الآية ٢ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢ من سورة البقرة

ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًۭى لِّلْمُتَّقِينَ ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 268 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) قال ابن جريج : قال ابن عباس : ذلك الكتاب : هذا الكتاب .

وكذا قال مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والسدي ومقاتل بن حيان ، وزيد بن أسلم ، وابن جريج : أن ذلك بمعنى هذا ، والعرب تقارض بين هذين الاسمين من أسماء الإشارة فيستعملون كلا منهما مكان الآخر ، وهذا معروف في كلامهم .

و ( الكتاب ) القرآن .

ومن قال : إن المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التوراة والإنجيل ، كما حكاه ابن جرير وغيره ، فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع ، وتكلف ما لا علم له به .

والريب : الشك ، قال السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ريب فيه ) لا شك فيه .

وقاله أبو الدرداء وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك ونافع مولى ابن عمر وعطاء وأبو العالية والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان والسدي وقتادة وإسماعيل بن أبي خالد .

وقال ابن أبي حاتم : لا أعلم في هذا خلافا .

[ وقد يستعمل الريب في التهمة قال جميل : بثينة قالت يا جميل أربتني فقلت كلانا يا بثين مريب واستعمل - أيضا - في الحاجة كما قال بعضهم : قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أجمعنا السيوفا ] ومعنى الكلام : أن هذا الكتاب - وهو القرآن - لا شك فيه أنه نزل من عند الله ، كما قال تعالى في السجدة : ( الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ) [ السجدة : 1 ، 2 ] .

[ وقال بعضهم : هذا خبر ومعناه النهي ، أي : لا ترتابوا فيه ] .

ومن القراء من يقف على قوله : ( لا ريب ) ويبتدئ بقوله : ( فيه هدى للمتقين ) والوقف على قوله تعالى : ( لا ريب فيه ) أولى للآية التي ذكرنا ، ولأنه يصير قوله : ( هدى ) صفة للقرآن ، وذلك أبلغ من كون : ( فيه هدى ) .

و ( هدى ) يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعا على النعت ، ومنصوبا على الحال .

وخصت الهداية للمتقين .

كما قال : ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ) [ فصلت : 44 ] .

وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) [ الإسراء : 82 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن ؛ لأنه هو في نفسه هدى ، ولكن لا يناله إلا الأبرار ، كما قال : ( ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ) [ يونس : 57 ] .

وقد قال السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هدى للمتقين ) يعني : نورا للمتقين .

وقال الشعبي : هدى من الضلالة .

وقال سعيد بن جبير : تبيان للمتقين .

وكل ذلك صحيح .

وقال السدي : عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هدى للمتقين ) قال : هم المؤمنون .

وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( للمتقين ) أي : الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به .

وقال أبو روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : ( للمتقين ) قال : المؤمنين الذين يتقون الشرك بي ، ويعملون بطاعتي .

وقال سفيان الثوري ، عن رجل ، عن الحسن البصري ، قوله : ( للمتقين ) قال : اتقوا ما حرم الله عليهم ، وأدوا ما افترض عليهم .

وقال أبو بكر بن عياش : سألني الأعمش عن المتقين ، قال : فأجبته .

فقال [ لي ] سل عنها الكلبي ، فسألته فقال : الذين يجتنبون كبائر الإثم .

قال : فرجعت إلى الأعمش ، فقال : نرى أنه كذلك .

ولم ينكره .

وقال قتادة ( للمتقين ) هم الذين نعتهم الله بقوله : ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ) الآية والتي بعدها [ البقرة : 3 ، 4 ] .

واختار ابن جرير : أن الآية تعم ذلك كله ، وهو كما قال .

وقد روى الترمذي وابن ماجه ، من رواية أبي عقيل عبد الله بن عقيل ، عن عبد الله بن يزيد ، عن ربيعة بن يزيد ، وعطية بن قيس ، عن عطية السعدي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس .

ثم قال الترمذي : حسن غريب .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن عمران ، حدثنا إسحاق بن سليمان ، يعني الرازي ، عن المغيرة بن مسلم ، عن ميمون أبي حمزة ، قال : كنت جالسا عند أبي وائل ، فدخل علينا رجل ، يقال له : أبو عفيف ، من أصحاب معاذ ، فقال له شقيق بن سلمة : يا أبا عفيف ، ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل ؟

قال : بلى سمعته يقول : يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد ، فينادي مناد : أين المتقون ؟

فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر .

قلت : من المتقون ؟

قال : قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان ، وأخلصوا لله العبادة ، فيمرون إلى الجنة .

وأصل التقوى : التوقي مما يكره لأن أصلها وقوى من الوقاية .

قال النابغة : سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد وقال الآخر : فألقت قناعا دونه الشمس واتقت بأحسن موصولين كف ومعصم وقد قيل : إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، سأل أبي بن كعب عن التقوى ، فقال له : أما سلكت طريقا ذا شوك ؟

قال : بلى قال : فما عملت ؟

قال : شمرت واجتهدت ، قال : فذلك التقوى .

وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال : خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى وأنشد أبو الدرداء يوما : يريد المرء أن يؤتى مناه ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفادا وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيرا من زوجة صالحة ، إن نظر إليها سرته ، وإن أمرها أطاعته ، وإن أقسم عليها أبرته ، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جَل ثناؤه: ذَلِكَ الْكِتَابُ .

قال عامّة المفسرين: تأويل قول الله تعالى ( ذلك الكتاب ) : هذا الكتاب.

* ذكر من قال ذلك: 247- حدثني هارون بن إدريس الأصم الكوفيّ, قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي, عن ابن جُريج, عن مجاهد: " ذلك الكتاب " قال: هو هذا الكتاب.

248- حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: حدثنا ابن عُلَية, قال: أخبرنا خالد الحذّاء, عن عكرمة, قال: " ذلك الكتاب ": هذا الكتاب.

249- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدثنا الحَكَم بن ظُهَير, عن السُّدِّي، في قوله " ذلك الكتاب " قال: هذا الكتاب (34) .

250- حدثنا القاسم بن الحسن, قال: حدثنا الحسين بن داود.

قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قوله: " ذلك الكتاب ": هذا الكتاب.

قال: قال ابن عباس: " ذلك الكتاب " : هذا الكتاب (35) .

فإن قال قائل: وكيف يجوزُ أن يكون " ذلك " بمعنى " هذا "؟

و " هذا " لا شكّ إشارة إلى حاضر مُعايَن, و " ذلك " إشارة إلى غائب غير حاضر ولا مُعايَن؟

قيل: جاز ذلك، لأن كل ما تَقضَّى، بقُرْبِ تَقضِّيه من الإخبار (36) ، فهو -وإن صار بمعنى غير الحاضر- فكالحاضر عند المخاطب.

وذلك كالرجل يحدِّث الرجلَ الحديثَ فيقول السامع: " إن ذلك والله لكما قلت ", و " هذا والله كما قلت ", و " هو والله كما ذكرت "، فيخبرُ عنه مَرَّة بمعنى الغائب، إذْ كان قد تَقضَّى ومضى, ومرة بمعنى الحاضر، لقُرْب جوابه من كلام مخبره، كأنه غير مُنْقَضٍ.

فكذلك " ذلك " في قوله (ذلك الكتاب) لأنه جلّ ذكره لما قدم قبلَ " ذلك الكتاب " الم ، التي ذكرنا تصرُّفَها في وجُوهها من المعاني على ما وصفنا، قال لنبيه صلى الله عليه و سلم: يا محمد، هذا الذي ذكرته وبيَّنته لك، الكتابُ.

ولذلكَ حسن وضع " ذلك " في مكان " هذا ", لأنه أشير به إلى الخبر عما تضمَّنهُ قوله الم من المعاني، بعد تقضّي الخبر عنه بـ " الم ", فصار لقرب الخبر عنه من تقضِّيه، كالحاضر المشار إليه, فأخبر به بـ " ذلك " لانقضائه، ومصير الخبر عنه كالخبر عن الغائب، وترجمهُ المفسِّرون (37) : أنه بمعنى " هذا "، لقرب الخبر عنه من انقضائه, فكانَ كالمشاهَد المشار إليه بـ " هذا "، نحو الذي وصفنا من الكلام الجاري بين الناس في محاوراتهم, وكما قال جل ذكره: وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ * هَذَا ذِكْرٌ [سورة ص: 48، 49] فهذا ما في " ذلك " إذا عنى بها " هذا ".

وقد يحتمل قوله جل ذكره (ذلك الكتاب) أن يكون معنيًّا به السُّوَرُ التي نـزلت قبل سورة البقرة بمكة والمدينة, فكأنه قال جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، اعلم أنّ ما تضمَّنتْه سُوّرُ الكتاب التي قد أنـزلتها إليك، هو الكتابُ الذي لا ريبَ فيه.

ثم ترجمه المفسرون (38) بأن معنى " ذلك " " هذا الكتاب ", &; 1-227 &; إذْ كانت تلك السُّور التي نـزلت قبل سورة البقرة، من جملة جميع كتابنا هذا، الذي أنـزله الله عز وجل على نبينا محمد صلى الله عليه و سلم.

وكان التأويل الأول أولى بما قاله المفسرون، لأنّ ذلك أظهرُ معاني قولهم الذي قالوه في " ذلك ".

وقد وَجَّه معنى " ذلك " بعضُهم، إلى نظير معنى بيت خُفاف بن نُدبة السُّلميّ: فَـإن تَـكُ خَـيْلي قـد أُصِيبَ صَمِيمُها فَعَمْـدًا عـلى عَيْـنٍ تَيَمَّمْـتُ مَالِكَـا (39) أقـولُ لـه, والـرُّمحُ يـأطِرُ مَتْنَـهُ: تــأمَّل خُفاَفًــا, إننــي أنـا ذلِكَـا (40) كأنه أراد: تأملني أنا ذلك.

فزعم أنّ " ذلك الكتاب " بمعنى " هذا "، نظيرُه (41) .

أظهر خفافٌ من اسمه على وجه الخبر عن الغائب، وهو مخبر عن نفسه.

فكذلك أظهر " ذلك " بمعنى الخبر عن الغائب (42) ، والمعنى فيه الإشارة إلى الحاضر المشاهَد.

والقول الأول أولى بتأويل الكتاب، لما ذكرنا من العلل.

وقد قال بعضهم: (ذلك الكتاب)، يعني به التوراة والإنجيل, وإذا وُجّه &; 1-228 &; تأويل " ذلك " إلى هذا الوجه، فلا مؤونة فيه على متأوِّله كذلك، لأن " ذلك " يكون حينئذ إخبارًا عن غائب على صحة.

* * * القول في تأويل قوله : لا رَيْبَ فِيهِ .

وتأويل قوله: " لا ريب فيه "" لا شك فيه ".

كما:- 251- حدثني هارون بن إدريس الأصم, قال: حدثنا عبد الرحمن المحاربي عن ابن جُريج, عن مجاهد: لا ريب فيه, قال: لا شك فيه.

252- حدثني سَلام بن سالم الخزاعي, قال: حدثنا خَلَف بن ياسين الكوفي, عن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن عطاء، " لا ريب فيه ": قال: لا شك فيه (43) .

253- حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري, قال: حدثنا الحَكم بن ظُهَير, عن السُّدِّيّ, قال: " لا ريب فيه "، لا شك فيه.

254- حدثني موسى بن هارون الهَمْداني, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط, عن السُّدّي في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس -وعن مُرَّة الهَمْداني, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم: " لا ريب فيه "، لا شك فيه.

255- حدثنا محمد بن حميد, قال: حدثنا سَلَمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير , &; 1-229 &; عن ابن عباس: " لا ريبَ فيه "، قال: لا شكّ فيه.

256- حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج, قال: قال ابن عباس: " لا ريب فيه "، يقول: لا شك فيه.

257- حدثنا الحسن بن يحيى, قال: حدثنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة: " لا ريب فيه "، يقول: لا شك فيه.

258- حُدِّثت عن عَمّار بن الحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه، عن الربيع بن أنس: قوله " لا ريب فيه "، يقول: لا شك فيه (44) .

وهو مصدر من قول القائل: رابني الشيء يَريبني رَيبًا.

ومن ذلك قول ساعدة بن جُؤَيَّة الهذليّ: فقـالوا: تَرَكْنَـا الحَـيَّ قد حَصِرُوا به, فـلا رَيْـبَ أنْ قـد كـان ثَـمَّ لَحِـيمُ (45) ويروى: " حَصَرُوا " و " حَصِرُوا " والفتحُ أكثر, والكسر جائز.

يعني بقوله " حصروا به ": أطافوا به.

ويعني بقوله " لا ريب ".

لا شك فيه.

وبقوله " أن قد كان ثَمَّ لَحِيم "، يعني قتيلا يقال: قد لُحِم، إذا قُتل.

والهاء التي في " فيه " عائدة على الكتاب, كأنه قال: لا شك في ذلك الكتاب أنه من عند الله هُدًى للمتقين.

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: هُدًى 259- حدثني أحمد بن حازم الغفاري, قال: حدثنا أبو نعيم, قال: حدثنا &; 1-230 &; سفيان, عن بَيَان, عن الشعبي،" هُدًى " قال: هُدًى من الضلالة (46) .

260- حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط بن نصر, عن إسماعيل السُّدّي, في خبر ذكره عن أبي مالك, وعن أبي صالح , عن ابن عباس وعن مُرة الهَمْداني, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم، " هدى للمتقين "، يقول: نور للمتقين (47) .

والهدى في هذا الموضع مصدرٌ من قولك: هديتُ فلانًا الطريق -إذا أرشدتَه إليه، ودللَته عليه, وبينتَه له- أهديه هُدًى وهداية.

فإن قال لنا قائل: أوَ ما كتابُ الله نورًا إلا للمتّقين، ولا رَشادًا إلا للمؤمنين؟

قيل: ذلك كما وصفه رّبنا عزّ وجل.

ولو كان نورًا لغير المتقين, ورشادًا لغير المؤمنين، لم يخصُصِ الله عز وجل المتقين بأنه لهم هدًى, بل كان يعُمّ به جميع المنذَرين.

ولكنه هدًى للمتقين, وشفاءٌ لما في صدور المؤمنين, وَوَقْرٌ في آذان المكذبين, وعمىً لأبصار الجاحدين، وحجةٌ لله بالغةٌ على الكافرين.

فالمؤمن به مُهتدٍ, والكافر به محجوجٌ (48) .

وقوله " هدى " يحتمل أوجهًا من المعاني: أحدُها: أن يكون نصبًا، لمعنى القطع من الكتاب، لأنه نكرة والكتاب معرفة (49) .

فيكون التأويل حينئذ: الم ذلك الكتاب هاديًا للمتقين.

و ذَلِكَ مرفوع بـ الم , و الم به, والكتابُ نعت لـ ذَلِكَ .

وقد يحتمل أن يكون نصبًا، على القطع من رَاجع ذكر الكتاب الذي في فِيهِ , فيكونُ معنى ذلك حينئذ: الم الذي لا ريب فيه هاديًا.

وقد يحتمل أن يكون أيضًا نصبًا على هذين الوجهين, أعني على وجه القطع من الهاء التي في فِيهِ , ومن الْكِتَابُ ، على أن الم كلام تام, كما قال ابن عباس إنّ معناه: أنا الله أعلم.

ثم يكون ذَلِكَ الْكِتَابُ خبرًا مستأنفًا, فيرفع حينئذ الْكِتَابُ بـ ذَلِكَ ، و ذَلِكَ بـ الْكِتَابُ , ويكون " هُدًى " قطعًا من الْكِتَابُ , وعلى أن يرفع ذَلِكَ بالهاء العائدة عليه التي في فِيهِ , و الْكِتَابُ نعتٌ له؛ والهدى قطع من الهاء التي في فِيهِ .

وإن جُعِل الهدى في موضع رفع، لم يجز أن يكون ذَلِكَ الْكِتَابُ إلا خبرًا مستأنفًا، و الم كلاما تامًّا مكتفيًا بنفسه، إلا من وجه واحد، وهو أن يُرفع حينئذ " هُدًى " بمعنى المدح، كما قال الله جل وعز: الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ [سورة لقمان: 1-3] في قراءة من قرأ " رحمةٌ".

بالرفع، على المدح للآيات.

والرفع في " هدى " حينئذ يجوز من ثلاثة أوجه: أحدُها ما ذكرنا من أنه مَدْحٌ مستأنفٌ.

والآخر: على أن يُجعل مُرافعَ ذَلِكَ , و الْكِتَابُ نعتٌ " لذلك ".

والثالث: أن يُجعل تابعًا لموضع لا رَيْبَ فِيهِ , ويكون ذَلِكَ الْكِتَابُ مرفوعًا بالعائد في فِيهِ .

فيكون كما قال تعالى ذكره: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ [سورة الأنعام: 92].

وقد زعم بعض المتقدمِّين في العلم بالعربية من الكوفيين، أنّ الم مرافعُ ذَلِكَ الْكِتَابُ بمعنى: هذه الحروف من حروف المعجم, ذلك الكتابُ الذي وعدتُك أن أوحَيه إليك (50) .

ثم نقض ذلك من قوله فأسرع نَقْضَه, وهَدمَ ما بنى فأسرع هَدْمَه, فزعم أن الرفع في " هُدًى " من وجهين، والنصبَ من وجهين.

وأنّ أحد وَجهي الرفع: أن يكون الْكِتَابُ نعتًا لِـ ذَلِكَ و " الهدى " في موضع رفعٍ خبرٌ لِـ ذَلِكَ .

كأنك قلت: ذلك هدًى لا شكّ فيه (51) .

قال: وإن جعلتَ لا رَيْبَ فِيهِ خبرَه، رفعتَ أيضًا " هدى "، بجعله تابعًا لموضع لا رَيْبَ فِيهِ ، كما قال الله جل ثناؤه: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ، كأنه قال: وهذا كتابٌ هُدًى من صفته كذا وكذا.

قال: وأما أحدُ وجهي النَّصْب فأن تَجعَل الكتاب خبرًا لـ ذَلِكَ ، وتنصبَ" هدى " على القطع، لأن " هدى " نكرة اتصلت بمعرفة، وقد تمّ خبرُها فنصبْتَها (52) لأن النكرة لا تكون دليلا على معرفة.

وإن شئت نصبت " هدى " على القطع من الهاء التي في فِيهِ كأنك قلت: لا شك فيه هاديًا (53) .

قال أبو جعفر: فترك الأصل الذي أصَّله في الم وأنها مرفوعة بـ ذَلِكَ الْكِتَابُ ، ونبذه وراء ظهره.

واللازم كان له على الأصل الذي أصَّله، أن لا يجيز الرَّفع في " هدى " بحالٍ إلا من وَجْه واحدٍ, وذلك من قِبَلِ الاستئناف، إذ كان مَدْحًا.

فأما على وجه الخبر " لذلك ", أو على وجه الإتباع لموضع لا رَيْبَ فِيهِ , فكان اللازم له على قوله أن يكون خطأ.

وذلك أن الم إذا رافعت ذَلِكَ الْكِتَابُ ، فلا شك أن " هدى " غيرُ جائز حينئذٍ أن يكون خبرًا " لذلك "، بمعنى المرافع له, أو تابعًا لموضع لا رَيْبَ فِيهِ , لأن موضعه حينئذ نصبٌ، لتمام الخبر قبلَه، وانقطاعه -بمخالفته إيّاه- عنه.

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: لِلْمُتَّقِينَ (2) 261- حدثنا سفيان بن وكيع, قال: حدثنا أبي، عن سفيان, عن رجل, عن الحسن، قوله: " للمتقين " قال: اتَّقَوْا ما حُرِّم عليهم، وأدَّوا ما افتُرِض عليهم.

262- حدثنا محمد بن حُميد, قال: حدثنا سَلَمة بن الفضل, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " للمتقين "، أي الذين يحذَرُون من الله عز وجل عقوبتَه في تَرْك ما يعرفون من الهُدى, ويرجون رحمَته بالتَّصديق بما جاء به.

263- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط, عن السُّدّي في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرّة الهَمْداني, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم: " هدًى للمتقين "، قال: هم المؤمنون.

264- حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا أبو بكر بن عيّاش, قال: سألني الأعمش عن " المتقين ", قال: فأجبتُه, فقال لي: سئل عنها الكَلْبَيّ.

فسألتُه، فقال: الذين يَجتنِبُون كبائِرَ الإثم.

قال: فرجَعْت إلى الأعمش, فقال: نُرَى أنه كذلك.

ولم ينكره.

265- حدثني المثنى بن إبراهيم الطبري, قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الرحمن بن عبد الله, قال حدثنا عمر أبو حفص, عن سعيد بن أبي عَرُوبة, عن قتادة: " هدى للمتقين "، هم مَنْ نعتَهم ووصفَهم فأثبت صفتهم، فقال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ .

266- حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عُمَارة, عن أبي رَوق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " للمتقين " قال: المؤمنين الذين يتَّقُون الشِّرك بي، ويعملون بطاعتي (54) .

وأولى التأويلات بقول الله جل ثناؤه (هدى للمتقين)، تأويلُ من وصَف القومَ بأنهم الذين اتَّقوُا اللهَ تبارك وتعالى في ركوب ما نهاهم عن ركوبه, فتجنبوا معاصِيَه، واتَّقوْه فيما أمرهم به من فرائضِه، فأطاعوه بأدائها.

وذلك أنّ الله عزّ وجلّ وصَفهم بالتقوَى، فلم يحصُرْ تقواهم إياه على بعضِ ما هو أهلٌ له منهم دون بعض (55) .

فليس لأحد من الناس أن يحصُر معنى ذلك، على وَصْفهم بشيء من تَقوى الله عز وجل دون شيء، إلا بحجة يجبُ التسليمُ لها.

لأن ذلك من صفة القوم -لو كان محصورًا على خاصّ من معاني التقوى دون العامّ منها- لم يدعِ الله جل ثناؤه بيانَ ذلك لعباده: إما في كتابه, وإما على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم، إذْ لم يكن في العقل دليلٌ على استحالة وصفهم بعموم التقوى.

فقد تبيّن إذًا بذلك فسادُ قول من زعم أن تأويل ذلك إنما هو: الذين اتَّقَوُا الشرك وبرئوا من النِّفاق.

لأنه قد يكون كذلك، وهو فاسقٌ غيرُ مستَحِق أن يكون من المتقين، إلا أن يكون -عند قائل هذا القول- معنى النفاق: ركوبُ الفواحش التي حَرَّمها الله جل ثناؤه، وتضييعُ فرائضه التي فرضها عليه.

فإن جماعةً من أهل العلم قد كانت تسمِّي من كان يفعل ذلك منافقًا.

فيكون -وإن كان مخالفًا في تسميته من كان كذلك بهذا الاسم- مصيبًا تأويلَ قول الله عز وجل " للمتقين ".

------------- الهوامش : (34) الأثر 249- الحكم بن ظهير -بضم الظاء المعجمة- الفزاري ، أبو محمد بن أبي ليلى الكوفي : ضعيف جدًا ، رمى بوضع الحديث .

قال البخاري في الكبير 1/2/ 342 - 343 : "تركوه منكر الحديث" .

وقال ابن أبي حاتم في الجرح 1/2/ 118 - 119 عن أبي زرعة : "واهي الحديث" .

وقال ابن حبان في كتاب المجروحين ، رقم 239 : "كان يشتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، يروى عن الثقات الأشياء الموضوعات" .

(35) هذه الآثار جميعًا 247 - 250 ذكرها ابن كثير في تفسيره 1 : 70 ، والدر المنثور 1 : 24 ، والشوكاني 1 : 21 .

(36) في المطبوعة"وقرب تقضيه" .

يريد : أن ذكر ما انقضى ، وانقضاؤه قريب من إخبارك عنه .

(37) ترجمه : أي فسره المفسرون وبينوه بوضع حرف مكان حرف .

انظر ما مضى 70 تعليق 1/93 : 4/ ومواضع أخر .

(38) ترجمه : أي فسره المفسرون وبينوه بوضع حرف مكان حرف .

انظر ما مضى 70 تعليق 1/93 : 4/ ومواضع أخر .

(39) الأغاني 2 : 329/ 13 : 134 ، 135/16 : 134 ، والخزانة 2 : 470 ، وغيرهما ، ويأتي في الطبري 1 : 314 ، 437 .

يقول الشعر في مقتل ابن عمه معاوية بن عمرو أخى الخنساء .

ومالك ، هو مالك بن حِمَار الشمخي الفزاري .

والخيل هنا : هم فرسان الغارة ، وكان معاوية وخفاف غزوَا بني مرة وفزارة .

والصميم : الخالص المحض من كل شيء .

وأراد معاوية ومقتله يومئذ .

ويقال : "فعلت هذا الأمر عمد عين ، وعمدًا على عين" ، إذا تعمدته مواجهة بجد ويقين .

وتيمم : قصد وأمَّ .

(40) "أقول له" ، يعني لمالك بن حِمَار .

وأطر الشيء يأطره أطرًا : هو أن تقبض على أحد طرفي الشيء ثم تعوجه وتعطفه وتثنيه .

وأراد أن حر الطعنة جعله يتثنى من ألمها ، ثم ينحني ليهوى صريعًا إذ أصاب الرمح مقتله .

وأرى أن الإشارة في هذا البيت إلى معنى غائب ، كأنه قال : "أنا ذلك الذي سمعت به وببأسه" .

وهذا المعنى يخرج البيت عن أن يكون شاهدًا على ما أراد الطبري .

(41) في المطبوعة : "كأنه أراد : تأملني أنا ذلك ، فرأى أن"ذلك الكتاب" بمعنى"هذا" نظير ما أظهر خفاف من اسمه .

.

.

" ، وهو تغيير لا خبر فيه .

(42) في المطبوعة : "فلذلك أظهر ذلك .

.

" .

(43) الأثر 252 - سلام ، شيخ الطبري : لم أجد له ترجمة إلا في تاريخ بغداد 9 : 198 قال : "سلام بن سالم أبو مالك الخزاعي الضرير : حدث عن يزيد بن هارون ، وعمر بن سعيد التنوخي ، وموسى بن إبراهيم المروزي ، والفضل بن جبير الوراق .

روى عنه الحسين بن إسماعيل المحاملي" .

ليس غير .

وأما شيخ سلام في هذا الإسناد"خلف بن ياسين الكوفي" : فلم أجد إلا ترجمة في الميزان 1 : 211 ولسان الميزان 2 : 405 لراو اسمه"خلف بن ياسين بن معاذ الزيات" ، وهو رجل سخيف كذاب ، لا يشتغل به .

لا أدري أهو هذا أم غيره؟

(44) هذه الآثار جميعًا 251 - 258 ساقها ابن كثير 1 : 71 ، وبعضها في الدر المنثور 1 : 24 ، والشوكاني 1 : 22 .

وقال ابن كثير بعد سياقتها : "قال ابن أبي حاتم : لا أعلم في هذا خلافًا" .

(45) ديوان الهذليين 1 : 232 ، واللسان (حصر) .

(46) الأثر 59 - بيان ، بفتح الباء الموحدة والياء التحتية المخففة : هو ابن بشر الأحمسي ، ثقة من الثقات ، كما قال أحمد .

وسفيان ، الراوي عنه : هو الثوري .

وهذا الأثر نقله السيوطي 1 : 24 ، ونسبه لوكيع والطبري .

(47) الخبر 260 - نقله ابن كثير 1 : 71 ، ونقله السيوطي 1 : 24 ، والشوكاني 1 : 22 مع الخبر الآتي 263 ، جعلاه خبرًا واحدًا ، وذكراه عن ابن مسعود فقط .

(48) حجه يحجه فهو محجوج : غلبه بالحجة فهو مغلوب .

(49) يريد بقوله"لمعنى القطع" ، أن يقطع عن نعت الكتاب ، ويصير حالا .

(50) يعني بصاحب هذا القول ، الفراء في كتابه معاني القرآن 1 : 10 .

(51) في المطبوعة والمخطوطة"ذلك لا شك فيه" ، والتصحيح من معاني القرآن للفراء 1 : 11 .

(52) في المطبوعة"فتنصبها" ، والتصحيح من المخطوطة ومعاني القرآن للفراء .

(53) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 11 - 12 .

(54) الآثار 261 - 266 ساقها جميعًا ابن كثير في تفسيره 1 : 71 - 72 ، وبعضها في الدر المنثور 1 : 24 ، والشوكاني 1 : 22 .

(55) في المطبوعة : "وذلك أن الله عز وجل إنما وصفهم" ، ولا فائدة من زيادة"إنما" .

ثم جاء في المخطوطة والمطبوعة : "فلم يحصر تقواهم إياه على بعضها من أهل منهم دون بعض"؛ وهو كلام مختلط ، وصوابه ما أثبته ، وهو معنى الكلام كما ترى بعد .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ذلك الكتاب قيل : المعنى هذا الكتاب .

و ذلك قد تستعمل في الإشارة إلى حاضر ، وإن كان موضوعا للإشارة إلى غائب ; كما قال تعالى في الإخبار عن نفسه جل وعز : ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم ; ومنه قول خفاف بن ندبة : أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافا إنني أنا ذلكاأي أنا هذا .

ف ( ذلك ) إشارة إلى القرآن ، موضوع موضع هذا ، تلخيصه : الم هذا الكتاب لا ريب فيه .

وهذا قول أبي عبيدة وعكرمة وغيرهما ; ومنه قوله تعالى : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق أي هذه ; لكنها لما انقضت صارت كأنها بعدت فقيل تلك .

وفي البخاري " وقال معمر : ذلك الكتاب هذا القرآن " .

هدى للمتقين بيان ودلالة ; كقوله : ذلكم حكم الله يحكم بينكم هذا حكم الله .قلت : وقد جاء " هذا " بمعنى " ذلك " ; ومنه قوله عليه السلام في حديث أم حرام : يركبون ثبج هذا البحر أي ذلك البحر ; والله أعلم .

وقيل : هو على بابه إشارة إلى غائب .واختلف في ذلك الغائب على أقوال عشرة ; فقيل : ذلك الكتاب أي الكتاب الذي كتبت على الخلائق بالسعادة والشقاوة والأجل والرزق .

لا ريب فيه ; أي لا مبدل له .

وقيل : ذلك الكتاب ; أي الذي كتبت على نفسي في الأزل أن رحمتي سبقت غضبي .

وفي [ ص: 154 ] صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده : أن رحمتي تغلب غضبي في رواية : ( سبقت ) .

وقيل : إن الله تعالى قد كان وعد نبيه عليه السلام أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء ; فأشار إلى ذلك الوعد كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال : إنما بعثتك ; لأبتليك وأبتلي بك ، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان الحديث .وقيل : الإشارة إلى ما قد نزل من القرآن بمكة .وقيل : إن الله تبارك وتعالى لما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم بمكة : إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مستشرفا لإنجاز هذا الوعد من ربه عز وجل ; فلما أنزل عليه بالمدينة : الم .

ذلك الكتاب لا ريب فيه كان فيه معنى هذا القرآن الذي أنزلته عليك بالمدينة ، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك بمكة .وقيل : إن ذلك إشارة إلى ما في التوراة والإنجيل .

و ( الم ) اسم للقرآن ; والتقدير هذا القرآن ذلك الكتاب المفسر في التوراة والإنجيل ; يعني أن التوراة والإنجيل يشهدان بصحته ويستغرق ما فيهما ويزيد عليهما ما ليس فيهما .وقيل : إن ذلك الكتاب إشارة إلى التوراة والإنجيل كليهما ; والمعنى : الم ذانك الكتابان أو مثل ذينك الكتابين ; أي : هذا القرآن جامع لما في ذينك الكتابين ; فعبر ب ( ذلك ) عن الاثنين بشاهد من القرآن ; قال الله تبارك وتعالى : إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك أي عوان بين تينك : الفارض والبكر ; وسيأتي .وقيل : إن ذلك إشارة إلى اللوح المحفوظ .وقال الكسائي : ذلك إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد .وقيل : إن الله تعالى قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم كتابا ; فالإشارة إلى ذلك الوعد .

قال المبرد : المعنى هذا القرآن ذلك الكتاب [ ص: 155 ] الذي كنتم تستفتحون به على الذين كفروا .وقيل : إلى حروف المعجم في قول من قال : ( الم ) الحروف التي تحديتكم بالنظم منها .والكتاب مصدر من كتب يكتب إذا جمع ; ومنه قيل : كتيبة ; لاجتماعها .

وتكتبت الخيل صارت كتائب .

وكتبت البغلة : إذا جمعت بين شفري رحمها بحلقة أو سير ; قال :لا تأمنن فزاريا حللت بهعلى قلوصك واكتبها بأسياروالكتبة ( بضم الكاف ) : الخرزة ، والجمع كتب .

والكتب : الخرز .

قال ذو الرمة :وفراء غرفية أثأى خوارزها مشلشل ضيعته بينها الكتبوالكتاب : هو خط الكاتب حروف المعجم مجموعة أو متفرقة ; وسمي كتابا وإن كان مكتوبا ; كما قال الشاعر :تؤمل رجعة مني وفيها كتاب مثل ما لصق الغراءوالكتاب : الفرض والحكم والقدر ; قال الجعدي :يا بنة عمي كتاب الله أخرجني عنكم وهل أمنعن الله ما فعلاقوله تعالى : لا ريب نفي عام ; ولذلك نصب الريب به .

وفي الريب ثلاثة معان : أحدها : الشك ; قال عبد الله بن الزبعرى :ليس في الحق يا أميمة ريب إنما الريب ما يقول الجهولوثانيها : التهمة ; قال جميل :بثينة قالت يا جميل أربتني فقلت كلانا يا بثين مريبوثالثها : الحاجة ; قال [ كعب بن مالك ] :قضينا من تهامة كل ريبوخيبر ثم أجمعنا السيوفافكتاب الله تعالى لا شك فيه ولا ارتياب ; والمعنى : أنه في ذاته حق وأنه منزل من عند الله ، وصفة من صفاته ، غير مخلوق ولا محدث ، وإن وقع ريب للكفار .وقيل : هو خبر ومعناه النهي ; أي لا ترتابوا ، وتم الكلام كأنه قال ذلك الكتاب حقا .

وتقول : رابني هذا الأمر إذا أدخل عليك شكا وخوفا .

وأراب : صار ذا ريبة ; فهو مريب .

ورابني أمره .

وريب الدهر : صروفه .قوله تعالى : فيه هدى للمتقين فيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى : ( فيه ) الهاء في ( فيه ) في موضع خفض بفي ، وفيه خمسة أوجه ; أجودها : فيه هدى ويليه فيه هدى ( بضم الهاء بغير واو ) وهي قراءة الزهري وسلام أبي المنذر .

ويليه فيهي هدى ( بإثبات الياء ) وهي قراءة ابن كثير .

ويجوز فيهو هدى ( بالواو ) .

ويجوز فيه هدى ( مدغما ) وارتفع هدى على الابتداء والخبر " فيه " .

والهدى في كلام العرب معناه الرشد والبيان ، أي فيه كشف لأهل المعرفة ، ورشد ، وزيادة بيان وهدى .الثانية : الهدى هديان : هدى دلالة ، وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم ; قال الله تعالى : ولكل قوم هاد .

وقال : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه ; وتفرد هو سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق ، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : إنك لا تهدي من أحببت فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب ; ومنه قوله تعالى : أولئك على هدى من ربهم وقوله : ويهدي من يشاء والهدى : الاهتداء ، ومعناه راجع إلى معنى الإرشاد كيفما تصرفت .

قال أبو المعالي : وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها ; من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين : فلن يضل أعمالهم .

سيهديهم ومنه قوله تعالى : فاهدوهم إلى صراط الجحيم معناه فاسلكوهم إليها .الثالثة : الهدى لفظ مؤنث .

قال الفراء : بعض بني أسد تؤنث الهدى فتقول : هذه هدى حسنة .

وقال اللحياني : هو مذكر ; ولم يعرب لأنه مقصور والألف لا تتحرك ، ويتعدى بحرف وبغير حرف وقد مضى في " الفاتحة " ، تقول : هديته الطريق وإلى الطريق ، والدار وإلى الدار ; أي عرفته .

الأولى لغة أهل الحجاز ، والثانية حكاها الأخفش .

وفي التنزيل : اهدنا الصراط المستقيم و الحمد لله الذي هدانا لهذا وقيل : إن الهدى اسم من أسماء النهار ، لأن الناس يهتدون فيه لمعايشهم وجميع مآربهم ; ومنه قول ابن مقبل : حتى استبنت الهدى والبيد هاجمة يخشعن في الآل غلفا أو يصليناالرابعة : قوله تعالى : ( للمتقين ) خص الله تعالى المتقين بهدايته وإن كان هدى للخلق [ ص: 157 ] أجمعين تشريفا لهم ; لأنهم آمنوا وصدقوا بما فيه .

وروي عن أبي روق أنه قال : هدى للمتقين أي : كرامة لهم ; يعني إنما أضاف إليهم إجلالا لهم وكرامة لهم وبيانا لفضلهم .

وأصل ( للمتقين ) : للموتقيين بياءين مخففتين ، حذفت الكسرة من الياء الأولى لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين وأبدلت الواو تاء على أصلهم في اجتماع الواو والتاء وأدغمت التاء في التاء فصار للمتقين .الخامسة : التقوى يقال أصلها في اللغة قلة الكلام ; حكاه ابن فارس .قلت : ومنه الحديث التقي ملجم ، والمتقي فوق المؤمن والطائع وهو الذي يتقي بصالح عمله وخالص دعائه عذاب الله تعالى ، مأخوذ من اتقاء المكروه بما تجعله حاجزا بينك وبينه ; كما قال النابغة :سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليدوقال آخر : فألقت قناعا دونه الشمس واتقتبأحسن موصولين كف ومعصموخرج أبو محمد عبد الغني الحافظ من حديث سعيد بن زربي أبي عبيدة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود قال : قال يوما لابن أخيه : يابن أخي ترى الناس ما أكثرهم ؟

قال : نعم ; قال : لا خير فيهم إلا تائب أو تقي ثم قال : يابن أخي ترى الناس ما أكثرهم ؟

قلت : بلى ; قال : لا خير فيهم إلا عالم أو متعلم .

وقال أبو يزيد البسطامي : المتقي من إذا قال قال لله ، ومن إذا عمل عمل لله .

وقال أبو سليمان الداراني : المتقون الذين نزع الله عن قلوبهم حب الشهوات .

وقيل : المتقي الذي اتقى الشرك وبرئ من النفاق .

قال ابن عطية : وهذا فاسد ; لأنه قد يكون كذلك وهو فاسق .

وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبيا عن التقوى ; فقال : هل أخذت طريقا ذا شوك ؟

قال : نعم : قال فما عملت فيه ؟

قال : تشمرت وحذرت ; قال : فذاك التقوى .

وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فنظمه :خل الذنوب صغيرهاوكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرةإن الجبال من الحصىالسادسة : التقوى فيها جمع الخير كله ، وهي وصية الله في الأولين والآخرين ، وهي خير [ ص: 158 ] ما يستفيده الإنسان ; كما قال أبو الدرداء وقد قيل له : إن أصحابك يقولون الشعر وأنت ما حفظ عنك شيء ; فقال :يريد المرء أن يؤتى مناه ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتي وماليوتقوى الله أفضل ما استفاداوروى ابن ماجه في سننه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته ، وإن نظر إليها سرته ، وإن أقسم عليها أبرته ، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله .

والأصل في التقوى : وقوى على وزن فعلى فقلبت الواو تاء من وقيته أقيه أي منعته ; ورجل تقي أي خائف ; أصله وقى ; وكذلك تقاة كانت في الأصل وقاة ; كما قالوا : تجاه وتراث ، والأصل وجاه ووراث .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وقوله { ذَلِكَ الْكِتَابُ } أي هذا الكتاب العظيم الذي هو الكتاب على الحقيقة, المشتمل على ما لم تشتمل عليه كتب المتقدمين والمتأخرين من العلم العظيم, والحق المبين.

فـ { لَا رَيْبَ فِيهِ } ولا شك بوجه من الوجوه، ونفي الريب عنه, يستلزم ضده, إذ ضد الريب والشك اليقين، فهذا الكتاب مشتمل على علم اليقين المزيل للشك والريب.

وهذه قاعدة مفيدة, أن النفي المقصود به المدح, لا بد أن يكون متضمنا لضدة, وهو الكمال, لأن النفي عدم, والعدم المحض, لا مدح فيه.

فلما اشتمل على اليقين وكانت الهداية لا تحصل إلا باليقين قال: { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } والهدى: ما تحصل به الهداية من الضلالة والشبه، وما به الهداية إلى سلوك الطرق النافعة.

وقال { هُدًى } وحذف المعمول, فلم يقل هدى للمصلحة الفلانية, ولا للشيء الفلاني, لإرادة العموم, وأنه هدى لجميع مصالح الدارين، فهو مرشد للعباد في المسائل الأصولية والفروعية, ومبين للحق من الباطل, والصحيح من الضعيف, ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم, في دنياهم وأخراهم.

وقال في موضع آخر: { هُدًى لِلنَّاسِ } فعمم.

وفي هذا الموضع وغيره { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } لأنه في نفسه هدى لجميع الخلق.فالأشقياء لم يرفعوا به رأسا.

ولم يقبلوا هدى الله, فقامت عليهم به الحجة, ولم ينتفعوا به لشقائهم، وأما المتقون الذين أتوا بالسبب الأكبر, لحصول الهداية, وهو التقوى التي حقيقتها: اتخاذ ما يقي سخط الله وعذابه, بامتثال أوامره, واجتناب النواهي, فاهتدوا به, وانتفعوا غاية الانتفاع.

قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا } فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية, والآيات الكونية.

ولأن الهداية نوعان: هداية البيان, وهداية التوفيق.

فالمتقون حصلت لهم الهدايتان, وغيرهم لم تحصل لهم هداية التوفيق.

وهداية البيان بدون توفيق للعمل بها, ليست هداية حقيقية [تامة].

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {ذلك الكتاب}: أي هذا الكتاب وهو القرآن، وقيل: هذا فيه مضمر أي هذا ذلك الكتاب.

قال الفراء: "كان الله قد وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء ولا يخلق عن كثرة الرد فلما أنزل القرآن قال هذا (ذلك) الكتاب الذي وعدتك أن أنزله عليك في التوراة والإنجيل وعلى لسان النبيين من قبلك" و"هذا" للتقريب و"ذلك" للتبعيد.

وقال ابن كيسان: "إن الله تعالى أنزل قبل سورة البقرة سورا كَذَّب بها المشركون ثم أنزل سورة البقرة فقال: {ذلك الكتاب} يعني ما تقدم البقرة من السور لا شك فيه".

والكتاب: مصدر وهو بمعنى المكتوب؛ كما يقال للمخلوق خلق، وهذا الدرهم ضرب فلان أي مضروبه.

وأصل الكتب الضم والجمع، ويقال للجند كتيبة لاجتماعها، وسمي الكتاب كتابا لأنه جمع حرف إلى حرف.

قوله تعالى: {لا ريب فيه}: أي لا شك فيه أنه من عند الله عز وجل وأنه الحق والصدق، وقيل: "هو خبر بمعنى النهي أي لا ترتابوا فيه، كقوله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق} [197 - البقرة] أي لا ترفثوا ولا تفسقوا".

قرأ ابن كثير: فيه بالإشباع في الوصل وكذلك كل هاء كناية قبلها ساكن يشبعها وصلا ما لم يلقها ساكن ثم إن كان الساكن قبل الهاء ياء يشبعها بالكسرة ياء وإن كان غير ياء يشبعها بالضم واوا، ووافقه حفص في قوله: {فيه مهانا} [69 - الفرقان] (فيشبعه).

قوله تعالى: {هدى للمتقين}: يدغم الغنة عند اللام والراء أبو جعفر وابن كثير وحمزة والكسائي، زاد حمزة والكسائي عند الياء وزاد حمزة عند الواو والآخرون لا يدغمونها ويُخْفي أبو جعفر النون والتنوين عند الخاء والغين.

{هدى للمتقين}: أي هو هدى أي رشد وبيان لأهل التقوى، وقيل: هو نصب على الحال أي هادياً تقديره لا ريب في هدايته للمتقين.

و(الهدى) ما يهتدي به الإنسان، (للمتقين) أي للمؤمنين.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: "المتقي من يتقي الشرك والكبائر والفواحش" وهو مأخوذ من الاتقاء، وأصله الحجز بين الشيئين، ومنه يقال: اتقى بترسه أي جعله حاجزاً بين نفسه وبين ما يقصده.

وفي الحديث: (( كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم )) أي إذا اشتد الحرب جعلناه حاجزاً بيننا وبين العدو، فكأن المتقي يجعل امتثال أمر الله والاجتناب عما نهاه حاجزاً بينه وبين العذاب.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لكعب الأحبار: "حدثني عن التقوى، فقال: هل أخذت طريقاً ذا شوك قال: نعم، قال: فما عملت فيه، قال: حذرت وشمرت، قال كعب: ذلك التقوى".

وقال شهر بن حوشب: "المتقي الذي يترك ما لا بأس به حذراً لما به بأس".

وقال عمر بن عبد العزيز: "التقوى ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فما رزق الله بعد ذلك فهو خير إلى خير".

وقيل هو الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ وفي الحديث: ((جماع التقوى في قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان..

} [90-النحل] الآية)).

وقال ابن عمر: "التقوى أن لا ترى نفسك خيراً من أحد".

وتخصيص المتقين بالذكر تشريف لهم أو لأنهم هم المتقون بالهدى.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذلك» أي هذا «الكتاب» الذي يقرؤه محمد «لا ريب» لا شك «فيه» أنه من عند الله وجملة النفي خبر مبتدؤه ذلك والإشارة به للتعظيم «هدىً» خبر ثان أي هاد «للمتقين» الصائرين إلى التقوى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي لاتقائهم بذلك النار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ذلك القرآن هو الكتاب العظيم الذي لا شَكَّ أنه من عند الله، فلا يصح أن يرتاب فيه أحد لوضوحه، ينتفع به المتقون بالعلم النافع والعمل الصالح وهم الذين يخافون الله، ويتبعون أحكامه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم قال - تعالى - : ( ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) .( ذَلِكَ ) اسم إشارة واللام للبعد حقيقة في الحس ، مجازاً في الرتبة ، والكاف للخطاب ، والمشار إليه - على الراجح - الكتاب الموعود به صلى الله عليه وسلم في قوله - تعالى - ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ) قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أخبرني عن تأليف ( ذَلِكَ الكتاب ) مع ( الاما ) قلت : إن جعلت ( الاما ) اسماً للسورة ففي التأليف وجوه .

أن يكون ( الاما ) مبتدأ و ( ذَلِكَ ) مبتدأ ثانياً ، و ( الكتاب ) خبره .

والجملة خبر المبتدأ الأول .ومعناه أن ذلك الكتاب هو الكتاب الكامل ، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص ، وأنه الذي يستأهل أن يسمى كتاباً ، كما تقول : هو الرجل ، أي : الكامل في الرجولية ، الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال .وإن جعلت ( الاما ) بمنزلة الصوت ، كان " ذلك " مبتدأ خبره " الكتاب " ، أي : ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل ..

.

اه ملخصاً .وقيل : المشار إليه ( الاما ) على أنه اسم للسورة والمراد المسمى .و ( الكتاب ) مصدر كتب كالكتب ، وأصل الكتب ضم أديم إلى أديم بالخياطة ، واستعمل عرفا في ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط ، وأريد به هنا المنظوم عبارة قبل أن تنظم حروفه التي يتألف منها في الخط ، تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه .و ( الريب ) في الأصل مصدر رابه الأمر إذا حصل عنده فيه ريبة ، وحقيقة الريبة ، قلق النفس واضطرابها ، ثم استعمل في معنى الشك مطلقاً .

وقال ابن الأثير : الريب هو الشك مع التهمة .و ( هدى ) .

مصدر هداه هدى وهداية وهدية - بكسرها - فهدى ، ومعناه الدلالة الموصلة إلى البغية ، وضده الضلال .و ( المتقون ) جمع متق ، اسم فاعل من اتقى وأصله أوتقى - بوزن افتعل - من وقى الشيء وقاية ، أي : صانه وحفظه مما يضره ويؤذيه .والمعنى : ذلك الكتاب الكامل ، وهو القرآن الكريم ، ليس محلا لأن يرتاب عاقل أو منصف في أنه منزل من عند الله ، وأنه هداية وإرشاد للمتقين الذين يجتنبون كل مكروه من قول أو فعل حتى يصونوا أنفسهم عما يضرها ويؤذيها .وكانت الإشارة بصيغة البعيد ، لأنه سامى المنزلة أينما توجهت إليه ، فإن نظرت إليه ناحية تراكيبه فهو معجز للبلغاء ، وإن نظرت إليه من ناحية معانية فهو فوق مدارك الحكماء ، وإن نظرت إليه من ناحية قصصه وتاريخه فهو أصدق محدث عن الماضين ، وأدق محدد لتاريخ السابقين ، فلا جرم أن كانت الإشارة في الآية باستعمال اسم الإشارة للبعيد لإظهار رفعة شأن هذا القرآن ، وقد شاع في كلام البلغاء تمثل الأمر الشريف بالشيء المرفوع في عزة المنال ، لأن الشيء النفيس عزيز على أهله ، فمن العادة أن يجعلوه في مكان مرتفع بعيد عن الأيدي .وصحت الإشارة إلى الكتاب وهو لم ينزل كله بعد ، لأن الإشارة إلى بعضه كالإشارة إلى الكل حيث كان بصدد الإنزال ، فهو حاضر في الأذهان ، فشبه بالحاضر في العيان .ونفى عنه الريب على سبيل الاستغراق مع وقوع الريب فيه من المشركين حيث وصفوه بأنه أساطير الأولين ، لأنه لروعة حكمته ، وسطوع حجته ، لا يرتاب ذو عقل متدبر في كونه وحياً سماوياً ، ومصدر هداية وإصلاح .فالجملة الكريمة تنفى الريب في القرآن عمن شأنهم أن يتدبروه ، ويقبلوا على النظر فيه بروية ، ومن ارتاب في القرآن فلأنه لم يقبل عليه بأذن واعية ، أو بصيرة نافذة ، أو قلب سليم .وقدم جملة ( لاَ رَيْبَ فِيهِ ) على جملة ( هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) لأنه أراد أن ينفى عن ساحة كونه كتاباً هادياً غبار الريب ، وغيوم الشكوك ، حتى يستقر في النفوس وصفه ، وتطمئن القلوب لآثاره ومقاصده وهداياته .وفصل جملة ( لاَ رَيْبَ فِيهِ ) عما قبلها لكمال الاتصال ، حيث كانت جملة ( ذَلِكَ الكتاب ) مفيدة لكماله ، وجملة ( لاَ رَيْبَ فِيهِ ) مفيدة لنفي الريب عنه .والمراد بكونه ( هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) مع أنه هداية لهم ولغيرهم ، لأنهم هم المنتفعون به دون سواهم .قال تعالى : ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لاَ يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ) ومعنى كونه هدى لهم أنه يزيدهم هدى على ما لديهم من الهدى كما قال - تعالى - :( والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ ) ويصح أن يكون المعنى : هدى للناس الذين صاروا متقين بهذه الهداية ، كما أقول : هديت مهتديا ، أو كتبت مكتوبا ، على معنى أني هديت شخصاً صار مهدياً بهذه الهداية ، وكتبت خطاباً صار مكتوباً بهذه الكتابة ، وهو أسلوب عربي صحيح .

كما ورد في حديث " من قتل قتيلا فله سلبه " .قال صاحب الكشاف : ومحل ( هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) الرفع ، لأنه خبر مبتدأ محذوف ، أو خبر مع ( لاَ رَيْبَ فِيهِ ) ل " ذلك " .

.

.

والذي هو أرسخ عرقاً في البلاعة أن يضرب عن هذه المحال صفحاً ، وأن يقال : إن قوله ( الاما ) جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة برأسها .و ( ذَلِكَ الكتاب ) جملة ثانية .

و ( لاَ رَيْبَ فِيهِ ) ثالثة .

( هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) رابعة .

وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن النظم ، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير نسق ، وذلك لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بعنق بعض .

فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها ، وهلم جراً إلى الثالثة والرابعة : بيان ذلك أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدى به ، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال .

فكان تقريراً لجهة التحدى ، وشدا من أعضاده ثم نفى عنه أن يتشبث به من طرف الريب ، فكان شهادة وتسجيلا بكماله .

لأنه لا كمال أكمل من الحق واليقين .

ولا نقص أنقص ما للباطل والشبه .وقيل لبعض العلماء : فيم لذتك؟

فقال : في حجة تتبختر اتضاحاً ، وفي شبهة تتضاءل افتضاحاً .

ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين ، فقرر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله ، وحقاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ثم لم تخل كل واحدة من الأربع - بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق - من نكتة ذات جزالة .

ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه .

وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة ، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف ، وفي الرابعة الحذف .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ ذلك الكتاب ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: المشار إليه هاهنا حاضر، وذلك اسم مبهم يشار به إلى البعيد، والجواب عنه من وجهين: الأول: لا نسلم أن المشار إليه حاضر، وبيانه من وجوه: أحدها: ما قاله الأصم: وهو أن الله تعالى أنزل الكتاب بعضه بعد بعض، فنزل قبل سورة البقرة سور كثيرة، وهي كل ما نزل بمكة مما فيه الدلالة على التوحيد وفساد الشرك وإثبات النبوة وإثبات المعاد، فقوله: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى تلك السور التي نزلت قبل هذه السورة، وقد يسمى بعض القرآن قرآناً، قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئ القرءان فاستمعوا لَهُ  ﴾ وقال حاكياً عن الجن ﴿ إنا سمعنا قرآناً عجباً  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا كتابا أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى  ﴾ وهم ما سمعوا إلا البعض، وهو الذي كان قد نزل إلى ذلك الوقت.

وثانيها: أنه تعالى وعد رسوله عند مبعثه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماحي، وهو عليه السلام أخبر أمته بذلك وروت الأمة ذلك عنه، ويؤيده قوله: ﴿ إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً  ﴾ وهذا في سورة المزمل، وهي إنما نزلت في ابتداء المبعث.

وثالثها: أنه تعالى خاطب بني إسرائيل، لأن سورة البقرة مدنية، وأكثرها احتجاج على بني إسرائيل، وقد كانت بنو إسرائيل أخبرهم موسى وعيسى عليهما السلام أن الله يرسل محمداً صلى الله عليه وسلم وينزل عليه كتاباً فقال تعالى: ﴿ ذلك الكتاب ﴾ أي الكتاب الذي أخبر الأنبياء المتقدمون بأن الله تعالى سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل.

ورابعها: أنه تعالى لما أخبر عن القرآن بأنه في اللوح المحفوظ بقوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِي أُمّ الكتاب لَدَيْنَا  ﴾ وقد كان عليه السلام أخبر أمته بذلك، فغير ممتنع أن يقول تعالى: ﴿ ذلك الكتاب ﴾ ليعلم أن هذا المنزل هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ.

وخامسها: أنه وقعت الإشارة بذلك إلى ألم بعد ما سبق التكلم به وانقضى، والمنقضى في حكم المتباعد.

وسادسها: أنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد البعد، كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئاً احتفظ بذلك.

وسابعها: أن القرآن لما اشتمل على حكم عظيمة وعلوم كثيرة يتعسر اطلاع القوة البشرية عليها بأسرها والقرآن وإن كان حاضراً نظراً إلى صورته لكنه غائب نظراً إلى أسراره وحقائقه فجاز أن يشار إليه كما يشار إلى البعيد الغائب.

ذلك يشار بها للقريب والبعيد: المقام الثاني: سلمنا أن المشار إليه حاضر، لكن لا نسلم أن لفظة ذلك لا يشار بها إلا إلى البعيد، بيانه أن ذلك، وهذا حرفاً إشارة، وأصلهما ذا؛ لأنه حرف للإشارة، قال تعالى: ﴿ مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا  ﴾ ومعنى ها تنبيه، فإذا قرب الشيء أشير إليه فقيل: هذا، أي تنبه أيها المخاطب لما أشرت إليه فإنه حاضر لك بحيث تراه، وقد تدخل الكاف على ذا للمخاطبة واللام لتأكيد معنى الإشارة فقيل: ذلك فكأن المتكلم بالغ في التنبيه لتأخر المشار إليه عنه، فهذا يدل على أن لفظة ذلك لا تفيدالبعد في أصل الوضع، بل اختص في العرف بالإشارة إلى البعيد للقرينة التي ذكرناها، فصارت كالدابة، فإنها مختصة في العرف بالفرس، وإن كانت في أصل الوضع متناولة لكل ما يدب على الأرض، وإذا ثبت هذا فنقول: إنا نحمله هاهنا على مقتضى الوضع اللغوي، لا على مقتضى الوضع العرفي وحينئذٍ لا يفيد البعد؛ ولأجل هذه المقاربة يقام كل واحد من اللفظين مقام الآخر قال تعالى: ﴿ واذكر عِبَادَنَا إبراهيم وإسحاق  ﴾ إلى قوله- ﴿ وَكُلٌّ مّنَ الأخيار  ﴾ ثم قال: ﴿ هذا ذِكْرُ  ﴾ وقال: ﴿ وَعِندَهُمْ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ  هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ  ﴾ وقال: ﴿ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ  ﴾ وقال: ﴿ فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلْءَاخِرَةِ وَٱلْأُولَىٰٓ  إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰٓ  ﴾ وقال: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصالحون  ﴾ ثم قال: ﴿ إِنَّ فِي هذا لبلاغا لّقَوْمٍ عابدين  ﴾ وقال: ﴿ فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كذلك يحيى الله الموتى  ﴾ أي هكذا يحيى الله الموتى، وقال: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى  ﴾ أي ما هذه التي بيمينك والله أعلم.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: لم ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث، وهو السورة، الجواب: لا نسلم أن المشار إليه مؤنث؛ لأن المؤنث إما المسمى أو الاسم، والأول باطل، لأن المسمى هو ذلك البعض من القرآن وهو ليس بمؤنث، وأما الاسم فهو (آلم) وهو ليس بمؤنث، نعم ذلك المسمى له اسم آخر وهو السورة وهو مؤنث، لكن المذكور السابق هو الاسم الذي ليس بمؤنث وهو (آلم)، لا الذي هو مؤنث وهو السورة.

مدلول لفظ كتاب: المسألة الثالثة: اعلم أن أسماء القرآن كثيرة: أحدها: الكتاب وهو مصدر كالقيام والصيام وقيل: فعال بمعنى مفعول كاللباس بمعنى الملبوس، واتفقوا على أن المراد من الكتاب القرآن قال: ﴿ كِتَابٌ أنزلناه إِلَيْكَ  ﴾ والكتاب جاء في القرآن على وجوه: أحدها: الفرض ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص  ﴾ ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام  ﴾ ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً  ﴾ .

وثانيها: الحجة والبرهان ﴿ فَأْتُواْ بكتابكم إِن كُنتُمْ صادقين  ﴾ أي برهانكم.

وثالثها: الأجل ﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ  ﴾ أي أجل.

ورابعها: بمعنى مكاتبة السيد عبده ﴿ والذين يَبْتَغُونَ الكتاب مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم  ﴾ وهذا المصدر فعال بمعنى المفاعلة كالجدال والخصام والقتال بمعنى المجادلة والمخاصمة والمقاتلة، واشتقاق الكتاب من كتبت الشيء إذا جمعته، وسميت الكتيبة لاجتماعها، فسمي الكتاب كتاباً لأنه كالكتيبة على عساكر الشبهات، أو لأنه اجتمع فيه جميع العلوم، أو لأن الله تعالى ألزم فيه التكاليف على الخلق.

اشتقاق لفظ قرآن: وثانيها: القرآن ﴿ قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان  ﴾ ﴿ إِنَّا جعلناه قُرْءاناً عَرَبِيّاً  ﴾ ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القرآن  ﴾ .

﴿ إِنَّ هذا القرءان يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ  ﴾ وللمفسرين فيه قولان: أحدهما: قول ابن عباس أن القرآن والقراءة واحد، كالخسران والخسارة واحد، والدليل عليه قوله: ﴿ فَإِذَا قرأناه فاتبع قُرْءانَهُ  ﴾ أي تلاوته، أي إذا تلوناه عليك فاتبع تلاوته: الثاني: وهو قول قتادة أنه مصدر من قول القائل: قرأت الماء في الحوض إذا جمعته، وقال سفيان بن عيينة: سمي القرآن قرآناً لأن الحروف جمعت فصارت كلمات، والكلمات جمعت فصارت آيات، والآيات جمعت فصارت سوراً، والسور جمعت فصارت قرآناً، ثم جمع فيه علوم الأولين والآخرين.

فالحاصل أن اشتقاق لفظ القرآن إما من التلاوة أو من الجمعية.

معنى الفرقان: وثالثها: الفرقان ﴿ تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ  ﴾ .

﴿ وبينات مِّنَ الهدى والفرقان  ﴾ واختلفوا في تفسيره، فقيل: سمي بذلك لأن نزوله كان متفرقاً أنزله في نيف وعشرين سنة، ودليله قوله تعالى: ﴿ وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ ونزلناه تَنْزِيلاً  ﴾ ونزلت سائر الكتب جملة واحدة، ووجه الحكمة فيه ذكرناه في سورة الفرقان في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك  ﴾ وقيل: سمي بذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والمجمل والمبين، والمحكم والمؤول، وقيل: الفرقان هو النجاة، وهو قول عكرمة والسدي، وذلك لأن الخلق في ظلمات الضلالات فبالقرآن وجدوا النجاة، وعليه حمل المفسرون قوله: ﴿ وَإِذْ آتينا مُوسَى الكتاب والفرقان لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  ﴾ .

معنى تسميته بالذكر: ورابعها: الذكر، والتذكرة، والذكرى، أما الذكر فقوله: ﴿ وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أنزلناه  ﴾ ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر  ﴾ .

﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ  ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أنه ذكر من الله تعالى ذكر به عباده فعرفهم تكاليفه وأوامره.

والثاني: أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به، وأنه شرف لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأمته، وأما التذكرة فقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لّلْمُتَّقِينَ  ﴾ وأما الذكرى فقوله تعالى: ﴿ وَذَكّرْ فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين  ﴾ .

تسميته تنزيلاً وحديثاً: وخامسها: التنزيل ﴿ وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ  نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ  ﴾ .

وسادسها: الحديث ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كتابا  ﴾ سماه حديثاً؛ لأن وصوله إليك حديث، ولأنه تعالى شبهه بما يتحدث به، فإن الله خاطب به المكلفين.

وسابعها: الموعظة ﴿ يا أيها الناس قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ  ﴾ وهو في الحقيقة موعظة لأن القائل هو الله تعالى، والآخذ جبريل، والمستملي محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف لا تقع به الموعظة.

تسميته بالحكم والحكمة: وثامنها: الحكم، والحكمة، والحكيم، والمحكم، أما الحكم فقوله: ﴿ وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيّا  ﴾ وأما الحكمة فقوله: ﴿ حِكْمَةٌ بالغة  ﴾ ﴿ واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءايات الله والحكمة  ﴾ وأما الحكيم فقوله: ﴿ يسٓ  وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ  ﴾ وأما المحكم فقوله: ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءاياته  ﴾ .

معنى الحكمة: واختلفوا في معنى الحكمة، فقال الخليل: هو مأخوذ من الإحكام والإلزام، وقال المؤرخ: هو مأخوذ من حكمة اللجام؛ لأنها تضبط الدابة، والحكمة تمنع من السفه.

وتاسعها: الشفاء ﴿ وَنُنَزّلُ مِنَ القرءان مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَشِفَاء لِمَا فِي الصدور ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أنه شفاء من الأمراض.

والثاني: أنه شفاء من مرض الكفر، لأنه تعالى وصف الكفر والشك بالمرض، فقال: ﴿ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ  ﴾ وبالقرآن يزول كل شك عن القلب، فصح وصفه بأنه شفاء.

كونه هدي وهادياً: وعاشرها: الهدى، والهادي: أما الهدى فلقوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ .

﴿ هُدًى لّلنَّاسِ  ﴾ .

﴿ وَشِفَاء لِمَا فِي الصدور وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ وأما الهادي ﴿ إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ  ﴾ وقالت الجن: ﴿ قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا  يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا  ﴾ .

الحادي عشر: الصراط المستقيم: قال ابن عباس في تفسيره: إنه القرآن، وقال: ﴿ وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه ﴾ .

والثاني عشر: الحبل: ﴿ واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً  ﴾ في التفسير: إنه القرآن، وإنما سمي به لأن المعتصم به في أمور دينه يتخلص به من عقوبة الآخرة ونكال الدنيا، كما أن المتمسك بالحبل ينجو من الغرق والمهالك، ومن ذلك سماه النبي صلى الله عليه وسلم عصمة فقال: إن هذا القرآن عصمة لمن اعتصم به لأنه يعصم الناس من المعاصي.

الثالث عشر: الرحمة ﴿ وَنُنَزّلُ مِنَ القرءان مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ وأي رحمة فوق التخليص من الجهالات والضلالات.

تسميته بالروح: الرابع عشر: الروح ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا  ﴾ .

﴿ يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ  ﴾ وإنما سمي به لأنه سبب لحياة الأرواح، وسمي جبريل بالروح ﴿ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا  ﴾ وعيسى بالروح ﴿ ألقاها إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ  ﴾ .

الخامس عشر: القصص ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص  ﴾ سمي به لأنه يجب اتباعه ﴿ وَقَالَتْ لأخْتِهِ قُصّيهِ  ﴾ أي اتبعي أثره؛ أو لأن القرآن يتتبع قصص المتقدمين، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق  ﴾ .

السادس عشر: البيان، والتبيان، والمبين: أما البيان فقوله: ﴿ هذا بَيَانٌ لّلنَّاسِ  ﴾ والتبيان فهو قوله: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا لّكُلّ شَيء  ﴾ وأما المبين فقوله: ﴿ تِلْكَ ءايَاتُ الكتاب المبين  ﴾ .

السابع عشر: البصائر ﴿ هذا بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ  ﴾ أي هي أدلة يبصر بها الحق تشبيهاً بالبصر الذي يرى طريق الخلاص.

الثامن عشر: الفصل ﴿ إِنَّهُۥ لَقَوْلٌ فَصْلٌ  وَمَا هُوَ بِٱلْهَزْلِ  ﴾ واختلفوا فيه، فقيل معناه القضاء، لأن الله تعالى يقضي به بين الناس بالحق قيل لأنه يفصل بين الناس يوم القيامة فيهدي قوماً إلى الجنة ويسوق آخرين إلى النار، فمن جعله إمامه في الدنيا قاده إلى الجنة، ومن جعله وراءه ساقه إلى النار.

تسميته بالنجوم: التاسع عشر: النجوم ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بمواقع النجوم  ﴾ ﴿ والنجم إِذَا هوى  ﴾ لأنه نزل نجماً نجماً.

العشرون: المثاني: ﴿ مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ  ﴾ قيل لأنه ثنى فيه القصص والأخبار.

تسميه القرآن نعمة وبرهانا: الحادي والعشرون: النعمة: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ  ﴾ قال ابن عباس يعني به القرآن.

الثاني والعشرون: البرهان ﴿ قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبّكُمْ  ﴾ وكيف لا يكون برهاناً وقد عجزت الفصحاء عن أن يأتوا بمثله.

الثالث والعشرون: البشير والنذير، وبهذا الاسم وقعت المشاركة بينه وبين الأنبياء قال تعالى في صفة الرسل: ﴿ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ  ﴾ وقال في صفة محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ إِنَّا أرسلناك شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً  ﴾ وقال في صفة القرآن في حام السجدة ﴿ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ  ﴾ يعني مبشراً بالجنة لمن أطاع وبالنار منذراً لمن عصى، ومن هاهنا نذكر الأسماء المشتركة بين الله تعالى وبين القرآن.

تسميته قيماً: الرابع والعشرون: القيم ﴿ قِيمَاً لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً  ﴾ والدين أيضاً قيم ﴿ ذلك الدين القيم  ﴾ والله سبحانه هو القيوم ﴿ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم  ﴾ وإنما سمي قيماً لأنه قائم بذاته في البيان والإفادة.

الخامس والعشرون: المهيمن ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ  ﴾ وهو مأخوذ من الأمين، وإنما وصف به لأنه من تمسك بالقرآن أمن الضرر في الدنيا والآخرة، والرب المهيمن أنزل الكتاب المهيمن على النبي الأمين لأجل قوم هم أمناء الله تعالى على خلقه كما قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس  ﴾ .

السادس والعشرون: الهادي ﴿ إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ  ﴾ وقال: ﴿ يَهْدِى إِلَى الرشد  ﴾ والله تعالى هو الهادي لأنه جاء في الخبر النور الهادي.

تسميته نوراً: السابع والعشرون: النور ﴿ الله نُورُ السموات والأرض  ﴾ وفي القرآن ﴿ واتبعوا النور الذي أُنزِلَ مَعَهُ  ﴾ يعني القرآن وسمي الرسول نورا ﴿ قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ وكتاب مُّبِين  ﴾ يعني محمد وسمي دينه نوراً ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم  ﴾ وسمي بيانه نوراً ﴿ أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام فَهُوَ على نُورٍ مّن رَّبّهِ  ﴾ وسمي التوراة نوراً ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ  ﴾ وسمي الإنجيل نوراً ﴿ وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور  ﴾ وسمي الإيمان نوراً ﴿ يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِم  ﴾ .

الثامن والعشرون: الحق: ورد في الأسماء الباعث الشهيد الحق والقرآن حق ﴿ وَإِنَّهُ لَحَقُّ اليقين  ﴾ فسماه الله حقاً؛ لأنه ضد الباطل فيزيل الباطل كما قال: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ  ﴾ أي ذاهب زائل.

التاسع والعشرون: العزيز ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم  ﴾ وفي صفة القرآن ﴿ وَإِنَّهُ لكتاب عَزِيزٌ  ﴾ والنبي عزيز ﴿ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ  ﴾ والأمة عزيزة.

﴿ وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ فرب عزيز أنزل كتاباً عزيزاً على نبي عزيز لأمة عزيزة، وللعزيز معنيان: أحدهما: القاهر، والقرآن كذلك؛ لأنه هو الذي قهر الأعداء وامتنع على من أراد معارضته.

والثاني: أن لا يوجد مثله.

تسمية القرآن بالكريم: الثلاثون: الكريم ﴿ إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كريم فِي كتاب مَّكْنُون  ﴾ واعلم أنه تعالى سمى سبعة أشياء بالكريم ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم  ﴾ إذ لا جواد إجود منه، والقرآن بالكريم، لأنه لا يستفاد من كتاب من الحكم والعلوم ما يستفاد منه، وسمى موسى كريماً ﴿ وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ  ﴾ وسمي ثواب الأعمال كريماً ﴿ فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ  ﴾ وسمي عرشه كريماً ﴿ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ رَبُّ العرش الكريم  ﴾ لأنه منزل الرحمة، وسمى جبريل كريماً ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ  ﴾ ومعناه أنه عزيز، وسمى كتاب سليمان كريماً ﴿ إِنّى أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ  ﴾ فهو كتاب كريم من رب كريم نزل به ملك كريم على نبي كريم لأجل أمة كريمة، فإذا تمسكوا به نالوا ثواباً كريماً.

ومن أسمائه العظيم: الحادي والثلاثون: العظيم: ﴿ وَلَقَدْ ءاتيناك سَبْعًا مّنَ المثاني والقرءان العظيم  ﴾ اعلم أنه تعالى سمى نفسه عظيماً فقال: ﴿ وَهُوَ العلى العظيم  ﴾ وعرشه عظيما ﴿ وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم  ﴾ وكتابه عظيماً ﴿ والقرآن العظيم  ﴾ ويوم القيامة عظيماً ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ  يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ  ﴾ والزلزلة عظيم ﴿ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيم  ﴾ والعلم عظيماً ﴿ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً  ﴾ وكيد النساء عظيماً ﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ  ﴾ وسحر سحرة فرعون عظيماً ﴿ وَجَاءو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ  ﴾ وسمي نفس الثواب عظيما ﴿ وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً  ﴾ وسمى عقاب المنافقين عظيماً ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ  ﴾ .

ومنها المبارك: الثاني والثلاثون: المبارك: ﴿ وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَك  ﴾ وسمى الله تعالى به أشياء، فسمي الموضع الذي كلم فيه موسى عليه السلام مباركاً ﴿ فِى البقعة المباركة مِنَ الشجرة  ﴾ وسمى شجرة الزيتون مباركة ﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مباركة زَيْتُونَةٍ  ﴾ لكثرة منافعها، وسمي عيسى مباركا ﴿ وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً  ﴾ وسمى المطر مباركاً ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السماء مَاء مباركا  ﴾ لما فيه من المنافع، وسمي ليلة القدر مباركة ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةٍ مباركة  ﴾ فالقرآن ذكر مبارك أنزله ملك مبارك في ليلة مباركة على نبي مبارك لأمة مباركة.

اتصال ألم بقوله ذلك الكتاب: المسألة الرابعة: في بيان اتصال قوله: ﴿ ألم ﴾ بقوله: ﴿ ذلك الكتاب ﴾ قال صاحب الكشاف: إن جعلت ﴿ ألم ﴾ اسماً للسورة ففي التأليف وجوه: الأول: أن يكون ﴿ ألم ﴾ مبتدأ و ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ ثانياً و ﴿ الكتاب ﴾ خبره والجملة خبر المبتدأ الأول، ومعناه أن ذلك هو الكتاب الكامل، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص، وإنه الذي يستأهل أن يكون كتاباً كما تقول: هو الرجل، أي الكامل في الرجولية الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال، وأن يكون الكتاب صفة، ومعناه هو ذلك الكتاب الموعود، وأن يكون ﴿ ألم ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذه ﴿ ألم ﴾ وَيَكُونَ ﴿ ذلك الكتاب ﴾ خبراً ثانياً أو بدلاً على أن الكتاب صفة، ومعناه هو ذلك، وأن تكون هذه ﴿ الم ﴾ جملة و ﴿ ذلك الكتاب ﴾ جملة أخرى وإن جعلت ﴿ الم ﴾ بمنزلة الصوت كان ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ الكتاب ﴾ أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل، أو الكتاب صفة والخبر ما بعده أو قدر مبتدأ محذوف، أي هو يعني المؤلف من هذه الحروف ذلك الكتاب وقرأ عبد الله: ﴿ الم تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ  ﴾ وتأليف هذا ظاهر.

تفسير قوله تعالى: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ : قوله تعالى: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: الريب قريب من الشك،.

وفيه زيادة، كأنه ظن سوء تقول رابني أمر فلان إذا ظننت به سوء، ومنها قوله عليه السلام: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» فإن قيل: قد يستعمل الريب في قولهم: ريب الدهر وريب الزمان أي حوادثه قال الله تعالى: ﴿ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون  ﴾ ويستعمل أيضاً في معنى ما يختلج في القلب من أسباب الغيظ كقول الشاعر: قضينا من تهامة كل ريب *** وخيبر ثم أجمعنا السيوفا قلنا: هذان قد يرجعان إلى معنى الشك، لأن ما يخاف من ريب المنون محتمل، فهو كالمشكوك فيه، وكذلك ما اختلج بالقلب فهو غير متيقن، فقوله تعالى: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ المراد منه نفي كونه مظنة للريب بوجه من الوجوه، والمقصود أنه لا شبهة في صحته، ولا في كونه من عند الله، ولا في كونه معجزاً.

ولو قلت: المراد لا ريب في كونه معجزاً على الخصوص كان أقرب لتأكيد هذا التأويل بقوله: ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا  ﴾ وها هنا سؤالان: السؤال الأول: طعن بعض الملحدة فيه فقال: إن عني أنه لا شك فيه عندنا فنحن قد نشك فيه، وإن عنى أنه لا شك فيه عنده فلا فائدة فيه.

الجواب: المراد أنه بلغ في الوضوح إلى حيث لا ينبغي لمرتاب أن يرتاب فيه، والأمر كذلك؛ لأن العرب مع بلوغهم في الفصاحة إلى النهاية عجزوا عن معارضة أقصر سورة من القرآن، وذلك يشهد بأنه بلغت هذه الحجة في الظهور إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه.

السؤال الثاني: لم قال هاهنا: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ وفي موضع آخر ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ  ﴾ ؟

الجواب: لأنهم يقدمون الأهم فالأهم، وهاهنا الأهم نفي الريب بالكلية عن الكتاب، ولو قلت: لا فيه ريب لأوهم أن هناك كتاباً آخر حصل الريب فيه لا هاهنا، كما قصد في قوله: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا، فإنها لا تغتال العقول كما تغتالها خمرة الدنيا السؤال الثالث: من أين يدل قوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ على نفي الريب بالكلية؟

الجواب: قرأ أبو الشعثاء ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ بالرفع.

واعلم أن القراءة المشهورة توجب ارتفاع الريب بالكلية، والدليل عليه أن قوله: ﴿ لاَ رَيْبَ ﴾ نفي لماهية الريب ونفي الماهية يقتضي نفي كل فرد من أفراد الماهية، لأنه لو ثبت فرد من أفراد الماهية لثبتت الماهية، وذلك يناقض نفي الماهية، ولهذا السر كان قولنا: لا إله إلا الله نفياً لجميع الآلهة سوى الله تعالى.

وأما قولنا: لا ريب فيه بالرفع فهو نقيض لقولنا: ريب فيه وهو يفيد ثبوت فرد واحد، فذلك النفي يوجب انتفاء جميع الأفراد ليتحقق التناقض.

الوقف على فيه: المسألة الثانية: الوقف على ﴿ فِيهِ ﴾ هو المشهور، وعن نافع وعاصم أنهما وقفا على ﴿ لاَ رَيْبَ ﴾ ولا بدّ للواقف من أن ينوي خبراً، ونظيره قوله: ﴿ قَالُواْ لاَ ضَيْرَ  ﴾ وقول العرب: لا بأس، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز؛ والتقدير: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ ﴿ فِيهِ هُدًى ﴾ .

واعلم أن القراءة الأولى أولى؛ لأن على القراءة الأولى يكون الكتاب نفسه هدى، وفي الثانية لا يكون الكتاب نفسه هدى بل يكون فيه هدى، والأول أولى لما تكرر في القرآن من أن القرآن نور وهدى والله أعلم.

حقيقة الهدى: قوله تعالى: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: في حقيقة الهدى: الهدى عبارة عن الدلالة، وقال صاحب (الكشاف): الهدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية، وقال آخرون: الهدى هو الاهتداء والعلم.

والذي يدل على صحة القول الأول وفساد القول الثاني والثالث أنه لو كان كون الدلالة موصلة إلى البغية معتبراً في مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء، لأن كون الدلالة موصلة إلى الاهتداء حال عدم الاهدتاء محال، لكنه غير ممتنع بدليل قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم فاستحبوا العمى عَلَى الهدى  ﴾ أثبت الهدى مع عدم الاهتداء، ولأنه يصح في لغة العرب أن يقال: هديته فلم يهتد، وذلك يدل على قولنا، واحتج صاحب الكشاف بأمور ثلاثة: أولها: وقوع الضلالة في مقابلة الهدى، قال تعالى: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى  ﴾ وقال: ﴿ لعلى هُدًى أوفِى ضلال مُّبِينٍ  ﴾ .

وثانيها: يقول مهدي في موضع المدح كمهتدي، فلو لم يكن من شرط الهدى كون الدلالة موصلة إلى البغية لم يكن الوصف بكونه مهدياً مدحاً لاحتمال أنه هدى فلم يهتد.

وثالثها: أن اهتدى مطاوع هدى يقال: هديته فاهتدى، كما يقال: كسرته فانكسر، وقطعته فانقطع فكما أن الإنكسار والانقطاع لا زمان للكسر والقطع، وجب أن يكون الاهتداء من لوازم الهدى.

والجواب عن الأول: أن الفرق بين الهدى وبين الاهتداء معلوم بالضرورة، فمقابل الهدى هو الإضلال ومقابل الاهتداء هو الضلال، فجعل الهدى في مقابلة الضلال ممتنع، وعن الثاني: أن المنتفع بالهدى سمي مهدياً، وغير منتفع به لا يسمى مهدياً؛ ولأن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت نازلة منزلة المعدوم.

وعن الثالث: أن الائتمار مطاوع الأمر يقال: أمرته فائتمر، ولم يلزم منه أن يكون من شرط كونه آمراً حصول الائتمار، فكذا هذا لا يلزم من كونه هدى أن يكون مفضياً إلى الاهتداء، على أنه معارض بقوله: هديته فلم يهتد، ومما يدل على فساد قول من قال الهدى هو العلم خاصة أن الله تعالى وصف القرآن بأنه هدى ولا شك أنه في نفسه ليس بعلم، فدل على أن الهدى هو الدلالة لا الاهتداء والعلم.

معنى المتقي: المسألة الثانية: المتقي في اللغة اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى، والوقاية فرط الصيانة، إذا عرفت هذا فنقول: إن الله تعالى ذكر المتقي هاهنا في معرض المدح، ومن يكون كذلك أولى بأن يكون متقياً في أمور الدنيا، بل بأن يكون متقياً فيما يتصل بالدين، وذلك بأن يكون آتياً بالعبادات محترزاً عن المحظورات.

واختلفوا في أنه هل يدخل اجتناب الصغائر في التقوى؟

فقال بعضهم: يدخل كما يدخل الصغائر في الوعيد، وقال آخرون: لا يدخل، ولا نزاع في وجوب التوبة عن الكل، إنما النزاع في أنه إذا لم يتوق الصغائر هل يستحق هذا الاسم؟

فروي عنه عليه السلام أنه قال: «لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به البأس».

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنهم الذين يحذرون من الله العقوبة في ترك ما يميل الهوى إليه، ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء منه.

واعلم أن التقوى هي الخشية، قال في أول النساء: ﴿ يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ  ﴾ ومثله في أول الحج، وفي الشعراء ﴿ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ  ﴾ يعني ألا تخشون الله، وكذلك قال هود وصالح، ولوط، وشعيب لقومهم، وفي العنكبوت قال إبراهيم لقومه ﴿ اعبدوا الله واتقوه  ﴾ يعني اخشوه، وكذا قوله: ﴿ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ  ﴾ ﴿ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى  ﴾ ﴿ واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا  ﴾ واعلم أن حقيقة التقوى وإن كانت هي التي ذكرناها إلا أنها قد جاءت في القرآن، والغرض الأصلي منها الإيمان تارة، والتوبة أخرى، والطاعة ثالثة، وترك المعصية رابعاً: والإخلاص خامساً: أما الإيمان فقوله تعالى: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى  ﴾ أي التوحيد ﴿ أولئك الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى  ﴾ وفي الشعراء ﴿ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ  ﴾ أي ألا يؤمنون وأما التوبة فقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءامَنُواْ واتقوا  ﴾ أي تابوا، وأما الطاعة فقوله في النحل: ﴿ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لا إله إِلا أَنَاْ فاتقون  ﴾ وفيه أيضاً: ﴿ أَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ  ﴾ وفي المؤمنين ﴿ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون  ﴾ وأما ترك المعصية فقوله: ﴿ وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها واتقوا الله  ﴾ أي فلا تعصوه، وأما الإخلاص فقوله في الحج: ﴿ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب  ﴾ أي من إخلاص القلوب، فكذا قوله: ﴿ وإياى فاتقون  ﴾ واعلم أن مقام التقوى مقام شريف قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم  ﴾ وعن ابن عباس قال عليه السلام: «من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق مما في يده».

وقال علي بن أبي طالب: التقوى ترك الإصرار عل المعصية، وترك الاغترار وبالطاعة.

قال الحسن: التقوى أن لا تختار عل الله سوى الله، وتعلم أن الأمور كلها بيد الله.

وقال إبراهيم بن أدهم: التقوى أن لا يجد الخلق في لسانك عيباً.

ولا الملائكة في أفعالك عيباً ولا ملك العرش في سرك عيباً وقال الواقدي: التقوى أن تزين سرك للحق كما زينت ظاهرك للخلق، ويقال: التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك، ويقال: المتقي من سلك سبيل المصطفى، ونبذ الدنيا وراء القفا، وكلف نفسه الإخلاص والوفا، واجتنب الحرام والجفا، ولو لم يكن للمتقي فضيلة إلا ما في قوله تعالى: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ كفاه، لأنه تعالى بين أن القرآن هدى للناس في قوله: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لّلنَّاسِ  ﴾ ثم قال هاهنا في القرآن: إنه هدى للمتقين، فهذا يدل على أن المتقين هم كل الناس، فمن لا يكون متقياً كأنه ليس بإنسان.

المسألة الثالثة: في السؤالات: السؤال الأول: كون الشيء هدى ودليلاً لا يختلف بحسب شخص دون شخص، فلماذا جعل القرآن هدى للمتقين فقط؟

وأيضاً فالمتقي مهتدي، والمهتدي لا يهتدي ثانياً والقرآن لا يكون هدى للمتقين.

الجواب: القرآن كما أنه هدى للمتقين ودلالة لهم على وجود الصانع، وعلى دينه وصدق رسوله، فهو أيضاً دلالة للكافرين.

إلا أن الله تعالى ذكر المتقين مدحاً ليبين أنهم هم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتبع الذكر  ﴾ وقد كان عليه السلام منذراً لكل الناس، فذكر هؤلاء الناس لأجل أن هؤلاء هم الذين انتفعوا بإنذاره.

وأما من فسر الهدى بالدلالة الموصلة إلى المقصود فهذا السؤال زائل عنه، لأن كون القرآن موصلاً إلى المقصود ليس إلا في حق المتقين.

السؤال الثاني: كيف وصف القرآن كله بأنه هدى وفيه مجمل ومتشابه كثير؛ ولولا دلالة العقل لما تميز المحكم عن المتشابه، فيكون الهدى في الحقيقة هو الدلالة العقلية لا القرآن، ومن هذا نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لابن عباس حين بعثه رسولاً إلى الخوارج.

لا تحتج عليهم بالقرآن، فإنه خصم ذو وجهين، ولو كان هدى لما قال علي بن أبي طالب ذلك فيه؛ ولأنا نرى جميع فرق الإسلام يحتجون به، ونرى القرآن مملوءاً من آيات بعضها صريح في الجبر وبعضها صريح في القدر، فلا يمكن التوفيق بينهما إلا بالتعسف الشديد، فكيف يكون هدى؟.

الجواب: أن ذلك المتشابه والمجمل لما لم ينفك عما هو المراد على التعيين وهو إما دلالة العقل أو دلالة السمع صار كله هدى.

السؤال الثالث: كل ما يتوقف صحة كون القرآن حجة على صحته لم يكن القرآن هدى فيه، فإذن استحال كون القرآن هدى في معرفة ذات الله تعالى وصفاته، وفي معرفة النبوة، ولا شك أن هذه المطالب أشرف المطالب، فإذا لم يكن القرآن هدى فيها فكيف جعله الله تعالى هدى على الإطلاق؟.

الجواب: ليس من شرط كونه هدى أن يكون هدى في كل شيء، بل يكفي فيه أن يكون هدى في بعض الأشياء، وذلك بأن يكون هدى في تعريف الشرائع، أو يكون هدى في تأكيد ما في العقول، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلق لا يقتضي العموم، فإن الله تعالى وصفه بكونه هدى من غير تقييد في اللفظ، مع أنه يستحيل أن يكون هدى في إثبات الصانع وصفاته وإثبات النبوة، فثبت أن المطلق لا يفيد العموم.

السؤال الرابع: الهدى هو الذي بلغ في البيان والوضوح إلى حيث بين غيره، والقرآن ليس كذلك، فإن المفسرين ما يذكرون آية إلا وذكروا فيها أقوالاً كثيرة متعارضة، وما يكون كذلك لا يكون مبيناً في نفسه فضلاً عن أن يكون مبيناً لغيره، فكيف يكون هدى؟

قلنا: من تكلم في التفسير بحيث يورد الأقوال المتعارضة، ولا يرجح واحداً منها على الباقي يتوجه عليه هو هذا السؤال، وأما نحن فقد رجحنا واحداً على البواقي بالدليل فلا يتوجه علينا هذا السؤال.

المسألة الرابعة: قال صاحب الكشاف: محل ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ الرفع؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف أو خبر مع ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ ﴿ لذلك ﴾ أو مبتدأ إذا جعل الظرف المتقدم خبراً عنه، ويجوز أن ينصب على الحال، والعامل فيه الإشارة، أو الظرف، والذي هو أرسخ عرقاً في البلاغة أن يضرب عن هذا المجال صفحاً، وأن يقال: إن قوله: ﴿ الم ﴾ جملة برأسها، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها، و ﴿ ذلك الكتاب ﴾ جملة ثانية، و ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ ثالثة و ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ رابعة وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن النظم، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق، وذلك لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بعنق بعض، والثانية متحدة بالأولى وهلم جراً إلى الثالثة، والرابعة.

بيانه: أنه نبه أولاً على أنه الكلام المتحدى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال فكان تقرير الجهة التحدي، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب، فكان شهادة بكماله ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين، فقرر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله، ثم لم يخل كل واحدة من هذه الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق من نكتة، ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر الذي هو هدى موضع الوصف الذي هو هادٍ، وإيراده منكراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: لم صحت الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد؟

قلت: وقعت الإشارة إلى الم بعد ما سبق التكلم به وتقضى، والمقضى في حكم المتباعد، وهذا في كل كلام.

يحدّث الرجل بحديث ثم يقول: وذلك ما لا شك فيه.

ويحسب الحاسب ثم يقول: فذلك كذا وكذا.

وقال الله تعالى: ﴿ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك ﴾ [البقرة: 68] .

وقال: ﴿ ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى ﴾ [يوسف: 37] ، ولأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه، وقع في حد البعد، كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئاً: احتفظ بذلك.

وقيل معناه: ذلك الكتاب الذي وعدوا به.

فإن قلت: لم ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث وهو السورة؟

قلت: لا أخلو من أن أجعل الكتاب خبره أو صفته.

فإن جعلته خبره، كان ذلك في معناه ومسماه مسماه، فجاز إجراء حكمه عليه في التذكير، كما أجرى عليه في التأنيث في قولهم: من كانت أمّك.

وإن جعلته صفته، فإنما أشير به إلى الكتاب صريحاً؛ لأنّ اسم الإشارة مشار به إلى الجنس الواقع صفة له.

تقول: هند ذلك الإنسان، أو ذلك الشخص فعل كذا.

وقال الذبياني: نُبِّئْتُ نُعْمَى على الهِجْرَانِ عاتِبةً ** سُقْيَا ورُعْيَا لِذَاكَ العاتِبِ الزَّارِي فإن قلت: أخبرني عن تأليف ﴿ ذلك الكتاب ﴾ مع ﴿ الم ﴾ .

قلت: إن جعلت ﴿ الم ﴾ اسماً للسورة ففي التأليف وجوه: أن يكون ﴿ الم ﴾ مبتدأ، و ﴿ ذلك ﴾ .

مبتدأ ثانياً، و ﴿ الكتاب ﴾ خبره، والجملة خبر المبتدأ الأوّل.

ومعناه: أنّ ذلك الكتاب هو الكتاب الكامل، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص، وأنه الذي يستأهل أن يسمى كتاباً، كما تقول: هو الرجل، أي الكامل في الرجولية، الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال.

وكما قال: هُمُ الْقَوْمُ كلُّ الْقَوْمِ يا أُمَّ خَالِدِ وأن يكون الكتاب صفة.

ومعناه: هو ذلك الكتاب الموعود، وأن يكون ﴿ الم ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي هذه الم، ويكون ذلك خبراً ثانياً أو بدلاً، على أن الكتاب صفة، وأن يكون: هذه الم جملة، وذلك الكتاب جملة أخرى.

وإن جعلت الم بمنزلة الصوت، كان ذلك مبتدأ خبره الكتاب، أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل.

أو الكتاب صفة والخبر ما بعده، أو قدّر مبتدأ محذوف، أي هو يعني المؤلف من هذه الحروف ذلك الكتاب.

وقرأ عبد الله: ﴿ آلم، تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .

وتأليف هذا ظاهر.

والريب: مصدر رابني، إذا حصل فيك الريبة.

وحقيقة الريبة: قلق النفس واضطرابها.

ومنه ما روى الحسن بن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الشك ريبة، وإنّ الصدق طمأنينة» أي فإن كون الأمر مشكوكاً فيه مما تقلق له النفس ولا تستقرّ.

وكونه صحيحاً صادقاً مما تطمئن له وتسكن.

ومنه: ريب الزمان، وهو ما يقلق النفوس ويشخص بالقلوب من نوائبه.

ومنه: أنه مر بظبي حاقف فقال: «لا يربه أحد بشيء» .

فإن قلت: كيف نفى الريب على سبيل الاستغراق؟

وكم من مرتاب فيه؟

قلت: ما نفى أنّ أحد لا يرتاب فيه وإنما المنفي كونه متعلقاً للريب ومظنة له؛ لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ ﴾ [البقرة: 23] ، فما أبعد وجود الريب منهم؟

وإنما عرفهم الطريق إلى مزيل الريب، وهو أن يحزروا أنفسهم ويروزوا قواهم في البلاغة، هل تتم للمعارضة أم تتضاءل دونها؟

فيتحققوا عند عجزهم أن ليس فيه مجال للشبهة ولا مدخل للريبة.

فإن قلت: فهلا قدّم الظرف على الريب، كما قدّم على الغَوْل في قوله تعالى: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ [الصافات: 47] ؟

قلت: لأنّ القصد في إيلاء الريب حرف النفي، نفي الريب عنه، وإثبات أنه حق وصدق لا باطل وكذب، كما كان المشركون يدّعونه، ولو أولى الظرف لقصد إلى ما يبعد عن المراد، وهو أنّ كتاباً آخر فيه الريب فيه، كما قصد في قوله: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها هي، كأنه قيل: ليس فيها ما في غيرها من هذا العيب والنقيصة، وقرأ أبو الشعثاء: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ بالرفع: والفرق بينها وبين المشهورة، أنّ المشهورة توجب الاستغراق، وهذه تجوّزه.

والوقف على ﴿ فِيهِ ﴾ هو المشهور.

وعن نافع وعاصم أنهما وقفا على ﴿ لاَ رَيْبَ ﴾ ولا بد للواقف من أن ينوي خبراً.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ لاَ ضَيْرَ ﴾ [الشعراء: 50] ، وقول العرب: لا بأس، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز.

والتقدير: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .

﴿ فِيهِ هُدًى ﴾ الهدى مصدر على فعل، كالسرى والبكى، وهو الدلالة الموصلة إلى البغية، بدليل وقوع الضلالة في مقابلته.

قال الله تعالى: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ [البقرة: 24] .

وقال تعالى: ﴿ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ [سبأ: 24] .

ويقال: مهدي، في موضع المدح كمهتد؛ ولأن اهتدى مطاوع هدى ولن يكون المطاوع في خلاف معنى أصله ألا ترى إلى نحو: غمه فاغتم، وكسره فانكسر، وأشباه ذلك: فإن قلت: فلم قيل: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ والمتقون مهتدون؟

قلت: هو كقولك للعزيز المكرم: أعزك الله وأكرمك، تريد طلب الزيادة إلى ما هو ثابت فيه واستدامته، كقوله: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ .

ووجه آخر، وهو أنه سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى: متقين، كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل قتيلاً فله سلبه» وعن ابن عباس: «إذا أراد أحدكم الحج فليعجل فإنه يمرض المريض وتضل الضالة، وتكون الحاجة» فسمى المشارف للقتل والمرض والضلال: قتيلاً ومريضاً وضالاً.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً ﴾ [نوح: 27] ، أي صائراً إلى الفجور والكفر.

فإن قلت: فهلا قيل هدى للضالين؟

قلت: لأن الضالين فريقان: فريق علم بقاؤهم على الضلالة وهم المطبوع على قلوبهم، وفريق علم أنّ مصيرهم إلى الهدى؛ فلا يكون هدى للفريق الباقين على الضلالة، فبقى أن يكون هدى لهؤلاء، فلو جيء بالعبارة المفصحة عن ذلك لقيل: هدى للصائرين إلى الهدى بعد الضلال، فاختصر الكلام بإجرائه على الطريقة التي ذكرنا، فقيل: هدى للمتقين.

وأيضاً فقد جعل ذلك سلماً إلى تصدير السورة التي هي أولى الزهراوين وسنام القرآن وأول المثاني، بذكر أولياء الله والمرتضين من عباده.

والمتقي في اللغة اسم فاعل، من قولهم: وقاه فاتقى.

والوقاية: فرط الصيانة.

ومنه: فرس واق، وهذه الدابة تقي من وجاها، إذا أصابه ضلع من غلظ الأرض ورقة الحافر، فهو يقي حافره أن يصيبه أدنى شيء يؤلمه.

وهو في الشريعة الذي يقي نفسه تعاطي ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك.

واختلف في الصغائر وقيل الصحيح أنه لا يتناولها، لأنها تقع مكفرة عن مجتنب الكبائر.

وقيل: يطلق على الرجل اسم المؤمن لظاهر الحال، والمتقي لا يطلق إلا عن خبرة، كما لا يجوز إطلاق لعدل إلا على المختبر.

ومحل ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ الرفع، لأنه خبر مبتدإ محذوف، أو خبر مع ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ لذلك، أو مبتدأ إذا جعل الظرف المقدّم خبراً عنه.

ويجوز أن ينصب على الحال، والعامل فيه معنى الإشارة أو الظرف.

والذي هو أرسخ عرقاً في البلاغة أن يضرب عن هذه المحال صفحاً.

وأن يقال إن قوله: ﴿ الم ﴾ جملة برأسها، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها.

و ﴿ ذلك الكتاب ﴾ جملة ثانية.

و ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ ثالثة.

و ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ رابعة.

وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن النظم، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق، وذلك لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بعنق بعض.

فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها، وهلم جراً إلى الثالثة والرابعة.

بيان ذلك أنه نبه أولاً على أنه الكلام المتحدّى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال.

فكان تقريراً لجهة التحدي، وشدّاً من أعضاده.

ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب، فكان شهادة وتسجيلاً بكماله، لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة.

وقيل لبعض العلماء: فيم لذتك؟

فقال: في حجة تتبختر اتضاحاً، وفي شبهة تتضاءل افتضاحاً.

ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين، فقرّر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله، وحقاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ثم لم تخل كل واحدة من الأربع، بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق، ونظمت هذا النظم السري، من نكتة ذات جزالة.

ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه.

وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة.

وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف.

وفي الرابعة الحذف.

ووضع المصدر الذي هو ﴿ هُدًى ﴾ موضع الوصف الذي هو ﴿ هاد ﴾ وإيراده منكراً.

والإيجاز في ذكر المتقين.

زادنا الله إطلاعاً على أسرار كلامه، وتبييناً لنكت تنزيله، وتوفيقاً للعمل بما فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى (الم) إنْ أُوِّلَ بِالمُؤَلَّفِ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ أوْ فُسِّرَ بِالسُّورَةِ أوِ القُرْآنِ فَإنَّهُ لِما تُكُلِّمَ بِهِ وتُقْضى، أوْ وصَلَ مِنَ المُرْسِلِ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ صارَ مُتَباعِدًا أُشِيرَ إلَيْهِ بِما يُشارُ بِهِ إلى البَعِيدِ وَتَذْكِيرِهِ، مَتى أُرِيدَ بِ (الم) السُّورَةُ لِتَذْكِيرِ الكِتابِ فَإنَّهُ خَبَرُهُ أوْ صِفَتُهُ الَّذِي هو هُوَ، أوْ إلى الكِتابِ فَيَكُونُ صِفَتَهُ والمُرادُ بِهِ الكِتابُ المَوْعُودُ إنْزالُهُ بِنَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ﴾ .

أوْ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ.

وهو مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ المَفْعُولُ لِلْمُبالَغَةِ.

وَقِيلَ فِعالٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ كاللِّباسِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى المَنظُومِ عِبارَةٌ قَبْلَ أنْ يُكْتَبَ لِأنَّهُ مِمّا يَكْتَبُ.

وأصْلُ الكُتُبِ الجَمْعُ ومِنهُ الكَتِيبَةُ.

﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ لِوُضُوحِهِ وسُطُوعِ بُرْهانِهِ بِحَيْثُ لا يَرْتابُ العاقِلُ بَعْدَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ في كَوْنِهِ وحْيًا بالِغًا حَدَّ الإعْجازِ، لا أنَّ أحَدًا لا يَرْتابُ فِيهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ﴾ .

الآيَةَ فَإنَّهُ ما أبْعَدَ عَنْهُمُ الرَّيْبَ بَلْ عَرَّفَهُمُ الطَّرِيقَ المُرِيحَ لَهُ، وهو أنْ يَجْتَهِدُوا في مُعارَضَةِ نَجْمٍ مِن نُجُومِهِ ويَبْذُلُوا فِيها غايَةَ جُهْدِهِمْ حَتّى إذا عَجَزُوا عَنْها تَحَقَّقَ لَهم أنْ لَيْسَ فِيهِ مَجالٌ لِلشُّبْهَةِ ولا مَدْخَلٌ لِلرِّيبَةِ.

وَقِيلَ: مَعْناهُ لا رَيْبَ فِيهِ لِلْمُتَّقِينَ.

وهُدًى حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، والعامِلُ فِيهِ الظَّرْفُ الواقِعُ صِفَةً لِلْمَنفِيِّ.

والرَّيْبُ في الأصْلِ مَصْدَرُ رابَنِي الشَّيْءُ إذا حَصَّلَ فِيكَ الرِّيبَةَ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ واضْطِرابُها، سُمِّيَ بِهِ الشَّكُّ لِأنَّهُ يُقْلِقُ النَّفْسَ ويُزِيلُ الطُّمَأْنِينَةَ.

وَفِي الحَدِيثِ «دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُرِيبُكَ» فَإنَّ الشَّكَّ رِيبَةٌ والصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، ومِنهُ رَيْبُ الزَّمانِ لِنَوائِبِهِ.

﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ يَهْدِيهِمْ إلى الحَقِّ، والهُدى في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالسُّرى والتُّقى ومَعْناهُ الدَّلالَةُ.

وَقِيلَ: الدَّلالَةُ المُوصِلَةُ إلى البُغْيَةِ لِأنَّهُ جُعِلَ مُقابِلَ الضَّلالَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ولِأنَّهُ لا يُقالُ مَهْدِيٌّ إلّا لِمَنِ اهْتَدى إلى المَطْلُوبِ.

واخْتِصاصُهُ بِالمُتَّقِينَ لِأنَّهُمُ المُهْتَدُونَ بِهِ والمُنْتَفِعُونَ بِنَصِّهِ، وإنْ كانَتْ دَلالَتُهُ عامَّةً لِكُلِّ ناظِرٍ مِن مُسْلِمٍ أوْ كافِرٍ وبِهَذا الِاعْتِبارِ قالَ تَعالى: ﴿ هُدًى لِلنّاسِ ﴾ .

أوْ لِأنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِالتَّأمُّلِ فِيهِ إلّا مِن صَقَلَ العَقْلَ واسْتَعْمَلَهُ في تَدَبُّرِ الآياتِ والنَّظَرِ في المُعْجِزاتِ، وتَعَرُّفِ النُّبُوّاتِ، لِأنَّهُ كالغِذاءِ الصّالِحِ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ فَإنَّهُ لا يَجْلِبُ نَفْعًا ما لَمْ تَكُنِ الصِّحَّةُ حاصِلَةً، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا ﴾ .

ولا يَقْدَحُ ما فِيهِ مِنَ المُجْمَلِ والمُتَشابِهِ في كَوْنِهِ هُدًى لِما لَمْ يَنْفَكَّ عَنْ بَيانٍ يُعَيِّنُ المُرادُ مِنهُ.

والمُتَّقِي اسْمُ فاعِلٍ مِن قَوْلِهِمْ وقاهُ فاتَّقى.

والوِقايَةُ: فَرْطُ الصِّيانَةِ.

وهو في عُرْفِ الشَّرْعِ اسْمٌ لِمَن يَقِي نَفْسَهُ مِمّا يَضُرُّهُ في الآخِرَةِ، ولَهُ ثَلاثُ مَراتِبَ: الأُولى: التَّوَقِّي مِنَ العَذابِ المُخَلَّدِ بِالتَّبَرِّي مِنَ الشِّرْكِ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى ﴾ .

الثّانِيَةُ: التَّجَنُّبُ عَنْ كُلِّ ما يُؤْثِمُ مِن فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ حَتّى الصَّغائِرِ عِنْدَ قَوْمٍ وهو المُتَعارَفُ بِاسْمِ التَّقْوى في الشَّرْعِ، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا ﴾ .

الثّالِثَةُ: أنْ يَتَنَزَّهَ عَمّا يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنِ الحَقِّ ويَتَبَتَّلُ إلَيْهِ بِشَراشِرَهُ وهو التَّقْوى الحَقِيقِيُّ المَطْلُوبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ وقَدْ فَسَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ هاهُنا عَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ.

واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ أوْجُهًا مِنَ الإعْرابِ: أنْ يَكُونَ (الم) مُبْتَدَأً عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْقُرْآنِ.

أوِ السُّورَةِ.

أوْ مُقَدَّرٌ بِالمُؤَلَّفِ مِنها، وذَلِكَ خَبَرُهُ وإنْ كانَ أخَصَّ مِنَ المُؤَلَّفِ مُطْلَقًا، والأصْلُ أنَّ الأخَصَّ لا يُحْمَلُ عَلى الأعَمِّ لِأنَّ المُرادَ بِهِ المُؤَلَّفُ الكامِلُ في تَأْلِيفِهِ البالِغِ أقْصى دَرَجاتِ الفَصاحَةِ ومَراتِبِ البَلاغَةِ، والكِتابُ صِفَةُ ذَلِكَ.

وَأنْ يَكُونَ (الم) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ و (ذَلِكَ) خَبَرًا ثانِيًا أوْ بَدَلًا و ﴿ الكِتابُ ﴾ صِفَتُهُ، و ﴿ لا رَيْبَ ﴾ في المَشْهُورَةِ مَبْنِيٌّ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى مِن مَنصُوبِ المَحَلِّ عَلى أنَّهُ اسْمُ لا النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ العامِلَةِ عَمَلَ إنَّ، لِأنَّها نَقِيضَتُها ولازِمَةٌ لِلْأسْماءِ لُزُومَها.

وفي قِراءَةِ أبِي الشَّعْثاءِ مَرْفُوعٌ بِلا الَّتِي بِمَعْنى لَيْسَ وفِيهِ خَبَرُهُ ولَمْ يُقَدَّمْ كَما قُدِّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا فِيها غَوْلٌ ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَخْصِيصَ نَفْيِ الرَّيْبِ بِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ الكُتُبِ كَما قُصِدَ ثَمَّةَ، أوْ صِفَتُهُ و ﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ خَبَرُهُ.

وهُدًى نُصِبَ عَلى الحالِ، أوِ الخَبَرُ مَحْذُوفٌ كَما في لا ضَيْرَ، فَلِذَلِكَ وقَفَ عَلى ﴿ لا رَيْبَ ﴾ ، عَلى أنَّ فِيهِ خَبَرَ هُدًى قُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَنْكِيرِهِ والتَّقْدِيرُ: لا رَيْبَ فِيهِ، فِيهِ هُدًى، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبْتَدَأً و ﴿ الكِتابُ ﴾ خَبَرُهُ عَلى مَعْنى: أنَّهُ الكِتابُ الكامِلُ الَّذِي يَسْتَأْهِلُ أنْ يُسَمّى كِتابًا، أوْ صِفَتُهُ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ ﴿ الم ﴾ .

والأوْلى أنْ يُقالَ إنَّها أرْبَعُ جُمَلٍ مُتَناسِقَةٍ تَقَرِّرُ اللّاحِقَةُ مِنها السّابِقَةَ ولِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلِ العاطِفُ بَيْنَها.

فَ ﴿ الم ﴾ ، جُمْلَةٌ دَلَّتْ عَلى أنَّ المُتَحَدّى بِهِ هو المُؤَلَّفُ مِن جِنْسِ ما يُرَكِّبُونَ مِنهُ كَلامَهُمْ، و ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ جُمْلَةٌ ثانِيَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِجِهَةِ التَّحَدِّي، و ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ ، جُمْلَةٌ ثالِثَةٌ تَشْهَدُ عَلى كَمالِهِ بِأنَّ الكِتابَ المَنعُوتَ بِغايَةِ الكَمالِ إذْ لا كَمالَ أعْلى مِمّا لِلْحَقِّ واليَقِينِ.

و ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، بِما يُقَدَّرُ لَهُ مُبْتَدَأُ جُمْلَةٍ رابِعَةٍ تُؤَكِّدُ كَوْنَهُ حَقًّا لا يَحُومُ الشَّكُّ حَوْلَهُ بِأنَّهُ ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، أوْ تَسْتَتْبِعُ السّابِقَةُ مِنها اللّاحِقَةَ اسْتِتْباعَ الدَّلِيلِ لِلْمَدْلُولِ، وبَيانُهُ أنَّهُ لَمّا نُبِّهَ أوَّلًا عَلى إعْجازِ المُتَحَدّى بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مِن جِنْسِ كَلامِهِمْ وقَدْ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ، اسْتُنْتِجَ مِنهُ أنَّهُ الكِتابُ البالِغُ حَدَّ الكَمالِ واسْتَلْزَمَ ذَلِكَ أنْ لا يَتَشَبَّثَ الرَّيْبُ بِأطْرافِهِ إذْ لا أنْقَصَ مِمّا يَعْتَرِيهِ الشَّكُّ والشُّبْهَةُ، وما كانَ كَذَلِكَ كانَ لا مَحالَةَ ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، وفي كُلِّ واحِدَةٍ مِنها نُكْتَةٌ ذاتُ جَزالَةٍ فَفي الأُولى الحَذْفُ والرَّمْزُ إلى المَقْصُودِ مَعَ التَّعْلِيلِ، وفي الثّانِيَةِ فَخامَةُ التَّعْرِيفِ، وفي الثّالِثَةِ تَأْخِيرُ الظَّرْفِ حَذَرًا عَنْ إبْهامِ الباطِلِ، وفي الرّابِعَةِ الحَذْفُ والتَّوْصِيفُ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ وإيرادُهُ مُنْكَرًا لِلتَّعْظِيمِ، وتَخْصِيصُ الهُدى بِالمُتَّقِينَ بِاعْتِبارِ الغايَةِ تَسْمِيَةَ المَشارِفِ لِلتَّقْوى مُتَّقِيًا إيجازًا وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ذلك الكتاب} أي ذلك الكتاب الذي وعد به على لسان موسى وعيسى عليهما السلام أو ذلك إشارة إلى الم وإنما ذكّر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث وهو السورة لأن الكتاب إن كان خبره كان ذلك في معناه ومسماه مسماه فجاز إجراء حكمه عليه بالتذكير والتأنيث وإن كان صفته فالإشارة به إلى الكتاب صريحاً لأن اسم الإشارة مشار به إلى الجنس الواقع صفة له تقول هند ذلك الإنسان أو ذلك الشخص فعل كذا ووجه تأليف ذلك الكتاب مع الم إن جعلت الم إسماً للسورة أن يكون الم مبتدأ وذلك مبتدأ ثانيا والكتاب خبره والجملة خبر للمبتدأ الأول ومعناه أن ذلك هو الكتاب الكامل كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص كما تقول هو الرجل أي الكامل في الرجولية الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال وأن يكون الم خبر مبتدأ محذوف أي هذه الم جملة وذلك الكتاب جملة أخرى وإن جعلت الم بمنزلة الصوت كان ذلك مبتدأ خبره الكتاب أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل {لاَ رَيْبَ} لا شك وهو مصدر رابني إذا حصل فيك الريبة وحقيقة الريبة قلق النفس واضطرابها ومنه قوله عليه السلام دع ما يريبك إلى مالا يريبك فإن الشك ريبة وإن الصدق طمأنينة أي فإن كون الأمر مشكوكاً فيه مما تقلق له النفس ولا تستقر وكونه صحيحاً صادقاً مما تطمئن له وتسكن ومنه ريب الزمان وهو ما يقلق النفوس ويشخص بالقلوب من نوائبه وإنما نفى الريب على سبيل الاستفراق وقد ارتاب فيه كثير لأن المنفي كونه متعلقاً للريب ومظنة له لأنه من وضوح الدلالة له وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه لا أن أحداً لا يرتاب وإنما لم يقل لا فيه ريب كما قال لا فيها غول

لأن المراد في إيلاء الريب حرف النفي نفي الريب عنه وإثبات أنه حق لا باطل كما يزعم الكفار ولو أولى الظرف لقصد إلى ما يعد عن المراد وهو أن كتاباً آخر فيه ريب لافيه كما قصد في قوله تعالى لاَ فِيهَا غول ففيه تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها هي والوقف على فيه هو المشهور وعن نافع وعاصم أنهما وقفاً على ريب ولا بد للواقف من أن ينوي خبراً والتقدير لا ريب فيه {فِيهِ هُدًى} فيه بإشباع كل هاء مكى ووافقه حفص فى فيه مهانا وهو الأصل كقولك مررت به ومن عنده وفي داره وكما لا يقال في داره ومن عنده وجب أن لا يقال فيه وقال سيبويه ما قاله مؤد إلى الجمع بين ثلاثة أحرف سواكن الياء قبل الهاء والهاء إذاً الهاء

المتحركة في كلامهم بمنزلة الساكنة لأن الهاء خفية والخفي قريب من الساكن والياء بعدها والهدى مصدر على فعل كالبكا وهو الدلالة الموصلة إلى البغية بدليل وقوع الضلالة فى مقابلة في قوله أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى وإنما قيل هدى {لّلْمُتَّقِينَ} والمتقون مهتدون لأنه كقولك للعزيز المكرم أعزك الله وأكرمك تريد طلب الزيادة على ما هو ثابت فيه واستدامته كقوله اهدنا الصراط المستقيم ولأنه سماهم عند مشارفتهم لا كتساء لباس التقوى متقين كقوله عليه السلام

الذين (٣)

من قتل قتيلاً فله سلبه وقول ابن عباس رضى الله عنهما إذا أراد أحدكم الحج فليعجل فإنه يمرض المريض فسمى المشارف للقتل والمرض قتيلاً ومريضاً ولم يقل هدى للضالين لأنهم فريقان فريق علم بقاءهم على الضلالة وفريق علم أن مصيرهم إلى الهدى وهو هدى لهؤلاء فحسب فلو جئ بالعبارة المفصحة عن ذلك لقيل هدى للصائرين إلى الهدى بعد الضلال فاختصر الكلام بإجرائه على الطريقة التي ذكرنا فقيل هدى للمتقين مع أن فيه تصديراً للسورة التي هي أولى

الزهراوين وسنام القرآن بذكر أولياء الله والمتقى في اللغة اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى ففاؤها واو ولامها ياء وإذا بنيت من ذلك افتعل قلبت الواو تاء وأدغمتها في التاء الأخرى فقلت اتقى والوقاية فرط الصيانة وفي الشريعة من يقي نفسه تعاطى ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك ومحل هدى الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف أو خبر مع لا ريب فيه لذلك أو النصب على الحال من الهاء في فيه والذي هو أرسخ عرقاً فى البلاغة أن يقا إن قوله الم جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها وذلك الكتاب جملة ثاينة ولا ريب فيه ثالثة وهدى للمتقين رابعة وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة حيث جئ بها متناسقة هكذا من غير حرف عطف وذلك لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بعنق بعض فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها وهلم جر إلى الثالثة والرابعة بيان ذلك أنه نبه أولاً على أنه الكلام المتحدى به ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال فكان تقرير الجهة التحدي ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب فكان شهادة وتسجيلاً بكماله لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة وقيل لعالم فيم لذتك قال في حجة تتبختر اتضاحا وفى شبهة تتضاءل افتضاحا ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين فقرر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله وحقاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ثم لم تخل كل واحدة من الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق ونظمت هذا النظم الرشيق من نكتة ذات جزالة ففي الأولى الحذف والرمز إلى المطلوب بألطف وجه وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر الذي هو هدى موضع الوصف الذي هو هاد كأن نفسه هداية وإيراده منكراً ففيه إشعار بأنه هدى لا يكتنه كنهه والإيجاز في ذكر المتقين كما مر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وابْتِداءُ كَلامٍ أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، وفِيهِ احْتِمالاتٌ أطالُوا فِيها، وكِتابُ اللَّهِ تَعالى يُحْمَلُ عَلى أحْسَنِ المَحامِلِ، وأبْعَدِها مِنَ التَّكَلُّفِ، وأسْوَغِها في لِسانِ العَرَبِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الكِتابِ المَوْعُودِ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ﴾ كَما قالَ الواحِدِيُّ، أوْ عَلى لِسانِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةَ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ: «(عَلَيْكم بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ فَهْمُ العَقْلِ ونُورُ الحِكْمَةِ، ويَنابِيعُ العِلْمِ، وأحْدَثُ الكُتُبِ بِاللَّهِ عَهْدًا)،» وقالَ في التَّوْراةِ: (يا مُحَمَّدُ، إنِّي مُنَزِّلٌ عَلَيْكَ تَوْراةً حَدِيثَةً تَفْتَحُ بِها أعْيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا)، كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، أوْ إلى ما بَيْنَ أيْدِينا، والإشارَةُ بِذَلِكَ لِلتَّعْظِيمِ، وتَنْزِيلُ البُعْدِ الرُّتَبِيِّ مَنزِلَةَ البُعْدِ الحَقِيقِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ كَما اخْتارَهُ في المِفْتاحِ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا نَزَلَ عَنْ حَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وصارَ بِحَضْرَتِنا بَعُدَ، ومَن أعْطى غَيْرَهُ شَيْئًا، أوْ أوْصَلَهُ إلَيْهِ، أوْ لاحَظَ وُصُولَهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ بِانْفِصالِهِ عَنْهُ بَعِيدٌ، أوْ في حُكْمِهِ، وقَدْ قِيلَ: كُلُّ ما لَيْسَ في يَدَيْكَ بَعِيدٌ.

ولَمّا لَمْ يَتَأتَّ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ ﴾ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى ما عِنْدَهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ بُعْدِ الدَّرَجَةِ، وهَذا الذِّكْرُ حُرُوفُ التَّهَجِّي في الأوَّلِ، وهي تُقَطَّعُ بِها الحُرُوفُ، وهو لا يَكُونُ إلّا في حَقِّنا، وعَدَمِ ذِكْرِها في الثّانِي، فَلِذا اخْتَلَفَ المَقامانِ، وافْتَرَقَتِ الإشارَتانِ كَما قالَهُ السُّهَيْلِيُّ، وهو عِنْدَ قَوْمٍ تَحْقِيقٌ، ويُرْشِدُكَ إلى ما فِيهِ عِنْدِي نَظَرٌ دَقِيقٌ، وأبْعَدَ بَعْضُهم فَوَجَّهَ البُعْدَ بِأنَّ القُرْآنَ لَفْظٌ، وهو مِن قَبِيلِ الأعْراضِ السَّيّالَةِ الغَيْرِ القارَّةِ، فَكُلُّ ما وُجِدَ مِنهُ اضْمَحَلَّ، وتَلاشى، وصارَ مُنْقَضِيًا غائِبًا عَنِ الحِسِّ، وما هو كَذَلِكَ في حُكْمِ البَعِيدِ، وقِيلَ: لِأنَّ صِيغَةَ البَعِيدِ والقَرِيبِ قَدْ يَتَعاقَبانِ كَقَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ ﴾ ولَهُ نَظائِرُ في الكِتابِ الكَرِيمِ، ونَقَلَهُ الجُرْجانِيُّ عَنْ طائِفَةٍ، وأنْشَدُوا: أقُولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنُهُ تَأمَّلْ خِفافًا إنَّنِي أنا ذَلِكا ولَيْسَ بِنَصٍّ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ إنَّنِي أنا ذَلِكَ الَّذِي كُنْتَ تُحَدَّثُ عَنْهُ وتَسْمَعُ بِهِ، وقَوْلُ الإمامِ الرّازِيِّ: إنَّ ذَلِكَ لِلْبَعِيدِ عُرْفًا لا وضْعًا، فَحَمْلُهُ هُنا عَلى مُقْتَضى الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، لا العُرْفِيِّ مُخالِفٌ لِما نَفْهَمُهُ مِن كُتُبِ أرْبابِ العَرَبِيَّةِ، وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، والقَوْلُ بِأنَّ الإشارَةَ إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ كَما نُقِلَ عَنْ عِكْرِمَةَ، إنْ كانَ قَدْ ورَدَ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَبِلْناهُ وتَكَلَّفْنا لَهُ، وإلّا ضَرَبْنا بِهِ الحائِطَ، وما كُلُّ احْتِمالٍ يَلِيقُ، وأغْرَبُ ما رَأيْناهُ في تَوْجِيهِ الإشارَةِ أنَّها إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في الفاتِحَةِ، كَأنَّهم لَمّا سَألُوا الهِدايَةَ لِذَلِكَ قِيلَ لَهُمْ: ذَلِكَ الصِّراطُ الَّذِي سَألْتُمُ الهِدايَةَ إلَيْهِ، هو الكِتابُ، وهَذا إنْ قَبِلْتَهُ يَتَبَيَّنُ بِهِ وجْهُ ارْتِباطِ سُورَةِ البَقَرَةِ بِسُورَةِ الحَمْدِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وتَكُونُ الإشارَةُ إلى ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، والَّذِي تَنْفَتِحُ لَهُ الآذانُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، ووَجْهُ البُعْدِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ، ونُورُ القُرْبِ يَلُوحُ عَلَيْهِ، والمُعْتَبَرُ في أسْماءِ الإشارَةِ هو الإشارَةُ الحِسِّيَّةُ الَّتِي لا يُتَصَوَّرُ تَعَلُّقُها إلّا بِمَحْسُوسٍ مُشاهَدٍ، فَإنْ أُشِيرَ بِها إلى ما يَسْتَحِيلُ إحْساسُهُ نَحْوِ: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾ أوْ إلى مَحْسُوسٍ غَيْرِ مُشاهِدٍ نَحْوِ: (تِلْكَ الجَنَّةِ)، فَلِتَصْيِيرِهِ كالمُشاهَدِ، وتَنْزِيلُ الإشارَةِ العَقْلِيَّةِ مَنزِلَةَ الحِسِّيَّةِ كَما في الرَّضِيِّ فالإشارَةُ هُنا لا تَخْلُو عَنْ لُطْفٍ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ اسْمَ الإشارَةِ إذا كانَ مَعَهُ صِفَةٌ لَهُ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ مَحْسُوسًا، وهم مَحْسُوسٌ، والكِتابُ كالكَتْبِ مَصْدَرُ كَتَبَ، ويُطْلَقُ عَلى المَكْتُوبِ، كاللِّباسِ بِمَعْنى المَلْبُوسِ، والكَتْبُ كَما قالَ الرّاغِبُ ضَمُّ أدِيمٍ إلى أدِيمٍ بِالخِياطَةِ، وفي المُتَعارَفِ ضَمُّ الحُرُوفِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، والأصْلُ في الكِتابَةِ النَّظْمُ بِالخَطِّ، وقَدْ يُقالُ ذَلِكَ لِلْمَضْمُومِ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ بِاللَّفْظِ، ولِذا يُسْتَعارُ كُلُّ واحِدٍ لِلْآخَرِ، ولِذا سُمِّيَ كِتابَ اللَّهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كِتابًا، والكِتابُ هُنا إمّا باقٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وسُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ هو بِمَعْنى المَفْعُولِ وأُطْلِقَ عَلى المَنظُومِ عِبارَةً قَبْلَ أنْ تُنْظَمَ حُرُوفُهُ الَّتِي يَتَألَّفُ مِنها في الخَطِّ تَسْمِيَةً بِما يَئُولُ إلَيْهِ مَعَ المُناسَبَةِ، وقَوْلُ الإمامِ: إنَّ اشْتِقاقَ الكِتابِ مِن كَتَبْتُ الشَّيْءَ إذا جَمَعْتَهُ وسُمِّيَتِ الكَتِيبَةَ لِاجْتِماعِها فَسُمِّيَ الكِتابُ كِتابًا لِأنَّهُ كالكَتِيبَةِ عَلى عَساكِرِ الشُّبُهاتِ، أوْ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمِيعُ العُلُومِ، أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ألْزَمَ فِيهِ التَّكالِيفَ عَلى الخَلْقِ، كَلامٌ مُلَفَّقٌ لا يَخْفى ما فِيهِ، ويُطْلَقُ الكِتابُ كالقُرْآنِ عَلى المَجْمُوعِ المُنَزَّلِ عَلى النَّبِيِّ المُرْسَلِ  وعَلى القَدْرِ الشّائِعِ بَيْنَ الكُلِّ والجُزْءِ، ولا يَحْتاجُ هُنا إلى ما قِيلَ في دَفْعِ المُغالَطَةِ المَعْرُوفَةِ بِالجِذْرِ الأصَمِّ، ولا أرى فِيهِ بَأْسًا، إنِ احْتَجْتَهُ، واللّامُ في الكِتابِ لِلْحَقِيقَةِ، مِثْلُها فِي: أنْتَ الرَّجُلُ، والمَعْنى: ذَلِكَ هو الكِتابُ الكامِلُ الحَقِيقُ بِأنْ يُخَصَّ بِهِ اسْمُ الكِتابِ لِغايَةِ تَفَوُّقِهِ عَلى بَقِيَّةِ الأفْرادِ في حِيازَةِ كَمالاتِ الجِنْسِ، حَتّى كَأنَّ ما عَداهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ خارِجٌ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: كُلُّ لامٍ وقَعَتْ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ وأيْ في النِّداءِ، وإذا الفُجائِيَّةِ فَهي لِلْعَهْدِ الحُضُورِيِّ، وقُرِئَ: (تَنْزِيلُ الكِتابِ)، والرَّيْبُ الشَّكُّ، وأصْلُهُ مَصْدَرُ رابَنِي الشَّيْءُ إذا حَصَلَ فِيكَ الرِّيبَةُ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ، ومِنهُ رَيْبُ الزَّمانِ لِنَوائِبِهِ، فَهو مِمّا نُقِلَ مِنَ القَلَقِ إلى ما هو شَبِيهٌ بِهِ، ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا لِما يَخْتَلِجُ في القَلْبِ مِن أسْبابِ الغَيْظِ، وقَوْلُ الإمامِ الرّازِيِّ: إنَّ هَذَيْنِ قَدْ يَرْجِعانِ إلى مَعْنى الشَّكِّ لِأنَّ ما يُخافُ مِنَ الحَوادِثِ مُحْتَمَلٌ، فَهو كالمَشْكُوكِ، وكَذَلِكَ ما اخْتَلَجَ في القَلْبِ، فَإنَّهُ غَيْرُ مُسْتَيْقَنٍ مُسْتَيْقَنٍ رَدُّهُ، فالمَنُونُ مِنَ الرَّيْبِ، أوْ يُشَكُّ فِيهِ، ويَخْتَلِجُ في القَلْبِ مِن أسْبابِ الغَيْظِ عَلى الكُفّارِ مَثَلًا، مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، أوْ فِيهِ رَيْبٌ، وفَرَّقَ أبُو زَيْدٍ بَيْنَ رابَنِي، وأرابَنِي فَيُقالُ: رابَنِي مِن فُلانٍ أمْرٌ، إذا كُنْتَ مُسْتَيْقِنًا مِنهُ بِالرَّيْبِ، وإذا أسَأْتَ بِهِ الظَّنَّ، ولَمْ تَسْتَيْقِنْ مِنهُ، قُلْتَ: أرابَنِي، وعَلَيْهِ قَوْلُ بَشّارٍ: أخُوكَ الَّذِي إنْ رِبْتَهُ قالَ إنَّما ∗∗∗ أرابَ وإنْ عاتَبْتَهُ لانَ جانِبُهُ وبَعْضُ فَرْقٍ بَيْنَ الرَّيْبِ، والشَّكِّ، بِأنَّ الرَّيْبَ شَكٌّ مَعَ تُهْمَةٍ، وقالَ الرّاغِبُ: الشَّكُّ وُقُوفُ النَّفْسِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ مُتَقابِلَيْنِ، بِحَيْثُ لا يَتَرَجَّحُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِأمارَةٍ، والمِرْيَةُ التَّرَدُّدُ في المُتَقابِلَيْنِ، وطَلَبُ الأمارَةِ مِن مَرى الضَّرْعَ أيْ مَسَحَهُ لِلدَّرِّ، والرَّيْبُ أنْ يَتَوَهَّمَ في الشَّيْءِ ثُمَّ يَنْكَشِفُ عَمّا تَوَهَّمَ فِيهِ، وقالَ الجَوْلِيُّ: يُقالُ الشَّكُّ لِما اسْتَوى فِيهِ الِاعْتِقادانِ، أوْ لَمْ يَسْتَوِيا، ولَكِنْ لَمْ يَنْتَهِ أحَدُهُما لِدَرَجَةِ الظُّهُورِ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ الأُمُورُ، والرَّيْبُ لِما لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ اليَقِينِ، وإنْ ظَهَرَ نَوْعَ ظُهُورٍ، ولِذا حَسُنَ هُنا: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا يَحْصُلُ فِيهِ رَيْبٌ فَضْلًا عَنْ شَكٍّ، ونَفى سُبْحانَهُ الرَّيْبَ فِيهِ مَعَ كَثْرَةِ المُرْتابِينَ - لا كَثَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى - عَلى مَعْنى أنَّهُ في عُلُوِّ الشَّأْنِ، وسُطُوعِ البُرْهانِ بِحَيْثُ لا يَرْتابُ العاقِلُ بَعْدَ النَّظَرِ فِي كَوْنِهِ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، لا أنْ لا يَرْتابَ فِيهِ حَتّى لا يَصِحَّ، ويَحْتاجَ إلى تَنْزِيلِ وُجُودِ الرَّيْبِ عَنِ البَعْضِ مَنزِلَةَ العَدَمِ لِوُجُودِ ما يُزِيلُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الحَذْفِ، كَأنَّهُ قالَ: لا سَبَبَ رَيْبٍ فِيهِ، لِأنَّ الأسْبابَ الَّتِي تُوجِبُهُ في الكَلامِ التَّلْبِيسُ والتَّعْقِيدُ والتَّناقُضُ والدَّعاوى العارِيَةُ عَنِ البُرْهانِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُنْتَفٍ عَنْ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: مَعْناهُ النَّهْيُ، وإنْ كانَ لَفْظُهُ خَبَرًا، أيْ لا تَرْتابُوا فِيهِ عَلى حَدِّ ﴿ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ﴾ وقِيلَ: مَعْناهُ لا رَيْبَ فِيهِ لِلْمُتَّقِينَ، فالظَّرْفُ صِفَةٌ ولِلْمُتَّقِينَ خَبَرٌ، و ﴿ هُدًى ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، أيْ لا رَيْبَ كائِنًا فِيهِ لِلْمُتَّقِينَ حالَ كَوْنِهِ هادِيًا، وهي حالٌ لازِمَةٌ فَيُفِيدُ انْتِفاءَ الرَّيْبِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ والأحْوالِ، ويَكُونُ التَّقْيِيدُ كالدَّلِيلِ عَلى انْتِفاءِ الرَّيْبِ، و(لا) لِنَفْيِ اتِّصافِ الِاسْمِ بِالخَبَرِ، لا لِنَفْيِ قَيْدِ الِاسْمِ، فَلا تَتَوَجَّهُ إلَيْهِ لِيَخْتَلَّ المَعْنى، نَعَمْ هو قَوْلٌ قَلِيلُ الجَدْوى مَعَ أنَّ الغالِبَ في الظَّرْفِ الَّذِي بَعْدَ لا هَذِهِ كَوْنُهُ خَبَرًا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: لا فِيهِ رَيْبٌ، عَلى حَدِّ ﴿ لا فِيها غَوْلٌ ﴾ لِأنَّ التَّقْدِيمَ يُشْعِرُ بِما يُبْعِدُ عَنِ المُرادِ، وهو أنَّ كِتابًا غَيْرَهُ فِيهِ الرَّيْبُ، كَما قَصَدَ في الآيَةِ تَفْضِيلَ خَمْرِ الجَنَّةِ عَلى خُمُورِ الدُّنْيا بِأنَّها لا تَغْتالُ العُقُولَ كَما تَغْتالُها، فَلَيْسَ فِيها ما في غَيْرِها مِنَ العَيْبِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَعْضُهم لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ: لَيْسَ في الدّارِ رَجُلٌ، ولَيْسَ رَجُلٌ في الدّارِ، حَتّى أنْكَرَ أبُو حَيّانَ إفادَةَ تَقْدِيمِ الخَبَرِ هُنا الحَصْرَ، وهو مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وقَرَأ سُلَيْمٌ أبُو الشَّعْثاءِ: (لا رَيْبُ فِيهِ) بِالرَّفْعِ، وهو لِكَوْنِهِ نَقِيضًا لِرَيْبٍ فِيهِ، وهو مُحْتَمَلٌ لِأنْ يَكُونَ إثْباتًا لِفَرْدٍ، ونَفْيُهُ يُفِيدُ انْتِفاءَهُ، فَلا يُوجِبُ الِاسْتِغْراقَ، كَما في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ ولِهَذا جازَ: لا رَجُلَ في الدّارِ، بَلْ رَجُلانِ، دُونَ: لا رَجُلَ فِيها، بَلْ رَجُلانِ، فَلا لِعُمُومِ النَّفْيِ لا لِنَفْيِ العُمُومِ، والوَقْفُ عَلى (فِيهِ)، هو المَشْهُورُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ الكِتابُ نَفْسُهُ هُدًى، وقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ في التَّنْزِيلِ، وعَنْ نافِعٍ وعاصِمٍ الوَقْفُ عَلى ﴿ لا رَيْبَ ﴾ ، ولا رَيْبَ في حَذْفِ الخَبَرِ، وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى جَعْلِ ﴿ لا رَيْبَ ﴾ بِمَعْنى حَقًّا، فالوَقْفُ عَلَيْهِ تامٌّ إلّا أنَّهُ أيْضًا دُونَ الأوَّلِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (فِيهِي) بِوَصْلِ الهاءِ ياءً في اللَّفْظِ، وكَذَلِكَ كُلُّ هاءِ كِنايَةٍ قَبْلَها ياءٌ ساكِنَةٌ، فَإنْ كانَ قَبْلَها ساكِنٌ غَيْرُ الياءِ وصَلَها بِالواوِ، ووافَقَهُ حَفْصٌ في ﴿ فِيهِ مُهانًا ﴾ ومُلاقِيهِ، وسَأُصْلِيهِ، والباقُونَ لا يُشْبَعُونَ، وإذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَ الهاءِ أشْبَعُوهُ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وابْنُ جُنْدُبٍ بِضَمِّ الهاءِ مِنَ الكِناياتِ في جَمِيعِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ، والهُدى في الأصْلِ مَصْدَرُ هَدى، أوْ عِوَضٌ عَنِ المَصْدَرِ، وكُلٌّ في كَلامِ سِيبَوَيْهِ، ولَمْ يَجِئْ مِنَ المَصادِرِ بِهَذِهِ الزِّنَةِ إلّا قَلِيلٌ كالتُّقى والسُّرى والبُكى بِالقَصْرِ في لُغَةٍ، ولُقًى كَما قالَ الشّاطِبِيُّ وأنْشَدَ: وقَدْ زَعَمُوا حِلْمًا لُقاكَ فَلَمْ أزِدْ ∗∗∗ بِحَمْدِ الَّذِي أعْطاكَ حِلْمًا ولا عَقْلًا والمُرادُ مِنهُ هُنا اسْمُ الفاعِلَ بِأحَدِ الوُجُوهِ المَعْرُوفَةِ في أمْثالِهِ، وهو لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ عِنْدَ ابْنِ عَطِيَّةَ، ومُذَكَّرٌ عِنْدَ اللِّحْيانِيِّ، وبَنُو أسَدٍ يُؤَنِّثُونَ كَما قالَ الفَرّاءُ، فَهو كالهِدايَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها، وفي الكَشّافِ هي الدِّلالَةُ المُوصِلَةُ إلى البُغْيَةِ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِثَلاثَةِ وُجُوهٍ، الأوَّلُ وُقُوعُ الضَّلالِ في مُقابِلِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ ﴾ والضَّلالُ عِبارَةٌ عَنِ الخَيْبَةِ، وعَدَمِ الوُصُولِ إلى البُغْيَةِ، فَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرِ الوُصُولُ في مَفْهُومِ الهُدى لَمْ يَتَقابَلا لِجَوازِ الِاجْتِماعِ بَيْنَهُما، والثّانِي أنَّهُ يُقالُ: مَهْدِيٌّ في مَوْضِعِ المَدْحِ كَمُهْتَدٍ، ومَن حَصَلَ لَهُ الدِّلالَةُ مِن غَيْرِ الِاهْتِداءِ لا يُقالُ لَهُ ذَلِكَ، فَعُلِمَ أنَّ الإيصالَ مُعْتَبَرٌ في مَفْهُومِهِ، والثّالِثُ أنَّ اهْتَدى مُطاوِعُ هَدى، ولَنْ يَكُونَ المُطاوِعُ في خِلافِ مَعْنى أصْلِهِ، ألا تَرى إلى نَحْوِ كَسَرَهُ فانْكَسَرَ، وفِيهِ بَحْثٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ المَذْكُورَ في مُقابَلَةِ الضَّلالَةِ هو الهُدى اللّازِمُ بِمَعْنى الِاهْتِداءِ مَجازًا أوِ اشْتِراكًا، وكَلامُنا في المُتَعَدِّي ومُقابِلُهُ الإضْلالُ، ولا اسْتِدْلالَ بِهِ، إذْ رُبَّما يُفَسَّرُ بِالدِّلالَةِ عَلى ما لا يُوَصِّلُ، ولا يَجْعَلُهُ ضالًّا، عَلى أنَّهُ لَوْ فُسِّرَتِ الهِدايَةُ بِمُطْلَقِ الدِّلالَةِ عَلى ما مِن شَأْنِهِ الإيصالُ أوْصَلَ، أمْ لا، وفُسِّرَ الضَّلالُ المُقابِلُ لَها تَقابُلَ الإيجابِ والسَّلْبِ بِعَدَمِ تِلْكَ الدِّلالَةِ المُطْلَقَةِ لَزِمَ مِنهُ عَدَمُ الوُصُولِ، لِأنَّ سَلْبَ الدِّلالَةِ المُطْلَقَةِ سَلْبٌ لِلْمُقَيَّدَةِ، إذْ سَلْبُ الأعَمِّ يَسْتَلْزِمُ سَلْبَ الأخَصِّ، فَلَيْسَ في هَذا التَّقابُلِ ما يُرَجِّحُ المُدَّعى، وأمّا ثانِيًا فَلِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الضَّلالَةَ عِبارَةٌ عَنِ الخَيْبَةِ إلَخْ، بَلْ هو العُدُولُ عَنِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى البُغْيَةِ، فَيَكُونُ الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدِّلالَةِ عَلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلِ، نَعَمْ إنَّ عَدَمَ الوُصُولِ إلى البُغْيَةِ لازِمٌ لِلضَّلالَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّازِمُ أعَمَّ، وأما ثالِثًا فَلِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ إطْلاقِ المَهْدِيِّ إلّا عَلى المُهْتَدِي أنْ يَكُونَ الوُصُولُ مُعْتَبَرًا في مَفْهُومِ الهُدى، لِجَوازِ غَلَبَةِ المُشْتَقِّ في فَرْدٍ مَفْهُومٌ المُشْتَقُّ مِنهُ، وأمّا رابِعًا فَلِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ اهْتَدى مُطاوِعُ هَدى، بَلْ هو مِن قَبِيلِ أمَرَهُ فَأْتَمَرَ، مِن تَرَتُّبِ فِعْلٍ يُغايِرُ الأوَّلَ، فَإنَّ مَعْنى هَداهُ فاهْتَدى دَلَّهُ عَلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلِ فَسَلَكَهُ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يُقالُ: هَداهُ فَلَمْ يَهْتَدِ، عَلى أنَّ جَمْعًا يُعْتَدُّ بِهِمْ قالُوا: لا يَلْزَمُ مِن وُجُودِ الفِعْلِ وُجُودُ مُطاوِعِهِ مُطْلَقًا، فَفي المُخْتارِ: لا يَجِبُ أنْ يُوافِقَ المُطاوِعُ أصْلَهُ، ويَجِبُ في غَيْرِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا ﴾ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلا طُغْيانًا ﴾ فَقَدْ وُجِدَ التَّخْوِيفُ بِدُونِ الخَوْفِ، ولا يُقالُ: كَسَرْتُهُ فَما انْكَسَرَ، والفَرْقُ بَيْنَهُما مُفَصَّلٌ في عَرُوسِ الأفْراحِ، وأمّا خامِسًا فَلِأنَّ ما ذَكَرَهُ مَعارَضٌ بِما فِيهِ الهِدايَةُ، ولَيْسَ فِيهِ وُصُولٌ إلى البُغْيَةِ، وقَدْ مَرَّ بَعْضُهُ، ولِهَذا اخْتَلَفُوا: هَلْ هي حَقِيقَةٌ في الدِّلالَةِ المُطْلَقَةِ مَجازٌ في غَيْرِها، أوْ بِالعَكْسِ، أوْ هي مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُما، أوْ مَوْضُوعَةٌ لِقَدْرٍ مُشْتَرَكٍ؟

وإلى كُلِّ ذَهَبَ طائِفَةٌ، قِيلَ: والمَذْكُورُ في كَلامِ الأشاعِرَةِ أنَّ المُخْتارَ عِنْدَهم ما ذُكِرَ في الكَشّافِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ ما ذَكَرْناهُ، والمَشْهُورُ هو العَكْسُ، والتَّوْفِيقُ بِأنَّ كَلامَ الأشاعِرَةِ في المَعْنى الشَّرْعِيِّ، والمَشْهُورُ مَبْنِيٌّ عَلى المَعْنى اللُّغَوِيِّ، أوِ العُرْفِيِّ، يَخْدِشُهُ اخْتِيارُ صاحِبِ الكَشّافِ مَعَ تَصَلُّبِهِ في الِاعْتِزالِ ما اخْتارَهُ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ في القُرْآنِ المَعْنى الشَّرْعِيُّ، فالأظْهَرُ لِلْمُوَفِّقِ عَكْسُ هَذا التَّوْفِيقِ، والحَقُّ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ أنَّ الهِدايَةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وعَدَمِ الإهْلاكِ، وبِهِ يَنْدَفِعُ كَثِيرٌ مِنَ القالِ والقِيلِ، و(المُتَّقِينَ) جَمْعُ مُتَّقٍ اسْمُ فاعِلٍ مِن وقاهُ فاتَّقى، فَفاؤُهُ واوٌ لا تاءٌ، والوِقايَةُ لُغَةُ الصِّيانَةِ مُطْلَقًا، وشَرْعًا صِيانَةُ المَرْءِ نَفْسَهُ عَمّا يَضُرُّ في الآخِرَةِ، والمَراتِبُ مُتَعَدِّدَةٌ لِتَعَدُّدِ مَراتِبِ الضَّرَرِ، فَأُولاها التَّوَقِّي عَنِ الشِّرْكِ، والثّانِيَةُ عَنِ الكَبائِرِ، ومِنها الإصْرارُ عَلى الصَّغائِرِ، والثّالِثَةُ ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ  : «(لا يَبْلُغُ العَبْدُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ حَتّى يَدَعَ ما لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمّا بِهِ بَأْسٌ)،» وفي هَذِهِ المَرْتَبَةِ يُعْتَبَرُ تَرْكُ الصَّغائِرِ، ولِذا قِيلَ: خَلِّ الذُّنُوبَ كَبِيرَها ∗∗∗ وصَغِيرَها فَهو التُّقى واصْنَعْ كَماشٍ فَوْقَ أرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ ما يَرى لا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ∗∗∗ إنَّ الجِبالَ مِنَ الحَصى وفِي هَذِهِ المَرْتَبَةِ اخْتَلَفَتْ عِباراتُ الأكابِرِ فَقِيلَ: التَّقْوى أنْ لا يَراكَ اللَّهُ حَيْثُ نَهاكَ، ولا يَفْقِدَكَ حَيْثُ أمَرَكَ، وقِيلَ: التَّبَرِّي عَنِ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وقِيلَ: التَّنَزُّهُ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ السِّرَّ عَنِ الحَقِّ، وفي هَذا المَيْدانِ تَراكَضَتْ أرْواحُ العاشِقِينَ، وتَفانَتْ أشْباحُ السّالِكِينَ حَتّى قالَ قائِلُهم: ولَوْ خَطَرَتْ لِي في سِواكَ إرادَةٌ ∗∗∗ عَلى خاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتُ بِرِدَّتِي وهِدايَةُ الكِتابِ المُبِينِ شامِلَةٌ لِأرْبابِ هَذِهِ المَراتِبِ أجْمَعِينَ، فَإنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ إرْشادُهُ إيّاهم إلى تَحْصِيلِ المَرْتَبَةِ الأُولى، فالمُرادُ بِهِمُ المُشارِفُونَ مَجازًا لِاسْتِحالَةِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ، وإيثارِهِ عَلى العِبارَةِ المُعْرِبَةِ عَنْ ذَلِكَ لِلْإيجازِ، وتَصْدِيرُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِذِكْرِ أوْلِيائِهِ تَعالى وتَفْخِيمِ شَأْنِهِمْ، واعْتِبارِ المُشارَفَةِ بِالنَّظَرِ إلى زَمانِ نِسْبَةِ الهُدى، فَلا يُنافِي حُسْنَ التَّعْقِيبِ بِــ ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، لِأنَّ ذَلِكَ كَما قِيلَ بِالنَّظَرِ إلى زَمانِ إثْباتِ تِلْكَ النِّسْبَةِ، كَما يُقالُ: قُتِلَ قَتِيلًا، دُفِنَ في مَوْضِعِ كَذا، ورُبَّما جُعِلَ التَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ في جَوابِ: مَنِ المُتَّقُونَ؟

وحَمْلُ الكُلِّ عَلى المُشارَفَةِ يَأْباهُ السَّوْقُ، وقَدْ يُقالُ المُتَّقِينَ مَجازٌ بِالمُشارَفَةِ، والصِّفَةُ تَرْشِيحٌ بِلا مُشارَفَةٍ، ولا تَجُوزُ، كَما هو المَعْهُودُ في أمْثالِهِ، أوْ نَقُولُ: هو عَلى حَدِّ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الشَّفِيعِ يَوْمَ المَحْشَرِ، فَلا إشْكالَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ إرْشادُهُ إلى تَحْصِيلِ إحْدى المَرْتَبَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ، فَإنْ عَنى بِالمُتَّقِينَ أصْحابَ المَرْتَبَةِ الأُولى تَعَيَّنَتِ الحَقِيقَةُ، وإنْ عَنى بِهِمْ أصْحابَ إحْدى الطَّبَقَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ تَعَيَّنَ المَجازُ، لِأنَّ الوُصُولَ إلَيْهِما إنَّما يَتَحَقَّقُ بِهِدايَتِهِ المُرَقِّيَّةِ، وكَذا الحالُ فِيما بَيْنَ المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، فَإنْ أُرِيدَ بِالهُدى الإرْشادُ إلى تَحْصِيلِ المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ، فَإنْ عَنى بِالمُتَّقِينَ أصْحابَ المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ تَعَيَّنَتِ الحَقِيقَةُ، وإنْ عَنى بِهِمْ أصْحابَ المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ تَعَيَّنَ المَجازُ، ولَفْظُ الهِدايَةِ حَقِيقَةٌ في جَمِيعِ الصُّوَرِ، وأمّا إنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِ هُدًى لَهم تَثْبِيتُهم عَلى ما هم عَلَيْهِ، وإرْشادُهم إلى الزِّيادَةِ فِيهِ عَلى أنْ يَكُونَ مَفْهُومُها داخِلًا في المَعْنى المُسْتَعْمَلِ فِيهِ، فَهو مَجازٌ لا مَحالَةَ، ولَفْظُ المُتَّقِينَ حَقِيقَةٌ عَلى كُلِّ حالَةٍ، كَذا حَقَّقَهُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ، ومِنهُ يُعْلَمُ انْدِفاعُ ما قِيلَ: إنَّ الهِدايَةَ إنْ فُسِّرَتْ بِالدِّلالَةِ المُوَصِّلَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ دالًّا عَلى تَحْصِيلِ الحاصِلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: دِلالَةٌ مُوَصِّلَةٌ إلى المَطْلُوبِ لِلْواصِلِينَ إلَيْهِ، وإنْ فُسِّرَتْ بِالدِّلالَةِ عَلى ما يُوَصِّلُ، كانَ هُناكَ مَحْذُورٌ آخَرُ، فَإنَّ المُهْتَدِيَ إلى مَقْصُودِهِ يَكُونُ دِلالَتُهُ عَلى ما يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ لَغْوًا، ووَجْهُ الِانْدِفاعِ ظاهِرٌ، لَكِنْ حَقَّقَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الأظْهَرَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى التَّجَوُّزِ هُنا، لِأنَّهُ إذا قِيلَ: السِّلاحُ عِصْمَةٌ لِلْمُعْتَصِمِ، والمالُ غِنًى لِلْغَنِيِّ، عَلى مَعْنى سَبَبِ غِناهُ وعِصْمَتِهِ، لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ السِّلاحُ والمالُ سَبَبَيْ عِصْمَةٍ وغِنًى حادِثَيْنِ، غَيْرَ ما هُما فِيهِ، فَما نَحْنُ فِيهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ لِلتَّأْوِيلِ، ولَيْسَ مِنَ المَجازِ في شَيْءٍ، إذِ المُتَّقِي مُهْتَدٍ بِهَذا الهُدى حَقِيقَةً، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ والأُصُولِ في الوَصْفِ المُشْتَقِّ، هَلْ هو حَقِيقَةٌ في الحالِ، أوِ الِاسْتِقْبالِ؟

وهَلِ المُرادُ زَمانُ النِّسْبَةِ أوِ التَّكَلُّمِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ بَيْنَهُما؟

والَّذِي عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ أنَّهُ زَمانُ النِّسْبَةِ، وقَدْ ذَهَبَ السُّبْكِيُّ والكِرْمانِيُّ إلى أنَّ «(مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلْبُهُ)» حَقِيقَةٌ، وخَطَّأ مَن قالَ أنَّهُ مَجازٌ، ولا يُقالُ: إنَّهُ لا مُفادَ لِإثْباتِ القَتْلِ لِمَقْتُولٍ بِهِ، لِأنَّ قَصْدَ البَلِيغِ بِمَعُونَةِ القَرِينَةِ العَقْلِيَّةِ أنَّ القَتْلَ المُتَّصِفَ بِهِ صادِرٌ عَنْ هَذا القاتِلِ دُونَ غَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يُشارِكْهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فَسَلَبُهُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، ومِن هُنا جُعِلَ المَعْنى فِيما نَحْنُ فِيهِ: لا هُدى لِلْمُتَّقِينَ إلّا بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى المُتَلَأْلِئُ نُورُ هِدايَتِهِ، السّاطِعُ بُرْهانُ دِلالَتِهِ، وإذا عُلِّقَ حُكْمٌ عَلى اسْمِ الإشارَةِ المَوْصُوفِ نَحْوُ: عَصَرْتُ هَذا الخَلَّ مَثَلًا، فَهُناكَ تَعْلِيقانِ في الحَقِيقَةِ، تَعْلِيقُ الحُكْمِ السّابِقِ بِذاتِ المُشارِ إلَيْهِ، وتَعْلِيقُ الإشارَةِ، والمُعْتَبَرُ زَمانُ الإشارَةِ لا زَمانُ الحُكْمِ السّابِقِ، فَإذا صَحَّ إطْلاقُ الخَلِّ عَلى المُشارِ إلَيْهِ واتِّصافُهُ بِالخَلِّيَّةِ مَثَلًا في زَمانِ الإشارَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الحُكْمِ السّابِقِ كانَ حَقِيقَةً، وإلّا فَمَجازٌ، فافْهَمْ وتَدَبَّرْ.

ثُمَّ لا يَقْدَحُ في كَوْنِهِ هُدًى ما فِيهِ مِنَ المُجْمَلِ والمُتَشابِهِ، لِأنَّهُ لا يَسْتَلْزِمُ كَوْنُهُ هُدًى هِدايَتَهُ بِاعْتِبارِ كُلِّ جُزْءٍ مِنهُ، فَيَجُوزُ أنْ يُذْكَرَ فِيهِ ما فِيهِ ابْتِلاءٌ لِذَوِي الألْبابِ مِنَ الفُحُولِ بِما لا تَصِلُ إلَيْهِ الأفْهامُ والعُقُولُ، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَكُّ عَنْ بَيانِ المُرادِ مِنهُ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ، فَهو بَعْدَ التَّبْيِينِ هُدًى، وتَوَقُّفُ هِدايَتِهِ عَلى شَيْءٍ لا يَضُرُّ فِيها، كَما أنَّهُ عَلى رَأْيٍ مُتَوَقِّفٌ عَلى تَقَدُّمِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى، ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقَدْ نَصَّ الإمامُ عَلى أنَّهُ كُلُّ ما يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ كَوْنِ القُرْآنِ حُجَّةً عَلى صِحَّتِهِ لا يَكُونُ القُرْآنُ هُدًى فِيهِ، كَمَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ، وصِفاتِهِ، ومَعْرِفَةِ النُّبُوّاتِ، لِئَلّا يَلْزَمَ الدَّوْرُ إلّا أنْ يَكُونَ هُدًى في تَأْكِيدِ ما في العُقُولِ، والِاعْتِدادِ بِهِ، وبَعْضٌ صَحَّحَ أنَّ القُرْآنَ في نَفْسِهِ هُدًى في كُلِّ شَيْءٍ، حَتّى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى لِمَن تَأمَّلَ في أدِلَّتِهِ العَقْلِيَّةِ، وحُجَجِهِ اليَقِينِيَّةِ، كَما يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ ﴾ ويَكُونُ الِاقْتِصارُ عَلى المُتَّقِينَ هُنا بِناءً عَلى تَفْسِيرِنا الهِدايَةَ مَدْحًا لَهُمْ، لِيُبَيِّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا، وانْتَفَعُوا بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها ﴾ مَعَ عُمُومِ إنْذارِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأمّا غَيْرُهم فَلا، ﴿ وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا ﴾ ﴿ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا ﴾ وأمّا القَوْلُ بِأنَّ التَّقْدِيرَ: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، والكافِرِينَ، فَحُذِفَ لِدِلالَةِ المُتَّقِينَ عَلى حَدِّ ﴿ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ فَمِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، هَذا ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الجُمَلِ والآياتِ مِنَ التَّناسُقِ فَـ ﴿ الم ﴾ أشارَتْ إلى ما أشارَتْ، و ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ قَرَّرَتْ بَعْضَ إشارَتِها بِأنَّهُ الكِتابُ الكامِلُ الَّذِي لا يَحِقُّ غَيْرُهُ أنْ يُسَمّى كِتابًا في جِنْسِهِ، أيْ بابُ التَّحَدِّي والهِدايَةِ، و ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ كالتَّأْكِيدِ لِأحَدِ الرُّكْنَيْنِ، و ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ كالتَّأْكِيدِ لِلرُّكْنِ الآخَرِ.

وخُلاصَتُهُ هو الحَقِيقُ بِأنْ يُتَحَدّى بِهِ لِكَمالِ نَظْمِهِ في بابِ البَلاغَةِ، وكَمالِهِ في نَفْسِهِ، وفِيما هو المَقْصُودُ مِنهُ، وقِيلَ: بِالحَمْلِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، كَأنَّهُ سُئِلَ ما بالُهُ صارَ مُعْجِزًا؟

فَأُجِيبَ بِأنَّهُ كامِلٌ بَلَغَ أقْصى الكَمالِ لَفْظًا ومَعْنًى، وهو مَعْنى ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ ثُمَّ سُئِلَ عَنْ مُقْتَضى الِاخْتِصاصِ بِكَوْنِهِ هو الكِتابُ الكامِلُ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَحُومُ حَوْلَهُ رَيْبٌ، ثُمَّ لَمّا طُولِبَ بِالدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ اسْتَدَلَّ بِكَوْنِهِ ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ لِظُهُورِ اشْتِمالِهِ عَلى المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ والمَصالِحِ المَعاشِيَّةِ والمَعادِيَّةِ، بِحَيْثُ لا يُنْكِرُهُ إلّا مَن كابَرَ نَفْسَهُ وعانَدَ عَقْلَهُ، وحِسَّهُ، وقَدْ يُقالُ: الإعْجازُ مُسْتَلْزِمٌ غايَةَ الكَمالِ، وغايَةُ كَمالِ الكَلامِ البَلِيغِ بِبُعْدِهِ مِنَ الرَّيْبِ والشُّبَهِ لِظُهُورِ حَقِيقَتِهِ، وذَلِكَ مُقْتَضٍ لِهِدايَتِهِ وإرْشادِهِ، فَإنْ نُظِرَ إلى اتِّحادِ المَعانِي بِحَسَبِ المَآلِ كانَ الثّانِي مُقَرِّرًا لِلْأوَّلِ، فَلِذا تُرِكَ العَطْفُ، وإنْ نُظِرَ إلى أنَّ الأوَّلَ مُقْتَضٍ لِما بَعْدَهُ لِلُزُومِهِ بَعْدَ التَّأمُّلِ الصّادِقِ، فالأوَّلُ لِاسْتِلْزامِهِ ما يَلِيهِ، وكَوْنُهُ في قُوَّتِهِ يَجْعَلُهُ مُنَزَّلًا مِنهُ مَنزِلَةَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُناسَبَةِ والمُلازَمَةِ، فَوِزانُهُ وِزانُ حُسْنِها، في أعْجَبَتْنِي الجارِيَةُ حُسْنُها، وتُرِكَ العَطْفُ حِينَئِذٍ لِشِدَّةِ الِاتِّصالِ بَيْنَ هَذِهِ الجُمَلِ، وفِيها أيْضًا مِنَ النُّكَتِ الرّائِقَةِ، والمَزايا الفائِقَةِ ما لا يَخْفى جَلالَةُ قَدْرِهِ، عَلى مَن مَرَّ ما ذَكَرْناهُ عَلى فِكْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

مدنية وهي مائتان وست وثمانون آية قال الفقيه: حدّثني أبي رحمه الله قال: حدثني محمد بن حامد قال: حدّثنا علي بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن مروان، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس في قوله تعالى: الم يعني: أنا الله أعلم.

ومعنى قول ابن عباس أنا الله أعلم يعني الألف: أنا، واللام: الله، والميم: أعلم، لأن القرآن نزل بلغة العرب، والعرب قد كانت تذكر حرفاً وتريد به تمام الكلمة ألا ترى إلى قول القائل: قُلْتُ لَهَا قِفِي لَنَا قَالَتْ قَاف ...

لاَ تَحْسَبِي أَنَّا نَسِينَا الإِيجَاف يعني بالقاف: قد وقفت.

وقال الكلبي: هذا قسم، أقسم الله تعالى بالقرآن أن هذا الكتاب الذي أنزل على قلب محمد  ، هو الكتاب الذي نزل من عند الله تعالى لا ريب فيه.

وقال بعض أهل اللغة: إن هذا الذي قال الكلبي لا يصح، لأن جواب القسم معقود على حروف مثل: إن، وقد، ولقد، وما، واللام وهنا لم نجد حرفاً من هذه الحروف، فلا يجوز أن يكون يميناً.

ولكن الجواب أن يقال: موضع القسم قوله لاَ رَيْبَ فِيهِ، فلو أن إنساناً حلف فقال: والله هذا الكتاب لا ريب فيه، لكان الكلام سديداً، وتكون «لا» جواباً للقسم، فثبت أن قول الكلبي صحيح سديد.

فإن قيل: إيش الحكمة في القسم من الله تعالى، وكان القوم في ذلك الزمان على صنفين، مصدق ومكذب فالمصدق يصدق بغير قسم، والمكذب لا يصدق مع القسم.

قيل له: القرآن نزل بلغة العرب، والعرب إذا أراد بعضهم أن يؤكد كلامه، أقسم على كلامه، فالله تعالى أراد أن يؤكد عليهم الحجة فأقسم أن القرآن من عنده.

وقد قيل الم: الألف: الله تعالى، واللام: جبريل، والميم: محمد  ويكون معناه: الله الذي أنزل جبريل على محمد بهذا القرآن لاَ رَيْبَ فِيهِ.

وقال بعضهم: كل حرف هو افتتاح اسم من أسماء الله تعالى.

فالألف مفتاح اسمه: الله، واللام مفتاح اسمه: اللطيف، الميم مفتاح اسمه: مجيد ويكون معناه: الله اللطيف المجيد أنزل الكتاب.

وروي عن محمد بن كعب بن علي الترمذي أنه قال: إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة، ولا يعرف ذلك إلاَّ نبي أو ولي، ثم بين ذلك في جميع السور ليفقه الناس.

وروي عن الشعبي أنه قال: إن الله تعالى سراً جعله في كتبه، وإن سره في القرآن هو الحروف المقطعة.

وروي عن عمر وعثمان وابن مسعود-  م- أنهم قالوا: الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر وعن علي  : هو اسم من أسماء الله تعالى، فرقت حروفه في السور.

يعني أن هاهنا قد ذكر الم وذكر: الر في موضع آخر وذكرٍ: حم في موضع آخر وذكر: ن في موضع، فإذا جمعت يكون (الرحمن) ، وكذلك سائر الحروف إذا جمع يصير اسماً من أسماء الله.

وذكر قطرب: أن المشركين كانوا لا يستمعون القرآن، كما قال الله تعالى: وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: 26] فأراد أن يسمعهم شيئاً لم يكونوا سمعوه، ليحملهم ذلك إلى الاستماع حتى تلزمهم الحجة.

وقال بعضهم: أن المشركين كانوا يقولون: لا نفقه هذا القرآن، لأنهم قالوا: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ [فصلت: 5] فأراد الله أن يبين لهم أن القرآن مركب على الحروف التي ركبت عليها ألسنتكم، يعني هو على لغتكم، ما لكم لا تفقهون؟

وإنما أراد بذكر الحروف تمام الحروف، كما أن الرجل يقول: علمت ولدي: أ، ب، ت، ث، وإنما يريد جميع الحروف ولم يرد به الحروف الأربعة خاصة.

وقال بعضهم: هو من شعار السور وكان اليهود أعداء الله فسروه على حروف الجمل، لأنه ذكر أن جماعة من اليهود، منهم كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب، وشعبة بن عمرو، ومالك بن الصيف دخلوا على رسول الله  وقالوا: بلغنا أنك قرأت: الم ذلِكَ الْكِتابُ فإن كنت صادقاً، فيكون بقاء أمتك إحدى وسبعين سنة، لأن الألف: واحد، واللام: ثلاثون، والميم: أربعون، فضحك رسول الله  ثم قالوا له: وهل غير هذا؟

قال: نعم.

المص فقالوا: هذا أكثر لأن (ص) تسعون.

فقالوا: هل غير هذا؟

قال: نعم.

الر فقالوا: هذا أكثر، لأن (الراء) : مائتان، ثم ذكر المر فقالوا: خلطت علينا يا محمد لا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير؟

وإنما أدركوا من القرآن مقدار عقولهم، وكل إنسان يدرك العلم بمقدار عقله.

وكل ما ذكر في القرآن من الحروف المقطعة، فتفسيره نحو ما ذكرنا هاهنا والله أعلم بالصواب.

قوله عز وجل: ذلِكَ الْكِتابُ أي هذا الكتاب لا رَيْبَ فِيهِ أي لا شك فيه أنه مني، لم يختلقه محمد من تلقاء نفسه.

وقد يوضع ذلك بمعنى هذا، كما قال القائل: أقول له والرمح يأْطِرُ مَتْنَه ...

تَأمَّلْ خِفَافاً أَنَّنِي أَنَا ذَلِكَا يعني هذا.

وقال بعضهم: معناه ذلك الكتاب الذي كنت وعدتك يوم الميثاق أن أوحيه إليك، وقال بعضهم: معناه ذلك الكتاب الذي وعدت في التوراة والإنجيل أن أنزل على محمد  .

وروي عن زيد بن أسلم أنه قال: أراد بالكتاب اللوح المحفوظ، يعني الكتاب ثبت في اللوح المحفوظ.

وقوله: لاَ رَيْبَ فِيهِ أي لا شك فيه أنه من الله تعالى ولم يختلقه محمد من تلقاء نفسه.

فإن قيل: كيف يجوز أن يقال: لا شك فيه؟

وقد شك فيه كثير من الناس وهم الكفار والمنافقون؟

قيل له: معناه لا شك فيه عند المؤمنين وعند العقلاء.

وقيل: معناه لا شك فيه، أي لا ينبغي أن يشك فيه، لأن القرآن معجز فلا ينبغي أن يشك فيه أنه من الله تعالى.

قوله عز وجل: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ أي بياناً لهم من الضلالة للمتقين الذين يتقون الشرك والكبائر والفواحش.

فهذا القرآن بيان لهم من الضلالة، وبيان لهم من الشبهات، وبيان الحلال من الحرام.

فإن قيل: فيه بيان لجميع الناس، فكيف أضاف إلى المتقين خاصة؟

قيل له: لأن المتقين هم الذين ينتفعون بالبيان، ويعملون به فإذا كانوا هم الذين ينتفعون، صار في الحقيقة حاصل البيان لهم.

روي عن أبي روق أنه قال: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ أي كرامة لهم.

يعني إنما أضاف إليهم إجلالاً وكرامة لهم، وبيانا لفضلهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

«البيت الّذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشّيطان» «١» .

ت: وعن ابن عبّاس قال: بينما جبريل قاعد عند النبيّ صلّى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه، فقال له: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلّا اليوم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبيّ قبلك فاتحة الكتاب، وخواتم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منها إلّا أعطيته» رواه مسلم، والنسائيّ «٢» ، والنقيض بالنون والقاف: هو الصوت انتهى من «السلاح» .

وعدد آي سورة البقرة مائتان، وخمس وثمانون آية، وقيل: وستّ وثمانون آية، وقيل: وسبع وثمانون.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)

قوله تعالى: الم: اختلف في الحروف التي في أوائل السور على قولين «٣» فقال

الشَّعْبِيُّ، وسفيانُ الثوريُّ، وجماعةٌ من المحدِّثين: هي سر اللَّه في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد اللَّه بعلمه، ولا يجب أن يُتكلَّم فيها، ولكن يؤمن بها، وتُمَرُّ كما جاءت «١» ، وقال الجمهور من العلماء، بل يجب أن يُتكلَّم فيها، وتلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرَّج عليها، واختلفوا في ذلك على اثنَيْ عَشَرَ قولاً.

فقال عليٌّ، وابن عَبَّاس رضي اللَّه عنهما: الحروف المقطَّعة في القرآن: هي اسم اللَّه الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها «٢» .

وقال ابن عبَّاس أيضًا: هي أسماء اللَّه أقسم بها «٣» ، وقال أيضًا: هي حروف تدلُّ على: أَنَا اللَّهُ أعلم، أنا الله أرى «٤» ، وقال قوم:

هي حسابُ أَبِي جَاد «١» لتدلَّ على مدَّة ملّة محمّد صلّى الله عليه وسلم كما ورد في حديث حُيَيِّ بن أَخْطب «٢» ، وهو قول أبي العالية وغيره «٣» .

ت: وإِليه مال السُّهَيْلِيُّ «٤» في «الرَّوْضِ الأُنُفِ» ، فانظره.

قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ: الاسمُ من «ذَلِكَ» : الذال، والألف، واللام لبعد المشار إليه، والكاف للخطاب.

واختلف في «ذَلِكَ» هنا فقيل: هو بمعنى «هَذَا» ، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن، وذلك أنه قد يشار بذلك إلى حاضرٍ تعلَّق به بعضُ غَيْبَةٍ، وقيل: هو على بابه، إِشارةً إِلى غائب.

واختلفوا في ذلك الغائب فقيل: ما قد كان نزل من القرآن، وقيل غير ذلك انظره.

ولا رَيْبَ فِيهِ: معناه: لا شكّ فيه، وهُدىً: معناه إِرشادٌ وبيانٌ، وقوله:

لِلْمُتَّقِينَ: اللفظ مأخوذ من «وقى» ، والمعنى: الذين يَتَّقُونَ اللَّه تعالى بامتثال أوامره، واجتناب معاصيه، كان ذلك وقايةً بينهم وبين عذابه.

قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.

يُؤْمِنُونَ: معناه يُصَدِّقون، وقوله: بِالْغَيْبِ قالت طائفةٌ: معناه: يُصَدِّقون، إِذا غَابُوا وَخَلَوْا، لا كالمنافقين الَّذين يؤمنون إذَا حضروا، ويكْفُرُونَ إِذا غابوا، وقال آخرون: معناه:

يصدِّقون بما غاب عنهم مما أخبرتْ به الشرائعُ، وقوله: يُقِيمُونَ الصَّلاةَ معناه:

يظهرونها ويثبتونها كما يقال: أُقِيمَتِ السُّوقُ.

ت: وقال أبو عبد اللَّه النَّحْوِيُّ في اختصاره لتفسيرِ الطَّبَرِيِّ: إِقامة الصلاة إتمام الركوع، والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإِقبال عليها.

انتهى.

قال ص «١» : يقيمون الصلاةَ من التقويمِ ومنه: أَقَمْتُ العُودَ، أو الإِْدَامَةِ ومنه: قامتِ السُّوقُ، أو التشميرِ والنهوضِ ومنه: قام بالأمر.

انتهى.

وقوله تعالى/: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ: الرزْقُ «٢» عند أهل السنة ما صحّ الانتفاع ١٠ أ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى هَذا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والكِسائِيُّ، وأبِي عُبَيْدَةَ، والأخْفَشِ.

واحْتَجَّ بَعْضُهم بُقَوْلِ خِفافِ بْنِ نُدْبَةَ.

أقُولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطُرُ مَتْنَهُ تَأمَّلْ خِفافًا إنَّنِي أنا ذَلِكا أيْ: أنا هَذا.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

إنَّما أرادَ: أنا ذَلِكَ الَّذِي تَعْرِفُهُ.

والثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى غائِبٍ.

ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ أرادَ بِهِ ما تَقَدَّمَ إنْزالُهُ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآَنِ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِهِ ما وعَدَهُ أنْ يُوحِيَهُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا  ﴾ .

والثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ ما وعَدَ بِهِ أهِلَ الكُتُبِ السّالِفَةِ، لِأنَّهم وُعِدُوا بِنَبِيٍّ وكِتابٍ.

وَ ﴿ الكِتابُ ﴾ .

القُرْآَنُ.

وسُمِّيَ كِتابًا، لِأنَّهُ جُمِعَ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ.

ومِنهُ الكَتِيبَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِماعِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ.

ومِنهُ: كَتَبْتُ البَغْلَةَ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ الرَّيْبُ: الشَّكُّ.

والهُدى: الإرْشادُ.

والمُتَّقُونَ: المُحْتَرِزُونَ مِمّا اتَّقَوْهُ.

وَفَرَّقَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عَبِيدِ اللَّهِ بَيْنَ التَّقْوى والوَرَعِ، فَقالَ: التَّقْوى: أخْذُ عِدَةٍ، والوَرَعُ: دَفَعُ شُبْهَةٍ، فالتَّقْوى: مُتَحَقِّقُ السَّبَبِ، والوَرَعُ: مَظْنُونُ المُسَبِّبِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ ظاهِرَها النَّفْيُ، ومَعْناها النُّهى، وتَقْدِيرُها: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَرْتابَ بِهِ لِإتْقانِهِ وإحْكامِهِ.

ومِثْلُهُ: ﴿ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ  ﴾ .

أيْ: ما يَنْبَغِي لَنا.

ومِثْلُهُ: ﴿ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ  ﴾ وهَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناها: لا رَيْبَ فِيهِ أنَّهُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ.

قالَهُ المُبَرِّدُ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناها: لا رَيْبَ فِيهِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ في آَخَرِينَ.

فَإنْ قِيلَ: فَقَدِ ارْتابَ بِهِ قَوْمٌ.

فالجَوابُ أنَّهُ حَقٌّ في نَفْسِهِ، فَمَن حَقَّقَ النَّظَرَ فِيهِ عَلِمَ.

قالَ الشّاعِرُ: لَيْسَ في الحَقِّ يا أُمامَةُ رَيْبٌ [إنَّما الرَّيْبُ ما يَقُولُ الكَذُوبُ ] فَإنْ قِيلَ: فالمُتَّقِي مُهْتَدٍ، فَما فائِدَةُ اخْتِصاصِ الهِدايَةِ بِهِ؟

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ المُتَّقِينَ، والكافِرِينَ، فاكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ  ﴾ .

أرادَ: والبَرْدُ.

والثّانِي: أنَّهُ خَصَّ المُتَّقِينَ لِانْتِفاعِهِمْ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها  ﴾ .

وكانَ مُنْذِرًا لِمَن يَخْشى ولِمَن لا يَخْشى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الِاسْمُ مِن "ذَلِكَ" الذالُ والألِفُ، وقِيلَ: الذالُ وحْدَها، والألِفُ تَقْوِيَةٌ، واللامُ لِبُعْدِ المُشارِ إلَيْهِ، ولِلتَّأْكِيدِ، والكافُ لِلْخِطابِ.

ومَوْضِعُ "ذَلِكَ" رَفْعٌ كَأنَّهُ خَبَرُ ابْتِداءٍ، أوِ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ بَعْدَهُ.

واخْتَلَفَ في "ذَلِكَ" هُنا، فَقِيلَ: هو بِمَعْنى هَذا، وتَكُونُ الإشارَةُ إلى هَذِهِ الحُرُوفِ مِنَ القُرْآنِ، وذَلِكَ أنَّهُ قَدْ يُشارُ بِذَلِكَ إلى حاضِرٍ تَعَلَّقَ بِهِ بَعْضُ الغَيْبَةِ، وبـِ "هَذا" إلى غائِبٍ هو مِنَ الثُبُوتِ والحُضُورِ بِمَنزِلَةٍ وقُرْبٍ.

وقِيلَ: هو عَلى بابِهِ إشارَةٌ إلى غائِبٍ، واخْتَلَفَ في ذَلِكَ الغائِبُ، فَقِيلَ: ما قَدْ كانَ نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ: التَوْراةُ والإنْجِيلُ، وقِيلَ: اللَوْحُ المَحْفُوظُ، أيِ: الكِتابُ الَّذِي هُوَ القَدَرُ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ قَدْ كانَ وعَدَ نَبِيَّهُ أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتابًا لا يَمْحُوهُ الماءُ، فَأشارَ إلى ذَلِكَ الوَعْدِ.

وقالَ الكِسائِيُّ: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى القُرْآنِ الَّذِي في السَماءِ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدُ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ قَدْ كانَ وعَدَ أهْلَ الكِتابِ أنْ يُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ كِتابًا، فالإشارَةُ إلى ذَلِكَ الوَعْدِ، وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ في قَوْلِ مَن قالَ "الم" حُرُوفُ المُعْجَمِ الَّتِي تَحَدَّيْتُكم بِالنَظْمِ مِنها.

ولَفْظُ "الكِتابُ" مَأْخُوذٌ مِن كَتَبْتُ الشَيْءَ إذا جَمَعْتُهُ وضَمَمْتُ بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ كَكُتَبِ الخَرْزِ -بِضَمِّ الكافِ وفَتْحِ التاءِ- وكُتَبِ الناقَةِ.

ورَفْعُ "الكِتابُ" يَتَوَجَّهُ عَلى البَدَلِ، أو عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، أو عَلى عَطْفِ البَيانِ.

ولا "رَيْبَ فِيهِ" مَعْناهُ: لا شَكَّ فِيهِ، ولا ارْتِيابَ بِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ في ذاتِهِ لا رَيْبَ فِيهِ، وإنْ وقَعَ رَيْبٌ لِلْكُفّارِ.

وقالَ قَوْمٌ: لَفْظُ قَوْلِهِ: "لا رَيْبَ فِيهِ" لَفْظُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ النَهْيُ، وقالَ قَوْمٌ: هو عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ، أيْ: عِنْدَ المُؤْمِنِينَ، وهَذا ضَعِيفٌ، وقَرَأ الزُهْرِيٌّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "فِيهِ" بِضَمِّ الهاءِ، وكَذَلِكَ إلَيْهِ وعَلَيْهِ، وبِهِ، ونَصْلِهِ، ونُوَلِّهْ.

ما أشْبَهَ ذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ عَلى الأصْلِ، وقَرَأ ابْنُ إسْحاقَ: "فَيَهْوَ" بِضَمِّ الهاءِ ووَصَلَها بِواوٍ.

و"هُدًى" مَعْناهُ: رَشادٌ وبَيانٌ، ومَوْضِعُهُ، مِنَ الإعْرابِ: رُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ "ذَلِكَ"، أو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، أوِ ابْتِداءٍ وخَبَرُهُ في المَجْرُورِ قَبْلَهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُهُ نَصْبًا عَلى الحالِ مِن "ذَلِكَ"، أو مِنَ "الكِتابِ"، ويَكُونُ العامِلُ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ، أو مِنَ "الضَمِيرِ" في "فِيهِ"، والعامِلُ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وفي هَذا القَوْلِ ضَعْفٌ.

وقَوْلُهُ "لِلْمُتَّقِينَ": اللَفْظُ مَأْخُوذٌ مَن وقى، وفِعْلُهُ اتَّقى عَلى وزْنِ افْتَعَلَ، وأصْلُهُ "لِلْمُوتَّقِيِينَ"، اسْتُثْقِلَتِ الكَسْرَةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ وحُذِفَتْ لِلِالتِقاءِ، وأبْدِلَتِ الواوُ تاءً عَلى أصْلِهِمْ في اجْتِماعِ الواوِ والتاءِ، وأُدْغِمَتِ التاءُ في التاءِ فَصارَ "لِلْمُتَّقِينَ"، والمَعْنى لِلَّذِينِ يَتَّقُونَ اللهَ تَعالى بِامْتِثالِ أوامِرِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، كانَ ذَلِكَ وِقايَةً بَيْنِهِمْ وبَيْنَ عَذابِ اللهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ذلك الكتاب ﴾ .

مبدأ كلام لا اتصال له في الإعراب بحروف ﴿ الم ﴾ [البقرة: 1] كما علمتَ مما تقدم على جميع الاحتمالات كما هو الأظهر.

وقد جوز صاحب «الكشاف» علَى احتمال أن تكون حروف ﴿ ألم ﴾ مسوقة مساق التهجي لإظهار عجز المشركين عن الإتيان بمثل بعض القرآن، أَن يكون اسمُ الإشارة مشاراً به إلى ﴿ الم ﴾ باعتباره حرفاً مقصوداً للتعجيز، أي ذلك المعنى الحاصل من التهجي أي ذلك الحروف باعتبارها من جنس حروفكم هي الكتابُ أي منها تراكيبه فما أَعجزَكم عن معارضته، فيكون ﴿ الم ﴾ جملة مستقلة مسوقة للتعريض.

واسم الإشارة مبتدأ و(الكتابُ) خبراً.

وعلى الأظهر تكون الإشارة إلى القرآن المعروف لَدَيْهم يومئذٍ واسم الإشارة مبتدأ و(الكتاب) بدل وخبرُه ما بعده، فالإشارة إلى (الكتاب) النازِل بالفعل وهي السور المتقدمة على سورة البقرة؛ لأن كل ما نزل من القرآن فهو المعبر عنه بأنه القرآن وينضم إليه ما يلحق به، فيكون (الكتاب) على هذا الوجه أطلق حقيقة على ما كُتب بالفعل، ويكون قوله (الكتاب) على هذا الوجه خبراً عن اسم الإشارة، ويجوز أن تكون الإشارة إلى جميع القرآن ما نزل منه وما سينزل لأن نزوله مترقَّب فهو حاضر في الأذهان فشبه بالحاضر في العيان، فالتعريف فيه للعهد التقديري والإشارة إليه للحضور التقديري فيكون قوله (الكتاب) حينئذٍ بدلاً أو بياناً من ﴿ ذلك ﴾ والخبر هو ﴿ لا ريب فيه ﴾ .

ويجوز الإتيان في مثل هذا باسم الإشارة الموضوع للقريب والموضوع للبعيد، قال الرضي «وُضِع اسم الإشارة للحضور والقرببِ لأنه للمشار إليه حسًّا ثم يصح أن يشار به إلى الغائب فيصح الإتيان بلفظ البعد لأن المحكي عنه غائب، ويقل أن يذكر بلفظ الحاضر القريب فتقول جاءني رجل فقلت لذلك الرجل وقلت لهذا الرجل، وكذا يجوز لك في الكلام المسموع عن قريب أن تشير إليه بلفظ الغيبة والبعد كما تقول: «واللَّهِ وذلك قسم عظيم» لأن اللفظ زال سماعه فصار كالغائب ولكن الأغلب في هذا الإشارةُ بلفظ الحضور فتقول وهذا قسم عظيم» ا ه، أي الأكثر في مثله الإتيان باسم إشارة البعيد ويقل ذكره بلفظ الحاضر، وعكس ذلك في الإشارة للقول.

وابن مالك في «التسهيل» سوَّى بين الإتيان بالقريب والبعيد في الإشارة لكلام متقدم إذ قال: وقد يتعاقبان (أي اسم القريب والبعيد) مشاراً بهما إلى ماوَلياه أي من الكلام، ومثَّله شارحه بقوله تعالى بعد قصة عيسى: ﴿ ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم ﴾ [آل عمران: 58] ثم قال: ﴿ إن هذا لهو القصص الحق ﴾ [آل عمران: 62] فأشار مرة بالبعيد ومرة بالقريب والمشار إليه واحد، وكلام ابن مالك أوفق بالاستعمال إذ لا يكاد يحصر ما ورد من الاستعمالين فدعوى الرضي قلة أن يذكر بلفظ الحاضر دعوى عريضة.

وإذا كان كذلك كان حكم الإشارة إلى غائب غير كلام مثلَ الإشارة إلى الكلام في جواز الوجهين لكثرة كليهما أيضاً، ففي القرآن: ﴿ فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه ﴾ [القصص: 15] فإذا كان الوجهان سواء كان ذلك الاستعمال مجالاً لتسابق البلغاء ومراعاة مقتضيات الأحوال، ونحن قد رأيناهم يتخيرون في مواقع الإتيان باسم الإشارة ما هو أشد مناسبة لذلك المقام فدلنا على أنهم يعرِّفون مخاطبيهم بأغراض لا قبل لتعرفها إلا إذا كان الاستعمال سواء في أصل اللغة ليكون الترجيح لأحد الاستعمالين لا على معنى، مثل زيادة التنبيه في اسم الإشارة البعيد كما هنا، وكما قال خُفاف بن نَدْبة: أقول لَه والرمحُ يأطر مَتْنَه *** تأمل خُفَافاً إِنني أَنَا ذلك وقد يؤتى بالقريب لإظهار قلة الاكتراث كقول قيس بن الخَطِيم في «الحماسة»: متَى يأتتِ هذَا الموتُ لا يلففِ حاجة *** لنفسيَ إلا قد قضيتُ قضاءها فلا جرم أن كانت الإشارة في الآية باستعمال اسم الإشارة للبعيد لإظهار رفعة شأن هذا القرآن لجعله بعيد المنزلة.

وقد شاع في الكلام البليغ تمثيل الأمر الشريف بالشيء المرفوع في عزة المنال لأن الشيء النفيس عزيز على أهله فمن العادة أن يجعلوه في المرتفعات صوناً له عن الدروس وتناول كثرة الأيدي والابتذال، فالكتاب هنا لما ذكر في مقام التحدي بمعارضته بما دلت عليه حروف التهجي في ﴿ الم ﴾ [البقرة: 1] كان كالشيء العزيز المنال بالنسبة إلى تناولهم إياه بالمعارضة أو لأنه لصدق معانيه ونفع إرشاده بعيد عمن يتناوله بهُجر القول كقولهم: ﴿ افتراه ﴾ [يونس: 38] وقولهم: ﴿ أساطير الأولين ﴾ [الأنعام: 25].

ولا يرد على هذا قوله: ﴿ وهذا كتاب أنزلناه ﴾ [الأنعام: 92] فذلك للإشارة إلى كتاب بين يدي أهله لترغيبهم في العكوف عليه والإتعاظ بأوامره ونواهيه.

ولعل صاحب «الكشاف» بنى على مثل ما بنى عليه الرضي فلم يعُدَّ: ﴿ ذلك الكتاب ﴾ تنبيهاً على التعظيم أو الاعتبار، فللَّه در صاحب «المفتاح» إذ لم يُغفل ذلك فقال في مقتضِيات تعريف المسند إليه بالإشارة: أوْ أنْ يقصد ببعده تعظيمه كما تقول في مقام التعظيم ذلك الفاضل وأولئك الفحول وكقوله عز وعلا: ﴿ الم ذلك الكتاب ﴾ ذهاباً إلى بعده درجةً.

وقوله: ﴿ الكتاب ﴾ يجوز أن يكون بدلاً من اسم الإشارة لقصد بيان المشار إليه لعدم مشاهدته، فالتعريف فيه إذن للعهد، ويكون الخبر هو جملة ﴿ لا ريب فيه ﴾ ، ويجوز أن يكون (الكتاب) خبراً عن اسم الإشارة ويكون التعريف تعريف الجنس فتفيد الجملة قصر حقيقة الكتاب على القرآن بسبب تعريف الجُزءين فهو إذن قصر ادِّعائي ومعناه ذلك هو الكتاب الجامع لصفات الكمال في جنس الكتب بناء على أن غيره من الكتب إذا نسبت إليه كانت كالمفقود منها وصفُ الكتاب لعدم استكمالها جميع كمالات الكتب، وهذا التعريف قد يعبر عنه النحاة في تعداد معاني لام التعريف بمعنى الدلالة على الكمال فلا يرد أنه كيف يحصر الكتاب في أنه الم أو في السورة أو نحو ذلك إذ ليس المقام مقام الحصر وإنما هو مقام التعريف لا غير، ففائدة التعريف والإشارة ظاهرية وليس شيء من ذلك لغواً بحال وإن سبق لبعض الأوهام على بعض احتمال.

و (الكتاب) فِعال بمعنى المكتوب إما مصدر كاتَب المصوغ للمبالغة في الكتابة، فإن المصدر يجئ بمعنى المفعول كالخَلق، وإما فعال بمعنى مَفعول كلِباس بمعنى ملبوس وعِماد بمعنى مَعمود به.

واشتقاقه من كَتَب بمعنى جمع وضم لأن الكتاب تجمع أوراقه وحروفه، فإن النبيء صلى الله عليه وسلم أمر بكتابة كل ما ينزل من الوحي وجعل للوحي كتاباً، وتسمية القرآن كتاباً إشارة إلى وجوب كتابته لحفظه.

وكتابة القرآن فرض كفاية على المسلمين.

﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ .

حال من الكتاب أو خبر أول أو ثان على ما مر قريباً.

والريب الشك وأصل الريب القلق واضطراب النفس، وريبُ الزماننِ وريبُ المنون نوائِب ذلك، قال الله تعالى: ﴿ تتربص به ريب المنون ﴾ [الطور: 30] ولما كان الشك يلزمه اضطراب النفس وقلقها غلب عليه الريب فصار حقيقة عرفية يقال رابه الشيء إذا شككه أي بِجَعللِ ما أوجب الشك في حاله فهو متعد، ويقال أرابه كذلك إذ الهمزة لم تكسبه تعدية زائدة فهو مثل لَحِق وأَلْحق، وزَلَقه وأزلقه وقد قيل إن أراب أضعف من راب أراب بمعنى قَرَّبه من أن يشك قاله أبو زيد، وعلى التفرقة بينهما قال بشار: أخوك الذي إن ربته قال إنما *** أرَبْتَ وإن عاتبتَه لان جانبه وفي الحديث: " دع ما يُريبك إلى ما لا يُريبك " أي دع الفعل الذي يقربك من الشك في التحريم إلى فعل آخر لا يدخل عليك في فعله شك في أنه مباح.

ولم يختلف متواتر القراء في فتح ﴿ لا ريب ﴾ نفياً للجنس على سبيل التنصيص وهو أبلغه لأنه لو رفعَ لاحتمل نفي الفرد دون الجنس فإن كان الإشارة بقوله: ﴿ ذلك ﴾ إلى الحروف المجتمعة في ﴿ الم ﴾ على إرادة التعريض بالمتحَدَّيْنَ وكان قوله: ﴿ الكتاب ﴾ خبراً لاسم الإشارة على ما تقدم كان قوله: ﴿ لا ريب ﴾ نفياً لريب خاص وهو الريب الذي يعرض في كون هذا الكتاب مؤلفاً من حروف كلامهم فكيف عجزوا عن مثله، وكان نفي الجنس فيه حقيقة وليس بادعاء، فتكون جملة ﴿ لا ريبَ ﴾ منزَّلة منزِلةَ التأكيد لمفاد الإشارة في قوله: ﴿ ذلك الكتاب ﴾ وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون المجرور وهو قوله: ﴿ فيه ﴾ متعلقاً بريب على أنه ظرف لغو فيكون الوقف على قوله: ﴿ وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه ﴾ [الشورى: 7] وقوله: ﴿ ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه ﴾ [آل عمران: 9] ويجوز أن يكون قوله: ﴿ فيه ﴾ ظرفاً مستقراً خبراً لقوله بعده: ﴿ هدى للكتقين ﴾ ومعنى «في» هو الظرفية المجازية العرفية تشبيهاً لدلالة اللفظ باحتواء الظرف فيكون تخطئة للذين أعرضوا عن استماع القرآن فقالوا: ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ [فصلت: 26] استنزالاً لطائر نفورهم كأنه قيل هذا الكتاب مشتمل على شيء من الهدى فاسمعوا إليه ولذلك نكر الهدى أي فيه شيء من هدى على حد قول النبيء صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: " إنك امْرؤ فيك جاهلية " ويكون خبر (لا) محذوفاً لظهوره أي لا ريب موجود، وحذف الخبر مستعمل كثيراً في أمثاله نحو: ﴿ قالوا لا ضير ﴾ [الشعراء: 50] وقول العرب لا بأس، وقول سعد بن مالك: من صد عن نيرانها *** فأنا ابن قيس لا بَرَاحُ أي لا بقاء في ذلك، وهو استعمال مجازي فيكون الوقف على قوله: ﴿ لا ريب ﴾ وفي «الكشاف» أن نافعاً وعاصماً وقفا على قوله: وإن كانت الإشارة بقوله: ذلك } إلى ﴿ الكتاب ﴾ باعتبار كونه كالحاضر المشاهد وكان قوله ﴿ الكتاب ﴾ بدلاً من اسم الإشارة لبيانه فالمجرور من قوله: ﴿ فيه ﴾ ظرف لغو متعلق بريب وخبر لا محذوف على الطريقة الكثيرة في مثله، والوقف على قوله ﴿ فيه ﴾ ، فيه معنى نفي وقوع الريب في الكتاب على هذا الوجه نفي الشك في أنه منزل من الله تعالى لأن المقصود خطاب المرتابين في صدق نسبته إلى الله تعالى وسيجئ خطابهم بقوله: ﴿ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ﴾ [البقرة: 23] فارتيابهم واقع مشتهر، ولكن نزل ارتيابهم منزلة العدم لأن في دلائل الأحوال ما لو تأملوه لزال ارتيابهم فنزل ذلك الارتياب مع دلائل بطلانه منزلة العدم.

قال صاحب «المفتاح»: «ويقلبون القضية مع المنكر إذا كان معه ما إن تأمله ارتدع فيقولون لمنكر الإسلام: الإسلام حق وقوله عز وجل في حق القرآن: ﴿ لا ريب فيه ﴾ وكم من شقي مرتاب فيه وارد على هذا فيكون المركب الدال على النفي المؤكد للريب مستعملاً في معنى عدم الاعتداد بالريب لمشابهة حال المرتاب في وهن ريبه بحال من ليس بمرتاب أصلاً على طريقة التمثيل.

ومن المفسرين من فسر قوله تعالى: ﴿ لا ريب فيه ﴾ بمعنى أنه ليس فيه ما يوجب ارتياباً في صحته أي ليس فيه اضطراب ولا اختلاف فيكون الريب هنا مجازاً في سببه ويكون المجرور ظرفاً مستقراً خبرَ (لا) فيَنظُر إلى قوله تعالى: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ﴾ [النساء: 82] أي إن القرآن لا يشتمل على كلام يوجب الريبة في أنه من عند الحق رب العالمين، من كلام يناقض بعضه بعضاً أو كلام يجافي الحقيقة والفضيلة أو يأمر بارتكاب الشر والفساد أو يصرف عن الأخلاق الفاضلة، وانتفاء ذلك عنه يقتضي أن ما يشتمل عليه القرآن إذا تدبَّر فيه المتدبرُ وجده مفيداً اليقين بأنه من عند الله والآية هنا تحتمل المعنيين فلنجعلهما مقصودين منها على الأصل الذي أصلناه في المقدمة التاسعة.

وهذا النفي ليس فيه ادعاء ولا تنزيل فهذا الوجه يغني عن تنزيل الموجود منزلة المعدوم فيفيد التعريض بما بين يدي أهل الكتاب يومئذٍ من الكتب فإنها قد اضطربت أقوالها وتخالفت لما اعتراها من التحريف وذلك لأن التصدي للإخبار بنفي الريب عن القرآن مع عدم وجود قائل بالريب فيما تضمنه أي بريب مستند لموجب ارتياب إذ قصارى ما قالوه فيه أقوال مجملة مثل هذا سحر، هَذا أساطير الأولين يدل ذلك التحدي على أن المراد التعريض لا سيما بعد قوله: ﴿ ذلك الكتاب ﴾ كما تقول لمن تكلم بعد قوم تكلموا في مجلس وأنتَ ساكت: هذا الكلام صوابٌ تعرض بغيره.

وبهذا الوجه أيضاً يتسنى اتحاد المعنى عند الوقف لدى من وقف على ﴿ فيه ﴾ ولَدى من وقف ﴿ على ريب ﴾ ، لأنه إذا اعتبر الظرف غير خبر وكان الخبر محذوفاً أمكن الاستغناء عن هذا الظرف من هاته الجملة، وقد ذكر «الكشاف» أن الظرف وهو قوله: ﴿ فيه ﴾ لم يقدم على المسند إليه وهو ﴿ ريب ﴾ (أي على احتمال أن يكون خبراً عن اسم لا) كما قُدم الظرف في قوله: ﴿ لا فيها غول ﴾ [الصافات: 47] لأنه لو قدم الظرف هنا لقصد أن كتاباً آخر فيه الريب ا ه.

يعني لأن التقديم في مثله يفيد الاختصاص فيكون مفيداً أن نفي الريب عنه مقصور عليه وأن غيره من الكتب فيه الريب وهو غير مقصود هنا.

وليس الحصر في قوله: ﴿ لا ريب فيه ﴾ بمقصود لأن السياق خطاب للعرب المتحدَّيْنَ بالقرآن وليسوا من أهل كتاب حتى يُرد عليهم.

وإنما أريد أنهم لا عذر لهم في إنكارهم أنه من عند الله إذ هم قد دُعوا إلى معارضته فعَجزوا.

نعم يستفاد منه تعريض بأهل الكتاب الذين آزروا المشركين وشجعوهم على التكذيب به بأن القرآنَ لعلو شأنه بين نظرائه من الكُتب ليس فيه ما يدعو إلى الارتياب في كونه منزلاً من الله إثارة للتدبر فيه هل يجدون ما يوجب الارتياب فيه وذلك يستطير جاثم إعجابهم بكتابهم المبدللِ المحرف فإن الشك في الحقائق رائد ظهورها.

والفجر بالمستطير بين يدي طلوع الشمس بشير بسفورها.

وقد بنَى كلامه على أن الجملة المكيفة بالقصر في حالة الإثبات لو دخل عليها نفي وهي بتلك الكيفية أفاد قصر النفي لا نفىَ القصر، وأمثلة صاحب «المفتاح» في تقديم المسند للاختصاص سوَّى فيها بين ما جاء بالإثبات وما جاء بالنفي.

وعندي فيه نظر سأذكره عند قوله تعالى: ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ [البقرة: 272].

وحكم حركة هاء الضمير أو سكونها مقررة في علم القراءات في قسم أصولها.

وقوله: ﴿ هدى للمتقين ﴾ الهدى اسم مصدر الهَدْي ليس له نظير في لغة العرب إلا سُرًى وتُقىً وبُكًى ولُغًى مصدر لغي في لغة قليلة.

وفعله هدَى هدياً يتعدى إلى المفعول الثاني بإلى وربما تعدى إليه بنفسه على طريقة الحذف المتوسع فيما تقدم في قوله تعالى: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ [الفاتحة: 6].

والهدى على التحقيق هو الدلالة التي من شأنها الإيصال إلى البغية وهذا هو الظاهر في معناه لأن الأصل عدم الترادف فلا يكون هُدى مرادفاً لدل ولأن المفهوم من الهُدى الدلالة الكاملة وهذا موافق للمعنى المنقول إليه الهدى في العرف الشرعي.

وهو أسعد بقواعد الأشعري لأن التوفيق الذي هو الإيصال عند الأشعري مِنْ خلق الله تعالى في قلب الموفَّق فيناسب تفسير الهداية بما يصلح له ليكون الذي يهدي يوصل الهداية الشرعية.

فالقرآن هدى ووصفه بالمصدر للمبالغة أي هو هاد.

والهدى الشرعي هو الإرشاد إلى ما فيه صلاح العاجل الذي لا ينقض صلاح الآجل.

وأثر هذا الهدى هو الاهتداء فالمتقون يهتدون بهديه والمعاندون لا يهتدون لأنهم لا يتدبرون، وهذا معنى لا يختلف فيه وإنما اختلف المتكلمون في منشأ حصول الاهتداء وهي مسألة لا حاجة إليها في فهم الآية.

وتفصيل أنواع الهداية تقدم عند قوله تعالى: ﴿ اهدنا الصراط ﴾ .

ومحل (هدى) إن كان هو صدر جملة أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف هو ضمير (الكتاب) فيكون المعنى الإخبار عن الكتاب بأنه الهدى وفيه من المبالغة في حصول الهداية به ما يقتضيه الإخبار بالمصدر للإشارة إلى بلوغه الغاية في إرشاد الناس حتى كانَ هو عين الهُدى تنبيهاً على رجحان هُداه على هدى ما قبله من الكتب، وإن كان الوقف على قوله ﴿ لا ريب ﴾ وكان الظرف صدرَ الجملةِ الموالية وكان قوله ﴿ هدى ﴾ مبتدأ خبره الظرف المتقدم قبله فيكون إخباراً بأن فيه هدى فالظرفية تدل على تمكن الهدى منه فيساوي ذلك في الدلالة على التمكن الوجهَ المتقدم الذي هو الإخبار عنه بأنه عين الهدى.

والمتقي من اتصف بالاتقاء وهو طلب الوقاية، والوقاية الصيانة والحفظ من المكروه فالمتقي هو الحذر المتطلب للنجاة من شيء مكروه مضر، والمراد هنا المتقين الله، أي الذين هم خائفون غضبه واستعدوا لطلب مرضاته واستجابة طلبه فإذا قرئ عليهم القرآن استمعوا له وتدبروا ما يدعو إليه فاهتدوا.

والتقوى الشرعية هي امتثال الأوامر واجتناب المنهيات من الكبائر وعدم الاسترسال على الصغائر ظاهراً وباطناً أي اتقاء ما جعل الله الاقتحام فيه موجباً غضبه وعقابه، فالكبائر كلها متوعد فاعلها بالعقاب دون اللمم.

والمراد من الهُدَى ومن المتقين في الآية معناهما اللغوي فالمراد أن القرآن من شأنه الإيصال إلى المطالب الخيرية وأن المستعدين للوصول به إليها هم المتقون أي هم الذين تجردوا عن المكابرة ونزهوا أنفسهم عن حضيض التقليد للمضلين وخشوا العاقبة وصانوا أنفسهم من خطر غضب الله هذا هو الظاهر، والمراد بالمتقين المؤمنون الذين آمنوا بالله وبمحمد وتلقوا القرآن بقوة وعزم على العمل به كما ستكشف عنهم الأوصاف الآتية في قوله تعالى: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب إلى قوله من قبلك ﴾ [البقرة: 3، 4].

وفي بيان كون القرآن هدى وكيفية صفة المتقي معان ثلاثة: الأول: أن القرآن هدى في زمن الحال لأن الوصف بالمصدر عوض عن الوصف باسم الفاعل وزمن الحال هو الأصل في اسم الفاعل والمراد حال النطق.

والمتقون هم المتقون في الحال أيضاً لأن اسم الفاعل حقيقة في الحال كما قلنا، أي إن جميع من نزه نفسه وأعدها لقبول الكمال يهديه هذا الكتاب، أو يزيده هدى كقوله تعالى: ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ﴾ [محمد: 17].

الثاني: أنه هدى في الماضي أي حصل به هدى أي بما نزل من الكتاب، فيكون المراد من المتقين من كانت التقوى شعارهم أي أن الهدى ظهر أثره فيهم فاتقوا وعليه فيكون مدحاً للكتاب بمشاهدة هديه وثناء على المؤمنين الذين اهتدوا به وإطلاق المتقين على المتصفين بالتقوى فيما مضى، وإن كان غير الغالب في الوصف باسم الفاعل إطلاق يعتمد على قرينة سياق الثناء على الكتاب.

الثالث: أنه هدى في المستقبل للذين سيتقون في المستقبل وتُعين عليه هنا قرينة الوصف بالمصدر في ﴿ هدى ﴾ لأن المصدر لا يدل على زمان معين.

حصل من وصف الكتاب بالمصدر من وفرة المعاني ما لا يحصل، لو وُصف باسم الفاعل فقيل هادٍ للمتقين، فهذا ثناء على القرآن وتنويه به وتخلص للثناء على المؤمنين الذين انتفعوا بهديه، فالقرآن لم يزل ولن يزال هدى للمتقين، فإن جميع أنواع هدايته نفعت المتقين في سائر مراتب التقوى، وفي سائر أزمانه وأزمانهم على حسب حرصهم ومبالغ علمهم واختلاف مطالبهم، فمن منتفع بهديه في الدين، ومن منتفع في السياسة وتدبير أمور الأمة، ومن منتفع به في الأخلاق والفضائل، ومن منتفع به في التشريع والتفقه في الدين، وكل أولئك من المتقين وانتفاعهم به على حسب مبالغ تقواهم.

وقد جعل أئمة الأصول الاجتهاد في الفقه من التقوى، فاستدلوا على وجوب الاجتهاد بقوله تعالى: ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ [التغابن: 16] فإن قَصَّر بأحد سعيُه عن كمال الانتفاع به، فإنما ذلك لنقص فيه لا في الهداية، ولا يزال أهل العلم والصلاح يتسابقون في التحصيل على أوفر ما يستطيعون من الاهتداء بالقرآن.

وتلتئم الجمل الأربع كمالَ الالتئمام: فإن جملة ﴿ الم ﴾ [البقرة: 1] تسجيل لإعجاز القرآن وإنحاء على عامة المشركين عجزهم عن معارضته وهو مؤلف من حروف كلامهم وكفى بهذا نداء على تعنتهم.

وجملة: ﴿ ذلك الكتاب ﴾ تنويه بشأنه وأنه بالغ حد الكمال في أحوال الكتب، فذلك موجه إلى الخاصة من العقلاء أن يقول لهم هذا كتاب مؤلف من حروف كلامكم، وهو بالغ حد الكمال من بين الكتب، فكان ذلك مما يوفر دواعيكم على اتباعه والافتخار بأنْ منحتموه فإنكم تعُدون أنفسكم أفضل الأمم، فكيف لا تسرعون إلى متابعة كتاب نزل فيكم هو أفضل الكتب فوزان هذا وزان قوله تعالى: ﴿ ورحمة ﴾ [الأنعام: 156، 157]، وموَجَّه إلى أهل الكتاب بإيقاظهم إلى أنه أفضل مما أوتوه.

وجملةُ: ﴿ لا ريب ﴾ إن كان الوقف على قوله: ﴿ لا ريب ﴾ تعريضٌ بكل المرتابين فيه من المشركين وأهل الكتاب أي إن الارتياب في هذا الكتاب نشأ عن المكابرة، وأن (لا ريب) فإنه الكتاب الكامل، وإن كان الوقف على قوله: ﴿ فيه ﴾ كان تعريضاً بأهل الكتاب في تعلقهم بمحرف كتابيهم مع ما فيهما من مثار الريب والشك من الاضطراب الواضح الدال على أنه من صنع الناس، قال تعالى: ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ﴾ [النساء: 82].

وقال في «الكشاف»: ثم لم تخل كل واحدة من هذه الأربع بعد أن نظمت هذا التنظيم السري من نكتة ذاتتِ جزالة: ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر وهو الهدى موضع الوصف وإيراده منكراً والإيجاز في ذكر المتقين ا ه.

فالتقوى إذن بهذا المعنى هي أساس الخير، وهي بالمعنى الشرعي الذي هو غاية المعنى اللغوي جماع الخيرات.

قال ابن العربي لم يتكرر لفظ في القرآن مثلما تكرر لفظ التقوى اهتماماً بشأنها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، لِيَكُونَ إخْبارًا عَنْ ماضٍ.

والثّانِي: يَعْنِي بِهِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ قَبْلَ هَذا بِمَكَّةَ والمَدِينَةِ، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ.

والثّالِثُ: يَعْنِي هَذا الكِتابَ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ في الإشارَةِ إلى حاضِرٍ، وإنْ كانَ مَوْضُوعًا لِلْإشارَةِ إلى غائِبٍ، قالَ خُفافُ بْنُ نُدْبَةَ أقُولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنُهُ تَأمَّلْ خُفافًا إنَّنِي أنا ذَلِكا وَمَن قالَ بِالتَّأْوِيلِ الأوَّلِ: أنَّ المُرادَ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، اخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ بِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المُخاطَبَ بِهِ النَّبِيُّ  ، أيْ ذَلِكَ الكِتابُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، هو الَّذِي أنْزَلْتُهُ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُخاطَبَ بِهِ اليَهُودُ والنَّصارى، وتَقْدِيرُهُ: أنَّ ذَلِكَ الَّذِي وعَدْتُكم بِهِ هو هَذا الكِتابُ، الَّذِي أنْزَلْتُهُ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ السَّلامُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرَّيْبَ هو الشَّكُّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرى: لَيْسَ في الحَقِّ يا أُمَيْمَةُ رَيْبٌ ∗∗∗ إنَّما الرَّيْبُ ما يَقُولُ الجَهُولُ والتَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ الرَّيْبَ التُّهْمَةُ ومِنهُ قَوْلُ جَمِيلٍ: بُثَيْنَةُ قالَتْ: يا جَمِيلُ أرَبْتَنِيُ ∗∗∗ فَقُلْتُ: كِلانا يا بُثَيْنَ مُرِيبُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ يَعْنِي بِهِ هُدًى مِنَ الضَّلالَةِ.

وَفي المُتَّقِينَ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وأدَّوْا ما افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَحْذَرُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى عُقُوبَتَهُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وبَرِئُوا مِنَ النِّفاقِ وهَذا فاسِدٌ، لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ، وهو فاسِقٌ وإنَّما خَصَّ بِهِ المُتَّقِينَ، وإنْ كانَ هُدًى لِجَمِيعِ النّاسِ، لِأنَّهم آمَنُوا وصَدَّقُوا بِما فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: من أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين، ومن أربعين آية إلي عشرين ومائة في بني إسرائيل.

وأخرج وكيع عن مجاهد قال: هؤلاء الآيات الأربع في أول سورة البقرة إلى ﴿ المفلحون ﴾ نزلت في نعت المؤمنين، واثنتان من بعدها إلى ﴿ عظيم ﴾ نزلت في نعت الكافرين، وإلى العشر نزلت في المنافقين.

وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال: أربع آيات من فاتحة سورة البقرة في الذين آمنوا، وآيتان في قادة الأحزاب.

وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن مسعود ﴿ الم ﴾ حرف اسم الله، و ﴿ الكتاب ﴾ القرآن ﴿ لا ريب ﴾ لا شك فيه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذلك الكتاب ﴾ قال: هذا الكتاب.

وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصحف عن عكرمة.

مثله.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا ريب فيه ﴾ قال: لا شك فيه.

وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء قال: ﴿ الريب ﴾ الشك من الكفر.

وأخرج الطستي في مسائل ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ لا ريب فيه ﴾ قال: لا شك فيه قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت ابن الزبعرى وهو يقول: ليس في الحق يا أمامة ريب ** إنما الريب ما يقول الكذوب وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ لا ريب فيه ﴾ قال: لا شك فيه.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله.

قوله تعالى: ﴿ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ أخرج وكيع وابن جرير عن الشعبي في قوله: ﴿ هدى ﴾ قال: من الضلالة.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ هدى ﴾ قال: نور ﴿ للمتقين ﴾ قال: هم المؤمنون.

وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ هدى للمتقين ﴾ أي الذين يحذرون من أمر الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء منه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ هدى للمتقين ﴾ قال: للمؤمنين الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعتي.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ هدى للمتقين ﴾ قال: جعله الله هدى وضياء لمن صدَّق به، ونور للمتقين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل قال: يُحبَسُ الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فينادي منادٍ: أين المتقون؟

فيقومون في كنف من الرحمن، لايحتجب الله منهم، ولا يستتر.

قيل: من المتقون؟

قال: قوم اتقوا الشرك، وعبدة الأوثان واخلصوا، لله العبادة، فيمرون إلى الجنة.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن عطية السعدي وكان من الصحابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبلغ العبد المؤمن أن يكون من المتقين، حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به بأس» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن أبي هريرة.

أن رجلاً قال له: ما التقوى؟

قال: هل أخذت طريقاً ذا شوك؟

قال: نعم.

قال: فكيف صنعت؟

قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه، أو جاوزته، أو قصرت عنه، قال: ذاك التقوى.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم عن طلق بن حبيب أنه قيل له: ألا تجمع لنا التقوى في كلام يسير يرونه؟

فقال: التقوى العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء رحمة الله، والتقوى ترك معاصي الله على نور من الله مخافة عذاب الله.

وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء قال: تمام التقوى أن يتقي الله العبدُ، حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حرماً.

يكون حجاباً بينه وبين الحرام.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام.

واخرج ابن أبي الدنيا عن سفيان الثوري قال: إنما سموا المتقين لأنهم اتقوا ما لا يتقى.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن المبارك قال: لو أن رجلاً اتقى مائة شيء ولم يتق شيئاً واحداً، لم يكن من المتقين.

واخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن عون بن عبد الله قال: تمام التقوى أن تبتغي علم ما لم تعلم منها، إلى ما قد علمت منها.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن رجاء قال: من سره أن يكون متقياً فليكن أذل من قعود إبل، كل من أتى عليه أرغاه.

وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق مالك بن أنس عن وهب بن كيسان قال: كتب رجل إلى عبد الله بن الزبير بموعظة.

أما بعد...

فإن لأهل التقوى علامات يُعْرَفون بها ويُعرِفونها من أنفسهم.

من صبر على البلاء، ورضي بالقضاء، وشكر النعماء، وذل لحكم القرآن.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك قال: قال داود لابنه سليمان عليه السلام: يا بني إنما تستدل على تقوى الرجل بثلاثة أشياء: لحسن توكله على الله فيما نابه، ولحسن رضاه فيما أتاه، ولحسن زهده فيما فاته.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن سهم بن سحاب قال: معدن من التقوى لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله.

واخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا عن سعيد بن أبي سعيد المقبري قال: بلغنا أن رجلاًً جاء إلى عيسى فقال: يا معلم الخير كيف أكون تقياً لله كما ينبغي له؟

قال: بيسير من الأمر.

تحب الله بقلبك كله، وتعمل بكدحك وقوتك ما استطعت، وترحم ابن جنسك كما ترحم نفسك.

قال: من ابن جنسي يا معلم الخير؟

قال: ولد آدم كلهم، وما لا تحب أن يؤتى إليك فلا تأته إلى أحد فأنت تقي لله حقاً.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أياس بن معاوية قال: رأس التقوى ومعظمه أن لا تعبد شيئاً دون الله، ثم تتفاضل الناس بالتقى والنهى.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عون بن عبد الله قال: فواتح التقوى حسن النية، وخواتمها التوفيق، والعبد فيما بين ذلك، بين هلكات وشبهات، ونفس تحطب على سلوها، وعدو مكيد غير غافل ولا عاجز.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن محرز الطفاري قال: كيف يرجو مفاتيح التقوى من يؤثر على الآخرة الدنيا؟!.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز قال: ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله، ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيراً فهو خير إلى خير.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن محمد بن يوسف الفريابي قال: قلت لسفيان أرى الناس يقولون سفيان الثوري، وأنت تنام الليل؟

فقل لي: اسكت...

ملاك هذا الأمر التقوى.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن شبيب قال: تكلم رجل من الحكماء عند عبد الملك بن مروان، فوصف المتقي فقال: رجل آثر الله على خلقه، وآثر الآخرة على الدنيا، ولم تكربه المطالب، ولم تمنعه المطامع، نظر ببصر قلبه إلى مثالي إرادته، فسما لها ملتمساً لها، فزهده مخزون، يبيت إذا نام الناس ذا شجون، ويصبح مغموماً في الدنيا مسجون، قد انقطعت من همته الراحة دون منيته، فشفاؤه القرآن، ودواؤه الكلمة من الحكمة والموعظة الحسنة، لا يرى منها الدنيا عوضاً، ولا يستريح إلى لذة سواها.

فقال عبد الملك: أشهد أن هذا أرجى بالاً منا، وأنعم عيشاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو نعيم في الحلية عن ميمون بن مهران قال: لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه، حتى تعلم من أين مطعمه، ومن أين ملبسه، ومن أين مشربه، أمن حل ذلك أو من حرام؟.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز.

أنه لما وُلي حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أوصيكم بتقوى الله، فإن تقوى الله خلف من كل شيء، وليس من تقوى الله خلف.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز قال: يا أيها اتقوا الله، فإنه ليس من هالك إلا له خلف إلا التقوى.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن قتادة قال: لما خلق الله الجنة قال لها تكلمي قالت: طوبى للمتقين.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: القيامة عرس المتقين.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن محمد بن يزيد الرحبي قال: قيل لأبي الدرداء: إنه ليس أحد له بيت في الأنصار إلا قال شعراً، فما لك لا تقول؟!

قال: وأنا قلت فاستمعوه: يريد المرءُ أن يُعطي مُناهُ ** ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرءُ فائدتي وذخري ** وتقوى الله أفضل ما استفادا وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العفيف وكان من أصحاب معاذ بن جبل قال: يدخل أهل الجنة على أربعة أصناف: المتقين، ثم الشاكرين، ثم الخائفين، ثم أصحاب اليمين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ ذَالِكَ اَلكِتَبُ ﴾ .

قال أبو الهيثم (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) وقال الزجاج (١٠) (١١) قال أبو الفتح الموصلي (١٢) (اللام) قد تزاد في الكلمة مبنية (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) وأما (٢٤) (٢٥) (٢٦) والدليل (٢٧) (٢٨) والعرب قد تزيد (الكاف) للخطاب كقولهم: (النجاءك) أي: انج، ولو كانت (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) وزاد غيره بيانا فقال: (الكاف) في (ذلك) حرف، وفي (غلامك) وأشباهه اسم، الدليل على هذا أنك تؤكد (الكاف) في غلامك، كما تؤكد الاسم، فتقول: جاءني غلامك نفسك، ولا تؤكد (الكاف) في ذلك، فلا يجوز أن تقول: ذلك نفسك، على معنى تأكيد (الكاف) بالنفس (٣٣) قوله تعالى: ﴿ الْكِتَابُ ﴾ يقال: كتب يكتب كتابًا وكَتْبًا وكتابةً.

و (الكتاب) أيضا اسم لما كتب، وهو من باب تسمية المفعول بالمصدر، وهو كثير (٣٤) (٣٥) (٣٦) ويقال: كتبت السقاء أكتبه كَتْبًا إذا خرزته (٣٧) (٣٨) (٣٩) فأما التفسير فقوله (٤٠) ﴿ ذلك ﴾ يجوز أن يكون بمعنى: (هذا) عند كثير من المفسرين وأهل المعاني (٤١) قال الفراء: وإنما يجوز (ذلك) بمعنى: (هذا) لما مضى، وقرب وقت تقضيه، أو تقضي ذكره، فأما الموجود الحاضر (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) وتقول: أنفقت ثلاثة وثلاثة، فذلك ستة، وإن شئت قلت: فهذا ستة، وقد قال الله عز وجل: ﴿ فَحَشَرَ فَنَادَى  ﴾ تْم قال: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى  ﴾ ، وقال: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ﴾ (٤٨) ﴿ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا  ﴾ (٤٩) وقال محمد بن جرير: أشار بقوله: ﴿ ذلك ﴾ إلى ما تقدم ومضى من قوله: ﴿ الم ﴾ لأن كل ما تقضى (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) ﴿ الم ﴾ التي ذكرنا تصرفها في وجوهها من المعاني، قال: يا محمد هذا الذي ذكرته وبينته لك: الكتاب، [فحسن وضع (ذلك) في موضع (هذا) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) وقال يمان بن رباب (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) وهذان القولان (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) أما ابن الانباري فقال: إنما قال عز (٦٦) ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ ﴾ ، فأشار إلى غائب، لأنه (٦٧)  ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا  ﴾ ، كان  واثقا بوعد الله إياه، فلما أنزل عليه ﴿ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ  ﴾ .

دله على (٦٨) (٦٩) وقال الزجاج: القرآن، ذلك الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى وعيسى (٧٠) فجعل ﴿ الم ﴾ بمعنى القرآن، لأنه من القرآن فهو قرآن.

والمراد بالكتاب هاهنا: القرآن في (٧١) (٧٢) والمراد به المفعول (٧٣) (٧٤) وهذا (٧٥) (٧٦) (٧٧) (٧٨) ﴿ الم ﴾ متعلقا بما بعده، فهو ابتداء، وخبره] (٧٩) ﴿ ذلك ﴾ ، والكتاب تفسير وبيان (٨٠) (٨١) ﴿ الم ﴾ ابتداء، ﴿ وذلك ﴾ ابتداء آخر، و ﴿ الكتاب ﴾ خبره، وجملة الكلام خبر الابتداء الأول.

وإن (٨٢) ﴿ الم ﴾ منقطعًا مما بعده، فـ ﴿ ذلك ﴾ ابتداء، وخبره ﴿ هُدًى ﴾ (٨٣) وقوله تعالى: ﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ .

الريب: الشك يقال: رابني فلن يريبني أي: علمت من الريبة، وأرابني (٨٤) (٨٥) أَخُوكَ الذي إنْ رِبْتَهُ قَالَ إنَّمَا ...

أرَابَ وإنْ عَاتَبْتَهُ (٨٦) (٨٧) أراد أنه (٨٨) (٨٩) (٩٠) وقال سيبويه: (أراب) الرجل أي: صار صاحب ريبة.

كما قالوا: ألام أي: استحق أن يلام (٩١) (٩٢) (٩٣) وقال أبو زيد (٩٤) (٩٥) (٩٦) (٩٧) (٩٨) والحذاق (٩٩) (١٠٠) وموضح (ريب) نصب (١٠١) (١٠٢) (١٠٣) (١٠٤) (١٠٥) (١٠٦) فإن قلت: (هل رجل في الدار) أو (لا رجلٌ في الدار)، جاز أن يكون في الدار رجلان، لأنك إنما أخبرت أنه ليس فيها واحد، فيجوز أن يكون فيها أكثر منه، فإذا قلت: (لا رجلَ في الدار)، فهو نفي عام، وكذلك ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ (١٠٧) ﴿ لا رَيْبَ ﴾ رفع بالابتداء عند سيبويه، لأنه بمنزلة خمسة (١٠٨) (١٠٩) لا أُمَّ لي إنْ (١١٠) (١١١) (١١٢) (١١٣) ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ (197)  ﴾ ، إن شاء الله.

وقوله تعالى: ﴿ فِيهِ ﴾ .

يجوز (١١٤) ﴿ لَا رَيْبَ ﴾ ويجوز: أن تجعله صفة لقوله ﴿ لَا رَيْبَ ﴾ ، وإذا جعلته صفة أضمرت الخبر، كأنه قيل: لا ريب فيه واقع أو كائن، فإن جعلته خبرا كان موضعه رفعا من وجهين: أحدهما: بكونه خبرًا (١١٥) (١١٦) (١١٧) وإن جعلت (فيه) صفة، ولم تجعله خبرا، كان موضعه نصبا في قول من وصف على اللفظ (١١٨) (١١٩) (١٢٠) فلا أبَ وابْنًا مِثْلُ مَرْوانَ (١٢١) ومن وصفه على الموضع (١٢٢) لا أمَّ لي إنْ كان ذَاكَ ولا أَبُ (١٢٣) كان موضعه على هذا رفعا (١٢٤) ﴿ فِيهِ ﴾ : قراءتان، إشباع (الهاء) حتى تلحق به (ياء) وكذلك في (الهاء) المضمومة (١٢٥) (١٢٦) والباقون يقتصرون على الضمة والكسرة (١٢٧) وأصل (الهاء) في ﴿ فيه ﴾ الضم، لأن الأصل (فيهو) كما ذكرنا في (عليهو) ثم كسرت (الهاء) للعلة التي ذكرنا في (عليهم) (١٢٨) (١٢٩) (١٣٠) (١٣١) (١٣٢) ألا ترى أن من قال: (رُدُّ)، فأتبع الضمة الضمة، فإذا وصل الفعل بضمير (١٣٣) (١٣٤) (١٣٥) (١٣٦) (١٣٧) ومثل (الهاء) (١٣٨) (١٣٩) (١٤٠) (١٤١) (١٤٢) (١٤٣) (١٤٤) (١٤٥) (١٤٦) (١٤٧) وأما ابن كثير: فإنه يتبع هذه (الهاء) في الوصل (الواو) و (الياء) (١٤٨) (١٤٩) (١٥٠) (١٥١) (١٥٢) و (النون) عند الجميع في وزن الشعر بمنزلة الدال والصاد (١٥٣) (١٥٤) (١٥٥) وقوله تعالى ﴿ هُدًى ﴾ : قال سيبويه: قلّما (١٥٦) (١٥٧) (١٥٨) (١٥٩) (١٦٠) (١٦١) (١٦٢) (١٦٣) (١٦٤) (١٦٥) (١٦٦) وقال أناس من النحويين (١٦٧) (١٦٨) وبعد عطائك المائة الرتاعا (١٦٩) فيجري (١٧٠) (١٧١) (١٧٢) (١٧٣) وفسروه على حاجتي (١٧٤) (١٧٥) (١٧٦) (١٧٧) وزعم الأخفش: أن من العرب (١٧٨) (١٧٩) ومعنى الهدى: البيان، لأنه قد قوبل به الضلال في قوله عز وجل ﴿ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ  ﴾ ، [أي من قبل هداه] (١٨٠) وقوله تعالى: ﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .

الاتقاء في اللغة: الحجز بين الشيئين، يقال: اتقاه بترسه، أي: جعل الترس حاجزا بينه وبينه، واتقاه بحقه، إذا وفاه (١٨١) (١٨٢)  ، وكان أقربنا إلى العدو (١٨٣) (١٨٤) (١٨٥) وكان (اتقى) (١٨٦) (١٨٧) (١٨٨) (١٨٩) (١٩٠) (١٩١) (١٩٢) وقال أبو الفتح الموصلي (١٩٣) (١٩٤) (١٩٥) والعلة في قلب هذه الواو (تاء)، أنهم لو لم يقلبوها (تاء) لوجب أن يقلبوها إذا انكسر ما قبلها (ياء)، فيقولوا: (١٩٦) (١٩٧) (١٩٨) (١٩٩) (٢٠٠) (٢٠١) (٢٠٢) (٢٠٣) (٢٠٤) (٢٠٥) (٢٠٦) (٢٠٧) وإدغام (الياء) في (التاء) على هذه الجهة، إنما يجوز إذا كانت (٢٠٨) (٢٠٩) (٢١٠) (٢١١) (٢١٢) (٢١٣) وقد بني على هذا الإدغام أسماء كثيرة، وهي: التُّخَمَة والتُّجَاه (٢١٤) (٢١٥) الحراني (٢١٦) (٢١٧) (٢١٨) أنشدني عيسى بن عمر (٢١٩) جَلَاهَا الصَّيْقَلُونَ فَأخْلَصوهَا ...

خِفَافاً كُلُّهَا يَتَّقِي بِأَثْرِ (٢٢٠) (٢٢١) وقال أوس بن حجر: تَقَاكَ بِكَعْب وَاحِدٍ وَتَلَذُّهُ ...

يَدَاكَ إذَا مَا هُزَّ بالكَفِّ يَعْسِلُ (٢٢٢) أي اتقاك، ومعناه: جعل بينك وبينه كعبا واحدا (٢٢٣) (٢٢٤) (٢٢٥) (٢٢٦) قال: ويقال: إبلك (٢٢٧) (٢٢٨) وقوله: (تقاك) تقديره (٢٢٩) (٢٣٠) (٢٣١) (٢٣٢) قال الأزهري: اتَّقَى كان في الأصل (اوْتَقَى) فأدغمت الواو في التاء وشددت فقيل (اتَّقَى) ثم حذفوا ألف الوصل، والواو التي انقلبت تاء، فقيل: تَقَى يَتَقِى، بمعنى (٢٣٣) قال السكري: وتَقَى يَتَقِى بفتح (التاء) شاذ جدا، لأنه لا يقال: تَضح بمعنى اتَّضح (٢٣٤) (٢٣٥) قال (٢٣٦) (٢٣٧) (٢٣٨) والمراد بالمتقين في هذه الآية: المؤمنون، كذلك قال أهل التفسير في قوله: ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: للمؤمنين (٢٣٩) (٢٤٠) وقيل: إن الكتاب بيان بنفسه ودلالة على الحق، ولكنه أضافه إلى المؤمنين خصوصا، لانتفاعهم به، والكافر لو تأمل القرآن لوجده بيانا، فهو في كونه بيانا في نفسه لا يتخصص بقوم دون قوم، ولكنه أضيف إلى المؤمنين على الخصوص لانتفاعهم به دون الكفار (٢٤١) ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا  ﴾ ، وكان  منذرا لمن يخشى ولمن لم يخش.

وقال ابن الأنباري: معناه: هدى للمتقين والكافرين، فاكتفى بأحد (٢٤٢) (٢٤٣) ﴿ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ  ﴾ وقوله: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ  ﴾ أراد وأخرى غير قائمة (٢٤٤) وقال أبو ذؤيب (٢٤٥) فَمَا أَدْرى أَرُشْدٌ طِلابُهَا (٢٤٦) (وأراد: أم غيّ).

والدليل على هذا: أنه قال في موضع آخر: ﴿ هُدًى لِّلنَّاسَ ﴾ (٢٤٧) ﴿ هُدًى للِمُتَّقِينَ ﴾ ما يدل على أنه ليس هدى لغيرهم.

فأما إعراب ﴿ هُدًى ﴾ فقال أبو إسحاق (٢٤٨) (٢٤٩) والثاني: أن يكون منصوبا على الحال من (الهاء) في قوله: ﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ كأنك قلت: لا شك فيه هاديا، والعامل فيه معنى ريب (٢٥٠) والفراء يسمي الحال هاهنا: قطعا (٢٥١) (٢٥٢) ﴿ الكتاب ﴾ خبرا لـ ﴿ ذلك ﴾ وتنصب ﴿ هدى ﴾ (٢٥٣) ﴿ هدى ﴾ نكرة اتصلت بمعرفة، والنكرة لا تكون دليلا على معرفة.

قال: وإن شئت قطعته (٢٥٤) (٢٥٥) ﴿ فيه ﴾ ، كأنك قلت: لا شك فيه هاديا.

قال أبو إسحاق (٢٥٦) إحداها: أن يكون (٢٥٧) (٢٥٨) ويجوز: أن يكون رفعا على إضمار (هو) كأنه لما تم الكلام قيل: هو هدى (٢٥٩) ويجوز: أن يكون الوقف على قولك (٢٦٠) ﴿ لَا رَيْبَ ﴾ \[أي: ذلك الكتاب لا ريب\] (٢٦١) (٢٦٢) (٢٦٣) (٢٦٤) فإن قيل: كيف قال: ﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ (٢٦٥) (٢٦٦) (٢٦٧) (٢٦٨) (٢٦٩) فنفى الريب عن الحق، وإن كان المتقاصر في العلم يرتاب (٢٧٠) (٢٧١) (٢٧٢) (٢٧٣) (٢٧٤) (١) قول أبي الهيثم ذكره الأزهري في (التهذيب) في مواضع متعددة أخذ الواحدي منه بالاختصار وجمعه مع بعضه.

قال الأزهري: أخبرني المنذرى عن أبي الهيثم أنه قال: ذا اسم كل مشار إليه ..) "التهذيب" (ذا) 2/ 1258.

(٢) قال الأزهري: قال أبو الهيثم فيما أخبرني عنه المنذري: (إذا بعد المشار إليه من المخاطب، وكان المخاطب بعيدا ممن يشار إليه، (زادوا) (كافا) فقالوا.

ذاك أخوك ..) "التهذيب" تفسير (ذاك وذلك) 2/ 1258.

(٣) في (ج): (ذلك).

(٤) في "التهذيب": (ليست في موضع خفض ولا نصب، إنما أشبهت ..) 2/ 1258.

(٥) في "التهذيب": (فتوهم السامعون أن قول القائل: ذاك أخوك كأنها في موضع خفض لاشباهها (كاف)، (أخاك).

وليس ذلك كذلك، إنما تلك (كاف) ضمت إلى (ذا) لبعد (ذا) من المخاطب، فلما دخل ...) "التهذيب" 2/ 1258.

(٦) في "التهذيب": (وفي الجماعة: أولئك اخوتك).

مراتب المشار اليه عند بعضهم اثنتان: الأولى: القربى ويشار لها بذا.

الثانية: البعدى سواء كان البعد قليلاً أو كثيرًا ويشار لها بذاك.

وعلى هذا الرأي زيدت اللام لرفع اللبس، كما ذكر الواحدي، أو لتأكيد بعد المشار إليه.

أما عند الجمهور فمراتب المشار إليه ثلاث: قريب يشار له بذا، ومتوسط يشار له بذاك، وبعيد ويشار له بذلك، وعلى هذا: اللام لبعد المشار اليه، وليست لرفع اللبس.

انظر "حاشية الصبان" 1/ 139، 142.

(٧) في (ب): (مبين).

(٨) هذا الكلام عن أبي الهيثم بمعناه، "التهذيب" 2/ 1258.

(٩) انظر "التهذيب" حيث نقل الأزهري عن بعض الأئمة2/ 1258 - 1259، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 30.

(١٠) قول الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 31، إلا قوله: (قال: ولم يذكر الكوفيون ...

إلخ)، ونقله الأزهري في "التهذيب"، 15/ 34، 35.

(١١) المراد بالساكنين: (الألف) من (ذا) واللام التي بعدها.

انظر "المعاني" للزجاج 1/ 31.

(١٢) كلام أبي الفتح في "سر صناعة الإعراب" 1/ 321، وقد تصرف المؤلف فيه، ونقله بالمعنى مع الاختصار.

قال أبو الفتح: (وإذا كانت اللام زائدة فهي على ضربين: أحدهما: أن تزاد في الكلمة مبنية معها غير مفارقة لها، والآخر أن تزاد فيها لمعنى، ولا تكون من صيغة الكلمة ....).

(١٣) في (ب): (مبينة).

(١٤) كذا في (أ)، وفي (ب)، (ج): (إلا لك) وفي "سر صناعة الإعراب" (أولا لك) 1/ 321.

وهذا هو الصواب، ولعل ما أثبت في النسخ اختلاف في الرسم.

(١٥) في (ب): (عندك).

(١٦) في (ب): (زيدك).

(١٧) في (ج): (فشيله).

في "اللسان": (الفيشلة) كالفيشه، واللام فيها عند بعضهم زائدة، وقيل اللام أصل.

والفيشة: أعلى الهامة، أو الكمرة، أو الذكر المنتفخ.

"اللسان" (فيش) 6/ 3499.

(١٨) في (ب): (ذلك).

(١٩) كذا في (أ) وفي (ب)، (ج) (بدون تشكيل)، وفي "سر صناعة الإعراب" (أولالك) وهو الصواب، وانظر التعليق في الصفحة قبلها.

(٢٠) في (ب): (ومعنى عندك كمعنى عند).

(٢١) في (ب): (ومعنى زيد كمعنى زيدك).

(٢٢) في (ب): (بمعنى).

(٢٣) انظر.

"سر صناعة الإعراب" 1/ 322، (معنى الفيشة) مر قريبا.

(٢٤) الكلام عن (الكاف) أخذه المؤلف عن أبي الفتح من موضع آخر 1/ 309، بتصرف واختصار.

(٢٥) في (ب): (تاتك).

(٢٦) انظر: "الأصول في النحو" 2/ 127.

(٢٧) "سر صناعة الإعراب" 1/ 315.

(٢٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٢٩) "سر صناعة الإعراب" 1/ 309 - 310.

(٣٠) انظر "الكتاب" 1/ 245.

(٣١) عند أبي الفتح: (لا يجوز أن تكون (الكاف) اسما لأن هذا الفعل لا يتعدى إلى ضمير المأمور به ..) 1/ 311.

(٣٢) انظر كلام أبي الفتح 1/ 310، 311.

(٣٣) ذكره سيبويه.

انظر: "الكتاب" 1/ 245، وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 30، "تهذيب اللغة" (ذاك) 2/ 1259.

(٣٤) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (كتب) 4/ 3597، "معجم مقاييس اللغة" (كتب) 5/ 158، "الكشف" للثعلبي 1/ 42/ب.

(٣٥) في (ب): (لحلقة).

(٣٦) في (ب): (فاجتمعت).

ذكره الأزهري عن شمر، "تهذيب اللغة" 4/ 3097.

(٣٧) في (ب): (جررته).

ذكره الأزهري عن أبي عبيد عن أبي زيد.

"التهذيب" (كتب) 2/ 2079.

(٣٨) في (ب): (للحزور).

الأزهري عن الليث، "التهذيب" 2/ 2079.

(٣٩) الأزهري عن شمر 2/ 2079.

(٤٠) في (ب).

(وقوله).

(٤١) انظر: الطبري 1/ 96، "معاني القرآن" للفراء 1/ 10، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 29، ونسب القول فيه للأخفش وأبي عبيدة، و"مجاز القرآن" 1/ 28، وابن عطية 1/ 141.

(٤٢) الموجود الحاضر لا يقال فيه (ذلك) لأنك تراه بعينه، بل تشير له بهذا، الدالة على الحاضر في الذهن.

انظر "معاني القرآن" للفراء1/ 11.

(٤٣) في (ج): (ذاك).

(٤٤) في "معاني القرآن" للفراء: (يصلح (ذلك) من جهتين، وتصلح فيه (هذا) من جهة، فأما أحد الوجهين من (ذاك) فعلى معنى: هذِه الحروف يا أحمد، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك.

والآخر أن يكون (ذلك) على معنى يصلح فيه (هذا) لأن قوله: (هذا) و (ذلك) يصلحان في كل كلام، إذا ذكر ثم أتبعته بأحدهما بالإخبار عنه.

ألا ترى أنك تقول: قد قدم فلان ...

الخ.) 1/ 10.

(٤٥) في (ب): (حركه).

(٤٦) في (ب): (يشير).

(٤٧) وقال الفراء (..

ولو كان شيئًا قائمًا يُرى لم يجز مكان (ذلك)، (هذا) ولا مكان (هذا)، (ذلك) ..) "معاني القرآن" 1/ 10، وقد نقل الواحدي كلامه بتصرف.

(٤٨) في (ج) تصحيف في الآية (من بعد ما الذكر).

(٤٩) الكلام بنصه في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 30.

وانظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 11.

(٥٠) في (ب).

(ما يقضى).

في الطبري: (لأن كل ما تقضى بقرب تقضيه ..) وفي الحاشية في المطبوعة (وقرب تقضيه) يريد: أن ذكر ما نقضى، وانقضاؤه قريب من إخبارك عنه.

(تفسير الطبري) 1/ 96.

(٥١) في (ب): (كما).

(٥٢) أي إذا أشار إليه بـ (ذلك) وبمعنى الحاضر إذا أشار إليه بـ (هذا).

(٥٣) في (ب).

(مقتض) وفي الطبري: (منقض).

(٥٤) "تفسير الطبري" 1/ 96، وذكر المؤلف كلام الطبري بتصرف واختصار، واختار== الطبري هذا القول وهو: أن (ذلك) بمعنى (هذا) 1/ 96، ورجحه ابن كثير، وقال: ذكره ابن جريج عن ابن عباس، وهو قول مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والسدي، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، وابن جريج 1/ 42.

(٥٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٥٦) في (ب): (أوجه).

(٥٧) ذكره الثعلبي عن أبي الضحى عن ابن عباس1/ 43/أ، وذكره أبو الليث في "تفسيره" ولم يسنده لأحد 1/ 89، وانظر "البحر المحيط" 1/ 36، والقرطبي 1/ 137، "زاد المسير" 1/ 23.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: هذا الكتاب.

الطبري 1/ 96.

(٥٨) (يمان بن رباب) مكانه بياض في (ب)، وفي (أ): (رياب) بالياء و (رباب) بالباء في (ج) وهو عند الثعلبي 1/ 43 أ، ولم أجد (يمان بن رباب) ولا (رياب) سوى ما ذكره البغدادي في "هدية العارفين" قال: (اليمان بن رباب البصري من رءوساء الخوارج، له: "إثبات إمامة أبي بكر الصديق".

و"أحكام المؤمنين".) ولم يذكر سنة وفاته.

"هدية العارفين" 1/ 735، فلا أدرى هل هو المذكور، أو شخص غيره؟

والله أعلم.

(٥٩) في (ب): (كل).

(٦٠) في (ج): (التوريه).

(٦١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" بعد قول ابن عباس السابق، "تفسير الثعلبي" 1/ 43أ، وذكر الزجاج بمعناه ولم ينسبه 1/ 39، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 23، القرطبي 1/ 137، وأبو حيان في "البحر" ونسبه لابن رئاب 1/ 36.

(٦٢) أي: قول ابن عباس وقول يمان بن رباب.

(٦٣) أي قول ابن عباس: ذلك الكتاب الذي أخبرتك أني أوحيه إليك.

(٦٤) وهو قول يمان: ذلك الكتاب الذي ذكرته في التوراة والإنجيل.

(٦٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 29.

(٦٦) في (ب): (عن).

(٦٧) في (ب): (كأنه).

(٦٨) في (ب): (ذله الوعد).

(٦٩) ذكر نحوه ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 23، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 1/ 137 - 138.

(٧٠) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 29.

(٧١) في (ب): (فهو في).

(٧٢) ذكره الثعلبي فىِ "تفسيره" 1/ 43 ب، وذكر ابن أبي حاتم قول الحسن، وابن عباس 1/ 34، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 96، و"ابن كثير" 1/ 42.

(٧٣) أي: المكتوب.

انظر الثعلبي 1/ 42/ ب.

(٧٤) في ج (الخلوق)، وهذا المعنى ذكره الثعلبي 1/ 42 ب.

(٧٥) في (أ)، (ج): (قال: وهذا أرجح ..

إلخ) واخترت ما في (ب) لأني لم أجد لوجود (قال) معنى.

فكلام الزجاج قد انتهى، وما بعده أخذه عن الثعلبي بمعناه ولم يصرح باسمه، وليس الكلام بعد (قال) في "تفسيره"، ولم يكن من نهج الواحدي أن يفتتح قوله هو بـ (قال) لذلك اعتبرتها زيادة في (أ)، (ج).

(٧٦) في (ب): (به).

(٧٧) أي أن المراد بالكتاب: المكتوب، بمعنى المفعول، أرجح ممن قال: إنه سمي كتابا لما فرض فيه، وأوجب العمل به، فإن الكتاب يطلق على معان كثيرة منها: الفرض، والأمر، والجعل.

انظر "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 11، "معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن" لأبي بكر محمد بن عزيز السجستاني 1/ 461 رسالة ماجستير، "تهذيب اللغة" (كتب) 4/ 3097، "تفسير الرازي" 2/ 14، والقرطبي 1/ 138.

(٧٨) أي أن الكتاب بمعنى المكتوب.

(٧٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٨٠) أي: عطف بيان، أو بدل.

انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 35، "إعراب القرآن" للنحاس1/ 128، "تفسير ابن عطية" 1/ 143.

(٨١) (إليه) ساقط من (ج).

(٨٢) في (ب): (فإن).

(٨٣) "تفسير الثعلبي" 1/ 42 ب، وانظر "إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 1/ 484، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 30 - 33، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 128، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 17،15، وقد ذكر الواحدي بعض الوجوه في إعراب (الم.

ذلك الكتاب).

(٨٤) في (ب): (فأرابني).

(٨٥) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 31، والأزهري، وقال: وأنشد أبو زيد ثم ذكر البيت.

"تهذيب اللغة" (راب) 2/ 1306 - 1307.

(٨٦) في (ب): (عاينته).

(٨٧) نسب البيت للفرزدق، ولم أجده في "ديوانه"، ونسب للمتلمس، ولبشار، وهو الصحيح، حيث ورد في "ديوانه" من قصيدة يمدح بها عمر بن هبيرة قوله: (أراب) كذا ورد في جميع النسخ، وفي "الديوان" وغيره من المصادر (اربت) ومعناه: أخوك الذي إن ربته بريبة قال: أنا الذي أربت، أي: أنا صاحب الريبة، وروي (أربت) بفتح التاء، أي: أوجبت له الريبة.

وقوله: (عاتبته) كذا وردت عند الزجاج، وفي المصادر الأخرى (لاينته) بمعنى: عاتبته، انظر "ديوان بشار" ص 44، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 31، "تهذيب اللغة" (راب) 2/ 1306 - 1307، "اللسان" (ريب) 3/ 1788 - 1789.

(٨٨) في (ب): (به).

(٨٩) في (ب): (سموهمها).

(٩٠) انظر: "التهذيب" (راب) 2/ 1306 - 1307، "معجم مقاييس اللغة" (ريب) 2/ 463، "الصحاح" (ريب) 1/ 141، "اللسان" (ريب) 3/ 1788 - 1789.

(٩١) في (ب) (تلام).

(٩٢) في "الكتاب" (وأما رابني فإنه يقول: جعل لي ريبة ..) 4/ 60.

(٩٣) "الكتاب" 4/ 60، والنص في "الحجة" لأبي علي1/ 179.

(٩٤) في (ب) (يزيد).

وأبو زيد هو سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري، صاحب النحو واللغة، توفي سنة خمس عشرة ومائتين.

انظر "طبقات النحويين واللغويين" ص156، "تاريخ بغداد" 9/ 77، "إبناه الرواة" 2/ 30.

(٩٥) ذكره أبو علي في "الحجة" 1/ 179، ونحوه عند الأزهري قال: هذا قول أبي زيد (راب) 15/ 252، ولم أجده في "نوادر أبي زيد".

(٩٦) انظر: "تهذيب اللغة" (راب) 2/ 1306 - 1307، "الصحاح" (ريب) 1/ 141، "اللسان" (ريب) 3/ 1788 - 1789.

(٩٧) في ج (الهزلي).

و (الهذلي) هو خالد بن زهير الهذلي أحد شعراء الهذليين المشهورين عشق امرأة كان يأتيها أبو ذؤيب الهذلي خاله، وجرت بينهما أشعار في ذلك منها، "بيت الشاهد" وقتل خالد بسبب تلك المرأة في قصة طويلة.

انظر "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 207، "الخزانة" للبغدادي 5/ 76 - 86.

(٩٨) البيت من رجز لخالد بن زهير، يخاطب أبا ذؤيب، ويروى (كأنني) والأبيات في أشعار الهذليين: ياقوم ما بال أبي ذؤيب ...

يمس رأسي ويشم ثوبي كأنني أتوته بريب انظر "شرح أشعار الهذليين" 1/ 207، "الحجة" لأبي على 1/ 180، "تهذيب اللغة" (أتى) 1/ 116 - 117، "المخصص" 12/ 303، 14/ 24، 28، "الصحاح" 1/ 141، "اللسان" (ريب) 3/ 1788 - 1789، "الخزانة" 5/ 84.

(٩٩) في (ب): (فالحلاف).

(١٠٠) في "التهذيب" (قول أبي زيد أحسن) 2/ 1306.

(١٠١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 31، وانظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 16.

(١٠٢) أي مبنى على الفتح لأن (لا) نافية للجنس، "الكتاب" 2/ 274، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 31، والعبارة للزجاج، وانظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 16.

(١٠٣) في (ب): (يقتضي).

(١٠٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 31، "الكتاب" 2/ 274، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 16، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 128.

(١٠٥) في (ب): (مما).

(١٠٦) في "المعاني" للزجاج (عموم) 1/ 32، ولعله أصوب.

(١٠٧) الكلام للزجاج، انظر "المعاني" 1/ 32، وانظر "الكتاب" 2/ 274 - 276، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 129.

(١٠٨) في (ب): (خمس).

(١٠٩) قال سيبويه: (لا وما عملت فيه في موضع ابتداء) "الكتاب" 2/ 275، 284، وانظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 16.

(١١٠) في (ب): (وان).

(١١١) اختلف في نسبة البيت، فقيل: لضمرة بن ضمرة، وقيل: لهمام بن مرة، وقيل: لبعض مذحج، وقيل: لزرافة الباهلي، وقيل: لهني بن أحمر، وفيه أقوال أخرى.

قيل: إن هذا الشاعر كان بارًّا بأمه، وكان له أخ تؤثره عليه، فقال هذِه الأبيات، والشطر الأول: هذا وجدكم الصغار بعينه والشاهد فيه: رفع الاسم الثاني مع فتح الأول، إما بإلغاء الثانية ورفع ما بعدها بالعطف== على محل الأولى مع اسمها، فخبرهما واحد، وعلى هذا استشهد به الواحدي.

وهناك تقدير آخر: وهو أن تكون الثانية عاملة عمل ليس، فيكون لكل واحدة خبر يخصها.

انظر "الخزانة" 2/ 38 - 41، وقد ورد البيت عند سيبويه 2/ 292، وفي "المقتضب" 4/ 371، "شرح المفضل" 2/ 115، "شرح أبيات سيبويه" للنحاس ص54، "الحجة" لأبي علي 1/ 190، "الهمع" 5/ 288، "اللسان" (حيس) 2/ 1069.

(١١٢) في (ب): (العطوف).

(١١٣) انظر "الكتاب" 2/ 291، 292، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 31، 265، "المشكل" لمكي1/ 16، "الدر المصون" للسمين1/ 80، "شرح المفصل" لابن يعيش 2/ 109.

(١١٤) أخذه عن أبي علي الفارسي، "الحجة" 1/ 189.

(١١٥) في (ب): (خبر).

(١١٦) في "الحجة" (وإن جعلته خبرا كان موضعه رفعا في قياس قول سيبويه من حيث يرتفع خبر المبتدأ ....) 1/ 189، فيكون خبر لـ (لا) مع اسمها، حيث أنهما في محل رفع مبتدأ.

(١١٧) في "الحجة": (..

وعلى قول أبي الحسن موضعه رفع من حيث كان خبر (إن) == رفعا ..) 1/ 189، فجعل (لا) بمنزلة (إن) وجعل خبرها مرفوعا مثل خبر (إن).

(١١٨) يقول: إن جعلت (فيه) صفة جاز فيها النصب على الوصف للفظ اسم (لا) وهو (ريب) كما عطف عليه بالنصب في قول الشاعر: (فلا أب وابنا ...) وجاز رفع الصفة على موضع (لا ريب) كما عطف عليه بالرفع كما سبق.

(١١٩) في (ج) (ثم أعطف).

(١٢٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٢١) في (أ)، ج (مثل مر) والجملة ساقطة من ب.

والبيت من شواهد سيبويه، وهو: لا أب وابنا مثل مروان وابنه ...

إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا يقول لا أب وابنا مثل مروان ابن الحكم وابنه عبد الملك، لشهرتهما صارا كاللابسين لرداء المجد، والشاهد عطف (ابن) مع تنوينه على لفظ اسم (لا).

انظر "الكتاب" 2/ 285، "الحجة" 1/ 189، "شرح المفصل" 2/ 110، "المقتضب" 4/ 372، "الهمع" 5/ 287.

(١٢٢) في (ج) (ومن وصف على اللفظ الموضع).

(١٢٣) مر تخريج البيت قريبًا.

انظر ص 39.

(١٢٤) في ج (رفع).

(١٢٥) في (أ)، (ج) (المضموم).

(١٢٦) انظر: "السبعة" لابن مجاهد ص 132، "الحجة" 1/ 177.

وابن كثير هو عبد الله == أبو معبد العطار الداري الفارسي الأصل، إمام أهل مكة في القراءة، من التابعين، أحد السبعة الذين أثبت ابن مجاهد قراءتهم في كتابه.

(45 - 120)، انظر ترجمته في "معرفة القراء الكبار" 1/ 86، "غاية النهاية" 1/ 443.

(١٢٧) انظر: "السبعة" ص131،130، "الحجة" 1/ 175 - 177، "الكشف" لمكي 1/ 42.

(١٢٨) إشارة إلى ما سبق في الفاتحة في القراءات في قوله (عليهم) وانظر العلة التي ذكرها أبو علي في "الحجة" 1/ 207.

(١٢٩) نقل المؤلف من "الحجة"، قال أبو علي: (ومما يحسن الحذف هاهنا -مع ما ذكرنا من اجتماع المتشابهة- أن (الهاء) حرف خفي .....

إلخ) "الحجة" 1/ 209.

(١٣٠) في (ج): (فإذا كثفها).

(١٣١) في (ب).

(التقتا).

(١٣٢) كلمة (حاجزا) ليست عند أبي علي1/ 209.

(١٣٣) في (ب): (لضمير).

(١٣٤) عبارة أبي علي: (..

بمنزلة (ردَّا)، فكما لم يعتد بها هاهنا، وجعلت الدال في حكم الملازقة للألف، كذلك إذا لم يعتد بها في نحو: فيهي ..) "الحجة" 1/ 209.

(١٣٥) في (ب): (الدار).

(١٣٦) في (ب): (إذا).

(١٣٧) انظر بقية كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 209.

(١٣٨) "الحجة" 1/ 210، والمعنى: مثل الهاء النون في كونه حرفا خفيا لا يعتد به حاجزا.

(١٣٩) في (ب): (إيه).

(١٤٠) في (ب): (هط).

(١٤١) يقال: هو ابن عمه دُنْيَا مقصور، ودِنْيَةً ودِنْياً منون وغير منون، إذا كان ابن عمه لَحَّا أي أقرب من غيره ويقال ذلك في ابن العمة وابن الخال والخالة.

انقلبت فيها (الواو)، (ياء) لمجاورة الكسرة، ولأن (النون) حاجز ضعيف.

انظر "تهذيب اللغة" (دنا) 2/ 1233، و"اللسان" (دنا) 3/ 1436.

(١٤٢) في "الحجة": (وفي قولهم: "هو ابن عمي دنيا" وفي "غنية") 1/ 210، والقنية والقنوة بكسر القاف وضمها بالياء وبالواو: الكسبة، وهي كل ما اكتسبه الإنسان لنفسه ولم يعده للتجارة، وإذا كانت واوية الأصل فقد جرى فيها القلب، وعلى هذا سار أبو علي وتبعه الواحدي، ومنهم من قال أصلها يائية فلا تغيير فيها.

انظر: "الحجة" 1/ 210، "تهذيب اللغة" (قنا) 3/ 3050، "مقاييس اللغة" 5/ 29، "سر صناعة الإعراب" 2/ 736، "اللسان" (قنا) 6/ 2759.

(١٤٣) الحنو: الاعوجاج، و (المحنية).

منحنى الوادي.

انظر "اللسان" (حنا) 2/ 1034 - 1035.

وأصل (غازية): (غازوة) و (محنية): (محنوة) قلبت الواو فيهما ياء للكسرة قبلها.

انظر "سر صناعة الإعراب" 2/ 587، 588.

(١٤٤) (النون) ساقط من (ب).

(١٤٥) (العدوة): صلابة من شاطئ الوادي.

انظر "معجم مقاييس اللغة" (عدو) 4/ 252.

(١٤٦) أي (النون) في مثل (دنيا) و (قنية).

(١٤٧) "الحجة" 1/ 210.

(١٤٨) قال أبو علي في "الحجة": (الحجة لابن كثير في إتباعه هذِه (الهاء) في الوصل (الواو) أو (الياء) وتسويته بين حروف اللين وبين غيرها من الحروف إذا وقعت قبل (الهاء) من حجته أن (الهاء) وإن كانت خفية ...

إلخ) 1/ 211.

(١٤٩) (بين) ساقط من (ب).

(١٥٠) في (ب): (وإذا).

(١٥١) في (ب): (خفيفة).

(١٥٢) في (ب): (مخرجها).

(١٥٣) عبارة أبي علي في "الحجة": (..

من حروف المعجم التي لا خفاء فيها - نحو: == الراء والضاد -وإن كان في الراء تكرير وفي الضاد استطالة- وإذا كان كذلك كان حجزها بين الساكنين كحجز غيرها من الحروف التي لا خفاء فيها ..

إلخ).

"الحجة" 1/ 211.

(١٥٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).

(١٥٥) "الحجة"1/ 211، وانظر: "الكشف" لمكي 1/ 42، 43.

(١٥٦) (قل) ساقط من (ب).

(١٥٧) في (ب): (لا يكاد).

(١٥٨) في (ب): (من غير أن تران).

(١٥٩) (غير بنات الواو والياء، أي: الصحيح اللام، فـ (فُعَل) لا يكون مصدرا في الصحيح اللام إلا قليلا، والمعتل يجري مجرى الصحيح.

انظر "الحجة" 1/ 180، وانظر كلام سيبويه في "الكتاب" 4/ 46.

(١٦٠) (النهى) ساقط من (ب).

(١٦١) في "الحجة": (قالوا: هَدَيْته هُدى ولم يكن هذا في غير (هدى)، وذلك لأن (الفِعَل) لا يكون مصدراً في هديته، فصار (هُدى) عوضا منه، قالوا: قريته قِرى وقليته قِلَى فأشركوا بينهما في هذا ..) 1/ 181 فأشركوا بين (فُعَل) و (فِعَل) انظر "الكتاب" 4/ 46.

(١٦٢) (الصوة) جماعة السباع، والحجر يكون علامة في الطريق، ومختلف الريح وصوت الصدى، وما غلظ وارتفع من الأرض.

انظر "اللسان" (صوى) 14/ 471، "القاموس" ص 1304.

(١٦٣) في (ب): (فإذا).

(١٦٤) فيقولون: رشوة ورشا.

انظر: "الكتاب" 4/ 46.

(١٦٥) في (ب): (ونحوه).

(١٦٦) في أ (الجميع).

مثال المكسور في الواحد والمضموم في الجمع: (رشوة ورشا) "الكتاب" 4/ 46.

(١٦٧) في "الحجة".

(ويقويه -أيضًا- أن ناسًا من النحويين يزعمون أنه قد يجري الأسماء التي ليست لمصادر ...

إلخ) 1/ 182.

(١٦٨) قوله.

(جلسة) و (ركبة) و (دهن) ليست مصادر وأجريت مجرى المصادر.

(١٦٩) البيت من قصيدة للقطامي يمدح بها زفر بن الحارث الكلابي، وصدر البيت: أَكُفْراً بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي يقول: لا أكفر معروفك بعد أن أطلقتني من الأسر، وأعطيتني مائة من الإبل الرتاع أي الراعية، ورد البيت في "الشعر والشعراء" ص 483، "الحجة" 1/ 182، "الخصائص" 2/ 221، "شرح المفصل" 1/ 20، "شرح شذور الذهب" ص 491، "الهمع" 3/ 103، "الخزانة" 8/ 136، والشاهد: إعمال العطاء على أنه بمعنى الإعطاء.

(١٧٠) في (ب): (فتجرى) وفي "الحجة": (فيجرونه مجرى الإعطاء) 1/ 182.

(١٧١) هو لبيد بن ربيعة بن مالك بن كلاب العامري، كان من شعراء الجاهلية وأدرك الإسلام وأسلم، وقدم على رسول الله  في وفد بني كلاب، مات بالكوفة في خلافة معاوية، وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة.

انظر: "الشعر والشعراء" ص167، "طبقات ابن سعد" 6/ 33، "الإصابة" 3/ 326، "الخزانة" 2/ 246.

(١٧٢) في (ب): (باكرت حنامها).

(١٧٣) البيت من معلقة لبيد وتمامه: بادرتُ حاجَتها الدجاجَ بسحرة ...

لِأُعَلَّ منها حين هبّ نيامُها ويروى (باكرت) يذكر الخمر يقول: سابقت صياح الدجاج لحاجتي إليها، لِأُعَلَّ منها: أي أسقي منها مرة بعد مرة، حين هب نيامها، انظر "شرح ديوان لبيد" ص 315، "الحجة" 1/ 182، "المعاني الكبير" 1/ 453، "شرح القصائد المشهورات" للنحاس1/ 163، "اللسان" (بكر) 1/ 332، "الخزانة" 3/ 104.

(١٧٤) (حاجتي) ساقط من (ب).

(١٧٥) في "الحجة".

(وفسروه على باكرت حاجتي إليها ..) وروايته للبيت (باكرت) 1/ 183.

(١٧٦) فتضاف للمفعول كما يضاف المصدر إليه.

انظر "الحجة" 1/ 183.

(١٧٧) في (ج): (مصاد).

(١٧٨) هم بنو أسد.

انظر (المذكر والمؤنث) للفراء ص 87.

(١٧٩) في "الحجة": وقال أبو الحسن: زعموا أن من العرب من يؤنث الهدى.

"الحجة" 1/ 183، وانظر: "معاني القرآن" للاخفش 1/ 179.

(١٨٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ب) والكلام أخذه عن أبي علي في "الحجة" 1/ 186، وانظر: "الطبري" 1/ 98، "معاني الزجاج" 1/ 33، "تفسير أبي الليث" 1/ 90.

(١٨١) في (ب): (وقاه).

(١٨٢) انظر: "تهذيب اللغة" (تقي)، (وقى) 1/ 44، "الصحاح" (وقى) 6/ 2527، "اللسان" (وقى) 8/ 4902، (لباب التفاسير) للكرماني 1/ 111، (رسالة دكتوراه).

(١٨٣) أخرجه مسلم في "صحيحه" في قصة غزوة حنين وفيه: (...

قال البراء: كنا والله إذا أحمر البأس نتقى به وإن الشجاع منا للذي يحاذى به، يعني رسول الله  ) مسلم 1776/ 79، كتاب الجهاد، غزوة حنين، وذكره البيهقي في "دلائل النبوة" 5/ 135.

(١٨٤) في (ب): (عما أمر) تصحيف.

(١٨٥) في (ب): (يدعو).

(١٨٦) في (ب): (من في).

(١٨٧) بكسر الهمزة وسكون الواو.

(١٨٨) في (ج): (لا افتعل).

(١٨٩) في (ج): (من الواو).

(١٩٠) في (ب): (كالا يزان).

(١٩١) في (ب): (مما).

(١٩٢) انظر.

"تهذيب اللغة" (تقى) 1/ 444، "الصحاح" (وقى) 6/ 2526، "سر صناعة الإعراب" 1/ 147.

(١٩٣) "سر صناعة الإعراب" 1/ 147.

(١٩٤) في (ج): (تقلب الفاتا).

(١٩٥) في (ب): (ما اتعد).

(١٩٦) في جميع النسخ (فيقولون).

وفي "سر صناعة الإعراب" (فيقولوا) وفي الحاشية قال: في ل (فيقولون) 1/ 147.

(١٩٧) عند أبي الفتح فيقولوا: (أيتزن، ايتعد، ايتلج) 1/ 147، فلم يرد لفظ (أيتقى).

(١٩٨) في (ج): (إذا) مكررة.

(١٩٩) عند أبي الفتح (مُوتَعِد) و (مُوتَزِن) و (مُوتَلج) 1/ 147.

(٢٠٠) عند أبي الفتح: يَا تَعِدُ، ويَا تَزِنُ، ويَا تَلِجُ 1/ 148.

(٢٠١) في (ج): (فكانوا).

(٢٠٢) في جميع النسخ (قبلها): والتصحيح من "سر صناعة الإعراب" 1/ 148.

(٢٠٣) في (ب): (الباء).

(٢٠٤) في (ب): (أتقا) وعند أبي الفتح (أتعد، واتزن) 1/ 148.

(٢٠٥) في (ب): (السر).

(٢٠٦) في (ج): (التبس).

(٢٠٧) عند أبي الفتح: (..

وذلك لأنهم كرهوا انقلابها (واوا) متى انضم ما قبلها في نحو: (موتبس) وألفا في (يا تبس)، فأجروها مجرى الواو فقالوا: اتَّبَس وأتَّسَر.

ومن العرب من لا يبدلهما (تاء) ويجري عليهما من القلب ماتنكبه الآخرون فيقول: إيتَعد أيتَزن ايتبس ...

واللغة الأولى أكثر وأقيس ...)، "سر صناعة الإعراب" 1/ 148، وانظر "المنصف" 1/ 222، 228.

(٢٠٨) كذا ورد في جميع النسخ ولعل الأولى (إذا كانتا).

(٢٠٩) (أنه) ساقط من (ج).

(٢١٠) في (ب): (أجرا).

(٢١١) في (ب): (كالا مطيه).

(٢١٢) في (ب): (إظهارها).

(٢١٣) انظر "تهذيب اللغة" (تقى) 1/ 444.

(٢١٤) في (ب): (التحافه).

(٢١٥) انظر: "الكتاب" 4/ 332.

(٢١٦) أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني اللغوي، لغوي صدوق، أخذ عن ابن السكيت، ونقل عنه الأزهري في "التهذيب" من طريق المنذري، توفي سنة خمس وتسعين ومائتين.

انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 13/ 536، "إنباه الرواه" 2/ 115، "سير أعلام النبلاء"13/ 536.

(٢١٧) أبو يوسف يعقوب بن إسحاق السكيت، النحوي اللغوي، كان موثقا بروايته، مات سنة أربع وأربعين ومائتين.

انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 14/ 273، "وفيات الأعيان" 6/ 395، "إنباه الرواة" 4/ 50، "معجم الأدباء" 20/ 50.

(٢١٨) في "التهذيب": (وأخبرني المنذري، عن الحراني، عن ابن السكيت، قال: يقال: اتقاه ...

الخ.

وأنشد ثم ذكر بيتين غير ما ذكر المؤلف، ثم قال: وقال الأصمعي: أنشدني عيسى بن عمر) (التهذيب) (تقى) 1/ 444، وانظر كلام ابن السكيت في "إصلاح المنطق" ص 24.

(٢١٩) ورد اسمه في "التهذيب": (عيسى بن عمرو) وهو تصحيف، والصحيح (ابن عمر) وهو عيسى بن عمر البصري الثقفي المقرئ النحوي، كان في طبقة أبي عمرو بن العلاء، وعنه أخذ الخليل، توفي سنة تسع وأربعين ومائة.

انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" ص 40، "نزهة الألباء" ص 28، "إنباه الرواة" 2/ 374، "معجم الأدباء" 4/ 519، "وفيات الأعيان" 3/ 486.

(٢٢٠) البيت لخفاف بن ندبة، يذكر السيف.

والصيقلون: جمع صيقل وهو شحاذ السيوف == وجلاؤها، يقول: جلوا تلك السيوف حتى إذا انظر الناظر إليها اتصل شعاعها بعينه فلم يتمكن من النظر إليها، فكلها يستقبلك بفرنده، و (يتقى) مخفف (يتقى) وهذا مكان الشاهد من البيت.

ورد البيت في (إصلاح المنطق) ص 23، "تهذيب اللغة" (تقى) 1/ 444، "الصحاح" (وقى) 6/ 2527، "معجم مقاييس اللغة" (أثر) 1/ 56، "الخصائص" 2/ 286، "اللسان" (أثر) 1/ 26، (وقى) 8/ 4902.

(٢٢١) في (ج): (بفيرنده).

(إصلاح المنطق) ص 4، "التهذيب" (تقى) 1/ 444.

(٢٢٢) يصف رمحاً يقول: اتقاك برمح تلذه يداك: أي لا يثقلهما، إذا هز بالكف يعسل أي.

يضطرب ويهتز.

ورد البيت في "إصلاح المنطق" ص 24، "الخصائص" 2/ 286، "الصحاح" (عسل) 5/ 1765، (وقى) 5/ 2527، "المحكم" 1/ 170، "اللسان" (عسل) 5/ 2946، (وقى) 15/ 403، (أساس البلاغة) (كعب) 2/ 312، "الحجة" لأبي علي3/ 28.

(٢٢٣) (واحدا) ساقط من (ب).

(٢٢٤) في (ب).

(يقال).

(٢٢٥) في (ب): (يهتر) في (ج): (كأنه يقول كأنه كعب).

(٢٢٦) هو الحسن بن الحسين بن عبد الله بن عبد الرحمن بن العلاء بن أبي صفرة بن المهلب بن أبي صفرة السكري النحوي، كان ثقة دينا صادقا، انتشر عنه من كتب الأدب شيء كثير (212 - 275 هـ).

انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 7/ 296، "معجم الأدباء" 2/ 478، "إنباه الرواة" 1/ 291، "نزهة الألباء" ص 160.

(٢٢٧) في (ب): (ابنك).

(٢٢٨) في (ب): (للصفار ما يليك).

(٢٢٩) في (ج): (تقريره).

(٢٣٠) في (ب): (تعلل).

(٢٣١) في "الحجة" لأبي علي: (...

وأعللتها بالحذف كما أعللتها بالقلب، وليس ذلك بالمطرد وقولهم في المضارع ...

إلخ) 3/ 29.

(٢٣٢) انظر قول السكري في "الحجة" لأبي علي3/ 29.

(٢٣٣) في "التهذيب" (بمعنى: توقي).

"التهذيب" (تقى) 1/ 444.

(٢٣٤) في (ب): (بفتح معنى الفتح).

(٢٣٥) انظر "اللسان" (وقى) 8/ 4902.

(٢٣٦) (قال) ساقط من (أ) و (ج).

(٢٣٧) في (ب): (تقى يقي).

(٢٣٨) "تهذيب اللغة" (تقى) 1/ 444.

(٢٣٩) ذكر ابن جرير بسنده عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي  (للمتقين): هم المؤمنون، 1/ 100، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 42/ أ.

(٢٤٠) رجح ابن جرير: أن المراد عموم التقوى، ولا تخص معنى دون معنى، ثم قال: فقد تبين إذا فساد قول من زعم أن تأويل ذلك إنما هو.

الذين اتقوا الشرك وبرئوا من النفاق، لأنه قد يكون كذلك، وهو فاسق غير مستحق أن يكون من المتقين ...

الخ.

"تفسير الطبري" 1/ 101، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 90، وابن عطية 1/ 144 (٢٤١) ذكره أبو الليث في "تفسيره" 1/ 90، ونحوه في القرطبي 1/ 140 - 141، "زاد المسير" 1/ 24.

(٢٤٢) في (ب): (بإحدى).

(٢٤٣) في (ب): (عن).

(٢٤٤) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ولم ينسبه لابن الأنباري 1/ 24.

(٢٤٥) هو خويلد بن خالد الهذلي، شاعر مجيد مخضرم، أدرك الإسلام وقدم المدينة عند وفاة النبي  وأسلم، توفي في غزوة افريقية مع ابن الزبير، انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 435، "الاستيعاب" 4/ 65، "معجم الأدباء" 3/ 306، "الخزانة" 1/ 422.

(٢٤٦) جزء من بيت لأبي ذؤيب الهذلي، من الطويل.

وتمامه: عصاني إليها القلب إني لأمره ...

سميع فما أدرى أرشد طلابها يقول: إن قلبه عصاه فلا يقبل منه، فيذهب إليها قلبه سفها، فأنا اتبع ما يأمرني به، فما أدرى أرشد أم غي.

ويروى البيت (عصيت إليها القلب ...).

ورد البيت عند الفراء في "معاني القرآن" 1/ 230، وابن قتيبة في "المشكل" ص 215، والسكري في "شرح أشعار الهذليين" 1/ 43، وابن هشام في "مغني اللبيب" 1/ 14، 43، 2/ 628، والبغدادي في "خزانة الأدب" 11/ 251 (٢٤٧) سورة آل عمران: 4، كما ورد هذا في ذكر الكتاب الذي أنزل على موسى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ  ﴾ .

(٢٤٨) "معاني القرآن" 1/ 33.

(٢٤٩) من قوله: فيكون حالا من الكتاب ...

إلى (في ذلك) ليس في "المعاني" 1/ 33.

(٢٥٠) ذكر قول الزجاج بمعناه 1/ 33، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 180، "إملاء ما من به الرحمن" للعكبري1/ 16، "مشكل إعراب القرآن" المكي 1/ 17.

(٢٥١) وبهذا أخذ الكوفيون.

انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 130.

(٢٥٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 45، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 99، وقد رد الطبري على الفراء قوله.

(٢٥٣) (هدى) ساقط من (أ) و (ج) وثابت في (ب)، "معاني القرآن" للفراء 1/ 12.

(٢٥٤) عبارة الفراء: (وإن شئت نصبت (هدى) على القطع من الهاء التي في (فيه) ...) 1/ 12.

(٢٥٥) في (ب): (إلى).

(٢٥٦) "معاني القرآن" 1/ 33.

(٢٥٧) في (ب): (تكون).

(٢٥٨) تعقب أبو علي الفارسي الزجاج في هذا وقال: فالقول في هذا على هذا الوجه مشكل ...

ثم شرح وجه إشكاله.

انظر: "الحجة" 1/ 198.

(٢٥٩) عبارة الزجاج: (..

كأنه لما تم الكلام فقيل: ﴿الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ قيل: هو هدى) 1/ 33.

(٢٦٠) في (ج): (قوله).

(٢٦١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٢٦٢) عبارة الزجاج كما في المطبوع: (ويجوز أن يكون رفعه على قولك: (ذلك الكتاب لا ريب فيه) كأنك قلت: ذلك الكتاب حقا ...

إلخ) فلعل وجود (فيه) في المطبوع تصحيف.

والله أعلم.

انظر "المعاني" 1/ 33.

(٢٦٣) (قيل) ساقط من (ب).

(٢٦٤) انتهى كلام الزجاج.

أنظر "المعاني" 1/ 33، وانظر "معاني القرآن" للفراء ص 44، "تفسير الطبري" 1/ 99، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 129 - 130، "المشكل" لمكي1/ 17، و"إملاء ما من به الرحمن" 1/ 11.

(٢٦٥) (فيه) ساقط من (ب).

(٢٦٦) ذكره بمعناه أبو الليث 1/ 90، وابن الجوزي في "زاد المسير" واستشهد بالبيت 1/ 24.

(٢٦٧) (كما) ساقط من (ب).

(٢٦٨) في (ب): (أمية).

(٢٦٩) البيت لعبد الله بن الزبعرى ورد في الماوردي 1/ 67، رسالة دكتوراة "زاد المسير" 1/ 24، والقرطبي1/ 138، "البحر المحيط" 1/ 33، "الدر المصون" 1/ 86.

(٢٧٠) أي فالاعتبار لمن كان معه من الأدلة ما لو تأمله المنصف المحق لم يرتب فيه، ولا اعتبار لمن وجد منه الريب، لأنه لم ينظر حق النظر.

"الفتوحات الإلهية" 1/ 11.

(٢٧١) في (ب): (الأمر).

(٢٧٢) في (ب): (لا يرتابوا).

(٢٧٣) في (ب) لفظ (ولا فسوق) مكرر.

(٢٧٤) ذكر هذا الكلام ابن الجوزي في "زاد المسير"، ونسبه للخليل، وابن الأنباري 10/ 23، وقد أجاب الواحدي عن السؤال بجوابين، وهناك جواب ثالث: وهو أنه مخصوص والمعنى (لا ريب فيه عند المؤمنين)، والجواب الأول أحسنها.

ذكر ذلك الجمل في "الفتوحات الإلهية" 1/ 11.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الم ﴾ اختلف فيه وفي سائر حروف الهجاء في أوائل حروف السور، وهي: المص، والر، وكهيعص، وطه، وطسم، وطس، ويس، وص، وق، وحم، وحم عسق، ون.

فقال قوم: لا تفسر لأنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، قال أبو بكر الصديق: لله في كل كتاب سرّ، وسرّه في القرآن فواتح السور، وقال قوم تفسر، ثم اختلفوا فيها، فقيل: هي أسماء الله، وقيل: أشياء أقسم الله بها، وقيل: هي حروف مقطعة من كلمات: فالألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد صلى الله عليه وسلم، ومثل ذلك في سائرها، وإعراب هذه الحروف يختلف بالاختلاف في معناها؛ فيتصور أن تكون على أنها مفعول بفعل مضمر، والخفض على قول من جعلها مقسماً بها كقولك: اللّهِ لأفعلن ﴿ ذَلِكَ الكتاب ﴾ هو هنا القرآن، وقيل: التوراة والإنجيل، وقيل: اللوح المحفوظ وهو الصحيح الذي يدل عليه سياق الكلام ويشهد له مواضع من القرآن.

والمقصود منها إثبات أن القرآن من عند الله كقوله: ﴿ تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العالمين ﴾ [السجدة: 2] يعني القرآن باتفاق، وخبر ذلك: لا ريب فيه، وقيل: خبره الكتاب فعلى هذا ﴿ ذَلِكَ الكتاب ﴾ جملة مستقلة فيوقف عليه ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أي: لا شك أنه من عند الله في نفس الأمر في اعتقاد أهل الحق، ولم يعتبر أهل الباطل، وخبر لا ريب: فيه، فيوقف عليه، وقيل: خبرها محذوف فيوقف على ﴿ لاَ رَيْبَ ﴾ .

والأول أرجح لتعيّنه في قوله: ﴿ لاَ رَيْبَ ﴾ في مواضع أخر.

فإن قيل: فهلا قدم قوله فيه على الريب كقوله: ﴿ لاَ فِيهَا غَوْلٌ ﴾ [الصافات: 47]؟

فالجواب: أنه إنما قصد نفي الريب عنه.

ولو قدم فيه: لكان إشارة إلى أن ثمّ كتاب آخر في ريب، كما أن لا غول فيها إشارة إلى أن خمر الدنيا فيها غول، وهذا المعنى يبعد قصده فلا يقدم الخبر.

﴿ هُدًى ﴾ هنا بمعنى الإرشاد لتخصيصه بالمتقين، ولو كان بمعنى البيان لعم كقوله: ﴿ هُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ .

وإعرابه: خبر ابتداء، أو مبتدأ وخبره: فيه، عندما يقف على لا ريب، أو منصوب على الحال والعامل فيه الإشارة ﴿ لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ مفتعليرِن من التقوى، وقد تقدّم معناه في الكتاب، فنتكلم عن التقوى في ثلاثة فصول.

الأول: في فضائلها المستنبطة من القرآن، وهي خمس عشرة: الهدى كقوله: ﴿ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 2] والنصرة، لقوله: ﴿ إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا ﴾ [النحل: 128] والولاية لقوله: ﴿ والله وَلِيُّ المتقين ﴾ [الجاثية: 18] والمحبة لقوله: ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين ﴾ [براءة: 4] والمغفرة لقوله: ﴿ إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ﴾ [الأنفال: 29] والمخرج من الغم والرزق من حيث لا يحتسب لقوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ [الطلاق: 2] الآية وتيسير الأمور لقوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾ [الطلاق: 4] وغفران الذنوب وإعظام الأجور لقوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ﴾ [الطلاق: 5] وتقبل الأعمال لقوله: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ﴾ [المائدة: 27] والفلاح لقوله: ﴿ واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 189] والبشرى لقوله: ﴿ لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذلك هُوَ الفوز العظيم ﴾ [يونس: 64] ودخول الجنة لقوله: ﴿ إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النعيم ﴾ [القلم: 34] والنجاة من النار لقوله: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا ﴾ [مريم: 72].

الفصل الثاني: البواعث على التقوى عشرة: خوف العقاب الأخروي، وخوف العقاب الدنيوي، ورجاء الثواب الدنيوي، ورجاء الثواب الأخروي، وخوف الحساب، والحياء: من نظر الله، وهو مقام المراقبة، والشكر على نعمه بطاعته، والعلم لقوله: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ﴾ [فاطر: 28] وتعظيم جلال الله، وهو مقام الهيبة، وصدق المحبة لقول القائل: تعصي افله وأنت تظهر حبه ** هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته ** إن المحب لمن يحب مطيع ولله در القائل: قالت وقد سألت عن حال عاشقها ** لله صفه ولا تنقص ولا تزد فقلت: لو كان يظن الموت من ظمإ ** وقلت: قف عن ورود الماء لم يرد الفصل الثالث: درجات التقوى خمس: أن يتقي العبد الكفر، وذلك مقام الإسلام، وأن المباحات وهو مقام الزهد، وأن يتقي حضور غير الله على قلبه، وهو مقام المشاهدة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: "لا ريب" بالمد خلف والعجلي عن حمزة وخلف لنفسه، وكذلك قوله تعالى ﴿ لا خير ﴾ و ﴿ لا جرم ﴾ وذلك لاجتماع الفتحة مع الألف أو لتأكيد معنى النفي للجنس "فيهى" ابن كثير، وكذلك يشبع كل هاء كناية في جميع القرآن.

"هدى للمتقين" مدغماً من غير غنة: حمزة وعلي وخلف ويزيد وورش من طريق النجاري، والهاشمي عن ابن كثير.

وكذلك يدغمون النون الساكنة والتنوين في الراء حيث وقعت.

أبو عمرو بالوجهين: إدغام الغنة وإظهارها، والباقون بإظهار الغنة.

ولا خلاف بين القراء في إدغام أصل النون والتنوين في اللام والواو والراء والياء والميم، وإنما الخلاف بينهم في إظهار الغنة وإسقاطها وهي صوت الخيشوم "يؤمنون" غير مهموز: أبو عمرو ويزيد وورش والأعشى وحمزة في الوقف، وكذلك ما أشبههما من الأفعال إلا في أحرف يسيرة تذكر في مواضعها.

الباقون: بالهمز.

(باب في المد) (بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك) بالمد: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن ذكوان، فلا يفرقون بين مدّ الكلمة والكلمتين.

وكذلك روى ورش عن نافع.

والباقون يفرقون فيمدون الكلمة ولا يمدون بين الكلمتين.

فأطول الناس مداً ورش عن نافع، وحمزة وخلف في اختياره والأعشى، ومدهم بمنزلة أربع ألفات.

وأوسطهم مداً علي وابن ذكوان وعاصم غير الأعشى، وأقصرهم مداً ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير ورش وأبو عمرو وسهل ويعقوب وهشام.

وأصل المد ألف ساكنة على قدر فتحة فيك فتحاً تاماً، وبالآخرة بترك الهمزة ونقلها إلى الساكن الذي قبلها حيث كان ورش، وكذلك حمزة في الوقف فإن مذهبه أن يقف على كل كلمة مهموزة بغير همزة (باب السكتة) روي عن حمزة وحماد والشموني أنهم يسكتون على كل حرف ساكن بعده همزة سكتة لطيفة نحو: الأرض، والأنهار، وقالوا: آمنا، وأشباه ذلك.

والسبب فيه التمكين والمبالغة في تحقيقها، لأن الهمزة بعد السكتة كالمبتدأ بها.

والاختيار في الكلمة الواحدة أن لا تسكت على ساكن غير لام التعريف احترازاً عن قطع الكلمة.

الوقوف: "ألّم" (ج) للاختلاف "لا ريب" ج على حذف خبر "لا تقديره لا ريب فيه، ثم يستأنف "فيه هدى" ومن وصل جعل فيه خبر "لا" أو وصف ريب وحذف خبر "لا" تقديره "لا ريب فيه عند المؤمنين".

والوقف على التقديرين على "فيه" و "هدى" خبر مبتدأ محذوف أي هو هدى، ومن جعل "هدى" حالاً للكتاب بإعمال معنى الإشارة في "ذلك على تقدير: أشير إلى الكتاب هادياً لم يقف قبل "هدى للمتقين" (لا) لأن الذين صفتهم "ينفقون" لا للعطف، ليدخل عبد الله بن سلام وأصحابه في المتقين، فإن القرآن لهم هدى، وليدخل الصحابة المؤمنون بالغيب في ثناء الهدى ووعد الفلاح.

ولو ابتدأ "والذين" كان "أولئك على هدى" خبرهم مختصاً بهم.

واختص هدى القرآن واسم التقوى بالذين يؤمنون بالغيب.

"من قبلك" ج لاختلاف النظم بتقديم المفعول.

"يوقنون" (ط) لأن أولئك مبتدأ وليس بخبر عما قبله، وكذلك على كل آية وقف بها إلا ما أعلم بعلامة (لا) المفلحون.

التفسير وفيه أبحاث: البحث الأول في "ألم" اعلم أن الألفاظ التي يتهجى بها في قولهم (ألف، با، تا، ثا) أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة التي منها ركبت الكلم، لأن الضاد مثلاً لفظ مفرد دال بالتواطؤ على معنى مستقل بنفسه غير مقترن بأحد الأزمنة، وذلك المعنى هو الحرف الأول من ضرب مثلاً، فيكون لفظ الضاد اسماً، ولهذا قد يتصرف في بعضها بالإمالة نحو (با، تا) وبالتفخيم نحو (با، تا) وبالتعريف والتنكير والجمع والتصغير والوصف والإسناد إليه والإضافة.

وقولهم (با، تا، ثا) متهجاة ومقصورة نحو (لا) ثم قولهم كتبت باء بالمد نحو كتبت (لا) لا يدل على أنها حروف مثل (لا): فإنهم إنما قالوا كذلك في التهجي لكثرة الاستعمال واستدعائها التخفيف، والذي رواه ابن مسعود أن النبي  قال: "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف" وأيضاً ما وقع في عبارات المتقدمين أنها حروف التهجي خليق بأن يصرف إلى التسامح والتجوز لأنه اسم للحرف وهما متلازمان، أو لأن الحرف قد يطلق على الكلمة تسمية للجنس باسم النوع.

ويحكى عن الخليل أنه سأل أصحابه: كيف تنطقون بالباء التي في ضرب، والكاف التي في ذلك؟

فقالوا: نقول باء، كاف.

فقال: إنما جئتم بالاسم لا الحرف.

وقال: أقول: ب، ك.

ثم إنهم راعوا في هذه التسمية لطيفة، وهي أنهم جعلوا المسمى صدر كل اسم منها إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها، لأنه لا يكون إلا ساكناً.

ومما يضاهيها في إبداع اللفظ دلالة على المعنى البسملة والحيعلة والتهليل ونحوها.

وحكم هذه الأسماء سكون الإعجاز ما لم تلها العوامل فيقال: ألف، لام، ميم موقوفاً عليها لفقد مقتضى الإعراب نحو.

واحد، اثنان، ثلاثة، دار، ثوب، جارية.

فإذا وليتها العوامل أدركها الإعراب نحو: هذه ألف، وكتبت ألفاً، ونظرت إلى ألف.

والدليل على أن سكونها وقف وليس ببناء أنها لو بنيت لحذي بها حذر "كيف" و "أين" و "هؤلاء" ولم يقل صاد، قاف، نون.

مجموعاً فيها بين الساكنين.

وللناس في "الم" وما يجري مجراه من فواتح السور قولان: أحدهما أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله به، والتخاطب بالحروف المفردة سنة الأحباب في سنن المحاب، فهو سر الحبيب مع الحبيب بحيث لا يطلع عليه الرقيب: بين المحبين سر ليس يفشيه *** قول ولا قلم للخلق يحكيه عن أبي بكر، في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور.

وعن علي كرم الله وجهه: إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي، وقال بعض العارفين: العلم كبحر أجري منه واد، ثم أجري من الوادي نهر، ثم أجري من النهر جدول، ثم أجري من الجدول ساقية.

فالوادي لا يحتمل البحر، والنهر لا يحتمل الوادي، ولهذا قال عز من قائل: ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها  ﴾ فبحور العلم عند الله  فأعطى الرسل منها أودية، ثم أعطى الرسل من أوديتهم أنهاراً إلى العلماء، ثم أعطى العلماء إلى العامة جداول صغاراً على قدر طاقتهم، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم، وهذا مأخوذ مما ورد في الخبر "للعلماء سر وللخلفاء سر وللأنبياء سر وللملائكة سر ولله من بعد ذلك كله سر.

فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم، ولو اطلع الأنبياء على سر الملائكة لاتهموهم، ولو اطلع الملائكة على سر الله لطاحوا حائرين وبادوا بائدين" والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش.

وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال: سر الله فلا تطلبوه.

وعن ابن عباس أنه قال: عجزت العلماء عن إدراكها.

وقيل: هو من المتشابه.

وزيف هذا القول بنحو قوله تعالى ﴿ أفلا يتدبرون القرآن  ﴾ ﴿ تبياناً لكل شيء  ﴾ ﴿ هدى للمتقين  ﴾ وإنما يمكن التدبر ويكون تبياناً وهدى إذا كان مفهوماً، وبقول  : "إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي" فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم؟

وأيضاً لا يخاطب المكلف بما لا يفهم كما لا يخاطب العربي بالعجمي، ولا يجوز التحدي بما لا يكون معلوماً، وعورض بقوله  ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله  ﴾ والوقف هنا لأن الراسخين لو كانوا عالمين بتأويله كان الإيمان به كالإيمان بالمحكم، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح، ولا يكون في قوله ﴿ كل من عند ربنا  ﴾ فائدة على ما لا يخفى، وبقوله  "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديم" وقد روينا عن أكابر الصحابة ما روينا.

وأيضاً الأفعال التي كلفنا بها منها ما يظهر وجه الحكمة فيه كالصلاة فإن فيها تواضعاً للمعبود والصوم ففيه كسر الشهوة والزكاة ففيها سد خلة المساكين، ومنها ما لا يظهر فيه الحكمة ككثير من أفعال الحج، ويحسن من الله  الأمر بالنوعين لظهور الامتثال بهما، بل كمال الانقياد في النوع الثاني أظهر وأكثر لأنه تعبد محض.

فلم لا يجوز أن يكون في الأقوال أيضاً مثل ذلك، مع أن فيه فائدة أخرى هي اشتغال السر بذكر الله والتفكير في كلامه؟

القول الثاني: إن المراد من هذه الفواتح معلوم، ثم اختلفوا على وجوه: الأول: أنها أسماء وهو قول أكثر المتكلمين واختاره الخليل وسيبويه، كما سموا بلام والد حارثة بن لام الطائي، وكقولهم للنحاس صاد، وللسحاب عين، وللجبل قاف، وللحوت نون، وسعود تمام الكلام في هذا القول.

الثاني: أنها أسماء الله  .

روي عن علي  أنه كان يقول: يا كَهيعَصَ، يا حمَ عَسَقَ، ويقرب منه ما روي عن سعيد بن جبير أنها أبعاض أسماء الله  ، فإن "الر، حم، ن" مجموعها اسم "الرحمن" لكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في الجميع.

الثالث: أنها أسماء القرآن وهو قول الكلبي والسدي وقتادة.

الرابع: كل واحد من الحروف دال على اسم من أسماء الله  أو صفة من صفاته، فالألف إشارة إلى أنه أحد أول آخر أزلي أبدي، واللام إشارة إلى أنه لطيف، والميم إلى أنه مجيد ملك منان، وفي "كَهيعَصَ" الكاف كاف لعباده، والهاء هاد، والياء من الحكيم والعين عالم، والصاد صادق.

أو الكاف محمول على الكبير والكريم.

والياء على أنه مجير، والعين على العزيز والعدل، ويروى هذا عن ابن عباس.

وعنه أيضاً في "ألم" أنا الله أعلم، وفي "المص" أنا الله أعلم وأفصل، وفي "المر" أنا الله أرى.

الخامس: أنها صفات الأفعال.

الألف آلاؤه، واللام لطفه، والميم مجده، قاله محمد بن كعب القرظي.

السادس: الألف من الله، واللام من جبرائيل، والميم من محمد  .

أي أنزل الله الكتاب بواسطة جبرائيل على محمد  .

السابع: الألف أنا، واللام لي، والميم مني قاله بعض الصوفية.

الثامن: أن ورودها مسرودة هكذا على نمط التعديد ليكون كالإيقاظ وقرع العصا لمن تحدى بالقرآن، أي إن هذا المتلو عليهم وقد عجزوا عنه عن آخرهم كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم، فلولا أنه كلام خالق القدر لم يعجز معشر البشر عن الإتيان بمثل الكوثر قاله المبرد وجم غفير.

والتاسع: كأنه  يقول اسمعوها مقطعة حتى إذا وردت عليكم مؤلفة كنتم قد عرفتموها قبل ذلك، وهذا على طريقة تعليم الصبيان قاله عبد العزيز بن يحيى.

العاشر: إن الكفار لما قالوا ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه  ﴾ أنزل الله  هذه الأحرف رغبة في إصغائهم ليهجم عليهم القرآن من حيث لا يشعرون قاله أبو روق وقطرب.

الحادي عشر: قول أبي العالية إنه حساب على ما روى ابن عباس أنه "مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله  وهو يتلو سورة البقرة الم ذلك الكتاب ثم أتى أخوة حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوه عن الم وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله إلا هو، أحق أنها أتتك من السماء؟

فقال  : نعم، كذلك نزلت فقال حيي: إن كنت صادقاً إني لأعلم أجل هذه الأمة من السنين، ثم قال: كيف ندخل في دين رجل دلت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهى مدته إحدى وسبعون سنة؟

فضحك رسول الله  .

فقال حيي: فهل غير ذلك؟

فقال: نعم ﴿ المص ﴾ فقال حيي: مائة وإحدى وستون فهل غير هذه؟

فقال: نعم ﴿ الر ﴾ قال حيي: نشهد إن كنت صادقاً ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنة فهل غير هذا؟

قال: نعم ﴿ المر ﴾ قال حيي: ندري بأي أقوالك نأخذ!

فقال أبو ياسر: أما أنا فأشهد أن أنبياءنا قد أخبروا عن ملك هذه الأمة ولم يبينوا أنها كم تكون، فإن كان محمد  صادقاً فيما يقوله إني لأراه يستجمع له هذا كله، فقام اليهود وقالوا: اشتبه علينا أمرك فأنزل الله  ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ﴾ " [آل عمران: 7].

الثاني عشر: تدل على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر.

الثالث عشر: قول الأخفش إن الله  أقسم بهذه الجروف المعجمة لشرفها من حيث إنها أصول اللغات، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه، واقتصر على البعض والمراد الكل كما تقول: قرأت الحمد وتريد السورة كلها، أقسم الله بها أن هذا الكتاب هو المثبت في اللوح المحفوظ.

الرابع عشر: أن النطق بالحروف أنفسها كانت العرب فيه مستوية الأقدام، الأميون وأهل الخط، والكتاب بخلاف النطق بأسامي الحروف فإنه كان مختصاً بمن خط وقرأ، فلما أخبر الرسول  بها من غير تعلم خط وقراءة كان ذلك دليلاً على أنه استفاد ذلك من قبل الوحي.

الخامس عشر: قال القاضي الماوردي: معناه ألم بكم ذلك الكتاب أي نزل، وهذا لا يتأتى في كل فاتحة.

السادس عشر: الألف إشارة إلى ما لا بد منه من الاستقامة على الشريعة في أول الأمر ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا  ﴾ واللام إشارة إلى الحاصل عند المجاهدات وهو رعاية الطريقة ﴿ والذين جاهدوا فينا  ﴾ والميم إشارة إلى صيرورة العبد في مقام المحبة كالدائرة التي يكون نهايتها عين بدايتها وهو مقام الفناء في الله بالكلية وهو الحقيقة ﴿ قل الله ثم ذرهم  ﴾ .

السابع عشر: الألف من أقصى الحلق، واللام من طرف اللسان وهو وسط المخارج، والميم من الشفة وهو آخر المخارج، أي أول ذكر العبد ووسطه وآخره لا ينبغي إلا لله.

الثامن عشر: سمعت بعض الشيعة يقول: هذه الفواتح إذا حذف منها المكررات يبقى ما يمكن أن تركب منه على صراط حق نمسكه، وهذا غريب مع أنه متكلف فلهذا أوردته.

واعلم أن الباقي من الفواتح بعد حذف المكرر أربعة عشر، نصف عدد حروف المعجم بعد الكسر.

وقد أورد الله الفواتح في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم، وهذه الباقية تشتمل على أصناف أجناس الحروف.

من المهموسة نصفها، الصاد والكاف والهاء والسين والحاء، ومن المجهورة نصفها الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون، ومن الشديد نصفها ا ك ط ق، ومن الرخوة نصفها لمر صعهسحين، ومن المطبقة نصفها ص ط، ومن المنفتحة نصفها الر كهوس ج ق ي ن، ومن المستعلية نصفها ق ص ط.

ومن المنخفضة نصفها الم ر ك هـ ي ع س ح ن، ومن حروف القلقة نصفها ق ط.

وأكثر ألفاظ القرآن من هذه الحروف، وهذا دليل على أن الله  عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم تبكيتاً لهم وإظهاراً لعجزهم كما مر في الوجه الثامن، ويؤيد ذلك أن الألف واللام لما تكاثر وقوعهما جاءتا في معظم هذه الفواتح مكررتين والله أعلم.

التاسع عشر: قيل: معناه ألست بربكم.

الألف واللام من أوله والميم من آخره أي أخذت منكم كتاب العهد في يوم الميثاق.

والمختار من هذه الأقوال عند الأكثرين القول بأنها أسماء السور، ثم إنه عورض بوجوه: الأول: أنا نجد سوراً كثيرة اتفقت في التسمية بالم وحم والمقصود من العلم رفع الاشتباه.

الثاني: لو كانت أسماء لاشتهرت وتواترت.

الثالث: العرب لم يتجاوزوا بما سموا به مجموع اسمين نحو: معد يكرب وبعلبك، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة، فالقول بأنها أسماء السور خروج عن لغتهم.

الرابع: لو كانت أسماء لاشتهرت السور بها، لكنها اشتهرت بغيرها نحو سورة البقرة وآل عمران.

الخامس: هذه الألفاظ داخلة في السور وجزء الشيء متقدم على الشيء بالرتبة، واسم الشيء متأخر عن الشيء، فلزم أن يكون متقدماً متأخراً معاً وهو محال.

وليس هذا لتسميتهم صاد للحرف الأول منه، فإن هذا كتسمية المفرد بالمؤلف فلا يلزم إلا تأخر المركب عن المفرد بوجهين، وهذا تسمية المؤلف بالمفرد ويلزم المحال المذكور.

وأجيب عن الأول بما يجاب عن الأعلام المشتركة من أنها ليست بوضع واحد، مع أنه لا يبعد أن تجعل مشتركاً حتى يتميز كل واحد من الآخر بعلامة أخرى لحكمة خفية.

و عن الثاني بأن تسمية السورة بلفظة معينة ليست من الأمور العظام التي تتوفر الدواعي على نقلها.

وعن الثالث بأن التسمية بثلاثة أسماء خروج عن كلام العرب، ولكن إذا جعلت اسماً واحداً فأما منثورة نثر أسماء العدد فلا استنكار لأنها من باب التسمية بما حقه أن يحكى حكاية نحو برق نحره، وكما لو سمي ببيت شعر أو بطائفة من أسماء حروف المعجم.

وعن الرابع أنه لا يبعد أن يصير اللقب أشهر من الاسم.

وعن الخامس أن تأخر ما هو متقدم باعتبار آخر غير مستحيل، وفي لسان الصوفية أن هيئة الصلاة ثلاث: القيام والركوع والسجود.

فالألف إشارة إلى القيام، واللام إلى الركوع، والميم إلى السجود أي من قرأ فاتحة الكتاب في الصلاة التي هي معراج المؤمن شرفه الله بالهداية في قوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وعلى هذا فيكون ذلك الكتاب إشارة إلى الفاتحة لأنها أم الكتاب.

ثم إن هذه الأسماء ضربان: أحدهما ما لا يتأتى فيه الإعراب نحو ﴿ كَهيعَصَ ﴾ ﴿ المر ﴾ وثانيهما ما يتأتى فيه الإعراب لكونه اسماً فرداً كصاد وقاف ونون، أو أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد كحمَ وطسَ ويسَ فإنها موازنة لقابيل وهابيل، وكقولك طسم إذا فتح نونها صار كدرابجرد.

فالنوع الأول محكي ليس إلا، والثاني فيه أمران الإعراب والحكاية، فإذا أعرب منع الصرف للعملية والتأنيث قال الشاعر: يذكرني حاميم والرمح شاجر *** فهلا تلا حاميم قبل التقدم؟

والحكاية أن تجيء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته نحو قولك "بدأت بالحمد لله" قال ذو الرمة: سمعت الناس ينتجعون غيثاً *** فقلت لصيدح انتجعي بلالاً وأما من قرأ صاد وقاف ونون مفتوحات فبفعل مضمر نحو "اذكر" أو حركت لالتقاء الساكنين.

واستكره جعلها مقسماً بها على طريق قولهم "نعم الله لأفعلن" على حذف حرف الجر وإعمال فعل القسم، لأن القرآن والقلم بعدها محلوف بهما.

واستكرهوا الجمع بين قسمين على مقسم عليه واحد ولهذا قال الخليل: الواو الثانية في قوله عز من قائل ﴿ والليل إذا يغشى.

والنهار إذا تجلى  ﴾ واو العطف لا القسم نحو "وحياتي ثم حياتك لأفعلن" ولو كان انقضى قسمه بالأول على شيء لجاز أن يستعمل كلاماً آخر نحو "بالله لأفعلن تالله لأخرجن" ولا سبيل فيما نحن بصدده إلى جعل "الواو" للعطف لمخالفة الثاني الأول في الإعراب، اللهم إلا أن تقدر مجرورة بإضمار الباء القسمية لا بحذفها فقد جاء عنهم "الله لأفعلن" مجروراً غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة، وأما من قرأ صاد وقاف بالكسر فلالتقاء الساكنين.

وهذه الفواتح جاءت في المصحف مكتوبة على صور الحروف أنفسها لا على صور أساميها، لأن المألوف أنه إذا قيل للكاتب اكتب "صاد" مثلاً فإنه يكتب مسماها ص.

وأيضاً اشتهار أمرها بأن المراد بها هنا الأسامي لا المسميات أمن وقوع اللبس فيها، وأيضاً خطان لا يقاسان، خط المصحف لأنه سنة، وخط العروض لأن المعتبر هناك الملفوظ.

ومن لم يجعل هذه الفواتح أسماء السور فلا محل لها عنده كما لا محل للجمل المبتدأة والمفردات المعدودة، ومن جعلها أسماء للسور فسنخبرك عن تأليفها مع ما بعدها الله حسبي.

البحث الثاني في قوله.

"ذلك الكتاب" وفيه مسائل: الأولى: إنما صحت الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد لأنه وقعت الإشارة بذلك إلى "الم" بعد ما سبق التكلم به، والمنقضي في حكم المتباعد ولهذا يحسب الحاسب ثم يقول فذلك كذا، أو لأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد البعد كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئاً: احتفظ بذلك، أو لأنه وإن كان حاضراً نظراً إلى ألفاظه لكنه غائب نظراً إلى أسراره وحقائقه، أو لأنه على مقتضى الوضع اللغوي لا العرفي، أو لأنه إشارة إلى ما نزل بمكة قبل سورة البقرة.

وقد يسمى بعض القرآن قرآناً، أو لأنه إشارة إلى ما وعد به الرسول عند مبعثه ﴿ إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً  ﴾ أو لأنه إشارة إلى ما أخبر به الأنبياء أن الله سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل، أو المراد أن هذا المنزل هو ذلك المثبت في اللوح المحفوظ كقوله ﴿ وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم  ﴾ .

الثانية: إنما ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث وهو السورة في بعض الوجوه نظراً إلى صفته وهو الكتاب كقولك "هند ذلك الإنسان" قال الذبياني: نبئت نعمي على الهجران عاتبة *** سقياً ورعياً لذاك العاتب الزاري وإن جعلت الكتاب خبراً فنظراً إلى أن ذلك في معناه ومسماه فجاز إجراء حكمه عليه في التذكير كما أجري عليه في التأنيث في قولهم: "من كان أمك".

الثالثة: للقرآن أسماء كثيرة منها: الكتاب - وقد تقدم- ومنها الفرقان ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان  ﴾ لأنه نزل متفرقاً في نيف وعشرين سنة، أو لأنه يفرق بين الحق والباطل.

ومنها التذكرة والذكرى والذكر ﴿ وإنه لتذكرة للمتقين  ﴾ ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين  ﴾ ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك  ﴾ أي ذكر من الله  به ذكر به عباده فعرفهم تكاليفه أو شرف وفخر.

ومنها التنزيل ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين  ﴾ ومنها الحديث ﴿ الله نزل أحسن الحديث  ﴾ شبهه بما يتحدث به فإن الله تعالى خاطب به المكلفين.

ومنها الموعظة ﴿ قد جاءتكم موعظة من ربكم  ﴾ ومنها الحكم والحكمة والحكيم والمحكم ﴿ وكذلك أنزلناه حكماً عربياً  ﴾ { ﴿ حكمة بالغة  ﴾ ﴿ يسَ والقرآن الحكيم  ﴾ ﴿ كتاب أحكمت أياته  ﴾ ومنها الشفاء والرحمة ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين  ﴾ ومنها الهدى والهادي ﴿ هدى للمتقين  ﴾ ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم  ﴾ ومنها الصراط المستقيم ﴿ وأن هذا صراطي مستقيماً  ﴾ ومنها حبل الله ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً  ﴾ ومنها الروح { ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ لأنه سبب لحياة الأرواح.

ومنها القصص ﴿ إن هذا لهو القصص الحق  ﴾ ومنها البيان والتبيان والمبين ﴿ هذا بيان للناس  ﴾ ﴿ تبياناً لكل شيء  ﴾ ﴿ تلك آيات الكتاب المبين  ﴾ ومنها البصائر ﴿ هذا بصائر من ربكم  ﴾ ومنها الفصل ﴿ إنه لقول فصل  ﴾ ومنها النجوم ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم  ﴾ لأنه نزل نجماً نجماً.

ومنها المثاني ﴿ مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم  ﴾ لأنه يثنى فيه القصص والأخبار.

ومنها النعمة ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث  ﴾ قال ابن عباس: أي القرآن.

ومنها البرهان ﴿ قد جاءكم برهان من ربكم  ﴾ ومنها البشير والنذير ﴿ قرآناً عربياً لقوم يعلمون بشيراً ونذيراً  ﴾ ومنها القيم ﴿ قيماً لينذر بأساً شديداً  ﴾ ومنها المهيمن ﴿ مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه  ﴾ ومنها النور ﴿ واتبعوا النور الذي أنزل معه  ﴾ ومنها الحق ﴿ وإنه لحق اليقين  ﴾ ومنها العزيز ﴿ وإنه لكتاب عزيز  ﴾ ومنها الكريم ﴿ إنه لقرآن كريم  ﴾ ومنها العظيم ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم  ﴾ ومنها المبارك ﴿ كتاب أنزلناه إليك مبارك  ﴾ فهذه جملة الأسماء وسيجيء تفاسيرها في مواضعها.

الرابعة: في تأليف ذلك الكتاب مع "الم" اسماً للسورة ففي التأليف وجوه: أن يكون "الم" مبتدأ أو "ذلك" مبتدأ ثانياً "والكتاب" خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول أي هو الكتاب الكامل الذي يستأهل أن يسمى كتاباً كما تقول: هو الرجل أي الكامل في الرجولية وكقوله: هم القوم كل القوم يا أم خالد.

وأن يكون الكتاب صفة ومعناه هو ذلك الكتاب الموعود، وأن يكون "الم" خبر مبتدأ محذوف أي هذه "الم"، ويكون "ذلك" خبراً ثانياً أو بدلاً على أن الكتاب صفة، وأن يكون هذه "الم" جملة، "ذلك الكتاب" جملة أخرى، وفقد العاطف لأن الثانية بيان للأولى.

وإن جعلت "الم" بمنزلة الصوت كان "ذلك" مبتدأ خبره "الكتاب" أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل، أو "الكتاب" صفة والخبر ما بعده، أو قدر مبتدأ محذوف أي هو يعني المؤلف من هذه الحروف "ذلك الكتاب".

وفي قراءة عبد الله بن مسعود "الم تنزيل الكتاب".

البحث الثالث في قوله "لا ريب فيه" الريب مصدر رابني وحقيقته قلق النفس.

روى الحسن بن علي  عن النبي  "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" فإن الشك ريبة والصدق طمأنينة أي كون الأمر مشكوكاً فيه مما تقلق له النفس، وكونه صحيحاً صادقاً مما تطمئن له.

ومنه ريب الزمان لنوائبه المقلقة، وفي الحديث أن النبي  مر بظبي حاقف أي معوج مضطجع وهم محرومون فقال: لا يريبه أحد بشيء أي لا يزعجه.

والحاصل أن الريب شك وزيادة ظن سوء، فإن قلت: كيف نفي الريب على سبيل الاستغراق، وكم من شقي مرتاب فيه؟

قلت: ما نفي أن أحداً لا يرتاب فيه وإنما المنفي كونه متعلقاً للريب ومظنة له لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه ومثله ﴿ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله  ﴾ لم يقل "وإذا كنتم" مع وقوع الشك منهم في الواقع دلالة على أن الشك فيه مما لا ينبغي أن يوجد إلا على سبيل الفرض والتقدير، ولو فرض فوجه إزالته أن يجردوا أنفسهم ويبرزوا قواهم في البلاغة هل تتم للمعارضة أن تتضاءل دونها.

فإن قلت: فهلا قدم الظرف على الريب كما قدم على الغول في قوله  ﴿ لا فيها غَوْل  ﴾ قلنا: لأن المقصود منها ليس إلا نفي الريب عنه وإثبات أنه حق وصدق، ولو عكس لأفاد ذلك مع ما ليس بمراد ولا هو بصادق في نفس الأمر وهو التعريض بأن ريباً في غيره من الكتب كما أن في قوله: ﴿ لا فيها غول  ﴾ تعريضاً بأن خمور الدنيا تغتال العقول.

وقرأ أبو الشعثاء "لا ريب" فيه بالرفع.

قيل: والفرق بينها وبين المشهورة، أن المشهورة توجب الاستغراق، وهذه تجوزه.

ويمكن أن يقال: كلاهما يوجب الاستغراق إلا أن الأول بطريق نفي الماهية، والثاني لأن قوله "لا ريب" جواب قول القائل هل ريب فيه، وهذا يفيد ثبوت فرد واحد فنقيضه يكون سلب جميع الأفراد.

البحث الرابع في قوله "هدى للمتقين" وفيه مسائل: الأولى: في حقيقة الهدى هو مصدر على فعل كالسرى وهو على الأصح عبارة عن الدلالة.

وقيل: بشرط كونها موصلة إلى البغية بدليل وقوعه في مقابل الضلالة ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى  ﴾ ولأنه يقال مهدي في معرض المدح.

فلو احتمل أن يقال هدى فلم يهتد لم يكن مدحاً، ولأن مطاوعه "اهتدى" فيلزمه.

وأجيب بأن مقابل الضلالة الاهتداء لا الهدى.

وبأن قولنا "مهدي" إنما أفاد المدح لأنه من المعلوم أن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت كالعدم، وبالمنع من أن اهتدى لازم هدى لزوماً كلياً إذ يصح في العرف أن يقال: هديته فلم يهتد، قال عز من قائل: ﴿ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى  ﴾ وقال بعضهم: الهدى الاهتداء، فإن زعم مطلقاً فخطأ لوقوع صفة للقرآن، وإن زعم حيناً فصحيح لوقوعه في مقابلة الضلالة.

الثانية: المتقي اسم فاعل من وقاه فاتقى.

والوقاية فرط الصيانة، وهذه الدابة تقي من وجئها إذا أصابها طلع من غلظ الأرض ورقة الحافر فهو يقي حافره أن يصيبه أدنى شيء.

وهو في الشرع المؤتمر للمأمورات المجتنب عن المحظورات.

واختلف في الصغائر أنه إذا لم يتقها فهل يستحق هذا الاسم؟

روي عنه  أنه قال: "لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس" فحقيقة التقوى الخشية ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم  ﴾ وقد يراد بها الإيمان ﴿ وألزمهم كلمة التقوى  ﴾ أي التوحيد.

وقد يراد التوبة ﴿ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا  ﴾ أي تابوا.

وقد يراد الطاعة ﴿ أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون  ﴾ وقد يراد ترك المعصية ﴿ وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله  ﴾ وقد يراد الإخلاص ﴿ فإنها من تقوى القلوب  ﴾ أي من إخلاصها والتقوى مقام شريف ﴿ إن الله مع الذين اتقوا  ﴾ { ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى  ﴾ ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ﴾ وعن ابن عباس أن النبي  قال: "من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده" وقال علي  : التقوى ترك الإصرار على المعصية، وترك الاغترار بالطاعة.

وعن إبراهيم بن أدهم: أن لا يجد الخلق في لسانك عيباً، ولا الملائكة المقربون في أفعالك عيباً، ولا ملك العرش في سرك عيباً.

الواقدي: أن تزين سرك للحق كما زينت ظهرك للخلق.

ويقال: التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك.

ولله در القائل: خل الذنوب صغيرها.

وكبيرها فهو التقي.

كن مثل ماش في طريــــ *** ـــق الشوق يحذر ما يرى لا تحقــرن صغيـــــــــرة *** إن الجبال من الحصــــــى وفي قوله "هدى للمتقين" ثم في موضع آخر ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس  ﴾ دليل على أن الناس محصورون في المتقين، والباقون ﴿ كالأنعام بل هم أضل  ﴾ .

الثالثة: لم اختص كون القرآن هدى للمتقين، وأيضاً المتقي مهتد فكيف يهتدي ثانياً؟

والجواب أن المتقين لما كانوا هم المنتفعين بالهداية خصوا بالذكر مدحاً لهم كقوله  { ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها  ﴾ ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر  ﴾ مع أنه  منذر كل الناس.

وأيضاً قوله "هدى للمتقين" كقولك للعزيز المكرم "أعزك الله وأكرمك" تريد طلب الزيادة واستدامة ما هو ثابت فيه.

وبوجه آخر سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى متقين نحو "من قتل قتيلاً فله سلبه" فهذا مجاز من باب تسمية الشيء بما هو آيل إليه واللطف فيه أنه لو قال هدى للصائرين إلى التقوى بعد الضلال كان إطناباً في غير موضعه، فإن تصدير السورة التي هي أولى الزهراوين وسنام القرآن وأول المثاني بذكر أولياء الله والمرتضين من عباده هو اللائق بالمقام، فاختص الكلام فإجرائه على الطريقة التي ذكرنا.

فإن قلت: كيف وصفت القرآن بأنه كله هدى وفيه مجمل ومتشابه لا يهتدي فيه إلى المقصود إلا بحكم العقل، فيكون الهدى في ذلك للعقل لا للقرآن؟

ومما يؤكد ما قلنا، ما نقل عن علي  أنه قال لابن عباس حين بعثه رسولاً إلى الخوارج: لا تحتج عليهم بالقرآن فإنه خصم ذو وجهين.

ولهذا كان فرق الإسلام المحق منهم والمبطل يحتجون به، قلنا: المتشابه لما لم ينفك عما يبين المراد معه على التعيين عقلاً كان أو سمعاً صار كله هدى.

فإن قيل: كل ما يتوقف صحة كون القرآن هدى على صحته كمعرفة الله  وصفاته وكمعرفة النبوة، فالقرآن ليس هدى فيه فكيف جعل هدى على الإطلاق؟

قلنا: المراد كونه هدى في تعريف الشرائع والمطلق لا يقتضي العموم، أو كونه هدى في تأكيد ما في العقول أيضاً فيعم.

الرابعة: محل "هدى للمتقين" الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، أو خبر مع "لا ريب فيه" لذلك أو مبتدأ إذا جعل الظرف المقدم خبراً عنه، ويجوز أن ينتصب على الحال والعامل فيه معنى الإشارة أو الظرف والذي هو أرسخ عرقاً في البلاغة أنه يقال: "الم" جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها، و "ذلك الكتاب" جملة ثانية، و "لا ريب فيه" ثالثة، و "هدى للمتقين" رابعة.

وفقد العاطف بينها لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بحجرة بعض، لأنه نبه أولاً على أنه الكلام المتحدى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال فكان تقريراً لجهة التحدي، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب فكان تسجيلاً بكماله، فلا كمال أكمل مما للحق واليقين، ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين فقرر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله، ثم في كل من الجمل نكتة ذات جزالة.

ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه كما مر في الوجه الثامن، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة أي الكتاب الذي يستأهل أن يقال له الكتاب، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر الذي هو هدى موضع هاد وإيراده منكراً والإيجاز في ذكر المتقين.

البحث الخامس في قوله  ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ .

الآية وفيه مسائل: الأولى: "الذين يؤمنون" إما موصول بالمتقين صفة، أو نصب على المدح، أو رفع كذلك بتقدير أعني الذين، أو هم الذين، أو مرفوع بالابتداء مخبر عنه "بأولئك على هدى".

الثانية: "الذين يؤمنون" على تقدير كونه صفة يكون إما وارداً بياناً وكشفاً وذلك إذا فسر المتقي بأنه الذي يفعل الحسنات ويجتنب السيئات، لأن الإيمان أساس الحسنات والصلاة أم العبادات البدنية قال  : "الصلاة عمادة الدين" "وبين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" والزكاة أفضل العبادات المالية قال  : "الزكاة قنطرة الإسلام" فاختصر الكلام اختصاراً بذكر ما هو كالعنوان لسائر الطاعات وكالأصول لبواقي الحسنات ويندرج فيها اجتناب الفواحش والمنكرات لقوله عز من قائل ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ﴾ وإما مسرودة مع المتقين مفيدة غير فائدتها وذلك إذا فسر المتقي بالمجتنب عن المعاصي فقط.

ثم إنه يكون قد وصف بالإيمان وهو فعل القلب وبأداء الصلاة والزكاة وهما من أفعال الجوارح، وهذا ترتيب مناسب لأن لوح القلب يجب تخليته عن النقوش الفاسدة أولاً، ثم تحليته بالعقائد الحقة والأخلاق الحميدة، وإما معدودة عداً على سبيل المدح والثناء وذلك إذا فرض المتقي موسوماً بهذه السمات، مشهوراً بهذه الصفات، غير محتاج لذلك إلى البيان والإيضاح كصفات الله الجارية عليه  تمجيداً وتعظيماً.

الثالثة: الأيمان إفعال من الأمن.

يقال: أمنته وآمنته غيري.

ثم يقال: أمنه إذا صدقه.

وحقيقته أمنه التكذيب.

والمخالفة والتعدية بالباء لتضمينه معنى أقر واعتبر ووثق به.

قال في التفسير الكبير: اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان على أربعة أقوال: الأول: قول المعتزلة والخوارج والزيدية وأهل الحديث أنه اسم لأفعال القلوب واللسان والجوارح، لكن المعتزلة قالوا: الإيمان إذا عدي بالباء فمعناه التصديق على تضمين الإقرار أو الوثوق كما مر من حيث اللغة وأما إذا ذكر مطلقاً فمنقول إلى معنى آخر وهو أن يعتقد الحق ويعرب عنه بلسانه ويصدقه بعمله.

فمن أخل بالاعتقاد وإن شهد وعمل فهو منافق، ومن أخل بالشهادة فهو كافر، ومن أخل بالعمل فهو فاسق.

ثم اختلفوا فبعضهم - كواصل بن عطاء والقاضي عبد الجبار - قالوا: الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة، أو من باب الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات.

وبعضهم - كأبي علي وأبي هاشم - إنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل، وبعضهم - كالنظام - إنه عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد.

ثم يحتمل أن يكون من الكبائر ما لم يرد فيه الوعيد، فالمؤمن عند الله من اجتنب كل الكبائر، والمؤمن عندنا من اجتنب كل ما ورد فيه الوعيد.

والخوارج قالوا: الإيمان بالله يتناول المعرفة بالله وبكل ما وضع الله عليه دليلاً عقلياً أو نقلياً من الكتاب والسنة، ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر به من الأفعال والتروك صغيراً كان أو كبيراً.

فمجموع هذه الأشياء هو الإيمان وترك خصلة من هذه الخصال كفر، وأهل الحديث ذكروا وجهين: الأول: أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة.

وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيماناً إلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة.

وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعده كفر على حدة، ولم يجعلوا شيئاً من الطاعات إيماناً ما لم توجد المعرفة والإقرار، ولا شيئاً من المعاصي كفراً ما لم يوجد الجحود والإنكار.

الثاني: أن الإيمان اسم للطاعات كلها فريضة أو نافلة إلا أنه إذا ترك فريضة انتقض إيمانه، وإن ترك نافلة لم ينتقض.

ومنهم من قال: الإيمان اسم للفرائض دون النوافل.

(القول الثاني): قول من قال الإيمان بالقلب واللسان معاً.

ثم اختلفوا على مذاهب: الأول: أن الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالجنان وهو مذهب أبي حنيفة وعامة الفقهاء، ثم اختلفوا في موضعين: أحدهما في حقيقة هذه المعرفة، فمنهم من قال: هي الاعتقاد الجازم سواء كان اعتقاداً تقليدياً أو علماً صادراً عن الدليل وهم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد مسلم، ومنهم من فسرها بالعلم الصادر عن الاستدلال.

وثانيهما في أن العلم المعتبر في تحقق الإيمان علم بماذا؟

قال بعض المتكلمين: هو العلم بالله وبصفاته على سبيل التمام والكمال، ثم إنه لما كثر اختلاف الخلق في صفات الله  فلا جرم أقدم كل طائفة على تكفير من عداها من الطوائف، والإنصاف أن المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد  ، فعلى هذا العلم بكونه  عالماً بالعلم أو بذاته أو مرئياً وغير مرئي لا يكون داخلاً في مسمى الإيمان.

والمذهب الثاني: أن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معاً وهو مذهب أبي الحسن الأشعري وبشر المريسي، والمراد من التصديق الكلام القائم بالنفس.

المذهب الثالث: كلام بعض الصوفية الإيمان إقرار باللسان وإخلاص بالقلب.

(القول الثالث): قول من قال الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط، فمن هؤلاء من قال: الإيمان معرفة الله بالقلب حتى إن من عرف الله بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقر به فهو مؤمن كامل الإيمان وهو قول جهم بن صفوان، وزعم أن معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر غير داخلة في حقيقة الإيمان.

وحكى الكعبي عنه أن الإيمان معرفة الله مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد  .

ومنهم من قال: الإيمان مجرد التصديق بالقلب.

(القول الرابع).

قول من قال الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، ثم منهم من قال: شرط كونه إيماناً حصول المعرفة في القلب.

ومنهم من قال: لا حاجة بنا إلى هذا الشرط أيضاً بل المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة يثبت له حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة وهذا قول الكرامية، ثم قال الإمام رحمه الله  : عندي أن الإيمان عبارة عن التصديق بكل ما عرف بالضرورة كونه من دين محمد  مع الاعتقاد فههنا قيود: الأول أن الإيمان عبارة عن التصديق، وذلك أن الإيمان أكثر الألفاظ دوراناً على ألسنة المسلمين، فلو صار منقولاً إلى غير مسماه الأصلي لتوفرت الدواعي على نقل هذا النقل وتواتر وليس كذلك.

وأيضاً الإيمان المعدّى بالباء على أصله اتفاقاً، فغير المعدى أيضاً يكون كذلك كلما ذكر الله  الإيمان في القرآن أضافه إلى القلب ﴿ وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم  ﴾ وأيضاً قرن الإيمان بالعمل الصالح، ولو كان العمل داخلاً في الإيمان لزم التكرار.

وأيضاً قرن الإيمان بالمعاصي ﴿ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم  ﴾ ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا  ﴾ ومع عظيم الوعيد في ترك الهجرة.

قال ابن عباس في قوله  : ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص  ﴾ إنما يجب القصاص على القاتل المتعمد، ومع ذلك يدخل في الخطاب.

ثم قال: ﴿ فمن عفى له من أخيه شيء  ﴾ وهذه الأخوة ليست إلا أخوة الإيمان ﴿ إنما المؤمنون إخوة  ﴾ ثم قال: ﴿ ذلك تخفيف من ربكم ورحمة  ﴾ وهذا لا يليق إلا بالمؤمن.

القيد الثاني: أن الإيمان ليس عبارة عن تصديق اللسان لقوله  ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين  ﴾ .

القيد الثالث: ليس عبارة عن مطلق التصديق لأن من صدق بالجبت والطاغوت لا يسمى مؤمناً.

القيد الرابع: لا يشترط التصديق بجميع صفات الله  لقوله  "اعتقها فإنها مؤمنة" بعد قوله عليه الصلاة والسلام لها أين الله؟

قالت: في السماء.

ويعلم مما ذكرنا أن من عرف الله بالدليل، ولما تم العرفان مات ووجد من الوقت ما أمكنه التلفظ بكلمة الشهادة لكنه لم يتلفظ بها كان مؤمناً، وكان الامتناع عن النطق جارياً مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان، وبهذا حكم الغزالي  قلت: - وبالله التوفيق -: التحقيق في المقام أن للإيمان وجوداً في الأعيان ووجوداً في الأذهان ووجوداً في العبارة.

ولا ريب أن الوجود العيني لكل شيء هو الأصل، وباقي الوجودات فرع وتابع.

فالوجود العيني للإيمان هو النور الحاصل للقلب بسبب ارتفاع الحجاب بينه وبين الحق جل ذكره ﴿ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور  ﴾ وهذا النور قابل للقوة والضعف والاشتداد والنقص كسائر الأنوار ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً  ﴾ كلما ارتفع حجاب ازداد نوراً فيتقوى الإيمان ويتكامل إلى أن ينبسط نوره فينشرح الصدر ويطلع على حقائق الأشياء وتتجلى له الغيوب وغيوب الغيوب فيعرف كل شيء في موضعه، فيظهر له صدق الأنبياء عليهم السلام ولا سيما محمد  خاتم النبيين في جميع ما أخبروا عنه إجمالاً أو تفصيلاً على حسب نوره، وبمقدار انشراح صدره، وينبعث من قلبه داعية العمل بكل مأمور والاجتناب عن كل محظور، فينضاف إلى نور معرفته أنوار الأخلاق الفاضلة والملكات الحميدة ﴿ نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم  ﴾ ﴿ نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء  ﴾ وأما الوجود الذهني فبملاحظة المؤمن لهذا النور ومطالعته له ولمواقعه، وأما الوجود اللفظي فخلاصته ما اصطلح عليه الشارع بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله  .

ولا يخفى أن مجرد التلفظ بقولنا "لا إله إلا الله محمد رسول الله  " من غير النور المذكور لا يفيد إلا كما يفيد للعطشان التلفظ بالماء الزلال دون التروي به، إلا أن التعبير عما في الضمير لما لم يتيسر إلا بواسطة النطق المفصح عن كل خفي والمعرب عن كل مشتبه، كان للتلفظ بكلمة الشهادة ولعدم التلفظ بها مدخل عظيم في الحكم بإيمان المرء وكفره، فصح جعل ذلك وما ينخرط في سلكه من العلامات، كعدم لبس الغيار وشد الزنار دليلاً عليهما، وتفويض أمر الباطن إلى عالم الخفيات المطلع على السرائر والنيات ولهذا قال  : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" الرابعة: يجوز أن يكون بالغيب صلة للإيمان أي يعترفون أو يثقون به، وعلى هذا يكون الغيب بمعنى الغائب ما تسمية بالمصدر كما سمى الشاهد بالشهادة قال الله  : { ﴿ عالم الغيب والشهادة  ﴾ ، [المؤمنون: 92]، [التغابن: 18] والعرب تسمي المطئمن من الأرض غيباً، وإما أن يكون مخفف فيعل والمراد به الخفي الذي لا ينفذ فيه ابتداء إلا علم اللطيف الخبير، وإنما نعلم منه نحن ما أعلمناه أو نصب لنا دليل عليه، ولهذا لا يجوز أن يطلق فيقال: فلان يعلم الغيب، وذلك نحو الصانع وصفاته والنبوات وما يتعلق بها والبعث والنشور والحساب والوعد والوعيد وغير ذلك.

ويجوز أن يكون بالغيب حالاً، والغيب بمعنى الغيبة والخفاء أي يؤمنون غائبين عن المؤمن به وحقيقته متلبسين بالغيب نحو { ﴿ الذين يخشون ربهم بالغيب  ﴾ ﴿ ليعلم أني لم أخنه بالغيب  ﴾ وفيه تعريض بالمنافقين حيث إن باطنهم يخالف ظاهرهم وغيبتهم تباين حضورهم ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم  ﴾ وقال بعض الشيعة: المراد بالغيب المهدي المنتظر الذي وعد الله في القرآن.

وورد في الخبر ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض  ﴾ "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أمتي يواطئ اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً" الخامسة: معنى إقامة الصلاة أحد ثلاثة اشياء: إما تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها من أقام العود إذا قومه، وإما الدوام عليها والمحافظة ﴿ والذين هم على صلاتهم دائمون  ﴾ ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون  ﴾ من قامت السوق إذا نفقت وأقامها.

قال الأسدي: أقامت غزالة سوق الضراب.

لأهل العراقين حولاً قميطاً.

غزالة اسم امرأة شبيب الخارجي، قتله الحجاج فحاربته سنة تامة.

والضراب القتال، والعراقان الكوفة والبصرة، وقميطاً أي كاملاً لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات، وإما التجلد والتشمر لأدائها وأن لا يكون في مؤديها فتور عنها ولا توان من قولهم: قام في الأمر خلاف تقاعد عنه، فعبر عن الأداء بالإقامة لأن القيام بعض أركانها كما عبر عنه بالقنوت، والقنوت القيام - وبالركوع والسجود والتسبيح ﴿ يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي  ﴾ ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين  ﴾ ولا يخفى أن إقامة الصلاة بجميع هذه المعاني تستحق المدح والثناء.

السادسة: الصلاة في عرف الشرع عبارة عن إلهيات والأقوال المخصوصة التي مفتتحها التحريم ومختتمها التسليم فرضاً كانت أو نفلاً، إلا أنه يحتمل أن يقال المراد بها في الآية الفرض لأن الفلاح قد نيط بها في قوله  للأعرابي "أفلح والله إن صدق" بعد قول الأعرابي "والله لا أزيد على هذه ولا أنقص" أي على الصلوات المفروضة.

واشتقاقها لغة إما من الصلاة بمعنى الدعاء قال الأعشى: وقابلها الريح في دنها *** وصلى على دنها وارتسم أي وضع عليها الرسم وهو الخاتم وإما من قولهم "صليت العصا بالنار" إذا لينتها وقومتها قال: فلا تعجل بأمرك واستدمه *** فما صلي عصاك كمستديم والمصلي يسعى في تعديل ظاهره وتقويم باطنه كالخشب الذي يعرض على النار.

وإما من قولهم "صلى الفرس" إذا جاء مصلياً أي ملازماً للسابق، لأن رأسه عند صلاة، والصلا ما عن يمين الذنب وشماله، والمصلي ملازم لفعله من حين شروعه إلى أوان فراغه.

والصلاة اسم وضع موضع المصدر يقال: صليت صلاة ولا يقال تصلية.

قال في الكشاف: الصلاة فعلة من صلى كالزكاة من زكى.

وكتبها بالواو على لفظ المفخم.

وحقيقة صلى حرك الصلوين لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، ولا يخفى ما فيه من التعسف.

السابعة: الرزق لغة هو ما ينتفع به، فيشمل الحلال والحرام والمأكول وغيره والمملوك وغيره، والمعتزلة ومن يجري مجراهم زادوا قيداً آخر وهو أن لا يكون ممنوعاً عن الانتفاع به، وعلى هذا لا يكون الحرام عندهم رزقاً.

قال في الكشاف: إسناد الرزق إلى نفسه للإعلام بأنهم ينفقون الحلال المطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى الله  ويسمى رزقاً منه.

وأدخل "من" التبعيضية صيانة لهم وكفاً عن الإسراف والتبذير المنهي عنه، وقدم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم كأنه قال: ويخصون بعض المال الحلال بالتصدق به، والحق أن التمكين من الانتفاع بالمرزوق مسند إلى الله  على الإطلاق، إذ كل بقدرته إلا أن مذهب المعتزلة إلى الأدب أقرب، ولا سيما في هذا المقام ليستحقوا المدح بالإنفاق منه.

الثامنة: أنفق الشيء وأنفده أخوان، وكل ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على معنى الخروج والذهاب، وما يقرب منه ويدخل في هذا الإنفاق الواجب من الزكاة التي هي أخت الصلاة وشقيقتها، ومن الإنفاق على النفس وعلى من تجب نفقته، ومن الإنفاق في الجهاد.

ويمكن أن يتناول كل منفق في سبيل الخير للإطلاق قال  ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت  ﴾ والمراد به الصدقة لقوله ﴿ فأصدّق وأكن من الصالحين  ﴾ .

البحث السادس: في قوله  و "الذين يؤمنون" الآية.

وفيه مسائل: الأولى: يحتمل أن يراد بهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه الذين اشتمل إيمانهم على كل وحي نزل من عند الله، سالف أو مترقب سبيله سبيل السالف لكونه معقوداً بعضه ببعض ومربوطاً آتيه بماضيه، وأيقنوا بالآخرة إيقاناً زال معه ما كانوا عليه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات، وأن أهل الجنة لا يتلذذون إلا بالنسيم والأرواح العبقة والسماع اللذيذ ونحو ذلك.

فيكون المعطوف غير المعطوف عليه إما مغايرة المباينة وذلك إذا أريد بالأولين كل من آمن ابتداء بمحمد  من غير إيمان قبل ذلك بموسى وعيسى عليهما السلام، وإما مغايرة الخاص للعام وذلك إذا أريد بالأولين كل من آمن بمحمد  سواء كان قبل ذلك مؤمناً بموسى وعيسى عليهما السلام أو لم يكن.

ويكون السبب في ذكر هذا الخاص بعد العام إثبات شرف لهم وترغيباً لأمثالهم في الدين، ويحتمل أن يراد بهؤلاء الأولون، ووسط العاطف على معنى أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم يا لهف زيابة للحارث الــــ *** ـــصابح فالغانم فالآئـــب الثانية: قال في التفسير الكبير: المراد من إنزال الوحي أن جبريل سمع في السماء كلاماً لله  فنزل على الرسول  كما يقال: نزلت رسالة الأمير من القصر.

والرسالة لا تنزل لكن المستمع يستمع الرسالة في علو فينزل فيؤدي في سفل.

وقول الأمير لا يفارق ذاته، ولكن السامع يسمع فينزل ويؤدي بلفظ نفسه.

قال: فإن قيل: كيف سمع جبريل كلام الله وكلامه ليس حرفاً ولا صوتاً عندكم؟

قلنا: يحتمل أن يخلق الله له سمعاً لكلامه ثم أقدره على عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام القديم.

ويجوز أن يكون خلق الله في اللوح المحفوظ كتابه بهذا النظم المخصوص فقرأه جبرائيل فحفظه، ويجوز أن يخلق أصواتاً مقطعة بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص فيتلقفه جبرائيل ويخلق له علماً ضرورياً بأنه هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام.

وأقول: إنك إذا تأملت ما أشرت إليه في المقدمة العاشرة من مقدمات الكتاب انكشف لك الغطاء عن هذه المسالة.

الثالثة: الإيمان بجميع الكتب السماوية أعني التصديق بها واجب، لأن الفلاح منوط بذلك.

فيجب تحصيل العلم بما أنزل على محمد  التفصيل ليقوم بواجبه علماً وعملاً، لكنه فرض كفاية لقوله  ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين  ﴾ الآية.

وأما المنزل على الأنبياء المتقدمين فالإيمان به واجب على الجملة لأن الله  ما تعبدنا الآن به حتى يلزمنا معرفتها مفصلة، لكنها إن عرفنا شيئاً من تفاصيلها فهناك يجب علينا الإيمان بتلك التفاصيل.

الرابعة: الآخرة صفة الدار تلك الدار الآخرة وهي من الصفات الغالبة تأنيث الآخر نقيض الأول وكذلك الدنيا تأنيث الأدنى لأنها أقرب، واليقين هو العلم بالشيء ضرورة أو استدلالاً بعد أن كان صاحبه شاكاً فيه، ولذلك لا يوصف الله  بأنه متيقن ولا يقال تيقنت أن السماء فوقي أو أني موجود.

وفي تقديم الآخرة وبناء "يوقنون" على "هم" تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته ومن غير إيقان، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أنزل على محمد وعلى غيره من الأنبياء، وهذا في معرض المدح ومعلوم أنه لا يمدح بتيقن وجود الآخرة فقط، بل به وبما يتبعه من الحساب والسؤال وإدخال المؤمنين الجنة والكافرين النار.

عن النبي  "يا عجباً كل العجب من الشاك في الله وهو يرى خلقه، وعجباً ممن يعرف النشأة الأولى ثم ينكر النشأة الآخرة، وعجباً ممن ينكر البعث والنشور وهو كل يوم يموت ويحيا - يعني النوم واليقظة - وعجباً ممن يؤمن بالجنة وما فيها من النعيم ثم يسعى لدار الغرور، وعجباً من المتكبر الفخور وهو يعلم أن أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة" البحث السابع: في قوله  ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ الآية وفيه مسائل: الأولى: في كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: أحدها نوى الابتداء "بالذين يؤمنون بالغيب" على سبيل الاستئناف و "أولئك على هدى" الجملة خبره، كأنه لما قيل "هدى للمتقين" فخص المتقون بأن الكتاب لهم هدى، اتجه لسائل أن يسأل فيقول: ما بال المتقين مخصوصين بذلك؟

فأجيب بأن الذين هؤلاء عقائدهم وأعمالهم أحقاء بأن يهديهم الله ويعطيهم الفلاح.

وهذا النوع من الاستئناف يجيء تارة بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث نحو: قد أحسنت إلى زيد زيد حقيق بالإحسان، وتارة بإعادة صفته مثل: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك.

فيكون الاستئناف بإعادة صفته مثل: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك.

فيكون الاستئناف بإعادة الصفة كما في الآية أحسن وأبلغ لانطوائها على بيان الموجب وتلخيصه.

وثانيها: أن يجعل "الذين" و "الذين" تابعاً للمتقين، ويقع الاستئناف على "أولئك" كأنه قيل: ما للمستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى؟

فقيل: أولئك الموصوفون غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلاً وبالفلاح آجلاً.

وثالثها: أن يجعل الموصول الأول صفة للمتقين ويرفع الثاني على الابتداء، و "أولئك" خبره، ويكون اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضاً بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوة رسول الله  وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون في أنهم سيفلحون عند الله  والفضل من هذه الوجوه لأولها لأن الكلام المبني على السؤال والجواب أكثر فائدة، ولأن الاستئناف بإعادة الصفة أبلغ ولأن السؤال على الوجه الأخير كالضائع، لأن موجبات اختصاصهم بالهدى قد علمت.

وأيضاً إنه يجعل الموصولين تابعاً والوجه الأول يجعل الموصول الأول ركناً من الكلام.

الثانية: الاستعلاء في قوله "على هدى" مثل لتمكنهم من الهدى كقولهم "هو على الحق وفلان على الباطل" وقد يصرح بذلك فيقال: جعل الغواية مركباً، وامتطى الحق، واقتعد غارب الهوى.

ومعنى "هدى من ربهم أي منحوه من عنده وأوتوه من قبله، وهو إما اللطف والتوفيق الذي اعتضدوا به على أعمال الخير والترقي من الأفضل لأفضل، وإما الإرشاد إلى الدليل الموجب للثبات على ما اعتقدوه والدوام على ما عملوه.

ونكر "هدى" ليفيد ضرباً من المبالغة أي هدى لا يبلغ كنهه.

قال الهذلي: فلا وأبي الطير المربة بالضحى *** على خالد لقد وقعت على لحم أي لحم وأي لحم.

وأربّ بالمكان إذا أقام به، والأب مقحم للاستعظام إذ الكنى إنما تكون للأشراف كما أن الإقسام بالطير أيضاً لاستعظامهن لوقوعهن على لحم عظيم، وعنبعضهم الهدى من الله كثير ولا يبصره إلا بصير ولا يعمل به إلا يسير، ألا ترى أن نجوم السماء يبصرها البصراء ولا يهتدي بها إلا العلماء؟

الثالثة: في تكرير "أولئك" تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدى ثبت لهم الاختصاص بالفلاح فتميزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين.

ووسط العاطف بينهما لاختلاف خبريهما بخلاف قوله ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون  ﴾ فإن التسجيل عليهم بالغفلة وعدّهم من جملة الأنعام شيء واحد.

الرابعة: "هم" فصل وفائدته بعد الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة التوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره.

ويحتمل أن يكون "هم" مبتدأ و "المفلحون" خبره، والجملة خبر "أولئك".

الخامسة: المفلح الفائز بالبغية، والمفلج بالجيم مثله كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر.

وكذلك أخواته في الفاء والعين تدل على معنى الشق والفتح نحو: فلق، وفلذ، ومنه سمي الزارع فلاحاً.

ومعنى التعريف في "المفلحون" إما العهد أي المتقون هم الناس الذين بلغك أنهم المفلحون في الآخرة، أو الجنس على معنى أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام إن زيداً هو هو.

فانظر كيف كرر الله عز وجل التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى وهي ذكر اسم الإشارة، فإن في ذكره أيذاناً بأن ما يرد عقيبه.

فالمذكورون قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عددت لهم، وتكرير اسم الإشارة وتعريف المفلحين وتوسيط الفصل، اللهم زينا بلباس التقوى واحشرنا في زمرة من صدّرت بذكرهم أولى الزهراوين.

قد ورد في الخبر "يحشر الناس يوم القيامة ثم يقول الله عز وجل لهم: طالما كنتم تتكلمون وأنا ساكت فاسكتوا اليوم حتى أتكلم، إني رفعت نسباً وأبيتم إلا أنسابكم قلت: إن أكرمكم عند الله أتقاكم وأبيتم أنتم فقلتم: لا بل فلان ابن فلان، فرفعتم أنسابكم ووضعتم نسبي، فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم، فسيعلم أهل الجمع من أصحاب الكرم أين المتقون" فليأخذ العاقل بحكمة الله  وهو نوط الثواب وتعليق العقاب بالعمل الصالح والسيء إلا بما هو غير مضبوط من عفوه عن بعض المذنبين وردّة طاعة بعض المطيعين، كما أن حكمته لما اقتضت ترتب الشبع والري على الأكل والشرب لم يعهد الاتكال على ما يمكن أن يقع بالنسبة إلى قدرته من إشباع شخص أو إروائه من غير تناول الطعام والشراب أو بالعكس، وهذه نكتة شريفة ينتفع بها من وفق لها إن شاء الله.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

﴿ الۤـمۤ ﴾ قيل: فيه وجوهٌ: روى عن ابن عباس -  ما - قال: قوله: ﴿ الۤـمۤ ﴾ أنا الله أعلم.

وقيل: إنه قسم أقسم بها.

وقيل: إن هذه الحروف المعجمة مفتاح السورة.

وقيل: إن كل حرف من هذه الحروف كناية اسم من أسماءِ الله: الأَلف الله، واللام لطفه، والميم ملكه.

وقيل: إن اللام آلاؤه، والميم مجدهُ.

وقيل: إن الأَلف هو الله، واللام جبريل، والميم محمد.

وقيل: إنها من التشبيب؛ ليفصل بين المنظوم من الكلام، والمنثور من نحو الشعر ونحوه.

وقيل: إن تفسير هذه الحروف المقطعة ما أَلحق ذكرها بها على أَثرها نحو قوله: ﴿ الۤـمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ \[أول سورة البقرة\]، ﴿ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ هو تفسير ﴿ الۤـمۤ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ \[أول سورة آل عمران\]، ﴿ الۤمۤصۤ * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ \[أول سورة الأعراف\]، و ﴿ الۤر كِتَابٌ ﴾ \[أول سورة هود، وإبراهيم\]، و ﴿ الۤـمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ﴾ \[أول سورة لقمان\] كلُّ ملحقٍ بها فهو تفسيرُها.

وقيل: إن فيها بيان غاية ملك هذه الأُمة من حساب الجُمَّل، ولكنهم عدوا بعضها وتركوا البعض.

وقيل: إنه من المتشابه الذي لم يطلع الله خلقه علم ذلك، ولله أن يمتحن عباده بما شاءَ من المحن.

وقيل: إنهم كانوا لا يستمعون لهذا القرآن؛ كقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً  ﴾ فأنزل الله عز وجل هذه الحروف المعجمة ليستمعوا إليها فيلزمهم الحجة.

والأصل في الحروف المقطعة: أنه يجوز أن تكون على القَسَم بها على ما ذكرنا.

وأريد بالقدْر الذي ذكر كليةُ الحروف بما كان من شأْن العرب القسمُ بالذي جلَّ قدْرُه، وعظم خطره.

وهي مما بها قوام الدارين، وبها يتصل إلى المنافع أَجمع.

مع ما دّلت على نعمتين عظيمتين - اللسان والسمع - وهما مجرى كل أنواع الحكمة، فأَقسم بها على معنى إضمار ربّها، أَو على ما أَجلّ قدرها في أعين الخلق، فيقسم بها، ولله ذلك، ولا قوة إلا بالله.

ويحتمل: أَن يكون بمعنى الرمز والتضمين في كل حرف منها أمراً جليلاً يعظم خطره على ما عند الناس في أَمر حساب الجُمل.

ثم يُخرَّج على الرمز بِها عن أَسماءِ الله وصفاته ونعمه على خلقه، أَو على بيانِ منتهى هذه الأُمة، أَو عددِ أَئمتها، وملوكها، والبقاع التي ينتهي أمرها، وذلك هو في نهاية الإيجاز، بل بالاكتفاءِ بالرمز عن الكلام، وبما هو بمعنى من الإشارة في الاكتفاءِ بها عن البسط، ولا قوة إلا بالله؛ ليُعلم الخلائقَ قدرة الله، وأَنَّ له أَنْ يضمن ما شاء فيما شاءَ على ما عليه أَمرُ الخلائق من لطيف الأَشياءِ التي كادت العقولُ وأَسباب الإدراك تقصر عنها، وكنهِها التي يدركها كل أَحد، وبين الأَمرين، فعلى ذلك أَمر تركيب الكلام، ولا قوة إلا بالله.

ويجوز أن يكون بمعنى اسم السور، ولله تسميتها بما شاءَ كما سمى كتبه، وعلى ذلك منتهى أَسماءِ الأَجناس خمسة أحرف، وكذلك أمر السور، دليل ذلك وصْلُ كل سورة فتحت بها إليها، كأَنه بنى بها.

ولا قوة إلا بالله.

ويجوز أن يكون على التشبيب، على ما ذكرنا للتفصيل بين المنظوم من الكلام والمنثور في المتعارف أن المنظوم في الشاهد يشبب فيخرج عن المقصود بذلك الكلام، فعلى ذلك أمر الكلام المنزل.

أَلا ترى أَنه خرج على ما عليه فنون الكلام في الشاهد إلا أَنه على وجه ينقطع له المثال من كلامهم، فمثله أَمر التشبيب.

ولا قوة إلا بالله.

وجائِز: أن يكون الله أَنزلها على ما أَراد؛ ليمتحن عبادَه بالوقف فيها، وتسليم المراد في حقيقة معناه والذي له يزول ذلك، ويعترف أَنه من المتشابه، وفيها جاءَ تعلق الملحدة، ولا قوة إلا بالله.

ويحتمل: أَن يكون إذ علم الله من تعنت قوم وإعراضهم عنه وقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ  ﴾ أَنزل على وجه يبعثهم على التأَمل في ذلك بما جاءَ بالعجيب الذي لم يكونوا يعرفون ذلك: إما لما عندهم أَنه كأَحدهم، أو لسبيل الطعن؛ إذ خرج عن المعهود عندهم، فتلا عليهم ما يضطرهم إلى العلم بالنزول من عند من يملك تدبير الأشياءِ؛ ولذلك اعترضوا لهذه الأَحرف بالتأَمل فيها من بين الجميع.

ولا قوة إلا بالله.

وقيل: إنه دعا خلقه إلى ذلك، والله أَعلم بما أَراد.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ .

أي: هذا الكتاب، إشارة إلى ما عنده، وذلك شائع في اللغة، جائز بمعنى هذا.

وقيل: ذلك بمعنى ذلك، إشارة إلى ما في أَيدي السفرة والبررة.

وقوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .

قيل: فيه وجوهٌ؛ لكن الحاصل يرجع إلى وجهين: أي: لا ترتابوا فيه أنه من عند الله.

وقيل: لا ريب فيه أنه منزل على أَيدي الأُمناءِ والثقات.

وقوله: ﴿ هُدًى ﴾ .

قيل فيه بوجهين: ﴿ هُدًى ﴾ : أَي: بياناً ووضوحاً، فلو كان المراد هذا، فالتَّقيُّ وغير التَّقِيِّ سواء.

والثاني: هُدىً أي: رشداً، وحجة، ودليلاً.

ثم اختلفوا في الدليل: فقال الراوندي: الدليل إنما يكون دليلاً بالاستدلال؛ لأَنه فعل المستدل.

مشتق من الاستدلال؛ كالضرب من الضارب وغيره.

وقال غير هؤلاءِ: الدليل بنفسه دليل، وإن لم يستدل به؛ لأَنه حجة، والحجة حجة وإن لم يحتج بها.

غير أَن الدليل يكون دليلاً بالاستدلال، ومن لم يستدل به فلا يكون له دليلاً، وإن كان بنفسه دليلاً، بل يكون عليه عمى وحيرة كقوله: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ  ﴾ ثم قال: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ  وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً  ﴾ .

وقوله: ﴿ لِّلْمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

قيل: فيه بوجهين: يؤمنون بالله غيباً، ولم يطلبوا منه ما طلبه الأُمم السالفة، من أنبيائهم؛ كقول بني إسرائيل لموسى: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ .

والثاني: يؤمنون بغيب القرآن، وبما يخبرهم القرآن من الوعدِ والوعيدِ، والأَمر والنهي، والبعث، والجنة، والنار.

والإيمانُ إنما يكون بالغيب؛ لأَنه تصديق، والتصديقُ والتكذيب إنما يكونان عن الخبر، والخبرُ يكون عن غيب لا عن مشاهدة.

والآية تنقض قول من يقول: بأَن جميع الطاعات إيمان؛ لأَنه أَثبت لهم اسم الإيمان دون إقامة الصلاة والزكاة بقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: الصلاةَ المعروفةَ، يقيمونها بتمام ركوعها وسجودها، والخشوغ، والخضوع له فيها، وإخلاص القلب في النِّية؛ على ما جَاءَ في الخبر "انْظُر مَنْ تُنَاجِي" ويحتمل: الحمد له والثناء عليه.

فإن كان المراد هذا فهو لا يحتمل النسخ، ولا الرفع في الدنيا والآخرة.

وقوله: ﴿ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ .

من الأموال يحتمل فرضاً ونفلاً.

ويحتمل: ﴿ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾ من القوى في الأَنفس وسلامة الجوارح، ﴿ يُنْفِقُونَ ﴾ : يعينون.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .

يحتمل وجهين: أي: ما أنزل إليك من القرآن.

ويحتمل: ما أنزل إليك من الأَحكام، والشرائع التي ليس ذكرها في القرآن.

وقوله: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ .

يحتمل وجهين أيضاً: يعني الكتب التي أنزلت على سائِر الأَنبياءِ عليهم السلام.

ويحتمل: الشرائع، والأَخبار سوى الكتب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ .

بمعنى يؤمنون.

والإيقان بالشيء هو العلم به.

والإيمان هو التصديق، لكنه إذا أَيقن آمن به وصدق به لعلمه به؛ لأَن طائفة من الكفار كانوا على ظن من البعث؛ كقوله: ﴿ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ  ﴾ فأَخبر عز وجل عن حال هؤلاءِ أَنهم على يقين، ليسوا على الظن والشك كأُولئك.

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ .

قِيل: على صواب، ورشد من ربهم.

وقيل: إنهم على بيان من ربهم، لكن البيان ليس المؤمنُ أحقَّ به من الكافر؛ لأَنه يبين للكافر جميع ما يحتاج إليه، إما من جهة العقل، وإما من جهة السمع.

فظهر بهذا أَن الأَول أَقرب إلى الاحتمال من الثاني.

وقوله: ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: الباقون في نعم الله والخير.

وقيل: الظافرون بحاجاتهم، يقال: أَفلح، أَي: ظفر بحاجته.

وقيل: ﴿ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ هم السعداءُ، يقال: أَفلح، أي: سعد.

وقيل: ﴿ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ الناجون؛ يقال: أَفلح، أي: نجا.

وكله يرجع إلى واحد؛ كقوله: ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ  ﴾ وكل واحد ممن زحزح عن النار فقد فاز ومن أُدخل الجنة فقد فاز فكذلك الأَول.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ذلك القرآن العظيم لا شك فيه، لا من جهة تنزيله، ولا من حيث لفظه ومعناه، فهو كلام الله، يهدي المتقين إلى الطريق الموصل إليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.M31DY"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ الٓمٓ  ﴾ هو وأمثاله أسماء للسورة المبتدأة به، ولا يضر وضع الاسم الواحد (كالم) لعدة سور لأنه من المشترك الذي يعين معناه اتصاله بمسماه.

وحكمة التسمية والاختلاف في ﴿ الٓمٓ  ﴾ و ﴿ المص  ﴾ نفوض الأمر فيها إلى المسمي  .

ويسعنا في ذلك ما صنع صحابة رسول الله  وتابعوهم، وليس من الدين في شيء أن يتنطع متنطع فيخترع ما يشاء من العلل، التي قلما يسلم مخترعها من الزلل.

﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ  ﴾ الكتاب بمعنى المكتوب وهو اسم جنس لما يكتب والمراد بالكتاب هذه الرقوم والنقوش ذات المعاني.

والإشارة تفيد التعيين الشخصي أو النوعي.

وليس المراد هنا نوعًا من أنواع الكتب بل المراد كتاب معروف معهود للنبي  بوصفه.

وكأن ذلك العهد مبني على صدق الوعد من الله بأنه يبعثه ويؤيده بكتاب تام كامل كافل لطلاب الحق بالهداية والإرشاد، في جميع شؤون المعاش والمعاد.

فأشار"بذلك"إليه.

ولا يضر أنه لم يكن موجودًا كله وقت نزول أمثال هذه الإشارة، فقد يكفي في صحتها وجود البعض.

وقد كان نزل من القرآن جملة عظيمة قبل نزول أول السورة وأمر النبي  بكتابها فكتبت وحفظت، فالإشارة إليها إشارة إليه.

بل يكفي في صحة الإشارة أن يشار إلى سورة البقرة نفسها لأنه يصح فيها وصف ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ والأول أشبه، والإشارة إلى الكتاب كله عند نزول بعضه إشارة إلى أن الله تعالى منجز وعده للنبي  بإكمال الكتاب كله.

ومن حكمة الإشارة بهذا الكتاب، أي المكتوب المرقوم، أن النبي  أمر بكتابته دون غيره، فهو الكتاب وحده، ولا يضر إنه عند النزول لم يكن مكتوبًا بالفعل لأنك تقول أنا أملي كتابًا أو هلم أُمْلِ عليك كتابًا.

والإشارة البعيدة بالكاف يراد بها بُعْدُ مرتبته في الكمال، وعلوها عن متناول قريحة شاعر أو مقول خطيب قوال، والبعد والقرب في الخطاب الإلهي إنما هو بالنسبة إلى المخلوقين، ولا يقال إن شيئًا بعيدًا عنه تعالى أو قريبًا منه في المكان الحسي لأن كل الأشياء بالنسبة إليه تعالى سواء.

وإنما القرب منه والبعد عنه تعالى معنوي وهو أقرب إلينا من أنفسنا بعمله.

﴿ لا رَيْبَ فِيهِ  ﴾ الريب والريبة والظنة (التهمة) والمعنى أن ذلك الكتاب مبرأ من وصمات العيب، فلا شك فيه، ولا ريبة تعتريه، لا من جهة كونه من عند الله تعالى، ولا في كونه هاديًا مرشدًا، ويصح أن يقال إنه في قوة آياته، ونصوع بيناته، بحيث لا يرتاب عاقل منصف، غير متعنت ولا متعسف، في كونه هداية مفاضة من سماء الحق، مهداة إلى الخلق، على لسان أمي لم يسبق له قبله الاشتغال بشيء من علومه، ولا الإتيان بكلام يقرب منه في بلاغته، ولا في أسلوبه حتى بعد نبوته - ولهذا قال فيما يأتي قريبًا ﴿ وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ  ﴾ وحاصله إنه كذلك في كل من نظمه وأسلوبه وبلاغته، ومن معانيه وعلومه وتأثيره والمتبادر في المعنى أنه لا يمكن أن توجه إليه الشبهة، أو تحوم حوله الريبة في كونه هاديًا من الله تعالى، سواء أشك في ذلك أحد أم لا.

﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ خبر بعد خبر، والهدى مصدر في الأصل كالتُّقى والسُّرى.

والمراد بالهداية هنا الدلالة على الصراط المستقيم مع المعونة الخاصة والأخذ باليد، على ما تقدم في تفسير المراد من ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ  ﴾ ، لأن كونه هاديًا للمتقين بالفعل غير كونه هاديًا -دالًا- لسائر الناس من غير مراعاة أخذهم بدلالته، واستقامتهم على طريقته، وكلمة"المتقين"من الاتقاء، والاسم التقوى، وأصل المادة: وقى يقي.

والوقاية معروفة المعنى.

وهو البعد أو التباعد عن المضر أو مدافعته، ولكن نجد هذا الحرف مستعملًا بالنسبة إلى الله تعالى كقوله ﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ  ﴾ - ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ  ﴾ - ﴿ وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ  ﴾ فمعنى اتقاء الله اتقاء عذابه وعقابه، وإنما تضاف التقوى إلى الله تعالى تعظيمًا لأمر عذابه وعقابه، وإلا فلا يمكن لأحد أن يتقي ذات الله تعالى ولا تأثير قدرته، ولا الخضوع الفطري لمشيئته.

ومدافعة عذاب الله تعالى تكون باجتناب ما نهى واتباع ما أمر، وذلك يحصل بالخوف من العذاب ومن المعذِّب، فالخوف يكون ابتداء من العذاب وفي الحقيقة من مصدره، فالمتقي هو من يحمي نفسه من العقاب ولا بد في ذلك أن يكون عنده نظر ورشد يعرف بهما أسباب العقاب والآلام فيتقيها.

كان من الجاهلين من مقت عبادة الأصنام وأدرك أن فاطر السموات والأرض لا يرتضيه الخضوع لها، وأن الإله الحق يحب الخير، ويبغض الشر، فكان منهم من اعتزل الناس لذلك.

وكانوا لا يعرفون من عبادة الله إلا الالتجاء والابتهال وتعظيم جانب الربوبية، وذلك ما كان يسمى صلاة في لسانهم - وبعض الخيرات البديهية التي يهتدي إليها العقل في معاملات الخلق.

وكان من أهل الكتاب من وصفهم الله تعالى بمثل قوله ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ  يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ  ﴾ وبقوله ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ  وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ  ﴾ فأمثال هؤلاء من الفريقين هم المراد بالمتقين.

ولا حاجة إلى تخصيص ما جاء في وصفهم بالمؤمنين منهم بعد الإسلام أو بالمسلمين، بل أولئك هم الذين كان في قلوبهم اشمئزاز مما عليه أقوامهم، وفي نفوسهم شيء من التشوف إلى هداية يهتدون بها، ويشعرون باستعدادهم لها، إذا جاءهم شيء من عند الله تعالى.

فالمتقون في هذه الآية إذن هم الذين سلمت فطرتهم فأصابت عقولهم ضربًا من الرشاد ووجد في أنفسهم شيء من الاستعداد لتلقي نور الحق يحملهم على توقي سخط الله تعالى والسعي في مرضاته، بحسب ما وصل إليه علمهم، وأداهم إليه نظرهم واجتهادهم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.4 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
سبحان الله