تفسير الألوسي سورة الرعد

الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > تفسير سورة الرعد

تفسيرُ سورةِ الرعد كاملةً من تفسير الألوسي (روح المعاني) (شهاب الدين الألوسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 448 دقيقة قراءة

تفسير سورة الرعد كاملةً (شهاب الدين الألوسي)

الٓمٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ وَٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ١

سُورَةُ الرَّعْدِ (13) جاءَ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ أنَّها مَكِّيَّةٌ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا أبُو عَوانَةَ عَنْ أبِي بِشْرٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ جُبَيْرٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ هَلْ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ فَقالَ: كَيْفَ وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ وأخْرَجَ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ وعُثْمانُ عَنْ عَطاءٍ عَنْهُ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ إلّا أنَّ في رِوايَةِ الأخِيرِ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ ﴾ الآيَةَ فَإنَّها مَكِّيَّةٌ ورُوِيَ أنَّ أوَّلَها إلى آخِرِ ﴿ ولَوْ أنَّ قُرْآنًا ﴾ الآيَةَ مَدَنِيٌّ وباقِيها مَكِّيٌّ وفي الإتْقانِ يُؤَيِّدُ القَوْلَ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أنَسٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وهُوَ شَدِيدُ المِحالِ ﴾ نَزَلَ في قِصَّةِ أرْبَدَ بْنِ قَيْسٍ وعامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ حِينَ قَدِما المَدِينَةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ: والَّذِي يَجْمَعُ بِهِ بَيْنَ الِاخْتِلافِ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آياتٍ مِنها وهي ثَلاثٌ وأرْبَعُونَ آيَةً في الكُوفِيِّ وأرْبَعٌ في المَدَنِيِّ وخَمْسٌ في البَصْرِيِّ وسَبْعٌ في الشّامِيِّ ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿ وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ ﴾ فَأجْمَلَ سُبْحانَهُ الآياتِ السَّماوِيَّةَ والأرْضِيَّةَ ثُمَّ فَصَّلَ جَلَّ شَأْنُهُ ذَلِكَ هُنا أتَمَّ تَفْصِيلٍ وأيْضًا أنَّهُ تَعالى قَدْ أتى هُنا مِمّا يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ عَزَّ وجَلَّ ما يَصْلُحُ شَرْحًا لِما حَكاهُ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ وأيْضًا في كُلٍّ مِنَ السُّورَتَيْنِ ما فِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذا مَعَ اشْتِراكِ آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ وأوَّلِ هَذِهِ فِيما فِيهِ وصْفُ القُرْآنِ كَما لا يَخْفى وجاءَ في فَضْلِها ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والمَرُوزِيُّ في الجَنائِزِ أنَّهُ كانَ يَسْتَحِبُّ إذا حَضَرَ المَيِّتُ أنْ يَقْرَأ عِنْدَهُ سُورَةَ الرَّعْدِ فَإنَّ ذَلِكَ يُخَفِّفُ عَنِ المَيِّتِ وأنَّهُ أهْوَنُ لِقَبْضِهِ وأيْسَرُ لِشَأْنِهِ وجاءَ في ذَلِكَ أخْبارٌ أُخَرُ نَصُّوا عَلى وضْعِها واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ المر ) أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأرى وهو أحَدُ أقْوالِ مَشْهُورَةٍ في مِثْلِ ذَلِكَ ﴿ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ ﴾ جَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ الكِتابَ بِمَعْنى السُّورَةِ وهو بِمَعْنى المَكْتُوبِ صادِقٌ عَلَيْها مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَجُوُّزٍ والإشارَةُ إلى آياتِها بِاعْتِبارِ أنَّها لِتِلاوَةِ بَعْضِها والبَعْضِ الآخَرِ في مَعْرِضِ التِّلاوَةِ صارَتْ كالحاضِرَةِ أوْ لِثُبُوتِها في اللَّوْحِ أوْ مَعَ المَلِكِ والمَعْنى تِلْكَ الآياتُ السُّورَةُ الكامِلَةُ العَجِيبَةُ في بابِها واسْتُفِيدَ هَذا عَلى ما قِيلَ مِنَ اللّامِ وذَلِكَ أنَّ الإضافَةَ بَيانِيَّةٌ فالمَآلُ ذَلِكَ الكِتابُ والخَبَرُ إذا عُرِّفَ بِلامِ الجِنْسِ أفادَ المُبالَغَةَ وأنَّ هَذا المَحْكُومَ عَلَيْهِ اكْتَسَبَ مِنَ الفَضِيلَةِ ما يُوجِبُ جَعْلَهُ نَفْسَ الجِنْسِ وأنَّهُ لَيْسَ نَوْعًا مِن أنْواعِهِ وحَيْثُ أنَّهُ في الظّاهِرِ كالمُمْتَنِعِ أُرِيدَ ذَلِكَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنَ و ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارَةٌ إلى آياتِ السُّورَةِ والمَعْنى آياتُ هَذِهِ السُّورَةِ آياتُ القُرْآنِ الَّذِي هو الكِتابُ العَجِيبُ الكامِلُ الغَنِيُّ عَنِ الوَصْفِ بِذَلِكَ المَعْرُوفُ بِهِ مِن بَيْنِ الكُتُبِ الحَقِيقُ بِاخْتِصاصِ اسْمِ الكِتابِ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ جَمِيعُهُ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ المُنَزَّلُ حِينَئِذٍ ورُجِّحَ إرادَةُ القُرْآنِ بِأنَّهُ المُتَبادَرُ مِن مُطْلَقِ الكِتابِ المُسْتَغْنِي عَنِ النَّعْتِ وبِهِ يَظْهَرُ جَمِيعُ ما أُرِيدَ مِن وصْفِ الآياتِ بِوَصْفِ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ مِن نُعُوتِ الكَمالِ بِخِلافِ ما إذا جُعِلَ عِبارَةً عَنِ السُّورَةِ فَإنَّها لَيْسَتْ بِتِلْكَ المَثابَةِ مِنَ الشُّهْرَةِ في الِاتِّصافِ بِذَلِكَ المُغْنِيَةِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالوَصْفِ وفِيهِ بَحْثٌ وأيًّا ما كانَ فَلا مَحْذُورَ في حَمْلِ آياتِ الكِتابِ عَلى تِلْكَ كَما لا يَخْفى وقِيلَ: الإشارَةُ بِتِلْكَ إلى ما قَصَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المُشارُ إلَيْها في آخِرِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ﴾ وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ يُرادَ بِالكِتابِ ما يَشْمَلُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ.

وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى المر مُرادًا بِها حُرُوفُ المُعْجَمِ أيْضًا وجَعْلَ ذَلِكَ مُبْتَدَأً أوَّلًا و ﴿ تِلْكَ ﴾ مُبْتَدَأً ثانِيًا و ﴿ آياتُ ﴾ خَبَرَهُ والجُمْلَةَ خَبَرَ الأوَّلِ والرّابِطَ الإشارَةَ وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ﴾ فالظّاهِرُ أنَّ المَوْصُولَ فِيهِ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةَ ﴿ أُنْزِلَ ﴾ مِنَ الفِعْلِ ومَرْفُوعِهِ صِلَتُهُ و ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ و ﴿ الحَقُّ ﴾ خَبَرٌ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ عِنْدَ كَثِيرٍ القُرْآنُ كُلُّهُ والكَلامُ اسْتِدْراكٌ عَلى وصْفِ السُّورَةِ فَقَطْ بِالكَمالِ وفي أُسْلُوبِهِ قَوْلُ فاطِمَةَ الأنْمارِيَّةِ وقَدْ قِيلَ لَها: أيُّ بَنِيكِ أفْضَلُ رَبِيعٌ بَلْ عِمارَةُ بَلْ قَيْسٌ بَلْ أنَسٌ ثَكِلْتُهم إنْ كُنْتُ أعْلَمُ أيُّهم أفْضَلُ واللَّهِ إنَّهم كالحَلْقَةِ المُفْرَغَةِ لا يُدْرى أيْنَ طَرَفاها وذَلِكَ كَما أنَّها نَفَتِ التَّفاضُلَ آخِرًا بِإثْباتِ الكَمالِ لِكُلِّ واحِدٍ دَلالَةً عَلى أنَّ كَمالَ كُلٍّ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ وهو إجْمالٌ بَعْدَ التَّفْصِيلِ لِهَذا الغَرَضِ كَذَلِكَ لَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ لِهَذِهِ السُّورَةِ خُصُوصًا الكَمالَ اسْتَدْرَكَهُ بِأنَّ كُلَّ المُنَزَّلِ كَذَلِكَ لا يَخْتَصُّ بِهِ سُورَةٌ دُونَ أُخْرى لِلدَّلالَةِ المَذْكُورَةِ وهو عَلى ما قِيلَ مَعْنًى بَدِيعٌ ووَجْهٌ بَلِيغٌ ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ وقِيلَ: إنَّهُ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهُ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ لِأنَّهُ إذا كانَ كُلُّ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ حَقًّا فَذَلِكَ المُنَزَّلُ أيْضًا حَقٌّ ضَرُورَةَ أنَّهُ مِن كُلِّ المُنَزَّلِ فَهو كامِلٌ لِأنَّهُ لا أكْمَلَ مِنَ الحَقِّ والصِّدْقِ ولِخَفاءِ أمْرِ الِاسْتِدْلالِ قالَ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ إنَّهُ كالحُجَّةِ عَلى ما قَبْلَهُ ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى ومَعَ ذا لا يَخْلُو عَنْ خَفاءٍ أيْضًا ولَوْ قِيلَ: المُرادُ بِالكَمالِ فِيما تَقَدَّمَ الكَمالُ الرّاجِعُ إلى الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ ويَكُونُ ذَلِكَ وصْفًا لِلْمُشارِ إلَيْهِ بِالإعْجازِ مِن جِهَةِ ذَلِكَ ويَكُونُ هَذا وصْفًا لَهُ بِخُصُوصِهِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ فِيهِ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ أوْ لِما يَشْمَلُهُ وغَيْرُهُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا يَكُونَ فِيهِ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ حَقًّا مُطابِقًا لِلْواقِعِ إذْ لا تَسْتَدْعِي الفَصاحَةُ والبَلاغَةُ الحَقِّيَّةُ كَما يَشْهَدُ بِهِ الرُّجُوعُ إلى المَقاماتِ الحَرِيرِيَّةِ لَمْ يَبْعُدْ كُلَّ البُعْدِ فَتَدَبَّرْ وجَوَّزَ الحُوفِيُّ كَوْنَ ﴿ مِن رَبِّكَ ﴾ هو الخَبَرُ و ﴿ الحَقُّ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو الحَقُّ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ كِلاهُما خَبَرٌ واحِدٌ كَما قِيلَ في: الرُّمّانُ حُلْوٌ حامِضٌ وهو إعْرابٌ مُتَكَلَّفٌ وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُ المَوْصُولِ في مَحَلِّ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى ﴿ الكِتابِ ﴾ و ﴿ الحَقُّ ﴾ حِينَئِذٍ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ لا غَيْرَ.

قِيلَ: والعَطْفُ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ أوْ إحْدى الصِّفَتَيْنِ عَلى الأُخْرى كَما قالُوا في قَوْلِهِ: هُوَ المَلِكُ القَرْمُ وابْنُ الهُمامُ ......

البَيْتَ وبَعْضُهم يَجْعَلُهُ مِن عَطْفِ الكُلِّ عَلى الجُزْءِ أوْ مِن عَطْفِ أحَدِ المُتَرادِفَيْنِ عَلى الآخَرِ ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ وإذا أُرِيدَ بِالكِتابِ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ فَأمْرُ العَطْفِ ظاهِرٌ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ ( الَّذِي ) نَعْتًا لِلْكِتابِ بِزِيادَةِ الواوِ في الصِّفَةِ كَما في أتانِي كِتابُ أبِي حَفْصٍ والفارُوقِ والنّازِلِينَ والطَّيِّبِينَ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الَّذِي ذُكِرَ في زِيادَةِ الواوِ لِلْإلْصاقِ خَصَّهُ صاحِبُ المُغْنِي بِما إذا كانَ النَّعْتُ جُمْلَةً ولَمْ نَرَ مَن ذَكَرَهُ في المُفْرَدِ.

وأجازَ الحُوفِيُّ أيْضًا كَوْنَ المَوْصُولِ مَعْطُوفًا عَلى ﴿ آياتُ ﴾ وجَعْلَ ﴿ الحَقُّ ﴾ نَعْتًا لَهُ وهو كَما تَرى ثُمَّ المَقْصُودُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ﴿ الحَقُّ ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَذْكُورٍ أوْ مَحْذُوفٍ قَصَرَ الحَقِّيَّةَ عَلى المُنَزَّلِ لِعَراقَتِهِ فِيها ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ما عَداهُ لَيْسَ بِحَقٍّ أصْلًا عَلى أنَّ حَقِّيَّتَهُ مُسْتَتْبَعَةٌ لِحَقِّيَّةِ سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ وساقَ بَعْضُ نُفاةِ القِياسِ هَذِهِ الآيَةَ بِناءً عَلى تَضَمُّنِها الحَصْرَ في مَعْرِضِ الِاسْتِدْلالِ عَلى نَفْيِ ذَلِكَ فَقالُوا: الحُكْمُ المُسْتَنْبَطُ بِالقِياسِ غَيْرُ مُنَزَّلٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وإلّا لَكانَ مَن يَحْكُمُ بِهِ كافِرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ ﴾ وكُلُّ ما لَيْسَ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِحَقٍّ لِهَذِهِ الآيَةِ لِدَلالَتِها عَلى أنَّ لا حَقَّ إلّا ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى والمُثْبِتُونَ لِذَلِكَ أبْطَلُوا ما ذَكَرُوهُ في المُقَدِّمَةِ الأُولى بِأنَّ المُرادَ بِعَدَمِ الحُكْمِ الإنْكارُ وعَدَمُ التَّصْدِيقِ أوِ المُرادُ مَن لَمْ يَحْكم بِشَيْءٍ أصْلًا مِمّا أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى ولا شَكَّ أنَّهُ مِن شَأْنِ اِلْكَفَرَةِ أوِ المُرادُ بِما أنْزَلَهُ هُناكَ التَّوْراةُ بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ ونَحْنُ غَيْرُ مُتَعَبِّدِينَ بِها فَيَخْتَصُّ بِاليَهُودِ ويَكُونُ المُرادُ الحُكْمُ بِكُفْرِهِمْ إذْ لَمْ يَحْكُمُوا بِكِتابِهِمْ ونَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ كَما بُيِّنَ في شَرْحِ المَواقِفِ وما ذَكَرُوهُ في المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ بِأنَّ المُرادَ بِالمُنَزَّلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما يَشْمَلُ الصَّرِيحَ وغَيْرَهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ القِياسُ لا نُدْرِجُهُ في حُكْمِ المَقِيسِ عَلَيْهِ المُنَزَّلِ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ وقَدْ جاءَ في المُنَزَّلِ صَرِيحًا ﴿ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ وهو دالٌّ عَلى ما حُقِّقَ في مَحَلِّهِ عَلى حُسْنِ اتِّباعِ القِياسِ عَلى أنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ المَقْصُودَ مِنَ الحَصْرِ.

ويُحْتَمَلُ أيْضًا عَلى ما قِيلَ أنْ يَكُونَ المُرادُ هو الحَقُّ لا غَيْرُهُ مِنَ الكُتُبِ الغَيْرِ المُنَزَّلَةِ أوِ المُنَزَّلَةِ إلى غَيْرِهِ بِناءً عَلى تَحْرِيفِها ونَسْخِها وقَدْ يُقالُ: إنَّ دَلِيلَهم مَنقُوضٌ بِالسُّنَّةِ والإجْماعِ والجَوابُ الجَوابُ ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ عَنِ القُرْآنِ بِالمَوْصُولِ وإسْنادِ الإنْزالِ إلَيْهِ بِصِيغَةِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ والتَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَخامَةِ المُنَزَّلِ وتَشْرِيفِ المُنَزَّلِ والإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ ما لا يَخْفى ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ ﴾ قِيلَ هم كُفّارُ مَكَّةَ وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى والأوْلى أنْ يُرادَ أكْثَرُهم مُطْلَقًا ﴿ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ .

(1) .

بِذَلِكَ الحَقِّ المُبِينِ لِإخْلالِهِمْ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ فِيهِ فَعَدَمُ إيمانِهِمْ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مُتَعَلِّقٌ بِعُنْوانِ حَقِّيَّتِهِ لِأنَّهُ المَرْجِعُ لِلتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ لا بِعُنْوانِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا كَما قِيلَ ولِأنَّهُ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الوَصْفِ دُونَ <div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ ٱلَّذِى رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍۢ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ يَجْرِى لِأَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ۚ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ٢

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ ﴾ أيْ خَلَقَهُنَّ مُرْتَفَعاتٍ عَلى طَرِيقَةِ سُبْحانَ مَن كَبَّرَ الفِيلَ وصَغَّرَ البَعُوضَ لا أنَّهُ سُبْحانَهُ رَفَعَها بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ ﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴾ أيْ دَعائِمَ وهو اسْمُ جَمْعٍ عِنْدَ الأكْثَرِ والمُفْرَدُ عِمادٌ كِإهابٍ وأُهُبٍ يُقالُ: عَمَدْتُ الحائِطَ أعْمُدُهُ عَمْدًا إذا دَعَّمْتُهُ فاعْتَمَدَ واسْتَنَدَ وقِيلَ: المُفْرَدُ عَمُودٌ وقَدْ جاءَ أدِيمٌ وأُدُمٌ وقَصِيمٌ وقُصُمٌ وفَعِيلٌ وفَعُولٌ يَشْتَرِكانِ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعٌ ورُجِّحَ الأوَّلُ بِما سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ( عُمُدٍ ) بِضَمَّتَيْنِ وهو جَمْعُ عِمادٍ كَشِهابٍ وشُهُبٍ أوْ عَمُودٍ كَرَسُولٍ ورُسُلٍ ويُجْمَعانِ في القِلَّةِ عَلى أعْمِدَةٍ والجَمْعُ لِجَمْعِ السَّماواتِ لا لِأنَّ المَنفِيَّ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها العُمُدُ لا العِمادُ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ رَفْعُها خالِيَةً عَنْ عَمَدٍ ﴿ تَرَوْنَها ﴾ اسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَهُ مَنِ الإعْرابِ جِيءَ بِهِ لِلِاسْتِشْهادِ عَلى كَوْنِ السَّماواتِ مَرْفُوعَةً كَذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ فَقِيلَ: رُؤْيَتُكم لَها بِغَيْرِ عَمَدٍ فَهو كَقَوْلِكَ: أنا بِلا سَيْفٍ ولا رُمْحٍ تَرانِي.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِئْنافُ نَحْوِيًّا بِدُونِ تَقْدِيرِ سُؤالٍ وجَوابُ والأوَّلِ أوْلى وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ السَّماواتِ أيْ رَفَعَها مَرْئِيَّةً لَكم بِغَيْرِ عَمَدٍ وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنَّ المُخاطَبِينَ حِينَ رَفْعِها لَمْ يَكُونُوا مَخْلُوقِينَ وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلسَّماواتِ.

وجُوِّزَ كَوْنُ الجُمْلَةِ صِفَةً لِلْعَمَدِ فالضَّمِيرُ لَها واسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِقِراءَةِ أُبَيٍّ ( تَرَوْنَهُ ) لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الضَّمِيرَ عَلَيْها لِلْعَمَدِ وتَذْكِيرُهُ حِينَئِذٍ لائِحُ الوَجْهِ لِأنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ فَلُوحِظَ أصْلُهُ في الإفْرادِ ورُجُوعُهُ إلى الرَّفْعِ خِلافُ الظّاهِرِ وعَلى تَقْدِيرِ الوَصْفِيَّةِ يُحْتَمَلُ تَوَجُّهُ النَّفْيِ إلى الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ عَلى مِنوالِ: ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَتَجَحَّرُ لِأنَّها لَوْ كانَتْ لَها عَمَدٌ كانَتْ مَرْئِيَّةً وهَذا في المَعْنى كالِاسْتِئْنافِ ويُحْتَمَلُ تَوَجُّهُهُ إلى الصِّفَةِ فَيُفِيدُ أنَّ لَها عَمَدًا لَكِنَّها غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ والمُرادُ بِها قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى وهو الَّذِي يُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ فَيَكُونُ العَمَدُ عَلى هَذا اسْتِعارَةً وأخْرَجَ ابْنُ حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: السَّماءُ عَلى أرْبَعَةِ أمْلاكٍ كُلُّ زاوِيَةٍ مُوَكَّلٌ بِها مَلَكٌ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ العَمَدَ جَبَلُ قافٍ فَإنَّهُ مُحِيطٌ بِالأرْضِ والسَّماءُ عَلَيْهِ كالقُبَّةِ وتَعَقَّبَهُ الإمامُ بِأنَّهُ في غايَةِ السُّقُوطِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ في وجْهِ ذَلِكَ وأنا لا أرى ما قَبْلَهُ يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فالحَقُّ أنَّ العَمَدَ قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى وهَذا دَلِيلٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ تَعالى شَأْنُهُ وذَلِكَ لِأنَّ ارْتِفاعَ السَّماواتِ عَلى سائِرِ الأجْسامِ المُساوِيَةِ لَها في الجِرْمِيَّةِ كَما تَقَرَّرَ في مَحَلِّهِ واخْتِصاصَها بِما يَقْتَضِي ذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِمُخَصَّصٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جُسْمانِيٍّ يُرَجِّحُ بَعْضَ المُمْكِناتِ عَلى بَعْضٍ بِإرادَتِهِ.

ورُجِّحَ في الكَشْفِ اسْتِئْنافُ الجُمْلَةِ بِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِرَفْعِ هَذِهِ الأجْرامِ دُونَ عَمَدٍ كافٍ والِاسْتِشْهادُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ مُشاهَدًا مَحْسُوسًا تَأْكِيدٌ لِلتَّحْقِيقِ ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ الضَّمِيرَ المَنصُوبَ في ﴿ تَرَوْنَها ﴾ إذا كانَ راجِعًا إلى السَّماواتِ المَرْفُوعَةِ اقْتَضى ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ المَرْئِيَّ هو السَّماءُ وقَدْ صَرَّحَ الفَلاسِفَةُ بِأنَّ المَرْئِيَّ هو كُرَةُ البُخارِ وثَخَنُها كَما قالَ صاحِبُ التُّحْفَةِ أحَدٌ وخَمْسُونَ مِيلًا وتِسْعٌ وخَمْسُونَ دَقِيقَةً والمَجْمُوعُ سَبْعَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا وثُلُثُ فَرْسَخٍ تَقْرِيبًا وذَكَرُوا أنَّ سَبَبَ رُؤْيَتِها زَرْقاءَ أنَّها مُسْتَضِيئَةٌ دائِمًا بِأشِعَّةِ الكَواكِبِ وما وراءَها لِعَدَمِ قَبُولِهِ الضَّوْءَ كالمُظْلِمِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها فَإذا نَفَذَ نُورُ البَصَرِ مِنَ الأجْزاءِ المُسْتَنِيرَةِ بِالأشِعَّةِ إلى الأجْزاءِ الَّتِي هي كالمُظْلِمِ رَأى النّاظِرُ ما فَوْقَهُ مِنَ المُظْلِمِ بِما يُمازِجُهُ مِنَ الضِّياءِ الأرْضِيِّ والضِّياءِ الكَوْكَبِيِّ لَوْنًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الظَّلامِ والضِّياءِ وهو اللَّوْنُ اللّازَوَرْدِيُّ وذَلِكَ كَما إذا نَظَرْنا مِن جِسْمٍ أحْمَرَ مُشِفٍّ إلى جِسْمٍ أخْضَرَ فَإنَّهُ يَظْهَرُ لَنا لَوْنٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الحُمْرَةِ والخُضْرَةِ وأجْمَعُوا أنَّ السَّماواتِ الَّتِي هي الأفْلاكُ لا تُرى لِأنَّها شَفّافَةٌ لا لَوْنَ لَها لِأنَّها لا تَحْجُبُ الأبْصارَ عَنْ رُؤْيَةِ ما وراءَها مِنَ الكَواكِبِ وكُلُّ مُلَوَّنٍ فَإنَّهُ يُحْجَبُ عَنْ ذَلِكَ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الإمامُ الرّازِيُّ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ كُلَّ مُلَوَّنٍ حاجِبٌ فَإنَّ الماءَ والزُّجاجَ مُلَوَّنانِ لِأنَّهُما مَرْئِيّانِ ومَعَ ذَلِكَ لا يَحْجُبانِ فَإنَّ قِيلَ: فِيهِما حَجْبٌ عَنِ الإبْصارِ الكامِلِ قُلْنا: وكَيْفَ عَرَفْتُمْ أنَّكم أدْرَكْتُمْ هَذِهِ الكَواكِبَ إدْراكًا تامًّا.

انْتَهى.

عَلى أنَّ ما ذَكَرُوُهَ لا يَتَمَشّى في المُحَدَّدِ إذْ لَيْسَ وراءَهُ شَيْءٌ حَتّى يُرى ولا في الفَلَكِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ بِفَلَكِ الثَّوابِتِ أيْضًا إذْ لَيْسَ فَوْقَهُ كَوْكَبٌ مَرْئِيٌّ ولَيْسَ لَهم أنْ يَقُولُوا لَوْ كانَ كُلٌّ مِنهُما مُلَوَّنًا لَوَجَبَ رُؤْيَتُهُ لِأنّا نَقُولُ جازَ أنْ يَكُونَ لَوْنُهُ ضَعِيفًا كَلَوْنِ الزُّجاجِ فَلا يُرى مِن بَعِيدٍ ولَئِنْ سَلَّمْنا وُجُوبَ رُؤْيَةِ لَوْنِهِ قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الزُّرْقَةُ الصّافِيَةُ المَرْئِيَّةُ لَوْنَهُ وما ذُكِرَ أوَّلًا فِيها دُونَ إثْباتِهِ كُرَةُ النّارِ وما يُقالُ: إنَّها أمْرٌ يَحْسُنُ في الشَّفّافِ إذا بَعْدَ عُمْقِهِ كَما في ماءِ البَحْرِ فَإنَّهُ يُرى أزْرَقَ مُتَفاوِتَ الزُّرْقَةِ بِتَفاوُتِ قَعْرِهِ قَرْبًا وبَعْدُ فالزُّرْقَةُ المَذْكُورَةُ لَوْنٌ يُتَخَيَّلُ في الجَوِّ الَّذِي بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لِأنَّهُ شَفّافٌ بُعْدُ عُمْقِهِ لا يُجْدِي نَفْعًا لِأنَّ الزُّرْقَةَ كَما تَكُونُ لَوْنًا مُتَخَيَّلًا قَدْ تَكُونُ أيْضًا لَوْنًا حَقِيقِيًّا قائِمًا بِالأجْسادِ وما الدَّلِيلُ عَلى أنَّها لا تَحْدُثُ إلّا بِذَلِكَ الطَّرِيقِ التَّخَيُّلِيِّ فَجازَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الزُّرْقَةُ المَرْئِيَّةُ لَوْنًا حَقِيقِيًّا لِأحَدِ الفَلَكَيْنِ كَذا قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ عِنْدَ المُسْلِمِينَ مِن كَوْنِ المَرْئِيِّ هو السَّماءُ الدُّنْيا المُسَمّاةُ بِفَلَكِ القَمَرِ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ بَلْ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الظَّواهِرُ ولا نُسَلِّمُ أنَّ ما يَذْكُرُونَهُ مِن طَبَقاتِ الهَواءِ مانِعًا وهَذِهِ الزُّرْقَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لَوْنًا حَقِيقِيًّا لِتِلْكَ السَّماءِ صَبَغَها اللَّهُ تَعالى بِهِ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وعَلَيْهِ الأثَرِيُّونَ كَما قالَ القَسْطَلانِيُّ ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرُ ما صَحَّ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «وما أظَلَّتِ الخَضْراءُ ولا أقَلَّتِ الغَبْراءُ وفي رِوايَةِ الأرْضِ مِن ذِي لَهْجَةِ أصْدَقِ مِن أبِي ذَرٍّ» ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَوْنًا تَخَيُّلِيًّا في طَبَقَةٍ مِن طَبَقاتِ الهَواءِ الشَّفّافِ الَّذِي مَلَأ اللَّهُ بِهِ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ ويَكُونُ لَها في نَفْسِها لَوْنٌ حَقِيقِيٌّ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِكَيْفِيَّتِهِ ولا بُعْدَ في أنْ يَكُونَ أبْيَضَ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ بَعْضُ الأخْبارِ لَكِنّا نَحْنُ نَراها مِن وراءِ ذَلِكَ الهَواءِ بِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ كَما نَرى الشَّيْءَ الأبْيَضَ مِن وراءِ جامٍ أخْضَرَ أخْضَرَ ومِن وراءِ جامٍ أزْرَقَ أزْرَقَ وهَكَذا وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ ذَلِكَ مِنَ انْعِكاسِ لَوْنِ جَبَلِ قافٍ عَلَيْها.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ جَبَلَ قافٍ لا وُجُودَ لَهُ وبُرْهِنَ عَلَيْهِ بِما يَرُدُّهُ كَما قالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ ما جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن طُرُقٍ أخْرَجَها الحُفّاظُ وجَماعَةٌ مِنهم مِمَّنِ التَزَمُوا تَخْرِيجَ الصَّحِيحِ وقَوْلُ الصَّحابِيِّ ذَلِكَ ونَحْوَهُ مِمّا لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ حُكْمُهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ إلى النَّبِيِّ  مِنها أنَّ وراءَ أرْضِنا بَحْرًا مُحِيطًا ثُمَّ جَبَلًا يُقالُ لَهُ قافٌ ثُمَّ أرْضًا ثُمَّ بَحْرًا ثُمَّ جَبَلًا وهَكَذا حَتّى عَدَّ سَبْعًا مِن كَلٍّ وخَرَّجَ بَعْضُ أُولَئِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ أنَّهُ جَبَلٌ مِن زُمُرُّدٍ مُحِيطٌ بِالدُّنْيا عَلَيْهِ كَنَفا السَّماءِ وعَنْ مُجاهِدٍ مِثْلُهُ ونَقَلَ صاحِبُ حَلِّ الرُّمُوزِ أنَّ لَهُ سَبْعَ شُعَبٍ وأنَّ لِكُلِّ سَماءٍ مِنها شُعْبَةً وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ ذَلِكَ ما فِيهِ بَلْ أنا أجْزِمُ بِأنَّ السَّماءَ لَيْسَتْ مَحْمُولَةً إلّا عَلى كاهِلِ القُدْرَةِ والظّاهِرُ أنَّها مُحِيطَةٌ بِالأرْضِ مِن سائِرِ جِهاتِها كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وفي الزُّرْقَةِ الِاحْتِمالانِ بَقِيَ الكَلامُ في رُؤْيَةِ باقِي السَّماواتِ وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِيهِ وأظُنُّكَ لا تَرى ذَلِكَ وظاهِرُ بَعْضِ الآياتِ يُساعِدُكَ فَتَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّ الباقِيَ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَرْئِيًّا حَقِيقَةً لَكِنَّهُ في حُكْمِ المَرْئِيِّ ضَرُورَةَ أنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ لِهَذا عِمادٌ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ لِما وراءَهُ عِمادٌ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ويُؤَوَّلُ هَذا إلى كَوْنِ المُرادِ تَرَوْنَها حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا بِغَيْرِ عَمَدٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَرَوْنَ رَفْعَها أيِ السَّماواتِ جَمِيعًا بِغَيْرِ ذَلِكَ وفي الكَشْفِ ما يُشِيرُ إلَيْهِ وإذا جُعِلَ الضَّمِيرُ لِلْعَمَدِ فالأمْرُ ظاهِرٌ فَتَدَبَّرْ ومِنَ البَعِيدِ الَّذِي لا نَراهُ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ﴿ تَرَوْنَها ﴾ خَبَرٌ في اللَّفْظِ ومَعْناهُ الأمْرُ رَوْها وانْظُرُوا هَلْ لَها مَن عَمَدٍ ﴿ ثُمَّ اسْتَوى ﴾ سُبْحانَهُ اسْتِواءً يَلِيقُ بِذاتِهِ ﴿ عَلى العَرْشِ ﴾ وهو المُحَدَّدُ بِلِسانِ الفَلاسِفَةِ وقَدْ جاءَ في الأخْبارِ مِن عِظَمِهِ ما يُبْهِرُ العُقُولَ وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الخَلَفِ الكَلامَ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً لِلْحِفْظِ والتَّدْبِيرِ وبَعْضُهم فَسَّرَ اسْتَوى بِاسْتَوْلى ومَذْهَبُ السَّلَفِ في ذَلِكَ شَهِيرٌ ومَعَ هَذا قَدَّمْنا الكَلامَ فِيهِ وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ بِهِ القَصْدَ إلى إيجادِ العَرْشِ كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ﴾ لِأنَّ إيجادَهُ قَبْلَ إيجادِ السَّماواتِ ولا حاجَةَ إلى إرادَةِ ذَلِكَ مَعَ القَوْلِ بِسَبْقِ الإيجادِ وحَمْلُ ﴿ ثُمَّ ﴾ عَلى التَّراخِي في الرُّتْبَةِ نَعَمْ قالَ بَعْضُهم: إنَّها لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لا لِأنَّ الِاسْتِواءَ بِمَعْنى القَصْدِ المَذْكُورِ وهو مُتَقَدِّمٌ بَلْ لِأنَّهُ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ لائِقَةٌ بِهِ تَعالى شَأْنُهُ وهو مُتَقَدِّمٌ عَلى رَفْعِ السَّماواتِ أيْضًا وبَيْنَهُما تَراخٍ في الرُّتْبَةِ ﴿ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ ذَلَّلَهُما وجَعَلَهُما طائِعَيْنِ لِما أُرِيدَ مِنهُما ﴿ كُلٌّ ﴾ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ ﴿ يَجْرِي ﴾ يَسِيرُ في المَنازِلِ والدَّرَجاتِ ﴿ لأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ أيْ وقْتٍ مُعَيَّنٍ فَإنَّ الشَّمْسَ تَقْطَعُ الفَلَكَ في سَنَةٍ والقَمَرَ في شَهْرٍ لا يَخْتَلِفُ جَرْيُ كُلٍّ مِنهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ﴾ .

﴿ والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ ﴾ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقِيلَ: أيْ كُلٌّ يَجْرِي لِغايَةٍ مَضْرُوبَةٍ دُونَها سَيْرُهُ وهي ﴿ إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ ﴿ وإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾ وهَذا مُرادُ مُجاهِدٍ مِن تَفْسِيرِ الأجَلِ المُسَمّى بِالدُّنْيا قِيلَ: والتَّفْسِيرُ الحَقُّ ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ وأمّا الثّانِي فَلا يُناسِبُ الفَصْلَ بِهِ بَيْنَ التَّسْخِيرِ والتَّدْبِيرِ ثُمَّ إنَّ غايَتَهُما مُتَّحِدَةٌ والتَّعْبِيرُ بِكُلٍّ يَجْرِي صَرِيحٌ في التَّعَدُّدِ وما لِلْغايَةِ ( إلى ) دُونَ اللّامِ ورُدَّ بِأنَّهُ إنْ أرادَ أنَّ التَّعْبِيرَ بِذَلِكَ صَرِيحٌ في تَعَدُّدِ ذِي الغايَةِ فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ لا يُجْدِيهِ نَفْعًا وإنْ أرادَ صَراحَتَهُ في تَعَدُّدِ الغايَةِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ واللّامُ تَجِيءُ بِمَعْنى إلى كَما في المَعْنى وغَيْرِهِ وأنْتَ تَعْلَمُ لا يُفِيدُ أكْثَرَ مِن صِحَّةِ التَّفْسِيرِ الثّانِي فافْهَمْ وما أشَرْنا إلَيْهِ مِنَ المُرادِ مِن كُلٍّ هو الظّاهِرُ وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ذِكْرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ قَدْ تَضَمَّنَ ذِكْرَ الكَواكِبِ فالمُرادُ مِن كُلٍّ مِنهُما ومِمّا هو في مَعْناهُما مِنَ الكَواكِبِ والحَقُّ ما عَلِمْتَ ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ أيْ أمْرَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَقْضِي ويُقَدِّرُ ويَتَصَرَّفُ في ذَلِكَ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وإلّا فالتَّدْبِيرُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ لِاقْتِضائِهِ التَّفَكُّرَ في دُبُرٍ الأُمُورِ مِمّا لا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ تَعالى: ﴿ يُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ أيْ يُنَزِّلُها ويُبَيِّنُها مُفَصَّلَةً والمُرادُ بِها آياتُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ أوِ القُرْآنُ عَلى ما هو المُناسِبُ لِما قَبْلُ أوِ المُرادُ بِها الدَّلائِلُ المُشارُ إلَيْها فِيما تَقَدَّمَ وبِتَفْصِيلِها تَبْيِينُها وقِيلَ إحْداثُها عَلى ما هو المُناسِبُ لِما بَعْدُ.

والجُمْلَتانِ جُوِّزَ أنْ يَكُونا مُسْتَأْنَفَتَيْنِ وأنْ يَكُونا حالَيْنِ مِن ضَمِيرِ ( اسْتَوى ) و( سَخَّرَ ) مِن تَتِمَتِهِ بِناءً عَلى أنَّهُ جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَعْنى الِاسْتِواءِ وتَبْيِينِهِ أوْ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لَهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ يُدَبِّرُ ﴾ حالًا مِن فاعِلِ ( سَخَّرَ ) و ﴿ يُفَصِّلُ ﴾ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ يُدَبِّرُ ﴾ و( اللَّهُ الَّذِي ) ..

إلَخْ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأً والمَوْصُولُ صِفَتَهُ وجُمْلَةُ ﴿ يُدَبِّرُ ﴾ خَبَرَهُ وجُمْلَةُ ﴿ يُفَصِّلُ ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ ورُجِّحَ كَوْنُ ذَلِكَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا في الكَشْفِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى الآتِيَ: ﴿ وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّقابُلِ بَيْنَ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ وفي المُقابِلِ تَتَعَيَّنُ الخَبَرِيَّةُ فَكَذَلِكَ في المُقابَلِ لِيَتَوافَقا ولِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ كَذَلِكَ هو المَقْصُودُ بِالحُكْمِ لا أنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلى تَحْقِيقِ الخَبَرِ وتَعْظِيمِهِ كَما في الوَجْهِ الآخَرِ ثُمَّ قالَ: وهو عَلى هَذا جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ﴾ وعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ الرَّبِّ إلى الِاسْمِ المُظْهَرِ الجامِعِ لِتَرْشِيحِ التَّقْرِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ لا يَكُونُ مُنَزِّلٌ مَن هَذِهِ أفْعالُهُ الحَقُّ الَّذِي لا أحَقَّ مِنهُ وفي الإتْيانِ بِالمُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعْرِفَتَيْنِ ما يُفِيدُ تَحْقِيقَ أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ أفْعالُهُ دُونَ مُشارَكَةٍ لا سِيَّما وقَدْ جُعِلَتْ صِلاتٍ لِلْمَوْصُولِ وهَذا أشَدُّ مُناسَبَةً لِلْمَقامِ مِن جَعْلِهِ وصْفًا مُفِيدًا تَحْقِيقَ كَوْنِهِ تَعالى مُدَبِّرًا مُفَصَّلًا مَعَ التَّعْظِيمِ لِشَأْنِهِما كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ <div class="verse-tafsir"

وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنْهَـٰرًۭا ۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ۖ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ٣

وتَقَدُّمُ ذِكْرُ الآياتِ ناصِرٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ الآياتِ في المَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِفَةُ الدَّلالَةِ ولِأنَّ المُناسِبَ حِينَئِذٍ تَأخُّرُهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ الَّذِي مَدَّ ﴾ ..

إلَخْ عَلى أنَّ سَوْقَ تِلْكَ الصِّفاتِ أعْنِي رَفْعَ السَّماواتِ وما تَلاهُ لِلْغَرَضِ المَذْكُورِ وسَوْقَ مُقابَلاتِها لِغَرَضٍ آخَرَ مُنافِرٍ وفي الأوَّلِ رُوعِيَ لَطِيفَةٌ في تَعْقِيبِ الأوائِلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( يُدَبِّرُ، يُفَصِّلُ ) لِلْإيقانِ والثَّوانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ أيْ مِن فَضْلِ السَّوابِقِ لِإفادَتِها اليَقِينَ واللَّواحِقُ ذَرائِعُ إلى حُصُولِهِ لِأنَّ الفِكْرَ آلَتُهُ والإشارَةُ إلى تَقْدِيمِ الثَّوانِي بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا مَعَ التَّأخُّرِ رُتْبَةً وذَلِكَ فائِتٌ عَلى الوَجْهِ الآخَرِ.

اهَـ.

وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ فِيما أرى ولا تَنافِيَ كَما قالَ الشِّهابُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ بِاعْتِبارِ أنَّ الوَصْفِيَّةَ تَقْتَضِي المَعْلُومِيَّةَ والخَبَرِيَّةَ تَقْتَضِي خِلافَها لِأنَّ المَعْلُومِيَّةَ عَلَيْهِما والمَقْصُودُ بِالإفادَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ ﴾ .

(2) .

أيْ لَكم تَتَفَكَّرُوا وتُحَقِّقُوا كَمالَ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ فَتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ والجَزاءِ وحاصِلُهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ فَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ لِذَلِكَ وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ فَعَلَ الأخِيرَيْنِ لِذَلِكَ مَعَ أنَّ الكُلَّ لَهُ ثُمَّ قالَ: وهَذا مِمّا يُرَجِّحُ الوَجْهَ الأوَّلَ أيْضًا كَما يُرَجِّحُهُ أنَّهُ ذَكَرَ تَبْيِينَ الآياتِ وهي الرَّفْعُ وما تَلاهُ فَإنَّهُ ذَكَرَها لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى وعِلْمِهِ ولا يُسْتَدَلُّ بِها إلّا إذا كانَتْ مَعْلُومَةً فَيَقْتَضِي كَوْنُها صِفَةً.

فَإنْ قِيلَ: لا بُدَّ في الصِّلَةِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً سَواءً كانَتْ صِفَةً أوْ خَبَرًا يُقالُ: إذا كانَ ذَلِكَ صِلَةً دَلَّ عَلى انْتِسابِ الآياتِ إلى اللَّهِ تَعالى وإذا كانَ خَبَرًا دَلَّ عَلى انْتِسابِها إلى مَوْجُودٍ مُبْهَمٍ وهو غَيْرُ كافٍ في الِاسْتِدْلالِ فَتَأمَّلْ وقَرَأ النَّخَعِيُّ وأبُو رُزَيْنٍ وأبانُ بْنُ تَغَلِبَ عَنْ قَتادَةَ ( نُدَبِّرُ، نُفَصِّلُ ) بِالنُّونِ فِيهِما وكَذا رَوى أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ عَنِ الحَسَنِ ووافَقَ في ( نُفَصِّلُ ) بِالنُّونِ الخَفّافُ وعَبْدُ الوَهّابِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: جاءَ عَنِ الحَسَنِ والأعْمَشِ ( نُفَصِّلُ ) بِالنُّونِ وقالَ المَهْدَوِيُّ: لَمْ يُخْتَلَفْ في ( يُدَبِّرُ ) ولَيْسَ كَما قالَ لِما سَمِعْتَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِنَ الشَّواهِدِ العُلْوِيَّةِ ما ذَكَرَ أرْدَفَها بِذِكْرِ الدَّلائِلِ السُّفْلِيَّةِ فَقالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ ﴾ أيْ بَسَطَها طُولًا وعَرْضًا قالَ الأصَمُّ: البَسْطُ المَدُّ إلى ما لا يُرى مُنْتَهاهُ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى بُعْدِ مَداها وسِعَةِ أقْطارِها وقِيلَ: كانَتْ مُجْتَمِعَةً فَدَحاها مِن مَكَّةَ مِن تَحْتِ البَيْتِ وقِيلَ: كانَتْ مُجْتَمِعَةً عِنْدَ بَيْتِ المَقْدِسِ فَدَحاها وقالَ سُبْحانَهُ لَها: اذْهَبِي كَذا وكَذا وهو المُرادُ بِالمَدِّ ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّها مُسَطَّحَةٌ غَيْرُ كُرَيَّةِ والفَلاسِفَةُ مُخْتَلِفُونَ في ذَلِكَ فَذَهَبَ فَرِيقٌ مِنهم إلى أنَّها لَيْسَتْ كُرَيَّةً وهَؤُلاءِ طائِفَتانِ فَواحِدَةٌ تَقُولُ: إنَّها مُحَدَّبَةٌ مِن فَوْقَ مُسَطَّحَةٌ مِن أسْفَلَ فَهي كَقَدَحٍ كُبَّ عَلى وجْهِ الماءِ وأُخْرى تَقُولُ بِعَكْسِ ذَلِكَ وذَهَبَ الأكْثَرُونَ مِنهم إلى أنَّها كُرَيَّةٌ أمّا في الطُّولِ فَلِأنَّ البِلادَ المُتَوافِقَةَ في العَرْضِ أوِ الَّتِي لا عَرْضَ لَها كُلَّما كانَتْ أقْرَبَ إلى الغَرْبِ كانَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وسائِرِ الكَواكِبِ عَلَيْها مُتَأخِّرًا بِنِسْبَةٍ واحِدَةٍ ولا يُعْقَلُ ذَلِكَ إلّا في الكُرَةِ وأمّا في العَرْضِ فَلِأنَّ السّالِكَ في الشَّمالِ كُلَّما أوْغَلَ فِيهِ ازْدادَ القُطْبُ ارْتِفاعًا عَلَيْهِ بِحَسَبِ إيغالِهِ فِيهِ عَلى نِسْبَةٍ واحِدَةٍ بِحَيْثُ يَراهُ قَرِيبًا مِن سَمْتِ رَأْسِهِ وكَذَلِكَ تَظْهَرُ لَهُ الكَواكِبُ الشَّمالِيَّةُ وتَخْفى عَنْهُ الكَواكِبُ الجَنُوبِيَّةُ والسّالِكُ الواغِلُ في الجَنُوبِ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ وأمّا فِيما بَيْنَهُما فَلِتَرَكُّبِ الأمْرَيْنِ وأُورِدَ عَلَيْهِمُ الِاخْتِلافُ المَشاهَدُ في سَطْحِها فَأجابُوا عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ في أصْلِ الكُرَيَّةِ الحِسِّيَّةِ المَعْلُومَةِ بِما ذُكِرَ فَإنَّ نِسْبَةَ ارْتِفاعِ أعْظَمِ الجِبالِ عَلى ما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ اسْتِقْراؤُهم وانْتَهَتْ إلَيْهِ آراؤُهم وهو جَبَلُ دَماوَنْدَ فِيما بَيْنُ الرَّيِّ وطَبَرِسْتانَ أوْ جَبَلٌ في سَرَنْدِيبَ إلى قُطْرِ الأرْضِ كَنِسْبَةِ سُبْعِ عَرْضِ شَعِيرَةٍ إلى ذِراعٍ.

واعْتُرِضَ ذَلِكَ بِأنَّهُ هَبْ أنَّ ما ذَكَرْتُمْ كَذَلِكَ فَما قَوْلُكم فِيما هو مَغْمُورٌ في الماءِ فَإنْ قالُوا: إذا كانَ الظّاهِرُ كُرَيًّا فالباقِي كَذَلِكَ لِأنَّها طَبِيعَةٌ واحِدَةٌ قُلْنا: فالمَرْجِعُ حِينَئِذٍ إلى البَساطَةِ واقْتِضاؤُها الكُرَيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ ولا شَكَّ أنَّهُ يَمْنَعُها التَّضارِيسُ وإنْ لَمْ تَظْهَرْ لِلْحِسِّ لِكَوْنِها في غايَةِ الصِّغَرِ لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أرْبابَ التَّعْلِيمِ يَكْتَفُونَ بِالكُرَيَّةِ الحِسِّيَّةِ في السَّطْحِ الظّاهِرِ فَلا يَتَّجِهُ عَلَيْهِمُ السُّؤالُ عَنِ المَغْمُورِ ولا يَلِيقُ بِهِمُ الجَوابُ بِالرُّجُوعِ إلى البَساطَةِ والحَقُّ الَّذِي لا يُنْكِرُهُ إلّا جاهِلٌ أوْ مُتَجاهِلٌ أنَّ ما ظَهَرَ مِنها كُرًى حِسًّا ولِذَلِكَ كُرَيَّةُ الفَلَكِ تَخْتَلِفُ أوْقاتُ الصَّلاةِ في البِلادِ فَقَدْ يَكُونُ الزَّوالُ بِبَلَدٍ ولا يَكُونُ بِبَلَدٍ آخَرَ وهَكَذا الطُّلُوعُ والغُرُوبُ وغَيْرُ ذَلِكَ وكُرَيَّةُ ما عَدا ما ذَكَرَ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى نَعَمْ إنَّها لِعِظَمِ جِرْمِها الظّاهِرِ يُشاهَدُ كُلُّ قِطْعَةٍ وقُطْرٍ مِنها كَأنَّهُ مُسَطَّحٌ وهَكَذا كُلُّ دائِرَةٍ عَظِيمَةٍ وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّهُ لا تَنافِيَ بَيْنَ المَدِّ وكَوْنِها كُرَوِيَّةً وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ ظاهِرَ الشَّرِيعَةِ يَقْتَضِي أنَّها مُسَطَّحَةٌ وكَأنَّهُ يَقُولُ بِذَلِكَ وهو خِلافُ ما يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ وهي عِنْدُهم ثَلاثُ طَبَقاتٍ الطَّبَقَةُ الصِّرْفَةُ المُحِيطَةُ بِالمَرْكَزِ ثُمَّ الطَّبَقَةُ الطِّينِيَّةُ ثُمَّ الطَّبَقَةُ المُخالِطَةُ الَّتِي تَتَكَوَّنُ فِيها المَعادِنُ وكَثِيرٌ مِنَ النَّباتاتِ والحَيَواناتِ والصِّرْفَةُ مِنها غَيْرُ مُلَوَّنَةٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ ومالَ ابْنُ سِينا إلى أنَّها مُلَوَّنَةٌ واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الأرْضَ المَوْجُودَةَ عِنْدَنا وإنْ كانَتْ مَخْلُوطَةً بِغَيْرِها ولَكِنّا قَدْ نَجِدُ فِيها ما يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ الأرْضِيَّةَ فَلَوْ كانَتِ الأرْضُ البَسِيطَةُ شَفّافَةً لَكانَ يَجِبُ أنْ نَرى في شَيْءٍ مِن أجْزاءِ الأرْضِ مِمّا لَيْسَ مُتَكَوِّنًا تَكَوُّنًا مَعْدِنِيًّا شَيْئًا فِيهِ إشْفافٌ ولَكانَ حُكْمُ الأرْضِ في ذَلِكَ حُكْمَ الماءِ والهَواءِ فَإنَّهُما وإنِ امْتَزَجا إلّا أنَّهُما ما عَدِما الإشْفافَ بِالكُلِّيَّةِ واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِالتَّلَوُّنِ فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ لَوْنَها هو الغَبَرَةُ ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّهُ السَّوادُ وزَعَمَ أنَّ الغُبْرَةَ إنَّما تَكُونُ إذا خالَطَتِ الأجْزاءُ الأرْضِيَّةُ أجْزاءً هَوائِيَّةً فَبِسَبَبِها يَتَكَسَّرُ ويَحْصُلُ الغُبْرَةُ وأمّا إذا اجْتَمَعَتْ تِلْكَ الأجْزاءُ بِحَيْثُ لا يُخالِطُها كَثِيرُ هَوائِيَّةٍ اشْتَدَّ السَّوادُ وذَلِكَ مِثْلُ الفَحْمِ قَبْلَ أنْ يَتَرَمَّدَ فَإنَّ النّارَ لا عَمَلَ لَها إلّا في تَفْرِيقِ المُخْتَلِفاتِ فَهي لَمّا حَلَّلَتْ ما في الخَشَبِ مِنَ الهَوائِيَّةِ واجْتَمَعَتِ الأجْزاءُ الأرْضِيَّةُ مِن غَيْرِ أنْ يَتَخَلَّلَها شَيْءٌ غَرِيبٌ ظَهَرَ لَوْنُ أجْزائِها وهو السَّوادُ ثُمَّ إذا رَمَدَتْهُ اخْتَلَطَتْ بِتِلْكَ الأجْزاءِ أجْزاءٌ هَوائِيَّةٌ فَلا جَرَمَ ابْيَضَّتْ مَرَّةً أُخْرى ولِذَلِكَ صَحَّ في الخَبَرِ وقَدْ سَبَقَ إطْلاقُ الغَبْراءِ عَلى الأرْضِ وهو مُحْتَمِلٌ لِأنْ تَكُونَ سائِرُ طَبَقاتِها كَذَلِكَ ولِأنْ يَكُونَ وجْهُها الأعْلى كَذَلِكَ نَعَمْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ في أسْفَلِ الأرْضِ تُرابًا أبْيَضَ وما ذُكِرَ مِنَ الطَّبَقاتِ مِمّا لا يُصادِمُ خَبَرًا صَحِيحًا في ذَلِكَ وكَوْنُها سَبْعَ طَبَقاتٍ بَيْنَ كُلِّ طَبَقَةٍ وطَبَقَةٍ كَما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وسَماءٍ خَمْسَمِائَةِ عامٍ وفي كُلٍّ خَلْقٌ غَيْرِ مُسْلِمٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ لا يُثْبِتُهُ كَما سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والخَبَرُ في ذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمِ الصِّحَّةِ أيْضًا ومِثْلُ ذَلِكَ فِيما أرى ما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ مَسِيرَةَ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ فَمِائَةُ سَنَةٍ في المَشْرِقِ لا يَسْكُنُها شَيْءٌ مِنَ الحَيَوانِ لا جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا دابَّةٌ ولَيْسَ في ذَلِكَ شَجَرَةٌ ومِائَةُ سَنَةٍ في المَغْرِبِ كَذَلِكَ وثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ فِيما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ يَسْكُنُها الحَيَوانُ وكَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِن أنَّ الدُّنْيا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ أرْبَعُمِائَةِ عامِ خَرابٌ ومِائَةٌ عُمْرانٌ والمُقَرَّرُ عِنْدَ أهْلِ الهَنْدَسَةِ والهَيْئَةِ غَيْرُ هَذا فَقَدَ ذَكَرَ القُدَماءُ مِنهم أنَّ مُحِيطَ دائِرَةِ الأرْضِ المُوازِيَةِ لِدائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ ثَمانِيَةُ آلافِ فَرْسَخٍ حاصِلَةٌ مِن ضَرْبِ فَراسِخِ دَرَجَةٍ واحِدَةٍ وهي عِنْدَهُمُ اثْنانِ وعِشْرُونَ فَرْسَخًا وتِسْعُ فَراسِخَ في ثَلاثِمِائَةٍ وسِتِّينَ مُحِيطِ الدّائِرَةِ العُظْمى عَلى الأرْضِ والمُتَأخِّرُونَ أنَّ ذَلِكَ سِتَّةُ آلافٍ وثَمانِمِائَةِ فَرْسَخٍ حاصِلَةٌ مِن ضَرْبِ فَراسِخِ دَرَجَةٍ وهي عِنْدَهم تِسْعَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا إلّا تِسْعَ فَراسِخَ في المُحِيطِ المَذْكُورِ وعَلى القَوْلَيْنِ التَّفاوُتُ بَيْنَ ما يَقُولُهُ المُهَنْدِسُونَ ومَن مَعَهم وما نُسِبَ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ أمْرٌ عَظِيمٌ والحَقُّ في ذَلِكَ مَعَ المُهَنْدِسِينَ.

وزَعَمُوا أنَّ المَوْضِعَ الطَّبِيعِيَّ هو الوَسَطُ مِنَ الفَلَكِ وأنَّها بِطَبْعِها تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مَغْمُورَةً بِالماءِ ساكِنَةً في حاقِ الوَسَطِ مِنهُ لَكِنْ لَمّا حَصَلَ في جانِبٍ مِنها تِلالٌ وجِبالٌ ومَواضِعُ عالِيَةٌ وفي جانِبٍ آخَرَ ضِدَّ ذَلِكَ لِأسْبابٍ سَتَسْمَعُها بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وكانَ مِن طَبْعِ الماءِ أنْ يَسِيلَ مِنَ المَواضِعِ العالِيَةِ إلى المَواضِعِ العَمِيقَةِ لا جَرَمَ انْكَشَفَ الجانِبُ المُشْرِفُ مِنَ الأرْضِ وسالَ الماءُ إلى الجَوانِبِ العَمِيقَةِ مِنها ولِلْكَواكِبِ في زَعْمِهِمْ تَأْثِيرٌ في ذَلِكَ بِحَسَبِ المُسامَتاتِ الَّتِي تَتَبَدَّلُ عِنْدَ حَرَكاتِها خُصُوصًا الثَّوابِتَ والأوْجاتِ والحَضِيضاتِ المُتَغَيِّرَةَ في أمْكِنَتِها وحَكَمَ أصْحابُ الأرْصادِ أنَّ طُولَ البَرِّ المُنْكَشِفِ نِصْفُ دَوْرِ الأرْضِ وعَرْضَهُ أحَدُ أرْباعِها إلى ناحِيَةِ الشَّمالِ وفي تَعْيِينٍ أيِ الرُّبْعَيْنِ الشَّمالِيَّيْنِ مُنْكَشِفٌ تَعَذَّرَ أوْ تَعَسَّرَ كَما قالَ صاحِبُ التُّحْفَةِ وأمّا ما عَدا ذَلِكَ فَقالَ الإمامُ: لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى كَوْنِهِ مَغْمُورًا في الماءِ ولَكِنَّ الأشْبَهَ ذَلِكَ إذِ الماءُ أكْثَرُ مِنَ الأرْضِ أضْعافًا لِأنَّ كُلَّ عُنْصُرٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوِ اسْتَحالَ بِكُلِّيَّتِهِ إلى عُنْصُرٍ آخَرَ مِثْلِهِ والماءُ يَصْغُرُ حَجْمُهُ عِنْدَ الِاسْتِحالَةِ أرْضًا ومَعَ ذَلِكَ لَوْ كانَ في بَعْضِ المَواضِعِ مِنَ الأرْباعِ الثَّلاثَةِ عِمارَةٌ قَلِيلَةٌ لا يُعْتَدُّ بِها وأمّا تَحْتَ القُطْبَيْنِ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عِمارَةً لِاشْتِدادِ البَرْدِ: وإنَّما حَكَمُوا بِأنَّ المَعْمُورَ الرُّبْعُ لِأنَّهم لَمْ يَجِدُوا في أرْصادِ الحَوادِثِ الفَلَكِيَّةِ كالخَسُوفاتِ وقِراناتِ الكَواكِبِ الَّتِي لا اخْتِلافَ مَنظَرٍ لَها تَقَدُّمًا في ساعاتِ الواغِلِينَ في المَشْرِقِ لِتِلْكَ الحَوادِثِ عَلى ساعاتِ الواغِلِينَ في المَغْرِبِ زائِدًا عَلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ساعَةً مُسْتَوِيَةً وهي نِصْفُ الدَّوْرِ لِأنَّ كُلَّ ساعَةٍ خَمْسَةَ عَشَرَ جُزْأً مِن أجْزاءِ مُعَدَّلِ النَّهارِ تَقْرِيبًا وضَرْبُ خَمْسَةَ عَشَرَ في اثْنَيْ عَشَرَ مِائَةٌ وثَمانُونَ ونَحْنُ نَقُولُ بِوُجُودِ الخَرابِ وأنَّهُ أكْثَرُ مِنَ المَعْمُورِ بِكَثِيرٍ وأكْثَرُ المَعْمُورِ شَمالِيٌّ ولا يُوجَدُ في الجَنُوبِ مِنهُ إلّا مِقْدارٌ يَسِيرٌ لَكِنّا نَقُولُ: ما زَعَمُوهُ سَبَبًا لِلِانْكِشافِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ونُسْنِدُ كَوْنَ الأرْضِ بِحَيْثُ وُجِدَتْ صالِحَةً لِسُكْنى الحَيَواناتِ وخُرُوجِ النَّباتِ إلى قُدْرَتِهِ تَعالى واخْتِيارِهِ سُبْحانَهُ وإلّا فَمِن أنْصَفِ عِلْمٍ أنْ لا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلى مَعْرِفَةِ سَبَبِ ذَلِكَ عَلى التَّحْقِيقِ وقالَ: إنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ في الأرْضِ لِمُجَرَّدِ مَشِيئَتِهِ المُوافَقَةِ لِلْحِكْمَةِ.

﴿ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ في أحْيازِها مِنَ الرُّسُوِّ وهو ثَباتُ الأجْسامِ الثَّقِيلَةِ ولَمْ يُذْكَرِ المَوْصُوفُ لِإغْناءِ غَلَبَةِ الوَصْفِ بِها عَنْ ذَلِكَ وفَواعِلُ يَكُونُ جَمْعَ فاعِلٍ إذا كانَ صِفَةَ مُؤَنَّثٍ كَحائِضٍ أوْ صِفَةَ ما لا يَعْقِلُ مُذَكَّرٍ كَجُعْلٍ بازِلٍ وبَوازِلَ أوِ اسْمًا جامِدًا أوْ ما جَرى مَجْراهُ كَحائِطٍ وحَوائِطَ وانْحِصارُ مَجِيئِهِ جَمْعًا لِذَلِكَ في فَوارِسَ وهَوالِكَ ونَواكِسَ إنَّما هو في صِفاتِ العُقَلاءِ لا مُطْلَقًا والجَمْعُ هُنا في صِفَةِ ما لا يَعْقِلُ قِيلَ: فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِ المُفْرَدِ هُنا راسِيَةً صِفَةً لِجَمْعِ القِلَّةِ أعْنِي أجْبُلًا ويُعْتَبَرُ في جَمْعِ الكَثْرَةِ أعْنِي جِبالًا انْتِظامُهُ لِطائِفَةٍ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ ويُنَزَّلُ كُلٌّ مِنها مَنزِلَةَ مُفْرَدِهِ كَما قِيلَ عَلى أنَّهُ لا مَجالَ لِذَلِكَ لِأنَّ جَمْعِيَّةَ كُلٍّ مِن صِيغَتَيِ الجَمْعَيْنِ إنَّما هي لِشُمُولِ الإفْرادِ لا بِاعْتِبارِ شُمُولِ جَمْعِ القِلَّةِ لِلْإفْرادِ وجَمْعُ الكَثْرَةِ لِجُمُوعِ القِلَّةِ فَكُلٌّ مِنهُما جَمْعُ جَبَلٍ لا أنَّ جِبالًا جَمْعُ أجْبُلٍ.

اهَـ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَعَلَّ مَن قالَ: إنَّ الرَّواسِيَ هُنا جَمْعُ راسِيَةٍ صِفَةُ أجْبُلٍ لا يَلْتَزِمُ ما ذَكَرُوا أنَّهُ إذا صَحَّ إطْلاقُ أجْبُلٍ راسِيَةٍ عَلى جِبالِ قُطْرٍ مَثَلًا صَحَّ إطْلاقُ الجِبالِ عَلى جِبالِ جَمِيعِ الأقْطارِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ جَعْلِ الجِبالِ جَمْعًا لِجُمُوعِ القِلَّةِ نَعَمْ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جِبالٌ جَمْعَ أجْبُلٍ لِأنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ جَمْعَ الجَمْعِ وهو خِلافُ ما صَرَّحَ بِهِ أهْلُ اللُّغَةِ وجَعْلُ راسِيَةٍ صِفَةَ جَبَلٍ لا أجْبُلٍ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ لا لِلتَّأْنِيثِ كَما في عَلامَةٍ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ تاءَ المُبالَغَةِ في فاعِلَةٍ غَيْرُ مُطَّرِدٍ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ غَلَبَ عَلى الجِبالِ وصْفُها بِالرَّواسِي ولِذا اسْتَغْنَوْا بِالصِّفَةِ عَنِ المَوْصُوفِ وجَمْعُ جَمْعِ الِاسْمِ كَحائِطٍ وحَوائِطَ وهو مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ لِما سَمِعْتَ وأُورِدَ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ الغَلَبَةَ تَكُونُ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ والكَلامُ في صِحَّتِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ فَفِيما ذَكَرَهُ دَوْرٌ وأُجِيبَ بِأنَّ كَثْرَةَ اسْتِعْمالِ الرَّواسِي غَيْرُ جارٍ عَلى مَوْصُوفٍ يَكْفِي لِمُدَّعاهُ وفِيهِ تَأمُّلٌ وكَذا لا حاجَةَ إلى ما قِيلَ: إنَّهُ جَمْعُ راسِيَةٍ صِفَةُ جَبَلٍ مُؤَنَّثٍ بِاعْتِبارِ البُقْعَةِ وكُلُّ ذَلِكَ ناشِئٌ مِنَ الغَفْلَةِ عَمّا ذَكَرَهُ مُحَقِّقُو عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ هَذا والتَّعْبِيرُ عَنِ الجِبالِ بِهَذا العُنْوانِ لِبَيانِ تَفَرُّعِ قَرارِ الأرْضِ عَلى ثَباتِها وفي الخَبَرِ «لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ فَخَلَقَ اللَّهُ تَعالى الجِبالَ عَلَيْها فاسْتَقَرَّتْ فَقالَتِ المَلائِكَةُ: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الجِبالِ قالَ: نَعَمِ الحَدِيدَ فَقالُوا: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الحَدِيدِ قالَ: نَعَمِ النّارَ فَقالُوا: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ النّارِ قالَ: نَعَمِ الماءَ فَقالُوا: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الماءِ قالَ: نَعَمِ الهَواءَ فَقالُوا: رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الهَواءِ قالَ نَعَمِ ابْنَ آدَمَ يَتَصَدَّقُ الصَّدَقَةَ بِيَمِينِهِ فَيُخْفِيها عَنْ شِمالِهِ» وأوَّلُ جَبَلٍ وُضِعَ عَلى الأرْضِ كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ أبُو قُبَيْسٍ ومَجْمُوعُ ما يُرى عَلَيْها مِنَ الجِبالِ مِائَةٌ وسَبْعَةٌ وثَمانُونَ جَبَلًا وأبى الفَلاسِفَةُ كَوْنَ اسْتِقْرارِ الأرْضِ بِالجِبالِ واخْتَلَفُوا في سَبَبِ ذَلِكَ فالقائِلُونَ بِالكُرَيَّةِ مِنهم مَن جَعَلَهُ جَذْبَ الفَلَكِ لَها مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ فَيَلْزَمُ أنْ تَقِفَ في الوَسَطِ كَما يُحْكى عَنْ ضَمٍّ حَدِيدِيٍّ في بَيْتِ مِغْناطِيسِ الجَوانِبِ كُلِّها فَإنَّهُ وقَفَ في الوَسَطِ لِتَساوِي الجَذْبِ مِن كُلِّ جانِبٍ ورُدَّ بِأنَّ الأصْغَرَ أسْرَعُ انْجِذابًا إلى الجاذِبِ مِنَ الأكْبَرِ فَما بالُ المَدَرَةِ لا تَنْجَذِبُ إلى الفَلَكِ بَلْ تَهَرُبُ عَنْهُ إلى المَرْكَزِ وأيْضًا إنَّ الأقْرَبَ أوْلى بِالِانْجِذابِ مِنَ الأبْعَدِ فالمَدَرَةُ المَقْذُوفَةُ إلى فَوْقٍ أوْلى بِالِانْجِذابِ عَلى أصْلِهِمْ فَكانَ يَجِبُ أنْ لا تَعُودَ ومِنهم مَن جَعَلَهُ دَفْعَ الفَلَكِ بِحَرَكَتِهِ لَها مِن كُلِّ الجَوانِبِ كَما إذا جُعِلَ شَيْءٌ مِنَ التُّرابِ في قارُورَةٍ كُرَيَّةٍ ثُمَّ أُدِيرَتْ عَلى قُطْبَيْها إدارَةً سَرِيعَةً فَإنَّهُ يَعْرُضُ وُقُوفُ التُّرابِ في وسَطِها لِتَساوِي الدَّفْعِ مِن كُلِّ جانِبٍ ورُدَّ بِأنَّ الدَّفْعَ إذا كانَتْ قُوَّتُهُ هَذِهِ القُوَّةَ فَما بالُهُ لا يُحَسَّ بِهِ وأيْضًا ما بالُ هَذا الدَّفْعِ لا يَجْعَلُ حَرَكَةَ الرِّياحِ والسُّحُبِ إلى جِهَةٍ بِعَيْنِها وأيْضًا ما بالُهُ لَمْ يَجْعَلِ انْتِقالَنا إلى المَغْرِبِ أسْهَلَ مِنَ انْتِقالِنا إلى المَشْرِقِ وأيْضًا يَجِبُ أنْ تَكُونَ حَرَكَةُ الثَّقِيلِ كُلَّما كانَ أعْظَمَ أيْضًا لِأنَّ انْدِفاعَ الأعْظَمِ مِنَ الدّافِعِ أبْطَأُ مِنَ انْدِفاعِ الأصْغَرِ وأيْضًا يَجِبُ أنْ تَكُونَ حَرَكَةُ الثَّقِيلِ النّازِلِ ابْتِداءً أسْرَعَ مِن حَرَكَتِهِ انْتِهاءً لِأنَّهُ عِنْدَ الِابْتِداءِ أقْرَبُ إلى الفَلَكِ وغَيْرُ القائِلِينَ بِها مِنهم مَن جَعَلَها غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ مِن جانِبِ السُّفْلِ وسَبَبُ سُكُونِها عِنْدَهُمُ أنَّها لَمْ يَكُنْ لَها مَهْبِطٌ تَنْزِلُ فِيهِ ويَرُدُّ دَلِيلُ تَناهِي الأجْسامِ ومِنهم مَن قالَ بِتَناهِيها وجَعَلَ السَّبَبَ طَفْوَها عَلى الماءِ مَعَ كَوْنِ مُحَدَّبِها فَوْقَ مُسَطَّحِها أسْفَلَ وإمّا مَعَ العَكْسِ ورُدَّ بِأنَّ مُجَرَّدَ الطَّفْوِ لا يَقْتَضِي السُّكُونَ عَلى أنَّ فِيهِ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ بُعْدُ ما فِيهِ وذَهَبَ مُحَقِّقُوهم إلى أنَّ سُكُونَها لِذاتِها لا لِسَبَبٍ مُنْفَصِلٍ قالَ في المَباحِثِ الشَّرْقِيَّةِ: والوَجْهُ المُشْتَرَكُ في إبْطالِ ما قالُوا في سَبَبِ السُّكُونِ أنْ يُقالَ: جَمِيعُ ما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الجَذْبِ والدَّفْعِ وغَيْرِهِما أُمُورٌ عارِضَةٌ وغَيْرُ طَبِيعِيَّةٍ ولا لازِمَةَ لِلْماهِيَّةِ فَيَصِحُّ فَرْضُ ماهِيَّةِ الأرْضِ عارِيَةً عَنْها فَإذا قَدَّرْنا وُقُوعَ هَذا المُمْكِنِ فَإمّا أنْ تَحْصُلَ في حَيِّزٍ مُعَيَّنٍ أوْ لا تَحْصُلُ فِيهِ وحِينَئِذٍ إمّا أنْ تَحْصُلَ في كُلِّ الأحْيازِ أوْ لا تَحْصُلُ في شَيْءٍ مِنها والأخِيرانِ ظاهِرا الفَسادِ فَتَعَيَّنَ الأوَّلُ وهو أنْ تَخْتَصَّ بِحَيِّزٍ مُعَيَّنٍ ويَكُونُ ذَلِكَ لِطَبْعِها المَخْصُوصِ ويَكُونُ حِينَئِذٍ سُكُونُها في الحَيِّزِ لِذاتِها لا لِسَبَبٍ مُنْفَصِلٍ وإذا عُقِلَ ذَلِكَ فَلْيُعْقَلْ في اخْتِصاصِها بِالمَرْكَزِ أيْضًا ثُمَّ ذَكَرَ في تَكَوُّنِ الجِبالِ مَباحِثَ الأوَّلَ الحَجَرَ الكَبِيرَ إنَّما يَتَكَوَّنُ لِأنَّ حَرًّا عَظِيمًا يُصادِفُ طِينًا لَزِجًا إمّا دُفْعَةً أوْ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ.

وأمّا الِارْتِفاعُ فَلَهُ سَبَبٌ بِالذّاتِ وسَبَبٌ بِالعَرَضِ أمّا الأوَّلُ فَكَما إذا نَقَلَتِ الرِّيحُ الفاعِلَةُ لِلزَّلْزَلَةِ طائِفَةً مِنَ الأرْضِ وجَعَلَتْها تَلًّا مِنَ التِّلالِ وأمّا الثّانِي فَأنْ يَكُونَ الطِّينُ بَعْدَ تَحَجُّرِهِ مُخْتَلِفَ الأجْزاءِ في الرَّخاوَةِ والصَّلابَةِ وتَتَّفِقُ مِياهٌ قَوِيَّةُ الجَرْيِ أوْ رِياحٌ عَظِيمَةُ الهُبُوبِ فَتَحْفِرُ الأجْزاءَ الرَّخْوَةَ وتَبْقى الصُّلْبَةُ ثُمَّ لا تَزالُ السُّيُولُ والرِّياحُ تُؤَثِّرُ في تِلْكَ الحُفَرِ إلى أنْ تَغُورَ غَوْرًا شَدِيدًا ويَبْقى ما تَنْحَرِفُ عَنْهُ شاهِقًا والأشْبَهُ أنَّ هَذِهِ المَعْمُورَةَ وقَدْ كانَتْ في سالِفِ الدَّهْرِ مَغْمُورَةً في البِحارِ فَحَصَلَ هُناكَ الطِّينُ اللَّزِجُ الكَثِيرُ ثُمَّ حَصَلَ بَعْدَ الِانْكِشافِ وتَكَوَّنَتِ الجِبالُ ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا الظَّنَّ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْجارِ إذا كَسَرْناها أجْزاءَ الحَيَواناتِ المائِيَّةِ كالأصْدافِ ثُمَّ لَمّا حَصَلَتِ الجِبالُ وانْتَقَلَتِ البِحارُ حَصَلَ الشُّهُوقُ إمّا لِأنَّ السُّيُولَ حَفَرَتْ ما بَيْنَ الجِبالِ وإمّا لِأنَّ ما كانَ مِن هَذِهِ المُنْكَشِفاتِ أقْوى تَحَجُّرًا وأصْلَبَ طِينَةً إذا انْهَدَّ ما دُونَهُ بَقِيَ أرْفَعَ وأعْلى إلّا أنَّ هَذِهِ أُمُورٌ لا تَتِمُّ في مُدَّةٍ تَفِي التَّوارِيخُ بِضَبْطِها والثّانِي سَبَبُ عُرُوقِ الطِّينِ في الجِبالِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جِهَةٍ ما تَفَتَّتَ مِنها وتَتَرَّبَ وسالَتْ عَلَيْهِ المِياهُ ورَطَّبَتْهُ أوْ خَلَطَتْ بِهِ طِينَها الجَيِّدَ وأنْ يَكُونَ مِن جِهَةِ أنَّ القَدِيمَ مِن طِينِ البَحْرِ غَيْرُ مُتَّفِقِ الجَوْهَرِ مِنهُ ما يَقْوى تَحَجُّرُهُ ومِنهُ ما يَضْعُفُ وأنْ يَكُونَ مِن جِهَةٍ أنَّهُ يَعْرِضُ لِلْبَحْرِ أنْ يَفِيضَ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلى سَهْلٍ وجَبَلٍ فَيَعْرِضُ لِلسَّهْلِ أنْ يَصِيرَ طِينًا لَزِجًا مُسْتَعِدًّا لِلتَّحَجُّرِ القَوِيِّ ولِلْجَبَلِ أنْ يَتَفَتَّتَ كَما إذا نَقَعْتَ آجِرَةً وتُرابًا في الماءِ ثُمَّ عَرَّضْتَ الآجِرَةَ والطِّينَ عَلى النّارِ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ تَتَفَتَّتُ الآجِرَةُ ويَبْقى الطِّينُ مُتَحَجِّرًا والثّالِثُ قَدْ نَرى بَعْضَ الجِبالِ مَنضُودًا ساقًا فَساقًا فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّ طِينَتَهُ قَدْ تَرَتَّبَتْ هَكَذا بِأنْ كانَ ساقٌ قَدِ ارْتَكَمَ أوَّلًا ثُمَّ حَدَثَ بَعْدَهُ في مُدَّةٍ أُخْرى ساقٌ آخَرُ فارْتَكَمَ وكانَ قَدْ سالَ عَلى كُلِّ ساقٍ مِن خِلافِ جَوْهَرِهِ فَصارَ حائِلًا بَيْنَهُ وبَيْنَ السّاقِ الآخَرِ فَلَمّا تَحَجَّرَتِ المادَّةُ عَرَضَ لِلْحائِلِ أنِ انْتَثَرَ عَمّا بَيْنَ السّاقَيْنِ.

هَذا وتُعُقِّبَ ما ذَكَرُوهُ في سَبَبِ التَّكَوُّنِ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّ اخْتِصاصَ بَعْضٍ مِن أجْزاءِ الأرْضِ بِالصَّلابَةِ وبَعْضٍ آخَرَ مِنها بِالرَّخاوَةِ مَعَ اسْتِواءِ نِسْبَةِ تِلْكَ الأجْزاءِ كُلِّها إلى الفَلَكِيّاتِ الَّتِي زَعَمُوا أنَّها المُعُدّاتُ لَها قَطْعًا لِلْمُجاوَرَةِ والمُلاصَقَةِ الحاصِلَةِ بَيْنَ الأجْزاءِ الرَّخْوَةِ والصُّلْبَةِ يَسْتَدْعِي سَبَبًا مُخَصَّصًا وعِنْدَ هَذا الِاسْتِدْعاءِ يَقِفُ العَقْلُ ويُحِيلُ ذَلِكَ الِاخْتِصاصَ عَلى سَبَبٍ مِن خارِجٍ هو الفاعِلُ المُخْتارُ جَلَّ شَأْنُهُ فَلَيْتَ شِعْرِي لِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أوَّلًا حَذْفًا لِلْمُؤْنَةِ نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن أسْبابِ تَكَوُّنِها بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ مَن يَقُولُ مِنَ المِلِّيِينَ وغَيْرِهِمْ بِالوَسائِطِ لا عِنْدَ الأشاعِرَةِ إذِ الكُلُّ عِنْدَهم مُسْتَنِدٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ابْتِداءً فَلا يُتَصَوَّرُ واسِطَةٌ حَقِيقَةً عَلى رَأْيِهِمْ وما ذُكِرَ مِنَ الأسْبابِ أُمُورٌ لا تُفِيدُ إلّا ظَنًّا ضَعِيفًا وحَدِيثُ رُؤْيَةِ أجْزاءِ الحَيَواناتِ المائِيَّةِ كالأصْدافِ كَذَلِكَ أيْضًا فَإنّا كَثِيرًا ما نَرى في ذَلِكَ مَواضِعَ المَطَرِ وقَدْ أخْبَرَنِي مَن أثِقُ بِهِ أنَّهُ شاهَدَ ضَفادِعَ وقَعَتْ في المَطَرِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَتِمُّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَكْشُوفُ مِنَ الأرْضِ قَدِ انْكَشَفَ في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ ولَمْ يَكُنْ مَغْمُورًا بِالماءِ ثُمَّ انْكَشَفَتْ وهو مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ مُحَقِّقِي الفَلاسِفَةِ أيْضًا واعْتَرَضُوا عَلى القائِلِينَ بِأنَّ الِانْكِشافَ قَدْ حَصَلَ بَعْدُ بِأنَّ أقْوى أدِلَّتِهِ أنَّ حَضِيصَ الشَّمْسِ في جانِبِ الجَنُوبِ فَقُرْبُ الشَّمْسِ إلى الأرْضِ هُناكَ أكْثَرُ مِن جانِبِ الشَّمالِ بِقَدْرِ ثِخَنِ المُتَمِّمِ مِن مُمَثِّلِها فَتَشْتَدُّ بِذَلِكَ الحَرارَةُ هُناكَ فانْجَذَبَ الماءُ مِنَ الشَّمالِ إلى الجَنُوبِ لِأنَّ الحَرارَةَ جَذّابَةٌ لِلرُّطُوبَةِ فَلِذا انْكَشَفَ الرُّبْعُ الشَّمالِيُّ فَإذا انْتَقَلَ الحَضِيضُ إلى جانِبِ الشَّمالِ انْعَكَسَ الأمْرُ ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ الرُّبْعُ الشَّمالِيُّ الآخَرُ أيْضًا مَكْشُوفًا إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ الرُّبْعَيْنِ في ذَلِكَ وفي التِزامِ ذَلِكَ بُعْدٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ أحَدٌ.

ثُمَّ إنَّ وُجُودَ الجِبالِ في المَغْمُورِ وجُودَها في المَعْمُورِ يَسْتَدْعِي أنَّهُ كانَ مَعْمُورًا وأنَّ الحَضِيضَ كانَ في غَيْرِ جِهَتِهِ اليَوْمَ وهو قَوْلٌ بِأنَّ البَرَّ لا يَزالُ يَكُونُ بَحْرًا والبَحْرَ لا يَزالُ يَكُونُ بَرًّا بِتَبَدُّلِ جِهَتَيِ الأوْجِ والحَضِيضِ فَيَكُونُ المُنْكَشِفُ تارَةً جانِبَ الشَّمالِ وأُخْرى جانِبَ الجَنُوبِ وحَيْثُ إنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ يَقْتَضِي أنْ نُشاهِدَ اليَوْمَ شَيْئًا مِن جانِبِ الجَنُوبِ مُنْكَشِفًا ومِن جانِبِ الشَّمالِ مَغْمُورًا ولا تَظُنُّ وُجُودَ ذَلِكَ ولَوْ كانَ لاشْتَهَرَ فَإنَّ أوْجَ الشَّمْسِ اليَوْمَ في عاشِرَةِ السَّرَطانِ وحَرَكَتَهُ في كُلِّ سَنَةٍ دَقِيقَةٌ تَقْرِيبًا فَيَكُونُ مِنَ الوَقْتِ الَّذِي انْتَقَلَ فِيهِ مِنَ الجانِبِ الشَّمالِيِّ إلى اليَوْمِ آلافٌ عَدِيدَةٌ مِنَ السِّنِينَ يُغْمَرُ فِيها كَثِيرٌ ويُعَمَّرُ كَثِيرٌ نَعَمْ يُحْكى أنَّ جَزِيرَةَ قُبْرُسَ كانَتْ مُتَّصِلَةً بِالبَرِّ ثُمَّ حالَ البَحْرُ بَيْنَهُما لَكِنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ لَيْسَ مِمّا نَحْنُ فِيهِ ولا نُسَلِّمُ أنْ يَكِيَ دُنْيا مِمّا حَدَثَ انْكِشافُها لِجَوازِ أنْ تَكُونَ مُنْكَشِفَةً مِن قَبْلُ فالحَقُّ أنَّ هَذا البَرَّ بَعْدَ أنْ وُجِدَ لَمْ يَصِرْ بَحْرًا وهَذا البَحْرَ المُحِيطَ بَعْدَ أنْ أحاطَ لَمْ يَصِرْ بَرًّا وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الأخْبارُ الإلَهِيَّةُ والآثارُ النَّبَوِيَّةُ نَعَمْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ ما ظاهِرُهُ أنَّ الأرْضَ المَسْكُونَةَ كانَتْ مَكْشُوفَةً في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ كَأثَرِ الياقُوتَةِ وفي بَعْضٍ آخَرَ مِنها ما ظاهِرُهُ أنَّها كانَتْ مَغْمُورَةً كَخَبَرِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ أمَرَ الرِّيحَ فَأبْدَتْ عَنْ حَشَفَةٍ ومِنها دُحِيَتِ الأرْضُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى في الطُّولِ والعَرْضِ فَجَعَلَتْ تَمِيدُ فَجَعَلَ عَلَيْها الجِبالَ الرَّواسِيَ وفي التَّوْراةِ ما هو نَصٌّ في ذَلِكَ فَفي أوَّلِ سِفْرِ الخَلِيقَةِ مِنها أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى السَّماءَ والأرْضَ وكانَتْ غامِرَةً مُسْتَبْحِرَةً وكانَ هُناكَ ظَلامٌ وكانَتْ رِياحُ الإلَهِ تَهُبُّ عَلى وجْهِ الماءِ فَشاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَكُونَ نُورٌ فَكانَ ثُمَّ ذُكِرَ فِيهِ أنَّهُ لَمّا مَضى يَوْمٌ ثانٍ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَجْتَمِعَ الماءُ مِن تَحْتِ السَّماءِ إلى مَوْضِعٍ واحِدٍ ويَظْهَرَ اليُبْسُ فَكانَ كَذَلِكَ وسَمّى اللَّهُ سُبْحانَهُ اليُبْسَ أرْضًا ومُجْتَمَعَ الماءِ بِحارًا وفِيهِ أيْضًا إنَّ خَلْقَ النَّيِّرَيْنِ كانَ في اليَوْمِ الثّالِثِ وهو آبٍ عَنْ جَعْلِ سَبَبِ الِانْكِشافِ ما سَمِعْتَ عَنْ قُرْبٍ مِن قُرْبِ الشَّمْسِ وما أشارَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ ونَطَقَ بِهِ غَيْرُها مِنَ الآياتِ مِن كَوْنَ الجِبالَ سَبَبًا لِاسْتِقْرارِ الأرْضِ وأنَّها لَوْلاها لَمادَتْ أمْرٌ لا يَقُومُ عَلى أُصُولِنا دَلِيلٌ يَأْباهُ فَنُؤْمِنُ بِهِ وإنْ لَمْ نَعْلَمْ ما وجْهُ ذَلِكَ عَلى التَّحْقِيقِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وجْهُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ صَغِيرَةً بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ الكُراتِ وجَعَلَ لَها مِقْدارًا مِنَ الثِّقَلِ مُعَيَّنًا ووَضَعَها في المَكانِ الَّذِي وضَعَها فِيهِ مِنَ الماءِ وأظْهَرَ مِنها ما أظْهَرَ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا بِسَبَبِ مَشِيئَتِهِ تَعالى التّابِعَةِ لِحِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ لا لِأمْرٍ اقْتَضاهُ ذاتُها فَجَعَلَتْ تَمِيدُ لِاضْطِرابِ أمْواجِ البَحْرِ المُحِيطِ بِها فَوَضَعَ عَلَيْها مِنَ الجِبالِ ما ثَقُلَتْ بِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لِلْأمْواجِ سُلْطانٌ عَلَيْها وهَذا كَما يُشاهَدُ في السُّفُنِ حَيْثُ يَضَعُونَ فِيها ما يُثَقِّلُها مِن أحْجارٍ وغَيْرِها لِنَحْوِ ذَلِكَ وكَوْنُ نِسْبَةِ ارْتِفاعِ أعْظَمِ الجِبالِ إلَيْها النِّسْبَةَ السّابِقَةَ لا يَضُرُّنا في هَذا المَقامِ لِأنَّ الحَجْمَ أمْرٌ والنَّقْلَ أمْرٌ آخَرُ فَقَدْ يَكُونُ ذُو الحَجْمِ الصَّغِيرِ أثْقَلَ مِن ذِي الحَجْمِ الكَبِيرِ بِكَثِيرٍ ولا يُقالُ: إنَّ خَلْقَها ابْتِداءً بِحَيْثُ لا تُزَحْزِحُها الأمْواجُ كانَ مُمْكِنًا فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَلْ خَلَقَها بِحَيْثُ تُحَرِّكُها الأمْواجُ ثُمَّ وضَعَ عَلَيْها الجِبالَ لِدَفْعِ ذَلِكَ لِأنّا نَقُولُ إنَّما فَعَلَ سُبْحانَهُ هَكَذا لِما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي هو جَلَّ شَأْنُهُ بِها أعْلَمُ وهَذا السُّؤالُ نَظِيرُ أنْ يُقالَ: إنَّ خَلْقَ الإنْسانِ ابْتِداءً بِحَيْثُ لا يُؤَثِّرُ فِيهِ الجُوعُ والعَطَشُ مَثَلًا شَيْئًا كانَ مُمْكِنًا فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْهُ تَعالى بَلْ خَلَقَهُ بِحَيْثُ يُؤَثِّرانِ فِيهِ ثُمَّ خَلَقَ لَهُ ما يَدْفَعُ بِهِ ذَلِكَ لِيَدْفَعَهُ بِهِ ولَهُ نَظائِرُ بَعْدُ كَثِيرَةٌ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا ناشِئًا عَنِ الغَفْلَةِ عَمّا يَتَرَتَّبُ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ تَعالى مِنَ الحِكَمِ ولَعَلَّ الحِكْمَةَ فِيما نَحْنُ فِيهِ إظْهارُ مَزِيدِ عَظَمَتِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوقِظُ جَفْنَ الِاسْتِعْظامِ ألا تَراهم كَيْفَ قالُوا حِينَ رَأوْا ما رَأوْا رَبَّنا خَلَقْتَ خَلْقًا أعْظَمَ مِنَ الجِبالِ ..

إلَخْ.

ويُقالُ لِمَن لَمْ يُؤْمِن بِهَذا بَيِّنْ أنْتَ لَنا حِكْمَةً تُقَدِّمُ بَعْضَ الأشْياءِ عَلى بَعْضٍ في الخَلْقِ كَيْفَما كانَ التَّقَدُّمُ وكَذا حِكْمَةُ خَلْقِ الإنْسانِ ونَحْوِهِ مُحْتاجًا وخَلْقُ ما يُزِيلُ احْتِياجَهُ دُونَ خَلْقِهِ ابْتِداءً عَلى وجْهٍ لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى شَيْءٍ فَإنْ بَيَّنَ شَيْئًا قُلْنا بِمِثْلِهِ فِيما نَحْنُ فِيهِ ثُمَّ إنّا نَقُولُ: لَيْسَ حِكْمَةُ خَلْقِ الجِبالِ مُنْحَصِرَةً في كَوْنِها أوْتادًا لِلْأرْضِ وسَبَبًا لِاسْتِقْرارِها بَلْ هُناكَ حِكَمٌ كَثِيرَةٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى.

وقَدْ ذَكَرَ الفَلاسِفَةُ لِلْجِبالِ مَنافِعَ كَثِيرَةً قالُوا: إنَّ مادَّةَ السُّحُبِ والعُيُونِ والمَعْدِنِيّاتِ هي البُخارُ فَلا تَتَكَوَّنُ إلّا في الجِبالِ أوْ فِيما يَقْرُبُ مِنها أمّا العُيُونُ فَلِأنَّ الأرْضَ إذا كانَتْ رَخْوَةً نَشَفَتِ الأبْخِرَةُ عَنْها فَلا يَجْتَمِعُ مِنها قَدْرٌ يُعْتَدُّ بِهِ فَإذَنْ لا تَجْتَمِعُ إلّا في الأرْضِ الصُّلْبَةِ والجِبالُ أصْلَبُ الأرَضِينَ فَلا جَرَمَ كانَتْ أقْواها عَلى حَبْسِ البُخارِ حَتّى يَجْتَمِعَ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مادَّةً لِلْعُيُونِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مُسْتَقِرُّ الجَبَلِ مَمْلُوءًا ماءً ويَكُونُ الجَبَلُ في حَقْنِهِ الأبْخِرَةَ مِثْلَ الأنْبِيقِ الصُّلْبِ المُعَدِّ لِلتَّقْطِيرِ لا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ البُخارِ يَتَحَلَّلُ وقَعْرُ الأرْضِ الَّتِي تَحْتَهُ كالقُرُعِ والعُيُونُ كالأذْنابِ الَّتِي في الأنابِيقِ والأوْدِيَةُ والبُخارُ كالقَوابِلِ ولِذَلِكَ أكْثَرُ العُيُونِ إنَّما تَنْفَجِرُ مِنَ الجِبالِ وأقَلُّها في البَرارِي وهو مَعَ هَذا لا يَكُونُ إلّا إذا كانَتِ الأرْضُ صُلْبَةً وأمّا إنَّ أكْثَرَ السُّحُبِ تَكُونُ في الجِبالِ فَوُجُوهُ أحَدِها أنَّ في باطِنِ الجِبالِ مِنَ النَّداواتِ ما لا يَكُونُ في باطِنِ الأرَضِينَ الرَّخْوَةِ وثانِيهِما: إنَّ الجِبالَ بِسَبَبِ ارْتِفاعِها أبْرَدُ فَلا جَرَمَ يَبْقى عَلى ظاهِرِها مِنَ الأنْداءِ والثُّلُوجِ ما لا يَبْقى عَلى ظاهِرِ الأرَضِينَ وثالِثُهُما: إنَّ الأبْخِرَةَ الصّاعِدَةَ تَكُونُ في الجِبالِ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ أسْبابَ تَراكُمِ السُّحُبِ في الجِبالِ أكْثَرُ لِأنَّ المادَّةَ فِيها ظاهِرًا وباطِنًا أكْثَرُ والِاحْتِقانُ أشَدُّ والسَّبَبُ المُحَلِّلُ وهو الحَرُّ أقَلُّ وأمّا المَعْدِنِيّاتُ المُحْتاجَةُ إلى أبْخِرَةٍ فَيَكُونُ اخْتِلاطُها بِالأرْضِيَّةِ أكْثَرُ إقامَتِها في مَواضِعَ لا تَنَفَرَّقُ فِيها أطْوَلَ ولا شَيْءَ في هَذا المَعْنى كالجِبالِ ومَن تَأمَّلَ عَلِمَ أنَّ لِلْجِبالِ مَنافِعَ غَيْرَ ذَلِكَ لا تُحْصى فَلا يَضُرُّ أنَّ بَعْضًا مِنَ النّاسِ مِن وراءِ المَنعِ لِبَعْضِ ما ذُكِرَ وسَمِعْتُ مِن بَعْضِ العَصْرِيِّينَ أنَّ مِن جُمْلَةِ مَنافِعِها كَوْنَها سَبَبًا لِانْكِشافِ هَذا المِقْدارِ المُشاهَدِ مِنَ الأرْضِ وذَلِكَ لِاحْتِباسِ الأبْخِرَةِ الطّالِبَةِ لِجِهَةِ العُلُوِّ فِيها وهو يَقْتَضِي أنَّ الأرْضَ قَبْلَها كانَتْ مَغْمُورَةً وهو خِلافُ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ فَجَعَلَتْ تَمِيدُ فَوَضَعَ عَلَيْها الجِبالَ فاسْتَقَرَّتْ عَلى أنَّهُ يَتَراءى المُنافاةُ بَيْنَ جَعْلِها أوْتادًا المُصَرَّحِ بِهِ في الآياتِ وكَوْنِها جاذِبَةً لِلْأرْضِ إلى جِهَةِ العُلُوِّ ولا يَرِدُ عَلى ما ذُكِرَ في تَوْجِيهِ كَوْنِها سَبَبًا لِاسْتِقْرارِ الأرْضِ أنَّ كَوْنَها فِيها كَشُرُعٍ في سَفِينَةٍ يُنافِيهِ إذْ يَقْتَضِي ذَلِكَ أنْ تَتَحَرَّكَ الأرْضُ إلى خِلافِ جِهَةِ مَهَبِّ الهَواءِ لِأنّا مِن وراءِ مَنعِ حُدُوثِ الهَواءِ عَلى وجْهٍ يُحَرِّكُها بِسَبَبِهِ كَذَلِكَ.

وهَذا كُلُّهُ إذا حَكَّمْنا العَقْلَ في البَيِّنِ وتَقَيَّدْنا بِالعادِيّاتِ وأمّا إذا أسْنَدْنا كُلَّ ذَلِكَ إلى قُدْرَةِ الفاعِلِ المُخْتارِ جَلَّ شَأْنُهُ وقُلْنا: إنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الأرْضَ مائِدَةً وجَعَلَ عَلَيْها الجِبالَ وحَفِظَها عَنِ المَيْدِ لِحِكَمٍ عَلِمَها تَحارُ فِيها الأفْكارُ ولا يُحِيطُ بِها إلّا مِن أُوتِيَ عِلْمًا لَدُنِيًّا مِن ذَوِي الأبْصارِ ارْتَفَعَتْ عَنّا جَمِيعُ المُؤَنِ وزالَتْ سائِرُ المِحَنِ ولا يَلْزَمُنا عَلى هَذا أيْضًا القَوْلُ بِأنَّ الأرْضَ وسَطُ العالَمِ كَما هو رَأْيُ أكْثَرِ الفَلاسِفَةِ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ.

ولَمْ يُخالِفْ مِنَ الأوَّلِينَ إلّا شِرْذِمَةٌ زَعَمُوا أنَّ كُرَةَ النّارِ في الوَسَطِ لِأنَّها أشْرَفُ مِنَ الأرْضِ لِكَوْنِها مُضِيئَةً لَطِيفَةً حَسَنَةَ اللَّوْنِ وكَوْنُ الأرْضِ كَثِيفَةً مُظْلِمَةً قَبِيحَةَ اللَّوْنِ وحَيِّزُ الأشْرَفِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ الأحْيازِ وهو الوَسَطُ فَإذَنْ هي في الوَسَطِ وهَذا مِنَ الإقْناعاتِ الضَّعِيفَةِ ومَعَ ذَلِكَ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنّا لا نُسَلِّمُ شَرافَةَ النّارِ عَلى الأرْضِ مُطْلَقًا فَإنَّها إنْ تَرَجَّحَتْ عَلَيْها بِاللَّطافَةِ وما مَعَها فالأرْضُ راجِحَةٌ بِأُمُورٍ أحَدُها أنَّ النّارَ مُفْرِطَةَ الكَيْفِيَّةِ مَفْسَدَةٌ والأرْضَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ وثانِيها أنَّها لا تَبْقى في المَكانِ الغَرِيبِ مِثْلُ ما تَبْقى الأرْضُ وثالِثُها أنَّ الأرْضَ حَيِّزُ الحَياةِ والنُّشُوءِ والنّارَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ وما ذُكِرَ مِنَ اسْتِحْسانِ الحِسِّ البَصَرِيِّ لِلنّارِ يُعارِضُهُ اسْتِحْسانُ الحِسِّ اللَّمْسِيِّ لِلْأرْضِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها عَلى أنّا لَوْ سَلَّمْنا الأشْرَفِيَّةَ فَهي لا تَقْتَضِي إلّا الوَسَطَ الشَّرَفِيَّ لا المِقْدارِيَّ إذْ لا شَرَفَ لَهُ وذَلِكَ لَيْسَ هو إلّا حَيِّزُها الَّذِي يَزْعُمُهُ جُمْهُورُ المُتَقَدِّمِينَ لَها لِأنَّهُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ والأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ ولَمْ يُخالِفْ مِنَ الآخِرِينَ إلّا شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ هم هَرْشَلُ وأصْحابُهُ زَعَمُوا أنَّ الشَّمْسَ ساكِنَةٌ في وسَطِ العالِمِ وكُلَّ ما عَداها يَتَحَرَّكُ عَلَيْها لِأنَّها جِرْمٌ عَظِيمٌ جِدًّا وكُلَّ الأجْرامِ دُونَها لا سِيَّما الأرْضَ فَإنَّها بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كَلا شَيْءَ والحِكْمَةُ سُكُونُ الأكْبَرِ وتَحَرُّكُ الأصْغَرِ وهَذا أيْضًا مِنَ الإقْناعاتِ الضَّعِيفَةِ ومَعَ ذَلِكَ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ سُكُونَ الأصْغَرِ لا سِيَّما بَيْنَ أمْواجٍ ورِياحٍ وحَرَكَةَ الأكْبَرِ لا سِيَّما مِثْلَ الحَرَكَةِ الَّتِي يُثْبِتُها الجُمْهُورُ لِلشَّمْسِ أبْلَغُ في القُدْرَةِ وتَعْلِيلُهم ذَلِكَ أيْضًا بِأنّا لا نَرى لِلشَّمْسِ مَيْلًا عَمّا يُقالُ لَهُ مِنطَقَةُ البُرُوجِ فَيَقْتَضِي أنْ تَكُونَ ساكِنَةً بِخِلافِ غَيْرِها لا يَخْفى ما فِيهِ والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ أنَّ تَحْتَ الأرْضِ ماءً وأنَّها فِيهِ كَبِطِّيخَةٍ خَضْراءَ في حَوْضٍ وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ الأرْضَ عَلى مَتْنِ ثَوْرٍ والثَّوْرَ عَلى ظَهْرِ حُوتٍ والحُوتَ في الماءِ ولا يَعْلَمُ ما تَحْتَ الماءِ إلّا الَّذِي خَلَقَهُ وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ زِيادَةَ كَبِدِ ذَلِكَ الحُوتِ هو الَّذِي يَكُونُ أوَّلَ طَعامِ أهْلِ الجَنَّةِ فَحَمَلُوا الحُوتَ فِيما صَحَّ مِن قَوْلِهِ  : «أوَّلُ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ زائِدَةُ كَبِدِ الحُوتِ» عَلى ذَلِكَ الحُوتِ وبَيَّنُوا حِكْمَةَ ذَلِكَ الأكْلِ أنَّهُ إشارَةٌ إلى خَرابِ الدُّنْيا وبِشارَةٌ بِفَسادِ أساسِها وأمْنِ العُودِ إلَيْها حَيْثُ أنَّ الأرْضَ الَّتِي كانُوا يَسْكُنُونَها كانَتْ مُسْتَقِرَّةً عَلَيْهِ وخُصَّ الأكْلُ بِالزّائِدَةِ لِما بَيَّنَهُ الأطِبّاءُ مِن أنَّ العِلَّةَ إذا وقَعَتْ في الكَبِدِ دُونَ الزّائِدَةِ رُجِيَ بُرْؤُهُ فَإنْ وقَعَتْ في الزّائِدَةِ هَلَكَ العَلِيلُ فَأكْلُهم مِن ذَلِكَ أدْخَلُ في البُشْرى ومَنَعَ بَعْضُهم صِحَّةَ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى أنَّها لَيْسَتْ عَلى الماءِ بِلا واسِطَةٍ لا سِيَّما الخَبَرَ الطَّوِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ في سُورَةِ «ن» ولَمْ يُنْكِرْ صِحَّةَ الخَبَرِ في «أنَّ أوَّلَ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ زائِدَةُ كَبِدِ الحُوتِ» إلّا أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِالحُوتِ فِيهِ حُوتٌ ما بِدَلِيلِ ما رَواهُ سُلْطانُ المُحَدِّثِينَ البُخارِيُّ أوَّلُ ما يَأْكُلُهُ أهْلُ الجَنَّةِ زِيادَةُ كَبِدِ حُوتٍ يَأْكُلُ مِنهُ سَبْعُونَ ألْفًا بِتَنْكِيرِ لَفْظِ حُوتٍ ونَظِيرُ ذَلِكَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ حَيْثُ ذَكَرَ فِيهِ أنَّهُ تَكُونُ الأرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً يَكْفَأُها الجَبّارُ بِيَدِهِ كَما يَكْفَأُ أحَدُكم خُبْزَتَهُ في السَّفَرِ نُزُلًا لِأهْلِ الجَنَّةِ وإنَّ إدامَهم ثَوْرٌ ونُونٌ يَأْكُلُ مِن زائِدَةِ كَبِدِهِما سَبْعُونَ ألْفًا وذِكْرُ حالِ الأرْضِ فِيهِ لا يُعَيِّنُ مُرادَ الخَصْمِ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ بَيْنَ ذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى خَرابِ الدُّنْيا وانْقِطاعِ أمْرِ الِاسْتِعْدادِ لِلْمَعاشِ وانْصِرامِ الحَياةِ العُنْصُرِيَّةِ المائِيَّةِ أمّا الإشارَةُ إلى الأوَّلِ فَظاهِرٌ وأمّا إلى الثّانِي فَبِالِاسْتِيلاءِ عَلى الثَّوْرِ وأكْلِ زائِدَةِ كَبِدِهِ فَإنَّهُ عُمْدَةُ عِدَّةِ الحارِثِ المُهْتَمِّ لِأمْرِ مَعاشِهِ وفي الخَبَرِ كُلُّكم حارِثٌ وكُلُّكم هُمامٌ وأمّا الإشارَةُ إلى الثّالِثِ فَبِالِاسْتِيلاءِ عَلى الحُوتِ وأكْلِ زائِدَةِ كَبِدِهِ أيْضًا فَإنَّهُ حَيَوانٌ عُنْصُرِيٌّ مائِيٌّ لا يُمْكِنُ أنْ يَحْيا سُوَيْعَةً إذا فارَقَ الماءَ وبِهَذا يَظْهَرُ المُناسَبَةُ التّامَّةُ بَيْنَ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الخَبَرُ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ظُهُورُ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِصُورَةِ الحُوتِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ فِيها مِن أسْبابِ الحَراثَةِ الضَّرُورِيَّةِ في أمْرِ المَعاشِ بِصُورَةِ الثَّوْرِ وكُلُّ الصَّيْدِ في جَوْفِ الفَرا ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ ظُهُورِ المَوْتِ في صُورَةِ الكَبْشِ الأمْلَحِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ في سِرِّ تَخْصِيصِ الكَبِدِ: إنَّهُ بَيْتُ الدَّمِ وهو بَيْتُ الحَياةِ ومِنهُ تَقَعُ قِسْمَتُها في البَدَنِ إلى القَلْبِ وغَيْرِهِ وبُخارُ ذَلِكَ الدَّمِ هو النَّفْسُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالرُّوحِ الحَيَوانِيِّ فَفي كَوْنِهِ طَعامًا لِأهْلِ الجَنَّةِ بِشارَةٌ بِأنَّهم أحْياءٌ لا يَمُوتُونَ وذُكِرَ أنَّهُ يُسْتَخْرَجُ مِنَ الثَّوْرِ الطِّحالُ وهو في الحَيَوانِ بِمَنزِلَةِ الأوْساخِ في البَدَنِ فَإنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ أوْساخُ البَدَنِ مِمّا يُعْطِيهِ البَدَنُ مِنَ الدَّمِ الفاسِدِ فَيُعْطى لِأهْلِ النّارِ يَأْكُلُونَهُ وكانَ ذَلِكَ مِنَ الثَّوْرِ لِأنَّهُ بارِدٌ يابِسٌ كَطَبْعِ المَوْتِ وجَهَنَّمُ عَلى صُورَةِ جامُوسٍ والغِذاءُ لِأهْلِ النّارِ مِن طِحالِهِ أشَدُّ مُناسَبَةً مِنهُ فَلِما فِيهِ مِنَ الدَّمِيَّةِ لا يَمُوتُ أهْلُ النّارِ ولِما أنَّهُ مِن أوْساخِ البَدَنِ ومِنَ الدَّمِ الفاسِدِ المُؤْلِمِ لا يَحْيَوْنَ ولا يَنْعَمُونَ فَما يَزِيدُهم أكْلُهُ إلّا مَرَضًا وسَقَمًا.

ونُقِلَ عَنِ الغَزالِيِّ والعُهْدَةُ عَلى النّاقِلِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ تارَةً ما تَحْتَ الأرْضِ فَقالَ: الحُوتُ وسُئِلَ أُخْرى فَقالَ: الثَّوْرُ وعَنى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ البُرْجَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مِنَ البُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ المَعْلُومَةِ وقَدْ كانَ كُلٌّ مِنهُما وتَدَ الأرْضِ وقْتَ السُّؤالِ ولَوْ كانَ الوَتَدُ إذْ ذاكَ العَقْرَبَ مَثَلًا لَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ العَقْرَبُ تَحْتَ الأرْضِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَقاصِدِ الشّارِعِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا يَتِمُّ عَلى ما وقَفْتُ عَلَيْهِ مِن أنَّ الأرْضَ عَلى مَتْنِ الثَّوْرِ والثَّوْرَ عَلى ظَهْرِ الحُوتِ والحُوتَ عَلى الماءِ والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ أنَّ الأرْضَ فَوْقَ الثَّوْرِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ وتَدُها حِينَ الإخْبارِ والثَّوْرَ فَوْقَ الحُوتِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مِنَ البُرُوجِ الشَّمالِيَّةِ والحُوتَ مِنَ البُرُوجِ الجَنُوبِيَّةِ والبُرُوجَ الشَّمالِيَّةَ في غالِبِ المَعْمُورَةِ تُعَدُّ فَوْقَ البُرُوجِ الجَنُوبِيَّةِ والحُوتَ فَوْقَ الماءِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ حائِلٌ يُرى لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إلّا ثَوْرٌ أوْ حِمارٌ وبَعْضُهم يُؤَوِّلُ خَبَرَ التَّرْتِيبِ بِأنَّ المُرادَ مِنهُ الإشارَةُ إلى أنَّ عِمارَةَ الأرْضِ مَوْقُوفَةٌ عَلى الحِراثَةِ وهي مَوْقُوفَةٌ عَلى السَّعْيِ والِاضْطِرابِ وذَلِكَ الثَّوْرُ مِن مَبادِي الحِراثَةِ والحُوتُ لا يَكادُ يَسْكُنُ عَنِ الحَرَكَةِ في الماءِ وهو كَما تَرى والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ الإيمانُ بِما جاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  إذا صَحَّ فَلَيْسَ وراءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكِيمٌ والتَّرْتِيبُ الَّذِي يَذْكُرُهُ الفَلاسِفَةُ لَمْ يَأْتُوا لَهُ بِبُرْهانٍ مُبِينٍ ولَيْسَ عِنْدَهم فِيهِ سِوى ما يُفِيدُ الظَّنَّ وحِينَئِذٍ فَيُمْكِنُ القَوْلُ بِتَرْتِيبٍ آخَرَ نَعَمْ لا يَنْبَغِي القَوْلُ بِتَرْتِيبٍ يُكَذِّبُهُ الحِسُّ ويَأْباهُ العَقْلُ الصَّرِيحُ وإنْ جاءَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ الشّارِعِ وجَبَ تَأْوِيلُهُ كَما لا يَخْفى وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ في تَرْتِيبِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ وشَرْحِ أحْوالِها كَما فَعَلَ الفَلاسِفَةُ عَنِ الشّارِعِ  لِما أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ المَسائِلِ المُهِمَّةِ في نَظَرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَيْسَ المُهِمُّ إلّا التَّفَكُّرَ فِيها والِاسْتِدْلالَ بِها عَلى وحْدَةِ الصّانِعِ وكَمالِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وهو حاصِلٌ بِما يُحَسُّ مِنها فَسُبْحانَ مَن رَفَعَ السَّماءَ بِغَيْرِ عَمَدٍ ومَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴿ وأنْهارًا ﴾ جَمْعُ نَهْرٍ وهو مَجْرى الماءِ الفائِضِ وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى نُهُرٍ ونُهُورٍ وأنْهُرٍ وتُطْلَقُ عَلى المِياهِ السّائِلَةِ عَلى الأرْضِ وضَمَّها إلى الجِبالِ وعَلَّقَ بِهِما فِعْلًا واحِدًا مِن حَيْثُ أنَّ الجِبالَ سَبَبٌ لِتَكَوُّنِها عَلى ما قِيلَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ مِن أنَّ الجِبالَ لِتَرَكُّبِها مِن أحْجارٍ صُلْبَةٍ إذا تَصاعَدَتْ إلَيْها الأبْخِرَةُ احْتَبَسَتْ فِيها وتَكامَلَتْ فَتَنْقَلِبُ مِياهًا ورُبَّما خَرَقَتْها فَخَرَجَتْ وذُكِرَ أنَّ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ أنَّها تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ لَكِنْ لَمّا كانَ نُزُولُها عَلَيْها أكْثَرَ كانَتْ كَثِيرًا ما تَخْرُجُ الأنْهارُ مِنها ويَكْفِي هَذا لِتَشْرِيكِهِما في عامِلٍ واحِدٍ وجَعْلِهِما جُمْلَةً واحِدَةً وكَأنَّهم عَنَوْا بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ عَلى الجِبالِ نُزُولَ ماءِ المَطَرِ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي أحَدُ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ عَلَيْها والأكْثَرُونَ أنَّ النُّزُولَ مِنَ السَّحابِ والمُرادُ مِنَ السَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ وهو الَّذِي تَحْكُمُ بِهِ المُشاهَدَةُ وقَدْ أسْلَفْنا لَكَ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أوَّلَ الكِتابِ فَتَذَكَّرْ.

والأنْهارُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى في الأرْضِ كَثِيرَةٌ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّها مِائَةٌ وسِتَّةٌ وتِسْعُونَ نَهْرًا وقِيلَ: هي أكْثَرُ مِن ذَلِكَ وجاءَ في أرْبَعَةٍ مِنها أنَّها مِنَ الجَنَّةِ فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  «سَيْحانُ وجَيْحانُ والفُراتُ والنِّيلُ كُلٌّ مِن أنْهارِ الجَنَّةِ» والأوَّلانِ بِالألِفِ بَعْدِ الحاءِ وهُما نَهْرانِ في أرْضِ الأُرْدُنِّ فَجَيْحانُ نَهْرُ المُصِيصَةِ وسَيْحانُ نَهْرُ أدَنَةَ وقَوْلُ الجَوْهَرِيِّ في صِحاحِهِ جَيْحانُ نَهْرٌ بِالشّامِ غَلَطٌ أوْ أنَّهُ أرادَ المَجازَ مِن حَيْثُ أنَّهُ بِبِلادِ الأرْمَنِ وهي مُجاوِرَةٌ لِلشّامِ وهُما غَيْرُ سَيْحُونَ وجَيْحُونَ بِالواوِ فَإنَّ سَيْحُونَ نَهْرُ الهِنْدِ وهو يَجْرِي مِن جِبالٍ بِأقاصِيها مِمّا يَلِي العَيْنَ إلى أنْ يَنْصَبَّ في البَحْرِ الحَبَشِيِّ مِمّا يَلِي ساحِلَ الهِنْدِ ومِقْدارُ جَرْيِهِ أرْبَعُمِائَةِ فَرْسَخٍ وجَيْحُونُ نَهْرُ بَلْخٍ يَجْرِي مِن أعْيُنَ إلى أنْ يَأْتِيَ خَوارِزْمَ فَيَتَفَرَّقُ بَعْضُهُ في أماكِنَ ويَمْضِي باقِيهِ إلى البُحَيْرَةِ الَّتِي عَلَيْها القَرْيَةُ المَعْرُوفَةُ بِالجُرْجانِيَّةِ أسْفَلَ خَوارِزْمَ يَجْرِي مِنهُ إلَيْها السُّفُنُ طُولُها مَسِيرَةَ شَهْرٍ وعَرَضُها نَحْوَ ذَلِكَ وأمّا قَوْلُ القاضِي عِياضٍ هَذِهِ الأنْهارُ الأرْبَعَةُ أكْبَرُ أنْهارِ بِلادِ الإسْلامِ فالنِّيلُ بِمِصْرَ والفُراتُ بِالعِراقِ وسَيْحانُ وجَيْحانُ ويُقالُ سَيْحُونُ وجَيْحُونُ بِبِلادِ خُراسانَ فَقَدْ قالَ النَّوَوِيُّ: إنَّ فِيهِ إنْكارًا مِن أوْجُهٍ أحَدُها قَوْلُهُ: الفُراتُ بِالعِراقِ ولَيْسَتْ بِالعِراقِ وإنَّما هي فاصِلَةٌ بَيْنَ الشّامِ والجَزِيرَةِ الثّانِي قَوْلُهُ: سَيْحانُ وجَيْحانُ ويُقالُ سَيْحُونُ وجَيْحُونُ فَجَعَلَ الأسْماءَ مُتَرادِفَةً ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ سَيْحانُ غَيْرُ سَيْحُونَ وجَيْحانُ غَيْرُ جَيْحُونَ بِاتِّفاقِ النّاسِ والثّالِثُ قَوْلُهُ: بِبِلادِ خُراسانَ إنَّما سَيْحانُ وجَيْحانُ بِبِلادِ الأرْمَنِ بِقُرْبِ الشّامِ.

انْتَهى.

وقَدْ يُجابُ عَنِ الأوَّلِ بِنَحْوِ ما أُجِيبَ بِهِ عَنِ الجَوْهَرِيِّ ولا يَخْفى أنَّهُ بَعْدَ زَعْمِ التَّرادُفِ يَصِحُّ الحُكْمُ بِأنَّهُما بِبِلادِ خُراسانَ كَما يَصِحُّ الحُكْمُ بِأنَّهُما بِبِلادِ الأرْمَنِ وفي كَوْنِ هَذِهِ الأنْهارِ مِنَ الجَنَّةِ تَأْوِيلانِ الأوَّلُ أنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ مِياهِها بِمِياهِ الجَنَّةِ والإخْبارُ بِامْتِيازِها عَلى ما عَداها ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ والثّانِي ما ذَكَرَهُ القاضِي عِياضٌ أنَّ الإيمانَ عَمَّ بِلادَها وأنَّ الأجْسامَ المُتَغَذِّيَةَ مِنها صائِرَةٌ إلى الجَنَّةِ وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ ولَوْ رُدَّ إلى اعْتِبارِ التَّشْبِيهِ أيْ أنَّها مِثْلُ أنْهارِ الجَنَّةِ في أنَّ المُتَغَذِّينَ مِن مائِها المُؤْمِنُونَ لَكانَ أوْجَهَ وقالَ النَّوَوِيُّ: الأصَحُّ أنَّ الكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ وأنَّ لَها مادَّةً مِنَ الجَنَّةِ وهي مَوْجُودَةٌ اليَوْمَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ.

ويَأْبى التَّأْوِيلَ الأوَّلَ ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ الإسْراءِ وحَدَّثُ نَبِيُّ اللَّهِ  «أنَّهُ رَأى أرْبَعَةَ أنْهارٍ يَخْرُجُ مِن أصْلِها نَهْرانِ ظاهِرانِ ونَهْرانِ باطِنانِ فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ ما هَذِهِ الأنْهارُ فَقالَ: أمّا النَّهْرانِ الباطِنانِ فَنَهْرانِ في الجَنَّةِ وأمّا الظّاهِرانِ فالفُراتُ والنِّيلُ» وضَمِيرُ أصْلِها السِّدْرَةُ المُنْتَهى كَما جاءَ مُبَيَّنًا في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ.

والقاضِي عِياضٌ قالَ هُنا: إنَّ هَذا الحَدِيثَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْلَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الأرْضِ لِخُرُوجِ النِّيلِ والفُراتِ مِن أصْلِها وتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلازِمٍ بَلْ مَعْناهُ أنَّ الأنْهارُ تَخْرُجُ مَن أصْلِها ثُمَّ تَسِيرُ حَيْثُ أرادَ اللَّهُ تَعالى حَتّى تَخْرَجَ مِنَ الأرْضِ وتَسِيرُ فِيها وهَذا لا يَمْنَعُهُ عَقْلٌ ولا شَرْعٌ وهو ظاهِرُ الحَدِيثِ فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ قِيلَ: ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يُوصِلُ مِياهَ هاتِيكِ الأنْهارِ بِقُدْرَتِهِ الباهِرَةِ إلى مَحالِّها الَّتِي يُشاهَدُ خُرُوجُها مِنها مِن حَيْثُ لا يَراها أحَدٌ وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أصْلُ مِياهِها الخارِجَةِ مِن مَحالِّها لا هي وما يُنْظَمُ إلَيْها مِنَ السُّيُولِ وغَيْرِها وكَأنِّي أرى بَعْضَ النّاسِ لِيُسْنى يَلْتَزِمُ ذَلِكَ في جَمِيعِ ما لا يَجْرِي في هاتِيكِ الأنْهارِ وبَعْضُهم أيْضًا يَجْعَلُ الأخْبارَ في هَذا الشَّأْنِ إشاراتٍ إلى أُمُورٍ أنَفُسِيَّةٍ فَقَطْ ولَيْسَ مِمّا تَرْتَضِيهِ الأنْفُسُ المَرْضِيَّةُ نَعَمْ أنا لا أمْنَعُ التَّأْوِيلَ مَعَ بَقاءِ الأمْرِ أفاقِيًّا ولَيْسَ عَدَمُ اعْتِقادِ الظّاهِرِ مِمّا يُخِلُّ بِالدِّينِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لا تَعَصُّبَ عِنْدَهُ.

ولِلْإخْبارِيِّينَ في هَذِهِ الأنْهارِ كَلامٌ طَوِيلٌ تَمُجُّهُ أسْماعُ ذَوِي الألْبابِ ولا يَجْرِي في أنْهارِ قُلُوبِهِمْ ولا أراهُ يَصْلُحُ إلّا لِلْإلْقاءِ في البَحْرِ.

وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ مَرْفُوعًا «نَهْرانِ مُؤْمِنانِ ونَهْرانِ كافِرانِ أمّا المُؤْمِنانِ فالنِّيلُ والفُراتُ وأمّا الكافِرانِ فَدِجْلَةُ وجَيْحُونُ» وحُمِلَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَبَّهَ النَّهْرَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِنَفْعِهِما بِسُهُولَةٍ بِالمُؤْمِنِ والنَّهْرَيْنِ الأخِيرَيْنِ بِالكافِرِ لِعَدَمِ نَفْعِهِما كَذَلِكَ أنَّهُما إنَّما يَخْرُجُ في الأكْثَرِ ماؤُهُما بِآلَةٍ ومَشَقَّةٍ وإلّا فَوَصْفُ ذَلِكَ بِالإيمانِ والكُفْرِ عَلى الحَقِيقَةِ غَيْرُ ظاهِرٍ ثُمَّ إنَّ أفْضَلَ الأنْهارِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ النِّيلُ وباقِيها عَلى السَّواءِ وزادَ بَعْضُهم في عِدادِ ما هو مِنَ الجَنَّةِ دِجْلَةَ ورَوى في ذَلِكَ خَبَرًا عَنْ مُقاتِلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ولَيْسَ مِمّا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجَعَلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ أيِ اثْنِينِيَّةً حَقِيقِيَّةً وهُما الفَرْدانِ اللَّذانِ كَلٌّ مِنهُما زَوْجُ الآخَرِ وأكَّدَ بِهِ الزَّوْجَيْنِ لِئَلّا يُفْهَمَ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الشَّفْعانِ إذْ يُطْلَقُ الزَّوْجُ عَلى المَجْمُوعِ لَكِنَّ اثْنِينِيَّةَ ذَلِكَ اعْتِبارِيَّةٌ أيْ جَعَلَ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الثَّمَراتِ المَوْجُودَةِ في الدُّنْيا ضَرْبَيْنِ وصِنْفَيْنِ إمّا في اللَّوْنِ كالأبْيَضِ والأسْوَدِ أوْ في الطَّعْمِ كالحُلْوِ والحامِضِ أوْ في القَدْرِ كالصَّغِيرِ والكَبِيرِ أوْ في الكَيْفِيَّةِ كالحارِّ والبارِدِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ.

وقِيلَ: المَعْنى خَلَقَ في الأرْضِ مِن جَمِيعِ أنْواعِ الثَّمَراتِ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ حِينَ مَدَّها ثُمَّ تَكاثَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وتَنَوَّعَتْ وتُعُقِّبَ أنَّهُ دَعْوى بِلا دَلِيلٍ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ خِلافُهُ فَإنَّ النَّوْعَ النّاطِقَ المُحْتاجَ إلى زَوْجَيْنِ خُلِقَ ذَكَرُهُ أوَّلًا فَكَيْفَ في الثَّمَراتِ وتَكُونُ واحِدٌ مِن كُلٍّ أوَّلًا كافٍ في التَّكَوُّنِ والوَجْهُ ما ذُكِرَ أوَّلًا وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُّ بِجَعَلَ الأوَّلِ ويَكُونُ الثّانِي اسْتِئْنافًا لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الجَعْلِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِالزَّوْجَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ الجارِّ بِجَعَلَ السّابِقِ الشَّمْسَ والقَمَرَ وقِيلَ: اللَّيْلَ والنَّهارَ وكِلا القَوْلَيْنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ﴾ أيْ يُلْبِسُهُ مَكانَهُ فَيَصِيرُ الجَوُّ مُظْلِمًا بَعْدَ ما كانَ مُضِيئًا فَفِيهِ إسْنادُ ما لِمَكانِ الشَّيْءِ إلَيْهِ وفي جَعْلِ الجَوِّ مَكانًا لِلنَّهارِ تَجُوزُ لِأنَّ الزَّمانَ لا مَكانَ لَهُ والمَكانَ إنَّما هو لِلضَّوْءِ الَّذِي هو لازِمُهُ وجُوِّزَ في الآيَةِ اسْتِعارَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ﴾ يَجْعَلُهُ مَغْشِيًّا لِلنَّهارِ مَلْفُوفًا عَلَيْهِ كاللِّباسِ عَلى المَلْبُوسِ قِيلَ: والأوَّلُ أوْجَهُ وأبْلَغُ واكْتَفى بِذِكْرِ تَغْشِيَةِ اللَّيْلِ النَّهارَ مَعَ تَحَقُّقِ عَكْسِهِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنهُ مَعَ أنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُها إلّا أنَّ التَّغْشِيَةَ بِمَعْنى السَّتْرِ وهي أنْسَبُ بِاللَّيْلِ مِنَ النَّهارِ وعُدَّ هَذا في تَضاعِيفِ الآياتِ السُّفْلِيَّةِ وإنْ كانَ تَعَلُّقُهُ بِالآياتِ العُلْوِيَّةِ ظاهِرًا بِاعْتِبارِ ظُهُورِهِ في الأرْضِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ ( يُغَشِّي ) بِالتَّشْدِيدِ وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ مِن مَدِّ الأرْضِ وجَعْلِ الرَّواسِي عَلَيْها وإجْراءِ الأنْهارِ فِيها وخَلْقِ الثَّمَراتِ وإغْشاءِ اللَّيْلِ النَّهارَ وفي الإشارَةِ بِذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ المُشارِ إلَيْهِ في بابِهِ ﴿ لآياتٍ ﴾ باهِرَةً قِيلَ: هي آثارُ الأفاعِيلِ البَدِيعَةِ جَلَّتْ حِكْمَةُ صانِعِها فَفي عَلى مَعْناها فَإنَّ تِلْكَ الآثارَ مُسْتَقِرَّةٌ في تِلْكَ الأفاعِيلِ مَنُوطَةٌ بِها وجُوِّزَ أنْ يُشارَ بِذَلِكَ إلى تِلْكَ الآثارِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِتِلْكَ الأفاعِيلِ ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

(3) .

فَإنَّ التَّفَكُّرَ فِيها يُؤَدِّي إلى الحُكْمِ بِأنْ يَكُونَ كُلٌّ مِن ذَلِكَ عَلى هَذا النَّمَطِ الرّائِقِ والأُسْلُوبِ اللّائِقِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُكَوَّنٍ قادِرٍ حَكِيمٍ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ والفِكْرَةُ كَما قالَ الرّاغِبُ قُوَّةٌ مُطْرِقَةٌ لِلْعِلْمِ إلى المَعْلُومِ والتَّفَكُّرُ جَوَلانُ تِلْكِ القُوَّةِ بِحَسَبِ نَظَرِ العَقْلِ وذَلِكَ لَلْأنِسانِ دُونَ الحَيَوانِ ولا يُقالُ: إلّا فِيما لا يُمْكِنُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ صُورَةٌ في القَلْبِ ولِهَذا رُوِيَ تَفَكَّرُوا في آلاءِ اللَّهِ تَعالى ولا تَتَفَكَّرُوا في اللَّهِ تَعالى إذْ كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا أنْ يُوصَفَ بِصُورَةٍ.

وقالَ بَعْضُ الأُدَباءِ: الفِكْرُ مَقْلُوبٌ عَنِ الفَرْكِ لَكِنْ يَسْتَعْمِلُ الفِكْرُ في المَعانِي وهو فَرْكُ الأُمُورِ وبَحْثُها طَلَبًا لِلْوُصُولِ إلى حَقِيقَتِها والمَشْهُورُ أنَّهُ تَرْتِيبُ أُمُورٍ مَعْلُومَةٍ لِلتَّأدِّي إلى مَجْهُولٍ وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ جَعْلِ هَذا مَقْطَعًا في الآيَةِ وذَكَرَ الإمامُ أنَّ الأكْثَرَ في الآياتِ إذا ذُكِرَ فِيها الدَّلائِلُ المَوْجُودَةُ في العالَمِ السُّفْلِيِّ أنْ يُجْعَلَ مَقْطَعُها ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وما يَقْرُبُ مِنهُ وسَبَبُهُ أنَّ الفَلاسِفَةَ يُسْنِدُونَ حَوادِثَ العالَمِ السُّفْلِيِّ إلى الِاخْتِلافاتِ الواقِعَةِ في الإشْكالاتِ الكَوْكَبِيَّةِ فَرَدَّهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ لِأنَّ مَن تَفَكَّرَ فِيها عَلِمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُدُوثُ تِلْكَ الحَوادِثِ مِنَ الِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةِ فَتَفَكَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌۭ مُّتَجَـٰوِرَٰتٌۭ وَجَنَّـٰتٌۭ مِّنْ أَعْنَـٰبٍۢ وَزَرْعٌۭ وَنَخِيلٌۭ صِنْوَانٌۭ وَغَيْرُ صِنْوَانٍۢ يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ٤

﴿ وفِي الأرْضِ قِطَعٌ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى طائِفَةٍ أُخْرى مِنَ الآياتِ أيْ في الأرْضِ بِقاعٌ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ في الأوْصافِ فَمِن طَيِّبَةٍ مُنْبِتَةٍ ومِن سَبِخَةٍ لا تُنْبِتُ ومِن رَخْوَةٍ ومِن صُلْبَةٍ ومِن صالِحَةٍ لِلزَّرْعِ لا لِلشَّجَرِ ومِن صالِحَةٍ لِلشَّجَرِ لا لِلزَّرْعِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ مُتَجاوِراتٌ ﴾ أيْ مُتَلاصِقَةٌ والمَقْصُودُ الإخْبارُ بِتَفاوُتِ أجْزاءِ الأرْضِ المُتَلاصِقَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي عَلِمْتَ وهَذا هو المَأْثُورُ عَنِ الأكْثَرِينَ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ المَعْنى وفي الأرْضِ قُرًى قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ وأخْرَجَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِالأهْوازِ وفارِسَ والكُوفَةِ والبَصْرَةِ ومِن هُنا قِيلَ في الآيَةِ اكْتِفاءً عَلى حَدِّ ﴿ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ والمُرادُ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وغَيْرُ مُتَجاوِراتٍ وفي بَعْضِ المَصاحِفِ ( وقِطَعًا مُتَجاوِراتٍ )بِالنَّصْبِ أيْ وجَعَلَ في الأرْضِ قِطَعًا ﴿ وجَنّاتٌ ﴾ أيْ بَساتِينَ كَثِيرَةٌ ﴿ مِن أعْنابٍ ﴾ أيْ مِن أشْجارِ الكَرْمِ ﴿ وزَرْعٌ ﴾ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الحُبُوبِ وإفْرادُهُ لِمُراعاةِ أصْلِهِ حَيْثُ كانَ مَصْدَرًا ولَعَلَّ تَقْدِيمَ ذِكْرِ الجَنّاتِ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِ عَمُودَ المَعاشِ لِما أنَّ في صَنْعَةِ الأعْنابِ مِمّا يُبْهِرُ العُقُولَ ما لا يَخْفى ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا أنَّها مِياهٌ مُتَجَمِّدَةٌ في ظُرُوفٍ رَقِيقَةٍ حَتّى أنَّ مِنها شَفّافًا لا يَحْجُبُ البَصَرَ عَنْ إدْراكِ ما في جَوْفِهِ لَكَفى ومِن هُنا جاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ القُدُسِيَّةِ أتَكْفُرُونَ بِي وأنا خالِقٌ العِنَبَ وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِظُهُورِ حالِ الجَنّاتِ في اخْتِلافِها ومُبايَنَتِها لِسائِرِها ورُسُوخِ ذَلِكَ فِيها وتَأْخِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونَخِيلٌ ﴾ لِئَلّا يَقَعَ بَيْنَها وبَيْنَ صِفَتِها وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٌ ﴾ فاصِلَةٌ أوْ يَطُولُ الفَصْلُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ وصِنْوانٌ جَمْعُ صِنْوٍ وهو الفَرْعُ الَّذِي يَجْمَعُهُ وآخَرُ أصْلٌ واحِدٌ وأصْلُهُ المِثْلُ ومِنهُ قِيلَ: لِلْعَمِّ صِنْوٌ وكَسُرُ الصّادِ في الجَمْعِ كالمُفْرَدِ هو اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ ولُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ ( صُنْوانٌ ) بِالضَّمِّ كَذِئْبٍ وذُؤْبانٍ وبِذَلِكَ قَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والسَّلَمِيُّ وابْنُ مُصَرِّفٍ ونَقَلَهُ الجَعْبَرِيُّ في شَرْحِ الشّاطِبِيَّةِ عَنْ حَفْصٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ بِالفَتْحِ وهو عَلى ذَلِكَ اسْمُ جَمْعٍ كالسِّعْدانِ لا جَمْعَ تَكْسِيرٍ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أبْنِيَتِهِ وقَرَأ الحَسَنُ ( جَنّاتٍ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عِنْدَ بَعْضٍ عَلى زَوْجَيْنِ مَفْعُولِ ﴿ جَعَلَ ﴾ و( مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ) حِينَئِذٍ حالٌ مُقَدَّمَةٌ لا صِلَةُ ﴿ جَعَلَ ﴾ لِفَسادِ المَعْنى عَلَيْهِ أيْ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ حالَ كَوْنِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ ولا يَجِبُ هُنا تَقْيِيدُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ العَطْفَ عَلى ﴿ رَواسِيَ ﴾ وقالَ أبُو حَيّانَ: الأوْلى إضْمارُ فِعْلٍ لِبُعْدِ ما بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ أوْ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ﴿ كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ عَلى أنْ يَكُونَ هو مَفْعُولًا بِزِيادَةِ مِن في الإثْباتِ و ﴿ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ حالًا مِنهُ والتَّقْدِيرُ وجَعَلَ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ حالَ كَوْنِها صِنْفَيْنِ فَلَعَلَّ عَدَمَ نَظْمِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ﴾ في هَذا السِّلْكِ مَعَ أنَّ اخْتِصاصَ ( كُلِّ ) مِن تِلْكَ القِطَعِ بِما لَها مِنَ الأحْوالِ والصِّفاتِ بِمَحْضِ خَلْقِ الخالِقِ الحَكِيمِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ حِينَ مَدَّ الأرْضَ ودَحاها عَلى ما قِيلَ الإيماءُ إلى كَوْنِ تِلْكَ الأحْوالِ صِفاتٍ راسِخَةً لِتِلْكَ القِطَعِ وقَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ ﴿ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ ﴾ بِالجَرِّ عَلى أنَّ العَطْفَ عَلى أعْنابٍ وهو كَما في الكَشْفِ مِن بابِ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا أوِ المُرادُ أنَّ في الجَنّاتِ فُرُجًا مَزْرُوعَةً بَيْنَ الأشْجارِ وإلّا فَلا يُقالُ لِلْمَزْرَعَةِ وحْدَها جَنَّةٌ وهَذا أحْسَنُ مَنظَرًا وأنْزَهُ وادَّعى أبُو حَيّانَ أنَّ في جَعْلِ الجَنَّةِ مِنَ الأعْنابِ تَجَوُّزًا لِأنَّ الجَنَّةَ في الحَقِيقَةِ هي الأرْضُ الَّتِي فِيها الأعْنابُ ﴿ ويُسْقى ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ القِطَعِ والجَنّاتِ والزَّرْعِ والنَّخِيلِ وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ بِالتَّأْنِيثِ مُراعاةً لِلَّفْظِ وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وأبِي جَعْفَرٍ قِيلَ: والأوَّلُ أوْفَقُ بِمَقامِ بَيانِ اتِّحادِ الكُلِّ في حالَةِ السَّقْيِ بِماءٍ واحِدٍ لا اخْتِلافَ في طَبْعِهِ سَواءً كانَ السَّقْيُ مِن ماءٍ الأمْطارِ أوْ مِن ماءِ الأنْهارِ وقِيلَ: إنَّ الثّانِيَ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ونُفَضِّلُ ﴾ أيْ مَعَ وُجُودِ أسْبابِ التَّشابُهِ بِمَحْضِ قُدْرَتِنا وإحْسانِنا ﴿ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ ﴾ آخَرَ مِنها ﴿ فِي الأُكُلِ ﴾ لِمَكانِ التَّأْنِيثِ وأمالَ فَتْحَةَ القافِ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأُكُلُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ والكافِ وجاءَ تَسْكِينُها ما يُؤْكَلُ وهو هُنا الثَّمَرُ والحَبُّ وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: أيْ في الثَّمَرِ شَكْلًا وقَدْرًا ورائِحَةً وطَعْمًا مِن بابِ التَّغْلِيبِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يُفَضِّلُ ) بِالياءِ عَلى بِناءِ الفاعِلِ رَدًّا عَلى ( يُدَبِّرُ ) و( يُفَصِّلُ ) و( يُغْشِي ) وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وهو أوَّلُ مَن نَقَطَ المُصْحَفَ وأبُو حَيْوَةَ والحَلَبِيُّ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ بِالياءِ عَلى بِناءِ المَفْعُولِ ورَفَعَ بَعْضَها وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ الفَخامَةِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ احْتِمالِ اسْتِنادِ الفِعْلِ إلى فاعِلٍ آخَرَ مُغْنٍ عَنْ بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فُصِّلَ مِن أحْوالِ القِطَعِ وغَيْرِها ﴿ لآياتٍ ﴾ كَثِيرَةً عَظِيمَةً باهِرَةً ﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ .

(4) .

يَعْمَلُونَ عَلى قَضِيَّةِ عُقُولِهِمْ فَإنَّ مَن عَقَلَ هاتِيكِ الأحْوالَ العَجِيبَةَ وخُرُوجَ الثِّمارِ المُخْتَلِفَةِ في الأشْكالِ والألْوانِ والطَّعُومِ والرَّوائِحِ في تِلْكَ القِطَعِ المُتَبايِنَةِ المُتَلاصِقَةِ مَعَ اتِّخاذِ ما تُسْقى بِهِ بَلْ وسائِرُ أسْبابِ نُمُوِّها لا يَتَلَعْثَمُ في الجَزْمِ بِأنَّ لِذَلِكَ صانِعًا حَكِيمًا قادِرًا مُدَبِّرًا لَها لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وقِيلَ: المُرادُ أنَّ مَن عَقَلَ ذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ في الجَزْمِ بِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إبْداعِ ما ذُكِرَ قادِرٌ عَلى إعادَةِ ما أبْداهُ بَلْ هي أهْوَنُ في القِياسِ ولَعَلَّ ما ذَكَرَهُ أوْلى ثُمَّ إنَّ الأحْوالَ وإنْ كانَتْ هي الآياتُ أنْفُسُها لا أنَّها فِيها إلّا أنَّها قَدْ جُرِّدَتْ عَنْها أمْثالُها مُبالَغَةً في كَوْنِهِ آيَةً فَفي تَجْرِيدِيَّةِ مِثْلِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ ﴾ عَلى المَشْهُورِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ الأحْوالُ الكُلِّيَّةُ والآياتُ أفْرادُها الحادِثَةُ شَيْئًا فَشَيْئًا في الأزْمِنَةِ وآحادُها الواقِعَةُ في الأقْطارِ والأمْكِنَةُ المُشاهَدَةُ لِأهْلِها فَفي عَلى مَعْناها ومِنهم مَن فَسَّرَ الآياتِ بِالدَّلالاتِ لِتَبْقى في عَلى ذَلِكَ وهو كَما تَرى وحَيْثُ كانَتْ دَلالَةُ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى مَدْلُولاتِها أظْهَرَ مِمّا سَبَقَ عَلَّقَ سُبْحانَهُ كَوْنَها آياتٍ بِمَحْضِ التَّعَقُّلِ كَما قالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ ولِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ لَمْ يَتَعَرَّضْ جَلَّ شَأْنُهُ لِغَيْرِ تَفْضِيلِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ في الأكْلِ الظّاهِرِ لِكُلِّ عاقِلٍ مَعَ تَحَقُّقِ ذَلِكَ في الخَواصِّ والكَيْفِيّاتِ مِمّا يَتَوَقَّفُ العُثُورُ عَلَيْهِ عَلى نَوْعِ تَأمُّلٍ وتَفَكُّرٍ كَأنَّهُ لا حاجَةَ إلى التَّفَكُّرِ في ذَلِكَ أيْضًا وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُشْرِكِينَ غَيْرُ عاقِلِينَ ولِبَعْضِ الرُّجّازِ فِيما تُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ: والأرْضُ فِيها عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِ تُخْبِرُ عَنْ صُنْعِ مَلِيكٍ مُقْتَدِرِ تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ أشْجارُها ∗∗∗ وبُقْعَةٌ واحِدَةٌ قَرارُها والشَّمْسُ والهَواءُ لَيْسَ يَخْتَلِفُ ∗∗∗ وأكْلُها مُخْتَلِفٌ لا يَأْتَلِفُ لَوْ أنَّ ذا مَن عَمِلَ الطَّبائِعَ ∗∗∗ أوْ أنَّهُ صَنْعَةُ غَيْرِ صانِعِ لَمْ يَخْتَلِفْ وكانَ شَيْئًا واحِدا ∗∗∗ هَلْ يُشْبِهُ الأوْلادُ إلّا الوالِدا الشَّمْسُ والهَواءُ يا مُعانِدُ ∗∗∗ والماءُ والتُّرابُ شَيْءٌ واحِدُ فَما الَّذِي أوْجَبَ ذا التَّفاضُلا ∗∗∗ إلّا حَكِيمٌ لَمْ يَرُدُّهُ باطِلا وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِقُلُوبِ بَنِي آدَمَ كانَتِ الأرْضُ في يَدِ الرَّحْمَنِ طِينَةً واحِدَةً فَسَطَحَها وبَطَحَها فَصارَتْ قِطَعًا مُتَجاوِرَةً فَيَنْزِلُ عَلَيْها الماءُ فَتُخْرِجُ هَذِهِ زَهْرَتَها وثَمَرَها وشَجَرَها وتُخْرِجُ نَباتَها وتُخْرِجُ هَذِهِ سَبَخَها ومِلْحَها وخَبَثَها وكِلْتاهُما تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ فَلَوْ كانَ الماءُ مِلْحًا قِيلَ إنَّما اسْتَسْبَخَتْ هَذِهِ مِن قِبَلِ الماءِ كَذَلِكَ النّاسُ خُلِقُوا مِن آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ تَذْكِرَةً فَتَرِقُّ قُلُوبٌ فَتَخْشَعُ وتَخْضَعُ وتَقْسُو قُلُوبٌ فَتَلْهُو وتَسْهُو ثُمَّ قالَ: واللَّهُ ما جالَسَ القُرْآنَ أحَدٌ إلّا قامَ مِن عِنْدِهِ بِزِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا ﴾ .

اهَـ.

قالَ أبُو حَيّانَ وهو شَبِيهٌ بِكَلامِ الصُّوفِيَّةِ <div class="verse-tafsir"

۞ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌۭ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْأَغْلَـٰلُ فِىٓ أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٥

﴿ وإنْ تَعْجَبْ ﴾ أيْ إنْ يَقَعْ مِنكَ عَجَبٌ يا مُحَمَّدُ ﴿ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ﴾ بَعْدَ مُشاهَدَةِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ تَعالى أيْ فَلْيَكُنْ عَجَبُكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ أإذا كُنّا تُرابًا ﴾ إلى آخِرِهِ فَإنَّهُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ ورُفِعَ ( عَجَبٌ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و ﴿ قَوْلُهُمْ ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وقُدِّمَ الخَبَرُ لِلْقَصْرِ والتَّسْجِيلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِكَوْنِ قَوْلِهِمْ أمْرًا عَجِيبًا وفي البَحْرِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ صِفَةٍ لِعَجَبٌ لِأنَّهُ لا يَتَمَكَّنُ المَعْنى بِمُطْلَقٍ فَيُقَدَّرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ فَعَجَبٌ أيُّ عَجَبٍ أوْ فَعَجَبٌ غَرِيبٌ وإذا قَدَّرْناهُ مَوْصُوفًا جازَ أنْ يُعْرَبَ مُبْتَدَأً لِلْمُسَوِّغِ وهو الوَصْفُ ولا يَضُرُّ كَوْنُ الخَبَرِ مَعْرِفَةً وذَلِكَ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ في كَمْ مالُكَ إنَّ كَمْ مُبْتَدَأٌ لِوُجُودِ المُسَوِّغِ فِيهِ وهو الِاسْتِفْهامُ وفي نَحْوِ اقْصُدْ رَجُلًا خَيْرٌ مِنهُ أبُوهُ إنَّ خَيْرٌ مُبْتَدَأٌ لِلْمُسَوِّغِ أيْضًا وهو العَمَلُ ونَقَلَ أبُو البَقاءِ القَوْلَ بِأنَّ ( عَجَبٌ ) بِمَعْنى مُعْجَبٍ ثُمَّ قالَ: فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ ﴿ قَوْلُهُمْ ﴾ بِهِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ شَيْءٍ بِمَعْنى شَيْءٍ أنْ يَكُونَ حَكَمُهُ في العَمَلِ حُكْمَهُ فَمُعْجَبٌ يَعْمَلُ و( عَجَبٌ ) لا يَعْمَلُ ألا تَرى أنَّ فِعْلًا كَذَبَحَ وفِعْلَةٍ كَقَبَضَ وفُعْلَةٍ كَغُرْفَةٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ ولا يَعْمَلُ عَمَلَهُ فَلا تَقُولُ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ ذَبَحَ كَبْشَهُ أوْ قَبَضَ مالَهُ أوْ غُرْفَةٌ ماؤُهُ بِمَعْنى مَذْبُوحٍ كَبْشُهُ ومَقْبُوضٍ مالُهُ ومَغْرُوفٌ ماؤُهُ وقَدْ نَصُّوا عَلى أنَّ هَذِهِ تَنُوبُ في الدَّلالَةِ لا العَمَلِ عَنِ المَفْعُولِ وحَصَرَ النَّحْوِيُّونَ ما يَرْفَعُ الفاعِلَ في أشْياءَ ولَمْ يَعُدُّوا المَصْدَرَ إذا كانَ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ مِنها.

والظّاهِرُ أنَّ ﴿ أإذا كُنّا ﴾ إلى آخِرِهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْكِيٌّ بِهِ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ مُفِيدٌ لِكَمالِ الِاسْتِبْعادِ والِاسْتِنْكارِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ﴿ قَوْلُهُمْ ﴾ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى المَقُولِ وهو عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ: إعْرابٌ مُتَكَلَّفٌ وعُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ وعَلَيْهِ فالعَجَبُ تَكَلُّمُهم بِذَلِكَ وعَلى الأوَّلِ كَلامُهم ذَلِكَ والعامِلُ في ( إذا ) ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ وهو نُبْعَثُ أوْ نُعادُ والجَدِيدُ ضِدَّ الخَلِقِ والبالِي ويُقالُ: ثَوْبٌ جَدِيدٌ أيْ كَما فُرِغَ مِن عَمِلَهُ وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَأنَّهُ قُطِعَ مِن نَسْجِهِ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِتَقْوِيَةِ الإنْكارِ بِالبَعْثِ بِتَوْجِيهِهِ إلَيْهِ في حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ وتَكْرِيرُ الهَمْزَةِ في ﴿ أإنّا ﴾ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ ولَيْسَ مَدارَ إنْكارِهِمْ كَوْنُهم ثابِتِينَ في الخَلْقِ الجَدِيدِ بِالفِعْلِ عِنْدَ كَوْنِهِمْ تُرابًا بَلْ كَوْنُهم بِعَرَضِيَّةِ ذَلِكَ واسْتِعْدادِهِمْ لَهُ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عُتُوِّهِمْ وتَمادِيهِمْ في النَّكِيرِ ما لا يَخْفى قالَ أبُو البَقاءِ: ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ ( إذا ) بِكُنّا لِأنَّها مُضافَةٌ إلَيْها ولا بِجَدِيدٍ لِأنَّ ما بَعْدَ أنَّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها وكَذا الِاسْتِفْهامُ ورُدَّ الأوَّلُ في المُغْنِي بِأنَّ ( إذا ) عِنْدَ مَن يَقُولُ بِأنَّ العامِلَ فِيها شَرْطُها وهو المَشْهُورُ غَيْرُ مُضافَةٍ كَما يَقُولُهُ الجَمِيعُ إذا جَزَمَتْ كَما في قَوْلِهِ: وإذا تُصِبْكَ خَصاصَةٌ فَتُحْمَلُ.

قِيلَ: فالوَجْهُ في رَدِّ ذَلِكَ أنَّ عَمَلَهُ فِيها مَوْقُوفٌ عَلى تَعْيِينِ مَدْلُولِها وتَعْيِينَهُ لَيْسَ إلّا بِشَرْطِها فَيَدُورُ ونَظَرَ فِيهِ الشِّهابُ بِأنَّها عِنْدَهم بِمَنزَلَةِ مَتى وأيّانَ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ بَلْ مُبْهَمَةٌ كَما ذَكَرَهُ القائِلُونَ بِهِ وبِهِ صَرَّحَ في المُغْنِي أيْضًا.

وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ إنْ تَعْجَبْ يا مُحَمَّدُ مِن قَوْلِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ فَقَوْلُهم عَجِيبٌ حَقِيقٌ أنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لَيْسَ مَدْلُولَ اللَّفْظِ لِأنَّهُ جَعَلَ فِيهِ مُتَعَلِّقَ عَجَبِهِ  هو قَوْلُهم في إنْكارِ البَعْثِ وجَوابُ الشَّرْطِ هو ذَلِكَ القَوْلُ فَيَتَّحِدُ الشَّرْطُ والجَزاءُ إذْ تَقْدِيرُهُ إنْ تَعْجَبْ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ فاعْجَبْ مِن قَوْلِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ وهو غَيْرُ صَحِيحٍ ورُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا اتَّحَدَ فِيهِ الشَّرْطُ والجَزاءُ صُورَةً وتَغايُرًا حَقِيقَةً كَما في قَوْلِهِ  : «مَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ» وقَوْلُهم: مَن أدْرَكَ الصُّمّانَ فَقَدْ أدْرَكَ المَرْعى وهو أبْلَغُ في الكَلامِ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ أمْرٌ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ ولا تُدْرَكُ حَقِيقَتُهُ وأنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ.

وذَهَبَ بَعْضٌ إلى أنَّ الخِطابَ في ( إنْ تَعْجَبْ ) عامٌّ والمَعْنى إنْ تَعْجَبْ يا مَن نَظَرَ ما في هَذِهِ الآياتِ وعَلِمَ قُدْرَةَ مَن هَذِهِ أفْعالُهُ فازْدَدْ تَعَجُّبًا مِمَّنْ يُنْكِرُ مَعَ هَذا قَدَّرْتَهُ عَلى البَعْثِ وهو أهْوَنُ شَيْءٍ عَلَيْهِ وقِيلَ: المَعْنى إنْ تَجَدَّدَ مِنكَ التَّعَجُّبُ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ فاسْتَمِرَّ عَلَيْهِ فَإنَّ إنْكارَهم ذَلِكَ مِنَ الأعاجِيبِ وقِيلَ: المُرادُ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أيُّها المُرِيدُ عَجَبًا فَهَلُمَّ فَإنَّ مِن أعْجَبِ العَجَبِ إنْكارَهُمُ البَعْثَ واخْتَلَفَ القُرّاءُ في الِاسْتِفْهامَيْنِ إذا اجْتَمَعا في أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا هَذا وفي المُؤْمِنِينَ والعَنْكَبُوتِ والنَّمْلِ والسَّجْدَةِ والواقِعَةِ والنّازِعاتِ وبَنِي إسْرائِيلَ في مَوْضِعَيْنِ وكَذا في الصّافّاتِ فَقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ بِجَعْلِ الأوَّلِ اسْتِفْهامًا والثّانِي خَبَرًا إلّا في العَنْكَبُوتِ والنَّمْلِ فَعَكَسَ نافِعٌ وجَمَعَ الكِسائِيُّ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ في العَنْكَبُوتِ وأمّا في النَّمْلِ فَعَلى أصْلِهِ إلّا أنَّهُ زادَ نُونًا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِجَعَلَ الأوَّلِ خَبَرًا والثّانِي اسْتِفْهامًا إلّا في النَّمْلِ والنّازِعاتِ فَعَكَسَ وزادَ في النَّمْلِ نُونًا كالكِسائِيِّ وإلّا في الواقِعَةِ فَقَرَأ بِاسْتِفْهامَيْنِ وهي قِراءَةُ باقِي السَّبْعَةِ في هَذا البابِ إلّا ابْنَ كَثِيرٍ وحَفْصًا فَإنَّهُما قَرَآ في العَنْكَبُوتِ بِالخَبَرِ في الأوَّلِ والِاسْتِفْهامِ في الثّانِي وهم عَلى أُصُولِهِمْ في اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ مِن تَخْفِيفٍ وتَحْقِيقٍ وفَصْلٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولُ خَبَرُهُ أيْ أُولَئِكَ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ رَيْثَما عايَنُوا مِن آياتِ رَبِّهِمُ الكُبْرى ما يَرْشِدُهم إلى الإيمانِ لَوْ كانُوا يُبْصِرُونَ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ﴾ وتَمادَوْا في ذَلِكَ فَإنَّ إنْكارَ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ إنْكارٌ لَهُ سُبْحانَهُ لِأنَّ الإلَهَ لا يَكُونُ عاجِزًا مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَكْذِيبِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وتَكْذِيبِ رُسُلِهِ المُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ( وأُولَئِكَ ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ ﴾ وفِيهِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفُهم بِذَلِكَ في الدُّنْيا فَهو تَشْبِيهٌ وتَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في امْتِناعِهِمْ عَنِ الإيمانِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى الحَقِّ بِحالِ طائِفَةٍ في أعْناقِهِمْ أغْلالٌ وقُيُودٌ لا يُمْكِنُهُمُ الِالتِفاتُ مَعَها كَقَوْلِهِ: كَيْفَ الرَّشادُ وقَدْ خُلِّفَتْ في نَفَرٍ لَهم عَنِ الرُّشْدِ أغْلالٌ وأقْيادُ كَأنَّهُ قِيلَ: أُولَئِكَ مُقَيَّدُونَ بِقُيُودِ الضَّلالَةِ لا يُرْجى خَلاصُهُمُ الثّانِي أنْ يَكُونَ المُرادُ وصْفَهم بِهِ في الآخِرَةِ والكَلامُ إمّا باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ ﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: إنَّ الأغْلالَ لَمْ تُجْعَلْ في أعْناقِ أهْلِ النّارِ لِأنَّهم أعْجَزُوا الرَّبَّ سُبْحانَهُ ولَكِنَّما جُعِلَتْ في أعْناقِهِمْ لِكَيْ إذا طَغا بِهِمُ اللَّهَبُ أرْسَتْهم في النّارِ وإمّا مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ التَّشْبِيهِ لِحالِهِمْ بِحالِ مَن يُقَدَّمُ لِلسِّياسَةِ وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الأغْلالِ أعْمالُهُمُ الفاسِدَةُ الَّتِي تَقَلَّدُوها كالأغْلالِ وهو جارٍ عَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ والأوَّلُ ناظِرٌ إلى ما قِيلَ والثّانِي إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُولَئِكَ ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ ﴿ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ .

(5) .

لا يَنْفَكُّونَ عَنْها قِيلَ: وتَوْسِيطُ الفَصْلِ لَيْسَ لِتَخْصِيصِ الخُلُودِ بِمُنْكِرِي البَعْثِ خاصَّةً بَلْ بِالجَمِيعِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ﴾ .

وأُورِدَ عَلى ذَلِكَ أنَّ هم لَيْسَ ضَمِيرَ فَصْلٍ لِأنَّ شَرْطَهُ أنْ يَقَعَ بَيْنَ مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ يَكُونُ اسْمًا مَعْرِفَةً أوْ مِثْلَ المَعْرِفَةِ في أنَّهُ لا يَقْبَلُ حَرْفَ التَّعْرِيفِ كَأفْعَلَ التَّفْضِيلِ وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالفَصْلِ الضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ وأنَّهُ أُتِيَ بِهِ وجُعِلَ الخَبَرُ جُمْلَةً مَعَ أنَّ الأصْلَ فِيهِ الإفْرادُ لِقَصْدِ الحَصْرِ والتَّخْصِيصِ المَذْكُورِ كَما في هو عارِفٌ.

وقالَ بَعْضُهم: لَعَلَّ القائِلَ بِما ذُكِرَ لا يَتَّبِعُ النُّحاةُ في الِاشْتِراطِ المَذْكُورِ كَما أنَّ الجُرْجانِيَّ والسَّهَيْلِيَّ جَوَّزا ذَلِكَ إذا كانَ الخَبَرُ مُضارِعًا واسْمُ لِلْفاعِلِ مِثْلُهُ <div class="verse-tafsir"

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلَـٰتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍۢ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ٦

﴿ ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ ﴾ بِالعُقُوبَةِ الَّتِي هَدَّدُوا بِها عَلى الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا ﴿ قَبْلَ الحَسَنَةِ ﴾ أيِ العافِيَةِ والسَّلامَةِ مِنها والمُرادُ بِكَوْنِها قَبْلَها أنَّ سُؤالَها قَبْلَ سُؤالِها أوْ أنَّ سُؤالَها قَبْلَ انْقِضاءِ الزَّمانِ المُقَدَّرِ لَها وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هَؤُلاءِ مُشْرِكُو العَرَبِ اسْتَعْجَلُوا بِالشَّرِّ قَبْلَ الخَيْرِ فَقالُوا: ﴿ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ .

﴿ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ ﴾ جَمْعُ مُثْلَةٍ كَسُمْرَةٍ وسَمُراتٍ وهي العُقُوبَةُ الفاضِحَةُ وفَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِالعُقُوبَةِ المُسْتَأْصِلَةِ لِلْعُضْوِ كَقَطْعِ الأُذُنِ ونَحْوِهِ سُمِّيَتْ بِها لِما بَيْنَ العِقابِ والمُعاقَبِ بِهِ مِنَ المُماثَلَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ أوْ هي مَأْخُوذَةٌ مِنَ المِثالِ بِمَعْنى القِصاصِ يُقالُ: أمْثَلْتُ الرَّجُلَ مِن صاحِبِهِ وأقْصَصْتُهُ بِمَعْنى واحِدٍ أوْ هي مِنَ المَثَلِ المَضْرُوبِ لِعِظَمِها.

والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ لِبَيانِ رَكاكَةِ رَأْيِهِمْ في الِاسْتِعْجالِ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ أيْ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِذَلِكَ مُسْتَهْزِئِينَ بِإنْذارِكَ مُنْكِرِينَ لِوُقُوعِ ما أنْذَرْتَهم إيّاهُ والحالُ أنَّهُ قَدْ مَضَتِ العُقُوباتُ الفاضِحَةُ النّازِلَةُ عَلى أمْثالِهِمْ مِنَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ وقَرَأ مُجاهِدٌ والأعْمَشُ ( المَثَلاتُ ) بِفَتْحِ المِيمِ والثّاءِ وعِيسى بْنُ عَمْرٍو في رِوايَةِ الأعْمَشِ وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّهِما وهو لُغَةٌ أصْلِيَّةٌ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أتْبَعَ فِيهِ العَيْنَ لِلْفاءِ وابْنُ وثّابٍ بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وابْنُ مُصَرِّفٍ بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ وهي لُغَةُ الحِجازِيِّينَ ﴿ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ عَظِيمَةٍ ﴿ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ﴾ أنْفُسَهم بِالذُّنُوبِ والمَعاصِي والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النّاسِ والعامِلُ فِيها هو العامِلُ في صاحِبِها وهو مَغْفِرَةٌ أيْ أنَّهُ تَعالى لَغَفُورٌ لِلنّاسِ مَعَ كَوْنِهِمْ ظالِمِينَ: قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ ظاهِرَةٌ في مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ وهو جَوازُ مَغْفِرَةِ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ بِدُونِ تَوْبَةٍ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ المَغْفِرَةَ مَعَ الظُّلْمِ أيِ الذَّنْبِ ولا يَكُونُ مَعَهُ إلّا قَبْلَ التَّوْبَةِ لِأنَّ التّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنَ لا ذَنْبَ لَهُ وأوَّلَ ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ بِأنَّ المُرادَ مَغْفِرَةُ الصَّغائِرِ لِمُجْتَنِبِ الكَبائِرِ أوْ مَغْفِرَتُها لِمَن تابَ أوِ المُرادُ بِالمَغْفِرَةِ مَعْناها اللُّغَوِيُّ وهو السَّتْرُ بِالإمْهالِ وتَأْخِيرُ العِقابِ إلى الآخِرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لا يُعَجِّلُ لِلنّاسِ العُقُوبَةَ وإنْ كانُوا ظالِمِينَ بَلْ يَسْتُرُ عَلَيْهِمْ بِتَأْخِيرِها واعْتُرِضَ التَّأْوِيلُ بِالتَّخْصِيصِ بِأنَّهُ تَخْصِيصٌ لِلْعامِّ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ وأُجِيبَ بِأنَّ الكُفْرَ قَدْ خُصَّ بِالإجْماعِ فَيَسْرِي التَّخْصِيصُ إلى ذَلِكَ وتُعُقِّبَ الأخِيرُ بِأنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّهُ كَما قالَ الإمامُ لا يُسَمّى مِثْلُهُ مَغْفِرَةً وإلّا لَصَحَّ أنْ يُقالَ: الكُفّارُ مَغْفُورُونَ ورُدَّ بِأنَّ المَغْفِرَةَ حَقِيقَتُها في اللُّغَةِ السَّتْرُ وكَوْنُهم مَغْفُورِينَ بِمَعْنى مُؤَخَّرٍ عَذابُهم إلى الآخِرَةِ لا مَحْذُورَ فِيهِ وهو المُناسِبُ لِاسْتِعْجالِهِمُ العَذابَ وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ أنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ ولِاسْتِعْمالِ القُرْآنِ وذَكَرَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ أنَّهُ يَجِبُ تَأْوِيلُ الآيَةِ بِأحَدِ الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ لِأنَّها بِظاهِرِها كالحَثِّ عَلى الظُّلْمِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وعَدَ المَغْفِرَةَ البالِغَةَ مَعَ وُجُودِ الظُّلْمِ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ في الكَشْفِ فَقالَ: فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الأُسْلُوبَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى بَلِيغُ المَغْفِرَةِ لَهم مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لِخِلافِها لِتَلَبُّسِهِمْ بِما العُقابُ أوْلى بِهِمْ عِنْدَهُ والظّاهِرُ أنَّ التَّأْوِيلَ بِناءً عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ وأمّا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ فَإنَّما يُؤَوَّلُ لَوْ عَمَّ الظُّلْمُ الكُفْرَ ثُمَّ قالَ: والتَّأْوِيلُ بِالسَّتْرِ والإمْهالِ أحْسَنُ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ ﴾ .

(6) .

لِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ بِهِمْ وإنْ كانُوا تَحْتَ سَتْرِهِ وإمْهالِهِ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ إمْهالٌ لا إهْمالٌ والمُرادُ بِالنّاسِ إمّا المَعْهُودُونَ وهُمُ المُسْتَعْجِلُونَ المَذْكُورُونَ قَبْلُ أوِ الجِنْسُ دَلالَةً عَلى كَثْرَةِ الهالِكِينَ لِتَناوُلِهِمْ وأضْرابِهِمْ وهَذا جارٍ عَلى المَذْهَبَيْنِ وكَذا اخْتارَ الطَّيِّبِيُّ هَذا التَّأْوِيلَ وقالَ هو الوَجْهُ والآيَةُ عَلى وزانِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ عَلى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ وأنْتَ قَدْ سَمِعْتَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ فَتَدَبَّرْ واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ إرادَةَ الجِنْسِ مِنَ النّاسِ وهو مُرادٌ أيْضًا في ( شَدِيدُ العِقابِ ) .

والتَّخْصِيصُ بِالكُفّارِ غَيْرُ مُخْتارٍ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ وإنَّ رَبَّكَ ﴾ ..

إلَخْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ  لَوْلا عَفْوُ اللَّهِ تَعالى وتَجاوُزُهُ ما هَنَأ أحَدٌ العَيْشَ ولَوْلا وعِيدُهُ وعِقابُهُ لاتَّكَلَ كُلُّ أحَدٍ» <div class="verse-tafsir"

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ٧

﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وهُمُ المُسْتَعْجِلُونَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وكَأنَّهُ إنَّما عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ نَعْيًا عَلَيْهِمْ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ حَيْثُ لَمْ يَرْفَعُوا لَها رَأْسًا ولَمْ يَعُدُّوها مِن جِنْسِ الآياتِ وقالُوا: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ مِثْلُ آياتِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً وإحْياءِ المَوْتى عِنادًا أوْ مُكابَرَةً وإلّا فَفي أدْنى آيَةٍ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَنِيَّةٌ وعِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ اسْتِحْضارًا لِلْحالِ الماضِيَةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ دَيْدَنُهم وتَنْوِينُ ﴿ آيَةٌ ﴾ لِلتَّعْظِيمِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْوَحْدَةِ.

﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ﴾ مُرْسَلٌ لِلْإنْذارِ مِن سُوءِ عاقِبَةِ ما نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَدَأْبِ مَن قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُلِ ولَيْسَ عَلَيْكَ إلّا الإتْيانُ بِما يُعْلَمُ بِهِ نُبُوَّتُكَ وقَدْ حَصَلَ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ ولا حاجَةَ إلى إلْزامِهِمْ وإلْقامِهِمُ الحَجَرَ بِالإتْيانِ بِما اقْتَرَحُوهُ ﴿ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ .

(7) .

أيْ نَبِيٌّ داعٍ إلى الحَقِّ مُرْشِدٌ إلَيْهِ بِآيَةٍ تَلِيقُ بِهِ وبِزَمانِهِ والتَّنْكِيرُ لِلْإبْهامِ ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ أيْضًا ومُجاهِدٍ وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ ٨

﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ﴾ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَنْ سُؤالِ مَن يَقُولُ: لِماذا لَمْ يُجابُوا إلى المُقْتَرَحِ فَتَنْقَطِعُ حُجَّتُهم ولَعَلَّهم يَهْتَدُونَ بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُدَبَّرٍ بِبالِغِ العِلْمِ ونافِذِ القُدْرَةِ لا عَنِ الجُزافِ واتِّباعِ آرائِهِمُ السِّخافِ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالهادِي هو اللَّهُ تَعالى ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وابْنِ جُبَيْرٍ فالتَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ وتَوْجِيهُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ أنَّهم لَمّا أنْكَرُوا الآياتِ عِنادًا لِكُفْرِهِمُ النّاشِئِ عَنِ التَّقْلِيدِ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا الآياتِ قِيلَ: إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ هادٍ مُثْبِتٌ لِلْأيْمانِ في صُدُورِهِمْ صادٌّ لَهم عَنْ جُحُودِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ وهو سُبْحانَهُ القادِرُ عَلَيْهِ وعَلى هَذا قِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ اللَّهُ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو اللَّهُ ويَكُونُ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِهادٍ و ﴿ يَعْلَمُ ﴾ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِاسْتِقْلالِهِ تَعالى بِالهِدايَةِ كالعِلَّةِ لِذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ مُقَرِّرَةً ويَكُونُ مِن بابِ إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ كَأنَّهُ هو تَعالى يَعْلَمُ أيْ ذَلِكَ الهادِيَ والأوَّلُ بَعِيدٌ جِدًّا وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وأبِي الضُّحى أنَّ المُنْذِرَ والهادِيَ هو رَسُولُ اللَّهِ  ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ ﴿ هادٍ ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ مُنْذِرٌ ﴾ و( لِكُلِّ قَوْمٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْفاصِلَةِ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى عُمُومِ رِسالَتِهِ  وشُمُولِ دَعَوْتِهِ وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ والنَّحْوِيُّونَ في جَوازِهِ مُخْتَلِفُونَ وقَدْ يُجْعَلُ ﴿ هادٍ ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيْ وهو هادٍ أوْ وأنْتَ هادٍ وعَلى الأوَّلِ فِيهِ التِفاتٌ وقالَ أبُو العالِيَةِ: الهادِي العَمَلُ وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو السّابِقُ إلى الهُدى ﴿ ولِكُلِّ قَوْمٍ ﴾ سابِقٌ سَبَقَهم إلى الهُدى قالَ أبُو حَيّانَ: وهَذا يَرْجِعُ إلى أنَّ الهادِيَ هو النَّبِيُّ لِأنَّهُ الَّذِي يَسْبِقُ إلى ذَلِكَ وعَنْ أبِي صالِحٍ أنَّهُ القائِدُ إلى الخَيْرِ أوْ إلى الشَّرِّ والكُلُّ كَما تَرى وقالَتِ الشِّيعَةُ: إنَّهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ورَوَوْا في ذَلِكَ أخْبارًا وذَكَرَ ذَلِكَ القُشَيْرِيُّ مِنّا وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ﴾ الآيَةَ وضَعَ رَسُولُ اللَّهِ  يَدَهُ عَلى صَدْرِهِ فَقالَ: أنا المُنْذِرُ وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى مَنكِبِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَقالَ: أنْتَ الهادِي يا عَلِيُّ بِكَ يَهْتَدِي المُهْتَدُونَ مِن بَعْدِي» وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ عَساكِرَ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المُنْذِرُ وأنا الهادِي وفي لَفْظٍ والهادِي رَجُلٌ مِن بَنِي هاشِمٍ يَعْنِي نَفْسَهُ.

واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ الشِّيعَةُ عَلى خِلافَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ  بِلا فَصْلٍ وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ صِحَّةَ الخَبَرِ وتَصْحِيحُ الحاكِمِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الِاعْتِبارِ عِنْدَ أهْلِ الأثَرِ ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى ما تَضَمَّنَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ عَلى أنَّ قُصارى ما فِيهِ كَوْنُهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِهِ يَهْتَدِي المُهْتَدُونَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي إلّا إثْباتَ مَرْتَبَةِ الإرْشادِ وهو أمْرٌ والخِلافَةُ الَّتِي نَقُولُ بِها أمْرٌ لا تَلازُمَ بَيْنَهُما عِنْدَنا.

وقالَ بَعْضُهم: إنْ صَحَّ الخَبَرُ يَلْزَمُ القَوْلُ بِصِحَّةِ خِلافَةِ الثَّلاثَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم حَيْثُ دَلَّ عَلى أنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى الحَقِّ فِيما يَأْتِي ويَذَرُ وأنَّهُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ وهو قَدْ بايَعَ أُولَئِكَ الخُلَفاءَ طَوْعًا ومَدَحَهم وأثْنى عَلَيْهِمْ خَيْرًا ولَمْ يَطْعَنْ في خِلافَتِهِمْ فَيَنْبَغِي الِاقْتِداءُ بِهِ والجَرْيُ عَلى سَنَنِهِ في ذَلِكَ ودُونَ إثْباتِ خِلافِ ما أظْهَرَ خَرْطُ القَتادِ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ  عَلى فَرْضٍ مِن صِحَّةِ الرِّوايَةِ إنَّما جَعَلَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مِثالًا مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ وهُداتِها إلى الدِّينِ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: يا عَلِيُّ هَذا وصْفُكَ فَيَدْخُلُ الخُلَفاءُ الثَّلاثُ وسائِرُ عُلَماءِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بَلْ وسائِرُ عُلَماءِ الأُمَّةِ وعَلَيْهِ فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ في القَدِيمِ والحَدِيثِ إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى هُداةٌ دُعاةٌ إلى الخَيْرِ.

اهَـ.

وظاهِرُهُ أنَّهُ لَمْ يُحْمَلْ تَقْدِيمِ المَعْمُولِ في خَبَرِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى الحَصْرِ الحَقِيقِيِّ وحِينَئِذٍ لا مانِعَ مِنَ القَوْلِ بِكَثْرَةِ مَن يُهْتَدى بِهِ ويُؤَيِّدُ عَدَمَ الحَصْرِ ما جاءَ عِنْدَنا مِن قَوْلِهِ  : «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِن بَعْدِي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ» وأخْبارٌ أُخَرُ مُتَضَمِّنَةٌ لِإثْباتِ مَن يُهْتَدى بِهِ غَيْرَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأنا أظُنُّكَ لا تَلْتَفِتُ إلى التَّأْوِيلِ ولا تَعْبَأُ بِما قِيلَ وتَكْتَفِي بِمَنعِ صِحَّةِ الخَبَرِ وتَقُولُ لَيْسَ في الآيَةِ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَيْنُ ولا أثَرُ هَذا و( ما ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ يَعْلَمُ حَمْلَ كُلِّ أُنْثى مِن أيِّ الإناثِ كانَتْ والحَمْلُ عَلى هَذا بِمَعْنى المَحْمُولِ وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيِ الَّذِي تَحْمِلُهُ في بَطْنِها مِن حِينِ العُلُوقِ إلى زَمَنِ الوِلادَةِ بَعْدَ تَكامُلِ الخَلْقِ فَقَطْ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً و ﴿ يَعْلَمُ ﴾ قِيلَ مُتَعَدِّيَةٌ إلى واحِدٍ فَهي عِرْفانِيَّةٌ ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ المَعْرِفَةَ لا يَصِحُّ اسْتِعْمالُها في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وهو ناشِئٌ مِن عَدَمِ المَعْرِفَةِ بِتَحْقِيقِ ذَلِكَ وقَدْ تَقَدَّمَ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً مُعَلَّقَةً لِيَعْلَمَ وهي مُبْتَدَأٌ أوْ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ أيْ يَعْلَمُ أيَّ شَيْءٍ تَحْمِلُ وعَلى أيِّ حالٍ هو مَنِ الأحْوال المُتَوارِدَةِ عَلَيْهِ طَوْرًا فَطَوْرًا ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافَ الظّاهِرِ المُتَبادَرِ وكَما جُوِّزَ في ( ما ) هَذِهِ هَذِهِ الأوْجُهُ جُوِّزَتْ في بَعْدِها أيْضًا ووَجْهُ مُناسَبَةِ الآيَةِ لِما قَبْلَها قَدْ عَلِمَ مِمّا سَبَقَ وقِيلَ: وجْهُها أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ وكانَ مِن شُبَهِهِمْ تَفَرُّقُ الأجْزاءِ واخْتِلاطُ بَعْضِها بِبَعْضٍ بِحَيْثُ لا يَتَهَيَّأُ الِامْتِيازُ بَيْنَها نَبَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ إزاحَةً لَشُبْهَتِهِمْ وقِيلَ: وجْهُها أنَّهم لَمّا اسْتَعْجَلُوا بِالسَّيِّئَةِ نَبَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى لِيُفِيدَ أنَّهُ جَلَّتْ حِكْمَتُهُ إنَّما يُنَزِّلُ العَذابَ حَسْبَما يَعْلَمُ مِنَ المَصْلَحَةِ والحِكْمَةِ وفي مُصْحَفِأُبَيٍّ ومَرَّ ما قِيلَ في نَظِيرِهِ ( ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَضَعُ ) .

﴿ وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ ﴾ أيْ ما تَنْقُصُهُ وما تَزْدادُهُ في الجُثَّةِ كالخَدِيجِ والتّامِّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وفي المُدَّةِ كالمَوْلُودِ في أقَلِّ مُدَّةِ الحَمْلِ والمَوْلُودِ في أكْثَرِها وفِيما بَيْنَهُما وهو رِوايَةٌ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ قِيلَ: إنَّ الضَّحّاكَ وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ وإنَّ هَرَمَ بْنَ حَيّانَ لِأرْبَعٍ ومِن ذَلِكَ سُمِّيَ هَرَمًا وإلى كَوْنِ أقْصى مُدَّةِ الحَمْلِ أرْبَعَ سِنِينَ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ وعِنْدَ مالِكٍ أقْصاها خَمْسٌ وعِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أقْصاها سَنَتانِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْها لا يَكُونُ الحَمْلُ أكْثَرَ مِن سَنَتَيْنِ قَدْرَ ما تَتَحَرَّكُ فَلَكَةُ مِغْزَلٍ وفي العَدَدِ كالواحِدِ فَما فَوْقَ قِيلَ: ونِهايَةُ ما عُرِفَ أرْبَعَةٌ فَإنَّهُ يُرْوى أنَّ شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي نُمَيْرٍ القُرَشِيِّ كانَ رابِعَ أرْبَعَةٍ وهو الَّذِي وقَفَ عَلَيْهِ إمامُنا الأعْظَمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ الشّافِعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: أخْبَرَنِي شَيْخٌ بِاليَمَنِ أنَّ امْرَأتَهُ ولَدَتْ بُطُونًا في كُلِّ بَطْنٍ خَمْسَةٌ وهَذا مِنَ النَّوادِرِ وقَدِ اتَّفَقَ مِثْلُهُ لَكِنَّ ما زادَ عَلى اثْنَيْنِ لِضَعْفِهِ لا يَعِيشُ إلّا نادِرًا.

وما يُحْكى أنَّهُ وُلِدَ لِبَعْضِهِمْ أرْبَعُونَ في بَطْنٍ واحِدَةٍ كُلٌّ مِنهم مِثْلُ الإصْبَعِ وأنَّهم عاشُوا كُلُّهم فالظّاهِرُ أنَّهُ كَذِبٌ وقِيلَ: المُرادُ نُقْصانُ دَمِ الحَيْضِ وازْدِيادُهُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ وفِيهِ جَعْلُ الدَّمِ في الرَّحِمِ كالماءِ في الأرْضِ يَغِيضُ تارَةً ويَظْهَرُ أُخْرى وغاضَ جاءَ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا كَنَقَصَ وكَذا ازْدادَ وهو مِمّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أهْلُ اللُّغَةِ فَإنْ جَعَلْتَهُما لازِمَيْنِ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً لِعَدَمِ العائِدِ وإسْنادُ الفِعْلَيْنِ كَيْفَما كانا إلى الأرْحامِ فَإنَّهُما عَلى اللُّزُومِ لِما فِيها وعَلى التَّعَدِّي لِلَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَظُمَ سُلْطانُهُ ﴿ وكُلُّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الأشْياءِ ﴿ عِنْدَهُ ﴾ سُبْحانَهُ ﴿ بِمِقْدارٍ ﴾ .

(8) .

بِقَدْرٍ لا يُجاوِزُهُ ولا يَنْقُصُ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ﴾ فَإنَّ كُلَّ حادِثٍ مِنَ الأعْراضِ والجَواهِرِ لَهُ في كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبَ التَّكْوِينِ ومَبادِيها وقْتٌ مُعَيَّنٌ وحالٌ مَخْصُوصٌ لا يَكادُ يُجاوِزُهُ ولَعَلَّ حالَ المَعْدُومِ مَعْلُومٌ بِالدَّلالَةِ إذا قُلْنا: إنَّ الشَّيْءَ هو المَوْجُودُ و( عِنْدَ ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِشَيْءٍ أوْ لِكُلٍّ و ﴿ بِمِقْدارٍ ﴾ خَبَرُ ( كُلُّ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مِقْدارٍ وهو في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ لَكِنَّهُ لَمّا قُدِّمَ أُعْرِبَ حالًا وفاءً بِالقاعِدَةِ وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِما يَتَعَلَّقُ بِهِ الجارُّ والمُرادُ بِالعِنْدِيَّةِ الحُضُورُ العِلْمِيُّ بَلِ العِلْمُ الحُضُورِيُّ عَلى ما قِيلَ فَإنَّ تَحَقُّقَ الأشْياءِ في أنْفُسِها في أيِّ مَرْتَبَةٍ كانَتْ مِن مَراتِبِ الوُجُودِ والِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ عِلْمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى وقِيلَ: مَعْنى ( عِنْدَهُ ) في <div class="verse-tafsir"

عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ ٩

﴿ عالِمُ الغَيْبِ ﴾ أيِ الغائِبِ عَنِ الحِسِّ ﴿ والشَّهادَةِ ﴾ أيِ الحاضِرِ لَهُ عَبَّرَ عَنْهُما بِهِما مُبالَغَةً.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الغَيْبَ السِّرُّ والشَّهادَةَ العَلانِيَةُ وقِيلَ: الأوَّلُ المَعْدُومُ والثّانِي المَوْجُودُ ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ عَلى مَعْنى أنْ لا غَيْبَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ والمَعْدُوماتُ مَشْهُودَةٌ لَهُ تَعالى بِناءً عَلى القَوْلِ بِرُؤْيَةِ المَعْدُومِ كَما بَرْهَنَ عَلَيْهِ الكُورانِيُّ في رِسالَةٍ ألَّفَها لِذَلِكَ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِن مَزِيدِ الجَسارَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى والمُصادَمَةِ لِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ عالِمُ الغَيْبِ ﴾ ولا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أنْ يَتَفَوَّهَ بِمِثْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ الَّتِي تَقْشَعِرُّ مِن سَماعِها أبْدانُ المُؤْمِنِينَ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لِلْوُقُوفِ عِنْدَ حَدِّنا ويَمُنَّ عَلَيْنا بِحُسْنِ الأدَبِ مَعَهُ سُبْحانَهُ ورُفِعَ ﴿ عالِمُ ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( عالِمَ ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ وهَذا الكَلامُ كالدَّلِيلِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ ..

إلَخِ ﴿ الكَبِيرُ ﴾ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ دُونَهُ ﴿ المُتَعالِ ﴾ .

(9) .

المُسْتَعْلِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ في ذاتِهِ وعِلْمِهِ وسائِرِ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى الكَبِيرُ الَّذِي يَجِلُّ عَمّا نَعَتَهُ بِهِ الخَلْقُ مِن صِفاتِ المَخْلُوقِينَ ويَتَعالى عَنْهُ فَعَلى الأوَّلِ المُرادُ تَنْزِيهُهُ سُبْحانَهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ عَنْ مُداناةِ شَيْءٍ مِنهُ وعَلى هَذا المُرادُ تَنْزِيهُهُ تَعالى عَمّا وصَفَهُ الكَفَرَةُ بِهِ فَهو رَدٌّ لَهم كَقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ ﴾ قالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ: إنَّ مَعْنى ﴿ الكَبِيرُ المُتَعالِ ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى مَرْدُوفِهِ وهو ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ هو العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي يَكْبُرُ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ لِيَضُمَّ مَعَ العِلْمِ العَظَمَةَ والقُدْرَةَ بِالنَّظَرِ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( ما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ) إلى آخِرِ ما يُفِيدُ التَّنْزِيهَ عَمّا يَزْعُمُهُ النَّصارى والمُشْرِكُونَ ورَفْعُ ﴿ الكَبِيرُ ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ عالِمُ ﴾ مُبْتَدَأً وهو خَبَرُهُ <div class="verse-tafsir"

سَوَآءٌۭ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍۭ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌۢ بِٱلنَّهَارِ ١٠

﴿ سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ﴾ أخْفاهُ في نَفْسِهِ ولَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ وقِيلَ: تَلَفَّظَ بِهِ بِحَيْثُ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ دُونَ غَيْرِهِ ﴿ ومَن جَهَرَ بِهِ ﴾ مَن يُقابِلُ ذَلِكَ بِالمَعْنَيَيْنِ ﴿ ومَن هو مُسْتَخْفٍ ﴾ مُبالِغٌ في الإخْفاءِ كَأنَّهُ مُخْتَفٍ ﴿ بِاللَّيْلِ ﴾ وطالِبٌ لِلزِّيادَةِ ﴿ وسارِبٌ بِالنَّهارِ ﴾ .

(10) .

أيْ ظافِرٌ فِيهِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو ما قالَ جَمْعٌ في الأصْلِ اسْمُ فاعِلٍ مِن سَرَبَ إذا ذَهَبَ في سِرْبِهِ أيْ طَرِيقِهِ ويَكُونُ بِمَعْنى تَصَرَّفَ كَيْفَ شاءَ قالَ الشّاعِرُ: .

إنِّي سَرَبْتُ وكُنْتُ غَيْرَ سُرُوبٍ وتَقْرُبُ الأحْلامُ غَيْرَ قَرِيبِ وقالَ الآخَرُ: .

وكُلُّ أُناسٍ قارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ∗∗∗ ونَحْنُ خَلَعْنا قَيْدَهُ فَهو سارِبُ أيْ فَهو مُتَصَرِّفٌ كَيْفَ شاءَ لا يُدْفَعُ عَنْ جِهَةٍ يَفْتَخِرُ بِعِزَّةِ قَوْمِهِ فَما ذَكَرَهُ الحَبْرُ لازِمٌ مَعْناهُ وقَرِينَتُهُ وُقُوعُهُ في مُقابَلَةِ مُسْتَخْفٍ والظّاهِرُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الظّاهِرِ ورَفْعُ ﴿ سَواءٌ ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و( مَن ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ ولَمْ يُثَنَّ الخَبَرُ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ وهو الآنَ بِمَعْنى مُسْتَوٍ ولَمْ يَجِئْ تَثْنِيَتُهُ في أشْهَرِ اللُّغاتِ وحَكى أبُو زَيْدٍ هُما سَواءانِ و ﴿ مِنكُمْ ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ لا في ( أسَرَّ ) و( جَهَرَ ) لِأنَّ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ والصِّفَةِ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ والمَوْصُوفِ وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ ( سَواءٌ ) مُبْتَدَأً لِوَصْفِهِ بِمَنِّكم وما بَعْدَهُ الخَبَرُ وكَذا أعَرَبَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَ العَرَبِ: سَواءٌ عَلَيْهِ الخَيْرُ والشَّرُّ وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: إنَّ سِيبَوَيْهِ ضَعَّفَ ذَلِكَ بِأنَّهُ ابْتِداءٌ بِنَكِرَةٍ لا يَصِحُّ و( سارِبٌ ) عُطِفَ عَلى ( مَن ) كَأنَّهُ قِيلَ: سَواءٌ مِنكم إنْسانٌ هو مُسْتَخْفٍ وآخَرُ سارِبٌ والنُّكْتَةُ في زِيادَةِ هو في الأوَّلِ أنَّهُ الدّالُّ عَلى كَمالِ العِلْمِ فَناسَبَ زِيادَةَ تَحْقِيقِ وهو النُّكْتَةُ في حَذْفِ المَوْصُوفِ عَنْ سارِبٍ أيْضًا والوَجْهُ في تَقْدِيمِ ( أسَرَّ ) وإعْمالِهِ في صَرِيحِ القَوْلِ عَلى جَهْرِهِ وإعْمالِهِ في ضَمِيرِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى مُسْتَخْفٍ واسْتُشْكِلَ بِأنَّ ( سَواءٌ ) يَقْتَضِي ذِكْرَ شَيْئَيْنِ فَإذا كانَ ( سارِبٌ ) مَعْطُوفًا عَلى جُزْءِ الصِّلَةِ أوِ الصِّفَةِ لا يَكُونُ هُناكَ إلّا شَيْءٌ واحِدٌ ولا يَجِيءُ هَذا عَلى الأوَّلِ لِأنَّ المَعْنى ما عَلِمْتَ وأُجِيبَ بِأنَّ ( مَن ) عِبارَةٌ عَنِ الِاثْنَيْنِ كَما في قَوْلِهِ: .

تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: سَواءٌ مِنكُمُ اثْنانِ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ قالَ في الكَشْفِ: وعَلى الوَجْهَيْنِ ( مَن ) مَوْصُوفَةٌ لا مَوْصُولَةٌ فَيُحْمَلُ الأُولَيانِ أيْضًا عَلى ذَلِكَ لِيَتَوافَقَ الكُلُّ وإيثارُها عَلى المَوْصُولَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ الوَصْفُ فَإنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقُ العِلْمِ وأمّا لَوْ قِيلَ: سَواءٌ الَّذِي أسَرَّ القَوْلَ والَّذِي جَهَرَ بِهِ فَإنْ أُرِيدَ الجِنْسُ مِن بابِ ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَهو والأوَّلُ سَواءٌ لَكِنَّ الأوَّلَ نَصٌّ وإنْ أُرِيدَ المَعْهُودُ حَقِيقَةً أوْ تَقْدِيرًا لَزِمَ إيهامُ خِلافِ المَقْصُودِ لِما مَرَّ وقِيلَ: في الكَلامِ مَوْصُولٌ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ ومَن هو سارِبٌ كَقَوْلِ أبِي فِراسٍ: .

فَلَيْتَ الَّذِي بَيْنِي وبَيْنَكَ عامِرٌ ∗∗∗ وبَيْنِي وبَيْنَ العالَمِينَ خَرابُ وقَوْلِ حَسّانَ: .

أمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ∗∗∗ ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ وهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا لِما فِيهِ مِن حَذْفِ المَوْصُولِ مَعَ صَدْرِ الصِّلَةِ وقَدِ ادَّعى الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ أحَدَ الحَذْفَيْنِ سائِغٌ لَكِنَّ اجْتِماعَهُما مُنْكَرٌ مِنَ المُنْكَراتِ بِخِلافِ البَيْتَيْنِ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ حَذْفَ مَن هُنا وإنْ كانَ لِلْعِلْمِ بِهِ لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ويَجُوزُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَقْصُودَ اسْتِواءُ الحالَتَيْنِ سَواءٌ كانَتا لِواحِدٍ أوْ لِاثْنَيْنِ والمَعْنى سَواءٌ اسْتِخْفاؤُهُ وسُرُوٌّ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَلا حاجَةَ إلى تَوْجِيهِ الآيَةِ بِما مَرَّ وكَذا حالُ ما تَقَدَّمَهُ فَعَبَّرَ بِأُسْلُوبَيْنِ والمَقْصُودُ واحِدٌ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا تُساعِدُهُ العَرَبِيَّةُ لِأنَّ ( مَن ) لا تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً ولا سابِكَ في الكَلامِ وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ جَوازَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً ثَلاثَةَ أصْنافٍ فالَّذِي يُسِرُّ طَرَفٌ والَّذِي يَجْهَرُ طَرَفٌ مُضادٌّ لِلْأوَّلِ والثّالِثُ مُتَلَوِّنٌ يَعْصِي بِاللَّيْلِ مُسْتَخْفِيًا ويُظْهِرُ البَراءَةَ بِالنَّهارِ وهو كَما تَرى ومِنَ الغَرِيبِ ما نُقِلَ عَنِ الأخْفَشِ وقُطْرُبَ تَفْسِيرُ المُسْتَخْفِي بِالظّاهِرِ فَإنَّهُ وإنْ كانَ مَوْجُودًا في كَلامِهِمْ بِهَذا المَعْنى لَكِنْ يَمْنَعُ عَنْهُ في الآيَةِ ما يَمْنَعُ ثُمَّ إنَّ في بَيانِ عِلْمِهِ تَعالى بِما ذُكِرَ بَعْدَ بَيانِ شُمُولِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ الأشْياءَ كُلَّها ما لا يَخْفى مِنَ الِاعْتِناءِ بِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

لَهُۥ مُعَقِّبَـٰتٌۭ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ سُوٓءًۭا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ١١

﴿ لَهُ ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مَن تَقَدَّمَ مِمَّنْ أسَرَّ بِالقَوْلِ وجَهَرَ بِهِ إلى آخِرِهِ بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِالمَذْكُورِ وإجْرائِهِ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ وكَذا المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ ﴿ مُعَقِّباتٌ ﴾ مَلائِكَةٌ تَعْتَقِبُ في حِفْظِهِ وكَلاءَتِهِ جَمْعُ مُعَقِّبَةٍ مِن عَقَّبَ مُبالَغَةً في عَقَبَهُ إذا جاءَ عَلى عَقِبِهِ وأصْلُهُ مِنَ العَقِبِ وهو مُؤَخَّرُ الرِّجْلِ ثُمَّ تَجَوَّزَ بِهِ عَنْ كَوْنِ الفِعْلِ بِغَيْرِ فاصِلٍ ومُهْلَةٍ كَأنَّ أحَدَهم يَطَأُ عَقِبَ الآخَرِ فالتَّفْعِيلُ لِلتَّكْثِيرِ وهو إمّا في الفاعِلِ أوْ في الفِعْلِ لا لِلتَّعْدِيَةِ لِأنَّ ثُلاثِيَّةَ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إطْلاقُ المُعَقِّباتِ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِاعْتِبارِ أنَّهم يَعْقُبُونَ أقْوالَ الشَّخْصِ وأفْعالَهُ أيْ يَتَّبِعُونَها ويَحْفَظُونَها بِالكِتابَةِ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ أصْلَهُ مُعْتَقِباتٌ فَهو مِن بابِ الِافْتِعالِ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في القافِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجاءَ المُعَذِّرُونَ ﴾ أيِ المُعْتَذِرُونَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ وهْمٌ فاحِشٌ فَإنَّ التّاءَ لا تُدْغَمُ في القافِ مِن كَلِمَةٍ أوْ كَلِمَتَيْنِ وقَدْ نَصَّ الصَّرْفِيُّونَ عَلى أنَّ القافَ والكافَ كُلٌّ مِنهُما لا يُدْغَمُ في الآخَرِ ولا يُدْغَمانِ في غَيْرِهِما والتّاءُ في مُعَقِّبَةٍ لِلْمُبالَغَةِ كَتاءِ نَسّابَةٍ لِأنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ غَيْرُ مُؤَنَّثِينَ وقِيلَ: هي لِلتَّأْنِيثِ بِمَعْنى أنَّ مُعَقِّبَةً صِفَةُ جَماعَةٍ مِنهم فَمَعْنى مُعَقِّباتٍ جَماعاتٌ كُلُّ جَماعَةٍ مِنها مُعَقِّبَةٌ ولَيْسَ مُعَقِّبَةٌ جَمْعَ مُعَقِّبٍ وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أنَّهُ جَمْعُهُ وشَبَّهَ ذَلِكَ بِرَجُلٍ ورِجالٍ ورِجالاتٍ وهو كَما تَرى لَكِنْ أوَّلَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: جَمْعُ مُعَقِّبٍ أنَّهُ أُطْلِقَ مِن حَيْثُ الِاسْتِعْمالِ عَلى جَمْعِ مُعَقِّبٍ وإنْ كانَ أصْلُهُ أنْ يُطْلَقَ عَلى مُؤَنَّثِ مُعَقِّبٍ فَصارَ مِثْلَ الوارِدَةِ لِلْجَماعَةِ الَّذِينَ يَرِدُونَ وإنْ كانَ أصْلُهُ أنْ يُطْلَقَ عَلى مُؤَنَّثٍ وارِدٍ وتَشْبِيهُ ذَلِكَ بِما ذُكِرَ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ صِناعَةِ النَّحْوِ فَبَيَّنَ أنَّ مُعَقِّبَةً مِن حَيْثُ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ كَرِجالٍ مِن حَيْثُ وُضِعَ لِلْجَمْعِ وإنَّ مُعَقِّباتٍ مِن حَيْثُ اسْتُعْمِلَ جَمْعًا لِمُعَقِّبَةٍ المُسْتَعْمَلِ في الجَمْعِ كَرِجالاتٍ الَّذِي هو جَمْعُ رِجالٍ.

وقَرَأ أُبَيٌّ وإبْراهِيمُ ( مَعاقِيبُ ) وهو جَمْعٌ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَمْعُ مُعَقِّبٍ أوْ مُعَقِّبَةٍ بِتَشْدِيدِ القافِ فِيهِما والياءُ عِوَضٌ مِن حَذْفِ إحْدى القافَيْنِ في التَّكْسِيرِ وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: إنَّهُ تَكْسِيرُ مُعَقِّبٍ كَمُطَعِّمٍ ومَطاعِيمَ ومُقَدِّمٍ ومَقادِيمَ كَأنَّهُ جُمِعَ عَلى مَعاقِبَةَ ثُمَّ حُذِفَتِ الهاءُ مِنَ الجَمْعِ وعُوِّضَتِ الياءُ عَنْها ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ وقُرِئَ ( مُعْتَقِباتٌ ) مَنِ اعْتَقَبَ ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمُعَقِّباتٍ أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ الواقِعِ خَبَرًا لَهُ فالمَعْنى أنَّ المُعَقِّباتِ مُحِيطَةٌ بِجَمِيعِ جَوانِبِهِ أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بِمُعَقِّباتٍ و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ فالمَعْنى أنَّ المُعَقِّباتِ تَحْفَظُ ما قُدِّمَ وأُخِّرَ مِنَ الأعْمالِ أيْ تَحْفَظُ جَمِيعَ أعْمالِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَحْفَظُونَهُ ﴾ والجُمْلَةُ صِفَةُ ﴿ مُعَقِّباتٌ ﴾ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ ( مِن بَيْنَ يَدَيْهِ ورَقِيبٌ مِن خَلْفِهِ ) وابْنُ عَبّاسٍ ( ورُقَباءُ مِن خَلْفِهِ ) ورَوى مُجاهِدٌ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن خَلْفِهِ ورَقِيبٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ يَحْفَظُونَهُ ) .

﴿ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ و( مِن ) لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ يَحْفَظُونَهُ مِنَ المَضارِّ بِسَبَبِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى لَهم بِذَلِكَ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وزَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ وجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ وعِكْرِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قَرَؤُوا ( بِأمْرِ اللَّهِ ) بِالباءِ وهي ظاهِرَةٌ في السَّبَبِيَّةِ.

وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ أيْضًا لَكِنْ عَلى مَعْنى يَحْفَظُونَهُ مِن بَأْسِهِ تَعالى مَتى أذْنَبَ بِالِاسْتِمْهالِ أوِ الِاسْتِغْفارِ لَهُ أيْ يَحْفَظُونَهُ بِاسْتِدْعائِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُمْهِلَهُ ويُؤَخِّرَ عِقابَهُ لِيَتُوبَ أوْ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَغْفِرَ لَهُ ولا يُعَذِّبَهُ أصْلًا وقالَ في البَحْرِ: إنَّ مَعْنى الكَلامِ يَصِيرُ عَلى هَذا الوَجْهِ إلى التَّضْمِينِ أيْ يَدْعُونَ لَهُ بِالحِفْظِ مِن نِقْماتِ اللَّهِ تَعالى.

وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن أمْرِ اللَّهِ يَحْفَظُونَهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ورُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ والنَّخَعِيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ فَيَكُونُ ﴿ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمُعَقِّباتٍ أيْ كائِنَةً مِن أمْرِهِ تَعالى وقِيلَ: إنَّهُ لا يُحْتاجُ في هَذا المَعْنى إلى دَعْوى تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ بِأنْ يُقالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ المُعَقِّباتِ بِثَلاثِ صِفاتٍ إحْداها كَوْنُها كائِنَةً مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وثانِيَتُها كَوْنُها حافِظَةً لَهُ وثالِثَتُها كَوْنُها كائِنَةً مِن أمْرِهِ سُبْحانَهُ وإنْ جُعِلَ ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِيَحْفَظُونَهُ يَكُونُ هُناكَ صِفَتانِ الجُمْلَةُ والجارُّ والمَجْرُورُ وتَقْدِيمُ الوَصْفِ بِالجُمْلَةِ عَلى الوَصْفِ بِهِ سائِغٌ شائِعٌ في الفَصِيحِ وكَأنَّ الوَصْفَ بِالجُمْلَةِ الدّالَّةِ عَلى الدَّيْمُومَةِ في الحِفْظِ لِكَوْنِهِ آكَدَ قُدِّمَ عَلى الوَصْفِ الآخَرِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالمُعَقِّباتِ الحَرَسُ الَّذِينَ يَتَّخِذُهُمُ الأُمَراءُ لِحِفْظِهِمْ مِنَ القَتْلِ ونَحْوِهِ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ ومَعْنى ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ أنَّهم يَحْفَظُونَهُ مِن قَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ ويَدْفَعُونَ عَنْهُ ذَلِكَ في تَوَهُّمِهِ لِجَهْلِهِ بِاللَّهِ تَعالى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ عَلى حَدِّ ما اشْتُهِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ فَهو مُسْتَعارٌ لِضِدِّهِ وحَقِيقَتُهُ لا يَحْفَظُونَهُ وعَلى ذَلِكَ يُخَرَّجُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ المُرادَ لا يَحْفَظُونَهُ لا عَلى أنَّ هُناكَ نَفْيًا مُقَدَّرًا كَما يُتَوَهَّمُ والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُعَقِّباتِ المَلائِكَةُ.

وفِي الصَّحِيحِ يَتَعاقَبُ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ وذَكَرُوا أنَّ مَعَ العَبْدِ غَيْرَ المَلائِكَةِ الكِرامِ الكاتِبِينَ مَلائِكَةً حَفَظَةً فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وغَيْرُهم عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: لِكُلِّ عَبْدٍ حَفَظَةٌ يَحْفَظُونَهُ لا يَخِرُّ عَلَيْهِ حائِطٌ أوْ يَتَرَدّى في بِئْرٍ أوْ تُصِيبُهُ دابَّةٌ حَتّى إذا جاءَ القَدَرُ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ خَلَّتْ عَنْهُ الحَفَظَةُ فَأصابَهُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُصِيبَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والطَّبَرانِيُّ والصّابُونِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «وُكِلَ بِالمُؤْمِنِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَلَكًا يَدْفَعُونَ عَنْهُ ما لَمْ يُقَدَّرْ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ لِلْبَصَرِ سَبْعَةُ أمْلاكٍ يَذُبُّونَ عَنْهُ كَما يُذَبُّ عَنْ قَصْعَةِ العَسَلِ مِنَ الذُّبابِ في اليَوْمِ الصّائِفِ وما لَوْ بَدا لَكم لَرَأيْتُمُوهُ عَلى كُلِّ سَهْلٍ وجَبَلٍ كُلُّهم باسِطٌ يَدَيْهِ فاغِرٌ فاهُ وما لَوْ وُكِلَ العَبْدُ فِيهِ إلى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الشَّياطِينُ».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ كِنانَةَ العَدَوِيِّ قالَ: «دَخَلَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي عَنِ العَبْدِ كَمْ مَعَهُ مِن مَلَكٍ فَقالَ: مَلَكٌ عَنْ يَمِينِكَ عَلى حَسَناتِكَ وهو أمِيرٌ عَلى الَّذِي عَلى الشِّمالِ إذا عَمِلْتَ حَسَنَةً كُتِبَتْ عَشْرًا فَإذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً قالَ الَّذِي عَلى الشِّمالِ لِلَّذِي عَلى اليَمِينِ: أأكْتَبُ قالَ: لا لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى ويَتُوبُ فَإذا قالَ ثَلاثًا قالَ: نَعَمِ اكْتُبْ أراحَنا اللَّهُ تَعالى مِنهُ فَبِئْسَ القَرِينُ ما أقَلَّ مُراقَبَتَهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وأقَلَّ اسْتِحْياءَهُ مِنهُ تَعالى يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ومَلَكانِ مِن بَيْنِ يَدَيْكَ ومَلَكانِ مِن خَلْفِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ ومَلَكٌ قابِضٌ عَلى ناصِيَتِكَ فَإذا تَواضَعْتَ لِلَّهِ تَعالى رَفَعَكَ وإذا تَجَبَّرْتَ عَلى اللَّهِ تَعالى قَصَمَكَ ومَلَكٌ قائِمٌ عَلى فِيكَ لا يَدَعُ أنْ تَدْخُلَ الحَيَّةُ فِيهِ ومَلَكانِ عَلى عَيْنِكَ فَهَؤُلاءِ عَشْرَةُ أمْلاكٍ يَنْزِلُونَ عَلى كُلِّ بَنِي آدَمَ في النَّهارِ ويَنْزِلُ مِثْلُهم في اللَّيْلِ».

والأخْبارُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ واسْتُشْكِلَ أمْرُ الحِفْظِ بِأنَّ المُقَدَّرَ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ وغَيْرَ المُقَدَّرِ لا يَكُونُ بُدًّا فالحِفْظُ مِن أيِّ شَيْءٍ وأُجِيبَ بِأنَّ مِنَ القَضاءِ والقَدَرِ ما هو مُعَلَّقٌ فَيَكُونُ الحِفْظُ مِنهُ ولِهَذا حَسُنَ تَعاطِي الأسْبابِ وإلّا فَمِثْلُ ذَلِكَ وارِدٌ فِيها بِأنْ يُقالَ: إنَّ الأمْرَ الَّذِي نُرِيدُ أنْ تَتَعاطاهُ إمّا أنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا وُجُودُهُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ أوْ مُقَدَّرًا عَدَمُهُ فَلا بُدَّ أنْ لا يَكُونَ فَما الفائِدَةُ في تَعاطِيهِ والتَّشَبُّثِ بِأسْبابِهِ وتُعُقِّبَ هَذا أنْ ما ذُكِرَ إنَّما حَسُنَ مِنّا لِجَهْلِنا بِأنَّ ما نَطْلُبُهُ مِنَ المُعَلَّقِ أوْ مِن غَيْرِهِ والمَسْألَةُ المُسْتَشْكَلَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ في المَحْسُوساتِ أسْبابًا مَحْسُوسَةً ورَبَطَ بِها مُسَبِّباتِها حَسْبَما تَقْضِيهِ حِكْمَتُهُ الباهِرَةُ ولَوْ شاءَ لَأوْجَدَ المُسَبِّباتِ مِن غَيْرِ أسْبابٍ لِغِناهُ جَلَّ شَأْنُهُ الذّاتِيِّ ولا مانِعَ مِن أنْ يَجْعَلَ في الأُمُورِ الغَيْرِ مَحْسُوسَةٍ أسْبابًا يَرْبُطُ بِها المُسَبِّباتِ كَذَلِكَ وحِينَئِذٍ يُقالُ: إنَّهُ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ جَعَلَ أُولَئِكَ الحَفَظَةَ أسْبابًا لِلْحِفْظِ كَما جَعَلَ في المَحْسُوسِ نَحْوَ الجَفْنِ لِلْعَيْنِ سَبَبًا لِحِفْظِها مَعَ أنَّهُ لَيْسَ سَبَبًا إلّا لِلْحِفْظِ مِمّا لَمْ يُبْرَمْ مِن قَضائِهِ وقَدَّرَهُ جَلَّ جَلالُهُ والوُقُوفُ عَلى الحِكَمِ بِأعْيانِها مِمّا لَمْ نُكَلَّفْ بِهِ والعِلْمُ بِأنَّ أفْعالَهُ تَعالى لا تَخْلُو عَنِ الحِكَمِ والمَصالِحِ عَلى الإجْمالِ مِمّا يَكْفِي المُؤْمِنُ ويُقالُ نَحْوَ هَذا في أمْرِ الكِرامِ الكاتِبِينَ فَهم مَوْجُودُونَ بِالنَّصِّ وقَدْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى حَفَظَةً لِأعْمالِ العَبْدِ كاتِبِينَ لَها ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِذَلِكَ وإنْ لَمْ نَعْلَمْ ما قَلَمُهم وما مِدادُهم وما قِرْطاسُهم وكَيْفَ كِتابَتُهم وأيْنَ مَحَلُّهم وما حِكْمَةُ ذَلِكَ مَعَ أنَّ عِلْمَهُ تَعالى كافٍ في الثَّوابِ والعِقابِ عَلَيْها وكَذا تَذَكُّرُ الإنْسانِ لَها وعِلْمُهُ بِها يَوْمَ القِيامَةِ كافٍ في دَفْعِ ما عَسى أنْ يَخْتَلِجَ في صَدْرِهِ عِنْدَ مُعايَنَةِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها ومِنَ النّاسِ مَن خاضَ في بَيانِ الحِكْمَةِ وهو أسْهَلُ مِن بَيانِ ما مَعَها.

وذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ في جَوابِ السُّؤالِ عَنْ فائِدَةِ جَعْلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُوَكَّلِينَ عَلَيْنا كَلامًا طَوِيلًا فَقالَ: اعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ لِأنَّ المُنَجِّمِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ التَّدْبِيرَ في كُلِّ يَوْمٍ لِكَوْكَبٍ عَلى حِدَةٍ وكَذا القَوْلُ في كُلِّ لَيْلَةٍ ولا شَكَّ أنَّ لِتِلْكَ الكَواكِبِ أرْواحًا عِنْدَهم فَتِلْكَ التَّدْبِيراتُ المُخْتَلِفَةُ لِتِلْكَ الأرْواحِ في الحَقِيقَةِ وكَذا القَوْلُ في تَدْبِيرِ الهِيلاجِ والكَدَخْداهُ عَلى ما يَقُولُونَ وأمّا أصْحابُ الطَّلْسَماتِ فَهَذا الكَلامُ مَشْهُورٌ عَلى ألْسِنَتِهِمْ فَإنَّهم يَقُولُونَ: أخْبَرَنا الطَّبّاعُ التّامُّ بِكَذا ومُرادُهم بِهِ أنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ رُوحًا فَلَكِيَّةً تَتَوَلّى صَلاحَ مُهِمّاتِهِ ودَفْعَ بَلِيّاتِهِ وآفاتِهِ وإذا كانَ هَذا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ قُدَماءِ الفَلاسِفَةِ وأصْحابِ الأحْكامِ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ مَجِيئُهُ في الشَّرْعِ.

وتَمامُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ في جَواهِرِها وطَبائِعِها فَبَعْضُها خَيِّرَةٌ وبَعْضُها شِرِّيرَةٌ وبَعْضُها حُرَّةٌ وبَعْضُها نَذْلَةٌ وبَعْضُها قَوِيَّةُ القَهْرِ وبَعْضُها ضَعِيفَةٌ وكَما أنَّ الأمْرَ في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ كَذَلِكَ فَكَذَلِكَ القَوْلُ في الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ ولا شَكَّ أنَّ الأرْواحَ الفَلَكِيَّةَ في كُلِّ بابٍ وصِفَةٍ أقْوى مِنَ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ وكُلُّ طائِفَةٍ مِنَ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ تَكُونُ مُتَشارِكَةً في طَبِيعَةٍ خاصَّةٍ وصْفَةٍ مَخْصُوصَةٍ وتَكُونُ في مَرْتَبَةِ رُوحٍ مِنَ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ مُشاكَلَةً لَها في الطَّبِيعَةِ والخاصِّيَّةِ فَتَكُونُ تِلْكَ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ كَأنَّها أوْلادٌ لِذَلِكَ الرُّوحِ الفَلَكِيِّ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَإنَّ ذَلِكَ الرُّوحَ الفَلَكِيَّ يَكُونُ مُعَيَّنًا عَلى مُهِمّاتِها ومُرْشِدًا لَها إلى مَصالِحِها وعاصِمًا إيّاها عَنْ صُنُوفِ الآفاتِ وهَذا كَلامٌ ذَكَرَهُ مُحَقِّقُو الفَلاسِفَةِ وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ ما ورَدَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ أمْرٌ مَقْبُولٌ عِنْدَ الكُلِّ فَلا يُمْكِنُ اسْتِنْكارُهُ.

اهَـ.

ولَعَلَّ مَقْصُودَهُ بِذَلِكَ تَنْظِيرُ أمْرِ الحَفَظَةِ مَعَ العَبْدِ بِأمْرِ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ مَعَهُ عَلى زَعْمِ الفَلاسِفَةِ في الجُمْلَةِ وإلّا فَما يَقُولُهُ المُسْلِمُونَ في أمْرِهِمْ وما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ في أمْرِ تِلْكَ الأرْواحِ أمْرٌ آخَرُ وهَيْهاتَ هَيْهاتَ أنْ نَقُولَ بِما قالُوا فَإنَّهُ بَعِيدٌ عَمّا جاءَ عَنِ الشّارِعِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَراحِلَ ثُمَّ ذَكَرَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مِن فَوائِدِ الحَفَظَةِ لِلْأعْمالِ أنَّ العَبْدَ إذا عَلِمَ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَحْضُرُونَهُ ويُحْصُونَ عَلَيْهِ أعْمالَهُ وهم هم كانَ أقْرَبَ إلى الحَذَرِ عَنِ ارْتِكابِ المَعاصِي كَمَن يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ أُناسٍ أجِلّاءَ مِن خُدّامِ المَلَكِ مُوَكَّلِينَ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لا يَكادُ يُحاوِلُ مَعْصِيَةً بَيْنِهِمْ وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُهُ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ ثُمَّ نُقِلَ عَنِ المُتَكَلِّمِينَ في فائِدَةِ الصُّحُفِ المَكْتُوبَةِ أنَّها وزْنُها يَوْمَ القِيامَةِ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهو في عِيشَةٍ راضِيَةٍ وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ويَظْهَرُ كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ لِلْخَلائِقِ.

وتَعَقَّبَهُ القاضِي بِأنَّ ذَلِكَ بَعِيدٌ لِأنَّ الأدِلَّةَ قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ قَبْلَ مَماتِهِ عِنْدَ المُعايَنَةِ يَعْلَمُ أنَّهُ مِنَ السُّعَداءِ أوْ مِنَ الأشْقِياءِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى فَلا يَجُوزُ تَوَقُّفُ حُصُولِ المَعْرِفَةِ عَلى المِيزانِ ثُمَّ أجابَ بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أيْضًا ما ذَكَرْناهُ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى حُصُولِ سُرُورِ العَبْدِ عِنْدَ الخَلْقِ العَظِيمِ بِظُهُورِ أنَّهُ مِن أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى لَهم وحُصُولُ ضِدَّ ذَلِكَ لِمَن كانَ مِن أعْداءِ اللَّهِ تَعالى ولا يَخْفى أنَّ هَذا بُنِيَ عَلى أنَّ الَّذِي يُوزَنُ هو الصُّحُفُ وهو أحَدُ أقْوالٍ في المَسْألَةِ نَعَمْ ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ الأجِلَّةِ لِحَدِيثِ البِطاقَةِ والسِّجِلّاتِ المَشْهُورِ وكَذا عَلى أنَّ الكِتابَةَ عَلى مَعْناها الظّاهِرِ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ الحَدِيثِ بَلْ وغَيْرُهم فِيما أعْلَمُ ونُقِلَ عَنْ حُكَماءِ الإسْلامِ مَعْنًى آخَرَ فَقالَ: إنَّ الكِتابَةَ عِبارَةٌ عَنْ نُقُوشٍ مَخْصُوصَةٍ وُضِعَتْ بِالِاصْطِلاحِ لِتَعْرِيفِ بَعْضِ المَعانِي المَخْصُوصَةِ فَلَوْ قَدَّرْنا كَوْنَ تِلْكَ النُّقُوشِ دالَّةً عَلى تِلْكَ المَعانِي بِأعْيانِها وذَواتِها كانَتْ تِلْكَ الكِتابَةُ أقْوى وأكْمَلَ وحِينَئِذٍ نَقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا أتى بِعَمَلٍ مِنَ الأعْمال مَرّاتٍ كَثِيرَةً مُتَوالِيَةً حَصَلَ في نَفْسِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَلَكَةٌ قَوِيَّةٌ راسِخَةٌ فَإنْ كانَتْ تِلْكَ المَلَكَةُ مَلَكَةً في أعْمالٍ نافِعَةٍ في السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ عَظُمَ ابْتِهاجُهُ بَعْدَ المَوْتِ وإنْ كانَتْ تِلْكَ المَلَكَةُ مَلَكَةً ضارَّةً في الأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ عَظُمَ تَضَرُّرُهُ بِها بَعْدُ ثُمَّ قالَ: إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ التَّكْرِيرَ الكَثِيرَ إنْ كانَ سَبَبًا لِحُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ الرّاسِخَةِ كانَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ وذَلِكَ الأثَرِ وإنْ كانَ غَيْرَ مَحْسُوسٍ إلّا أنَّهُ حاصِلٌ في الحَقِيقَةِ وإذا عُرِفَ هَذا ظَهَرَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ لَلْأنِسانِ لَمْحَةٌ ولا حَرَكَةٌ ولا سُكُونٌ إلّا ويَحْصُلُ مِنهُ في جَوْهَرِ نَفْسِهِ أثَرٌ مِن آثارِ السَّعادَةِ أوْ آثارِ الشَّقاوَةِ قَلَّ أوْ كَثُرَ وهَذا هو المُرادُ مِن كَتْبِ الأعْمالِ عِنْدَ حُكَماءِ الإسْلامِ واللَّهُ تَعالى العالِمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.

انْتَهى.

وقَدْ رَأيْتُ ذَلِكَ لِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ خِلافُ ما نَطَقَتْ بِهِ الآياتُ والأخْبارُ ونَحْنُ في أمْثالِ هَذِهِ الأُمُورِ لا نَعْدِلُ عَنِ الظّاهِرِ ما أمْكَنَ والحَقُّ أبْلَجُ وما بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ هَذا ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ضَمِيرَ ( لَهُ ) لِمَنِ الأخِيرِ والأوَّلُ أوْلى ومِنهم مَن جَعَلَهُ لِلَّهِ تَعالى وما بَعْدَهُ لِمَن وفِيهِ تَفْكِيكٌ لِلضَّمائِرِ مِن غَيْرِ داعٍ ومِنهم مَن جَعَلَهُ لِلنَّبِيِّ  وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ وقَدْ تَقَدَّمَ الإخْبارُ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ﴾ الآيَةَ واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أرْبَدَ بْنَ قَيْسٍ وعامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ قَدِما المَدِينَةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فانْتَهَيا إلَيْهِ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جالِسٌ فَجَلَسا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَعامِرٌ: ما تَجْعَلُ لِي إنْ أسْلَمْتُ قالَ النَّبِيُّ  لَكَ ما لِلْمُسْلِمِينَ وعَلَيْكَ ما عَلَيْهِمْ قالَ: أتَجْعَلُ لِي إنْ أسْلَمْتُ الأمْرَ بَعْدَكَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ ولا لِقَوْمِكَ ولَكِنْ لَكَ أعِنَّةُ الخَيْلِ قالَ: فاجْعَلْ لِيَ الوَبَرَ ولَكَ المَدَرُ فَقالَ  : لا فَلَمّا قَفّى مِن عِنْدِهِ قالَ: لَأمْلَأنَّها عَلَيْكَ خَيْلًا ورَجُلًا فَقالَ النَّبِيُّ  : يَمْنَعُكَ اللَّهُ تَعالى.

وفي رِوايَةٍ وأبْناءَ قَيْلَةَ يُرِيدُ الأوْسَ والخَزْرَجَ فَلَمّا خَرَجا قالَ عامِرٌ: يا أرْبَدُ إنِّي سَأُلْهِي مُحَمَّدًا عَنْكَ بِالحَدِيثِ فاضْرِبْهُ بِالسَّيْفِ فَإنَّ النّاسَ إذا قَتَلْتَهُ لَمْ يَزِيدُوا عَلى أنْ يَرْضَوْا بِالدِّيَةِ ويَكْرَهُوا الحَرْبَ فَسَنُعْطِيهِمُ الدِّيَةَ فَقالَ أرْبَدُ: أفْعَلُ فَأقْبَلا راجِعَيْنِ فَقالَ عامِرٌ: يا مُحَمَّدُ قُمْ مَعِي أُكَلِّمْكَ فَقامَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَهُ فَخَلَيا إلى الجِدارِ ووَقَفَ عامِرٌ يُكَلِّمُهُ وسَلَّ أرْبَدُ السَّيْفَ فَلَمّا وضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ يَبِسَتْ عَلى قائِمَةٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ سَلَّهُ وأبْطَأ عَلى عامِرٍ فالتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ  فَرَأى أرْبَدَ وما يَصْنَعُ فانْصَرَفَ عَنْهُما وقالَ عامِرٌ لِأرْبَدَ: ما لَكَ قالَ: وضَعْتُ يَدِي عَلى قائِمِ سَيْفِي فَيَبِسَتْ فَلَمّا خَرَجا حَتّى إذا كانا بِالرَّقْمِ نَزَلا فَخَرَجَ إلَيْهِما سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ وأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَوَقَعَ بِهِما أُسَيْدٌ قالَ: أشْخِصا يا عَدُوَّيِ اللَّهِ تَعالى لَعَنَكُمُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ عامِرٌ: مَن هَذا يا سَعْدُ فَقالَ: هَذا أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرِ الكَتائِبِ فَقالَ: أما واللَّهِ إنْ كانَ حُضَيْرٌ صَدِيقًا لِي ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أرْسَلَ عَلى أرْبَدَ صاعِقَةً فَقَتَلَتْهُ وخَرَجَ عامِرٌ حَتّى إذا كانَ بِوادِي الجَرِيدِ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ قُرْحَةً فَأدْرَكَهُ المَوْتُ وفي رِوايَةٍ أنَّهُ كانَ يَصِيحُ يا لَعامِرُ أغُدَّةٌ كَغُدَّةِ البَعِيرِ ومَوْتٌ في بَيْتِ سَلُولِيَّةَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِما ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَهُ مُعَقِّباتٌ ﴾ إلى آخِرِهِ» ثُمَّ قالَ: المُعَقِّباتُ مِن أمْرِ اللَّهِ يَحْفَظُونَ مُحَمَّدًا  وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاصَّةً والأكْثَرُونَ عَلى اعْتِبارِ العُمُومِ وسَبَبُ النُّزُولِ لا يَأْبى ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ إحاطَةَ عِلْمِهِ بِالعِبادِ وأنَّ لَهم مُعَقِّباتٍ يَحْفَظُونَهم مِن أمْرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ نَبَّهَ عَلى لُزُومِ الطّاعَةِ ووَبالِ المَعْصِيَةِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ ﴾ مِنَ النِّعْمَةِ والعافِيَةِ ﴿ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ ﴾ ما اتَّصَفَتْ بِهِ ذَواتُهم مِنَ الأحْوالِ الجَمِيلَةِ لا ما أضْمَرُوهُ ونَوَوْهُ فَقَطْ والمُرادُ بِتَغْيِيرِ ذَلِكَ تَبْدِيلُهُ بِخِلافِهِ لا مُجَرَّدَ تَرْكِهِ وجاءَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَرْفُوعًا «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: وعِزَّتِي وجَلالِي وارْتِفاعِي فَوْقَ عَرْشِي ما مِن أهْلِ قَرْيَةٍ ولا أهْلِ بَيْتٍ ولا رَجُلٍ بِبادِيَةٍ كانُوا عَلى ما كَرِهْتُ مِن مَعْصِيَتِي ثُمَّ تَحَوَّلُوا عَنْها إلى ما أحْبَبْتُ مِن طاعَتِي إلّا تَحَوَّلْتُ لَهم عَمّا يَكْرَهُونَ مِن عَذابِي إلى ما يُحِبُّونَ مِن رَحْمَتِي وما مِن أهْلِ قَرْيَةٍ ولا أهْلِ بَيْتٍ ولا رَجُلٍ بِبادِيَةٍ كانُوا عَلى ما أحْبَبْتُ مِن طاعَتِي ثُمَّ تَحَوَّلُوا عَنْها إلى ما كَرِهْتُ مِن مَعْصِيَتِي إلّا تَحَوَّلْتُ لَهم عَمّا يُحِبُّونَ مِن رَحْمَتِي إلى ما يَكْرَهُونَ مِن عَذابِي» أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ.

واسْتُشْكِلَ ظاهِرُ الآيَةِ حَيْثُ أفادَتْ أنَّهُ لا يَقَعُ تَغْيِيرُ النِّعَمِ بِقَوْمٍ حَتّى يَقَعَ تَغْيِيرٌ مِنهم بِالمَعاصِي مَعَ أنَّ ذَلِكَ خِلافُ ما قَرَّرَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِن أخْذِ العامَّةِ بِذُنُوبِ الخاصَّةِ ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً ﴾ وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ سُئِلَ: «أنَهْلَكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟

نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ» وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذا رَأوُا الظّالِمَ ولَمْ يَأْخُذُوا عَلى يَدَيْهِ يُوشِكُ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِعِقابٍ» في أشْياءَ كَثِيرَةٍ وأيْضًا قَدْ يُنْزِلُ اللَّهُ تَعالى بِالعَبْدِ مَصائِبَ يَزِيدُ بِها أجْرُهُ وقَدْ يُسْتَدْرَجُ المُذْنِبُ بِتَرْكِ ذَلِكَ.

وأوَّلَها ابْنُ عَطِيَّةَ لِذَلِكَ بِأنَّ المُرادَ حَتّى يَقَعَ تَغْيِيرٌ ما مِنهم أوْ مِمَّنْ هو مِنهم كَما غَيَّرَ سُبْحانَهُ بِالمُنْهَزِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ بِسَبَبِ تَغْيِيرِ الرُّماةِ ما بِأنْفُسِهِمْ والحَقُّ أنَّ المُرادَ أنَّ ذَلِكَ عادَةُ اللَّهِ تَعالى الجارِيَةُ في الأكْثَرِ لا أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُصِيبُ قَوْمًا إلّا بِتَقَدُّمِ ذَنْبٍ مِنهم فَلا إشْكالَ قِيلَ: ولَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: .

﴿ وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ ﴾ تَتْمِيمٌ لِتَدارُكِ ما ذُكِرَ وفِيهِ تَأمُّلٌ والسُّوءُ يَجْمَعُ كُلَّ ما يَسُوءُ مِن مَرَضٍ وفَقْرٍ وغَيْرِهِما مِن أنْواعِ البَلاءِ و ﴿ مَرَدَّ ﴾ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أيْ فَلا رَدَّ لَهُ والعامِلُ في ( إذا ) ما دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ وكَذا ما بَعْدَ الفاءِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ والتَّقْدِيرُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وقَعَ أوْ لَمْ يَرِدْ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ والظّاهِرُ أنَّ إذا لِلْكُلِّيَّةِ وقَدْ جاءَتْ كَذَلِكَ في أكْثَرِ الآياتِ ﴿ وما لَهم مِن دُونِهِ ﴾ سُبْحانَهُ ﴿ مِن والٍ ﴾ .

(11) .

يَلِي أُمُورَهم مِن ضُرٍّ ونَفْعٍ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا دَفَعَ السُّوءَ عَنْهم وقِيلَ: الأوَّلُ إشارَةٌ إلى نَفْيِ الدّافِعِ بِالدّالِّ وهَذا إشارَةٌ إلى نَفْيِ الرّافِعِ بِالرّاءِ لِئَلّا يَتَكَرَّرَ ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ خِلافَ مُرادِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ واعْتُرِضَ بِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إذا أرادَ بِقَوْمٍ سُوءًا وجَبَ وُقُوعُهُ ولا تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مُرادٍ لَهُ تَعالى كَذَلِكَ ولا عَلى اسْتِحالَةِ خِلافِهِ بَلْ عَلى عَدَمِ وُقُوعِهِ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ إرادَةِ السُّوءِ وإرادَةِ غَيْرِهِ لَكِنِ اقْتَصَرَ عَلى إرادَةِ الأوَّلِ لِأنَّ الكَلامَ في الِانْتِقامِ مِنَ الكُفّارِ وهو أبْلَغُ في تَخْوِيفِهِمْ فَإذا امْتَنَعَ رَدُّ السُّوءِ فَغَيْرُهُ كَذَلِكَ والمُرادُ بِالِاسْتِحالَةِ عَدَمُ الإمْكانِ الوُقُوعِيِّ لا الذّاتِيِّ ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ ومِن أعْجَبِ ما قِيلَ: إنَّ الجُمْهُورَ احْتَجُّوا بِالآيَةِ عَلى أنَّ المَعاصِيَ مِمّا يَشْمَلُها السُّوءُ وأنَّها بِخُلُقِهِ تَعالى ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الآيَةَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ ﴾ إلى آخِرِهِ وبَيَّنَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِما لا يَرْتَضِيهِ إنْسانٌ وقِيلَ: إنَّ فِيها إيذانًا بِأنَّهم بِما باشَرُوهُ مِن إنْكارِ البَعْثِ واسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ واقْتِراحِ الآيَةِ قَدْ غَيَّرُوا ما في أنْفُسِهِمْ مِنَ الفِطْرَةِ فاسْتَحَقُّوا لِذَلِكَ حُلُولَ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى هَذا ووَقَفَ ابْنُ كَثِيرٍ عَلى ( هادٍ ) وكَذا ( واقٍ ) حَيْثُ وقَعَ وعَلى ( والٍ ) هُنا و( باقٍ ) في النَّحْلِ بِإثْباتِ الياءِ وباقِي السَّبْعَةِ وقَفُوا بِحَذْفِها وفي الإقْناعِ لِأبِي جَعْفَرِ بْنِ الباذِشِ عَنِ ابْنِ مُجاهِدٍ الوَقْفُ في جَمِيعِ البابِ لِابْنِ كَثِيرٍ بِالياءِ وهَذا لا يَعْرِفُهُ المَكِّيُّونَ وفِيهِ أيْضًا عَنْ أبِي يَعْقُوبَ الأزْرَقِ عَنْ ورْشٍ أنَّهُ خَيَّرَهُ في الوَقْفِ في جَمِيعِ البابِ بَيْنَ أنْ يَقِفَ بِالياءِ وأنْ يَقِفَ بِحَذْفِها كَذا في البَحْرِ وفِيهِ أنَّهُ أثْبَتَ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ ياءَ ( المُتَعالِ ) وقْفًا ووَصْلًا وهو الكَثِيرُ في لِسانِ العَرَبِ وحَذَفَها الباقُونَ وصْلًا ووَقْفًا لِأنَّها كَذَلِكَ رُسِمَتْ في الإمامِ.

واسْتَشْهَدَ سِيبَوَيْهِ لِحَذْفِها في الفَواصِلِ والقَوافِي وأجازَ غَيْرُهُ حَذْفَها مُطْلَقًا ووَجْهُ حَذْفِها مَعَ أنَّها تُحْذَفُ مَعَ التَّنْوِينِ وألْ مُعاقَبَةً لَهُ إجْراءَ المُعاقَبِ مَجْرى <div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًۭا وَطَمَعًۭا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ١٢

﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا ﴾ مِنَ الصّاعِقَةِ ﴿ وطَمَعًا ﴾ في الغَيْثِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: خَوْفًا لِأهْلِ البَحْرِ وطَمَعًا لِأهْلِ البِرِّ وعَنْ قَتادَةَ خَوْفًا لِلْمُسافِرِ مِن أذى المَطَرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ في نَفْعِهِ وعَنِ الماوِرْدِيِّ خَوْفًا مِنَ العِقابِ وطَمَعًا في الثَّوابِ والمُرادُ مِنَ البَرْقِ مَعْناهُ المُتَبادَرُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِهِ الماءُ فَهو مَجازٌ مِن بابِ إطْلاقِ الشَّيْءِ عَلى ما يُقارِنُهُ غالِبًا.

ونُصِبَ ﴿ خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ عَلى أنَّهُما مَفْعُولٌ لَهُ لِيُرِيَكم واتِّحادُ فاعِلِ العِلَّةِ والفِعْلِ المُعَلَّلِ لَيْسَ شَرْطًا لِلنَّصْبِ مُجَمَّعًا فَفي شَرْحِ الكافِيَةِ لِلرَّضِيِّ وبَعْضِ النُّحاةِ لا يُشْتَرَطُ تَشارُكُهُما في الفاعِلِ وهو الَّذِي يَقْوى في ظَنِّي وإنْ كانَ الأغْلَبُ هو الأوَّلُ واسْتُدِلَّ عَلى جَوازِ عَدَمِ التَّشارُكِ بِما ذَكَرْناهُ في حَواشِينا عَلى شَرْحِ القَطْرِ لِلْمُصَنِّفِ.

وفِي هَمْعِ الهَوامِعِ وشَرَطَ الأعْلَمُ والمُتَأخِّرُونَ المُشارَكَةَ لِلْفِعْلِ في الوَقْتِ والفاعِلِ ولَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ ولا أحَدٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ واحْتاجَ المُشْتَرِطُونَ إلى تَأْوِيلِ هَذا الِاخْتِلافِ في الفاعِلِ فَإنَّ فاعِلَ الإراءَةِ هو اللَّهُ تَعالى وفاعِلَ الطَّمَعِ والخَوْفِ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ فَقِيلَ: في الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ وهو إرادَةٌ أيْ يُرِيكم ذَلِكَ إرادَةَ أنْ تَخافُوا وتَطْعَمُوا فالمَفْعُولُ لَهُ المُضافُ المُقَدَّرُ وفاعِلُهُ وفاعِلُ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ واحِدٌ وقِيلَ: الخَوْفُ والطَّمَعُ مَوْضُوعانِ مَوْضِعَ الإخافَةِ والإطْماعِ كَما وُضِعَ النَّباتُ مَوْضِعَ الإنْباتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ والمَصادِرُ يَنُوبُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ أوْ هُما مَصْدَرانِ مَحْذُوفا الزَّوائِدِ كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ وقِيلَ: إنَّهُما مَفْعُولٌ لَهُ بِاعْتِبارِ أنَّ المُخاطَبِينَ رائِينَ لِأنَّ إراءَتَهم مُتَضَمِّنَةٌ لِرُؤْيَتِهِمْ والخَوْفَ والطَّمَعَ مِن أفْعالِهِمْ فَهم فَعَلُوا الفِعْلَ المُعَلَّلَ بِذَلِكَ وهو الرُّؤْيَةُ فَيَرْجِعُ إلى مَعْنى قَعَدْتُ عَنِ الحَرْبِ جُبْنًا وهَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ النّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ: .

وحَلَّتْ بُيُوتِي في يِفاعٍ مُمْنِعٍ يَخالُ بِهِ راعِي الحُمُولَةِ طائِرا حِذارًا عَلى أنْ لا تَنالَ مَقادَتِي ∗∗∗ ولا نِسْوَتِي حَتّى يَمُتْنَ حَرائِرا حَيْثُ قِيلَ: إنَّهُ عَلى مَعْنى أحْلَلْتُ بُيُوتِي حِذارًا ورَدَّ ذَلِكَ المَوْلى أبُو السُّعُودِ بِأنَّهُ لا سَبِيلَ إلَيْهِ لِأنَّ ما وقَعَ في مَعْرِضِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ لا سِيَّما الخَوْفَ لا يَصْلُحُ عِلَّةً لِرُؤْيَتِهِمْ وتَعَقَّبَهُ عَزْمِي زادَهْ وغَيْرُهُ بِأنَّهُ كَلامٌ واهٍ لِأنَّ القائِلَ صَرَّحَ بِأنَّهُ مِن قَبِيلِ قَعَدْتُ عَنِ الحَرْبِ جُبْنًا ويُرِيدُ أنَّ المَفْعُولَ لَهُ حامِلٌ عَلى الفِعْلِ ومَوْجُودٌ قَبْلَهُ ولَيْسَ مِمّا جُعِلَ في مَعْرِضِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ كَما قالُوا في ضَرَبْتُهُ تَأْدِيبًا فَلا وجْهَ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ بِما ذُكِرَ وقِيلَ: التَّعْلِيلُ هُنا مِثْلُهُ في لامِ العاقِبَةِ لا أنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ قَعَدْتُ عَنِ الحَرْبِ جُبْنًا كَما ظَنَّ لِأنَّ الجُبْنَ باعِثٌ عَلى القُعُودِ دُونَهُما لِلرُّؤْيَةِ وهو غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّهُ باعِثٌ بِلا شُبْهَةَ واعْتَرَضَ عَلَيْهِ العَزْمِيُّ بِأنَّ اللّامَ المُقَدَّرَةَ في المَفْعُولِ لَهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِأنَّها تَكُونُ لامَ العاقِبَةِ ولا يُساعِدُهُ الِاسْتِعْمالُ وهو لَيْسَ بِشَيْءٍ كَيْفَ وقَدْ قالَ النُّحاةُ كَما في الدُّرِّ المَصُونِ: إنَّهُ كَقَوْلِ النّابِغَةِ السّابِقِ وقالَ أيْضًا: بَقِيَ ها هُنا بَحْثٌ وهو أنَّ مُقْتَضى جَعْلِ الآيَةِ نَحْوَ قَعَدْتُ إلى آخِرِهِ عَلى ما قالَهُ ذَلِكَ القائِلُ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ والطَّمَعُ مُقَدَّمَيْنِ في الوُجُودِ عَلى الرُّؤْيَةِ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُما إنَّما يَحْصُلانِ مِنها ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِكُلٍّ مِنَ الخَوْفِ والطَّمَعِ عَلى ما قالَهُ ما هو مِنَ المَلَكاتِ النَّفْسانِيَّةِ كالجُبْنِ في المِثالِ المَذْكُورِ ويَصِحُّ تَعْلِيلُ الرُّؤْيَةِ مِنَ الإراءَةِ بِهِما يَعْنِي أنَّ الرُّؤْيَةَ الَّتِي تَقَعُ بِإراءَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إنَّما كانَتْ لِما فِيهِمْ مِنَ الخَوْفِ والطَّمَعِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ في جِبِلَّتِهِمْ ذَلِكَ لَما كانَ لِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ فائِدَةٌ.

اهَـ.

ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّعَسُّفِ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ وقِيلَ: إنَّ النَّصْبَ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ ( البَرْقَ ) أوِ المُخاطَبِينَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ تَأْوِيلِ المَصْدَرِ بِاسْمِ المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ أوْ إبْقاءِ المَصْدَرِ عَلى ما هو عَلَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ كَما قِيلَ في زَيْدٌ عَدْلٌ ﴿ ويُنْشِئُ السَّحابَ ﴾ أيِ الغَمامَ المُنْسَحِبَ في الهَواءِ ﴿ الثِّقالَ ﴾ .

(12) .

بِالماءِ وهي جُمَعُ ثَقِيلَةٍ وُصِفَ بِها السَّحابُ لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ في مَعْنى الجَمْعِ ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ فَكَأنَّهُ جَمْعُ سَحابَةٍ ثَقِيلَةٍ لا أنَّهُ جَمْعٌ أوِ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعىٍّ لْإطْلاقِهِ عَلى الواحِدِ وغَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِۦ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِۦ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَـٰدِلُونَ فِى ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ ١٣

﴿ ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ ﴾ قِيلَ: هو اسْمٌ لِلصَّوْتِ المَعْلُومِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ سامِعُو الرَّعْدِ أوِ الإسْنادُ مَجازِيٌّ مِن بابِ الإسْنادِ لِلْحامِلِ والسَّبَبِ والباءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِحَمْدِهِ ﴾ لِلْمُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ يُسَبِّحُ السّامِعُونَ لِذَلِكَ الصَّوْتِ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى فَيَضِجُّونَ بِسُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ.

وقِيلَ: لا حَذْفَ ولا تَجُوزُ في الإسْنادِ وإنَّما التَّجَوُّزُ في التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ حَيْثُ شَبَّهَ دَلالَةَ الرَّعْدِ بِنَفْسِهِ عَلى تَنْزِيهِهِ تَعالى عَنِ الشَّرِيكِ والعَجْزِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّنْزِيهِ اللَّفْظِيِّ ودَلالَتِهِ عَلى فَضْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ورَحِمَتْهُ بِحَمْدِ الحامِدِ لِما فِيهِما مِنَ الدَّلالَةِ عَلى صِفاتِ الكَمالِ وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ اسْتُعْمِلَ في لازِمِهِ وقِيلَ: الرَّعْدُ اسْمُ مَلَكٍ فَإسْنادُ التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ إلَيْهِ حَقِيقَةٌ.

قالَ في الكَشْفِ: والأشْبَهُ في الآيَةِ الحَمْلُ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ لِيَتَلاءَمَ الكَلامُ فَإنَّ الرَّعْدَ في المُتَعارَفِ يَقَعُ عَلى الصَّوْتِ المَخْصُوصِ وهو الَّذِي يُقْرَنُ بِالذِّكْرِ مَعَ البَرْقِ والسَّحابِ والكَلامُ في إراءَةِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ وإيجادِها وتَسْبِيحِ مَلَكِ الرَّعْدِ لا يُلائِمُ ذَلِكَ أمّا حَمْلُ الصَّوْتِ المَخْصُوصِ لِلسّامِعِينَ عَلى التَّسْبِيحِ والحَمْدِ فَتَشْدِيدُ المُلاءَمَةِ جِدًّا وإذا حُمِلَ عَلى الإسْنادِ حَقِيقَةً فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا دَلالَةً عَلى اعْتِرافِ المَلَكِ المُوَكَّلِ بِالسَّحابِ وسائِرِ المَلائِكَةِ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وجُحُودِ الإنْسانِ ذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَسْبِيحَ المَلائِكَةِ عَلى ما ادَّعى أنَّهُ الأشْبَهُ يَبْقى كالِاعْتِراضِ في البَيْنِ والَّذِي اخْتارَهُ أكْثَرُ المُحَدِّثِينَ كَوْنُ الإسْنادِ حَقِيقِيًّا بِناءً عَلى أنَّ الرَّعْدَ اسْمٌ لِلْمَلَكِ الَّذِي يَسُوقُ السَّحابَ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وآخَرُونَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ اليَهُودَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  فَقالُوا: أخْبِرْنا ما هَذا الرَّعْدُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: مَلَكٌ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ تَعالى مُوَكَّلٌ بِالسَّحابِ بِيَدَيْهِ مِخْراقٌ مِن نارٍ يَزْجُرُ بِهِ السَّحابَ يَسُوقُهُ حَيْثُ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى قالُوا: فَما هَذا الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: صَوْتُهُ فَقالُوا: صَدَّقْتَ» والأخْبارُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ عَلَمًا لِلْمَلَكِ لَما ساغَ تَنْكِيرُهُ وقَدْ نُكِّرَ في البَقَرَةِ وأُجِيبَ بِأنَّ لَهُ إطْلاقَيْنِ ثانِيهِما إطْلاقُهُ عَلى نَفْسِ الصَّوْتِ والتَّنْكِيرُ عَلى هَذا الإطْلاقِ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ: إنَّ الرَّعْدَ رِيحٌ تَخْفُقُ بَيْنَ السَّحابِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ: وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ فَإنَّ ذَلِكَ مِن نَزَعاتِ الطَّبِيعِيِّينَ وغَيْرِهِمْ.

وقالَ الإمامُ: إنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ الحُكَماءِ يَذْكُرُونَ أنَّ هَذِهِ الآثارَ العُلْوِيَّةَ إنَّما تَتِمُّ بِقُوًى رُوحانِيَّةٍ فَلَكِيَّةٍ ولِلسَّحابِ رُوحٌ مُعِينٌ مِنَ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ يُدَبِّرُهُ وكَذا القَوْلُ في الرِّياحِ وسائِرِ الآثارِ العُلْوِيَّةِ وهو عَيْنُ ما قُلْنا مِن أنَّ الرَّعْدَ اسْمٌ لِمَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى فَهَذا الَّذِي قالَهُ المُفَسِّرُونَ بِهَذِهِ العِبارَةِ هو عَيْنُ ما ذَكَرَهُ المُحَقِّقُونَ مِنَ الحُكَماءِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ الإنْكارُ.

اهَـ.

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ أيْضًا بِأنَّ غَرَضَهُ جَرَيانُ ما يَتَخَيَّلَهُ الفَلاسِفَةُ عَلى مَناهِجِ الشَّرِيعَةِ ولَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أبَدًا ولَقَدْ صَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في عَدَمِ صِحَّةِ التَّطْبِيقِ بَيْنَ ما جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ وما نَسَجَتْهُ عَناكِبُ أفْكارِ الفَلاسِفَةِ نَعَمْ إنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ في أقَلِّ قَلِيلٍ مِن ذاكَ وهَذا، والمَشْهُورُ عَنِ الفَلاسِفَةِ أنَّ الرِّيحَ تَحْتَقِنُ في داخِلِ السَّحابِ ويَسْتَوْلِي البَرَدُ عَلى ظاهِرِهِ فَيَتَجَمَّدُ السَّطْحُ الظّاهِرُ ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرِّيحَ يُمَزِّقُهُ تَمْزِيقًا عَنِيفًا فَيَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ حَرَكَةٌ عَنِيفَةٌ وهي مُوجِبَةٌ لِلسُّخْرِيَةِ ولَيْسَ البَرْقُ والرَّعْدُ إلّا ما حَصَلَ مِنَ الحَرَكَةِ وتَسْخِينِها وأمّا السَّحابُ فَهو أبْخِرَةٌ مُتَصاعِدَةٌ قَدْ بَلَغَتْ في صُعُودِها إلى الطَّبَقَةِ البارِدَةِ مِنَ الهَواءِ لَكِنْ لَمّا لَمْ يَقْوَ البَرَدُ تَكاثَفَتْ بِذَلِكَ القَدْرِ مِنَ البَرَدِ واجْتَمَعَتْ وتَقاطَرَتْ ويُقالُ لِلْمُتَقاطِرِ مَطَرٌ ورُدَّ الأوَّلُ بِأنَّهُ خِلافُ المَعْقُولِ مِن وُجُوهٍ أحَدُها أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلَّما حَصَلَ البَرْقُ حَصَلَ الرَّعْدُ وهو الصَّوْتُ الحادِثُ مِن تَمْزِيقِ السَّحابِ ومَعْلُومٌ أنَّهُ كَثِيرًا ما يَحْدُثُ البَرْقُ القَوِيُّ مِن غَيْرِ حُدُوثِ الرَّعْدِ.

ثانِيهِما أنَّ السُّخُونَةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ قُوَّةِ الحَرَكَةِ مُقابَلَةٌ بِالطَّبِيعَةِ المائِيَّةِ المُوجِبَةِ لِلْبَرَدِ وعِنْدَ حُصُولِ هَذا المُعارِضِ القَوِيِّ كَيْفَ تَحْدُثُ النّارِيَّةُ بَلْ يُقالُ: النِّيرانُ العَظِيمَةُ تَنْطَفِئُ بِصَبِّ الماءِ عَلَيْها والسَّحابُ كُلُّهُ ماءٌ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَحْدُثَ فِيهِ شُعْلَةٌ ضَعِيفَةٌ نارِيَّةٌ ثالِثُهُما أنَّ مِن مَذْهَبِكم أنَّ النّارَ الصِّرْفَةَ لا لَوْنَ لَها البَتَّةَ فَهَبْ أنَّهُ حَصَلَتِ النّارِيَّةُ بِسَبَبِ قُوَّةِ المُحاكَّةِ الحاصِلَةِ في أجْزاءِ السَّحابِ لَكِنْ مِن أيْنَ حَدَثَ ذَلِكَ اللَّوْنُ الأحْمَرُ ورُدَّ الثّانِي بِأنَّ الأمْطارَ مُخْتَلِفَةٌ فَتارَةً تَكُونُ قَطَراتُها كَبِيرَةً وتارَةً تَكُونُ صَغِيرَةً وتارَةً تَكُونُ مُتَقارِبَةً وأُخْرى تَكُونُ مُتَباعِدَةً إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ وذَلِكَ مَعَ أنَّ طَبِيعَةَ الأرْضِ واحِدَةٌ وطَبِيعَةَ الشَّمْسِ المُسَخِّنَةِ لِلْبُخاراتِ واحِدَةٌ يَأْبى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما قَرَّرُوا وأيْضًا التَّجْرِبَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ لِلتَّضَرُّعِ والدُّعاءِ في انْعِقادِ السَّحابِ ونُزُولِ الغَيْثِ أثَرًا عَظِيمًا وهو يَأْبى أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلطَّبِيعَةِ والخاصِّيَّةِ فَلَيْسَ كُلُّ ذَلِكَ إلّا بِإحْداثِ مُحْدِثٍ حَكِيمٍ قادِرٍ يَخْلُقُ ما يَشاءُ كَيْفَ يَشاءُ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في تَكَوُّنِ ما ذُكِرَ أسْبابٌ عادِيَّةٌ كَما في الكَثِيرِ مِن أفْعالِهِ تَعالى وذَلِكَ لا يُنافِي نِسْبَتُهُ إلى المُحْدِثِ الحَكِيمِ القادِرِ جَلَّ شَأْنُهُ ومَن أنْصَفَ لَمْ يُسْعِفْهُ إنْكارُ الأسْبابِ بِالكُلِّيَّةِ فَإنَّ بَعْضَها كالمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ وبِهَذا أنا أقُولُ وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ.

وكانَ  كَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «إذا هَبَّتِ الرِّيحُ أوْ سُمِعَ صَوْتُ الرَّعْدِ تَغَيَّرُ لَوْنُهُ حَتّى يُعْرَفَ ذَلِكَ في وجْهِهِ الشَّرِيفِ ثُمَّ يَقُولُ لِلرَّعْدِ: سُبْحانَ مَن سَبَحْتَ لَهُ ولِلرِّيحِ اللَّهُمَّ اجْعَلْها رَحْمَةً ولا تَجْعَلْها عَذابًا».

وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  إذا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ والصَّواعِقِ قالَ: اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنا بِغَضَبِكَ ولا تُهْلِكْنا بِعَذابِكَ وعافِنا قَبْلَ ذَلِكَ».

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي جَعْفَرٍ «أنَّ قَوْمًا سَمِعُوا الرَّعْدَ فَكَبَّرُوا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : إذا سَمِعْتُمُ الرَّعْدَ فَسَبِّحُوا ولا تُكَبِّرُوا» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقُولُ إذا سَمِعَ الرَّعْدَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ  إذا سَمِعَ الرَّعْدَ قالَ سُبْحانَ مَن يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ» ﴿ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ ﴾ أيْ ويُسَبِّحُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن هَيْبَتِهِ تَعالى وإجْلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى الرَّعْدِ والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ أعْوانُهُ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى تَحْتَ يَدِهِ خائِفِينَ خاضِعِينَ لَهُ وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ ﴿ ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ ﴾ جَمْعُ صاعِقَةٍ وهي كالصّاعِقَةِ في الأصْلِ الهَدَّةُ الكَبِيرَةُ إلّا أنَّ الصَّقْعَ يُقالُ في الأجْسامِ الأرْضِيَّةِ والصَّعْقَ في الأجْسامِ العُلْوِيَّةِ والمُرادُ بِها هُنا النّارُ النّازِلَةُ مِنَ السَّحابِ مَعَ صَوْتٍ شَدِيدٍ ﴿ فَيُصِيبُ ﴾ سُبْحانَهُ ﴿ بِها مَن يَشاءُ ﴾ إصابَتُهُ بِها فَيُهْلِكُهُ قِيلَ: وهَذِهِ النّارُ قِيلَ تَحْصُلُ مِنَ احْتِكاكِ أجْزاءِ السَّحابِ واسْتَدَلَّ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرَّعْدُ مَلَكٌ اسْمُهُ الرَّعْدُ وصَوْتُهُ هَذا تَسْبِيحُهُ فَإذا اشْتَدَّ زَجْرُهُ احْتَكَّ السَّحابُ واصْطَدَمَ مِن خَوْفِهِ فَتُخْرِجُهُ الصَّواعِقُ مِن بَيْنِهِ وقالَ الفَلاسِفَةُ: إنَّ الدُّخانَ المُحْتَبِسَ في جَوْفِ السَّحابِ إذا نَزَلَ ومَزَّقَ السَّحابَ قَدْ يَشْتَعِلُ بِقُوَّةِ التَّسْخِينِ الحاصِلِ مِنَ الحَرَكَةِ الشَّدِيدَةِ والمُصاكَّةِ العَنِيفَةِ وإذا اشْتَعَلَ فَلَطِيفُهُ يَنْطَفِئُ سَرِيعًا وهو البَرْقُ وكَثِيفُهُ لا يَنْطَفِئُ حَتّى يَصِلَ إلى الأرْضِ وهو الصّاعِقَةُ وإذا وصَلَ إلَيْها فَرُبَّما صارَ لَطِيفًا يَنْفُذُ في المُتَخَلْخِلِ ولا يَحْرُقُهُ بَلْ يَبْقى مِنهُ أثَرُ سَوادٍ ويُذِيبُ ما يُصادِمُهُ مِنَ الأجْسامِ الكَثِيفَةِ المُنْدَمِجَةِ فَيُذِيبُ الذَّهَبَ والفِضَّةَ في الصُّرَّةِ مَثَلًا ولا يَحْرُقُها إلّا ما أُحْرِقَ مِنَ المُذَوِّبِ وقَدْ أخْبَرَ أهْلُ التَّواتُرِ بِأنَّ صاعِقَةً وقَعَتْ مُنْذُ زَمانٍ بِشِيرازَ عَلى قُبَّةِ الشَّيْخِ الكَبِيرِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَفِيفٍ قُدِّسَ سِرُّهُ فَأذابَتْ قِنْدِيلًا فِيها ولَمْ تَحْرِقْ شَيْئًا مِنها ورُبَّما كانَ كَثِيفًا غَلِيظًا جِدًّا فَيَحْرُقُ كُلَّ شَيْءٍ أصابَهُ وكَثِيرًا ما يَقَعُ عَلى الجَبَلِ فَيَدُكُّهُ دَكًّا وقَدْ يَقَعُ عَلى البَحْرِ فَيَغُوصُ فِيهِ ويَحْرُقُ ما فِيهِ مِنَ الحَيَواناتِ ورُبَّما كانَ جِرْمُ الصّاعِقَةِ دَقِيقًا جِدًّا مِثْلَ السَّيْفِ فَإذا وصَلَ إلى شَيْءٍ قَطَعَهُ بِنِصْفَيْنِ ولا يَكُونُ مِقْدارُ الِانْفِراجِ إلّا قَلِيلًا ويُحْكى أنَّ صَبِيًّا كانَ نائِمًا بِصَحْراءَ فَأصابَتِ الصّاعِقَةُ ساقَيْهِ فَسَقَطَتْ رِجْلاهُ ولَمْ يَخْرُجْ دَمٌ لِحُصُولِ الكَيِّ مِن حَرارَتِها وهَذا الَّذِي قالُوهُ في سَبَبِ تَكْوِينِها لَيْسَ بِالبَعِيدِ عَمّا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في ذَلِكَ ومادَّتُها عَلى ما نَقَلَ بَعْضُهم عَنِ ابْنِ سِينا أجْسامٌ نارِيَّةٌ فارَقَتْها السُّخُونَةُ وصارَتْ لِاسْتِيلاءِ البُرُودَةِ عَلى جَوْهَرِها مُتَكافِئَةً وقالَ الإمامُ في شَرْحِ الإشاراتِ: الصَّواعِقُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الشَّيْخِ تُشْبِهُ الحَدِيدَ تارَةً والنُّحاسَ تارَةً والحَجَرَ تارَةً وهو ظاهِرٌ في أنَّ مادَّتَها لَيْسَتْ كَذَلِكَ إلّا لَما اخْتَلَفَتْ ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ مادَّتَها الأبْخِرَةُ والأدْخِنَةُ الشَّبِيهَةُ بِمَوادِّ هَذِهِ الأجْسامِ وقِيلَ: إنَّها نارٌ تَخْرُجُ مِن فَمِ المَلَكِ المُوَكَّلِ بِالسَّحابِ إذا اشْتَدَّ زَجْرُهُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ قالَ: إنَّ بُحُورًا مِن نارٍ دُونَ العَرْشِ يَكُونُ مِنها الصَّواعِقُ وإذا صَحَّ ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ لا يَعْدِلُ عَنْهُ.

وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ مَن سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ فَقالَ سُبْحانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مَن خِيفَتِهِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَإنْ أصابَتْهُ صاعِقَةٌ فَعَلَيَّ دِيَتُهُ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: الصّاعِقَةُ تُصِيبُ المُؤْمِنَ والكافِرَ ولا تُصِيبُ ذاكِرًا وفي خَبَرٍ مَرْفُوعٍ ما يُؤَيِّدُهُ وقَدْ أهْلَكَتْ أرْبَدَ كَما عَلِمْتَ وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ أخُوهُ لِأُمِّهِ لَبِيدٌ العامِرِيُّ بِقَوْلِهِ يَرْثِيهِ: .

أخْشى عَلى أرْبَدَ الحُتُوفَ ولا أرْهَبُ نَوْءَ السِّماكِ والَأسَدِ فَجَعَنِي البَرْقُ والصَّواعِقُ ∗∗∗ بِالفارِسِ يَوْمَ الكَرِيهَةِ النَّجَدِ وفِي تِلْكَ القِصَّةِ عَلى ما قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ نَزَلَتِ الآيَةُ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ يَهُودِيًّا ناظَرَ رَسُولَ اللَّهِ  فَبَيْنا هو كَذَلِكَ نَزَلَتْ صاعِقَةٌ فَأخَذَتْ قِحْفَ رَأْسِهِ فَنَزَلَتْ وقِيلَ: «إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ إلى جَبّارٍ مِنَ العَرَبِ لِيُسْلِمَ فَقالَ: أخْبِرُونِي عَنْ إلَهِ مُحَمَّدٍ أمِن لُؤْلُؤٍ هو أمْ مِن ذَهَبٍ أمْ مِن نُحاسٍ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ صاعِقَةٌ فَأهْلَكَتْهُ فَنَزَلَتْ».

و( مَن ) مَفْعُولُ ﴿ يُصِيبُ ﴾ والكَلامُ عَلى ما في البَحْرِ مِن بابِ الإعْمالِ وقَدْ أُعْمِلَ فِيهِ الثّانِي إذْ كُلٌّ مِن ( يُرْسِلُ ) و ﴿ يُصِيبُ ﴾ يَطْلُبُ ( مَن ) ولَوِ أُعْمِلَ الأوَّلُ لَكانَ التَّرْكِيبُ ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها عَلى مَن يَشاءُ لَكِنْ جاءَ عَلى الكَثِيرِ في لِسانِ العَرَبِ المُخْتارِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وهو إعْمالُ الثّانِي ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ عِلْمَهُ النّافِذَ في كُلِّ شَيْءٍ واسْتِواءَ الظّاهِرِ والخَفِيِّ عِنْدَهُ تَعالى وما دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ ووَحْدانِيَّتِهِ قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ وهُمْ ﴾ أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنْكَرُوا آياتِهِ ﴿ يُجادِلُونَ في اللَّهِ ﴾ حَيْثُ يُكَذِّبُونَ ما يَصِفُهُ الصّادِقُ بِهِ مِن كَمالِ العِلْمِ والقُدْرَةِ والتَّفَرُّدِ بِالأُلُوهِيَّةِ وإعادَةِ النّاسِ ومَجازاتِهِمْ فالمُرادُ بِالمُجادَلَةِ فِيهِ تَعالى المُجادَلَةُ في شَأْنِهِ سُبْحانَهُ وما أخْبَرَ بِهِ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ وهي مِنَ الجَدَلِ بِفَتْحَتَيْنِ أشَدُّ الخُصُومَةِ وأصْلُهُ مِنَ الجَدْلِ بِالسُّكُونِ وهو فَتْلُ الحَبْلِ ونَحْوِهِ لِأنَّهُ يَقْوى بِهِ ويَشُدُّ طاقاتِهِ.

وقالَ الرّاغِبُ: أصْلُ ذَلِكَ مِن جَدَلْتُ الحَبْلَ أيْ أحْكَمْتُ فَتْلَهُ كَأنَّ المُتَجادِلَيْنِ يَفْتُلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ عَنْ رَأْيِهِ وقِيلَ: الأصْلُ في الجِدالِ الصِّراعُ وإسْقاطُ الإنْسانِ صاحِبَهُ عَلى الجَدالَةِ وهي الأرْضُ الصُّلْبَةُ وإلى تَفْسِيرِ الآيَةِ بِما ذُكِرَ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ في الكَشْفِ: وفي كَلامِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ في الكَلامِ التِفاتًا لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ سَواءٌ مِنكُمْ ﴾ .

﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ ﴾ فِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ وإنَّ شِئْتَ فَتَأمَّلْ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الكَبِيرُ المُتَعالِ ﴾ ثُمَّ التَفِتْ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ وحُسْنِ مَوْقِعِها أمّا الأوَّلُ فَما فِيهِ مِن تَخْصِيصِ الوَعِيدِ المُدْمَجِ في ﴿ سَواءٌ مِنكُمْ ﴾ ولِهَذا ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ ﴾ إلى ﴿ مِن والٍ ﴾ وفِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يَخْفى عَلى ذِي بَصِيرَةٍ والحَثُّ عَلى طَلَبِ النَّجاةِ زِيادَةُ التَّقْرِيعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ ﴾ وفي مَجِيءِ ﴿ سَواءٌ مِنكُمْ ﴾ .

﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ هَكَذا مِن دُونِ حَرْفِ النَّسَقَ لِأنَّ الأوَّلَ مُقَرِّرٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ مَعَ زِيادَةِ الإدْماجِ المَذْكُورِ تَحْقِيقًا لِلْعِلْمِ والثّانِي مُقَرِّرٌ لِما ضُمِّنَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ﴾ مَعَ رِعايَةِ نَمَطِ التَّعْدِيدِ عَلى أُسْلُوبِ ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾ ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ ما يُبْهِرُ الألْبابَ ويُظْهِرُ لِلْمَتَأمِّلِ في وجْهِ الإعْجازِ التَّنْزِيلِيِّ العَجَبَ العُجابَ وأمّا الثّانِي فَما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مَعَ وُضُوحِ الآياتِ وتِلاوَتِها عَلَيْهِمْ والتَّنْبِيهِ البالِغِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا لَمْ يُبالُوا بِها بالَةً فَكَأنَّهُ يَشُكُوا جِنايَتَهم إلى مَن يَسْتَحِقُّ الخِطابَ أوْ كَمَن يُدَمْدِمُ في نَفْسِهِ أنِّي أصْنَعُ بِهِمْ وأفْعَلُ كَيْتَ وكَيْتَ جَزاءَ ما ارْتَكَبُوهُ لِيَرى ما يُرِيدُ أنْ يُوقِعَ بِهِمْ وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ( هم ) إلى آخِرِهِ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ ﴾ المَعْطُوفُ عَلى ﴿ ويَسْتَعْجِلُونَكَ ﴾ والعُدُولُ عَنِ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ وطَرْحُ رِعايَةِ التَّناسُبِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ما ازْدادُوا بَعْدَ الآياتِ إلّا عِنادًا ( وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ) وجازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ ﴾ عَلى مَعْنى هو الَّذِي يُرِيكم هَذِهِ الآياتِ الكَوامِلَ الدّالَّةَ عَلى القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ وأنْتُمْ تُجادِلُونَ فِيهِ سُبْحانَهُ وهَذا أقْرَبُ مَأْخَذًا والأوَّلُ أمَلًا بِالفائِدَةِ.

اهَـ.

ومَخايِلُ التَّحْقِيقِ ظاهِرَةٌ عَلَيْهِ وزَعَمَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ الأنْسَبَ لِتَأْلِيفِ النَّظْمِ أنْ يَكُونَ هَذا تَسْلِيَةً لِحَبِيبِهِ  فَإنَّهُ تَعالى لَمّا نَعى عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ عِنادَهم في اقْتِراحِهِمُ الآياتِ كَآياتِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ وإنْكارِهِمْ كَوْنَ الَّذِي جاءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ آياتٍ سَلّاهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِما ذُكِرَ كَأنَّهُ قالَ: هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإنَّكَ لَسْتَ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ فَإنَّهُ مَعَ ظُهُورِ الآياتِ البَيِّناتِ ودَلائِلِ التَّوْحِيدِ يُجادِلُونَ في اللَّهِ تَعالى بِاتِّخاذِ الشُّرَكاءِ وإثْباتِ الأوْلادِ ومَعَ شُمُولِ عِلْمِهِ تَعالى وكَمالِ قُدْرَتِهِ جَلَّ جَلالُهُ يُنْكِرُونَ الحَشْرَ والنَّشْرَ ومَعَ قَهْرِ سُلْطانِهِ وشَدِيدِ سَطْوَتِهِ يُقْدِمُونَ عَلى المُكايَدَةِ والعِنادِ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ فَلْيُتَأمَّلْ ولا يُسْتَحْسَنُ العَطْفُ عَلى ( يُرْسِلُ الصَّواعِقَ ) لِعَدَمِ الِاتِّساقِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِن مَفْعُولِ ( يُصِيبُ ) أيْ يُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ في حالِ جِدالِهِ أوْ مِن مَفْعُولِ ﴿ يَشاءُ ﴾ عَلى ما قِيلَ وهو كَما تَرى ولا يُعَيِّنُ سَبَبُ النُّزُولِ الحالِيَّةَ كَما لا يَخْفى ﴿ وهُوَ ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ شَدِيدُ المِحالِ ﴾ .

(13) .

أيِ المُماحَلَةِ وهي المُكايَدَةُ مِن مَحَلَ بِفُلانٍ بِالتَّخْفِيفِ إذا كادَهُ وعَرَّضَهُ لِلْهَلاكِ ومِنهُ تَمَحَّلَ لِكَذا إذا تَكَلَّفَ اسْتِعْمالَ الحِيلَةِ واجْتَهَدَ فِيهِ فَهو مَصْدَرٌ كالقِتالِ وقِيلَ: هو اسْمُ لا مَصْدَرٌ مِنَ المَحْلِ بِمَعْنى القُوَّةِ وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: .

فَرْعُ نَبْلٍ يَهْتَزُّ في غُصْنِ المَجْـ ∗∗∗ دِ عَظِيمُ النَّدى شَدِيدُ المِحالِ وقَوْلُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: .

لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومِحالُهم عَدُوًّا مِحالَكَ.

وكَأنَّ أصْلَهُ مِنَ المَحْلِ بِمَعْنى القَحْطِ وكِلا التَّفْسِيرَيْنِ مُرْوِيٌّ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ وقِيلَ: هو مِفْعَلٌ لا فِعالٌ مِنَ الحَوْلِ بِمَعْنى القُوَّةِ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هو كَذَلِكَ مِنَ الحِيلَةِ المَعْرُوفَةِ ومِيمُهُ زائِدَةٌ كَمِيمِ مَكانٍ وغَلَّطَهُ الأزْهَرِيُّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ مِفْعَلًا لَكانَ كَمِرْوَدٍ ومِحْوَرٍ واعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ أُعِلَّ عَلى غَيْرِ قِياسٍ وأيَّدَ دَعْوى الزِّيادَةِ بِقِراءَةِ الضَّحّاكِ والأعْرَجِ ( المَحالِ ) بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ مَفْعَلٌ مِن حالَ يَحُولُ إذا احْتالَ لِأنَّ الأصْلَ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ ويُقالُ لِلْحِيلَةِ أيْضًا المَحالَةُ ومِنهُ المَثَلُ المَرْءُ يَعْجِزُ لا المَحالَةُ وقالَ أبُو زَيْدٍ: هو بِمَعْنى النِّقْمَةِ وكَأنَّهُ أخَذَهُ مِنَ المَحْلِ بِمَعْنى القَحْطِ أيْضًا وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هو الجِدالُ يُقالُ: ماحَلَ عَنْ أمْرِهِ أيْ جادَلَ وقِيلَ: هو بِمَعْنى الحِقْدِ ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وحَمَلُوهُ عَلى التَّجَوُّزِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( المَحالُ ) بِالفَتْحِ بِمَعْنى الفَقارِ وهو عَمُودُ الظَّهْرِ وقِوامُهُ قالَ في الأساسِ: يُقالُ فَرَسٌ قَوِيُّ المَحالِ أيِ الفَقارِ الواحِدَةُ مَحالَةٌ والمِيمُ أصْلِيَّةٌ ويَكُونُ ذَلِكَ مَثَلًا في القُوَّةِ والقُدْرَةِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «فَساعِدُ اللَّهِ تَعالى أسَدُّ ومُوساهُ أحَدُّ» لِأنَّ الشَّخْصَ إذا اشْتَدَّ مَحالُهُ كانَ مَنعُوتًا بِشِدَّةِ القُوَّةِ والِاضْطِلاعِ بِما يَعْجَزُ عَنْهُ غَيْرُهُ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: فَقَرَتْهُ الفَواقِرُ وهو مَثَلٌ لِتَوْهِينِ القُوى وبِهَذا الحَمْلِ لا يَلْزَمُ إثْباتُ الجِسْمِيَّةِ لَهُ تَعالى والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ <div class="verse-tafsir"

لَهُۥ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ ۖ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّا كَبَـٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَـٰلِغِهِۦ ۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ ١٤

﴿ لَهُ ﴾ أيِ لِلَّهِ تَعالى ﴿ دَعْوَةُ الحَقِّ ﴾ أيِ الدُّعاءُ والتَّضَرُّعُ الثّابِتُ الواقِعُ في مَحَلِّهِ المُجابُ عِنْدَ وُقُوعِهِ والإضافَةُ لِلْإيذانِ بِمُلابَسَةِ الدَّعْوَةِ لِلْحَقِّ واخْتِصاصِها بِهِ وكَوْنُها بِمَعْزِلٍ مِن شائِبَةِ البُطْلانِ والضَّلالِ والضَّياعِ كَما يُقالُ: كَلِمَةُ الحَقِّ والمُرادُ أنَّ إجابَةَ ذَلِكَ لَهُ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ ويُؤَيِّدُ ما بَعْدُ كَما لا يَخْفى وقِيلَ: المُرادُ بِدَعْوَةِ الحَقِّ الدُّعاءُ عِنْدَ الخَوْفِ فَإنَّهُ لا يُدْعى فِيهِ إلّا اللَّهُ تَعالى كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ ﴾ وزَعَمَ الماوَرْدِيُّ أنَّ هَذا أشْبَهُ بِسِياقِ الآيَةِ وقِيلَ: الدَّعْوَةُ: بِمَعْنى الدُّعاءِ أيْ طَلَبُ الإقْبالِ والمُرادُ بِهِ العِبادَةُ لِلِاشْتِمالِ والإضافَةُ عَلى طُرُزِ ما تَقَدَّمَ وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الإضافَةَ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ والكَلامُ فِيها شَهِيرٌ وحاصِلُ المَعْنى أنَّ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يُعْبُدَ هو اللَّهُ تَعالى دُونَ غَيْرِهِ.

ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ عَلى ما قِيلَ أنَّ الدَّعْوَةَ بِمَعْنى الدُّعاءِ ومُتَعَلِّقُها مَحْذُوفٌ أيْ لِلْعِبادَةِ والمَعْنى أنَّهُ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يُدْعى إلى عِبادَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ ولا يَخْفى ما بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ مِنَ التَّلازُمِ فَإنَّهُ إذا كانَتِ الدَّعْوَةُ إلى عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ حَقًّا كانَتْ عِبادَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ حَقًّا وبِالعَكْسِ وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ مِنَ الحَقِّ هو اللَّهُ تَعالى وهو كَما في البَحْرِ ثانِي الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ والمَعْنى عَلَيْهِ كَما قالَ: لَهُ دَعْوَةُ المَدْعُوِّ الحَقَّ الَّذِي يَسْمَعُ فَيُجِيبُ والأوَّلُ ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا وجُعِلَ الحَقُّ فِيهِ مُقابِلَ الباطِلِ.

وبَيَّنَ صاحِبُ الكَشْفِ حاصِلَ الوَجْهَيْنِ بِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِاخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِأنْ يُدْعى ويُعْبَدَ رَدًّا لِمَن يُجادِلُ في اللَّهِ تَعالى ويُشْرِكُ بِهِ سُبْحانَهُ الأنْدادَ ولا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ في الإضافَةِ إشْعارٌ بِهَذا الِاخْتِصاصِ فَإنَّ جَعْلَ الحَقِّ في مُقابِلِ الباطِلِ فَهو ظاهِرٌ وإنْ جُعِلَ اسْمًا مِن أسْمائِهِ تَعالى كانَ الأصْلُ لِلَّهِ دَعْوَتَهُ تَأْكِيدًا لِلِاخْتِصاصِ مِنَ اللّامِ والإضافَةِ ثُمَّ زِيدَ ذَلِكَ بِإقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ مُعادًا بِوَصْفٍ يُنْبِئُ عَنِ اخْتِصاصِها بِهِ أشَدَّ الِاخْتِصاصِ فَقِيلَ: لَهُ دَعْوَةُ المَدْعُوِّ الحَقَّ والحَقُّ مِن أسْمائِهِ سُبْحانَهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الثّابِتُ بِالحَقِيقَةِ وما سِواهُ باطِلٌ مِن حَيْثُ هو وحَقٌّ بِتَحْقِيقِهِ تَعالى إيّاهُ فَيَتَقَيَّدُ بِحَسَبِ كُلٍّ مَقامًا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مُقابِلَهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ وإذا كانَ المَدْعُوُّ مِن دُونِهِ بُطْلانَهُ لِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ فَهو الحَقُّ الَّذِي يَسْمَعُ فَيُجِيبُ انْتَهى وبِهَذا سَقَطَ ما قالَهُ أبُو حَيّانَ في الِاعْتِراضِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِن أنَّ مَآلَهُ إلى اللَّهِ دَعْوَةُ اللَّهِ وهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: لِزَيْدٍ دَعْوَةُ زَيْدٍ ولا يَصِحُّ ذَلِكَ واسْتَغْنى عَمّا قالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ فِي تَأْوِيلِهِ: مِن أنَّ المَعْنى ولِلَّهِ تَعالى الدَّعْوَةُ الَّتِي تَلِيقُ أنْ تُنْسَبَ وتُضافَ إلى حَضْرَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ لِكَوْنِهِ تَعالى سَمِيعًا بَصِيرًا كَرِيمًا لا يَخِيبُ سائِلُهُ فَيُجِيبُ الدُّعاءَ فَإنَّ ذَلِكَ كَما تَرى قَلِيلُ الجَدْوى ويُعْلَمُ مِمّا في الكَشْفِ وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِما تَقَدَّمَ وقالَ بَعْضُهم: وجْهُ تَعَلُّقِ هَذِهِ والجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وهُوَ شَدِيدُ المِحالِ ﴾ إنْ كانَ سَبَبُ النُّزُولِ قِصَّةَ أرْبَدَ وعامِرٍ أنَّ إهْلاكَهُما مِن حَيْثُ لَمْ يَشْعُرا بِهِ مَحالٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وإجابَةٌ لِدَعْوَةِ رَسُولِهِ  فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «اللَّهُمَّ احْبِسْهُما عَنِّي بِما شِئْتَ» أوْ دَلالَةٌ عَلى رَسُولِهِ  عَلى الحَقِّ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبَ النُّزُولِ ذَلِكَ فالوَجْهُ أنَّ ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ عَلى مُجادَلَتِهِمُ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِحُلُولِ مِحالِهِ بِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ بِإجابَةِ دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنْ دَعا عَلَيْهِمْ أوْ بَيانُ ضَلالَتِهِمْ وفَسادِ رَأْيِهِمْ في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ وجْهُ التَّعَلُّقِ عَلى بَعْضِ التَّفاسِيرِ إذا قُلْنا: إنَّ سَبَبَ النُّزُولِ قِصَّةُ اليَهُودِيِّ أوِ الجَبّارِ فَتَأمَّلْ.

﴿ والَّذِينَ يَدْعُونَ ﴾ أيِ الأصْنامَ الَّذِينَ يَدْعُونَهم أيِ المُشْرِكُونَ وحَذْفُ عائِدِ المَوْصُولِ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ عِبارَةً عَنِ المُشْرِكِينَ وضَمِيرُ الجَمْعِ المَرْفُوعِ عائِدٌ إلَيْهِ ومَفْعُولُ ﴿ يَدْعُونَ ﴾ مَحْذُوفٌ أيِ الأصْنامُ وحُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ عَلَيْهِ لِأنَّ مَعْناهُ مُتَجاوِزِينَ لَهُ وتَجاوُزُهُ إنَّما هو بِعِبادَتِها ويُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ قِراءَةُ البَزْدَوِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍو ( تَدْعُونَ ) بِتاءِ الخِطابِ وضَمِيرُ ﴿ لا يَسْتَجِيبُونَ ﴾ عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى ( الَّذِينَ ) وعَلى الثّانِي عائِدٌ عَلى مَفْعُولِ ﴿ يَدْعُونَ ﴾ وعَلى كُلٍّ فالمُرادُ لا يَسْتَجِيبُ الأصْنامُ لَهم أيْ لِلْمُشْرِكِينَ بِشَيْءٍ مِن طَلَباتِهِمْ ﴿ إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ ﴾ أيْ لا يَسْتَجِيبُونَ شَيْئًا مِنَ الِاسْتِجابَةِ وطَرَفًا مِنها إلّا اسْتِجابَةً كاسْتِجابَةِ الماءِ لِمَن بَسَطَ كَفَّيْهِ إلَيْهِ مِن بَعِيدٍ يَطْلُبُهُ ويَدَعُوهُ ﴿ لِيَبْلُغَ ﴾ أيِ الماءُ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُؤْخَذَ بِشَيْءٍ مِن إناءٍ ونَحْوِهِ ﴿ فاهُ وما هُوَ ﴾ أيِ الماءُ ﴿ بِبالِغِهِ ﴾ أيْ بِبالِغِ فِيهِ أبَدًا لِكَوْنِهِ جَمادًا لا يَشْعُرُ بِعَطَشِهِ وبَسْطِ يَدَيْهِ إلَيْهِ وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ ( هو ) ضَمِيرَ الفَمِ والهاءَ في ( بالِغِهِ ) ضَمِيرَ الماءِ أيْ وما فُوهُ بِبالِغِ الماءِ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما لا يَبْلُغُ الآخَرَ عَلى هَذِهِ الحالِ.

وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ الأوَّلِ ضَمِيرَ ( باسِطِ ) والثّانِي ضَمِيرَ ﴿ الماءِ ﴾ قالَ أبُو البَقاءِ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ عائِدًا عَلى ( باسِطِ ) والثّانِي عائِدًا عَلى الفَمِ لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا جَرى عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ لَزِمَ إبْرازُ الفاعِلِ فَكانَ يَجِبُ عَلى ذَلِكَ أنْ يُقالَ: وما هو بِبالِغِهِ الماءُ والجُمْهُورُ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا والغَرَضُ كَما قالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ فَفي الِاسْتِجابَةِ عَلى البَتِّ بِتَصْوِيرِ أنَّهُمُ أحْوَجُ ما لا يَكُونُ إلَيْها لِتَحْصِيلِ مَباغِيهِمْ أخِيبُ ما لا يَكُونُ أحَدٌ في سَعْيِهِ لِما هو مُضْطَرٌّ إلَيْهِ والحاصِلُ أنَّهُ شَبَّهَ آلِهَتَهم حِينَ اسْتِكْفائِهِمْ إيّاهم ما أهَمَّهم بِلِسانِ الِاضْطِرارِ في عَدَمِ الشُّعُورِ فَضْلًا عَنِ الِاسْتِطاعَةِ لِلِاسْتِجابَةِ وبَقائِهِمْ لِذَلِكَ في الخَسارِ بِحالِ ماءٍ بِمَرْأى مِن عَطْشانَ باسِطٍ كَفَّيْهِ إلَيْهِ يُنادِيهِ عِبارَةً وإشارَةً فَهو لِذَلِكَ في زِيادَةِ الكِبادِ والبَوارِ والتَّشْبِيهُ عَلى هَذا مِنَ المُرَكَّبِ التَّمْثِيلِيِّ في الأصْلِ أبْرَزُ في مَعْرِضِ التَّهَكُّمِ حَيْثُ أثْبَتَ أنَّهُما اسْتِجابَتانِ زِيادَةً في التَّخْسِيرِ والتَّحْسِيرِ فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ عامِّ المَصْدَرِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِجابَةَ هُناكَ مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الفِعْلُ الظّاهِرُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ ويُضافُ إلى الباسِطِ بِناءً عَلى اسْتِلْزامِ المَصْدَرِ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ لِلْمَصْدَرِ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وُجُودًا وعَدَمًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ فَلا يُسْتَجابُ لَهُمُ اسْتِجابَةً كائِنَةً كاسْتِجابَةِ مَن بَسَطَ كَفَّيْهِ إلى الماءِ كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: .

وعَضُّ زَمانٍ يا بْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ أيْ لَمْ يَدَعْ فَلَمْ يَبْقَ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفٌ وأبُو البَقاءِ يَجْعَلُ الِاسْتِجابَةَ مَصْدَرَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وإضافَتَهُ إلى ( باسِطِ ) مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ ﴾ والفاعِلُ ضَمِيرُ ﴿ الماءِ ﴾ عَلى الوَجْهِ الثّانِي في المَوْصُولِ وقَدْ يُرادُ مِن بَسْطِ الكَفَّيْنِ إلى الماءِ بَسْطُهُما أيْ نَشْرُ أصابِعِهِما ومَدُّها لِشُرْبِهِ لا لِلدُّعاءِ والإشارَةُ إلَيْهِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ وعَلى هَذا قِيلَ: شُبِّهَ الدّاعُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى بِمَن أرادَ أنْ يَغْرِفَ الماءَ بِيَدَيْهِ فَبَسَطَهُما ناشِرًا أصابِعَهُ في أنَّهُما لا يَحْصُلانِ عَلى طائِلٍ وجَعَلَ بَعْضُهم وجْهَ الشَّبَهِ قِلَّةَ الجَدْوى ولَعَلَّهُ أرادَ عَدَمَها لَكِنَّهُ بالَغَ بِذِكْرِ القِلَّةِ وإرادَةِ العَدَمِ دَلالَةً عَلى هَضْمِ الحَقِّ وإيثارِ الصِّدْقِ ولِإشْمامِ طَرَفٍ مِنَ التَّهَكُّمِ والتَّشْبِيهِ عَلى هَذا مِن تَشْبِيهِ المُفْرَدِ المُقَيَّدِ كَقَوْلِكَ لِمَن لا يَحْصُلُ مِن سَعْيِهِ عَلى شَيْءٍ: هو كالرّاقِمِ عَلى الماءِ فَإنَّ المُشَبَّهَ هو السّاعِي مُقَيَّدًا بِكَوْنِ سَعْيِهِ كَذَلِكَ والمُشَبَّهُ بِهِ هو الرّاقِمُ مُقَيَّدًا بِكَوْنِهِ عَلى الماءِ كَذَلِكَ فِيما نَحْنُ فِيهِ ولَيْسَ مِنَ المُرَكَّبِ العَقْلِيِّ في شَيْءٍ عَلى ما تُوُهِّمَ نَعَمْ وجْهُ الشَّبَهِ عَقْلِيٌّ اعْتِبارِيٌّ والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ عَنْ أعَمِّ عامِّ الأحْوالِ أيْ لا يَسْتَجِيبُ الآلِهَةُ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الدّاعِينَ إلّا مُشَبِّهِينَ أعْنِي الدّاعِينَ بِمَن بَسَطَ كَفَّيْهِ ولَمْ يَقْبِضْهُما وأخْرَجَهُما كَذَلِكَ فَلَمْ يَحْصُلْ عَلى شَيْءٍ لِأنَّ الماءَ يَحْصُلُ بِالقَبْضِ لا بِالبَسْطِ ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِعَطْشانَ عَلى شَفِيرِ بِئْرٍ بِلا رِشاءٍ ولا يَبْلُغُ قَعْرَ البِئْرِ ولا الماءُ يَرْتَفِعُ إلَيْهِ وهو راجِعٌ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ ولَيْسَ مُغايِرًا لَهُ كَما قِيلَ وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالقابِضِ عَلى الماءِ في أنَّهُ لا يَحْصُلُ عَلى شَيْءٍ ثُمَّ قالَ: والعَرَبُ تَضْرِبُ المَثَلَ في السّاعِي فِيما لا يُدْرِكُهُ بِذَلِكَ وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: .

فَأصْبَحْتُ فِيما كانَ بَيْنِي وبَيْنَها ∗∗∗ مِنَ الوِدِّ مِثْلَ القابِضِ الماءَ بِاليَدِ وقَوْلِهِ: .

وإنِّي وإيّاكم وشَوْقًا إلَيْكم ∗∗∗ كَقابِضِ ماءٍ لَمْ تَسَعْهُ أنامِلُهُ وهُوَ راجِعٌ إلى الوَجْهِ الثّانِي خَلا أنَّهُ لا يَظْهَرُ مِن ( باسِطِ ) مَعْنى قابِضٍ فَإنَّ بَسْطَ الكَفِّ ظاهِرٌ في نَشْرِ الأصابِيعِ مَمْدُودَةً كَما في قَوْلِهِ: .

تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفِّ حَتّى لَوْ أنَّهُ ∗∗∗ أرادَ انْقِباضًا لَمْ تُطِعْهُ أنامِلُهُ وكَيْفَما كانَ فالمُرادُ بِباسِطٍ شَخْصٌ باسِطٌ أيُّ شَخْصٍ كانَ وما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ ما رُوِيَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ مِن أنَّهُ قابِيلُ حَيْثُ أنَّهُ لَمّا قَتَلَ أخاهُ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى عَذابَهُ أنْ أخَذَ بِناصِيَتِهِ في البَحْرِ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الماءِ إلّا إصْبَعٌفَهُوَ يُرِيدُهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ وقُرِئَ ﴿ كَباسِطِ كَفَّيْهِ ﴾ بِالتَّنْوِينِ أيْ كَشَخْصٍ يَبْسُطُ كَفَّيْهِ ﴿ وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ ﴾ .

أيْ في ضَياعٍ وخَسارٍ وباطِلٍ والمُرادُ بِهَذا الدُّعاءِ إنْ كانَ دُعاءَ آلِهَتِهِمْ فَظاهِرٌ أنَّهُ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ فُهِمَ مِنَ السّابِقِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ مُكَرَّرًا لِلتَّأْكِيدِ وإنْ كانَ دُعاءَهُمُ اللَّهَ تَعالى فَقَدَ اسْتَشْكَلُوا ذَلِكَ بِأنَّ دُعاءَ الكافِرِ قَدْ يُسْتَجابُ وهو المُصَرَّحُ بِهِ في الفَتاوى واسْتِجابَةُ دُعاءِ إبْلِيسَ وهو رَأْسُ الكُفّارِ نَصٌّ في ذَلِكَ وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ دُعاؤُهُمُ اللَّهَ تَعالى بِما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ وعَلى هَذا يُحْمَلُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ أصْواتَ الكُفّارِ مَحْجُوبَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَلا يُسْمَعُ دُعاؤُهم وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ دُعاؤُهم مُطْلَقًا ولا يُقَيَّدُ بِما أُجِيبُوا بِهِ <div class="verse-tafsir"

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًۭا وَكَرْهًۭا وَظِلَـٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ ۩ ١٥

﴿ ولِلَّهِ ﴾ وحْدَهُ ﴿ يَسْجُدُ ﴾ يَخْضَعُ ويَنْقادُ لا لِشَيْءٍ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا فالقَصْرُ يَنْتَظِمُ القَلْبُ والإفْرادُ ﴿ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ التَّعْبِيرِ بِمَن وتَخْصِيصُ انْقِيادِ العُقَلاءِ مَعَ كَوْنِ غَيْرِهِمْ أيْضًا كَذَلِكَ لِأنَّهُمُ العُمْدَةُ وانْقِيادُهم دَلِيلُ انْقِيادِ غَيْرِهِمْ عَلى أنَّ فِيما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَيانًا لِذَلِكَ وقِيلَ: المُرادُ ما يَشْمَلُ أُولَئِكَ وغَيْرَهم والتَّعْبِيرُ بِمَن لِلتَّغْلِيبِ ﴿ طَوْعًا وكَرْهًا ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ فَإنْ قُلْنا بِوُقُوعِ المَصْدَرِ حالًا مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ فَهو ظاهِرٌ وإلّا فَهو بِتَأْوِيلِ طائِعِينَ وكارِهِينَ أيْ أنَّهم خاضِعُونَ لِعَظَمَتِهِ تَعالى مُنْقادُونَ لِإحْداثِ ما أرادَ سُبْحانَهُ فِيهِمْ مِن أحْكامِ التَّكْوِينِ والإعْدامِ شاؤُوا أوْ أبَوْا مِن غَيْرِ مُداخَلَةِ حُكْمِ غَيْرِهِ جَلَّ وعَلا بَلْ غَيْرُ حُكْمِهِ تَعالى في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى العِلَّةِ فالكُرْهُ بِمَعْنى الإكْراهِ وهو مَصْدَرُ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِيَتَّحِدَ الفاعِلُ بِناءً عَلى اشْتِراطِ ذَلِكَ في نَصْبِ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ وهو عِنْدَ مَن لَمْ يَشْتَرِطْ عَلى ظاهِرِهِ وما قِيلَ عَلَيْهِ مِن أنَّ اعْتِبارَ العِلِّيَّةِ في الكُرْهِ غَيْرُ ظاهِرٍ لِأنَّهُ الَّذِي يُقابِلُ الطَّوْعَ وهو الإباءُ ولا يُعْقَلُ كَوْنُهُ عِلَّةً لِلسُّجُودِ فَمَدْفُوعٌ بِأنَّ العِلَّةَ ما يُحْمَلُ عَلى الفِعْلِ أوْ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ لا ما لا يَكُونُ غَرَضًا لَهُ وقَدْ مَرَّ عَنْ قُرْبٍ فَتَذْكَّرْهُ وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ أيْ سُجُودَ طَوْعٍ وكُرْهٍ ﴿ وظِلالُهُمْ ﴾ أيْ وتَنْقادُ لَهُ تَعالى ظِلالُ مَن لَهُ ذَلِكَ مِنهم وهُمُ الإنْسُ فَقَطْ أوْ ما يَعُمُّهم وكُلُّ كَثِيفٍ.

وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ يَنْبَغِي أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ لِمَن في الأرْضِ لِأنَّ مَن في السَّماءِ لا ظِلَّ لَهُ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى التَّغْلِيبِ أوِ التَّجَوُّزِ ومَعْنى انْقِيادِ الظِّلالِ لَهُ تَعالى أنَّها تابِعَةٌ لِتَصَرُّفِهِ سُبْحانَهُ ومَشِيئَتِهِ في الِامْتِدادِ والتَّقَلُّصِ والفَيْءِ والزَّوالِ وأصْلُ الظِّلَّ كَما قالَ الفَرّاءُ مَصْدَرٌ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الخَيالِ الَّذِي يَظْهَرُ لِلْجِرْمِ وهو إمّا مَعْكُوسٌ أوْ مُسْتَوٍ ويُبْنى عَلى كُلٍّ مِنهُما أحْكامٌ ذَكَرُوها في مَحَلِّها ﴿ بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ .

(15) .

ظَرْفٌ لِلسُّجُودِ المُقَدَّرِ والباءُ بِمَعْنى في وهو كَثِيرٌ والمُرادُ بِهِما الدَّوامُ لِأنَّهُ يُذْكَرُ مِثْلُ ذَلِكَ لِلتَّأْيِيدِ قِيلَ: فَلا يُقالُ لِمَ خُصَّ بِالذِّكْرِ وكَذا يُقالُ: إذا كانا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الظِّلالِ وبَعْضُهم يُعَلِّلُ ذَلِكَ بِأنَّ امْتِدادَها وتَقَلُّصَها في ذَيْنِكَ الوَقْتَيْنِ أظْهَرُ.

والغُدُوُّ جَمْعُ غَداةٍ كَقُنِيٍّ وقَناةٍ والآصالُ جَمْعُ أصِيلٍ وهو ما بَيْنَ العَصْرِ والمَغْرِبِ وقِيلَ: هو جَمْعُ أُصُلٍ جَمْعُ أصِيلٍ وأصْلُهُ أأْصالٌ بِهَمْزَتَيْنِ فَقُلِبَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا وقِيلَ: الغُدُوُّ مَصْدَرٌ وأيِّدَ بِقِراءَةِ ابْنِ مِجْلَزٍ ( الإيصالِ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ آصَلْنا بِالمَدِّ أيْ دَخَلْنا في الأصِيلِ كَما قالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ هَذا وقِيلَ: إنَّ المُرادَ حَقِيقَةُ السُّجُودِ فَإنَّ الكَفَرَةَ حالَةُ الِاضْطِرارِ وهو المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَرْهًا ﴾ يَخُصُّونَ السُّجُودَ بِهِ سُبْحانَهُ قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ ولا يَبْعُدُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في الظِّلالِ أفْهامًا وعُقُولًا بِها تَسْجُدُ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ كَما خَلَقَ جَلَّ جَلالُهُ ذَلِكَ لِلْجِبالِ حَتّى اشْتَغَلَتْ بِالتَّسْبِيحِ وظَهَرَتْ فِيها آثارُ التَّجَلِّي كَما قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِسُجُودِها ما يُشاهَدُ فِيها مِن هَيْئَةِ السُّجُودِ تَبَعًا لِأصْحابِها وهَذا عَلى ما قِيلَ: مَبْنِيٌّ عَلى ارْتِكابِ عُمُومِ المَجازِ في السُّجُودِ المَذْكُورِ في الآيَةِ بِأنْ يُرادَ بِهِ الوُقُوعُ عَلى الأرْضِ فَيَشْمَلُ سُجُودَ الظِّلالِ بِهَذا المَعْنى أوْ تَقْدِيرَ فِعْلٍ مُؤَدٍّ ذَلِكَ رافِعٌ لِلظِّلالِ أوْ خَبَرٌ لَهُ كَذَلِكَ أوِ التِزامُ أنَّ إرادَةَ ما ذُكِرَ لا يَضُرُّ في الحَقِيقَةِ لِكَوْنِهِ بِالتَّبَعِيَّةِ والعَرْضِ أوْ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ جائِزٌ ولا يَخْفى ما في بَعْضِ الشُّقُوقِ مِنَ النَّظَرِ وعَنْ قَتادَةَ أنَّ السُّجُودَ عِبارَةٌ عَنِ الهَيْئَةِ المَخْصُوصَةِ وقَدْ عُبِّرَ بِالطَّوْعِ عَنْ سُجُودِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ وبِالكَرْهِ عَنْ سُجُودِ مَن ضَمَّهُ السَّيْفُ إلى الإسْلامِ فَيَسْجُدُ كَرْهًا إمّا نِفاقًا أوْ يَكُونُ الكَرْهُ أوَّلَ حالِهِ فَيَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ الصِّفَةُ وإنْ صَحَّ إيمانُهُ بَعْدُ وقِيلَ: السّاجِدُ طَوْعًا مَن لا يَثْقُلُ عَلَيْهِ السُّجُودُ والسّاجِدُ كَرْها مَن يَثْقُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وعَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ الأوَّلُ مَن طالَتْ مُدَّةُ إسْلامِهِ فَألِفَ السُّجُودَ والثّانِي مَن بَدَأ بِالإسْلامِ إلى أنْ يَأْلَفَ وأيًّا ما كانَ فَمِن عامٍّ أُرِيدَ بِهِ مَخْصُوصٌ إذْ يَخْرُجُ مِن ذَلِكَ مَن لا يَسْجُدُ وقِيلَ: هو عامٌّ لِسائِرِ أنْواعِ العُقَلاءِ والمُرادُ بِيَسْجُدُ يَجِبُ أنْ يَسْجُدَ لَكِنْ عُبِّرَ عَنِ الوُجُوبِ بِالوُقُوعِ مُبالَغَةً.

واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا فَفي البَحْرِ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ مَساقَ الآيَةِ إنَّما هو أنَّ العالَمَ كُلَّهُ مَقْهُورٌ لِلَّهِ تَعالى خاضِعٌ لِما أرادَ سُبْحانَهُ مِنهُ مَقْصُورٌ عَلى مَشِيئَتِهِ لا يَكُونُ مِنهُ إلّا ما قَدَّرَ جَلَّ وعَلا فالَّذِينَ تَعْبُدُونَهم كائِنًا ما كانُوا داخِلُونَ تَحْتَ القَهْرِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَفْعًا ولا ضَرًّا ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى تَشْرِيكُ الظِّلالِ في السُّجُودِ وهي لَيْسَتْ أشْخاصًا يُتَصَوَّرُ مِنها السُّجُودُ بِالهَيْئَةِ المَخْصُوصَةِ ولَكِنَّها داخِلَةٌ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ تَعالى يُصَرِّفُها سُبْحانَهُ حَسْبَما أرادَ إذْ هي مِنَ العالَمِ والعالَمُ جَواهِرُهُ وأعْراضُهُ داخِلَةٌ تَحْتَ قَهْرِ إرادَتِهِ تَعالى كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ ﴾ وكَوْنُ المُرادِ بِالظِّلالِ الأشْخاصَ كَما قالَ بَعْضُهم ضَعِيفٌ وأضْعَفُ مِنهُ ما قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وقِياسُها عَلى الجِبالِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الجَبَلَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ عَقْلٌ بِشَرْطِ تَقْدِيرِ الحَياةِ وأمّا الظِّلُّ فَعَرَضٌ لا يُتَصَوَّرُ قِيامُ الحَياةِ بِهِ وإنَّما مَعْنى سُجُودِها مَيْلُها مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ واخْتِلافُ أحْوالِها كَما أرادَ سُبْحانَهُ وتَعالى وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ بَعْدَ نَقْلِ ما قِيلَ أوَّلًا وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ اخْتِصاصَ سُجُودِ الكافِرِ حالَةَ الِاضْطِرارِ والشِّدَّةِ لِلَّهِ تَعالى لا يُجْدِي فَإنَّ سُجُودَهُ لِلصَّنَمِ حالَةَ الِاخْتِيارِ والرَّخاءِ مُخِلٌّ بِالقَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ فالوَجْهُ حَمْلُ السُّجُودِ عَلى الِانْقِيادِ ولِأنَّ تَحْقِيقَ انْقِيادِ الكُلِّ في الإبْداعِ والإعْدامِ لَهُ تَعالى أدْخَلُ في التَّوْبِيخِ عَلى اتِّخاذِ أوْلِياءَ مِن دُونِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن تَحْقِيقِ سُجُودِهِمْ لَهُ تَعالى.

اهَـ.

وفي تِلْكَ الأقْوالِ بُعْدُ ما لا يَخْفى عَلى النّاقِدِ البَصِيرِ.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ ۚ قُلْ أَفَٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّۭا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَـٰتُ وَٱلنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُوا۟ كَخَلْقِهِۦ فَتَشَـٰبَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُوَ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّـٰرُ ١٦

﴿ قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ تَحْقِيقٌ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِأنَّ خالِقَهُما ومُتَوَلِّي أمْرِهِما مَعَ ما فِيهِما عَلى الإطْلاقِ هو اللَّهُ تَعالى وقِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ انْقِيادَ المَظْرُوفِ لِمَشِيئَتِهِ تَعالى ذَكَرَ ما هو كالحُجَّةِ عَلى ذَلِكَ مِن كَوْنِهِ جَلَّ وعَلا خالِقَ هَذا الظَّرْفِ العَظِيمِ الَّذِي يُبْهِرُ العُقُولَ ومُدَبِّرَهُ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ مَن رَبُّ هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالجَوابِ إشْعارًا بِأنَّهُ مُتَعَيَّنٌ لْلِجَوابِيَّةِ فَهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والخَصْمُ في تَقْرِيرِهِ سَواءٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَلْقِينًا لِلْجَوابِ لِيُبَيِّنَ لَهم ما هم عَلَيْهِ مِن مُخالَفَتِهِمْ لِما عَلِمُوهُ وقِيلَ: إنَّهُ حِكايَةٌ لِاعْتِرافِهِمْ والسِّياقُ يَأْباهُ.

وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّهم جَهِلُوا الجَوابَ فَطَلَبُوهُ مِن جِهَتِهِ  فَأُمِرَ بِإعْلامِهِمْ بِهِ ويُبْعِدُهُ أنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ بِعِلْمِهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ وحِينَئِذٍ كَيْفَ يُقالُ: إنَّهم جَهِلُوا الجَوابَ فَطَلَبُوهُ نَعَمْ قالَ البَغَوِيُّ: رُوِيَ أنَّهُ لَمّا قالَ  ذَلِكَ لِلْمُشْرِكِينَ عَطَفُوا عَلَيْهِ فَقالُوا: أجِبْ أنْتَ فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالجَوابِ وهو بِفَرْضِ صِحَّتِهِ لا يَدُلُّ عَلى جَهْلِهِمْ كَما لا يَخْفى ﴿ قُلْ ﴾ إلْزامًا لَهم وتَبْكِيتًا ﴿ أفاتَّخَذْتُمْ ﴾ لِأنْفُسِكم ﴿ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ عاجِزِينَ لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ وهي أعَزُّ عَلَيْهِمْ مِنكم ﴿ نَفْعًا ﴾ يَسْتَجِلُّونَهُ ﴿ ولا ضَرًّا ﴾ يَدْفَعُونَهُ عَنْها فَضْلًا عَنِ القُدْرَةِ عَلى جَلْبِ النَّفْعِ لِلْغَيْرِ ودَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والمُرادُ بَعْدَ أنْ عَلِمْتُمُوهُ رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ في غايَةِ العَجْزِ عَنْ نَفْعِكم فَجَعَلْتُمْ ما كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ سَبَبَ التَّوْحِيدِ مِن عِلْمِكم سَبَبَ الإشْراكِ فالفاءُ عاطِفَةٌ لِلتَّسَبُّبِ والتَّفْرِيعِ دَخَلَتِ الهَمْزَةُ عَلَيْهِ لِأنَّ المُنْكَرَ الِاتِّخاذُ بَعْدَ العِلْمِ لا العِلْمُ ولا هُما مَعًا ووُصِفَ الأوْلِياءُ بِما ذُكِرَ مِمّا يُقَوِّي الإنْكارَ ويُؤَكِّدُهُ ويُفْهَمُ عَلى ما قِيلَ مِن كَلامِ البَعْضِ أنَّ هَذا دَلِيلٌ ثانٍ عَلى ضَلالِهِمْ وفَسادِ رَأْيِهِمْ في اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ رَجاءَ أنْ يَنْفَعُوهم واخْتُلِفَ في الدَّلِيلِ الأوَّلِ فَقِيلَ: هو ما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ وقِيلَ: هو ما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ﴾ ..

إلَخْ فَتَدَبَّرْ ﴿ قُلْ ﴾ تَصْوِيرًا لِآرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ بِصُورَةِ المَحْسُوسِ ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى ﴾ الَّذِي هو المُشْرِكُ الجاهِلُ بِالعِبادَةِ ومُسْتَحَقُّها ﴿ والبَصِيرُ ﴾ الَّذِي هو المُوَحِّدُ العالِمُ بِذَلِكَ وإلى هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ وفي الكَلامِ عَلَيْهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وكَذا عَلى ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ الجاهِلُ بِمِثْلِ هَذِهِ الحُجَّةِ وبِالثّانِي العالِمُ بِها وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى التَّشْبِيهِ والمُرادُ لا يَسْتَوِي المُؤْمِنُ والكافِرُ كَما لا يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ فَلا مَجازَ ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الأوَّلَ بِالمَعْبُودِ الغافِلِ والثّانِيَ بِالمَعْبُودِ العالِمِ بِكُلِّ شَيْءٍ وفِيهِ بُعْدٌ ﴿ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ ﴾ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ ﴿ والنُّورُ ﴾ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا وجُمِعَ الظُّلُماتُ لِتَعَدُّدِ أنْواعِ الكُفْرِ كَكُفْرِ النَّصارى وكُفْرِ المَجُوسِ وكُفْرِ غَيْرِهِمْ وكَوْنُ الكُفْرِ كُلِّهِ مِلَّةً واحِدَةً أمْرٌ آخَرُ.

و( أمْ ) كَما في البَحْرِ مُنْقَطِعَةٌ وتُقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةُ عَلى المُخْتارِ والتَّقْدِيرُ بَلْ أهَلْ تَسْتَوِي وهَلْ وإنْ نابَتْ عَنِ الهَمْزَةِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ فَقَدْ جامَعَتْها أيْضًا كَما في قَوْلِهِ: أهَلْ رَأوْنا بِوادِي القُفِّ ذِي الأكَمِ وإذا جامَعَتْها مَعَ التَّصْرِيحِ بِها فَلِأنَّ تَجامُعَها مَعَ أمِ المُتَضَمِّنَةِ لَها أوْلى ويَجُوزُ فِيها بَعْدَ أمْ هَذِهِ أنْ يُؤْتى بِها لِشَبَهِها بِالأدَواتِ الِاسْمِيَّةِ الَّتِي لِلِاسْتِفْهامِ في عَدَمِ الأصالَةِ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ﴾ ويَجُوزُ أنْ لا يُؤْتى بِها لِأنَّ أمْ مُتَضَمِّنَةٌ لِلِاسْتِفْهامِ وقَدْ جاءَ الأمْرانِ في قَوْلِهِ: .

هَلْ ما عَلِمْتَ وما اسْتَوْدَعْتَ مَكْتُومُ ∗∗∗ أمْ حَبَلُها إذْ نَأتْكَ اليَوْمَ مَصْرُومُ أمْ هَلْ كَبِيرٌ بَكى لَمْ يَقْضِ عَبْرَتَهُ ∗∗∗ إثْرَ الأحِبَّةِ يَوْمَ البَيْنِ مَشْكُومُ وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ ( أمْ هَلْ يَسْتَوِي ) بِالباءِ التَّحْتِيَّةِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ما اقْتَضاهُ الكَلامُ السّابِقُ مِن تَخْطِئَةِ المُشْرِكِينَ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ أمْ جَعَلُوا ﴾ أيْ بَلْ أجَعَلُوا ﴿ لِلَّهِ ﴾ جَلَّ وعَلا ﴿ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ ﴾ سُبْحانَهُ وتَعالى والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ ولَيْسَ المُنْكَرُ هو الجَعْلُ لِأنَّهُ واقِعٌ مِنهم وإنَّما هو الخَلْقُ كَخَلْقِهِ تَعالى والمَعْنى أنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا لِلَّهِ تَعالى شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ ﴿ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ وقالُوا: هَؤُلاءِ خَلَقُوا كَخَلْقِ اللَّهِ تَعالى واسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ العِبادَةَ كَما اسْتَحَقَّها سُبْحانَهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَنشَأً لِخَطَئِهِمْ بَلِ إنَّما جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ عاجِزِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ الخَلْقُ فَضْلًا عَمّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الخالِقُ والمَقْصُودُ بِالإنْكارِ والنَّفْيِ هو القَيْدُ والمُقَيَّدُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ وفي الِانْتِصافِ أنَّ ﴿ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ ﴾ في سِياقِ الإنْكارِ جِيءَ بِهِ لِلتَّهَكُّمِ فَإنَّ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لا يَخْلُقُ شَيْئًا مُساوِيًا ولا مُنْحَطًّا وقَدْ كانَ يَكْفِي في الإنْكارِ لَوْلا ذَلِكَ أنَّ الآلِهَةَ الَّتِي اتَّخَذُوها لا تَخْلُقُ.

وتَعَقَّبَهُ الطَّيِّبِيُّ بِأنَّ إثْباتَ التَّهَكُّمِ تُكَلُّفٌ فَإنَّهُ ذِكْرُ الشَّيْءِ وإرادَةُ نَقِيضِهِ اسْتِحْقارًا لِلْمُخاطَبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ وها هُنا ﴿ كَخَلْقِهِ ﴾ جِيءَ بِهِ مُبالَغَةً في إثْباتِ العَجْزِ لِآلِهَتِهِمْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِدْراجِ وإرْخاءِ العِنانِ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا اتِّخاذَهم مِن دُونِهِ شُرَكاءَ ووَصَفَها بِأنَّها لا تَمْلِكُ لِأنْفُسِها نَفْعًا ولا ضَرًّا فَكَيْفَ تَمْلِكُ ذَلِكَ لِغَيْرِها أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ثانِيًا عَلى سَبِيلِ التَّدَرُّجِ وصْفَ الخَلْقِ أيْضًا يَعْنِي هَبْ أنَّ أُولَئِكَ الشُّرَكاءَ قادِرُونَ عَلى نَفْعِ أنْفُسِهِمْ وعَلى نَفْعِ عَبَدَتِهِمْ فَهَلْ يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَخْلُقُوا شَيْئًا وهَبْ أنَّهم قادِرُونَ عَلى خَلْقِ بَعْضِ الأشْياءِ فَهَلْ يَقْدِرُونَ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ الخالِقُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ.

اهَـ.

والحَقُّ أنَّ الآيَةَ ناعِيَةٌ عَلَيْهِمْ مُتَهَكِّمَةٌ بِهِمْ فَإنَّ مَن لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ النَّفْعِ والضُّرِّ أبْعَدُ مِن أنْ يُفِيدَهم ذَلِكَ وكَيْفَ يُتَوَهَّمُ فِيهِ أنَّهُ خالِقٌ وأنْ يَشْتَبِهَ عَلى ذِي عَقْلٍ فَيُنَبَّهُ عَلى نَفْيِهِ وهَذا المِقْدارُ يَكْفِي في الغَرَضِ فافْهَمْ ﴿ قُلْ ﴾ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وإرْشادًا لَهُمُ ﴿ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ ويَلْزَمُ هَذا أنْ لا خالِقَ سِواهُ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّوارُدُ وهو المَقْصُودُ لِيَدُلَّ عَلى المُرادِ وهو نَفْيُ اسْتِحْقاقِ غَيْرِهِ تَعالى لِلْعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةِ أيْ لا خالِقَ سِواهُ فَيُشارِكُهُ في ذَلِكَ الِاسْتِحْقاقِ.

وبِعُمُومِ الآيَةِ اسْتَدَلَّ أهْلُ السُّنَّةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعالى والمُعْتَزِلَةُ تَزْعُمُ التَّخْصِيصَ بِغَيْرِ أفْعالِهِمْ ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ أيْضًا لِما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ الحَقِّ بِالآيَةِ الأُولى وهو كَما تَرى ﴿ وهُوَ الواحِدُ ﴾ المُتَوَحِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ المُنْفَرِدِ بِالرُّبُوبِيَّةِ ﴿ القَهّارُ ﴾ .

(16) .

الغالِبُ عَلى كُلِّ ما سِواهُ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ آلِهَتُهم فَكَيْفَ يَكُونُ المَغْلُوبُ شَرِيكًا لَهُ تَعالى وهَذا عَلى ما قِيلَ كالنَّتِيجَةِ لِما قَبْلَهُ وهو يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن مَقُولِ القَوْلِ وأنْ يَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً.

<div class="verse-tafsir"

أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌۢ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًۭا رَّابِيًۭا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَـٰعٍۢ زَبَدٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ ۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءًۭ ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ ١٧

﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ﴾ أيْ مِن جِهَتِها عَلى ما هو المُشاهَدُ وقِيلَ: مِنها نَفْسِها ولا تَجَوُّزَ في الكَلامِ واسْتُدِلَّ لَهُ بِآثارٍ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِها وقِيلَ: أنْزَلَ مِنها نَفْسِها ﴿ ماءً ﴾ أيْ كَثِيرًا أوْ نَوْعًا مِنهُ وهو ماءُ المَطَرِ بِاعْتِبارِ أنَّ مَبادِيَهُ مِنها وذَلِكَ لِتَأْثِيرِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ في تَصاعُدِ البُخارِ فَيُتَجَوَّزُ في ( مِن ) .

﴿ فَسالَتْ ﴾ بِذَلِكَ ﴿ أوْدِيَةٌ ﴾ دافِعَةٌ في مَواقِعِهِ لا جَمِيعَ الأوْدِيَةِ إذِ الأمْطارُ لا تَسْتَوْعِبُ الأقْطارِ وهو جَمْعُ وادٍ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولا يُعْلَمُ أنَّ فاعِلًا جُمِعَ عَلى أفْعِلَةً ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَعاقُبِ فاعِلٍ وفَعِيلٍ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ كَعالِمٍ وعَلِيمٍ وشاهِدٍ وشَهِيدٍ وناصِرٍ ونَصِيرٍ ثُمَّ إنَّ وزْنَ فاعِلٍ يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ كَصاحِبٍ وأصْحابٍ وطائِرٍ وأطْيارٍ ووَزْنُ فَعِيلٍ يُجْمَعُ عَلى أفَعِلَةٍ كَجَرِيبٍ وأجْرِبَةٍ ثُمَّ لَمّا حَصَلَتِ المُناسَبَةُ المَذْكُورَةُ بَيْنَ فاعِلٍ وفَعِيلٍ لا جَرَمَ يُجْمَعُ فاعِلٍ جَمْعُ فَعِيلٍ فَيُقالُ: وادٍ وأوْدِيَةٌ ويُجْمَعُ فَعِيلٌ جَمْعَ فاعِلٍ يَتِيمٌ وأيْتامٌ وشَرِيفٌ وأشْرافٌ.

اهَـ.

ونَظِيرُ ذَلِكَ نادٍ وأنْدِيَةٌ وناجٍ وأنْجِيَةٌ قِيلَ: ولا رابِعَ لَها وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ ما يُخالِفُهُ والوادِي المَوْضِعُ الَّذِي يَسِيلُ فِيهِ الماءُ بِكَثْرَةٍ وبِهِ سُمِّيَتِ الفُرْجَةُ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ ويُطْلَقُ عَلى الماءِ الجارِي فِيهِ وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن ودى إذا سالَ فَإنْ أُرِيدَ الأوَّلُ فالإسْنادُ مَجازِيٌّ أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما قالَ الإمامُ أيْ مِياهُ أوْدِيَةٍ وإنْ أُرِيدَ الثّانِي وهو مَعْنى مَجازِيٌّ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ المَحَلِّ عَلى الحالِ فالإسْنادُ حَقِيقِيٌّ وإيثارُ التَّمْثِيلِ بِالأوْدِيَةِ عَلى الأنْهارِ المُسْتَمِرَّةِ الجَرَيانِ لِوُضُوحِ المُماثَلَةِ بَيْنَ شَأْنِها وما مُثِّلَ بِها كَما سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿ بِقَدَرِها ﴾ أيْ بِمِقْدارِها الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى واقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ في نَفْعِ النّاسِ أوْ بِمِقْدارِها المُتَفاوِتِ قِلَّةً وكَثْرَةً بِحَسَبِ تَفاوُتِ مِحالِّها صِغَرًا وكِبَرًا لا بِكَوْنِها مالِئَةً لَها مُنْطَبِقَةً عَلَيْها بَلْ بِمُجَرَّدِ قِلَّتِها بِصِغَرِها المُسْتَلْزِمِ لِقِلَّةِ مَوارِدِ الماءِ وكَثْرَتِها بِكِبَرِها المُسْتَدْعِي لِكَثْرَةِ المَوارِدِ فَإنَّ مَوارِدَ السَّيْلِ الجارِي في الوادِي الصَّغِيرِ أقَلُّ مِن مَوارِدِ السَّيْلِ الجارِي في الوادِي الكَبِيرِ هَذا إذا أُرِيدَ بِالأوْدِيَةِ ما يَسِيلُ فِيها أمّا إنْ أُرِيدَ بِها المَعْنى الحَقِيقِيَّ فالمَعْنى سالَتْ مِياهُها بِقَدْرِ تِلْكَ الأوْدِيَةِ عَلى نَحْوِ ما عَرَفْتَهُ آنِفًا أوْ يُرادُ بِضَمِيرِها مِياهُها بِطَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ ويُرادُ بِقَدَرِها ما ذُكِرَ أوَّلًا مِنَ المَعْنَيَيْنِ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الحَوْفِيِّ مُتَعَلِّقٌ بِسالَتْ وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأوْدِيَةٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأنْزَلَ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ ( بِقَدْرِها ) بِسُكُونِ الدّالِ وهي لُغَةٌ في ذَلِكَ.

﴿ فاحْتَمَلَ ﴾ أيْ حَمَلَ وجاءَ افْتَعَلَ بِمَعْنى المُجَرَّدِ كاقْتَدَرَ وقَدَرَ ﴿ السَّيْلُ ﴾ أيِ الماءُ الجارِي في تِلْكَ الأوْدِيَةِ والتَّعْرِيفُ لِكَوْنِهِ مَعْهُودًا مَذْكُورًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْدِيَةٌ ﴾ ولَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ كَما قالَ الرّاغِبُ مَصْدَرٌ بِحَسَبِ الأصْلِ وفي البَحْرِ أنَّهُ إنَّما عُرِّفَ لِأنَّهُ عَنى بِهِ ما فُهِمَ مِنَ الفِعْلِ والَّذِي يَتَضَمَّنُ الفِعْلَ مِنَ المَصْدَرِ وإنْ كانَ نَكِرَةً إلّا أنَّهُ إذا عادَ في الظّاهِرِ كانَ مَعْرِفَةً كَما كانَ لَوْ صَرَّحَ بِهِ نَكِرَةً وكَذا يُضْمَرُ إذا عادَ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ مِنَ المَصْدَرِ نَحْوَ مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ أيِ الكَذِبُ ولَوْ جاءَ هُنا مُضْمَرًا لَكانَ جائِزًا عائِدًا عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن سالَتْ.

اهَـ.

وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُعْنى بِهِ ما فُهِمَ مِنَ الفِعْلِ وهو حَدَثٌ والمَذْكُورُ المُعَرَّفُ عَيْنٌ كَما عَلِمْتَ وأُجِيبَ بِأنَّهُ بِطْرِيقِ الِاسْتِخْدامُ ورُدَّ بِأنَّ الِاسْتِخْدامَ أنْ يُذْكَرَ لَفْظٌ بِمَعْنى ويُعادَ عَلَيْهِ ضَمِيرٌ بِمَعْنى آخَرَ حَقِيقِيًّا كانَ أوْ مَجازِيًّا وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الأوَّلَ مَصْدَرٌ أيْ حَدَثٌ في ضِمْنِ الفِعْلِ وهَذا اسْمُ عَيْنٍ ظاهِرٌ يَتَّصِفُ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فِيهِ الِاسْتِخْدامُ نَعَمْ ما ذَكَرُوهُ أغْلَبِيٌّ لا يَخْتَصُّ بِما ذُكِرَ فَإنَّ مِثْلَ الضَّمِيرِ اسْمُ الإشارَةِ وكَذا الِاسْمُ الظّاهِرُ.

اهَـ.

وانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ السَّيْلِ المَعْنى المَصْدَرِيُّ فَلا يَحْتاجُ إلى حَدِيثِ الِاسْتِخْدامِ أمْ لا وعَلى الجَوازِ يَكُونُ المَعْنى فاحْتَمَلَ الماءُ المُنَزَّلُ مِنَ السَّماءِ بِسَبَبِ السَّيْلِ ﴿ زَبَدًا ﴾ هو الغُثاءُ الَّذِي يَطْرَحُهُ الوادِي إذا جاشَ ماؤُهُ واضْطَرَبَتْ أمْواجُهُ عَلى ما قالَهُ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عِيسى: إنَّهُ وضَرُ الغَلَيانِ وخَبَثُهُ قالَ الشّاعِرُ: وما الفُراتُ إذا جاشَتْ غَوارِبُهُ تَرْمِي أواذِيُّهُ العِبْرَيْنِ بِالزَّبَدِ ﴿ رابِيًا ﴾ أيْ عالِيًا مُنْتَفِخًا فَوْقَ الماءِ ووُصِفَ الزَّبَدُ بِذَلِكَ قِيلَ: بَيانًا لِما أُرِيدَ بِالِاحْتِمالِ المُحْتَمِلِ لِكَوْنِ المَحْمُولِ غَيْرَ طافٍ كالأشْجارِ الثَّقِيلَةِ وإنَّما لَمْ يُدْفَعْ ذَلِكَ بِأنْ يُقالَ فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا فَوْقَهُ لِلْإيذانِ بِأنَّ تِلْكَ الفَوْقِيَّةَ مُقْتَضى شَأْنِ الزَّبَدِ لا مِن جِهَةِ المُحْتَمَلِ تَحْقِيقًا لِلْمُماثَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما مُثِّلَ بِهِ مِنَ الباطِنِ الَّذِي شَأْنُهُ الظُّهُورُ في مَبادِي الرَّأْيِ مِن غَيْرِ مُداخَلَةٍ في الحَقِّ ﴿ ومِمّا يُوقِدُونَ ﴾ ابْتِداءُ جُمْلَةٍ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى لِضَرْبِ مَثَلٍ آخَرَ أيْ ومِنَ الَّذِي يَفْعَلُونَ الإيقادَ عَلَيْهِ وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلنّاسِ أُضْمِرَ مَعَ عَدَمِ السَّبْقِ لِظُهُورِهِ وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ ( تُوقِدُونَ ) بِتاءِ الخِطابِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي النّارِ ﴾ عِنْدَ أبِي البَقاءِ والحَوْفِيِّ قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَدْ يُوقَدُ عَلى الشَّيْءِ ولَيْسَ في النّارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ ﴾ فَإنَّ الطِّينَ الَّذِي أُمِرَ بِالوَقْدِ عَلَيْهِ لَيْسَ في النّارِ وإنَّما يُصِيبُهُ لَهَبُها وقالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: إنَّ ﴿ فِي النّارِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ أيْ كائِنًا أوْ ثابِتًا فِيها ومَنَعُوا تَعَلُّقَهُ بِتُوقِدُونَ قالُوا: لِأنَّهُ لا يُوقَدُ عَلى شَيْءٍ إلّا وهو في النّارِ والتَّعْلِيقُ بِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَخْصِيصَ حالٍ مِن حالٍ أُخْرى وقالَ أبُو حَيّانَ: لَوْ قُلْنا: إنَّهُ لا يُوقَدُ عَلى شَيْءٍ إلّا وهو في النّارِ لَجازَ أيْضًا التَّعْلِيقُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ﴾ وقِيلَ: إنَّ زِيادَةَ ذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِالمُبالَغَةِ في الِاعْتِمالِ لِلْإذابَةِ وحُصُولِ الزَّبَدِ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ نَحْوَ الذَّهَبُ والفِضَّةُ والحَدِيدُ والنُّحاسُ والرَّصاصُ وفي عَدَمِ ذِكْرِها بِأسْمائِها والعُدُولِ إلى وصْفِها بِالإيقادِ عَلَيْها المُشْعِرِ بِضَرْبِها بِالمَطارِقِ لِأنَّهُ لِأجْلِهِ وبِكَوْنِها كالحَطَبِ الخَسِيسِ تَهاوَنَ بِها إظْهارًا لِكِبْرِيائِهِ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى ما قِيلَ وهو لا يُنافِي كَوْنَ ذَلِكَ ضَرْبَ مَثَلٍ لِلْحَقِّ لِأنَّ مَقامَ الكِبْرِياءِ يَقْتَضِي التَّهاوُنَ بِذَلِكَ مَعَ الإشارَةِ إلى كَوْنِهِ مَرْغُوبًا فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ ﴾ فَوُفِّيَ كُلٌّ مِنَ المَقامَيْنِ حَقَّهُ فَما قِيلَ: إنَّ الحَمْلَ عَلى التَّهاوُنِ لا يُناسِبُ المَقامَ لِأنَّ المَقْصُودَ تَمْثِيلُ الحَقِّ بِها وتَحْقِيرُها لا يُناسِبُهُ ساقِطٌ فَتَأمَّلْ.

ونُصِبَ ﴿ ابْتِغاءَ ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ كَما هو الظّاهِرُ وقالَ الحَوْفِيُّ: إنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُبْتَغِينَ وطالِبِينَ اتِّخاذَ حِلْيَةٍ وهي ما يُتَزَيَّنُ ويُتَجَمَّلُ بِهِ كالحُلِيِّ المُتَّخَذِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ واتِّخاذَ مَتاعٍ وهو ما يُتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ الأوانِي والآلاتِ المُتَّخَذَةِ مِنَ الحَدِيدِ والرَّصاصِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفِلِزّاتِ ﴿ زَبَدٌ ﴾ خَبَثٌ ﴿ مِثْلُهُ ﴾ أيْ مِثْلُ ما ذُكِرَ مِن زَبَدِ الماءِ في كَوْنِهِ رابِيًا فَوْقَهُ رُفِعَ ﴿ زَبَدٌ ﴾ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( مِمّا تُوقِدُونَ ) و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ دالَّةٌ عَلى مُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً وناشِئًا مِنهُ واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَها لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ ذَلِكَ الزَّبَدَ بَعْضُ ما يُوقَدُ عَلَيْهِ مِن تِلْكَ المَعادِنِ ولَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِإخْلالِهِ عَلى ما قالَ بِالتَّمْثِيلِ وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإخْراجِ ذَلِكَ مِنَ الأرْضِ كَما تَعَرَّضَ لِعُنْوانِ إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ لِعَدَمِ دَخْلِ ذَلِكَ العُنْوانِ في التَّمْثِيلِ عَلى ما سَتَعْلَمَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى كَما أنَّ لِلْعُنْوانِ السّابِقِ دَخْلًا فِيهِ بَلْ لَهُ إخْلالٌ بِذَلِكَ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ البَدِيعِ المُشْتَمِلِ عَلى نُكَتٍ رائِقَةٍ: ﴿ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ ﴾ أيْ مِثْلُ الحَقِّ ومِثْلُ الباطِلِ والحَذْفُ لِلْإبْناءِ عَلى كَمالِ التَّماثُلِ بَيْنَ المُمَثَّلِ والمُمَثَّلِ بِهِ كَأنَّ المَثَلَ المَضْرُوبَ عَيْنُ الحَقِّ والباطِلِ ﴿ فَأمّا الزَّبَدُ ﴾ مِن كُلٍّ مِنَ السَّيْلِ وما يُوقِدُونَ عَلَيْهِ وأُفْرِدَ ولَمْ يُثَنَّ وإنْ تَقَدَّمَ زَبَدانِ لِاشْتِراكِهِما في مُطْلَقِ الزَّبَدِ فَهُما واحِدٌ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ ﴿ فَيَذْهَبُ جُفاءً ﴾ مَرْمِيًّا بِهِ يُقالُ: جَفا الماءُ بِالزَّبَدِ إذا قَذَفَهُ ورَمى بِهِ ويُقالُ: أجْفَأ أيْضًا بِمَعْناهُ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جُفاءً أيْ مُتَفَرِّقًا مِن جَفَأتِ الرِّيحُ الغَيْمَ إذا قَطَّعَتْهُ وفَرَّقَتْهُ وجَفَأتُ الرَّجُلَ صَرَعْتُهُ ويُقالُ: جَفَأ الوادِي وأجْفَأ إذا نَشَفَ وقُرِئَ ( جُفالًا ) بِاللّامِ بَدَلَ الهَمْزَةِ وهو بِمَعْنى مُتَفَرِّقًا أيْضًا أخْذًا مِن جَفَلَتِ الرِّيحُ الغَيْمَ كَجَفَأتْ ونُسِبَتْ هَذِهِ القِراءَةُ إلى رُؤْبَةَ قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: ولا يُقْرَأُ بِقِراءَتِهِ لِأنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الفَأْرَ يَعْنِي أنَّهُ كانَ أعْرابِيًّا جافِيًا وعَنْهُ لا تُعْتَبَرُ قِراءَةُ الأعْرابِ في القُرْآنِ والنُّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ ﴿ وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ ﴾ أيْ مِنَ الماءِ الصّافِي الخالِصِ مِنَ الغُثاءِ والجَوْهَرِ المَعْدِنِيِّ الخالِصِ مِنَ الخَبَثِ ﴿ فَيَمْكُثُ ﴾ يَبْقى ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ أمّا الماءُ فَيَبْقى بَعْضُهُ في مَناقِعِهِ ويَسْلُكُ بَعْضُهُ في عُرُوقِ الأرْضِ إلى العُيُونِ ونَحْوِها وأمّا الجَوْهَرُ المَعْدِنِيُّ فَيُصاغُ مِن بَعْضِهِ أنْواعُ الحُلِيِّ ويُتَّخَذُ مِن بَعْضِهِ أصْنافُ الآلاتِ والأدَواتِ فَيُنْتَفَعُ بِكُلٍّ مِن ذَلِكَ أنْواعُ الِانْتِفاعاتِ مُدَّةً طَوِيلَةً فالمُرادُ بِالمُكْثِ في الأرْضِ ما هو أعَمُّ مِنَ المُكْثِ في نَفْسِها ومِنَ البَقاءِ في أيْدِي المُتَقَلِّبِينَ فِيها وتَغْيِيرُ تَرْتِيبِ اللَّفِّ الواقِعِ في الفَذْلَكَةِ المُوافِقُ لِلتَّرْتِيبِ الواقِعِ في التَّمْثِيلِ قِيلَ لِمُراعاةِ المُلاءَمَةِ بَيْنَ حالَتَيِ الذَّهابِ والبَقاءِ وبَيْنَ ذِكْرِهِما فَإنَّ المُعْتَبَرَ إنَّما هو بَقاءُ الباقِي بَعْدَ ذَهابِ الذّاهِبِ لا قَبْلَهُ وقِيلَ: النُّكْتَةُ في تَقْدِيمِ الزَّبَدِ عَلى ما يَنْفَعُ أنَّ الزَّبَدَ هو الظّاهِرُ المَنظُورُ أوَّلًا وغَيْرَهُ باقٍ مُتَأخِّرٌ في الوُجُودِ لِاسْتِمْرارِهِ والآيَةُ مِنَ الجَمْعِ والتَّقْسِيمِ كَما لا يَخْفى.

وحاصِلُ الكَلامِ في الآيَتَيْنِ أنَّهُ تَعالى مَثَّلَ الحَقَّ وهو القُرْآنُ العَظِيمُ عِنْدَ الكَثِيرِ في فَيَضانِهِ مِن جَنابِ القُدُسِ عَلى قُلُوبٍ خالِيَةٍ عَنْهُ مُتَفاوِتَةِ الِاسْتِعْدادِ وفي جَرَيانِهِ عَلَيْها مُلاحَظَةً وحِفْظًا وعَلى الألْسِنَةِ مُذاكَرَةً وتِلاوَةً مَعَ كَوْنِهِ مُمِدًّا لِحَياتِها الرُّوحانِيَّةِ وما يَتْلُوها مِنَ المَلَكاتِ السُّنِّيَّةِ والأعْمالِ المُرْضِيَةِ بِالماءِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ السّائِلِ في أوْدِيَةٍ يابِسَةٍ لَمْ تَجْرِ عادَتُها سَيَلانًا مُقَدَّرًا بِمِقْدارٍ اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ في إحْياءِ الأرْضِ وما عَلَيْها الباقِي فِيها حَسْبَما يَدُورُ عَلَيْهِ مَنافِعُ النّاسِ وفي كَوْنِهِ حِلْيَةً تَتَحَلّى بِها النُّفُوسُ وتَصِلُ إلى البَهْجَةِ الأبَدِيَّةِ ومَتاعًا يَتَمَتَّعُ بِهِ في المَعاشِ والمَعادِ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ وسائِرِ الفِلِزّاتِ الَّتِي يُتَّخَذُ مِنها أنْواعُ الآلاتِ والأدَواتِ وتَبْقى مُنْتَفَعًا بِها مُدَّةً طَوِيلَةً ومَثَّلَ الباطِلَ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ الكَفَرَةُ لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ بِما يَظْهَرُ فِيهِما مِن غَيْرِ مُداخَلَةٍ لَهُ فِيهِما وإخْلالٍ بِصَفائِهِما مِنَ الزَّبَدِ الرّابِي فَوْقَهُما المُضْمَحِلِّ سَرِيعًا.

وصَحَّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  «إنَّ مَثَلَ ما بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ مَثَلُ غَيْثٍ أصابَ أرْضًا فَكانَتْ مِنها طائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الماءَ فانْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ وكانَ مِنها أجادِبُ اكْتَسَبَتِ الماءَ نَفَعَ اللَّهُ تَعالى بِها النّاسَ فَشَرِبُوا مِنها وسَقَوْا ورَعَوْا وأصابَ طائِفَةً مِنها أُخْرى إنَّما هي قِيعانُ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقِهَ في دِينِ اللَّهِ تَعالى ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ تَعالى الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: صَدْرُ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الكَفَرَةِ فَلَمّا فَرَغَ مِن ذَلِكَ جَعَلَهُ مِثالًا لِلْحَقِّ والباطِلِ والإيمانِ والكُفْرِ واليَقِينِ في الشَّرْعِ والشَّكِّ فِيهِ وكَأنَّهُ أرادَ بِعَطْفِ الإيمانِ وما بَعْدَهُ التَّفْسِيرَ لِلْمُرادِ بِالحَقِّ والباطِلِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جَعَلَ الزَّبَدَ إشارَةً إلى الشَّكِّ والخالِصَ مِنهُ إشارَةً إلى اليَقِينِ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ العَجِيبِ ﴿ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ ﴾ .

(17) .

في كُلِّ بابٍ إظْهارًا لِكَمالِ اللُّطْفِ والعِنايَةِ في الإرْشادِ وفِيهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ هَذا التَّمْثِيلِ وتَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ ﴾ إمّا بِاعْتِبارِ ابْتِناءِ هَذا عَلى التَّمْثِيلِ الأوَّلِ أوْ بِجَعْلِ ذَلِكَ إشارَةً إلَيْهِما جَمِيعًا.

<div class="verse-tafsir"

لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَهُۥ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفْتَدَوْا۟ بِهِۦٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ سُوٓءُ ٱلْحِسَابِ وَمَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ١٨

وبَعْدَ ما بَيَّنَ تَعالى شَأْنُهُ شَأْنَ كُلٍّ مِنَ الحَقِّ والباطِلِ حالًا ومَآلًا أكْمَلَ بَيانٍ شَرَعَ في بَيانِ حالِ أهْلِ كُلٍّ مِنهُما مَآلًا تَكْمِيلًا لِلدَّعْوَةِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ ﴾ إذْ دَعاهم إلى الحَقِّ بِفُنُونِ الدَّعْوَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ضَرْبُ الأمْثالِ فَإنَّ لَهُ لِما فِيهِ مِن تَصْوِيرِ المَعْقُولِ بِصُورَةِ المَحْسُوسِ تَأْثِيرًا بَلِيغًا في تَسْخِيرِ والنُّفُوسِ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الحُسْنى ﴾ أيِ المَثُوبَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ وعَنْ مُجاهِدٍ الحَياةُ الحُسْنى أيِ الطَّيِّبَةُ الَّتِي لا يَشُوبُها كَدَرٌ أصْلًا وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ جَزاءُ الكَلِمَةِ الحُسْنى وهي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما لا يَخْفى مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ ﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ﴾ سُبْحانَهُ وعانَدُوا الحَقَّ الجَلِيَّ ﴿ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ ﴾ مِن أصْنافِ الأمْوالِ ﴿ جَمِيعًا ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَشِذَّ مِنهُ شاذٌّ في أقْطارِها أوْ مَجْمُوعًا غَيْرَ مُتَفَرِّقٍ بِحَسَبِ الأزْمانِ ﴿ ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ ﴾ أيْ بِالمَذْكُورِ مِمّا في الأرْضِ ومِثْلِهِ مَعَهُ جَمِيعًا لِيَتَخَلَّصُوا عَمّا بِهِمْ وفِيهِ مِن تَهْوِيلِ ما يَلْقاهم ما لا يُحِيطُ بِهِ البَيانُ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرُهُ وهي عَلى ما قِيلَ واقِعَةٌ مَوْقِعَ السُّوأى المُقابَلَةِ لِلْحُسْنى الواقِعَةِ في القَرِينَةِ الأُولى فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولِلَّذِينِ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ السُّوأى وتُعَقِّبْ بِأنَّ الشَّرْطِيَّةَ وإنْ دَلَّتْ عَلى سُوءِ حالِهِمْ لَكِنَّها بِمَعْزِلٍ عَنِ القِيامِ مَقامَ لَفْظِ السُّوأى مَصْحُوبًا بِاللّامِ الجارَّةِ الدّاخِلَةِ عَلى المَوْصُولِ أوْ ضَمِيرِهِ وعَلَيْهِ يَدُورُ حُصُولُ المَرامِ فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ أنَّ الواقِعَ في تِلْكَ المُقابَلَةِ سُوءُ الحِسابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ﴾ وحَيْثُ كانَ اسْمُ الإشارَةِ الواقِعُ مُبْتَدَأً في هَذِهِ الجُمْلَةِ عِبارَةً عَنِ المَوْصُولِ الواقِعِ مُبْتَدَأً في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ كانَ خَبَرُهُ أعْنِي الجُمْلَةَ الظَّرْفِيَّةَ خَبَرًا عَنِ المَوْصُولِ في الحَقِيقَةِ ومُبَيِّنًا لِإبْهامِ مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنْهُ أوَّلًا ولِذَلِكَ تُرِكَ العَطْفُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَهم سُوءُ الحِسابِ وذَلِكَ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: ولِلَّذِينِ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ سُوءُ الحِسابِ مَعَ زِيادَةِ تَأْكِيدٍ فَتَمَّ حُسْنُ المُقابَلَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ واعْتُذِرَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ ﴿ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ واقِعٌ مَوْقِعَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّ رِعايَةَ حُسْنِ المُقابَلَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى ﴾ تَقْتَضِي أنْ يُقالَ: ولِلَّذِينِ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ السُّوأى ولا يَزْدادُ عَلى ذَلِكَ لَكِنَّهُ جِيءَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْ أنَّ لَهُمْ ﴾ ..

إلَخْ بَدَلَ ما ذُكِرَ ولَعَلَّ في كَلامِ الطَّيِّبِيِّ ما يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِذَلِكَ وإلى اعْتِبارِ السُّوأى في المُقابَلَةِ ذَهَبَ أيْضًا صاحِبُ الكَشْفِ قالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ لَوْ أنَّ لَهُمْ ﴾ في مُقابَلَةِ الحُسْنى بَدَلَ السُّوأى مَعَ زِيادَةِ تَصْوِيرٍ وتَحْسِيرٍ وأُوثِرَ الإجْمالُ في الأوَّلِ دَلالَةً عَلى أنَّ جَزاءَ المُسْتَجِيبِينَ لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ فَتَدَبَّرْ والمُرادُ بِسُوءِ الحِسابِ أيِ الحِسابُ السَّيِّئُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ والحَسَنِ أنْ يُحاسَبُوا بِذُنُوبِهِمْ كُلِّها لا يُغْفَرُ لَهم مِنها شَيْءٌ وهو المَعْنِيُّ بِالمُناقَشَةِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو أنْ يُحاسَبُوا فَلا تُقْبَلُ حَسَناتُهم ولا تُغْفَرُ سَيِّئاتُهم ﴿ ومَأْواهُمْ ﴾ أيْ مَرْجِعُهم ﴿ جَهَنَّمُ ﴾ بَيانٌ لِمُؤَدّى ما تَقَدَّمَ وفِيهِ نَوْعُ تَأْيِيدٍ لِتَفْسِيرِ الحُسْنى بِالجَنَّةِ ﴿ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ .

(18) .

أيِ المُسْتَقَرُّ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ مِهادُهم أوْ جَهَنَّمُ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ الحُسْنى ﴾ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ أيِ اسْتَجابُوا الِاسْتِجابَةَ الحُسْنى وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ لَوْ أنَّ لَهُمْ ﴾ ..

إلَخْ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما أُعِدَّ لِغَيْرِ المُسْتَجِيبِينَ مِنَ العَذابِ والمَعْنى كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ تَعالى الأمْثالَ لِلْمُؤْمِنِينَ المُسْتَجِيبِينَ والكافِرِينَ المُعانِدِينَ أيْ هُما مَثَلا الفَرِيقَيْنِ.

انْتَهى.

قالَ أبُو حَيّانَ: والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ أوْلى لِأنَّ فِيهِ ضَرْبَ الأمْثالِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِمِثْلِ هَذَيْنِ واللَّهُ تَعالى قَدْ ضَرَبَ أمْثالًا كَثِيرَةً في هَذَيْنِ وفي غَيْرِهِما ولِأنَّ فِيهِ ذِكْرَ ثَوابِ المُسْتَجِيبِينَ بِخِلافِ هَذا ولِأنَّ تَقْدِيرَ الِاسْتِجابَةِ الحُسْنى مُشْعِرٌ بِتَقْيِيدِ الِاسْتِجابَةِ ومُقابِلُها لَيْسَ نَفْيَ الِاسْتِجابَةِ مُطْلَقًا وإنَّما هُوَ نَفْيُ الِاسْتِجابَةِ الحُسْنى واللَّهُ تَعالى قَدْ نَفى الِاسْتِجابَةَ مُطْلَقًا ولِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ ﴿ لَوْ أنَّ لَهُمْ ﴾ ..

إلَخْ كَلامًا مُفَلَّتًا أوْ كالمُفَلَّتِ إذْ يَصِيرُ المَعْنى كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ لَوْ أنَّ لَهم ..

إلَخْ ولَوْ كانَ هُناكَ حَرْفٌ يَرْبِطُ لَوْ بِما قَبْلَها زالَ التَّفَلُّتُ وأيْضًا أنَّهُ يُوهِمُ الِاشْتِراكَ في الضَّمِيرِ وإنْ كانَ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالكافِرِينَ مَعْلُومًا: وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا كَلامَ في أوْلَوِيَّةِ التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لَكِنَّ كَوْنَ ما ذُكِرَ وجْهًا لَها مَحَلُّ كَلامٍ إذْ لا مُقْتَضى في التَّفْسِيرِ الثّانِي لِتَقْيِيدٍ الأمْثالِ عُمُومًا بِمِثْلِ هَذَيْنِ ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ( كَذَلِكَ ) ثُمَّ إنَّ فِيهِ تَفْهِيمَ ثَوابِ المُسْتَجِيبِينَ أيْضًا ألا يُرى إلى القَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ الظَّرْفِ وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحُسْنى ﴾ صِفَةٌ كاشِفَةٌ لا مَفْهُومَ لَها فَإنَّ الِاسْتِجابَةَ لِلَّهِ تَعالى لا تَكُونُ إلّا حُسْنى وكَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَوْ أنَّ لَهُمْ ﴾ ..

إلَخْ مُفَلَّتًا وقَدْ قالُوا: إنَّهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ حالِ المُسْتَجِيبِينَ يَعْنُونَ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابٌ لِلسُّؤالِ عَنْ مَآلِ حالِهِمْ ثُمَّ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ الِاشْتِراكُ مَعَ كَوْنِ تَخْصِيصِهِ بِالكافِرِينَ مَعْلُومًا.

انْتَهى.

قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ما ذُكِرَ مُتَوَجِّهٌ بِحَسَبِ بادِئِ الرَّأْيِ والنَّظْرَةِ الأُولى أمّا إذا نُظِرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ ذاكَ أوْلى وأقْوى عُلِمَ أنَّ ما قالَهُ أبُو حَيّانَ وارِدٌ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ هَذا شَأْنُهُ وعادَتُهُ عَزَّ شَأْنُهُ في ضَرْبِ الأمْثالِ فَيَقْتَضِي أنَّ ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ القُرْآنِيَّةُ مُقَيَّدٌ بِهَؤُلاءِ ولَيْسَ كَذَلِكَ وما ذَكَرَهُ المُتَعَقِّبُ ولَوْ سُلِّمَ فَهو خِلافُ الظّاهِرِ وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ المُسْتَجِيبِينَ مَعْلُومٌ مِمّا ذَكَرَهُ فَفَرْقٌ بَيْنَ العِلْمِ ضِمْنًا والعِلْمِ صَراحَةً وأمّا أنَّ الصِّفَةَ مُؤَكِّدَةٌ أوْ لا مَفْهُومَ لَها فَخِلافُ الأصْلِ أيْضًا وكَوْنُ الجُمْلَةِ غَيْرَ مُرْتَبِطَةٍ بِما قَبْلَها ظاهِرٌ والسُّؤالُ عَنْ حالِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ مَعَ ذِكْرِهِما بَعْدَ نَقْلِ التَّفْسِيرِ الأخِيرِ وحَمْلِ الأمْثالِ فِيهِ عَلى الأمْثالِ السّابِقَةِ: وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ عُنْوانَ الِاسْتِجابَةِ وعَدَمَها لا مُناسَبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ التَّمْثِيلِ وأنَّ الِاسْتِعْمالَ المُسْتَفِيضَ دُخُولُ اللّامِ عَلى مَن يُقْصَدُ تَذْكِيرُهُ بِالمَثَلِ نَعَمْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في هَذا المَعْنى أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ ﴾ ونَظائِرِهِ عَلى أنَّ بَعْضَ الأمْثالِ المَضْرُوبَةِ لا سِيَّما المَثَلَ الأخِيرَ المَوْصُولَ بِالكَلامِ لَيْسَ مَثَلَ الفَرِيقَيْنِ بَلْ مَثَلٌ لِلْحَقِّ والباطِلِ ولا مَساغَ لِجَعْلِ الفَرِيقَيْنِ مَضْرُوبًا لَهم أيْضًا بِأنْ يُجْعَلَ في حُكْمِ أنْ يُقالَ: كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ إذْ لا وجْهَ حِينَئِذٍ لِتَنْوِيعِهِمْ إلى المُسْتَجِيبِينَ وغَيْرِ المُسْتَجِيبِينَ ويُؤَيِّدُ هَذا ما في الكَشْفِ حَيْثُ قالَ: إنَّ جَعْلَ ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴾ مِن تَتِمَّةِ الأمْثالِ لا مِن صِلَةِ يَضْرِبُ مُتَكَلَّفٌ لِأنَّهُما مَثَلا الحَقِّ والباطِلِ بِالأصالَةِ ومِن صِلَةِ يَضْرِبُ أبْعَدُ لِأنَّ الأمْثالَ إنَّما ضُرِبَتْ لِمَن يَعْقِلُ.

ثُمَّ إنَّ كَوْنَ المُرادِ بِالأمْثالِ الأمْثالَ السّابِقَةَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ كانَ أمْثالًا والمَشْهُورُ أنَّهُ مَثَلانِ نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هَذِهِ ثَلاثَةُ أمْثالٍ ضَرَبَها اللَّهُ تَعالى في مَثَلٍ واحِدٍ وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ لا شَكَّ في سَلامَةِ التَّفْسِيرِ الأوَّلِ مِنَ القِيلِ والقالِ وأنَّهُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ النَّظْمُ الجَلِيلُ لِأنَّ تَمامَ حُسْنِ الفاصِلَةِ أنْ تَكُونَ كاسْمِها ولِهَذا انْحَطَّ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: .

ألا أيُّها اللَّيْلُ الطَّوِيلُ ألا انْجَلِي بِصُبْحٍ وما الإصْباحُ مِنكَ بِأمْثَلِ عَنْ قَوْلِ المُتَنَبِّي: إذا كانَ مَدْحًا فالنَّسِيبُ المُقَدَّمُ ∗∗∗ أكُلُّ فَصِيحٍ قالَ شِعْرًا مُتَيَّمُ وهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ السَّلَفُ مِنَ الآيَةِ ومِن هُنا كانَ أكْثَرُ الشُّيُوخِ يَقِفُونَ عَلى الأمْثالِ ويُتَبَدَّءُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴾ وقالَ صاحِبُ المُرْشِدِ: إنَّهُ وقْفٌ تامٌّ والوَقْفُ عَلى ﴿ الحُسْنى ﴾ حَسَنٌ وكَذا عَلى ﴿ لافْتَدَوْا بِهِ ﴾ والعَجَبُ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ كَيْفَ اخْتارَ خِلافَ ذَلِكَ مَعَ وُضُوحِهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

* * * ( ومِن بابِ الإشارَةِ ) .

﴿ المر ﴾ أيِ الذّاتُ الأحَدِيَّةُ واسْمُهُ العَلِيمُ واسْمُهُ الأعْظَمُ ومَظْهَرُهُ الَّذِي هو الرَّحْمَةُ ﴿ تِلْكَ آياتُ ﴾ عَلاماتُ ﴿ الكِتابِ ﴾ الجامِعِ الَّذِي هو الوُجُودُ المُطْلَقُ ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ﴾ أيْ بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ بَلْ بِعَمَدٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ وجَعَلَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ عِمادَها الإنْسانَ الكامِلَ وقِيلَ: النَّفْسُ المُجَرَّدَةُ الَّتِي تُحَرِّكُها بِواسِطَةِ النَّفْسِ المُنْطَبِقَةِ وهي قُوَّةٌ جُسْمانِيَّةٌ سارِيَةٌ في جَمِيعِ أجْزاءِ الفَلَكِ لا يَخْتَصُّ بِها جُزْءٌ دُونَ جُزْءٍ لِبَساطَتِهِ وهي بِمَنزِلَةِ الخَيالِ فِينا وفِيهِ ما فِيهِ وقِيلَ: رَفَعَ سَماواتِ الأرْواحِ بِلا مادَّةٍ تَعْمِدُها بَلْ مُجَرَّدَةٌ قائِمَةٌ بِنَفْسِها ﴿ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ بِالتَّأْثِيرِ والتَّقْوِيمِ وقِيلَ: عَرْشُ القَلْبِ بِالتَّجَلِّي ﴿ وسَخَّرَ الشَّمْسَ ﴾ شَمْسَ الرُّوحِ بِإدْراكِ المَعارِفِ الكُلِّيَّةِ واسْتِشْرافِ الأنْوارِ العالِيَةِ ﴿ والقَمَرَ ﴾ قَمَرَ القَلْبِ بِإدْراكِ ما في العالَمِينَ والِاسْتِمْدادِ مِن فَوْقَ ومِن تَحْتَ ثُمَّ قَبُولُ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ ﴿ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو كَمالُهُ بِحَسَبِ الفِطْرَةِ ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ في البِدايَةِ بِتَهْيِئَةِ الِاسْتِعْدادِ وتَرْتِيبِ المَبادِي ﴿ يُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ في النِّهايَةِ بِتَرْتِيبِ الكَمالاتِ والمَقاماتِ ﴿ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكُمْ ﴾ عِنْدَ مُشاهَدَةِ آياتِ التَّجَلِّياتِ ﴿ تُوقِنُونَ ﴾ عَيْنَ اليَقِينِ.

وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: يُدَبِّرُ الأمْرَ بِالقَضاءِ السّابِقِ ويُفَصِّلُ الآياتِ بِأحْكامِ الظّاهِرِ لَعَلَّكم تُوقِنُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى الَّذِي يُجْرِي تِلْكَ الأحْوالَ لا بُدَّ لَكم مِنَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ ﴾ أيْ أرْضَ قُلُوبِ أوْلِيائِهِ بِبَسْطِ أنْوارِ المُحِبَّةِ ﴿ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ المَعْرِفَةِ لِئَلّا تَتَزَلْزَلَ بِغَلَبَةِ هَيَجانِ المَواجِيدِ وجَعَلَ فِيها ( أنْهارًا ) مِن عُلُومِ الحَقائِقِ ﴿ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ وهي ثَمَراتُ أشْجارِ الحِكَمِ المُتَنَوِّعَةِ ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ﴾ تَجَلِّي الجَلالِ وتَجَلِّي الجَمالِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في آياتِ اللَّهِ تَعالى قالَ أبُو عُثْمانَ: الفِكْرُ إراحَةُ القَلْبِ مِن وساوِسَ التَّدْبِيرِ وقِيلَ: تَصْفِيَتُهُ لِوارِدِ الفَوائِدِ وقِيلَ: الإشارَةُ في ذَلِكَ إلى مَدِّ أرْضِ الجَسَدِ وجَعْلِ رَواسِي العِظامِ فِيها وأنْهارِ العُرُوقِ وثَمَراتِ الأخْلاقِ مِنَ الجُودِ والبُخْلِ والفُجُورِ والعِفَّةِ والجُبْنِ والشَّجاعَةِ والظُّلْمِ والعَدْلِ وأمْثالِها والسَّوادِ والبَياضِ والحَرارَةِ والبُرُودَةِ والمَلاسَةِ والخُشُونَةِ ونَحْوِها وتَغْشِيَةِ لَيْلِ ظُلْمَةِ الجُسْمانِيّاتِ نَهارَ الرُّوحانِيّاتِ وفي ذَلِكَ آياتٌ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وتَطابُقِ عالَمَيْهِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ ﴿ وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ﴾ فَقُلُوبُ المُحِبِّينَ مُجاوِرَةٌ لِقُلُوبِ المُشْتاقِينَ وهي لِقُلُوبِ العاشِقِينَ وهي لِقُلُوبِ الوالِهِينَ وهي لِقُلُوبِ الهائِمِينَ وهي لِقُلُوبِ العارِفِينَ وهي لِقُلُوبِ المُوَحِّدِينَ وقِيلَ: في أرْضِ القُلُوبِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ قِطَعُ النُّفُوسِ وقِطَعُ الأرْواحِ وقِطَعُ الأسْرارِ وقِطَعُ العُقُولِ والأُولى تُنْبِتُ شَوْكَ الشَّهَواتِ والثّانِيَةُ زَهْرَ المَعارِفِ والثّالِثَةُ نَباتَ كَواشِفِ الأنْوارِ والرّابِعَةُ أشْجارَ نُورِ العِلْمِ ( وفِيها جَنّاتٌ مِن أعْنابٍ ) أيْ أعْنابِ العِشْقِ ﴿ وزَرْعٌ ﴾ أيْ زَرْعِ دَقائِقِ المَعْرِفَةِ ﴿ ونَخِيلٌ ﴾ أيْ نَخْلِ الإيمانِ ﴿ صِنْوانٌ ﴾ في مَقامِ الفَرْقِ ﴿ وغَيْرُ صِنْوانٍ ﴾ في مَقامِ الجَمْعِ وقِيلَ: صِنْوانُ إيمانٍ مَعَ شُهُودٍ وغَيْرُ صِنْوانِ إيمانٍ بِدُونِهِ ﴿ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ﴾ وهو التَّجَلِّي الَّذِي يَقْتَضِيهِ الجُودُ المُطْلَقُ ﴿ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ ﴾ في الطَّعْمِ الرُّوحانِيِّ وقِيلَ: أُشِيرَ أيْضًا إلى أنَّ في أرْضِ الجَسَدِ قِطَعًا مُتَجاوِراتٍ مِنَ العَظْمِ واللَّحْمِ والشَّحْمِ والعَصَبِ وجَنّاتٍ مِن أشْجارِ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ والحَيَوانِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ مِن أعْنابِ القُوى الشَّهْوانِيَّةِ الَّتِي يُعْصَرُ مِنها هَوى النَّفْسِ والقُوى العَقْلِيَّةِ الَّتِي يُعْصَرُ مِنها خَمْرُ المَحَبَّةِ والعِشْقِ وزَرْعَ القُوى الإنْسانِيَّةِ ونَخِيلَ سائِرِ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ صِنْوانٌ كالعَيْنَيْنِ والأُذُنَيْنِ وغَيْرُ صِنْوانٍ كاللِّسانِ وآلَةِ الفِكْرِ والوَهْمِ ﴿ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ﴾ وهو ماءُ الحَياةِ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في أُكُلِ الإدْراكاتِ والمَلَكاتِ كَتَفْضِيلِ مُدْرَكاتِ العَقْلِ عَلى الحِسِّ والبَصَرِ عَلى اللَّمْسِ ومَلَكَةِ الحِكْمَةِ عَلى العِفَّةِ وهَكَذا ﴿ وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ﴾ بَعْدَ ظُهُورِ الآياتِ ﴿ أإذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ القادِرَ عَلى ذَلِكَ قادِرٌ عَلى أنْ يَحْيِيَ المَوْتى.

وقِيلَ: إنَّ مَنشَأ التَّعَجُّبِ أنَّهم أنْكَرُوا الخَلْقَ الجَدِيدَ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ أنَّ الإنْسانَ في كُلِّ ساعَةٍ في خَلْقٍ آخَرَ جَدِيدٍ بَلِ العالَمُ بِأسْرِهِ في كُلِّ لَحْظَةٍ يَتَجَدَّدُ بِتَبَدُّلِ الهَيْئاتِ والأحْوالِ والأوْضاعِ والصُّوَرِ وإلى كَوْنِ العالَمِ كُلَّ لَحْظَةٍ في خَلْقٍ جَدِيدٍ ذَهَبَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ فَعِنْدَهُ الجَوْهَرُ وكَذا العَرَضُ لا يَبْقى زَمانَيْنِ كَما أنَّ العَرَضَ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ كَذَلِكَ وهَذا عِنْدَ الشَّيْخِ قُدِّسَ سِرُّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الجَواهِرَ والأعْراضَ كُلَّها شُؤُونُهُ تَعالى عَمّا يَقُولُهُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا وهو سُبْحانَهُ كُلَّ يَوْمٍ أيَّ وقْتٍ في شَأْنٍ وأكْثَرُ النّاسِ يُنْكِرُونَ عَلى الأشْعَرِيِّ قَوْلَهُ بِتَجَدُّدِ الأعْراضِ والشَّيْخُ قُدِّسَ سِرُّهُ زادَ في الشَّطْرَنْجِ جُمَلًا ولا يَكادُ يُدْرَكُ ما يَقُولُهُ بِالدَّلِيلِ بَلْ هو مَوْقُوفٌ عَلى الكَشْفِ والشُّهُودِ وقَدِ اغْتَرَّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ بِظاهِرِ كَلامِهِ فاعْتَقَدُوهُ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ فَضَّلُوا وأضَلُّوا ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ﴾ فَلَمْ يَعْرِفُوا عَظَمَتَهُ سُبْحانَهُ ﴿ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ ﴾ فَلا يَقْدِرُونَ أنْ يَرْفَعُوا رُؤُوسَهُمُ المُنْتَكِسَةَ إلى النَّظَرِ في الآياتِ ﴿ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ لِعِظَمِ ما أتَوْا بِهِ ﴿ ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ﴾ بِمُناسَبَةِ اسْتِعْدادِهِمْ لِلشَّرِّ ﴿ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ ﴾ عُقُوبَةُ أمْثالِهِمْ ﴿ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ﴾ أنْفُسَهم بِاكْتِسابِ الأُمُورِ الحاجِبَةِ لَهم عَنِ النُّورِ ولَمْ تَرْسُخْ فِيهِمْ ﴿ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ ﴾ لِمَن رَسَخَتْ فِيهِ ﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ لِعَمى بَصائِرِهِمْ عَنْ مُشاهَدَةِ الآياتِ الشّاهِدَةِ بِالنُّبُوَّةِ ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ﴾ تَشْهَدُ لَهُ  بِذَلِكَ ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ﴾ ما عَلَيْكَ إلّا إنْذارُهم لا هِدايَتُهم ﴿ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ﴾ هو اللَّهُ تَعالى وقِيلَ: لِكُلِّ طائِفَةٍ شَيْخٌ يُعَرِّفُهم طَرِيقَ الحَقِّ ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ﴾ فَيَعْلَمُ ما تَحْمِلُ أُنْثى النَّفْسِ مِن ولَدِ الكَمالِ أيْ ما في قُوَّةِ كُلِّ اسْتِعْدادٍ ﴿ وما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ أيْ تَنْقُصُ أرْحامُ الِاسْتِعْدادِ بِتَرْكِ النَّفْسِ وهَواها ﴿ وما تَزْدادُ ﴾ بِالتَّزْكِيَةِ وبَرَكَةِ الصُّحْبَةِ ﴿ وكُلُّ شَيْءٍ ﴾ مِنَ الكَمالاتِ ﴿ عِنْدَهُ ﴾ سُبْحانَهُ ﴿ بِمِقْدارٍ ﴾ مُعَيَّنٍ عَلى حَسَبِ القابِلِيَّةِ ﴿ سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ﴾ في مَكْمَنِ اسْتِعْدادِهِ ﴿ ومَن جَهَرَ بِهِ ﴾ بِإبْرازِهِ إلى الفِعْلِ ﴿ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ ﴾ ظَلَمَةِ ظُلْمِهِ نَفْسَهُ ﴿ وسارِبٌ بِالنَّهارِ ﴾ بِخُرُوجِهِ مِن مَقامِ النَّفْسِ وذَهابِهِ في نَهارِ نُورِ الرُّوحِ ﴿ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ إشارَةٌ إلى سَوابِقِ الرَّحْمَةِ الحافِظَةِ لَهُ مِن خاطِفاتِ الغَضَبِ أوِ الإمْداداتِ المَلَكُوتِيَّةِ الحافِظَةِ لَهُ مِن جِنِّ القُوى الخَيالِيَّةِ والوَهْمِيَّةِ والسَّبُعِيَّةِ والبَهِيمِيَّةِ وإهْلاكِها إيّاهُ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ ﴾ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ أوِ الباطِنَةِ ﴿ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ ﴾ مِنَ الِاسْتِعْدادِ وقُوَّةِ القَبُولِ قالَ النَّصْرُ آبادِي: إنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ لَكِنَّ مُناقَشَةَ الخَواصِّ فَوْقَ مُناقَشَةِ العَوامِّ وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهُ قالَ: إنَّ الفَأْرَةَ مَزَّقَتْ خُفِّيَ وما أعْلَمُ ذَلِكَ إلّا بِذَنْبٍ أحْدَثْتُهُ وإلّا لَما سَلَّطَها عَلَيَّ وتَمَثَّلَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: .

لَوْ كُنْتُ مِن مازِنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلِي بَنُو اللَّقِيطَةِ مُنْ ذُهَلَ بْنِ شَيْبانا ﴿ وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ ﴾ إذِ الكُلُّ تَحْتَ قَهْرِهِ سُبْحانَهُ قالَ القاسِمُ: إذا أرادَ اللَّهُ تَعالى هَلاكَ قَوْمٍ حَسَّنَ مَوارِدَهُ في أعْيُنِهِمْ حَتّى يَمْشُونَ إلَيْها بِتَدْبِيرِهِمْ وأرْجُلِهِمْ ولِلَّهِ تَعالى دُرُّ مَن قالَ: .

إذا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللَّهِ لِلْفَتى ∗∗∗ فَأوَّلُ ما يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهادُهُ ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ ﴾ أيْ بَرْقَ لَوامِعِ الأنْوارِ القُدُسِيَّةِ ﴿ خَوْفًا ﴾ خائِفِينَ مِن سُرْعَةِ انْقِضائِهِ أوْ بُطْءِ رُجُوعِهِ ﴿ وطَمَعًا ﴾ طامِعِينَ في ثَباتِهِ أوْ سُرْعَةِ رُجُوعِهِ ﴿ ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ﴾ بِماءِ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ وقِيلَ: يُرِي المُحِبِّينَ بَرْقَ المُكاشَفَةِ ويُنْشِئُ لِلْعارِفِينَ سَحابَ العَظَمَةِ الثِّقالَ بِماءِ الهَيْبَةِ فَيُمْطِرُ عَلَيْهِمْ ما يُحْيِيهِمْ بِهِ الحَياةَ الَّتِي لا تُشْبِهُها حَياةٌ وأنْشَدُوا لِلشِّبْلِيِّ: .

أظَلَّتْ عَلَيْنا مِنكَ يَوْمًا غَمامَةٌ ∗∗∗ أضاءَتْ لَنا بَرْقًا وأبْطَأ رَشاشُها فَلا غَيْمُها يَصْحُو فَيَيْأسُ طامِعٌ ∗∗∗ ولا غَيْثُها يَأْتِي فَيُرْوى عِطاشُها وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ البَرْقَ إشارَةٌ إلى التَّجَلِّياتِ البَرْقِيَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ لِأرْبابِ الأحْوالِ وأشْهَرُ التَّجَلِّياتِ في تَشْبِيهِهِ بِالبَرْقِ التَّجَلِّي الذّاتِيُّ وأنْشَدُوا: .

ما كانَ ما أوْلَيْتَ مِن وصْلِنا ∗∗∗ إلّا سِراجًا لاحَ ثُمَّ انْطَفى وذَكَرَ الإمامُ الرَّبّانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في المَكْتُوباتِ أنَّ التَّجَلِّيَ الذّاتِيَّ دائِمِيٌّ لِلْكامِلِينَ مِن أهْلِ الطَّرِيقَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ لا بَرْقِيٌّ وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ مُخالِفًا لِكِبارِ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ كالشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ وغَيْرِهِ والحَقُّ أنَّ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّجَلِّي الذّاتِيِّ لَيْسَ هو الَّذِي ذَكَرُوا أنَّهُ بَرْقِيٌّ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كَلامَهُ وكَلامَهم ﴿ ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ ﴾ أيْ رَعْدُ سَطْوَةِ التَّجَلِّياتِ الجَلالِيَّةِ ويُمَجِّدُ اللَّهَ تَعالى عَمّا يَتَصَوَّرُهُ العَقْلُ مُلْتَبِسًا ﴿ بِحَمْدِهِ ﴾ وإثْباتِ ما يَنْبَغِي لَهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿ والمَلائِكَةُ ﴾ وتُسَبِّحُ المَلائِكَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةُ ﴿ مِن خِيفَتِهِ ﴾ مِن هَيْبَةِ جَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ ﴿ ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ ﴾ هي صَواعِقُ السُّبُحاتِ الإلَهِيَّةِ عِنْدَ تَجَلِّي القَهْرِ الحَقِيقِيِّ المُتَضَمِّنِ لِلُّطْفِ الكُلِّيِّ ﴿ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ ﴾ فَيَحْرُقُهُ عَنْ بَقِيَّةِ نَفْسِهِ وفي الخَبَرِ إنَّ لِلَّهِ تَعالى سَبْعِينَ ألْفَ حِجابٍ مِن نُورٍ وظُلْمَةٍ لَوْ كَشَفَها لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ وقالَ ابْنُ الزِّنْجانِيِّ: الرَّعْدُ صَعَقاتُ المَلائِكَةِ والبَرْقُ ذَفِراتُ أفْئِدَتِهِمْ والمَطَرُ بُكاؤُهم وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا مِن بِدَعِ المُتَصَوِّفَةِ وكَأنِّي بِكَ تَقُولُ: إنَّ أكْثَرَ ما ذُكِرَ في بابِ الإشارَةِ مِن هَذا الكِتابِ مِن هَذا القَبِيلِ والجَوابُ إنّا لا نَدَّعِي إلّا الإشارَةَ وأمّا أنَّ ذَلِكَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ أوْ مُرادُ اللَّهِ تَعالى فَمَعاذَ اللَّهِ تَعالى مِن أنْ يَمُرَّ بِفِكْرِي واعْتِقادُ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ والجَهْلُ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ مَزِيدٌ وقَدْ نَصَّ المُحَقِّقُونَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ عَلى أنَّ مُعْتَقِدَ ذَلِكَ كافِرٌ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى ولَعَلَّكَ تَقُولُ: كانَ الأوْلى مَعَ هَذا تَرْكَ ذَلِكَ فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرَ مِثْلَهُ مَن هو خَيْرٌ مِنّا والوَجْهُ في ذِكْرِهِ غَيْرُ خَفِيٍّ عَلَيْكَ لَوْ أنْصَفْتَ ﴿ وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ ﴾ بِالتَّفَكُّرِ في ذاتِهِ والنَّظَرِ لِلْوُقُوفِ عَلى حَقِيقَةِ صِفاتِهِ ﴿ وهُوَ ﴾ سُبْحانَهُ ﴿ شَدِيدُ المِحالِ ﴾ في دَفْعِ الأفْكارِ والأنْظارِ عَنْ حَرَمِ ذاتِهِ وحِمى صِفاتِهِ جَلَّ جَلالُهُ: .

هَيْهاتَ أنْ تَصْطادَ عَنْقاءَ البَقا بِلُعابِهِنَّ عَناكِبُ الأفْكارِ ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ ﴾ أيِ الحَقَّةُ الحَقِيقَةُ بِالإجابَةِ لا لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ ﴿ والَّذِينَ يَدْعُونَ ﴾ الأصْنامَ ﴿ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ ﴾ أيْ إلّا اسْتِجابَةً كاسْتِجابَةِ مَن ذُكِرَ لِأنَّ ما يَدْعُونَهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ القُدْرَةِ ﴿ وما دُعاءُ الكافِرِينَ ﴾ المَحْجُوبِينَ ﴿ إلا في ضَلالٍ ﴾ أيْ ضَياعٍ لِأنَّهم لا يَدْعُونَ إلّا لَهُ الحَقُّ وإنَّما يَدْعُونَ إلَهًا تَوَهَّمُوهُ ونَحَتُوهُ في خَيالِهِمْ ﴿ ولِلَّهِ يَسْجُدُ ﴾ يَنْقادُ ﴿ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مِنَ الحَقائِقِ والرُّوحانِيّاتِ ﴿ طَوْعًا وكَرْهًا ﴾ شاؤُوا أوْ أبَوْا ﴿ وظِلالُهُمْ ﴾ هَياكِلُهم ﴿ بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ أيْ دائِمًا وقِيلَ: يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ وهو الرُّوحُ والعَقْلُ والقَلْبُ وسُجُودُهم طَوْعًا ومَن في الأرْضِ النَّفْسُ وقُواها وسُجُودُهم كَرْهًا وقِيلَ: السّاجِدُونَ طَوْعًا أهْلُ الكَشْفِ والشُّهُودُ والسّاجِدُونَ كَرْهًا أهْلُ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ﴾ مِن سَماءِ رُوحِ القُدُسِ ﴿ ماءً ﴾ أيْ ماءَ العِلْمِ فَسالَتْ أوْدِيَةٌ أيْ أوْدِيَةُ القُلُوبِ ﴿ بِقَدَرِها ﴾ بِقَدَرِ اسْتِعْدادِها ﴿ فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا ﴾ مِن خَبَثِ صِفاتِ أرْضِ النَّفْسِ ﴿ رابِيًا ﴾ طافِيًا عَلى ذَلِكَ ﴿ ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ﴾ نارِ العِشْقِ مِنَ المَعارِفِ والكُشُوفِ والحَقائِقِ والمَعانِي الَّتِي تُهَيِّجُ العِشْقَ ﴿ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ ﴾ طَلَبَ زِينَةِ النَّفْسِ لِكَوْنِها كَمالاتٍ لَها ﴿ أوْ مَتاعٍ ﴾ مِنَ الفَضائِلِ الخُلُقِيَّةِ الَّتِي تَحْصُلُ بِسَبَبِها فَإنَّها مِمّا تَتَمَتَّعُ بِهِ النَّفْسُ ما ﴿ زَبَدٌ ﴾ خَبَثٌ ﴿ مِثْلُهُ ﴾ كالنَّظَرِ إلَيْها ورُؤْيَتِها والإعْجابِ بِها وسائِرُ ما يُعَدُّ مِن آفاتِ النَّفْسِ ﴿ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ﴾ مَنفِيًّا بِالعِلْمِ ﴿ وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ ﴾ مِنَ المَعانِي الحَقَّةِ والفَضائِلِ الخالِصَةِ ﴿ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ ﴾ أرْضِ النَّفْسِ وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ تَعالى شَبَّهَ ما يَنْزِلُ مِن مِياهِ بِحارِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأسْمائِهِ وأفْعالِهِ إلى قُلُوبِ المُوَحِّدِينَ والعارِفِينَ والمُكاشِفِينَ والمُرِيدِينَ بِما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ إلى الأوْدِيَةِ فَكَما تَحْمِلُ الأوْدِيَةُ حَسَبَ اخْتِلافِها ماءَ المَطَرِ تَحْمِلُ تِلْكَ القُلُوبُ مِياهَ هاتِيكِ البِحارِ حَسَبَ اخْتِلافِ حَواصِلِها وأقارِّ اسْتِعْداداتِها في المَحَبَّةِ والمَعْرِفَةِ والتَّوْحِيدِ وكَما أنَّ قَطَراتِ الأمْطارِ تَكُونُ في الأوْدِيَةِ سَيْلًا فَيَحْتَمِلُ السَّيْلُ زَبَدًا وحُثالَةً وما يَكُونُ مانِعًا مِنَ الجَرَيانِ يَكُونُ تَواتُرُ أنْوارِ الحَقِّ سُبْحانَهُ سَيْلَ المَعارِفِ والكُشُوفاتِ فَيَسِيلُ في أوْدِيَةِ القُلُوبِ فَيَحْتَمِلُ مِن أوْصافِ البَشَرِيَّةِ وما دُونَ الحَقِّ الَّذِي يَمْنَعُ القُلُوبَ مِن رُؤْيَةِ الغُيُوبِ ما يَحْتَمِلُهُ فَيَذْهَبُ جُفاءً فَتَصِيرُ حِينَئِذٍ مُقَدَّسَةً عَنْ زَبَدِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ والنِّفاقِ والخَواطِرِ المَذْمُومَةِ وتَبْقى سائِحَةً في أنْوارِ الأزَلِ والأبَدِ بِلا مانِعٍ مِنَ العَرْشِ إلى الثَّرى وشَبَّهَ سُبْحانَهُ أعْمالَ الظّاهِرِ والباطِنِ وما يَنْفَتِحُ بِمَفاتِيحِها مِنَ الغَيْبِ بِجَواهِرِ الأرْضِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِهِما إذا أُذِيبا لِلِانْتِفاعِ بِهِما وبَيَّنَ تَعالى أنَّ لَهُما زَبَدًا مِثْلَ زَبَدِ السَّيْلِ وأنَّهُ يَذْهَبُ ويَمْكُثُ أصْلُهُما الصّافِي فَكَذَلِكَ أعْمالُ الظّاهِرِ والباطِنِ تَدْخُلُ في بُودَقَةِ الإخْلاصِ ويُوقَدُ عَلَيْهِما نِيرانُ الِامْتِحانِ فَيَذْهَبُ ما فِيهِ حَظُّ النَّفْسِ ويَبْقى ما هو خالِصٌ لِلَّهِ تَعالى وهَكَذا الخَواطِرُ يَبْقى مِنها خاطِرُ الحَقِّ ويَضْمَحِلُّ سَرِيعًا خاطِرُ الباطِلِ وعَنْ بَعْضِهِمُ القُلُوبُ أوْعِيَةٌ وفِيها أوْدِيَةٌ فَقَلْبٌ يَسِيلُ فِيهِ ماءُ التَّوْبَةِ وقَلْبٌ يَسِيلُ فِيهِ ماءُ الرَّحْمَةِ وقَلْبٌ يَسِيلُ فِيهِ ماءُ الخَوْفِ وقَلْبٌ يَسِيلُ فِيهِ ماءُ الرَّجاءِ وقَلْبٌ يَسِيلُ فِيهِ ماءُ المَعْرِفَةِ وقَلْبٌ يَسِيلُ فِيهِ ماءُ الأُنْسِ وكُلُّ ماءٍ مِن هَذِهِ المِياهِ يُنْبِتُ في القَلْبِ نَوْعًا مِنَ القُرْبَةِ والقُرَبُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومِنَ القُلُوبِ ما حُرِمَ ذَلِكَ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ ..

إلَخْ يُرِيدُ بِالماءِ الشَّرْعَ والدِّينَ وبِالأوْدِيَةِ القُلُوبَ ومَعْنى سَيَلانِها بِقَدَرِها أخْذُ النَّبِيلِ بِحَظِّهِ والبَلِيدِ بِحَظِّهِ ثُمَّ قالَ: وهَذا قَوْلًا لا يَصِحُّ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ عَنِابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّهُ يَنْحُو إلى قَوْلِ أصْحابِ الرُّمُوزِ قَدْ تَمَسَّكَ بِهِ الغَزالِيُّ وأهْلُ ذَلِكَ الطَّرِيقِ وفِيهِ إخْراجُ اللَّفْظِ عَنْ مَفْهُومِ كَلامِ العَرَبِ بِغَيْرِ داعٍ إلى ذَلِكَ وإنَّ صَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَيُقالُ فِيهِ: إنَّما قَصَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ ﴾ مَعْناهُ الحَقُّ الَّذِي يَتَقَرَّرُ في القُلُوبِ والباطِلُ الَّذِي يَعْتَرِيها.

اهَـ.

ونَحْنُ نَقُولُ: إنْ صَحَّ ذَلِكَ فَمَقْصُودُ الحَبْرِ مِنهُ الإشارَةُ وإنْ كانَ يُرِيدُ غَيْرَ ظاهِرٍ فِيهِ وحُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أشَدُّ النّاسِ عَلى أهْلِ الرُّمُوزِ القائِلِينَ بِأنَّ الظّاهِرَ لَيْسَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى كَما لا يَخْفى عَلى مُتَتَبِّعِي كَلامِهِ وسَمِعْتُ مِن بَعْضِ النّاسِ أنَّ أهْلَ الكِيمْياءِ تَكَلَّمُوا في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما يُوافِقُ غَرَضَهم ولَمْ أقِفْ عَلى ذَلِكَ ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ ﴾ بِتَصْفِيَةِ الِاسْتِعْدادِ عَنْ كُدُوراتِ صِفاتِ النَّفْسِ ﴿ الحُسْنى ﴾ المَثُوبَةُ الحُسْنى وهو الكَمالُ الفائِضُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الصَّفاءِ ﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ﴾ تَعالى وبَقُوا فِي الرَّذائِلِ البَشَرِيَّةِ والكُدُوراتِ الطَّبِيعِيَّةِ ﴿ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ ﴾ الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ مِنَ الأمْوالِ والأسْبابِ الَّتِي انْجَذَبُوا إلَيْها بِالمَحَبَّةِ فَأهْلَكُوا أنْفُسَهم بِها ﴿ ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ ﴾ مِمّا يَنالُهم مِنَ الحِجابِ والحِرْمانِ ﴿ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ﴾ لِوُقُوفِهِمْ مَعَ الأفْعالِ في مَقامِ النَّفْسِ ﴿ ومَأْواهم جَهَنَّمُ ﴾ الحِرْمانُ ﴿ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ جَهَنَّمُ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى ونَسْألُهُ العَفُوَّ والعافِيَةَ <div class="verse-tafsir"

۞ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰٓ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ ١٩

﴿ أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ مِنَ القُرْآنِ الَّذِي مُثِّلَ بِالماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ والإبْرِيزِ الخالِصِ في المَنفَعَةِ والجَدْوى هو ﴿ الحَقُّ ﴾ الَّذِي لا حَقَّ وراءَهُ أوِ الحَقُّ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِالأمْثالِ المَضْرُوبَةِ فَيَسْتَجِيبُ لَهُ ﴿ كَمَن هو أعْمى ﴾ عَمى القَلْبِ لا يُدْرِكُهُ ولا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ وهو هو فَيَبْقى حائِرًا في ظُلُماتِ الجَهْلِ وغَياهِبِ الضَّلالِ ولا يَتَذَكَّرُ بِما ضُرِبَ مِنَ الأمْثالِ والمُرادُ كَمَن لا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ أُرِيدَ زِيادَةُ تَقْبِيحِ حالِهِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالأعْمى والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ وإيرادُ الفاءِ بَعْدَها لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى تَرَتُّبِ تَوَهُّمِ المُماثَلَةِ عَلى ظُهُورِ حالِ كُلٍّ مِنهُما بِما ضُرِبَ مِنَ الأمْثالِ وما بُيِّنَ مِنَ المَصِيرِ والمَآلِ كَأنَّهُ قِيلَ: أبَعْدَ ما بَيَّنَ حالَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ وما لَهُما يُتَوَهَّمُ المُماثَلَةُ بَيْنَهُما.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( أوَمَن يَعْلَمُ ) بِالواوِ مَكانَ الفاءِ ﴿ إنَّما يَتَذَكَّرُ ﴾ بِما ذُكِرَ مِنَ المُذَكِّراتِ فَيَقِفُ عَلى ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ والتَّنائِي ﴿ أُولُو الألْبابِ ﴾ .

(19) .

أيِ العُقُولِ الخالِصَةِ المُبَرَّأةِ مِن مُتابَعَةِ الإلْفِ ومُعارَضَةِ الوَهْمِ فاللُّبُّ أخَصُّ مِنَ العَقْلِ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الرّاغِبُ وقِيلَ: هُما مُتَرادِفانِ والقَصْدُ بِما ذُكِرَ دَفْعُ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ الكُفّارَ عُقَلاءُ مَعَ أنَّهم غَيْرُ مُتَذَكِّرِينَ ولَوْ نُزِّلُوا مْنْزِلَةَ المَجانِينِ حَسُنَ ذَلِكَ.

والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأبِي جَهْلٍ وقِيلَ: في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأبِي جَهْلٍ وقِيلَ: في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأبِي جَهْلٍ وقَدْ أشَرْنا إلى وجْهِ اتِّصالِها بِما قَبْلَها والعَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ بَعْدَ أنْ قَرَّرَ وجْهَ الِاتِّصالِ بِأنَّ ( فَمَن يَعْلَمُ ) عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴾ ..

إلَخْ والهَمْزَةُ مُقْحَمَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وذَكَرَ مِن مَعْنى الآيَةِ عَلى ذَلِكَ ما ذَكَرَ قالَ: ثُمَّ إنَّكَ إذا أمْعَنْتَ النَّظَرَ وجَدْتَها مُتَّصِلَةً بِفاتِحَةِ السُّورَةِ يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ وهو كَما تَرى <div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ ٢٠

﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ بِما عَقَدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الِاعْتِرافِ بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعالى حِينَ قالُوا: بَلى أوْ بِما عَهِدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِ مِنَ الأحْكامِ فالمُرادُ بِهِمْ ما يَشْمَلُ جَمِيعَ الأُمَمِ وإضافَةُ العَهْدِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ومِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ عَلى الثّانِي وإذا أُرِيدَ بِالعَهْدِ ما عَقَدَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ يَوْمَ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ كانَتِ الإضافَةُ مُطْلَقًا مِن بابِ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ وهو الظّاهِرُ كَما في البَحْرِ وحُكِيَ حَمْلُ العَهْدِ عَلى عَهْدِ ﴿ ألَسْتُ ﴾ عَنْ قَتادَةَ وحَمْلُهُ عَلى ما عُهِدَ في الكُتُبِ عَنْ بَعْضِهِمْ ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ حَمْلُهُ عَلى ما عُهِدَ إلَيْهِمْ في القُرْآنِ وعَنِ القَفّالِ حَمْلُهُ عَلى ما في جِبِلَّتِهِمْ وقَوْلِهِمْ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوّاتِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ واسْتُظْهِرَ حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ ﴿ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ ﴾ .

(20) .

ما وثَّقُوا مِنَ المَواثِيقِ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَهم مِنَ الإيمانِ بِهِ تَعالى والأحْكامِ والنُّذُورِ وما بَيْنَهم وبَيْنَ العِبادِ كالعُقُودِ وما ضاهاها وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلِاسْتِمْرارِ المَفْهُومِ مِن صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَأْكِيدٌ لِلَّتِي قَبْلَها لِأنَّ العَهْدَ هو المِيثاقُ ويَلْزَمُ مِن إيفاءِ العَهْدِ انْتِفاءُ نَقْضِهِ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ بِالجُمْلَةِ الأوْلى يُوفُونَ بِجَمِيعِ عُهُودِ اللَّهِ تَعالى وهي أوامِرُهُ ونَواهِيهِ الَّتِي وصّى اللَّهُ تَعالى بِها عَبِيدَهُ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ التِزامُ جَمِيعِ الفُرُوضِ وتَجَنُّبُ جَمِيعِ المَعاصِي والمُرادُ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ أنَّهم إذا عَقَدُوا في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى عَهْدًا لَمْ يَنْقُضُوهُ.

اهَـ.

وعَلَيْهِ فَحَدِيثُ التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لا يَتَأتّى كَما لا يَخْفى وقَدْ تَقَدَّمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى عِبادِهِ في نَقْضِ المِيثاقِ ونَهى عَنْهُ في بِضْعٍ وعِشْرِينَ آيَةً مِن كِتابِهِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ ومِن أعْظَمِ المَواثِيقِ عَلى ما قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ أنْ لا يَسْألَ العَبْدُ سِوى مَوْلاهُ جَلَّ شَأْنُهُ.

وفِي قِصَّةِ أبِي حَمْزَةَ الخُراسانِيِّ ما يَشْهَدُ لِعِظَمِ شَأْنِهِ فَقَدْ عاهَدَ رَبَّهُ أنْ لا يَسْألَ أحَدًا سِواهُ فاتَّفَقَ أنْ وقَعَ في بِئْرٍ فَلَمْ يَسْألْ أحَدًا مِنَ النّاسِ المارِّينَ عَلَيْهِ إخْراجَهُ مِنها حَتّى جاءَ مَن أخْرَجَهُ بِغَيْرِ سُؤالٍ ولَمْ يُرَ مَن أخْرَجَهُ فَهَتَفَ بِهِ هاتِفٌ كَيْفَ رَأيْتَ ثَمَرَةَ التَّوَكُّلِ فَيَنْبَغِي الِاقْتِداءُ بِهِ في الوَفاءِ بِالعَهْدِ عَلى ما قالَ أيْضًا وقَدْ أنْكَرَ ابْنُ الجَوْزِيِّ فِعْلَ هَذا الرَّجُلِ وبَيَّنَ خَطَأهُ وأنَّ التَّوَكُّلَ لا يُنافِي الِاسْتِغاثَةَ في تِلْكَ الحالِ وذَكَرَ أنَّ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ وغَيْرَهُ قالُوا: لَوْ أنَّ إنْسانًا جاعَ فَلَمْ يَسْألْ حَتّى ماتَ دَخَلَ النّارَ ولا يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ لَطَفَ بِأبِي حَمْزَةَ الجاهِلِ نَعَمْ لا يَنْبَغِي الِاسْتِغاثَةُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى النَّحْوِ الَّذِي يَفْعَلُهُ النّاسُ اليَوْمَ مَعَ أهْلِ القُبُورِ الَّذِينَ يَتَخَيَّلُونَ فِيهِمْ ما يَتَخَيَّلُونَ فَآهًا ثُمَّ آهًا مِمّا يَفْعَلُونَ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلْحِسَابِ ٢١

﴿ والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴾ الظّاهِرُ العُمُومُ في كُلِّ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ في كِتابِهِ وعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ  وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ صِلَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالإيمانِ بِهِ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ صِلَةُ الأرْحامِ وقِيلَ: صِلَةُ الإيمانِ بِالعَمَلِ وقِيلَ: صِلَةُ قَرابَةِ الإسْلامِ بِإفْشاءِ السَّلامِ وعِيادَةِ المَرِيضِ وشُهُودِ الجَنائِزِ ومُراعاةِ حَقِّ الجِيرانِ والرُّفَقاءِ والخَدَمِ ومَن ذَهَبَ إلى العُمُومِ أدْخَلَ في ذَلِكَ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ووَصَلَهم أنْ يُؤْمِنَ بِهِمْ جَمِيعًا ولا يُفَرِّقَ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم والنّاسُ عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ ووَصْلِهِمْ بِمُراعاةِ حُقُوقِهِمْ بَلْ سائِرُ الحَيَواناتِ ووَصْلِها بِمُراعاةِ ما يُطْلَبُ في حَقِّها وُجُوبًا أوْ نَدْبًا وعَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ أنَّ جَماعَةً دَخَلُوا عَلَيْهِ بِمَكَّةَ فَقالَ: مِن أيْنَ أنْتُمْ قالُوا: مِن أهْلِ خُراسانَ قالُوا: اتَّقُوا اللَّهَ تَعالى وكُونُوا مِن حَيْثُ شِئْتُمْ واعْلَمُوا أنَّ العَبْدَ لَوْ أحْسَنَ الإحْسانَ كُلَّهُ وكانَتْ لَهُ دَجاجَةٌ فَأساءَ إلَيْها لَمْ يَكُنْ مُحْسِنًا ومَفْعُولُ ﴿ أمَرَ ﴾ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ و ﴿ أنْ يُوصَلَ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ أيْ ما أمَرَ اللَّهُ بِوَصْلِهِ ﴿ ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ أيْ وعِيدَهُ سُبْحانَهُ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ مُطْلَقًا وقِيلَ: المُرادُ تَوْعِيدُهُ تَعالى عَلى قَطْعِ ما أُمِرُوا بِوَصْلِهِ ﴿ ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ ﴾ .

(21) .

فَيُحاسِبُونَ أنْفُسَهم قَبْلَ أنْ يُحاسَبُوا وهَذا مِن قَبِيلِ ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ لِلِاهْتِمامِ والخَشْيَةُ والخَوْفُ قِيلَ بِمَعْنًى، وفي فُرُوقِ العَسْكَرِيِّ أنَّ الخَوْفَ يَتَعَلَّقُ بِالمَكْرُوهِ ومَنزِلِهِ تَقُولُ خِفْتُ زَيْدًا وخِفْتُ المَرَضَ والخَشْيَةَ تَتَعَلَّقُ بِالمَنزِلِ دُونَ المَكْرُوهِ نَفْسِهِ ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ( يَخْشَوْنَ ) أوَّلًا ﴿ ويَخافُونَ ﴾ ثانِيًا وعَلَيْهِ فَلا يَكُونُ اعْتِبارُ الوَعِيدِ في مَحَلِّهِ لَكِنَّ هَذا غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَشْيَةَ إمْلاقٍ ﴾ و ﴿ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ ﴾ وفَرَّقَ الرّاغِبُ بَيْنَهُما فَقالَ: الخَشْيَةُ خَوْفٌ يَشُوبُهُ تَعْظِيمٌ وأكْثَرُ ما لا يَكُونُ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ ولِذَلِكَ خُصَّ العُلَماءُ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ ﴾ .

وقالَ بَعْضُهُمُ: الخَشْيَةُ أشَدُّ الخَوْفِ لِأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: شَجَرَةٌ خَشِيَّةٌ أيْ يابِسَةٌ ولِذا خُصَّتْ بِالرَّبِّ في هَذِهِ الآيَةِ وفُرِّقَ بَيْنَهُما أيْضًا بِأنَّ الخَشْيَةَ تَكُونُ مِن عِظَمِ المَخْشِيِّ وإنْ كانَ الخاشِي قَوِيًّا والخَوْفُ مِن ضَعْفِ الخائِفِ وإنْ كانَ المَخُوفُ أمْرًا يُسْرًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ تَقْلِيبَ الخاءِ والشِّينِ والياءِ تَدُلُّ عَلى الغَفْلَةِ وفي تَدَبُّرٍ والحَقُّ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الفُرُوقِ أغْلَبِيٌّ كُلِّيٌّ وضْعِيٌّ ولِذا لَمْ يُفَرِّقْ كَثِيرٌ بَيْنَهُما نَعَمِ اخْتارَ الإمامُ لِأنَّ المُرادَ مَن يَخْشَوْنَ رَبَّهم أنَّهم يَخافُونَهُ خَوْفَ مَهابَةٍ وجَلالَةٍ زاعِمًا أنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ يَلْزَمُ التَّكْرارُ وفِيهِ ما فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ٢٢

﴿ والَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ عَلى كُلِّ ما تَكْرَهُهُ النَّفْسُ مِنَ المَصائِبِ المالِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ وما يُخالِفُهُ هَوى النَّفْسِ كالِانْتِقامِ ونَحْوِهِ ويَدْخُلُ فِيما ذُكِرَ التَّكالِيفُ ﴿ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ طَلَبًا لِرِضاهُ تَعالى مِن غَيْرِ أنْ يَنْظُرُوا إلى جانِبِ الخَلْقِ رِياءً أوْ سُمْعَةً ولا إلى جانِبِ أنْفُسِهِمْ زِينَةً وعُجْبًا وقِيلَ: المُرادُ طالِبِينَ ذَلِكَ فَنُصِبَ ﴿ ابْتِغاءَ ﴾ عَلى الحالِيَّةِ وعَلى الأوَّلِ هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والكَلامُ في مِثْلِ الوَجْهِ مَنسُوبًا إلَيْهِ تَعالى شَهِيرٌ.

وفِي البَحْرِ إنَّ الظّاهِرَ مِنهُ ها هُنا جِهَةُ اللَّهِ تَعالى أيِ الجِهَةُ الَّتِي تُقْصَدُ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ بِالحَسَناتِ لِيَقَعَ عَلَيْها المَثُوبَةُ كَما يُقالُ: خَرَجَ زَيْدٌ لِوَجْهِ كَذا وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ جاءَتِ الصِّلَةُ هُنا بِلَفْظِ الماضِي وفِيما تَقَدَّمَ بِلَفْظِ المُضارِعِ عَلى سَبِيلِ التَّفَنُّنِ في الفَصاحَةِ لِأنَّ المُبْتَدَأ في مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ والماضِي كالمُضارِعِ في اسْمِ الشَّرْطِ فَكَذَلِكَ فِيما أشْبَهَهُ: ولِذا قالَ النَّحْوِيُّونَ: إذا وقَعَ الماضِي صِلَةً أوْ صِفَةً لِنَكِرَةٍ عامَّةٍ احْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ المُضِيُّ وإنَّ يُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ فَمِنَ الأوَّلِ ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ ﴾ ومِنَ الثّانِي ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ ويَظْهَرُ أيْضًا أنَّ اخْتِصاصَ هَذِهِ الصِّلَةِ بِالماضِي وما تَقَدَّمَ بِالمُضارِعِ أنَّ ما تَقَدَّمَ قُصِدَ بِهِ الِاسْتِصْحابُ: والِالتِباسُ وأمّا هَذِهِ فَقَدَ قُصِدَ بِها تَقَدُّمُها عَلى ذَلِكَ لِأنَّ حُصُولَ تِلْكَ الصِّلاتِ إنَّما هي مُتَرَتِّبَةٌ عَلى حُصُولِ الصَّبْرِ وتَقَدُّمِهِ عَلَيْها ولِذا لَمْ يَأْتِ صِلَةٌ في القُرْآنِ إلّا بِصِيغَةِ الماضِي إذْ هو شَرْطٌ في حُصُولِ التَّكالِيفِ وإيقاعِها وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ حَيْثُ كانَ الصَّبْرُ مَلاكَ الأمْرِ في كُلِّ ما ذُكِرَ مِنَ الصِّلاتِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ أُورِدَ بِصِيغَةِ الماضِي اعْتِناءً بِشَأْنِهِ ودَلالَةً عَلى وُجُوبِ تَحَقُّقِهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ إمّا في نَفْسِ الصِّلاتِ كَما فِيما عَدا الأُولى والرّابِعَةِ والخامِسَةِ أوْ في إظْهارِ أحْكامِها كَما في الصِّلاتِ الثَّلاثِ المَذْكُوراتِ فَإنَّها وإنِ اسْتَغْنَتْ عَنِ الصَّبْرِ في أنْفُسِها حَيْثُ لا مَشَقَّةَ عَلى النَّفْسِ في الِاعْتِرافِ بِالرُّبُوبِيَّةِ والخَشْيَةِ والخَوْفِ لَكِنَّ إظْهارَ أحْكامِها والجَرْيَ عَلى مُوجِبِها غَيْرُ خالٍ عَنِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ وهو لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ والأوْلى عَلى ما قِيلَ الِاقْتِصارُ في التَّعْلِيلِ عَلى الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ وعُطِفَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأقامُوا الصَّلاةَ ﴾ وكَذا ما بَعْدَهُ عَلى ذَلِكَ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ والمُرادُ بِالصَّلاةِ قِيلَ الصَّلاةُ المَفْرُوضَةُ وقِيلَ مُطْلَقًا وهو أوْلى ومَعْنى إقامَتِها إتْمامُ أرْكانِها وهَيْئاتِها ﴿ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ ﴾ بَعْضَ ما أعْطَيْناهم وهو الَّذِي وجَبَ عَلَيْهِمْ إنْفاقُهُ كالزَّكاةِ وما يُنْفَقُ عَلى العِيالِ والمَمالِيكِ أوْ ما يَشْمَلُ ذَلِكَ والَّذِي نُدِبَ سِرًّا حَيْثُ يَحْسُنُ السِّرُّ كَما في إنْفاقِ مِن لا يُعْرَفُ بِالمالِ إذا خَشِيَ التُّهْمَةَ في الإظْهارِ أوْ مَن عُرِفَ بِهِ لَكِنْ لَوْ أظْهَرَهُ رُبَّما أدْخَلَهُ الرِّياءَ والخُيَلاءَ وكَما في الإعْطاءِ لِمَن تَمْنَعُهُ المُرُوءَةُ مِنَ الأخْذِ ظاهِرًا وعَلانِيَةً حَيْثُ تَحْسُنُ العَلانِيَةُ كَما إذا كانَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما ذُكِرَ وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الأوَّلَ مَخْصُوصٌ بِالتَّطَوُّعِ والثّانِي بِأداءِ الواجِبِ وعَنِ الحَسَنِ أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ فَإنْ لَمْ يُتَّهَمْ بِتَرْكِ أداءِ الزَّكاةِ فالأوْلى أداؤُها سِرًّا وإلّا فالأوْلى أداؤُها عَلانِيَةً: وقِيلَ: السِّرُّ ما لا يُؤَدِّيهِ بِنَفْسِهِ والعَلانِيَةُ ما لا يُؤَدِّيهِ إلى الإمامِ والأوَّلُ الحَمْلُ عَلى العُمُومِ ولَعَلَّ تَقْدِيمَ السِّرِّ لِلْإشارَةِ إلى فَضْلِ صَدَقَتِهِ وجاءَ في الصَّحِيحِ عَدا المُتَصَدِّقَ سِرًّا مِنَ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعالى في ظِلِّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾ أيْ يَدْفَعُونَ الشَّرَّ بِالخَيْرِ ويُجازُونَ الإساءَةَ بِالإحْسانِ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ يَرُدُّونَ مَعْرُوفًا عَلى مَن يُسِيءُ إلَيْهِمْ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا ﴾ وقالَ الحَسَنُ: إذا حُرِمُوا أعْطَوْا وإذا ظُلِمُوا عَفَوْا وإذا قُطِعُوا وصَلُوا وقِيلَ: يُتْبِعُونَ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ فَتَمْحُوها وفي الحَدِيثِ «أنَّ مُعاذًا قالَ: أوْصِنِي يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فاعْمَلْ بِجَنْبِها حَسَنَةً تَمْحُها السِّرُّ بِالسِّرِّ والعَلانِيَةُ بِالعَلانِيَةِ» وعَنِ ابْنِ كَيْسانَ يَدْفَعُونَ بِالتَّوْبَةِ مَعَرَّةَ الذَّنْبِ وقِيلَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ شِرْكَهم وقِيلَ: بِالصَّدَقَةِ العَذابَ وقِيلَ: إذا رَأوْا مُنْكَرًا أمَرُوا بِتَغْيِيرِهِ وقِيلَ وقِيلَ: ويُفْهِمُ صَنِيعُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ اخْتِيارَ الأوَّلِ فَهم كَما قِيلَ: .

يَجْزُونَ مِن ظُلْمِ أهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ومِن إساءَةِ أهْلِ السُّوءِ إحْسانا وهَذا بِخِلافِ خُلُقِ بَعْضِ الجَهَلَةِ: .

جَرِيءٌ مَتى يُظْلَمْ يُعاقِبْ بِظُلْمِهِ ∗∗∗ سَرِيعًا وإنْ لا يُبْدَ بِالظُّلْمِ يَظْلِمِ وقالَ في الكَشْفِ: الأظْهَرُ التَّعْمِيمُ أيْ يَدْرَؤُونَ بِالجَمِيلِ السَّيِّئَ سَواءً كانَ لِأذاهم أوْ لا مَخْصُوصًا بِهِمْ أوْ لا طاعَةً أوْ مَعْصِيَةً مَكْرُمَةً أوْ مَنقَصَةً ولَعَلَّ الأمْرَ كَما قالَ وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِالحَسَنَةِ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ والمَلَكاتِ الجَمِيلَةِ ولَيْسَ المُرادُ بِهِمْ أُناسًا بِأعْيانِهِمْ وإنْ كانَتِ الآيَةُ نازِلَةً عَلى ما قِيلَ في الأنْصارِ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الظَّرْفِيَّةُ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَهم عُقْبى الدّارِ ﴾ .

(22) .

أيْ عاقِبَةُ الدُّنْيا وما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَآلُ أمْرِ أهْلِها وهي الجَنَّةُ فَتَعْرِيفُ الدّارِ لِلْعَهْدِ والعاقِبَةُ المُطْلَقَةُ تُفَسَّرُ بِذَلِكَ وفُسِّرَتْ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ وفَسَّرَها الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا بِالجَنَّةِ إلّا أنَّهُ قالَ: لِأنَّها الَّتِي أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ تَكُونَ عاقِبَةَ الدُّنْيا ومَرْجِعَ أهْلِها وفِيهِ عَلى ما قِيلَ شائِبَةُ اعْتِزالٍ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالدّارِ الآخِرَةُ أيْ لَهُمُ العُقْبى الحَسَنَةُ في الدّارِ الآخِرَةِ وقِيلَ: الجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ و ﴿ عُقْبى ﴾ فاعِلُ الِاسْتِقْرارِ وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ فِيهِ قَصْرٌ حَتّى يَرِدَ أنَّ بَعْضَ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَيْسَ مِنَ العَزائِمِ الَّتِي يُخِلُّ إخْلالُها بِالوُصُولِ إلى حُسْنِ العاقِبَةِ.

وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المُرادَ مَآلُ أُولَئِكَ الجَنَّةُ مِن غَيْرِ تَخَلُّلٍ بِدُخُولِ النّارِ فَلا بَأْسَ لَوْ قِيلَ بِالقَصْرِ ولا يَلْزَمُ عَدَمُ دُخُولِ الفاسِقِ المُعَذَّبِ الجَنَّةَ والقَوْلُ إنَّهُ مَوْصُوفٌ بِتِلْكَ الصِّفاتِ في الجُمْلَةِ كَما تَرى والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولاتِ المُتَعاطِفَةِ إنْ رُفِعَتْ بِالِابْتِداءِ أوِ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ أوْ بَيانِيٌّ في جَوابِ ما بالُ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ إنْ جُعِلَتِ المَوْصُولاتُ المُتَعاطِفَةُ صِفاتٍ لِأُولِي الألْبابِ عَلى طَرِيقَةِ المَدْحِ مِن غَيْرِ أنْ يُقْصَدَ أنْ يَكُونَ لِلصِّلاتِ المَذْكُورَةِ مَدْخَلٌ في التَّذَكُّرِ والأوَّلُ أوْجَهُ لِما في الكَشْفِ مِن رِعايَةِ التَّقابُلِ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ وحَسُنَ العَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَنْقُضُونَ ﴾ وجَرْيُهُما عَلى اسْتِئْنافِ الوَصْفِ لِلْعالِمِ ومَن هو كَأعْمى.

<div class="verse-tafsir"

جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍۢ ٢٣

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ ﴾ بَدَلٌ مِن عُقْبى الدّارِ كَما قالَ الزَّجّاجُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَدْخُلُونَها ﴾ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ المَقامِ والأوْلى أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ كَما ذُكِرَ في البَحْرِ ورُدَّ بِأنَّهُ لا وجْهَ لَهُ لِأنَّ الجُمْلَةَ بَيانٌ لِعُقْبى الدّارِ فَهو مُناسِبٌ لِلْمَقامِ والعَدْنُ الإقامَةُ والِاسْتِقْرارُ يُقالُ: عَدَنَ بِمَكانِ كَذا إذا اسْتَقَرَّ ومِنهُ المَعْدِنُ لِمُسْتَقَرِّ الجَواهِرِ أيْ جَنّاتٌ يُقِيمُونَ فِيها وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ ﴾ بُطْنانُ الجَنَّةِ أيْ وسَطُها ورُوِيَ نَحْوَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ إلّا أنَّهُ قالَ: هي مَدِينَةٌ وسَطَ الجَنَّةِ فِيها الأنْبِياءُ والشُّهَداءُ وأئِمَّةُ الهُدى وجاءَ فِيها غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ ومَتى أُرِيدَ مِنها مَكانٌ مَخْصُوصٌ مِنَ الجَنَّةِ كانَ البَدَلُ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ وقَرَأ النَّخَعِيُّ ( جَنَّةُ ) بِالإفْرادِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ( يُدْخَلُونَها ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ ﴾ جَمْعُ أبَوَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنهم فَكَأنَّهُ قِيلَ: مِن آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ ﴿ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ ﴾ وهو كَما قالَ أبُو البَقاءِ عُطِفَ عَلى المَرْفُوعِ في ﴿ يَدْخُلُونَ ﴾ وإنَّما ساغَ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ التَّأْكِيدِ لِلْفَصْلِ بِالضَّمِيرِ الآخَرِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ واعْتُرِضَ بِأنَّ واوَ المَعِيَّةِ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى المَتْبُوعِ ورُدَّ بِأنَّ هَذا إنَّما ذُكِرَ في مَعَ لا في الواوِ وفِيهِ نَظَرٌ والمَعْنى أنَّهُ يَلْحَقُ بِهِمْ مَن صَلَحَ مِن أهْلِيهِمْ وإنْ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ فَضْلِهِمْ تَبَعًا لَهم تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: يَدْخُلُ الرَّجُلُ الجَنَّةَ فَيَقُولُ: أيْنَ أُمِّي أيْنَ ولَدِي أيْنَ زَوْجَتِي فَيُقالُ: لَمْ يَعْمَلُوا مِثْلَ عَمَلِكَ فَيَقُولُ: كُنْتُ أعْمَلُ لِي ولَهم ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ وفَسَّرَ ( مَن صَلَحَ ) بِمَن آمَنَ وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وفَسَّرَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ بِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا وذَكَرَ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ الأنْسابَ لا تَنْفَعُ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَها أعْمالٌ صالِحَةٌ بَلِ الآباءُ والأزْواجُ والذُّرِّيَّةُ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إلّا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ ورَدَّ عَلَيْهِ الواحِدِيُّ فَقالَ: الصَّحِيحُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ مِن ثَوابِ المُطِيعِ سُرُورَهُ بِحُضُورِ أهْلِهِ مَعَهُ في الجَنَّةِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَدْخُلُونَها كَرامَةً لِلْمُطِيعِ الآتِي بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ فَلَوْ دَخَلُوها بِأعْمالِهِمْ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ كَرامَةٌ لِلْمُطِيعِ ولا فائِدَةٌ في الوَعْدِ بِهِ إذْ كُلُّ مَن كانَ مُصْلِحًا في عَمَلِهِ فَهو يَدْخُلُ الجَنَّةَ وضَعَّفَ ذَلِكَ الإمامُ بِأنَّ المَقْصُودَ بِشارَةُ المُطِيعِ بِكُلِّ ما يَزِيدُهُ سُرُورًا وبَهْجَةً فَإذا بَشَّرَ اللَّهُ تَعالى المُكَلَّفَ بِأنَّهُ إذا دَخَلَ الجَنَّةَ يَحْضُرُ مَعَهُ أهْلُهُ يَعْظُمُ سُرُورُهُ وتَقْوى بَهْجَتُهُ ويُقالُ: إنَّ مِن أعْظَمِ سُرُورِهِمْ أنْ يَجْتَمِعُوا فَيَتَذَكَّرُوا أحْوالَهم في الدُّنْيا ثُمَّ يَشْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى عَلى الخَلاصِ مِنها ولِذَلِكَ حَكى سُبْحانَهُ عَنْ بَعْضِ أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهُ يَقُولُ: ﴿ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ ﴾ وعَلى هَذا لا تَكُونُ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى أنَّ الدَّرَجَةَ تَعْلُو بِالشَّفاعَةِ ومِنهم مَنِ اسْتَدَلَّ بِها عَلى ذَلِكَ عَلى المَعْنى الأوَّلِ لَها.

وتُعُقِّبَ بِأنَّها أيْضًا لا دَلالَةَ لَها عَلى ما ذُكِرَ وأُجِيبَ بِأنَّهُ إذا جازَ أنْ تَعْلُوَ بِمُجَرَّدِ التَّبَعِيَّةِ لِلْكامِلِينَ في الإيمانِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ فالعُلُوُّ بِشَفاعَتِهِمْ مَعْلُومٌ بِالطَّرِيقِ الأوْلى وقالَ بَعْضُهم: إنَّهم لَمّا كانُوا بِصَلاحِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ لِدُخُولِ الجَنَّةِ كانَ جَعْلُهم في دَرَجَتِهِمْ مُقْتَضى طَلَبِهِمْ وشَفاعَتِهِمْ لَهم بِمُقْتَضى الإضافَةِ والحَقُّ أنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ خُصُوصًا إذا كانَتِ الواوُ بِمَعْنى مَعَ فَتَأمَّلْ والظّاهِرُ أنَّهُ لا تَمْيِيزَ بَيْنَ زَوْجَةٍ وزَوْجَةٍ وبِذَلِكَ صَرَّحَ الإمامُ ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّ الأوْلى مَن ماتَ عَنْها أوْ ماتَتْ عَنْهُ وما رُوِيَ «عَنْ سَوْدَةَ أنَّها لَمّا هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِطَلاقِها قالَتْ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ أُحْشَرُ في جُمْلَةِ نِسائِكَ» كالدَّلِيلِ عَلى ما ذُكِرَ واخْتُلِفَ في المَرْأةِ ذاتِ الأزْواجِ إذا كانُوا قَدْ ماتُوا عَنْها فَقِيلَ: هي في الجَنَّةِ لِآخِرِ أزْواجِها ويُؤَيِّدُهُ كَوْنُ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ زَوْجاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيها مَعَ كَوْنِ أكْثَرِهِنَّ كُنَّ قَدْ تَزَوَّجْنَ قَبْلُ بِغَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِيلَ: هي لِأوَّلِ أزْواجِها كامْرَأةٍ أخْبَرَها ثِقَةٌ أنَّ زَوْجَها قَدْ ماتَ ووَقَعَ في قَلْبِها صِدْقُهُ فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها ثُمَّ ظَهَرَتْ حَياتُهُ فَإنَّها تَكُونُ لَهُ وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ بَلْ هو يُشْبِهُ ما لَوْ ماتَ رَجُلٌ وأخْبَرَ مَعْصُومٌ كالنَّبِيِّ بِمَوْتِهِ فَتَزَوَّجَتِ امْرَأتُهُ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ ثُمَّ أحْياهُ اللَّهُ تَعالى وقَدْ قالُوا في ذَلِكَ: إنَّ زَوْجَتَهُ لِزَوْجِها الثّانِي وقِيلَ: إنَّ الزَّوْجَةَ تُخَيَّرُ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ أزْواجِها فَمَن كانَ مِنهم أحْسَنَهم خُلُقًا مَعَها كانَتْ لَهُ وارْتَضاهُ جَمْعٌ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ( صَلُحَ ) بِضَمِّ اللّامِ والفَتْحُ أفْصَحُ وعِيسى الثَّقَفِيُّ ( ذُرِّيَّتَهم ) بِالتَّوْحِيدِ ﴿ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ﴾ .

(23) .

مِن أبْوابِ المَنازِلِ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَرَأ الآيَةَ حَتّى خَتَمَها ثُمَّ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ لَفي خَيْمَةٍ مِن دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ لَيْسَ فِيها جِذْعٌ ولا وصْلٌ طُولُها في الهَواءِ سِتُّونَ مِيلًا في كُلِّ زاوِيَةٍ مِنها أهْلٌ ومالٌ لَها أرْبَعَةُ آلافِ مِصْراعٍ مِن ذَهَبٍ يَقُومُ عَلى كُلِّ بابٍ مِنها سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ مَعَ كُلِّ مَلَكٍ هَدِيَّةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ لَيْسَ مَعَ صاحِبِهِ مِثْلُها لا يَصِلُونَ إلَيْهِ إلّا بِإذْنٍ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حِجابٌ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ.

وقالَ أبُو الأصَمِّ: أُرِيدَ مِن كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ البِرِّ كَبابِ الصَّلاةِ وبابِ الزَّكاةِ وبابِ الصَّبْرِ وقِيلَ: مِن أبْوابِ الفُتُوحِ والتُّحَفِ قِيلَ: فَعَلى هَذا المُرادُ بِالبابِ النَّوْعُ و( مِن ) لِلتَّعْلِيلِ والمَعْنى يَدْخُلُونَ لِإتْحافِهِمْ بِأنْواعِ التُّحَفِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ في كَوْنِ البابِ بِمَعْنى النَّوْعِ كالبابَةِ نَظَرًا فَإنَّ ظاهِرَ كَلامِ الأساسِ وغَيْرِهِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَجازًا أوْ كِنايَةً عَمّا ذُكِرَ لِأنَّ الدّارَ الَّتِي لَها أبْوابٌ إذا أتاها الجَمُّ الغَفِيرُ يَدْخُلُونَها مِن كُلِّ بابٍ فَأُرِيدَ بِهِ دُخُولُ الأرْزاقِ الكَثِيرَةِ عَلَيْهِمْ وأنَّها تَأْتِيهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ وتَعَدُّدُ الجِهاتِ يُشْعِرُ بِتَعَدُّدِ المَأْتِيّاتِ فَإنَّ لِكُلِّ جِهَةِ تُحْفَةً <div class="verse-tafsir"

سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ ٢٤

﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ قائِلِينَ ذَلِكَ وهو بِشارَةٌ بِدَوامِ السَّلامَةِ فالجُمْلَةُ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ واقِعٍ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ يَدْخُلُونَ ﴾ وجُوِّزَ كَوْنُها حالًا مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ أيْ مُسَلِّمِينَ وهي في الأصْلِ فِعْلِيَّةٌ أيْ يُسَلِّمُونَ سَلامًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما صَبَرْتُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ أوْ بِهِ نَفْسِهِ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنْ مُتَعَلِّقِهِ ومَنَعَ هَذا كَما قالَ السُّيُوطِيُّ السَّفاقِسِيُّ وقالَ: لا وجْهَ لَهُ والصَّحِيحُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَعَلُّقَهُ بِـ ﴿ سَلامٌ ﴾ عَلى مَعْنى نُسَلِّمُ عَلَيْكم ونُكْرِمُكم بِصَبْرِكم ومَنَعَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالأجْنَبِيِّ وهو الخَبَرُ ووُجِّهَ ذَلِكَ في الدُّرِّ المَصُونِ بِأنَّ المَنعَ إنَّما هو في المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ وهَذا لَيْسَ مِنهُ مَعَ أنَّ الرَّضِيَّ جَوَّزَ ذَلِكَ مَعَ التَّأْوِيلِ أيْضًا وقالَ: لا أراهُ مانِعًا لِأنَّ كُلَّ مُؤَوَّلٍ بِشَيْءٍ لا يَثْبُتُ لَهُ جَمِيعُ أحْكامِهِ وجَوَّزَ لِهَذِهِ العِلَّةِ العَلّامَةُ الثّانِي تَقْدِيمَ مَعْمُولِ المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ بِأنْ والفِعْلِ عَلَيْهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ ﴾ وقالَ في الكَشْفِ: إنَّ ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ نَظَرًا إلى الأصْلِ غَيْرُ أجْنَبِيٍّ فَلِذَلِكَ جازَ أنْ يُفْصَلَ بِهِ عَلى أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّهُ مَعْمُولٌ بَلْ مِن مُقْتَضاهُ ولِذا قالَ: أيْ نُسَلِّمُ ..

إلَخْ فَدَلَّ عَلى أنَّ التَّعَلُّقَ مَعْنَوِيٌّ يُقَدَّرُ ما يُناسِبُهُ ولَوْ جُعِلَ مَعْمُولًا لِلظَّرْفِ المُسْتَقِرِّ أعْنِي ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا مَعْنًى بِسَلامٍ ضَرُورَةً لَكانَ وجْهًا خالِيًا عَنِ التَّكَلُّفِ وجَعَلَهُ أبُو حَيّانَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و( ما ) مَصْدَرِيَّةً والباءَ سَبَبِيَّةً أوْ بَدَلِيَّةً أيْ هَذا الثَّوابُ الجَزِيلُ بِسَبَبِ صَبْرِكم في الدُّنْيا عَلى المَشاقِّ أوْ بَدَلَهُ وعَنْ أبِي عِمْرانَ بِما صَبَرْتُمْ عَلى دِينِكم وعَنِ الحَسَنِ عَنْ فُضُولِ الدُّنْيا وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النَّصْرِ عَلى الفَقْرِ والتَّعْمِيمُ أوْلى وتَخْصِيصُ الصَّبْرِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ الصِّلاتِ السّابِقَةِ لِما أنَّهُ مِلاكُ الأمْرِ والأمْرُ المُعْتَنى بِهِ كَما عَلِمْتَ ﴿ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ ﴾ .

(24) .

أيْ فَنِعْمَ عاقِبَةُ الدُّنْيا الجَنَّةُ وقِيلَ: المُرادُ بِالدّارِ الآخِرَةُ وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ أنَّهم عَقَّبُوا الجَنَّةَ مِن جَهَنَّمَ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما ورَدَ مِن أنَّ كُلَّ رَجُلٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ قَدْ كانَ لَهُ مَقْعَدٌ مِنَ النّارِ فَصَرَفَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى النَّعِيمِ فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ ويُقالُ لَهُ: هَذا مَقْعَدُكَ مِنَ النّارِ قَدْ أبْدَلَكَ اللَّهُ تَعالى بِالجَنَّةِ بِإيمانِكَ وصَبْرِكَ وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرُ ( فَنَعِمَ ) بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ وذَلِكَ هو الأصْلُ وابْنُ وثّابٍ ( فَنَعْمَ ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ وتَخْفِيفٍ فَعْلَ لُغَةُ تَمِيمٍ وجاءَ فِيها كَما في الصِّحاحِ ( نِعِمَ ) بِكَسْرِ النُّونِ وإتْباعِ العَيْنِ لَها وأشْهَرُ اسْتِعْمالاتِها ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ  يَأْتِي قُبُورَ الشُّهَداءِ عَلى رَأْسِ كُلِّ حَوْلٍ فَيَقُولُ: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ ﴾ » وكَذا كانَ يَفْعَلُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وتَمَسَّكَ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ فَقالُوا: إنَّهُ سُبْحانَهُ خَتَمَ مَراتِبَ سِعاداتِ البَشَرِ بِدُخُولِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّحِيَّةِ والإكْرامِ والتَّعْظِيمِ والسَّلامِ فَكانُوا أجَلَّ مَرْتَبَةٍ مِنَ البَشَرِ لِما كانَ دُخُولُهم عَلَيْهِمْ لِأجْلِ السَّلامِ والتَّحِيَّةِ مُوجِبًا عُلُوَّ دَرَجاتِهِمْ وشَرَفَ مَراتِبِهِمْ ولا شَكَّ أنَّ مَن عادَ مِن سَفَرِهِ إلى بَيْتِهِ فَإذا قِيلَ في مَعْرِضِ كَمالِ مَرْتَبَتِهِ إنَّهُ يَزُورُهُ الأمِيرُ والوَزِيرُ والقاضِي والمُفْتِي دَلَّ عَلى أنَّ دَرَجَةَ المَزُورِ أقَلُّ وأدْنى مِن دَرَجاتِ الزّائِرِينَ فَكَذا ها هُنا وهو مِنَ الرَّكاكَةِ بِمَكانٍ.

ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما هَنا نَظِيرَ ما إذا أتى السُّلْطانُ بِشَخْصٍ مِن عُمّالِهِ المُمْتازِينَ عِنْدَهُ قَدْ أطاعَهُ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ إلى مَحَلِّ كَرامَتِهِ ثُمَّ بَعْدَ أنْ أنْزَلَهُ المَنزِلَ اللّائِقَ بِهِ أرْسَلَ خَدَمَهُ إلَيْهِ بِالهَدايا والتُّحَفِ والبِشارَةِ بِما يَسُرُّهُ فَهَلْ إذا قِيلَ: إنَّ فُلانًا قَدْ أحَلَّهُ السُّلْطانُ مَحَلَّ كَرامَتِهِ ودارَ حُكُومَتِهِ وأنْزَلَهُ المَنزِلَ اللّائِقَ بِهِ وأرْسَلَ خَدَمَهُ إلَيْهِ بِما يَسُرُّهُ كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ أُولَئِكَ الخَدَمَ أعْلى دَرَجَةً مِنهُ لا أظُنُّكَ تَقُولُ ذَلِكَ نَعَمْ جاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ ما يُؤَيِّدُهُ بِظاهِرِهِ ما تَقَدَّمَ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ والبَزّارُ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «أوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى فُقَراءُ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ تُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ وتُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ ويَمُوتُ أحَدُهم وحاجَتُهُ في صَدْرِهِ لا يَسْتَطِيعُ لَها قَضاءً فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى لِمَن يَشاءُ مِن مَلائِكَتِهِ: ائْتُوهم فَحَيُّوهم فَتَقُولُ المَلائِكَةُ: رَبَّنا نَحْنُ سُكّانُ سَمائِكَ وخِيرْتُكَ مِن خَلْقِكَ أفَتَأْمُرُنا أنْ نَأْتِيَ هَؤُلاءِ فَنُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: إنَّ هَؤُلاءِ عِبادٌ لِي كانُوا يَعْبُدُونِي ولا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وتُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ وتُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ ويَمُوتُ أحَدُهم وحاجَتُهُ في صَدْرِهِ لا يَسْتَطِيعُ لَها قَضاءً فَتَأْتِيهِمُ المَلائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مَن كُلِّ بابٍ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ ﴾ » ومَن أنْصَفَ ظَهَرَ لَهُ أنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ مُطْلَقًا أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ مُطْلَقًا كَما لا يَخْفى وذَكَرَ الإمامُالرّازِيُّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ المَرْوِيِّ عَنِ الأصَمِّ في تَفْسِيرِ دُخُولِ المَلائِكَةِ مِن كُلِّ بابٍ أنَّ المَلائِكَةَ طَوائِفُ مِنهم رُوحانِيُّونَ ومِنهم كَرُّوبِيُّونَ فالعَبْدُ إذا راضَ نَفْسَهُ بِأنْواعِ الرِّياضاتِ كالصَّبْرِ والشُّكْرِ والمُراقَبَةِ والمُحاسَبَةِ ولِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ جَوْهَرٌ قُدُسِيٌّ ورُوحٌ عُلْوِيٌّ مُخْتَصٌّ بِتِلْكَ الصِّفَةِ مَزِيدَ اخْتِصاصٍ فَعِنْدَ المَوْتِ إذا أشْرَقَتْ تِلْكَ الجَواهِرُ القُدُسِيَّةُ تَجَلَّتْ فِيها مِن كُلِّ رُوحٍ مِنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ ما يُناسِبُها مِنَ الصِّفاتِ المَخْصُوصَةِ فَيُفِيضُ عَلَيْها مِن مَلائِكَةِ الصَّبْرِ كَمالاتٌ مَخْصُوصَةٌ نَفْسانِيَّةٌ لا تَظْهَرُ إلّا في مَقامِ الصَّبْرِ ومِن مَلائِكَةِ الشُّكْرِ كَمالاتٌ رُوحانِيَّةٌ لا تَتَجَلّى إلّا في مَقامِ الشُّكْرِ وهَكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ المَراتِبِ.

اهَـ.

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ كَلامٌ فاسِقٌ لا تَفْهَمُهُ العَرَبُ ولا جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَهو مَطْرُوحٌ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هَذا كَلامٌ كَثِيرٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ <div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَـٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٢٥

﴿ والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ﴾ أُرِيدَ بِهِمْ مَن يُقابِلُ الأوَّلِينَ ويُعانِدُهم بِالِاتِّصافِ بِنَقائِضِ أوْصافِهِمْ ﴿ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ﴾ الِاعْتِرافِ بِهِ قِيلَ: المُرادُ بِالعَهْدِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ وبِالمِيثاقِ ما هو اسْمُ آلَةٍ أعْنِي ما يُوَثَّقُ بِهِ الشَّيْءُ وأُرِيدَ بِهِ الِاعْتِرافُ بِقَوْلِ: ﴿ بَلى ﴾ وقَدْ يُسَمّى العَهْدُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ مِيثاقًا لِتَوْثِيقِهِ بَيْنَ المُتَعاهِدَيْنِ وفَسَّرَ الإمامُ عَهْدَ اللَّهِ تَعالى بِما ألْزَمَهُ عِبادَهُ بِواسِطَةِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ أوْكَدُ كُلِّ عَهْدٍ وكُلِّ أيْمانٍ إذِ الأيْمانُ إنَّما تُفِيدُ التَّوْكِيدَ بِواسِطَةِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّها تُوجِبُ الوَفاءَ بِمُقْتَضاها ثُمَّ قالَ: والمُرادُ مِن نَقْضِها أنْ لا يَنْظُرَ المَرْءُ فِيها فَلا يُمْكِنُهُ حِينَئِذٍ العَمَلُ بِمُوجِبِها أوْ بِأنْ يَنْظُرَ ويَعْلَمَ صِحَّتَها ثُمَّ يُعانِدُ فَلا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ أوْ بِأنْ يَنْظُرَ في الشُّبَهِ فَلا يَعْتَقِدُ الحَقَّ والمُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ﴾ مِن بَعْدِ أنْ أوْثَقَ إلَيْهِ تِلْكَ الأدِلَّةَ وأحْكامَها لِأنَّهُ لا شَيْءَ أقْوى مِمّا دَلَّ اللَّهُ تَعالى عَلى وُجُوبِهِ في أنَّهُ يَنْفَعُ فِعْلُهُ ويَضُرُّ تَرْكُهُ.

وأوْرَدَ أنَّهُ إذا كانَ العَهْدُ لا يَكُونُ إلّا بِالمِيثاقِ فَما فائِدَةُ ﴿ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ﴾ وأجابَ بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُفارَقَةَ مَن تَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِهِ بِالحَلِفِ لِمَن لَمْ يَتَمَكَّنْ أوَّلًا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأدِلَّةَ المُؤَكَّدَةَ لِأنَّهُ يُقالُ: قَدْ تُؤُكِّدَ إلَيْكَ بِدَلائِلَ أُخْرى سَواءً كانَتْ عَقْلِيَّةً أوْ سَمْعِيَّةً.

اهَـ.

ولا يَخْفى أنَّهُ إذا أُرِيدَ بِالعَهْدِ ذَلِكَ القَوْلُ وبِالمِيثاقِ الِاعْتِرافُ بِهِ لَمْ يَحْتَجْ إلى القِيلِ والقالِ وحَمَلَ بَعْضُهُمُ العَهْدَ هُنا عَلى سائِرِ ما وصّى اللَّهُ تَعالى بِهِ عِبادَهُ كالعَهْدِ فِيما سَبَقَ والمِيثاقِ عَلى الإقْرارِ والقَبُولِ والآيَةُ كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ ﴿ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴾ مِنَ الإيمانِ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المُجْتَمِعِينَ عَلى الحَقِّ حَيْثُ يُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ ويَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ومِن حُقُوقِ الأرْحامِ ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِنَفْيِ الخَشْيَةِ والخَوْفِ عَنْهم صَرِيحًا لِدَلالَةِ النَّقْضِ والقَطْعِ عَلى ذَلِكَ وأمّا عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِنَفْيِ الصَّبْرِ المَذْكُورِ فَلِأنَّهُ إنَّما اعْتَبَرَ تَحَقُّقَهُ في ضِمْنِ الحَسَناتِ المَعْدُودَةِ لِيَقَعْنَ مُعْتَدًّا بِهِنَّ فَلا وجْهَ لِنَفْيِهِ عَمَّنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَسَناتِ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ لا سِيَّما بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِكَوْنِهِ ابْتِغاءَ وجْهِهِ تَعالى كَما لا وجْهَ لِنَفْيِ الصَّلاةِ والإنْفاقِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ إعْطاءُ الزَّكاةِ مِمَّنْ لا يَحُومُ حَوْلَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى فَضْلًا عَنْ فُرُوعِ الشَّرائِعِ وإنْ أُرِيدَ بِالإنْفاقِ ما يَشْمَلُ ذَلِكَ وغَيْرَهُ فَنَفْيُهُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ قَطْعِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِوَصْلِهِ بَلْ قَدْ يُقالُ بِانْدِراجِ نَفْيِ الصَّلاةِ أيْضًا تَحْتَ ذَلِكَ وأمّا دَرْءُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ فانْتِفاؤُهُ عَنْهم ظاهِرٌ مِمّا سَبَقَ ولَحِقَ فَإنَّ مَن يُجازِي إحْسانَهُ عَزَّ وجَلَّ بِنَقْضِ عَهْدِهِ سُبْحانَهُ ومُخالَفَةِ الأمْرِ ويُباشِرُ الفَسادَ حَسْبَما يَحْكِيهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ ﴾ بِالظُّلْمِ لِأنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ وتَهْيِيجِ الفِتَنِ بِمُخالَفَةِ دَعْوَةِ الحَقِّ وإثارَةِ الحَرْبِ عَلى المُسْلِمِينَ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنهُ الدَّرْءُ المَذْكُورُ عَلى أنَّهُ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأنَّ لَهُ دَخْلًا في الإفْضاءِ إلى العُقُوبَةِ الَّتِي يُنْبِئُ عَنْها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ ..

إلَخْ أيْ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ القَبائِحِ لَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ اللَّعْنَةُ ﴾ أيِ الإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ ولَهُمْ ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿ سُوءُ الدّارِ ﴾ .

(25) .

أيْ سُوءُ عاقِبَةِ الدّارِ والمُرادُ بِها الدُّنْيا وسُوءُ عاقِبَتِها عَذابُ جَهَنَّمَ أوْ جَهَنَّمُ نَفْسُها ولَمْ يَقُلْ: سُوءُ عاقِبَةِ الدّارِ تَفادِيًا أنْ يَجْعَلَها عاقِبَةً حَيْثُ جَعَلَ العاقِبَةَ المُطْلَقَةَ هي الجَنَّةُ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالدّارِ جَهَنَّمُ وبِسُوئِها عَذابُها والأوَّلُ أوْجَهُ لِرِعايَةِ التَّقابُلِ ولِأنَّ المُبادَرَ إلى الفَهْمِ مِنَ الدّارِ الدُّنْيا بِقَرِينَةِ السّابِقِ ولِأنَّها الحاضِرَةُ في أذْهانِهِمْ ولِما ذُكِرَ مِنَ النُّكْتَةِ السَّرِيَّةِ وذَلِكَ لِأنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ يُشْعِرُ بِعَلِيَّةِ الصِّلَةِ لَهُ ولا يَخْفى أنَّهُ لا دَخْلَ لَهُ في ذَلِكَ عَلى أكْثَرِ التَّفاسِيرِ فَإنَّ مَجازاةَ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها مَأْذُونٌ فِيها ودَفْعِ الكَلامِ السَّيِّئِ بِالحُسْنى وكَذا الإعْطاءُ عِنْدَ المَنعِ والعَفْوُ عِنْدَ الظُّلْمِ والوَصْلُ عِنْدَ القَطْعِ لَيْسَ مِمّا يُورِثُ تَرْكُهُ تَبِعَةً وأمّا ما اعْتُبِرَ انْدِراجُهُ تَحْتَ الصِّلَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الإخْلالِ بِبَعْضِ الحُقُوقِ المَندُوبَةِ فَلا ضَيْرَ في ذَلِكَ لِأنَّ اعْتِبارَهُ مِن حَيْثُ أنَّهُ مِن مُسْتَتْبَعاتِ الإخْلالِ بِالعَزائِمِ كالكُفْرِ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وعُقُوقِ الوالِدَيْنِ وتَرْكِ سائِرِ الحُقُوقِ الواجِبَةِ وقُيِّدَ بِالأكْثَرِ لِأنَّهُ عَلى الكَثِيرِ مِمّا ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِهِ المَدْخَلِيَّةُ ظاهِرَةٌ وقِيلَ: إنَّهُ سَلَكَ في وصْفِ الكَفَرَةِ وذَمِّهِمْ وذِكْرِ ما لَهم مِن مَآلِهِمْ ما لَمْ يَسَلُكْ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ ومَدْحِهِمْ وشَرْحِ ما أُعِدَّ لَهم وما يَنْتَهِي إلَيْهِ أمْرُهم فَأتى في أحَدِهِما بَمَوْصُولاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وصِلاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ولَمْ يُؤْتَ بِنَحْوِ ذَلِكَ في الآخَرِ تَنْبِيهًا عَلى مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ قَوْلًا وفِعْلًا وعَدَمِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ أضْدادِهِمْ فَإنَّهم أنْجاسٌ يُتَمَضْمَضُ مِن ذِكْرِهِمْ هَذا مَعَ الجَزْمِ بِأنَّ مُقْتَضى الحالِ هو هَذا وقِيلَ: إنَّ المَسْلَكَيْنِ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ فَتَأمَّلْ وتَكْرِيرُ ( لَهم ) لِلتَّأْكِيدِ والإيذانِ بِاخْتِلافِهِما واسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما في الثُّبُوتِ <div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا مَتَـٰعٌۭ ٢٦

﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ ﴾ أيْ يُوَسِّعُهُ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴿ ويَقْدِرُ ﴾ أيْ يُضَيِّقُ وقِيلَ: يُعْطِي بِقَدْرِ الكِفايَةِ والمُرادُ بِالرِّزْقِ الدُّنْيَوِيِّ لا ما يَعُمُّ الأُخْرَوِيَّ لِأنَّهُ عَلى ما قِيلَ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلسِّياقِ وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّهُ شامِلٌ لِلرِّزْقَيْنِ الحِسِّيِّ والمَعْنَوِيِّ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ وذَكَرَ في بَيانِ رَبْطِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ ما ذُكِرَ وهي كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَزَلَتْ في أهْلِ مَكَّةَ ثُمَّ إنَّها وإنْ كانَتْ كَذَلِكَ عامَّةً وكَأنَّها دَفْعٌ لِما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُونَ مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ في سِعَةٍ مِنَ الرِّزْقِ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ سَعَةَ رِزْقِهِمْ لَيْسَ تَكْرِيمًا لَهم كَما أنَّ تَضْيِيقَ رِزْقِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ لِإهانَةٍ لَهم وإنَّما كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ صادِرٌ مِنهُ تَعالى لِحِكَمٍ إلَهِيَّةٍ يَعْلَمُها سُبْحانَهُ ورُبَّما وسَّعَ عَلى الكافِرِ إمْلاءً واسْتِدْراجًا لَهُ وضَيَّقَ عَلى المُؤْمِنِ زِيادَةً لِأجْرِهِ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ لِلتَّقْوى فَقَطْ عِنْدَ السَّكّاكِيِّ والزَّمَخْشَرِيُّ يَرى أنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ لِلتَّقْوى والتَّخْصِيصِ ولِذا قالَ: أيِ اللَّهُ وحْدَهُ هو يَبْسُطُ ويَقْدِرُ دُونَ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( ويَقْدُرُ ) بِضَمِّ الدّالِّ حَيْثُ وقَعَ ﴿ وفَرِحُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ ناعٍ قُبْحَ أفْعالِهِمْ مَعَ ما وسَّعَهُ عَلَيْهِ.

والضَّمِيرُ قِيلَ لِأهْلِ مَكَّةَ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهم واخْتارَهُ جَماعَةٌ وقالَ أبُو حَيّانَ: لِلَّذِينِ يَنْقُضُونَ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى صِلَةِ ( الَّذِينَ ) وفي الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ ومَحَلُّ هَذا بَعْدَ ( يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ) ولا يَخْفى بُعْدَهُ لِلِاخْتِلافِ عُمُومًا وخُصُوصًا واسْتِقْبالًا ومُضِيًّا أيْ فَرِحُوا فَرَحَ أشَرٍ وبَطَرٍ ولا فَرَحَ سُرُورٍ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ بِالحَياةِ الدُّنْيا ﴾ أيْ بِما بُسِطَ لَهم فِيها مِنَ النَّعِيمِ لِأنَّ فَرَحَهم لَيْسَ بِنَفْسِ الدُّنْيا فَنِسْبَةُ الفَرَحِ إلَيْها مَجازِيَّةٌ أوْ هُناكَ تَقْدِيرٌ أيْ يَبْسُطُ الحَياةَ أوِ الحَياةَ الدُّنْيا مَجازٌ عَمّا فِيها ﴿ وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ ﴾ أيْ كائِنَةٌ في جَنْبِ نَعِيمِها فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالحَياةِ ولا بِالدُّنْيا كَما قالَ أبُو البَقاءِ لِأنَّهُما لَيْسا فِيها.

و( في ) هَذِهِ مَعْناها المُقايَسَةُ وهي كَثِيرَةٌ في الكَلامِ كَما يُقالُ: ذُنُوبُ العَبْدِ في رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى كَقَطْرَةٍ في بَحْرٍ وهي الدّاخِلَةُ بَيْنَ مَفْضُولٍ سابِقٍ وفاضِلٍ لاحِقٍ وهي الظَّرْفِيَّةُ المَجازِيَّةُ لِأنَّ ما يُقاسُ بِشَيْءٍ يُوضَعُ بِجَنْبِهِ وإسْنادُ ﴿ مَتاعٌ ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا مَتاعٌ ﴾ .

(26) .

إلى الحَياةِ الدُّنْيا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازِيًّا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا والمُرادُ أنَّها لَيْسَتْ إلّا شَيْئًا نَزْرًا يَتَمَتَّعُ بِهِ كَعُجالَةِ الرّاكِبِ وزادِ الرّاعِي يُزَوِّدُهُ أهْلُهُ الكَفَّ مِنَ التَّمْرِ أوِ الشَّيْءَ مِنَ الدَّقِيقِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ والمَعْنى أنَّهم رَضُوا بِحَظِّ الدُّنْيا مُعْرِضِينَ عَنْ نَعِيمِ الآخِرَةِ والحالُ أنَّ ما أشِرُوا بِهِ في جَنْبِ ما أعْرَضُوا عَنْهُ نَزْرُ النَّفْعِ سَرِيعُ النَّفادِ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «نامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى حَصِيرٍ فَقامَ وقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنا لَكَ فَقالَ: ما لِي ولِلدُّنْيا ما أنا في الدُّنْيا إلّا كَراكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ راحَ وتَرَكَها» وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ كالخَبَرِ الدُّنْيا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ يَعْنِي كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ما بُسِطَ لَهم في الدُّنْيا وسِيلَةً إلى الآخِرَةِ كَمَتاعِ تاجِرٍ يَبِيعُهُ بِما يُهِمُّهُ ويَنْفَعُهُ في مَقاصِدِهِ لا أنْ يَفْرَحُوا بِها ويَعُدُّوها مَقاصِدَ بِالذّاتِ والأوَّلُ أوْلى وأنْسَبُ.

<div class="verse-tafsir"

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ٢٧

﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ أهْلُ مَكَّةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ وأصْحابُهُ وإيثارُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَلى الإضْمارِ مَعَ ظُهُورِ إرادَتِهِمْ عَقِيبَ ذِكْرِ فَرَحِهِمْ بِناءً عَلى أنَّ ضَمِيرَ ( فَرِحُوا ) لَهم لِذَمِّهِمْ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فِيما حُكِيَ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ في أقْصى مَراتِبِ المُكابَرَةِ والعِنادِ كَأنَّ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الآياتِ العِظامِ الباهِرَةِ لَيْسَتْ عِنْدَهم بِآيَةٍ حَتّى اقْتَرَحُوا ما لا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ الآياتِ كَسُقُوطِ السَّماءِ عَلَيْهِمْ كِسْفًا وسَيْرِ الأخْشَبَيْنِ وجَعْلِ البِطاحِ مَحارِثَ ومُفْتَرَسًا كالأُرْدُنِ وإحْياءِ قُصَيٍّ لَهم إلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ﴾ إضْلالُهُ مَشِيئَةٌ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْها وهو كَلامُ جارٍ مَجْرى التَّعَجُّبِ مِن قَوْلِهِمْ وذَلِكَ أنَّ الآياتِ الباهِرَةَ المُتَكاثِرَةَ الَّتِي أُوتِيَها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يُؤْتَها نَبِيٌّ قَبْلَهُ وكَفى بِالقُرْآنِ وحْدَهُ آيَةً فَإذا جَحَدُوها ولَمْ يَعْتَدُّوا بِها كانَ ذَلِكَ مَوْضِعًا لِلتَّعَجُّبِ والإنْكارِ وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ في الجَوابِ: ما أعْظَمَ عِنادَكم وما أشَدَّ تَصْمِيمَكم عَلى الكُفْرِ ونَحْوِهِ إلّا أنَّهُ وضَعَ هَذا مَوْضِعَهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُتَعَجِّبَ مِنهُ يَقُولُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ ﴾ ..

إلَخْ أيْ أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ فِيمَن يَشاءُ الضَّلالَ بِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى تَحْصِيلِهِ ويَدَعُهُ مُنْهَمِكًا فِيهِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يَنْجَحُ فِيهِ اللُّطْفُ ولا يَنْفَعُهُ الإرْشادُ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ كَمَن كانَ عَلى صِفَتِكم في المُكابَرَةِ والعِنادِ وشَدَّةِ الشَّكِيمَةِ والغُلُوِّ في الفَسادِ فَلا سَبِيلَ لَهُ إلى الِاهْتِداءِ ولَوْ جاءَتْهُ كُلُّ آيَةٍ.

﴿ ويَهْدِي إلَيْهِ ﴾ أيْ إلى جانِبِهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: أيْ إلى دِينِهِ وشَرْعِهِ سُبْحانَهُ هِدايَةً مُوَصِّلَةً إلَيْهِ لا دَلالَةَ مُطْلَقَةً إلى ما يُوصِلُ فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالمُهْتَدِينَ وفِيهِ مِن تَشْرِيفِهِمْ ما لا يُوصَفُ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ أوْ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا ﴿ مَن أنابَ ﴾ .

(27) .

أيْ أقْبَلَ إلى الحَقِّ وتَأمَّلَ في تَضاعِيفِ ما نَزَلَ مِن دَلائِلِهِ الواضِحَةِ وحَقِيقَةُ الإنابَةِ الرُّجُوعُ إلى نَوْبَةِ الخَيْرِ وإيثارُها في الصِّلَةِ عَلى إيرادِ المَشِيئَةِ كَما في الصِّلَةِ الأُولى عَلى ما قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الدّاعِي إلى الهِدايَةِ بَلْ إلى مَشِيئَتِها والإشْعارِ بِما دَعا إلى المَشِيئَةِ الأُولى مِنَ المُكابَرَةِ وفِيهِ حَثٌّ لِلْكَفَرَةِ عَلى الإقْلاعِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ والعِنادِ وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلْإيماءِ إلى اسْتِدْعاءِ الهِدايَةِ السّابِقَةِ كَما أنَّ إيثارَ صِيغَةِ المُضارِعِ في الصِّلَةِ الأُولى لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ المَشِيئَةِ حَسَبَ اسْتِمْرارِ مُكابَرَتِهِمْ والآيَةُ صَرِيحَةٌ في مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ في نِسْبَةِ الخَيْرِ والشَّرِّ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وأوَّلَها المُعْتَزِلَةُ فَقالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: المَعْنى يُضِلُّ مَن يَشاءُ عَنْ ثَوابِهِ ورَحْمَتِهِ عُقُوبَةً لَهُ عَلى كُفْرِهِ فَلَسْتُمْ مِمَّنْ يُجِيبُهُ اللَّهُ تَعالى إلى ما يَسْألُ لِاسْتِحْقاقِكُمُ العَذابَ والضَّلالَ عَنِ الثَّوابِ ويَهْدِي إلى جَنَّتِهِ مَن تابَ وآمَنَ ثُمَّ قالَ: وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ الهُدى هو الثَّوابُ مِن حَيْثُ عُلِّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن أنابَ ﴾ والهُدى الَّذِي يَفْعَلُهُ سُبْحانَهُ بِالمُؤْمِنِ هو الثَّوابُ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ عَلى إيمانِهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُضِلُّ عَنِ الثَّوابِ لا عَنِ الدِّينِ بِالكُفْرِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن خالَفَنا.

اهَـ.

ولا يَخْفى ما فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ ٢٨

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ مَن أنابَ ﴾ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ فَإنْ أُرِيدَ بِالهِدايَةِ المُسْتَمِرَّةَ فالأمْرُ ظاهِرٌ لِظُهُورِ كَوْنِ الإيمانِ مُؤَدِّيًا إلَيْها وإنْ أُرِيدَ إحْداثُها فالمُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا الَّذِينَ صارَ أمْرُهم إلى الإيمانِ كَما قالُوا في ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أيِ الصّائِرِينَ إلى التَّقْوى وإلّا فالإيمانُ لا يُؤَدِّي إلى الهِدايَةِ نَفْسِها ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ عَلى ذَلِكَ أوْ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿ وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ ﴾ أيْ تَسْتَقِرُّ وتَسْكُنُ ﴿ بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ أيْ بِكَلامِهِ المُعْجِزِ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ وإطْلاقُ الذِّكْرِ عَلى ذَلِكَ شائِعٌ في الذِّكْرِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ ﴾ و ﴿ إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ﴾ وسَبَبُ اطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ بِذَلِكَ عِلْمُهم أنْ لا آيَةَ أعْظَمَ ومِن ذَلِكَ لا يَقْتَرِحُونَ الآياتِ الَّتِي يَقْتَرِحُها غَيْرُهم والعُدُولُ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ دَوامِ الِاطْمِئْنانِ وتَجَدُّدِهِ حَسَبَ تَجَدُّدِ المُنَزَّلِ مِنَ الذِّكْرِ ﴿ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ وحْدَهُ ﴿ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ ﴾ .

(28) .

لِلَّهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَمِيلُ إلَيْها النُّفُوسُ مِنَ الدُّنْياوِيّاتِ وإذا أُرِيدَ سائِرُ المُعْجِزاتِ فالقَصْرُ مِن حَيْثُ أنَّها لَيْسَتْ في إفادَةِ الطُّمَأْنِينَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن لَمْ يُشاهِدْها بِمَثابَةِ القُرْآنِ المَجِيدِ فَإنَّهُ مُعْجِزَةٌ باقِيَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ يُشاهِدُها كُلُّ أحَدٍ وتَطْمَئِنُّ بِهِ القُلُوبُ كافَّةً وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الكَفَرَةَ لا قُلُوبَ لَهم وأفْئِدَتَهم هَواءٌ حَيْثُ لَمْ يَطْمَئِنُّوا بِهِ ولَمْ يَعُدُّوهُ آيَةً وهو أظْهَرُ الآياتِ وأبْهَرُها وقِيلَ: في الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ تَعالى ومَغْفِرَتِهِ بَعْدَ القَلَقِ والِاضْطِرابِ مِن خَشْيَتِهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ وهَذا مُناسِبٌ عَلى ما في الكَشْفِ لِلْإنابَةِ إلَيْهِ تَعالى والمَصْدَرُ عَلَيْهِ مُضافٌ إلى الفاعِلِ وقِيلَ: المُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ دَلائِلُهُ سُبْحانَهُ الدّالَّةُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ والِاطْمِئْنانُ عَنْ قَلَقِ الشَّكِّ والتَّرَدُّدِ وهَذا مُناسِبٌ لِذِكْرِ الكُفْرِ ووُقُوعِهِ في مُقابَلَتِهِ وقِيلَ: المُرادُ بِذِكْرِهِ تَعالى أُنْسًا بِهِ وتَبَتُّلًا إلَيْهِ سُبْحانَهُ فالمُرادُ بِالهِدايَةِ دَوامُها واسْتِمْرارُها قِيلَ: وهَذا مُناسِبٌ أيْضًا حَدِيثَ الكُفْرِ لِأنَّ الكَفَرَةَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُهم والمَصْدَرُ عَلى القَوْلَيْنِ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ والوَجْهُ الأوَّلُ أشَدُّ مُلاءَمَةً لِلنَّظْمِ لا سِيَّما لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ والمَصْدَرُ فِيهِ بِمَعْنى المَفْعُولِ.

ومِنَ الغَرِيبِ ما نُقِلَ في تَفْسِيرِ الخازِنِ أنَّ هَذا في الحَلِفِ بِاللَّهِ وذَلِكَ أنَّ المُؤْمِن إذا حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ تَعالى سَكَنَ قَلْبُهُ ورَوى نَحْوَ ذَلِكَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ فَإنَّ الحَمْلَ عَلَيْهِ هُنا مِمّا لا يُناسِبُ المَقامَ وأمّا ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ مِن «أنَّهُ  قالَ لِأصْحابِهِ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: هَلْ تَدْرُونَ ما مَعْنى ذَلِكَ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: مَن أحَبَّ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ وأحَبَّ أصْحابِي» ومِثْلُهُ ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مِن «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ حِينَ نَزَلَتْ: ذاكَ مَن أحَبَّ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ وأحَبَّ أهْلَ بَيْتِي صادِقًا غَيْرَ كاذِبٍ وأحَبَّ المُؤْمِنِينَ شاهِدًا وغائِبًا» فَلَيْسَ المُرادُ مِنهُ تَفْسِيرَ المُرادِ بِذِكْرِ اللَّهِ بَلْ بَيانُ أنَّ المَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ مَن أحَبَّهُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ  ..

إلَخْ وهو كَذَلِكَ إذْ لا يَكادُ يَتَحَقَّقُ الِانْفِكاكُ بَيْنَ هاتِيكِ الصِّفاتِ فَلْيُتَأمَّلْ ولا تَنافِيَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ لِأنَّ المُرادَ هُناكَ وجِلَتْ مِن هَيْبَتِهِ تَعالى واسْتِعْظامِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ وذَكَرَ الإمامُ في بَيانِ اطْمِئْنانِ القَلْبِ بِذَكَرِهِ تَعالى وُجُوهًا فَقالَ: إنَّ المَوْجُوداتِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُؤَثِّرٌ لا يَتَأثَّرُ ومُتَأثِّرٌ لا يُؤَثِّرُ ومَوْجُودٌ يُؤَثِّرُ ويَتَأثَّرُ فالأوَّلُ هو اللَّهُ تَعالى والثّانِي هو الجِسْمُ فَإنَّهُ لَيْسَ لَهُ خاصِّيَّةٌ إلّا القَبُولَ لِلْآثارِ المُتَنافِيَةِ والصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ والثّالِثُ المَوْجُوداتُ الرُّوحانِيَّةُ فَإنَّها إذا تَوَجَّهَتْ إلى الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ صارَتْ قابِلَةً لِلْآثارِ الفائِضَةِ عَلَيْها مِنها وإذا تَوَجَّهَتْ إلى أعْلامِ الأجْسامِ اشْتاقَتْ إلى التَّصَرُّفِ فِيها لِأنَّ عالَمَ الأرْواحِ مُدَبِّرٌ لِعالَمِ الأجْسامِ فَإذا عُرِفَ هَذا فالقَلْبُ كُلَّما تَوَجَّهَ إلى مُطالَعَةِ عالَمِ الأجْسامِ حَصَلَ فِيهِ الِاضْطِرابُ والقَلَقُ والمَيْلُ الشَّدِيدُ إلى الِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِ والتَّصَرُّفِ فِيهِ وإذا تَوَجَّهَ إلى مُطالَعَةِ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ وحَصَلَتْ فِيهِ الأنْوارُ الصَّمَدِيَّةُ فَهُناكَ يَكُونُ ساكِنًا مُطْمَئِنًّا وأيْضًا أنَّ القَلْبَ كُلَّما وصَلَ إلى شَيْءٍ فَإنَّهُ يَطْلُبُ الِانْتِقالَ مِنهُ إلى أمْرٍ آخَرَ أشْرَفَ مِنهُ لِأنَّهُ لا سَعادَةَ في عالَمِ الجِسْمِ إلّا وفَوْقَها مَرْتَبَةٌ أُخْرى أمّا إذا انْتَهى إلى الِاسْتِسْعادِ بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والأنْوارِ القُدُسِيَّةِ ثَبَتَ واسْتَقَرَّ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى الِانْتِقالِ مِن ذَلِكَ ألْبَتَّةَ لِأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ دَرَجَةٌ أُخْرى في السَّعادَةِ أعْلى مِنهُ وأكْمَلَ وأيْضًا أنَّ الأُكْسِيرَ إذا وقَعَتْ مِنهُ ذَرَّةٌ عَلى الجِسْمِ النُّحاسِيِّ انْقَلَبَ ذَهَبًا باقِيًا عَلى مَمَرِّ الدُّهُورِ صابِرًا عَلى الذَّوَبانِ الحاصِلِ بِالنّارِ فَأُكْسِيرُ نُورِ اللَّهِ تَعالى إذا وقَعَ في القَلْبِ أوْلى أنْ يَقْلِبَهُ جَوْهَرًا باقِيًا صافِيًا نُورانِيًّا لا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ والتَّبَدُّلَ ولِهَذِهِ الأوْجُهِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ ﴾ .

اهَـ.

والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ سَبَبَ الطُّمَأْنِينَةِ نُورٌ يُفِيضُهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَلْبِ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ ذِكْرِهِ فَيَذْهَبُ ما فِيها مِنَ القَلَقِ والوَحْشَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ ولِلْمُناقَشَةِ فِيما ذَكَرَهُ مَجالٌ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في بابِ الإشارَةِ ما يُشْبِهُ ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَـَٔابٍۢ ٢٩

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ بَدَلٌ مِنَ القُلُوبِ أيْ قُلُوبُ الَّذِينَ آمَنُوا والأظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ الكُلِّ لِأنَّ القُلُوبَ في الأوَّلِ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ المُطْمَئِنِّينَ وكَذَلِكَ لَوْ عُمِّمَ القَلْبُ عَلى مَعْنى أنَّ قُلُوبَ هَؤُلاءِ الأجِلّاءِ كُلُّ القُلُوبِ لَأنَّ الكُفّارَ أفْئِدَتُهم هَواءٌ وأمّا الحَمْلُ عَلى بَدَلِ البَعْضِ لِيُعَمَّمَ القَلْبُ مِن غَيْرِ المُلاحَظَةِ المَذْكُورَةِ واسْتِنْباطِ هَذا المَعْنى مِنَ البَدَلِ فَبَعِيدٌ وأمّا احْتِمالُهُ لِبَدَلِ الِاشْتِمالِ وإنِ اسْتَحْسَنَهُ الطَّيِّبِيُّ فَكَلا أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الدِّعائِيَّةُ عَلى التَّأْوِيلِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ طُوبى لَهُمْ ﴾ أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ أوْ لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ والجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ فَطُوبى لَهم حالٌ مُقَدَّرَةٌ والعامِلُ فِيها الفِعْلانِ.

وقالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ: لَعَلَّ الأشْبَهَ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَتِمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن أنابَ ﴾ ثُمَّ قِيلَ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ ﴾ في مُقابَلَةِ ﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ تُفِيدُ كَيْفَ لا تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم لَهُ ولا اطْمِئْنانَ لِلْقَلْبِ بِغَيْرِهِ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى أفْضَلُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بَلْ هو كُلُّها و ﴿ طُوبى لَهُمْ ﴾ خَبَرُ الأوَّلِ فَيَتِمُّ التَّقابُلُ بَيْنَ القَرِينَتَيْنِ ﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ و ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ ﴾ وبَيْنَ جُزْأيِ التَّذْيِيلِ: ﴿ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ المَوْصُولَ الأوَّلَ مُبْتَدَأٌ والمَوْصُولَ الثّانِيَ خَبَرُهُ و ﴿ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ اعْتِراضٌ و ﴿ طُوبى لَهُمْ ﴾ دُعاءٌ وهو كَما تَرى و ﴿ طُوبى ﴾ قِيلَ مَصْدَرٌ مِن طابَ كَبُشْرى وزُلْفى والواوُ مُنْقَلِبَةٌ مِنَ الياءِ كَمُوسِرٍ ومُوقِنٍ وقَرَأ مُكَوَّزَةُ الأعْرابِيُّ ( طِيبى ) لِيُسَلِّمَ الياءَ وقالَ أبُو الحَسَنِ الهَنائِيُّ: هي جَمْعُ طَيِّبَةٍ كَما قالُوا في كَيِّسَةٍ كُوسى وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فُعْلى لَيْسَتْ مِن أبْنِيَةِ الجُمُوعِ فَلَعَلَّهُ أرادَ أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ وعَلى الأوَّلِ فَلَهم في المَعْنى المُرادِ عِباراتٌ فَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى فَرَحٌ وقُرَّةُ عَيْنٍ لَهم وعَنِ الضَّحّاكِ غِبْطَةٌ لَهم وعَنْ قَتادَةَ حُسْنى لَهم وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أصابُوا خَيْرًا وعَنِ النَّخَعِيِّ خَيْرٌ كَثِيرٌ لَهم وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ كَرامَةٌ لَهم وعَنْ سُمَيْطِ بْنِ عَجْلانَ دَوامُ الخَيْرِ لَهم ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى مَعْنى العَيْشِ الطَّيِّبِ لَهم وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ طُوبى اسْمٌ لِلْجَنَّةِ بِالحَبَشِيَّةِ وقِيلَ بِالهِنْدِيَّةِ وقالَ القُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ أنَّها عَلَمٌ لِشَجَرَةٍ في الجَنَّةِ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ وصَحَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ قالَ «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أفِي الجَنَّةِ فاكِهَةٌ قالَ: نَعَمْ فِيها شَجَرَةٌ تُدْعى طُوبى هي نِطاقُ الفِرْدَوْسِ قالَ: أيُّ شَجَرِ أرْضِنا تُشْبِهُ قالَ: لَيْسَ تُشْبِهُ شَيْئًا مِن شَجَرِ أرْضِكَ ولَكِنْ أتَيْتَ الشّامَ قالَ: لا قالَ: فَإنَّها تُشْبِهُ شَجَرَةً بِالشّامِ تُدْعى الجَوْزَةَ تَنْبُتُ عَلى ساقٍ واحِدٍ ثُمَّ يَنْتَشِرُ أعْلاها قالَ: ما عِظَمُ أصْلِها قالَ: لَوِ ارْتَحَلْتَ جَذَعَةً مِن إبِلِ أهْلِكَ ما أحَطْتَ بِأصْلِها حَتّى تَنْكَسِرَ تَرْقُوَتُها هَرَمًا قالَ: فَهَلْ فِيها عِنَبٌ قالَ: نَعَمْ قالَ: ما عِظَمُ العُنْقُودِ مِنهُ قالَ: مَسِيرَةَ شَهْرٍ لِلْغُرابِ الأبْقَعِ» والأخْبارُ المُصَرِّحَةُ بِأنَّها شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ مُنْتَشِرَةٌ جِدًّا وحِينَئِذٍ فَلا كَلامَ في جَوازِ الِابْتِداءِ بِها وإنْ كانَتْ نَكِرَةً فَمُسَوِّغُ الِابْتِداءِ بِها ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّهُ ذَهَبَ بِها مَذْهَبَ الدُّعاءِ كَقَوْلِهِمْ: سَلامٌ عَلَيْكَ إلّا أنَّهُ ذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ إلى أنَّهُ التَزَمَ فِيها الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ عِيسى الثَّقَفِيَّ قَرَأ ( وحَسُنَ مَآبٍ ) .

(29) .

بِالنَّصْبِ وخَرَّجَ ذَلِكَ ثَعْلَبٌ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى طُوبى وأنَّها في مَوْضِعِ نَصْبٍ وهي عِنْدُهُ مَصْدَرٌ مَعْمُولٌ لِمِقْدارٍ أيْ طابَ واللّامُ لِبَيانٍ كَما في سُقْيًا لَهُ ومِنهم مَن قَدَّرَ جَعَلَ طُوبى لَهم وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: إنَّ التَّقْدِيرَ يا طُوبى لَهم ويا حُسْنَ مَآبٍ فَحُسْنَ مَعْطُوفٌ عَلى المُنادى وهو مُضافٌ لِلضَّمِيرِ واللّامُ مُقْحَمَةٌ كَما في قَوْلِهِ: يا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضِرارُ الأقْوامِ ولِذَلِكَ سَقَطَ التَّنْوِينُ مِن بُؤْسَ وكَأنَّهُ قِيلَ يا طُوباهم ويا حُسْنَ مَآبِهِمْ أيْ ما أطْيَبَهم وأحْسَنَ مَآبَهم كَما تَقُولُ: يا طِيبَها لَيْلَةً أيْ ما أطْيَبَها لَيْلَةً ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وأجابَ السَّفاقِسِيُّ عَنِ ابْنِ مالِكٍ بِأنَّهُ يَجُوزُ نَصْبُ ( حُسْنَ ) بِمُقَدَّرٍ أيْ ورَزَقَهم حُسْنَ مَآبٍ وهو بَعِيدٌ.

وقُرِئَ ( حُسْنَ مَآبٌ ) بِفَتْحِ النُّونِ ورَفْعِ مَآبٍ وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُسْنَ فِعْلٌ ماضٍ أصْلُهُ حَسُنَ نُقِلَتْ ضَمَّةُ السِّينِ إلى الحاءِ ومِثْلُهُ جائِزٌ في فِعْلٍ إذا كانَ لِلْمَدْحِ أوِ الذَّمِّ كَما قالُوا: حُسْنَ ذا <div class="verse-tafsir"

كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَـٰكَ فِىٓ أُمَّةٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌۭ لِّتَتْلُوَا۟ عَلَيْهِمُ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ٣٠

﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإرْسالِ العَظِيمِ الشَّأْنِ المَصْحُوبِ بِالمُعْجِزَةِ الباهِرَةِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِثْلُ إرْسالِ الرُّسُلِ قَبْلَكَ ﴿ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ ﴾ فَيَكُونُ قَدْ شُبِّهَ إرْسالُهُ  بِإرْسال مَن قَبْلَهُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ ﴾ أيْ مَضَتْ ﴿ مِن قَبْلِها أُمَمٌ ﴾ كَثِيرَةٌ قَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رُسُلٌ عَلَيْهِمْ ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ وقِيلَ: الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَعْنى الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ﴾ ..

إلَخْ أيْ كَما أنْفَذْنا ذَلِكَ أرْسَلْناكَ ونُقِلَ نَحْوُهُ عَنِ الحَوْفِيِّ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَعْنى كَما أجْرَيْنا العادَةَ في الأُمَمِ السّابِقَةِ بِأنْ نُضِلَّ ونَهْدِيَ بِوَحْيٍ لا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ كَذَلِكَ أيْضًا فَعَلْنا في هَذِهِ الأُمَّةِ وأرْسَلْناكَ إلَيْهِمْ بِوَحْيٍ لا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ فَنُضِلُّ مَن نَشاءُ ونَهْدِي مَن أنابَ وقالَ أبُو البَقاءِ: التَّقْدِيرُ الأمْرُ كَذَلِكَ والحَسَنُ ما قَدَّمْناهُ وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ.

و( في ) بِمَعْنى إلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ ﴾ وقِيلَ: هي عَلى ظاهِرِها وفِيها إشارَةٌ إلى أنَّهُ مِن جُمْلَتِهِمْ وناشِئٌ بَيْنَهم ولا تَكُونُ بِمَعْنى إلى إذْ لا حاجَةَ لِبَيانِ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وفِيهِ نَظَرٌ ظاهِرٌ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المَذْكُورِ وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: في تَفْسِيرِ الآيَةِ يَعْنِي أرْسَلْنا إرْسالًا لَهُ شَأْنٌ وفَضْلٌ عَلى الإرْسالاتِ ثُمَّ فَسَّرَ كَيْفَ أرْسَلَهُ بِقَوْلِهِ: إلى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ أيِ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ تَقَدَّمَها أُمَمٌ كَثِيرَةٌ فَهي آخِرُ الأُمَمِ وأنْتَ خاتَمُ الأنْبِياءِ لَمْ يَرِدْ بِهِ أنَّها لا تَتَعَلَّقُ بِالمَذْكُورِ بَلْ أرادَ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ المُبْهَمَ لَمّا كانَ ما بَعْدَهُ تَفْخِيمًا كانَ بَيانُهُ بِصِلَةِ ذَلِكَ الفِعْلِ حَتّى يَزُولَ الإبْهامُ ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ ذَلِكَ فَيُقَدَّرُ أرْسَلْناكَ ثانِيًا ويَكُونُ قَوْلُهُ: أيْ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ إظْهارًا لِلْمَحْذُوفِ أيْضًا لا بَيانًا لِحاصِلِ الآيَةِ وهو الَّذِي آثَرَهُ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ والتَّعَلُّقُ بِالمَذْكُورِ هو الظّاهِرُ وجُمْلَةُ ﴿ قَدْ خَلَتْ ﴾ ..

إلَخْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأُمَّةٍ وفائِدَةُ الوَصْفِ بِذَلِكَ قِيلَ: ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَقَدُّمِ أُمَمٍ كَثِيرَةٍ قَبْلَ أنْ لا يَكُونَ أُمَّةٌ يُرْسَلُ إلَيْها بَعْدُ حَتّى يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ  خاتَمَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبَحَثَ فِيهِ الشِّهابُ بِأنَّ المُرادَ بِكَوْنِ إرْسالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَجِيبًا أنَّ رِسالَتَهُ أعْظَمُ مِن كُلِّ رِسالَةٍ فَهي جامِعَةٌ لِكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ فَيَلْزَمُ أنْ لا نَسْخَ إذِ النَّسْخُ إنَّما يَكُونُ لِلتَّكْمِيلِ والكامِلُ أتَمَّ كَمالٍ غَيْرُ مُحْتاجٍ لِتَكْمِيلٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ .

اهَـ.

ولَعَمْرِي أنَّ الِاعْتِراضَ قَوِيٌّ والبَحْثَ في غايَةِ الضَّعْفِ إذْ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ إرْسالِهِ  عَجِيبًا ما ادَّعاهُ ولَوْ سَلَّمْنا ذَلِكَ لا يَلْزَمُ مِنهُ أيْضًا كَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خاتَمًا إذْ بَعْثُهُ مُقَرِّرٌ دِينَهُ الكامِلَ كَما بُعِثَ كَثِيرٌ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ لِتَقْرِيرِ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَأْبى ما ذُكِرَ مِن جامِعِيَّةِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولُزُومِ عَدَمِ النَّسْخِ لِذَلِكَ كَما لا يَخْفى ولَعَلَّهُ لِهَذا اخْتارَ بَعْضُهم ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقالَ: مُنَبِّهًا عَلى فائِدَةِ الوَصْفِ يَعْنِي مِثْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ قَبْلَكَ أرْسَلْناكَ إلى أُمَمٍ تَقَدَّمَتْها أُمَمٌ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ فَلَيْسَ بِبِدْعٍ إرْسالُكَ إلَيْها ﴿ لِتَتْلُوَ ﴾ لِتَقْرَأ ﴿ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴾ أيِ الكِتابَ العَظِيمَ الشَّأْنِ: ويُشْعِرُ بِهَذا الوَصْفِ ذِكْرُ المَوْصُوفِ غَيْرَ جارٍ عَلى مَوْصُوفٍ وإسْنادُ الفِعْلِ في صِلَتِهِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ وكَذا الإيصالُ إلى المُخاطَبِ المُعَظَّمِ بِدَلِيلِ سابِقِهِ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ مِن قَبِيلِ الإبْهامِ ثُمَّ البَيانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾ وفِيهِ ما لا يَخْفى مِن تَرْقُّبِ النَّفْسِ إلى ما سَيَرِدُ وحُسْنِ قَبُولِها لَهُ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْأُمَّةِ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما رُوعِيَ في ضَمِيرِ ﴿ خَلَتْ ﴾ لَفْظُها.

﴿ وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾ أيْ بِالبَلِيغِ الرَّحْمَةِ الَّذِي أحاطَتْ بِهِمْ نِعْمَتُهُ ووَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَتُهُ فَلَمْ يَشْكُرُوا نِعَمَهُ سُبْحانَهُ لا سِيَّما ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِكَ إلَيْهِمْ وإنْزالِ القُرْآنِ الَّذِي هو مَدارُ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ عَلَيْهِمْ بَلْ قابَلُوا رَحْمَتَهُ ونِعَمَهُ بِالكُفْرِ ومُقْتَضى العَقْلِ عَكْسُ ذَلِكَ وكانَ الظّاهِرَ بِنا إلّا أنَّهُ التَفَتَ إلى الظّاهِرِ وأُوثِرَ هَذا الِاسْمُ الدّالُّ عَلى المُبالَغَةِ في الرَّحْمَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الإرْسالَ ناشِئٌ مِنها كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْأُمَّةِ أيْضًا والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ( أرْسَلْنا ) لا مِن ضَمِيرِ ﴿ عَلَيْهِمُ ﴾ إذِ الإرْسالُ لَيْسَ لِلتِّلاوَةِ عَلَيْهِمْ حالَ كُفْرِهِمْ ومِنهم مَن جَوَّزَ ذَلِكَ والتِّلاوَةُ عَلَيْهِمْ حالَ الكُفْرِ لِيَقِفُوا عَلى إعْجازِهِ فَيُصَدِّقُوا بِهِ لِعِلْمِهِمْ بِأفانِينِ البَلاغَةِ ولا يُنافِي تِلاوَتَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ إسْلامِهِمْ وجُوِّزَ في الجُمْلَةِ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً والضَّمِيرُ حَسْبَما عَلِمْتَ وقِيلَ: إنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِينَ قالُوا ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى ﴿ أُمَّةٍ ﴾ وعَلى ( أُمَمٍ ) ويَكُونُ في الآيَةِ تَسْلِيَةٌ لَهُ  وعَنْ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ ومُقاتِلٍ «أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ لَمّا رَأوْا كِتابَ الصُّلْحِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وقَدْ كَتَبَ فِيهِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) فَقالَ: سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا مُسَيْلَمَةَ وقِيلَ: سَمِعَ أبُو جَهْلٍ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ  : يا اللَّهُ يا رَحْمَنُ فَقالَ إنَّ مُحَمَّدًا يَنْهانا عَنْ عِبادَةِ الآلِهَةِ وهو يَدْعُو إلَهَيْنِ فَنَزَلَتْ» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ لَمّا قِيلَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: ﴿ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ ﴾ فَنَزَلَتْ وضُعِّفَ كُلُّ ذَلِكَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهم يَكْفُرُونَ بِهَذا الِاسْمِ وإطْلاقِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والظّاهِرُ أنَّ كُفْرَهم بِمُسَمّاهُ ﴿ قُلْ ﴾ حِينَ كَفَرُوا بِهِ سُبْحانَهُ ولَمْ يُوَحِّدُوهُ ﴿ هُوَ ﴾ أيِ الرَّحْمَنُ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ ﴿ رَبِّي ﴾ خالِقِي ومُتَوَلِّي أمْرِي ومُبَلِّغِي إلى مَراتِبِ الكَمالِ وإيرادُ هَذا قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ أيْ لا مُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ سِواهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ العِبادَةِ مَنُوطٌ بِالرُّبُوبِيَّةِ والجُمْلَةُ داخِلَةٌ في حَيِّزِ القَوْلِ وهي خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عِنْدَ بَعْضٍ وقالَ بَعْضُ آخَرُ: إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ نَعى عَلى الكَفَرَةِ حالَهم وعَكْسَهم مُقْتَضى العَقْلِ أمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى خاصَّةِ نَفْسِهِ ووَظِيفَتِهِ مِنَ الشُّكْرِ ومَآلِ أمْرِهِ تَأْنِيبًا لَهم فَقالَ: قُلْ هو رَبِّي الَّذِي أرْسَلَنِي إلَيْكم وأيَّدَنِي بِما أيَّدَنِي ولا رَبَّ لِي سِواهُ ﴿ عَلَيْهِ ﴾ لا عَلى أحَدٍ سِواهُ ﴿ تَوَكَّلْتُ ﴾ في جَمِيعِ أُمُورِي لا سِيَّما في النُّصْرَةِ عَلَيْكم ﴿ وإلَيْهِ ﴾ خاصَّةً ﴿ مَتابِ ﴾ .

(30) .

أيْ مَرْجِعِي فَيُثِيبُنِي عَلى مُصابِرَتِكم ومُجاهَدَتِكم وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ اعْتِراضٌ أُكِّدَ بِهِ اخْتِصاصُ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَفْوِيضُ الأُمُورِ عاجِلًا وآجِلًا إلَيْهِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إلَهَ إلا هو وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ .

اهَـ.

وإلى القَوْلِ بِالِاعْتِراضِ ذَهَبَ صاحِبُ الكَشْفِ وحَمَلَ عَلى ذَلِكَ كَلامَ الكَشّافِ حَيْثُ ذَكَرَ بَعْدَ ﴿ هُوَ رَبِّي ﴾ الواحِدُ المُتَعالِي عَنِ الشُّرَكاءِ فَقالَ: جَعَلَهُ فائِدَةَ الِاعْتِراضِ بِلا إلَهَ إلّا هو أيْ هَذا البَلِيغُ الرَّحْمَةِ ولا إلَهَ إلّا هو فَهو بَلِيغُ الِانْتِقامِ كَما هو بَلِيغُ الرَّحْمَةِ يَرْحَمُنِي ويَنْتَقِمُ لِي مِنكم وهو تَمْهِيدٌ أيْضًا لِقَوْلِهِ: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ ولَمْ يُجْعَلْ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ الإخْبارَ بِأنَّهُ تَعالى مُتَوَحِّدٌ بِالإلَهِيَّةِ بَلِ المَقْصُودُ أنَّ المُتَوَحِّدَ بِها رَبِّي وذَلِكَ يُفِيدُهُ الِاعْتِراضُ وأمّا أنَّ المَفْهُومَ مِن كَلامِهِ أنَّهُ حالٌ ولِذَلِكَ أُجْرِيَ مَجْرى الوَصْفِ فَكَلّا إلّا أنْ يُجْعَلَ حالًا مُؤَكِّدَةً ولا يُغايِرُ الِاعْتِراضُ إذًا كَثِيرَ مُغايِرَةٍ لَكِنَّ الأوَّلَ أمْلَأُ بِالفائِدَةِ.

اهَـ.

ولا يَخْفى ما في تَوْجِيهِ كَلامِ الكَشّافِ بِذَلِكَ مِنَ الخَفاءِ وفي كَوْنِ المَقْصُودِ أنَّ المُتَوَحِّدَ بِالإلَهِيَّةِ رَبِّي دُونَ الإخْبارِ بِأنَّهُ تَعالى مُتَوَحِّدٌ بِها عَلى ما قِيلَ تَأمَّلْ ولَعَلَّ مَبْناهُ أنَّ ما أثْبَتَهُ أوْفَقُ بِالغَرَضِ الَّذِي يُشِيرُ كَلامُهُ إلى اعْتِبارِهِ مَساقًا لِلْآيَةِ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في وصْفِهِ تَعالى بِالتَّوَحُّدِ ما لا يَخْفى.

نَعَمْ قِيلَ لِلْقَوْلِ بِالِاعْتِراضِ وجْهٌ وأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ إرْسالَهُ  إلَيْهِمْ وأنَّ حالَهم أنَّهم يَكْفُرُونَ بِالبَلِيغِ الرَّحْمَةِ ولا يُقابِلُونَ رَحْمَتَهُ بِالشُّكْرِ فَيُؤْمِنُوا بِهِ ويُوَحِّدُوهُ أمَرَهُ بِالإخْبارِ بِتَخْصِيصِ تَوَكُّلِهِ واعْتِمادِهِ عَلى ذَلِكَ البَلِيغِ الرَّحْمَةِ ورُجُوعِهِ في سائِرِ أُمُورِهِ إلَيْهِ إيماءً إلى أنَّ إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ لا يَضُرُّهُ شَيْئًا وأنَّ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عاقِبَةً مَحْمُودَةً وأنَّهُ سُبْحانَهُ سَيَنْصُرُهُ عَلَيْهِمْ وفي ذَلِكَ مِن تَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ في الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ واسْتِنْهاضِهِمْ إلى اتِّباعِهِ ما فِيهِ إلّا أنَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ أمَرَهُ أوَّلًا أنْ يَقُولَ: ﴿ هُوَ رَبِّي ﴾ تَوْطِئَةً لِذَلِكَ وجِيءَ بِلا إلَهَ إلّا هو اعْتِراضًا لِلتَّأْكِيدِ والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ بَعْدَ التَّأمُّلِ ومُلاحَظَةِ الأُسْلُوبِ القَوْلُ بِالِاعْتِراضِ ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ جُمَلَ ﴿ وإلَيْهِ مَتابِ ﴾ عَلى إلَيْهِ رُجُوعِي في سائِرِ أُمُورِي خِلافُ الظّاهِرِ وأنَّهُ عَلى ذَلِكَ يَكُونُ كالتَّأْكِيدِ لِما قَبْلَهُ وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في تَفْسِيرِهِ: أيْ إلَيْهِ تَوْبَتِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ إبانَةً لِفَضْلِ التَّوْبَةِ ومِقْدارِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأنَّها صِفَةُ الأنْبِياءِ وبَعْثًا لِلْكَفَرَةِ عَلى الرُّجُوعِ عَمّا هم عَلَيْهِ بِأبْلَغِ وجْهٍ وألْطَفِهِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ أُمِرَ بِها وهو مُنَزَّهٌ عَنْ شائِبَةِ اقْتِرافِ ما يُوجِبُها مِنَ الذَّنْبِ وإنْ قَلَّ فَتَوْبَتُهم وهم عاكِفُونَ عَلى أنْواعِ الكُفْرِ والمَعاصِي مِمّا لا بُدَّ مِنهُ أصْلًا.

اهَـ.

وفِيهِ أنَّ هَذا إنَّما يَصْلُحُ باعِثًا لِلْإقْلاعِ عَنِ الذَّنْبِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وألْطَفِهِ لَوْ كانَ الكَلامُ مَعَ غَيْرِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا ولَعَلَّ ذَلِكَ ظاهِرٌ عِنْدَ المُنْصِفِ وقالَ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ في ذَلِكَ: أيْ إلَيْهِ مَرْجِعِي ومَرْجِعُكم وكَأنَّهُ أرادَ أيْضًا فَيَرْحَمُنِي ويَنْتَقِمُ مِنكم والِانْتِقامُ مِنَ الرَّحْمَنِ أشَدُّ كَما قِيلَ: أعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن غَضَبِ الحَلِيمِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ ولَوْ كانَ المُضافُ إلَيْهِ المَحْذُوفُ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ أيْ مَتابُنا إذْ يَكُونُ حِينَئِذٍ مَرْجِعِي ومَرْجِعُكم تَفْصِيلًا لِذَلِكَ ولا يَكادُ يَقُولُ بِهِ أحَدٌ مَعَ قَوْلِهِ بِكَسْرِ الباءِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ الياءَ عَلى أنَّ ذَلِكَ الضَّمِيرَ لا يُناسِبُ ما قَبْلَهُ ولَعَلَّ العَلّامَةَ اعْتَبَرَ أنَّ في الآيَةِ اكْتِفاءً عَلى ما قِيلَ: أيْ مَتابِي ومَتابُكم أوْ أنَّ الكَلامَ دالٌّ عَلَيْهِ التِزامًا وهَذا أوْلى عَلى ما قِيلَ فَتَأمَّلْ <div class="verse-tafsir"

وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًۭا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ ٱلْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَا۟يْـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا۟ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًۭا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ وَعْدُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ٣١

﴿ ولَوْ أنَّ قُرْآنًا ﴾ أيْ قُرْآنًا ما والمُرادُ بِهِ المَعْنى اللُّغَوِيُّ وهو اسْمُ أنَّ والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ ﴾ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِانْسِياقِ الكَلامِ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ: .

فَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولَهُ سِواكَ ولَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعًا والمَقْصُودُ إمّا بَيانُ عِظَمِ شَأْنِ القُرْآنِ العَظِيمِ وفَسادِ رَأْيِ الكَفَرَةِ حَيْثُ لَمْ يُقَدِّرُوا قَدْرَهُ ولَمْ يَعُدُّوهُ مِن قَبِيلِ الآياتِ واقْتَرَحُوا غَيْرَهُ وإمّا بَيانُ غُلُوِّهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ وتَمادِيهِمْ في الضَّلالَةِ والفَسادِ والمَعْنى عَلى الأوَّلِ لَوْ أنَّ كِتابًا سُيِّرَتْ بِإنْزالِهِ أوْ بِتِلاوَتِهِ الجِبالُ وزُعْزِعَتْ عَنْ مَقارِّها كَما فُعِلَ ذَلِكَ بِالطَّوْرِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ ﴾ أيْ شُقِّقَتْ وجُعِلَتْ أنْهارًا وعُيُونًا كَما فُعِلَ بِالحَجَرِ حِينَ ضَرَبَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَصاهُ أوْ جُعِلَتْ قِطَعًا مُتَصَدِّعَةً ﴿ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى ﴾ أيْ كَلَّمَ أحَدٌ بِهِ المَوْتى بِأنْ أحْياهم بِقِراءَتِهِ فَتَكَلَّمَ مَعَهم بَعْدُ وذَلِكَ كَما وقَعَ الإحْياءُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَكانَ ذَلِكَ هَذا القُرْآنَ لِكَوْنِهِ الغايَةَ القُصْوى في الِانْطِواءِ عَلى عَجائِبِ آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وهَيْبَتِهِ عَزَّ وجَلَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وقِيلَ: في التَّعْلِيلِ لِكَوْنِهِ الغايَةَ في الإعْجازِ والنِّهايَةَ في التَّذْكِيرِ والإنْذارِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مَدْخَلَ لِلْإعْجازِ في هَذِهِ الآثارِ والتَّذْكِيرُ والإنْذارُ مُخْتَصّانِ بِالعُقَلاءِ مَعَ أنَّهُ لا عِلاقَةَ لِذَلِكَ بِتَكْلِيمِ المَوْتى واعْتِبارُ فَيْضِ العُقُولِ إلَيْها مُخِلٌّ بِالمُبالَغَةِ المَقْصُودَةِ وبُحِثَ فِيهِ بِأنَّ ما ذُكِرَ أوَّلًا مِن مَزِيدِ الِانْطِواءِ عَلى عَجائِبِ آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أمْرٌ يَرْجِعُ إلى الهَيْبَةِ وهي أيْضًا مِمّا لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْها تَكْلِيمُ المَوْتى بَلْ لَعَلَّها مانِعَةٌ مِن ذَلِكَ لِأنَّها حَيْثُ اقْتَضَتْ تَزَعْزُعَ الجِبالِ وتَقَطُّعَ الأرْضِ فَلَأنْ تَقْتَضِي مَوْتَ الأحْياءِ دُونَ إحْياءِ الأمْواتِ الَّذِي يَكُونُ التَّكْلِيمُ بَعْدَهُ مِن بابِ أوْلى وفِيهِ نَظَرٌ والباءُ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ لِلسَّبَبِيَّةِ وجُوِّزَ في الثّالِثِ مِنها أنْ تَكُونَ صِلَةَ ما عِنْدَها وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ فِيها عَلى المَرْفُوعِ لِقَصْدِ الإبْهامِ ثُمَّ التَّفْسِيرُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ عَلى ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

و( أوْ ) في المَوْضِعَيْنِ لِمَنعِ الخُلُوِّ لا الجَمْعِ والتَّذْكِيرُ في ﴿ كُلِّمَ ﴾ لِتَغْلِيبِ المُذَكَّرِ مِنَ المَوْتى عَلى غَيْرِهِ واقْتِراحِهِمْ وإنْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِمُجَرَّدِ ظُهُورِ مِثْلِ هَذِهِ الأفاعِيلِ العَجِيبَةِ عَلى يَدِهِ  لا بِظُهُورِها بِواسِطَةِ القُرْآنِ لَكِنَّ ذَلِكَ حَيْثُ كانَ مَبْنِيًّا عَلى عَدَمِ اشْتِمالِهِ في زَعْمِهِمْ عَلى الخَوارِقِ نِيطَ ظُهُورُها بِهِ مُبالَغَةً في شَأْنِ اشْتِمالِهِ عَلَيْها وأنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِكُلِّ خارِقٍ وإبانَةً لِرَكاكَةِ رَأْيِهِمْ في شَأْنِهِ الرَّفِيعِ كَأنَّ قِيلَ: لَوْ أنَّ ظُهُورَ أمْثالِ ما اقْتَرَحُوهُ مِن مُقْتَضَياتِ الحِكْمَةِ لَكانَ مَظْهَرُها هَذا القُرْآنَ الَّذِي لَمْ يَعُدُّوهُ آيَةً وفِيهِ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِهِ العَزِيزِ ووَصْفُهم بِرَكاكَةِ العَقْلِ لا يَخْفى كَذا حَقَّقَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ وعَلى الثّانِي لَوْ أنَّ قُرْآنًا فُعِلَتْ بِهِ هَذِهِ الأفاعِيلُ العَجِيبَةُ لَما آمَنُوا بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى ﴾ الآيَةَ والكَلامُ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ الشِّهابُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ حَقِيقَةٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ كَقَوْلِهِ: .

ولَوْ طارَ ذُو حافِرٍ قَبْلَها ∗∗∗ لَطارَتْ ولَكِنَّهُ لَمْ يَطْرِ وجَعَلَهُ عَلى الأوَّلِ تَمْثِيلًا كالآيَةِ المَذْكُورَةِ هُناكَ عَلى ما قالَ لا وجْهَ لَهُ وتَمْثِيلُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِها لِبَيانِ أنَّ القُرْآنَ يَقْتَضِي غايَةَ الخَشْيَةِ وصَنِيعُ كَثِيرٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ ظاهِرٌ في تَرْجِيحِ التَّقْدِيرِ الأوَّلِ وفي الكَشْفِ لَوْ تَأمَّلْتَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ حَقَّ التَّأمُّلِ وجَدْتَ بِناءَ الكَلامِ فِيها عَلى حَقِّيَّةِ الكِتابِ المَجِيدِ واشْتِمالِهِ عَلى ما فِيهِ صَلاحُ الدّارَيْنِ وإنَّ السَّعِيدَ كُلَّ السَّعِيدِ مَن تَمَسَّكَ بِحَبْلِهِ والشَّقِيَّ كُلَّ الشَّقِيِّ مَن أعْرَضَ عَنْهُ إلى هَواهُ حَيْثُ قالَ تَعالى أوَّلًا: ﴿ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ ﴾ ثُمَّ تَعَجَّبَ مِن إنْكارِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ ﴾ فَأثْبَتَ حَقِّيَّتَهُ بِالحُجَّةِ ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ وهو مَثَلٌ لِلْحَقِّ الَّذِي هو القُرْآنُ ومَنِ انْتَفَعَ بِهِ عَلى ما فَسَّرَهُ المُحَقِّقُونَ ثُمَّ صَرَّحَ تَعالى بِنَتِيجَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالبُرْهانِ النَّيِّرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى ﴾ ثُمَّ أعادَ جَلَّ شَأْنُهُ قَوْلَهُ ﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ دَلالَةً عَلى إنْكارِهِمْ أوَّلَ ما أتاهم وبَعْدَ رَصانَةِ عِلْمِهِمْ بِحَقِّيَّتِهِ فَهم مُتَمادُونَ في الإنْكارِ ثُمَّ كَرَّ إلى بَيانِ الحَقِّيَّةِ فِيما نَحْنُ فِيهِ وبالَغَ المُبالَغَةَ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَها سَواءً جُعِلَ داخِلًا في حَيِّزِ القَوْلِ أوْ جُعِلَ ابْتِداءَ كَلامٍ مِنهُ تَعالى تَذْيِيلًا وهو الأبْلَغُ لِيَكُونَ مَقْصُودًا بِذاتِهِ في الإفادَةِ المَذْكُورَةِ مُؤَكِّدًا لِمَجْمُوعِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ ﴾ مِن تَعْظِيمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ وشِدَّةُ إنْكارِهِمْ وتَصْمِيمِهِمْ عِلاوَةً في أنْ لَمْ يَبْقَ إلّا التَّوَكُّلُ والصَّبْرُ عَلى مُجاهَدَتِكم إذْ لا وراءَ هَذا القُرْآنِ حَتّى أجِيءَ بِهِ لِتُسْلِمُوا ثُمَّ فَخَّمَهُ ونَعى عَلَيْهِمْ مُكابَرَتَهم بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ﴾ وأيَّدَ حَقِّيَّةَ الكِتابِ فِيمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ في خاتِمَةِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ كَفى بِاللَّهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مَعَ ظُهُورِ أمْرِهِ في إفادَةِ الحَقائِقِ العِرْفانِيَّةِ والخَلائِقِ الإيمانِيَّةِ لا يُعْلَمُ حَقِيقَةُ ما فِيهِ إلّا مِن تَفَرَّدَ بِهِ وبِإنْزالِهِ تَبارَكَ وتَعالى.

اهَـ.

وفي سَبَبِ النُّزُولِ وسَتَعْلَمُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُؤَيِّدُ الثّانِي والظّاهِرُ عَلى حَقِّهِ وأشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا أنَّ الآيَةَ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ﴾ وهي عَلى الثّانِي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾ بَيانًا لِتَصْمِيمِهِمْ في كُفْرِهِمْ وإنْكارِهِمُ الآياتِ ومَن أتى بِها لا بِذَلِكَ لِبُعْدِ المَرْمى مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا ﴾ أيْ لَهُ الأمْرُ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ فَلَكُ الأكْوانِ وُجُودًا وعَدَمًا يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكَمُ البالِغَةُ قِيلَ: إضْرابٌ عَمّا تَقْتَضِيهِ الشَّرْطِيَّةُ مِن مَعْنى النَّفْيِ لا بِحَسَبِ مَنطُوقِهِ بَلْ بِاعْتِبارِ مُوجِبِهِ ومُؤَدّاهُ أيْ لَوْ أنَّ قُرْآنًا فُعِلَ بِهِ ما ذُكِرَ لَكانَ ذَلِكَ هَذا القُرْآنَ ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ سُبْحانَهُ بَلْ فَعَلَ ما عَلَيْهِ الشَّأْنُ الآنَ لِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لَهُ وحْدَهُ فالإضْرابُ لَيْسَ بِمُتَوَجِّهٍ إلى كَوْنِ الأمْرِ لِلَّهِ تَعالى بَلْ إلى ما لا يُؤَدِّي إلَيْهِ ذَلِكَ مِن كَوْنِ الشَّأْنِ عَلى ما كانَ لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وقِيلَ: إنَّ حاصِلَ الإضْرابِ لا يَكُونُ تَسْيِيرَ الجِبالِ مَعَ ما ذُكِرَ بِقُرْآنٍ بَلْ يَكُونُ بِغَيْرِهِ مِمّا أرادَهُ اللَّهُ تَعالى فَإنَّ الأمْرَ لَهُ سُبْحانَهُ جَمِيعًا وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الأحْسَنَ العَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ بَلِ الأمْرُ لِلَّهِ جَمِيعًا ومَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أفَلَمْ يَعْلَمُوا وهي كَما قالَ القاسِمُ بْنُ مَعْنٍ لُغَةُ هَوازِنَ وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: هي لُغَةُ حَيٍّ مِنَ النَّخَعِ وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ قَوْلَ سُحَيْمِ بْنِ وُثَيْلٍ الرَّباحِيِّ: .

أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ يَأْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسٍ زَهْدَمِ وقَوْلَ رَباحِ بْنِ عَدِيٍّ: .

ألَمْ يَيْأسِ الأقْوامُ أنِّي أنا ابْنُهُ ∗∗∗ وإنْ كُنْتُ عَنْ أرْضِ العَشِيرَةَ نائِيا فَإنْكارُ الفَرّاءِ ذَلِكَ وزَعْمُهُ أنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ يَقُولُ يَئِسْتُ بِمَعْنى عَلِمْتُ لَيْسَ في مَحَلِّهِ ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ والظّاهِرُ أنَّ اسْتِعْمالَ اليَأْسِ في ذَلِكَ حَقِيقَةٌ وقِيلَ: مَجازٌ لِأنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْعِلْمِ فَإنَّ الآيِسَ عَنِ الشَّيْءِ عالِمٌ بِأنَّهُ لا يَكُونُ واعْتُرِضَ بِأنَّ اليَأْسَ حِينَئِذٍ يَقْتَضِي حُصُولَ العِلْمِ بِالعَدَمِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في العِلْمِ بِالوُجُودِ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ العِلْمَ بِالعَدَمِ تَضَمَّنَ مُطْلَقَ العِلْمِ فاسْتُعْمِلَ فِيهِ ويَشْهَدُ لِإرادَةِ العِلْمِ هُنا قِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وعِكْرِمَةَ وابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ والجَحْدَرَيِّ وأبِي يَزِيدَ المَدَنِيِّ وجَماعَةٍ ( أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ ) مِن تَبَيَّنْتُ كَذا إذا عَلِمْتُهُ وهي قِراءَةٌ مُسْنَدَةٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَتْ مُخالَفَةً لِلسَّوادِ إذْ كَتَبُوا يَيْئَسُ بِغَيْرِ صُورَةِ الهَمْزَةِ وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّما كَتَبَهُ الكاتِبُ وهو ناعِسٌ فَسَوّى أسْنانَ السِّينِ فَهو قَوْلُ زِنْدِيقٍ ابْنِ مُلْحِدٍ عَلى ما في البَحْرِ وعَلَيْهِ فَرِوايَةُ ذَلِكَ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما غَيْرُ صَحِيحَةٍ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها قِراءَةُ تَفْسِيرٍ ولَيْسَ بِذاكَ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ أغْفَلُوا عَنْ كَوْنِ الأمْرِ جَمِيعِهِ لِلَّهِ تَعالى فَلَمْ يَعْلَمُوا ﴿ أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ ﴾ بِتَخْفِيفِ ( أنْ ) وجَعْلِ اسْمِها ضَمِيرَ الشَّأْنِ والجُمْلَةِ الِامْتِناعِيَّةِ خَبَرَها وأنْ وما بَعْدَها سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ العِلْمِ ﴿ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا ﴾ أيْ بِإظْهارِ أمْثالِ تِلْكَ الآثارِ العَظِيمَةِ والإنْكارُ عَلى هَذا مُتَوَجِّهٌ إلى المَعْطُوفِينَ جَمِيعًا أوْ أعَلِمُوا كَوْنَ الأمْرِ جَمِيعًا لِلَّهِ تَعالى فَلَمْ يَعْلَمُوا ما يُوجِبُهُ ذَلِكَ العِلْمُ مِمّا ذُكِرَ وحِينَئِذٍ هو مُتَوَجِّهٌ إلى تَرُتُّبِ المَعْطُوفِ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ تَخَلُّفُ العِلْمِ الثّانِي عَنِ العِلْمِ الأوَّلِ وأيًّا ما كانَ فالإنْكارُ إنْكارُ الوُقُوعِ لا الواقِعِ ومَناطُ الإنْكارِ لَيْسَ عَدَمَ عِلْمِهِمْ بِمَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ فَقَطْ بَلْ عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِعَدَمِ تَحَقُّقِ مُقَدَّمِها كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ شاءَ هِدايَتَهم لَهَداهم وأنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ وذَلِكَ لَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَألُوا الآياتِ ودَّ المُؤْمِنُونَ أنْ يُظْهِرَها اللَّهُ تَعالى لِيَجْتَمِعُوا عَلى الإيمانِ هَذا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فالإضْرابُ مُتَوَجِّهٌ إلى ما سَلَفَ مِنَ اقْتِراحِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ في العِنادِ عَلى ما شُرِحَ والمَعْنى فَلَيْسَ لَهم ذَلِكَ بَلِ لِلَّهِ تَعالى الأمْرُ إنْ شاءَ أتى بِما اقْتَرَحُوا وإنْ شاءَ سُبْحانَهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ حَسْبَما تَسْتَدْعِيهِ حِكْمَتُهُ الباهِرَةُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ حُكْمٌ أوِ اقْتِراحٌ واليَأْسُ بِمَعْنى القُنُوطِ كَما هو الشّائِعُ في مَعْناهُ أيْ ألَمْ يَعْلَمِ الَّذِينَ آمَنُوا حالَهم هَذِهِ فَلَمْ يَقْنَطُوا مِن إيمانِهِمْ حَتّى ودُّوا ظُهُورَ مُقْتَرَحاتِهِمْ فالإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى المَعْطُوفِينَ أوْ أعَلِمُوا ذَلِكَ فَلَمْ يَقْنَطُوا مِن إيمانِهِمْ فَهو مُتَوَجِّهٌ إلى وُقُوعِ المَعْطُوفِ بَعْدَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ إلى تَخَلُّفِ القُنُوطِ عَنِ العِلْمِ المَذْكُورِ والإنْكارُ عَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ إنْكارُ الواقِعِ لا الوُقُوعِ فَإنَّ عَدَمَ قُنُوطِهِمْ مِن ذَلِكَ مِمّا لا مَرَدَّ لَهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ ﴾ إلى آخِرِهِ مَفْعُولٌ بِهِ لِعَلِما مَحْذُوفٍ وقَعَ مَفْعُولًا لَهُ أيْ أفَلَمْ يَيْأسُوا مِن إيمانِ الكُفّارِ عِلْمًا مِنهم بِأنَّهُ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا وأنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ وقَدْ يُجْعَلُ العِلْمُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ عالِمِينَ بِذَلِكَ ولَمْ يُعْتَبَرِ التَّضْمِينُ لِبُعْدِهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِآمَنُوا بِتَقْدِيرِ الباءِ أيْ أفَلَمْ يَقْنَطِ الَّذِينَ آمَنُوا وصَدَّقُوا بِأنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا عَلى مَعْنى أفَلَمْ يَيْأسْ مِن إيمانِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُؤْمِنُونَ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ وبِعَدَمِ تَحَقُّقِها المُنْفَهِمِ مِن مُكابَرَتِهِمْ حَسْبَما يَحْكِيهِ كَلِمَةُ ( لَوْ ) فالوَصْفُ المَذْكُورُ مِن دَواعِي إنْكارِ يَأْسِهِمْ وبِما أشَرْنا إلَيْهِ يَنْحَلُّ ما قِيلَ: مِن أنَّ تَعَلُّقَ الإيمانِ بِمَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ وتَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ يَقْتَضِي أنَّ لِذَلِكَ دَخْلًا في اليَأْسِ مِنَ الإيمانِ مَعَ أنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ لِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى هِدايَةِ جَمِيعِ النّاسِ يَقْتَضِي رَجاءَ إيمانِهِمْ لا اليَأْسَ مِنهُ وذَلِكَ لِاعْتِبارِ العِلْمِ بِعَدَمِ تَحَقُّقِ المَضْمُونِ أيْضًا.

وقالَ بَعْضُهم في الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ: إنَّ وجْهَ تَخْصِيصِ الإيمانِ بِذَلِكَ أنَّ إيمانَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُصَمِّمِينَ كَأنَّهُ مُحالٌ مُتَعَلِّقٌ بِما لا يَكُونُ لِتَوَقُّفِهِ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى هِدايَةَ جَمِيعِ النّاسِ وذَلِكَ ما لا يَكُونُ بِالِاتِّفاقِ وهو في مَعْنى ما أُشِيرَ إلَيْهِ وذَكَرَ أبُو حَيّانَ احْتِمالًا آخَرَ في الآيَةِ وهو أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وهو تَقْرِيرٌ أيْ قَدْ يَئِسَ المُؤْمِنُونَ مِن إيمانِ هَؤُلاءِ المُعانِدِينَ و ﴿ أنْ لَوْ يَشاءُ ﴾ ..

إلَخْ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ أُقْسِمُ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا ويَدُلُّ عَلى إضْمارِ القَسَمِ وُجُودُ أنْ مَعَ لَوْ كَقَوْلِهِ: .

أما واللَّهِ أنْ لَوْ كُنْتُ حُرًّا ∗∗∗ وما بِالحُرِّ أنْتَ ولا العَتِيقِ وقَوْلِهِ: .

فَأُقْسِمُ أنْ لَوِ التَقَيْنا وأنْتُمْ ∗∗∗ لَكانَ لَنا يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِمُ وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أنَّ أنْ تَأْتِي بَعْدَ القَسَمِ وجَعَلَها ابْنُ عُصْفُورٍ رابِطَةً لِلْقَسَمِ بِالجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها.

انْتَهى.

وفِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ ما لا يَخْفى ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الإضْرابَ مُطْلَقًا عَمّا تَضَمَّنَهُ ( لَوْ ) مِن مَعْنى النَّفْيِ عَلى مَعْنى بَلِ اللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى الإتْيانِ بِما اقْتَرَحُوا إلّا أنَّ أرادَتَهُ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ لا تَلِينُ لَهُ شَكِيمَتُهم ولا يَخْفى أنَّهُ ظاهِرٌ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ إرادَةَ تَعْظِيمِ شَأْنِ القُرْآنِ لا تُنافِي الرَّدَّ عَلى المُقْتَرَحَيْنِ وأُيِّدَ جانِبُ الرَّدِّ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «قالَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما تَزْعُمُ فَباعِدْ جَبَلَيْ مَكَّةَ أخْشَبَيْها هَذَيْنِ مَسِيرَةَ أرْبَعَةِ أيّامٍ أوْ خَمْسَةٍ فَإنَّها ضَيِّقَةٌ حَتّى نَزْرَعَ فِيها ونَرْعى وابْعَثْ لَنا آباءَنا مِنَ المَوْتى حَتّى يُكَلِّمُونا ويُخْبِرُونا أنَّكَ نَبِيٌّ أوِ احْمِلْنا إلى الشّامِ أوْ إلى اليَمَنِ أوْ إلى الحِيرَةِ حَتّى نَذْهَبَ ونَجِيءَ في لَيْلَةٍ كَما زَعَمْتَ أنَّكَ فَعَلْتَهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم قالُوا: سَيِّرْ بِالقُرْآنِ الجِبالَ قَطِّعْ بِالقُرْآنِ الأرْضَ أخْرِجْ بِهِ مَوْتانا فَنَزَلَتْ وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى الِاعْتِذارِ في إسْنادِ الأفاعِيلِ المَذْكُورَةِ إلى القُرْآنِ كَما احْتِيجَ إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ وعَلى خَبَرِ الشَّعْبِيِّ يُرادُ مِن تَقْطِيعِ الأرْضِ قَطْعُها بِالسَّيْرِ ويَشْهَدُ لِلتَّفْسِيرِ بِما قَدَّمْنا أوَّلًا ما أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ صاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أبِي قُبَيْسٍ يا آلَ عَبْدَ مَنافٍ إنِّي نَذِيرٌ فَجاءَتْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قُرَيْشٌ فَحَذَّرَهم وأنْذَرَهم فَقالُوا تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيٌّ يُوحى إلَيْكَ وإنَّ سُلَيْمانَ سُخِّرَ لَهُ الرِّيحُ والجِبالُ وإنَّ مُوسى سُخِّرَ لَهُ البَحْرُ وإنَّ عِيسى كانَ يُحْيِي المَوْتى فادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُسَيِّرَ عَنّا هَذِهِ الجِبالَ ويُفَجِّرَ لَنا الأرْضَ أنْهارًا فَنَتَّخِذَ مَحارِثَ فَنَزْرَعَ ونَأْكُلَ وإلّا فادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُحْيِيَ لَنا مَوْتانا فَنُكَلِّمَهم ويُكَلِّمُونا وإلّا فادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الصَّخْرَةَ الَّتِي تَحْتَكَ ذَهَبًا فَنَنْحِتَ مِنها وتُغْنِيَنا عَنْ رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ فَإنَّكَ تَزْعُمُ أنَّكَ كَهَيْئَتِهِمُ، الخَبَرَ.

وفِيهِ: فَنَزَلَتْ ﴿ وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ ﴾ إلى تَمامِ ثَلاثِ آياتٍ ونَزَلَتْ ﴿ ولَوْ أنَّ قُرْآنًا ﴾ الآيَةَ هَذا».

وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ جَوابَ ( لَوْ ) مُقَدَّمٌ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهم يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وهو مَبْنِيٌّ كَما قِيلَ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ جَوابِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن يَراهُ ولا يَخْفى أنَّ في اللَّفْظِ نَبْوَةً عَنْ ذَلِكَ لِكَوْنِ تِلْكَ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً مُقْتَرِنَةً بِالواوِ ولِذا أشارَ السَّمِينُ إلى أنَّ مُرادَهُ أنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ دَلِيلُ الجَوابِ والتَّقْدِيرُ ولَوْ أنَّ قُرْآنًا فُعِلَ بِهِ كَذا وكَذا لَكَفَرُوا بِالرَّحْمَنِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ هَذا وتَقْدِيرِ لَما آمَنُوا في المَعْنى وجُوِّزَ جَعْلُ لَوْ وصْلِيَّةً ولا جَوابَ لَها والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ.

﴿ ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ مِن أهْلِ مَكَّةَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ ﴿ تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما صَنَعُوهُ مِنَ الكُفْرِ والتَّمادِي فِيهِ وإبْهامُهُ إمّا لِقَصْدِ تَهْوِيلِهِ أوِ اسْتِهْجانِهِ وهو تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ بِناءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ مِن عِلْيَةِ الصِّلَةِ لَهُ مَعَ ما في صِيغَةِ الصُّنْعِ مِنَ الإيذانِ بِرُسُوخِهِمْ في ذَلِكَ ﴿ قارِعَةٌ ﴾ مِنَ القَرْعِ وأصْلُهُ ضَرْبُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ بِقُوَّةٍ ومِنهُ قَوْلُهُ: .

ولَمّا قَرَعْنا النَّبْعَ بِالنَّبْعِ بَعْضَهُ ∗∗∗ بِبَعْضٍ أبَتَ عِيدانُهُ أنْ تُكَسَّرا والمُرادُ بِها الرَّزِيَّةُ الَّتِي تَقْرَعُ قَلْبَ صاحِبِها وهي هُنا ما كانَ يُصِيبُهم مِن أنْواعِ البَلايا والمَصائِبِ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ والسَّلْبِ وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِن إرادَةِ التَّفْسِيرِ إثْرَ الإبْهامِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإحْكامِ مَعَ ما فِيهِ مِن بَيانِ أنَّ مَدارَ الإصابَةِ مِن جِهَتِهِمْ أثَرُ ذِي أثِيرٍ ﴿ أوْ تَحُلُّ ﴾ تِلْكَ القارِعَةُ ﴿ قَرِيبًا ﴾ مَكانًا قَرِيبًا ﴿ مِن دارِهِمْ ﴾ فَيَفْزَعُونَ مِنها ويَتَطايَرُ إلَيْهِمْ شَرَرُها شَبَّهَ القارِعَةَ بِالعَدُوِّ المُتَوَجِّهِ إلَيْهِمْ فَأسْنَدَ إلَيْها الإصابَةَ تارَةً والحُلُولَ أُخْرى فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ وتَخْيِيلٌ وتَرْشِيحٌ ﴿ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ ﴾ أيْ مَوْتُهم أوِ القِيامَةُ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما وعْدٌ مَحْتُومٌ لا مَرَدَّ لَهُ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ما يُصِيبُهم حِينَئِذٍ مِنَ العَذابِ أشَدُّ ثُمَّ حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ .

(31) .

أيِ الوَعْدَ كالمِيلادِ والمِيثاقِ بِمَعْنى الوِلادَةِ والتَّوْثِقَةِ ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ ما يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الوَعْدُ الَّذِي نُسِبَ إلَيْهِ الإتْيانُ لا هو فَقَطْ قالَ القاضِيَ: وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَن يُجَوِّزُ الخُلْفَ عَلى اللَّهِ تَعالى في مِيعادِهِ وهي وإنْ كانَتْ وارِدَةً في حَقِّ الكُفّارِ إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ وعُمُومُهُ يَتَناوَلُ كُلَّ وعِيدٍ ورَدَ في حَقِّ الفُسّاقِ وأجابَ الإمامُ بِأنَّ الخُلْفَ غَيْرُ وتَخْصِيصَ العَمُولِ غَيْرُ ونَحْنُ لا نَقُولُ بِالخُلْفِ ولَكِنّا نُخَصِّصُ عُمُوماتِ الوَعِيدِ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى العَفْوِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَشْهُورَ في الجَوابِ أنَّ آياتِ الوَعْدِ مُطْلَقَةٌ وآياتِ الوَعِيدِ وإنْ ورَدَتْ مُطْلَقَةً لَكِنَّها مُقَيَّدَةٌ حُذِفَ قَيْدُها لِمَزِيدِ التَّخْوِيفِ ومَنشَأُ الأمْرَيْنِ عِظَمُ الرَّحْمَةِ ونِهايَةُ الكَرْمِ والفَرْقُ بَيْنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ أظْهَرُ مِن أنْ يُذْكَرَ نَعَمْ قَدْ يُطْلَقُ الوَعْدُ عَلى ما هو وعِيدٌ في نَفْسِ الأمْرِ لِنُكْتَةٍ ولْيُتَأمَّلْ فِيما هُنا عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَرَّرَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ بِالقارِعَةِ السَّرايا الَّتِي كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَبْعَثُها كانُوا بَيْنَ غارَةٍ واخْتِطافٍ وتَخْوِيفٍ بِالهُجُومِ عَلَيْهِمْ في دارِهِمْ فالإصابَةُ والحُلُولُ حِينَئِذٍ مِن أحْوالِهِمْ وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ تَحُلُّ ﴾ خِطابًا لِرَسُولِ اللَّهِ  مُرادًا بِهِ حُلُولَ الحُدَيْبِيَةِ والمُرادُ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى ما وعَدَ بِهِ مِن فَتْحِ مَكَّةَ وعَزا ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ ورُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ وعِكْرِمَةَ وذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ كَفَرُوا كُفّارُ قُرَيْشٍ والعَرَبُ وفَسَّرَ القارِعَةَ بِما يَنْزِلُ بِهِمْ مِن سَرايا رَسُولِ اللَّهِ  وعَنِ الحَسَنِ وابْنِ السّائِبِ أنَّ المُرادَ بِهِمُ الكُفّارُ مُطْلَقًا قالا: وذَلِكَ الأمْرُ مُسْتَمِرٌّ فِيهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولا يَتَأتّى عَلى هَذا أنْ يُرادَ بِالقارِعَةِ سَرايا رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَيُرادُ بِها حِينَئِذٍ ما ذُكِرَ أوَّلًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا أُرِيدَ جِنْسُ الكَفَرَةِ لا يَلْزَمُ مِنهُ حُلُولُ ما تَقَدَّمَ بِجَمِيعِهِمْ وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ ( أوْ يَحُلَّ ) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَرَآ أيْضًا ( مِن دِيارِهِمْ ) عَلى <div class="verse-tafsir"

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢

﴿ ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ تَرَكْتُهم مِلاوَةً أيْ مِنَ الزَّمانِ ومِنهُ المَلَوانِ في أمْنٍ ودَعَةٍ كَما يُمْلى لِلْبَهِيمَةِ في المَرْعى وهَذا تَسْلِيَةٌ لِلْحَبِيبِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا لَقِيَ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَكْذِيبِهِ وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِآياتِهِ واقْتِراحِ غَيْرِها وكُلُّ ذَلِكَ في المَعْنى اسْتِهْزاءٌ ووَعِيدٌ لَهم والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِكَ بَلْ هو أمْرٌ مُطَّرِدٌ قَدْ فُعِلَ بِرُسُلٍ جَلِيلَةٍ كَثِيرَةٍ كائِنَةٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْهَلْتُ الَّذِينَ فَعَلُوهُ بِهِمْ والعُدُولُ في الصِّلَةِ إلى وصْفِ الكُفْرِ لَيْسَ لِأنَّ المُمْلى لَهم غَيْرُ المُسْتَهْزِئِينَ بَلْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءَ كُفْرٌ كَما قِيلَ وفي الإرْشادِ لِإرادَةِ الجَمْعِ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ أيْ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينِ كَفَرُوا بِكُفْرِهِمْ مَعَ اسْتِهْزائِهِمْ لا بِاسْتِهْزائِهِمْ فَقَطْ ﴿ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ﴾ .

(32) .

أيْ عِقابِي إيّاهم والمُرادُ التَّعْجِيبُ مِمّا حَلَّ بِهِمْ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى شِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ ما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَـٰهِرٍۢ مِّنَ ٱلْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا۟ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍۢ ٣٣

﴿ أفَمَن هو قائِمٌ ﴾ أيْ رَقِيبٌ ومُهَيْمِنٌ ﴿ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ﴾ كائِنَةٍ ما كانَتْ ﴿ بِما كَسَبَتْ ﴾ فَعَلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ولا يَفُوتُهُ ما يَسْتَحِقُّهُ كُلٌّ مِنَ الجَزاءِ وهو اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ وما حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ مِن أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ فَمِمّا لا يَكادُ يُعَرَّجُ عَلَيْهِ هُنا و( مَن ) مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ ﴾ وحَسَّنَ حَذْفَهُ المُقابَلَةُ وقَدْ جاءَ مُثْبَتًا كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وإدْخالُ الفاءِ قِيلَ: لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى تَوَهُّمِ المُماثَلَةِ في ما عُلِمَ مِمّا فَعَلَ سُبْحانَهُ بِالمُسْتَهْزِئِينَ مِنَ الإمْلاءِ والأخْذِ ومِن كَوْنِ الأمْرِ كُلِّهِ لَهُ سُبْحانَهُ وكَوْنِ هِدايَةِ النّاسِ جَمِيعًا مَنُوطَةً بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا ومِن تَواتُرِ القَوارِعِ عَلى الكَفَرَةِ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُهُ تَعالى كَأنَّهُ قِيلَ: الأمْرُ كَذَلِكَ فَمَن هَذا شَأْنُهُ كَما لَيْسَ في عِدادِ الأشْياءِ حَتّى يُشْرِكُوهُ بِهِ فالإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى تَرَتُّبِ المَعْطُوفِ أعْنِي تَوَهُّمَ المُماثَلَةِ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ المُقَدَّرِ أعْنِي كَوْنَ الأمْرِ كَما ذُكِرَ لا إلى المَعْطُوفِينَ جَمِيعًا وفي الكَشْفِ أنَّهُ ضِمْنَ هَذا التَّعْقِيبِ التَّرَقِّي في الإنْكارِ يَعْنِي لا عَجَبَ مِن إنْكارِهِمْ لِآياتِكَ الباهِرَةِ مَعَ ظُهُورِها إنَّما العَجَبُ كُلَّ العَجَبِ جَعْلُهُمُ القادِرَ عَلى إنْزالِها المُجازِيَ لَهم عَلى إعْراضِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ مَعانِيها وأمْثالِها بِقَوارِعَ تَتْرى واحِدَةٌ غِبَّ أُخْرى يُشاهِدُونَها رَأْيَ عَيْنٍ تَتَرامى بِهِمْ إلى دارِ البَوارِ وأهْوالِها كَمَن لا يَمْلِكَ لِنَفْسِهِ ضَرًّا ولا نَفْعًا فَضْلًا عَمَّنِ اتَّخَذَهُ رَبًّا يَرْجُو مِنهُ دَفْعًا أوْ جَلْبًا وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ الذِّكْرِيِّ أيْ بَعْدَ ما ذُكِرَ أقُولُ هَذا الأمْرُ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وفِيها دَلالَةٌ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿ كَسَبَتْ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً لا مَوْصُولَةً والعائِدُ مَحْذُوفٌ ولا يَلْزَمُ اجْتِماعُ الأمْرَيْنِ حَتّى يَخُصَّ كُلَّ نَفْسٍ بِالمُشْرِكِينَ وأبْعَدَ مَن قالَ: إنَّها عَطْفٌ عَلى ﴿ اسْتُهْزِئَ ﴾ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالِيَّةً عَلى مَعْنى أفَمَن هَذِهِ صِفاتُهُ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ وقَدْ جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ لا شَرِيكًا واحِدًا وقالَ صاحِبُ حَلِّ العَقْدِ: المَعْنى عَلى الحالِيَّةِ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مَوْجُودٌ والحالُ أنَّهم جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ وهَذا نَظِيرُ قَوْلِكَ: أجَوادٌ يُعْطِي النّاسَ ويُغْنِيهِمْ مَوْجُودٌ ويُحْرَمُ مِثْلِي ومِنهم مَن أجازَ العَطْفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴾ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ بِمَعْنى النَّفْيِ فَهي خَبَرِيَّةٌ مَعْنًى وقَدَّرَ آخَرُونَ الخَبَرَ لَمْ يُوَحِّدُوهُ وجُعِلَ العَطْفُ عَلَيْهِ أيْ أفَمَن هَذا شَأْنُهُ لَمْ يُوَحِّدُوهُ وجَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ وظاهِرُ كَلامِهِمُ اخْتِصاصُ العَطْفِ عَلى الخَبَرِ بِهَذا التَّقْدِيرِ دُونَ تَقْدِيرِ كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ قالَ البَدْرُ الدَّمامِينِيُّ: ولَمْ يَظْهَرْ وجْهُ الِاخْتِصاصِ ووَجَّهَ ذَلِكَ الفاضِلُ الشَّمْنِيُّ بِأنَّ حُصُولَ المُناسَبَةِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّتِي هي شَرْطُ قَبُولِ العَطْفِ بِالواوِ إنَّما هو عَلى التَّقْدِيرِ الأخِيرِ دُونَ التَّقْدِيرِ الأوَّلِ.

ويَدُلُّ عَلى الِاشْتِراطِ قَوْلُ أهْلِ المَعانِي: زَيْدٌ يَكْتُبُ ويُشْعِرُ مَقْبُولٌ دُونَ يُعْطِي ويُشْعِرُ وتَعَقَّبَهُ الشِّهابُ بِأنَّهُ مِن قِلَّةِ التَّدَبُّرِ فَإنَّ مُرادَهم أنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا بِمَعْنى لَمْ يَكُنْ نَفْيًا لِلتَّشابُهِ عَلى طَرِيقِ الإنْكارِ فَلَوْ عُطِفَ جَعَلَهم شُرَكاءَ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ وعَلى التَّقْدِيرِ الأخِيرِ الِاسْتِفْهامُ تَوْبِيخِيٌّ والإنْكارُ فِيهِ بِمَعْنى لِمَ كانَ وعَدَمُ التَّوْحِيدِ وجَعْلُ الشُّرَكاءِ واقِعٌ مُوَبَّخٌ عَلَيْهِ مُنْكَرٌ فَيَظْهَرُ العَطْفُ عَلى الخَبَرِ وأمّا ما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ التَّناسُبِ فَغَفْلَةٌ لِأنَّ المُناسَبَةَ بَيْنَ تَشْبِيهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِغَيْرِهِ والشِّرْكِ تامَّةٌ وعَلى الوَجْهِ الأخِيرِ عَدَمُ التَّوْحِيدِ عَيْنُ الإشْراكِ فَلَيْسَ مَحَلًّا لِلْعَطْفِ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي عَلى ما ذَكَرَهُ فَهو مُحْتاجٌ إلى تَوْجِيهٍ آخَرَ.

واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ وفي ذَلِكَ الحَذْفِ تَعْظِيمٌ لِلْقالَةِ وتَحْقِيرٌ لِمَن زَنَّ بِتِلْكَ الحالَةِ وفي العُدُولِ عَنْ صَرِيحِ الِاسْمِ في ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ ﴾ تَفْخِيمٌ فَخِيمٌ بِواسِطَةِ الإبْهامِ المُضْمَرِ في إيرادِهِ مَوْصُولًا مَعَ تَحْقِيقِ أنَّ القِيامَ كائِنٌ وهم مُحَقِّقُونَ وفي وضْعِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ الرّاجِعِ إلى ( مَن ) تَنْصِيصٌ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى ذاتًا واسْمًا وتَنْبِيهٌ عَلى اخْتِصاصِهِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ البَيانِ بَعْدَ الإبْهامِ ولَعَلَّ تَوْجِيهَ الوَضْعِ المَذْكُورِ مِمّا لا يُخْتَصُّ بِهِ تَقْدِيرٌ دُونَ تَقْدِيرٍ وخَصَّهُ بَعْضُهم فِيما يَحْتاجُ عَلَيْهِ إلى ضَمِيرِ ﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾ تَبْكِيتٌ إثْرَ تَبْكِيتٍ أيْ سَمُّوهم مَن هم وماذا أسْماؤُهم وفي البَحْرِ أنَّ المَعْنى أنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ يُذْكَرُ ويُسَمّى إنَّما يُذْكَرُ ويُسَمّى مَن يَنْفَعُ ويَضُرُّ وهَذا مِثْلُ أنْ يُذْكَرَ لَكَ أنَّ شَخْصًا يُوَقَّرُ ويُعَظَّمُ وهو عِنْدَكَ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ فَتَقُولُ لَذاكِرِهِ: سَمِّهِ حَتّى أُبَيِّنَ لَكَ زَيْفَهُ وأنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إنَّما يُقالُ في الشَّيْءِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي يَبْلُغُ في الحَقارَةِ إلى أنْ لا يُذْكَرَ ولا يُوضَعَ لَهُ اسْمٌ فَيُقالُ سَمِّهِ عَلى مَعْنى أنَّهُ أخَسُّ مِن أنْ يُذْكَرَ ويُسَمّى ولَكِنَّ إنْ شِئْتَ أنْ تَضَعَ لَهُ اسْمًا فافْعَلْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: سَمُّوهم بِالآلِهَةِ عَلى التَّهْدِيدِ والمَعْنى سَواءٌ سَمَّيْتُمُوهم بِذَلِكَ أمْ لَمْ تُسَمُّوهم بِهِ فَإنَّهم في الحَقارَةِ بِحَيْثُ لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يَلْتَفِتَ إلَيْهِمْ عاقِلٌ وقِيلَ: إنَّ التَّهْدِيدَ هَنا نَظِيرُ التَّهْدِيدِ لِمَن نُهِيَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ ثُمَّ قِيلَ لَهُ: سَمِّ الخَمْرَ بَعْدَ هَذا وهو خِلافُ الظّاهِرِ وقِيلَ: المَعْنى اذْكُرُوا صِفاتِهِمْ وانْظُرُوا هَلْ فِيها ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ العِبادَةَ ويَسْتَأْهِلُونَ الشَّرِكَةَ ﴿ أمْ تُنَبِّئُونَهُ ﴾ أيْ بَلْ أتُخْبِرُونَ اللَّهَ تَعالى ﴿ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ ﴾ أيْ بِشُرَكاءَ مُسْتَحِقِّينَ لِلْعِبادَةِ لا يَعْلَمُهم سُبْحانَهُ وتَعالى والمُرادُ نَفْيُها بِنَفْيِ لازِمِها عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا كانَ لا يَعْلَمُها وهو الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ فَهي لا حَقِيقَةَ لَها أصْلًا وتَخْصِيصُ الأرْضِ بِالذِّكْرِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ إنَّما زَعَمُوا أنَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ شُرَكاءُ فِيها والضَّمِيرُ المُسْتَقِرُّ في ﴿ يَعْلَمُ ﴾ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ لِلَّهِ تَعالى والعائِدُ عَلى ( ما ) مَحْذُوفٌ كَما أشَرْنا إلى ذَلِكَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العائِدُ ضَمِيرَ ﴿ يَعْلَمُ ﴾ والمَعْنى أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ تَعالى بِشَرِكَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَتَّصِفُ بِعِلْمٍ البَتَّةَ وذُكِرَ نَفْيُ العِلْمِ في الأرْضِ لِأنَّ الأرْضَ مَقَرُّ الأصْنامِ فَإذا انْتَفى عِلْمُها في المَقَرِّ الَّتِي هي فِيهِ فانْتِفاؤُهُ في السَّماواتِ العُلى أحْرى وقَرَأ الحَسَنُ ( أتُنْبِئُونَهُ ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْباءِ ﴿ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ ﴾ أيْ بَلْ أتُسَمُّونَهم شُرَكاءَ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ مَعْنًى مُتَحَقِّقٍ في نَفْسِ الأمْرِ كَتَسْمِيَةِ الزِّنْجِيِّ كافُورًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ ﴾ ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ وقَتادَةَ أنَّ الظّاهِرَ مِنَ القَوْلِ الباطِلِ مِنهُ وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ: .

أعَيَّرْتَنا ألْبانَها ولُحُومَها وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ ويُطْلَقُ الظّاهِرُ عَلى الزّائِلِ كَما في قَوْلِهِ: .

وعَيَّرَها الواشُونَ أنِّي أُحِبُّها ∗∗∗ وتِلْكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عَنْكَ عارُها ومَن أرادَ ذَلِكَ هُنا فَقَدْ تَكَلَّفَ وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ المُرادَ مِن ظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ ظاهِرُ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى وسَمّى بِهِ الأصْنامَ آلِهَةً حَقَّةً وحاصِلُ الآيَةِ نَفْيُ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ والدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ عَلى حَقِّيَّةِ عِبادَتِها واتِّخاذِها آلِهَةً وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( أمْ ) مُتَّصِلَةً والِانْقِطاعُ هو الظّاهِرُ ولا يَخْفى ما في الآيَةِ مِنَ الِاحْتِجاجِ والأسالِيبِ العَجِيبَةِ ما يُنادِي بِلِسانٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ أنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وبَيَّنَ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ لَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ ﴾ كافِيًا في هَدْمِ قاعِدَةِ الإشْراكِ لِلتَّفَرُّعِ السّابِقِ والتَّحَقُّقِ بِالوَصْفِ اللّاحِقِ مَعَ ما ضُمِّنَ مِن زِياداتِ النُّكَتِ وكانَ إبْطالًا مِن طَرَفِ الحَقِّ وذُيِّلَ بِإبْطالِهِ مِن طَرَفِ النَّقِيضِ عَلى مَعْنى ولَيْتَهم إذْ أشْرَكُوا بِمَن لا يَجُوزُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ أشْرَكُوا مَن يُتَوَهَّمُ فِيهِ أدْنى تَوَهُّمٍ ورُوعِيَ فِيهِ أنَّهُ لا أسْماءَ لِلشُّرَكاءِ فَضْلًا عَنِ المُسَمّى عَلى الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ ثُمَّ بُولِغَ فِيهِ بِأنَّهُ لا يَسْتَأْهِلُ السُّؤالَ عَنْ حالِها بِظُهُورِ فَسادِها وسَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ الكِنايَةِ التَّلْوِيحِيَّةِ مِن نَفْيِ العِلْمِ بِنَفْيِ المَعْلُومِ ثُمَّ مِنهُ بِعَدَمِ الِاسْتِئْهالِ والهَمْزَةُ المُضَمَّنَةُ فِيها تَدُلُّ عَلى التَّوْبِيخِ وتَقْرِيرِ أنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يُنَبِّئُوا عالِمَ السِّرِّ والخَفِيّاتِ بِما لا يَعْلَمُهُ وهَذا مُحالٌ عَلى مُحالٍ وفي جَعْلِهِ اتِّخاذَهم شُرَكاءَ ومُجادَلَتَهم رَسُولَ اللَّهِ  نُكْتَةً سَرِيَّةً بَلْ نُكَتٌ سَرِيَّةٌ ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وقِيلَ: قَدْ بَيَّنَ الشَّمْسَ لِذِي عَيْنَيْنِ وما تِلْكَ التَّسْمِيَةُ إلّا بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ تَحْتَهُ طائِلٌ وما هو إلّا مُجَرَّدُ صَوْتٍ فارِغٍ حُقَّ لِمَن تَأمَّلَ فِيهِ حَقَّ التَّأمُّلِ أنْ يَعْتَرِفَ بِأنَّهُ كَلامٌ مَصُونٌ عَنِ التَّعَمُّلِ صادِرٌ عَنْ خالِقِ القُوى والقَدْرِ تَتَضاءَلُ عَنْ بُلُوغِ طَرَفٍ مِن أسْرارِهِ أفْهامُ البَشَرِ.

وقَدْ ذَيَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ وهي كَما في الِانْتِصافِ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِها باطِلٌ يُدَنْدِنُ بِها مَن هو عَنْ حِلْيَةِ الإنْصافِ عاطِلٌ هَذا ﴿ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إضْرابٌ عَنِ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ ذَمًّا لَهم وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: دَعْ هَذا فَإنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ لِأنَّهم زُيِّنَ لَهم ﴿ مَكْرُهُمْ ﴾ كَيْدُهم لِلِاسْتِلامِ بِشِرْكِهِمْ أوْ تَمْوِيهِهِمُ الأباطِيلَ فَتَكَلَّفُوا إيقاعَها في الخَيالِ مِن غَيْرِ حَقِيقَةٍ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ظَنُّوها شَيْئًا لِتَمادِيَهم في الضَّلالِ وعَلى هَذا المُرادِ مَكْرُهم بِأنْفُسِهِمْ وعَلى الأوَّلِ مَكْرُهم بِغَيْرِهِمْ وإضافَةُ مَكْرٍ إلى ضَمِيرِهِمْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ وجُوِّزَ عَلى الثّانِي أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى المَفْعُولِ وفِيهِ بُعْدٌ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ ( بَلْ زَيَّنَ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ و( مَكْرَهم ) بِالنَّصْبِ ( وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ) أيْ سَبِيلِ الحَقِّ فَتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ أوْ ما عَداهُ كَأنَّهُ غَيْرُ سَبِيلِ وفاعِلُ الصَّدِّ إمّا مَكْرُهم ونَحْوُهُ أوِ اللَّهُ تَعالى بِخَتْمِهِ عَلى قُلُوبِهِمْ أوِ الشَّيْطانُ بِإغْوائِهِ لَهم والِاحْتِمالانِ الأخِيرانِ جارِيانِ في فاعِلِ التَّزْيِينِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ( وصَدُّوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو كالأوَّلِ مِن صَدَّهُ صَدًّا فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ صَدُّوا النّاسَ عَنِ الإيمانِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن صَدَّ صُدُودًا فَلا مَفْعُولَ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ( وصِدُّوا ) بِكَسْرِ الصّادِ وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ في المُؤْمِنِ والكَسْرُ هُنا لِابْنِ يَعْمُرَ والفِعْلُ عَلى ذَلِكَ مَجْهُولٌ نُقِلَتْ فِيهِ حَرَكَةُ العَيْنِ إلى الفاءِ إجْراءً لَهُ مَجْرى الأجْوَفِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ( وصَدٌّ ) بِالتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى مَكْرِهِمْ ﴿ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾ أيْ يَخْلُقُ فِيهِ الضَّلالَ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ ﴿ فَما لَهُ مِن هادٍ ﴾ .

(33) .

يُوَفِّقُهُ لِلْهُدى ويُوصِلُهُ إلى ما فِيهِ نَجاتُهُ <div class="verse-tafsir"

لَّهُمْ عَذَابٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍۢ ٣٤

﴿ لَهم عَذابٌ ﴾ شاقٌّ ﴿ فِي الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ وسائِرِ ما يُصِيبُهم مِنَ المَصائِبِ فَإنَّها إنَّما تُصِيبُهم عُقُوبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى كُفْرِهِمْ وأمّا وُقُوعُ مِثْلِ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِ فَعَلى طَرِيقِ الثَّوابِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ ﴿ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ ﴾ مِن ذَلِكَ لِشِدَّتِهِ ودَوامِهِ ﴿ وما لَهم مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ عَذابِهِ سُبْحانَهُ ﴿ مِن واقٍ ﴾ .

(34) .

مِن حافِظٍ يَعْصِمُهم مِن ذَلِكَ فَمِنَ الأُولى صِلَةُ ﴿ واقٍ ﴾ والثّانِيَةِ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ولا يَضُرُّ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ المَجْرُورِ عَلَيْهِ لِأنَّ الزّائِدَ لا حُكْمَ لَهُ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( مِنَ ) الأُولى ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا وقَعَ حالًا مِن ﴿ واقٍ ﴾ وصِلَتُهُ مَحْذُوفَةٌ والمَعْنى ما لَهم واقٍ وحافِظٌ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى حالَ كَوْنِ ذَلِكَ الواقِي مِن جِهَتِهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ و( مِن ) عَلى هَذا لِلتَّبْيِينِ وجُوِّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ لَغْوًا مُتَعَلِّقَةً بِما في الظَّرْفِ أعْنِي لَهم مِن مَعْنى الفِعْلِ وهي لِلِابْتِداءِ والمَعْنى ما حَصَلَ لَهم مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى واقٍ مِنَ العَذابِ <div class="verse-tafsir"

۞ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ أُكُلُهَا دَآئِمٌۭ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ ۖ وَّعُقْبَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٱلنَّارُ ٣٥

﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ ﴾ أيْ نَعْتُها وصِفَتُها كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ فَهو عَلى ما في البَحْرِ مِن مَثَّلْتُ الشَّيْءَ إذا وصَفْتُهُ وقَرَّبْتُهُ لِلْفَهْمِ ومِنهُ ﴿ ولَهُ المَثَلُ الأعْلى ﴾ أيِ الصِّفَةُ العُلْيا وأنْكَرَ أبُو عَلِيٍّ ذَلِكَ وقالَ: إنَّ تَفْسِيرَ المَثَلِ بِالصِّفَةِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لُغَةً ولَمْ يُوجَدْ فِيها وإنَّما مَعْناهُ الشَّبِيهُ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في ثَلاثَةِ مَعانٍ: فَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى التَّشْبِيهِ في أصْلِ اللُّغَةِ وبِمَعْنى القَوْلِ السّائِرِ المَعْرُوفِ في عُرْفِ اللُّغَةِ وبِمَعْنى الصِّفَةِ الغَرِيبَةِ وهو مَعْنى مَجازِيٌّ لَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ المَعْنى العُرْفِيِّ بِعَلاقَةِ الغَرابَةِ لِأنَّ المَثَلَ إنَّما يَسِيرُ بَيْنَ النّاسِ لِغَرابَتِهِ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى تَفْسِيرِهِ هُنا بِالصِّفَةِ الغَرِيبَةِ وهو حِينَئِذٍ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَحْذُوفٌ أيْ فِيما يُقَصُّ ويُتْلى عَلَيْكم صِفَةُ الجَنَّةِ ﴿ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ أيْ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي وقُدِّرَ مُقَدَّمًا لِطُولِ ذَيْلِ المُبْتَدَأِ ولِئَلّا يُفْصَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَعْنًى وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ كَخَلْقِهِ مِن تُرابٍ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ﴾ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا أوْ حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ مِنَ الصِّلَةِ أيِ الَّتِي وعَدَها وقِيلَ: هي الخَبَرُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ: شَأْنُ زَيْدٍ يَأْتِيهِ النّاسُ ويُعَظِّمُونَهُ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ مَعْنًى لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الأنْهارَ في صِفَةِ الجَنَّةِ وهي فِيها لا في صِفَتِها وفِيهِ أيْضًا تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى ﴿ مَثَلُ ﴾ حَمْلًا عَلى المَعْنى وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ قَبِيحٌ وأُجِيبَ بِأنَّ ذاكَ عَلى تَأْوِيلِ أنَّها تَجْرِي فالمَعْنى مَثَلُ الجَنَّةِ جَرَيانُ الأنْهارِ أوْ أنَّ الجُمْلَةَ في تَأْوِيلِ المُفْرَدِ فَلا يَعُودُ مِنها ضَمِيرٌ لِلْمُبْتَدَأِ أوِ المُرادُ بِالصِّفَةِ ما يُقالُ فِيهِ هَذا إذا وُصِفَ فَلا حاجَةَ إلى الضَّمِيرِ كَما في خَبَرِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ.

وقالَ الطَّيِّبِيُّ: إنَّ تَأْنِيثَ الضَّمِيرِ لِكَوْنِهِ راجِعًا إلى الجَنَّةِ لا إلى المَثَلِ وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ المُضافِ عَيْنُ المُضافِ إلَيْهِ وذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لَهُ ولَيْسَ نَحْوَ غُلامُ زَيْدٍ وتَعَقَّبَ كُلَّ ذَلِكَ الشِّهابُ بِأنَّهُ كَلامٌ ساقِطٌ مُتَعَسَّفٌ لِأنَّ تَأْوِيلَ الجُمْلَةِ بِالمَصْدَرِ مِن غَيْرِ حَرْفٍ سابِكٍ شاذٌّ وكَذا التَّأْوِيلُ بِأنَّهُ أُرِيدَ بِالصِّفَةِ لَفْظُها المَوْصُوفُ بِهِ ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو تَجَوُّزٌ عَلى تَجَوُّزٍ ولا يَخْفى تَكَلُّفُهُ وقِياسُهُ عَلى ضَمِيرِ الشَّأْنِ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ وأمّا عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى المُضافِ إلَيْهِ دُونَ المُبْتَدَأِ في مِثْلِ ذَلِكَ فَأضْعَفُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ فالحَزْمُ الإعْراضُ عَنْ هَذا الوَجْهِ وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ والجُمْلَةَ المَذْكُورَةَ صِفَةٌ لَهُ والمُرادُ مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي إلى آخِرِهِ فَيَكُونُ سُبْحانَهُ قَدْ عَرَّفَنا الجَنَّةَ الَّتِي لَمْ نَرَها بِما شاهَدْناهُ مِن أُمُورِ الدُّنْيا وعايَنّاهُ وتَعَقَّبَهُ أبُو عَلِيٍّ عَلى ما في البَحْرِ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ عَلى مَعْنى الصِّفَةِ ولا عَلى مَعْنى الشَّبَهِ لِأنَّ الجَنَّةَ الَّتِي قَدَّرَها جُثَّةٌ ولا تَكُونُ صِفَةً ولِأنَّ الشَّبَهَ عِبارَةٌ عَنِ المُماثَلَةِ الَّتِي بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وهو حَدَثٌ فَلا يَجُوزُ الإخْبارُ عَنْهُ بِالجَنَّةِ الجُثَّةِ ورُدَّ بِأنَّ المُرادَ بِالمَثَلِ المَثِيلُ أوِ الشَّبِيهُ فَلا غُبارَ في الإخْبارِ وقِيلَ: إنَّ التَّشْبِيهَ هُنا تَمْثِيلِيٌّ مُنْتَزَعٌ وجْهُهُ مِن عِدَّةِ أُمُورٍ مِن أحْوالِ الجِنانِ المُشاهَدَةِ مِن جَرَيانِ أنْهارِها وغَضارَةِ أغْصانِها والتِفافِ أفْنانِها ونَحْوِهِ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها ﴾ بَيانًا لِفَضْلٍ تِلْكَ الجِنانِ وتَمْيِيزِها عَنْ هَذِهِ الجِنانِ المُشاهَدَةِ وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ بَيانٌ لِحالِ جِنانِ الدُّنْيا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ وأنَّ فِيما ذُكِرَ انْتِشارًا واكْتِفاءً في النَّظِيرِ بِمُجَرَّدِ جَرَيانِ الأنْهارِ وهو لا يُناسِبُ البَلاغَةَ القُرْآنِيَّةَ وهو كَما تَرى.

ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ الجُمْلَةَ خَبَرٌ أيْضًا إلّا أنَّ المَثَلَ بِمَعْنى الشَّبَهِ مُقْحَمٌ والتَّقْدِيرُ الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ إلى آخِرِهِ وقَدْ عُهِدَ إقْحامُهُ بِهَذا المَعْنى ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ إقْحامَ الأسْماءِ لا يَجُوزُ ورُدَّ بِأنَّهُ في كَلامِهِمْ كَثِيرٌ كَثَمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ولا صَدَقَةَ إلّا عَنْ ظَهْرِ غِنى إلى غَيْرِ ذَلِكَ والأوْلى بَعْدَ القِيلِ والقالِ الوَجْهُ الأوَّلُ فَإنَّهُ سالِمٌ مِنَ التَّكَلُّفِ مَعَ ما فِيهِ مَنِ الإيجازِ والإجْمالِ والتَّفْصِيلِ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الأكْلِ ما يُؤْكَلُ فِيها ومَعْنى دَوامِهِ أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ أبَدًا وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: إنَّ لَذَّتَهُ دائِمَةٌ لا تُزادُ بِجُوعٍ ولا تُمَلُّ بِشِبَعٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الأكْلَ بِالثَّمَرَةِ فَقِيلَ: وجْهُهُ أنَّهُ لَيْسَ في جَنَّةِ الدُّنْيا غَيْرُهُ وإنْ كانَ في المَوْعُودَةِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأطْعِمَةِ واسْتُظْهِرَ أنَّ ذَلِكَ لِإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ الجَنَّةِ والأطْعِمَةُ لا يُقالُ فِيها أُكُلُ الجَنَّةِ وفِيهِ تَرَدُّدٌ والظِّلُّ في الأصْلِ ضِدَّ الضِّحِّ وهو عِنْدَ الرّاغِبِ أعَمُّ مِنَ الفَيْءِ فَإنَّهُ يُقالُ: ظِلُّ اللَّيْلِ ولا يُقالُ فَيْؤُهُ ويُقالُ لِكُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ الشَّمْسُ ظِلٌّ ولا يُقالُ الفَيْءُ إلّا لِما زالَتْ عَنْهُ وفي القامُوسِ هو الضِّحُّ والفَيْءُ أوْ هو بِالغَداةِ والفَيْءُ بِالعَشِيِّ جَمْعُهُ ظِلالٌ وظُلُولٌ وأظْلالٌ ويُعَبَّرُ بِهِ عَنِ العِزَّةِ والمَنَعَةِ وعَنِ الرَّفاهَةِ والمَشْهُورُ تَفْسِيرُهُ هُنا بِالمَعْنى الأوَّلِ وهو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ وأُكُلُها كَذَلِكَ أيْ دائِمٌ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ومَعْنى دَوامِهِ أنَّهُ لا يُنْسَخُ كَما يُنْسَخُ في الدُّنْيا بِالشَّمْسِ إذْ لا شَمْسَ هُناكَ عَلى الشّائِعِ عِنْدَ أهْلِ الأثَرِ أوْ لِأنَّها لا تَأْثِيرَ لَها عَلى ما قِيلَ ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يُرادَ بِالظِّلِّ العِزَّةُ أوِ الرَّفاهَةُ وأنْ يُرادُ المَعْنى الأوَّلُ ويُجْعَلَ الكَلامُ كِنايَةً عَنْ دَوامِ الرّاحَةِ وأكْفَرَ خارِجَةُ بْنُ مُعَصَّبٍ كَما رَوى عَنْهُ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ القائِلَ بِعَدَمِ دَوامِ الجَنَّةِ كَما يُحْكى عَنْ جَهَنَّمَ وأتْباعِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ وبِها اسْتَدَلَّ القاضِي عَلى أنَّها لَمْ تُخْلَقْ بَعْدَ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مَخْلُوقَةً لَوَجَبَ أنْ يَفْنى ويَنْقَطِعَ أُكُلُها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ لَكِنَّ أُكُلَها لا يَنْقَطِعُ ولا يَفْنى لِلْآيَةِ المَذْكُورَةِ فَوَجَبَ أنْ لا تَكُونَ مَخْلُوقَةً بَعْدُ ثُمَّ قالَ: ولا نُنْكِرُ أنْ يَكُونَ الآنَ جِنانٌ كَثِيرَةٌ في السَّماءِ يَتَمَتَّعُ بِها مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأنْبِياءِ والشُّهَداءِ وغَيْرِهِمْ إلّا أنّا نَقُولُ: إنَّ جَنَّةَ الخُلْدِ إنَّما تُخْلَقُ بَعْدَ الإعادَةِ وأجابَ الإمامُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ دَلِيلَهُ مُرَكَّبٌ مِن شَيْئَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أُكُلُها دائِمٌ ﴾ فَإذا أدْخَلْنا التَّخْصِيصَ في أحَدِ هَذَيْنِ العَمُودَيْنِ سَقَطَ الدَّلِيلُ فَنَحْنُ نُخَصِّصُ أحَدَهُما بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .

اهَـ.

ويُرَدُّ عَلى الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ إذِ الشَّيْءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ المَوْجُودُ مُطْلَقًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ) والمَعْنى أنَّ كُلَّ ما يُوجَدُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ يَصِيرُ هالِكًا بَعْدَ وُجُودِهِ فَيَصِحُّ أنْ يُقالَ: لَوْ وُجِدَتِ الجَنَّةُ في وقْتٍ لَوَجَبَ هَلاكُ أُكُلِها تَحْقِيقًا لِلْعُمُومِ لَكِنَّ هَلاكَهُ باطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُكُلُها دائِمٌ ﴾ فَوُجُودُها في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ باطِلٌ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَعَلَّ المُرادَ مِنَ الشَّيْءِ المَوْجُودِ في الدُّنْيا فَإنَّها دارُ الفَناءِ دُونَ المَوْجُودِ في الآخِرَةِ فَإنَّها دارُ البَقاءِ وهَذا كافٍ في عَدَمِ اشْتِراكِ الإلْزامِ وفِيهِ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّ مَعْنى الشَّيْءِ هو المَوْجُودُ في الدُّنْيا فَهو ظاهِرُ البُطْلانِ وإنَّ أُرِيدَ أنَّ المُرادَ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ كَوْنِهِ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالهَلاكِ وهو إنَّما يَكُونُ في الدُّنْيا لِأنَّها دارُ الفَناءِ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ فَنَحْنُ نُخَصِّصُهُ بِغَيْرِ الجَنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ و ﴿ أُكُلُها دائِمٌ ﴾ فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ.

وأجابَ غَيْرُ الإمامِ بِأنَّ المُرادَ هو الدَّوامُ العُرْفِيُّ وهو عَدَمُ طَرَيانِ العَدَمِ زَمانًا يُقَيَّدُ بِهِ وهَذا لا يُنافِي طَرَيانَ العَدَمِ عَلَيْهِ وانْقِطاعَهُ لَحْظَةً عَلى أنَّ الهَلاكَ لا يَسْتَلْزِمُ الفَناءَ بَلْ يَكْفِي فِيهِ الخُرُوجُ عَنِ الِانْتِفاعِ المَقْصُودِ ولَوْ سُلِّمَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ فَهو هالِكٌ في حَدِّ ذاتِهِ بِمَعْنى أنَّ الوُجُودَ الإمْكانِيَّ بِالنَّظَرِ إلى الوُجُودِ الواجِبِيِّ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ وقِيلَ: في الجَوابِ أيْضًا: إنَّ المُرادَ بِالدَّوامِ المَعْنى الحَقِيقِيُّ أعْنِي عَدَمَ طَرَيانِ العَدَمِ مُطْلَقًا والمُرادُ بِدَوامِ الأكْلِ دَوامُ النَّوْعِ وبِالهَلاكِ هَلاكُ الأشْخاصِ ويَجُوزُ أنْ لا يَنْقَطِعَ النَّوْعُ أصْلًا مَعَ هَلاكِ الأشْخاصِ بِأنْ يَكُونَ هَلاكُ كُلِّ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الأكْلِ بَعْدَ وُجُودِ مِثْلِهِ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ مِن أنَّ الجَنَّةَ لا يَطْرَأُ عَلَيْها العَدَمُ ولَوْ لَحْظَةً وأمّا عَلى ما قِيلَ: مِن جَرَيانِهِ عَلَيْها لَحْظَةً فَلا يَتِمُّ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ انْقِطاعُ النَّوْعِ قَطْعًا كَما لا يَخْفى.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ( مِثالُ الجَنَّةِ ) وفي اللَّوامِحِ عَنِ السُّلَمِيِّ ( أمْثالُ الجَنَّةِ ) أيْ صِفاتُها ﴿ تِلْكَ ﴾ الجَنَّةُ المَنعُوتَةُ بِما ذُكِرَ ﴿ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ الكُفْرَ والمَعاصِيَ أيْ مَآلُهم ومُنْتَهى أمْرِهِمْ ﴿ وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ ﴾ .

(35) .

لا غَيْرَ كَما يُؤْذِنُ بِهِ تَعْرِيفُ الخَبَرِ وحَمْلُ الِاتِّقاءِ عَلى اتِّقاءِ الكُفْرِ والمَعاصِي لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَرْغِيبٍ وعَلَيْهِ يَكُونُ العُصاةُ مَسْكُوتًا عَنْهم وقَدْ يُحْمَلُ عَلى اتِّقاءِ الكُفْرِ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ فَيَدْخُلُ العُصاةُ في الَّذِينَ اتَّقَوْا لِأنَّ عاقِبَتَهُمُ الجَنَّةُ وإنْ عُذِّبُوا.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ ٱلْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُۥ ۚ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشْرِكَ بِهِۦٓ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُوا۟ وَإِلَيْهِ مَـَٔابِ ٣٦

﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ نَزَلَتْ كَما قالَ الماوَرْدِيُّ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابَيْنِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبٍ وأضْرابِهِما مِنَ اليَهُودِ وكالَّذِينِ أسْلَمُوا مِنَ النَّصارى كالثَّمانِينَ المَشْهُورِينَ وهم أرْبَعُونَ رَجُلًا بِنَجْرانَ وثَمانِيَةٌ بِاليَمَنِ واثْنانِ وثَلاثُونَ بِالحَبَشَةِ فالمُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ ﴿ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ إذْ هو الكِتابُ المَوْعُودُ فِيما أُوتُوهُ ﴿ ومِنَ الأحْزابِ ﴾ أيْ مِن أحْزابِهِمْ وهم كَفَرَتُهُمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالعَداوَةِ كَكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ والسَّيِّدِ والعاقِبِ أُسْقُفِيِّ نَجْرانَ وأشْياعِهِما وأصْلُهُ جَمْعُ حِزْبٍ بِكَسْرٍ وسُكُونٍ الطّائِفَةُ المُتَحَزِّبَةُ أيِ المُجْتَمِعَةِ لِأمْرٍ ما كَعَداوَةٍ وحَرْبٍ وغَيْرِ ذَلِكَ وإرادَةُ جَماعَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنهُ بِواسِطَةِ العَهْدِ ﴿ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ ﴾ وهو ما لا يُوافِقُ كُتُبَهم مِنَ الشَّرائِعِ الحادِثَةِ إنْشاءً أوْ نَسْخًا وأمّا ما يُوافِقُ كُتُبَهم فَلَمْ يُنْكِرُوهُ وإنْ لَمْ يَفْرَحُوا بِهِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ زَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي اليَهُودِ خاصَّةً فالمُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ وبِالأحْزابِ كَفَرَتُهم وعَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ جَمِيعُ أهْلِ الكِتابِ فَإنَّهم كانُوا يَفْرَحُونَ بِما يُوافِقُ كُتُبَهم فالمُرادُ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ بَعْضُهُ وهو المُوافِقُ واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَأْباهُ مُقابَلَةُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ ﴾ لِأنَّ إنْكارَ البَعْضِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهم وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الأحْزابِ مَن حَظُّهُ إنْكارُ بَعْضِهِ فَحَسْبُ ولا نَصِيبَ لَهُ مِنَ الفَرَحِ بِبَعْضٍ مِنهُ لِشِدَّةٍ بُغْضِهِ وعَداوَتِهِ وأُولَئِكَ يَفْرَحُونَ بِبَعْضِهِ المُوافِقِ لِكُتُبِهِمْ وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ المَعْنى أنَّ مِنهم مَن يَفْرَحُ بِبَعْضِهِ إذا وافَقَ كُتُبَهم وبَعْضُهم لا يَفْرَحُ بِذَلِكَ البَعْضِ بَلْ يَغْتَمُّ بِهِ وإنْ وافَقَها ويُنْكِرُ المُوافَقَةَ لِئَلّا يَتَّبِعَ أحَدٌ مِنهم شَرِيعَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما في قِصَّةِ الرَّجْمِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الجَوابَيْنِ لَيْسا بِشَيْءٍ وعَلى تَفْسِيرِ المَوْصُولِ بِعامَّةِ أهْلِ الكِتابِ فَسَّرَ البَعْضُ البَعْضَ بِما لَمْ يُوافِقْ ما حَرَّفُوهُ وبَيَّنَ ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم مَن يَفْرَحُ بِما وافَقَ ومِنهم مَن يُنْكِرُهُ لِعِنادِهِ وشِدَّةِ فَسادِهِ وإنْكارُهم لِمُخالَفَةِ المُحَرَّفِ بِالقَوْلِ دُونَ القَلْبِ لِعِلْمِهِمْ بِهِ أوْ هو بِالنِّسْبَةِ لِمَن لَمْ يُحَرِّفْهُ ولَعَلَّ نَعْيَ الإنْكارِ أوْفَقُ بِالمَقامِ مِن نَعْيِ التَّحْرِيفِ عَلَيْهِمْ عَلى ما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ مُطْلَقُ المُسْلِمِينَ وبِالأحْزابِ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ.

وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ فالمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ ومَعْنى ﴿ يَفْرَحُونَ ﴾ اسْتِمْرارُ فَرَحِهِمْ وزِيادَتُهُ وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالأحْزابِ أحْزابُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ العَرَبِ وقالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ وآلُ أبِي طَلْحَةَ ﴿ قُلْ ﴾ صادِعًا بِالحَقِّ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِمُنْكِرِ بَعْضِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴿ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ أوْ لا أفْعَلُ الإشْراكَ بِهِ سُبْحانَهُ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ قَصْرُ الأمْرِ عَلى عِبادَتِهِ تَعالى خاصَّةً وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الإمامِ حَيْثُ قالَ: إنَّ ﴿ إنَّما ﴾ لِلْحَصْرِ ومَعْناهُ إنِّي ما أُمِرْتُ إلّا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ ولا أمْرَ ولا نَهْيَ إلّا بِذَلِكَ وقِيلَ: مَعْناهُ إنَّما أُمِرْتُ بِعِبادَتِهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ لا بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ.

وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ المَعْنى إلْزامًا لِلْمُنْكِرِينَ ورَدًّا لِإنْكارِهِمْ إنَّما أُمِرْتُ إلى آخِرِهِ والمُرادُ قَصْرُ الأمْرِ بِالعِبادَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى لا قَصْرَ الأمْرِ مُطْلَقًا عَلى عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ أيْ قُلْ لَهم: إنَّما أُمِرْتُ فِيما أُنْزِلَ إلَيَّ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ وظاهِرٌ أنْ لا سَبِيلَ لَكم إلى إنْكارِهِ لِإطْباقِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والكُتُبِ عَلى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ﴾ فَما لَكم تُشْرِكُونَ بِهِ عُزَيْرًا والمَسِيحَ عَلَيْهِما السَّلامُ ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ مَبْنِيٌّ عَلى كَوْنِ المُرادِ مِنَ الأحْزابِ كَفَرَةَ أهْلِ الكِتابَيْنِ وهَذا الكَلامُ إلْزامٌ لَهم واعْتُرِضَ بِأنَّ مِنهم مَن يُنْكِرُ التَّوْحِيدَ وإطْباقَ جَمِيعِ الأنْبِياءِ والكُتُبِ عَلَيْهِ كالمُثَلِّثَةِ مِنَ النَّصارى.

وأُجِيبَ بِأنَّهم مَعَ التَّثْلِيثِ يَزْعُمُونَ التَّوْحِيدَ ولا يُنْكِرُونَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: بِاسْمِ الأبِ والِابْنِ ورُوحِ القُدُسِ إلَهًا واحِدًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا مِمّا لا يُحْتاجُ إلَيْهِ والِاعْتِراضُ ناشِئٌ مِنَ الغَفْلَةِ عَنِ المُرادِ وقَدْ يُقالُ: المَعْنى إنَّما أُمِرْتُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وعَدَمِ الإشْراكِ بِهِ وذَلِكَ أمْرٌ تَسْتَحْسِنُهُ العُقُولُ وتُصَرِّحُ بِهِ الدَّلائِلُ الآفاقِيَّةُ والأنْفُسِيَّةُ: .

وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ فَإنْكارُهُ دَلِيلُ الحَماقَةِ وشاهِدُ الجَهالَةِ لا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ ويَجْرِي هَذا عَلى سائِرِ تَفاسِيرِ الأحْزابِ وقَرَأ أبُو خُلَيْدٍ عَنْ نافِعٍ ( ولا أُشْرِكُ ) بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ أيْ وأنا لا أُشْرِكُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا أيْ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ غَيْرَ مُشْرِكٍ بِهِ قِيلَ: وهو الأوْلى لِخُلُوِّ الِاسْتِئْنافِ عَنْ دَلالَةِ الكَلامِ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ تَخْصِيصُ العِبادَةِ بِهِ تَعالى وفِيهِ بَحْثٌ ﴿ إلَيْهِ ﴾ أيْ إلى اللَّهِ تَعالى خاصَّةً عَلى النَّهْجِ المَذْكُورِ مِنَ التَّوْحِيدِ أوْ إلى ما أُمِرْتُ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ ﴿ أدْعُو ﴾ النّاسَ لا إلى غَيْرِهِ ولا إلى شَيْءٍ آخَرَ مِمّا لا يُطَبَّقُ عَلَيْهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَما وجْهُ إنْكارِكم قالَهُ في الإرْشادِ أيْضًا والأوْلى عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى اللَّهِ تَعالى كَنَظِيرِهِ السّابِقِ وكَذا اللّاحِقِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإلَيْهِ ﴾ أيِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ ﴿ مَآبِ ﴾ .

(36) .

أيْ مَرْجِعِي لِلْجَزاءِ وعَلى ذَلِكَ اقْتَصَرَ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ وكانَ قَدْ زادَ ومَرْجِعُكم فِيما تَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَزِيدَهُ هُنا أيْضًا بَلْ هَذا المَقامُ أنْسَبُ بِالتَّعْمِيمِ لِيَدُلَّ عَلى ثُبُوتِ الحَشْرِ عُمُومًا وهو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ وقَدْ جَعَلَ الإمامُ هَذِهِ الآيَةَ جامِعَةً لِكُلِّ ما لا يَحْتاجُ المَرْءُ إلَيْهِ مِن مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ والمَعادِ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ ﴾ جامِعٌ لِكُلِّ ما ورَدَ التَّكْلِيفُ بِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَيْهِ أدْعُو ﴾ مُشِيرٌ إلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ وإلَيْهِ مَآبِ ﴾ إشارَةٌ إلى الحَشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ وأجابَ الشِّهابُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إنَّ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ مَرْجِعِي وأنْتُمْ تَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فَلا مَعْنى لِإنْكارِكم فِيهِ بَيانٌ لِنُكْتَةِ التَّخْصِيصِ مِن أنَّهم يُنْكِرُونَ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا فَلا حاجَةَ إلى ما يُقالُ لا حاجَةَ لِذِكْرِهِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ ﴾ انْتَهى.

وهُوَ كَما تَرى ولَعَلَّ الأظْهَرَ أنْ يُقالَ: إنَّ دَلالَةَ الكَلامِ عَلَيْهِ هُنا لَيْسَتْ كَدَلالَتِهِ عَلَيْهِ هُناكَ إذْ مَساقُ الآيَةِ فِيهِ لِلتَّخْوِيفِ اللّائِقِ بِهِ اعْتِبارُهُ ومَساقُها هُنا لِأمْرٍ آخَرَ والِاقْتِصارُ عَلى ذَلِكَ كافٍ فِيهِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ اعْتِبارِهِ ويَكُونُ مَعْنى الآيَةِ قُلْ في جَوابِهِمْ: إنِّي إنَّما أمَرَنِي اللَّهُ تَعالى بِما هو مِن مَعالِي الأُمُورِ وإلَيْهِ أدْعُو وقْتًا فَوَقْتًا وإلَيْهِ مَرْجِعِي ومَرْجِعُكم فَيُثِيبُنِي عَلى ما أنا عَلَيْهِ ويَنْتَقِمُ مِنكم عَلى إنْكارِكم وتَخَلُّفِكم عَنِ اتِّباعِ دَعْوَتِي أوْ فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ حَقِّيَّةُ جَمِيعِ ما أُنْزِلَ إلَيَّ ويَتَبَيَّنُ فَسادُ رَأْيِكم في إنْكارِكم شَيْئًا مِنهُ وقَدْ يُقالُ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِهِ نَحْوَ ما قِيلَ فِيما قَبْلُ: إنَّ المَعْنى قُلْ في مُقابَلَةِ إنْكارِهِمْ إنِّي إنَّما أمَرَنِي اللَّهُ تَعالى بِما أمَرَنِي بِهِ وإلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَرْجِعِي فِيما يَعْرِضُ لِي في أمْرِ الدَّعْوَةِ وغَيْرِهِ فَلا أُبالِي بِإنْكارِكم فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كافٍ مَن رَجَعَ إلَيْهِ ولَعَلَّ هَذا المَعْنى هُنا مِن حَيْثُ أنَّهُ فِيهِ تَأْسِيسٌ مَحْضٌ مِنهُ هُناكَ واقْتَصَرَ في الإرْشادِ عَلى جَعْلِ الكَلامِ إلْزامًا وجَعَلَهُ نُكْتَةً أمَرَهُ  بِأنْ يُخاطِبَهم بِذَلِكَ وذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ حُكْمًا عَرَبِيًّۭا ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا وَاقٍۢ ٣٧

﴿ وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ﴾ شُرُوعٌ في رَدِّ إنْكارِهِمْ لِفُرُوعِ الشَّرائِعِ الوارِدَةِ ابْتِداءً أوْ بَدَلًا مِنَ الشَّرائِعِ المَنسُوخَةِ بِبَيانِ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ وأنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ لِما أُنْزِلَ إلَيْكَ والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ ﴿ أنْزَلْناهُ ﴾ أوْ ﴿ أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ الجامِعِ لِأُصُولٍ مُجْمَعٍ عَلَيْها وفُرُوعٍ مُتَشَعِّبَةٍ إلى مُوافَقَةٍ ومُخالَفَةٍ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ قَضِيَّةُ الحِكْمَةِ أنْزَلْناهُ حاكِمًا يَحْكُمُ في القَضايا والواقِعاتِ بِالحَقِّ ويَحْكُمُ بِهِ كَذَلِكَ والتَّعَرُّضُ لِهَذا العُنْوانِ مَعَ أنَّ بَعْضَهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ لِتَرْبِيَتِهِ وُجُوبَ مُراعاتِهِ وتَحَتُّمِ المُحافَظَةِ عَلَيْهِ والتَّعَرُّضُ لِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا أيْ مُتَرْجَمًا بِلِسانِ العَرَبِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ إحْدى مَوادِّ المُخالَفَةِ لِلْكُتُبِ السّابِقَةِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ مُقْتَضى الحِكْمَةِ إذْ بِذَلِكَ يَسْهُلُ فَهْمُهُ وإدْراكُ إعْجازِهِ يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ لِلْعَرَبِ وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ فَلَعَلَّ الحِكْمَةَ أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ داعِيًا لِتَعَلُّمِ العُلُومِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْها ما ذُكِرَ ومِنهم مَنِ اقْتَصَرَ عَلى اشْتِمالِ الإنْزالِ عَلى أُصُولِ الدِّياناتِ المُجْمَعِ عَلَيْها حَسْبَما يُفِيدُهُ عَلى رَأْيِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ ﴾ إلى آخِرِهِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ التَّعَرُّضُ لِاتِّباعِ أهْوائِهِمْ وحَدِيثِ المَحْوِ والإثْباتِ وأنَّهُ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ فَإنَّ المُجْمَعَ عَلَيْهِ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الِاسْتِتْباعُ والِاتِّباعُ وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى إنْزالِ الكُتُبِ السّالِفَةِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمَعْنى كَما أنْزَلْنا الكُتُبَ عَلى مَن قَبْلَكَ أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ عَلَيْكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ يَتَضَمَّنُ إنْزالَهُ تَعالى ذَلِكَ وهَذا الَّذِي أنْزَلْناهُ بِلِسانِ العَرَبِ كَما أنَّ الكُتُبَ السّابِقَةَ بِلِسانِ مَن أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿ وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ وإلى هَذا ذَهَبَ الإمامُ وأبُو حَيّانَ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى كَما يَسَّرْنا هَؤُلاءِ لِلْفَرَحِ وهَؤُلاءِ لِإنْكارِ البَعْضِ أنْزَلْناهُ حُكْمًا إلى آخِرِهِ ولَيْتَهُ ما قِيلَ والأبْلَغُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ مِمّا أشَرْنا إلَيْهِ ونُصِبَ ﴿ حُكْمًا ﴾ عَلى الحالِ مِنَ مَنصُوبِ ﴿ أنْزَلْناهُ ﴾ وإذا أُرِيدَ بِهِ حاكِمًا كانَ هُناكَ مَجازٌ في النِّسْبَةِ كَما لا يَخْفى ونُصِبَ ﴿ عَرَبِيًّا ﴾ عَلى الحالِ أيْضًا إمّا مِن ضَمِيرٍ ﴿ أنْزَلْناهُ ﴾ كالحالِ الأُولى فَتَكُونُ حالًا مُتَرادِفَةً أوْ مِنَ المُسْتَتِرِ في الأُولى فَتَكُونُ حالًا مُتَداخِلَةً ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِحُكْمًا الحالِ وهي مُوَطِّئَةٌ وهي الِاسْمُ الجامِدُ الواقِعُ حالًا لِوَصْفِهِ بِمُشْتَقٍّ وهو الحالُ في الحَقِيقَةِ والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ ﴿ حُكْمًا ﴾ مَقْصُودٌ بِالحالِيَّةِ هُنا والحالُ المُوَطِّئَةُ لا تُقْصَدُ بِالذّاتِ.

واخْتارَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ مَعْنى ﴿ حُكْمًا ﴾ حِكْمَةً كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( وآتَيْناهُ الحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ) وهو أحَدُ أوْجُهٍ ذَكَرَها الإمامُ ونَصَبَهُ عَلى الحالِ أيْضًا فَلا تَغْفُلْ واسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ مِن وُجُوهٍ الأوَّلُ أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُحْدَثِ.

الثّانِي أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا والعَرَبِيُّ أمْرٌ وضْعِيٌّ وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مُحْدَثًا الثّالِثُ أنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّهُ إنَّما كانَ حُكْمًا عَرَبِيًّا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهُ كَذَلِكَ والمَجْعُولُ مُحْدَثٌ وأجابَ الإمامُ بِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ إنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ مُحْدَثٌ ولا نِزاعَ فِيهِ أيْ بَيْنَ المُعْتَزِلَةِ والأشاعِرَةِ وإلّا فالحَنابِلَةُ عَلى ما اشْتُهِرَ عَنْهم قائِلُونَ بِقِدَمِ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ وقَدْ أسْلَفْنا في المُقَدِّماتِ كَلامًا نَفِيسًا في مَسْألَةِ الكَلامِ فارْجِعْ إلَيْهِ ولا يَهُولَنَّكَ قَعاقِعُ المُخالِفِينَ لِسَلَفِ الأُمَّةِ.

﴿ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ ﴾ الَّتِي يَدْعُونَكَ إلَيْها كالصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ إلى الكَعْبَةِ وكَتَرْكِ الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ ﴿ بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ﴾ العَظِيمِ الشَّأْنِ الفائِضِ عَلَيْكَ مِن ذَلِكَ الحُكْمِ العَرَبِيِّ أوَ العِلْمِ بِمَضْمُونِهِ ﴿ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ ﴾ مِن جَنابِهِ العَزِيزِ جَلَّ شَأْنُهُ والِالتِفاتُ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغِيبَةِ وإيرادُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ مِن ولِيٍّ يَلِي أمْرَكَ ويَنْصُرُكَ عَلى مَن يَبْغِيكَ الغَوائِلُ ﴿ ولا واقٍ ﴾ .

(37) .

يَقِيكَ مِن مَصارِعِ السُّوءِ وحَيْثُ لَمْ يَسْتَلْزِمُ نَفْيُ النّاصِرِ عَلى العَدُوِّ نَفْيَ الواقِي مِن نِكايَتِهِ أدْخَلَ في المَعْطُوفِ حَرْفَ النَّفْيِ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِكَ: ما لِيَ دِينارٌ ولا دِرْهَمٌ أوْ ما لَكَ مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى مِن ناصِرٍ وواقٍ لِاتِّباعِكَ أهْواءَهم بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الحَقِّ وأمْثالُ هَذِهِ القَوارِعِ إنَّما هي لِقَطْعِ أطْماعِ الكَفَرَةِ وتَهْيِيجِ المُؤْمِنِينَ عَلى الثَّباتِ في الدِّينِ لا لِلنَّبِيِّ  فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَكانٍ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى باعِثٍ أوْ مُهَيِّجٍ ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الخِطابَ لِغَيْرِهِ  واللّامُ في ( لَئِنْ ) مُوَطِّئَةٌ و( مِنَ ) الثّانِيَةِ مَزِيدَةٌ و( ما لَكَ ) سادٌّ مَسَدَّ جَوابَيِ الشَّرْطِ والقَسَمِ <div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًۭا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًۭا وَذُرِّيَّةًۭ ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍۢ كِتَابٌۭ ٣٨

﴿ ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا ﴾ كَثِيرَةً كائِنَةً ﴿ مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً ﴾ أيْ نِساءً وأوْلادًا كَما جَعَلْناها لَكَ رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ «أنَّ اليَهُودَ عَيَّرَتْ رَسُولَ اللَّهِ  وقالُوا: ما نَرى لِهَذا الرَّجُلِ هِمَّةً إلّا النِّساءَ والنِّكاحَ ولَوْ كانَ نَبِيًّا كَما زَعَمَ لَشَغَلَهُ أمْرُ النُّبُوَّةِ عَنِ النِّساءِ فَنَزَلَتْ» رَدًّا عَلَيْهِمْ حَيْثُ تَضَمَّنَتْ أنَّ التَّزَوُّجَ لا يُنافِي النُّبُوَّةَ وأنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُما قَدْ وقَعَ في رُسُلٍ كَثِيرَةٍ قَبْلَهُ.

ذُكِرَ أنَّهُ كانَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثُمِائَةِ امْرَأةٍ مُهْرِيَّةٍ وسَبْعُمِائَةِ سَرِيَّةٍ وأنَّهُ كانَ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِائَةُ امْرَأةٍ ولَمْ يَتَعَرَّضْ جَلَّ شَأْنُهُ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ: ما نَرى لِهَذا الرَّجُلِ هِمَّةً إلّا النِّساءَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ جَوابًا لِظُهُورِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَشْغَلْهُ أمْرُ النِّساءِ عَنْ شَيْءٍ ما مِن أمْرِ النُّبُوَّةِ وفي أدائِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْأمْرَيْنِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ دَلِيلٌ وأيُّ دَلِيلٍ عَلى مَزِيدِ كَمالِهِ مَلَكِيَّةً وبَشَرِيَّةً ومِمّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّهُ  كانَ يَجُوعُ الأيّامَ حَتّى يَشُدَّ عَلى بَطْنِهِ الشَّرِيفِ الحَجَرَ ومَعَ ذا يَطُوفُ عَلى جَمِيعِ نِسائِهِ في اللَّيْلَةِ الواحِدَةِ لا يَمْنَعُهُ ذاكَ عَنْ هَذا.

وفِي تَكْثِيرِ نِسائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَوائِدُ جَمَّةٌ ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ سِوى الوُقُوفِ عَلى اسْتِواءِ سِرِّهِ وعَلَنِهِ لَكَفى وذَلِكَ لِأنَّ النِّساءَ مِن شَأْنِهِنَّ أنْ لا يَحْفَظْنَ سِرًّا كَيْفَما كانَ فَلَوْ كانَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في السِّرِّ ما يُخالِفُ العَلَنَ لَوَقَفْنَ عَلَيْهِ مَعَ كَثْرَتِهِنَّ ولَوْ كُنَّ قَدْ وقَفْنَ لَأفْشَوْهُ عَمَلًا بِمُقْتَضى طِباعِ النِّساءِ لا سِيَّما الضَّرائِرَ.

ومَن وقَفَ عَلى الآثارِ وأحاطَ خَبَرًا بِما رُوِيَ عَنْ هاتِيكَ النِّساءِ الطّاهِراتِ عَلِمَ أنَّهُنَّ لَمْ يَتْرُكْنَ شَيْئًا مِن أحْوالِهِ الخَفِيَّةِ إلّا ذَكَرُوهُ وناهِيكَ ما رُوِيَ «أنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ اخْتَلَفُوا في الإيلاجِ بِدُونِ إنْزالٍ هَلْ يُوجِبُ الغُسْلَ أمْ لا فَسَألُوا عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها فَقالَتْ ولا حَياءَ في الدِّينِ: فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ  مَعِيَ فاغْتَسَلْنا جَمِيعًا» ورُوِيَ أنَّهم طَعَنُوا في نُبُوَّتِهِ بِالتَّزَوُّجِ وبِعَدَمِ الإتْيانِ بِما يَقْتَرِحُونَهُ مِنَ الآياتِ فَنَزَلَ ذَلِكَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ أيْ وما صَحَّ وما اسْتَقامَ ولَمْ يَكُنْ في وُسْعِ رَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ مِن قَبْلُ أنْ يَأْتِيَ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ بِآيَةٍ ومُعْجِزَةٍ يَقْتَرِحُونَها عَلَيْهِ إلّا بِتَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها أمْرُ الكائِناتِ وقَدْ يُرادُ بِالآيَةِ الآيَةُ الكِتابِيَّةُ النّازِلَةُ بِالحُكْمِ عَلى وفْقِ مُرادِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ وهو أوْفَقُ بِما بَعْدُ وجُوِّزَ إرادَةُ الأمْرَيْنِ بِاعْتِبارِ عُمُومِ المَجازِ أيِ الدّالِّ مُطْلَقًا أوْ عَلى اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْهِ بِناءً عَلى جَوازِهِ والِالتِفاتِ لِما تَقَدَّمَ ولِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِالإيماءِ إلى العِلَّةِ.

﴿ لِكُلِّ أجَلٍ ﴾ أيْ لِكُلِّ وقْتٍ ومُدَّةٍ مِنَ الأوْقاتِ والمُدَدِ ﴿ كِتابٌ ﴾ .

(38) .

حُكْمٌ مُعَيَّنٌ يُكْتَبُ عَلى العِبادِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ فَإنَّ الشَّرائِعَ كُلَّها لِإصْلاحِ أحْوالِهِمْ في المَبْدَأِ والمَعادِ ومِن قَضِيَّةِ ذَلِكَ أنْ تَخْتَلِفَ حَسَبَ أحْوالِهِمُ المُتَغَيِّرَةِ حَسَبَ تَغَيُّرِ الأوْقاتِ كاخْتِلافِ العِلاجِ حَسَبَ اخْتِلافِ أحْوالِ المَرْضى بِحَسَبِ الأوْقاتِ وهَذا عِنْدَ بَعْضٍ رَدٌّ لِما أنْكَرُوهُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن نَسْخِ بَعْضِ الأحْكامِ كَما أنَّ ما قَبْلَهُ رَدٌّ لِطَعْنِهِمْ بِعَدَمِ الإتْيانِ بِالمُعْجِزاتِ المُقْتَرَحَةِ.

<div class="verse-tafsir"

يَمْحُوا۟ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ ٣٩

﴿ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ﴾ أيْ يَنْسَخُ ما يَشاءُ نَسْخَهُ مِنَ الأحْكامِ لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ بِحَسَبِ الوَقْتِ ﴿ ويُثْبِتُ ﴾ بَدَلَهُ ما فِيهِ الحِكْمَةُ أوْ يُبْقِيهِ عَلى حالِهِ غَيْرَ مَنسُوخٍ أوْ يُثْبِتُ ما يَشاءُ إثْباتَهُ مُطْلَقًا أعَمُّ مِنهُما ومِنَ الإنْشاءِ ابْتِداءً وقالَ عِكْرِمَةُ: يَمْحُو بِالتَّوْبَةِ جَمِيعَ الذُّنُوبِ ويُثْبِتُ بَدَلَ ذَلِكَ حَسَناتٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ مِن ذُنُوبِ عِبادِهِ ويَتْرُكُ ما يَشاءُ فَلا يَغْفِرُهُ وقالَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مِمَّنْ حانَ أجَلُهُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِمَّنْ لَمْ يَأْتِ أجَلُهُ وقالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: يَمْحُو مَن يَشاءُ مِنَ القُرُونِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ ﴾ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ مِنها لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ ﴾ وقالَ الرَّبِيعُ: هَذا في الأرْواحِ حالَةَ النَّوْمِ يَقْبِضُها اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ فَمَن أرادَ مَوْتَهُ فَجْأةً أمْسَكَ رُوحَهُ فَلَمْ يُرْسِلْها ومَن أرادَ بَقاءَهُ أرْسَلَ رُوحَهُ بَيانُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ﴾ الآيَةَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ يَمْحُو مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ ما لَيْسَ بِحَسَنَةٍ ولا بِسَيِّئَةٍ لِأنَّهم مَأْمُورُونَ بِكَتْبِ كُلِّ قَوْلٍ وفِعْلٍ ويُثْبِتُ ما هو حَسَنَةٌ أوْ سَيِّئَةٌ وقِيلَ: يَمْحُو بَعْضَ الخَلائِقِ ويُثْبِتُ بَعْضًا مِنَ الأناسِيِّ وسائِرِ الحَيَواناتِ والنَّباتاتِ والأشْجارِ وصِفاتِها وأحْوالِها وقِيلَ: يَمْحُو الدُّنْيا ويُثْبِتُ الآخِرَةَ وقالَ الحَسَنُ وفِرْقَةٌ: ذَلِكَ في آجالِ بَنِي آدَمَ يَكْتُبُ سُبْحانَهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ وقِيلَ: في لَيْلَةِ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ آجالَ المَوْتى فَيَمْحُو أُناسًا مِن دِيوانِ الأحْياءِ ويُثْبِتُهم في دِيوانِ الأمْواتِ وقالَ السُّدِّيُّ: يَمْحُو القَمَرَ ويُثْبِتُ الشَّمْسَ بَيانُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً ﴾ وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَمْحُو اللَّهُ تَعالى ما يَشاءُ مِن أُمُورِ عِبادِهِ ويُثْبِتُ إلّا السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ والآجالَ فَإنَّها لا مَحْوَ فِيها ورَواهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وقِيلَ: هو عامٌّ في الرِّزْقِ والأجَلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ ونُسِبَ إلى جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وكانُوا يَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ يَجْعَلَهم سُعَداءَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ما دَعا عَبْدٌ قَطُّ بِهَذِهِ الدَّعَواتِ إلّا وُسِّعَ عَلَيْهِ في مَعِيشَتِهِ يا ذا المَنِّ ولا يُمَنُّ عَلَيْهِ يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ يا ذا الطَّوْلِ لا إلَهَ إلّا أنْتَ ظَهْرُ اللّاجِئِينَ وجارِ المُسْتَجِيرِينَ ومَأْمَنُ الخائِفِينَ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ في أُمِّ الكِتابِ شَقِيًّا فامْحُ عَنِّي اسْمَ الشَّقاوَةِ وأثْبِتْنِي عِنْدَكَ سَعِيدًا وإنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ في أُمِّ الكِتابِ مَحْرُومًا مُقَتَّرًا عَلَيَّ رِزْقِي فامْحُ حِرْمانِيَ ويَسِّرْ رِزْقِيَ وأثْبِتْنِي عِنْدَكَ سَعِيدًا مُوَفَّقًا لِلْخَيْرِ فَإنَّكَ تَقُولُ في كِتابِكَ الَّذِي أنْزَلْتَ ﴿ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ ﴾ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: وهو يَطُوفُ بِالبَيْتِ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ شِقْوَةً أوْ ذَنْبًا فامْحُهُ واجْعَلْهُ سَعادَةً ومَغْفِرَةً فَإنَّكَ تَمْحُو ما تَشاءُ وتُثْبِتُ وعِنْدَكَ أُمُّ الكِتابِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ شَقِيقِ أبِي وائِلٍ أنَّهُ كانَ يُكْثِرُ الدُّعاءَ بِهَذِهِ الدَّعَواتِ اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَنا أشْقِياءَ فامْحُنا واكْتُبْنا سُعَداءَ وإنْ كُنْتَ كَتَبْتَنا سُعَداءَ فَأثْبِتْنا فَإنَّكَ تَمْحُو ما تَشاءُ وتُثْبِتُ.

وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وغَيْرُهُ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ قالَ: «يَمْحُو اللَّهُ تَعالى مِنَ الرِّزْقِ ويَزِيدُ فِيهِ ويَمْحُو مِنَ الأجَلِ ويَزِيدُ فِيهِ» فَقِيلَ لَهُ: مَن حَدَّثَكَ بِهَذا فَقالَ: أبُو صالِحٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِئابٍ الأنْصارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأبُو حَيّانَ يَقُولُ: إنْ صَحَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ يَنْبَغِي تَأْوِيلُهُ فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ والرِّزْقَ والأجَلَ لا يَتَغَيَّرُ شَيْءٌ مِنها وإلى التَّعْمِيمِ ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ قالَ بَعْدَ نَقْلِ كَثِيرٍ مِنَ الأقْوالِ: والأنْسَبُ تَعْمِيمُ كُلٍّ مِنَ المَحْوِ والإثْباتِ لِيَشْمَلَ الكُلَّ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ مَوارِدُ الإنْكارِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ كَعْبٍ مِن أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَوْلا آيَةً في كِتابِ اللَّهِ تَعالى لَأنْبَأْتُكَ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ قالَ: وما هي قالَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ﴾ الآيَةَ يُشْعِرُ بِذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَحْوَ والإثْباتَ إذا كانا بِالنِّسْبَةِ إلى ما في أيْدِي المَلائِكَةِ ونَحْوِهِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ والرِّزْقِ والأجَلِ وبَيْنَ غَيْرِها في أنَّ كُلًّا يَقْبَلُ المَحْوَ والإثْباتَ وإنْ كانا بِالنِّسْبَةِ إلى ما في العِلْمِ فَلا فَرْقَ أيْضًا بَيْنَ تِلْكَ الأُمُورِ وبَيْنَ غَيْرِها في أنَّ كُلًّا لا يَقْبَلُ ذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ إنَّما تَعَلَّقَ بِها عَلى ما هي عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ وإلّا لَكانَ جَهْلًا وما في نَفْسٍ الأمْرِ مِمّا لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّغَيُّرُ والتَّبَدُّلُ وكَيْفَ يُتَصَوَّرُ تَغَيُّرُ زَوْجِيَّةِ الأرْبَعَةِ مَثَلًا وانْقِلابُها إلى الفَرْدِيَّةِ مَعَ بَقاءِ الأرْبَعَةِ أرْبَعَةً هَذا مِمّا لا يَكُونُ أصْلًا ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن ذَلِكَ ولا يَأْبى هَذا عُمُومُ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كانَ لِأنَّ المَشِيئَةَ تابِعَةٌ لِلْعِلْمِ والعِلْمَ بِالشَّيْءِ تابِعٌ لِما عَلَيْهِ الشَّيْءُ في نَفْسِ الأمْرِ فَهو سُبْحانَهُ لا يَشاءُ إلّا ما عَلَيْهِ الشَّيْءُ في نَفْسِ الأمْرِ قِيلَ: ويُشِيرُ إلى أنَّ ما في العِلْمِ لا يَتَغَيَّرُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ ﴾ .

(39) .

بِناءً عَلى أنَّ أُمَّ الكِتابِ هو العِلْمُ لِأنَّ جَمِيعَ ما يُكْتَبُ في صُحُفِ المَلائِكَةِ وغَيْرِها لا يَقَعُ حَيْثُما يَقَعُ إلّا مُوافِقًا لِما ثَبَتَ فِيهِ فَهو أُمٌّ لِذَلِكَ أيِ أصْلٌ لَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ مَحْوَهُ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ إثْباتَهُ مِمّا سُطِّرَ في الكُتُبِ وثابِتٌ عِنْدَهُ العِلْمُ الأزَلِيُّ الَّذِي لا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا عَلى وفْقِ ما فِيهِ وتَفْسِيرُ أُمِّ الكِتابِ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى مِمّا رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والمَشْهُورُ أنَّها اللَّوْحُ المَحْفُوظُ قالُوا: وهو أصْلُ الكُتُبِ إذْ ما مِن شَيْءٍ مِنَ الذّاهِبِ والثّابِتِ إلّا وهو مَكْتُوبٌ فِيهِ كَما هو.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الذّاهِبُ والثّابِتُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا لا مِمّا يَتَعَلَّقُ بِها وبِالآخِرَةِ أيْضًا لِقِيامِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ عَلى تَناهِي الأبْعادِ مُطْلَقًا والنَّقْلِيِّ عَلى تَناهِي اللَّوْحِ بِخُصُوصِهِ فَقَدْ جاءَ أنَّهُ مِن دُرَّةٍ بَيْضاءَ لَهُ دَفَّتانِ مِن ياقُوتٍ طُولُهُ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ وامْتِناعُ ظَرْفِيَّةِ المُتَناهِي لِغَيْرِ المُتَناهِي ضَرُورِيٌّ ولَعَلَّ مَن يَقُولُ بِعُمُومِ الذّاهِبِ والثّابِتِ يَلْتَزِمُ القَوْلَ بِالإجْمالِ حَيْثُ يَتَعَذَّرُ التَّفْصِيلُ وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى تَفْسِيرِ أُمِّ الكِتابِ بِما هو المَشْهُورُ والتَزَمَ القَوْلَ بِأنَّ ما فِيهِ لا يَتَغَيَّرُ وإنَّما التَّغَيُّرُ لِما في الكُتُبِ غَيْرِهِ وهَذا قائِلٌ بِعَدَمِ تَغَيُّرِ ما في العِلْمِ لِما عَلِمْتَ ورَأيْتَ في نُسْخَةٍ لِبَعْضٍ الأفاضِلِ كانَتْ عِنْدِي وفُقِدَتْ في حادِثَةِ بَغْدادَ أُلِّفَتْ في هَذِهِ المَسْألَةِ وفِيها أنَّهُ ما مِن شَيْءٍ إلّا ويُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ وتَبْدِيلُهُ حَتّى القَضاءُ الأزَلِيُّ واسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِأُمُورٍ مِنها أنَّهُ قَدْ صَحَّ مِن دُعائِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في القُنُوتِ: «وقِنِي شَرَّ ما قَضَيْتَ» وفِيهِ طَلَبُ الحِفْظِ مِن شَرِّ القَضاءِ الأوَّلِيِّ ولَوْ لَمْ يُمْكِنْ تَغْيِيرُهُ ما صَحَّ طَلَبُ الحِفْظِ مِنهُ ومِنها ما صَحَّ في حَدِيثِ التَّراوِيحِ مِن عُذْرِهِ  عَنِ الخُرُوجِ إلَيْها وقَدِ اجْتَمَعَ النّاسُ يَنْتَظِرُونَهُ لِمَزِيدِ رَغْبَتِهِمْ فِيها بِقَوْلِهِ: «خَشِيتُ أنْ تُفْرِضَ عَلَيْكم فَتَعْجِزُوا عَنْها» فَإنَّهُ لا مَعْنى لِهَذِهِ الخَشْيَةِ لَوْ كانَ القَضاءُ الأزَلِيُّ لا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ فَإنَّهُ إنْ كانَ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنَّها سَتُفْرَضُ فَلا بُدَّ أنْ تُفْرَضَ وإنْ سَبَقَ القَضاءُ بِأنَّها لا تُفْرَضُ فَمُحالٌ أنْ تُفْرَضَ عَلى ذَلِكَ الفَرْضِ عَلى أنَّهُ قَدْ جاءَ في حَدِيثِ فَرْضِ الصَّلاةِ لَيْلَةَ المِعْراجِ بَعْدُ ما هو ظاهِرٌ في سَبْقِ القَضاءِ بِأنَّها خَمْسُ صَلَواتٍ مَفْرُوضَةٍ لا غَيْرَ فَما مَعْنى الخَشْيَةِ بَعْدَ العِلْمِ بِذَلِكَ لَوْلا العِلْمُ بِإمْكانِ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ ومِنها ما صَحَّ أنَّهُ  كانَ يَضْطَرِبُ حالُهُ الشَّرِيفُ لَيْلَةَ الهَواءِ الشَّدِيدِ حَتّى أنَّهُ لا يَنامُ وكانَ يَقُولُ في ذَلِكَ: أخْشى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ فَإنَّهُ لا مَعْنى لِهَذِهِ الخَشْيَةِ أيْضًا مَعَ إخْبارِ اللَّهِ تَعالى أنَّ بَيْنَ يَدَيْها ما لَمْ يُوجَدْ إذْ ذاكَ كَظُهُورِ المَهْدِيِّ وخُرُوجِ الدَّجّالِ ونُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ودابَّةِ الأرْضِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَسْتَدْعِي تَحَقُّقُهُ زَمانًا طَوِيلًا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْلَمُ أنَّ القَضاءَ يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ وإنَّ ما قُضِيَ مِن أشْراطِها يُمْكِنُ تَبْدِيلُهُ ما خَشِيَ  مِن ذَلِكَ ومِنها أنَّ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ كانُوا مِن أشَدِّ النّاسِ خَوْفًا مِنَ النّارِ حَتّى أنَّ مِنهم مَن كانَ يَقُولُ: لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي وكانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: لَوْ نادى مُنادٍ كُلُّ النّاسِ في الجَنَّةِ إلّا واحِدًا لَظَنَنْتُ أنِّي ذَلِكَ الواحِدُ وهَذا مِمّا لا يَنْبَغِي لَهُ مَعَ إخْبارِ الصّادِقِ وتَبْشِيرِهِ لَهُ بِالجَنَّةِ والعِلْمُ بِأنَّ القَضاءَ لا يَتَغَيَّرُ ومِنها أنَّهُ لَوْلا إمْكانُ التَّغْيِيرِ لَلَغا الدُّعاءُ إذِ المَدْعُوُّ بِهِ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ القَضاءُ بِكَوْنِهِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ وإلّا فَمُحالٌ أنْ يَكُونَ وطَلَبُ ما لا بُدَّ أنْ يَكُونَ أوْ مُحالٌ أنْ يَكُونَ لَغْوٌ مَعَ أنَّهُ قَدْ ورَدَ الأمْرُ بِهِ والقَوْلُ بِأنَّهُ لِمُجَرَّدِ إظْهارِ العُبُودِيَّةِ والِافْتِقارِ إلى اللَّهِ تَعالى وكَفى بِذَلِكَ فائِدَةٌ يَأْباهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ وأيْضًا أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا يَنْفَعُ الحَذَرُ مِنَ القَدَرِ ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْحُو بِالدُّعاءِ ما يَشاءُ مِنَ القَدَرِ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ﴾ الآيَةَ فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَأُقِرَّنَّ عَيْنَكَ بِتَفْسِيرِها ولَأُقِرَّنَّ عَيْنَ أُمَّتِي بَعْدِي بِتَفْسِيرِها الصَّدَقَةُ عَلى وجْهِها وبِرُّ الوالِدَيْنِ واصْطِناعُ المَعْرُوفِ يُحَوِّلُ الشَّقاءَ سَعادَةً ويَزِيدُ في العُمْرِ ويَقِي مَصارِعَ السُّوءِ» وهَذا لا يَكادُ يُعْقَلُ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ القَضاءَ لا يَتَغَيَّرُ وفي الأخْبارِ والآثارِ مِمّا هو ظاهِرٌ في إمْكانِ التَّغْيِيرِ ما لا يُحْصى كَثْرَةً ولَعَلَّ مِن ذَلِكَ الدُّعاءَ المارَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ثُمَّ إنَّ القَضاءَ المُعَلَّقَ يَرْجِعُ في المَآلِ إلى القَضاءِ المُبْرَمِ عِنْدَ مُثْبِتِهِ فَلا يُفِيدُهُ التَّعَلُّقُ بِذَلِكَ في وقْعِ ما يَرِدُ عَلَيْهِ ودَفْعِ ما يَرِدُ عَلى القَوْلِ بِالتَّغَيُّرِ مِن أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ التَّغَيُّرُ في ذاتِهِ تَعالى لِما أنَّهُ يَنْجَرُّ إلى تَغَيُّرِ العِلْمِ وهو يُوجِبُ التَّغَيُّرَ في ذاتِهِ تَعالى مِن صِفَةٍ إلى أُخْرى أوْ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ الجَهْلُ وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ الشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرَها جُمْهُورُ الفَلاسِفَةِ في نَفْيِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِالجُزْئِيّاتِ المُتَغَيِّرَةِ فَإنَّهم قالُوا: إنَّهُ تَعالى إذا عَلِمَ مَثَلًا أنَّ زَيْدًا في الدّارِ الآنَ ثُمَّ خَرَجَ عَنْها فَإمّا أنْ يَزُولَ ذَلِكَ العِلْمُ ولا يَعْلَمُ سُبْحانَهُ أنَّهُ في الدّارِ أوْ يَبْقى ذَلِكَ العِلْمُ بِحالِهِ والأوَّلُ يُوجِبُ التَّغَيُّرَ في ذاتِهِ سُبْحانَهُ والثّانِي يُوجِبُ الجَهْلَ وكِلاهُما نَقْصٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ بِما دَفَعُوا بِهِ تِلْكَ الشُّبْهَةَ وهو ما ذُكِرَ في المَواقِفِ وشَرْحُهُ مِن مَنعِ لُزُومِ التَّغَيُّرِ فِيهِ تَعالى بَلِ التَّغَيُّرُ إنَّما هو في الإضافاتِ لِأنَّ العِلْمَ عِنْدَنا إضافَةٌ مَخْصُوصَةٌ وتَعَلُّقٌ بَيْنَ العالِمِ والمَعْلُومِ أوْ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ ذاتُ إضافَةٍ فَعَلى الأوَّلِ يَتَغَيَّرُ نَفْسُ العِلْمِ وعَلى الثّانِي يَتَغَيَّرُ إضافاتُهُ فَقَطْ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَلْزَمُ تَغَيُّرٌ في صِفَةٍ مَوْجُودَةٍ بَلْ في مَفْهُومٍ اعْتِبارِيٍّ وهو جائِزٌ وأجابَ كَثِيرٌ مِنَ الأشاعِرَةِ والمُعْتَزِلَةِ بِأنَّ العِلْمَ بِأنَّ الشَّيْءَ وُجِدَ والعِلْمَ بِأنَّهُ سَيُوجَدُ واحِدٌ فَإنَّ مَن عَلِمَ أنَّ زَيْدًا سَيَدْخُلُ البَلَدَ غَدًا فَعِنْدَ حُصُولِ الغَدِ يُعْلَمُ بِهَذا العِلْمِ بِأنَّهُ دَخَلَ البَلَدَ الآنَ إذا كانَ عِلْمُهُ هَذا مُسْتَمِرًّا بِلا غَفْلَةٍ مُزِيلَةٍ لَهُ وإنَّما يَحْتاجُ أحَدُنا إلى عِلْمٍ آخَرَ مُتَجَدِّدٍ يَعْلَمُ بِهِ أنَّهُ دَخَلَ الآنَ لَطَرَيانِ الغَفْلَةِ عَنِ الأوَّلِ والبارِي تَعالى يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الغَفْلَةُ فَكانَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ وُجِدَ عَيْنُ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سَيُوجَدُ فَلا يَلْزَمُ مِن تَغَيُّرِ المَعْلُومِ تَغَيُّرٌ في العِلْمِ ونِهايَةُ كَلامِهِ في هَذا المَقامِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَغَيَّرَ ما في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وإلّا لَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ الفِعْلُ أوِ التَّرْكُ وفِيهِ مِنَ الحَجْرِ عَلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ ما لا يَخْفى ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ التَّغَيُّرِ سِوى التَّغَيُّرِ في التَّعَلُّقاتِ وهو غَيْرُ ضارٍّ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ عَلى هَذا القَوْلِ لا يَبْقى وُثُوقٌ بِشَيْءٍ مِنَ الأخْبارِ الغَيْبِيَّةِ كالحَشْرِ والنَّشْرِ وكَذا لا يَبْقى وُثُوقٌ بِالأخْبارِ بِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاتَمُ النَّبِيِّينَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ حِينَ أخْبَرَ ثُمَّ تَعَلَّقَ عِلْمُهُ بِخِلافِهِ لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُخْبِرْ ولا نَقْصَ في الإخْبارِ الأوَّلِ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَمّا كانَ مُتَعَلِّقَ العِلْمِ إذْ ذاكَ وأيْضًا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ نَفْسِ الأمْرِ أوْ نَفْيُ كَوْنِ تَعَلُّقِ العِلْمِ عَنْ وقْفِهِ وكِلا النَّفِيَّيْنِ كَما تَرى يَقِي الجَوابَ عَمّا تَمَسَّكَ بِهِ وهو عَنْ بَعْضٍ ظاهِرٌ وعَنْ بَعْضٍ يَحْتاجُ إلى تَأمُّلٍ فَتَأمَّلْ واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ بَعْضُ الشِّيعَةِ القائِلِينَ بِجَوازِ البَداءِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وفِيهِ ما فِيهِ هَذا.

ويَخْطُرُ لِي في الآيَةِ مَعْنًى لَمْ أرَ مَن ذَكَرَهُ وهو أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ﴾ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا قَبْلَ حِكايَةِ الأقْوالِ وهو مِمّا رَواهُ البَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ ويُخَصَّصُ ذَلِكَ بِالأحْكامِ الفَرْعِيَّةِ ويُرادُ بِأُمِّ الكِتابِ الأحْكامُ الأصْلِيَّةُ فَإنَّها مِمّا لا تَقْبَلُ النَّسْخَ وهي أصْلٌ لِكُلِّ كِتابٍ بِاعْتِبارِ أنَّ الأحْكامَ الفَرْعِيَّةَ الَّتِي فِيهِ إنَّما تَصِحُّ مِمَّنْ أتى بِها لَكِنْ لا يُساعِدُ عَلى هَذا المَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ نَعَمْ هو مُناسِبٌ لِلْمَقامِ كَما لا يَخْفى وزَعَمَ الضَّحّاكُ والفَرّاءُ أنَّ في الآيَةِ قَلْبًا والأصْلُ لِكُلِّ كِتابٍ أجَلٌ وتُعُقِّبَ بِأنْ لا يَجُوزَ ادِّعاءُ القَلْبِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ عَلى أنَّهُ لا داعِيَ إلَيْهِ هُنا بَلْ قَدْ يُدَّعى فَسادُ المَعْنى عَلَيْهِ وأيًّا ما كانَ فَألْ في الكِتابِ لِلْجِنْسِ فَهو شامِلٌ لِلْكَثِيرِ ولِهَذا فَسَّرَهُ غَيْرُ واحِدٍ بِالجَمْعِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ( ويُثَبِّتُ ) <div class="verse-tafsir"

وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ ٤٠

﴿ وإنْ ما نُرِيَنَّكَ ﴾ أصْلُهُ إنْ نُرِيكَ و( ما ) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ ومِن ثَمَّةَ أُلْحِقَتِ النُّونُ بِالفِعْلِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ كانَتْ إنْ وحْدَها لَمْ يَجُزْ إلْحاقُ النُّونِ وهو مُخالِفٌ لِظاهِرِ كَلامِ سِيبَوَيْهِ قالَ ابْنُ خَرُوفٍ: أجازَ سِيبَوَيْهِ الإتْيانَ بِما وعَدَمَ الإتْيانِ بِها والإتْيانَ بِالنُّونِ مَعَ ما وعَدَمَ الإتْيانِ بِها والإراءَةُ هُنا بَصَرِيَّةٌ والكافُ مَفْعُولٌ أوَّلُ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ والمُرادُ بَعْضَ الَّذِي وعَدْناهم مِن إنْزالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ والعُدُولُ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ أوْ نَعِدُهم وعْدًا مُتَجَدِّدًا حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن إنْذارٍ عَقِيبَ إنْذارٍ: وفي إيرادِ البَعْضِ رَمْزٌ عَلى ما قِيلَ إلى إراءَةِ بَعْضِ المَوْعُودِ ﴿ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ ﴾ أيْ تَبْلِيغُ أحْكامِ ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ وما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ لا تَحْقِيقَ مَضْمُونِ الوَعِيدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ فالمَقْصُورُ عَلَيْهِ البَلاغُ ولِهَذا قُدِّمَ الخَبَرُ وهَذا الحَصْرُ مُسْتَفادٌ مِن إنَّما لا مِنَ التَّقْدِيمِ وإلّا لانْعَكَسَ المَعْنى وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وعَلَيْنا الحِسابُ ﴾ .

(40) .

الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما في حَيِّزِ ( إنَّما ) فَيَصِيرُ المَعْنى إنَّما عَلَيْنا مُحاسَبَةُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ والمُؤاخَذَةُ بِها دُونَ جَبْرِهِمْ عَلى اتِّباعِكَ أوِ إنْزالُ ما اقْتَرَحُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ واعْتَبَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطْفَهُ عَلى جُمْلَةِ ( إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ ) فَيَصِيرُ المَعْنى وعَلَيْنا لا عَلَيْكَ مُحاسَبَةُ أعْمالِهِمْ قِيلَ: وهو الظّاهِرُ تَرْجِيحًا لِلْمَنطُوقِ عَلى المَفْهُومِ إذا اجْتَمَعَ دَلِيلا حَصْرٍ وحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ كَيْفَما دارَتِ الحالُ أرَيْناكَ بَعْضَ ما وعَدْناهم مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ أوْ لَمْ نُرِكَهُ فَعَلَيْنا ذَلِكَ وما عَلَيْكَ إلّا التَّبْلِيغُ فَلا تَهْتَمَّ بِما وراءَ ذَلِكَ فَنَحْنُ نَكْفِيكَهُ ونُتِمُّ ما وعَدْناكَ بِهِ مِنَ الظَّفَرِ ولا يُضْجُرُكَ تَأخُّرُهُ فَإنَّ ذَلِكَ لِما نَعْلَمُ مِنَ المَصالِحِ الخَفِيَّةِ وفي البَحْرِ عَنِ الحَوْفِيِّ أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ شَرْطانِ ( نُرِيَنَّكَ ونَتَوَفَّيَنَّكَ ) لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى الشَّرْطِ شَرْطٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ ﴾ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ ولا لِلشَّرْطِ الثّانِي لِأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلى شَيْءٍ مِنهُما وهو ظاهِرٌ فَيَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ وهو إنْ يُقَدَّرُ لِكُلِّ شَرْطٍ مِنهُما ما يُناسِبُ أنْ يَكُونَ جَزاءً مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ فَيُقالُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم فَذَلِكَ شافِيكَ مِن أعْدائِكَ ودَلِيلُ صِدْقِكَ وإمّا نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ فَلا لَوْمَ عَلَيْكَ ولا عَتْبَ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّما ﴾ ..

إلَخْ دَلِيلًا عَلَيْهِما والواقِعُ مِنَ الشَّرْطَيْنِ هو الأوَّلُ كَما في بَدْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِۦ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ٤١

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ طَيَّبَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِطُلُوعِ تَباشِيرِ الظَّفَرِ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا ﴾ ..

إلَخْ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ بِقَضِيَّتِهِ المَقامُ أيْ أأنْكَرُوا نُزُولَ ما وعَدْناهم أوْ أشَكُّوا أوْ ألَمْ يَنْظُرُوا في ذَلِكَ ولَمْ يَرَوْا ﴿ أنّا نَأْتِي الأرْضَ ﴾ أيْ أرْضَ الكَفَرَةِ ﴿ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها ﴾ مِن جَوانِبِها بِأنْ نَفْتَحَها شَيْئًا فَشَيْئًا ونُلْحِقَها بِدارِ الإسْلامِ ونُذْهِبَ مِنها أهْلَها بِالقَتْلِ والأسْرِ والإجْلاءِ ألَيْسَ هَذا مُقَدِّمَةً لِذَلِكَ.

ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ ﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ وعَطِيَّةَ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِمْ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وأخْرَجَهُ الحاكِمُ عَنْهُ وصَحَّحَهُ أنَّ انْتِقاصَ الأرْضِ مَوْتُ أشْرافِها وكُبَرائِها وذَهابُ العُلَماءِ مِنها وفي رِوايَةٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الِاقْتِصارُ عَلى الأخِيرِ ورُوِيَ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ فالمُرادُ مِنَ الأرْضِ جِنْسُها والأطْرافُ كَما قِيلَ بِمَعْنى الأشْرافِ ومَجِيءُ ذَلِكَ بِهَذا المَعْنى مَحْكِيٌّ عَنْ ثَعْلَبٍ واسْتَشْهَدَ لَهُ الواحِدِيُّ بِقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: .

واسْألْ بِنا وبِكم إذا ورَدَتْ مِنِّي أطْرافُ كُلِّ قَبِيلَةٍ مَن يُمْنَعُ وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الطَّرَفُ والطَّرْفُ الرَّجُلُ الكَرِيمُ وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: طَرَفُ كُلِّ شَيْءٍ خِيارُهُ وجَعَلُوا مِن هَذا قَوْلَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: العُلُومُ أوْدِيَةٌ في أيِّ وادٍ أخَذْتَ مِنها خَسِرْتَ فَخُذُوا مِن كُلِّ شَيْءٍ طَرَفًا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ خِيارًا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأظْهَرَ جانِبًا وادَّعى الواحِدِيُّ أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِما تَقَدَّمَ هو اللّائِقُ وتَعَقَّبَهُ الإمامُ بِأنَّهُ يُمْكِنُ القَوْلُ بِلِياقَةِ الثّانِي وتَقْرِيرُ الآيَةِ عَلَيْهِ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نُحْدِثُ في الدُّنْيا مِنَ الِاخْتِلافاتِ خَرابًا بَعْدَ عِمارَةٍ ومَوْتًا بَعْدَ حَياةٍ وذُلًّا بَعْدَ عِزٍّ ونَقْصًا بَعْدَ كَمالٍ وهَذِهِ تَغْيِيراتٌ مُدْرَكَةٌ بِالحِسِّ فَما الَّذِي يُؤَمِّنُهم أنْ يُقَلِّبَ اللَّهُ تَعالى الأمْرَ عَنْهم فَيَجْعَلَهم أذِلَّةً بَعْدَ أنْ كانُوا أعِزَّةً ومَقْهُورِينَ بَعْدَ أنْ كانُوا قاهِرِينَ وهو كَما تَرى وقِيلَ: نَقْصُها هَلاكُ مَن هَلَكَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَ قُرَيْشٍ وخَرابُ أرْضِهِمْ أيْ ألَمْ يَرَوْا هَلاكَ مَن قَبْلَهم وخَرابَ دِيارِهِمْ فَكَيْفَ يَأْمَنُونَ مِن حُلُولِ ذَلِكَ بِهِمْ والأوَّلُ أيْضًا أوْفَقُ بِالمَقامِ مِنهُ ولا يَخْفى ما في التَّعْبِيرِ بِالإتْيانِ المُؤْذِنِ بِعَظِيمِ الِاسْتِيلاءِ مِنَ الفَخامَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا ﴾ وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّ المَعْنى يَأْتِيها أمْرُنا وعَذابُنا وجُمْلَةُ ﴿ نَنْقُصُها ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ( يَأْتِي ) أوْ مِن مَفْعُولِهِ وقَرَأ الضَّحّاكُ ( نُنَقِّصُها ) مُثَقَّلًا مِن نَقَصَ عَدّاهُ بِالتَّضْعِيفِ مِن نَقَصَ اللّازِمِ عَلى ما في البَحْرِ ﴿ واللَّهُ يَحْكُمُ ﴾ ما يَشاءُ كَما يَشاءُ وقَدْ حَكَمَ لَكَ ولِأتْباعِكَ بِالعِزِّ والإقْبالِ وعَلى أعْدائِكَ ومُخالِفِيكَ بِالقَهْرِ والإذْلالِ حَسْبَما يُشاهِدُهُ ذَوُو الأبْصارِ مَنِ المَخائِلِ والآثارِ وفي الِالتِفاتِ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ وبِناءِ الحُكْمِ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الفَخامَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَحْقِيقُ مَضْمُونِ الخَبَرِ بِالإشارَةِ إلى العِلَّةِ ما لا يَخْفى وهي جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ جِيءَ بِها لِتَأْكِيدِ فَحْوى ما تَقَدَّمَها وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ اعْتِراضٌ أيْضًا لِبَيانِ عُلُوِّ شَأْنِ حُكْمِهِ جَلَّ وعَلا وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ تَعالى يَحْكُمُ نافِذًا حُكْمُهُ كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ لا عِمامَةَ عَلى رَأْسِهِ ولا قَلَنْسُوَةٌ أيْ حاسِرًا وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ قِيلَ: وإنَّما أوَّلَ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ بِالمُفْرَدِ لِأنَّ تَجَرُّدَها مِنَ الواوِ إذا وقَعَتْ حالًا غَيْرُ فَصِيحٍ عِنْدَهُ ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ جَعْلَها مُعْتَرِضَةً أوْلى وأعْلى والمُعَقِّبُ مَن يَكُرُّ عَلى الشَّيْءِ فَيُبْطِلُهُ وحَقِيقَتُهُ الَّذِي يُعَقِّبُ الشَّيْءَ بِالإبْطالِ ومِنهُ يُسَمّى الَّذِي يَطْلُبُ حَقًّا مِن آخَرَ مُعَقِّبًا لِأنْ يَعْقُبَ غَرِيمَهُ ويَتَّبِعَهُ لِلتَّقاضِي قالَ لَبِيدٌ: .

حَتّى تَهْجُرَ بِالرَّواحِ وهاجَها ∗∗∗ طَلَبُ المُعَقِّبِ حَقَّهُ المَظْلُومَ وقَدْ يُسَمّى الماطِلُ مُعَقِّبًا لِأنَّهُ يُعَقِّبُ كُلَّ طَلَبٍ بِرَدٍّ وعَنْ أبِي عَلِيٍّ عَقَبَنِي حَقِّي أيْ مَطَلَنِي ويُقالُ لِلْبَحْثِ عَنِ الشَّيْءِ تُعُقِّبَ وجَوَّزَ الرّاغِبُ أنْ يُرادَ هَذا المَعْنى هُنا عَلى أنْ يَكُونَ الكَلامُ نَهْيًا لِلنّاسِ أنْ يَخُوضُوا في البَحْثِ عَنْ حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ إذا خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ ويَكُونُ ذَلِكَ مِن نَحْوِ النَّهْيِ عَنِ الخَوْضِ في سِرِّ القَدَرِ ﴿ وهُوَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ .

(41) .

فَعَمّا قَلِيلٍ يُحاسِبُهم ويُجازِيهِمْ في الآخِرَةِ بَعْدَ ما عَذَّبَهم بِالقَتْلِ والأسْرِ والإجْلاءِ في الدُّنْيا حَسْبَما يَرى وكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَسْتَبْطِئْ عِقابَهم فَإنَّهُ آتٍ لا مَحالَةَ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى سَرِيعُ الِانْتِقامِ.

<div class="verse-tafsir"

وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعًۭا ۖ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍۢ ۗ وَسَيَعْلَمُ ٱلْكُفَّـٰرُ لِمَنْ عُقْبَى ٱلدَّارِ ٤٢

﴿ وقَدْ مَكَرَ ﴾ الكُفّارُ ﴿ الَّذِينَ ﴾ خَلَوْا ﴿ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مِن قَبْلِ كُفّارِ مَكَّةَ بِأنْبِيائِهِمْ وبِالمُؤْمِنِينَ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ وهَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  بِأنَّهُ لا عِبْرَةَ بِمَكْرِهِمْ ولا تَأْثِيرَ بَلْ لا وُجُودَ لَهُ في الحَقِيقَةِ ولَمْ يُصَرِّحْ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ القَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَعْلِيلِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَلِلَّهِ المَكْرُ ﴾ أيْ جِنْسُ المَكْرِ ﴿ جَمِيعًا ﴾ لا وُجُودَ لِمَكْرِهِمْ أصْلًا إذْ هو عِبارَةٌ عَنْ إيصالِ المَكْرُوهِ إلى الغَيْرِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِهِ وحَيْثُ كانَ جَمِيعُ ما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وإنَّما لَهم مُجَرَّدُ الكَسْبِ مِن غَيْرِ فِعْلٍ ولا تَأْثِيرٍ حَسْبَما يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ ومِن قَضِيَّتِهِ عِصْمَةُ أوْلِيائِهِ سُبْحانَهُ وعِقابُ الماكِرِينَ بِهِمْ تَوْفِيَةً لِكُلِّ نَفْسٍ جَزاءَ ما كَسَبَتْ ظَهَرَ أنْ لَيْسَ لِمَكْرِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن مَكَرُوا بِهِمْ عَيْنٌ ولا أثَرٌ وإنَّ المَكْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ تَعالى حَيْثُ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا مِن فُنُونِ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها مَكْرُهم مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ كَذا قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ وقَدْ تَكَلَّفَ قُدِّسَ سِرُّهُ في ذَلِكَ ما تَكَلَّفَ وحَمَلَ الكَسْبَ عَلى ما هو الشّائِعُ عِنْدَ الأشاعِرَةِ واللَّهُ تَعالى لا يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفِعْلِ وكَذا رَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم والتّابِعُونَ واللُّغَوِيُّونَ وقِيلَ: وجْهُ الحَصْرِ أنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِمَكْرِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ هو القادِرُ بِالذّاتِ عَلى إصابَةِ المَكْرُوهِ المَقْصُودِ مِنهُ وغَيْرُهُ تَعالى إنْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ فَبِتَمْكِينِهِ تَعالى وإذْنِهِ فالكُلُّ راجِعٌ إلَيْهِ جَلَّ وعَلا وفي الكَشّافِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ ..

إلَخْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا ﴾ لِأنَّ مَن عَلِمَ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وأعَدَّ لَها جَزاءَها فَهو لَهُ المَكْرُ لِأنَّهُ يَأْتِيهِمْ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وهم في غَفْلَةٍ مِمّا يُرادُ بِهِمْ وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ فَلِلَّهِ جَزاءُ المَكْرِ وجُوِّزَ في ألْ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ أيْ لَهُ تَعالى المَكْرُ الَّذِي باشَرُوهُ جَمِيعًا لا لَهم عَلى مَعْنى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَكْرًا مِنهم بِالأنْبِياءِ بَلْ هو بِعَيْنِهِ مَكْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ وهم لا يَشْعُرُونَ حَيْثُ لا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ ﴿ وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ ﴾ حِينَ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ ﴿ لِمَن عُقْبى الدّارِ ﴾ .

(42) .

أيِ العاقِبَةُ الحَمِيدَةُ في الفَرِيقَيْنِ وإنْ جَهِلَ ذَلِكَ قَبْلُ وقِيلَ: السِّينُ لِتَأْكِيدِ وُقُوعِ ذَلِكَ وعِلْمِهِ بِهِ حِينَئِذٍ والمُرادُ مِنَ الكافِرِ الجِنْسُ فَيَشْمَلُ سائِرَ الكُفّارِ وهَذِهِ قِراءَةُ الحَرَمِيِّينَ وأبِي عَمْرٍو وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ( وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ ) بِصِيغَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( الكافِرُونَ ) بِصِيغَةِ جَمْعِ السَّلامَةِ وقَرَأ أُبَيٌّ ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) وقَرَأ ( الكُفْرُ ) أيْ أهْلُهُ وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْسٍ ( وسَيُعْلَمُ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أُعْلِمَ أيْ سَيُخْبَرُ واللّامُ لِلنَّفْعِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْمِلْكِ عَلى مَعْنى سَيُعْلَمُ الكَفَرَةُ مَن يَمْلِكُ الدُّنْيا آخِرًا وفَسَّرَ عَطاءٌ الكافِرَ بِالمُسْتَهْزِئِينَ وهم خَمْسَةٌ والمُقْسِمِينَ وهم ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالكافِرِ أبا جَهْلٍ وما تَقَدَّمَ هو الظّاهِرُ ولَعَلَّ ما ذُكِرَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ <div class="verse-tafsir"

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَسْتَ مُرْسَلًۭا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ ٤٣

﴿ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا ﴾ قِيلَ: قالَهُ رُؤَساءُ اليَهُودِ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُسْقُفٌ مِنَ اليَمَنِ فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَلْ تَجِدُنِي في الإنْجِيلِ رَسُولًا قالَ: لا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ» فالمُرادُ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى هَذا هَذا ومَن وافَقَهُ ورَضِيَ بِقَوْلِهِ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ كَلِمَتِهِمُ الشَّنْعاءِ تَعْجِيبًا مِنها أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ مِنهم واسْتِمْرارِهِ ﴿ قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴾ فَإنَّهُ جَلَّ وعَلا قَدْ أظْهَرَ عَلى رِسالَتِي مِنَ الأدِلَّةِ والحُجَجِ ما فِيهِ غِنًى عَنْ شَهادَةِ شاهِدٍ آخَرَ وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ شَهادَةً مَعَ أنَّهُ فِعْلٌ وهي قَوْلٌ مَجازٌ مِن حَيْثُ أنَّهُ يُغْنِي غِناها بَلْ هو أقْوى مِنها ﴿ ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ .

(43) .

أيْ عِلْمُ القُرْآنِ وما عَلَيْهِ مِنَ النَّظْمِ المُعْجِزِ قِيلَ: والشَّهادَةُ إنْ أُرِيدَ بِها تُحَمُّلُها فالأمْرُ ظاهِرٌ وإنْ أُرِيدَ أداؤُها فالمُرادُ بِالمَوْصُولِ المُتَّصِفُ بِذَلِكَ العُنْوانِ مَن تَرَكَ العِنادَ وآمَنَ.

وفِي الكَشْفِ أنَّ المَعْنى كَفى هَذا العالَمُ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ولا يَلْزَمُ مِن كِفايَتِهِ في الشَّهادَةِ أنْ يُؤَدِّيَها فَمَن أدّاها فَهو شاهِدٌ أمِينٌ ومَن لَمْ يُؤَدِّها فَهو خائِنٌ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بَلِيغٌ بِأنَّهم لَوْ أنْصَفُوا شَهِدُوا وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والمُرادُ بِمَن عِنْدَهُ عِلْمُ ذَلِكَ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ فَإنَّهم يَشْهَدُونَ بِنَعْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في كِتابِهِمْ وإلى هَذا ذَهَبَ قَتادَةُ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ ويَعْرِفُونَهُ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ والجارُودُ وتَمِيمٌ الدّارِيُّ وسَلْمانُ الفارِسِيُّ وجاءَ عَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ ولَمْ يَذْكُرُوا غَيْرَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جُنْدُبٍ قالَ: جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ حَتّى أخَذَ بِعِضادَتَيْ بابِ المَسْجِدِ ثُمَّ قالَ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ تَعالى أتَعْلَمُونَ أنِّي الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ ﴿ ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ وأنْكَرَ ابْنُ جُبَيْرٍ ذَلِكَ فَقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وجَماعَةٌ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ أهَذا الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ فَقالَ: كَيْفَ وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ والشَّعْبِيُّ أنْكَرَ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ نَزَلَ فِيهِ وهَذا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فَمَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ وأُجِيبَ عَنْ شُبْهَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ بِأنَّهم قَدْ يَقُولُونَ: إنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وبَعْضُ آياتِها مَدَنِيَّةٌ فَلْتَكُنْ هَذِهِ مِن ذَلِكَ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ لِهَذا مِن نَقْلٍ.

وفِي البَحْرِ أنَّ ما ذُكِرَ لا يَسْتَقِيمُ إلّا أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً والجُمْهُورُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَ الآيَةِ مَكِّيَّةً بِأنْ يَكُونَ الكَلامُ إخْبارًا عَمّا سَيَشْهَدُ بِهِ ولَكَ أنْ تَقُولَ إذا كانَ المَعْنى عَلى طُرُزِ ما في الكَشْفِ وأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كِفايَةِ مَن ذُكِرَ في الشَّهادَةِ أداؤُها لَمْ يَضُرَّ كَوْنُ الآيَةِ مَكِّيَّةً وعَدَمَ إسْلامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ حِينَ نُزُولِها بَلْ ولا عَدَمَ حُضُورِهِ ولا مانِعَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَكِّيَّةً والمُرادُ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أهْلُ مَكَّةَ ﴿ ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ اليَهُودُ والنَّصارى كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ويَكُونُ حاصِلُ الجَوابِ بِذَلِكَ إنَّكم لَسْتُمْ بِأهْلِ كِتابٍ فاسْألُوا أهْلَهُ فَإنَّهم في جِوارِكم نَعَمْ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ وكَأنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى الخِلافِ وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ اللَّوْحُ و( مَن ) عِبارَةٌ عَنْهُ تَعالى ورُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ والزَّجّاجِ وعَنِ الحَسَنِ لا واللَّهِ ما يَعْنِي إلّا اللَّهَ تَعالى والمَعْنى كَما في الكَشّافِ كَفى بِالَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وبِالَّذِي لا يَعْلَمُ عِلْمَ ما في اللَّوْحِ إلّا هو شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وبِهَذا التَّأْوِيلِ صارَ العَطْفُ مِثْلَهُ في قَوْلِهِ: .

إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحِمِ فَلا مَحْذُورَ في العَطْفِ والحَصْرُ إمّا مِنَ الخارِجِ لِأنَّ عِلْمَ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِهِ تَعالى أوْ لِلذَّهابِ إلى أنَّ الظَّرْفَ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ فَيُفِيدُ الحَصْرَ وقَسَمُ الحَسَنِ لِلْمُبالَغَةِ في رَدِّ ما زَعَمُوا عَلى ما قِيلَ: وفي الكَشْفِ إنَّما بالَغَ الحَسَنُ لِما قَدَّمْنا مِن بِناءِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ عَلى ما بُنِيَ وجَعَلَ السّابِقَةَ مِثْلَ الخاتِمَةِ وما في العَطْفِ مِنَ النُّكْتَةِ ولِهَذا فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: كَفى بِالَّذِي ..

إلَخْ عَطَفَهُ عَطْفَ ذاتٍ عَلى ذاتٍ إشارَةً إلى الِاسْتِقْلالِ بِالشَّهادَةِ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ الوَصْفَيْنِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الآخِرِ فالَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ قَدْ شَهِدَ بِما شَحَنَ الكِتابَ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى عِبادَتِهِ وبِما أيَّدَ عَبْدَهُ مَن عِنْدَهُ بِأنْواعِ التَّأْيِيدِ والَّذِي لا يَعْلَمُ عِلْمَ ما في اللَّوْحِ أيْ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ إلّا هو قَدْ شَهِدَ بِما ضَمَّنَ الكِتابَ مِنَ المَعارِفِ وأنْزَلَهُ عَلى أُسْلُوبٍ فائِقٍ عَلى المُتَعارَفِ ويُعَضِّدُ ذَلِكَ القَوْلَ أنَّهُ قَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأُبَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ والضَّحّاكُ وسالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ومُجاهِدٌ والحَكَمُ والأعْمَشُ ( ومِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتابِ ) بِجَعْلِ مِن حَرْفَ جَرٍّ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وعِلَمُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أيْضًا وابْنُ السَّمَيْقَعِ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ ( ومِن ) عِنْدِهِ بِحَرْفِ الجَرِّ و( عُلِمَ الكِتابُ ) عَلى أنَّ عُلِمَ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ و( الكِتابُ ) نائِبُ الفاعِلِ فَإنَّ ضَمِيرَ ( عِنْدَهُ ) عَلى القِراءَتَيْنِ راجِعٌ لِلَّهِ تَعالى كَما في القِراءَةِ السّابِقَةِ عَلى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ والأصْلُ تَوافُقُ القِراءاتِ وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ اللَّوْحُ وبِمَن جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخْرَجَ تَفْسِيرُ ( مَن ) بِذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وهو كَما تَرى.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ والباقِرُ كَما في البَحْرِ: المُرادُ بِـ ( مَن ) عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ حِينَئِذٍ القُرْآنُ ولَعَمْرِي أنَّ عِنْدَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِلْمَ الكِتابِ كامِلًا لَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ غَيْرُ مُرادٍ والظّاهِرُ أنَّ ( مَن ) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ في مَحَلِّ جَرٍّ بِالعَطْفِ عَلى لَفْظِ الِاسْمِ الجَلِيلِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ بِإعادَةِ الباءِ في الشَّواذِّ وقِيلَ: إنَّهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّهِ لِأنَّ الباءَ زائِدَةٌ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أعْدَلُ أوْ أمْضى قَوْلًا أوْ نَحْوَ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ ﴿ شَهِيدًا ﴾ ويُرادُ بِذَلِكَ اللَّهُ تَعالى وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما لا يَخْفى والعِلْمُ في القِراءَةِ الَّتِي وقَعَ ﴿ عِنْدَهُ ﴾ فِيها صِلَةُ مَرْفُوعٍ بِالمُقَدَّرِ في الظَّرْفِ فَيَكُونُ فاعِلًا لِأنَّ الظَّرْفَ إذا وقَعَ صِلَةً أوْغَلَ في شِبْهِ الفِعْلِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المَوْصُولِ فَعَمِلَ عَمَلَ الفِعْلِ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِالَّذِي في الدّارِ أخُوهُ فَأخُوهُ فاعِلٌ كَما تَقُولُ: بِالَّذِي اسْتَقَرَّ في الدّارِ أخُوهُ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ولَيْسَ بِالمُتَحَتَّمِ لِأنَّ الظَّرْفَ وشِبْهَهُ إذا وقَعا صِلَتَيْنِ أوْ صِفَتَيْنِ أوْ حالَيْنِ أوْ خَبَرَيْنِ أوْ تَقَدُّمَهُما أداةُ نَفْيٍ أوِ اسْتِفْهامٍ جازَ فِيما بَعْدَهُما مِنَ الِاسْمِ الظّاهِرِ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى الفاعِلِيَّةِ وهو الأجْوَدُ وجازَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً والظَّرْفُ أوْ شِبْهُهُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ أوْ حالٌ أوْ خَبَرٌ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى اسْمِ الفاعِلِ فَكَما جازَ ذَلِكَ فِيهِ وإنْ كانَ الأحْسَنُ أعْمالَهُ في الِاسْمِ الظّاهِرِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ فِيما نابَ عَنْهُ مِن ظَرْفٍ أوْ مَجْرُورٍ وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى إجازَةِ ذَلِكَ في نَحْوِ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنٌ وجْهُهُ فَأجازَ رَفْعَ حَسَنٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُهم أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا اعْتَمَدَ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ تَحَتَّمَ إعْمالُهُ في الظّاهِرِ ولَيْسَ كَذَلِكَ وقَدْ أعْرَبَ الحَوْفِيُّ ﴿ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ﴾ مُبْتَدَأً وخَبَرًا في صِلَةِ ( مَن ) وهو مَيْلٌ إلى المَرْجُوحِ وفي الآيَةِ عَلى القِراءَتَيْنِ بِمِنَ الجارَّةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ تَشْرِيفَ العَبْدِ بِعُلُومِ القُرْآنِ مِن إحْسانِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ وتَوْفِيقِهِ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُشَرِّفَنا بَهاتِيكَ العُلُومِ ويُوَفِّقَنا لِلْوُقُوفِ عَلى أسْرارِ ما فِيهِ مِنَ المَنطُوقِ والمَفْهُومِ ويَجْعَلَنا مِمَّنْ تَمَسَّكَ بِعُرْوَتِهِ الوُثْقى واهْتَدى بِهُداهُ حَتّى لا يَضِلَّ ولا يُشْقى بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ  .

* * * هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) .

﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ ﴾ قِيلَ: عَهْدُ اللَّهِ تَعالى مَعَ المُؤْمِنِينَ القِيامُ لَهُ سُبْحانَهُ بِالعُبُودِيَّةِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ ﴿ والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴾ فَيَصِلُونَ بِقُلُوبِهِمْ مَحَبَّتَهُ وبِأسْرارِهِمْ مُشاهَدَتَهُ سُبْحانَهُ وقُرْبَتَهُ ﴿ ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ عِنْدَ تَجَلِّي الصِّفاتِ في مَقامِ القَلْبِ فَيُشاهِدُونَ جَلالَ صِفَةِ العَظَمَةِ ويَلْزَمُهُمُ الهَيْبَةُ والخَشْيَةُ ﴿ ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ ﴾ عِنْدَ تَجَلِّي الأفْعالِ في مَقامِ النَّفْسِ فَيَنْظُرُونَ إلى البَطْشِ والعِقابِ فَيَلْزَمُهُمُ الخَوْفُ.

وسُئِلَ ابْنُ عَطاءٍ ما الفَرْقُ بَيْنَ الخَشْيَةِ والخَوْفِ فَقالَ: الخَشْيَةُ مِنَ السُّقُوطِ عَنْ دَرَجاتِ الزُّلْفى والخَوْفُ مِنَ اللُّحُوقِ بِدَرَكاتِ المَقْتِ والجَفا وقالَ بَعْضُهُمُ: الخَشْيَةُ أدَقُّ والخَوْفُ أصْلَبُ ﴿ والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ صَبَرُوا عَمّا دُونِ اللَّهِ تَعالى بِاللَّهِ سُبْحانَهُ لِكَشْفِ أنْوارِ وجْهِهِ الكَرِيمِ أوْ صَبَرُوا في سُلُوكِ سَبِيلِهِ سُبْحانَهُ عَنِ المَأْلُوفاتِ طَلَبًا لِرِضاهُ ﴿ وأقامُوا الصَّلاةَ ﴾ صَلاةَ المُشاهَدَةِ أوِ اشْتَغَلُوا بِالتَّزْكِيَةِ بِالعِباداتِ البَدَنِيَّةِ ﴿ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ﴾ أفادُوا مِمّا مَنَنّا عَلَيْهِمْ مِنَ الأحْوالِ والمَقاماتِ والكُشُوفِ وهَذَّبُوا المُرِيدِينَ حَتّى صارَ لَهم ما صارَ لَهم ظاهِرًا وباطِنًا أوِ اشْتَغَلُوا بِالتَّزْكِيَةِ بِالعِباداتِ المالِيَّةِ أيْضًا ﴿ ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ ﴾ الحاصِلَةِ لَهم مِن تَجَلِّي الصِّفَةِ الإلَهِيَّةِ السَّنِيَّةِ ﴿ السَّيِّئَةَ ﴾ الَّتِي هي صِفَةُ النَّفْسِ وقالَ بَعْضُهم: يُعاشِرُونَ النّاسَ بِحُسْنِ الخُلُقِ فَإنْ عامَلَهم أحَدٌ بِالجَفاءِ قابَلُوهُ بِالوَفاءِ ﴿ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ ﴾ البَقاءُ بَعْدَ الفَناءِ أوِ العاقِبَةُ الحَمِيدَةُ ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ ﴾ قِيلَ: يَدْخُلُونَ جَنَّةَ الذّاتِ ومَن صَلَحَ مِن آباءِ الأرْواحِ ويَدْخُلُونَ جَنَّةَ الصِّفاتِ بِالقُلُوبِ ويَدْخُلُونَ جَنَّةَ الأفْعالِ ومَن صَلَحَ مِن أزْواجِ النُّفُوسِ وذُرِّيّاتِ القُوى أوْ يَدْخُلُونَ جَنّاتِ القُرْبِ والمُشاهَدَةِ والوِصالِ ومَن صَلَحَ مِنَ المَذْكُورِينَ تَبَعٌ لَهم ولِأجْلِ عَيْنٍ ألْفُ عَيْنٍ تُكْرَمُ ﴿ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ ﴾ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ أهْلُ الجَبَرُوتِ والمَلَكُوتِ مِن كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ الصِّفاتِ مُحَيِّينَ لَهم بِتَحايا الإشْراقاتِ النُّورِيَّةِ والإمْداداتِ القُدُسِيَّةِ أوْ يَدْخُلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ صَحِبُوهم في الدُّنْيا مَن كُلِّ بابٍ مِن أبْوابِ الطّاعَةِ مُسَلِّمِينَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ اسْتِقْرارِهِمْ في مَنازِلِهِمْ كَما يُسَلِّمُ أصْحابُ الغائِبِ عَلَيْهِ إذا قَدِمَ إلى مَنزِلِهِ واسْتَقَرَّ فِيهِ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الإيمانَ العِلْمِيَّ بِالغَيْبِ ﴿ وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ قالُوا: ذِكْرُ النَّفْسِ بِاللِّسانِ والتَّفَكُّرُ في النِّعَمِ وذِكْرُ القَلْبِ بِالتَّفَكُّرِ في المَلَكُوتِ ومُطالَعَةِ صِفاتِ الجَمالِ وذِكْرُ السِّرِّ بِالمُناجاةِ وذِكْرُ الرُّوحِ بِالمُشاهَدَةِ وذِكْرُ الخَفاءِ بِالمُناغاةِ في العِشْقِ وذِكْرُ اللَّهِ تَعالى بِالفَناءِ فِيهِ ﴿ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ ﴾ وذَلِكَ أنَّ النَّفْسَ تَضْطَرِبُ بِظُهُورِ صِفاتِها وأحادِيثِها وتَطِيشُ فَيَتَلَوَّنُ القَلْبُ ويَتَغَيَّرُ لِذَلِكَ فَإذا تَفَكَّرَ في المَلَكُوتِ ومُطالَعَةِ أنْوارِ الجَمالِ والجَبَرُوتِ اسْتَقَرَّ واطْمَأنَّ وسائِرُ أنْواعِ الذِّكْرِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ الِاطْمِئْنانِ قالَ الهَزْجُورِيُّ: قُلُوبُ الأوْلِياءِ مُطْمَئِنَّةٌ لا تَتَحَرَّكُ دائِمًا خَشْيَةَ أنْ يَتَجَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْها فَجْأةً فَيَجِدَها غَيْرَ مُتَّسِمَةٍ بِالأدَبِ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ تَخْلِيَةٌ وتَحْلِيَةٌ ﴿ طُوبى لَهُمْ ﴾ بِالوُصُولِ إلى الفِطْرَةِ وكَمالِ الصِّفاتِ ﴿ وحُسْنُ مَآبٍ ﴾ بِالدُّخُولِ في جَنَّةِ القَلْبِ وهي جَنَّةُ الصِّفاتِ أوْ طُوبى لَهُمُ الآنَ حَيْثُ لَمْ يُوجَدُ مِنهم ما يُخالِفُ رِضاءَ مَحْبُوبِهِمْ وحُسْنُ مَآبٍ في الآخِرَةِ حَيْثُ لا يَجِدُونَ مِن مَحْبُوبِهِمْ خِلافَ مَأْمُولِهِمْ ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴾ أيْ بِحَسَبِ كَسْبِها ومُقْتَضاهُ أيْ كَما تَقْتَضِي مَكْسُوباتُها مِنَ الصِّفاتِ والأحْوالِ الَّتِي تَعْرِضُ لِاسْتِعْدادِها يَفِيضُ عَلَيْها مِنَ الجَزاءِ ﴿ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ ﴾ ما أخْرَجَ سُبْحانَهُ أحَدًا مِنَ العُبُودِيَّةِ حَتّى سَيِّدَ أحْرارِ البَرِيَّةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفَسَّرَها أبُو حَفْصٍ بِأنَّها تَرْكُ كُلِّ مُلْكٍ ومُلازَمَةُ المَأْمُورِ بِهِ.

وقالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: لا يَرْتَقِي أحَدٌ في دَرَجاتِ العُبُودِيَّةِ حَتّى يُحَكِّمَ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى أوائِلَ البِداياتِ وهي الفُرُوضُ والواجِباتُ والسُّنَنُ والأوْرادُ ومَطايا الفَضْلِ عَزائِمُ الأُمُورِ فَمَن أحْكَمَ عَلى نَفْسِهِ هَذا مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِما بَعْدَهُ ﴿ ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً ﴾ فِيهِ عَلى ما قِيلَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ إذا شَرَّفَ اللَّهُ تَعالى شَخْصًا بِوِلايَتِهِ لَمْ يَضُرَّ بِهِ مُباشَرَةُ أحْكامِ البَشَرِيَّةِ مِنَ الأهْلِ والوَلَدِ ولَمْ يَكُنْ بَسْطُ الدُّنْيا لَهُ قَدْحًا في وِلايَتِهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ مَنعُ طَلَبِ الكَراماتِ واقْتِراحِها مِنَ المَشايِخِ ﴿ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ ﴾ لِكُلِّ وقْتٍ أمْرٌ مَكْتُوبٌ يَقَعُ فِيهِ ولا يَقَعُ في غَيْرِهِ ومِن هُنا قِيلَ: الأُمُورُ مَرْهُونَةٌ لِأوْقاتِها وقِيلَ: لِلَّهِ تَعالى خَواصُّ في الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ والأشْخاصِ ﴿ يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ ﴾ قِيلَ: يَمْحُو عَنْ ألْواحِ العُقُولِ صُوَرَ الأفْكارِ ويَثْبُتُ فِيها أنْوارَ الأذْكارِ ويَمْحُو عَنِ أوْراقِ القُلُوبِ عُلُومَ الحِدْثانِ ويَثْبُتُ فِيها لَدُنِيّاتِ عِلْمِ العِرْفانِ وقِيلَ: يَمْحُو العارِفِينَ بِكَشْفِ جَلالِهِ ويُثْبِتُهم في وقْتٍ آخَرَ بِلُطْفِ جِمالِهِ وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: يَمْحُو أوْصافَهم ويُثْبِتُ أسْرارَهم لِأنَّها مَوْضِعُ المُشاهَدَةِ وقِيلَ: يَمْحُو ما يَشاءُ عَنِ الألْواحِ الجُزْئِيَّةِ الَّتِي هي النُّفُوسُ السَّماوِيَّةُ مِنَ النُّقُوشِ الثّابِتَةِ فِيها فَيُعْدِمُ عَنِ المَوادِّ ويُفْنِي ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فِيها فَيُوجِدُ ﴿ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ ﴾ العِلْمُ الأزَلِيُّ القائِمُ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ وقِيلَ: لَوْحُ القَضاءِ السّابِقِ الَّذِي هو عَقْلُ الكُلِّ وفِيهِ كُلُّ ما كانَ ويَكُونُ أزَلًا وأبَدًا عَلى الوَجْهِ الكُلِّيِّ المُنَزَّهِ عَنِ المَحْوِ والإثْباتِ وذَكَرُوا أنَّ الألْواحَ أرْبَعَةٌ لَوْحُ القَضاءِ السّابِقِ العالِي عَنِ المَحْوِ والإثْباتِ وهو لَوْحُ العَقْلِ الأوَّلِ ولَوْحُ القَدَرِ وهو لَوْحُ النَّفْسِ النّاطِقَةِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي يَفْصِلُ فِيها كُلِّيّاتُ اللَّوْحِ الأوَّلِ وهو المُسَمّى بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ ولَوْحُ النُّفُوسِ الجُزْئِيَّةِ السَّماوِيَّةِ الَّتِي يَنْتَقِشُ فِيها كُلُّ ما في هَذا العالَمِ بِشَكْلِهِ وهَيْئَتِهِ ومِقْدارِهِ وهو المُسَمّى بِالسَّماءِ الدُّنْيا وهو بِمَثابَةِ خَيالِ العالَمِ كَما أنَّ الأوَّلَ بِمَثابَةِ رُوحِهِ والثّانِي بِمَثابَةِ قَلْبِهِ ثُمَّ لَوْحُ الهَيُولِيِّ القابِلُ لِلصُّوَرِ في عالَمِ الشَّهادَةِ.

اهَـ.

وهو كَلامٌ فَلْسَفِيٌّ ﴿ أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها ﴾ قِيلَ: ذَلِكَ بِذَهابِ أهْلِ الوِلايَةِ الَّذِينَ بِهِمْ عِمارَةُ الأرْضِ وقِيلَ: الإشارَةُ أنّا نَقْصِدُ أرْضَ وقْتِ الجَسَدِ الشَّيْخُوخَةَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها بِضَعْفِ الأعْضاءِ والقُوى الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتّى يَحْصُلَ المَوْتُ أوْ نَأْتِي أرْضَ النَّفْسِ وقْتَ السُّلُوكِ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها بِإفْناءِ أفْعالِها بِأفْعالِنا أوَّلًا وبِإفْناءِ صِفاتِها ثانِيًا وبِإفْناءِ ذاتِها في ذاتِنا ثالِثًا ﴿ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ لا رادَّ ولا مُبَدِّلَ لِكُلِّ ما حَكَمَ بِهِ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَحْكُمَ لَنا بِما هو خَيْرٌ وأوْلى في الآخِرَةِ والأُولى بِحُرْمَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَرَفٍ وعِظَمٍ وكَرَمٍ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله