْ ﴿ فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ العاشِقَ الهائِمَ المُنْتَظَرَ لِقاءَ الحَقِّ سُبْحانَهُ إذا ذَهَبَتْ عَيْناهُ مِن طُولِ البُكاءِ يَجِيءُ إلَيْهِ بَشِيرُ تَجَلِّيهِ فَيُلْقِي عَلَيْهِ قَمِيصَ أُنْسِهِ في حَضَراتِ قَدُسِهِ فَيَرْتَدُّ بَصِيرًا بِشَمِّ ذَلِكَ فَهُنالِكَ يَرى الحَقَّ بِالحَقِّ ويَنْجَلِي الغَيْنُ عَنِ العَيْنِ ويُقالُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ارْتَدَّ بَصِيرًا حِينَ وضَعَ القَمِيصَ عَلى وجْهِهِ لِأنَّهُ وجَدَ لَذَّةَ نَفْحَةِ الحَقِّ تَعالى مِنهُ حَيْثُ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَحَلَّ تَجَلِّيهِ جَلَّ جَلالُهُ وكانَ القَمِيصُ مُعَبَّقًا بِرِيحِ جِنانِ قُدُسِهِ فَعادَ لِذَلِكَ نُورُ بَصَرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَجارِيهِ فَأبْصَرُ ﴿ قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وعَدَهم إلى أنْ يَتَعَرَّفَ مِنهم صِدْقَ التَّوْبَةِ أوْ حَتّى يَسْتَأْذِنَ رَبَّهُ تَعالى في الِاسْتِغْفارِ لَهم فَيَأْذَنَ سُبْحانَهُ لِئَلّا يَكُونَ مَرْدُودًا فِيهِ كَما رُدَّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في ولَدِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ ﴾ وقالَ بَعْضُهم: وعَدَهُمُ الِاسْتِغْفارَ لِأنَّهُ لَمْ يَفْرَغْ بَعْدُ مِنَ اسْتِبْشارِهِ إلى اسْتِغْفارِهِ وقِيلَ: إنَّما أسْرَعَ يُوسُفُ بِالِاسْتِغْفارِ لَهم ووَعَدَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِما السَّلامُ لِأنَّ يَعْقُوبَ كانَ أشَدَّ حُبًّا لَهم فَعاتَبَهم بِالتَّأْخِيرِ ويُوسُفَ لَمْ يَرَهم أهْلًا لِلْعِتابِ فَتَجاوَزَ عَنْهم مِن أوَّلِ وهْلَةٍ أوِ اكْتَفى بِما أصابَهم مِنَ الخَجَلِ وكانَ خَجَلُهم مِنهُ أقْوى مِن خَجَلِهِمْ مِن أبِيهِمْ وفي المَثَلِ كَفى لِلْمُقَصِّرِ حَياءً يَوْمَ اللِّقاءِ ﴿ فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ ﴾ لِأنَّهُما ذاقا طَعْمَ مَرارَةِ الفِراقِ فَخَصَّهُما مِن بَيْنِهِمْ بِمَزِيدِ الدُّنُوِّ يَوْمَ التَّلاقِي ومِن هُنا يَتَبَيَّنُ أيْنَ مَنازِلُ العاشِقِينَ يَوْمَ الوِصالِ ﴿ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ﴾ حَيْثُ بانَ لَهم أنْواعُ جَلالِ اللَّهِ تَعالى في مِرْآةِ وجْهِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وعايَنُوا ما عايَنَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ وقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ وما هو إذْ ذاكَ إلّا كَعْبَةُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي فِيها آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِنَ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا ﴾ مُفَوِّضًا إلَيْكَ شَأْنِيَ كُلَّهُ بِحَيْثُ لا يَكُونُ لِي رُجُوعٌ إلى نَفْسِي ولا إلى سَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿ وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ ﴾ بِمَن أصْلَحْتَهم لِحَضْرَتِكَ وأسْقَطْتَ عَنْهم سِماتِ الخَلْقِ وأزَلْتَ عَنْهم رَعُوناتِ الطَّبْعِ ولا يَخْفى ما في تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الثَّناءَ عَلى الدُّعاءِ مِنَ الأدَبِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ ﴿ وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ ﴾ قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الصُّوفِيَّةِ: مَنِ التَفَتَ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَهو مُشْرِكٌ وقالَ قائِلُهم: ولَوْ خَطَرَتْ لِي في سِواكَ إرادَةٌ ∗∗∗ عَلى خاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتُ بِرِدَّتِي ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ ﴾ بَيانٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وعِلْمٌ لا مُعارَضَةَ لِلنَّفْسِ والشَّيْطانِ فِيهِ ﴿ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ وذَكَرَ بَعْضُ العارِفِينَ أنَّ البَصِيرَةَ أعْلى مِنَ النُّورِ لِأنَّها لا تَصِحُّ لِأحَدٍ وهو رَقِيقُ المَيْلِ إلى السُّوى وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلدّاعِي إلى اللَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ عارِفًا بِطَرِيقِ الإيصالِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ عالِمًا بِما يَجِبُ لَهُ تَعالى وما يَجُوزُ وما يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ والدُّعاةُ إلى اللَّهِ تَعالى اليَوْمَ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَصَّبُوا أنْفُسَهم إلى الإرْشادِ بِزَعْمِهِمْ أجْهَلَ مِن حِمارِ الحَكِيمِ تُوما وهم لَعَمْرِي في ضَلالَةٍ مُدْلَهِمَّةٍ ومَهامِهَ يَحارُ فِيها الخِرِّيتُ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا ولَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴿ لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ ﴾ وهم ذَوُو الأحْوالِ مِنَ العارِفِينَ والعاشِقِينَ والصّابِرِينَ والصّادِقِينَ وغَيْرِهِمْ وفِيها أيْضًا عِبْرَةٌ لِلْمُلُوكِ في بَسْطِ العَدْلِ كَما فَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِأهْلِ التَّقْوى في تَرْكِ ما تُراوِدُهُمُ النَّفْسُ الشَّهْوانِيَّةُ عَلَيْهِ ولِلْمَمالِيكِ في حِفْظِ حَرَمِ السّادَةِ ولا أحَدَ أغَيَرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولِذَلِكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ ولِلْقادِرِينَ في العَفْوِ عَمَّنْ أساءَ إلَيْهِمْ ولِغَيْرِهِمْ في غَيْرِ ذَلِكَ ولَكِنْ أيْنَ المُعْتَبِرُونَ أشْباحٌ ولا أرْواحَ ودِيارٌ ولا دِيارَ فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ هَذا.
وقَدْ أوَّلَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم يُوسُفَ بِالقَلْبِ المُسْتَعِدِّ الَّذِي هو في غايَةِ الحُسْنِ ويَعْقُوبَ بِالعَقْلِ والإخْوَةَ بَنِيَ العِلّاتِ بِالحَواسِّ الخَمْسِ الظّاهِرَةِ والخَمْسِ الباطِنَةِ والقُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ وبِنْيامِينَ بِالقُوَّةِ العاقِلَةِ العَمَلِيَّةِ وراحِيلَ أُمَّ يُوسُفَ اللَّوّامَةَ ولِيا بِالنَّفْسِ الأمّارَةِ والجُبَّ بِعَقْرِ الطَّبِيعَةِ البَدَنِيَّةِ والقَمِيصَ الَّذِي ألْبَسَهُ يُوسُفَ في الجُبِّ بِصِفَةِ الِاسْتِعْدادِ الأصْلِيِّ والنُّورَ الفِطْرِيَّ والذِّئْبَ بِالقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ والدَّمَ الكَذِبَ بِأثَرِها وابْيِضاضَ عَيْنِ يَعْقُوبَ بِكَلالِ البَصِيرَةِ وفِقْدانَ نُورِ العَقْلِ وشِراؤُهُ مِن عَزِيزِ مِصْرَ بِثَمَنِ بَخْسٍ بِتَسْلِيمِ الطَّبِيعَةِ لَهُ إلى عَزِيزِ الرُّوحِ الَّذِي في مِصْرَ مَدِينَةِ القُدُسِ بِما يَحْصُلُ لِلْقُوَّةِ الفِكْرِيَّةِ مِنَ المَعانِي الفائِضَةِ عَلَيْها مِنَ الرُّوحِ وامْرَأةَ العَزِيزِ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ وقَدَّ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ بِخَرْقِها لِباسَ الصِّفَةِ النُّورِيَّةِ الَّتِي هي مِن قِبَلِ الأخْلاقِ الحَسَنَةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ ووَجَدَ أنَّ السَّيِّدَ بِالبابِ بِظُهُورِ نُورِ الرُّوحِ عِنْدَ إقْبالِ القَلْبِ إلَيْهِ بِواسِطَةِ تَذَكُّرِ البُرْهانِ العَقْلِيِّ ووِرْدِ الوارِدِ القُدُسِيِّ عَلَيْهِ والشّاهِدِ بِالفِكْرِ الَّذِي هو ابْنُ عَمِّ امْرَأةِ العَزِيزِ أوْ بِالطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ الَّذِي هو ابْنُ خالَتِها والصّاحِبَيْنِ بِقُوَّةِ المَحَبَّةِ الرُّوحِيَّةِ وبِهَوى النَّفْسِ والخَمْرِ بِخَمْرِ العِشْقِ والخَبْزِ.
بِاللَّذّاتِ والطَّيْرَ بِطَيْرِ القُوى الجُسْمانِيَّةِ والمُلْكَ بِالعَقْلِ الفَعّالِ والبَقَراتِ بِمَراتِبِ النَّفْسِ والسِّقايَةَ بِقُوَّةِ الإدْراكِ والمُؤَذِّنَ بِالوَهْمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وطَبَّقَ القِصَّةَ عَلى ما ذَكَرَ وتَكَلَّفَ لَهُ أشَدَّ تَكَلُّفٍ وما أغْناهُ عَنْ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ لا رَبَّ غَيْرُهُ ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ.