الإسلام > القرآن > تفسير > الالوسي > سورة 2 البقرة > الآية ٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 27 دقيقة قراءة﴿ ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وابْتِداءُ كَلامٍ أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، وفِيهِ احْتِمالاتٌ أطالُوا فِيها، وكِتابُ اللَّهِ تَعالى يُحْمَلُ عَلى أحْسَنِ المَحامِلِ، وأبْعَدِها مِنَ التَّكَلُّفِ، وأسْوَغِها في لِسانِ العَرَبِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الكِتابِ المَوْعُودِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ﴾ كَما قالَ الواحِدِيُّ، أوْ عَلى لِسانِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةَ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ: «(عَلَيْكم بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ فَهْمُ العَقْلِ ونُورُ الحِكْمَةِ، ويَنابِيعُ العِلْمِ، وأحْدَثُ الكُتُبِ بِاللَّهِ عَهْدًا)،» وقالَ في التَّوْراةِ: (يا مُحَمَّدُ، إنِّي مُنَزِّلٌ عَلَيْكَ تَوْراةً حَدِيثَةً تَفْتَحُ بِها أعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا)، كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، أوْ إلى ما بَيْنَ أيْدِينا، والإشارَةُ بِذَلِكَ لِلتَّعْظِيمِ، وتَنْزِيلُ البُعْدِ الرُّتَبِيِّ مَنزِلَةَ البُعْدِ الحَقِيقِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ كَما اخْتارَهُ في المِفْتاحِ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا نَزَلَ عَنْ حَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وصارَ بِحَضْرَتِنا بَعُدَ، ومَن أعْطى غَيْرَهُ شَيْئًا، أوْ أوْصَلَهُ إلَيْهِ، أوْ لاحَظَ وُصُولَهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ بِانْفِصالِهِ عَنْهُ بَعِيدٌ، أوْ في حُكْمِهِ، وقَدْ قِيلَ: كُلُّ ما لَيْسَ في يَدَيْكَ بَعِيدٌ.
ولَمّا لَمْ يَتَأتَّ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ ﴾ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى ما عِنْدَهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ بُعْدِ الدَّرَجَةِ، وهَذا الذِّكْرُ حُرُوفُ التَّهَجِّي في الأوَّلِ، وهي تُقَطَّعُ بِها الحُرُوفُ، وهو لا يَكُونُ إلّا في حَقِّنا، وعَدَمِ ذِكْرِها في الثّانِي، فَلِذا اخْتَلَفَ المَقامانِ، وافْتَرَقَتِ الإشارَتانِ كَما قالَهُ السُّهَيْلِيُّ، وهو عِنْدَ قَوْمٍ تَحْقِيقٌ، ويُرْشِدُكَ إلى ما فِيهِ عِنْدِي نَظَرٌ دَقِيقٌ، وأبْعَدَ بَعْضُهم فَوَجَّهَ البُعْدَ بِأنَّ القُرْآنَ لَفْظٌ، وهو مِن قَبِيلِ الأعْراضِ السَّيّالَةِ الغَيْرِ القارَّةِ، فَكُلُّ ما وُجِدَ مِنهُ اضْمَحَلَّ، وتَلاشى، وصارَ مُنْقَضِيًا غائِبًا عَنِ الحِسِّ، وما هو كَذَلِكَ في حُكْمِ البَعِيدِ، وقِيلَ: لِأنَّ صِيغَةَ البَعِيدِ والقَرِيبِ قَدْ يَتَعاقَبانِ كَقَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ ﴾ ولَهُ نَظائِرُ في الكِتابِ الكَرِيمِ، ونَقَلَهُ الجُرْجانِيُّ عَنْ طائِفَةٍ، وأنْشَدُوا: أقُولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنُهُ تَأمَّلْ خِفافًا إنَّنِي أنا ذَلِكا ولَيْسَ بِنَصٍّ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنَّنِي أنا ذَلِكَ الَّذِي كُنْتَ تُحَدَّثُ عَنْهُ وتَسْمَعُ بِهِ، وقَوْلُ الإمامِ الرّازِيِّ: إنَّ ذَلِكَ لِلْبَعِيدِ عُرْفًا لا وضْعًا، فَحَمْلُهُ هُنا عَلى مُقْتَضى الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، لا العُرْفِيِّ مُخالِفٌ لِما نَفْهَمُهُ مِن كُتُبِ أرْبابِ العَرَبِيَّةِ، وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، والقَوْلُ بِأنَّ الإشارَةَ إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ كَما نُقِلَ عَنْ عِكْرِمَةَ، إنْ كانَ قَدْ ورَدَ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَبِلْناهُ وتَكَلَّفْنا لَهُ، وإلّا ضَرَبْنا بِهِ الحائِطَ، وما كُلُّ احْتِمالٍ يَلِيقُ، وأغْرَبُ ما رَأيْناهُ في تَوْجِيهِ الإشارَةِ أنَّها إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في الفاتِحَةِ، كَأنَّهم لَمّا سَألُوا الهِدايَةَ لِذَلِكَ قِيلَ لَهُمْ: ذَلِكَ الصِّراطُ الَّذِي سَألْتُمُ الهِدايَةَ إلَيْهِ، هو الكِتابُ، وهَذا إنْ قَبِلْتَهُ يَتَبَيَّنُ بِهِ وجْهُ ارْتِباطِ سُورَةِ البَقَرَةِ بِسُورَةِ الحَمْدِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وتَكُونُ الإشارَةُ إلى ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، والَّذِي تَنْفَتِحُ لَهُ الآذانُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، ووَجْهُ البُعْدِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ، ونُورُ القُرْبِ يَلُوحُ عَلَيْهِ، والمُعْتَبَرُ في أسْماءِ الإشارَةِ هو الإشارَةُ الحِسِّيَّةُ الَّتِي لا يُتَصَوَّرُ تَعَلُّقُها إلّا بِمَحْسُوسٍ مُشاهَدٍ، فَإنْ أُشِيرَ بِها إلى ما يَسْتَحِيلُ إحْساسُهُ نَحْوِ: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾ أوْ إلى مَحْسُوسٍ غَيْرِ مُشاهِدٍ نَحْوِ: (تِلْكَ الجَنَّةِ)، فَلِتَصْيِيرِهِ كالمُشاهَدِ، وتَنْزِيلُ الإشارَةِ العَقْلِيَّةِ مَنزِلَةَ الحِسِّيَّةِ كَما في الرَّضِيِّ فالإشارَةُ هُنا لا تَخْلُو عَنْ لُطْفٍ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ اسْمَ الإشارَةِ إذا كانَ مَعَهُ صِفَةٌ لَهُ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ مَحْسُوسًا، وهم مَحْسُوسٌ، والكِتابُ كالكَتْبِ مَصْدَرُ كَتَبَ، ويُطْلَقُ عَلى المَكْتُوبِ، كاللِّباسِ بِمَعْنى المَلْبُوسِ، والكَتْبُ كَما قالَ الرّاغِبُ ضَمُّ أدِيمٍ إلى أدِيمٍ بِالخِياطَةِ، وفي المُتَعارَفِ ضَمُّ الحُرُوفِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، والأصْلُ في الكِتابَةِ النَّظْمُ بِالخَطِّ، وقَدْ يُقالُ ذَلِكَ لِلْمَضْمُومِ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ بِاللَّفْظِ، ولِذا يُسْتَعارُ كُلُّ واحِدٍ لِلْآخَرِ، ولِذا سُمِّيَ كِتابَ اللَّهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كِتابًا، والكِتابُ هُنا إمّا باقٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وسُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ هو بِمَعْنى المَفْعُولِ وأُطْلِقَ عَلى المَنظُومِ عِبارَةً قَبْلَ أنْ تُنْظَمَ حُرُوفُهُ الَّتِي يَتَألَّفُ مِنها في الخَطِّ تَسْمِيَةً بِما يَئُولُ إلَيْهِ مَعَ المُناسَبَةِ، وقَوْلُ الإمامِ: إنَّ اشْتِقاقَ الكِتابِ مِن كَتَبْتُ الشَّيْءَ إذا جَمَعْتَهُ وسُمِّيَتِ الكَتِيبَةَ لِاجْتِماعِها فَسُمِّيَ الكِتابُ كِتابًا لِأنَّهُ كالكَتِيبَةِ عَلى عَساكِرِ الشُّبُهاتِ، أوْ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمِيعُ العُلُومِ، أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ألْزَمَ فِيهِ التَّكالِيفَ عَلى الخَلْقِ، كَلامٌ مُلَفَّقٌ لا يَخْفى ما فِيهِ، ويُطْلَقُ الكِتابُ كالقُرْآنِ عَلى المَجْمُوعِ المُنَزَّلِ عَلى النَّبِيِّ المُرْسَلِ وعَلى القَدْرِ الشّائِعِ بَيْنَ الكُلِّ والجُزْءِ، ولا يَحْتاجُ هُنا إلى ما قِيلَ في دَفْعِ المُغالَطَةِ المَعْرُوفَةِ بِالجِذْرِ الأصَمِّ، ولا أرى فِيهِ بَأْسًا، إنِ احْتَجْتَهُ، واللّامُ في الكِتابِ لِلْحَقِيقَةِ، مِثْلُها فِي: أنْتَ الرَّجُلُ، والمَعْنى: ذَلِكَ هو الكِتابُ الكامِلُ الحَقِيقُ بِأنْ يُخَصَّ بِهِ اسْمُ الكِتابِ لِغايَةِ تَفَوُّقِهِ عَلى بَقِيَّةِ الأفْرادِ في حِيازَةِ كَمالاتِ الجِنْسِ، حَتّى كَأنَّ ما عَداهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ خارِجٌ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: كُلُّ لامٍ وقَعَتْ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ وأيْ في النِّداءِ، وإذا الفُجائِيَّةِ فَهي لِلْعَهْدِ الحُضُورِيِّ، وقُرِئَ: (تَنْزِيلُ الكِتابِ)، والرَّيْبُ الشَّكُّ، وأصْلُهُ مَصْدَرُ رابَنِي الشَّيْءُ إذا حَصَلَ فِيكَ الرِّيبَةُ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ، ومِنهُ رَيْبُ الزَّمانِ لِنَوائِبِهِ، فَهو مِمّا نُقِلَ مِنَ القَلَقِ إلى ما هو شَبِيهٌ بِهِ، ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا لِما يَخْتَلِجُ في القَلْبِ مِن أسْبابِ الغَيْظِ، وقَوْلُ الإمامِ الرّازِيِّ: إنَّ هَذَيْنِ قَدْ يَرْجِعانِ إلى مَعْنى الشَّكِّ لِأنَّ ما يُخافُ مِنَ الحَوادِثِ مُحْتَمَلٌ، فَهو كالمَشْكُوكِ، وكَذَلِكَ ما اخْتَلَجَ في القَلْبِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مُسْتَيْقَنٍ مُسْتَيْقَنٍ رَدُّهُ، فالمَنُونُ مِنَ الرَّيْبِ، أوْ يُشَكُّ فِيهِ، ويَخْتَلِجُ في القَلْبِ مِن أسْبابِ الغَيْظِ عَلى الكُفّارِ مَثَلًا، مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، أوْ فِيهِ رَيْبٌ، وفَرَّقَ أبُو زَيْدٍ بَيْنَ رابَنِي، وأرابَنِي فَيُقالُ: رابَنِي مِن فُلانٍ أمْرٌ، إذا كُنْتَ مُسْتَيْقِنًا مِنهُ بِالرَّيْبِ، وإذا أسَأْتَ بِهِ الظَّنَّ، ولَمْ تَسْتَيْقِنْ مِنهُ، قُلْتَ: أرابَنِي، وعَلَيْهِ قَوْلُ بَشّارٍ: أخُوكَ الَّذِي إنْ رِبْتَهُ قالَ إنَّما ∗∗∗ أرابَ وإنْ عاتَبْتَهُ لانَ جانِبُهُ وبَعْضُ فَرْقٍ بَيْنَ الرَّيْبِ، والشَّكِّ، بِأنَّ الرَّيْبَ شَكٌّ مَعَ تُهْمَةٍ، وقالَ الرّاغِبُ: الشَّكُّ وُقُوفُ النَّفْسِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ مُتَقابِلَيْنِ، بِحَيْثُ لا يَتَرَجَّحُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِأمارَةٍ، والمِرْيَةُ التَّرَدُّدُ في المُتَقابِلَيْنِ، وطَلَبُ الأمارَةِ مِن مَرى الضَّرْعَ أيْ مَسَحَهُ لِلدَّرِّ، والرَّيْبُ أنْ يَتَوَهَّمَ في الشَّيْءِ ثُمَّ يَنْكَشِفُ عَمّا تَوَهَّمَ فِيهِ، وقالَ الجَوْلِيُّ: يُقالُ الشَّكُّ لِما اسْتَوى فِيهِ الِاعْتِقادانِ، أوْ لَمْ يَسْتَوِيا، ولَكِنْ لَمْ يَنْتَهِ أحَدُهُما لِدَرَجَةِ الظُّهُورِ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ الأُمُورُ، والرَّيْبُ لِما لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ اليَقِينِ، وإنْ ظَهَرَ نَوْعَ ظُهُورٍ، ولِذا حَسُنَ هُنا: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا يَحْصُلُ فِيهِ رَيْبٌ فَضْلًا عَنْ شَكٍّ، ونَفى سُبْحانَهُ الرَّيْبَ فِيهِ مَعَ كَثْرَةِ المُرْتابِينَ - لا كَثَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى - عَلى مَعْنى أنَّهُ في عُلُوِّ الشَّأْنِ، وسُطُوعِ البُرْهانِ بِحَيْثُ لا يَرْتابُ العاقِلُ بَعْدَ النَّظَرِ فِي كَوْنِهِ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، لا أنْ لا يَرْتابَ فِيهِ حَتّى لا يَصِحَّ، ويَحْتاجَ إلى تَنْزِيلِ وُجُودِ الرَّيْبِ عَنِ البَعْضِ مَنزِلَةَ العَدَمِ لِوُجُودِ ما يُزِيلُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الحَذْفِ، كَأنَّهُ قالَ: لا سَبَبَ رَيْبٍ فِيهِ، لِأنَّ الأسْبابَ الَّتِي تُوجِبُهُ في الكَلامِ التَّلْبِيسُ والتَّعْقِيدُ والتَّناقُضُ والدَّعاوى العارِيَةُ عَنِ البُرْهانِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُنْتَفٍ عَنْ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: مَعْناهُ النَّهْيُ، وإنْ كانَ لَفْظُهُ خَبَرًا، أيْ لا تَرْتابُوا فِيهِ عَلى حَدِّ ﴿ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ﴾ وقِيلَ: مَعْناهُ لا رَيْبَ فِيهِ لِلْمُتَّقِينَ، فالظَّرْفُ صِفَةٌ ولِلْمُتَّقِينَ خَبَرٌ، و ﴿ هُدًى ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، أيْ لا رَيْبَ كائِنًا فِيهِ لِلْمُتَّقِينَ حالَ كَوْنِهِ هادِيًا، وهي حالٌ لازِمَةٌ فَيُفِيدُ انْتِفاءَ الرَّيْبِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ والأحْوالِ، ويَكُونُ التَّقْيِيدُ كالدَّلِيلِ عَلى انْتِفاءِ الرَّيْبِ، و(لا) لِنَفْيِ اتِّصافِ الِاسْمِ بِالخَبَرِ، لا لِنَفْيِ قَيْدِ الِاسْمِ، فَلا تَتَوَجَّهُ إلَيْهِ لِيَخْتَلَّ المَعْنى، نَعَمْ هو قَوْلٌ قَلِيلُ الجَدْوى مَعَ أنَّ الغالِبَ في الظَّرْفِ الَّذِي بَعْدَ لا هَذِهِ كَوْنُهُ خَبَرًا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: لا فِيهِ رَيْبٌ، عَلى حَدِّ ﴿ لا فِيها غَوْلٌ ﴾ لِأنَّ التَّقْدِيمَ يُشْعِرُ بِما يُبْعِدُ عَنِ المُرادِ، وهو أنَّ كِتابًا غَيْرَهُ فِيهِ الرَّيْبُ، كَما قَصَدَ في الآيَةِ تَفْضِيلَ خَمْرِ الجَنَّةِ عَلى خُمُورِ الدُّنْيا بِأنَّها لا تَغْتالُ العُقُولَ كَما تَغْتالُها، فَلَيْسَ فِيها ما في غَيْرِها مِنَ العَيْبِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَعْضُهم لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ: لَيْسَ في الدّارِ رَجُلٌ، ولَيْسَ رَجُلٌ في الدّارِ، حَتّى أنْكَرَ أبُو حَيّانَ إفادَةَ تَقْدِيمِ الخَبَرِ هُنا الحَصْرَ، وهو مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وقَرَأ سُلَيْمٌ أبُو الشَّعْثاءِ: (لا رَيْبُ فِيهِ) بِالرَّفْعِ، وهو لِكَوْنِهِ نَقِيضًا لِرَيْبٍ فِيهِ، وهو مُحْتَمَلٌ لِأنْ يَكُونَ إثْباتًا لِفَرْدٍ، ونَفْيُهُ يُفِيدُ انْتِفاءَهُ، فَلا يُوجِبُ الِاسْتِغْراقَ، كَما في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ ولِهَذا جازَ: لا رَجُلَ في الدّارِ، بَلْ رَجُلانِ، دُونَ: لا رَجُلَ فِيها، بَلْ رَجُلانِ، فَلا لِعُمُومِ النَّفْيِ لا لِنَفْيِ العُمُومِ، والوَقْفُ عَلى (فِيهِ)، هو المَشْهُورُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ الكِتابُ نَفْسُهُ هُدًى، وقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ في التَّنْزِيلِ، وعَنْ نافِعٍ وعاصِمٍ الوَقْفُ عَلى ﴿ لا رَيْبَ ﴾ ، ولا رَيْبَ في حَذْفِ الخَبَرِ، وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى جَعْلِ ﴿ لا رَيْبَ ﴾ بِمَعْنى حَقًّا، فالوَقْفُ عَلَيْهِ تامٌّ إلّا أنَّهُ أيْضًا دُونَ الأوَّلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (فِيهِي) بِوَصْلِ الهاءِ ياءً في اللَّفْظِ، وكَذَلِكَ كُلُّ هاءِ كِنايَةٍ قَبْلَها ياءٌ ساكِنَةٌ، فَإنْ كانَ قَبْلَها ساكِنٌ غَيْرُ الياءِ وصَلَها بِالواوِ، ووافَقَهُ حَفْصٌ في ﴿ فِيهِ مُهانًا ﴾ ومُلاقِيهِ، وسَأُصْلِيهِ، والباقُونَ لا يُشْبَعُونَ، وإذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَ الهاءِ أشْبَعُوهُ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وابْنُ جُنْدُبٍ بِضَمِّ الهاءِ مِنَ الكِناياتِ في جَمِيعِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ، والهُدى في الأصْلِ مَصْدَرُ هَدى، أوْ عِوَضٌ عَنِ المَصْدَرِ، وكُلٌّ في كَلامِ سِيبَوَيْهِ، ولَمْ يَجِئْ مِنَ المَصادِرِ بِهَذِهِ الزِّنَةِ إلّا قَلِيلٌ كالتُّقى والسُّرى والبُكى بِالقَصْرِ في لُغَةٍ، ولُقًى كَما قالَ الشّاطِبِيُّ وأنْشَدَ: وقَدْ زَعَمُوا حِلْمًا لُقاكَ فَلَمْ أزِدْ ∗∗∗ بِحَمْدِ الَّذِي أعْطاكَ حِلْمًا ولا عَقْلًا والمُرادُ مِنهُ هُنا اسْمُ الفاعِلَ بِأحَدِ الوُجُوهِ المَعْرُوفَةِ في أمْثالِهِ، وهو لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ عِنْدَ ابْنِ عَطِيَّةَ، ومُذَكَّرٌ عِنْدَ اللِّحْيانِيِّ، وبَنُو أسَدٍ يُؤَنِّثُونَ كَما قالَ الفَرّاءُ، فَهو كالهِدايَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها، وفي الكَشّافِ هي الدِّلالَةُ المُوصِلَةُ إلى البُغْيَةِ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِثَلاثَةِ وُجُوهٍ، الأوَّلُ وُقُوعُ الضَّلالِ في مُقابِلِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ ﴾ والضَّلالُ عِبارَةٌ عَنِ الخَيْبَةِ، وعَدَمِ الوُصُولِ إلى البُغْيَةِ، فَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرِ الوُصُولُ في مَفْهُومِ الهُدى لَمْ يَتَقابَلا لِجَوازِ الِاجْتِماعِ بَيْنَهُما، والثّانِي أنَّهُ يُقالُ: مَهْدِيٌّ في مَوْضِعِ المَدْحِ كَمُهْتَدٍ، ومَن حَصَلَ لَهُ الدِّلالَةُ مِن غَيْرِ الِاهْتِداءِ لا يُقالُ لَهُ ذَلِكَ، فَعُلِمَ أنَّ الإيصالَ مُعْتَبَرٌ في مَفْهُومِهِ، والثّالِثُ أنَّ اهْتَدى مُطاوِعُ هَدى، ولَنْ يَكُونَ المُطاوِعُ في خِلافِ مَعْنى أصْلِهِ، ألا تَرى إلى نَحْوِ كَسَرَهُ فانْكَسَرَ، وفِيهِ بَحْثٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ المَذْكُورَ في مُقابَلَةِ الضَّلالَةِ هو الهُدى اللّازِمُ بِمَعْنى الِاهْتِداءِ مَجازًا أوِ اشْتِراكًا، وكَلامُنا في المُتَعَدِّي ومُقابِلُهُ الإضْلالُ، ولا اسْتِدْلالَ بِهِ، إذْ رُبَّما يُفَسَّرُ بِالدِّلالَةِ عَلى ما لا يُوَصِّلُ، ولا يَجْعَلُهُ ضالًّا، عَلى أنَّهُ لَوْ فُسِّرَتِ الهِدايَةُ بِمُطْلَقِ الدِّلالَةِ عَلى ما مِن شَأْنِهِ الإيصالُ أوْصَلَ، أمْ لا، وفُسِّرَ الضَّلالُ المُقابِلُ لَها تَقابُلَ الإيجابِ والسَّلْبِ بِعَدَمِ تِلْكَ الدِّلالَةِ المُطْلَقَةِ لَزِمَ مِنهُ عَدَمُ الوُصُولِ، لِأنَّ سَلْبَ الدِّلالَةِ المُطْلَقَةِ سَلْبٌ لِلْمُقَيَّدَةِ، إذْ سَلْبُ الأعَمِّ يَسْتَلْزِمُ سَلْبَ الأخَصِّ، فَلَيْسَ في هَذا التَّقابُلِ ما يُرَجِّحُ المُدَّعى، وأمّا ثانِيًا فَلِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الضَّلالَةَ عِبارَةٌ عَنِ الخَيْبَةِ إلَخْ، بَلْ هو العُدُولُ عَنِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى البُغْيَةِ، فَيَكُونُ الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدِّلالَةِ عَلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلِ، نَعَمْ إنَّ عَدَمَ الوُصُولِ إلى البُغْيَةِ لازِمٌ لِلضَّلالَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّازِمُ أعَمَّ، وأما ثالِثًا فَلِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ إطْلاقِ المَهْدِيِّ إلّا عَلى المُهْتَدِي أنْ يَكُونَ الوُصُولُ مُعْتَبَرًا في مَفْهُومِ الهُدى، لِجَوازِ غَلَبَةِ المُشْتَقِّ في فَرْدٍ مَفْهُومٌ المُشْتَقُّ مِنهُ، وأمّا رابِعًا فَلِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ اهْتَدى مُطاوِعُ هَدى، بَلْ هو مِن قَبِيلِ أمَرَهُ فَأْتَمَرَ، مِن تَرَتُّبِ فِعْلٍ يُغايِرُ الأوَّلَ، فَإنَّ مَعْنى هَداهُ فاهْتَدى دَلَّهُ عَلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلِ فَسَلَكَهُ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يُقالُ: هَداهُ فَلَمْ يَهْتَدِ، عَلى أنَّ جَمْعًا يُعْتَدُّ بِهِمْ قالُوا: لا يَلْزَمُ مِن وُجُودِ الفِعْلِ وُجُودُ مُطاوِعِهِ مُطْلَقًا، فَفي المُخْتارِ: لا يَجِبُ أنْ يُوافِقَ المُطاوِعُ أصْلَهُ، ويَجِبُ في غَيْرِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا ﴾ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلا طُغْيانًا ﴾ فَقَدْ وُجِدَ التَّخْوِيفُ بِدُونِ الخَوْفِ، ولا يُقالُ: كَسَرْتُهُ فَما انْكَسَرَ، والفَرْقُ بَيْنَهُما مُفَصَّلٌ في عَرُوسِ الأفْراحِ، وأمّا خامِسًا فَلِأنَّ ما ذَكَرَهُ مَعارَضٌ بِما فِيهِ الهِدايَةُ، ولَيْسَ فِيهِ وُصُولٌ إلى البُغْيَةِ، وقَدْ مَرَّ بَعْضُهُ، ولِهَذا اخْتَلَفُوا: هَلْ هي حَقِيقَةٌ في الدِّلالَةِ المُطْلَقَةِ مَجازٌ في غَيْرِها، أوْ بِالعَكْسِ، أوْ هي مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُما، أوْ مَوْضُوعَةٌ لِقَدْرٍ مُشْتَرَكٍ؟
وإلى كُلِّ ذَهَبَ طائِفَةٌ، قِيلَ: والمَذْكُورُ في كَلامِ الأشاعِرَةِ أنَّ المُخْتارَ عِنْدَهم ما ذُكِرَ في الكَشّافِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ ما ذَكَرْناهُ، والمَشْهُورُ هو العَكْسُ، والتَّوْفِيقُ بِأنَّ كَلامَ الأشاعِرَةِ في المَعْنى الشَّرْعِيِّ، والمَشْهُورُ مَبْنِيٌّ عَلى المَعْنى اللُّغَوِيِّ، أوِ العُرْفِيِّ، يَخْدِشُهُ اخْتِيارُ صاحِبِ الكَشّافِ مَعَ تَصَلُّبِهِ في الِاعْتِزالِ ما اخْتارَهُ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ في القُرْآنِ المَعْنى الشَّرْعِيُّ، فالأظْهَرُ لِلْمُوَفِّقِ عَكْسُ هَذا التَّوْفِيقِ، والحَقُّ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ أنَّ الهِدايَةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وعَدَمِ الإهْلاكِ، وبِهِ يَنْدَفِعُ كَثِيرٌ مِنَ القالِ والقِيلِ، و(المُتَّقِينَ) جَمْعُ مُتَّقٍ اسْمُ فاعِلٍ مِن وقاهُ فاتَّقى، فَفاؤُهُ واوٌ لا تاءٌ، والوِقايَةُ لُغَةُ الصِّيانَةِ مُطْلَقًا، وشَرْعًا صِيانَةُ المَرْءِ نَفْسَهُ عَمّا يَضُرُّ في الآخِرَةِ، والمَراتِبُ مُتَعَدِّدَةٌ لِتَعَدُّدِ مَراتِبِ الضَّرَرِ، فَأُولاها التَّوَقِّي عَنِ الشِّرْكِ، والثّانِيَةُ عَنِ الكَبائِرِ، ومِنها الإصْرارُ عَلى الصَّغائِرِ، والثّالِثَةُ ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ : «(لا يَبْلُغُ العَبْدُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ حَتّى يَدَعَ ما لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمّا بِهِ بَأْسٌ)،» وفي هَذِهِ المَرْتَبَةِ يُعْتَبَرُ تَرْكُ الصَّغائِرِ، ولِذا قِيلَ: خَلِّ الذُّنُوبَ كَبِيرَها ∗∗∗ وصَغِيرَها فَهو التُّقى واصْنَعْ كَماشٍ فَوْقَ أرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ ما يَرى لا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ∗∗∗ إنَّ الجِبالَ مِنَ الحَصى وفِي هَذِهِ المَرْتَبَةِ اخْتَلَفَتْ عِباراتُ الأكابِرِ فَقِيلَ: التَّقْوى أنْ لا يَراكَ اللَّهُ حَيْثُ نَهاكَ، ولا يَفْقِدَكَ حَيْثُ أمَرَكَ، وقِيلَ: التَّبَرِّي عَنِ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وقِيلَ: التَّنَزُّهُ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ السِّرَّ عَنِ الحَقِّ، وفي هَذا المَيْدانِ تَراكَضَتْ أرْواحُ العاشِقِينَ، وتَفانَتْ أشْباحُ السّالِكِينَ حَتّى قالَ قائِلُهم: ولَوْ خَطَرَتْ لِي في سِواكَ إرادَةٌ ∗∗∗ عَلى خاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتُ بِرِدَّتِي وهِدايَةُ الكِتابِ المُبِينِ شامِلَةٌ لِأرْبابِ هَذِهِ المَراتِبِ أجْمَعِينَ، فَإنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ إرْشادُهُ إيّاهم إلى تَحْصِيلِ المَرْتَبَةِ الأُولى، فالمُرادُ بِهِمُ المُشارِفُونَ مَجازًا لِاسْتِحالَةِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ، وإيثارِهِ عَلى العِبارَةِ المُعْرِبَةِ عَنْ ذَلِكَ لِلْإيجازِ، وتَصْدِيرُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِذِكْرِ أوْلِيائِهِ تَعالى وتَفْخِيمِ شَأْنِهِمْ، واعْتِبارِ المُشارَفَةِ بِالنَّظَرِ إلى زَمانِ نِسْبَةِ الهُدى، فَلا يُنافِي حُسْنَ التَّعْقِيبِ بِــ ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، لِأنَّ ذَلِكَ كَما قِيلَ بِالنَّظَرِ إلى زَمانِ إثْباتِ تِلْكَ النِّسْبَةِ، كَما يُقالُ: قُتِلَ قَتِيلًا، دُفِنَ في مَوْضِعِ كَذا، ورُبَّما جُعِلَ التَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ في جَوابِ: مَنِ المُتَّقُونَ؟
وحَمْلُ الكُلِّ عَلى المُشارَفَةِ يَأْباهُ السَّوْقُ، وقَدْ يُقالُ المُتَّقِينَ مَجازٌ بِالمُشارَفَةِ، والصِّفَةُ تَرْشِيحٌ بِلا مُشارَفَةٍ، ولا تَجُوزُ، كَما هو المَعْهُودُ في أمْثالِهِ، أوْ نَقُولُ: هو عَلى حَدِّ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الشَّفِيعِ يَوْمَ المَحْشَرِ، فَلا إشْكالَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ إرْشادُهُ إلى تَحْصِيلِ إحْدى المَرْتَبَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ، فَإنْ عَنى بِالمُتَّقِينَ أصْحابَ المَرْتَبَةِ الأُولى تَعَيَّنَتِ الحَقِيقَةُ، وإنْ عَنى بِهِمْ أصْحابَ إحْدى الطَّبَقَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ تَعَيَّنَ المَجازُ، لِأنَّ الوُصُولَ إلَيْهِما إنَّما يَتَحَقَّقُ بِهِدايَتِهِ المُرَقِّيَّةِ، وكَذا الحالُ فِيما بَيْنَ المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، فَإنْ أُرِيدَ بِالهُدى الإرْشادُ إلى تَحْصِيلِ المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ، فَإنْ عَنى بِالمُتَّقِينَ أصْحابَ المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ تَعَيَّنَتِ الحَقِيقَةُ، وإنْ عَنى بِهِمْ أصْحابَ المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ تَعَيَّنَ المَجازُ، ولَفْظُ الهِدايَةِ حَقِيقَةٌ في جَمِيعِ الصُّوَرِ، وأمّا إنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِ هُدًى لَهم تَثْبِيتُهم عَلى ما هم عَلَيْهِ، وإرْشادُهم إلى الزِّيادَةِ فِيهِ عَلى أنْ يَكُونَ مَفْهُومُها داخِلًا في المَعْنى المُسْتَعْمَلِ فِيهِ، فَهو مَجازٌ لا مَحالَةَ، ولَفْظُ المُتَّقِينَ حَقِيقَةٌ عَلى كُلِّ حالَةٍ، كَذا حَقَّقَهُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ، ومِنهُ يُعْلَمُ انْدِفاعُ ما قِيلَ: إنَّ الهِدايَةَ إنْ فُسِّرَتْ بِالدِّلالَةِ المُوَصِّلَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ دالًّا عَلى تَحْصِيلِ الحاصِلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: دِلالَةٌ مُوَصِّلَةٌ إلى المَطْلُوبِ لِلْواصِلِينَ إلَيْهِ، وإنْ فُسِّرَتْ بِالدِّلالَةِ عَلى ما يُوَصِّلُ، كانَ هُناكَ مَحْذُورٌ آخَرُ، فَإنَّ المُهْتَدِيَ إلى مَقْصُودِهِ يَكُونُ دِلالَتُهُ عَلى ما يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ لَغْوًا، ووَجْهُ الِانْدِفاعِ ظاهِرٌ، لَكِنْ حَقَّقَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الأظْهَرَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى التَّجَوُّزِ هُنا، لِأنَّهُ إذا قِيلَ: السِّلاحُ عِصْمَةٌ لِلْمُعْتَصِمِ، والمالُ غِنًى لِلْغَنِيِّ، عَلى مَعْنى سَبَبِ غِناهُ وعِصْمَتِهِ، لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ السِّلاحُ والمالُ سَبَبَيْ عِصْمَةٍ وغِنًى حادِثَيْنِ، غَيْرَ ما هُما فِيهِ، فَما نَحْنُ فِيهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ لِلتَّأْوِيلِ، ولَيْسَ مِنَ المَجازِ في شَيْءٍ، إذِ المُتَّقِي مُهْتَدٍ بِهَذا الهُدى حَقِيقَةً، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ والأُصُولِ في الوَصْفِ المُشْتَقِّ، هَلْ هو حَقِيقَةٌ في الحالِ، أوِ الِاسْتِقْبالِ؟
وهَلِ المُرادُ زَمانُ النِّسْبَةِ أوِ التَّكَلُّمِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ بَيْنَهُما؟
والَّذِي عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ أنَّهُ زَمانُ النِّسْبَةِ، وقَدْ ذَهَبَ السُّبْكِيُّ والكِرْمانِيُّ إلى أنَّ «(مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلْبُهُ)» حَقِيقَةٌ، وخَطَّأ مَن قالَ أنَّهُ مَجازٌ، ولا يُقالُ: إنَّهُ لا مُفادَ لِإثْباتِ القَتْلِ لِمَقْتُولٍ بِهِ، لِأنَّ قَصْدَ البَلِيغِ بِمَعُونَةِ القَرِينَةِ العَقْلِيَّةِ أنَّ القَتْلَ المُتَّصِفَ بِهِ صادِرٌ عَنْ هَذا القاتِلِ دُونَ غَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يُشارِكْهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَسَلَبُهُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، ومِن هُنا جُعِلَ المَعْنى فِيما نَحْنُ فِيهِ: لا هُدى لِلْمُتَّقِينَ إلّا بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى المُتَلَأْلِئُ نُورُ هِدايَتِهِ، السّاطِعُ بُرْهانُ دِلالَتِهِ، وإذا عُلِّقَ حُكْمٌ عَلى اسْمِ الإشارَةِ المَوْصُوفِ نَحْوُ: عَصَرْتُ هَذا الخَلَّ مَثَلًا، فَهُناكَ تَعْلِيقانِ في الحَقِيقَةِ، تَعْلِيقُ الحُكْمِ السّابِقِ بِذاتِ المُشارِ إلَيْهِ، وتَعْلِيقُ الإشارَةِ، والمُعْتَبَرُ زَمانُ الإشارَةِ لا زَمانُ الحُكْمِ السّابِقِ، فَإذا صَحَّ إطْلاقُ الخَلِّ عَلى المُشارِ إلَيْهِ واتِّصافُهُ بِالخَلِّيَّةِ مَثَلًا في زَمانِ الإشارَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الحُكْمِ السّابِقِ كانَ حَقِيقَةً، وإلّا فَمَجازٌ، فافْهَمْ وتَدَبَّرْ.
ثُمَّ لا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ هُدًى ما فِيهِ مِنَ المُجْمَلِ والمُتَشابِهِ، لِأنَّهُ لا يَسْتَلْزِمُ كَوْنُهُ هُدًى هِدايَتَهُ بِاعْتِبارِ كُلِّ جُزْءٍ مِنهُ، فَيَجُوزُ أنْ يُذْكَرَ فِيهِ ما فِيهِ ابْتِلاءٌ لِذَوِي الألْبابِ مِنَ الفُحُولِ بِما لا تَصِلُ إلَيْهِ الأفْهامُ والعُقُولُ، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَكُّ عَنْ بَيانِ المُرادِ مِنهُ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ، فَهو بَعْدَ التَّبْيِينِ هُدًى، وتَوَقُّفُ هِدايَتِهِ عَلى شَيْءٍ لا يَضُرُّ فِيها، كَما أنَّهُ عَلى رَأْيٍ مُتَوَقِّفٌ عَلى تَقَدُّمِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى، ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقَدْ نَصَّ الإمامُ عَلى أنَّهُ كُلُّ ما يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ كَوْنِ القُرْآنِ حُجَّةً عَلى صِحَّتِهِ لا يَكُونُ القُرْآنُ هُدًى فِيهِ، كَمَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ، وصِفاتِهِ، ومَعْرِفَةِ النُّبُوّاتِ، لِئَلّا يَلْزَمَ الدَّوْرُ إلّا أنْ يَكُونَ هُدًى في تَأْكِيدِ ما في العُقُولِ، والِاعْتِدادِ بِهِ، وبَعْضٌ صَحَّحَ أنَّ القُرْآنَ في نَفْسِهِ هُدًى في كُلِّ شَيْءٍ، حَتّى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى لِمَن تَأمَّلَ في أدِلَّتِهِ العَقْلِيَّةِ، وحُجَجِهِ اليَقِينِيَّةِ، كَما يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ ﴾ ويَكُونُ الِاقْتِصارُ عَلى المُتَّقِينَ هُنا بِناءً عَلى تَفْسِيرِنا الهِدايَةَ مَدْحًا لَهُمْ، لِيُبَيِّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا، وانْتَفَعُوا بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها ﴾ مَعَ عُمُومِ إنْذارِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأمّا غَيْرُهم فَلا، ﴿ وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا ﴾ ﴿ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا ﴾ وأمّا القَوْلُ بِأنَّ التَّقْدِيرَ: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، والكافِرِينَ، فَحُذِفَ لِدِلالَةِ المُتَّقِينَ عَلى حَدِّ ﴿ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ فَمِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، هَذا ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الجُمَلِ والآياتِ مِنَ التَّناسُقِ فَـ ﴿ الم ﴾ أشارَتْ إلى ما أشارَتْ، و ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ قَرَّرَتْ بَعْضَ إشارَتِها بِأنَّهُ الكِتابُ الكامِلُ الَّذِي لا يَحِقُّ غَيْرُهُ أنْ يُسَمّى كِتابًا في جِنْسِهِ، أيْ بابُ التَّحَدِّي والهِدايَةِ، و ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ كالتَّأْكِيدِ لِأحَدِ الرُّكْنَيْنِ، و ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ كالتَّأْكِيدِ لِلرُّكْنِ الآخَرِ.
وخُلاصَتُهُ هو الحَقِيقُ بِأنْ يُتَحَدّى بِهِ لِكَمالِ نَظْمِهِ في بابِ البَلاغَةِ، وكَمالِهِ في نَفْسِهِ، وفِيما هو المَقْصُودُ مِنهُ، وقِيلَ: بِالحَمْلِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَأنَّهُ سُئِلَ ما بالُهُ صارَ مُعْجِزًا؟
فَأُجِيبَ بِأنَّهُ كامِلٌ بَلَغَ أقْصى الكَمالِ لَفْظًا ومَعْنًى، وهو مَعْنى ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ ثُمَّ سُئِلَ عَنْ مُقْتَضى الِاخْتِصاصِ بِكَوْنِهِ هو الكِتابُ الكامِلُ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَحُومُ حَوْلَهُ رَيْبٌ، ثُمَّ لَمّا طُولِبَ بِالدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ اسْتَدَلَّ بِكَوْنِهِ ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ لِظُهُورِ اشْتِمالِهِ عَلى المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ والمَصالِحِ المَعاشِيَّةِ والمَعادِيَّةِ، بِحَيْثُ لا يُنْكِرُهُ إلّا مَن كابَرَ نَفْسَهُ وعانَدَ عَقْلَهُ، وحِسَّهُ، وقَدْ يُقالُ: الإعْجازُ مُسْتَلْزِمٌ غايَةَ الكَمالِ، وغايَةُ كَمالِ الكَلامِ البَلِيغِ بِبُعْدِهِ مِنَ الرَّيْبِ والشُّبَهِ لِظُهُورِ حَقِيقَتِهِ، وذَلِكَ مُقْتَضٍ لِهِدايَتِهِ وإرْشادِهِ، فَإنْ نُظِرَ إلى اتِّحادِ المَعانِي بِحَسَبِ المَآلِ كانَ الثّانِي مُقَرِّرًا لِلْأوَّلِ، فَلِذا تُرِكَ العَطْفُ، وإنْ نُظِرَ إلى أنَّ الأوَّلَ مُقْتَضٍ لِما بَعْدَهُ لِلُزُومِهِ بَعْدَ التَّأمُّلِ الصّادِقِ، فالأوَّلُ لِاسْتِلْزامِهِ ما يَلِيهِ، وكَوْنُهُ في قُوَّتِهِ يَجْعَلُهُ مُنَزَّلًا مِنهُ مَنزِلَةَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُناسَبَةِ والمُلازَمَةِ، فَوِزانُهُ وِزانُ حُسْنِها، في أعْجَبَتْنِي الجارِيَةُ حُسْنُها، وتُرِكَ العَطْفُ حِينَئِذٍ لِشِدَّةِ الِاتِّصالِ بَيْنَ هَذِهِ الجُمَلِ، وفِيها أيْضًا مِنَ النُّكَتِ الرّائِقَةِ، والمَزايا الفائِقَةِ ما لا يَخْفى جَلالَةُ قَدْرِهِ، عَلى مَن مَرَّ ما ذَكَرْناهُ عَلى فِكْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"