غرائب القرآن ورغائب الفرقان سورة البقرة

الإسلام > القرآن > تفسير > النيسابوري > تفسير سورة البقرة

تفسيرُ سورةِ البقرة كاملةً من غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) (نظام الدين النيسابوري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 1525 دقيقة قراءة

تفسير سورة البقرة كاملةً (نظام الدين النيسابوري)

الٓمٓ ١ ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًۭى لِّلْمُتَّقِينَ ٢ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ٣ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ٤ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًۭى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ٥

القراءات: "لا ريب" بالمد خلف والعجلي عن حمزة وخلف لنفسه، وكذلك قوله تعالى ﴿ لا خير ﴾ و ﴿ لا جرم ﴾ وذلك لاجتماع الفتحة مع الألف أو لتأكيد معنى النفي للجنس "فيهى" ابن كثير، وكذلك يشبع كل هاء كناية في جميع القرآن.

"هدى للمتقين" مدغماً من غير غنة: حمزة وعلي وخلف ويزيد وورش من طريق النجاري، والهاشمي عن ابن كثير.

وكذلك يدغمون النون الساكنة والتنوين في الراء حيث وقعت.

أبو عمرو بالوجهين: إدغام الغنة وإظهارها، والباقون بإظهار الغنة.

ولا خلاف بين القراء في إدغام أصل النون والتنوين في اللام والواو والراء والياء والميم، وإنما الخلاف بينهم في إظهار الغنة وإسقاطها وهي صوت الخيشوم "يؤمنون" غير مهموز: أبو عمرو ويزيد وورش والأعشى وحمزة في الوقف، وكذلك ما أشبههما من الأفعال إلا في أحرف يسيرة تذكر في مواضعها.

الباقون: بالهمز.

(باب في المد) (بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك) بالمد: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن ذكوان، فلا يفرقون بين مدّ الكلمة والكلمتين.

وكذلك روى ورش عن نافع.

والباقون يفرقون فيمدون الكلمة ولا يمدون بين الكلمتين.

فأطول الناس مداً ورش عن نافع، وحمزة وخلف في اختياره والأعشى، ومدهم بمنزلة أربع ألفات.

وأوسطهم مداً علي وابن ذكوان وعاصم غير الأعشى، وأقصرهم مداً ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير ورش وأبو عمرو وسهل ويعقوب وهشام.

وأصل المد ألف ساكنة على قدر فتحة فيك فتحاً تاماً، وبالآخرة بترك الهمزة ونقلها إلى الساكن الذي قبلها حيث كان ورش، وكذلك حمزة في الوقف فإن مذهبه أن يقف على كل كلمة مهموزة بغير همزة (باب السكتة) روي عن حمزة وحماد والشموني أنهم يسكتون على كل حرف ساكن بعده همزة سكتة لطيفة نحو: الأرض، والأنهار، وقالوا: آمنا، وأشباه ذلك.

والسبب فيه التمكين والمبالغة في تحقيقها، لأن الهمزة بعد السكتة كالمبتدأ بها.

والاختيار في الكلمة الواحدة أن لا تسكت على ساكن غير لام التعريف احترازاً عن قطع الكلمة.

الوقوف: "ألّم" (ج) للاختلاف "لا ريب" ج على حذف خبر "لا تقديره لا ريب فيه، ثم يستأنف "فيه هدى" ومن وصل جعل فيه خبر "لا" أو وصف ريب وحذف خبر "لا" تقديره "لا ريب فيه عند المؤمنين".

والوقف على التقديرين على "فيه" و "هدى" خبر مبتدأ محذوف أي هو هدى، ومن جعل "هدى" حالاً للكتاب بإعمال معنى الإشارة في "ذلك على تقدير: أشير إلى الكتاب هادياً لم يقف قبل "هدى للمتقين" (لا) لأن الذين صفتهم "ينفقون" لا للعطف، ليدخل عبد الله بن سلام وأصحابه في المتقين، فإن القرآن لهم هدى، وليدخل الصحابة المؤمنون بالغيب في ثناء الهدى ووعد الفلاح.

ولو ابتدأ "والذين" كان "أولئك على هدى" خبرهم مختصاً بهم.

واختص هدى القرآن واسم التقوى بالذين يؤمنون بالغيب.

"من قبلك" ج لاختلاف النظم بتقديم المفعول.

"يوقنون" (ط) لأن أولئك مبتدأ وليس بخبر عما قبله، وكذلك على كل آية وقف بها إلا ما أعلم بعلامة (لا) المفلحون.

التفسير وفيه أبحاث: البحث الأول في "ألم" اعلم أن الألفاظ التي يتهجى بها في قولهم (ألف، با، تا، ثا) أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة التي منها ركبت الكلم، لأن الضاد مثلاً لفظ مفرد دال بالتواطؤ على معنى مستقل بنفسه غير مقترن بأحد الأزمنة، وذلك المعنى هو الحرف الأول من ضرب مثلاً، فيكون لفظ الضاد اسماً، ولهذا قد يتصرف في بعضها بالإمالة نحو (با، تا) وبالتفخيم نحو (با، تا) وبالتعريف والتنكير والجمع والتصغير والوصف والإسناد إليه والإضافة.

وقولهم (با، تا، ثا) متهجاة ومقصورة نحو (لا) ثم قولهم كتبت باء بالمد نحو كتبت (لا) لا يدل على أنها حروف مثل (لا): فإنهم إنما قالوا كذلك في التهجي لكثرة الاستعمال واستدعائها التخفيف، والذي رواه ابن مسعود أن النبي  قال: "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف" وأيضاً ما وقع في عبارات المتقدمين أنها حروف التهجي خليق بأن يصرف إلى التسامح والتجوز لأنه اسم للحرف وهما متلازمان، أو لأن الحرف قد يطلق على الكلمة تسمية للجنس باسم النوع.

ويحكى عن الخليل أنه سأل أصحابه: كيف تنطقون بالباء التي في ضرب، والكاف التي في ذلك؟

فقالوا: نقول باء، كاف.

فقال: إنما جئتم بالاسم لا الحرف.

وقال: أقول: ب، ك.

ثم إنهم راعوا في هذه التسمية لطيفة، وهي أنهم جعلوا المسمى صدر كل اسم منها إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها، لأنه لا يكون إلا ساكناً.

ومما يضاهيها في إبداع اللفظ دلالة على المعنى البسملة والحيعلة والتهليل ونحوها.

وحكم هذه الأسماء سكون الإعجاز ما لم تلها العوامل فيقال: ألف، لام، ميم موقوفاً عليها لفقد مقتضى الإعراب نحو.

واحد، اثنان، ثلاثة، دار، ثوب، جارية.

فإذا وليتها العوامل أدركها الإعراب نحو: هذه ألف، وكتبت ألفاً، ونظرت إلى ألف.

والدليل على أن سكونها وقف وليس ببناء أنها لو بنيت لحذي بها حذر "كيف" و "أين" و "هؤلاء" ولم يقل صاد، قاف، نون.

مجموعاً فيها بين الساكنين.

وللناس في "الم" وما يجري مجراه من فواتح السور قولان: أحدهما أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله به، والتخاطب بالحروف المفردة سنة الأحباب في سنن المحاب، فهو سر الحبيب مع الحبيب بحيث لا يطلع عليه الرقيب: بين المحبين سر ليس يفشيه *** قول ولا قلم للخلق يحكيه عن أبي بكر، في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور.

وعن علي كرم الله وجهه: إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي، وقال بعض العارفين: العلم كبحر أجري منه واد، ثم أجري من الوادي نهر، ثم أجري من النهر جدول، ثم أجري من الجدول ساقية.

فالوادي لا يحتمل البحر، والنهر لا يحتمل الوادي، ولهذا قال عز من قائل: ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها  ﴾ فبحور العلم عند الله  فأعطى الرسل منها أودية، ثم أعطى الرسل من أوديتهم أنهاراً إلى العلماء، ثم أعطى العلماء إلى العامة جداول صغاراً على قدر طاقتهم، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم، وهذا مأخوذ مما ورد في الخبر "للعلماء سر وللخلفاء سر وللأنبياء سر وللملائكة سر ولله من بعد ذلك كله سر.

فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم، ولو اطلع الأنبياء على سر الملائكة لاتهموهم، ولو اطلع الملائكة على سر الله لطاحوا حائرين وبادوا بائدين" والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش.

وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال: سر الله فلا تطلبوه.

وعن ابن عباس أنه قال: عجزت العلماء عن إدراكها.

وقيل: هو من المتشابه.

وزيف هذا القول بنحو قوله تعالى ﴿ أفلا يتدبرون القرآن  ﴾ ﴿ تبياناً لكل شيء  ﴾ ﴿ هدى للمتقين  ﴾ وإنما يمكن التدبر ويكون تبياناً وهدى إذا كان مفهوماً، وبقول  : "إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي" فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم؟

وأيضاً لا يخاطب المكلف بما لا يفهم كما لا يخاطب العربي بالعجمي، ولا يجوز التحدي بما لا يكون معلوماً، وعورض بقوله  ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله  ﴾ والوقف هنا لأن الراسخين لو كانوا عالمين بتأويله كان الإيمان به كالإيمان بالمحكم، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح، ولا يكون في قوله ﴿ كل من عند ربنا  ﴾ فائدة على ما لا يخفى، وبقوله  "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديم" وقد روينا عن أكابر الصحابة ما روينا.

وأيضاً الأفعال التي كلفنا بها منها ما يظهر وجه الحكمة فيه كالصلاة فإن فيها تواضعاً للمعبود والصوم ففيه كسر الشهوة والزكاة ففيها سد خلة المساكين، ومنها ما لا يظهر فيه الحكمة ككثير من أفعال الحج، ويحسن من الله  الأمر بالنوعين لظهور الامتثال بهما، بل كمال الانقياد في النوع الثاني أظهر وأكثر لأنه تعبد محض.

فلم لا يجوز أن يكون في الأقوال أيضاً مثل ذلك، مع أن فيه فائدة أخرى هي اشتغال السر بذكر الله والتفكير في كلامه؟

القول الثاني: إن المراد من هذه الفواتح معلوم، ثم اختلفوا على وجوه: الأول: أنها أسماء وهو قول أكثر المتكلمين واختاره الخليل وسيبويه، كما سموا بلام والد حارثة بن لام الطائي، وكقولهم للنحاس صاد، وللسحاب عين، وللجبل قاف، وللحوت نون، وسعود تمام الكلام في هذا القول.

الثاني: أنها أسماء الله  .

روي عن علي  أنه كان يقول: يا كَهيعَصَ، يا حمَ عَسَقَ، ويقرب منه ما روي عن سعيد بن جبير أنها أبعاض أسماء الله  ، فإن "الر، حم، ن" مجموعها اسم "الرحمن" لكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في الجميع.

الثالث: أنها أسماء القرآن وهو قول الكلبي والسدي وقتادة.

الرابع: كل واحد من الحروف دال على اسم من أسماء الله  أو صفة من صفاته، فالألف إشارة إلى أنه أحد أول آخر أزلي أبدي، واللام إشارة إلى أنه لطيف، والميم إلى أنه مجيد ملك منان، وفي "كَهيعَصَ" الكاف كاف لعباده، والهاء هاد، والياء من الحكيم والعين عالم، والصاد صادق.

أو الكاف محمول على الكبير والكريم.

والياء على أنه مجير، والعين على العزيز والعدل، ويروى هذا عن ابن عباس.

وعنه أيضاً في "ألم" أنا الله أعلم، وفي "المص" أنا الله أعلم وأفصل، وفي "المر" أنا الله أرى.

الخامس: أنها صفات الأفعال.

الألف آلاؤه، واللام لطفه، والميم مجده، قاله محمد بن كعب القرظي.

السادس: الألف من الله، واللام من جبرائيل، والميم من محمد  .

أي أنزل الله الكتاب بواسطة جبرائيل على محمد  .

السابع: الألف أنا، واللام لي، والميم مني قاله بعض الصوفية.

الثامن: أن ورودها مسرودة هكذا على نمط التعديد ليكون كالإيقاظ وقرع العصا لمن تحدى بالقرآن، أي إن هذا المتلو عليهم وقد عجزوا عنه عن آخرهم كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم، فلولا أنه كلام خالق القدر لم يعجز معشر البشر عن الإتيان بمثل الكوثر قاله المبرد وجم غفير.

والتاسع: كأنه  يقول اسمعوها مقطعة حتى إذا وردت عليكم مؤلفة كنتم قد عرفتموها قبل ذلك، وهذا على طريقة تعليم الصبيان قاله عبد العزيز بن يحيى.

العاشر: إن الكفار لما قالوا ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه  ﴾ أنزل الله  هذه الأحرف رغبة في إصغائهم ليهجم عليهم القرآن من حيث لا يشعرون قاله أبو روق وقطرب.

الحادي عشر: قول أبي العالية إنه حساب على ما روى ابن عباس أنه "مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله  وهو يتلو سورة البقرة الم ذلك الكتاب ثم أتى أخوة حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوه عن الم وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله إلا هو، أحق أنها أتتك من السماء؟

فقال  : نعم، كذلك نزلت فقال حيي: إن كنت صادقاً إني لأعلم أجل هذه الأمة من السنين، ثم قال: كيف ندخل في دين رجل دلت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهى مدته إحدى وسبعون سنة؟

فضحك رسول الله  .

فقال حيي: فهل غير ذلك؟

فقال: نعم ﴿ المص ﴾ فقال حيي: مائة وإحدى وستون فهل غير هذه؟

فقال: نعم ﴿ الر ﴾ قال حيي: نشهد إن كنت صادقاً ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنة فهل غير هذا؟

قال: نعم ﴿ المر ﴾ قال حيي: ندري بأي أقوالك نأخذ!

فقال أبو ياسر: أما أنا فأشهد أن أنبياءنا قد أخبروا عن ملك هذه الأمة ولم يبينوا أنها كم تكون، فإن كان محمد  صادقاً فيما يقوله إني لأراه يستجمع له هذا كله، فقام اليهود وقالوا: اشتبه علينا أمرك فأنزل الله  ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ﴾ " [آل عمران: 7].

الثاني عشر: تدل على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر.

الثالث عشر: قول الأخفش إن الله  أقسم بهذه الجروف المعجمة لشرفها من حيث إنها أصول اللغات، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه، واقتصر على البعض والمراد الكل كما تقول: قرأت الحمد وتريد السورة كلها، أقسم الله بها أن هذا الكتاب هو المثبت في اللوح المحفوظ.

الرابع عشر: أن النطق بالحروف أنفسها كانت العرب فيه مستوية الأقدام، الأميون وأهل الخط، والكتاب بخلاف النطق بأسامي الحروف فإنه كان مختصاً بمن خط وقرأ، فلما أخبر الرسول  بها من غير تعلم خط وقراءة كان ذلك دليلاً على أنه استفاد ذلك من قبل الوحي.

الخامس عشر: قال القاضي الماوردي: معناه ألم بكم ذلك الكتاب أي نزل، وهذا لا يتأتى في كل فاتحة.

السادس عشر: الألف إشارة إلى ما لا بد منه من الاستقامة على الشريعة في أول الأمر ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا  ﴾ واللام إشارة إلى الحاصل عند المجاهدات وهو رعاية الطريقة ﴿ والذين جاهدوا فينا  ﴾ والميم إشارة إلى صيرورة العبد في مقام المحبة كالدائرة التي يكون نهايتها عين بدايتها وهو مقام الفناء في الله بالكلية وهو الحقيقة ﴿ قل الله ثم ذرهم  ﴾ .

السابع عشر: الألف من أقصى الحلق، واللام من طرف اللسان وهو وسط المخارج، والميم من الشفة وهو آخر المخارج، أي أول ذكر العبد ووسطه وآخره لا ينبغي إلا لله.

الثامن عشر: سمعت بعض الشيعة يقول: هذه الفواتح إذا حذف منها المكررات يبقى ما يمكن أن تركب منه على صراط حق نمسكه، وهذا غريب مع أنه متكلف فلهذا أوردته.

واعلم أن الباقي من الفواتح بعد حذف المكرر أربعة عشر، نصف عدد حروف المعجم بعد الكسر.

وقد أورد الله الفواتح في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم، وهذه الباقية تشتمل على أصناف أجناس الحروف.

من المهموسة نصفها، الصاد والكاف والهاء والسين والحاء، ومن المجهورة نصفها الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون، ومن الشديد نصفها ا ك ط ق، ومن الرخوة نصفها لمر صعهسحين، ومن المطبقة نصفها ص ط، ومن المنفتحة نصفها الر كهوس ج ق ي ن، ومن المستعلية نصفها ق ص ط.

ومن المنخفضة نصفها الم ر ك هـ ي ع س ح ن، ومن حروف القلقة نصفها ق ط.

وأكثر ألفاظ القرآن من هذه الحروف، وهذا دليل على أن الله  عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم تبكيتاً لهم وإظهاراً لعجزهم كما مر في الوجه الثامن، ويؤيد ذلك أن الألف واللام لما تكاثر وقوعهما جاءتا في معظم هذه الفواتح مكررتين والله أعلم.

التاسع عشر: قيل: معناه ألست بربكم.

الألف واللام من أوله والميم من آخره أي أخذت منكم كتاب العهد في يوم الميثاق.

والمختار من هذه الأقوال عند الأكثرين القول بأنها أسماء السور، ثم إنه عورض بوجوه: الأول: أنا نجد سوراً كثيرة اتفقت في التسمية بالم وحم والمقصود من العلم رفع الاشتباه.

الثاني: لو كانت أسماء لاشتهرت وتواترت.

الثالث: العرب لم يتجاوزوا بما سموا به مجموع اسمين نحو: معد يكرب وبعلبك، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة، فالقول بأنها أسماء السور خروج عن لغتهم.

الرابع: لو كانت أسماء لاشتهرت السور بها، لكنها اشتهرت بغيرها نحو سورة البقرة وآل عمران.

الخامس: هذه الألفاظ داخلة في السور وجزء الشيء متقدم على الشيء بالرتبة، واسم الشيء متأخر عن الشيء، فلزم أن يكون متقدماً متأخراً معاً وهو محال.

وليس هذا لتسميتهم صاد للحرف الأول منه، فإن هذا كتسمية المفرد بالمؤلف فلا يلزم إلا تأخر المركب عن المفرد بوجهين، وهذا تسمية المؤلف بالمفرد ويلزم المحال المذكور.

وأجيب عن الأول بما يجاب عن الأعلام المشتركة من أنها ليست بوضع واحد، مع أنه لا يبعد أن تجعل مشتركاً حتى يتميز كل واحد من الآخر بعلامة أخرى لحكمة خفية.

و عن الثاني بأن تسمية السورة بلفظة معينة ليست من الأمور العظام التي تتوفر الدواعي على نقلها.

وعن الثالث بأن التسمية بثلاثة أسماء خروج عن كلام العرب، ولكن إذا جعلت اسماً واحداً فأما منثورة نثر أسماء العدد فلا استنكار لأنها من باب التسمية بما حقه أن يحكى حكاية نحو برق نحره، وكما لو سمي ببيت شعر أو بطائفة من أسماء حروف المعجم.

وعن الرابع أنه لا يبعد أن يصير اللقب أشهر من الاسم.

وعن الخامس أن تأخر ما هو متقدم باعتبار آخر غير مستحيل، وفي لسان الصوفية أن هيئة الصلاة ثلاث: القيام والركوع والسجود.

فالألف إشارة إلى القيام، واللام إلى الركوع، والميم إلى السجود أي من قرأ فاتحة الكتاب في الصلاة التي هي معراج المؤمن شرفه الله بالهداية في قوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وعلى هذا فيكون ذلك الكتاب إشارة إلى الفاتحة لأنها أم الكتاب.

ثم إن هذه الأسماء ضربان: أحدهما ما لا يتأتى فيه الإعراب نحو ﴿ كَهيعَصَ ﴾ ﴿ المر ﴾ وثانيهما ما يتأتى فيه الإعراب لكونه اسماً فرداً كصاد وقاف ونون، أو أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد كحمَ وطسَ ويسَ فإنها موازنة لقابيل وهابيل، وكقولك طسم إذا فتح نونها صار كدرابجرد.

فالنوع الأول محكي ليس إلا، والثاني فيه أمران الإعراب والحكاية، فإذا أعرب منع الصرف للعملية والتأنيث قال الشاعر: يذكرني حاميم والرمح شاجر *** فهلا تلا حاميم قبل التقدم؟

والحكاية أن تجيء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته نحو قولك "بدأت بالحمد لله" قال ذو الرمة: سمعت الناس ينتجعون غيثاً *** فقلت لصيدح انتجعي بلالاً وأما من قرأ صاد وقاف ونون مفتوحات فبفعل مضمر نحو "اذكر" أو حركت لالتقاء الساكنين.

واستكره جعلها مقسماً بها على طريق قولهم "نعم الله لأفعلن" على حذف حرف الجر وإعمال فعل القسم، لأن القرآن والقلم بعدها محلوف بهما.

واستكرهوا الجمع بين قسمين على مقسم عليه واحد ولهذا قال الخليل: الواو الثانية في قوله عز من قائل ﴿ والليل إذا يغشى.

والنهار إذا تجلى  ﴾ واو العطف لا القسم نحو "وحياتي ثم حياتك لأفعلن" ولو كان انقضى قسمه بالأول على شيء لجاز أن يستعمل كلاماً آخر نحو "بالله لأفعلن تالله لأخرجن" ولا سبيل فيما نحن بصدده إلى جعل "الواو" للعطف لمخالفة الثاني الأول في الإعراب، اللهم إلا أن تقدر مجرورة بإضمار الباء القسمية لا بحذفها فقد جاء عنهم "الله لأفعلن" مجروراً غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة، وأما من قرأ صاد وقاف بالكسر فلالتقاء الساكنين.

وهذه الفواتح جاءت في المصحف مكتوبة على صور الحروف أنفسها لا على صور أساميها، لأن المألوف أنه إذا قيل للكاتب اكتب "صاد" مثلاً فإنه يكتب مسماها ص.

وأيضاً اشتهار أمرها بأن المراد بها هنا الأسامي لا المسميات أمن وقوع اللبس فيها، وأيضاً خطان لا يقاسان، خط المصحف لأنه سنة، وخط العروض لأن المعتبر هناك الملفوظ.

ومن لم يجعل هذه الفواتح أسماء السور فلا محل لها عنده كما لا محل للجمل المبتدأة والمفردات المعدودة، ومن جعلها أسماء للسور فسنخبرك عن تأليفها مع ما بعدها الله حسبي.

البحث الثاني في قوله.

"ذلك الكتاب" وفيه مسائل: الأولى: إنما صحت الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد لأنه وقعت الإشارة بذلك إلى "الم" بعد ما سبق التكلم به، والمنقضي في حكم المتباعد ولهذا يحسب الحاسب ثم يقول فذلك كذا، أو لأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد البعد كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئاً: احتفظ بذلك، أو لأنه وإن كان حاضراً نظراً إلى ألفاظه لكنه غائب نظراً إلى أسراره وحقائقه، أو لأنه على مقتضى الوضع اللغوي لا العرفي، أو لأنه إشارة إلى ما نزل بمكة قبل سورة البقرة.

وقد يسمى بعض القرآن قرآناً، أو لأنه إشارة إلى ما وعد به الرسول عند مبعثه ﴿ إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً  ﴾ أو لأنه إشارة إلى ما أخبر به الأنبياء أن الله سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل، أو المراد أن هذا المنزل هو ذلك المثبت في اللوح المحفوظ كقوله ﴿ وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم  ﴾ .

الثانية: إنما ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث وهو السورة في بعض الوجوه نظراً إلى صفته وهو الكتاب كقولك "هند ذلك الإنسان" قال الذبياني: نبئت نعمي على الهجران عاتبة *** سقياً ورعياً لذاك العاتب الزاري وإن جعلت الكتاب خبراً فنظراً إلى أن ذلك في معناه ومسماه فجاز إجراء حكمه عليه في التذكير كما أجري عليه في التأنيث في قولهم: "من كان أمك".

الثالثة: للقرآن أسماء كثيرة منها: الكتاب - وقد تقدم- ومنها الفرقان ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان  ﴾ لأنه نزل متفرقاً في نيف وعشرين سنة، أو لأنه يفرق بين الحق والباطل.

ومنها التذكرة والذكرى والذكر ﴿ وإنه لتذكرة للمتقين  ﴾ ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين  ﴾ ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك  ﴾ أي ذكر من الله  به ذكر به عباده فعرفهم تكاليفه أو شرف وفخر.

ومنها التنزيل ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين  ﴾ ومنها الحديث ﴿ الله نزل أحسن الحديث  ﴾ شبهه بما يتحدث به فإن الله تعالى خاطب به المكلفين.

ومنها الموعظة ﴿ قد جاءتكم موعظة من ربكم  ﴾ ومنها الحكم والحكمة والحكيم والمحكم ﴿ وكذلك أنزلناه حكماً عربياً  ﴾ { ﴿ حكمة بالغة  ﴾ ﴿ يسَ والقرآن الحكيم  ﴾ ﴿ كتاب أحكمت أياته  ﴾ ومنها الشفاء والرحمة ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين  ﴾ ومنها الهدى والهادي ﴿ هدى للمتقين  ﴾ ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم  ﴾ ومنها الصراط المستقيم ﴿ وأن هذا صراطي مستقيماً  ﴾ ومنها حبل الله ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً  ﴾ ومنها الروح { ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ لأنه سبب لحياة الأرواح.

ومنها القصص ﴿ إن هذا لهو القصص الحق  ﴾ ومنها البيان والتبيان والمبين ﴿ هذا بيان للناس  ﴾ ﴿ تبياناً لكل شيء  ﴾ ﴿ تلك آيات الكتاب المبين  ﴾ ومنها البصائر ﴿ هذا بصائر من ربكم  ﴾ ومنها الفصل ﴿ إنه لقول فصل  ﴾ ومنها النجوم ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم  ﴾ لأنه نزل نجماً نجماً.

ومنها المثاني ﴿ مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم  ﴾ لأنه يثنى فيه القصص والأخبار.

ومنها النعمة ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث  ﴾ قال ابن عباس: أي القرآن.

ومنها البرهان ﴿ قد جاءكم برهان من ربكم  ﴾ ومنها البشير والنذير ﴿ قرآناً عربياً لقوم يعلمون بشيراً ونذيراً  ﴾ ومنها القيم ﴿ قيماً لينذر بأساً شديداً  ﴾ ومنها المهيمن ﴿ مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه  ﴾ ومنها النور ﴿ واتبعوا النور الذي أنزل معه  ﴾ ومنها الحق ﴿ وإنه لحق اليقين  ﴾ ومنها العزيز ﴿ وإنه لكتاب عزيز  ﴾ ومنها الكريم ﴿ إنه لقرآن كريم  ﴾ ومنها العظيم ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم  ﴾ ومنها المبارك ﴿ كتاب أنزلناه إليك مبارك  ﴾ فهذه جملة الأسماء وسيجيء تفاسيرها في مواضعها.

الرابعة: في تأليف ذلك الكتاب مع "الم" اسماً للسورة ففي التأليف وجوه: أن يكون "الم" مبتدأ أو "ذلك" مبتدأ ثانياً "والكتاب" خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول أي هو الكتاب الكامل الذي يستأهل أن يسمى كتاباً كما تقول: هو الرجل أي الكامل في الرجولية وكقوله: هم القوم كل القوم يا أم خالد.

وأن يكون الكتاب صفة ومعناه هو ذلك الكتاب الموعود، وأن يكون "الم" خبر مبتدأ محذوف أي هذه "الم"، ويكون "ذلك" خبراً ثانياً أو بدلاً على أن الكتاب صفة، وأن يكون هذه "الم" جملة، "ذلك الكتاب" جملة أخرى، وفقد العاطف لأن الثانية بيان للأولى.

وإن جعلت "الم" بمنزلة الصوت كان "ذلك" مبتدأ خبره "الكتاب" أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل، أو "الكتاب" صفة والخبر ما بعده، أو قدر مبتدأ محذوف أي هو يعني المؤلف من هذه الحروف "ذلك الكتاب".

وفي قراءة عبد الله بن مسعود "الم تنزيل الكتاب".

البحث الثالث في قوله "لا ريب فيه" الريب مصدر رابني وحقيقته قلق النفس.

روى الحسن بن علي  عن النبي  "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" فإن الشك ريبة والصدق طمأنينة أي كون الأمر مشكوكاً فيه مما تقلق له النفس، وكونه صحيحاً صادقاً مما تطمئن له.

ومنه ريب الزمان لنوائبه المقلقة، وفي الحديث أن النبي  مر بظبي حاقف أي معوج مضطجع وهم محرومون فقال: لا يريبه أحد بشيء أي لا يزعجه.

والحاصل أن الريب شك وزيادة ظن سوء، فإن قلت: كيف نفي الريب على سبيل الاستغراق، وكم من شقي مرتاب فيه؟

قلت: ما نفي أن أحداً لا يرتاب فيه وإنما المنفي كونه متعلقاً للريب ومظنة له لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه ومثله ﴿ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله  ﴾ لم يقل "وإذا كنتم" مع وقوع الشك منهم في الواقع دلالة على أن الشك فيه مما لا ينبغي أن يوجد إلا على سبيل الفرض والتقدير، ولو فرض فوجه إزالته أن يجردوا أنفسهم ويبرزوا قواهم في البلاغة هل تتم للمعارضة أن تتضاءل دونها.

فإن قلت: فهلا قدم الظرف على الريب كما قدم على الغول في قوله  ﴿ لا فيها غَوْل  ﴾ قلنا: لأن المقصود منها ليس إلا نفي الريب عنه وإثبات أنه حق وصدق، ولو عكس لأفاد ذلك مع ما ليس بمراد ولا هو بصادق في نفس الأمر وهو التعريض بأن ريباً في غيره من الكتب كما أن في قوله: ﴿ لا فيها غول  ﴾ تعريضاً بأن خمور الدنيا تغتال العقول.

وقرأ أبو الشعثاء "لا ريب" فيه بالرفع.

قيل: والفرق بينها وبين المشهورة، أن المشهورة توجب الاستغراق، وهذه تجوزه.

ويمكن أن يقال: كلاهما يوجب الاستغراق إلا أن الأول بطريق نفي الماهية، والثاني لأن قوله "لا ريب" جواب قول القائل هل ريب فيه، وهذا يفيد ثبوت فرد واحد فنقيضه يكون سلب جميع الأفراد.

البحث الرابع في قوله "هدى للمتقين" وفيه مسائل: الأولى: في حقيقة الهدى هو مصدر على فعل كالسرى وهو على الأصح عبارة عن الدلالة.

وقيل: بشرط كونها موصلة إلى البغية بدليل وقوعه في مقابل الضلالة ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى  ﴾ ولأنه يقال مهدي في معرض المدح.

فلو احتمل أن يقال هدى فلم يهتد لم يكن مدحاً، ولأن مطاوعه "اهتدى" فيلزمه.

وأجيب بأن مقابل الضلالة الاهتداء لا الهدى.

وبأن قولنا "مهدي" إنما أفاد المدح لأنه من المعلوم أن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت كالعدم، وبالمنع من أن اهتدى لازم هدى لزوماً كلياً إذ يصح في العرف أن يقال: هديته فلم يهتد، قال عز من قائل: ﴿ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى  ﴾ وقال بعضهم: الهدى الاهتداء، فإن زعم مطلقاً فخطأ لوقوع صفة للقرآن، وإن زعم حيناً فصحيح لوقوعه في مقابلة الضلالة.

الثانية: المتقي اسم فاعل من وقاه فاتقى.

والوقاية فرط الصيانة، وهذه الدابة تقي من وجئها إذا أصابها طلع من غلظ الأرض ورقة الحافر فهو يقي حافره أن يصيبه أدنى شيء.

وهو في الشرع المؤتمر للمأمورات المجتنب عن المحظورات.

واختلف في الصغائر أنه إذا لم يتقها فهل يستحق هذا الاسم؟

روي عنه  أنه قال: "لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس" فحقيقة التقوى الخشية ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم  ﴾ وقد يراد بها الإيمان ﴿ وألزمهم كلمة التقوى  ﴾ أي التوحيد.

وقد يراد التوبة ﴿ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا  ﴾ أي تابوا.

وقد يراد الطاعة ﴿ أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون  ﴾ وقد يراد ترك المعصية ﴿ وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله  ﴾ وقد يراد الإخلاص ﴿ فإنها من تقوى القلوب  ﴾ أي من إخلاصها والتقوى مقام شريف ﴿ إن الله مع الذين اتقوا  ﴾ { ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى  ﴾ ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ﴾ وعن ابن عباس أن النبي  قال: "من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده" وقال علي  : التقوى ترك الإصرار على المعصية، وترك الاغترار بالطاعة.

وعن إبراهيم بن أدهم: أن لا يجد الخلق في لسانك عيباً، ولا الملائكة المقربون في أفعالك عيباً، ولا ملك العرش في سرك عيباً.

الواقدي: أن تزين سرك للحق كما زينت ظهرك للخلق.

ويقال: التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك.

ولله در القائل: خل الذنوب صغيرها.

وكبيرها فهو التقي.

كن مثل ماش في طريــــ *** ـــق الشوق يحذر ما يرى لا تحقــرن صغيـــــــــرة *** إن الجبال من الحصــــــى وفي قوله "هدى للمتقين" ثم في موضع آخر ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس  ﴾ دليل على أن الناس محصورون في المتقين، والباقون ﴿ كالأنعام بل هم أضل  ﴾ .

الثالثة: لم اختص كون القرآن هدى للمتقين، وأيضاً المتقي مهتد فكيف يهتدي ثانياً؟

والجواب أن المتقين لما كانوا هم المنتفعين بالهداية خصوا بالذكر مدحاً لهم كقوله  { ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها  ﴾ ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر  ﴾ مع أنه  منذر كل الناس.

وأيضاً قوله "هدى للمتقين" كقولك للعزيز المكرم "أعزك الله وأكرمك" تريد طلب الزيادة واستدامة ما هو ثابت فيه.

وبوجه آخر سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى متقين نحو "من قتل قتيلاً فله سلبه" فهذا مجاز من باب تسمية الشيء بما هو آيل إليه واللطف فيه أنه لو قال هدى للصائرين إلى التقوى بعد الضلال كان إطناباً في غير موضعه، فإن تصدير السورة التي هي أولى الزهراوين وسنام القرآن وأول المثاني بذكر أولياء الله والمرتضين من عباده هو اللائق بالمقام، فاختص الكلام فإجرائه على الطريقة التي ذكرنا.

فإن قلت: كيف وصفت القرآن بأنه كله هدى وفيه مجمل ومتشابه لا يهتدي فيه إلى المقصود إلا بحكم العقل، فيكون الهدى في ذلك للعقل لا للقرآن؟

ومما يؤكد ما قلنا، ما نقل عن علي  أنه قال لابن عباس حين بعثه رسولاً إلى الخوارج: لا تحتج عليهم بالقرآن فإنه خصم ذو وجهين.

ولهذا كان فرق الإسلام المحق منهم والمبطل يحتجون به، قلنا: المتشابه لما لم ينفك عما يبين المراد معه على التعيين عقلاً كان أو سمعاً صار كله هدى.

فإن قيل: كل ما يتوقف صحة كون القرآن هدى على صحته كمعرفة الله  وصفاته وكمعرفة النبوة، فالقرآن ليس هدى فيه فكيف جعل هدى على الإطلاق؟

قلنا: المراد كونه هدى في تعريف الشرائع والمطلق لا يقتضي العموم، أو كونه هدى في تأكيد ما في العقول أيضاً فيعم.

الرابعة: محل "هدى للمتقين" الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، أو خبر مع "لا ريب فيه" لذلك أو مبتدأ إذا جعل الظرف المقدم خبراً عنه، ويجوز أن ينتصب على الحال والعامل فيه معنى الإشارة أو الظرف والذي هو أرسخ عرقاً في البلاغة أنه يقال: "الم" جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها، و "ذلك الكتاب" جملة ثانية، و "لا ريب فيه" ثالثة، و "هدى للمتقين" رابعة.

وفقد العاطف بينها لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بحجرة بعض، لأنه نبه أولاً على أنه الكلام المتحدى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال فكان تقريراً لجهة التحدي، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب فكان تسجيلاً بكماله، فلا كمال أكمل مما للحق واليقين، ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين فقرر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله، ثم في كل من الجمل نكتة ذات جزالة.

ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه كما مر في الوجه الثامن، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة أي الكتاب الذي يستأهل أن يقال له الكتاب، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر الذي هو هدى موضع هاد وإيراده منكراً والإيجاز في ذكر المتقين.

البحث الخامس في قوله  ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ .

الآية وفيه مسائل: الأولى: "الذين يؤمنون" إما موصول بالمتقين صفة، أو نصب على المدح، أو رفع كذلك بتقدير أعني الذين، أو هم الذين، أو مرفوع بالابتداء مخبر عنه "بأولئك على هدى".

الثانية: "الذين يؤمنون" على تقدير كونه صفة يكون إما وارداً بياناً وكشفاً وذلك إذا فسر المتقي بأنه الذي يفعل الحسنات ويجتنب السيئات، لأن الإيمان أساس الحسنات والصلاة أم العبادات البدنية قال  : "الصلاة عمادة الدين" "وبين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" والزكاة أفضل العبادات المالية قال  : "الزكاة قنطرة الإسلام" فاختصر الكلام اختصاراً بذكر ما هو كالعنوان لسائر الطاعات وكالأصول لبواقي الحسنات ويندرج فيها اجتناب الفواحش والمنكرات لقوله عز من قائل ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ﴾ وإما مسرودة مع المتقين مفيدة غير فائدتها وذلك إذا فسر المتقي بالمجتنب عن المعاصي فقط.

ثم إنه يكون قد وصف بالإيمان وهو فعل القلب وبأداء الصلاة والزكاة وهما من أفعال الجوارح، وهذا ترتيب مناسب لأن لوح القلب يجب تخليته عن النقوش الفاسدة أولاً، ثم تحليته بالعقائد الحقة والأخلاق الحميدة، وإما معدودة عداً على سبيل المدح والثناء وذلك إذا فرض المتقي موسوماً بهذه السمات، مشهوراً بهذه الصفات، غير محتاج لذلك إلى البيان والإيضاح كصفات الله الجارية عليه  تمجيداً وتعظيماً.

الثالثة: الأيمان إفعال من الأمن.

يقال: أمنته وآمنته غيري.

ثم يقال: أمنه إذا صدقه.

وحقيقته أمنه التكذيب.

والمخالفة والتعدية بالباء لتضمينه معنى أقر واعتبر ووثق به.

قال في التفسير الكبير: اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان على أربعة أقوال: الأول: قول المعتزلة والخوارج والزيدية وأهل الحديث أنه اسم لأفعال القلوب واللسان والجوارح، لكن المعتزلة قالوا: الإيمان إذا عدي بالباء فمعناه التصديق على تضمين الإقرار أو الوثوق كما مر من حيث اللغة وأما إذا ذكر مطلقاً فمنقول إلى معنى آخر وهو أن يعتقد الحق ويعرب عنه بلسانه ويصدقه بعمله.

فمن أخل بالاعتقاد وإن شهد وعمل فهو منافق، ومن أخل بالشهادة فهو كافر، ومن أخل بالعمل فهو فاسق.

ثم اختلفوا فبعضهم - كواصل بن عطاء والقاضي عبد الجبار - قالوا: الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة، أو من باب الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات.

وبعضهم - كأبي علي وأبي هاشم - إنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل، وبعضهم - كالنظام - إنه عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد.

ثم يحتمل أن يكون من الكبائر ما لم يرد فيه الوعيد، فالمؤمن عند الله من اجتنب كل الكبائر، والمؤمن عندنا من اجتنب كل ما ورد فيه الوعيد.

والخوارج قالوا: الإيمان بالله يتناول المعرفة بالله وبكل ما وضع الله عليه دليلاً عقلياً أو نقلياً من الكتاب والسنة، ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر به من الأفعال والتروك صغيراً كان أو كبيراً.

فمجموع هذه الأشياء هو الإيمان وترك خصلة من هذه الخصال كفر، وأهل الحديث ذكروا وجهين: الأول: أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة.

وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيماناً إلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة.

وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعده كفر على حدة، ولم يجعلوا شيئاً من الطاعات إيماناً ما لم توجد المعرفة والإقرار، ولا شيئاً من المعاصي كفراً ما لم يوجد الجحود والإنكار.

الثاني: أن الإيمان اسم للطاعات كلها فريضة أو نافلة إلا أنه إذا ترك فريضة انتقض إيمانه، وإن ترك نافلة لم ينتقض.

ومنهم من قال: الإيمان اسم للفرائض دون النوافل.

(القول الثاني): قول من قال الإيمان بالقلب واللسان معاً.

ثم اختلفوا على مذاهب: الأول: أن الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالجنان وهو مذهب أبي حنيفة وعامة الفقهاء، ثم اختلفوا في موضعين: أحدهما في حقيقة هذه المعرفة، فمنهم من قال: هي الاعتقاد الجازم سواء كان اعتقاداً تقليدياً أو علماً صادراً عن الدليل وهم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد مسلم، ومنهم من فسرها بالعلم الصادر عن الاستدلال.

وثانيهما في أن العلم المعتبر في تحقق الإيمان علم بماذا؟

قال بعض المتكلمين: هو العلم بالله وبصفاته على سبيل التمام والكمال، ثم إنه لما كثر اختلاف الخلق في صفات الله  فلا جرم أقدم كل طائفة على تكفير من عداها من الطوائف، والإنصاف أن المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد  ، فعلى هذا العلم بكونه  عالماً بالعلم أو بذاته أو مرئياً وغير مرئي لا يكون داخلاً في مسمى الإيمان.

والمذهب الثاني: أن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معاً وهو مذهب أبي الحسن الأشعري وبشر المريسي، والمراد من التصديق الكلام القائم بالنفس.

المذهب الثالث: كلام بعض الصوفية الإيمان إقرار باللسان وإخلاص بالقلب.

(القول الثالث): قول من قال الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط، فمن هؤلاء من قال: الإيمان معرفة الله بالقلب حتى إن من عرف الله بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقر به فهو مؤمن كامل الإيمان وهو قول جهم بن صفوان، وزعم أن معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر غير داخلة في حقيقة الإيمان.

وحكى الكعبي عنه أن الإيمان معرفة الله مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد  .

ومنهم من قال: الإيمان مجرد التصديق بالقلب.

(القول الرابع).

قول من قال الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، ثم منهم من قال: شرط كونه إيماناً حصول المعرفة في القلب.

ومنهم من قال: لا حاجة بنا إلى هذا الشرط أيضاً بل المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة يثبت له حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة وهذا قول الكرامية، ثم قال الإمام رحمه الله  : عندي أن الإيمان عبارة عن التصديق بكل ما عرف بالضرورة كونه من دين محمد  مع الاعتقاد فههنا قيود: الأول أن الإيمان عبارة عن التصديق، وذلك أن الإيمان أكثر الألفاظ دوراناً على ألسنة المسلمين، فلو صار منقولاً إلى غير مسماه الأصلي لتوفرت الدواعي على نقل هذا النقل وتواتر وليس كذلك.

وأيضاً الإيمان المعدّى بالباء على أصله اتفاقاً، فغير المعدى أيضاً يكون كذلك كلما ذكر الله  الإيمان في القرآن أضافه إلى القلب ﴿ وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم  ﴾ وأيضاً قرن الإيمان بالعمل الصالح، ولو كان العمل داخلاً في الإيمان لزم التكرار.

وأيضاً قرن الإيمان بالمعاصي ﴿ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم  ﴾ ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا  ﴾ ومع عظيم الوعيد في ترك الهجرة.

قال ابن عباس في قوله  : ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص  ﴾ إنما يجب القصاص على القاتل المتعمد، ومع ذلك يدخل في الخطاب.

ثم قال: ﴿ فمن عفى له من أخيه شيء  ﴾ وهذه الأخوة ليست إلا أخوة الإيمان ﴿ إنما المؤمنون إخوة  ﴾ ثم قال: ﴿ ذلك تخفيف من ربكم ورحمة  ﴾ وهذا لا يليق إلا بالمؤمن.

القيد الثاني: أن الإيمان ليس عبارة عن تصديق اللسان لقوله  ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين  ﴾ .

القيد الثالث: ليس عبارة عن مطلق التصديق لأن من صدق بالجبت والطاغوت لا يسمى مؤمناً.

القيد الرابع: لا يشترط التصديق بجميع صفات الله  لقوله  "اعتقها فإنها مؤمنة" بعد قوله عليه الصلاة والسلام لها أين الله؟

قالت: في السماء.

ويعلم مما ذكرنا أن من عرف الله بالدليل، ولما تم العرفان مات ووجد من الوقت ما أمكنه التلفظ بكلمة الشهادة لكنه لم يتلفظ بها كان مؤمناً، وكان الامتناع عن النطق جارياً مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان، وبهذا حكم الغزالي  قلت: - وبالله التوفيق -: التحقيق في المقام أن للإيمان وجوداً في الأعيان ووجوداً في الأذهان ووجوداً في العبارة.

ولا ريب أن الوجود العيني لكل شيء هو الأصل، وباقي الوجودات فرع وتابع.

فالوجود العيني للإيمان هو النور الحاصل للقلب بسبب ارتفاع الحجاب بينه وبين الحق جل ذكره ﴿ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور  ﴾ وهذا النور قابل للقوة والضعف والاشتداد والنقص كسائر الأنوار ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً  ﴾ كلما ارتفع حجاب ازداد نوراً فيتقوى الإيمان ويتكامل إلى أن ينبسط نوره فينشرح الصدر ويطلع على حقائق الأشياء وتتجلى له الغيوب وغيوب الغيوب فيعرف كل شيء في موضعه، فيظهر له صدق الأنبياء عليهم السلام ولا سيما محمد  خاتم النبيين في جميع ما أخبروا عنه إجمالاً أو تفصيلاً على حسب نوره، وبمقدار انشراح صدره، وينبعث من قلبه داعية العمل بكل مأمور والاجتناب عن كل محظور، فينضاف إلى نور معرفته أنوار الأخلاق الفاضلة والملكات الحميدة ﴿ نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم  ﴾ ﴿ نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء  ﴾ وأما الوجود الذهني فبملاحظة المؤمن لهذا النور ومطالعته له ولمواقعه، وأما الوجود اللفظي فخلاصته ما اصطلح عليه الشارع بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله  .

ولا يخفى أن مجرد التلفظ بقولنا "لا إله إلا الله محمد رسول الله  " من غير النور المذكور لا يفيد إلا كما يفيد للعطشان التلفظ بالماء الزلال دون التروي به، إلا أن التعبير عما في الضمير لما لم يتيسر إلا بواسطة النطق المفصح عن كل خفي والمعرب عن كل مشتبه، كان للتلفظ بكلمة الشهادة ولعدم التلفظ بها مدخل عظيم في الحكم بإيمان المرء وكفره، فصح جعل ذلك وما ينخرط في سلكه من العلامات، كعدم لبس الغيار وشد الزنار دليلاً عليهما، وتفويض أمر الباطن إلى عالم الخفيات المطلع على السرائر والنيات ولهذا قال  : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" الرابعة: يجوز أن يكون بالغيب صلة للإيمان أي يعترفون أو يثقون به، وعلى هذا يكون الغيب بمعنى الغائب ما تسمية بالمصدر كما سمى الشاهد بالشهادة قال الله  : { ﴿ عالم الغيب والشهادة  ﴾ ، [المؤمنون: 92]، [التغابن: 18] والعرب تسمي المطئمن من الأرض غيباً، وإما أن يكون مخفف فيعل والمراد به الخفي الذي لا ينفذ فيه ابتداء إلا علم اللطيف الخبير، وإنما نعلم منه نحن ما أعلمناه أو نصب لنا دليل عليه، ولهذا لا يجوز أن يطلق فيقال: فلان يعلم الغيب، وذلك نحو الصانع وصفاته والنبوات وما يتعلق بها والبعث والنشور والحساب والوعد والوعيد وغير ذلك.

ويجوز أن يكون بالغيب حالاً، والغيب بمعنى الغيبة والخفاء أي يؤمنون غائبين عن المؤمن به وحقيقته متلبسين بالغيب نحو { ﴿ الذين يخشون ربهم بالغيب  ﴾ ﴿ ليعلم أني لم أخنه بالغيب  ﴾ وفيه تعريض بالمنافقين حيث إن باطنهم يخالف ظاهرهم وغيبتهم تباين حضورهم ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم  ﴾ وقال بعض الشيعة: المراد بالغيب المهدي المنتظر الذي وعد الله في القرآن.

وورد في الخبر ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض  ﴾ "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أمتي يواطئ اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً" الخامسة: معنى إقامة الصلاة أحد ثلاثة اشياء: إما تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها من أقام العود إذا قومه، وإما الدوام عليها والمحافظة ﴿ والذين هم على صلاتهم دائمون  ﴾ ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون  ﴾ من قامت السوق إذا نفقت وأقامها.

قال الأسدي: أقامت غزالة سوق الضراب.

لأهل العراقين حولاً قميطاً.

غزالة اسم امرأة شبيب الخارجي، قتله الحجاج فحاربته سنة تامة.

والضراب القتال، والعراقان الكوفة والبصرة، وقميطاً أي كاملاً لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات، وإما التجلد والتشمر لأدائها وأن لا يكون في مؤديها فتور عنها ولا توان من قولهم: قام في الأمر خلاف تقاعد عنه، فعبر عن الأداء بالإقامة لأن القيام بعض أركانها كما عبر عنه بالقنوت، والقنوت القيام - وبالركوع والسجود والتسبيح ﴿ يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي  ﴾ ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين  ﴾ ولا يخفى أن إقامة الصلاة بجميع هذه المعاني تستحق المدح والثناء.

السادسة: الصلاة في عرف الشرع عبارة عن إلهيات والأقوال المخصوصة التي مفتتحها التحريم ومختتمها التسليم فرضاً كانت أو نفلاً، إلا أنه يحتمل أن يقال المراد بها في الآية الفرض لأن الفلاح قد نيط بها في قوله  للأعرابي "أفلح والله إن صدق" بعد قول الأعرابي "والله لا أزيد على هذه ولا أنقص" أي على الصلوات المفروضة.

واشتقاقها لغة إما من الصلاة بمعنى الدعاء قال الأعشى: وقابلها الريح في دنها *** وصلى على دنها وارتسم أي وضع عليها الرسم وهو الخاتم وإما من قولهم "صليت العصا بالنار" إذا لينتها وقومتها قال: فلا تعجل بأمرك واستدمه *** فما صلي عصاك كمستديم والمصلي يسعى في تعديل ظاهره وتقويم باطنه كالخشب الذي يعرض على النار.

وإما من قولهم "صلى الفرس" إذا جاء مصلياً أي ملازماً للسابق، لأن رأسه عند صلاة، والصلا ما عن يمين الذنب وشماله، والمصلي ملازم لفعله من حين شروعه إلى أوان فراغه.

والصلاة اسم وضع موضع المصدر يقال: صليت صلاة ولا يقال تصلية.

قال في الكشاف: الصلاة فعلة من صلى كالزكاة من زكى.

وكتبها بالواو على لفظ المفخم.

وحقيقة صلى حرك الصلوين لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، ولا يخفى ما فيه من التعسف.

السابعة: الرزق لغة هو ما ينتفع به، فيشمل الحلال والحرام والمأكول وغيره والمملوك وغيره، والمعتزلة ومن يجري مجراهم زادوا قيداً آخر وهو أن لا يكون ممنوعاً عن الانتفاع به، وعلى هذا لا يكون الحرام عندهم رزقاً.

قال في الكشاف: إسناد الرزق إلى نفسه للإعلام بأنهم ينفقون الحلال المطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى الله  ويسمى رزقاً منه.

وأدخل "من" التبعيضية صيانة لهم وكفاً عن الإسراف والتبذير المنهي عنه، وقدم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم كأنه قال: ويخصون بعض المال الحلال بالتصدق به، والحق أن التمكين من الانتفاع بالمرزوق مسند إلى الله  على الإطلاق، إذ كل بقدرته إلا أن مذهب المعتزلة إلى الأدب أقرب، ولا سيما في هذا المقام ليستحقوا المدح بالإنفاق منه.

الثامنة: أنفق الشيء وأنفده أخوان، وكل ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على معنى الخروج والذهاب، وما يقرب منه ويدخل في هذا الإنفاق الواجب من الزكاة التي هي أخت الصلاة وشقيقتها، ومن الإنفاق على النفس وعلى من تجب نفقته، ومن الإنفاق في الجهاد.

ويمكن أن يتناول كل منفق في سبيل الخير للإطلاق قال  ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت  ﴾ والمراد به الصدقة لقوله ﴿ فأصدّق وأكن من الصالحين  ﴾ .

البحث السادس: في قوله  و "الذين يؤمنون" الآية.

وفيه مسائل: الأولى: يحتمل أن يراد بهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه الذين اشتمل إيمانهم على كل وحي نزل من عند الله، سالف أو مترقب سبيله سبيل السالف لكونه معقوداً بعضه ببعض ومربوطاً آتيه بماضيه، وأيقنوا بالآخرة إيقاناً زال معه ما كانوا عليه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات، وأن أهل الجنة لا يتلذذون إلا بالنسيم والأرواح العبقة والسماع اللذيذ ونحو ذلك.

فيكون المعطوف غير المعطوف عليه إما مغايرة المباينة وذلك إذا أريد بالأولين كل من آمن ابتداء بمحمد  من غير إيمان قبل ذلك بموسى وعيسى عليهما السلام، وإما مغايرة الخاص للعام وذلك إذا أريد بالأولين كل من آمن بمحمد  سواء كان قبل ذلك مؤمناً بموسى وعيسى عليهما السلام أو لم يكن.

ويكون السبب في ذكر هذا الخاص بعد العام إثبات شرف لهم وترغيباً لأمثالهم في الدين، ويحتمل أن يراد بهؤلاء الأولون، ووسط العاطف على معنى أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم يا لهف زيابة للحارث الــــ *** ـــصابح فالغانم فالآئـــب الثانية: قال في التفسير الكبير: المراد من إنزال الوحي أن جبريل سمع في السماء كلاماً لله  فنزل على الرسول  كما يقال: نزلت رسالة الأمير من القصر.

والرسالة لا تنزل لكن المستمع يستمع الرسالة في علو فينزل فيؤدي في سفل.

وقول الأمير لا يفارق ذاته، ولكن السامع يسمع فينزل ويؤدي بلفظ نفسه.

قال: فإن قيل: كيف سمع جبريل كلام الله وكلامه ليس حرفاً ولا صوتاً عندكم؟

قلنا: يحتمل أن يخلق الله له سمعاً لكلامه ثم أقدره على عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام القديم.

ويجوز أن يكون خلق الله في اللوح المحفوظ كتابه بهذا النظم المخصوص فقرأه جبرائيل فحفظه، ويجوز أن يخلق أصواتاً مقطعة بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص فيتلقفه جبرائيل ويخلق له علماً ضرورياً بأنه هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام.

وأقول: إنك إذا تأملت ما أشرت إليه في المقدمة العاشرة من مقدمات الكتاب انكشف لك الغطاء عن هذه المسالة.

الثالثة: الإيمان بجميع الكتب السماوية أعني التصديق بها واجب، لأن الفلاح منوط بذلك.

فيجب تحصيل العلم بما أنزل على محمد  التفصيل ليقوم بواجبه علماً وعملاً، لكنه فرض كفاية لقوله  ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين  ﴾ الآية.

وأما المنزل على الأنبياء المتقدمين فالإيمان به واجب على الجملة لأن الله  ما تعبدنا الآن به حتى يلزمنا معرفتها مفصلة، لكنها إن عرفنا شيئاً من تفاصيلها فهناك يجب علينا الإيمان بتلك التفاصيل.

الرابعة: الآخرة صفة الدار تلك الدار الآخرة وهي من الصفات الغالبة تأنيث الآخر نقيض الأول وكذلك الدنيا تأنيث الأدنى لأنها أقرب، واليقين هو العلم بالشيء ضرورة أو استدلالاً بعد أن كان صاحبه شاكاً فيه، ولذلك لا يوصف الله  بأنه متيقن ولا يقال تيقنت أن السماء فوقي أو أني موجود.

وفي تقديم الآخرة وبناء "يوقنون" على "هم" تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته ومن غير إيقان، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أنزل على محمد وعلى غيره من الأنبياء، وهذا في معرض المدح ومعلوم أنه لا يمدح بتيقن وجود الآخرة فقط، بل به وبما يتبعه من الحساب والسؤال وإدخال المؤمنين الجنة والكافرين النار.

عن النبي  "يا عجباً كل العجب من الشاك في الله وهو يرى خلقه، وعجباً ممن يعرف النشأة الأولى ثم ينكر النشأة الآخرة، وعجباً ممن ينكر البعث والنشور وهو كل يوم يموت ويحيا - يعني النوم واليقظة - وعجباً ممن يؤمن بالجنة وما فيها من النعيم ثم يسعى لدار الغرور، وعجباً من المتكبر الفخور وهو يعلم أن أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة" البحث السابع: في قوله  ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ الآية وفيه مسائل: الأولى: في كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: أحدها نوى الابتداء "بالذين يؤمنون بالغيب" على سبيل الاستئناف و "أولئك على هدى" الجملة خبره، كأنه لما قيل "هدى للمتقين" فخص المتقون بأن الكتاب لهم هدى، اتجه لسائل أن يسأل فيقول: ما بال المتقين مخصوصين بذلك؟

فأجيب بأن الذين هؤلاء عقائدهم وأعمالهم أحقاء بأن يهديهم الله ويعطيهم الفلاح.

وهذا النوع من الاستئناف يجيء تارة بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث نحو: قد أحسنت إلى زيد زيد حقيق بالإحسان، وتارة بإعادة صفته مثل: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك.

فيكون الاستئناف بإعادة صفته مثل: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك.

فيكون الاستئناف بإعادة الصفة كما في الآية أحسن وأبلغ لانطوائها على بيان الموجب وتلخيصه.

وثانيها: أن يجعل "الذين" و "الذين" تابعاً للمتقين، ويقع الاستئناف على "أولئك" كأنه قيل: ما للمستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى؟

فقيل: أولئك الموصوفون غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلاً وبالفلاح آجلاً.

وثالثها: أن يجعل الموصول الأول صفة للمتقين ويرفع الثاني على الابتداء، و "أولئك" خبره، ويكون اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضاً بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوة رسول الله  وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون في أنهم سيفلحون عند الله  والفضل من هذه الوجوه لأولها لأن الكلام المبني على السؤال والجواب أكثر فائدة، ولأن الاستئناف بإعادة الصفة أبلغ ولأن السؤال على الوجه الأخير كالضائع، لأن موجبات اختصاصهم بالهدى قد علمت.

وأيضاً إنه يجعل الموصولين تابعاً والوجه الأول يجعل الموصول الأول ركناً من الكلام.

الثانية: الاستعلاء في قوله "على هدى" مثل لتمكنهم من الهدى كقولهم "هو على الحق وفلان على الباطل" وقد يصرح بذلك فيقال: جعل الغواية مركباً، وامتطى الحق، واقتعد غارب الهوى.

ومعنى "هدى من ربهم أي منحوه من عنده وأوتوه من قبله، وهو إما اللطف والتوفيق الذي اعتضدوا به على أعمال الخير والترقي من الأفضل لأفضل، وإما الإرشاد إلى الدليل الموجب للثبات على ما اعتقدوه والدوام على ما عملوه.

ونكر "هدى" ليفيد ضرباً من المبالغة أي هدى لا يبلغ كنهه.

قال الهذلي: فلا وأبي الطير المربة بالضحى *** على خالد لقد وقعت على لحم أي لحم وأي لحم.

وأربّ بالمكان إذا أقام به، والأب مقحم للاستعظام إذ الكنى إنما تكون للأشراف كما أن الإقسام بالطير أيضاً لاستعظامهن لوقوعهن على لحم عظيم، وعنبعضهم الهدى من الله كثير ولا يبصره إلا بصير ولا يعمل به إلا يسير، ألا ترى أن نجوم السماء يبصرها البصراء ولا يهتدي بها إلا العلماء؟

الثالثة: في تكرير "أولئك" تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدى ثبت لهم الاختصاص بالفلاح فتميزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين.

ووسط العاطف بينهما لاختلاف خبريهما بخلاف قوله ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون  ﴾ فإن التسجيل عليهم بالغفلة وعدّهم من جملة الأنعام شيء واحد.

الرابعة: "هم" فصل وفائدته بعد الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة التوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره.

ويحتمل أن يكون "هم" مبتدأ و "المفلحون" خبره، والجملة خبر "أولئك".

الخامسة: المفلح الفائز بالبغية، والمفلج بالجيم مثله كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر.

وكذلك أخواته في الفاء والعين تدل على معنى الشق والفتح نحو: فلق، وفلذ، ومنه سمي الزارع فلاحاً.

ومعنى التعريف في "المفلحون" إما العهد أي المتقون هم الناس الذين بلغك أنهم المفلحون في الآخرة، أو الجنس على معنى أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام إن زيداً هو هو.

فانظر كيف كرر الله عز وجل التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى وهي ذكر اسم الإشارة، فإن في ذكره أيذاناً بأن ما يرد عقيبه.

فالمذكورون قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عددت لهم، وتكرير اسم الإشارة وتعريف المفلحين وتوسيط الفصل، اللهم زينا بلباس التقوى واحشرنا في زمرة من صدّرت بذكرهم أولى الزهراوين.

قد ورد في الخبر "يحشر الناس يوم القيامة ثم يقول الله عز وجل لهم: طالما كنتم تتكلمون وأنا ساكت فاسكتوا اليوم حتى أتكلم، إني رفعت نسباً وأبيتم إلا أنسابكم قلت: إن أكرمكم عند الله أتقاكم وأبيتم أنتم فقلتم: لا بل فلان ابن فلان، فرفعتم أنسابكم ووضعتم نسبي، فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم، فسيعلم أهل الجمع من أصحاب الكرم أين المتقون" فليأخذ العاقل بحكمة الله  وهو نوط الثواب وتعليق العقاب بالعمل الصالح والسيء إلا بما هو غير مضبوط من عفوه عن بعض المذنبين وردّة طاعة بعض المطيعين، كما أن حكمته لما اقتضت ترتب الشبع والري على الأكل والشرب لم يعهد الاتكال على ما يمكن أن يقع بالنسبة إلى قدرته من إشباع شخص أو إروائه من غير تناول الطعام والشراب أو بالعكس، وهذه نكتة شريفة ينتفع بها من وفق لها إن شاء الله.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٦ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌۭ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ٧

القراءات: "أأنذرتهم" بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن ذكوان.

وروى الحلواني عن هشام "آءنذرتهم" بهمزتين بينهما مدة، والباقون يهمزون الأولى ويلينون الثانية.

والتليين جعل الهمزة بين بين أي بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركة الهمزة.

"وعلى أبصارهم" ممالة: أبو عمرو وعلي غير ليث وابن حمدون وحمدويه وحمزة، وفي رواية ابن سعدان وأبي عمرو.

كذلك قوله عز وجل ﴿ بقنطار ﴾ و ﴿ بالأسحار ﴾ و ﴿ كالفخار ﴾ و ﴿ الغار ﴾ و ﴿ من أنصار ﴾ و ﴿ أشعارها ﴾ وأشباه ذلك حيث كان يعني إذا كان قبل الألف حرف مانع وبعدها راء مكسورة في موضع اللام، لأن الراء المكسورة تغلب الحروف المستعلية.

"غشاوة" بالفصل.

وقرأ حمزة في رواية خلف وابن سعدان وخلف لنفسه.

وأبو إسحق إبراهيم بن أحمد عن أبي الحرث عن علي وورش من طريق البخاري مدغمة النون والتنوين في الواو في جميع القرآن.

"عظيم" بالإشمام في الوقف، وكذلك إذا كانت الكلمة مكسورة: حمزة وعلي وخلف وهو الاختيار عندنا.

الوقوف: "لا يؤمنون" (ه) "على سمعهم" (ط) لأن الواو للاستئناف.

"غشاوة" (ز) لأن الجملتين وإن اتفقتا نظماً فالأولى بيان وصف موجود، والثانية إثبات عذاب موعود.

"عظيم" (ه) التفسير: وفيه مسائل: الأولى: فيما يتعلق بأن أما عمله من نصب الاسم ورفع الخبر فمعلوم من علم النحو.

وأما فائدته فما ذكره المبرد في جواب الكندي من أن قولهم "عبد الله قائم" إخبار عن قيامه، وقولهم: "إن عبد الله قائم" جواب عن سؤال سائل، وقولهم: "إن عبد الله لقائم" جواب عن إنكار منكر لقيامه.

وقد يضاف إليه القسم أيضاً نحو "والله إن عبد الله لقائم.

قال أبو نواس: عليك باليأس من الناس *** إن غنى نفسك في اليأس حسن موقع "إن" لأن الغالب على الناس خلاف هذا الظن، وقد يجيء إذا ظن المتكلم في الذي وجد أنه لم يوجد كقولك "إنه كان مني إليه إحسان فقابلني بالسوء" وكأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت وتبين الخطأ فيما توهمت كقوله  حكاية عن أم مريم ﴿ قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت  ﴾ وكذلك قول نوح ﴿ رب إن قومي كذبون  ﴾ .

الثانية: لما قدم ذكر أوليائه وخالصة عباده بصفاتهم الموجبة لامتداحه إياهم بها، عقب ذلك بذكر أضدادهم وهم المردة من الكفار الذين لا ينجع فيهم الهدى وسواء عليهم الإنذار وعدمه.

وإنما فقد العاطف بين القصتين خلاف ما في نحو قوله  ﴿ إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم  ﴾ لتباين الجملتين ههنا في الغرض والأسلوب، إذ الأولى مسبوقة بذكر الكتاب وإنه هدى للمتقين، والثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت، وذلك إذا جعلت "الذين يؤمنون" مبتدأ و "أولئك" خبره، لأن الكلام المبتدأ على سبيل الاستئناف مبني على تقدير سؤال، وذلك إدراج له في حكم المتقين وتصييره تبعاً له في المعنى، فحكمه حكم الأول.

وكذا إذا جعلت الموصول الثاني مبتدأ و "أولئك" خبره، لأن الجملة برأسها من مستتبعات "هدى للمتقين" لارتباط بينهما من حيث المعنى.

الثالثة: التعريف في "الذين" إما أن يراد به ناس معهودون بأعيانهم كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم، وإما أن يراد به الجنس متناولاً كل من صمم على كفره تصميماً لا يرعوي بعده فقط دون من عداهم من الكفار الذين أسلموا بدليل الحديث عنهم باستواء الإنذار وتركه عليهم.

الرابعة: الكفر نقيض الإيمان فيختلف تعريفه باختلاف تعريف الإيمان، وقد تقدم.

وأصل الكفر الستر والتغطية ومنه الكافر لأنه يستر الحق ويجحده، والزارع كافر لأنه يستر الحب، والليل المظلم كافر لأنه بظلمته يستر كل شيء، والكافر الذي كفر درعه بثوب أي غطى ولبسه فوقه.

قال في التفسير الكبير: "كفروا" إخبار عن كفرهم بصيغة الماضي فيقتضي كون المخبر عنه متقدماً على ذلك الإخبار.

فللمعتزلة أن يحتجوا بهذا على أن كلام الله محدث، فإن القديم يستحيل أن يكون مسبوقاً بالغير.

قلت: التحقيق في هذا وأمثاله أن كلامه  أزلي إلا أن حكمته في باب التفهيم والتعليم اقتضت أن يكون كلامه على حسب وصوله إلى السامعين ضرورة كونهم متزمنين، فكل ما هو متقدم على زمان الوصول وقع الإخبار عنه في الأزل بلفظ الماضي، وكل ما هو متأخر عن زمان الوصول وقع الإخبار عنه بلفظ المستقبل نحو ﴿ لتدخلن المسجد الحرام  ﴾ ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب  ﴾ وإلا اختل نظام التفاهم والتخاطب.

ومن هذا يعلم أن قوله ﴿ سنلقي ﴾ ليس كونه مستقبلاً بالنظر إلى الأزل مقصوداً بالنسبة إلى المخاطبين، وإنما المقصود استقباله بالنظر إلى زمان نزول الآية فافهم.

الخامسة: "سواء" اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر ﴿ تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم  ﴾ ﴿ في أربعة أيام سواء للسائلين  ﴾ يعني مستوية، وارتفاعه على أنه خبر "إن" و "أأنذرتهم أم لم تنذرهم" في موضع الفاعل أي مستو عليهم إنذارك وعدمه نحو: إن زيداً مختصم أخوه وابن عمه.

ويحتمل أن يكون أأنذرتهم أم لم تنذرهم" في موضع الابتداء، و "سواء" خبر مقدم، والجملة خبر "إن".

و إنما صح وقوع الفعل مخبراً عنه مع أنه أبداً خبر نظراً إلى المعنى كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن.

معناه لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على الفعل، فإن "أن" مع الفعل في تقدير المصدر على الفعل وهو النهي، وقد جردت الهمزة.

و "أم" لمعنى الاستواء وسلخ عنهما معنى الاستفهام رأساً.

قال سيبويه: هذا مثل قولهم "اللهم اغفر لنا أيتها العصابة" يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام، كما أن ذاك جرى على صورة النداء ولا نداء.

ومعنى الاستواء في الداخل عليهما "الهمزة" و "أم" استواؤهما في علم المستفهم، لأنه قد علم أن أحد الأمرين كائن لكن لا بعينه وكلاهما معلوم بعلم غير معين.

والحاصل أن الاستفهام يلزمه معنيان: أحدهما استواء طرفي الحكم في ذهن المستفهم، والثاني طلب معرفة أحدهما فجرد هذا الترتيب لمعنى الاستواء وسلخ عنه الطلب.

وفائدة العدول عن العبارة الأصلية وهي سواء عليهم الإنذار وعدمه، أن يعلم أن قطع الرجاء وحصول اليأس عنهم إنما حصل بعد إصرارهم وكانوا قبل ذلك مرجواً منهم الإيمان، لا في علم الله  بل في علمنا، فنزلت الآية بحسب ما يليق بحالنا في باب التقرير والتصوير.

أو نقول: فائدته أن يعلم أن استواء الطرفين بلغ مبلغاً يصح أن يستفهم عنه لكونه خالياً عن شوب التخمين وترجيح أحد الطرفين بوجه، فإن قول القائل "الإنذار وعدمه مستويان عليهم" يمكن أن يحمل على التقريب لا التحقيق، بخلاف ما لو أخبر عن الأمرين بطريق الهمزة وأم فافهم.

والإنذار التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي، وإنما ذكر الإنذار دون البشارة لأن المقام مقام المبالغة، وتأثير الإنذار في الفعل والترك أقوى لأن دفع الضرر أهم من جلب النفع.

وقوله "لا يؤمنون" إما جملة مؤكدة للتي قبلها، أو خبر لأن والجملة قبلها اعتراض.

السادسة: الختم والكتم أخوان، لأن في الاستيثاق من الشيء يضرب الخاتم عليه كتماً له وتغطية لئلا يتوصل إليه ولا يطلع عليه.

والغشاوة الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل عليه كالعصابة والعمامة.

والقلب يراد به تارة اللحم الصنوبري المودع في التجويف الأيسر من الصدر وهو محل الروح الحيواني الذي هو منشأ الحس والحركة وينبعث منه إلى سائر الأعضاء بتوسط الأوردة والشرايين، ويراد به تارة اللطيفة الربانية التي بها يكون الإنسان إنساناً وبها يستعد لامتثال الأوامر والنواهي والقيام بمواجب التكاليف ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب  ﴾ .

وهي من عالم الأمر الذي لا يتوقف وجوده على مادة ومدة بعد إرادة موجده له ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون  ﴾ .

كما أن البدن بل اللحم الصنوبري من عالم الخلق الذي هو نقيض ذلك ﴿ ألا له الخلق والأمر  ﴾ .

وقد يعبر عنها بالنفس الناطقة ﴿ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها  ﴾ وبالروح ﴿ قل الروح من أمر ربي  ﴾ ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ والسمع قوة مرتبة في العصب المتفرق في سطح الصماخ، تدرك صورة ما يتأدى إليه بتموج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع مقاوم له انضغاطاً بعنف يحدث منه تموّج فاعل للصوت، فيتأدى إلى الهواء المحصور الراكد في تجويف الصماخ ويموّجه بشكل نفسه وتماس أمواج تلك الحركة تلك العصبة فتسمع قاله ابن سينا.

ولعل هذا في الشاهد فقط، وأما البصر فقال ابن سينا: هي قوة مرتبة في العصبة ا لمجوفة تدرك صورة ما ينطبع في الرطوبة الجليدية من أشباح الأجسام ذوات اللون المتأدية في الأجسام الشفافة بالفعل إلى سطوح الأجسام الصيقلية.

وزعم غيره أن البصر يخرج منه شيء فيلاقي المبصر ويأخذ صورته من خارج ويكون من ذلك إبصار.

وفي الأكثر يسمون ذلك الخارج شعاعاً.

والحق عندي أن نسبة البصر إلى العين نسبة البصيرة إلى القلب، ولكل من العين والقلب نور.

أما نور العين فمنطبع فيها لأنه من عالم الخلق، فهو نور جزئي ومدركه جزئي، وأما نور القلب فمفارق لأنه من عالم الأمر، وهو نور كلي ومدركه كلي.

وإدراك كل منهما عبارة عن وقوع مدركه في ذلك النور، ولكل منهما بل لكل فرد من كل منهما حد ينتهي إليه بحسب شدته وضعفه.

ويتدرج في الضعف بحسب تباعد المرئي حتى لا يدركه، أو يدركه أصغر مما هو عليه.

ولا يلزم من قولنا "إن للبصر نوراً يقع في المرئي" أن يشتد النور إذا اجتمع بصراء كثيرة في موضع واحد قياساً على أنوار الكواكب والسرج، فإن ذلك الانضمام من خواص الأنوار المحسوسات، والملزومات المختلفة لا تستدعي الاشتراك في اللوازم.

وهذا القدر من التحقيق في تفسير القلب والسمع والبصر كافٍ بحسب المقام.

ثم اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم وفي حكم التغشية، إلا أن الأولى دخولها في حكم الختم لقوله  ﴿ وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة  ﴾ ولهذا يوقف على "سمعهم" دون "قلوبهم".

وفي تكرير الجار إيذان باستقلال الختم على كل من القلب والسمع، وإنما وحد السمع لوجوه منها: أمن اللبس كما في قوله: كلوا في بعض بطنكم تعفوا.

فإن زمانكم زمن خميص.

إذ لا يلتبس أن لكل واحد بطناً، ولهذا إذا لم يؤمن نحو فرسهم وثوبهم والمراد الجمع رفضوه.

ومنها أن السمع في الأصل مصدر والمصادر لا تجمع فلمح الأصل، ولهذا جمع الأذن في قوله ﴿ وفي آذاننا وقر  ﴾ .

ومنها أن يقدر مضاف محذوف أي على حواس سمعهم، ومنها الاستدلال بما قبله وبما بعده على أن المراد به الجمع مثل ﴿ عن اليمين والشمائل  ﴾ ﴿ يخرجهم من الظلمات إلى النور  ﴾ .

السابعة: من الناس من قال: السمع أفضل من البصر، لتقديمه في اللفظ ولأنه شرط النبوة.

فما بعث رسول أصم بخلاف البصر فمن الأنبياء من كان مبتلى بالعمى، ولأن السمع سبب وصول المعارف ونتائج العقول إلى الفهم، والبصر سبب وصول المحسوسات إلى المبصر.

ولأن السمع يتصرف في الجهات الست دون البصر، ولأن فاقد السمع في الأصل فاقد النطق، بخلاف فاقد البصر.

ومنهم من فضل البصر لأن متعلق الأبصار النور، ومتعلق الأسماع الريح.

والبصر يرى من بعيد دون السمع، ولأن عجائب الله  في تخليق العين أكثر منها في تخليق السمع.

وقد أسمع الله كلامه موسى من غير سبق سؤال ونوقش في الرؤية وفي المثل "ليس وراء العيان بيان".

وفي العين جمال الوجه دون السمع.

والحق أن من فقد حساً فقد فقد علماً وهو المتوقف على ذلك الحس.

ولا ريب أن معظم العلوم يتوقف تحصيلها على البصر والإرشاد، والتعليم على الإطلاق يتوقف على السمع.

فكل من الحواس في موضعه ضروري، وتفضيل البعض على البعض تطويل بلا طائل، فسبحان من دقت في كل مصنوع حكمته وأحسن كل شيء خلقه.

الثامنة: الآية الأولى فيها الإخبار بأن الذين كفروا لا يؤمنون، والإنذار وعدمه عليهم سيان.

والآية الثانية فيها بيان السبب الذي لأجله لم يؤمنوا وهو الختم والتغشية، فاحتج أهل السنة بالآيتين ونظائرهما على تكليف ما لا يطاق، وعلى أن الله  هو الذي خلق فيهم الداعية الموجبة للكفر وختم على قلوبهم وسمعهم ومنعهم عن قبول الحق والصدق، وكل بتقديره ولا يسأل عما يفعل.

وأما المعتزلة وأمثالهم فيقولون: كيف ينشئ فيهم الكفر ثم يقول: لم تكفرون؟

وخلق فيهم ما به لبس الحق بالباطل ثم يقول لم تلبسون الحق بالباطل؟

ونحو ذلك من الآيات الدالة على أن الكفر باختيار العبد وقدرته.

فتأولوا الآية على انها جارية مجرى قولهم "فلان مجبول على كذا أو مفطور عليه" يريدون أنه بليغ في الثبات عليه، أو على أنها تمثيل لحال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم الله عليه حتى دخلوا في زمرة الأنعام لا تعي شيئاً ولا تفقه كقولهم "سال به الوادي" إذا هلك، و "طارت به العنقاء" إذا أطال الغيبة.

وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته، وإنما مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء، والشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر.

إلا أن الله تعالى لما كان هو الذي أقدره ومكنه أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبب في قولهم "بنى الأمير المدينة" أو أنهم لما ترقى أمرهم في التصميم على الكفر إلى حدّ لا يتناهون عنه إلا بالقسر والإلجاء، ثم لم يقسرهم الله ولم يلجئهم لئلا ينتقض الغرض من التكليف، عبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم.

أو يكون حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكماً بهم من قولهم ﴿ قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب  ﴾ ويحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري سئل عن تكفير المعتزلة في هذه المسألة فقال: لا، لأنهم نزهوه عما يشبه الظلم والقبيح ولا يليق بالحكمة.

وسئل عن أهل الجبر فقال: لا، لأنهم عظموه حتى لا يكون لغيره قدرة وتأثير وإيجاد.

وزعم الإمام فخر الدين أن إثبات الإله يلجئ إلى القول بالجبر لأن الفاعلية لو لم تتوقف على الداعية لزم وقوع الممكن من غير مرجح وهو نفي الصانع، وإثبات الرسول يلجئ إلى القول بالقدر لأنه لو لم يقدر العبد على الفعل فأيّ فائدة في بعثة الرسل وإنزال الكتب؟

أو نقول: لما رجعنا إلى الفطرة السليمة وجدنا أن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه يترجح أحدهما على الآخر إلا المرجح، وهذا يقتضي الجبر.

ونجد تفرقة ضرورية بين حركات الإنسان الاختيارية وبين حركات الجمادات والحركات الاضطرارية، وذلك يقتضي مذهب الاعتزال فلذلك بقيت هذه المسألة في حيز الإشكال.

قلت - وبالله  التوفيق -: عندي أن المسألة في غاية الاستنارة والسطوع إذا لوحظت المبادئ ورتبت المقدمات، فإن مبدأ الكل لو لم يكن قادراً على كل الممكنات وخرج شيء من الأشياء عن علمه وقدرته وتأثيره وإيجاده بواسطة أو بغير واسطة لم يصلح لمبدئية الكل.

فالهداية والضلالة، والإيمان والكفر، والخير والشر، والنفع والضر، وسائر المتقابلات، كلها مستندة ومنتهية إلى قدرته وتأثيره وعلمه وإردته.

والآيات الناطقة بصحة هذه القضية كقوله  ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين  ﴾ ﴿ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها  ﴾ ﴿ قل كل من عند الله  ﴾ كثيرة.

وكذا الأحاديث "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" "احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى" الحديث.

فهذه القضية مطابقة للعقل والنقل، وبقي الجواب عن اعتراضات المخالف.

أما حكاية التنزيه عن الظلم والقبائح فأقول: لا ريب أنه تعالى منزه عن جميع القبائح، ولكن لا بالوجه الذي يذكره المخالف إذ يلزم منه النقص من جهة أخرى وهو الخلل في مبدئيته للكل وفي كونه مالك الملك.

بل الوجه أن يقال: إن لله تعالى صفتي لطف وقهر، ومن الواجب في الحكمة أن يكون الملك.

ولا سيما ملك الملوك، كذلك، إذ كل منهما من أوصاف الكمال ولا يقوم أحدهما مقام الآخر، ومن منع ذلك كابر وعاند.

ولا بد لكل من الوصفين من مظهر، فالملائكة ومن ضاهاهم من الأخيار مظاهر اللطف، والشياطين ومن والاهم من الأشرار مظاهر القهر، ومظاهر اللطف هم أهل الجنة والأعمال المستتبعة لها، ومظاهر القهر هم أهل النار والأفعال المعقبة إياها.

وههنا سر وهو أن اللطف والقهر والجنة والنار إنما يصح وجود كل من كل منهما بوجود الآخر، فلولا القهر لم يتحقق اللطف، ولولا النار لم تثبت الجنة، كما أنه لولا الألم لم تتبين اللذة، ولولا الجوع والعطش لم يظهر الشبع والري.

ولله در القائل: "وبضدها تتبين الأشياء".

فخلق الله  للجنة خلقاً يعملون بعمل أهل الجنة، وللنار خلقاً يعملون بعمل أهل النار.

ولا اعتراض لأحد عليها في تخصيص كل من الفريقين بما خصصوا به فإنه لو عكس الأمر لكان الاعتراض بحاله.

وههنا تظهر حقيقة الشقاوة والسعادة ﴿ فمنهم شقي وسعيد  ﴾ الآية: وقال  : "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكاً بأربع كلمات، فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد" الحديث.

وإذا تؤمل فيما قلت، ظهر أن لا وجه بعد ذلك لإسناد الظلم والقبائح إليه  ، لأن هذا الترتيب والتمييز من لوازم الوجود والإيجاد كما يشهد به العقل الصريح، ولا سيما عند المخالف القائل بالتحسين والتقبيح العقليين.

وليت شعري لم لا ينسب الظلم إلى الملك المجازي حيث يجعل بعض من تحت تصرفه وزيراً قريباً وبعضهم كناساً بعيداً لأن كلاً منهما من ضرورات المملكة، وينسب الظلم إليه  في تخصيص كل من عبيده بما خصص به، مع أن كلاً منهم ضروري في مقامه؟!

فهذا القائل بهدم بناء حكمته،  ، ويدعي أنه يحفظه فأفسد حين أصلح.

وأما قوله "أي فائدة في بعثة الرسل وإنزال الكتب" ففي غاية السخافة، لأنا لما بينا أنه  يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فكيف يبقى للمعترض أن يقول: لما جعل الله  الشيء الفلاني سبباً وواسطة للشيء الفلاني؟

كما أنه ليس له أن يقول مثلاً لم جعل الشمس سبباً لإنارة الأرض؟

غاية ما في الباب أن يقول إذا علم الله  أن الكافر لا يؤمن فلم يأمره بالإيمان ويبعث إليه النبي  فأقول: فائدة بعث الأنبياء وإنزال الكتب بالحقيقة ترجع إلى المؤمنين الذين جعل الله بعثهم وإنزالها سبباً وواسطة لاهتدائهم ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها  ﴾ كما أن فائدة نور الشمس تعود إلى أصحاب العيون الصحاح.

وأما فائدة ذلك بالنسبة إلى المختوم على قلوبهم فكفائدة نور الشمس بالنسبة إلى الأكمه ﴿ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون  ﴾ غاية ذلك إلزام الحجة وإقامة البينة عليهم ظاهراً ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل  ﴾ ﴿ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً  ﴾ وهو بالحقيقة النعي عليهم بأنهم في أصل الخلقة ناقصون أشقياء.

وهذا المعنى ربما لا يظهر لهم أيضاً لغاية نقصانهم كما أن الأكمة ربما لا يصدق البصراء ولا يعرف أن التقصير والنقصان منه، وأن سائر الشرائط من محاذاة المرئي وظهور النير موجودة وإنما يعرف نقصانهم أرباب الأبصار.

وأما حديث التفرقة الضرورية بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية كالرعشة مثلاً فأقول: لا ريب أن للإنسان إرادات وقوى بها يتم له حصول الملائم واجتناب المنافي، إلا أن تلك الإرادات والقوى مستندة إلى الله  ، فكأنه لا اختيار له.

والتفرقة المذكورة سببها في أن الرعشة نقصت واسطة هي الداعية، وفي الحركة المسماة بالاختيارية زادتواسطة فافهم هذه الحقائق والإشارات واستعن بها في سائر ما يقرع سمعك من هذا القبيل،فلعلنا لا نكررها في كل موضع حذراً من التطويل.

ومن لم يستضئ بمصباح لا يستفيدبإصباح ﴿ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل  ﴾ .

التاسعة: العذاب مثل النكال؛ بناء ومعنى، لأنك تقول: أعزب عن الشيء إذا أمسك عنه كما تقول: نكل عنه.

ومنه العذاب لأنه يقمع العطش ويردعه بخلاف الملح فإنه يزيده.

ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذاباً وإن لم يكن نكالاً أي عقاباً يرتدع به الجاني عن المعاودة.

والفرق بين العظيم والكبير، أن العظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، ويستعملان في المعاني والأعيان جميعاً.

تقول: رجل عظيم وكبير تريد جثته أو خطره.

ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعاً من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله.

ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله نعوذ بالله منه.

العاشرة:اتفق المسلمون أكثرهم على أنه يحسن من الله  تعذيب الكفار.

وقال بعضهم: لا يحسن، وفسروا قوله "ولهم عذاب عظيم" وكذا كل وعيد ورد في القرآن بأنهم يستحقون ذلك، لكن كرمه يوجب عليه العفو.

وذكروا أيضاً دلائل عقلية مبنية على الحسن والقبح كقولهم: التعذيب ضرر خالٍ عن المنفعة لأن الله  منزه عن ذلك والعبد يتضرر به، ولو سلم أنه ينتفع به فالله قادر على إيصال النفع إليه من غير توسط ذلك العذاب، والضرر خال عن المنافع قبيح بالبديهة.

وكقولهم: علم أن الكافر لا يظهر منه إلا العصيان، فتكليفه أمراً متى لم يفعل ترتب عليه العذاب، وما كان مستعقباً للضرر من غير نفع كان قبيحاً، فلم يبق إلا أن يقال: لم يوجد هذا التكليف، أو وجد لكنه لا يستعقب العقاب.

وكقولهم: إنه  هو الخالق لداعية المعصية، فيقبح أن يعاقب عليها.

وكقولهم: إن العبد لو واظب على الكفر طول عمره فإذا تاب ثم مات عفا الله عنه.

أترى هذا الكرم العظيم ما بقي في الآخرة، أو سلبت عقول أولئك المعذبين فلا يتوبون عن معاصيهم، وإذا تابوا فلم لا يقبل الله منهم توبتهم؟

ولم كان في الدنيا بحيث قال: ﴿ ادعوني أستجب لكم  ﴾ وفي الآخرة بحيث لا يجيب دعاءهم إلا بقوله ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] وأجيب بأن تعذيبهم نقل إلينا بالتواتر عن النبي  فلا مصير إلى إنكاره، والشبه التي تمسكتم بها تنهدم بانهدام قاعدة الحسن والقبح.

وأقول: قد بينت بالبرهان النير في المسألة الثامنة أن وقوع فريق في طريق القهر ضروري في حكمته  ، وكل ما تقتضيه حكمته وكماله كان حسناً.

ومن ظن أنه قبيح كان الخلل في عقله وقصور في فهمه، فلا قبيح في النظر إلا وهو حسن من جهات أخرى لا يعلمها إلا منشئها وموجدها.

وهل يستقبح أحد وقوع بعض الأحجار للملوك تيجاناً وبعضها للحشوش جدراناً، أو وقوع بعض من الحديد سيفاً يتقلده الناس وبعضه نعلاً يطؤها الأفراس، حيث يرى كلاً منهما في مصالح الوجود ضرورياً؟

ثم العذاب وهو بالحقيقة البعد من الله  لازم للكفر والعصيان، والملزوم لا ينفك من اللازم.

وأما سبب عدم انتفاع الكافر والعاصي بالإيمان والتوبة بعد المفارقة، فذلك أن محل الكسب هو الدنيا، والتكليف بامتثال الأوامر والنواهي إنما وقع فيها.

فليس لأحد أن يؤخر الامتثال إلى الآخرة.

ألا ترى أنه لو قال طبيب حاذق لمريض: اشرب الدواء الفلاني في اليوم الفلاني فقصر وأخر حتى إذا مضى وقته وأشرف على الهلاك قال: إني أشرب الآن، لم ينفعه ذلك الدواء ولا يسعه إلا الهلاك؟

وكذا لو قال ملك لواحد: افعل الأمر الفلاني في هذا الوقت ففعله في وقت آخر لم يعد ممتثلاً ولا ينفعه الائتمار به لأن غرض الامتثال قد فات، ولا سيما إذا فعل بعد أن يرى أمارات الغضب وعلامات العذاب { ﴿ فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون  ﴾ .

 .

<div class="verse-tafsir"

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ٨ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ٩ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًۭا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ ١٠ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ١١ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ ١٢ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ ١٣ وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَـٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ١٤ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ١٥ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ ١٦

القراءات: و "من الناس" ممالة.

قرأ قتيبة ونصير في القرآن ما كان مكسوراً.

"من يقول" مدغمة النون والتنوين في الياء حيث وقعت: حمزة وعلي وخلف وورش من طريق النجاري.

"بمؤمنين" غير مهموز: أبو عمرو وغير شجاع ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها من الأسماء.

"وما يخادعون": أبو عمرو وابن كثير ونافع.

"فزادهم الله" وبابه مما كان ماضياً بالإمالة: حمزة ونصير وابن ذكوان من طريق مجاهد والنقاش بن الأخرم ههنا بالإمالة فقط.

"يكذبون" خفيفاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

قيل ﴿ وغيض ﴾ ﴿ وجيء ﴾ بالإشمام: علي وهشام ورويس.

"السفهاء ألا" بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

"السفهاء ولا" بقلب الثانية واواً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وأبو جعفر ونافع.

"السفهاء وألا" بقلب الأولى واواً.

روى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة: وكذلك ما أشبهها مما اختلف الهمزتان فيها إلا أن تكون الأولى منهما مفتوحة مثل ﴿ شهداء إذ ﴾ ﴿ وجاء إخوة ﴾ وأشباه ذلك.

"مستهزءون" بترك الهمزة في الحالين: يزيد وافق حمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها، وعن حمزة في الوقف وجهان: الحذف والتليين شبه الياء والواو.

"طغيانهم" حيث كان بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو.

"بالهدى" وما أشبهها من الأسماء والأفعال من ذوات الياء بالإمالة: حمزة وعلي وخلف.

وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وكذلك كل كلمة تجوز الإمالة فيها وذلك طبعهم وعادتهم.

الوقوف: "بمؤمنين" (م) لما مر في المقدمة الثامنة: "آمنوا" (ج) لعطف الجملتين المتفقتين مع ابتداء النفي.

"يشعرون" (ط) للآية وانقطاع النظم والمعنى، فإن تعلق الجار بما بعده.

"مرض" (لا) لأن الفاء للجزاء وكان تأكيداً لما في قلوبهم.

"مرضاً" (ج) لعطف الجملتين المختلفتين.

"يكذبون" (ه) في "الأرض" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذا" وعامله.

"مصلحون" (ه) "لا يشعرون" (ه) "كما آمن السفهاء" (ط) للابتداء بكلمة التنبيه، ومن وصل فليعجل رد السفه عليهم "لا يعلمون" (5) "آمنا" (ج) لتبدل وجه الكلام معنى مع أن الوصل أولى لبيان حالتيهم المتناقضتين وهو المقصود "شياطينهم" (لا) لأن "قالوا" جواب "إذاً" "معكم" (لا) تحرزاً عن قول ما لا يقوله مسلم، وإن جاز الابتداء بإنما.

"مستهزءون" (ه) "يعمهون" (ه) "بالهدى" (ص) لانقطاع النفس ولا يلزم العود لأن ما بعده بدون ما قبله مفهوم "مهتدين" التفسير: وفيه مباحث: المبحث الأول: في قوله  ﴿ ومن الناس من يقول ﴾ الآية.

وفيه مسائل: الأولى: عن مجاهد قال: أربع آيات من أول هذه السورة نزلت في المؤمنين، وآيتان بعدها نزلتا في الكافرين، وثلاث عشرة بعدها نزلت في المنافقين.

فأقول: أحوال القلب أربع: الاعتقاد المطابق عن الدليل وهو العلم، والاعتقاد المطابق لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد المحق، والاعتقاد غير المطابق وهو الجهل، وخلو القلب عن كل ذلك.

وأحوال اللسان ثلاث: الإقرار والإنكار والسكوت.

كل منها بالاختيار أو بالاضطرار، فيحصل من التراكيب أربعة وعشرون قسماً فلنتكلم في الأحوال القلبية ونجعل البواقي تبعاً لها في الذكر.

(النوع الأول): العرفان القلبي إن انضم إليه الإقرار باللسان اختياراً فصاحبه مؤمن حقاً بالاتفاق، أو اضطراراً فهو منافق، لأنه لولا الخوف لما أقرّ، فهو بقلبه منكر مكذب وجوب الإقرار.

وإن انضم إليه الإنكار اضطراراً فهو مسلم لقوله  ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ أو اختياراً فهو كافر معاند.

وإن انضم إليه السكوت اضطراراً فمسلم حقاً لأنه خاف، أو كما عرف مات فجأة فيكون معذوراً أو اختياراً فمسلم أيضاً عند الغزالي وعند كثير من الأئمة لقوله  "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان" .

(النوع الثاني) الاعتقاد التقليدي إن وجد معه الإقرار اختياراً فهو المسألة المشهورة من أن المقلد مؤمن أم لا، والأكثرون على إيمانه.

أو اضطراراً فمنافق بالطريق الأولى كما مر في النوع الأول.

وإن وجد معه الإنكار اختياراً فلا شك في كفره، أو اضطراراً فمسلم عند من يحكم بإيمان المقلد.

وإن وجد معه السكوت اضطراراً فمسلم بناء على إسلام المقلد، أو ا اختياراً فكافر معاند.

(النوع الثالث): الإنكار القلبي مع الإقرار اللساني إن كان اضطراراً نفاق، وكذا اختياراً لأنه أظهر خلاف ما أضمر.

ومع الإنكار اللساني كفر كيف كان، وكذا مع السكوت.

(النوع الرابع): القلب الخالي عن جميع الاعتقادات مع الإقرار اللساني إن كان اختياراً، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر لكنه فعل ما لا يجوز له حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا.

وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر، أما إذا كان اضطرارياً فلا يكفر صاحبه لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحاً.

والقلب الخالي مع الإنكار اللساني كيف كان نفاق، والقلب الخالي مع اللسان الخالي إن كان في مهلة النظر فذلك هو الواجب، وإن كان خارجاً عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا نفاق.

فظهر من التقسيم أن المنافق هو الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ظاهره أو كان باطنه خالياً عما يشعر به ظاهره، ومنه "النافقاء إحدى حجرة اليربوع يكتمها ويظهر غيرها" فإذا أتى من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق أي خرج.

الثانية: زعم قوم أن الكفر الأصلي أقبح من النفاق، لأن الكافر جاهل بالقلب كاذب باللسان، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان.

وقال الآخرون: المنافق أيضاً كاذب باللسان لأنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه.

قال عز من قائل: ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون  ﴾ وأيضاً إنه قصد التلبيس والكافر الأصلي لا يقصد ذلك.

وأيضاً الكافر الأصلي على طبع الرجال، والمنافق على طبيعة الخنائي.

وأيضاً الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه، والمنافق رضي بالكذب.

وأيضاً المنافق ضم إلى الكفر الاستهزاء والخداع دون الكافر الأصلي، ولغلظ كفر المنافقين قال الله  : ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار  ﴾ ووصف حال الكفار في آيتين وحال المنافقين في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم وفضحهم وسفههم واستجهلهم واستهزأ بهم وتهكم بفعلهم وسجل بطغيانهم وعمههم ودعاهم صماً بكماً عمياً وضرب لهم الأمثال الشنيعة.

الثالثة: قصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة "الذين كفروا" كما تعطف الجملة على الجملة.

وأصل ناس أناس بدليل إنسان وإنس وأناسي.

حذفت الهمزة تخفيفاً، مع لام التعريف كاللازم.

وقوله "إن المنايا يطلعن على الإناس الآمنينا" قليل.

ونويس من المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان.

سموا بذلك لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون كما سمي الجن لاجتنانهم.

ووزن ناس فعال لأن الزنة على الأصول كما يقال وزن ق أفعل وهو اسم جمع كرخال للأنثى من أولاد الضأن.

وأما الذي مفرده رخل بكسر الراء فرخال بكسر الراء.

"ومن" في "من يقول" موصوفة إن جعلت اللام في الناس للجنس كقوله ﴿ من المؤمنين رجال  ﴾ ليكون معنى الكلام أن في جنس الإنس طائفة كيت وكيت، فيعود فائدة الكلام إلى الوصف.

وإن لم يكن مفيداً من حيث الحمل لأن الطائفة الموصوفة تكون لا محالة من الناس، ولا يجوز أن تكون "من" موصولة حينئذ، لأن الصلة تكون جملة معلومة الانتساب إلى الموصول فتبطل فائدة الوصف، فيبقى الكلام غير مفيد رأساً.

وإن جعلت اللام للعهد فمن تكون موصولة نحو ﴿ ومنهم الذين يؤذون النبي  ﴾ وتكون اللام إشارة إلى الذين كفروا لما ذكرهم، ولا يجوز أن تكون "من" موصوفة إذ ذاك، لأن فائدة الكلام تعود إلى الوصف أيضاً، ولكن لا يجاوبه نظم الكلام إذ يصير المعنى أن من المختوم على قلوبهم طائفة يقولون كيت وكيت وما هم بمؤمنين.

ومن البين أن مدلول قوله "وما هم بمؤمنين" معلوم من حال المطبوع على قلوبهم فيقع ذكره ضائعاً، والضمير العائد إلى "من" يكون موحداً تارة باعتبار اللفظ نحو ﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة  ﴾ ومجموعاً أخرى باعتبار المعنى مثل ﴿ ومنهم من يستمعون إليك  ﴾ وقد اجتمع الاعتباران في الآية في "يقول" و "آمنا".

وإنما اختص بالذكر الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر لأنهما قطرا الإيمان، ومن أحاط بهما فقد حاز الإيمان بحذافيره.

وفي تكرير الباء إيذان بأنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام.

فإن قلت: إن كان هؤلاء المنافقون من المشركين فظاهر عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، وإن كانوا من اليهود فكيف يصح ذلك؟

قلت: إيمان اليهود بالله ليس بإيمان لقولهم "عزير ابن الله" وكذلك إيمانهم باليوم الآخر لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته.

فقولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق بل على عقيدتهم فهو كفر لا إيمان.

فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة واستهزاء وتخييلاً للمسلمين أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي كان خبثاً إلى خبث وكفراً إلى كفر.

والمراد باليوم الآخر إما طرف الأبد الذي لا ينقطع لأنه متأخر عن الأوقات المنقضية، أو الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر الأوقات المحدودة التي لا حد للوقت بعده.

فإن قلت: كيف طابق قوله "وما هم بمؤمنين" قولهم "آمنا" والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني بالعكس؟

قلت: لما أتوا بالجملة الفعلية ليكون معناها أحدثنا الدخول في الإيمان لتروج دعواهم الكاذبة، جيء بالجملة الأسمية ليفيد نفي ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل ألبت والقطع وأنهم ليس لهم استئهال أن يكونوا طائفة من طوائف المؤمنين، فكان هذا أوكد وأبلغ من أن يقال: إنهم لم يؤمنوا.

ونظير الآية قوله  ﴿ يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها  ﴾ .

ثم إن قوله "وما هم بمؤمنين" يحتمل أن يكون مقيداً وترك لدلالة التقييد في "آمنا".

ويحتمل الإطلاق أي أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر ولا من الإيمان بغيرهما.

البحث الثاني: في قوله ﴿ يخادعون الله ﴾ إلى ﴿ يكذبون ﴾ .

أعلم أن الله ذكر من قبائح أفعال المنافقين أربعة أشياء: أحدها المخادعة وأصلها الإخفاء، ومنه سميت الخزانة المخدع.

والأخدعان عرفان في العنق خفيان.

وخدع الضب خدعاً إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلاً.

والخديعة مذمومة لأنها إظهار ما يوهم السداد والسلامة وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير أو التخلص منه، فهي بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسية.

فإن قيل: مخادعة الله والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا يخفى عليه خافية لا يخدع، والحكيم الحليم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع، والمؤمنين وإن جاز أن يخدعوا كما قال ذو الرمة: تلك الفتاة التي علقتها عرضاً *** إن الحليم ذا الإسلام يختلب لم يجز أن يخدعوا.

قلنا: كانت صورة صنعهم مع الله - حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون - صورة صنع الخادعين، وصورة صنع الله معهم - حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده أهل الدرك الأسفل من النار - صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم - حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم.

ويحتمل أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن الله ممن يصح خداعه، لأنه من كان ادعاؤه الإيمان بالله تعالى نفاقاً لم يكن عارفاً بالله ولا بصفاته، فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله مخدوعاً ومصاباً بالمكروه من وجه خفي، أو تجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم.

ويحتمل أن يذكر الله ويراد الرسول لأنه خليفته والناطق بأوامره ونواهيه مع عباده ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ .

ويحتمل أن يكون من قولهم "أعجبني زيد وكرمه" فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا بالله، وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص.

ولما كان المؤمنون من الله بمكان سلك بهم هذا المسلك ومثله ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه  ﴾ { ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله  ﴾ وقولهم "علمت زيداً فاضلاً" الغرض ذكر الإحاطة بفضل زيد، لأن زيداً كان معلوماً له قديماً كأنه قيل: علمت فضل زيد ولكن ذكره توطئة وتمهيداً.

ووجه الاختصار بخادعت على واحد أن يقال: عني به فعلت إلا أنه أخرج في زنة "فاعلت" لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة الداعي إليه.

"ويخادعون" بيان ليقول، ويجوز أن يكون مستأنفاً كأن قيل: ولم يدعون الإيمان كاذبين؟

فقيل: يخادعون.

وكان غرضهم من الخداع الدفع عن أنفسهم أحكام الكفار من القتل والنهب وتعظيم المسلمين إياهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم واطلاعهم على أسرار المسلمين لاختلاطهم بهم.

والسؤال الذي يذكر ههنا من أنه  لم أبقى المنافق على حاله من النفاق ولم يظهر أمره حتى لا يصل من أغراض الخداع إلى ما وصل؟

وأرد على استبقاء الكفار وسائر أعداء الدين، بل على استبقاء إبليس وذريته وتنحل العقدة في الجميع بما سلف لنا من الحقائق ولا سيما في تفسير قوله  ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ وقراءة من قرأ ﴿ وما يخادعون إلا أنفسهم  ﴾ أي وما يعاملون تلك المعاملة المضاهية لمعاملة المخادعين إلا أنفسهم، لأن مكرهاً يحيق بهم ودائرتها تدور عليهم لأن الله  يدفع ضرر الخداع عن المؤمنين ويصرفه إليهم كقوله ﴿ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم  ﴾ ويحتمل أن يراد حقيقة المخادعة لأنهم يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل، وأنفسهم أيضاً تمنيهم وتحدثهم بالأكاذيب.

وأن يراد "وما يخدعون" فجيء به على لفظ يفاعلون للمبالغة.

والنفس ذات الشيء وحقيقته ولا يختص بالأجسام لقوله  ﴿ تعلم ما في نفسي  ﴾ والشعور علم الشيء علم حس ومشاعر الإنسان حواسه.

والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له.

والمرض حالة توجب وقوع الخلل في الأفعال الصادرة عن موضوعها، واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة بأن يراد الألم كما تقول: في جوفه مرض.

ومجازاً بأن يستعار لبعض أعراض القلب كسوء الاعتقاد والغل والحسد والميل إلى المعاصي، فإن صدورهم كانت تغلي على الرسول  والمؤمنين غلاً وحنقاً { ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ  ﴾ وناهيك بما كان من ابن أبي، وقول سعد بن عبادة لرسول له  اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة - وذلك شيء منظوم بالجواهر شبه التاج - أي يجعلوه ملكاً، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك.

أو يراد ما يداخل قلوبهم من الضعف والخور لأنهم كانوا يطمعون أن ريح الإسلام تهب حيناً ثم تركد، فكانت تقوى قلوبهم بذلك الطمع.

فلما شاهدوا شوكة المسلمين وإعلاء كلمة الحق وما قذف الله في قلوبهم من الرعب ضعفت جبناً وخوراً.

ومعنى زيادة الله إياهم مرضاً أنه كلما أنزل على رسوله الوحي فكفروا به ازدادوا كفراً إلى كفرهم، فأسند الفعل إلى المسبب له كما أسند إلى السورة في قوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم  ﴾ وهذا كما قال الحكيم: البدن الغير النقي كلما فدوته زدته شراً.

وكلما زاد رسوله نصرة وتبسطاً ازدادوا حسداً وبغضاً.

ويحتمل أن يراد بزيادة المرض الطبع، ويحتمل أن يقال: الغل والحسد قد يفضي إلى تغير مزاج القلب ويؤدي إلى تلف صاحبه كقوله: اصبر على مضض الحسو *** د فإن صبرك قاتله النـــــــار تأكــــل نفســـــها *** إن لم تجد ما تأكلـه فإفضاء صاحبه إلى الهلاك هو المعني بالزيادة.

والأليم الوجيع.

ووصف العذاب به على طريقة قولهم "جد جده" والألم بالحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد.

والمراد بكذبهم قولهم ﴿ آمنا بالله وباليوم الآخر ﴾ .

وفي ترتب الوعيد على الكذب دليل على قبح الكذب وسماجته.

وما يروى عن إبراهيم  أنه كذب ثلاث كذبات أحدها قوله ﴿ إني سقيم  ﴾ وثانيها قوله لسارة حين أراد أن يغصبها ظالم "إنها أختي" وثالثها قوله ﴿ بل فعله كبيرهم هذا  ﴾ فالمراد التعريض "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به.

والكذب الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به، وقد يعتبر فيه علم المخبر بكون المخبر عنه مخالفاً للخبر، والصدق نقيضه.

وقراءة من قرأ "يكذبون" بالتشديد إما من كذبه الذي هو نقيض صدقه، وإما من كذب الذي هو مبالغة في كذب كما بولغ في صدق فقيل "صدق" نحو: بان الشيء وبين الشيء ومنه قوله: قد بين الصبح لذي عينين *** أو بمعنى الكثرة نحو "موتت البهائم"، أو من قولهم "كذب الوحشي إذا جرى شوطاً ثم وقف لينظر ما وراءه" لأن المنافق متوقف متردد في أمره مذبذب بين ذلك.

وقال  : "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة" وما في قوله "بما كانوا" مصدرية أي بكذبهم، وكان مقحمة لتفيد الثبوت والدوام أي بسبب أن هذا شأنهم وهجيراهم.

البحث الثالث: في قوله  ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدو في الأرض ﴾ إلى قوله }ولكن لا يشعرون}.

هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين.

فقوله "وإذا قيل" إما معطوف على "كانوا يكذبون" أي ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وبما كانوا إذا قيل لهم كذا قالوا كذا، وإما على "يقول" أي ومن الناس من إذا قيل له.

ويحتمل أن يقال الواو للاستئناف، وإسناد "قيل" إلى "لا تفسدوا" و "آمنوا" ليس من إسناد الفعل إلى الفعل فإنه لا يصح، ولكنه إسناد إلى لفظ الفعل.

أي وإذا قيل لهم هذا القول نحو: زعموا مطية الكذب.

والقائل لهم إما النبي  إذا بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك نصحهم فأجابوا بما يحقق إيمانهم وأنهم في الصلاح، وإما بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبل منهم ويعظمهم، وإما بعض المؤمنين، ولا يجوز أن يكون القائل ممن لا يختص بالدين.

والفساد خروج الشيء عن أن يكون منتفعاً به، ونقيضه الصلاح وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة.

عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي أن المراد بالإفساد المنهي عنه إظهار معصية الله  ، فإن الشرائع سنن موضوعة بين العباد، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه، فحقنت الدماء وضبطت الأموال وحفظت الفروج وكان ذلك صلاح الأرض وأهلها.

وأما إذا أهملت الشريعة وأقدم كل واحد على ما يهواه، اشتعلت نوائر الفتن من كل جانب، وحدثت المفاسد.

وقيل: هو مداراة المنافقين الكافرين ومخالطتهم إياهم لأنهم إذا مالوا إلى الكفار مع أنهم في الظاهر مؤمنون، أوْهَمَ ذلك ضعف أمر النبي  وأصحابه فيصير سبباً لطمع الكفار في المؤمنين، فتهيج الفتن والحروب.

وقيل: كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه ويلقون الشبه ويفشون أسرار المؤمنين، ولما نهوا عن الإفساد في الأرض كان قولهم "إنما نحن مصلحون" كالمقابل له.

فههنا احتمالات: أحدها: أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين، فزعموا أنهم مصلحون.

وثانيها: إذا فسر الإفساد بموالاتهم الكافرين أن يكون مرادهم أن الغرض من تلك الموالاة هو الإصلاح بين المسلمين كقولهم فيما حكى الله  ﴿ إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً  ﴾ وثالثها: أن يكون المراد إنكار إذاعة أسرار المسلمين ونسبة أنفسهم إلى الاستقامة والسداد، وجيء بأداة القصر دلالة على أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت، أي حالنا مقصورة على الإصلاح لا تتعداه إلى غيره.

"وألا" مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، فيفيد التنبيه على تحقيق ما بعدها كقوله  ﴿ أليس ذلك بقادر  ﴾ ولإفادتها التحقيق لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم.

وأختها التي هي "أما" من مقدمات اليمين وطلائعها.

قال: أما والذي أبكى وأضحك والذي *** أمات وأحيا والذي أمره الأمر رد الله ما ادعوه من الانضمام في زمرة المصلحين أبلغ رد من جهة الاستئناف، فإن ادعاءهم ذلك مع توغلهم في الفساد مما يشوق السامع أن يعرف ما حكمهم، فرد الله عليهم.

وكان وروده بدون الواو هو المطابق، ومن جهة ما في "ألا" وفي "أن" من التأكيد، ومن قبيل تعريف الخبر وتوسيط الفصل وقوله "لا يشعرون".

البحث الرابع: في قوله ﴿ وإذا قيل لهم آمنوا ﴾ الآية.

هذا هو النوع الثالث من قبائح أفعال المنافقين، وذلك أن المؤمنين أتوهم في النصيحة من وجهين: أحدهما: تقبيح ما كانوا عليه مما يجرّ إلى الفساد والفتنة، والثاني: دعوتهم إلى الطريقة المثلى من اتباع ذوي الأحلام.

وبعبارة أخرى أمرهم أولاً بالتخلية عما لا ينبغي، وثانياً بالتحلية بما ينبغي لأن كمال حال الإنسان في هاتين.

وكان من جوابهم فيما بينهم أو للقائل أن سفهوهم لتمادي سفههم، وفي هذا تسلية للعالم إذا لم يعرف حقه الجاهل.

وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل وما في "كما" يجوز أن تكون كافة تصحح دخول الجار على الفعل وتفيد تشبيه مضمون الجملة بالجملة كقولك: يكتب زيد كما يكتب عمرو، أو زيد صديقي كما عمرو أخي.

ويجوز أن تكون مصدرية مثلها في ﴿ بما رحبت  ﴾ واللام في الناس للعهد أي كما آمن الرسول  ومن معه وهم ناس معهودون أي ليكن إيمانكم ثابتاً كما أن إيمان هؤلاء ثابت، أو ليحصل إيمانكم كحصول إيمان هؤلاء، أو آمنوا كما آمن عبد الله بن سلام وأتباعه لأنهم من جلدتهم أي كما آمن أصحابكم.

ويحتمل أن تكون للجنس أي كما آمن الكاملون في الإنسانية من الإقرار اللساني الناشئ عن الاعتقاد القلبي، أو جعل المؤمنون كأنهم الناس ومن عداهم كالنسناس في عدم التمييز بين الحق والباطل.

والاستفهام في "أنؤمن" في معنى الإنكار، واللام في "السفهاء" مشار بها إلى الناس كقولك لصاحبك: إن زيداً قد سعى بك.

فتقول: أوقد فعل السفيه؟

أو للجنس وينطوي تحته الجاري ذكرهم على زعمهم لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه وهو ضد الحلم، وأصله الخفة والحركة يقال: تسفهت الريح الشجر إذا مالت به، قال ذو الرمة: جرين كما اهتزت رماح تسفهت *** أعاليها مر الرياح النواسم وإنما سفهو المؤمنين مع رجحان عقول أهل الإيمان، لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر الصحيح اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق، ولأنهم كانوا في رياسة وثروة وكان أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موالٍ كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيراً لشأنهم كما قال قوم نوح { ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا  ﴾ أو أرادوا عبد الله بن سلام وأشياعه لما غاظهم من إسلامهم وفتَّ في أعضائهم.

عن أنس "أنه سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله  وهو في أرض مخترف، فاتى النبي  فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي.

فما أوّل أشراط الساعة؟

وما أول طعام أهل الجنة؟

وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟

قال  :أخبرني بهن جبريل آنفاً.

أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت.

وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الوالد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت.

قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني.

فجاءت اليهود فقال: أي رجل عبد الله فيكم؟

قالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا.

قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام.

قالوا: أعاذه الله من ذلك.

فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

فقالوا: شرنا وابن شرنا فانتقصوه.

قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله" .

ثم إن الله  ألقى عليهم هذا اللقب مقروناً بالمؤكدات التي بيناها في قوله "ألا إنهم هم المفسدون" وذلك أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به إلى السفه فهو السفيه، وكذا من باع آخرته بدنياه.

قال  : "الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" وأيضاً من السفه معاداة المحمديين ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم  ﴾ .

كالطود يحقر نطحة الأوعال *** إنما فصلت هذه الآية "بلا يعلمون" والتي قبلها "بلا يشعرون" لأن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري، وأما النفاق وما يؤول إليه من الفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات، وخصوصاً عند العرب في جاهليتهم.

وما كان قائماً بينهم من التحارب والتجاذب فهو كالمحسوس المشاهد، ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن طباقاً له.

البحث الخامس: في قوله ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا ﴾ الآيات.

هذا هو النوع الرابع من قبائح أفعالهم، والفرق بين هذه الآية وبين قوله "ومن الناس من يقول آمنا" أن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان معاملتهم مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم.

عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله  فقال عبد الله بن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم.

فذهب فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحباً بالصديق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله  في الغار، الباذل نفسه وماله، ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحباً بسيد بني عدي بن كعب الفاروق القوي في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد علي  فقال: مرحباً بابن عم رسول الله وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسول الله.

ثم افترقوا فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيراً.

فرجع المسلمون إلى النبي  وأخبروه بذلك فنزلت.

ويقال: لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريباً منه.

وخلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه، ويجوز أن يكون من خلال بمعنى مضى، وخلاك ذم أي عداك ومضى عنك، ومنه القرون الخالية، أو من خلوت به إذا سخرت منه وهو من قولك "خلا فلان بعرض فلان" عبث به، ومعناه إذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها كما تقول: أحمد إليك فلاناً أو أذمه إليك أي أنهي إليك حمدي لفلان أو ذمي.

وعن ابن عباس: إني أحمد إليك عسل الإحليل أي أعلمكم أنه أمر محمود.

وشياطينهم رؤساؤهم وأكابرهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم.

وهم إما أكابر المنافقين فالقائلون.

إنا معكم أي مصاحبوكم وموافقوكم على أمر دينكم أصاغرهم، وإما أكابر الكافرين فالقائلون يحتمل أن يكون جميع المنافقين.

وإنما فسرنا الشياطين بالرؤساء لأنهم هم القادرون على الإفساد في الأرض، وإنما خاطبوا المؤمنين بأضعف الجملتين وهي الفعلية، وشياطينهم بأقواهما أعني الاسمية المحققة بان لأنهم في ادعاء حدوث الإيمان الناشئ عن صميم القلب منهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان كاملون، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه وهكذا كل قول لم يصدر عن صدق رغبة وباعث داخلي، وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على وجه التوكيد وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار القائلين "ربنا إننا آمنا" وإما مخاطبة إخوانهم فعن وفور نشاط ورغبة وفي حيز القبول والرواج فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتوكيد، وإنما فقد العاطف بين قوله "إنا معكم" وبين قوله "إنما نحن مستهزءون" الأوّل معناه الثبات على الكفر، والثاني ردّ للإسلام.

لأن المستهزئ بالشيء منكر له دافع، ودفع نقيض الشيء إثبات وتأكيد للشيء.

أو لأن الثاني بدل منه لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر، أو لأنه استئناف كأنه قيل: ما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام؟

فقالوا: إنما نحن مستهزءون.

والاستهزاء السخرية والاستخفاف، وأصله الخفة من الهزء وهو القتل السريع.

ثم إن الله  أجابهم بأشياء: أحدها قول الله "يستهزئ بهم" وهو استئناف في غاية الجزالة والفخامة، كأنه سئل ما مصير أمرهم وعقبى حالهم؟

فقيل: الله يستهزئ بهم.

وفي الالتفات من الحكاية إلى المظهر، أن الله عز وجل هو الذي يستهزئ بهم الاستهزاء الأبلغ الذي استهزاؤهم بالنسبة إلى ذلك كالعدم.

وفي تخصيص الله بالذكر مع قرينة أن المؤمنين هم الذين استهزئ بهم دلالة على أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله.

فإن قيل: الاستهزاء جهالة ﴿ قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين  ﴾ فما معنى استهزاء الله بهم؟

قلنا: معناه إنزال الهوان والحقارة بهم وهو المقصد الأقصى للمستهزئ، أو سمي جزاء الاستهزاء استهزاء مثل ﴿ فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم  ﴾ أو عاملهم الله معاملة المستهزئ في الدنيا لأنه كان يطلع الرسول على أسرارهم مع كونهم مبالغين في إخفائها، وفي الآخرة على ما روي عن ابن عباس: إذا دخل المؤمنون الجنة والكافرون النار، فتح الله من الجنة باباً على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحاً أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة - وأهل الجنة ينظرون إليهم - فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب فذلك قوله  { ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون  ﴾ فهذا هو الاستهزاء، وإنما لم يقل الله مستهزئ ليكون طبقاً لقوله "إنما نحن مستهزءُون" لأن المراد تجدد الاستهزاء بهم وقتاً بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم ونزول الآيات في شأنهم { ﴿ أو لايرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين  ﴾ ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون  ﴾ وثانيها قوله و"ويمدهم في طغيانهم" هو من مد الجيش أمده إذا زاده وألحق به ما يقوّيه، وكذلك مد الدواة والسراج زادهما ما يصلحهما.

وإنما قلنا: إنه من المدد لا من المد في العمر والإمهال لقراءة نافع في موضع آخر ﴿ وإخوانهم يمدونهم في الغي  ﴾ على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له مع اللام كأملى له قاله في الكشاف، وهو مخالف لنقل الجوهري مده في غيه أي أمهله.

والطغيان الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتوّ، ومعنى مدد الله  إياهم في الطغيان يعرف من تفسير ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ وقد يوجه بأنه لما منعهم ألطافه التي منحها المؤمنين بقيت قلوبهم يتزايد الرين والظلمة فيها تزايد الانشراح والنور في صدور المؤمنين، فسمي ذلك التزايد مدداً.

أو بأنه لم يقسرهم، أو بأنه أسند فعل الشيطان إلى الله  لأنه بتمكينه وإقداره، ولا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلف، لأنه انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب.

ومن هذا القبيل ما قيل: إن النكتة في إضافة الطغيان إليهم هي أن يعلم أن التمادي في الضلالة مما اقترفته أنفسهم، وأن الله بريء منه، فإن الانتهاء إلى الله  لما كان ضرورياً فكيف يتبرأ من ذلك؟

"ويعمهون" في موضع الحال.

والعمه كالعمى، إلا أن العمى في البصر وفي الرأي، والعمه في الرأي خاصة وهو التحير والتردد لا يدري أين يتوجه.

وثالثها: قوله ﴿ أولئك الذي اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ أي اختاروها عليه واستبدلوها به، وهذه استعارة لأن الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر قال أبو النجم: أخذت بالجمـة رأســـاً أزعرا *** وبالثنايا الواضحات الدردرا وبالطويل العمر عمراً جيدراً *** كما اشترى المــلم إذ تنصرا وعن وهب قال الله  فيما يعيب به بني إسرائيل: تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة.

جعلوا لتمكنهم من الهدى بحسب الفطرة الإنسانية الشخصية كأنه في أيديهم، فتركوه واستبدلوا به الضلالة وهي الجور عن القصد وفقد الاهتداء.

وفي المثل "ضل دريص نفقة" أي جحره، والدرص ولد الفأرة ونحوها، يضرب لمن يعيا بأمره.

فاستعيرت الضلالة للذهاب عن الصواب في الدين.

والربح الفضل على رأس المال، والتجارة مصدر وإنما أسند الخسران إليها وهو لصاحبها إسناداً مجازياً لملابسة التجارة بالمشترين.

وقد يقال: ربح عبدك وخسرت جاريتك مجازاً إذا دلت الحال.

ولما ذكر الله  شراء الضلالة بالهدى مجازاً أتبعه ما يشاكله ويواخيه من الربح والتجارة لتكون الاستعارة مرشحة كقوله: ولما رأيت النسر عز ابن دأية *** وعشش في وكريه جاش له صدري لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر.

"وما كانوا مهتدين" لطرق التجارة لأن مطلوب التاجر في متصرفاته شيئان: سلامة رأس المال والربح.

وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معاً، لأن رأس مالهم كان هو الهدى فلم يبق لهم مع الضلالة، والضلالة أمر عدمي فلا عوض ولا معوّض، فلا ربح ولا رأس المال.

وهكذا حال من يدعي الإرادة ولا يخرج من العادة ويريد الجمع بين مقاصد الدنيا ومصالح الدين، كالمنافق أراد الجمع بين عشرة الكفار وصحبة المسلمين، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل الليل من ههنا أدبر النهار من ههنا نعوذ بالله من الغواية، ونسأله أن يعصمنا من الضلالة بعد الهداية.

<div class="verse-tafsir"

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًۭا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍۢ لَّا يُبْصِرُونَ ١٧ صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ١٨ أَوْ كَصَيِّبٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَـٰتٌۭ وَرَعْدٌۭ وَبَرْقٌۭ يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ ١٩ يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٢٠

القراءات: "آذانهم" وبابه بالإمالة: نصير وأبو عمر.

"بالكافرين" وما أشبهها مما كان في محل الخفض بالإمالة: أبو عمر وقتيبة ونصير وأبو عمرو ويعقوب غير روح.

"شاء الله" حيث كان بالإمالة: حمزة وعلي وخلف وابن ذكوان.

الوقوف: "ناراً" (لا) لأن جواب "لما" منتظر لما فيها من معنى الشرط مع دخول فاء التعقيب فيها.

"لا يبصرون" (ه) "لا يرجعون" (ه) للعطف بأو وهو للتخيير، ومعنى التخيير لا يبقى مع الفصل.

ومن جعل "أو" بمعنى الواو جاز وقفه لعطفه الجملتين مع أنها رأس آية.

وقد اعترضت بينهما آية على تقدير ومثلهم كصيب.

"وبرق" (ج) لأن قوله "يجعلون" يحتمل أن يكون خبر المحذوف، أي هم يجعلون، أو حالاً عامله معنى التشبيه في الكاف، وذو الحال محذوف أي كأصحاب صيب.

"الموت" (ط) "بالكافرين" (ه) "أبصارهم" (ط) لأن كلما استئناف.

"فيه" (لا) لأن تمام المقصود بيان الحال المضاد للحال الأول "قاموا" (ط) و "أبصارهم" (ط) "قدير" (ه).

التفسير: لما جاء بحقيقة صفة المنافقين عقبها بضرب المثل تتميماً للبيان.

ولضرب الأمثال شأن ليس بالخفي في رفع الأستار عن الحقائق حتى يبرز المتخيل في معرض اليقين، والغائب كأنه شاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد.

ولأمر ما أكثر الله  في كتبه أمثاله ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس  ﴾ وفشت في كلام رسول الله  "مثل الدنيا مثل ظلك إن طلبته تباعد وإن تركته تتابع" "مثل الجليس الصالح كمثل الداري" وأمثال العرب أكثر من أن تحصى، حتى صنف فيها ككتب مشهورة.

والمثل في أصل كلامهم بمعنى المثيل وهو النظير، ثم قيل للقول السائر المشبه مضربه بمورده مثل.

ولا يخلو من غرابة، ومن ثم حوفظ عليه من التغيير.

وأما ههنا فاستعير المثل للحال أو الصفة أو القصة التي فيها غرابة ولها شأن، شبهت حالهم العجيبة الشأن من حيث إنهم أوتوا ضرباً من الهدى بحسب الفطرة، ولما نطقت به ألسنتهم من كلمة الإسلام فحقنوا دماءهم وأموالهم عاجلاً، ثم لم يتوصلوا بذلك إلى نعيم الأبد باستبطانهم الكفر فيؤول حالهم إلى أنواع الحسرات وأصناف العقوبات بحال الذي استوقد ناراً في توجه الطمع إلى تسني المطلوب بسبب مباشرة أسبابه القريبة مع تعقب الحرمان والخيبة لانقلاب الأسباب.

والمراد بالذي استوقد إما جمع كقوله ﴿ وخضتم كالذي خاضوا  ﴾ وحذف النون لاستطالته بصلته، أو قصد جنس المستوقدين، أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد ناراً، ولولا عود الضمير إلى الذي مجموعاً في قوله "بنورهم وتركهم" لم يحتج إلى التكلفات المذكورة، على أنه يمكن أن يشبه قصة جماعة بقصة شخص واحد نحو، ﴿ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار  ﴾ ووقود النار سطوعها وارتفاع لهبها، وأوقدتها أنا واستوقدتها أيضاً.

والنار جوهر لطيف مضيء حارّ محرق، والنور ضوءها وضوء كل نير واشتقاقها من نار ينور إذا نفر، لأن فيها حركة واضطراباً والإضاءة فرط الإنارة ﴿ جعل الشمس ضياء والقمر نوراً  ﴾ وهي في الآية متعدية، ويحتمل أن تكون غير متعدية، مسندة إلى ما حوله، والتأنيث للحمل على المعنى، لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء، أو يستتر في الفعل اللازم ضمير النار ويجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها على أن "ما" مزيدة أو موصولة في معنى الأمكنة، و "حوله" نصب على الظرف، وتأليفه للدوران والإطافة، والعام حول لأنه يدور.

وجواب "لما ذهب الله بنورهم" فالضمير يعود إلى الذي استوقد نظراً إلى المعنى، كما أن الضمير في "حوله" راجع إليه من حيث اللفظ.

وقيل: الأولى أن يقال: جوابه محذوف مثل ﴿ فلما ذهبوا به ﴾ لما فيه من الوجازة مع الإعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ من الذكر في أداء المعنى، كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله كان ما كان من حصولهم خابطين في ظلام متحيرين خائبين فيها بعد الكدح في إحياء النار.

ثم إن سائلاً كأنه يسأل: ما بالهم قد أشبهت حالهم حال هذا المستوقد؟

فقيل له: ذهب الله بنورهم أي بنور المنافقين، وعلى هذا يحتمل أن يكون الذي مفرداً، ويمكن أن يكون بدلاً من جملة التمثيل على سبيل البيان أي مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً، وكمثل الذي ذهب الله بنورهم.

ومعنى إسناد الفعل إلى الله أنه إذا أطفئت النار بسبب سماوي كريح أو مطر فقد أطفأها الله وذهب بنور المستوقد، أو يكون المستوقد مستوقد نار لا يرضاها الله.

ثم إما أن تكون ناراً مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام، وتلك النار، متقاصرة مدة اشتعالها وإضاءتها، فمنافعها الدنيوية قليلة البقاء، وللباطل صولة، ثم تضمحل، ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت.

ونار العرفج مثل لثروة كل طماح ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله  ﴾ وإما ناراً حقيقية أوقدها الغواة ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي ويهتدوا بها في طرق العيش فأطفأها الله وخيب أمانيهم.

وإنما لم يقل ذهب الله بضوئهم على سياق "فلما أضاءت" لأن ذكر النور أبلغ في الغرض وهو إزالة النور عنهم رأساً وطمسه أصلاً، فإن الضوء شدة النور وزيادته، وذهاب الأصل يوجب زوال الزيادة عليه دون العكس.

والفرق بين "أذهبه" و "ذهب به" أن معنى "أذهبه" أزاله وجعله ذاهباً، ويقال: ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه.

وذهب السلطان بماله أخذه وأمسكه.

وما يمسك الله فلا مرسل له، فهو أبلغ من الإذهاب، وترك بمعنى طرح وخلى إذا علق بواحد، وإذا علق بشيئين كان مضمناً معنى صير فيجري مجرى أفعال القلوب كقول عنترة: "فتركته جزر السباع ينشنه" *** ومنه قوله  ﴿ وتركهم في ظلمات ﴾ والظلمة عدم النور عما من شأنه أن يستنير، وقيل: عرض ينافي النور واشتقاقها من قولهم "ما ظلمك أن تفعل كذا" أي ما منعك وشغلك لأنها تسد البصر وتمنع الرؤية.

وفي جمع الظلمة وتنكيرها وإتباعها ما يدل على أنها ظلمة لا يتراءى فيها شبحان، وفي قوله "لا يبصرون" دلالة على أن الظلمة بلغت مبلغاً يبهت معها الواصفون.

وكذا في إسقاط مفعول "لا يبصرون" وجعله من قبيل المتروك المطرح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي كأن الفعل غير متعدٍ أصلاً.

ومحل "لا يبصرون" إما جر صفة لظلمات أي لا يبصرون فيها شيئاً، وإما نصب مفعولاً ثانياً، أو حالاً من هم مثل ﴿ ويذرهم في طغيانهم يعمهون  ﴾ أي حال كونهم ليسوا من أهل الأبصار.

عن سعيد بن جبير: نزلت في اليهود وانتظارهم لخروج النبي  واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلما خرج كفروا به.

وكان انتظارهم له كإيقاد النار، وكفرهم به بعد ظهوره كزوال ذلك النور ثم إنه كان من المعلوم من حالهم أنهم يسمعون وينطقون ويبصرون، لكنهم شبهوا بمن إيفت مشاعرهم فقيل لهم: صم بكم عمي، حيث سدوا عن الإصاغة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن تنطق به ألسنتهم، وأن ينظروا ويستبصروا بعيونهم.

وإنما قلنا: إن ما في الآية تشبيه لا استعارة مع أن المشبه مطوي ذكره كما هو حق الاستعارة، لأن ذلك في حكم المنطوق به وإلا بقي الخبر بلا مبتدأ.

ومعنى "لا يرجعون" لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها تسجيلاً عليهم بالطبع، أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين لا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وإلى حيث ابتدؤا منه كيف يرجعون.

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي *** متأخر عنه ولا متقدم ومثله حال مريد طريقة الذي له بداية ولازم خلوته وصحبته حتى شرقت له من صفات القلب شوارق الشوق، وبرقت له من أنوار الروح بوارق الذوق، فطرقته الهواجس وأزعجته الوساوس فيرجع القهقري إلى ما كان من حضيض عالم الطبيعة، فغابت شمسه وأظلمت نفسه وفضل عن يومه أمسه.

ثم إن الله  ضرب للمنافقين مثلاً آخر ليكون كشفاً لحالهم بعد كشف، وإيضاحاً غب إيضاح، لأن المقام مقام تفصيل وإشباع.

فيكون تقدير الكلام "مثل المنافقين كمثل المستوقدين أو كمثل ذوي صيب" على معنى أن قصة المنافقين مشبهة بهاتين القصتين فإنهما سواء في صحة التشبيه بهما، فأنت مخير في التشبيه بأيتهما شئت أو بهما جميعاً نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين.

والتمثيلان جميعاً من جملة التمثيلات المركبة دون المفردة، لا يتكلف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به، بل تراعى الكيفية المنتزعة من مجموع الكلام وهي أنهم في مقام الطمع في حصول المطالب.

ونجح المآرب لا يحظون إلا بضد المطموع فيه من مجرد مقاساة الأهوال وشدائد الأحوال، ولا يخفى أن التمثيل الثاني أبلغ لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته، ولذلك أخرج تدرجاً من الأهون إلى الأغلظ، وإنما قدرنا المضاف المحذوف حيث قلنا: أو كمثل ذوي صيب مع أنه لا يلزم في التشبيه المركب أن يلي حرف التشبيه مفرد يتأتى التشبيه به.

ألا ترى إلى قوله  ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا كماء  ﴾ كيف ولي الماء الكاف إذ التشبيه مركب، لأن الضمير في "يجعلون" لا بد له من راجع هذا هو التحقيق.

وقد يقال: شبه دين الإسلام بالصيب، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يحوم حوله من شبه الكفار بالظلمات وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيب الكفرة من الإفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق.

وعلى هذا يكون تقدير المضاف ضرورياً ليصبح تشبيه المنافقين بهم، ويكون المعنى "مثلهم كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة، فلقوا منها ما لقوا" ويكون ذكر المشبهات مطوياً على سنن الاستعارة.

والصيب المطر الذي يصوب أي ينزل ويقع.

ويقال للسحاب: صيب أيضاً.

وتنكير صيب للدلالة على أنه نوع من المطر شديد هائل كما نكرت النار في التمثيل الأول.

والسماء هذه المظلة، والفائدة في ذكره، والصيب لا يكون إلا من السماء، أنه جاء بالسماء معرفة فنفى أن يتصوب من سماء أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق، ولكنه غمام مطبق آخذ بآفاق السماء.

وكما جاء بصيب وفيه مبالغات من جهة التركيب من ص وب والبناء على "فيعل" والتنكير أمد ذلك بأن جعله مطبقاً، واعلم أنه إذا وقعت القوى الفلكية على العناصر بإذن الله  فحركتها وخالطتها، حصل من اختلاطها موجودات شتى.

فإذا هيج الفلك بإسخانه الحرارة بخر من الأجسام المائية، أو دخن من الأجسام الأرضية وأثار شيئاً بين البخار والدخان من الأجسام المائية والأرضية.

أما الدخان فإنه قد يتعدى صعوده حيز الهواء إلى أن يوافي تخوم النار فيشتعل، وربما سرى فيه الاشتعال فتراءى كأن كوكباً يقذف به، وربما لم يشتعل بل احترق وثبت فيه الاحتراق فرأيت العلامات الهائلة الحمرة والسواد.

وأما البخار الصاعد فمنه ما يلطف ويرتفع جداً فيتراكم وتكثر مدته في أقصى الهواء عند منقطع الشعاع، فيبرد فيكثف فيقطر فيكون المتكاثف منه سحاباً والقاطر مطراً.

ومنه ما يقصر لثقله عن الارتفاع بل يبرد سريعاً، فينزل كما يوافيه برد الليل قبل أن يتراكم سحاباً وهذا هو الطل، وربما جمد البخار المتراكم في الأعالي أعني السحاب، فنزل وكان ثلجاً، وربما جمد البخار الغير المتراكم في الأعالي أعني مادة الطل، فنزل وكان صقيعاً وهو ما يسقط بالليل من السماء شبيهاً بالثلج، وربما جمد البخار بعدما استحال قطرات ماء فكان برداً.

وإنما يكون جموده في الشتاء وقد فارق السحاب، وفي الربيع وهو داخل السحاب، وذلك إذا سخن خارجه فبطنت البرودة إلى داخله فتكاثف داخله واستحال ماء وأجمده شدة البرودة، وربما تكاثف الهواء نفسه لشدة البرد فاستحال سحاباً فاستحال مطراً.

وأما الجواهر البخارية والدخانية المركبة من مادتي الرطوبة واليبوسة، فمنها ما يتخلص من الأرض فتكون منها الرياح وإذا تصعدت فتميز البخار من الدخان انعقد البخار سحاباً فبرد فتغلغل فيه الدخان طلباً للنفوذ إلى العلو فحصل من تغلغله فيه ضرب من الرعد وهو صوت ريح عاصفة في سحاب كثيف، وربما امتد ذلك التغلغل لكثرة وصول المواد، ويكون أعالي السحاب أكثف لأن البرد هناك أشد، أو يكون هناك ريح مقاومة تعوقها عن النفوذ فيندفع إلى أسفل وقد أشعلته المحاكة والحركة ناراً تبرق فتشق السحاب شعلة كجمر يطفأ فيسمع من ذلك ضرب من الرعد.

وإن كان قوياً شديداً غليظ المادة كان صاعقة، وربما وجد مندفعاً فيه سهل الانشقاق فخرج بلا رعد واشتعال.

فهذا القدر من الحقائق في هذا المقام لا ضير في معرفتها بعد أن يعتقد انتهاء أسبابها إلى مدبر الكل  وتعالى .

ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: ارتفع "ظلمات" بالظرف على الاتفاق من سيبويه والأخفش لاعتماده على موصوف.

والصيب إن كان سحاباً فظلماته سمجته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل، وإن كان مطراً فظلماته تكاثفه وانتساجه بتتابع القطر وظلمة إظلال الغمام مع ظلمة الليل.

ثم إن كان الصيب سحاباً فكونه مكاناً للرعد والبرق ظاهر، وإن كان مطراً فكونهما متلبسين به في الجملة سوغ ذلك، وإنما لم يجمع الرعد والبرق كما قال البحتري: يا عارضاً متلفعاً ببروده *** يختال بين بروقه ورعوده وكما قيل ظلمات لأنهما في الأصل مصدران فروعي حكم الأصل، ويمكن أن يراد بهما الحدث كأنه قيل: وإرعاد وإبراق.

ونكرت هذه الأشياء لأن المراد أنواع منها كأنه قيل في ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف.

وجاز رجوع الضمير في "يجعلون" إلى أصحاب الصيب لأنه في حكم المذكور.

قال حسان: يسقون من ورد البريص عليهم *** بردى يصفق بالرحيق السلسل ذكر يصفق لأن المعنى ماء بردى وهي واد بدمشق.

والبريص نهر من أنهارها.

ويصفق أي يمزج والرحيق الخمر.

ولا محل لقوله "يجعلون" لكونه مستأنفاً كأنه قيل: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟

فقيل: يجعلون أصابعهم.

ثم سئل: فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق؟

فاجيب "يكاد البرق يخطف أبصارهم" وإنما لم يقل أناملهم مع أنها هي التي تجعل في الآذان لأن في ذكر الأصابع من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل، ولأن اسم الكل قد يطلق على البعض نحو ﴿ فاقطعوا أيديهما  ﴾ والمراد إلى الرسغ.

وليس بعض الأصابع - كالمسبحة مثلاً بجعلها في الأذن - أولى من بعض حتى يقال لم ذكر العام والمراد الخاص؟

وقوله "من الصواعق" أي من أجل الصواعق نحو: سقاه من الغيمة.

وقد تحصل مما ذكرنا أن الصاعقة قصفة رعد تنقض معها شقة من نار تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه، وهي نار لطيفة حديدة لا تمر بشيء إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود.

يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف، ثم طفئت.

ويقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكته.

فصعق أي مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق، وبناؤها إما أن يكون صفة لقصفة الرعد، أو للرعد والتاء للمبالغة كما في الرواية، أو مصدراً كالعافية والكاذبة.

"وحذر الموت" مفعول له كقوله: وأغفر عوراء الكريم ادخاره *** وأعرض عن شتم اللئيم تكرماً والموت فساد بنية الحيوان.

وقيل: عرض معاقب للحياة لا يصح معه إحساس.

وإحاطة الله بالكافرين مجاز أي لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة، والجملة معترضة لا محل لها.

"يكاد" من أفعال المقاربة.

كاد يفعل كذا يكاد كوداً ومكاداً ومكادة وضعت لمقاربة الشيء، فعل أو لم يفعل.

فمجرده ينبئ عن نفي الفعل، ومقرونه بالجحد ينبئ عن وقوع الفعل.

وخبر كاد فعل مضارع بغير "أن" وهو ههنا "يخطف" والبرق اسمه والخطف الأخذ بسرعة، "كلما أضاء لهم" استئناف ثالث كأنه قيل: كيف يصنعون في حالتي خفوق البرق وفتوره؟

وأضاء إما متعد بمعنى كلما نور لهم ممشى ومسلكاً أخذوه والمفعول محذوف، وإما غير متعد بمعنى كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره.

والمشي جنس الحركة المخصوصة وفوقها السعي وفوقه العدو.

"وأظلم" إما لازم وهو الظاهر، وإما متعد منقول من ظلم الليل أي أظلم البرق الطريق عليهم بأن فتر عن لمعانه، ومعنى "قاموا" وقفوا وثبتوا في مكانهم من قام الماء جمد.

وإنما قيل مع الإضاءة "كلما" ومع الإظلام "إذا" لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي وتأتيه، وكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها فخطوا خطوات يسيرة، وليس كذلك التوقف والتحبس، ولو شاء الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم، وفي الضوء البرق فأعماهم.

ومفعول "شاء" محذوف، لأن الجواب يدل عليه.

والمعنى ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها، وهذا الحذف في "شاء" و "أراد" كثير لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كقوله: فلو شئت أن أبكي دماً لبكيته *** عليه ولكن ساحة الصبر أوسع وقال عز من قائل ﴿ لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه  ﴾ وكلمة "لو" تفيدانتفاء الثاني لانتفاء الأول.

وقد تجيء للمبالغة كقوله "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" والمراد أن عدم العصيان ثابت على كل حال لأنه على تقدير عدم الخوف ثابت، فعلى تقدير الخوف أولى.

والشيء أعم العام كما أن الله أخص الخاص، يجري على الجوهر والعرض والقديم والحادث بل على المعدوم والمحال.

وهذا العام مخصوص بدليل العقل، فمن الأشياء ما لا تعلق به للقادر كالمستحيل والواجب وجوده لذاته، وأما الممكن فإبقاؤه على العدم وكذا إيجاده وإبقاؤه على وجوده، لأن جميع ذلك بقدرة القادر فلا يستغنى آناً من الآنات ولحظة من اللحظات عن تأثير القادر فيه.

وقدرة كل قادر على مقدار قوته واستطاعته، ونقضيها العجز.

فلا قادر بالحق إلا هو  وتعالى .

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٢١ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًۭا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءًۭ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٢

القراءات: "خلقكم" مدغماً: أبو عمرو وكذلك كل ما كان قبلها متحرك.

وازاد عباس كل ما كان قبلها ساكن مثل ﴿ ما خلقكم ﴾ ﴿ وصديقكم ﴾ و ﴿ بورقكم ﴾ و ﴿ ميثاقكم ﴾ وأشباه ذلك.

قال ابن مجاهد: يدغمها بإظهار صوت القاف.

وقال غيره - وهو ابن مهران - لا يظهر ذلك وكل صواب.

الوقوف: "تتقون" (ه) لأن "الذي" صفة الرب  .

"بناء" (ص) لعطف الجملتين المتفقتين "لكم" (ج) لانقطاع النظم مع فاء التعيب.

"تعلمون" (ه).

التفسير: لما قدم الله  أحكام فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين وذكر صفاتهم ومجاري أمورهم عاجلاً وآجلاً، أقبل عليهم بالخطاب وهو من جملة الالتفات الذي يورث الكلام رونقاً وبهاء ويزيد السامع هزة ونشاطاً.

ومن لطائف المقام أنه  كأنه يقول: جعلت الرسول واسطة بيني وبينك أولاً، والآن أزيد في إكرامك وتقريبك فأخاطبك من غير واسطة، ليحصل لك مع التنبيه على الأدلة شرف المخاطبة والمكالمة.

وفيه إشعار بأن العبد مهما اشتغل بالعبودية زاد قرباً وحضوراً.

وأيضاً الآيات المتقدمة حكايات أحوالهم وهذه أمر وتكليف وفيه كلفة ومشقة، فلا بد من راحة وهي أن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين ويخاطبهم بذاته، فيستطاب التكليف بالتكليم حينئذ ويستلذ هذا.

وقد صح الإسناد عن علقمة أن كل شيء نزل فيه "يا أيها الناس" فهو مكي و "يا أيها الذين آمنوا" فهو مدني فقوله ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم ﴾ خطاب لمشركي مكة بحسب هذا النقل، وإن كان من الجائز أن يخاطب المؤمنون باسم جنسهم ويؤمروا بالاستمرار على العبادة والازدياد منها.

"ويا" حرف وضع لأجل التخفيف مقام أنادي الإنشائية لا الإخبارية.

وههنا نكتة وهي أن أقوى المراتب الاسم، وأضعفها الحرف، فظن قوم أنه لا يأتلف الاسم بالحرف، فكذا أقوى الموجودات هو الحق  وأضعفها البشر ﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً  ﴾ فقالت الملائكة: ما للتراب ورب الأرباب ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء  ﴾ فقيل لهم: قد يأتلف الاسم مع الحرف في حال النداء، فكذا البشر يصلح لحضرة الرب حال التضرع والدعاء ﴿ ادعوني أستجب لكم  ﴾ ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب  ﴾ ﴿ فاذكروني أذكركم  ﴾ و "يا" وضع في أصله لنداء ما ليس بقريب حقيقة أو تقديراً لكونه ساهياً أو غافلاً أو نائماً، أو لتبعيد المنادي نفسه عن ساحة عزة المنادى هضماً واستقصاراً كقول الداعي في جؤاره: يا رب يا الله.

مع أنه أقرب إليه من حبل الوريد، ليتحقق الإجابة بمقتضى قوله "أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي" وقد ينادي القريب.

(3) المقاطن في غير هذه الصورة بيا ويكون المراد به أن الخطاب الذي يتلوه معنيّ به جداً نحو ﴿ يا أيها الذين آمنوا  ﴾ ﴿ يا عبادي  ﴾ ﴿ يا أيها النبي  ﴾ لأن ما يعقبها أمور عظام وخطوب جسام من الأوامر والنواهي والعظات، عليهم أن يتيقظوا لها ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها.

وأي وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام، وهو اسم مبهم يوصف باسم جنس ليصح المقصود بالنداء مع ضرب من التأكيد المستفاد من الإبهام ثم التوضيح.

وفي حرف التنبيه المقحم فائدتان: معاضدة حرف النداء بتأكيد معناه ووقوعها عوضاً مما يستحقه أي من الإضافة.

ثم إن قلنا: إن الخطاب عام لجميع المكلفين لأن الجمع المعرف باللام يفيد العموم بدليل صحة تأكيده "بكل" و "أجمعون" في مثل قوله ﴿ فسجد الملائكة كلهم أجمعون  ﴾ ، بدليل صحة الاستثناء، فالأقرب أنه لا يتناول إلا الموجودين في ذلك العصر، وإنما يتناول الذين سيوجدون بدليل منفصل هو ما عرف بالتواتر من دين محمد  ، أن حكم الموجودين في عصره حكم من سيوجد إلى قيام الساعة.

وإن قلنا: إن الخطاب لمشركي مكة فيدخل سائر الناس بالتبعية على قياس ما قلنا.

والمراد من قوله "اعبدوا" صححوا نسبة العبادة، وذلك بأن يعرف نفسه بالإمكان ليعرف ربه بالوجوب، ويعرف نفسه بالمملوكية ليعرف ربه بالمالكية، ويعرف نفسه بالمقهورية والمقدورية ليعرف ربه بالقاهرية والقادرية، ويعرف نفسه بالمأمورية والذلة ليعرف ربه بالآمرية والعزة، فلا يتجاوز حده ولا يعكس هذه القضايا فلا يرى لنفسه تصرفاً بوجه من الوجوه ولا قدرة بنوع من الأنواع، وإنما يكون عبداً ذليلاً ماثلاً بين يدي مولاه، طائعاً له بكل ما يأمره وينهاه، لأنه إذا تصور كونه عبداً فلا بد أن يطلب لنفسه سيداً، وإذا وجد السيد فلا محالة يوطن نفسه لطاعته وانقياده، ولا يرى مخالفته في شيء أصلاً ﴿ إذا قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين  ﴾ وإلا لم تصح نسبة عبوديته.

عن الأصمعي أنه أتى بغلام ليشتريه فقال له: ما اسمك؟

قال: ما تسميني قال: أي شيء تأكل؟

قال: ما تطعمني.

قال: ما تشرب؟

قال: ما تسقيني قال: تريد أن أشتريك؟

قال: العبد لا يكون له إرادة والأمر بالعبادة بهذا المعنى يشمل الكافر والمؤمن وكل من فيه أهلية الخطاب، ويندرج فيه المبادي والنهايات والأصول والفروع.

ثم إنه  لما علم القصور البشري وضعف قواهم الفطرية والفكرية أرشدهم إليه ونبههم عليه بقوله ﴿ ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ﴾ واعلم أن الطريق إلى معرفة الواجب  وتعالى بعد ما قلنا من الرجوع إلى النفس والتنبه لسمة العبودية، إما الإمكان أو الحدوث أو مجموعهما، وكل منهما في الجواهر أو في الأعراض أما الاستدلال بإمكان الذوات فإليه الإشارة بقوله  { ﴿ والله الغني وأنتم الفقراء  ﴾ ﴿ وأن إلى ربك المنتهى  ﴾ وأما الاستدلال بإمكان الصفات فإليه الإشارة بقوله ﴿ خلق الله السموات والأرض  ﴾ ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً ﴾ وبحدوث الأجسام قول إبراهيم  ﴿ لا أحب الآفلين  ﴾ وبحدوث الأعراض دلائل الأنفس ودلائل الآفاق، فإن كل أحد يعلم بالضرورة أنه كان معدوماً قبل ذلك، والموجود بعد العدم له موجد وليس هو نفسه ولا الأبوان ولا سائر الناس لعجز الكل، ولا طبائع الفصول والأفلاك الآفلات في أفق الإمكان فهو شيء غير متسم بسمة الحدوث والنقصان، وهذا الطريق هو أقرب الطرق إلى الأفهام، فلهذا أورده الله  في فاتحة كتابه لينتفع به الخاص والعام مع أن فيه تذكيراً لنعمه السابقة وعطيته السابغة عليهم وعلى آبائهم، وتذكير النعم مما يوجب المحبة والميل إلى الإنصاف وترك الجدال.

وأما قوله "لعلكم تتقون" ففيه بحثان: الأول: كلمة "لعل" للترجي أو الإشفاق ولا يحصلان إلا عند الجهل بالعاقبة وهو على الله محال والجواب أن الترجي راجع إلى العباد لا إلى الله  كقوله ﴿ لعله يتذكر أو يخشى ﴾ أي اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما في إيمانه، ثم الله عالم بما يؤول إليه أمره.

وأيضاً فمن ديدن الملوك أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم لإنجازها على أن يقولوا "عسى" و "لعل"، وحينئذ لا يبقى لطالب ما عندهم شك في الفوز والنجاح بالمطلوب، أو جاء على طريق الأطماع دون التحقيق لئلا يتكل العباد مثل ﴿ توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيآتكم  ﴾ وقع "لعل" موقع المجاز لا الحقيقة لأن الله عز وجل خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف، وركب فيهم العقول والشهوات وأزاح العلة في إقدارهم وتمكينهم، وهداهم النجدين وأراد منهم الخير والتقوى، فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا لترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال المترجي بين أن يفعل وبين أن لا يفعل، ونظيره ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً  ﴾ وهذا الجواب مبني على أن قوله "لعلكم" متعلق "بخلفكم" مثل ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ لا بـ "اعبدوا" وقيل: "لعل" بمعنى "كي" ووجه بأنها للأطماع والكريم الرحيم إذا أطمع فعل، فجرى إطماعه مجرى وعده المحتوم فلهذا قيل: إنها بمعنى "كي" قال القفال: في "لعل" معنى التكرير والتأكيد إذ اللام للإبتداء نحو "لقد"، ولقولهم علك أن تفعل كذا و "عل" يفيد التكرير ومنه العلل بعد النهل.

فقول القائل "افعل كذا لعلك تظفر بحاجتك" معناه افعله فإن فعلك له يؤكد طلبك له ويقويك عليه.

(البحث الثاني): إذا كانت العبادة تقوى فقوله "لعلكم تتقون" جار مجرى قوله: اعبدوا ربكم لعلكم تعبدون واتقوا ربكم لعلكم تتقون.

والجواب المنع من اتحاد مفهوميهما وخصوصاً على ما فسرنا إذ المعنى يعود إلى قولنا صححوا نسبة العبودية لتتصفوا بصفة التقوى وهي الاجتناب عن المعاصي فقط، أو هو مع الإتيان بالأوامر، وأما قوله: ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض فراشاً ﴾ الآية.

فنقول: فيه لفظ "الذي" مع صلته، إما أن يكون في محل النصب بدلاً من "الذي خلقكم" أو على المدح والتعظيم، وإما أن يكون رفعاً على المدح أيضاً أي "هو الذي"، وكلمة "الذي" موضوعة للإشارة إلى مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة.

فقوله "جعل لكم الأرض فراشاً" قضية معلومة فأدخل عليها "الذي" كي ينتبهوا للجاعل ويعترفوا به.

والحاصل أنه  عدد في هذا المقام عليهم خمسة دلائل: اثنين من الأنفس وهما خلقهم وخلق أصولهم، وثلاثة من الآفاق جعل الأرض فراشاً والسماء بناء والأمور الحاصلة من مجموعهما وهي إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات بسببه، وسبب هذا الترتيب ظاهر لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، ثم ما منه منشؤه وأصله، ثم الأرض التي هي مكانه ومستقره، يقعدون عليها وينامون ويتقلبون كما يتقلب أحدهم على فراشه، ثم السماء التي هي كالقبة المضروبة والخيمة المبنيّة على هذا القرار، ثم ما يحصل من شبه الازدواج بين المقلة والمظلة من إنزال الماء عليها والإخراج به من بطنها أشباه النسل من الحيوان من ألوان الغذاء وأنواع الثمار رزقاً لبني آدم.

وأيضاً خلق المكلفين أحياء قادرين، أصل لجميع النعم.

وأما خلق الأرض والسماء فذاك إنما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة، وذكر الأصول مقدم على ذكر الفروع.

وأيضاً كل ما في السماء والأرض من الدلائل على وجود الصانع فهو حاصل في الإنسان بزيادة الحياة والقدرة والشهوة والعقل، ولما كانت وجوه الدلالة فيه أتم كان تقديمه في الذكر أهم.

(وههنا مسائل): الأولى في منافع الأرض: الفراش اسم لما يفرش كالمهاد لما يمهد والبساط لما يبسط، وليس من ضرورات الافتراش أن يكون سطحها مستوياً كالفراش على ما ظن، فسواء كانت كذلك أو على شكل الكرة فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع لعظم جرمها وتباعد أطرافها.

ولكنه لا يتم الافتراش عليها ما لم تكن ساكنة في حيزها الطبيعي وهو وسط الأفلاك، لأن الثقال بالطبع تميل إلى تحت كما أن الخفاف بالطبع تميل إلى فوق، والفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء، والتحت ما يلي المركز، فكما أنه يستبعد صعود الأرض فيما يلينا إلى جهة السماء، فليستبعد هبوطها في مقابلة ذلك، لأن ذلك الهبوط صعود أيضاً إلى السماء، فإذن لا حاجة في سكون الأرض وقرارها في حيزها إلى علاقة من فوقها، ولا إلى دعامة من تحتها، بل يكفي في ذلك ما أعطاها خالقها وركز فيها من الميل الطبيعي إلى الوسط الحقيقي بقدرته واختياره ﴿ إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا  ﴾ ومما منَّ الله  به على عباده في خلق الأرض أنها لم تجعل في غاية الصلابة كالحجر، ولا في غاية اللين والانغمار كالماء، ليسهل النوم والمشي عليها، وأمكنت الزراعة واتخاذ الأبنية منها ويتأتى حفر الآبار وإجراء الأنهار.

ومنها أنها لم تخلق في نهاية اللطافة والشفيف لتستقر الأنوار عليها وتسخن منها فيمكن جوارها.

ومنها أن جعلت بارزة بعضها من الماء مع أن طبعها الغوص فيه لتصلح لتعيش الحيوانات البرية عليها، وسبب انكشاف ما برز منها وهو قريب من ربعها أنها لم تخلق صحيحة الاستدارة بل خلقت هي والماء بحيث إذا انجذب الماء بطبعه إلى المواضع الغائرة والمنخفضة منها بقي شيء منها مكشوفاً، وصار مجموع الأرض والماء بمنزلة كرة واحدة يدل على ذلك فيما بين الخافقين.

تقدم طلوع الكواكب وغروبها للمشرقين على طلوعها وغروبها للمغربين، وفيما بين الشمال والجنوب ازدياد ارتفاع القطب الظاهر وانحطاط الخفي للواغلين في الشمال، وبالعكس للواغلين في الجنوب، وتركب الاختلافين لمن يسير على سمت بين السمتين إلى غير ذلك من الأعراض الخاصة بالاستدارة يستوي في ذلك راكب البر وراكب البحر.

ونتوء الجبال وإن شمخت لا يخرجها عن أصل الاستدارة لأنها بمنزلة الخشونة القادحة في ملاسة الكرة لا في استدارتها.

ومنها الأشياء المتولدة فيها من المعادن والنبات والحيوان والآثار العلوية والسفلية، ولا يعلم تفاصيلها إلا موجدها.

ومنها أن يتخمر الرطب به فيحصل التماسك في أبدان المركبات.

ومنها اختلاف بقاعها في الرخاوة والصلابة والدماثة والوعورة بحسب اختلاف الأعراض والحاجات ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات  ﴾ ومنها اختلاف ألوانها ﴿ ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود  ﴾ ومنها انصداعها بالنبات ﴿ والأرض ذات الصدع  ﴾ ومنها جذبها للماء المنزل من السماء ﴿ وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض ﴾ \[المؤمنون: 18\] ومنها العيون والأنهار العظام التي فيها ﴿ والأرض مددناها  ﴾ ومنها أن لها طبع الكرم والسماحة تأخذ واحدة وترد سبعمائة ﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة  ﴾ ومنها حياتها وموتها ﴿ وآية لهم الأرض الميتة أحييناها  ﴾ ومنها الدواب المختلفة ﴿ وبث فيها من كل دابة  ﴾ ومنها النباتات المتنوعة ﴿ وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج  ﴾ فاختلاف ألوانها دلالة، واختلاف طعومها دلالة، واختلاف روائحها دلالة، فمنها قوت البشر، ومنها قوت البهائم ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم  ﴾ ومنها الطعام، ومنها الإدام، ومنها الدواء، ومنها الفواكه، ومنها كسوة البشر نباتية كالقطن والكتان، وحيوانية كالشعر والصوف والإبريسم والجلود.

ومنها الأحجار المختلفة بعضها للزينة وبعضها للأبنية، فانظر إلى الحجر الذي يستخرج منه النار مع كثرته، وانظر إلى الياقوت الأحمر مع عزته، وانظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير وقلة النفع بهذا الخطير.

ومنها ما أودع الله  فيها من المعادن الشريفة كالذهب والفضة، ثم تأمل أن البشر استنبطوا الحرف الدقيقة والصنائع الجليلة واستخرجوا السمك من قعر البحر، واستنزلوا الطير من أوج الهواء، لكن عجزوا عن اتخاذ الذهب والفضة.

والسبب فيه أن معظم فائدتهما ترجع إلى الثمنية، وهذه الفائدة لا تحصل إلا عند العزة والقدرة على اتخاذهما تبطل هذه الحكمة فلذلك ضرب الله دونهما باباً مسدوداً، ومن ههنا اشتهر في الألسنة "من طلب المال بالكيمياء أفلس".

ومنها ما يوجد على الجبال والأراضي من الأشجار الصالحة للبناء والسقف ثم الحطب، وما أشد الحاجة إليه في الخبز والطبخ.

ولعل ما تركنا من المنافع أكثر مما عددنا، فإذا تأمل العاقل في هذه الغرائب والعجائب اعترف بمدبر حكيم ومقدر عليم إن كان ممن يسمع ويعي ويبصر ويعتبر.

الثانية في منافع السماء: البناء مصدر سمي به المبني بيتاً كان أو قبة أو خباء، وأبنية العرب أخبيتهم، ومنه بنى على امرأته لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديداً.

ثم إن الله  زين السماء الدنيا بالمصابيح ﴿ ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح  ﴾ وبالقمر ﴿ وجعل القمر فيهن نوراً  ﴾ وبالشمس ﴿ وجعل الشمس سراجاً  ﴾ وبالعرش ﴿ رب العرش العظيم  ﴾ وبالكرسي ﴿ وسع كرسيه السموات والأرض  ﴾ وباللوح ﴿ في لوح محفوظ  ﴾ وبالقلم ﴿ ن والقلم  ﴾ وسماها سقفاً محفوظاً وسبعاً طباقاً وسبعاً شداداً.

وذكر أن خلقها مشتمل على حكم بليغة وغايات صحيحة ﴿ ربنا ما خلقت هذا باطلاً  ﴾ ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا  ﴾ وجعلها مصعد الأعمال ومهبط الأنوار وقبلة الدعاء ومحل الضياء والصفاء، وجعل لونها أنفع الألوان وهو المستنير، وشكلها أفضل الأشكال وهو المستدير، ونجومها رجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وقيض للشمس طلوعاً يسهل معه التقلب لقضاء الأوطار في الأطراف، وغروباً يصلح معه الهدوء والقرار في الأكنان لتحصيل الراحة وانبعاث القوة الهاضمة وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء، وأيضاً لولا الطلوع لانجمدت المياه وغلبت البرودة والكثافة وأفضت إلى خمود الحرارة الغريزية وانكسار سورتها، ولولا الغروب لحميت الأرض حتى يحترق كل من عليها من حيوان ونبات، فهي بمنزلة سراج يوضع لأهل بيت بمقدار حاجتهم ثم يرفع عنهم ليستقروا ويستريحوا.

فصار النور والظلمة على تضادّهما متظاهرين على ما فيه صلاح قطان الأرض، وههنا نكتة، كأن الله  يقول: لو وقفت الشمس في جانب من السماء فالغني قد يرفع بناءه على كوة الفقير الجار فلا يصل النور إلى الفقير، لكني أدير الفلك وأسيرها حتى يجد الفقير نصيبه كما وجد الغني نصيبه.

أما ارتفاع الشمس وانحطاطها فقد جعله الله سبباً لإقامة الفصول الأربعة.

ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منه مواد الثمار، ويلطف الهواء ويكثر السحاب والمطر وتقوى أبدان الحيوانات بسبب احتقان الحرارة الغريزية في البواطن.

وفي الربيع تتحرك الطباع وتظهر المواد المتولدة في الشتاء، وينوّر الشجر ويهيج الحيوان للفساد.

وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار وتتحلل فضول الأبدان ويجف وجه الأرض ويتهيأ للعمارة والزراعة.

وفي الخريف يظهر البرد واليبس فتدرك الثمار وتستعد الأبدان قليلاً قليلاً للشتاء.

وأما القمر فهو تلو الشمس وخليفتها وبه يعلم عدد السنين والحساب ويضبط المواقيت الشرعية، ومنه تحصيل النماء والرواء، وقد جعل الله  في طلوعه مصلحة وفي غيبته مصلحة.

يحكى أن أعرابياً نام عن جمله ليلاً ففقده، فلما طلع القمر وجده فنظر إلى القمر فقال: إن الله صوّرك ونوّرك وعلى البروج دوّرك، فإذا شاء نورك وإذا شاء كوّرك، فلا أعلم مزيداً أساله لك، ولئن أهديت إليّ سروراً لقد أهدى الله إليك نوراً ثم أنشأ يقول: ماذا أقــول وقولـي فيـك ذو قصـر *** وقد كفيتني التفصيل والجملا إن قلت لا زلت مرفوعاً فأنت كذا *** أو قلت زانك ربي فهو قد فعلا وقد كان في العرب من يذم القمر ويقول: القمر يدرك الهارب، ويهتك العاشق، ويبلي الكتان، ويهرم الشاب، وينسي ذكر الأحباب، ويقرب الدين، ويدني الحين.

وكيفية ارتباط القمر وسائر الكواكب بالشمس وكمية حركتها وبيان اختلافات أوضاعها وعلل كل منها، فن برأسه لا يحتمل إيراده ههنا.

قال الجاحظ: إذا تأملت في هذا العالم وجدته كالبيت المعدّ فيه كل ما يحتاج إليه.

فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والإنسان كمالك البيت المتصرف فيه، وضروب النبات مهيآت لمنافعه، وصنوف الحيوان متصرفة في مصالحه، فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل وتقدير شامل وحكمة بالغة وقدرة غير متناهية.

الثالثة في أن السماء أفضل أم الأرض: قال بعضهم: السماء أفضل لأنها متعبد الملائكة وما فيها بقعة عصي الله فيها، ولما أتى آدم  بتلك المعصية أهبط من الجنة وقال الله  : لا يسكن في جواري من عصاني.

وقال  : ﴿ وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً  ﴾ وقال: ﴿ تبارك الذي جعل في السماء بروجا  ﴾ وورد في الأكثر ذكر السماء مقدماً على ذكر الأرض.

والسماويات مؤثرة والأرضيات متأثرة، والمؤثر أشرف من المتأثر.

وقال آخرون: بل الأرض أفضل لأنه  وصف بقاعاً من الأرض بالبركة ﴿ إن أوّل بيت وضع للناس الذي ببكة مباركاً  ﴾ ﴿ في البقعة المباركة  ﴾ ﴿ إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله  ﴾ ﴿ مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها  ﴾ يعني أرض الشام.

ووصف جملة الأرض بالبركة ﴿ وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام  ﴾ فإن قيل: وأيّ بركة في المفاوز المهلكة؟

قلنا: إنها مساكن الوحوش ومرعاها، ومساكن الناس إذا احتاجوا إليها، ومساكن خلق لا يعلمهم إلا الله  ، فلهذه البركات قال  : ﴿ وفي الأرض آيات للموقنين  ﴾ تشريفاً لهم لأنهم هم المنتفعون بها كما قال: ﴿ هدى للمتقين ﴾ وخلق الأنبياء من الأرض ﴿ منها خلقناكم  ﴾ وأودعهم فيها ﴿ وفيها نعيدكم  ﴾ وأكرم نبيه المصطفى فجعل الأرض كلها له مسجداً وطهوراً.

ولما خلق الله الأرض وكانت كالصدفة والدرة المودعة فيها آدم  وأولاده، ثم علم الله أصناف حاجاتهم قال: يا آدم لا أحوجك إلى شيء غير هذه الأرض التي هي لك كالأم فقال: ﴿ أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقاً  ﴾ ﴿ وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم  ﴾ ياعبدي إن أعز الأشياء عندك الذهب والفضة، ولو أني خلقت الأرض منهما هل كان يحصل منها هذه المنافع؟

ثم إني جعلت هذه الأشياء في الدنيا مع أنها سجن لك، فكيف الحال في الجنة؟

فالحاصل أن الأرض أمك بل أشفق من الأم، لأن الأم تسقيك نوعاً واحداً من اللبن، والأرض تطعمك ألواناً من الأطعمة.

ثم قال: ﴿ منها خلقناكم وفيها نعيدكم  ﴾ معناه نردكم إلى هذه الأم وهذا ليس بوعيد، لأن المرء لا يتوعد بأمه وذلك لأن مقامك من الأم التي ولدتك أضيق من مقامك من الأرض، ثم إنك كنت في بطن الأم الصغرى تسعة أشهر فما مسك جوع ولا عطش، فكيف إذا دخلت بطن الأم الكبرى؟

ولكن الشرط أن تدخل بطن الأم الكبرى كما كنت في بطن الأم الصغرى، ما كانت لك زلة فضلاً من أن يكون لك كبيرة، بل كنت مطيعاً لله، فحيث دعاك مرة بالخروج إلى الدنيا خرجت إليها بالرأس طاعة منك لربك، واليوم يدعوك سبعين مرة إلى الصلاة فلا تجيبه برجلك.

الرابعة: معنى إخراج الثمرات بالماء وإنما خرجت بقدرة الله ومشيئته أنه جعل الماء سبباً في خروجها ومادة لها كالنطفة في خلق الولد وهو قادر على إنشاء الأشياء بلا أسباب ومواد كما أنشأ نفوس الأسباب والمواد، ولكن له في هذا التدريج والتسبب حكماً يتبصر بها من يستبصر، ويتفطن بها من يعتبر و "من" في "من الثمرات" للتبعيض.

كما أنه قصد بتنكير "ماء" و "رزقاً" معنى البعضية لأنه مفرد في سياق الإثبات، فكأنه قيل: وأنزلنا من السماء بعض الماء فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم وهذا معنى صحيح، لأنه لم ينزل من السماء الماء كله، ولا أخرج بالمطر جميع الثمرات، ولا جعل الرزق كله في الثمرات فيكون كل الثمرات بعض الرزق فضلاً عن بعضها.

ويجوز أن تكون للبيان كقولك "أنفقت من الدراهم ألفاً".

ثم إن كانت "من" للتبعيض كان انتصاب "رزقا" بأنه مفعول له، وإن كانت للبيان كان مفعولاً لا "خرج" و "لكم" صفة جارية على الرزق إن أريد به العين، وإن جعل مصدراً فهو مفعول به، كأنه قيل: رزقاً إياكم.

وإنما قيل: "الثمرات" على لفظ القلة وإن كان الثمر المخرج بماء السماء جماً كثيراً لأنه قصد بالثمرات جماعة الثمرة التي في قولك "فلان أدركت ثمرة بستانه" تريد ثماره كقولهم للقصيدة "كلمة" وللقرية "مدرة"، أو لأن القلة وضعت موضع الكثرة نحو ﴿ ثلاثة قروء  ﴾ أو تنبيهاً على قلة ثمار الدنيا في جنب ثمار الآخرة.

الخامسة: قوله "فلا تجعلوا" إما أن يتعلق بالأمر أي اعبدوا ربكم فلا تجعلوا له أنداداً، لأن أصل العبادة وأساسها التوحيد، وأن لا يجعل لله ند ولا شريك، أو بـ "لعل" فتنصب "تجعلوا" بعده مثل ﴿ لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع  ﴾ في رواية حفص عن عاصم.

أو "بالذي جعل لكم" إذا رفعته على الابتداء، أي هو الذي نصب لكم هذه الأدلة القاطعة والآيات الناطقة بالوحدانية فلا تتخذوا له  شركاء.

والند المثل، ولا يقال إلا للمثل المخالف المنادّ من ناددت الرجل خالفته ونافرته، وندّ ندوداً إذا نفر.

ومعنى قول الموحد "ليس لله ند ولا ضد" نفي ما يسد مسده ونفي ما ينافيه.

وقوله "وأنتم تعلمون" بترك المفعول معناه وأنتم من أهل العلم والمعرفة بدقائق الأمور وغوامض الأحوال.

وهكذا كانت العرب خصوصاً قطان الحرم من قريش وكنانة، لا يشق غبارهم في الدهاء والفطنة.

والتوبيخ فيه آكد أي أنتم العرافون المميزون، ثم ما أنتم عليه في أمر ديانتكم من جعل الأصنام لله أنداداً هو غاية الجهل ونهاية سخافة العقل.

ويجوز أن يقدر: وأنتم تعلمون أنه لا يماثل، أو وأنتم تعلمون ما بينه وبينها من التفاوت، وأنتم تعلمون أنها لا تفعل مثل أفعاله كقوله ﴿ هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء  ﴾ واعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله شريكاً يساويه في الوجوب والعلم والقدرة والحكمة، ولكن الثنوية يثبتون إلهين: حكيم يفعل الخير، وسفيه يفعل الشر.

أما اتخاذ معبود سوى الله ففي الذاهبين إليه كثرة: الفريق الأول: عبدة الكواكب وهم الصابئة فإنهم يقولون: إن الله  خلق هذه الكواكب وهي المدبرات في هذا العلم، فيجب علينا أن نعبد الكواكب والكواكب تعبد الله  .

والفريق الثاني: عبدة المسيح  .

والفريق الثالث: عبدة الأوثان.

فنقول: لا دين أقدم من دين عبدة الأوثان لأن أقدم الأنبياء الذين نقل إلينا تاريخهم هو نوح  ، وهو إنما جاء بالرد عليهم ﴿ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسراً  ﴾ ودينهم باقٍ إلى الآن.

والدين الذي هذا شأنه يستحيل أن يعرف فساده بالضرورة، ولكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السماء والأرض علم ضروري، فيمتنع إطباق الجمع العظيم عليه، فوجب أن يكون لهم غرض آخر سوى ذلك.

و العلماء ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: ما ذكره أبو معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي أن كثيراً من أهل الصين والهند كانوا يقولون بالله وملائكته، ويعتقدون أنه جسم ذو صورة كأحسن ما يكون من الصور وكذا الملائكة، وأنهم كلهم قد احتجبوا عنا بالسماء، وأن الواجب عليهم أن يصوغوا تماثيل أنيقة المنظر على الهيئة التي كانوا يعتقدونها من صور الإله والملائكة فيعكفون على عبادتها قاصدين به طلب الزلفى إلى الله  وملائكته، فعلى هذا السبب في عبادة الأوثان هو اعتقاد الشبه.

وثانيها: ما ذكره أكثر العلماء، وهو أن الناس لما رأوا تغيرات أحوال هذا العالم مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب، واعتقدوا ارتباط السعادة والنحوسة في الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس، بالغوا في تعظيمها.

فمنهم من اعتقد أنها واجبة الوجود لذواتها وهي التي خلقت هذه العوالم، ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة لله الأكبر لكنها خالقة لهذا العالم، وأنها الوسائط بين الله والبشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها.

ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار، اتخذوا لها أصناماً وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادة تلك الأجرام العالية، ومتقربين إلى أشباحها الغائبة.

ولما طالت المدة تركوا ذكر الكواكب وتجردوا لعبادة تلك التماثيل، فهؤلاء بالحقيقة عبدة الكواكب.

وثالثها: أن أصحاب الأحكام كانوا يرتقبون أوقاتاً في السنين المتطاولة نحو الألف والألفين، ويزعمون أن من اتخذ طلسماً في ذلك الوقت على وجه خاص فإنه ينتفع به في أحوال مخصوصة نحو السعادة والخصب ودفع الآفات، وكانوا إذا اتخذوا ذلك الطلسم عظموه لاعتقادهم أنهم ينتفعون به، فلما بالغوا في ذلك التعظيم صار ذلك كالعبادة، ثم نسوا مبدأ الأمر بتطاول المدة واشتغلوا بعبادتها.

ورابعها: أنه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون فيه أنه مستجاب الدعوة ومقبول الشفاعة عند الله  ، اتخذوا صنماً على صورته وعبدوها على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعاً لهم يوم القيامة عند الله  ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله  ﴾ وخامسها: لعلهم اتخذوها قبلة لصلاتهم وطاعاتهم ويسجدون إليها لا لها كما أنا نسجد إلى القبلة لا للقبلة، ولما استمرت هذه الحالة ظن جهال القوم أنه يجب عبادتها.

وسادسها: لعلهم كانوا من المجسمة فاعتقدوا جواز حلول الرب فيها فعبدوها على هذا التأويل.

فهذه هي الوجوه التي يمكن حمل مذهبهم عليها حتى لا يصير بحيث يعلم بطلانه بالضرورة.

فإن قيل: لما رجع حاصل مذاهب عبدة الأوثان إلى الوجوه التي ذكرت، فما وجه المنع عنها؟

قلنا: لما تقربوا إليها وعظموها وسموها آلهة أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله قادرة على مخالفته ومضادته، فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم، وكما تهكم بهم بلفظ الند، شنع عليهم واستفظع شأنهم بأن جعلوا أنداداً كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ند قط، ولا يفيد في طريق عبادته إلا الحنيفية والإخلاص ورفع الوسائط من البين.

واعلم أن اليونانيين كانوا قبل خروج الإسكندر عمدوا إلى بناء هياكل لهم معروفة بأسماء القوى الروحانية والأجرام النيرة، واتخذوها معبودة لهم على حدة.

وقد كان هيكل العلة الأولى وهي عندهم الأمر الإلهي، وهيكل العقل الصريح، وهيكل السياسة المطلقة، وهيكل النفس والصور مدورات كلها، وكان هيكل زحل مسدساً، وهيكل المشتري مثلثاً، وهيكل المريخ مستطيلاً، وهيكل الشمس مربعاً، وهيكل الزهرة مثلثاً في جوفه مربع، وهيكل عطارد مثلثاً في جوفه مستطيل، وهيكل القمر مثمناً.

وزعم أصحاب التاريخ أن عمرو بن لحيّ لما ساد قومه وترأس على طبقاتهم وولي أمر البيت الحرام، اتفقت له سفرة إلى البلقاء فرأى قوماً يعبدون الأصنام فسألهم عنها فقالوا: هذه أوثان نستنصر بها فننصر، ونستسقي بها فنسقي، فالتمس منهم أن يأتوا بواحد منها فأعطوه الصنم المعروف بهبل، فصار به إلى مكة ووضعه في الكعبة، ودعا الناس إلى تعظيمه، وذلك في أول ملك سابور ذي الأكتاف.

ومن بيوت الأصنام المشهورة (غمدان) الذي بناه الضحاك على اسم الزهرة بمدينة صنعاء وخربه عثمان بن عفان.

ومنها (نوبهار) الذي بناه منوجهير الملك على اسم القمر.

ثم كان لقبائل العرب أوثان معروفة مثل (ود) بدومة الجندل لكلب، و (سواع) لبني هذيل، و (يغوث) لمذحج، و (يعوق) لهمدان، و (نسر) بأرض حمير لذي الكلاع، و (اللات) بالطائف لثقيف، و (منات) بيثرب للخزرج، و (العزى) لكنانة بنواحي مكة، و (أساف) و (نائلة) على الصفا والمروة.

وكان قصي جد رسول الله  ينهاهم عن عبادتها ويدعوهم إلى عبادة الله  وتعالى، وكذلك زيد بن عمرو بن نفيل حين فارق قومه وهو الذي يقول: أربــــاً واحـــداً أم ألــف رب *** أدين إذا تقسمت الأمور تركت اللات والعزى جميعاً *** كذلك يفعل الرجل البصير <div class="verse-tafsir"

وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٢٣ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ ٢٤

القراءات: ما يتعلق بها من ضم ميم الجمع ومن إمالة الناس يعرف مما مر.

الوقوف: "من مثله" (ص) "صادقين" "والحجارة" (ج) على تقدير هي أعدت للكافرين، والوصل أجود لأن قوله "أعدت" بدل الجملة الأولى في كونها صلة للتي "للكافرين" (ه).

التفسير: لما نبه بالآيتين السابقتين على طريق الاعتراف بوجود الصانع ووحدانيته، أعقبهما بما يدل على صحة نبوة محمد  وحقية ما نزل عليه  .

وقد ذكر في كون القرآن معجزاً طريقان: الأول: أنه إما أن يكون مساوياً لكلام سائر الفصحاء أو زائداً عليه بما لا ينقض العادة أو بما ينقضها.

والأولان باطلان لأنهم - وهم زعماء وملوك الكلام - تحدّوا بسورة منه مجتمعين أو منفردين ثم لم يأتوا بها مع أنهم كانوا متهالكين في إبطال أمره حتى بذلوا النفوس والأموال، وارتكبوا المخاوف والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة إلى حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل؟

فتعين القسم الثالث.

الطريق الثاني: أن يقال: إن بلغت السورة المتحدى بها في الفصاحة إلى حد الإعجاز فقد حصل المقصود وإلا فامتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجز، فعلى التقديرين يحصل الإعجاز.

فإن قيل: وما يدريك أنه لن يعارض في مستأنف الزمان وإن لم يعارض إلى الآن؟

قلت: لأنه لا احتياج إلى المعارضة أشد مما في وقت التحدي، وإلا لزم تقرير المبطل المشبه للحق.

وحيث لم تقع المعارضة وقتئذ علم أن لا معارضة، وإلى هذا أشار  بقوله "ولن تفعلوا" كما يجيء.

واعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة فمدرك الإعجاز هو الذوق.

ومن فسر الإعجاز بأنه صرف الله تعالى البشر عن معارضته، أو بأنه هو كون أسلوبه مخالفاً لأساليب الكلام، أو بأنه هو كونه مبرأ عن التناقض، أو بكونه مشتملاً على الأخبار بالغيوب وبما ينخرط في سلك هذه الآراء، فقد كذب ابن أخت خالته.

فإنا نقطع أن الاستغراب من سماع القرآن إنما هو من أسلوبه، ونظمه المؤثر في القلوب تأثيراً لا يمكن إنكاره لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لا من صرف الله  البشر عن الإتيان بمثله، كما لو قال أحد: معجزتي أن أضع الساعة يدي على رأسي ويتعذر ذلك عليكم.

وكان كما قال، جاء الاستغراب من التعذر لا من نفس الفعل.

وأيضاً تسمية كل أسلوب غريب معجزاً باطل، وكذا تسمية كل كلام مبرإ عن التناقض أو مشتملاً على الغيب ككلام الكهان ونحوهم.

فإن قيل: كيف نعتقد إعجاز القرآن بحيث يعجز عنه الثقلان فقط والزائد غير معلوم الحال، أو بحيث يعجز عنه المخلوقات بأسرها؟

قلنا: لا ريب أن الحق هو القسم الثاني، إلا أن التحدي لم يقع إلا بالقدر الأول وبه يثبت صحة النبوة.

لكن النبي صادق وقد أخبر بأنه كلام الله  ، ونحن نعلم أن كلام صفته وصفته يجب أن تكون في غاية الكمال ونهاية الجلال.

فالقرآن إذاً في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة.

والبلاغة هي بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حداً له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها، وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها، وهي فينا كأنها هيئة اجتماعية حاصلة من معرفة قوانين علمي المعاني والبيان.

والفصاحة إما معنوية وهي خلوص الكلام عن التعقيد، والتعقيد أن يعثر صاحبه فكرك في متصرفه ويشيك طريقك إلى المعنى ويوعر مذهبك نحوه، حتى يقسم فكرك ويشعب ظنك فلا تدري من أين تتوصل وبأي طريق معناه يتحصل.

وإما لفظية وهي أن تكون الكلمة عربية أصلية، وعلامة ذلك أن تكون على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدرب، واستعمالهم لها أكثر، وأن تكون أجرى على قوانين اللغة العربية، وأن تكون سليمة عن التنافر، عذبة على العذبات، سلسة على الأسلات.

والحاكم في ذلك هو الذوق السليم والطبع المستقيم، فقلما ينجع هنالك إلا ذلك.

ثم إنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان الفصاحة، ومع ذلك فإنه بلغ في الفصاحة النهاية التي لا غاية وراءها، فدل ذلك على كونه معجزاً.

منها أن فصاحة العرب أكثرها في وصف المشاهدات كبعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة، وليس في القرآن من هذه الأشياء مقدار كثير.

ومنها أنه  راعى طريق الصدق وتبرأ عن الكذب، وقد قيل: أحسن الشعر أكذبه.

ولهذا كان لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما وتركا سلوك سبيل الكذب والتخيل ترك شعرهما.

ومنها أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في بيت أو في بيتين من قصيدة، والقرآن كله فصيح ككل جزء منه.

ومنها أن الشاعر الفصيح إذا كرر كلامه لم يكن الثاني في الفصاحة بمنزلة الأول، وكل مكرر في القرآن فهو في نهاية الفصاحة وغاية الملاحة.

أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره *** هو المسك ما كررته يتضوّع ومنها أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم المنكرات والحث على مكارم الأخلاق والزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، ولا يخفى ضيق عطن البلاغة في هذه المواد.

ومنها أنهم قالوا: إن شعر امرئ القيس يحسن في النساء وصفة الخيل، وشعر النابغة عند الخوف، وشعر الأعشى عند الطرب ووصف الخمر، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء والقرآن جاء فصيحاً في كل فن من فنون الكلام.

فانظر في الترغيب إلى قوله: ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرّة أعين  ﴾ وفي الترهيب ﴿ وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد يتجرّعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت  ﴾ وفي الزجر ﴿ فكلاًّ أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا  ﴾ وفي الوعظ ﴿ أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون  ﴾ وفي الإلهيات ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال  ﴾ .

ومنها أن القرآن أصل العلوم كلها كعلم الكلام وعلم أصول الفقه وعلم الفقه واللغة والنحو والصرف والنجوم والمعاني والبيان وعلم الأحوال وعلم الأخلاق وما شئت، ومن يطيق وصف القرآن وبلاغته فإنه كما أن الإتيان بأقصر سورة منه فوق حد البشر فوصفه كما هو فوق طاقة البشر.

"فدع عنك بحرا ضل فيه السوابح" *** وإنما قيل: "وإن كنتم" دون إذ كنتم لما عرفت في تفسير ﴿ لا ريب فيه ﴾ .

وإنما اختير "نزلنا" على لفظ التنزيل دون الإنزال، لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم وهو من مجازه لمكان التحدي، وذلك أنهم كانوا يقولون: لو أنزله الله لأنزله جملة واحدة { ﴿ وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة  ﴾ أي على خلاف ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقاً شيئاً فشيئاً وحيناً فحيناً حسب ما يعنّ لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة، فقيل لهم: إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهلموا نجماً من نجومه أصغر سورة وهي الكوثر، ومعنى السورة مذكور في المقدمة الرابعة.

وإنما قيل: "على عبدنا" دون أن يقال على محمد كقوله ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد  ﴾ تشريفاً له  وإعلاماً بأنه  ممن صحح نسبة العبودية المأمور بها في قوله  : ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ﴾ وإضافة العبد إلى الضمير أيضاً تؤيد ذلك كقوله تعالى: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان  ﴾ .

وفيه أن السعادة كل السعادة في نسبة العبدية، فهي التي توصل إلى العندية ﴿ في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدر  ﴾ "وأنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي" وكمال العندية في كمال الحرية عما سوى الله.

وأما فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً، فمن ذلك أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع واشتملت الأنواع على الأصناف، كان إفراز كل من صاحبه أحسن، ولهذا وضع المصنفون كتبهم على الأبواب والفصول ونحوها.

ومنها أن القارئ إذا ختم سورة أو باباً من الكتاب ثم أخذ في آخر، كان أنشط له كالمسافر إذا قطع ميلاً أو طوى فرسخاً، ومن ثم جزأوا القرآن أسباعاً وأجزاء وعشوراً وأخماساً، ومنها أن الحافظ إذا حفظ السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيحل في نفسه، ومنه حديث أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا.

ولهذا كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل.

و "من مثله" متعلق بمحذوف أي بسورة كائنة من مثله، والضمير لما نزلنا أو لعبدنا.

ويجوز أن يتعلق بقوله "فأتوا" والضمير للعبد معناه، فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب والنظم الأنيق، أو فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشراً عربياً أو أمياً لم يقرأ الكتب ولم يقصد إلى مثل ونظير معين، ولكنه كقول من قال للحجاج وقد توعده بقوله "لأحملنك على الأدهم مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب" أراد من كان على صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد، ولم يقصد أحداً يجعله مثل الحجاج.

وردّ الضمير على المنزل أوجه وعليه المحققون.

ويروى عن عمر وابن مسعود وابن عباس والحسن، ولأن ذلك يطابق الآيات الأخر ﴿ فأتو بسورة مثله  ﴾ ﴿ فأتوا بعشر سور مثله  ﴾ ، ولأن البحث إنما وقع في المنزل لا في المنزل عليه، إذ المعنى وإن ارتبتم أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم شيئاً مما يماثله.

ولو كان الضمير مردوداً إلى الرسول اقتضى الترتيب أن يقال: وإن ارتبتم في أن محمداً  منزل عليه، فأتوا بسورة ممن يماثله.

وأيضاً لو كان عائداً إلى القرآن اقتضى أن يكونوا عاجزين عن الإتيان بمثله، مجتمعين أو متفرقين، أميين أو قارئين.

ولو عاد إلى النبي  اقتضى أن يكون الشخص الواحد الأمي الذي هو مثله عاجزاً، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى، ولا سيما فإنه يلزم من الوجه الثاني تقرير نقص للنبي  ، وإيهام أنّ الإتيان بالقرآن ممن يكون قارئاً ممكن.

وأيضاً الأول هو الملائم لقوله "وادعوا شهداءكم" إذ لو كان المراد فليأت واحد آخر أمي بنحو ما أتى به هذا الواحد، لم يحتج أن يستظهر بالشهداء وهي جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادات.

والمراد بها إما آلهتهم كأنه قيل: إن كان الأمر كما تقولون من أنها تستحق العبادة لما أنها تنفع وتضر فقد دفعتم في منازعة محمد إلى فاقة شديدة فتعجلوا الاستعانة بها، وإلا فاعلموا أنكم مبطلون فيكون في الكلام محاجة من جهتين: من جهة إبطال كونها آلهة، ومن جهة إبطال ما أنكروه من إعجاز القرآن.

وإما أكابرهم ورؤساؤهم أي ادعوهم ليعينوكم على المعارضة، أو ليحكموا لكم وعليكم.

ومعنى "دون" أدنى مكان من الشيء، ومنه الشيء الدون وهو الحقير، ودوّن الكتب إذا جمعها بتقليل المسافة بينها.

ويقال هذا دون ذلك إذا كان أحط منه قليلاً، ودونك هذا أي خذه من دونك أي من أدنى مكان منك، فاختصر واستعير للتفاوت في الأحوال والرتب.

وقيل: زيد دون عمرو في الشرف والعلم، ومنه قول من قال لعدوّه وقد كان يثني عليه رياء: أنا دون هذا وفوق ما في نفسك.

واتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وتخطى حكم إلى حكم.

قال الله  : ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين  ﴾ أي لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين.

و "من دون الله" متعلق بـ "شهداءكم" أو بـ "ادعوا" وعلى الأول يحتمل ثلاثة معان: ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق، أو ادعوا الذين زعمتم أنهم يشهدون لكم بين يدي الله من قول الأعشى: تريك القذى من دونها وهي دونه *** أي تريك القذى قدام الزجاجة والحال أن الخمر قدام القذى لرقتها وصفائها، وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد الذي لا ينطق في معارضة القرآن المعجز بفصاحته غاية التهكم بهم، أو ادعوا شهداءكم من دون الله أي من دون أوليائه ومن غير المؤمنين ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله، وهذا من المساهلة وإرخاء العنان والإشعار بأن شهداءهم - وهم فرسان البلاغة - تأبى بهم الطباع وتجمح بهم الإنسانية والأنفة أن يرضوا لأنفسهم الشهادة بصحة الفاسد.

وعلى الثاني يحتمل معنيين: ادعوا من دون الله شهداءكم يعني لا تستشهدوا بالله ولا تقولوا الله يشهد أن ما ندعيه حق كما يقول العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه، وادعوا الشهداء من الناس الذين شهادتهم ظاهرة تصحح بها الدعاوى عند الحكام، وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم وانخزالهم، وأن الحجة قد بهرتهم ولم تبق لهم متشبثاً غير قولهم "الله يشهد إنا لصادقون".

سئل بعض العرب عن نسبه فقال: قرشي والحمد لله، فقيل له: قولك: "الحمد لله" في هذا المقام ريبة.

أو المراد بالشهداء، الله  ، وكل من له أهلية الحضور من الجن والإنس.

فكأنه قيل لهم ادعوا غير الله من الجن والإنس من أردتم كقوله ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن  ﴾ الآية وإنما استثنى الله لأنه القادر وحده على أن يأتي بمثله دون كل شاهد.

واعلم أن التحقيق في التحدي هو أن النبي يقول: إني مخصوص من الله تعالى بمزيد الكرامة والنور، وجعلني واسطة بينكم وبين هدايتكم فاتبعون أهدكم سبيل الخير والرشاد، وإن كنتم في ريب مما أقول، فانظروا إلى هذا الذي أقدر عليه بإظهار الله تعالى إياه على يدي وأنتم لا تقدرون عليه لعدم إقداره، لتعرفوا أني خصصت بمزيد فضل من عنده وأني صادق فيما أقول، فإن أنصفوا من أنفسهم بمشيئة الله  ونور هدايته اتبعوه واهتدوا، وإلا بقوا في الضلالة خائبين.

وكل هذا من عالم الأسباب التي ربط الله  بها الوقائع والحوادث حسب ما أراد، ولا يلزم من هذا أن يكون للعبد قدرة مستقلة يقع التحدي عليها، بل الله يهدي من يشاء وكل بقدر.

وقوله "إن كنتم صادقين" قيد لقوله "فأتوا" ولقوله "وادعوا" المعطوف عليه.

ويجوز أن يكون قيداً لقوله "وادعوا" لأن قوله "فأتوا" مقيد بقوله و "إن كنتم" وجواب الشرط الثاني محذوف لدلالة ما قبله وهو مثله عليه التقدير: وإن كنتم في ريب فأتوا، وإن كنتم صادقين في أن أصنامكم تعينكم، أو في أن القرآن غير معجز، فادعوا شهداءكم.

وإنما قلنا: الجواب محذوف، لأن الجزاء لا يتقدم على الشرط، فإن للشرط صدر الكلام كالاستفهام، ولهذا لم يلزم الفاء في قولك "أنت مكرم إن جئتني" وإنما تقدم ما يدل عليه ومثله في القرآن كثير فاعتبره في كل موضع.

وأما قوله ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ﴾ الآية.

فأقول أولاً: إنها تدل على إعجاز القرآن وصحة نبوة محمد  من وجوه: أحدها: أنا نعلم بالتواتر أن العرب كانوا يعادونه  أشد المعاداة، ويتهالكون في إبطال أمره وفراق الأوطان والعشيرة وبذل النفوس والمهج منهم من أقوى ما يدل على ذلك.

فإذا انضاف إليه مثل هذا التقريع وهو قوله ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ﴾ فلو أمكنهم الإتيان بمثله لأتوا به، وحيث لم يأتوا به ظهر كونه معجزاً.

وثانيها: أنه  إن كان متهماً عندهم فيما يتعلق بالنبوة، فقد كان معلوم الحال في وفور العقل.

فلو خاف  عاقبة أمره لتهمة فيه  - حاشاه عن ذلك - لم يبالغ في التحدي إلى هذه الغاية.

وثالثها: أنه  لو لم يكن قاطعاً بنبوته لكان يجوز خلافه، وبتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه، فالمبطل المزوّر لا يقطع في الكلام قطعاً، وحيث جزم دل على صدقه.

ورابعها: أن قوله "ولن تفعلوا" وفي "لن"، تأكيد بليغ في نفي المستقبل إلى يوم الدين، إخبار بالغيب.

وقد وقع كما قال  ، لأن أحداً لو عارضه  لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه عادة، لا سيما والطاعنون فيه  أكثف عدداً من الذابين عنه  .

وإذا لم تقع المعارضة إلى الآن غلب على الظن، بل حصل الجزم أنها لا تقع أبداً لاستقرار الإسلام وقلة شوكة الطاعنين.

وإنما جيء بـ "إن" الذي للشك دون "إذا" الذي للوجوب والقطع، مع أن انتفاء إتيانهم بالسورة واجب بناء على حسبانهم وطمعهم، فإنهم كانوا بعد غير جازمين بالعجز عن المعارضة لاتكالهم على بلاغتهم.

وأيضاً فيه تهكم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاويه: إن غلبتك لم أبق عليك.

وإنما اختير قوله ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ﴾ على قوله ﴿ فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله ﴾ ، طلباً للوجازة، فإن الإتيان فعل من الأفعال، وحذف مفعول فعل كثير دون مفعول أتى فهو جار مجرى الكناية التي تعطيك اختصاراً يغنيك عن طول المكنى عنه، كما لو قلت: أتيت فلاناً وأعطيته درهماً.

فيقال لك: نعم ما فعلت.

وقوله "ولن تفعلوا" جملة معترضة لا محل لها.

وليس الواو للحال وإنما هو للاستئناف.

والمعترضة تجيء بالواو وبدون الواو، وقد اجتمعتا في قوله: ﴿ وإنه لقسم لو تعلمون عظيم  ﴾ وإنما لم يقل فإن لم تفعلوا فاتركوا العناد كما هو الظاهر، لأن اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد، فوضع موضعه من حيث إنه من نتائجه، لأن من اتقى النار ترك المعاندة، ونظيره قول الملك لجيشه: إن أردتم الكرامة عندي فاحذروا سخطي.

يريد فاتبعون وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط، فهو من باب الكناية.

وفائدته الإيجاز الذي هو من حلية القرآن، وتهويل شأن العناد بأنه الموجب للنار، ولهذا شنع بتفظيع أمرها.

والوقود ما ترفع به النار، وأما المصدر فمضموم وقد جاء فيه الفتح.

فإن قلت: صلة "الذي" و "التي" يجب أن تكون قصة معلومة للمخاطب، فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟

قلنا: لا يمتنع أن يتقدم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب، أو سمعوه من رسول الله، أو يكون إشارة إلى ما نزلت بمكة قبل نزول هذه بالمدينة وذلك في سورة التحريم ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة  ﴾ ولهذا عرّفت ههنا مشاراً بها إلى ما عرفوه ثمة أوّلاً، والمعنى: اتقوا ناراً ممتازة عن غيرها من النيران بأنها لا تتقّد إلا بالناس والحجارة، أو بأنها توقد بنفس ما يراد إحراقه وإحماؤه، أو بأنها لإفراط حرها إذا اتصلت بما لا يشتعل به نار اشتعلت وارتفع لهبها.

ولعل لكفار الجن وشياطينهم ناراً وقودها الشياطين جزاء لكل جنس بما يشاكله من العذاب.

والحجارة قيل: هي حجارة الكبريت.

وقيل: هي ما نحتوها أصناماً ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ لأنهم لما اعتقدوا فيها أنها شفعاؤهم عند الله، وأنهم ينتفعون بها ويدفعون المضارّ عن أنفسهم، جعلها الله عذابهم إبلاغاً في إيلامهم وتوريثاً لنقيض مطلوبهم، ونحوه ما يفعله بالذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، أي يمنعون حقوقها حيث ﴿ يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم  ﴾ والتاء في الحجارة لتأكيد التأنيث في الجماعة نحو: صقورة.

وقد يدور في الخلد من هذه الآية، ومن قوله ﴿ ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة ﴾ } [البقرة: 74] ومن قوله ﴿ نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة  ﴾ أن المراد بالحجارة هي الأفئدة أي وقودها الناس وقلوبهم.

وتخصيص القلب بالذكر لأنه أشرف الأعضاء وأولى بالإحراق إن كان مقصراً في درك ما خلق الإنسان لأجله.

ومعنى أعدت هيئت وجعلت عدّة لعذابهم، وإنما فقد العاطف لأنها بدل من الصلة أو استئناف، كأنه قيل لمن أعدّت هذه النار؟

فقيل أعدت للكافرين.

<div class="verse-tafsir"

وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا۟ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍۢ رِّزْقًۭا ۙ قَالُوا۟ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَـٰبِهًۭا ۖ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٢٥

الوقوف: "الأنهار" (ط) "رزقاً" (لا) لأن "قالوا" جواب "كلما".

"متشابهاً" (ط) "مطهرة" (ج) "خالدون" (ه).

التفسير: إنه  لما ذكر دلائل التوحيد والنبوة وانجر الكلام إلى ذكر عقاب الكافرين، شفع ذلك بذكر ثواب المؤمنين جرياً على سننه المعهود من ذكر الترغيب مع الترهيب، وضم البشارة إلى الإنذار والجمع بين الوعد والوعيد والجنة والنار.

وهل هما الآن مخلوقتان أم لا؟

ظاهر الآية من نحو قوله ﴿ أعدت للمتقين ﴾ ﴿ أعدت للكافرين ﴾ والأحاديث كقوله  في حديث صلاة الخسوف "إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقوداً ورأيت النار فلم أر كاليوم منظراً قط يدل على وجودهما" وكذا سكنى آدم وحواء الجنة، وقد جمع الله في الآية جوامع اللذات من المسكن وهو الجنات، ومن المطعم وهو الثمرات، ومن المنكح وهو الأزواج المطهرات، ثم زال عنهم نقص الزوال بقوله ﴿ وهم فيها خالدون ﴾ إتماماً للنعمة والحبور وتكميلاً للبهجة والسرور.

والبشارة الإخبار بما يظهر سرور المخبر به، ولهذا قال العلماء: إذا قال لعبيده: أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حر فبشروه فرادى، عتق أوّلهم لأنه هو الذي أظهر سروره بخبره ولو قال: مكان بشرني أخبرني عتقوا جميعاً لأنهم جميعاً أخبروه.

ومنه البشرة لظاهر الجلد، وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه.

فأما قوله ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ فمن باب التهكم والاستهزاء، فإن قيل: علام عطف هذا الأمر ولم يسبق أمر ولا نهي يصح عطفه عليه؟

قلنا: ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي، إنما المتعمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين على جملة وصف عقاب الكافرين، كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والإرهاق، وبشر عمراً بالعفو والإطلاق، ولك أن تقول معطوف على ﴿ فاتقوا ﴾ كقولك: يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم، وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم.

وقال بعض المحققين: إنه معطوف على قل مقدراً قبل ﴿ يا أيها الناس ﴾ فإن تقدير القول في القرآن مع وجود القرينة غير عزيز كقوله  ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا ﴾ أي يقولان: ربنا.

ثم المأمور في قوله ﴿ وبشر ﴾ إما الرسول، وإما كل من له استئهال أن يبشر.

والصالحة نحو الحسنة في جريها مجرى الاسم.

قال الحطيئة: كيف الهجاء وما تنفك صالحة *** من آل لأم بظهر الغيب تأتيني واللام للجنس.

والمراد بالصالحات جملة الأعمال الصحيحة المستقيمة في الدين على حسب حال المؤمن في مواجب التكليف.

واستدل بهذه الآية من قال: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان، وإلا لزم التكرار، ولمن زعم أن الإيمان هو المجموع أن يقول عطف بعض الأجزاء على الكل جائز لغرض من الأغراض كقوله  ﴿ وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل  ﴾ ثم ههنا مذاهب: منهم من قال: إن العبد لا يستحق على الطاعة ثواباً ولا على المعصية عقاباً استحقاقاً عقلياً واجباً وهو قول أهل السنة ولا يرد عليه إشكال.

ومنهم من زعم أنه يستحق الثواب بالإيمان والعمل الصالح بشرط أن لا يحبطهما المكلف بالكفر والإقدام على الكبائر، وبالندم على ما أوجده من فعل الطاعة وترك المعصية بدليل قوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ .

وإنما طوي ذكر هذا الشرط في الآية للعلم به فإنه قد ركز في العقول أن الإحسان إنما يستحق فاعله عليه المثوبة والثناء إذا لم يتعقبه بما يفسده ويذهب بحسنه، وهذا قول المعتزلة ومن يجري مجراهم.

ومنهم من أحال القول بالإحباط، لأن من آمن وعمل صالحاً استحق الثواب الدائم فلو فرض إحباط بكفره لاستحق العقاب الدائم والجميع بينهما محال، ولا يخفى ضعف هذا المذهب، فإن الأمور بخواتيمها قال  : "إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار" وإنما الأعمال بالخواتيم.

والجنة البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه والتركيب دائر على معنى الستر كأنها فعلة من جنة إذا ستره.

وسميت دار الثواب كلها جنة فيها من الجنان على حسب استحقاقات العاملين لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان، فلهذا نكرت.

والنهر: المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر.

يقال لبردى نهر دمشق، وللنيل نهر مصر.

واللغة العالية الغالبة النهر بفتح الهاء ومدار التركيب على السعة.

وإسناد الجري إلى الأنهار من الإسناد المجازي، لأن الجاري هو الماء وكذا من تحتها أي من تحت أشجارها.

وأنزه البساتين وأكرمها منظراً ما كانت أشجارها مظللة والأنهار في خلالها مطردة، ولولاها كانت كتماثيل لا أرواح فيها، وصور لا حياة لها.

وإنما عرفت الأنهار لأن المراد بها الجنس كما تقول لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب وألوان الفواكه تشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب، أو يراد بها أنهارها فعوض التعريف باللام من تعريف الإضافة مثل ﴿ واشتعل الرأس شيباً  ﴾ أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله ﴿ فيها أنهار من ماء غير آسن  ﴾ الآية.

و ﴿ كلما رزقوا ﴾ إما صفة ثانية لجنات، أو خبر مبتدأ محذوف أي هم كلما رزقوا، أو جملة مستأنفة لأنه لما قيل إن لهم جنات لم يخل خلد السامع أن يقع فيه أثمار تلك الجنات أشباه ثمار جنات الدنيا أم أجناس أخر لا تشابه هذه الأجناس، فقيل: إن ثمارها أشباه ثمار جنات الدنيا أي أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا الله.

و "من" في ﴿ منها ﴾ وفي ﴿ من ثمرة ﴾ لابتداء الغاية كما لو قلت: رزقني فلان فيقال: من أين؟

فتقول: من بستانه.

فيقال: من أي ثمرة؟

فتقول: من الرمان.

فالرزق قد ابتدئ من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدئ من ثمرة وليس المراد بالثمرة التفاحة الواحدة والرمانة الفذة على هذا التفسير، وإنما المراد النوع من أنواع الثمار، ووجه اخر وهو أن يكون ﴿ من ثمرة ﴾ بياناً على منهاج قولك "رأيت منك أسداً" تريد أنت أسد.

وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمار والجناة الواحدة، لأن التفاحة الواحدة مثلاً يصدق عليها أنها رزق، كما أن نوع التفاح يصدق عليه ذلك، بخلاف ابتداء الرزق من الجنات فإن ذلك إنما يكون بنوع التفاح أولاً، وبالذات وبشخصه ثانياً، وبالعرص لأن التشخص أمر زائد على حقيقة الشيء فاعلم.

وانتصاب ﴿ رزقاً ﴾ على أنه مفعول ثانٍ ﴿ رزقوا ﴾ ومعنى ﴿ هذا الذي ﴾ أي هذا مثل الذي رزقنا من قبل نحو "أبو يوسف أبو حنيفة" لأن ذات الذي رزقوه في الجنة لا تكون هي ذات الذي رزقوه في الدنيا.

والضمير في قوله ﴿ وأتوا به ﴾ يرجع إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعاً، لأن قوله ﴿ هذا الذي رزقنا من قبل ﴾ انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين.

والغرض في تشابه ثمر الدنيا وثمر الآخرة أن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل، ولأنه إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد، ورأى فيه مزية ظاهرة أفرط ابتهاجه وطال استعجابه وتبين كنه النعمة فيه.

فإذا أبصروا الرمانة والنبقة في الدنيا وحجمها، ثم أبصروا رمانة الجنة تشبع السكن، والنبقة كقلال هجر، كما يرون الشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعه، كان ذلك أبين للفضل وأزيد في التعجب من أن يفاجؤا ذلك الرمان وذلك النبق من غير عهد سابق بجنسهما.

وترديدهم هذا القول ونطقهم به عند كل ثمرة يرزقونها، دليل على تناهي الأمر في ظهور المزية وكمال الاستغراب في كل أوان.

عن مسروق: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وأنهارها تجري في غير أخدود، والعنقود اثنا عشر ذراعاً.

ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ أتوا به ﴾ إلى الرزق، كما أن هذا إشارة إليه.

ويكون المعنى: إن ما يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانساً في نفسه، إما لتساوي ثوابهم في كل الأوقات في القدر والدرجة حتى لا يزيد ولا ينقص، وإما لأن الإنسان إذا التذ بشيء وأعجب به لا تتعلق نفسه إلا بمثله فإذا جاءوه بما يشبه الأول من كل الوجوه كان ذلك نهاية اللذة.

وعن الحسن أن الاشتباه في اللون فقط قال: يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بالأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل.

فيقول الملك: كل، فاللون واحد والطعم مختلف.

وعن النبي  "والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي بواصلة إلى فيه حتى يبدل الله مكانها مثلها، فإذا أبصروها والهيئة هيئتها الأولى قالوا ذلك" ويحتمل أن يقال: إن كمال السعادة ليس إلا في معرفة ذات الله  وصفاته وأفعاله من الملائكة الكروبية والملائكة الروحانية وطبقات الأرواح وعالم السموات، بحيث يصير روح الإنسان كالمرآة المحاذية لعالم القدس، ثم إن هذه المعارف تحصل في الدنيا، ولكن لا يحصل بها كمال الالتذاذ والابتهاج لمكان العلائق البدنية، وإذا زال العائق بعد الموت وشاهد تلك المعارف قال: هذه هي التي كانت حاصلة لي في الدنيا، ووجد كمال اللذة والسرور.

وقال أهل التحقيق: الجنة جنة الوصول، وأشجارها هي الملكات الحميدة والأخلاق الفاضلة، والثمرات ثمرات المكاشفات والمشاهدات والأسرار والإشارات والإلهامات وغيرها من المواهب، وإنهم يشاهدون أحوالاً شتى في صورة واحدة من ثمرات مجاهداتهم، فيقول بعض المتوسطين منهم: إن هذا المشهد هو الذي شاهدته قبل هذا، فتكون الصورة تلك الصورة ولكن المعنى حقيقة أخرى، كما أن موسى شاهد نور الهداية في صورة نار فتكون تارة تلك النار نار صفة غضبية كما كان لموسى، إذا اشتد غضبه اشتعلت قلنسوته ناراً، وتارة تكون نار المحبة تقع في محبوبات النفس فتحرقها، وتارة تكون نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فتحرق عليهم بيت وجودهم فافهم.

وأيضاً، كل شيء له صورة في الدنيا فله في الآخرة معنى آخر غيبي كقوله  في دماء الشهداء "اللون لون الدم والريح ريح المسك" فاعلم.

وقوله ﴿ وأتوا به متشابهاً ﴾ جملة معترضة تفيد زيادة التقرير كقولك "فلان أحسن إلى فلان ونعم ما فعل" والمراد بتطهير الأزواج تطهيرهن من الأقذار والأدناس لا سيما التي تختص بالنساء، وكذا من الأخلاق الذميمة وعادات السوء.

وهما لغتان فصيحتان "النساء فعلن" و "هن فاعلات" و "النساء فعلت" و "هي فاعلة" والمعنى: ولهم جماعة أزواج مطهرة.

وفي ﴿ مطهرة ﴾ فخامة لصفتهن ليست فيما لو قيل طاهرة وهي الإشعار بأن مطهراً طهرهن وليس ذلك إلا الله عز وجل المريد لعباده أن يخولهم كل مزية فيما أعد لهم.

وههنا نكتة وهي، أن المرأة إذا حاضت فالله  يمنع من مباشرتها قال: ﴿ فاعتزلوا النساء في المحيض  ﴾ مع أنها معذورة في تنجسها.

فإذا كانت اللواتي في الجنة مطهرات فلأن يمنعك عنهن، إذا كانت نجساً بالمعاصي مع أنك غير معذور فيها كان أولى.

وأيضاً من قضى شهوته من الحلال فإنه يمنع من الدخول في المسجد الذي يدخل فيه كل بر وفاجر، فمن قضى شهوته من الحرام كيف يمكن من دخول الجنة التي لا يسكنها إلا المطهرون؟

وكفى دليلاً على ذلك بإخراج آدم منها بسبب الزلة الصادرة عنه.

وأيضاً من كان على ثوبه ذرة من النجاسة لا تجوز صلاته أو تستكره، فكيف بمن صلى وعلى قلبه جبال من نجاسات الذنوب والمعاصي؟

والخلد عند المعتزلة الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع بدليل قوله تعالى ﴿ وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد  ﴾ نفى الخلد عن البشر مع تعمير بعضهم ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر  ﴾ وعند الأشاعرة: الخلد هو الثبات الطويل، دام أو لم يدم.

ولو كان التأبيد داخلاً في مفهوم الخلد كان قوله ﴿ خالدين فيها أبداً ﴾ تكراراً.

ويقال في العرف: حبسه حبساً مخلداً، أو وقف وقفاً مخلداً.

والحق أن خوف الانقطاع ينغص النعمة وذلك لا يليق بأكرم الأكرمين.

<div class="verse-tafsir"

۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِۦٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًۭا مَّا بَعُوضَةًۭ فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلًۭا ۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرًۭا وَيَهْدِى بِهِۦ كَثِيرًۭا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقِينَ ٢٦ ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَـٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ٢٧

الوقوف: ﴿ فما فوقها ﴾ (ط) ﴿ من ربهم ﴾ (ج) لأن الجملتين وإن اتفقتا فكلمة "أما للتفصيل بين الجمل ﴿ مثلاً ﴾ (م) لأنه لو وصل صار ما بعده صفة له وليس بصفة إنما هو ابتداء إخبار من الله عز وجل جواباً لهم.

﴿ ويهدي به كثيراً ﴾ (ط) ﴿ الفاسقين ﴾ (لا) لأن ﴿ الذين ﴾ صفتهم ﴿ ميثاقه ﴾ (ص) لعطف المتفقتين ﴿ في الأرض ﴾ (ص) ﴿ الخاسرون ﴾ (ه).

التفسير: لما بين كون القرآن معجزاً أورد شبهة أوردها الكفار قدحاً في ذلك وأجاب عنها.

عن ابن عباس: لما ضرب الله  هذين المثلين للمنافقين - يعني قوله ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً  ﴾ وقوله ﴿ أو كصيب  ﴾ قالوا: الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال، فأنزل الله هذه الآية.

وعن الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل، ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله فنزلت.

والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وأحناش الأرض؟

وهذه أمثال العرب بين أيديهم مسيرة في حواضرهم وبواديهم قد تمثلوا فيها بأحقر الأشياء فقالوا: "أجرأ من الذباب" و "أضعف من بعوضة" و "كلفتني مخ البعوض".

ولقد ضربت الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقرة كالزوان حب يخالط البر، وكحبة خردل، والمنخل والحصاة والأرضة والدود والزنابير.

قال: مثل ملكوت السماء كمثل رجل زرع في قريته حنطة جيدة نقية، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان بين الحنطة، فلما نبت الزرع واشتد غلب عليه الزوان.

فقال عبيد الزارع: يا سيدنا أليس حنطة جيدة نقية زرعت في قريتك؟

فقال: بلى قالوا: فمن أين هذا الزوان؟

قال: لعلكم إن ذهبتم أن تقلعوا الزوان تقلعوا معه حنطة، دعوهما يتربيان جميعاً حتى الحصاد.

فأمر الحصادين أن يلتقطوا الزوان من الحنطة وأن يربطوه حزماً ثم يحرق بالنار ويجمعوا الحنطة إلى الجرين، وأفسر لكم، ذلك الرجل الذي زرع الحنطة الجيدة وهو أبو البشر، والقرية هي العالم، والحنطة الجيدة النقية هي أبناء الملكوت الذين يعملون بطاعة الله، والعدو الذي زرع الزوان هو إبليس، والزوان المعاصي التي يزرعها إبليس وأصحابه، والحصادون هم الملائكة يتركون الناس حتى تدنو آجالهم فيحصدون أهل الخير إلى ملكوت الله، وأهل الشر إلى الهاوية، وكما أن الزوان يلتقط ويحرق بالنار فكذلك رسل الله وملائكته يلتقطون من ملكوته المتكاسلين وجميع عمال الإثم فيلقونهم في أتون الهاوية فيكون هنالك البكاء وصريف الأسنان، ويكون الأبرار هنالك في ملكوت ربهم، من كانت له أذن تسمع فليسمع.

وأضرب لكم مثلاً آخر يشبه ملكوت السماء، رجل آخر أخذ حبة الخردل وهي أصغر الحبوب فزرعها في قرية، فلما نبتت عظمت حتى صارت كأعظم شجرة من البقول، وجاء طير السماء فعشش في فروعها، فكذلك الهدى من دعا إليه ضاعف الله  أجره وعظمه ورفع ذكره ونجا به من اهتدى.

وقال: لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الطيب ويمسك النخالة، كذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم، وقال: قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا ينسفها الرياح.

وقال: لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسد، ولا في البرية حيث السموم واللصوص فتحرقها السموم وتسرقها اللصوص، ولكن ادخروا ذخائركم عند الله.

وقال: نحفر فنجد دواب عليها لباسها وهناك رزقها وهن لا يغزلن ولا يشخصن، ومنهن ما هو في جوف الحجر الأصم وفي جوف العود، من يأتيهن بلباسهن وأرزاقهن إلا الله أفلا تعقلون؟!

وقال: لا تثيروا الزنابير فتلدغكم، كذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم.

هذا ونحن نرى أن الإنسان يذكر معنى فلا يلوح كما ينبغي، فإذا ذكر المثال اتضح وانكشف.

وذلك أن من طبع الخيال حب المحاكاة، فإذا ذكر المعنى وحده أدركه العقل ولكن مع منازعة الخيال، وإذا ذكر التشبيه معه أدركه العقل مع معاونة الخيال، ولا شك أن الثاني يكون أكمل، وإذا كان التمثيل يفيد زيادة البيان والوضوح وجب ذكره في الكتاب الذي أنزل تبياناً لكل شيء.

ثم إن الله  هو الذي خلق الكبير والصغير، وحكمته في كل ما خلق وبرأ عامة بالغة، وليس الصغير أخف عليه من الكبير، ولا الكبير أصعب عليه من الصغير.

فالمعتبر إذن ما يليق بالقصة، فإذا كان اللائق بها الذباب والعنكبوت لخسة مضرب المثل ووهنه، فكيف يضرب بالفيل وبشيء مستحكم النسج والصفاقة؟

وهذا مما لا يخفى على من به أدنى مسكة، ولكن ديدن المحجوج المبهوت دفع الواضح وإنكار المستقيم، وكم من عائب قولاً صحيحاً *** وآفته من الفهم السقيم والحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به، ويذم واشتقاقه من الحياة، يقال: حيي الرجل كما يقال نسي وحشي إذا اشتكى النسا والحشا، وكأن الحيي صار منتقص القوة منتكس الحياة وقد عرفت في الأسماء الحسنى، أن أمثال هذه الصفات إنما يجوز أن تطلق على الله  بعد الإذن الشرعي باعتبار النهايات لا باعتبار المبادئ.

فحديث سلمان قال رسول الله  : "إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً" إنما جاء على سبيل التمثيل لأنه مثل تركه تخييب العبد بترك من يترك رد المحتاج إليه حياء منه.

ومعنى قوله ﴿ إن الله لا يستحيي ﴾ أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يمثل بها لحقارتها.

ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا: أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت؟

فجاءت على سبيل المقابلة والطباق، وهو فن بديع قال أبو تمام: من مبلغ أفناء يعرب كلها *** أني بنيت الجار قبل المنزل فلولا بناء الدار لم يصح بناء الجار، وقد استعير الحياء فيما لا يصح فيه: إذا ما استحين الماء يعرض نفسه *** كرعن بسبت في إناء من الورد فيصف كثرة مياه الأمطار في طريقه، وأنه أينما ذهب رأى الماء وكأنه يعرض نفسه على النوق فتستحيي فتكرع فيه مشافر كأنها السبت وهو الجلد المدبوغ بالقرظ، وشبه الأرض وفيها الماء وحواليه الأزهار بإناء من الورد.

وفيه لغتان: استحييت منه واستحييته وهما محتملتان ههنا.

وضرب المثل اعتماده وصنعه من ضرب اللبن وضرب الخاتم، وفي الحديث: ضرب رسول الله  خاتماً من ذهب.

و "ما" هذه إبهامية، إذا اقترنت باسم نكرة زادته شياعاً وعموماً كقولك "أعطني كتاباً ما" تريد أي كتاب كان، أو صلة للتأكيد كالتي في قوله ﴿ فبما نقضهم  ﴾ أي مثلاً حقاً أو ألبتة.

وانتصب ﴿ بعوضة ﴾ بأنها عطف بيان و ﴿ مثلاً ﴾ وذلك أن ما يضرب به المثل قد يسمى مثلاً كما يقال: حاتم مثل في الجود.

أو مفعول لـ ﴿ يضرب ﴾ و ﴿ مثلاً ﴾ حال عن النكرة مقدمة عليها، أو انتصبا مفعولين فجرى "ضرب" مجرى "جعل".

والبعوض في أصله صفة على فعول من البعض القطع فغلبت، ومنه بعض الشيء لأنه قطعة منه وفي معناه البضع والعضب.

ومن غرائب خلقه أنه مع صغره أعطي كل ما أعطي الفيل مع كبره، ففيه إشارة إلى أن خلق أحدهما ليس أصعب من خلق الآخر، وإشارة إلى حالة الإنسان وكمال استعداده كما قال  : "إن الله خلق آدم على صورته" أي على صفته فأعطاه على ضعفه من كل صفة من صفات جماله وجلاله أنموذجاً ليشاهد في مرآة نفسه جمال صفات ربه.

ومن العجائب أن خرطومه في غاية الصغر، ومع ذلك مجوف.

ومع فرط صغره وكونه مجوفاً يغوص في جلد الجاموس والفيل على ثخانته كما يضرب الرجل أصبعه في الخبيص، وذلك لما ركب الله  في رأس خرطومه من السم.

وقوله ﴿ فما فوقها ﴾ أي فالذي هو أعظم منها في الجثة كالذباب والعنكبوت والحمار والكلب، فإن القوم أنكروا تمثيل الله بكل هذه الأشياء، أو أراد فما فوقها في الصغر كجناح البعوضة حيث ضربه  مثلاً للدنيا، وهذا أولى لأن الآية نزلت في بيان أن الله  لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير، فيجب أن يكون المذكور ثانياً أحقر من الأول.

والفاء ههنا تفيد الترتيب في الذكر لأنه يذكر في هذا المقام الأخس فالأخس كقوله: "يا دار مية بالعلياء فالسند" *** لأنه يذكر في تعريف الأمكنة الأخص بعد الأعم، فكأن العلياء موضع وسيع يشتمل على مواضيع منها السند.

﴿ وأما ﴾ حرف فيه معنى الشرط ولذلك يجاب بالفاء، وفائدته التوكيد.

تقول: زيد ذاهب.

فإذا قصدت التوكيد وأن الذهاب منه عزيمة قلت: أما زيد فذاهب ولذلك قال سيبويه في تفسيره.

"مهما يكن من شيء فزيد ذاهب" وليس مراده من هذا التفسير أن "أما" بمعنى "مهما" "كيف" - وهذه حرف ومهما اسم - بل قصده إلى المعنى البحث أي أن يكن في الدنيا شيء يوجد ذهاب زيد فهذا، جزم بوقوع ذهابه لأنك جعلت حصول ذهابه لازماً لحصول أي شيء في الدنيا، وما دامت الدنيا باقية فلا بد من حصول شيء فيها.

ففي إيراد الجملتين مصدرتين به وإن لم يقل فالذين آمنوا يعلمون والذين كفروا يقولون إحماد عظيم لأمر المؤمنين واعتداد بعلمهم أنه الحق، ونعي على الكافرين ورميهم بالكلمة الحمقاء.

والحق الثابت الذي لا يسوغ إنكاره وحق الأمر ثبت ووجب.

والضمير في ﴿ أنه الحق ﴾ للمثل، أو لـ ﴿ أن يضرب ﴾ و ﴿ ماذا ﴾ فيه وجهان: أن يكون "ذا" اسماً موصولاً بمعنى الذي، فيكون كلمتين: "ما" مبتدأ وخبره "ذا" مع صلته، وأن تكون "ذا" مركبة مع "ما" مجعولتين اسماً واحداً، فيكون منصوب المحل في حكم "ما" وحده لو قلت: ما أراد الله، وجوابه على الأول مرفوع وعلى الثاني منصوب.

وقد يجيء على العكس كما تقول في جواب من قال: ما رأيت خير "أي المرئي خير".

وفي جواب: ما الذي رأيت خيراً "أي رأيت خيراً".

والإرادة نقيض الكراهة، قال الإمام الرازي: الإرادة ماهية يجدها العاقل من نفسه ويدرك التفرقة البديهية بينها وبين علمه وقدرته وألمه ولذته.

والمتكلمون أنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر، لا في الوقوع بل في الإيقاع.

واحترز بهذا القيد الأخير عن القدرة.

واختلفوا في كونه  مريداً مع اتفاق المسلمين على إطلاق هذا اللفظ على الله  .

فزعم النجار أنه معنى سلبي ومعناه أنه غير ساهٍ ولا مكره.

ومنهم من قال: إنه أمر ثبوتي.

ثم اختلفوا فالجاحظ والكعبي وأبو الحسين البصري: معناه علمه  باشتمال الفعل على المصلحة أو المفسدة، ويسمون هذا العلم بالداعي أو الصارف.

والأشاعرة وأبو علي وأبو هاشم وأتباعهم: أنه صفة زائدة على العلم.

ثم القسمة في تلك الصفة أنها إما أن تكون ذاتية وهو القول الآخر للنجار، وإما أن تكون معنوية، وذلك المعنى إما أن يكون قديماً وهو قول الأشعري، أو محدثاً وذلك المحدث إما أن يكون قائماً بالله  وهو قول الكرّامية، أو قائماً بجسمٍ آخر ولم يقل به أحد، أو موجوداً لا في محل وهو قول أبي علي وأبي هاشم وأتباعهما.

وفي قوله ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ استرذال واستحقار كما قالت عائشة في عبد الله بن عمرو بن العاص حين أفتى بنقض ذوائب النساء في الاغتسال "يا عجباً لابن عمرو هذا" محقرة له.

و ﴿ مثلاً ﴾ نصب على التمييز كقولك لمن أجاب بجواب غث "ماذا أردت بهذا جواباً" ولمن حمل سلاحاً رديئاً "كيف تنتفع بهذا سلاحاً" أو على الحال نحو ﴿ هذه ناقة الله لكم آية  ﴾ وقوله ﴿ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً ﴾ جارٍ مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدرتين بـ ﴿ أما ﴾ وأهل الهدى كثير في أنفسهم وحيث يوصفون بالقلة ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ ﴿ وقليل ما هم  ﴾ إنما يوصفون به بالقياس إلى أهل الضلال.

وأيضاً فإن المهديين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة.

إن الكرام كثير في البلاد وإن *** قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا وإسناد الإضلال إلى الله  إسناد الفعل إلى السبب البعيد، لأنه لما ضرب المثل ازداد به المؤمنون نوراً إلى نورهم فتسبب لهديهم، وازدادت الكفرة رجساً إلى رجسهم فتسبب لضلالهم عن الحق.

والفسق الخروج عن القصد قال رؤبة: فواسقاً عن قصدها جوائر *** يذهبن في نجد وغوراً غائراً والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة، وهو عند أهل السنة من أهل الإيمان إلا أنه عاصٍ، وعند الخوارج كافر، وعند المعتزلة نازل بين المنزلتين، لأن حكمه حكم المؤمن في أنه يناكح ويوارث ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، وهو كالكافر في الذم واللعن والبراءة منه واعتقاد عداوته وأن لا تقبل له شهادة.

ومذهب مالك بن أنس والزيدية أن الصلاة لا تجزئ خلفه.

ويقال للخلفاء المردة من الكفار الفسقة، وقد جاء الاستعمالان في كتاب الله  ﴿ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان  ﴾ يعني اللمز والتنابز ﴿ إن المنافقين هم الفاسقون  ﴾ والنقض: الفسخ وفك التركيب.

وإنما ساغ استعمال النقض في إبطال العهد من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين، وهذا كقولك "عالم يغترف منه الناس" فتنبه بالاغتراف من العالم بأنه بحر، وتسكت عن المستعار لأنك رمزت إليه بذكر شيء من لوازمه.

والعهد: الموثق.

عهد إليه في كذا إذا أوصاه به ووثقه عليه.

والمراد بالناقضين إما كل من ضل وكفر لأنهم نقضوا عهداً أبرمه الله بإراءة آياته في الآفاق وفي أنفسهم وبما ركز في عقولهم من إقامة البينة على الصانع وعلى توحيده وعلى حقية شريعته بعد إزاحة العلات وإزالة الشبهات، وإما قوم من أهل الكتاب وقد أخذ عليهم العهد والميثاق في الكتب المنزلة على أنبيائهم بتصديق محمد  وبيّن لهم أمره وأمر أمته فنقضوا ذلك وأعرضوا عنه وجحدوا نبوته.

وقيل: عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود: العهد الذي أخذه على جميع ذرية آدم ﴿ وإذ أخذ ربك  ﴾ الآية.

وعهد خص به النبيين أن يبلغو الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم  ﴾ وعهد خص به العلماء ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه  ﴾ والضمير في ﴿ ميثاقه ﴾ للعهد.

والميثاق إما مصدر بمعنى التوثقة كالميعاد والميلاد بمعنى الوعد والولادة، أو اسم لما وثقوا به عهد الله من قبوله وإلزامه أنفسهم، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله اي من بعد توثقته عليهم، أو من بعد ما وثق الله  به عهده من آياته وكتبه ورسله.

ومعنى قطعهم ما أمر الله به أن يوصل، إما قطعهم ما بينهم وبين رسول الله  من القرابة والرحم، أو قطعهم موالاة المؤمنين إلى موالاة الكافرين، أو قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض.

والأمر طلب الفعل ممن هو دونك وبعثه عليه وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور، لأن الداعي الذي يدعو إليه من يتولاه شبه بآمر يأمره به، فقيل له: أمر تسمية للمفعول به بالمصدر كأنه مأمور به.

وللأمر حرف واحد وهو اللام الجازم نحو "ليفعل" وصيغ مخصوصة للمخاطب نحو "انزل" و "نزال" و "صه".

وقد يستعمل في الدعاء والالتماس بمعونة القرينة وظاهره للوجوب، وغيره من الندب أو الإباحة يتوقف على القرينة.

وقوله ﴿ أن يوصل ﴾ بدل الاشتمال من الضمير المجرور، والجار الذي ينبغي أن يعاد مقدر تقديره بأن يوصل أي بوصله.

والإفساد في الأرض إما إظهار المعاصي، وإما التنازع وإثارة الفتن.

﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ لأنهم استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والإفساد بالإصلاح، وعقاب هذه الأمور بثوابها ﴿ إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات  ﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًۭا فَأَحْيَـٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٨ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍۢ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ٢٩

القراءات: ﴿ فأحياكم ﴾ وبابه بالإمالة: علي.

﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم كل القرآن: يعقوب.

وهو وبابه بسكون الهاء: أبو جعفر ونافع غير ورش وعلي وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ فأحياكم ﴾ (ج) للعدول أي ثم هو يميتكم مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ ترجعون ﴾ (ط) ﴿ سموات ﴾ (ط) ﴿ عليم ﴾ (ه).

التفسير: هذه الآية مسوقة لبيان التعجب من حال الكفرة، وذلك أن الاستفهام من علام الغيوب يمتنع إجراؤه على أصله، فيتولد بمعونة قرائن الأحوال ما ذكرنا.

ووجهه هو أن الكفار حين صدور الكفر منهم لا بد من أن يكونوا على أحد الحالين: إما عالمين بالله وإما جاهلين به فلا ثالثة.

فإذا قيل لهم: كيف تكفرون بالله؟

ومن المعلوم أن "كيف" للسؤال عن الحال وللكفر مزيد اختصاص من بين سائر أحوال الكافر بالعلم بالصانع أو الجهل به، لأنه لا يمكن تصور كفر الكافر بالصانع مع الذهول عن كونه عالماً بالله أو جاهلاً به، بخلاف سائر أحواله المتقابلة كالقعود والقيام والسكون والحركة، فإنه يمكن تصور كفره مع الذهول عنها وإن كان لا ينفك الكافر في الوجود عنها كما لا ينفك من العلم بالصانع أو الجهل به في الوجود.

وتوجه الاستفهام إلى ذلك الذي له مزيد اختصاص فأفاد الاستفهام، أفي حال العلم بالله تكفرون أم في حال الجهل به؟

لكن الجهل بعيد عن العاقل، لأن الحال حال علم بهذه القصة وهي أن كانوا أمواتاً فصاروا أحياء، وسيكون كذا والحال كذا من الإماتة، ثم الإحياء ثم الرجع إليه، فبقي أن يكون الحال حال العلم بالصانع الموجبة للصرف عن الكفر.

فصدور الفعل عمن له صورة اختيار في الترك مع الصارف القوي مظنة تعجب وتعجيب وإنكار وتوبيخ فكأنه قيل: ما أعجب كفركم والحال أنكم عالمون بهذه القصة وهي أن كنتم أمواتاً نطفاً في أصلاب آبائكم فجعلكم أحياء ثم يميتكم بعد هذه الحياة!

وهذه مما لا يشك فيها لأنها من المشاهدات، ثم يحييكم حين ينفخ في الصور أو حين تسألون في القبور، ثم إليه أي إلى حكمه ترجعون أي بعد الحشر للثواب والعقاب أو من قبوركم.

وهذه القضايا أيضاً مما لا يشك فيها لنصب الأدلة وإزاحة العلة.

والأموات جمع ميت كالأقوال جمع قيل، وقد يطلق الميت على الجماد كقوله ﴿ بلدة ميتاً  ﴾ ويجوز أن يكون استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس.

ويحتمل أن يقال: المراد به خمول الذكر كقوله ﴿ هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً  ﴾ قال أبو نخيلة السعدي: وأحييت لي ذكري وما كنت خاملاً *** ولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض ولا يخفى أن الآية بالنسبة إلى العامة، فأما بعض الناس فقد أماتهم ثلاث مرات ﴿ فأماته الله مائة عام ثم بعثه  ﴾ ﴿ فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم  ﴾ ﴿ ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون  ﴾ ﴿ وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم  ﴾ ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم  ﴾ واعلم أن هذه الآية دالة على أمور منها: اشتمالها على وجود ما يدل على الصانع القادر العلم الحي السميع البصير الغني عما سواه.

ومنها الدلالة على أنه لا قدرة على الإحياة والإماتة إلا الله، فيبطل قول الدهري ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر  ﴾ ومنها الدلالة على صحة الحشر والنشر مع التنبيه على الدليل القطعي الدال عليه، لأن الإعادة أهون من الإبداء.

ومنها الدلالة على التكليف والترغيب والترهيب، ومنها الدلالة على وجوب الزهد في الدنيا لأنه قال: ﴿ فأحياكم ﴾ أي بعقب كونكم نطفاً من غير تخلل حالة أخرى بينهما، ثم يميتكم بعد انقضاء مهلة الحياة، ثم بيّن أنه لا يترك على هذا الموت بل لا بد من حياة ثانية للسؤال أو للحشر، ثم من الرجوع إليه للثواب أو العقاب.

فبين  أنه بعد ما كان نطفة فإنه أحياه وصوّره أحسن صورة وجعله بشراً سوياً وأكمل عقله وبصره بأنواع المضار والمنافع، وملكه الأموال والأولاد والدور والقصور.

ثم إنه  يزيل كل ذلك عنه بأن يميته ويصيره بحيث لا يملك شيئاً ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر، ويبقى مدة مديدة في اللحد ﴿ ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ﴾ \[المؤمنون: 100\] ينادي فلا يجيب، ويستنطق فلا يتكلم، ثم لا يزوره الأقربون بل ينساه الأهل والبنون.

يمرّ أقاربي بحذاء قبري *** كأن أقاربي لم يعرفوني الهي إذا قمنا من ثرى الأجداث مغبرة رؤوسنا شاحبة وجوهنا جائعة بطوننا مثقلة من حمل الأوزار ظهورنا بادية لأهل القيامة سوآتنا، فلا تضغف مصائبنا بإعراضك عنا، يا واسع المغفرة، ويا باسط اليدين بالرحمة.

ولما ذكر الله  في الآية الأولى أصل جميع النعم وهو الإحياء الذي من حقه أن يشكر ولا يكفر، أعقبها بذكر ما هو كالأصل لسائر النعم وهو خلق الأرض بما فيها، وخلق السماء.

ومعنى ﴿ لكم ﴾ لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم وذلك ظاهر، وفي دينكم من النظر في عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر الحكيم، ومن التذكير بالآخرة وثوابها وعقابها لاشتماله على أسباب الإنس واللذة من فنون المطاعم والمشارب والفواكه والمناكح والمراكب والمناظر الحسنة البهية، وعلى أسباب الوحشة والألم من النيران والصواعق والسباع والأحناش والسموم والغموم والمخاوف.

فظاهر الآية لا يدل إلا على خلق ما في الأرض لأجلهم دون الأرض.

فإن أريد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما يذكر السماء ويراد به الجهات العلوية جاز أن يراد خلق لكم الأرض وما فيها.

و ﴿ جميعاً ﴾ نصب على الحال من الموصول الثاني وهو "ما" أي مجموعة، والمجموع الذي جمع من ههنا وههنا وإن لم يجعل كالشيء الواحد ويندرج فيها جميع البسائط من الماء والهواء والنار وجميع المواليد من المعادن والنبات والحيوان وجميع الصنائع والحرف.

وبعضهم يستدل بهذا على أن الأصل في الأشياء الإباحة عقلاً لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها ويمكن أن يقال بل بهذه الآية وإلا كان تصرفاً في ملك الغير من غير إذنه.

ولا يلزم من أنه  خلق ما في الأرض لأجل المكلفين أن يكون فعله معللاً بغرض، وإن كان لا يخلو من فائدة وغاية، وإلا كان عبثاً لأنه لا يلزم من استتباع الفعل الغاية أن تكون تلك الغاية علة لعلية فاعلة، لأن هذا فيما إذا كانت فاعليته ناقصة لتتكمل بتلك الغاية، أما إذا كانت فاعليته تامة فإنه يوجد الشيء ذا الغاية من غير أن تكون تلك الغاية حاملة له على ذلك، وهذا فرق دقيق يتنبه له من يسر عليه قيل: إنه  خلق الكل للكل، فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلاً، قلنا: قابل الكل بالكل فيقتضي مقابلة الفرد للفرد، والتعيين يستفاد من دليل منفصل.

والاستواء بمعنى الانتصاب ضد الاعوجاج من صفات الأجسام، وإنه  منزه عن ذلك.

وأيضاً "ثم" تقتضي التراخي، فلو كان المراد بهذا الاستواء العلو بالمكان لكان ذلك العلو حاصلاً أزلاً ولم يكن متأخراً عن خلق ما في الأرض، فيجب التأويل.

وتقريره أن يقال: استوى العود إذا اعتدل، ثم قيل: استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء ومنه استعير قوله ﴿ ثم استوى إلى السماء  ﴾ أي قصد إليها بإرادته ومشيئته بعد خلق ما في الأرض من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر.

والمراد بالسماء جهات العلو كأنه قيل: ثم استوى إلى فوق، أو هذا كقولك لآخر "اعمل هذا الثوب" وإنما معه غزل.

على أنها كانت دخاناً ثم سواها سبع سموات.

و "ثم" ههنا إما للتراخي في الوقت والمراد أنه حين قصد إلى السماء لم يحدث فيما بين ذلك أي في تضاعيف القصد إليها خلقاً آخر كما قلنا، أو للتفاوت بين الخلقين.

وفضل خلق السموات على خلق الأرض كقوله ﴿ فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] وكقوله ﴿ ثم كان من الذين آمنوا  ﴾ وتفسير هذه الآية في قوله ﴿ قل أئِنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين  ﴾ يعني تقدير الأرض في يومين، وتقدير الأقوات في يومين، كما يقول القائل: من الكوفة إلى المدينة عشرون يوماً، وإلى مكة ثلاثون يوماً، يريد أن جميع ذلك هو هذا القدر.

ثم استوى إلى السماء في يومين آخرين، ومجموع ذلك ستة أيام كما قال ﴿ خلق السموات والأرض في ستة أيام  ﴾ فإن قيل: أما يناقض هذا قوله ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها  ﴾ قلنا: أجاب في الكشاف لا، لأن جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء، وأما دحوها فمتأخر.

وعن الحسن: خلق الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق بها، ثم أصعد الدخان وخلق منه السموات وأمسك الفهر في موضعه وبسط منه الأرض فذلك قوله ﴿ كانتا رتقاً  ﴾ وهو الالتزاق، وزيف بأن الأرض جسم عظيم يمتنع انفكاك خلقها عن التدحية.

وأيضاً قوله  ﴿ خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء ﴾ يدل على أن خلق الأرض وخلق ما فيها مقدم على خلق السماء، لأن خلق الأشياء في الأرض لا يمكن إلا إذا كانت مدحوّة.

وقال بعض العلماء في دفع التناقض قوله ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها  ﴾ يقتضي تقدم خلق السماء على الأرض، ولا يقتضي أن تكون تسوية السماء مقدمة على خلق الأرض، وزيف أيضاً بأن قوله ﴿ ءأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها رفع سمكها فسوّاها.

وأغطش ليلها وأخرج ضحاها.

والأرض بعد ذلك دحاها  ﴾ يقتضي أن يكون خلق السماء وتسويتها مقدماً على تدحية الأرض، بل على خلقها لأنهما متلازمان.

وحينئذ يعود التناقض والمعتمد عند بعضهم في دفعه أن يقال "ثم" ليس للترتيب ههنا، وإنما هو على جهة تعديد النعم.

مثاله: أن تقول لغيرك: ألست قد أعطيتك نعماً عظيمة، ثم رفعت قدرك، ثم دفعت عنك الخصوم؟

ولعل بعض ما أخرته في الذكر مقدم في الوقوع.

(قلت): وهذا صحيح معقول من حيث ابتداء الوجود من الأشرف فالأشرف والألطف فالألطف إن ساعده النقل وإلا فلا إحالة في أنه  خلق الأرض أولاً في غاية الصغر وجعل فيها أصول الجبال ووضع فيها البركة وقدر الأقوات ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعاً ثم دحا الأرض بأن جعلها أعظم مما كانت عليه كهيئتها الآن والله  أعلم.

والضمير في ﴿ سوّاهن ﴾ ضمير مبهم، و ﴿ سبع سموات ﴾ تفسيره نحو: ربه رجلاً.

وفائدة الإبهام أولاً ثم البيان ثانياً أن الكلام هكذا أوقع في النفس، لأن المحصول بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب.

وقيل: الضمير راجع إلى السماء، والسماء في معنى الجنس.

وقيل: جمع سماءة والوجه العربي هو الأول.

ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن وتقويمه وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهن وهو بكل شيء عليم، فمن ثم خلقهن خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوت مع خلق ما في الأرض على حسب الحاجات وكفاء المصالح، ومقتضى الحكمة والتدبير.

وهذا عام لم يدخله التخصيص قط، وبه يهدم بناء من زعم أنه غير عالم بالجزئيات، لأنه  لو لم يعرف تفاصيلها لم تكن مخلوقاته على غاية الإتقان والإحكام، ف  من خبير يعلم الذرة في الأجواف، والدرة في الأصداف، والقطرة في البحر، والخطرة في النحر، وعلى هذا يدور نظام العالم وبه يحصل قوام مناهج بني آدم.

ثم إن العقل قد يدل على وجود سبع سموات، وتخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد، فأثبت أهل الأرصاد تسعة أفلاك على ما استقر عليه رأيهم، أولها من الجانب الأعلى للحركة اليومية، لأن هذه الحركة تشمل جميع الأجرام، فيجب أن يكون فلكها حاوياً للكل.

وثانيها للثوابت جميعها تحديداً لأدنى الدرجات لاتحاد الحركات وإن كان كونها على أفلاك شتى جائزاً.

والسبعة الباقية للسيارات السبعة جميع ذلك بوجود اختلاف المنظر وعدمه.

وعلى ترتيب خسف بعضها بعضاً، أولها مما يلينا للقمر وفوقه لعطارد ثم للزهرة ثم للشمس ثم للمريخ ثم للمشتري ثم لزحل.

ونازعهم بعض الناس في زيادة الفلكين الثامن والتاسع فقال: من المحتمل أن تتصل نفس بمجموع السبعة فتحركها حركة الكل، ثم يكون لكل فلك نفس على حدة تحركه حركته الخاصة به، وتكون الثوابت على محدب ممثل زحل مثلاً.

وبالجملة فلم يتبين لأحد من الأوائل والأواخر كمية أعداد السموات على ما هي عليه لا عقلاً ولا سمعاً ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٣٠

القراءات: ﴿ خليفة ﴾ وأشباهها بالإمالة عند الوقف: أبو عمرو وحمزة وعلي والأعشى والبرجمي إلا أن يكون قبلها من الحروف الموانع السبع وهي: الصاد والضاد والطاء والظاء والغين والخاء والقاف نحو: خاصة، وفريضة، وحطة، وغلظة، وصبغة، وصاخة، وشقة.

وأما العين والحاء والراء فعلى الاختلاف عند أهل المدينة، فأشدهم إمالة حمزة وعلي، فأما أبو عمرو والأعشى والبرجمي فإنهم يميلون بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب ﴿ إني أعلم ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ خليفة ﴾ (ط) بناء على أن عامل "إذ" محذوف أي اذكر.

ومن جعل ﴿ قالوا ﴾ عامل "إذ" وصل.

﴿ الدماء ﴾ (ج) لأن انتهاء الاستفهام على قوله ﴿ ويسفك الدماء ﴾ يقتضي الفصل، واحتمال الواو لمعنى الحال في قوله ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ يقتضي الوصل ﴿ ونقدس لك ﴾ (ط) ﴿ ما لا تعلمون ﴾ (ه).

التفسير: هذا ابتداء الإخبار عن كيفية خلق آدم  وعن كيفية تعظيمه إياه، فينخرط في سلك ما تقدمه من النعم، فإن النعمة على الآباء نعمة على الأبناء، وإذ ههنا مجرد لمعنى الظرفية أي أذكر وقت قول ربك كقوله ﴿ واذكر أخا عاد إذ أنذر  ﴾ أي وقت إنذاره على أنه بدل من أخا عاد لأن الذكر في ذلك الوقت ممتنع.

والخطاب للنبي  أو لكل واحد من بني آدم، ويجوز أن ينتصب بـ ﴿ قالوا ﴾ فيكون للمجازاة.

والملائكة جمع ملأك وأصله مألك بتقديم الهمزة من الألوكة هي الرسالة، ثم قلبت وقدمت اللام فقيل: ملأك، وجمع على فعائل مثل شمأل وشمائل، ثم تركت همزة المفرد لكثرة الاستعمال وألقيت حركتها على اللام.

وإلحاق التاء لتأنيث الجمع نحو حجارة وقد لا تلحق.

واعلم أن الملك قبل النبي  بالشرف والعلية وإن كان بعده في عقولنا وأذهاننا، وقد جعله الله واسطة بينه وبين رسله في تبليغ الوحي والشريعة.

وقدم ذكر الإيمان بالملائكة على ذكر الإيمان بالأنبياء ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله  ﴾ ولا خلاف بين العقلاء في أن شرف العالم العلوي بالملائكة كما أن شرف العالم السفلي بوجود الأنبياء فيه.

وللناس في حقيقة الملائكة مذاهب: منهم من زعم أنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السموات وهو قول أكثر المسلمين، ومنهم عبدة الأوثان القائلون إن الملائكة هي هذه الكواكب الموصوفة بالإسعاد والإنحاس وأنها أحياء ناطقة، فالمسعدات ملائكة الرحمة والمنحسات ملائكة العذاب.

ومنهم معظم المجوس والثنوية القائلون بالنور والظلمة وإنهما عندهم جوهران حساسان مختاران قادران، متضادا النفس والصورة، مختلفا الفعل والتدبير.

فجوهر النور فاضل خير نقي طيب الريح كريم النفس يسر ولا يضر وينفع ولا يمنع ويحيى ولا يبلى، وجوهر الظلمة ضد ذلك، فالنور يولد الأولياء وهم الملائكة لا على سبيل التناكح بل كتولد الحكمة من الحكيم والضوء من المضيء، وجوهر الظلمة يولد الأعداء وهم الشياطين كتولد السفه من السفيه.

ومنهم القائلون بأنها جواهر غير متحيزة، ثم اختلفوا فقال بعضهم وهم طوائف من النصارى - إنها هي الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها، فإن كانت صافية خيرة فالملائكة، وإن كانت خبيثة كثيفة فالشياطين.

وقال آخرون - وهم الفلاسفة - إنها مخالفة لنوع النفوس الناطقة البشرية، وإنها أكمل قوة وأكثر علماً، ونسبتها إلى النفوس البشرية كنسبة الشمس إلى الأضواء، فمنها نفوس ناطقة فلكية، ومنها عقول مجردة ومنهم من أثبت أنواعاً أخر من الملائكة وهي الأرضية المدبرة لأحوال العالم السفلي، خيرها الملائكة وشريرها الشياطين ولكل من الفرق دلائل على ما ذهب إليه يطول ذكرها ههنا.

وقد يستدل عليها أصحاب المجاهدات من جهة المكاشفة وأصحاب الحاجات والضرورات من جهة مشاهدة الآثار العجيبة والهداية إلى المعالجات النادرة الغريبة وتركيب المعجونات واستخراج صنعة الترياقات، كما يحكى أنه كان لجالينوس وجع في الكبد فرأى في المنام كأن امرأ يأمره أن يفصد الشريان الذي على ظهر كفه اليمنى بين السبابة والإبهام ففعل فعوفي، ومما يدل على ذلك حال الرؤيا الصادقة.

ولا نزاع ألبتة بين الأنبياء عليهم السلام في إثبات الملائكة وذلك كالأمر المجمع عليه بينهم، وأما شرح كثرتهم فقد قال  "أطّت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع" وروي "إن بني آدم عشر الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر، وهؤلاء كلهم عشر الطيور، وهؤلاء عشر حيوانات البحر وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية، وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة، ثم الكل في مقابلة ملائكة الكرسي نزر قليل، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة ألف طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السموات والأرض وما فيها، فإنها كلها تكون شيئاً يسيراً وقدراً قليلاً، وما مقدار موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ولا يعرف عددهم إلا الله، ثم مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل  والملائكة الذين هم جنود جبريل وهم كلهم سامعون مطيعون لا يستكبرون عن عبادته ولا يسأمون" وأما أصنافهم فمنهم حملة العرش ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية  ﴾ ومنهم أكابر الملائكة جبرائيل صاحب الوحي والعلم، وميكائيل صاحب الرزق والغذاء، وإسرافيل صاحب الصور، وعزرائيل ملك الموت، ومنهم ملائكة الجنة ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب  ﴾ ومنهم ملائكة النار ﴿ عليها تسعة عشر  ﴾ ومنهم لموكلون ببني آدم عن اليمين وعن الشمال قعيد.

ومنهم الموكلون بأحوال هذا العالم ﴿ والصافات صفا  ﴾ وأما أوصافهم فكما قال أمير المؤمنين علي  : منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون، لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان، ومنهم أمناء على وحيه وألسنة إلى رسله ومختلفون بقضائه وأمره.

منهم الحفظة لعباده والسدنة لأبواب جنانه، ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار ركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم، ناكسة دونه أبصارهم، متلفعون بأجنحتهم، مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة، لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين، ولا يحدونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر.

ثم إنه روى الضحاك عن ابن عباس أنه  إنما قال هذا القول للملائكة الذين كانوا محاربين مع إبليس، لأن الله  لما أسكن الجن الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضاً، بعث الله إبليس في جند من الملائكة فأخرجوهم من الأرض وألحقوهم بجزائر البحر، فقال  لهم ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ وقال الأكثرون من الصحابة والتابعين: إنه  قال ذلك لجماعة الملائكة من غير تخصيص، لأن لفظ الملائكة يفيد العموم والتخصيص خلاف الأصل.

و ﴿ جاعل ﴾ من جعل الذي له مفعولان، معناه مصير في الأرض خليفة، وإنما لم يقل إني خالق كما قال ﴿ إني خالق بشراً من طين ﴾ لأنه باعتبار الخلافة من عالم الأمر لا من عالم الخلق.

والظاهر أن الأرض يراد بها ما بين الخافقين، وقد يروى عن النبي  أن الأرض ههنا أرض مكة التي دحيت الأرض من تحتها.

والخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه، والخليفة اسم يصلح للواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وجمعه خلائف مثل: كريمة وكرائم.

وجاء خلفاء لأنهم جمعوه على إسقاط الهاء مثل: ظريف وظرفاء.

والمراد به آدم  إما لأنه صار خليفة لأولئك الجن الذين تقدموه، ويروى ذلك عن ابن عباس، وإما لأنه يخلف الله في الحكم بين خلقه كقوله ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق  ﴾ وهو المروي عن ابن مسعود والسدي.

وعن الحسن، أن المراد بالخليفة أبناء آدم لأنه يخلف بعضهم بعضاً ويؤيده قوله ﴿ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض  ﴾ وإنما وحد بتأويل من يخلف أو خلفاً يخلف، وبالحقيقة الإنسان يخلف جميع المكونات من الروحانيات والجسمانيات والسماويات والأرضيات، ولا يخلفه شيء منها إذ لم يجتمع في شيء منها ما اجتمع فيه.

وليس للعالم مصباح يضيء بنار نور الله فيظهر أنوار صفاته خلافة عنه إلا مصباح الإنسان، لأنه أعطى مصباح السر في زجاجة القلب، والزجاجة في مشكاة الجسد، وفي زجاجة القلب زيت الروح ﴿ يكاد زيتها يضيء  ﴾ من صفاء العقل ولو لم تمسسه نار النور، وفي مصباح السر فتيلة الخفاء، فإذا استنار مصباحه بنار نور الله كان خليفة الله في أرضه، فيظهر أنوار صفاته في هذا العالم بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة واللطف والقهر، ولا تظهر هذه الصفات لا على الحيوان ولا على الملك فاعلم.

والفائدة في إخبار الملائكة بذلك، إما تعليم العباد المشاورة في أمورهم وإن كان هو بحكمته البالغة غنياً عن ذلك، وإما ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا.

واعلم أن الجمهور من علماء الدين على أن الملائكة كلهم معصومون عن جميع الذنوب لقوله  ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون  ﴾ فلا شيء من المأمورات بل ومن المنهيات - لأن المنهي مأمور بتركه - إلا ويدخل فيه بدليل صحة الاستثناء وأيضاً لقوله ﴿ بل عباد مكرمون.

لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون  ﴾ ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون  ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.

وطعن فيهم بعض الحشوية بأنهم قالوا أتجعل، والاعتراض على الله من أعظم الذنوب.

وأيضاً نسبوا بني آدم إلى القتل والفساد وهذا غيبة وهي من أعظم الكبائر.

وأيضاً مدحوا أنفسهم بقولهم ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ وهو عجب.

وأيضاً قولهم ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ اعتذار والعذر دليل الذنب.

وأيضاً قوله  ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ دل على أنهم كانوا كاذبين فيما قالوه.

وأيضاً قوله ﴿ ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض ﴾ يدل على أنهم كانوا مرتابين في أنه  عالم بكل المعلومات.

وأيضاً علمهم بالإفساد وسفك الدماء إما بالوحي وهو بعيد وإلا لم يكن لإعادة الكلام فائدة، وإما بالاستنباط والظن وهو منهي ﴿ ولا تقْفُ ما ليس لك به علم  ﴾ وأيضاً قصة هاروت وماروت وأن إبليس كان من الملائكة المقربين ثم عصى الله وكفر.

والجواب عن اعتراضهم على الله أن غرضهم من ذلك السؤال لم يكن هو الإنكار ولا تنبيه الله على شيء لا يعلمه فإن هذا الاعتقاد كفر، وإنما المقصود من ذلك أمور منها: أن الإنسان إذا كان قاطعاً بحكمة غيره ثم رآه يفعل فعلاً لا يهتدي ذلك الإنسان إلى وجه الحكمة فيه، استفهم عن ذلك متعجباً.

فكأنهم قالوا إعطاء هذه النعم العظام من يفسد ويسفك لا تفعله إلا لوجه دقيق وسر غامض فما أبلغ حكمتك، ومنها أن إبداء الإشكال طلباً للجواب غير محذور، فكأنه قيل: إلهنا أنت الحكيم الذي لا يفعل السفه ألبتة، وتمكين السفيه من السفه قبيح من الحكيم، فكيف يمكن الجمع بين الأمرين؟

وهذا جواب المعتزلة، واستدلوا به على أن الملائكة لم يجوزوا صدور القبيح من الله  فكانوا على مذهب أهل العدل قالوا: ومما يؤكد ذلك أنهم أضافوا الفساد وسفك الدماء إلى المخلوقين لا إلى الخالق.

وأيضاً قالوا ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ والتسبيح تنزيه ذاته عن صفة الأجسام ﴿ ونقدس لك ﴾ والتقديس تنزيه أفعاله عن صفة الذم ونعت السفه، ومنها أن الخيرات في هذا العالم غالبة على شرورها، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير.

فالملائكة نظروا إلى الشرور فأجابهم الله  بقوله ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ أي من الخيرات الكثيرة التي لا يتركها الحكيم لأجل الشر القليل وهذا جواب الحكيم.

ومنها أن سؤالهم كان على وجه المبالغة في إعظام الله  ، فإن العبد المخلص لشدة حبه لمولاه يكره أن يكون له عبد يعصيه.

ومنها أن قولهم ﴿ أتجعل ﴾ مسألة منهم أن يجعل الأرض أو بعضها لهم إن كان ذلك صلاحاً نحو قول موسى ﴿ أتهلكنا بما فعل السفهاء منا  ﴾ أي لا تهلك، فقال  ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ من صلاحكم وصلاح هؤلاء فبين أن الاختيار لهم السماء ولهؤلاء الأرض، ليرضى كل فريق بما أختار الله له.

ومنها أن هذا الاستفهام خارج مخرج الإيجاب كقول جرير: ألستم خير من ركب المطايا؟

أي أنتم كذلك وإلا لم يكن مدحاً، فكأنهم قالوا: إنك تفعل ذلك ونحن مع هذا نسبح بحمدك لأنا نعلم في الجملة أنك لا تفعل إلا الصواب والحكمة فقال  ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ فأنتم علمتم ظاهرهم وهو الفساد والقتل، وأنا أعلم ظاهرهم وما في باطنهم من الأسرار الخفية التي تقتضي إيجادهم.

وفيه أن استحقاق تلك الخلافة ليس بكثرة الطاعة ولكنه بسابق العناية، وأنه  غني عن طاعة المطيعين كما أنه لا تضره معصية المذنبين.

والجواب عن الغيبة أن من أراد إيراد السؤال وجب أن يتعرض لمحل الإشكال، فلذلك ذكروا الفساد والسفك لا للغيبة.

وعن العجب أن مدح النفس غير ممنوع منه مطلقاً ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث  ﴾ فكأنهم قالوا ما سألناك للقدح في حكمتك يا رب فإنا نعترف لك بالإلهية والحكمة، بل لطلب وجه الحكمة.

وعن الاعتذار، إنه لم يكن للذنب بل لأن ترك السؤال كان أولى.

وروي عن الحسن وقتادة أن الله  لما أخذ في خلق آدم همست الملائكة فيما بينهم وقالوا: ليخلق ربنا ما شاء أن يخلق، فلن يخلق خلقاً إلا كنا خلقاً أعظم منه وأكرم عليه، فلما خلق آدم  وفضله عليهم وعلمه الأسماء كلها قال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين في أنه لا يخلق خلقاً إلا وأنتم أفضل منه، ففزعوا إلى التوبة وقالوا ﴿ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ ثم إن العلماء ذكروا في إخبار الملائكة عن الفساد والسفك وجوهاً منها: أنهم قالوا ذلك ظناً إما لأنهم قاسوهم على حال الجن الذين كانوا قبل آدم  في الأرض وهو مروي عن ابن عباس والكلبي، وإما لأنهم عرفوا خلقته وعلموا أنه مركب من الأركان المتخالفة والأخلاط المتنافية الموجبة للشهوة التي منها الفساد وللغضب الذي منه سفك الدماء.

ومنها أنهم قالوا ذلك عن اليقين، ويروى عن ابن مسعود وناس من الصحابة، وذلك أنه  لما قال للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: ربنا وما يكون الخليفة؟

قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً.

فعند ذلك قالوا: ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟

أو أنه  كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في الأرض خلق عظيم أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، أو لأنه لما كتب القلم في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك، أو لأن معنى الخليفة إذا كان النائب لله في الحكم والقضاء والاحتياج إلى الحاكم إنما يكون عند التنازع والتظالم، كان الإخبار عن وجود الخليفة إخباراً عن وقوع الفساد والشر بطريق الالتزام وقيل: لما خلق الله النار خافت الملائكة خوفاً شديداً فقالوا: لم خلقت هذه النار؟

قال: لمن عصاني من خلقي.

ولم يكن يومئذ لله خلق إلا الملائكة، ولم يكن في الأرض خلق ألبتة.

فلما قال: إني جاعل في الأرض خليفة، عرفوا أن المعصية منهم تظهر.

وأما قصة إبليس وهاروت وماروت فسيجيء الكلام فيها.

واختلف الناس في أن الملائكة لهم قدرة على المعاصي والشرور أم لا.

فالفلاسفة وكثير من أهل الجبر قالوا: إنهم خير محض ولا قدرة لهم على الشر.

والمعتزلة أثبتوا لهم قدرة على الأمرين، لأن قولهم ﴿ أتجعل ﴾ إما معصية أو ترك الأولى، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل، وأيضاً قال  ﴿ ومن يقل منهم إني إلّه من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ وهذا يقتضي كونهم مزجورين.

وقال ﴿ لا يستكبرون عن عبادته  ﴾ والمدح بترك الاستكبار إنما يحسن لو كان قدراً على الاستكبار.

ويمكن إلزامهم بأن الثواب عندهم واجب على الله فيمتنع عليه تركه مع أنه يستحق المدح على الثواب.

والواو في ﴿ ونحن نسبح ﴾ للحال كقولك "أتحسن إلى فلان وأنا أحق بالإحسان" والتسبيح تبعيد الله من السوء وكذا التقديس، من سبح في الماء وقدس في الأرض إذا ذهب فيها أو أبعد.

والتبعيد عن السوء إما في الذات ويحصل بنفي الإمكان المستلزم لنفي الكثرة المستلزمة لنفي الجسمية والعرضية والضد والند، وإما في الصفات بأن يكون مبرءاً عن العجز والجهل والتغيرات محيطاً بكل المعلومات قادراً على كل المقدورات، وإما في الأفعال بأن لا تكون أفعاله لجلب المنافع ودفع المضار، يقول الله تعالى: أنا المنزه عن النظير والشريك  هو الواحد القهار، أنا المدبر للسموات والأرض سبحان رب السموات والأرض، أنا المدبر لكل العالمين، سبحان الله رب العالمين أنا المنزه عن قول الظالمين سبحان ربك رب العزة عما يصفون، أنا الغني عن الكل  هو الغني، أنا السلطان الذي كل شيء سواي فهو تحت قهري وتسخيري فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء، أنا المنزه عن الصاحبة والولد  أنى يكون له ولد، أنا الذي أخلق الولد من غير أب  ﴿ إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون  ﴾ ، أنا الذي سخرت الأنعام القوية للبشر الضعيف ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين  ﴾ أنا الذي أعلم لا بعلم المعلمين ولا بإرشاد المرشدين ﴿ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا  ﴾ أنا الذي أغفر معصية سبعين سنة بتوبة ساعة ﴿ فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس  ﴾ فإن أردت رضوان الله فسبح ﴿ ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى  ﴾ وإن أردت الخلاص من النار فسبح ﴿ سبحانك فقنا عذاب النار  ﴾ وإن أردت الفرج من البلاء فسبح ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين  ﴾ أيها العبد، واظب على تسبيحي ﴿ وسبحوه بكرة وأصيلاً ﴾ } [الأحزاب: 42] وإلا فالضرر يعود إليك ﴿ فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون  ﴾ يسبح لي الحجر والمدر والرمال والجبال والشجر والدواب والليل والنهار والظلمات والأنوار والجنة والنار والزمان والمكان والعناصر والأركان والأرواح والأجسام ﴿ سبح لله ما في السموات والأرض  ﴾ ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ أيها العبد، أنا الغني عن تسبيح هذه الأشياء، وهذه الأشياء ليست من الأحياء فلا حاجة بها إلى ثواب هذا التسبيح، ولا أضيع ثواب هذه التسبيحات، فإن ذلك لا يليق بي ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً  ﴾ لكني أوصل ثواب هذه الأشياء إليك لتعرف أن من اجتهد في خدمتي أجعل كل العالم في خدمته "وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء" أيها العبد أذكرني بالعبودية لتنتفع به لا أنا ﴿ سبحان ربك رب العزة عما يصفون  ﴾ فإنك إذا ذكرتني في الخلوات ذكرتك في الفلوات ﴿ والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً  ﴾ أقرضني وإن كنت أنا الغني حتى أرد الواحد عليك عشرة ﴿ إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم  ﴾ لا حاجة لي إلى العسكر ﴿ ولو يشاء الله لانتصر منهم  ﴾ ولكن إذا نصرتني نصرتك ﴿ إن تنصروا الله ينصركم  ﴾ اخدمني ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم  ﴾ لا لأني أحتاج إلى خدمتك فإني أنا الملك ﴿ ولله ملك السموات والأرض  ﴾ ولكن أصرف في خدمتي عمراً قصيراً لتنال ملكاً كبيراً وخيراً كثيراً ﴿ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم  ﴾ .

قوله ﴿ بحمدك ﴾ في موضع الحال أي نسبحك ملتبسين بحمدك، فإنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق لم نتمكن من ذلك.

وسئل رسول الله  أي الكلام أفضل؟

فقال: ما اصطفاه الله لملائكته: سبحان الله وبحمده.

ويروى أن أهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأهل السماء الثانية قيام إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأهل السماء الثالثة ركوع إلى يوم القيامة يقولون: سبحان الحي الذي لا ينام ولا يموت.

وعن ابن عباس وابن مسعود: نسبح أي نصلي، والتسبيح الصلاة.

وعن مجاهد: نقدس لك نطهر أنفسنا من ذنوبنا وخطايانا ابتغاء لمرضاتك.

وقيل: ظهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك حتى تصير مستغرقة في أنوار معرفتك ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ معناه لا تعجبوا ولا تغتموا بأن فيهم من يفسد ويسفك فإني أعلم أن فيهم من لو أقسم على الله لأبرَّه، وأعلم أن معكم إبليس وفي قلبه من الحسد والكبر والنفاق ما فيه، أو أنكم لما وصفتم أنفسكم بهذه المدائح فأنتم في تسبيح أنفسكم لا في تسبيحي.

اصبروا حتى أخلق البشر فيكون فيهم من يعبدونني ثم يخشونني، يودون حق العبادات ثم لا يتكلمون على تلك الطاعات ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم  ﴾ ﴿ والذين هم من خشية ربهم مشفقون ﴾ \[المؤمنون: 57\] ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين  ﴾ ﴿ وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين  ﴾ أو أعلم من المصالح في ذلك ما هو خفي عليكم، ولكم في هذا الإجمال ما يغنيكم عن التفصيل، فإن أفعالي كلها حكمة ومصلحة، وإن خفي عليكم وجه كل واحد على أنه قد بين لهم بعض ذلك في قوله: ﴿ وعلم ءادم الأسماء.........

﴾ <div class="verse-tafsir"

وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَـٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٣١ قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ٣٢ قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ ۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ٣٣

القراءات: ﴿ أنبؤني ﴾ وكذلك ﴿ خاطئون ﴾ و ﴿ خاسئين ﴾ و ﴿ فمالئون ﴾ و ﴿ نحن المنشئون ﴾ و ﴿ ليطفؤا ﴾ و ﴿ ليواطؤا ﴾ و ﴿ متكئين ﴾ و ﴿ قل استهزؤا ﴾ و ﴿ متكئاً ﴾ و ﴿ يستنبؤك ﴾ وبابه ﴿ بريأ ﴾ و ﴿ بريؤن ﴾ وبابه، وكهيئة وأشباه ذلك، ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

﴿ هؤلاء ﴾ ها بغير المد، أولاء بالمد: يزيد ويعقوب وأوقية ومصعب عن قالون.

قال أبو إسحق: هما كلمتان لا بمدها ويمد أولاء.

﴿ هؤلاءان ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

وقرأ أبو عمرو والبزي من طريق الهاشمي بترك الهمزة الأولى وإثبات الثانية، وكذلك في المفتوحتين والمضمومتين.

وقرأ يزيد وورش والقواص وسهل ويعقوب بإثبات الهمزة الأولى وتليين الثانية.

وعن نافع: تليين الأولى وإثبات الثانية، وكذلك في المضمومتين.

وأما في المفتوحتين فكأبي عمرو.

﴿ أنبئهم ﴾ عن ابن عامر روايتان: مهموزة مكسورة الهاء، وغير مهموزة مكسورة الهاء.

الوقوف: ﴿ صادقين ﴾ (ه) ﴿ علمتنا ﴾ (ط) ﴿ الحكيم ﴾ (ه) ﴿ أنبئهم ﴾ (ج) ﴿ بأسمائهم ﴾ (ج) لمكان فاء التعقيب.

﴿ بأسمائهم ﴾ (لا) لأن "قال" جواب "فلما" ﴿ تكتمون ﴾ .

التفسير: وفيه أبحاث: الأول: الأشعري والجبائي والكعبي على أن اللغات كلها توقيفية بمعنى أن الله  خلق علماً ضرورياً بتلك الألفاظ وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني بدليل قوله  ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ وهذا يدل على أن الملائكة وآدم لا يعلمون إلا بتعليم الله  إياهم.

وخالفهم أصحاب أبي هاشم الذاهبون إلى أن اللغات اصطلاحية وضعها البشر واحد أو جماعة.

وحصل التعريف للباقين بالإشارة والقرائن كالأطفال فقالوا: المراد ألهمه وبعث داعيته على الوضع مثل ﴿ وعلمناه صنعة لبوس لكم  ﴾ .

أي ألهمناه، أو المراد علمه ما سبق من اصطلاحات قوم كانوا قبل آدم.

وأجيب بأن الأصل عدم العدول عن الظاهر: قالوا ﴿ ثم عرضهم ﴾ يدل على أن المراد بالأسماء المسميات، فإن عرض الأسماء غير معقول.

فإذن المراد أسماء المسميات فعوض الألف واللام عن المضاف إليه كما في قوله ﴿ واشتعل الرأس شيباً  ﴾ أي علمه أسماء كل ما خلق من أجناس المحدثات من جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها ولده اليوم من العربية والفارسية والرومية وغيرها، وكان ولد آدم يتكلمون بهذه اللغات، فلما مات وتفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد بلغة واحدة معينة من تلك اللغات، فلما مات و تفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد بلغة واحدة معينة من تلك اللغات، فلما طالت المدة ومضت القرون نسوا سائر اللغات.

ثم لا يبعد بل ينبغي أن يكون الله  قد علمه مع ذلك صفات الأشياء ونعوتها وخواصها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية، لأن اشتقاق الاسم إما من السمة أو من السمو.

فإن كان من السمة فالاسم هو العلامة وصفات الأشياء وخواصها دالة على ماهياتها وعلامة عليها، وإن كان من السمو فدليل الشيء كالمرتفع على ذلك الشيء، فإن العلم بالدليل حاصل قبل العلم بالمدلول.

وإنما قلنا ينبغي ذلك لأن الفضيلة في معرفة حقائق الأشياء أكثر من الفضيلة في معرفة أسمائها.

ثم من الحقائق ما يتوقف إدراكها على آلة تدرك بها كالمبصرات والمسموعات وغيرها، فإذا كان لآدم تلك الآلات وقد عرفها بها، ولم يكن للملائكة ذلك لزم عجزهم.

وأيضاً العربي لا يحسن منه أن يقول لغيره تكلم بلغتي، لأن العقل لا طريق له إلى معرفة اللغات، بل إن حصل التعليم حصل العلم بها وإلا فلا.

أما العلم بحقائق الأشياء، فالعقل يتمكن من تحصيله فصح وقوع التحدي به.

وإنما قيل ﴿ ثم عرضهم ﴾ بلفظ الذكور، لأن في جملة المسميات الملائكة والثقلين وهم العقلاء، فغلب الكامل على الناقص، والتذكير على التأنيث.

ومن الناس من تمسك بقوله ﴿ أنبؤني بأسماء هؤلاء ﴾ على جواز تكليف ما لا يطاق وهو ضعيف، لأنه إنما استنبأهم مع علمه بعجزهم تبكيتاً لهم بدليل قوله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أي في أني لا أخلق خلقاً إلا كنتم أعلم منهم.

وقيل: أي في قولكم إنه لا شيء مما يتعبد به الخلق إلا وأنتم تصلحون له وتقومون به وهو قول ابن عباس وابن مسعود.

وقيل: أعلموني بأسماء هؤلاء إن علمتم أنكم تكونون صادقين في ذلك الإعلام.

وقيل: أخبروني ولا تقولوا إلا حقاً وصدقاً، فيكون الغرض منه التوكيد لما نبههم عليه من القصور لأنه متى تمكن في أنفسهم العلم بأنهم إن أخبروا لم يكونوا صادقين ولا لهم إليه سبيل، لم يجترءوا على الجواب.

ثم إن الذين اعتقدوا معصية الملائكة في قولهم ﴿ أتجعل ﴾ قالوا: إنهم لما عرفوا خطأهم تابوا واعتذروا بقولهم ﴿ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ والذين أنكروا معصيتهم قالوا: إنهم قالوا ذلك على وجه الاعتراف بالعجز التسليم كأنهم قالوا: لا نعلم إلا ما علمتنا، فإذا لم تعلمنا ذلك فكيف نعلمه؟

أو أنهم إنما قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ لأن الله  أعلمهم ذلك.

فكأنهم قالوا: إنك علمتنا أنهم يفسدون في الأرض فقلنا لك: أتجعل.

وأما هذه الأسماء فإنك ما علمتنا فكيف نعلمها؟

ومعنى سبحانك نسبحك تسبيحاً أي ننزهك تنزيهاً وهو مصدر غير متصرف أي لا يستعمل إلا محذوف الفعل منصوباً على المصدرية، فإذا استعمل غير مضاف كان "سبحان" علماً للتسبيح، فإن العلمية كما تجري في الأعيان تجري في المعاني.

قالت المعتزلة ههنا: المراد أنه لا علم لنا إلا من جهتك إما بالتعليم وإما بنصب الأدلة.

وقالت الأشاعرة: بل الجميع بالتعليم لأن المؤثر في وجود العلم ليس هو ذات الدليل بل النظر في الدليل، وأنه يستند إلى توفيق الله  وتسهيله.

ثم احتج أهل الإسلام بالآية، أنه لا سبيل إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله، وأنه لا يمكن التوصل إليها بعلم النجوم والكهانة.

وللمنجم أن يقول للمعتزلي: إذا فسرت التعليم بوضع الدليل فعندي حركات النجوم دلائل خلقها الله  على أحوال هذا العالم، فيكون من جملة ما علمه الله  أنك أنت العليم بكل المعلومات، فأمكنك تعليم آدم الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه.

وعن ابن عباس: أن مراد الملائكة من الحكيم أنه هو الذي حكم بجعل آدم خليفة في الأرض.

وقوله ﴿ ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض ﴾ استحضار لقوله  لهم ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ إلا أنه  جاء به على وجه أبسط وأشرح، فيندرج فيه علمه بأحوال آدم قبل أن خلقه.

وفيه دليل على أنه  يعلم الأشياء قبل حدوثها، فيبطل مذهب هشام ابن الحكم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وقوعها.

وقد روى الشعبي عن ابن عباس وابن مسعود أنه يريد بقوله ﴿ ما تبدون ﴾ قولهم ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ وبقوله ﴿ وما كنتم تكتمون ﴾ ما أسر إبليس في نفسه من الكفر والكبر وأن لا يسجد.

وقيل: لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجيباً فقالوا: ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه، فهذا هو الذي كتموه.

ويجوز أن يكون هذا القول منهم سراً أسروه بينهم فأبداه بعضهم لبعض وأسروه عن غيرهم، فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان.

والظاهر أنه عام كقوله ﴿ إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون  ﴾ ﴿ إنه يعلم الجهر وما يخفى  ﴾ .

البحث الثاني: قالت المعتزلة: ما ظهر من آدم معجز دل على نبوته في ذلك الوقتفكان مبعوثاً إلى حواء أو إلى من توجه التحدي إليهم، لأنهم كانوا رسلاً فقد يجوز الإرسال إلى الرسل كبعثة إبراهيم إلى لوط  واحتجوا بأن حصول ذلك العلم له ناقض العادة ومنع بأن حصول العلم بالأسماء لمن علمه الله، وعدم حصوله لمن لم يعلمه ليس بناقض للعادة.

وأيضاً أهم علموا أن تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات أو لا؟

فإن علموا فقد قدروا على المعارضة وإلا فكيف عرفوا أن آدم أصاب فيما ذكر، اللهم إلا أن يقال: إن لكل صنف منهم لغة من تلك اللغات، ثم إن جميع الأصناف حضروا وإن آدم عرض عليهم جميع تلك اللغات فكان معجزاً، أو يقال: إنه  عرفهم قبل أن يسمعوا من آدم تلك الأسماء فاستدلوا به على صدق آدم.

والظاهر أنهم قد عرفوا صدقه بتصديق الله  إياه، ولئن سلم أنه ظهر منه فعل خارق للعادة فلم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص وهما عندنا جائزان؟

القاطعون بأنه  ما كان نبياً في ذلك الوقت قالوا: صدرت الكبيرة منه بعد ذلك، والإقدام عليها يوجب الطرد والتحقير، فوجب أن تكون النبوة متأخرة عنها، كيف وقد قال عز من قائل ﴿ ثم اجتباه ربه  ﴾ والرسالة هي الاجتباء، فيكون بعد الزلة.

وأيضاً لو كان رسولاً، فإن لم يكن مبعوثاً إلى أحد فلا فائدة، وإن كان مبعوثاً فإما إلى الملائكة - وهم أفضل من البشر عند المعتزلة - ولا يجوز جعل الأدون رسولاً إلى الأشرف، وإن المرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً  ﴾ وإما إلى الأنس، ولا إنسان إلا حواء، وإنها عرفت التكليف لا بواسطة آدم بدليل ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة  ﴾ وإما إلى الجن، وما كان في السماء أحد من الجن.

البحث الثالث: في فضل العلم: لو كان في الإمكان شيء أشرف من العلم لأظهر الله  فضل آدم بذلك الشيء، ومما يدل على فضيلته الكتاب والسنة والمعقول.

أما الكتاب فمن ذلك ما يروى عن مقاتل، أن الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها مواعظ القرآن ﴿ وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به  ﴾ وثانيها الحكمة بمعنى الفهم والعلم ﴿ وآتيناه الحكم صبيا  ﴾ ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة  ﴾ وثالثها الحكمة بمعنى النبوة ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة  ﴾ ورابعها القرآن ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثير  ﴾ وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم.

ومن ذلك أنه  فرق بين سبعة نفر في كتابه ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون  ﴾ ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب  ﴾ ﴿ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة  ﴾ ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات  ﴾ فإذا تأملت وجدت كل ذلك مأخوذاً من الفرق بين العالم والجاهل.

ومن ذلك قوله ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم  ﴾ أي العلماء في أصح الأقوال، لأن الملوك يجب عليهم طاعة العلماء.

ولا ينعكس ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم  ﴾ جعلهم في الآيتين في المرتبة الثالثة، ثم زاد في الإكرام فجعلهم في المرتبة الثانية ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم  ﴾ ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب  ﴾ ومن ذلك قوله  ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات  ﴾ ومن ذلك وصفهم بالإيمان ﴿ والراسخون في العلم يقولون آمنا به  ﴾ وبشهادة التوحيد ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم  ﴾ وبالبكاء والسجود والخشوع ﴿ إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرّون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرّون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً  ﴾ وبالخشية ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء  ﴾ .

وأما الأخبار فمنها ما رواه أنس عن النبي  "من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين، فوالذي نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب العالم إلا كتب الله له بكل قدم عبادة سنة، وبنى له بكل قدم مدينة في الجنة، ويمشي على الأرض والأرض تستغفر له، ويمسي ويصبح مغفوراً له، وشهدت الملائكة لهم بأنهم عتقاء الله من النار" وعن أنس أيضاً أن النبي  قال "من طلب العلم لغير الله لم يخرج من الدنيا حتى يأتي عليه العلم فيكون لله، ومن طلب العلم لله فهو كالصائم نهاره والقائم ليله، وإن باباً من العلم يتعلمه الرجل خير له من أن يكون له أبو قبيس ذهباً فينفقه في سبيل الله" وعن الحسن مرفوعاً "من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام كان بينه وبين الأنبياء درجة في الجنة" وعنه  "رحمة الله على خلفائي فقيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟

قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله" وعن أبي موسى الأشعري مرفوعاً "يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول: يا معشر العلماء إني لم أضع نوري فيكم إلا لعلمي بكم، ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم، انطلقوا فقد غفرت لكم" وقال  "معلم الخير إذا مات بكى عليه طير السماء ودواب الأرض وحيتان البحر" وعن أبي هريرة مرفوعاً "من صلى خلف عالم من العلماء فكأنما صلى خلف نبي من الأنبياء" وعن ابن عمر مرفوعاً "فضل العالم على العابد بسبعين درجة بين كل درجة حضر الفرس سبعين عاماً" وذلك أن الشيطان يضع البدعة للناس فيبصرها العالم ويزيلها والعابد يقبل على عبادته لا يتوجه إليها ولا يتعرف لها.

وقال  لعلي  حين بعثه إلى اليمن: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما تطلع عليه الشمس أو تغرب" وعن ابن مسعود مرفوعاً "من طلب العلم ليحدث به الناس ابتغاء وجه الله أعطاه الله أجر سبعين نبياً" وعن عامر الجهني مرفوعاً "يؤتى بمداد العلماء ودم الشهداء يوم القيامة لا يفضل أحدهما على الآخر" وفي رواية "فيرجح مداد العلماء" وعن أبي واقد الليثي "أن النبي  بينما هو جالس والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر.

فأما أحدهم فرأى فرجة في الحلقة فجلس إليها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فإنه رجع وفر.

فلما فرغ  من كلامه قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟

فأما الأول فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه" .

وعنه  "يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء" قال الراوي: فأعظم بمرتبة هي الواسطة بين النبوة والشهادة.

وعن أبي هريرة مرفوعاً "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له بالخير" وعن النبي  "إذا سألتم الحوائج فاسألوها الناس.

قيل: يا رسول الله ومن الناس؟

قال  : أهل القرآن.

قيل: ثم من؟

قال: أهل العلم.

قيل: ثم من؟

قال  : صباح الوجوه" قال الراوي: والمراد بأهل القرآن من يحفظ معانيه.

وقال  "كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك" قال الراوي: وجه التوفيق بين هذه الرواية وبين الرواية الأخرى "الناس رجلان عالم ومتعلم وسائر الناس همج لا خير فيه" أن المستمع والمحب بمنزلة المتعلم، وما أحسن قول بعض الأعراب لولده: كن سبعاً خالساً، أو ذئباً خانساً، أو كلباً حارساً، وإياك أن تكون إنساناً ناقصاً.

"وعن النبي  أنه كان يحدث إنساناً فأوحى الله  إليه أنه لم يبق من عمر هذا الرجل الذي تحدثه إلا ساعة - وكان هذا وقت العصر - فأخبره الرسول بذلك فاضطرب الرجل وقال: يا رسول الله دلني على أوفق عمل لي في هذه الساعة.

قال  اشتغل بالتعلم.

فاشتغل بالتعلم وقبض قبل المغرب" قال الراوي: فلو كان شيء أفضل من العلم لأمره النبي  به في ذلك الوقت.

وأما الآثار، فإن مصعب بن الزبير قال لابنه: تعلم العلم فإنه إن يك لك مال كان لك جمالاً، وإن لم يكن لك مال كان العلم لك مالاً.

وقال علي بن أبي طالب: لا خير في الصمت عن العلم كما لا خير في الكلام عن الجهل.

وقيل: مثل العالم بالله كمثل الشمس لا يزيد ولا ينقص.

وهو الجالس على الحد المشترك بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات، فهو تارة مع الله بالحب له، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار كواحد منهم كأنه لم يعرف الله، وإذا خلا بربه مشتغلاً بذكره وخدمته فكأنه لا يعرف الخلق، فهذا سبيل المرسلين والصديقين.

ومثل العالم بالله فقط كمثل القمر يكمل تارة وينقص أخرى، وهو المستغرق في المعارف الالهية غير متفرغ لتعلم علم الأحكام إلا ما لا بد منه، ومثل العالم بأمر الله فقط وهو العارف بالحلال والحرام دون أسرار جلال الله، كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء لغيره.

وقال شقيق البلخي: الناس يقومون من مجلسي على ثلاثة أصناف، وذلك أني أفسر القرآن فأقول عن الله وعن الرسول، فمن لا يصدقني فهو كافر محض، ومن ضاق قلبه منه فهو منافق محض، ومن ندم على ما صنع وعزم على أن لا يذنب كان مؤمناً محضاً.

وقال أيضاً: ثلاثة من النوم يبغضها الله، وثلاثة من الضحك: النوم بعد صلاة الفجر وقبل صلاة العتمة، والنوم في الصلاة، والنوم عند مجلس الذكر.

والضحك خلف الجنازة، والضحك في المقابر، والضحك في مجلس الذكر.

وقيل: العالم أرأف بالتلميذ من الأب والأم، لأن الآباء والأمهات يحفظونهم من نار الدنيا وآفاتها، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة وشدائدها.

وقيل لابن مسعود: بم وجدت هذا العلم؟

قال: بلسان سؤل وقلب عقول.

وقال بعضهم: سل مسألة الحمقى و احفظ حفظ الأكياس.

وقيل: الدنيا بستان تزينت بخمسة أشياء: علم العلماء، وعدل الأمراء، وعبادة العباد، وأمانة التجار، ونصيحة المحترفين.

فجاء إبليس بخمسة أعلام وأقامها بجنب هذه الخمس.

فجاء بالحسد فركزه في جنب العلم، وجاء بالجور فركزه بجنب العدل، وجاء بالرياء فركزه بجنب العبادة، وجاء بالخيانة فركزها بجنب الأمانة، وجاء بالغش فركزه بجنب النصيحة.

وقال علي بن أبي طالب  : العلم أفضل من المال لسبعة أوجه: العلم ميراث الأنبياء والمال ميراث الفراعنة، العلم لا ينقص بالنفقة والمال ينقص، المال يحتاج إلى الحافظ والعلم يحفظ صاحبه، إذا مات الرجل خلف ماله والعلم يدخل معه قبره، المال يحصل للمؤمن والكافر والعلم لا يحصل إلا للمؤمن، جميع الناس محتاجون إلى العالم في أمر دينهم ولا يحتاجون إلى صاحب المال، العلم يقوي الرجل عند المرور على الصراط والمال يمنعه منه.

قال الفقيه أبو الليث: من جلس عند العالم ولا يقدر أن يحفظ من ذلك العلم شيئاً فله سبع كرامات: ينال فضل المتعلمين، وكان محبوساً من الذنوب ما دام جالساً عنده، وإذا خرج من منزله طلباً للعلم نزلت الرحمة عليه، وإذا جلس في حلقة العلم فنزلت الرحمة عليهم حصل له منها نصيب، وما دام يكون في الاستماع تكتب له طاعة، إذا استمع ولم يفهم ضاق قلبه وانكسر فيكون في زمرة "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي"، إذا رأى إعزاز المسلمين للعالم وإذلالهم للفساق نفر عن الفسق ومال إلى طلب العلم.

وقيل: ثلاثة لا ينبغي للشريف أن يأنف منها وإن كان أميراً: قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته للعالم الذي يتعلم منه، والسؤال عما لا يعلم ممن هو أعلم منه.

(واعلم) أن الله  علم سبعة نفر سبعة أشياء: علم آدم الأسماء كلها، وعلم الخضر علم الفراسة ﴿ وعلمناه من لدنا علماً  ﴾ وعلم يوسف علم التعبير { ﴿ وعلمتني من تأويل الأحاديث  ﴾ وعلم داود صنعة الدرع ﴿ وعلمناه صنعة لبوس لكم ﴾ وعلم سليمان منطق الطير ﴿ علمنا منطق الطير  ﴾ وعلم عيسى  علم التوراة والإنجيل ﴿ ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل  ﴾ وعلم محمداً  الشرع والتوحيد ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم  ﴾ فعلم آدم كان سبباً لحصول السجدة والتحية، وعلم الخضر كان سبباً لوجود تلميذ مثل موسى ويوشع، وعلم يوسف لوجود الأهل والمملكة، وعلم سليمان لوجدان بلقيس والغلبة، وعلم داود للرياسة والملك، وعلم عيسى لزوال التهمة عن أمه، وعلم محمد  لوجدان الشفاعة.

ثم نقول: من علم أسماء المخلوقات وجد تحية الملائكة، فمن علم ذات الخالق وصفاته أما يجد تحية الملائكة بل تحية ربه ﴿ سلام قولاً من رب رحيم  ﴾ والخضر وجد بعلم الفراسة صحبة موسى، فأمة محمد بعلم الحقيقة يجدون صحبة محمد  ﴿ فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين  ﴾ ويوسف بتأويل الرؤيا نجا من حبس الدنيا، فمن كان عالماً بتأويل كتاب الله كيف لا ينجو من حبس الشبهات ﴿ ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم  ﴾ وأيضاً فإن يوسف  ذكر منة الله على نفسه حيث قال ﴿ وعلمتني من تأويل الأحاديث  ﴾ فأنت يا عالم، أما تذكر نعمة الله على نفسك حيث جعلك مفسراً لكلامه، وسمياً لنفسه ووارثاً لنبيه وداعياً لخلقه وواعظاً لعباده وسراجاً لأهل بلاده وقائداً للخلق إلى جنته وثوابه، وزاجراً لهم عن ناره وعقابه، كما جاء في الحديث "العلماء سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة" وإن سليمان لم يحتج إلى الهدهد إلا لعلمه بالماء.

(وروي) عن نافع بن الأزرق أنه قال لابن عباس: كيف اختار سليمان الهدهد لطلب الماء؟

قال: لأن الأرض له كالزجاجة يرى باطنها من ظاهرها.

فقال نافع: الفخ يغطى له بأصبع من التراب فلا يراه فيقع فيه!

فقال ابن عباس: إذا جاء القضاء عمي البصر.

وقال لولده: يا بني عليك بالأدب، فإنه دليل على المروءة، وأنس في الوحشة، وصاحب في الغربة، وقرين في الحضر، وصدر في المجلس، ووسيلة عند انقضاء الوسائل، وغني عند العدم، ورفعه للخسيس، وكمال للشريف، وجلال للملك.

(وقال) سقراط: من فضيلة العلم أنك لا تقدر على أن يخدمك فيه أحد كما تجد من يخدمك في سائر الأشياء بل تخدمه بنفسك، ولا يقدر أحد على سلبه عنك.

وقيل لبعض الحكماء: لا تنظر فغمض عينيه وقيل له: لا تسمع فسد أذنيه، وقيل له: لا تتكلم فوضع يده على فيه، وقيل له: لا تعلم فقال: لا أقدر عليه.

وعن بعض الحكماء: عظم العلم في ذاتك، وصغر الدنيا في عينك، وكن ضعيفاً عند الهزل، قوياً عند الجد، ولا تلم أحداً على فعل يمكن أن يعتذر منه، ولا ترفع شكايتك إلا إلى من ترى نفعه عندك حتى تكون حكيماً فاضلاً.

ولبعضهم: آفة الزعماء ضعف السياسة، وآفة العلماء حب الرياسة.

(وأما النكت) فالمعصية عند الجهل لا يرجى زوالها، وعند السهو يرجى زوالها انظر إلى زلة آدم فإنه بعلمه استغفر، والشيطان عصى وبقي في الغي أبداً، لأن ذلك كان بسبب الجهل، وإن يوسف  لما صار ملكاً احتاج إلى وزير فسأل جبريل عن ذلك فقال: إن ربك يقول لا تختر إلا فلاناً، فرآه في أسوأ الأحوال.

فقال لجبريل: كيف يصلح لهذا العمل مع سوء حاله؟

فقال له جبريل: إن ربه عينه لذلك لأنه ذب عنك بعلمه حين قال ﴿ وإن كان قميصه قُدَّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين  ﴾ والنكتة أن من ذب عن يوسف استحق الشركة في مملكته، فمن ذب عن الدين القويم بالبرهان المستقيم فكيف لا يستحق من الله الخير والإحسان؟

وقيل: أراد واحد خدمة ملك فقال الملك: اذهب وتعلم حتى تصلح لخدمتي فلما شرع في التعلم وذاق لذة العلم، بعث الملك إليه وقال: اترك التعلم فقد صرت أهلاً لخدمتي.

فقال كنت أهلاً لخدمتك حين لم ترني أهلاً لخدمتك، وحين رأيتني أهلاً لخدمتك رأيت نفسي أهلاً لخدمة الله، وذلك لأني كنت أظن أن الباب بابك لجهلي والآن علمت أن الباب باب الرب.

(وقال الحكيم:) القلب ميت وحياته بالعلم، والعلم ميت وحياته بالطلب، والطلب ضعيف وقوته بالمدارسة، فإذا قوي بالمدارسة فهو محتجب، وإظهاره بالمناظر وإذا ظهر بالمناظرة فهو عقيم، ونتاجه بالعمل فإذا زوج العلم بالعمل توالد وتناسل ملكاً أبدياً لا آخر له.

وإن نملة واحدة نالت الرياسة بمسألة واحدة علمتها وذلك قولها ﴿ وهم لا يشعرون  ﴾ كأنها إشارة إلى تنزيه الأنبياء عن المعصية وإيذاء البريء من غير جرم فقالت: لو حطمكم فإنما يصدر ذلك على سبيل السهو.

فمن علم حقائق الأشياء من الموجودات والمعدومات، كيف لا يستحق الرياسة في الدين والدنيا؟

وإن الكلب المعلم يكون صيده ماهراً ببركة العلم مع أنه نجس في الأصل، فالنفس الطاهرة في الفطرة إذا تلوثت بأوزار المعصية، كيف لا تطهر ببركة العلم بالله وبصفاته؟

وإذا كان السارق عالماً لا تقطع يده لأنه يقول: كان المال وديعة لي، وكذا الشارب يقول: حسبته حلالاً، وكذا الزاني يقول: تزوجتها فإنه لا يحد.

وأما الحكايات، (يحكى) أن هارون الرشيد كان بحضرته فقهاء فيهم أبو يوسف فأتي برجل فادعى عليه آخر أنه أخذ من بيتي مالاً بالليل، ثم أقر الآخذ بذلك في المجلس، فاتفق العلماء على أنه تقطع يده، فقال أبو يوسف: لا قطع عليه لأنه أقر بالأخذ، وإنه لا يوجب القطع بل لا بد من الاعتراف بالسرقة فصدقه الكل في ذلك ثم قالوا للآخذ: أسرقتها؟

فقال: نعم.

فأجمعوا على القطع لأنه أقر بالسرقة.

فقال أبو يوسف: لا قطع عليه لأنه وإن أقر بالسرقة، لكن بعدما أوجب الضمان عليه بإقراره بالأخذ، وإذا أقر بالسرقة بعد ذلك فهو بهذا الإقرار يسقط الضمان عن نفسه فلا يسمع إقراره فتعجب الكل.

(وعن الشعبي) كنت عند الحجاج فأتي بيحيى بن يعمر - فقيه خراسان - من بلخ مكبلاً في الحديد.

فقال الحجاج: أنت زعمت أن الحسن والحسين من ذرية الرسول؟

فقال: بلى.

فقال الحجاج: لتأتيني ببينة واضحة من كتاب الله أو لأقطعنك عضواً عضواً.

فقال: آتيك ببينة واضحة من كتاب الله يا حجاج؟

قال: فتعجب من جرأته بقوله يا حجاج فقال له: ولا تأتيني بهذه الآية ﴿ ندع أبناءنا وأبناءكم  ﴾ فقال: آتيك بها واضحة من كتاب الله.

قال  : ﴿ ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان  ﴾ إلى قوله ﴿ وزكريا ويحيى وعيسى  ﴾ فمن أبو عيسى فقد ألحق  عيسى بذرية نوح قال: فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال: كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله، حلوا وثاقه وأعطوه من المال كذا.

(ويحكى) أن جماعة من أهل المدينة جاءوا إلى أبي حنيفة ليناظروه في القراءة خلف الإمام ويبكتوه ويسفهوا عليه، فقال لهم: لا يمكنني مناظرة الجميع ففوضوا أمر المناظرة إلى أعلمكم لأناظره، فأشاروا إلى واحد فقال: هذا أعلمكم؟

قالوا: نعم قال: والمناظرة معه كالمناظرة معكم؟

قالوا: نعم.

قال: والإلزام عليه كالإلزام عليكم؟

قالوا: نعم.

قال: وإن ناظرته وألزمته الحجة فقد ألزمتكم الحجة؟

قالوا: نعم.

قال: وكيف قالوا لأنا رضينا به إماماً فكان قوله قولاً لنا، قال أبو حنيفة فنحن لما اخترنا الإمام في الصلاة فقراءته قراءة لنا وهو ينوب عنا فأقروا له بالعلم.

ويحكى أن المنصور دعا أبا حنيفة يوماً فقال الربيع وهو يعاديه: يا أمير المؤمنين، هذا يخالف جدك حيث يقول الاستثناء المنفصل جائز وأبو حنيفة ينكره، فقال أبو حنيفة: هذا الربيع يقول ليس لك بيعة في رقبة الناس.

فقال: كيف قال إنهم يعقدون البيعة لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل بيعتهم؟

فضحك المنصور وقال: إياك يا ربيع وأبا حنيفة، فلما خرج الربيع قال: سعيت في دمي قال: كنت البادي.

ويحكى أنه دخل اللصوص على رجل وأخذوا متاعه واستحلفوه بالطلاق ثلاثاً أن لا يعلم أحداً.

فأصبح الرجل وهو يرى اللصوص يبيعون متاعه وليس يقدر أن يتكلم من أجل يمينه، فجاء الرجل يشاور أبا حنيفة، فقال: أحضر لي إمام مسجدك وأهل محلتك فأدخلهم جميعاً في دار واحدة وأخرج واحداً واحداً.

فقال للرجل: إن لم يكن لصك فقل: لا، وإن كان فاسكت.

فلما سكت قبض على اللص ورد الله  عليه جميع ما سرق منه.

ويحكى أنه كان في جوار أبي حنيفة فتى يغشى مجلس أبي حنيفة، فقال يوماً له: إني أريد التزوج من آل فلان وقد خطبتها إليهم فطلبوا مني من المهر فوق طاقتي.

قال: استقرض وادخل عليها فإن الله  يسهل الأمر عليك بعد ذلك.

فأقرضه أبو حنيفة ذلك القدر ثم قال له بعد الدخول: أظهر أنك تريد الخروج من هذا البلد إلى بلد بعيد، وأنك تسافر بأهلك معك.

فأظهر الرجل ذلك فاشتد على أهل المرأة وجاءوا إلى أبي حنيفة يشكونه ويستفتونه فقال لهم: له ذلك، والطريق أن ترضوه بأن تردوا عليه ما أخذتموه فأجابوا إليه، فقال الزوج: إني أريد شيئاً آخر فوق ذلك.

فقال له أبو حنيفة: ترضى بهذا وإلا أقرت لرجل بدين فلا يمكن المسافرة بها حتى تقضي ما عليها، فقال الرجل: الله الله، لا يسمعوا بهذا، فرضي بذلك وحصل ببركة علم أبي حنيفة فرج كل واحد من الخصمين.

وسئل أبو حنيفة عن رجل حلف ليقربن امرأته في نهار رمضان فلم يعرف أحد وجه الجواب.

فقال: يسافر بامرأته فيطؤها نهاراً في رمضان.

وقال بشر المريسي للشافعي: كيف تدعي انعقاد الإجماع مع أهل المشرق والمغرب على شيء واحد - وكانت هذه المناظرة عند الرشيد - فقال الشافعي: هل تعرف إجماع الناس على خلاف هذا الجالس؟

فأقر به خوفاً وانقطع.

ويحكى أن أعرابياً سأل الحسين بن علي  حاجة وقال: "سمعت جدك يقول: إذا سألتم حاجة فاسألوها من أحد أربعة: إما عربياً شريفاً، أو مولى كريماً، أو حامل القرآن، أو صاحب الوجه الصبيح" فأما العرب فشرفت بجدك، وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل، وأما الوجه الصبيح فإني سمعت رسول الله  يقول "إذا أردتم أن تنظروا إليّ فانظروا إلى الحسن والحسين"  ما.

فقال الحسين  : ما حاجتك؟

فكتبها على الأرض.

فقال الحسين  : سمعت أبي علياً  يقول: قيمة كل امرئ ما يحسنه.

وسمعت جدي يقول: المعروف بقدر المعرفة فأسألك عن ثلاث مسائل، إن أحسنت في جواب واحدة فلك ثلث ما عندي، وإن أجبت عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي، وإن أجبت عن الثلاث فلك كل ما عندي.

وقد حمل إلى الحسين صرة مختومة من العراق فقال: سل ولا قوة إلا بالله.

فقال  : أي الأعمال أفضل؟

قال الأعرابي: الإيمان بالله.

قال: فما نجاة العبد من الهلكة؟

قال: الثقة بالله، قال: فما يزين المرء؟

قال: علم معه حلم.

قال  : فإن أخطأ ذلك؟

قال: فمال معه كرم.

قال  : فإن أخطأ ذلك؟

قال: ففقر معه صبر.

قال  : فإن أخطأ ذلك؟

قال: فصاعقة تنزل من السماء فتحرقه.

فضحك الحسين  ورمى بالصرة إليه.

وأما الوجوه العقلية فمنها أن الأمور أربعة أقسام: قسم يرضاه العقل دون الشهوة كمكاره الدنيا، وقسم عكس ذلك كالمعاصي، وقسم ترضاه الشهوة والعقل وهو العلم والجنة، وقسم لا ترضاه الشهوة والعقل وهو الجهل والنار.

فمن رضي بالجهل فقد رضي بنار حاضرة، ومن اشتغل بالعلم فقد خاض في جنة حاضرة، وكما يعيش يموت وكما يموت يبعث.

ومنها أن اللذة إدراك المحبوب، وكلما كان المدرك أكمل وأشرف كانت اللذة أكمل وأتم.

ومدرك العقل هو الله  وجميع مخلوقاته من الملائكة والأفلاك والعناصر والمواليد وجميع أحكامه وأوامره وأي معلوم أشرف من ذلك؟

فلا كمال ولا لذة فوق كمال العلم ولذته، ولا ألم ولا نقصان مثل ألم الجهل ونقصانه، ولهذا قال عز من قائل ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق.

خلق الإنسان من علق.

إقرأ وربك الأكرم.

الذي علم بالقلم.

علم الإنسان ما لم يعلم  ﴾ كأنه قال: كنت في أول حالك علقة هي الغاية في الخساسة، ثم صرت في آخر حالك في غاية الشرف.

وأيضاً ترتب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، وهذا يدل على أنه إنما يستحق الأكرمية لأنه أعطى العلم، فالعلم أشرف عطية وأعظم موهبة.

ومنها أنه  قال ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء  ﴾ فالعلماء من أهل الخشية، وأهل الخشية أهل الجنة لقوله  ﴿ جزاؤهم عند ربهم جنات عدن ﴾ إلى قوله ﴿ ذلك لمن خشي ربه  ﴾ فالعلماء من أهل الجنة بل ليس أهل الجنة إلا العلماء وذلك لكلمة إنما المفيدة للحصر ولا جل لام الاختصاص في قوله ﴿ لمن خشي ﴾ والسبب في أن العلماء هم أهل الخشية، أن من لم يكن عالماً بالشيء استحال أن يكون خائفاً منه.

ثم إن العلم بالذات لا يكفي في الخوف بل لا بد معه من العلم بأمور ثلاثة: أحدها العلم بالقدرة لأن الملك عالم باطلاع رعيته على أفعاله القبيحة لكنه لا يخافهم لعلمه بأنهم لا يقدرون على دفعه، وثانيها العلم بكونه عالماً لأن السارق من مال السلطان يعلم قدرته لكنه يعلم أنه غير عالم بسرقته فلا يخافه، وثالثها العلم بكونه حكيماً فإن المسخرة عند السلطان عالم بكون السلطان قادراً على منعه عالماً بقبائح أفعاله لكنه يعلم أنه قد يرضى بما لا ينبغي فلا يحصل الخوف فثبت أن خوف العبد من الله لا يحصل إلا إذا علم كونه  عالماً بجميع المعلومات، قادراً على كل المقدورات، غير راضٍ بالمنكرات والمحرمات، فإذن الخوف من لوازم العلم بالله، وبهذا يعرف نباهة قدر العلم.

ومن هنا أمر حبيبه  بالازدياد منه حيث قال ﴿ وقل رب زدني علماً  ﴾ .

ولم يكتف نبي الله موسى  بما علم بل قال للخضر ﴿ هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً  ﴾ ولم يفتخر سليمان بالمملكة العظيمة بل افتخر بالعلم ﴿ علمنا منطق الطير  ﴾ ولولا شرف العلم لم يكن للهدهد مع ضعفه أن يتكلم بحضرة سليمان بقوله ﴿ أحطت بما لم تحط به  ﴾ وهكذا الرجل الساقط إذا تعلم العلم صار نافذ القول على السلاطين، وما ذاك إلا ببركة العلم.

ومنها أنه  قال "تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة" وذلك أن التفكر يوصلك إلى الله، والعبادة توصلك إلى ثواب الله.

وأيضاً التفكر عمل القلب والعبادة عمل الجوارح.

ومنها أن سائر كتب الله ناطقة بفضل العلم، أما التوراة فقال لموسى: عظم الحكمة فإني لا أجعل الحكمة في قلب عبد إلا وأردت أن أغفر له.

فتعلمها ثم اعمل بها ثم ابذلها كي تنال بذلك كرامتي في الدنيا والآخرة.

وأما الزبور فقال  لداود: قل لأحبار بني إسرائيل ورهبانهم حادثوا من الناس الأتقياء، فإن لم تجدوا فيهم تقياً فحادثوا العلماء، فإن لم تجدوا عالماً فحادثوا العقلاء، فإن التقي والعلم والعقل ثلاث مراتب، ما جعلت واحدة منهن في أحد من خلقي وأنا أريد هلاكه، وإنما قدم  التقى على العلم، لأن التقى لا يوجد بدون العلم كما بينا من أن الخشية لا تحصل إلا مع العلم، والموصوف بالأمرين أشرف من الموصوف بأمر واحد، ولهذا السر أيضاً قدم العالم على العاقل لأن العالم لا بد وأن يكون عاقلاً، وأما العاقل فقد لا يكون عالماً، فالعقل كالبذر والعلم كالشجر والتقوى كالثمر.

وأما الإنجيل فقد قال عز من قائل في السورة السابعة عشرة منه: ويل لمن سمع العلم فلم يطلبه كيف يحشر مع الجهال إلى النار؟

اطلبوا العلم وتعلموه فإن العلم إن لم يسعدكم لم يشقكم، وإن لم يرفعكم لم يضعكم، وإن لم يغنكم لم يفقركم، وإن لم ينفعكم لم يضركم.

ولا تقولوا نخاف أن تعلم فلا نعمل ولكن قولوا نرجو أن نعلم فنعمل، إذ العلم شفيع لصاحبه، وحق على الله أن لا يخزيه، وإن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا معشر العلماء، ما ظنكم بربكم؟

فيقولون: ظننا أن ترحمنا وتغفر لنا فيقول: وإني قد فعلت، إني استودعتكم حكمتي لا لشر أردته بكم بل لخير أردته بكم، فادخلوا في صالحي عبادي إلى جنتي برحمتي.

وبالجملة، فكون العلم صفة شرف وكمال، وكون الجهل صفة نقصان، أمر معلوم للعقلاء بالضرورة، ولذلك لو قيل للرجل العالم يا جاهل تأذى بذلك وإن كان يعلم أنه كاذب، ولو قيل للرجل الجاهل يا عالم فرح بذلك وإن كان يعلم أنه ليس كذلك، والعلم أينما وجد كان صاحبه محترماً معظماً حتى إن غير الإنسان من الحيوان إذا رأى الإنسان احتشمه بعض الاحتشام وانزجر به بعض الانزجار وإن كان ذلك الحيوان أقوى بكثير من الإنسان.

والعلماء إذا لم يعاندوا كانوا رؤساء بالطبع على من دونهم في العلم، وأن كثيراً ممن كانوا يعاندون رسول الله  ويريدون قتله كانوا إذا وقع بصرهم عليه ألقى الله في قلوبهم الرعب منه فهابوه وانقادوا له.

لو لم تكن فيه آيات مبينة *** كانت بداهته تغنيك عن خبر وما فضل الإنسان على سائر الحيوان إلا لاختصاصه بالمزية النورانية واللطيفة الربانية التي لأجلها صار مستعداً لإدراك حقائق الأشياء والاشتغال بعبادة الله  ، والجاهل كأنه في ظلمة شديدة إذا أخرج يده لم يكد يراها، والعالم كأنه يطير في أقطار الملكوت ويسبح في بحار المعقولات، فيطالع الموجودات والمعدوم والواجب والممكن والمحال، ثم يعرف انقسام الممكن إلى الجوهر والعرض، والجوهر إلى البسيط والمركب، ويبالغ في تقسيم كل منها إلى أنواعها وأنواع أنواعها وأجزائها وأجزاء أجزائها والجزء الذي به يشارك غيره، والجزء الذي به يمتاز عن غيره، ويعرف أثر كل شيء ومؤثره ومعلوله وعلته ولازمه وملزومه وكليته وجزئيته، فيصير كالنسخة التي أثبت فيها جميع المعلومات بتفاصيلها وأقسامها، وأنه في عالم الأرواح كالشمس في عالم الأجسام كاملاً ومكملاً، واسطة بين الله وعباده، ولأمر ما لم يجعل الله  سائر صفات الجلال من القدرة والإرادة والسمع والبصر والوجوب والقدم والاستغناء عن المكان والحيز جواباً للملائكة وموجباً لسكوتهم، وإنما جعل  صفة العلم جواباً لهم ثم قال ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون  ﴾ وهكذا أظهر فضيلة آدم بالعلم بعد افتخارهم بالتسبيح والتقديس.

وإن إبراهيم اشتغل في أول أمره بطلب العلم متنقلاً بفكره من الكوكب إلى القمر، ومن القمر إلى الشمس، إلى أن وصل إلى الدليل الباهر والبرهان الظاهر إلى المقصود وهو الملة الحنيفية.

وإن الله  سمى العلم تارة بالحياة ﴿ أوَ من كان ميتاً فأحييناه  ﴾ وتارة بالروح ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ وتارة بالنور ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء  ﴾ وضرب المثل العلم بالماء ﴿ أنزل من السماء ماء  ﴾ فعلم التوحيد كماء العين لا يجوز تحريكه لئلا يتكدر، كذلك لا ينبغي طلب كيفية الله كيلا يفضي إلى الكفر، وعلم الفقه كماء القناة يزداد بالاستنباط والحفر، وعلم الزهد كماء المطر ينزل صافياً ويتكدر بغبار الهواء، وكذلك علم الزهد صافٍ ويتكدر بالطبع، وعلم البدع كماء السيل يهلك الأحياء ويميت الخلق.

وأما الأخبار والآثار الدالة على وعيد من لم يعمل بعلمه أو طلب العلم لغير ذات الله فمنها: أنه  قال: " " لا تجالسوا العلماء إلا إن دعوكم من خمس إلى خمس: من الشك إلى اليقين، ومن الكبر إلى التواضع، ومن العداوة إلى النصيحة، ومن الرياء إلى الإخلاص ومن الرغبة إلى الزهد" وقال  "الناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم" عن عدي بن حاتم أن النبي  قال: "يؤتى بناس يوم القيامة فيؤمر بهم إلى الجنة حتى إذا دنو منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها، فيرجعون عنها بحسرة ما رجع أحد بمثلها ويقولون: يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا فتودوا ذاك أردت بكم، كنتم إذا خلوتم بي بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين، تراؤون الناس بخلاف ما تضمرون عليه في قلوبكم.

هبتم الناس ولم تهابوني، أجللتم الناس ولم تجلوني، تركتم المعاصي ولم تتركوها لي، أكنت أهون الناظرين عليكم؟

فاليوم أذيقكم أليم عذابي مع ما حرمتكم من النعيم" وقيل: أطلب أربعة في أربعة: من الموضع السلامة، ومن الصاحب الكرامة، ومن المال الفراغة، ومن العلم المنفعة، فإذا لم تجد من الموضع السلامة فالسجن خير منه، وإذا لم تجد من الصاحب الكرامة فالكلب خير منه، وإذا لم تجد من مالك الفراغة فالمدر خير منه، وإذا لم تجد من العلم المنفعة فالموت خير منه، وقيل: لا تتم أربعة أشياء إلا بأربعة أشياء: لا يتم الدين إلا بالتقوى، ولا يتم القول إلا بالفعل، ولا تتم المروءة إلا بالتواضع، ولا يتم العلم إلا بالعمل، فالدين بلا تقوى على الخطر، والقول بلا فعل كالهذر، والمروءة بلا تواضع كالشجر بلا ثمر، والعلم بلا عمل كالغيم بلا مطر، وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لجابر بن عبد الله الأنصاري: قوام الدنيا بأربعة: بعالم يعمل بعلمه، وجاهل لا يستنكف عن تعلمه، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه.

فإذا لم يعمل العالم بعلمه استنكف الجاهل من تعلمه، وإذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه، فالويل لهم والثبور سبعين مرة.

وقيل: إذا وضعت على سواد عينك جزءاً من الدنيا لا ترى شيئاً، فإذا وضعت على سويداء قلبك كل الدنيا كيف ترى بقلبك شيئاً؟.

البحث الرابع: في حد العلم الأشعري: العلم ما يعلم به.

وربما قال: ما يصير الذات به عالماً.

القاضي: العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه.

القفال: إثبات المعلوم على ما هو به والكل دائر.

المعتزلة: هو الاعتقاد المقتضي لسكون النفس.

الفلاسفة: صورة حاصلة في النفس مطابقة للمعلوم، ولا يخفى خروج علم الله  عنهما فإنه لا يطلق هناك النفس، وفيه مفاسد أخر يطول ذكرها ههنا، وعند كثير من المحققين: هو بديهي.

وقيل: أصح الحدود، صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض.

والحق في هذا المقام هو أن نسبة البصيرة إلى مدركاتها كنسبة البصر إلى مدركاته، فكما أن للبصر نوراً كل ما يقع في ذلك النور فهو مدركه، فكذا للبصيرة نور كل ما يقع فيه فهو مدركها.

ولا يدرك حقيقة هذا النور، إلا من له نور ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور  ﴾ وهكذا إدراكات جميع الأنوار حتى نور الأنوار، وكلما ازدادت النفس نورية وشروقاً ازداد انبساطها فيقع فيها المعلومات أكثر، وهكذا يكون الحال في كل مستكمل.

أما إذا كان العالم بحيت تكون كمالاته الممكنة له موجودة معه بالفعل، فلا تزداد نوريته، ولا يتجاوز مرتبته في العلم ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ ثم إن كان التكمال والنور بحيث لا يمكن أكمل منه ولا أنور، كان جميع الأشياء واقعة في نوره، بل يكون نوره نافذاً في الكل متصرفاً فيها محيطاً بها أزلاً وأبداً ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض  ﴾ وههنا أسرار أخر لا يجوز التعبير عنها لعزتها يتفطن لبعضها من وفق لها من أهلها.

البحث الخامس في ألفاظ تقرب من العلم.

الأول: الإدراك، وهو الوصول لأن القوة العاقلة تصل إلى حقيقة المعقول.

الثاني: وهو إدراك بغير استثبات وهو أول مراتب وصول المعقول إلى القوة العاقلة ولهذا لا يوصف به الله  .

الثالث: التصور مشتق من الصورة، فكأن حقيقة المعقول حلت في العاقلة حلول الشكل في المادة.

الرابع: الحفظ وذلك إذا استحكمت الصورة في العاقلة بحيث لو زالت لتمكنت من استرجاعها.

الخامس: التذكر وهو محاولة استرجاع الصورة المحفوظة، وإنه بالحقيقة التفات النفس إلى عالمها.

السادس: الذكر وهو وجدان الصورة بعد محاولة استرجاعها، ولا محالة يكون مسبوقاً بالزوال: قال الشاعر: الله يعلم أني لست أذكره *** وكيف أذكره إذ لست أنساه ويوصف القول بأنه ذكر لأنه سبب حضور المعنى في النفس قال عز من قائل ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر  ﴾ .

السابع: المعرفة وقد اختلفوا في تفسيرها.

فمن قائل إنها إدراك الجزئيات، والعلم إدراك الكليات.

ومن قائل إنها التصور والعلم هو التصديق، وجعل العرفان أشرف من العلم لأن تصديقنا باستناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود أمر معلوم بالضرورة، وأما تصور حقيقته فأمر وراء الطاقة البشرية، وقال بعضهم: من أدرك شيئاً وانحفظ أثره في نفسه، ثم أدرك ذلك الشيء ثانياً وعرف أن هذا المدرك الذي أدركه ثانياً هو الذي كان قد أدركه أولاً، فهذا هو المعرفة.

والنفس قبل البدن كانت معترفة بالربوبية إلا أنها في ظلمة العلاقة البدنية قد نسيت مولاها، فإذا تخلصت من قيد العلاقة عرفت ربها وعرفت أنها كانت عارفة.

الثامن: الفهم وهو تصور الشيء من لفظ المخاطب، والإفهام هو إيصال المعنى باللفظ إلى فهم السامع.

التاسع: الفقه وهو العلم بغرض المخاطب من خطابه قال  ﴿ لا يكادون يفقهون حديثاً  ﴾ أي لا يقفون على المقصود الأصلي من التكاليف.

العاشر: العقل وهو العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها ونفعها وضرها حتى يصير مانعاً من الفعل مرة، ومن الترك أخرى، فيجري ذلك مجرى عقال الناقة.

ومن هنا قيل: هو العلم بخير الخيرين وشر الشرين، والعاقل من عقل عن الله أمره ونهيه.

الحادي عشر: الدراية وهي المعرفة الحاصلة بضرب من الحيلة، وهي ترتيب المقدمات فلا يصح إطلاقها عليه  .

الثاني عشر: الحكمة وهي اسم لكل علم حسن وعمل صالح، وهو بالعلم العملي أخص منه بالعلم النظري، وفي العمل أكثر استعمالاً منه في العلم، وقيل: هي الاقتداء بالخالق  بقدر القوة البشرية، وذلك أن يجتهد أن ينزه علمه عن الجهل، وعدله عن الجور، وجوده عن البخل وحلمه عن السفه.

الثالث عشر: علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين.

فعلم اليقين ما كان من طريق النظر والاستدلال، وعين اليقين ما كان من طريق الكشوف والنوال، وحق اليقين ما كان متحقق الانفصال عن لوث الصلصال بوروده رائد الوصال.

الرابع عشر: الذهن وهو قوة النفس على اكتساب الحدود والآراء.

الخامس عشر: الفكر وهو انتقال النفس من التصديقات الحاضرة إلى التصديقات المستحضرة.

وقيل: إنه يجري مجرى التضرع إلى الله تعالى في استنزال العلم من عنده.

السادس عشر: الحدس وهو قوة للنفس بها يهتدي بسرعة إلى الحد الأوسط في كل قياس.

السابع عشر: الذكاء وهو شدة هذا الحدس وبلوغه الغاية القصوى، من ذكت النار اشتعلت.

الثامن عشر: الفطنة وهي التنبه لشيء قصد تعريضه كالأحاجي والرموز.

التاسع عشر: الخاطر وهو حركة النفس نحو تحصيل حق أو حظ.

العشرون: الوهم وهو الاعتقاد المرجوح وقد يقال: إنه الحكم بأمور جزئية غير محسوسة لأشخاص جزئية كحكم السخلة بصداقة الأم وعداوة الذئب.

الحادي والعشرون: الظن وهو الاعتقاد الراجح فإن كان عن أمارة قوية قبل ومدح وعليه مدار أكثر أحوال العالم، وإن كان عن أمارة ضعيفة ذم ﴿ إن بعض الظن إثم  ﴾ .

الثاني والعشرون: الخيال وهو عبارة عن الصورة الباقية عن المحسوس بعد غيبته، وما كان من ذلك في النوم قد يخص باسم الطيف.

الثالث والعشرون: البديهة وهي المعرفة الحاصلة للنفس ابتداء لا بتوسط الفكر مثل: الكل أعظم من الجزء، وقد يقال لها الأوليات، الرابع والعشرون: الروية وهي ما كان من المعارف بعد فكر كثير.

الخامس والعشرون: الكياسة وهي تمكن النفس من استنباط ما هو أنفع ولهذا قال  "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" السادس والعشرون: الخبر وهو معرفة تحصل بطريق التجربة وجدت الناس اخبر تقله.

السابع والعشرون: الرأي وهو إجالة الخاطر في المقدمات التي يرجى منها إنتاج المطلوب، وقد يقال للقضية المستنتجة من الرأي رأي، والرأي للفكرة كالآلة للصانع، ولهذا قيل: إياك والرأي الفطير.

الثامن والعشرون: الفراسة وهي اختلاس المعارف من فرس السبع الشاة.

فضرب منها يحصل للإنسان من باطنه، ولا يعرف له سبب الإصغاء جوهر الروح وهو شبه الإلهام، وإياه عنى النبي  بقوله "إن في أمتي لمحدثين وإن عمر منهم" وقد يسمى النفث في الروع، وضرب يحصل بالاستدلال من الأشكال الظاهرة على الأخلاق الباطنة.

وقيل: ﴿ أفمن كان على بينة من ربه  ﴾ إشارة إلى الأول ﴿ ويتلوه شاهد منه  ﴾ إلى الثاني والله أعلم.

التأويل: عن النبي  "إن الله خلق آدم فتجلى فيه" فبالتجلي علمه التخلق بأخلاقه والاتصاف بصفاته وهذا هو سر الخلافة بالحقيقة، لأن المرأة تكون خليفة المتجلي فيها ﴿ أنبئوني بأسماء هؤلاء ﴾ أي بأسماء هؤلاء المخلوقات دون أسماء الله وصفاته ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في دعوى الفضيلة، فإن الفضيلة ليست بمجرد الطاعة، فإن ذرات الموجودات مسبحات بحمدي، وإنما الأفضلية بالعلم لأن الطاعة من صفات الخلق، والعلم من صفات الخالق، والفضل لمن له صفة الحق والخلق جميعاً فيخلف عن الحق بصفاته وعن الخلق بصفاتهم.

وإنما قال ﴿ أنبئهم ﴾ ولم يقل علمهم كقوله  ﴿ وعلم آدم ﴾ لأن الملائكة ليس لهم الترقي في الدرجات والملكوتيات، لهم شهادة كالجسمانيات لنا، ولا يتجاوزون ما فوق سدرة المنتهى كما قال جبريل: لو دنوت أنملة لاحترقت.

والجسمانيات مرتبة دون مرتبتهم فيمكن إنباؤهم بها لأن الجسمانيات لهم كالحيوانيات بالنسبة إلينا.

وأما الالهيات فليس لهم استعداد الترقي إليها، فلهذا لم يقل أنبئهم بأسمائهم كلها كما قال ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ لئلا يكون تكليفاً بما لا يطاق، وإنما كان آدم مخصوصاً بعلم الأسماء واحتاجت الملائكة إليه في إنباء أسمائهم وأسماء غيرهم، لأنه كان خلاصة العالم، ولهذا خلق شخصه بعد تمام العالم بما فيه كخلق الثمرة بعد تمام الشجرة.

فكما أن الثمرة تعبر على أجزاء الشجرة كلها حتى تظهر على أعلى الشجرة، كذلك آدم عبر على أجزاء شجرة الوجود وكان في كل جزء من أجزائها له منفعة ومضرة ومصلحة ومفسدة، فحصل له من كل من ذلك اسم يلائمه حتى إن أسماء الله  جاءت على وفقه فضلاً عن أسماء غيره، وذلك أنه لما كان مخلوقاً كان الله خالقاً، ولما كان مرزوقاً كان الله رازقاً، ولما كان عبداً كان الله معبوداً، ولما كان معيوباً كان ستاراً، ولما كان مذنباً كان غفاراً، ولما كان تائباً كان تواباً، ولما كان منتفعاً ومتضرراً كان نافعاً وضاراً، ولما كان ظالماً كان عادلاً، ولما كان  مظلوماً كان منتقماً وعلى هذا فقس.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٣٤ وَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٣٥ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّۭ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍۢ ٣٦ فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَـٰتٍۢ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٣٧ قُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ مِنْهَا جَمِيعًۭا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًۭى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٣٨ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٣٩

القراءات: ﴿ للملائكة اسجدوا ﴾ برفع الهاء للإتباع: يزيد وقتيبة.

وروى ابن مهران عنهما أنهما يشمان الكاف الكسر ويرفعان الهاء.

وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة: الملايكة بغير همز، وكذلك كل كلمة في وسطها همزة مكسورة إلا قوله ﴿ السائلين ﴾ و ﴿ السائل ﴾ و ﴿ البائس ﴾ فإنهما بالهمز ﴿ شئتما ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمر ويزيد والأعشى وورش، ومن طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف ﴿ فأزالهما ﴾ حمزة ﴿ آدم ﴾ نصب ﴿ كلمات ﴾ رفع ابن كثير ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ بالفتح حيث كان: يعقوب ﴿ هداي ﴾ و ﴿ محياي ﴾ و ﴿ مثواي ﴾ بالإمالة كل القرآن على غير ليث.

﴿ النار ﴾ بالإمالة كل القرآن، وكذلك كل كلمة في آخرها راء مكسورة بعد الألف في موضع اللام من الكلمة قرأها على غير ليث وأبي حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وحمزة في رواية ابن سعدان وأبو عمرو إلا أنه لا يميل ﴿ الجار ﴾ و ﴿ الغار ﴾ في بعض الروايات.

فروى إبراهيم بن حماد عن اليزيدي ﴿ الجار ﴾ بالإمالة.

وروى ابن مجاهد عن اليزيدي ﴿ الغار ﴾ بالإمالة، وسائر الروايات عنه بالتفخيم لقلة دورهما.

واختلفوا في وقف أبي عمرو في مثل ﴿ النار ﴾ وأشباه ذلك.

فروى ابن مجاهد والحسن بن عبد الله عن النقاش وكثير من أهل العراق أنه يقف كما يصل، وروى سلمة بن عاصم أنه يقف بالتفخيم والأول أكثر.

الوقوف: ﴿ إبليس ﴾ (ط) لأنه معرف والجملة بعده لا تكون صفة له إلا بواسطة الذي ولا عامل فتجعل الجملة حالاً ﴿ الكافرين ﴾ (ه) ﴿ شئتما ﴾ (ص) لاتفاق الجملتين ﴿ الظالمين ﴾ (ه) ﴿ كانا فيه ﴾ (ص) لعطف الجملتين المتفقتين.

﴿ عدو ﴾ (ج) لاختلاف الجملتين ﴿ حين ﴾ (ه) ﴿ فتاب عليه ﴾ (ط) ﴿ الرحيم ﴾ (ج) ﴿ جميعاً ﴾ (ج) لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ يحزنون ﴾ (ه) ﴿ النار ﴾ (ج) لأن ما بعدها مبتدأ وخبر.

وقيل: الجملة خبر بعد خبر لأولئك، لأن تمام المقصود بوعيد هو الخلود مثل: الرمان حلو حامض ﴿ خالدون ﴾ (ه).

التفسير: لما خصص الله  أبانا آدم بالخلافة ثم علمه من العلوم ما ظهر بذلك مزيته على جميع الملائكة، اقتضت حكمته البالغة أن جعله مسجوداً لهم وهذا مقتضى النسق ههنا ظاهر إلا أن قوله  في موضع آخر ﴿ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين  ﴾ يقتضي أن يكون الأمر بالسجود قبل تسوية خلقه، وأنه كما صار حياً صار مسجوداً لهم.

وتعليم الأسماء ومناظرته مع الملائكة في ذلك حصل بعد سجدتهم.

والله أعلم بذلك.

ثم إن المسلمين أجمعوا على أن ذلك السجود لم يكن للعبادة لأنه  لا يأمر بالكفر والعبادة لغيره كفر، فزعم بعض أن السجود كان لله  وآدم كالقبلة.

فقوله ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ مثل قولك "صل للقبلة" قال حسان بن ثابت: ما كنت أعرف أن الأمر منصرف *** عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليـــس أول مـــن صلـــى لقبلتكـــم *** وأعرف الناس بالقرآن والســنن؟

وهو ضعيف لأن المقصود من هذه القصة شرح تعظيم آدم، وجعله مجرد القبلة لا يفيد كونه أعظم حالاً من الساجد.

وزعم آخرون أن المراد بالسجود الانقياد والخضوع كما هو مقتضى أصل اللغة مثل ﴿ والنجم والشجر يسجدان  ﴾ وزيف بأنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك، لأن الأصل عدم التغيير.

وأصح الأقوال أن السجود كان بمعنى وضع الجبهة ولكن لا عبادة بل تكرمة وتحية كالسلام منهم عليه، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك بدل التسليم.

قال قتادة في قوله ﴿ وخروا له سجداً  ﴾ كان تحية الناس يومئذ سجود بعضهم لبعض، ويجوز أن تختلف الرسوم والعادات باختلاف الأزمنة والأوقات.

واختلف في أن إبليس من الملائكة أم لا.

فقال أكثر المتكلمين لا سيما المعتزلة: إنه لم يكن منهم.

وقال كثير من الفقهاء: إنه كان منهم حجة الأولين أنه من الجن لقوله  في الكهف ﴿ إلا إبليس كان من الجن  ﴾ فلا يكون من الملائكة.

وأيضاً قال ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن  ﴾ ورد الأول بأن الجن قد يطلق على الملك لاستتاره عن العيون، وبأن كان يحتمل أن تكون بمعنى صار.

والثاني بأنه لا يلزم من كون الجن في هذه الآية نوعاً مغايراً للملائكة أن يكون في الآية الأولى أيضاً مغايراً، لاحتمال كونه على مقتضى أصل اللغة وهو الاستتار.

وقالوا: إن إبليس له ذرية لقوله  ﴿ أتتخذونه وذريته أولياء من دوني  ﴾ والملائكة لا ذرية لها لأنها تحصل من الذكر والأنثى ولا إناث فيهم لقوله ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً  ﴾ منكراً عليهم وأيضاً الملائكة معصومون لما سلف، وإبليس لم يكن كذلك.

وأيضاً إنه من النار ﴿ خلقتني من نار  ﴾ وأنهم من نور لقوله  "خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار" رواه الزهري عن عروة عن عائشة.

ومن المشهور الذي لا يدفع أن الملائكة روحانيون، فقيل سموا بذلك لأنهم من الريح أو من الروح.

وأيضاً الملائكة رسل ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ ورسل الله معصومون ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ حجة الآخرين أنه استثناه من الملائكة، وحمله على المتصل أولى، لأن تخصيص العمومات في كتاب الله أكثر من الاستثناء المنقطع.

قيل: إنه جني واحد مغمور بين ظهراني ألوف من الملائكة فغلبوا عليه، وهذا لا ينافي كون الاستثناء متصلاً.

وأجيب بأن التغليب إنما يصار إليه إذا كان المغلوب ساقطاً عن درجة الاعتبار، أما إذا كان معظم الحديث فيه فلا يصار إلى التغليب.

وأيضاً لو لم يكن من الملائكة لم يتناوله الخطاب بـ ﴿ اسجدوا ﴾ وحينئذ لم يستحق بترك السجود لوماً وتعنيفاً، ولا يمكن أن يقال إنه نشأ معهم والتصق بهم فتناوله الأمر لما بين في أصول الفقه أن خطاب الذكور لا يتناول الإناث وبالعكس مع شدة المخالطة بين الصنفين، ولا أن يقال إنه وإن لم يدخل في هذا الأمر إلا أنه  أمره بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله ﴿ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك  ﴾ لأن قوله ﴿ أبى واستكبر ﴾ عقيب قوله ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ﴾ مشعر بأن المخالفة بسبب هذا الأمر، هذا ما قيل عن الجانبين.

ومما يناسب تفسير الآية الكلام في أن الأنبياء أفضل من الملائكة أم بالعكس، قال أكثر أهل السنة بالأول، ومالت المعتزلة والشيعة إلى الثاني، واختاره الباقلاني وأبو عبد الله الحليمي من فقهاء أهل السنة.

المعتزلة احتجوا بأمور: أحدها ﴿ ومن عنده لا يستكبرون  ﴾ وليس المراد عندية المكان والجهة بل عندية القرب والشرف.

وعورض بما حكى عنه  "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي" بل هذا أبلغ لأن كون الله  عند العبد أدخل في التعظيم من كون العبد عنده.

قالوا: الآية تدل على أنه  يقول الملائكة مع شدة قوتهم واستيلائهم على أجرام السموات والأرض وأمنهم من الهرم والمرض والآفات، لا يتركون العبودية لحظة واحدة، فالبشر مع غاية ضعفهم وقصورهم أولى بذلك.

وأجيب بأنه لا نزاع في ذلك، وإنما النزاع في الأفضلية بمعنى كثرة الثواب.

الثانية: عباداتهم من عبادات البشر فيكون ثوابهم أكثر لقوله  لعائشة "أجرك على قدر نصيبك" ولقوله "أفضل العبادات أجزها" أي أشقها.

وأما بيان أن عباداتهم أشق فمن وجهين: أحدهما أنهم سكان السموات وهي جنان ومنتزهات وهم مع ذلك لا يلتفتون إلى نعيمها ويقبلون على طاعاتهم خائفين وجلين وكأنه لا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوماً واحداً فضلاً عن تلك الأعصار المتطاولة ﴿ إن الإنسان ليطغى.

أن رآه استغنى  ﴾ ويؤكده قصة آدم فإنه أطلق له في الجنة جميعها إلا شجرة واحدة ومع ذلك لم يملك نفسه، والثاني أن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر كالانتقال من طعام إلى طعام، والإقامة على نوع واحد تورث السآمة وهذا شأن الملائكة ﴿ وإنا لنحن الصافون.

وإنا لنحن المسبحون  ﴾ ومنهم ركوع ومنهم سجود منذ خلقوا.

وعورض الوجه الأول بأن أسباب البلاء مجتمعة على البشر، ثم إنهم راضون بقضاء الله مواظبون على تكاليفهم، ولذلك كان العبيد والخدم تطيب قلوبهم بالخدمة حال الرفاهية، ولا يصبر أحد منهم على مشقة الخدمة إلا من كان في نهاية الإخلاص.

والثاني بأن العادة طبيعية خامسة ولهذا قال  : "أفضل الصوم صوم داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً" الثالثة: عباداتهم أدوم ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ وخير الأعمال أدومها، مع أن أعمارهم أكثر.

وعلى الآية سؤال.

روي عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: قلت لكعب: أرأيت قول الله عز وجل ﴿ لا يفترون  ﴾ ثم قال ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة، أفلا تكون الرسالة واللعن مانعين عن التسبيح؟

فأجاب بأن التنفس لا يمنعنا من الاشتغال بشيء آخر، فكذلك التسبيح لهم.

وزيف بأن آلة النفس فينا غير آلة الكلام، وأما اللعن والتسبيح فهما من جنس الكلام، فاجتماعهما في آلة واحدة محال.

وأجيب باحتمال أن يكون لهم ألسنة كثيرة يسبحون الله  ببعضها ويلعنون أعداءه ببعض آخر، وبأن ثناء الله يستلزم تبعيد من اعتقد في الله ما لا ينبغي، أو المراد لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال: فلان يواظب على الجماعات.

يعنون أنه عازم على أدائها في أوقاتها.

ونوقضت الحجة بأن الطاعة القليلة من الإنسان قد تقع على وجه يستحق بها ثواباً من ثواب طاعاتهم.

الرابعة: أنهم أسبق السابقين في كل العبادات ﴿ والسابقون السابقون.

أولئك المقربون  ﴾ "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها" الخامسة: الملائكة رسل إلى الأنبياء ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ نزل به الروح الأمين  ﴾ والرسول أفضل من الأمة قياساً على الشاهد.

ومنع بأن هذا إذا كان الرسول حاكماً على المرسل إليهم ومتولياً لأمورهم كالأنبياء المبعوثين إلى أممهم، أما في مطلق الرسول فلم قلتم إنه كذلك كما لو أرسل الملك عبداً من عبيده إلى وزيره أو إلى ملك آخر.

السادسة: أنهم أتقى من البشر لدوام خوفهم ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ مع وجود شهوة الترفع والرياسة فيهم ولهذا قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ وإن لم يكن لهم شهوة الأكل والوقاع، فوجب أن يكونوا أفضل ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ﴾ ورد بأن تقوى الإنسان أكمل فإن لهم مع شهوة الرياسة شهوة البطن والفرج أيضاً.

السابعة: ﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون  ﴾ خرج الثاني مخرج التأكيد للأول.

ومثل هذا إنما يكون بذكر الأفضل بعد الفاضل.

كقولك: هذا العالم لا يستنكف عن خدمة الوزير ولا الملك.

فيفيد أفضلية الملائكة المقربين في المعاني المصححة للعبودية من نهاية الخضوع والخشوع ما يتبعها مع شدة بطشهم وقوة حالهم.

وعورض بأنه قد يقال هذا العالم لا يستنكف عن خدمة القاضي ولا السلطان، ولا يفيد إلا أن السلطان أكل من القاضي في بعض الأمور كالقوة والقدرة، ولا يدل على كونه أكمل من القاضي في سائر الدرجات كالعلم والزهد.

فلم قلتم: إنهم أفضل من البشر في كثرة الثواب؟

قلت: والحق أن جميع الدرجات مندرجة تحت العبودية كما أشرنا إليه فيما مر، فيفيد أفضلية الملائكة.

لكن المقربين منهم فقط دون غيرهم ومفضولية المسيح فقط دون غيرهم كمحمد  .

الثامنة: ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين  ﴾ فهذا وإن كان حكاية قول إبليس، إلا أن آدم وحواء لو لم يعتقدا أفضلية الملك لم يغترا بذلك واعتقادهما حجة.

ورد بأن آدم لعله أخطأ في ذلك الاعتقاد، إما لأن الزلة جائزة على الأنبياء، أو لأنه ما كان نبياً في ذلك الوقت، وأيضاً هب أنه حجة لكنه قبل الزلة لم يكن نبياً فلا يلزم من مفضوليته وقتئذ مفضوليته وقت نبوته، وإن سلم مفضوليته ونبوته وقتئذ فلا نسلم أن ذلك في باب الثواب بل في باب القدرة والقوة والحسن والجمال.

ونحو ذلك فإنهم خلقوا من الأنوار وآدم خلق من التراب، فاغتر رغبة فيما لهم من هذه الأمور.

وأيضاً يحتمل أن يكون المراد إلا أن تنقلبا ملكين فيصح استدلالكم، وأن يكون المراد أن النهي مختص بالملائكة الخالدين دونكما كما يقول أحدنا لغيره: ما نهيت أنت عن كذا إلا أن تكون فلاناً.

ويكون المعنى أن المنهي عنه هو فلان دونك، فكان غرض إبليس إيهام أنهما لم ينهيا.

وأيضاً غاية ما في الباب أن الآية تدل على مفضولية آدم ولا يلزم منه مفضولية جميع الأنبياء كمحمد  .

التاسعة: ﴿ ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك  ﴾ أي لا أدعي القدرة على كل المقدورات والعلم بكل المعلومات، ولا أدعي قدرة مثل قدرة الملك ولا علماً مثل علمهم، وذلك أنه لم يرد به نفي الصورة لأنه لا يفيد الغرض، وإنما نفي أن يكون له مثل ما لهم من الصفات الجسمية والقوى العظيمة.

ورد بأنه لا يلزم من عدم الاستواء في كل الصفات حصول الاختلاف في جميعها.

العاشرة: ﴿ ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم  ﴾ ولا يخفى أن التشبيه في السيرة من غض البصر وقمع النفس عن المحرمات بدلالة وصفه بالكرم لا في الصورة.

ورد بأن قولها ﴿ فذلكن الذي لمتنني فيه  ﴾ كالتصريح بأن مراد النساء تعظيم حال يوسف في الحسن والجمال، فذلك يظهر عذرها في عشقها.

ولئن سلمنا أن التشبيه في الأخلاق المرضية فذلك لا يوجب مفضوليته من جميع الجهات، على أن قول النساء لا يصلح لأن يكون حجة.

الحادية عشرة: ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً  ﴾ وذلك أن المخلوقات إما غير المكلفين والإنسان أفضل منهم، وإما المكلفون وهم الملائكة والإنس والجن والشياطين.

ولا ريب أن الإنس أفضل من الجن والشياطين، فلو كانوا أفضل من الملك أيضاً لزم كون البشر أفضل من أكل المخلوقات، فينبغي أن يقال: وفضلناهم على جميع من خلقنا.

ورد بأن كونه أفضل من كثير لا يدل على أنه ليس بأفضل من الباقي إلا بدليل الخطاب وهو غير حجة.

وأيضاً ثبت أن جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم، ولكن لا يلزم من كون أحد المجموعين أفضل من المجموع الآخر أن يكون كل واحد من أفراد المجموع الأول أفضل من أفراد المجموع الثاني.

وأيضاً الكلام في التفضيل الحاصل بسبب الكرامة المذكورة في أول الآية ﴿ ولقد كرمنا بني آدم  ﴾ ولا يلزم من كون الملك أفضل من البشر في تلك الكرامات وهو حسن الصورة والطهارة واستخراج الأعمال العجيبة أن يكونوا أفضل منهم في الأشياء الموجبة للثواب.

الثانية عشرة: الأنبياء ما استغفروا إلا بدأوا بأنفسهم قال نوح ﴿ رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً ﴾ وقال إبراهيم ﴿ رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين  ﴾ ثم قال ﴿ واغفر لأبي  ﴾ وقال لمحمد ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات  ﴾ والملائكة لم يستغفروا لأنفسهم ولكن طلبوا المغفرة للمؤمنين ﴿ فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك  ﴾ ورد بأن هذا لا يدل إلا على صدور الزلة من البشر وعدم صدورها عنهم، وهذا لا يوجب أفضليتهم في القرب والثواب على الإطلاق ومن الناس من قال: استغفارهم للبشر كالعذر عما طعنوا فيهم بقولهم ﴿ أتجعل فيها  ﴾ .

الثالثة عشرة: ﴿ وإن عليكم لحافظين  ﴾ ويدخل فيه الأنبياء وغيرهم، والحافظ للمكلف عن المعصية أفضل من المحفوظ.

وأيضاً جعل كتابتهم حجة للبشر وعليهم فيكونون أفضل.

ورد بأن الحافظ والشاهد قد يكون أجود حالاً من المحفوظ والمشهود.

الرابعة عشرة: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً  ﴾ والمقصود بيان عظمة الله وجلاله.

ورد بأن هذا يفيد قوتهم وبطشهم فقط كما يقال: إن السلطان لما جلس وقف حول سريره ملوك الأطراف.

وهذا لا يدل على أنهم أكرم عند السلطان من ولده.

الخامسة عشرة: ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله  ﴾ والتقديم في الذكر يدل على التقديم في الدرجة ولهذا لما قال الشاعر: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً *** قال عمر بن الخطاب: لو قدمت الإسلام لأجزتك.

ولما كتبوا كتاب الصلح بين رسول الله  والمشركين، وقع التنازع في تقديم الاسم، وكذا في كتاب الصلح بين علي ومعاوية.

ومنع من أن الواو لا تفيد الترتيب، وعورض بتقديم ﴿ تبت ﴾ على "الإخلاص".

السادسة عشرة: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي  ﴾ جعل صلوات الملائكة كالتشريف للنبي  وعورض بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه  ﴾ ولا تشريف بل تتشرف الأمة بذلك.

السابعة عشرة: إن جبرائيل أفضل من محمد  لأن الله  وصفه بست من صفات الكمال ﴿ إنه لقول رسول كريم.

ذي قوة عند ذي العرش مكين.

مطاع ثم أمين  ﴾ ثم وصف محمداً  بقوله ﴿ وما صاحبكم بمجنون  ﴾ وشتان بين الوصفين.

ورد بأنه وإن وصفه ههنا بهذا القدر لاقتضاء المقام ذلك فقط، فقد وصفه في مواضع أخر بما يليق به ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً  ﴾ .

الثامنة عشرة: إن جبريل كان معلماً للنبي  ولغيره من الأنبياء، لا في العلوم التي لا يتوصل إليها إلا بالعقل.

كالعلم بذات الله  ، بل في العلم بكيفية مخلوقاته وما فيها من العجائب، والعلم بأحوال العرش والكرسي والجنة والنار وأطباق السموات وأصناف الموجودات وأحوال الأمم الخالية والقرون الماضية، والمعلم أفضل ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون  ﴾ ومنع من كون الملائكة أعلم بدليل قصة آدم، ولأن تعليم جبريل كان بالحقيقة تعليم الله  ولم يكن جبريل إلا واسطة، ولئن سلم مزيد علمهم منع كثرة ثوابهم.

التاسعة عشرة: ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ وهذه تدل على أنهم بلغوا في الترفع إلى حد لو خالفوا أمر الله لما خالفوه إلا في ادعاء الإلهية.

ورد بأن مزيد قدرتهم لا يوجب مزيد ثوابهم.

العشرون: قال  حكاية عن الرب  "إذا ذكرني عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملائه" وهذا يدل على أن الملأ الأعلى أشرف.

ورد بعد قبول خبر الواحد أنه لا يلزم منه إلا أن الملأ الأعلى خير من ملأ عوام البشر، ولا يلزم من ذلك كونهم أفضل من الأنبياء.

واعلم أن الفلاسفة اتفقوا على أن الأرواح السماوية المسماة بالملائكة عندهم أفضل من الأرواح الناطقة البشرية لوجوه: الأول: الملائكة ذواتها بسيطة مبرأة عن الكثرة، والبشر مركب من النفس والبدن، ولكل منهما قوى وأجزاء، والبسيط خير من المركب، لأن أسباب العدم للمركب أكثر منها للبسيط.

وعورض بأن المستجمع للروحاني والجسماني ينبغي أن يكون أفضل مما له طرف الروحاني فقط، ولهذا جعل أبو البشر مسجوداً للملائكة، وبأن الملائكة ليس لها إلا الاستغراق في مقاماتها النورية.

والنفوس البشرية قواها وافية بكلا الطرفين، ومحيطة بضبط أحوال العالمين فتكون أفضل.

الثاني: الجواهر الروحانية بريئة عن الشهوة والغضب المستلزمين للفساد وسفك الدماء بخلاف البشر.

ورد بأن الخدمة مع كثرة العلائق أدل على الإخلاص.

وأيضاً من البين أن درجتهم حين قالوا ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ أعلى منها حين قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ وما ذاك إلا بسبب الانكسار الحاصل من الزلة، وهذا في البشر أكثر، ولهذا قال  حاكياً عن ربه "أنين المذنبين أحب إليّ من زجل المسبحين" الثالث: أنها بريئة من طبيعة القوة فإن كل ما كان ممكناً لها بحسب أنواعها المنحصرة في أشخاصها فقد خرج إلى الفعل والأنبياء ليسوا كذلك، ولهذا قال  "وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة" ولا خفاء أن ما بالفعل التام أشرف مما بالقوة.

ورد بأن بعض الأمور فيها لعلها بالقوة، ولهذا قيل: إن تحريكاتها للأفلاك لأجل استخراج التعلقات من القوة إلى الفعل كالتحريكات العارضة لأرواحنا الحاملة لقوى الفكر والتخيل، إلا أن هذا المنع لا يجري في الملائكة المقربين المسماة عندهم بالعقول المجردة، وإنما يجري في النفوس الفلكية.

الرابع: الروحانيات أبدية الوجود مبرأة عن التغير والفناء، والنفوس الناطقة البشرية ليست كذلك.

ورد بأنه لا قديم في الوجود إلا الله.

ولئن سلم أنها ممكنة الوجود لذاتها فهي واجبة الوجود بمباديها.

وعورض بما عليه كثير من المحققين أن النفوس البشرية أيضاً أزلية بمباديها وكانت كالظلال تحت العرش يسبحون بحمد ربهم، إلا أن المبدئ الأول أمرها بالنزول إلى عالم الأجساد وشبكات المواد، فلما تعلقت بهذه الأجسام عشقتها واستحكم إلفها بها، فبعث من تلك الظلال أشرفها وأكملها لتخليص تلك الأرواح عن تلك الشبكات، وهذا هو المراد من باب الحمامة المطوقة المذكورة في كتاب كليلة ودمنة.

الخامس: الروحانيات نورانية علوية لطيفة، والجسمانيات ظلمانية سفلية كثيفة.

فأين أحدهما من الآخر؟

ورد بأن الشرف عندنا ليس بالمادة وإنما هو بالانقياد لرب العالمين.

السادس: الأرواح السماوية تفضل الأرضية بقوى العلم والعمل، أما الأول فبالاتفاق على إحاطة الأرواح السماوية بالمغيبات، ولأن علومهم فعلية فطرية كلية دائمة تامة، وعلوم البشر بالضد من ذلك.

وأما العمل فلقوله ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون  ﴾ واعترض بأن المواظب على تناول الأغذية اللطيفة لا يلتذ بها كما يلتذ المبتلى بالجوع.

فلا تكون لذة الملائكة من العلم والعمل كلذة البشر لعروض الفترات لهم في أكثر الأوقات بسبب العلائق الجسمانية والحجب الظلمانية، فهذه المزية من اللذة مما يختص به البشر، ولعل هذا هو المراد من قوله ﴿ إنا عرضنا الأمانة  ﴾ الآية.

ولذلك قالت الأطباء: إن الحرارة في حمى الدق أشد منها في حمى الغب.

لكن الحرارة في الدق لما دامت واستقرت بطل الشعور بها، فهذه الحالة ليست للملائكة لأجل الاستمرار ولا لغير الانسان لعدم الاستعداد فكان الإنسان لها بالمرصاد.

السابع: الروحانيات لها قوة على تقليب الأجسام وتصريف الأجرام، وقواهم ليست من جنس القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال ولغوب.

وإنك ترى الخامة اللطيفة تشق الصخرة الصماء، وما ذاك إلا لقوة نباتية فاضت عليها من الجواهر العلوية، فما ظنك بتلك الجواهر أنفسها والأرواح السفلية ليست كذلك؟

وما يحكى من قوة الشياطين على الأمور الصعاب ممنوع، ولئن سلم فالأرواح العلوية أقدر على ذلك مع أنهم يصرفون قواها إلى منازل العالم السفلي لا فيما هو شر لهم.

واعترض بأنه لا مانع من أن تتفق نفس ناطقة بشرية كاملة مستعلية على الأجرام العنصرية بالتقليب والتصريف.

الثامن: الملائكة لهم اختيارات فائضة من أنوار جلال الله متوجهة إلى الخيرات، واختيارات البشر مترددة بين جهتي العلو والسفل والخير والشر، وإنما يتوجه إلى الخير بإعانة الملك على ما ورد في الأخبار من أن لكل إنسان ملكاً يسدده ويهديه، ويحتمل أن يقال فتكون إذن أعمالهم أشق فيكون ثوابهم أكثر.

التاسع: الأفلاك كالأبدان، والكواكب كالقلوب، والملائكة كالأرواح.

فنسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأبدان إلى الأبدان.

وكما أن اختلافات أحوال الأفلاك مباد لحصول الاختلافات في هذا العالم، فكل أرواح العالم العلوي يجب أن تكون مستولية على أرواح العالم السفلي، بل تكون عللاً ومبادي لها، فهذه هي الآبار وهناك المنابع والمعادن، فكيف يليق بالعقل ادعاء المساواة فضلاً عن الزيادة.

وأجيب بأنه لا مؤثر عندنا إلا الله  .

العاشر: الروحانيات الفلكية مبادئ لروحانيات هذا العالم ومعادلها، منها نزلت فتوسخت بأوضار الجسمانيات، ثم تطهرت بالأخلاق الزكية وصعدت إلى عالمها، ومصدر الشيء ومصعده أشرف، منه المبدأ وإليه المنتهى.

واعترض بأن هذا مبني على عدم حشر الأجساد ودون ذاك خرط القتاد.

الحادي عشر: أليس أن الأنبياء لا ينطقون إلا عن الوحي؟

أليس أن الملائكة يعينونهم في المضايق ويهدونهم إلى المصالح كما في قصة لوط وكيوم بدر وحنين، وكما في قصة نوح في نجر السفينة؟

فمن أين لكم تفضيل الأنبياء مع افتقارهم إلى الملائكة في كل الأمور؟

وأجيب بأن أول الفكر آخر العمل ولا يلزم من كون الشيء واسطة أفضليته.

الثاني عشر: القسمة العقلية بأن الأحياء إما خيرة محضة وهم الملائكة، أو شريرة محضة وهم الشياطين، أو خيرة من وجه شريرة من وجه آخر وهم البشر، تحكم بأفضلية الملك.

وكذا التقسيم بالناطق المائت وهو الإنسان، والناطق غير المائت وهو الملك، والمائت غير الناطق وهي البهائم، يرشد إلى أن الإنسان متوسط الرتبة بين الكمال والنقصان.

فالقول: بأنه أفضل قلب للقسمة العقلية ونزاع في ترتيب الوجود.

وأجيب بما مر غير مرة من أن النزاع في كثرة الثواب.

حجة القائلين بفضل الأنبياء على الملائكة؛ الأول: أن الله  أمر الملائكة بالسجود لآدم وثبت أن آدم لم يكن كالقبلة، وأمر الأشرف بنهاية التواضع للأدون مستقبح، والجواب أن القبح العقلي غير ثابت.

الثاني: جعله خليفة له خلافة الولاية كما مر، وخلق الدنيا متعة لبقائه، والآخرة مملكة لجزائه، ولعن إبليس لسبب التكبر عليه، وجعل الملائكة حفظة أولاده ومنزلين لأرزاقهم ومستغفرين لزلاتهم، ومع جميع هذه المناصب يقول "ولدينا مزيد" فإذن لا نهاية لهذا الشرف والكمال.

الثالث: أنه كان أعلم لقوله ﴿ أنبئهم بأسمائهم ﴾ والأعلم أفضل.

الرابع: ﴿ أن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين  ﴾ والعالم كل ما سوى الله  ، فيلزم اصطفاؤهم على الملائكة.

ولا يشكل هذا بقوله ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ إلى قوله ﴿ فضلتكم على العالمين  ﴾ لأن تلك الآية دخلها التخصيص لما يعلم أنهم غير مفضلين على محمد  ، وههنا لا دليل فوجب إجراؤه على الظاهر من العموم.

الخامس: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ والملائكة من العالمين والتقرير ظاهر.

السادس: عبادة البشر أشق لأن الآدمي له شهوة تدعوه إلى المعصية بخلاف الملائكة، ولأن الآدمي مأمور بالاستنباط والقياس ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ ولا يخفى ما فيه من المشقة، والملائكة لا يعلمون إلا بالنص ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ ولما يعرض للآدمي من الشبهات ككون الأفلاك والأنجم أسباباً للحوادث اليومية فيحتاجون إلى دفعها، والملائكة حيث إنهم يشاهدون عالم الملكوت آمنون من ذلك، ولأن الشيطان مسلط على الآدمي دون الملك، وإذا كانت طاعتهم أشق فيكون ثوابهم أكثر.

السابع: خلق للملائكة عقولاً بلا شهوة، وللبهائم شهوة بلا عقل، وجمع الأمرين للآدمي.

ثم إذا غلب هواه عقله صار أدون من البهيمة أولئك ﴿ كالأنعام بل هم أضل  ﴾ .

فإذا غلب عقله هواه وجب أن يصير أشرف من الملك اعتباراً لأحد الطرفين بالآخر.

الثامن: الملائكة حفظة بني آدم والمحفوظ أعز من الحافظ.

التاسع: روي أن جبريل  أخذ بركاب محمد  حتى أركبه على البراق ليلة المعراج، ولما وصل محمد  إلى بعض المقامات تخلف عنه جبريل وقال: لو دنوت أنملة لاحترقت.

العاشر: قوله  "إن لي وزيرين في السماء ووزيرين في الأرض.

أما اللذان في السماء فجبريل وميكائيل، وأما اللذان في الأرض فابو بكر وعمر" فدل على أن محمداً  كالملك وجبريل وميكائيل وزيران، فهذا تمام الكلام في حجج الفريقين، وعليك الاختيار بعقلك دون هواك.

ثم إنه  لما استثنى إبليس من الساجدين وكان من الجائز أن يظن أن به عذراً بيَّن أنه غير ذي عذر بقوله ﴿ أبى ﴾ لأن الإباء هو الامتناع مع الاختيار ولهذا فقد العاطف نحو قولك "أبشر بما يسرك عيني تختلج" لا تقول "فعيني" لأنها بيان، ثم إنه جاز أن لا يكون الإباء مع الكبر فعطف عليه ﴿ واستكبر ﴾ ليعرف أن الإباء منضم إلى الاستكبار، وكان من الجائز أن يظن أن كبره لم يوجب الكفر فأزيل الظن بقوله ﴿ وكان من الكافرين ﴾ .

وللعقلاء ههنا قولان: أحدهما أن إبليس حين اشتغاله بالعبادة كان منافقاً كافراً، أما عند من يمنع الإحباط فلأن ختمه لما كان على الكفر علم أنه ما كان مؤمناً قط.

وأما عند غيرهم فلما حكاه الشهرستاني في أول الملل والنحل عن شارح الأناجيل الأربعة على شبه منظرة بين إبليس والملائكة بعد الأمر بالسجود قال إبليس لعنه الله: إني سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق عالم قادر حكيم، إلا أن لي على مساق حكمه أسئلة؛ الأول: إنه قد علم قبل خلقي أيّ شيء يصدر عني فلم خلقني؟

وما الحكمة في خلقه إياي؟

الثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته، فلم كلفني بمعرفته وطاعته؟

وما الحكمة في التكليف مع أنه لا ينتفع بطاعة ولا يتضرر بمعصية، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟

الثالث: إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فأطعت وعرفت، فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له؟

وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد أن لا يزيد ذلك في معرفتي وطاعتي؟

والرابع: إذ خلقني وكلفني بهذا التكليف على الخصوص فإذا لم أسجد، فلم لعنني وأخرجني من الجنة وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له في ذلك ولي فيه أعظم الضرر؟

والخامس: ثم لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ومن وسوسة آدم بعد أن لو منعني من دخول الجنة استراح مني آدم وبقي خالداً في الجنة؟

والسادس: إذ خلقني وكلفني عموماً وخصوصاً ولعنني ثم طرقني إلى الجنة، وكانت الخصومة بيني وبين آدم، فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يرونني ويؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر فيّ حولهم وقوتهم؟

وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة وأبقاهم على ذلك فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى بالحكمة؟

والسابع: سلمت هذا كله، فلم إن استمهلته أمهلني، وما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح الخلق مني وما بقي شر في العالم؟

ليس بقاء العالم على نظام الخير خيراً من امتزاجه بالشر؟

فقال شارح الإنجيل: فأوحى الله  إلى الملائكة قولوا له: أما تسليمك الأول أني الهك وإله الخلق فغير صادق ولا مخلص، إذ لو صدقت أني إله العالمين ما احتكمت علي وأنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل والخلق مسؤولون هذا مذكور في التوراة ومسطور في الإنجيل، وهذه الشبهات بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذور وليس يعدوها عقائد فرق الزيغ والكفر وإن اختلفت العبارات وتباينت الطرق، ويرجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالخلق، وإلى الجنوح إلى الهوى في مقابلة النص، ولا جواب عنها بالتحقيق إلا الذي ذكره الله  .

فاللعين لما أن حكم العقل على من لا يحتكم عليه العقل، لزمه أن يجري حكم الخالق في الخلق، أو حكم الخالق في الخالق.

فالأول غلو كالحلولية وكالغلاة من الشيعة، والثاني تقصير كالمشبهة وصفوا الخالق بصفات الأجسام، وكالخوارج نفوا تحكيم الرجال وقالوا: لا حكم إلا لله كقوله ﴿ لأسجد لبشر خلقته من صلصال  ﴾ لا أسجد إلا لك.

فالشبهات كلها ناشئة من اللعين، وتلك في الأول مصدرها، وهذه في الأخير مظهرها، ولهذا قال  ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدوّ مبين  ﴾ وشبه النبي  كل فرقة ضالة من هذه الأمة بأمة ضالة من الأمم السالفة فقال "القدرية مجوس هذه الأمة والمشبهة يهود هذه الأمة، والرافضة - يعني الغلاة - نصارها" وقال  : "لتسلكن سبيل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" القول الثاني أن إبليس كان مؤمناً ثم كفر بعد ذلك ثم اختلفوا.

فمن قائل معناه "وكان من الكافرين في علم الله" أي كان الله عالماً في الأزل بأنه سيكفر.

فصيغة "كان" متعلقة بالعلم لا بالمعلوم.

ومن قائل إن "كان" بمعنى "صار".

وقيل: لما كفر في وقت معين بعد أن كان مؤمناً فبعد لحظة يصدق عليه أنه كان من الكافرين.

وإنما حكم بكفره على هذا القول الثاني لاستكباره واعتقاده كونه محقاً في ذلك التمرد بدليل قوله ﴿ أنا خير منه  ﴾ وإلا فمجرد المعصية لا يوجب الكفر عندنا وإن كانت كبيرة، وكذا عند المعتزلة لأنه وإن خرج عن الإيمان لم يدخل في الكفر.

نعم عند الخوارج الكبيرة موجبة للكفر على الإطلاق.

ثم إن قوله ﴿ من الكافرين ﴾ هل يدل على وجود جمع من الكفرة قبله حتى يكون هو واحداً منهم؟

قال قوم: إنه يدل على ذلك لأن كلمة "من" للتبعيض.

وإنما يذكر البعض الموجود بالإضافة إلى كل موجود لا إلى كل من سيوجد.

ومما يؤكد ذلك ما روي عن أبي هريرة أنه قال: إنه  خلق خلقاً من الملائكة ثم قال لهم ﴿ إني خالق بشراً من طين  ﴾ قالوا: لا تفعل ذلك.

فبعث الله ناراً فأحرقتهم.

وكان إبليس من أولئك.

وقال آخرون: معنى الآية إنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك، لأن الكفر كان ظاهراً عند نزول الآية، أو لأن الإفراد الذهنية تكفي في صحة الجمع.

فإن الحيوان المخلوق أوّلاً يصح أن يقال إنه فرد من أفراد هذا الحيوان أي من أفراد هذه الماهية، وعلى هذا يكون إبليس أول من سن الكفر وهو قول الأكثرين.

واعلم أن الملائكة المأمورين بالسجود هم كل الملائكة عند أكثر الأئمة، لأن الجمع المعرف للعموم ويؤكده قوله ﴿ فسجد الملائكة كلهم أجمعون  ﴾ .

وأيضاً استثناء الشخص الواحد يدل على أن ما عداه داخل في ذلك الحكم.

ومن الناس أنكر ذلك وقال: هم ملائكة الأرض استعظموا أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك، وأما الحكماء فإنهم يحملون الملائكة على الجواهر الروحانية، واستحالوا انقياد الأرواح السماوية للنفوس الناطقة.

وقالوا: المأمورون بالسجود القوى الجسمانية البشرية المطيعة للنفس الناطقة.

قوله  ﴿ وقلنا يا آدم اسكن ﴾ الآية الأصح أن هذا الأمر يشتمل على ما هو إباحة لأنه كان مأذوناً في الانتفاع بجميع الجنة، وعلى ما هو تكليف وتعبد، فإن المنهي عنه كان حاضراً.

روي عن قتادة أنه قال: إن الله ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود، وذلك لأنه كلفه أن يكون في الجنة يأكل منها حيث يشاء، ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، فما زال به البلاء حتى وقع فيما نهي عنه.

فإسكانه موضعاً يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع منعه عن تناوله من أشد التكاليف.

وإنما لم يقل وهبت منك الجنة لأنه خلق لخلافة الأرض وكان إسكان الجنة كالتقدمة لذلك.

فلو قال رجل لغيره أسكنتك داري.

لا تصير الدار ملكاً له.

وأجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة.

ففي سائر القرآن ما يدل على ذلك وإنها مخلوقة منه ﴿ خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها  ﴾ وقال  "إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها" وذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن الله  لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة حل فيها وحده وما كان معه من يستأنس به، فألقى الله  عليه النوم، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ووضع مكانه لحماً وخلق حواء منه، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة.

فسألها من أنت؟

قالت امرأة.

قال: ولم خلقت؟

قالت: لتسكن إليّ.

فقالت له الملائكة امتحاناً لعلمه: ما اسمها؟

فقال: حواء.

قالوا: ولم؟

قال: لأنها خلقت من شيء حي.

قيل: فلما أراد آدم مد يده إليها منعته الملائكة وقالوا: أمهرها.

قال: فما صداقها؟

قالوا: أن تصلي على محمد وآله.

قال: ومن محمد؟

قالوا: من أولادك خاتم النبيين ولولاه لما خلقت.

وعن ابن عباس قال: بعث الله جنداً من الملائكة فحملوا آدم وحواء عليهما السلام على سرير من ذهب كما يحمل الملوك ولباسهما النور، على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ، وعلى آدم منطقة مكللة بالدرّ والياقوت حتى أدخل الجنة.

فهذا الخبر يدل على أ ن حواء خلقت قبل إدخاله الجنة، والخبر الأول دل على أنها خلقت في الجنة والله أعلم بحقيقة الحال.

ثم هذه الجنة كانت في الأرض أو في السماء؟

وعلى تقدير كونها في السماء هي دار الثواب أم جنة أخرى؟

فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني: هي في الأرض وحملا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله  ﴿ اهبطوا مصراً  ﴾ قالا: لأن دار الثواب للخلد ولو كان في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله ﴿ هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى  ﴾ ولأن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى ﴿ وما هم منها بمخرجين  ﴾ ولأن إبليس بعد أن غضب الله عليه كيف يقدر أن يصل إلى جنة الخلد، ولأن دار الجزاء يدخل المكلف فيها بعد العمل ولا عمل لآدم وقتئذ، ولأنه  خلقه في الأرض ولم يذكر نقله إلى السماء ولو كان قد نقله لكان ذكره أولى، لأن ذلك النقل من أعظم النعم.

وقال الجبائي: هي في السماء السابعة، اهبط منها إلى السماء الدنيا، ثم منها إلى الأرض.

وقال الجمهور: هي دار الثواب والدليل عليه أن اللام في الجنة ليست للعموم، لأن السكنى في جميع الجنان محال فهي للعهد، ولا معهود بين المسلمين إلا دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها.

واسكن أمر من السكنى، والسكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار.

و "أنت" تأكيد للمستكنّ في "اسكن" ليصح العطف عليه.

و ﴿ رغداً ﴾ وصف للمصدر أي أكلا رغداً واسعاً رافهاً و ﴿ حيث ﴾ للمكان المبهم أي أيُّ مكان من الجنة شئتما، أو أيّ زمان شئتما، فإن "حيث" قد يعبر به عن زمان مجهول.

وإنما قيل ههنا ﴿ وكلا ﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿ فكلا ﴾ لأن كلّ فعل عطف عليه شيء وكان بينهما رابطة السببية يعطف الثاني على الأول بالفاء وإلا فبالواو كقوله  في البقرة ﴿ وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا  ﴾ بالفاء، لأن الدخول سبب الوصول إلى الأكل، وكأنه قال: وإن دخلتموها أكلتم.

وفي الأعراف ﴿ وإذا قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا  ﴾ بالواو لأن السكنى وهي طول اللبث لا يختص وجوده بوجود الأكل، لأن المجتاز قد يأكل أيضاً، فلهذا لم يعطف ههنا بالفاء إذ المراد اسكن من السكنى، وأما في الأعراف فالمراد اسكن بمعنى الدخول ثم السكون فصح العطف بالفاء.

والنهي في ﴿ لا تقربا ﴾ للتنزيه أو للتحريم، الأصح الأول لأن الصيغة وردت في كليهما والأصل عدم الاشتراك فيجعل حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو ترجيح لجانب الترك على الفعل من غير دلالة على المنع من الفعل، أو الجواز.

لكن الجواز ثابت بحكم الأصل، فإن الأصل في الأشياء الإباحة، فإذا ضممنا هذا الأصل إلى مدلول اللفظ صار المجموع دليلاً على التنزيه وهذا أولى، ليرجع حاصل معصيته إلى ترك الأولى فيكون أقرب إلى عصمة الأنبياء.

وقيل: نهي تحريم قياساً على قوله ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن  ﴾ وقوله ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم  ﴾ ولقوله ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ ولأنه استحق الإخراج من الجنة والرجوع إلى التوبة.

والجواب أن التحريم في ﴿ ولا تقربوهن  ﴾ بدليل منفصل، والظلم قد يراد به ترك الأولى، والإخراج لم يكن بهذا السبب بل لما سيأتي إن شاء الله  .

ثم النهي عن القرب يفيد النهي عن الإكل بطريق الكناية، فإن القرب إليها من أسباب الأكل منها، ومما يدل على النهي عن الأكل صريحاً قوله ﴿ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما  ﴾ .

وروي عن ابن عباس أن الشجرة هي البر والسنبلة، وفي رواية عنه وعن ابن مسعود أنها الكرم، وعن مجاهد وقتادة أنها التين، وعن الربيع بن أنس كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث.

قال المبرد: وأحسب أن كل ما له أغصان وعيدان فالعرب تسميه شجراً، وقد لا يختص بما له ساق قال  ﴿ وأنبتنا عليه شجرة من يقطين  ﴾ وأصل هذا أنه اسم لكل ما شجر أي أخذ يمنة ويسرة والتشاجر الاختلاف.

واعلم أنه ليس في الظاهر ما يدل على التعيين، ولا حاجة أيضاً إلى بيانه.

فليس المقصود تعريف الشجرة، وما لم يكن مقصوداً فذكره لا يجب على الحكيم بل يكون عبثاً، كما لو أراد أحدنا أن يقيم عذره في التخلف فقال: اشتغلت بضرب غلماني لإساءتهم الأدب.

كان هذا القدر أحسن من أن يذكر عين الغلام واسمه وصفاته، فلا يظنن أحد أن ههنا تقصيراً في البيان.

﴿ فتكونا ﴾ جزم عطفاً على ﴿ تقربا ﴾ ونصب جواباً للنهي.

﴿ من الظالمين ﴾ من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله.

قوله ﴿ فأزلهما الشيطان ﴾ الآية.

تحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنهما ولفظة ﴿ عن ﴾ في هذه الآية كـ ﴿ هي ﴾ في قوله ﴿ وما فعلته عن أمري  ﴾ فالضمير للشجرة.

وقيل: أذهبهما وأبعدهما كما تقول: زل عن مرتبته وزلت قدمه.

فالضمير للجنة، ومن قرأ ﴿ أزالهما ﴾ فهو من الزوال عن المكارم مما كانا فيه أي من النعيم والكرامة، أو من المكان الذي هو الجنة إن كان الضمير في ﴿ عنها ﴾ الشجرة.

واعلم أن الناس اختلفوا في عصمة الأنبياء عليهم السلام، والنزاع إما في باب الاعتقاد، أو في باب التبليغ، أو في باب الأحكام والفتيا، أو في أفعالهم وسيرتهم.

أما اعتقادهم الكفر والضلال فغير جائز عند أكثر الأئمة.

وقالت الفضيلية: إنه قد وقع منهم ذنوب والذنب عندهم كفر وشرك، فلا جرم قالوا بوقوع الكفر منهم.

وأجازت الإمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية، وأما ما يتعلق بالتبليغ فاجتمعت الأمة على عصمتهم عن الكذب والتحريف في ذلك لا عمداً ولا سهواً وإلا ارتفع الوثوق.

ومنهم من جوز ذلك سهواً لأن الاحتراز غير ممكن، وأما المتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز الخطأ فيه عمداً، وأما السهو فجوزه بعضهم وأباه آخرون.

وأما المتعلق بأفعالهم فالحشوية جوّزوا الكبائر عنهم عمداً، وأكثر المعتزلة جوّزوا الصغائر عنهم عمداً إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف، والجبائي لا يجوّز صغيرة ولا كبيرة على جهة العمد بل على التأويل.

وقيل: لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ، ولكنهم يؤاخذون به وإن كان ذلك موضوعاً عن أمتهم، لأن معرفتهم أقوى وهم على التحفظ أقدر.

والشيعة لم يجوّزوا صغيرة ولا كبيرة منهم لا عمداً ولا سهواً ولا على سبيل التأويل والخطأ.

وفي وقت عصمتهم ثلاثة أقوال: فمذهب الشيعة أنهم معصومون من وقت مولدهم، والمعتزلة من وقت بلوغهم ولم يجوزوا الكفر والكبيرة منهم قبل النبوة، وبعضهم وأكثر أصحابنا على تجويز ذلك قبل النبوة، والمختار أنهم لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة لا الكبيرة ولا الصغيرة لوجوه: الأول: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة مصداقه قوله عز وجل من قائل ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين  ﴾ وصغائر الرجل الكبير كبائر *** ولا يجوز أن يكون النبي أقل حالاً من الأمة بالإجماع.

والثاني: وبتقدير إقدامه على الفسق لا يكون مقبول الشهادة لقوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا  ﴾ لكنه شاهد عدل من الله بأنه شرع الدين وكذا يوم القيامة { ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ .

الثالث: وبتقدير إقدامه على الكبيرة.

يجب زجره وإيذاؤه، لكنه محرّم ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ﴾ .

[الأحزاب: 57].

الرابع: أنه  لو أتى بمعصية لوجب علينا الاقتداء به لقوله ﴿ فاتبعوه  ﴾ والجمع بين الوجوب والحرمة محال.

الخامس: نعلم بالبديهة أنه قبيح لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته وجعله خليفة في عباده وبلاده، ثم إنه يقدم على ما نهاه عنه ترجيحا لهواه حتى يستحق اللعن والعذاب.

السادس: ﴿ أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم  ﴾ يكون حينئذ منزلاً في شأنه، ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه  ﴾ .

السابع: ﴿ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات  ﴾ واللفظ للعموم فيشمل فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي.

الثامن: ﴿ وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار  ﴾ ﴿ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس  ﴾ والوصف بالاصطفاء ينافي الذنب.

التاسع: أنه  حكى عن إبليس ﴿ لأغوينهم أجمعين.

إلا عبادك منهم المخلصين  ﴾ والأنبياء من المخلصين لقوله  في حق يوسف ﴿ إنه من عبادنا المخلصين  ﴾ وفي حق موسى ﴿ إنه كان مخلصاً  ﴾ فكذا غيرهما.

العاشر: ﴿ ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين  ﴾ ولا يخفى وجوب كون الأنبياء منهم وإلا كان غير النبي أفضل من النبي.

الحادي عشر: الخلق قسمان: حزب الله ﴿ ألا إن حزب الله هم المفلحون  ﴾ وحزب الشيطان ﴿ ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون  ﴾ والعصاة حزب الشيطان، فلا يجوز أن يكون النبي عاصياً.

الثاني عشر: النبي  أفضل من الملك كما مر والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، فالنبي أولى.

الثالث عشر: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ والإمام من يؤتم به والمذنب لا يجوز الاقتداء به في ذنبه.

الرابع عشر: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين  ﴾ فإن كان عهد النبوة ثبت المطلوب، وإن كان عهد الإمامة فالنبي أولى به، "روي أن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله  على وفق دعواه فقال  : كيف شهدت لي فقال: يا رسول الله إني أصدقك على الوحي النازل عليك من فوق سبع سموات، أفلا أصدقك في هذا القدر؟

فصدقه رسول الله  فيه وسماه بذي الشهادتين" ، ولو كانت المعصية جائزة على الأنبياء لما جازت تلك الشهادة.

المخالف تمسك في باب الاعتقاد بقوله ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة  ﴾ إلى قوله ﴿ جعلا له شركاء  ﴾ وهذا يقتضي صدور الشرك عنهما.

والجواب ما سيجيء في الأعراف إن شاء الله  ، من أن الخطاب لقريش والمعنى: خلقكم من نفس قضى وجعل من جنسها زوجة عربية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد الدار وعبد قصي.

قالوا: إن إبراهيم لم يكن عالماً بالله ولا باليوم الآخر لقوله ﴿ هذا ربي  ﴾ ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ والجواب: هذا ربي استفهام منه بطريق الإنكار وقوله ﴿ ليطمئن قلبي ﴾ أراد به أن يؤكد علم اليقين بعين اليقين فليس الخبر كالمعاينة.

قالوا: ﴿ فإن كنت في شك  ﴾ ﴿ فلا تكونن من الممترين  ﴾ يدل على أنه كان شاكاً في الوحي قلنا: الخطاب له والمراد الأمة مثل ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء  ﴾ .

قالوا في باب التبليغ ﴿ سنقرئك فلا تنسى.

إلاّ ما شاء الله  ﴾ هذا الاستثناء يدل على النسيان.

والجواب عنه أن هذا النسيان نوع من النسخ كما يجيء في تفسير قوله  ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها  ﴾ .

قالوا ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته  ﴾ والجواب سوف يجيء في سورة الحج إن شاء الله  : قالوا: ﴿ عالم الغيب فلا يظهر ﴾ إلى قوله ﴿ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم  ﴾ ولولا الخوف من وقوع التخبيط في الوحي لم يستظهر بالرصد، قلنا هذا عليكم لا لكم لدلالته على كونهم محفوظين عن التخبط.

قالوا في باب الفتيا ﴿ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث  ﴾ ﴿ وما كان لنبي أن يكون له أسرى  ﴾ ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم  ﴾ قلنا: الجميع محمول على ترك الأولى، وسوف يجيء قصة كل في موضعها على أنا نقول شعراً: يا سائلي عن رسول الله كيف سها *** والسهو من كل قلب غافل لا هي قد غاب عن كل شيء سره فسـها *** عما سوى الله فالتعظيم لله.

فشغل الأدبي عن الأرفع هو المذموم، وأما الشغل بالأرفع عن الأدنى فمحمود.

قالوا في الأفعال ﴿ وعصى آدم ربه فغوى  ﴾ والعصيان يوجب الوعيد ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم  ﴾ والغي ضد الرشد ﴿ قد تبين الرشد من الغي  ﴾ ، ثم إنه تاب والتوبة دليل الذنب، وإنه ظالم لقوله ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ والظالم ملعون ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين  ﴾ وأنه أخرج من الجنة، وكل هذه دليل ارتكاب الكبيرة.

والجواب، المنع من أن هذه الأمور كانت بعد النبوة.

ثم لنفرض أنه صدر ذلك الفعل عن آدم بعد النبوة، فإقدامه عليه إما أن يكون في حال كونه ناسياً، أو في حال كونه ذاكراً، الذاهبون إلى الأول وهم طائفة من المتكلمين احتجوا بقوله ﴿ فنسي ولم نجد له عزماً  ﴾ ومثلوه بالصائم يغفل عن صومه فيأكل في أثناء ذلك السهو عن قصد.

قيل عليه إن قوله ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين  ﴾ وقوله ﴿ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين  ﴾ يدل على أنه ما نسي وروي عن ابن عباس أنهما لما أكلا منها وبدت لهما سوآتهما، خرج آدم فتعلقت به شجرة من شجر الجنة فحبسته فناداه الله  : أفراراً مني؟

فقال: بل حياء منك.

فقال له: أما كان فيما منحتك من الجنة مندوحة مما حرمت عليك؟

قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك بما كنت أرى أحداً يحلف بك كاذباً، فقال: وعزتي لأهبطنك منها ثم لا تنال العيش إلا نكداً.

وأيضاً لو كان ناسياً لما عوتب عليه لأنه قادر على تركه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، رفع القلم عن ثلاث.

وأجيب بالمنع من أن إقدامه على ذلك الفعل إنما وقع عقيب قول إبليس، لأنه كان عالماً بتمرد إبليس عن سجوده وكونه عدواً له ولزوجه، ولأنهما لو صدقاه لكانت المعصية في تصديقه أعظم من أكل الشجرة، لأنه ألقى إليهما سوء الظن بالله وأنه ناصح والرب غاش.

وما روي عن ابن عباس فهو من باب الآحاد ولا يلزم من رفع النسيان عن هذه الأمة رفعه عن غيرهم، بل لا يلزم من رفعه عن الأمة رفعه عن النبي  "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل" "إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم" وقيل: إن حواء سقته الخمر فسكر ثم أقدم على ذلك الفعل، وهذا إنما يصح إذا حملت الشجرة على غير الكرمة حتى يكون مأذوناً في تناول غيرها، إلا أنه يرد عليه أن خمر الجنة لا تسكر ﴿ لا فيها غول  ﴾ .

الذاهبون إلى أنه فعله عامداً أربع فرق: منهم من قال: النهي نهي تنزيه لا تحريم وقد سبق.

ومنهم من قال: كان عمداً من آدم وكان كبيرة مع أن آدم في ذلك الوقت كان نبياً، وقد عرفت فساده.

ومنهم من قال: فعله عمداً لكن كان معه من أعمال القلب من الإخلاص والوجل والإشفاق ما صيره صغيرة، وزيف بأن المقدم على ترك الواجب أو فعل المنهي عمداً لا يعذر بدعوى الخوف، فلا يصح وصف الأنبياء بذلك.

ومنهم - وهو اختيار أكثر المعتزلة - من قال: إنه أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه، وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة، بيان الاجتهاد أنه لما قيل له ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ فلفظ ﴿ هذه ﴾ قد يشار بها إلى الشخص، وقد يشار بها إلى النوع كما روي "أنه  أخذ حريراً وذهباً بيده وقال هذان حرامان على ذكور أمتي.

وتوضأ ثم قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" وأراد نوع الحرير والذهب، ونوع الوضوء.

فمراد الله  من كلمة ﴿ هذا ﴾ ذلك النوع لا الشخص.

وكان آدم ظن أن النهي قد ورد على الشجرة المعينة فتركها، وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع.

واعترض بأن هذا في أصل اللغة للإشارة الشخصية، وإذا حمل آدم اللفظ على موضوعه فكيف يعد مخطئاً؟

وأيضاً هب أن لفظ ﴿ هذا ﴾ متردد بين الشخص والنوع، فإن كان مع قرينة الإشارة النوعية وقد قصر في معرفتها فيكون مذنباً، وإن عرفها ومع ذلك أقدم على التناول فكذلك، وإن لم يكن فيه قرينة فلا يعد مخطئاً.

وأيضاً الأنبياء لا يجوز لهم الاجتهاد لأنهم قادرون على تحصيل اليقين بالوحي، فالإقدام على الاجتهاد عين المعصية.

وأيضاً هذه المسألة إن كانت قطعية فالخطأ فيها كبيرة، وإن كانت من الظنيات فإن قلنا: كل مجتهد مصيب.

فلا خطأ، وإن قلنا المصيب واحد فالمخطئ فيها معذور بالاتفاق.

وأجيب بأن لفظ ﴿ هذا ﴾ يستعمل في الإشارة النوعية أيضاً كما مر، وبأن آدم لعله قصر في معرفة القرينة أو عرفها ثم نسي لطول المدة، فلهذا عوتب.

وبأن المسألة القطعية لما نسيها صار النسيان عذراً حتى لا يصير الذنب كبيراً، وقد تكون ظنية وترتب التشديدات على الخطأ فيها لأن النبي  قد يؤاخذ بما لا يؤاخذ به الأمة.

قيل: وقد يحمل الخطأ في الاجتهاد من جهة أن آدم ظن أن المنهي في قوله ﴿ لا تقربا ﴾ تناولهما معاً، فيجوز لكل واحد على الانفراد أكله.

فإن قيل: كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم مع أن إبليس كان خارج الجنة وآدم فيها؟

قلت: إما لأنه دخل فم الحية خافياً عن الخزنة ولهذا سقطت قوائم الحية عقوبة لها على ما يروى - وإن كان بعيداً - عن أبي هريرة أنه  قال: ما سالمناهم منذ حاربناهم، ومن ترك منهم شيئاً خيفة فليس منا.

يعني الحيات.

وإما لأنه دخل الجنة في صورة دابة، وإما لأنهما كانا يخرجان إلى باب الجنة وإبليس كان يقرب من الباب ويوسوس، وإما لأنه كان يدنو من السماء فيكلمهما.

وقيل وسوس لهما على لسان بعض أتباعه لأنهما كانا يعرفان ما عنده من الحسد والبغضاء فيستحيل أن يقبلا قوله عادة.

وإسناد الإذلال والإخراج إلى الشيطان لأنه حصل بسبب منه، وعن بعض العرفاء أن زلة آدم هب أنها كانت وسوسة إبليس، فمعصية إبليس بوسوسة من؟

ولا بد من الانتهاء إلى الذي لا يسأل عما يفعل.

فإن قيل: كيف كانت الوسوسة؟

قلنا: هي التي حكاها الله  ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين  ﴾ فلما لم يفد عدل إلى اليمين ﴿ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين  ﴾ ولكم من شياطين الإنس تراهم يوسوسون إليك على هذا الترتيب أعاذنا الله منهم.

ثم بعد ذلك يحتمل أنهما لم يصدقاه فعدل إلى شغلهما باللذات المباحة حتى استغرقا فيها ونسيا النهي فوقعا فيما وقعا والله أعلم بحقائق الأمور.

﴿ اهبطوا ﴾ خطاب لآدم وحواء وإبليس إما في وقت واحد بناء على أن إبليس قد عاد إلى الجنة لأجل الوسوسة، وإما لآدم وحواء في وقت وله في آخر قبل ذلك، وقيل: خطاب لهما وللحية.

وقيل: الصحيح أن الخطاب لهما وذريتهما مرادة أيضاً لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الناس كلهم، والدليل عليه ما جاء في طه ﴿ اهبطا منها  ﴾ وقوله ﴿ فإما يأتينكم  ﴾ وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم.

و ﴿ اهبطوا ﴾ أمر أو إباحة.

والأشبه الأول لأن مفارقة ما كانا فيه من النعيم إلى دار الهوان أشق التكاليف.

وإنما قيل: إنه تكليف لا عقوبة لما ترتب عليه من الثواب العظيم.

ويمكن أن يقال: نفس الإهباط عقوبة ولا ثواب عليه، وإنما الثواب على حسب العمل بعد ذلك.

ومعنى ﴿ بعضكم لبعض عدو  ﴾ ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض.

وليست هذه هي العداوة المأمور بها في قوله ﴿ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا  ﴾ فلا يدخل تحت الأمر، بل المراد اهبطوا وسيكون حالكم كذا، لأن عالم التضاد والتنافي ليس كعالم الأنوار الذي لا تعاند فيه ولا تمانع ﴿ مستقر ﴾ استقرار أو موضع استقرار حالتي الحياة والموت.

﴿ ومتاع ﴾ تمتع بالعيش ﴿ إلى حين ﴾ هو يوم القيامة، أو حين انقضاء آجالكم.

والحين المدة طويلة أو قصيرة، ولهذا لو قال: أنت طالق إلى حين.

فمضت لحظة طلقت.

وفي قصة آدم وما جرى عليه بسبب الزلة معتبر عجيب وموعظة بليغة بينة كافية في اجتناب الخطايا واتقاء المآثم، ولله در القائل: يـــا ناظــراً يرنــو بعينــي راقـــــد *** ومشاهداً للأمـر غيــر مشــاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي *** درك الجنان ودرك فوز العابد أنســيت أن الله أخــــرج آدمــــــــاً *** منهـا إلـى الدنيـا بذنب واحــد؟

وعن فتح الموصلي: كنا قوماً من أهل الجنة فساقنا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها.

تطلــب الراحـــة فـي دار العنــا *** خــاب من يطلب شيئاً لا يكون قوله ﴿ فتلقى ﴾ الآية.

أصل التلقي التعرض للقاء، ثم يوضع موضع الاستقبال للشيء الجائي، ثم يوضع موضع القبول، والأخذ ﴿ وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم  ﴾ أي تلقنه، ثم بعض الأفعال قد يشترك فاعله ومفعوله في صلاحية وصف كل منهما بالفعل فيتعاوضان عمله فيهما.

تقول: بلغني ذاك وبلغته، وأصابني خير أو نالني وأصبته أو نلته ﴿ وتلقى آدم من ربه كلمات ﴾ أي أخذها ووعاها واستقبلها بالقبول وتلقى آدم كلمات أي جاءته واتصلت به، ولا يجوز أن يكون معنى التلقي من الرب، أن الله  عرفه حقيقة التوبة لأن المكلف لا بد أن يعرف ماهية التوبة، ويتمكن بعقله من تدارك الذنوب فضلاً عن الأنبياء فإذن المراد أنه نبهه على المعصية على وجه آل أمره إلى التوبة، أو عرّفه وجوب التوبة وكونها مقبولة، أو ذكره نعمته العظيمة عليه حتى صار من الدواعي القريبة إلى التوبة، أو علمه كلمات لو حصلت التوبة معهن كمل حالها من قوله  ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ الآية.

وفي رواية ابن عباس أن آدم قال: يا رب ألم تخلقني بيدك؟

قال: بلى.

قال: يا رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟

قال: بلى.

قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟

قال: بلى.

قال: ألم تسكني جنتك؟

قال: بلى.

قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟

قال: نعم.

وقال النخعي: أتيت ابن عباس فقلت: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟

قال: علم الله آدم وحوّاء أمر الحج فحجا، فهي الكلمات التي تقال في الحج، فلما فرغا من الحج أوحى الله  إليهما إني قبلت توبتكما.

وعن ابن مسعود: إن أحب الكلام إلى الله ما قاله أبونا حين اقترف الخطيئة "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".

وقالت عائشة: لما أراد  أن يتوب على آدم  طاف بالبيت سبعاً، والبيت يومئذ ربوة حمراء، فلما صلى الركعتين استقبل البيت وقال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فاعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، وأرضني بما قسمت لي.

فأوحى الله  إلى آدم: يا آدم، قد غفرت لك ذنبك، ولن يأتيني أحد من ذريتك فيدعوني بمثل الذي دعوتني به إلا غفرت ذنبه وكشفت همومه وغمومه ونزعت الفقر من عينيه وجاءته الدنيا وهو لا يريدها.

وفي كلام الغزالي: أن التوبة تتحقق من ثلاثة أمور مترتبة: أولها علم، وثانيها حال، وثالثها عمل.

فالعلم هو معرفة ما في الذنب من الضرر، وكونه حجاباً بين العبد ورحمة الرب، فإذا استحكمت هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوات محبوبه، وتأسف على الفعل الذي كان سبباً لذلك الفوات.

ويسمى ذلك التأسف ندماً، وهذه الحالة لها تعلق بالماضي وهو تلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلاً للجبر، وتعلق بالحال وهو ترك الذنب الذي كان ملابساً له، وتعلق بالمستقبل وهو العزم على أن لا يعود إليه أبداً.

وكثيراً ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده، ويجعل العلم السابق كالمقدمة، والترك اللاحق كالثمرة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "الندم توبة" وجميع هذه الأمور بتوفيق الله ولطفه إنه هو التوّاب الرحيم.

والتوبة لغة الرجوع فيشترك فيه الرب والعبد، فإذا وصف بها العبد فالمعنى راجع إلى ربه لأن العاصي هارب عن ربه، وقد يفارق الرجل خدمة سيده فيقطع السيد معروفه عنه، فإذا عاد إلى السيد عاد السيد عليه بإحسانه ومعروفه، وهذا معنى قبول التوبة من الله وغفران ذنوب العباد "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" ومعنى المبالغة في الثواب أن واحداً من ملوك الدنيا إذا عصاه إنسان ثم تاب قبل توبته، ثم إذا عاد إلى المعصية وإلى الاعتذار فربما لم يقبل عذره لأن طبعه يمنعه من قبول العذر، والله  بخلاف ذلك لأنه إنما يقبل التوبة لا لأمر يرجع إلى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضر، بل لمحض الإحسان واللطف والرحمة والجود، فإن فيضه لا ينقطع ولا تقصير إلا من القابل، فكلما ارتفع المانع من قبل القابل وصل الفيض إليه لا محالة.

وأيضاً يستحق المبالغة من جهة أخرى وهي كثرة عدد المذنبين المستلزمة لكثرة التائبين المستتبعة لكثرة قبول التوبة ووصفه بالرحمة.

روي عن رسول الله  أنه قال "لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاء داود أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود وبكاء نوح إلى بكاء آدم على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر، وإذا آل حال أبينا إلى هذا من خطيئة واحدة فمن أحاطت به خطاياه أحق بالبكاء" ولذا قال نبينا  "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة" فنحن أحق بالاستغفار، فإن الغين يكاد يكون بالنسبة إلينا ريناً، وذلك أن الغين شيء يغين أي يغشى القلب ويغطيه بعض التغطية كالغيم الرقيق لا يحجب الشمس، ولكن يمنع كمال ضوئها.

والرين ما استحكم من ذلك حتى صار القلب ممتنعاً بالكلية عن قبول الحق وذلك صفة الكفار ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون  ﴾ .

قيل في تأويل الحديث: إن الله  أطلع نبيه على ما سيكون في أمته من الخلاف والشقاق، وكان إذا ذكر ذلك وجد غيناً في قلبه فاستغفر لأمته.

قيل: كان ينتقل من حالة إلى حالة أرفع من الأولى فيستغفر مما كان.

وقيل: الغين عبارة عن السكر الذي كان يلحقه في طريق المحبة حتى يصير فانياً عن نفسه بالكلية، فإذا عاد إلى الصحو استغفر من ذلك الصحو، وهذا تأويل أرباب الحقيقة.

وقال أهل الظاهر: إن القلب لا ينفك عن الخطرات والشهوات وأنواع الإرادات، فكان يستعين بالرب  في دفع تلك الخواطر.

وعن ثابت البناني: بلغنا أن إبليس قال: يا رب، إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة فسلطني عليه.

فقال  : جعلت صدورهم مساكن لك.

فقال: رب زدني.

فقال: لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك عشرة.

قال: رب زدني.

قال: تجري منه مجرى الدم.

قال: رب زدني.

قال: اجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد.

قال: فشكا آدم إلى ربه فقال: يا رب إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاء وسلطته علي وأنا لا أطيقه إلا بك.

فقال الله  : لا يولد ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء.

قال: رب زدني.

قال: الحسنة بعشر أمثالها.

قال: رب زدني.

قال: لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر، والغرغرة تردد الروح في الحلق.

وسئل ذو النون عن التوبة فقال: إنها اسم جامع لمعان ستة: أولها الندم على ما مضى، وثانيها العزم على ترك الذنوب في المستقبل، وثالثها أداء كل فريضة ضيعتها فيما بينك وبين الله، والرابع أداء المظالم إلى المخلوقين في أموالهم وأعراضهم، والخامس إذابة كل لحم ودم نبت من الحرام، والسادس إذاقة البدن مرارة الطاعات كما ذاق حلاوة المعاصي.

وكان أحمد ابن الحرث يقول: يا صاحب الذنوب ألم يأن لك أن تتوب، يا صاحب الذنوب إن الذنب في الديوان مكتوب، يا صاحب الذنوب أنت بها في القبر مكروب، يا صاحب الذنوب أنت غداً بالذنوب مطلوب.

وإنما اكتفى بذكر توبة آدم دون توبة حواء لأنها كانت تبعاً له كما طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك على أنها قد ذكرت في موضع آخر ﴿ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ الآية.

(قوله) ﴿ قلنا اهبطوا ﴾ الآية.

قيل: فائدة تكرير الأمر بالهبوط أنهما هبوطان: الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من السماء الدنيا إلى الأرض.

وضعف بأنه لو كان كذلك لكان ذكر قوله ﴿ ولكم في الأرض مستقر ﴾ عقيب الهبوط الثاني أولى.

وأيضاً قوله ﴿ منها ﴾ يدل على أن الهبوط الثاني أيضاً من الجنة والأوجه أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة وتابا بعد الأمر بالهبوط، وقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط يرتفع بزوال الزلة، فأعيد الأمر مرة ثانية ليعلما أن حكمه باقٍ تحقيقاً للوعد المتقدم في قوله  ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ ووجه ثالث وهو أن يكون التكرير للتأكيد، ولما نيط به من زيادة قوله ﴿ فإما يأتينكم ﴾ روي في الأخبار أن آدم هبط بجزيرة سرنديب من الهند، وحواء بجدة من أرض الحجاز، وإبليس بالأيلة من نواحي البصرة، والحية بأصفهان، فلم يتلاقيا مائة سنة، ثم ازدلفا أي تقاربا بالمزدلفة، واجتمعا بجمع وتعارفا بعرفات يوم عرفة، وتمنيا على الله  المغفرة والتوبة بمنى، فحصلت أسماء هذه المواضع من هذه المعاني.

وما في ﴿ إما ﴾ مزيدة لتأكيد الشرط ويؤيده لحوق النون المؤكدة والشرط الثاني وجزاؤه مجموعين جواب الشرط الأول.

تبع واتبع بمعنى، وإنما جاء في طه ﴿ فمن اتبع  ﴾ موافقة لقوله فيها ﴿ يتبعون الداعي  ﴾ وفي الهدى وجهان: أحدهما المراد منه كل دلالة وبيان فيدخل فيه دليل العقل وكل كلام ينزل على نبي، وفيه تنبيه على نعمة أخرى عظيمة فكأنه قال: وإذ قد أهبطتكم من الجنة إلى الأرض فقد أنعمت عليكم بما يؤديكم مرة أخرى: إلى الجنة مع الدوام الذي لا ينقطع.

عن الحسن: لما أهبط آدم إلى الأرض أوحى الله  إليه: يا آدم، أربع خصال فيها كل الأمر لك ولولدك: واحدة لي، وواحدة لولدك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين الناس.

أما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً وأما التي لك فإذا عملت آجرتك، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلى الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فأن تصحبهم بما تحب أن يصحبوك به.

وقيل: هو رسول وكتاب بدليل ﴿ والذين كفروا كذبوا بآياتنا  ﴾ في مقابلة ﴿ فمن تبع هداي ﴾ في الإقدام على ما يلزم والإحجام عما يحرم فإنه سيصير إلى حالة لا خوف فيها ولا حزن.

وهذه الجملة مع اختصارها تجمع شيئاً كثيراً من المعاني، لأن قوله ﴿ فإما يأتينكم مني هدى ﴾ دخل فيه الإنعام بجميع الأدلة العقلية والشرعية وزيادة البيان، وجميع ما لا يتم ذلك إلا به من العقل ووجوه التمكين.

وجمع قوله ﴿ فمن تبع هداي ﴾ تأمل الأدلة بحقها والنظر فيها واستنتاج المعارف منها والعمل بها، وجمع قوله ﴿ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ جميع ما أعد الله  لأوليائه، لأن الخوف ألم يحصل للنفس من توقع مكروه، أو انتظار محذور، وزواله يتضمن السلامة من جميع الآفات.

والحزن ألم يعرض للنفس لفقد محبوب أو فوات مطلوب، ونفيه يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات.

وإنما قدم عدم الخوف على عدم الحزن لأن زوال ما لا ينبغي مقدم على حصول ما ينبغي، وهذا يدل على أن المكلف الذي أطاع الله تعالى لا يلحقه خوف عند الموت، ولا في القبر، ولا عند البعث، ولا عند حضور الموقف، ولا عند تطاير الكتب، ولا عند نصب الميزان، ولا عند الصراط ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون  ﴾ وقال قوم من المتكلمين: إن أهوال يوم القيامة تعم الكفار والفساق والمؤمنين بدليل قوله  ﴿ يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى  ﴾ ﴿ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً  ﴾ ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم  ﴾ ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين  ﴾ وفي الحديث "تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وأشار رسول الله  بيده إلى فيه" .

وحديث الشفاعة وقول كل نبي "نفسي نفسي" إلا نبينا  فإنه يقول: " أمتي أمتي " مشهور.

قلت: لا ريب أن وعد الله حق، فمن وعده الأمن يكون آمناً لا محالة، إلا أن الإنسان خلق ضعيفاً لا يستيقن الأمن الكلي ما لم يصل إلى الجنة، لأنه لا يطمئن قلبه ما لم ينضم له إلى علم اليقين عين اليقين، وأيضاً إن جلال الله وعظمته يدهش الإنسان براً كان أو فاجراً.

وأيضاً ظاهر العمل الصالح لا يفيد اليقين بالجنة، فلا عمل إلا بالإخلاص، ولا حكم بالإخلاص إلا لله  ، لأنه من عمل القلب وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء.

ولهذا جاء "والمخلصون على خطر عظيم" وكان دأب الصدّيقين أن يخلطوا الطمع بالخوف، والرغبة بالرهبة، ﴿ يدعون ربهم خوفاً وطمعاً  ﴾ ﴿ ويدعوننا رغباً ورهباً  ﴾ وقيل: ﴿ لا خوف عليهم  ﴾ أمامهم فليس شيء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت، فآمنهم الله  ثم سلاهم فقال لهم ﴿ ولا هم يحزنون  ﴾ على ما خلفوه بعد وفاتهم في الدنيا.

ثم إن الأئمة خصصوا نفي الخوف والحزن بالآخرة، لأن مجاري الأمور في الدنيا لا تخلو من مواجب الخوف والحزن.

وقال  "خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل" قلنا: المؤمن الراضي بقضاء الله وقدره لا يرى شيئاً من المكاره مكروهاً، وإنما مراده مراد حبيبه ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً  ﴾ فبترك الإرادة يصح نسبة العبودية، وبالرضوان يحصل مفاتيح الجنان، وتنكشف الهموم والأحزان، ويتساوى الفقر والوجدان، وتثبت حقيقة الإيمان ﴿ والذين كفروا ﴾ لجحدهم مولاهم ﴿ وكذبوا بآياتنا ﴾ لإثباتهم حكماً لهم بحسب مشتهاهم وهواهم ﴿ أولئك أصحاب النار ﴾ وملازموها دائماً سرمداً سواء كانوا من الإنس أو من الجن، أعاذنا الله منها بعميم فضله وجسيم طوله.

التأويل: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية الروحانية ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ بخلاف الطبيعة تعبداً ورقاً وانقياداً للأمر وامتثالاً للحكم، اسجدوا له تعظيماً لشأن خلافته وتكريماً لفضيلته المخصوصة به، فمن سجد له فقد سجد لله  كما قال ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ اسجدوا لآدم لأجل آدم فإن عبادتكم وطاعتكم لا توجب ثواباً لكم ولا تزيد في درجاتكم، ولكن فائدتها تعود إلى الإنسان لقوله ﴿ يسبحون بمحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ ولأن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر والانزجار عن الإباء والاستكبار، كيلا يلحقه من اللعن والبعد ما لحق إبليس ﴿ فسجدوا إلا إبليس ﴾ لأنهم خلقوا من نور، والنور من شأنه الانقياد والإفاضة، وأنه خلق من نار والنار من شأنها الاستعلاء طبعاً ﴿ وكان من الكافرين ﴾ لأنه ستر الحق على آدم كما سمي إبليس لأنه أبلس الحق.

﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ أي أبحت لك نعيم الجنة بما فيها وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت بعد عملاً تستحق به الجنة فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأنا خلقتها، فإن طمعت فيها أيضاً فاعلم أن الإنسان له همة عالية وحرص شديد لا يزال تقول جهنم حرصه "هل من مزيد" ولا تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه أي سابقة رحمته وعنايته "سبقت رحمتي غضبي" .

ثم إنه أبيح له ولزوجه مشتهيات النفس كلها ﴿ فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ﴾ وقيل لهما اقتنعا بها ولا توقدا نار الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قربة المحبة ماء المحنة على رأسكما، ولا تقربا شجرة المحبة وقد غرست لأجله في الحقيقة ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ .

ولكن سبب النهي هو الدلال الذي يقتضيه غاية الجمال.

وأيضاً لو لم ينه عنها فلعله ما فرغ لها لكثرة أنواع المرادات النفسانية وكانت المحبة غذاء روحانياً فذكرها كان كالتحريض عليها فإن الإنسان حريص على ما منع وأيضاً إنه  وسع أسباب الانبساط أولاً ثم ضيق عليه الأمر آخراً.

وأدنيتني حتـى إذا مــا فتنتني *** بقول يحل العصم سهل الأباطــح.

تجافيت عني حين لالي حيلة *** وغادرت ما غادرت بين الجوانح.

خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة وجهه، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ثم منعه عنها وكان في ذلك المنع تذكير وتحريض.

أيضاً كما مر ثم عاتبه بقوله ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ وهذا كما أسكر موسى بأقداح الكلام وأذاقه لذة شراب السماع وقربه نجياً حتى اشتاق إلى جماله وطمع في وصاله وقال ﴿ ربي أرني  ﴾ عاتبه بسطوة ﴿ لن تراني  ﴾ وذلك أن البلاء والولاء توأمان والمحبة والمحنة رضيعا لبان، والمطلوب كلما كان أرفع كان أعز وأمنع والجمال لا بد له من الدلال، وبه يتميز العاشق الصادق من المدعي المختال.

﴿ فلما ذاقا ﴾ شجرة الغرام خرجا من دار السلام فما لأهل الغرام ودار السلام؟

وأين الفارغ السالي من المحب الغالي؟

فبتنا على رغم الحسود وبيننا *** حديث كطيب المسك شيب به الخمر.

فلما أضاء الصبح فـرق بيننـا *** وأي نعيــــم لا يكــــدره الــــدهــــر؟.

وبالجملة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء، فلم يمس بعد أن كان مسجود الملك مرفوع السماك إلى السماك مشمول الرعاية موفور العناية حتى نزع عنه لباس الأمن والفراغ، وبدل باستئناسه الاستيحاش، تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج من غير مكث ولا بحث، فأزلتهما يد التقدير بحسن التدبير، وكان الشيطان المسكين كذئب يوسف لطخ خرطومه بدم نصح، فلما وقعا من القربة في الغربة، ومن الألفة في الكلفة لما ذاقا من شجرة المحبة المورثة للمحنة استوحشا من كل شيء، واتخذا عدوّاً بعضكم لبعض عدو، وهكذا شرط المحبة عداوة ما سوى المحبوب.

فكما أن ذاته لا تقبل الشركة في التعبد، كذلك لا تقبل الشركة في المحبة.

فلما استقرت حبة المحبة في أرض قلب آدم جعل الأرض مستقر شخصه ليتمتع بتربية بذر المحبة بماء الطاعة والتكليف إلى حين إدراك ثمرة المعرفة ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ وقال  "إن داود قال: يا رب لم خلقت الخلق؟

فقال: كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" .

ثم إنه بعدما ابتلي بالهبوط بشره بأن وحيه لا ينقطع وهدايته لا ترتفع، وإن من ربى بذر المحبة بماء الطاعة والطباعة ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ في المستقبل ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما مضى من الهبوط إلى الأرض، لأنهم يرجعون بجذبات العناية والهداية إلى ذرى حظائر القدس وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ ٤٠ وَءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ ٤١ وَلَا تَلْبِسُوا۟ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُوا۟ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ٤٢ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣ ۞ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ٤٤ وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ ٤٥ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ ٤٦

القراءات: ﴿ إسرائيل ﴾ بغير همزة حيث كان: يزيد وحمزة في الوقف ﴿ نعمتي ﴾ وكذلك ما بعدها ساكنة الياء: أبو زيد عن المفضل ﴿ فارهبوني ﴾ ﴿ فاتقوني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب، وكذلك كل ياء محذوفة في الخط عند رأس الآية.

وروى مسبح بن حاتم وابن دريد عن سهل وعباس بالياء في الوصل.

﴿ أول كافر به ﴾ ممالة: قتيبة وأحمد بن فرج.

الوقوف: ﴿ فارهبون ﴾ (ه) ربع الجزء.

﴿ كافر به ﴾ (ص) لاتفاق الجملتين وعلى ﴿ قليلاً ﴾ أجوز لاختلاف النظم بتقديم المفعول.

﴿ فاتقون ﴾ (ه) ﴿ تعلمون ﴾ (ه) ﴿ الراكعين ﴾ (ه) ﴿ الكتاب ﴾ (ط) ﴿ تعقلون ﴾ (ه) ﴿ الصلاة ﴾ (ط) ﴿ خاشعين ﴾ (لا) لأن "الذين" صفتهم.

﴿ راجعون ﴾ .

التفسير: أنه  لما أقام دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، ثم ذكر الإنعامات العامة للبشر ومن جملتها خلق آدم إلى تمام قصته، أردفها الإنعامات.

الخاصة على أسلاف اليهود، إلانة لشكيمتهم واستمالة لقلوبهم وتنبيهاً على نبوة محمد  من حيث كونه إخباراً بالغيب مدرجاً في مطاوي ذلك ما يرشدهم إلى أصول الأديان ومكارم الأخلاق، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم غير منصرف للعلمية والعجمية المعتبرة لقب له، ومعناه صفوة الله.

وقيل: عبد الله، لأن "إسر" بالعبرية هو العبد، "وإيل" الله.

وقوله ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ خطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة من ولد يعقوب في أيام محمد  .

وحد النعمة وما يتعلق بها قد سبق في تفسير الفاتحة.

والعائد من الصلة محذوف أي أنعمت بها عليكم.

قال بعض العارفين: عبيد النعم كثيرة، وعبيد المنعم قليلون، فإن الله  ذكربني إسرائيل نعمه عليهم، ولما آل الأمر إلى أمة محمد  ذكرهم المنعم فقال ﴿ فاذكرني أذكركم  ﴾ عن ابن عباس أنه قال: من نعمه  على بني إسرائيل أن نجاهم من آل فرعون، وظلل عليهم في التيه الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأعطاهم الحجر الذي كان يسقيهم ما شاءوا، وأعطاهم عموداً من النور أضاء لهم بالليل، وكانت رؤوسهم لا تتشعث وثيابهم لا تبلى، وفي تذكير هذه النعم فوائد: منها أن فيها ما يشهد بصدق محمد  وهو التوراة والإنجيل والزبور.

ومنها أن كثرة النعم توجب عظم المعصية، فذكرهم إياها ليحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان بمحمد  والقرآن.

ومنها أن تذكر النعم الكثيرة يوجب الحياء من إظهار المخالفة.

ومنها أن كثرة النعم تفيد أن المنعم خصهم بها من بين سائر الناس، ومن خص أحداً بنعم كثيرة فالظاهر أنه لا يزيلها عنهم كما قيل: إتمام المعروف خير من ابتدائه.

فتذكير النعم السالفة مطمع في النعم الآتية، وذلك الطمع يمنع من إظهار المخالفة والمخاصمة.

والنعمة على الآباء نعمة على الأبناء إذ لولاها لم يبق نسلهم، ولأن الانتساب إلى آباء خصهم الله  بنعم الدين والدنيا نعمة عظيمة في حق الأولاد، ولأنهم إذا علموا أن آباءهم إنما خصوا بهذه النعم لمكان طاعتهم والإعراض عن الكفر والجحود، رغبوا في هذه الطريقة لأن الابن مجبول على اتباع الأب "من أشبه أباه فما ظلم".

والعهد يضاف إلى المعاهد جميعاً.

يقال: أوفيت بعهدي أي بما عاهدتك عليه، وأوفيت بعهدك أي بما عاهدتك عليه.

والمعنى: أوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي والطاعة لي أوف بعهدكم أي أرض عنكم وأدخلكم الجنة حكاه الضحاك عن ابن عباس.

وتحقيقه في قوله  ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله  ﴾ وقيل: المراد من هذا العهد ما أثبته في الكتب المتقدمة من صفة محمد  وأنه سيبعثه، وإليه الإشارة في قوله ﴿ ولقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيباً  ﴾ إلى قوله ﴿ ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار  ﴾ وفي الأعراف ﴿ فسأكتبها للذين يتقون  ﴾ الآية.

وفي آل عمران ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم  ﴾ وفي الصف ﴿ وإذ قال عيسى بن مريم  ﴾ وعن ابن عباس: إن الله كان عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً، فمن تبعه وصدق بالتوراة الذي يأتي به أي بالقرآن غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين، أجراً باتباع ما جاء به موسى وجاءت به سائر أنبياء بني إسرائيل، وأجراً باتباع ما جاء به محمد  النبي الأمي الذي من ولد إسماعيل وتصديق هذا في القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته  ﴾ .

وعن أبي موسى الأشعري مرفوعاً "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بعيسى ثم آمن بمحمد  فله أجران، ورجل أدّب أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران، ورجل أطاع الله وأطاع سيده فله أجران" فإن قيل: لو كان الأمر كما قلتم، فكيف يجوز من جماعتهم جحده  ؟

قلنا: إما لأن هذا العلم به  كان حاصلاً عند العلماء بكتبهم ولم يكن لهم عدد كثير فجاز منهم كتمانه  ، وإما لأن ذلك النص كان نصاً خفياً لعدم تعيين الزمان والمكان بحيث يعرفه كل أحد، فجاز وقوع الشكوك والشبهات فيه.

جاء في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة: أن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك لله  .

فقال لها: يا هاجر أين تريدين؟

قالت: أهرب من سيدتي سارة.

فقال: ارجعي إلى سيدتك واخفضي لها فإن الله سيكثر زرعك وذريتك، وستحبلين وتلدين ابناً تسميه إسماعيل، من أجل أن الله سمع خشوعك، وهو يكون عيناً بين الناس وتكون يده فوق الجميع، ويد بجميع مبسوطة إليه بالخضوع.

فقيل: هذا الكلام خرج مخرج البشارة لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا يتجاسرون على الدخول في أوائل العراق وأوائل الشام إلا على أتم خوف، فلما جاء الإسلام استولوا على الخافقين بالإسلام ومازجوا الأمم ووطئوا بلادهم ومازجتهم الأمم وحجوا بيتهم ودخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة.

﴿ وإياي فارهبون ﴾ فلا تنقضوا عهدي وهو من قولك: زيد أرهبته أي زيداً رهبت رهبته بتقديم المفعول للاختصاص.

فتقديره: وإياي ارهبوا فارهبون.

وهو أوكد في إفادة الاختصاص من ﴿ إياك نعبد  ﴾ لمكان الفاء المؤذنة بتلازم ما قبلها وما بعدها.

أي إن كنتم راهبين شيئاً فارهبون.

ومن قبل التكرير ولأجل الإضمار والتفسير.

والرهبة هي الخوف، والخوف إما من العقاب وهو نصيب أهل الظاهر، وإما من الجلال وهو وظيفة أرباب القلوب، والأول يزول، والثاني لا يزول.

ومن كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر وبالعكس.

يروى أنه ينادي مناد يوم القيامة: وعزتي وجلالي أني لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين، من أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة، ومن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة.

قوله ﴿ وآمنوا ﴾ معطوف على ﴿ اذكروا ﴾ والمراد ﴿ بما أنزلت ﴾ القرآن و ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة من الراجع المحذوف وفيه تفسيران: أحدهما أن في القرآن أن موسى وعيسى حق، والتوراة والإنجيل حق، والتوراة أنزل على موسى، والإنجيل على عيسى، فكان الإيمان بالقرآن مؤكداً للإيمان بالتوراة والانجيل والثاني أنه حصلت البشارة بمحمد  وبالقرآن في التوراة والإنجيل، فكان الإيمان بمحمد والقرآن تصديقاً للتوراة والإنجيل، والتكذيب بمحمد  والقرآن تكذيباً لهما، وفي هذا التفسير دلالة على نبوة محمد  من جهة أن شهادة كتب الأنبياء لا تكون إلا حقاً، ومن جهة أنه  أخبر عن كتبهم ولم يكن له  معرفة بذلك الأمر قبل الوحي ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ﴾  أي أوّل من كفر به  ، أو أوّل فريق أو فوج كافر به  ، أو ولا يكن كل واحد منكم أوّل كافر به كقوله "كسانا حلة" أي كل واحد منا.

(وهنا سؤالان) الأول: كيف جعلوا أوّل من كفر به  وقد سبقهم إلى الكفر به  مشركو العرب؟

وفي الجواب وجوه: الأوّل: أنه تعريض وأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به  لمعرفتهم به  وبصفته، ولأنهم كانوا المبشرين بزمان محمد  والمستفتحين به على الذين كفروا، وكانوا يعدّون أتباعه أولى الناس كلهم.

فلما بعث كان أمرهم على العكس ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به  ﴾ .

والثاني: ولا تكونوا مثل أوّل كافر به يعني من أشرك من أهل مكة أي ولا تكونوا - وأنتم تعرفونه  موصوفاً في التوراة - مثل من لم يعرفه  لأنه لا كتاب له.

الثالث: ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ﴾ من أهل الكتاب، لأن هؤلاء كانوا أول من كفر به وبالقرآن من بني إسرائيل.

الرابع ﴿ ولا تكونوا أوّل كافر به ﴾ يعني بكتابكم.

يقول ذلك لعلمائهم، لأن تكذيبكم بمحمد  يوجب تكذيبكم بكتابكم.

الخامس: المراد بيان تغليظ كفرهم، وذلك أن السابق إلى الكفر كفره غليظ "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها" والكافر عن دليل ومعرفة بما يوجب الإيمان كفره أغلظ ممن كفر ولا دليل له على الإيمان، فاشتركا من هذا الوجه، فصح إطلاق أحدهما على الآخر.

السادس: ولا تكونوا أوّل من جحد مع المعرفة.

السابع: أوّل فريق كفر من اليهود لأن النبي  قدم المدينة وبها قريظة والنضير، فكفروا ثم تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر.

الثامن: ولا تكونوا أول الكافرين به  عند سماعكم بذكره  ، بل تثبتوا وراجعوا عقولكم فيه  .

السؤال الثاني: كأنه يجوز لهم الكفر إذا لم يكونوا أوّل الجواب ليس في ذكر الشيء دلالة على أن ما عداه بخلافه.

وأيضاً في قوله ﴿ وآمنوا ﴾ دلالة على أن كفرهم أولاً وآخراً محظور.

وأيضاً قوله ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ لا يدل على إباحة ذلك بالثمن الكثير.

وقوله ﴿ رفع السموات بغير عمد ترونها  ﴾ لا يدل على وجود عمد لا نراها فكذلك ههنا.

قال المبرد: هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم، فقيل لهم: لا تكفروا بمحمد  فإنه سيكون بعدكم كفار، فلا تكونوا أنتم أول الكفار فإنه يكون عليكم وزر من كفر إلى يوم القيامة.

والاشتراء استعارة للاستبدال كما قلنا في ﴿ اشتروا الضلالة بالهدى  ﴾ أي لا تستبدلوا بآياتي ثمناً قليلاً، وإلا فالثمن هو المشترى به، والثمن القليل هو الرياسة التي كانت لهم في قومهم.

خافوا عليها لفوات لو تبعوا دين الإسلام.

وقيل: الثمن هو الرشا التي يأخذها علماؤهم على تحريف الكلم عن مواضعه وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من الشرائع ﴿ وإياي فاتقون ﴾ مثل ﴿ وإياي فارهبون ﴾ وقيل: الاتقاء إنما يكون عند الجزم بحصول ما يتقى عنه، فكأنه أمرهم بالرهبة.

على أن جواز العقاب قائم، ثم أمرهم بالتقوى على أن يقين العقاب قائم.

قوله ﴿ ولا تلبسوا ﴾ أمر بترك الإغواء والإضلال كما أن قوله ﴿ وآمنوا ﴾ أمر بترك الكفر والضلال.

ولإضلال الغير طريقان: لأنه إن سمع الدلائل فإضلاله بتشويشها عليه، وإن لم يسمعها فإضلاله بكتمانها ومنعه من الوصول إليها.

فقوله ﴿ ولا تلبسوا ﴾ إشارة إلى القسم الأول، وقوله ﴿ وتكتموا ﴾ المجزوم بلا المقدرة للنهي عطفاً على المنهي قبله إشارة إلى القسم الثاني.

والباء التي في ﴿ بالباطل ﴾ إما للوصل كما في قولك "لبست الشيء بالشيء" خلطته به، فكان المعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم حتى لا يميز بينهما.

وإما للاستعانة كما في "كتبت بالقلم" فالمعنى: ولا تجعلوا الحق ملتبساً بباطلكم وهو الشبهات التي توردونها على السامعين.

وذلك أن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد  كانت نصوصاً خفية يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها ويشوّشون وجه الدلالة على المتأملين كقوله ﴿ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق  ﴾ قيل: ويجوز أن يكون ﴿ وتكتموا ﴾ منصوباً بإضمار "أن"، والواو بمعنى الجمع أي لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق نحو "لا تأكل السمك وتشرب اللبن".

قلت: هذا التقدير يوهم أن يكون المحظور هو الجمع بين الأمرين كالجمع بين أكل السمك وشرب اللبن حتى لو أتى بكل منهما منفرداً عن الآخر جاز، اللهم إلا أن يحال ذلك على القرينة كما في قوله ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً  ﴾ إذ لا يجوز أن يريد أطع أحدهما لقرينة الإثم والكفر.

﴿ وأنتم تعلمون ﴾ ما في إضلال الخلق من الضرر العظيم العائد عليكم يوم القيامة "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها" والنهي عن اللبس والكتمان وإن قيد بالعلم لم يدل على جوازهما حال عدم العلم، لأن السبب في ذكره أن الإقدام على الفعل الضار مع العلم بكونه ضاراً أفحش من الإقدام عليه عند الجهل بكونه ضاراً، والنهي وإن كان خاصاً لكنه عام، فكل عالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه.

ثم لما أمرهم بذكر نعمته وبالإيمان برسوله وكتابه ونهاهم عن اللبس والكتمان، بين لهم ما لزمهم من أصول الشرائع فقال ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أي التي عرفتموها بوصف النبي، بناء على أنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب.

وأما القائلون بجواز التأخير فقد جوزوا ورود الأمر بالصلاة وإن لم يعرف حقيقتها، ويكون المقصود أن يوطن السامع نفسه على الامتثال وإن كان لا يعلم أن المأمور به ما هو كما لو قال السيد لعبده: إني آمرك غداً بشيء فلا بد أن تفعله.

ويكون الغرض أن يعزم العبد في الحال على أدائه في الوقت الثاني.

ومعنى الصلاة لغة وشرعاً قد تقدم في أول البقرة.

وأما الزكاة فهي في اللغة، الزيادة والنماء، وفي الشرع القدر المخرج من النصاب لأنها تزيد في بركة المخرج عنه، ويمكن أن يقال: مأخوذة من التطهير من زكى نفسه تزكية إذا مدحها وطهرها من العيوب.

قال  ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها  ﴾ فإن المخرج يطهر ما بقي من المال.

قال  "عليك بالصدقة فإن فيها ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة.

فأما التي في الدنيا فتزيد في الرزق، وتكثر المال، وتعمر الدار.

وأما التي في الآخرة فتستر العورة، وتصير ظلاً فوق الرأس، وتكون ستراً من النار" .

وفي هذا الخطاب مع اليهود دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.

وفي قوله ﴿ واركعوا مع الراكعين ﴾ وجوه: أحدها أن اليهود لا ركوع في صلاتهم، فخص الركوع بالذكر تحريضاً لهم على الإتيان بصلاة المسلمين.

وثانيها صلوا مع المصلين فلا تكرار لأن الأول أمر بإقامتها، والثاني أمر بالجماعة.

وثالثها الركوع والخضوع لغة سواء، فيكون نهياً عن الاستكبار المذموم وأمراً بالتذلل للمؤمنين، ثم إنه  لما أمرهم بالإيمان والشرائع بناء على ما خصهم به من النعم رغبهم في ذلك بناء على مأخذ آخر، وهو أن التغافل عن أعمال البر مع حث الناس عليها مستقبح في العقول.

والهمزة في ﴿ أتأمرون ﴾ للتقرير مع التقريع، والتعجيب من حالهم.

والبر اسم جامع لأعمال الخير، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما وعمل مبرور مرضي.

واختلف في البر ههنا.

قال السدي: إنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله ثم يتركونها وينهونهم عن معصية الله ويرتكبونها.

وقال ابن جريج.

تأمرون الناس بالصلاة والزكاة وتتركونهما.

أبو مسلم: كانوا قبل مبعث النبي يخبرون مشركي العرب أن رسولاً سيظهر منكم ويدعو إلى الحق ويرغبونهم في أتباعه، فلما بعث الله محمداً  حسدوه وأعرضوا عن دينه.

الزجاج: يأمرون الناس بالصدقة ويشحون بها.

وقيل: يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد  ولا يتبعونه.

وقيل: يأمرون غيرهم باتباع التوراة وهم يخالفونها لأنهم وجدوا فيها ما يدل على صدق محمد  ثم ما آمنوا به.

وقيل: لعل المنافقين من اليهود كانوا يأمرون باتباعه في الظاهر وينكرونه  في الباطن، فوبخهم الله على ذلك.

والنسيان هو السهو الحادث بعد حصول العلم، والناسي غير مكلف فكيف يتوجه الذم على ما صدر عنه؟

فإذن المراد وتغفلون عن حق أنفسكم وتعدلون عما لها فيه من النفع ﴿ وأنتم تتلون الكتاب ﴾ أي التوراة وتدرسونها وتعلمون ما فيها من أعمال البر ومن نعت محمد  ومن الوعيد على ترك البر ومخالفة القول العمل ﴿ أفلا تعقلون ﴾ ؟

وهو تعجيب للعقلاء من أفعالهم.

وكثيراً ما يحذف الفعل بعد همزة الاستفهام للعلم به والتقدير: أفعلتم ذلك فلا تعقلون.

وقس على هذا نظائره في القرآن فإنها كثيرة.

وللتعجيب وجوه: منها أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير إلى المصالح وتحذيره عن المفاسد، وإرشاد النفس إليها وتحذيرها منها أهم بشواهد العقل والنقل، فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بما لا يقبله العقل الصحيح.

ومنها أن مثل هذا الوعظ يصير سبباً للمعصية لأن الناس يقولون لولا أن هذا الواعظ مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات لما أقدم على المناهي، فيكون داعياً لهم إلى التهاون بالدين والجرأة على المعاصي، وهذا مناف للغرض من الوعظ فلا يليق بالعقلاء.

ومنها أن غرض الواعظ ترويج كلامه وتنفيذ مرامه، فلا خالف إلى ما نهى عنه صار كلامه بمعزل عن القبول وهذا خلاف المعقول.

قال بعضهم: ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر استدلالاً بهذه الآية، وبقوله  ﴿ لم تقولون ما لا تفعلون  ﴾ وبأن الزاني بامرأة يقبح منه أن ينكر عليها، وأجيب بأن المكلف مأمور بشيئين: ترك المعصية، ومنع الغير عنها، والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر.

والذم في الآية مترتب على الشق الثاني وهو نسيان النفس لا على مجموع الأمرين، قالوا: وحديث القبح ممنوع.قلت: والحق أنه مكابرة، فعن أنس أن النبي  قال "مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار.

فقلت: يا أخي يا جبريل من هؤلاء؟

فقال: هؤلاء خطباء من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم" وقال  "إن في النار رجلاً يتأذى أهل النار بريحه.

فقيل: من هو يا رسول الله؟

قال: عالم لا ينتفع بعلمه" وقال  "مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه" وعن الشعبي: يطلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون: لم دخلتم النار فإنا دخلنا الجنة بفضل تعليمكم؟

فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله.

وقيل: من وعظ بقوله ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه.

وقيل: عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل.

روي أن يزيد بن هارون مات - وكان واعظاً زاهداً مات - فرؤي في المنام فقيل: ما فعل الله بك؟

فقال: غفر لي، وأوّل ما سألني منكر ونكير فقالا: من ربك؟

فقلت: أما تستحيان من شيخ دعا الناس إلى الله كذا وكذا سنة فتقولان له من ربك.

وقيل للشبلي عند النزع: قل لا إله إلا الله.

فقال: إن بيتـــاً أنـــت ســاكنـــه *** غيـــــر محتــــاج إلـــى ســـــرج ولما أمرهم الله  بالإيمان وترك الإضلال وبالتزام الشرائع وموافقة القول للفعل وكان ذلك شاقاً عليهم لما فيه من ترك الرياسات والإعراض عن المال والجاه، عالج الله تعالى هذا المرض بقوله ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ فكأنه قيل: واستعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا والدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد  بالصبر أي حبس النفس عن اللذات، فإنكم إذا كلفتم أنفسكم ذلك مرنت عليه وخف عليها.

ثم إذا ضممتم الصلاة إلى ذلك كمل الأمر، لأن المشتغل بالصلاة مشتغل بذكر لطفه وقهره، فإذا تذكر لطفه مال إلى الطاعة، وإذا تذكر قهره انتهى عن المعصية.

وقيل: الصبر الصوم لأنه حبس النفس عن المفطرات ومنه يقال: شهر الصبر لشهر رمضان.

ومن حبس نفسه عن قضاء شهوتي البطن والفرج زالت عنه كدورات حب الدنيا، فإذا انضاف إليه الصلاة استنار القلب بأنوار معرفة الله.

وإنما قدم الصوم على الصلاة لأن تأثير الصوم في إزالة ما لا ينبغي وتأثير الصلاة في حصول ما ينبغي والنفي مقدم على الإثبات.

ويجوز أن يراد بالصلاة الدعاء أي استعينوا على البلاء بالصبر والالتجاء إلى الدعاء والابتهال في دفعه إلى فاطر الأرض والسماء.

وهذا الخطاب وإن كان خاصاً ببني إسرائيل وإلا لزم تفكك النظم، لكن المعنى على العموم فعلى كل مكلف أن يستعين على حوائجه إلى الله بالصلاة والصبر على تكاليفها مراعياً في ذلك ما يجب من الإخلاص وحسن الأدب واستحضار العلم بأنها انتصاب بين يدي الجبار العالم بالطويات والأسرار ومنه قوله ﴿ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها  ﴾ .

ومن خواص الصلاة اندفاع البلايا وانكشاف الغموم والرزايا.

كان رسول الله  إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

وإنها أي الصلاة أو الاستعانة أو جميع المأمورات والمنهيات في هذه الآيات لكبيرة لشاقة ثقيلة ﴿ كبر على المشركين ما تدعوهم إليه  ﴾ ﴿ إلا على الخاشعين الذين يظنون ﴾ يعلمون أنهم ملاقو جزاء ربهم وأنهم إلى حكمه راجعون، فتصدر عنهم الأعمال مع طيب نفس وانشراح صدر، وهذا بخلاف حال المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً.

فالملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة لا يواتيه طبعه في الاشتغال بها وإن كان زماناً يسيراً فتثقل عليه، والموحد حيث اعتقد في فعلها أعظم المنافع وهو الفوز بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم يهون عليه تزجية الأوقات بوظائف العبادات.

وكان رسول الله  يصلي حتى تورّمت قدماه، ومع ذلك يقول: "يا بلال روّحنا" ، "وجعلت قرة عيني في الصلاة" والخشوع والخضوع أخوان وهما التطامن والتواضع، ومنه الخشعة للأكمة المتواضعة.

وفي الحديث "كانت الأرض خاشعة على الماء ثم دحيت" وللظن ههنا تفسيران: أحدهما أنه بمعنى العلم تجوّزاً لأن الظن هو الاعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض، وتجويز نقيض لقاء الرب أي البعث والنشور كفر فكيف يمدح به؟

وسبب هذا التجوز أنهما يشتركان في رجحان الاعتقاد، وإن افترقا بتجويز النقيض وعدمه فصح إطلاق أحدهما على الآخر، ولا سيما إذا كان الظن عن أمارة قوية تقرّبه من العلم.

وثانيهما أن الظن بمعناه الحقيقي والمراد بملاقاة الرب، إما لقاء ثوابه وذلك مظنون لا معلوم، وإما الموت الذي هو سبب اللقاء ووقته غير معلوم إلا أنه متوقع كل لحظة وقوعاً راجحاً عند المؤمن، لأنه قطع أمله أو لأنه يحب لقاء ربه ﴿ إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت  ﴾ .

ويحتمل أن يقال: معناه على هذا التفسير الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم بذنوبهم، فإن الإنسان الخاشع قد يسيء ظنه بنفسه وبأعماله فيغلب على ظنه أنه يلقى الله بذنوبه، فعند ذلك يتسارع إلى التوبة وذلك من صفات المدح.

وبقي ههنا بحثان: الأول: استدل أهل السنة بالآية على جواز رؤية الله  ، وأنكرها المعتزلة قالوا: اللقاء لا يفيد الرؤية لقوله  ﴿ فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه  ﴾ والمنافق لا يرى ربه، ولقوله ﴿ واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه  ﴾ ويشمل الكافر والمؤمن.

وقال  "من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" وأجيب بأن اللقاء في اللغة وصول أحد الجسمين إلى الآخر اتصال التماس، وهذا اللقاء سبب الإدراك.

فحيث يمتنع حمله على أصله وجب حمله على الإدراك، لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز.

فإن منع من ذلك أيضاً مانع أضمر بحسب ذلك، فإن الإضمار خلاف الأصل لا يصار إليه إلا لمانع.

ففي قوله ﴿ إلى يوم يلقونه  ﴾ دعت الضرورة إلى إضمار الجزاء ونحوه، وفي الآية لا ضرورة، فحمله على الإدراك أولى.

البحث الثاني: المراد من الرجوع إلى الله الرجوع إلى حكمه حيث لا مالك لهم سواه ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ كما كانوا كذلك في أول الخلق بخلاف أيام حياتهم في الدنيا، فإنه قد يملك الحكم عليهم ظاهراً غير الله  .

قال المجسمة: الرجوع إلى غير الجسم محال فدل ذلك على كونه  جسماً.

وقال أهل التناسخ: الرجوع إلى الشيء مسبوق بالكون عنده فدلت الآية على كون الأرواح قديمة ولا يخفى جوابهما والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ٤٧ وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌۭ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ٤٨

القراءات: ﴿ ولا تقبل ﴾ بالتاء الفوقانية، ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ العالمين ﴾ (ه) ﴿ ينصرون ﴾ (ه) التفسير: إنما أعاد  هذا الكلام مرة أخرى توكيداً للحجة وتحذيراً من ترك اتباع  ، كأنه قال: إن لم تطيعوني لأجل سوالف نعمتي عليكم فأطيعوني للخوف من عقابي في المستقبل.

والمراد بالعالمين ههنا الجم الغفير من الناس كقوله ﴿ باركنا فيها للعالمين  ﴾ .

ويقال: رأيت عالماً من الناس.

يراد الكثرة بقرينة العلم بأنه لم ير كل الناس، ويمكن أن يكون المراد فضلتكم على عالمي زمانكم، لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك لا يكون من جملة العالمين.

ويحتمل أن يكون لفظ ﴿ العالمين ﴾ عاماً للموجودين ولمن سيوجد لكنه مطلق في الفضل، والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة.

فالآية تدل على أنهم فضلوا على كل العالمين في أمر ما، وهذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كل العالمين في كل الأمور، فلعل غيرهم يكون أفضل منهم في أكثرها.

وقيل: الخطاب لمؤمني بني إسرائيل لأن عصاتهم مسخوا قردة وخنازير، وفي جميع ما يخاطب الله  بني إسرائيل تنبيه للعرب لأن الفضيلة بالنبي قد لحقتهم.

وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب  ﴾ .

روي عن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: قد مضى والله بنو إسرائيل وما يعني بما تسمعون غيركم.

واتقاء اليوم هو اتقاء ما يحصل في ذلك اليوم من الشدائد والأهوال، لأن نفس اليوم لا يتقى.

وقوله ﴿ لا تجزي ﴾ إلى آخر الآية.

الجمل منصوبات المحل صفات متعاقبة لليوم، والراجع منها إلى الموصوف محذوف تقديره: لا تجزي فيه.

ومنهم من يقول: اتسع فيه فأجرى مجرى المفعول به فحذف الجار وهو "في" فبقي لا تجزيه، ثم حذف الضمير كما حذف في قوله "أم مال أصابوا" قال: فمــا أدري أغيـرهــــم تنــــاء *** وطــول العهــد أم مــال أصــابـوا أي أصابوه.

ولا يخفى أن هذا التكلف لا يتمشى في سائر الجمل، بل يتعين تقدير الجار والمجرور العائد.

ومعنى لا تجزي لا تقضي عنها شيئاً من الحقوق، ومنه الحديث في الجذعة التي ضحاها ابن نيار قبل الوقت "تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك" و ﴿ شيئاً ﴾ مفعول به، ويجوز أن يكون في موضع مصدر أي قليلاً من الجزاء مثل "ولا تظلمون شيئاً".

ومعنى تنكير النفس أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس منها شيئاً من الأشياء وهو الإقناط الكلي القاطع للمطامع.

وكذلك قوله ﴿ ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ﴾ أي فدية لأنها معادلة للمفدى.

وفي الحديث "لا يقبل منه صرف ولا عدل" أي توبة، لأنها تصرف من الحال الذميمة إلى الحال الحميدة ولا فداء.

والضمير في ﴿ ولا يقبل منها ﴾ يرجع إلى النفس الثانية العاصية غير المجزي عنها وهي التي لا يؤخذ منها عدل.

ومعنى لا تقبل منها شفاعة أنها إن جاءت بشفاعة شفيع لم يقبل منها، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها، كما لا تجزي عنها شيئاً ولو أعطت عدلاً منها لم يؤخذ منها ولا هم ينصرون، الضمير عائد إلى ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة، والتذكير بمعنى العباد أو الأناسي مثل ثلاثة أنفس.

وفي وصف اليوم بهذه الصفات تهويل عظيم تنبيه على أن الخطب شديد، لأنه إذا وقع أحد في كريهة وحاولت أعزته دفاع ذلك عنه، بدأت بما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية، فتحمل عنه ما يلزمه وتذب عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوّته ونهاية بطشه.

فإن رأى من لا طاقة له بممانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف الشفاعة وبذل المال والمنال، فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة، فإن لم تغن هذه الأمور تعلل بما أمكنه من نصر الإخوان ومدد الأخدان، فأخبر الله  أن شيئاً من هذه لا يدفع يومئذ عن عذابه.

وفي هذا تحذير من المعاصي وترغيب في تلافي ما فات بالتوبة، لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية، علم أنه لا ينفعه إلا الطاعة وتلافي البوادر.

فالآية وإن كانت في بني إسرائيل إلا أنها تعم كل من يحضر ذلك اليوم.

فإن قيل: قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الدية، وفي موضع آخر من هذه السورة عكست القضية، فما الحكمة في ذلك؟

قلنا: من الناس من ميله إلى حب المال أشدّ من ميله إلى علو النفس فيتمسك أوّلاً بالشفيع ثم يستروح إلى بذل المال، ومنهم من على العكس فيقدم الفدية على الشفاعة، فتغيير الترتيب إشارة إلى الصنفين والله أعلم.

واعلم أن الشفاعة هي أن يستوهب أحد لأحد شيئاً ويطلب له حاجة من الشفع ضد الوتر، كأن صاحب الحاجة كان فرداً فصار بالشفيع شفعاً.

ثم إن الأمة أجمعت على أن لمحمد  رتبة الشفاعة في الآخرة، وعليه يحمل قوله  ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاما محموداً  ﴾ ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى  ﴾ .

وأجمعوا على أنه لا شفاعة للكفار.

بقي الخلاف فيمن عداهم.

فأهل السنة أثبتوا الشفاعة لغير الكفار، والمعتزلة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب بقي خالداً في النار ولا شفاعة له وسائر الناس لهم الشفاعة.

قالوا: إن هذه الآية تدل على نفي الشفاعة مطلقاً، والآيات والأحاديث الدالة على وجود الشفاعة كثيرة، فعرفنا أن الآية ليست على عمومها، لكن الآيات الواردة في وعيد صاحب الكبيرة كثيرة كقوله  ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها  ﴾ فخرج غير صاحب الكبيرة وبقيت الآية حجة في الكفار وفي صاحب الكبيرة.

وزعم أهل السنة أن اليهود كانوا يدعون أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا من ذلك.

وأجيب بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وسوف يجيء سائر حجج الفريقين في الآيات المناسبة إن شاء الله  .

وقالت الفلاسفة في تحقيق الشفاعة: إن واجب الوجود عام الفيض والنقصان من القابل، وجائز أن لا يكون الشيء مستعداً لقبول الفيض من واجب الوجود إلا أن يكون مستعداً لقبول ذلك الفيض من شيء قبله عن واجب الوجود، فيكون ذلك الشيء متوسطاً بين الواجب.

وذلك الشيء مثاله في المحسوس الشمس، فإنها لا تضيء إلا القابل المقابل، والسقف لما لم يكن مقابلاً لم يكن مستعداً لقبول النور منها، لكنه لو وضع طست مملوء من الماء الصافي انعكس منه الضوء إلى السقف.

فأرواح الأنبياء كالوسائط بين واجب الوجود وبين أرواح عوام الخلق كالماء بين الشمس وبين السقف، وهذا يدل على أنه لا واسطة بين الله  وبين عباده أشرف من نبينا محمد  حيث إنه لا شفاعة إلا له.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ ٤٩ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَـٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ٥٠ وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ ٥١ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٥٢ وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ٥٣

القراءات: ﴿ سوء العذاب ﴾ و ﴿ سوء الحساب ﴾ بغير همز حيث وقعتا مفتوحتين: الأصبهاني عن ورش.

﴿ وعدنا ﴾ حيث كان أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد.

﴿ موسى ﴾ بالإمالة المفرطة كل القرآن: حمزة وعلي وخلف وعن أبي عمرو وجهان: إن جعلته "فعلى" فبالإمالة بين الفتح والكسر، وإن جعلته على "مفعل" فبالفتح لا غير ﴿ ثم اتخذتم ﴾ وبابه بالإظهار: ابن كثير وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي.

﴿ والفرقان لعلكم ﴾ مدغماً: عباس، وكذلك يدغم إذا كان قبل النون حرف من حروف المد واللين وهي الواو والمضموم ما قبلها مثل ﴿ وتكون لكما الكبرياء ﴾ والياء المكسور ما قبلها مثل ﴿ ميثاق النبيين لما ﴾ والألف المفتوح ما قبلها مثل ﴿ وما كان لمؤمن ﴾ وما أشبه ذلك.

الوقوف: ﴿ نساءكم ﴾ (ط) ﴿ عظيم ﴾ (ه) ﴿ تنظرون ﴾ (ه) ﴿ ظالمون ﴾ (ه) ﴿ تشكرون ﴾ (ه) ﴿ تهتدون ﴾ (ه) التفسير: إنه  لما قدّم ذكر النعمة على بني إسرائيل إجمالاً أخذ في تفصيلها واحدة فواحدة ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة كأنه قال: اذكروا نعمتي، واذكروا إذ نجيناكم، وإذ فرقنا، وإذ كان كذا وكذا.

"وإذ" في جميع هذه القصص بمعنى مجرد الوقت مفعول به لـ "اذكروا" وأصل الإنجاء والتنجية التخليص، ومنه النجوة للمكان العالي لأن من صار إليه نجا أي تخلص من أن يعلوه سيل، أو لأن الموضع تخلص مما انحط عنه.

وأصل آل أهل بدليل أهيل وأهال في تحقيره وتكسيره على الأعرف، فأبدلت إلى "أءل" على خلاف القياس، ثم إلى "آل" وجوباً فالألف فيه بدل عن همزة بدل عن هاء.

ولا يستعمل الآل إلا فيمن له خطر.

يقال "آل النبي" "وآل الملك" ولا يقال: آل الحائك.

وإنما يقال أهله، وهكذا لا يقال: آل البلد وآل العلم، وإنما يقال أهلهما.

وعند الكسائي، أصله أول بدليل تصغيره على أويل، كأنهم يؤلون إلى أصل قلبت الواو ألفاً على القياس.

و ﴿ فرعون ﴾ علم لمن ملك العمالقة أولاد عمليق ابن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك الفرس، وخاقان للترك، وتبع لليمن.

واختلف في اسمه.

فابن جريج: أن اسمه مصعب بن ريان.

وابن إسحق: أنه الوليد بن مصعب.

ولم يكن من الفراعنة أغلظ وأقسى قلباً منه.

وعن وهب بن منبه: أن أهل الكتابين قالوا: إن اسمه قابوس وكان من القبط.

وقيل: إن فرعون يوسف هو فرعون موسى.

وضعف إذ كان بين دخول يوسف مصر وبين دخول موسى أكثر من أربعمائة سنة.

وقال محمد بن إسحق: هو غير فرعون يوسف وإن اسم فرعون يوسف ا لريان بن الوليد.

والمراد بآل فرعون أتباعه وأعوانه الذين عزموا على إهلاك بني إسرائيل بأمره.

ولعتوّ الفراعنة اشتقوا "تفرعن" فلان إذا عتا وتجبر.

و ﴿ يسومونكم ﴾ من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً.

قال عمرو بن كلثوم: إذا ما الملك سام الناس خســفـاً *** أبينـا أن نقــر الخســـف فينـــا وأصله من سام السلعة إذا طلبها كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ويريدونكم عليه.

والسوء مصدر السيء يقال: أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفجور يراد قبحهما.

ومعنى سوء العذاب والعذاب كله سيئ أشده وأفظعه، كأنه قبحه بالإضافة إلى سائره، أو المراد عذاب من غير استحقاق، لأن العذاب بالاستحقاق حسن واختلف في سوء العذاب فابن إسحق: إنه جعلهم خدماً وخولاً وصنفهم في أعماله، فمن بان وحارث وزارع ومن لم يكن ذا عمل وضع عليه جزية يؤديها.

السدي: كان يجعلهم في الأعمال القذرة ككنس الكنيف ونحوه، ولا ريب أن كون الإنسان تحت تصرف الغير كيف شاء لا سيما إذا استعمله في الأعمال الشاقة القذرة من غير أن يأخذه بهم رأفة وإشفاق، من أشدّ العذاب، حتى إن من هذه حاله ربما يتمنى الموت.

سئل حكيم: أي شيء أصعب من الموت؟

فقال: ما يتمنى فيه الموت.

فبين  عظيم نعمته عليهم بأن نجاهم من ذلك، ثم أتبع نعمة أخرى فقال ﴿ يذبحون أبناءكم ﴾ ومعناه هم يقتلون الذكور من أولادكم دون الإناث.

والذي دعاهم إلى ذلك أمور منها: أن ذبح الأبناء يقتضي إفناء الرجال وانقطاع النسل بالآخرة.

ومنها أن هلاك الرجال يقتضي فساد معيشة النساء حتى يتمنين الموت من النكد والضر.

ومنها أن قتل الولد عقيب الحمل والكد والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم العذاب.

ومنها أن الأبناء أحب وأرغب من البنات ولهذا قيل: ســـروران مــالهمـــا ثـــالـــث *** حيـــاة البنيــن ومــوت البنـــات لقول النبي  "دفن البنات من المكرمات" ومنها أن بقاء النسوان بدون الذكران يوجب صيرورتهن مستفرشات للأعداء، وذلك نهاية الذل والهوان.

قال بعضهم: المراد بالأبناء الرجال ليطابق النساء، إذ النساء اسم للبالغات وهو جمع المرأة من غير لفظها.

قالوا: وإنما كان يأمر بقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج عليه والتجمع لإفساد أمره.

والأكثرون على أن المراد بالأبناء الأطفال لظاهر اللفظ، ولأنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم، ولأنهم كانوا محتاجين إليهم في الأعمال الشاقة، ولأنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى في اليم معنى.

وإنما لم يقل البنات في مقابلة الأبناء لأنهن لما لم يقتلن كن بصدد أن يبلغن، فحسن إطلاق اسم النساء عليهن مثل ﴿ إني أراني أعصر خمراً  ﴾ عن ابن عباس: أنه وقع إلى فرعون وطبقته ما كان الله وعد إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فخافوا ذلك واتفقت كلمتهم على أعداد رجال معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه، فلما رأوا أن كبارهم يموتون، والصغار يذبحون، خافوا فناءهم وأن لا يجدوا من يباشر الأعمال الشاقة، فصاروا يقتلون عاماً دون عام.

وعن السدي: أن فرعون رأى ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى استولت على بيوت مصر وأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك فقالوا: يخرج من بيت المقدس من يكون هلاك القبط على يده.

وقيل: إن المنجمين أخبروا فرعون بذلك وعينوا له السنة، فلهذا كان يقتل أبناءهم من تلك السنة.

قيل: والأقرب هو الأول، لأن المستفاد من علم النجوم والتعبير لا يكون أمراً مفصلاً، وإلا قدح ذلك في كون الإخبار عن الغيب معجزاً، بل يكون أمراً جميلاً، والظاهر من حال العاقل أن لا يقدم على هذا الأمر العظيم بسببه (قلت) كون فرعون عاقلاً ممنوع، فإن من شك في أجلى البديهيات وهو أنه ممكن الوجود، فعدّه من العقلاء لا يكون من العقل.

ثم قال ذلك القائل: لعل فرعون كان عارفاً بالله وبصدق الأنبياء إلا أنه كان كافراً كفر الجحود والعناد، أو يقال إنه كان شاكاً متحيراً في دينه وكان يجوّز صدق إبراهيم  ، وأقدم على ذلك الفعل احتياطاً.

(قلت): إذا أخبر الله  عنه بأنه قال ﴿ أنا ربكم الأعلى  ﴾ و ﴿ ما علمت لكم من إله غيري  ﴾ فلا ضرورة بنا إلى تجويز كونه عارفاً بالله وبصدق الأنبياء وجعل كفره كفر جحود ﴿ ومن أصدق من الله قيلا  ﴾ ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور  ﴾ فإن قلت: لم ذكر ﴿ يذبحون ﴾ ههنا بلا "واو"، وفي سورة إبراهيم بواو؟

فالوجه فيه أنه إذا جعل ﴿ يسومونكم سوء العذاب ﴾ مفسراً بقوله ﴿ يذبحون ﴾ فلا حاجة إلى الواو، وإذا جعل ﴿ يسومونكم ﴾ مفسراً بسائر التكاليف الشاقة سوى الذبح، وجعل الذبح شيئاً آخر احتيج إلى الواو.

وإنما جاء ههنا ﴿ يذبحون ﴾ وفي الأعراف ﴿ يقتلون ﴾ بغير واو لأنهما من كلام الله فلم يرد تعداد المحن عليهم.

والذي في إبراهيم من كلام موسى فعدّ المحن عليهم وكان مأموراً بذلك في قوله ﴿ وذكرهم بأيام الله  ﴾ وقال بعضهم: إن معنى يستحيون يفتشون حياء المرأة أي فرجها، هل بها حمل أم لا؟

وفيه تعسف.

والبلاء المحنة إن أشير بذلك إلى صنيع فرعون، والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء، والحمل على النعمة أولى لأنها هي التي يحسن إضافتها إلى الرب  ، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله  على أسلافهم حيث عاينوا إهلاك من حاول إهلاكهم وإذلال من بالغ في إذلالهم.

وههنا نكتة، وهي أنهم كانوا في نهاية الذل، وخصمهم في غاية الاستيلاء والغلبة، إلا أنهم كانوا محقين وخصومهم مبطلين، فانقلب المحق غالباً والمبطل مغلوباً، فكأنه قيل: لا تغتروا بفقر محمد  وقلة أنصاره في الحال، فإنه سينقلب العز إلى جانبه  ، والذل إلى جانب أعدائه.

وفيه تنبيه على أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء، فليس للإنسان أن يغتر بعز الدنيا وينسى أمر الآخرة.

قال أهل الإشارة: النفس الأمارة وصفاتها الذميمة وأخلاقها الرديئة تسوم الروح الشريف ذبح أبناء الصفات الروحانية الحميدة واستحياء بعض الصفات القلبية لاستخدامهن في الأعمال القذرة الحيوانية ولا ينجيه من ذلك إلا الله  .

قوله ﴿ وإذ فرقنا ﴾ نعمة أخرى في نعمة أي فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه سالك لكم على عدد الأسباط وكانوا اثني عشر.

ومعنى بكم أنهم كانوا يسلكونه ويتفرق الماء كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما، أو يراد فرقناه بسبب إنجائكم، أو يكون حالاً أي ملتبساً بكم.

روي أنه  لما أراد غرق فرعون والقبط وبلغ بهم الحال في معلوم الله تعالى أنه لا يؤمن أحد منهم، أمر موسى بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط، إما ليخرجوا خلفهم لأجل المال، وإما لتبقى أموالهم في أيديهم.

ثم نزل جبريل وقال: أخرج ليلاً كما قال  ﴿ وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي  ﴾ وكانوا ستمائة ألف، وكل سبط خمسون ألفاً.

فلما خرجوا وبلغ الخبر فرعون قال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك.

قال الراوي: فوالله ما صاح الليلة ديك.

فلما أصبحوا دعا فرعون بشاة فذبحت ثم قال: لا أفرغ من تناول كبد هذه الشاة حتى يجتمع إليّ ستمائة ألف من القبط.

قال قتادة: فاجتمع إليه ألف ألف ومائتا ألف، كل واحدٍ منهم على فرس حصان فتبعوهم نهاراً وهو قوله ﴿ فأَتبعوهم مشرقين  ﴾ أي بعد طلوع الشمس.

فلما سار بهم موسى إلى البحر قال له يوشع: أين أمرك ربك؟

فقال له موسى: إلى أمامك.

وأشار إلى البحر - فأقحم يوشع فرسه في البحر وكان يمشي في الماء حتى بلغ الغمر، فسبح الفرس وهو عليه، ثم رجع وقال له يا موسى: أين أمرك ربك؟

فقال: البحر.

فقال: والله ما كذبت وما كذب.

ففعل ذلك ثلاث مرات فأوحى الله  إليه أن اضرب بعصاك البحر، فانشق البحر اثني عشر طريقاً.

فقال له: ادخل، وكان فيه وحل فهب الصبا نحو البحر حتى صار طريقاً يبساً، فاتخذ كل سبط منهم طريقاً ودخلوا فيه، فقالوا لنبيهم: أين أصحابنا لا نراهم؟

فقال موسى: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم.

قالوا: لا نرضى حتى نراهم.

فقال: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة.

فأوحى إليه أن قل بعصاك هكذا، فقال بها على حيطان المياه فصارت فيها كوى فتراءوا وتسامعوا كلامهم.

ثم اتبعهم فرعون فلما بلغ شاطئ البحر رأى إبليس واقفاً فنهاه عن الدخول فهمّ بأن لا يدخل البحر، فجاء جبريل على مهرة فتقدم وهو كان على فحل، فتبعه فرس فرعون ودخل البحر، فصاح ميكائيل بهم ألحقوا آخركم بأوّلكم، فلما دخلوا البحر بالكلية أمر الله  الماء حتى نزل عليهم فذلك قوله  ﴿ وأغرقنا آل فرعون ﴾ قيل: ذلك اليوم كان يوم عاشوراء، فصام موسى  ذلك اليوم شكراً لله تعالى، ومعنى قوله ﴿ وأنتم تنظرون ﴾ أنكم ترون التطام أمواج البحر بفرعون وقومه.

وقيل: إن قوم موسى سألوا أن يريهم الله  حالهم، فسأل موسى ربه فلفظهم البحر ألف ألف ومائة ألف نفس فنظروا إليهم طافين.

وقيل: المراد وأنتم بالقرب منهم.

قال الفراء: وهو مثل قولك "لقد ضربتك وأهلك ينظرون إليك فما أغاثوك" تقول ذلك إذا قرب أهله منه وإن كانوا لا يرونه ومعناه راجع إلى العلم.

قال أهل الإشارة: البحر هو الدنيا، وماؤه شهواتها ولذاتها، وموسى القلب، وقومه صفات القلب، وفرعون النفس الأمارة، وقومه صفات النفس، والعصا عصا الذكر، فينفلق بحر الدنيا بتفليق لا إله إلا الله، وينشبك ماء شهواته يميناً وشمالاً، ويرسل الله  ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا فيصير يابساً من ماء الشهوات، فيخوض موسى القلب وصفاته فيعبرونه وتنجيهم عناية الله إلى ساحل ﴿ وأَنَّ إلى ربك المنتهى  ﴾ ويغرق فرعون النفس وقومه والله  أعلم.

ولما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، وعد الله موسى.

ونسبه: موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم  .

أن ينزل عليه التوراة وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة، وإنما قيل أربعين ليلة لأن الشهور غررها بالليالي.

وقال أهل التحقيق: لأن الليلة وقت العبادة والخلوة فخصت بالذكر لشرفها.

ولعدد الأربعين خاصية لن ينكرها أهل الذوق، ولهذا جاء في الحديث "من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه" والجنين يتقلب في الأطوار في الأربعينات، قال أبو العالية: وبلغنا أنه لم يحدث حدثاً في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور.

ولا بد من تقدير مضاف أي انقضاء أربعين كقولك "اليوم أربعون يوماً منذ خرج فلان" أي تمام الأربعين.

ومن قرأ ﴿ واعدنا ﴾ من المواعدة فمعناه أن الله  وعده الوحي ووعد هو المجيء للميقات إلى الطور.

وذكر الأربعين ههنا مجمل وتفصيله في الأعراف كقوله: ﴿ ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة  ﴾ فصل أولاً ثم أجمل.

ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم اتخذتم ﴾ استبعاد مضمون ما بعدها عن مضمون ما قبلها وعدم مناسبته له، لأنه  لما وعد موسى حضور الميقات لإنزال التوراة عليه بحضرة السبعين تنبيهاً للحاضرين وتعريفاً للغائبين وإظهاراً لدرجة موسى وسائر بني إسرائيل، وأتوا عقيب ذلك بأشنع أنواع الجهل والكفر، كان ذلك في محل التبعيد والتعجيب كما تقول: إنني أحسنت إليك وفعلت كذا وكذا ثم إنك تقصدني بالسوء والإيذاء.

والاتخاذ افتعال من الأخذ إلا أنه أدغم بعد تليين الهمزة وإبدال التاء، ثم لما كثر استعماله على لفظ الافتعال توهموا أن التاء أصلية فبنوا منه "فعل" "يفعل" وقالوا: يخذ يتخذ، وقد أجرى اتخذ مجرى الأفعال القلبية في الدخول على المبتدأ والخبر نحو "جعل" و "صير" والتقدير: اتخذتم العجل إلهاً إلا أنه حذف الثاني للعلم به ولذكره في مواضع أخر منها في طه ﴿ فقالوا هذا الهكم وإله موسى  ﴾ وقوله من بعده من بعد مضيه إلى الطور.

قال أهل السير: لما ذهب موسى إلى الطور وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحلي التي استعاروها من القبط، قال لهم هارون: إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم فأحرقوها، فجمعوا ناراً وأحرقوها.

وكان السامري في مسيره مع موسى  في البحر نظر إلى حافر دابة جبريل حين تقدّم في البحر، فقبض قبضة من تراب حافر تلك الدابة.

ثم إن السامري أخذ ما كان معه من الذهب وصوّر منه عجلاً وألقى فيه ذلك التراب فخرج منه صوت كأنه الخوار ﴿ فقالوا هذا الهكم وإله موسى  ﴾ فاتخذه إلهاً لأنفسهم، ولهذا وصفهم الله  بالظلم في قوله ﴿ وأنتم ظالمون ﴾ كما قال ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ وذلك أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والمشرك وضع أخس الأشياء مكان أشرف الموجودات.

والواو في ﴿ وأنتم ﴾ إما للحال وإما للاعتراض أي وأنتم قوم من عادتكم الظلم، وقال أهل التحقيق: إن لكل قوم عجلاً يعبدونه.

قال  "تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة" وقال "ما عبد إله أبغض إلى الله من الهوى" وفيه تقريع لليهود الذين جادلوا رسول الله  وعادوه كأنه قال: هؤلاء إنما يفتخرون بأسلافهم، ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة والجهالة والعناد إلى هذا الحد، فكيف بهؤلاء الأخلاف؟

وتسلية للنبي  مما كان يشاهد من مشركي العرب واليهود والنصارى من الخلاف والمشاقة ﴿ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل  ﴾ وتحذير للعقلاء من الجهل والتقليد إلى هذه الغاية.

ما أفظع شأن الجهلة المقلدة، رضوا بأن يكون العجل إلهاً، وما رضوا بأن يكون البشر نبياً وقد تعجّل بعضهم لتصحيح واقعة عبدة العجل حيث استبعد وقوعها منهم مع أنهم شاهدوا تلك المعجزات الباهرة التي تكاد تكون قريبة من حد الإلجاء في الدلالة على الصانع وصدق النبي  .

إن السامري ألقى إلى القوم أن موسى  إنما قدر على ما أتى به لأنه كان يتخذ طلسمات على قوى فلكية فقال للقوم: أنا أتخذ لكم طلسماً مثل طلسمه، وروّج عليهم ذلك بأن جعله بحيث خرج منه صوت عجيب، وأطمعهم في صيرورتهم مثل موسى في إتيان الخوارق، أو لعل القوم كانوا مجسمة وحلولية فجوزوا حلول الإله في الأجسام فوقعوا في تلك الشبهة الركيكة، وههنا يظهر التفاوت بين أ مة موسى وأمة محمد  فإنهم بعد مشاهدة الآيات العظام القريبة من الأفهام عبدوا الأصنام بل الأنعام، وأمة محمد  مع أن معجزتهم القرآن الذي لا يعرف إعجازه إلا بالنظر الدقيق والبحث العميق لم يخالفوا نبيهم طرفة عين ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه  ﴾ ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله  ﴾ لا يزيغون عن سواء السبيل ولا يميلون إلى معتقدات أهل الأباطيل ﴿ مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل  ﴾ .

قوله: ﴿ ثم عفونا عنكم ﴾ أي حين تبتم بأن قتلتم أنفسكم ﴿ من بعد ذلك ﴾ الأمر العظيم الذي ارتكبتموه من اتخاذ العجل ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ نعمة العفو.

ومعنى الترجي في كلام الله  قد مر في قوله ﴿ لعلكم تتقون ﴾ الكتاب والفرقان يعني الجامع بين كونه كتاباً منزلاً وفرقاناً يفرق بين الحق والباطل يعني التوراة نحو: رأيت الغيث والليث، يريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة.

أو التوراة والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان العصا واليد وغيرهما من الآيات، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام.

وقيل: الفرقان انفراق البحر، ولا يلزم التكرار لأنه لم يبين هناك أن ذلك لأجل موسى وفي هذه الآية بين ذلك التخصيص على سبيل التنصيص.

وقيل: النصر الذي فرق بينه وبين عدوه كقوله  ﴿ يوم الفرقان  ﴾ يعني يوم بدر.

وقيل: آتينا موسى التوراة ومحمداً الفرقان لكي تهتدوا به يا أهل الكتاب وفيه تعسف.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوٓا۟ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٥٤ وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةًۭ فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ٥٥ ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٥٦ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٥٧

القراءات: ﴿ بارئكم ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو من طريق أبي الزعراء، وعبد الرحمن بن عبدوس.

وقرأ أبو عمرو بالاختلاس ﴿ أنه هو ﴾ مدغماً: أبو عمرو غير عباس، وكذلك كل ما كان بينهما ياء أو واو ملفوظة مثل ﴿ ومن دونه هو ﴾ ﴿ وأنه هو ﴾ وأشباه ذلك.

﴿ حتى ﴾ حيث كان بالإمالة: نصير والعجلي ﴿ نرى الله ﴾ مكسورة الراء: روى ابن رومي عن عباس وأبو شعيب عن اليزيدي، وكذلك كل راء بعدها ياء استقبلها ألف ولام مثل ﴿ ولو يرى الذين ﴾ ﴿ والنصارى المسيح ﴾ ﴿ جهرة ﴾ مفتوحة الهاء: قتيبة ﴿ السلوى ﴾ بالإمالة الشديدة: حمزة وعلي وخلف.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة وكذلك كل كلمة على مثال "فعلى".

الوقوف: ﴿ فاقتلوا أنفسكم ﴾ (ط) ﴿ عند بارئكم ﴾ (ط) لأن التقدير ففعلتم ﴿ فتاب عليكم ﴾ (ط) ﴿ الرحيم ﴾ (ه) ﴿ تنظرون ﴾ (ه) ﴿ تشكرون ﴾ (ه) ﴿ السلوى ﴾ (ط) {ما رزقناكم (ط) ﴿ يظلمون ﴾ (ه) التفسير: إنه سبحان نبههم على عظم ذنبهم ثم على ما به يتخلصون منه، وذلك من أعظم النعم في الدين وأيضاً لما أمرهم بالقتل ورفع ذلك الأمر عنهم قبل فنائهم بالكلية، كان ذلك نعمة في حق أولئك الباقين وفي أعقابهم إلى زمن محمد  ، وأيضاً لما بين أن توبة أولئك ما تمت إلا بالقتل، ظهر أن بعثة محمد  لهم نعمة ورحمة لأنه لا يأمرهم بشيء من ذلك متى رجعوا عن كفرهم.

وفيه ترغيب لأمة محمد  في التوبة، فإن أمة موسى لما رغبوا في تلك التوبة مع نهاية مشقتها على النفس فلأن يرغب أحدنا في مجرد الندم كان أولى.

هذا وقد مر أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه إلا أنه لا بد فيه من تعدي ضرر، فبين ههنا أن الضرر إنما يعود على أنفسهم فبذلك استحقوا العذاب الأبدي.

والفرق بين الفاءات الثلاثة في الآية، أن الأولى للتسبيب لا غير لأن الظلم سبب التوبة.

والثانية للتعقيب إما لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم على أن التوبة مفسرة بقتل النفس في شرعهم لا بالندم، وإما لأن القتل تمام توبة المرتد في شرعهم، والمعنى فتوبوا فاتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم كما أن القاتل عمداً لا تتم توبته في شرعنا إلا بتسليم النفس حتى يرضى أولياء المقتول أو يقتلونه.

ومعنى ﴿ إلى بارئكم ﴾ النهي عن الرياء في التوبة كأنه قيل: لو أظهرتم التوبة لا عن القلب فأنتم ما تبتم إلى الله وإنما تبتم إلى الناس.

وقوله ﴿ ذَٰلكم ﴾ أي القتل ﴿ خير لكم عند بارئكم ﴾ جملة معترضة تفيد التنبيه على أن ضرر الدنيا أهون من عذاب الآخرة إذ لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.

والموت لا بد واقع فليس في تحمل القتل إلا التقديم والتأخير.

والثالثة هي الفاء الفصيحة أي المفصحة عن محذوف تقديره: فامتثلتم فتاب عليكم.

وعلى هذا يكون الكلام خطاباً من الله  لهم على طريقة الالتفات، ويمكن أن يقال: المحذوف شرط منتظم في جملة قول موسى كأنه قال فإن فعلتم فقد تاب عليكم، وإنما اختص هذا الموضع بذكر البارئ لأن معناه كما مر في الأسماء الذين خلق الخلق على الوجوه الموافقة للمصالح والأغراض، ففيه تقريع لما كان منهم من ترك عبادة العليم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة برآء من التنافر مناسبة للحكم والمقاصد إلى عبادة العجل الذي هو مثل في البلادة والغباوة، فلا جرم كان جزاؤهم تفكيك ما ركب من خلقهم وتبديل.

من أشكالهم حين لم يشكروا النعمة في ذلك وغمطوها باتخاذ من لا يقدر على شيء منها.

والمراد بقتل الأنفس إما ما يقتضيه ظاهر اللفظ وهو أن يقتل كل واحد نفسه، والقتل اسم للفعل المؤدي إلى زهوق الروح في الحال أو في المآل.

وإما قتل بعضهم بعضاً وعليه المفسرون لقوله  ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم  ﴾ ﴿ ولا تلمزوا أنفسكم  ﴾ ﴿ فسلموا على أنفسكم  ﴾ وذلك أن المؤمنين كنفس واحدة.

ثم اختلفوا فقيل: إنه أمر من لم يعبد العجل من السبعين المختارين لحضور الميقات أن يقتل من عبد العجل منهم.

وقيل: لما أمرهم موسى  بالقتل أجابوا فأخذ عليهم المواثيق ليصبرن على القتل فأصبحوا مجتمعين كل قبيلة على حدة، وأتاهم هارون بالاثني عشر ألفاً الذين ما عبدوا العجل وبأيديهم السيوف فقال: إن هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين للسيوف فاجلسوا بأفنية بيوتكم واتقوا الله واصبروا، فلعن الله رجلاً قام من مجلسه أو مد طرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو رجل ويقولون آمين.

روي أن الرجل كان يبصر ولده ووالده وجاره وقريبه فلم يمكنه المضي لأمر الله، فأرسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون تحتها، فجعلوا يقتلونهم إلى المساء.

وقام موسى وهارون يدعوان الله ويقولان: هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية يا الهنا.

فكشفت الضبابة والسحابة، وأوحى الله  إليه: قد غفرت لمن قتل، وتبت على من لم يقتل.

قالوا: وكانت القتلى سبعين ألفاً.

وقيل: كانوا قسمين: منهم من عبد العجل، ومنهم من لم يعبد.

ولكن لم ينكر على من عبده فأمر من لم يشتغل بالإنكار بقتل من اشتغل بالعبادة.

والقائلون بأن العجل عجل الهوى قالوا: معنى قتل الأنفس هو قمع الهوى لأن الهوى حياة النفس.

قوله: ﴿ وإذا قلتم يا موسى ﴾ ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الواقعة كانت قبل أن كلف الله عبدة العجل بالقتل.

قال محمد بن إسحق: لما رجع موسى  من الطور إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لأخيه والسامري ما قال وأحرق العجل ونسفه في اليم، اختار سبعين رجلاً من خيارهم.

فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى: سل ربك حتى نسمع كلامه.

فسأل موسى ذلك فأجابه الله إليه، فلما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله، ودنا موسى  من ذلك الغمام حتى دخل فيه فقال للقوم: ادخلوا وعوا.

وكان موسى متى كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني إسرائيل النظر إليه.

وسمع القوم كلام الله مع موسى يقول له: افعل ولا تفعل.

ومن جملة الكلام "إني أنا الله لا إله إلا أنا ذو بكة، أخرجتكم من أرض مصر فاعبدوني ولا تعبدوا غيري".

فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه فقال القوم بعد ذلك ﴿ لن نؤمن لك ﴾ أي لن نصدقك ولن نقر بنبوتك ﴿ حتى نرى الله جهرة ﴾ عياناً، وهي مصدر قولك جهر بالقراءة والدعاء، كأن الذي يرى بالعين يجاهر بالرؤية، والذي يرى بالقلب يخافت بها.

وانتصابها على نحو انتصاب "قعد القرفصاء" لأن هذه نوع من الرؤية كما أن تلك نوع من القعود، ويحتمل أن يكون نصبها على الحال بمعنى ذوي جهرة.

ومن قرأ ﴿ جهرة ﴾ بفتح الهاء فإما لأنه مصدر كالغلبة، وإما لأنه جمع جاهر.

وإنما أكدوا بهذا لئلا يتوهم أن المراد بالرؤية العلم أو التخيل على ما يراه النائم ﴿ فأخذتكم الصاعقة ﴾ وهي ما صعقهم أي أماتهم.

فقيل: نار وقعت من السماء فأحرقتهم، وقيل: صيحة جاءت من السماء، وقيل: أرسل الله جنوداً سمعوا بحسها فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة.

وصعقة موسى في قوله ﴿ وخر موسى صعقاً  ﴾ لم تكن موتاً ولكن غشية بدليل ﴿ فلما أفاق  ﴾ والظاهر أنه أصابهم ما ينظرون إليه لقوله ﴿ وأنتم تنظرون ﴾ فرفع موسى يديه إلى السماء يدعو ويقول: إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلاً ليكونوا شهودي بقبول توبتهم فأرجع إليهم وليس معي أحد، فما الذي يقولون فيّ؟

فلم يزل يدعو حتى رد الله إليهم أرواحهم وذلك قولهم ﴿ ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ﴾ نعمة البعث بعد الموت، أو نعمة الله بعدما كفرتموها فطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم.

وقيل: إن هذه الواقعة كانت بعد القتل.

قال السدي: لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم، أمر الله أن يأتيه موسى في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادتهم العجل، فاختار موسى سبعين رجلاً.

فلما أتوا الطور قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وماتوا، فقام موسى يبكي ويقول: يا رب، ماذا أقول لبني إسرائيل فإني أمرتهم بالقتل ثم اخترت من بينهم هؤلاء، فإذا رجعت إليهم ولا يكون معي أحد منهم فماذا أقول لهم؟

فأوحى الله إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل إلهاً.

فقال موسى: إن هي إلا فتنتك.

فأحياهم الله  فقاموا ونظر كل واحد إلى الآخر كيف يحييه الله  .

فقالوا: يا موسى إنك لا تسأل الله شيئاً، إلا أعطاك، فادعه يجعلنا أنبياء.

فدعا بذلك فأجاب الله دعوته.

هذا ما قاله المفسرون، وليس في الآية ما يدل على ترجيح أحد القولين على الآخر، ولا على أن الذين سألوا الرؤية عبدة العجل أم لا، والصحيح أن موسى لم يكن من جملة الصعقين في هذه الواقعة لأنه خطاب مشافهة، ولأنه لو تناوله لوجب تخصيصه بقوله في حق موسى ﴿ فلما أفاق  ﴾ مع أن لفظة "الإفاقة" لا تستعمل في الموت.

ثم في الآية فوائد منها: التحذير لمن كان في زمان نبينا  عن فعل ما يستحق بسببه أن يفعل به ما فعل بأولئك.

ومنها تشبيه جحودهم معجزات النبي  بجحود أسلافهم نبوة موسى  مع مشاهدتهم لعظم تلك الآيات ليتنبهوا أنه إنما لا يظهر على النبي  مثلها لعلمه بأنه لو أظهرها لجحودها، ولو جحدوها لاستحقوا العقاب كما استحقه أسلافهم.

ومنها التسلية للنبي  وتثبيت فؤاده كي يصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل.

ومنها إزالة شبهة من يقول إن نبوة محمد  لو صحت لكان أولى الناس بالإيمان به أهل الكتاب، حيث إنهم عرفوا خبره، وذلك أنه  بيَّن أن أسلافهم بعد مشاهدة تلك الآيات كانوا يرتدون كل وقت ويتحكمون عليه، فكيف يتعجب من مخالفتهم محمداً  وإن وجدوا في كتبهم أخبار نبوته  .

و منها لما أخبر محمد  عن هذه القصة مع كونه أمياً، تبين أن ذلك من الوحي.

بقي ههنا بحث وهو أن المعتزلة استدلوا بالآية على امتناع رؤية الله  لأنها لو كانت أمراً جائز الوقوع لم تنزل بهم العقوبة كما لم تنزل بهم حين التمسوا النقل من قوت إلى قوت في قولهم ﴿ لن نصبر على طعام واحد  ﴾ .

وأجيب بأن امتناع رؤيته في الدنيا لا يستلزم امتناع رؤيته في الآخرة الذي هو محل النزاع، فعل رؤيته تقتضي زوال التكليف عن العبد والدنيا مقام التكليف، وأيضاً اقتراح دليل زائد على صدق المدعي بعد ثبوته تعنت.

وأيضاً لا يمتنع أن الله  علم أن فيه مفسدة كما علم في إنزال الكتاب من السماء ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة  ﴾ فلهذا جاز الاستنكار لأن مطالبة الرؤية جهرة مطالعة الذات غفلة، وفيه من سوء الأدب وترك الحرمة ما لا يستحسنه قضية العزة والحشمة.

قوله  ﴿ وظللنا ﴾ أي جعلنا الغمام يظلكم وذلك في التيه كما سيجيء في المائدة، سخر الله لهم السحاب فيسير بسيرهم يظلهم من الشمس والظل ضوء ثان، وينزل عليه ثوب كالظفر يطول بطوله كما كان لآدم قبل الزلة، وينزل عليهم المن وهو الترنجبين مثل الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لكل إنسان صاع لا أزيد، ويبعث الله الجنوب فتحشر عليهم السلوى وهي السماني، فيذبح الرجل منها ما يكفيه لا أزيد.

مجاهد: المن صمغ حلو.

وهب: هو الخبز السميذ.

الزجاج: هو ما منّ الله  به عليهم، وهذا كما يروى مرفوعاً "الكمأة من المن وفيها شفاء للعين" وقيل: السلوى العسل.

وقيل: طائر أحمر ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي وقلنا لهم كلوا ﴿ من طيبات ﴾ من حلالات ﴿ ما رزقناكم ﴾ وهذا للإباحة.

﴿ وما ظلمونا ﴾ يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم فجعلوا موضع الشكر كفراً، وما ظلمونا فاختصر الكلام بحذفه لدلالة وما ظلمونا عليه ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ لأن وبال الظلم عائد عليهم لا إلى غيرهم ولا إلى الله  .

وإنما قال ههنا وفي الأعراف والتوبة والروم بزيادة لفظة "كانوا" لأنها إخبار عن قوم ماتوا وانقرضوا بخلاف قوله في آل عمران ﴿ ولكن أنفسهم يظلمون  ﴾ لأنه مثل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُوا۟ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًۭا وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا وَقُولُوا۟ حِطَّةٌۭ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ ٥٨ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رِجْزًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ٥٩

القراءات: ﴿ يغفر لكم ﴾ بضم الياء التحتانية وفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وجبلة.

﴿ تغفر لكم ﴾ بضم التاء الفوقانية وفتح الفاء: ابن عامر وأبو زيد عن المفضل.

الباقون ﴿ نغفر ﴾ بالنون وكسر الفاء ﴿ يغفر لكم ﴾ مدغماً كل القرآن: أبو عمرو.

﴿ خطاياكم ﴾ وبابه بالإمالة: علي ﴿ قولاً غير ﴾ بالإخفاء: يزيد وأبو نشيط عن قالون، وكذلك يخفيان النون والتنوين عند الخاء والغين سواء وسط الكلمة أو أولها.

الوقوف: ﴿ خطاياكم ﴾ (ط) ﴿ المحسنين ﴾ (ه) ﴿ يفسقون ﴾ (ه).

التفسير: القرية مجتمع الناس من قرأت الماء في الحوض أي جمعت.

وبهذا الاعتبار كثيراً ما تطلق القرية على البلدة، والجمع القرى على غير قياس.

وإنما قياسه من المعتل اللام "فعال" نحو: ركوة وركاء، وظبية وظباء، والنسبة إليها قروي.

وهو على القياس عند يونس حيث قال: ظبوي في النسبة إلى ظبية، وعلى خلاف القياس عند الخليل وسيبويه حيث يقولان: ظبي على مثال الصحيح.

والقرية بيت المقدس، وقيل: أريحاء من قرى الشام.

أمروا بدخولها بعد التيه.

والباب باب القرية، وقيل: باب القبة التي كانوا يصلون إليها وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى، أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب تواضعاً وشكراً لله  .

وقيل: السجود أن ينحنوا ويتطامنوا داخلين ليكون دخولهم بإخبات وخشوع.

وقيل: طؤطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فلم يخفضوا ودخلوا متزحفين على أوراكهم من الزحف وهو المشي على الأوراك.

و ﴿ حطة ﴾ فعلة من الحط كالجلسة خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة، أو أمرك وأصله النصب معناه: اللهم حط عنا ذنوبنا حطة، فرفعت لإفادة الثبوت كقوله: شكــا إلــيّ جملــي طــول الســرى *** يــا جملــي ليــس إلــيّ المشتكــى صبــر جميــــل فكـــــلانـــا مبتلــــى *** الأصل صبراً أي أصبر صبراً.

كان القوم أمروا أن يدخلوا الباب على وجه الخضوع، وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب وخضوع الجوارح والاستغفار باللسان، وذلك أن التوبة صفة القلب فلا يطلع الغير عليها، فإذا اشتهر واحد بالذنب ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن شاهد منه الذنب، لا لأن التوبة لا تتم إلا به إذ الأخرس تصح توبته وإن لم يوجد منه الكلام، بل لأجل تعريف الغير عدوله عن الذنب إلى التوبة ولإزالة التهمة عن نفسه، وكذا من عرف بمذهب خطأ ثم تبين له الحق، فإنه يلزمه أن يعرّف إخوانه الذين عرفوه بالخطأ عدوله عنه لتزول التهمة عنه في الثبات على الباطل، وليعودوا إلى موالاته بعد معاداته ويحسنوا الظن به.

وعن أبي مسلم الأصفهاني: أن معناه أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها.

وأصل الغفر الستر والتغطية.

ومعنى القراءات في ﴿ نغفر لكم ﴾ واحد، لأن الخطيئة إذا غفرها الله  فقد غفرت، وإذا غفرت فإنما يغفرها الله.

والفعل إذا تقدم الاسم المؤنث وحال بينه وبين الفاعل حائل جاز التذكير والتأنيث.

والخطء الذنب قال  ﴿ إن قتلهم كان خطأ كبيراً  ﴾ تقول منه خطئ يخطأ خطأً وخطأة على فعلة.

والاسم الخطيئة على "فعيلة" وجمعها خطايا وأصله خطايء بياء ثم همز، أبدلت الهمزة ألفاً فانفتحت الياء لأجلها.

﴿ وسنزيد المحسنين ﴾ المفعول الثاني محذوف للعلم به ولمكان الفاصلة أي سنزيدهم إحساناً أو ثواباً أو سعة، وذلك أن المراد من المحسنين إما من هو محسن بالطاعة في هذا التكليف، وإما من هو محسن بطاعات أخرى في سائر التكاليف.

وعلى الأول فالزيادة الموجودة إما منفعة دنيوية، فالمعنى أن المحسن بهذه الطاعة نزيده سعة في الدنيا ونفتح عليه قرى غير هذه القرية، وإما منفعة دينية أي المحسن بهذا نزيده على غفران الذنوب ثواباً جزيلاً.

وعلى الثاني فالمعنى أنّا نجعل دخولكم الباب سجداً وقولكم ﴿ حطة ﴾ مؤثراً في غفران الذنوب، ثم إن أتيتم بعد ذلك بطاعات أخرى زدناكم ثواباً.

ويحتمل أن يكون المراد أنهم صنفان: فمن مخطئ تصير الكلمة سبباً لغفرانه، ومن محسن تصير سبباً لزيادة ثوابه قوله  ﴿ فبدل الذين ظلموا ﴾ قال أبو البقاء: التقدير فبدلوا بالذي قيل لهم قولاً غير الذي قيل لهم.

يتعدى إلى مفعولين: واحد بنفسه والآخر بالباء.

والذي مع الباء يكون هو المتروك، والذي بغير باء هو الموجود.

ويجوز أن يكون "بدل" بمعنى "قال"، لأن تبديل القول يكون بقول.

والمعنى أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به ولم يمتثلوا أمر الله.

وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ معين وهو لفظ حطة فجاءوا بلفظ آخر، لأنهم لو جاءوا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به لم يأخذوا به، كما لو قالوا مكان حطة نستغفرك ونتوب إليك، أو اللهم اعف عنا ونحو ذلك.

وقيل: قالوا مكان حطة حنطة.

وقيل: قالوا بالنبطية والنبط قوم ينزلون بالبطائح بين العراقين حطاً سمقاثاً أي حنطة حمراء استهزاء منهم بما قيل لهم، وعدولاً عن طلب ما عند الله إلى طلب ما يشتهون.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم، فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة" وفي تكرير ﴿ الذين ظلموا ﴾ ووضع المظهر موضع المضمر، زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم، وهو أن وضعوا غير ما أمروا به مكان ما أمروا به.

والرجز العذاب.

عن ابن عباس: مات بالفجأة منهم أربعة وعشرون ألفاً في ساعة واحدة.

وقال ابن زيد: بعث الله عليهم الطاعون حتى مات من الغداة إلى العشي عشرون ألفاً.

وقيل: سبعون ألفاً.

ومعنى ﴿ من السماء ﴾ يحتمل أن يكون شيئاً نازلاً من جهة العلو كريح ونحوه، ويحتمل أن يراد من قبل الأمر النازل من عند الله تفظيعاً لشأن العذاب.

والفسق هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته بارتكاب الكبيرة، فالمراد ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ إما الظلم المذكور وفائدة التكرار التأكيد، وإما أن يراد أنهم استحقوا اسم الظلم بسبب ذلك التبديل.

ونزول الرجز عليهم من السماء بالفسق الذي كانوا يفعلون قبل ذلك التبديل مستمراً إلى أوان هذا الظلم، وهذا أظهر لزوال التكرير، ولأن لفظة "كانوا" تنبئ عن خصلة مستمرة، والخصلة الواحدة المعينة لا يتصور فيها الاستمرار.

فلو كان المراد ذلك لقيل بما فسقوا.

وربما احتج أصحاب الشافعي بقوله  ﴿ فبدل الذين ظلموا ﴾ أنه لا يجوز تحريم الصلاة بلفظ التحميد والتعظيم والتسبيح، ولا تجوز القراءة بالفارسية، وكذا لا يجوز تبديل ما ورد به التوقيف من الأذكار بغيرها.

وأجيب بأنهم إنما استحقوا الذم لتبديلهم القول إلى قول آخر يضاد معناه معنى الأول، فلا جرم استوجبوا الذم.

فأما من غير اللفظ مع بقاء المعنى فليس كذلك.

ورد بأن ظاهر الآية يتناول كل من بدل قولاً بقول آخر سواء اتفق القولان في المعنى أم لم يتفقا.

(أسئلة) لم قال في "البقرة" ﴿ وإذ قلنا ﴾ وفي "الأعراف" ﴿ وإذ قيل ﴾ لأنه صرح بالقائل في أول القرآن إزالة للإبهام، ولأن الكلام مرتب على قوله ﴿ اذكروا نعمتي ﴾ وفي "الأعراف" لم يبق الإبهام.

ولم قال ههنا ﴿ ادخلوا ﴾ وهناك ﴿ اسكنوا ﴾ ؟

لأن الدخول مقدم على السكون، "والبقرة" مقدمة في الذكر على "الأعراف".

ولم قال في "البقرة" ﴿ فكلوا ﴾ وفي "الأعراف" ﴿ وكلوا ﴾ بالواو؟

لما بينا في قوله ﴿ وكلا منها رغداً ﴾ .

ولم قال في "البقرة" ﴿ خطاياكم ﴾ وفي "الأعراف" ﴿ خطيئاتكم ﴾ ؟

لأن الخطايا جمع الكثرة، والخطيئات جمع السلامة للقلة، وقد أضاف القول ههنا إلى نفسه فكان اللائق بكرمه غفران الذنوب الكثيرة، وهناك لم يذكر الفاعل فلم يكن ذكر اللفظ الدال على الكثرة واجباً.

ولمثل هذا الجواب ذكر ههنا ﴿ رغداً ﴾ ليدل على الإنعام الأتم، ولم يذكر في "الأعراف"، ولم قال ههنا ﴿ وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة ﴾ وفي "الأعراف" بالعكس؟

لأن الواو للجمع المطلق، ولأن المخاطبين صنفان: محسن ومذنب.

واللائق بالمحسن تقدم العبادة والخضوع، ثم ذكر التوبة على سبيل هضم النفس وإزالة العجب.

واللائق بالمسيء عكس ذلك، ولأنه ذكر في هذه السورة ﴿ ادخلوا هذه القرية ﴾ فقدم كيفية الدخول.

ولم قال في "البقرة" ﴿ وسنزيد ﴾ وفي "الأعراف" ﴿ سنزيد ﴾ ؟

لأنه في "الأعراف" ذكر امرين: قول الحطة وهو إشارة إلى التوبة، ودخول الباب وهو إشارة إلى العبادة.

ثم ذكر جزاءين أحدهما الغفران والآخر الزيادة، فترك الواو ليفيا توزيع الجزاءين على الشرطين.

وفي "البقرة" وقع مجموع المغفرة والزيادة جزاء لمجموع الفعلين، أعني دخول الباب وقول الحطة، فاحتيج إلى الواو وأيضاً الاتصال اللفظي حاصل في هذه السورة بين قوله ﴿ وإذ قلنا ﴾ وبين قوله ﴿ وسنزيد ﴾ بخلاف "الأعراف" لأن اللائق به في الظاهر سيزاد، فحذف الواو ليكون استئنافاً للكلام.

وما الفائدة في زيادة كلمة ﴿ منهم ﴾ في الأعراف؟

لأن أول القصة مبني على التخصيص ﴿ ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون  ﴾ فذكر أن منهم من يفعل ذلك، ثم عدد صنوف إنعامه وأوامره عليهم، فلما انتهت القصة قال ﴿ فبدل الذين ظلموا منهم ﴾ فهناك ذكر أمة عادلة وأمة جائرة فصار آخر الكلام مطابقاً لأوله، وأما في البقرة فلم يذكر في أول الآيات تمييزاً وتخصيصاً حتى يلزم في آخر القصة مثل ذلك.

لم قال في "البقرة" ﴿ فأنزلنا ﴾ وفي "الأعراف" ﴿ فأرسلنا ﴾ لأن الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر، والإرسال يفيد تسلطه عليهم واستئصالهم بالكلية، وذلك إنما يحدث بالآخرة.

وقيل: لأن لفظ الإرسال في "الأعراف" أكثر فَرُوعي التناسب.

لم قال في "البقرة" ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ وفي "الأعراف" ﴿ يظلمون ﴾ لأنه لما بين في البقرة كون الظلم فسقاً اكتفى بذلك البيان في "الأعراف".

وأيضاً إنهم ظلموا أنفسهم وخرجوا عن طاعة الله  ، فوصفهم بالأمرين في موضعين والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًۭا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍۢ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ٦٠ وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍۢ وَٰحِدٍۢ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ ۚ ٱهْبِطُوا۟ مِصْرًۭا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ٦١

القراءات: عامة القراء ﴿ اثنتا عشرة ﴾ بسكون الشين للتخفيف ﴿ عليهم الذلة ﴾ بضم الهاء والميم: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب، وكذلك كل ما كان قبل الهاء ياء ساكنة، وافق سهل إذا كانت قبل الياء فتحة فقط.

وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء والميم، الباقون بكسر الهاء وضم الميم.

﴿ النبيين ﴾ وبابه بالهمزة: نافع إلا في موضعين في الأحزاب ﴿ إن وهبت نفسها للنبي  ﴾ و ﴿ بيوت النبي  ﴾ إلا فروي إسماعيل وقالون عنه بغير همزة.

الوقوف: ﴿ الحجر ﴾ (ط) الحق المحذوف أي فضرب فانفجرت ﴿ عيناً ﴾ (ط) ﴿ مشربهم ﴾ (ط) ﴿ مفسدين ﴾ (ه) ﴿ وبصلها ﴾ (ط) ﴿ هو خير ﴾ (ط) ﴿ سألتم ﴾ (ط) لأن قوله ﴿ وضربت ﴾ ابتداء إخبار عما يؤل إليه حالهم ﴿ من الله ﴾ (ط) ﴿ بغير الحق ﴾ (ط) ﴿ يعتدون ﴾ (ه).

التفسير: جمهور المفسرين سوى أبي مسلم، على أن هذا الاستسقاء كان في التيه، عطشوا فدعا لهم موسى بالسقيا فقيل له اضرب بعصاك الحجر، أما العصا فقال الحسن: كانت عصا أخذها من بعض الأشجار.

وقيل: كانت من الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى ولها شعبتان تتقدان في الظلمة.

وأما الحجر فاللام إما للعهد والإشارة إلى حجر معلوم، فقد روي أنه حجر طوري حمله معه وكان حجراً مربعاً له أربعة أوجه كانت تنبع من كل وجه ثلاثة أعين، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم وكانوا ستمائة ألف، وسعة المعسكر اثنا عشر ميلاً وقيل: أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا.

وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل ورماه بنو إسرائيل بالأدرة ففرّ به، فقال له جبريل: يقول الله  : ارفع هذا الحجر فإن لي فيه قدرة ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته.

وإما للجنس أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر.

وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه قال: وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة.

ثم إنهم قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة؟

فحمل حجراً في مخلاته فحيثما نزلوا ألقاه، وأما الصنف والشكل فقيل: كان من رخام وكان ذراعاً في ذراع.

وقيل: مثل رأس الإنسان.

وقيل: له أربعة أوجه كما مر، وهذا إذا لم يعتبر الفوقاني ومقابله.

وأما الضرب فقيل: كان يضربه بعصاه فينفجر ويضربه بها فييبس فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشاً، فأوحى الله  إليه: لا تقرع الحجارة وكلمها تطعك لعلهم يعتبرون.

والفاء في قوله ﴿ فانفجرت ﴾ فاء فصيحة كما سبق في ﴿ فتاب عليكم  ﴾ وفي هذا الحذف دلالة على أن موسى لم يتوقف عن اتباع الأمر، وأنه من انتفاء الشك عنه بحيث لا حاجة إلى الإفصاح به.

والانفجار والانبجاس واحد ومعناه خروج الماء بسعة وكثرة.

وأصل الفجر الشق ومنه الفاجر لأنه يشق عصا المسلمين بمخالفتهم.

وقيل: الانبجاس خروج الماء قليلاً، ووجه بأن الفجر في الأصل هو الشق، والبجس الشق الضيق فلا يتناقضان كما لا يتناقض المطلق والمقيد والعام والخاص، أو لعله انبجس أوّلاً ثم انفجر ثانياً وكذا العيون تظهر الماء قليلاً ثم يكثر لدوام خروجه، أو لعل حاجتهم تشتد تارة فينفجر وتضعف أخرى فينبجس.

﴿ قد علم كل أناس ﴾ أي كل سبط ﴿ مشربهم ﴾ كأنه أمر كل سبط أن لا يشرب إلا من جدول معين حسماً لمادة التشاجر، فإن العادة في الرهط الواحد أن لا يقع بينهم من التنازع مثل ما يقع بين المختلفين.

وهذا أيضاً من تمام النعمة عليهم، وإنما فقد العاطف لأن قوله ﴿ قد علم ﴾ بيان وتفصيل لما أجمل في قوله ﴿ اثنتا عشرة ﴾ كأنه قيل: هذا المجموع مشاع بينهم أو مقسوم فقيل قد علم ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي وقلنا أي قال لهم موسى كلوا من المن والسلوى الذي رزقناكم بلا تعب ولا نصب، واشربوا من هذا الماء.

وقيل: إن الأغذية لا تنبت إلا بالماء، فلما أعطاهم الماء فكأنما أعطاهم المأكول والمشروب.

والعثو أشد الفساد، و ﴿ مفسدين ﴾ قيل: نصب على الحال المؤكدة وهو ضعيف، فإن من شرطها أن تكون مقررة لمضمون جملة اسمية.

وقيل: حال منتقلة ومعناه النهي عن التمادي في حالة الإفساد، إما مطلقاً أو مقيداً بأنه إن وقع التنازع بسبب ذلك الماء فلا تبالغوا في التنازع.

ويرد على هذا القول أن الإفساد منهي عنه مطلقاً، وهذا التفسير يقتضي أن يكون المنهي عنه هو التمادي في الإفساد لا نفس الإفساد.

والصحيح أن يقال: إن المنصوبات في نحو قوله عز من قائل ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ ﴿ ثم وليتم مدبرين  ﴾ وفي نحو قولهم "تعال جائياً وقم قائماً" من الصفات القائمة مقام المصدر نحو "أقاعداً وقد سار الركب" بقي في الآية بحث، وهو أنه كيف يعقل خروج المياه الكثيرة من الحجر الصغير؟

والجواب أما على القول بالفاعل المختار فظاهر فإن له أن يحدث أيّ فعل خارق شاء من غير أن يطلب له سبب وواسطة، وأما عند طالب الأسباب والوسائط فإن العناصر الأربعة لها هيولي مشتركة عندهم.

وجوّز وانقلاب صور بعضها إلى بعض، فجاز استمداد الماء الكامن في الحجر من الهواء المجاور له، ومثل هذا ما رواه أنس أنه أتى النبي  بإناء وهو بالزوراء، فوضع يده في الإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ القوم.

قال قتادة قلت لأنس: كم كنتم؟

قال: ثلثمائة أو زهاء ثلثمائة.

بل معجزة نبينا  أقوى لأن نبوع الماء من الحجر معهود في الجملة، أما نبوعه من بين الأصابع فغير معتاد، قال أهل الإشارة: الروح الإنساني وصفاته في عالم القالب بمثابة موسى وقومه، وإنه يستسقي ربه لإروائها من ماء الحكمة والمعرفة فيضرب بعصا لا إله إلا الله.

ولها شعبتان من النفي والإثبات تتقدان نوراً عند استيلاء ظلمات النفس على حجر القلب فيتفجر اثنتا عشرة عيناً من ماء الحكمة بعدد حروف لا إله إلا الله، قد علم كل سبط من أسباط الإنسان وهي خمس حواس ظاهرة، وخمس باطنة مع القلب والنفس مشربهم فيستوي في حظه بحسب مشربه.

قوله  ﴿ وإذ قلتم يا موسى ﴾ الآية.

زعم بعض المفسرين أن هذا السؤال منهم كان معصية، فإن اللائق بحال المكلف الصبر على ما ساقه الله  إليه خصوصاً إذا كان نعمة وعفواً وصفواً، ولا سيما إذا كان المسؤول أدون وأحقر.

ولهذا أنكره موسى عليهم ﴿ قال أتستبدلون ﴾ .

وقال الآخرون: إنه غير معصية لأن قوله ﴿ كلوا واشربوا ﴾ عند إنزال المن والسلوى، وانفجار الماء أمر إباحة لا إيجاب.

ثم إنهم كانوا أهل فلاحة فرغبوا إلى مألوفهم، ورغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل التربية وإن كان خسيساً فوق رغبته فيما لا يعتاد وإن كان شريفاً.

ولعلهم سئموا من التيه فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وغرضهم البلاد.

وأيضاً المواظبة على الطعام الواحد تميت الشهوة وتضعف الهضم، فيصح أن يكون التبديل مطلوباً للعقلاء، ولهذا أجابهم الله  إلى ما سألوا، ولو كان معصية لم يجبهم إلى ذلك، اللهم إلا أن يكون من قبيل ﴿ ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب  ﴾ وإنما صح إطلاق الطعام الواحد على المن والسلوى، لأنهم أرادوا بالوحدة نفي التبدل والاختلاف، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها ويأكلها كل يوم لا يبدلها.

قيل: لا يأكل فلان إلا طعاماً واحداً.

ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد لأنهما معاً من طعام أهل التلذذ والترفه، ونحن أهل زراعة ما نريد إلا ما ألفناه.

ومعنى يخرج لنا يوجد ويظهر.

والبقل ما أنبتته الأرض من الخضر كالنعناع والكرفس والكراث وغير ذلك من أطايب البقول التي يأكلها الناس عادة.

والقثاء الخيار، والفوم الثوم، ويدل عليه قراءة عبد الله ﴿ وثومها ﴾ وهو بالعدس والبصل أوفق.

وقال بعضهم: الفوم الحمص لغة شامية، ويقال: هو الحنطة.

ومنه قولهم "فوّموا لنا" أي اختبزوا.

قال الفراء: هي لغة قديمة ﴿ الذي هو أدنى ﴾ أي أقرب منزلة وأدون مقداراً كقولهم في ضده "هو بعيد المحل وبعيد الهمة" يعنون الرفعة والعلو ﴿ اهبطوا مصراً ﴾ أي انحدروا إليه من التيه.

يقال: هبط الوادي إذا نزل به، وهبط منه إذا خرج.

وبلاد التيه ما بين بيت المقدس إلى قنسرين اثنا عشر فرسخاً في ثمانية.

ومصر إما مصر فرعون، والتنوين فيه في القراءات المعتبرة مع أن فيه العلمية والتأنيث لسكون وسطه كما في نوح ولوط، وفيهما العلمية والعجمية.

وإما مصر من الأمصار كأنه قيل لهم: ادخلوا بلداً أيّ بلد كان لتحدوا فيه هذه الأشياء.

ولما ذكر الله  صنوف نعمه على بني إسرائيل إجمالاً ثم تفصيلاً، أراد أن يبين مآل حالهم ليكون عبرة للنظار وتبصرة لأولي الأبصار وتحذيراً للإنسان عن الجحود والكفران المستتبعين للخزي والهوان فقال ﴿ وضربت عليهم الذلة والمسكنة ﴾ أي جعلت محيطة بهم مشتملة عليهم كالقبة المضروبة على الشخص، أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلصق به.

فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة، إما على الحقيقة وإما لتصاغرهم وتفاقرهم خيفة أن تضاعف عليهم الجزية.

وهذا من جملة الأخبار عن الغيب الدال على كون القرآن وحياً نازلاً من السماء على محمد  .

هذا حالهم في الدنيا، وأما حالهم في العقبى فذلك قوله ﴿ وباؤا بغضب من الله ﴾ من قولك "باء فلان بفلان" إذا كان حقيقاً بأن يقتل به لمساواته له ومكافأته، أي صاروا أحقاء بغضبه وهو إرادة انتقامه ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والخلافة بالغضب، بسبب كفرهم بآيات الله أي القرآن، بل وبالتوراة لأن الكفر به مستلزم للكفر بها، وقتلهم الأنبياء، وقد قتلت اليهود - لعنوا - شعيباً وزكريا ويحيى وغيرهم بغير الحق أي من غير ما شبهة عندهم توجب استحقاق القتل.

فإن الآتي بالباطل قد يكون اعتقده حقاً لشبهة عنت له، وقد يأتي به مع علمه بكونه باطلاً.

ولا شك أن الثاني أقبح وأدخل في القحة، أو كرر للتأكيد نحو ﴿ ومن يدع مع الله الهاً آخر لا برهان له به ﴾ \[المؤمنون: 117\] ومحال أن يكون لمدعي الإله الثاني برهان.

والنبيء بالهمزة "فعيل" بمعنى فاعل من نبأ بالتخفيف أي أخبر لأنه نبأ عن الله  .

قال سيبويه: ليس أحد من العرب إلا ويقول تنبأ مسيلمة بالهمز، غير أنهم تركوا الهمز في النبي كما تركوه في الذرية والبرية والخابية إلا أهل مكة، فإنهم يهمزون هذه الأحرف ولا يهمزون غيرها ويخالفون العرب في ذلك.

وقيل: أصله من نبأت من أرض إلى أرض أي خرجت منها إلى أخرى.

وهذا المعنى أراد الأعرابي بقوله "يا نبيء الله" أي يا من خرج من مكة إلى المدينة.

فأنكر عليه  الهمزة.

وقيل: النبي بالإدغام من النبوة وهي ما ارتفع من الأرض، أي أنه  شرف على سائر الخلق "فعيل" بمعنى "مفعول"، والجمع أنبياء.

وعلى الأول إنما جمع على أنبياء لأن الهمز لما أبدل وألزم الإبدال جمع جمع ما أصل لامه حرف العلة ﴿ ذلك بما عصوا ﴾ تأكيد بتكرير الشيء بغير اللفظ الأول كقول السيد لعبده وقد احتمل منه ذنوباً سلفت منه فعاقبه عند آخرها "هذا بما عصيتني وخالفت أمري.

هذا بما تجرأت علي واغتررت بحلمي" ويجوز أن يشار بذلك إلى الكفر والقتل على معنى انهمكوا في العصيان والاعتداء حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود الآيات وقتل الأنبياء، أو تكون الباء بمعنى "مع" أي ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا سائر أنواع المعاصي، واعتدوا حدود الله في كل شيء.

وقيل: هو اعتداؤهم في السبت.

واعلم أنه  لما ذكر إنزال العقوبة بهم بين سبب ذلك أولاً بما فعلوه في حق الله وهو جهلهم به وجحدهم لنعمه، ثم ثناه بما يتلوه في العظم وهو قتل الأنبياء، ثم ثلثه بما يكون منهم من المعاصي المتعدية إلى الغير مثل الاعتداء والظلم وذلك في نهاية الترتيب.

وقيل: الأول إشارة إلى متقدميهم، والثاني إشارة إلى من كان في عصر رسول الله  ، فكأنه  بيَّن سبب ما نزل بالفريقين من البلاء والمحنة ليظهر للخلائق أن ذلك على قانون العدالة وقضية الحكمة.

فإن قيل: لم قيل ههنا ﴿ ويقتلون النبيين بغير الحق ﴾ وفي "آل عمران" ﴿ ويقتلون الأَنبياءَ بغير حق  ﴾ منكراً؟

قلت: الحق المعلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل ما في قوله  "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق" فالحق المعرف إشارة إلى هذا، وأما الحق المنكر فالمراد به تأكيد العموم، أي لم يكن هناك حق لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره ألبتة.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٦٢ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٦٣ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٦٤ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا۟ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ ٦٥ فَجَعَلْنَـٰهَا نَكَـٰلًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ ٦٦

القراءات: ﴿ النصارى ﴾ بالإمالة: أو عمرو وحمزة وعلي وخلف وورش من طريق النجاري، والخراز عن هبيرة، وكذلك كل راء بعدها ياء.

وروى قتيبة بكسر الصاد والراء، وكذلك قوله ﴿ سكارى ﴾ و ﴿ أسارى ﴾ و ﴿ يوارى ﴾ و ﴿ أوارى ﴾ كلها بإمالة ما قبل الألف ﴿ والصابئين ﴾ بغير همزة: أبو جعفر ونافع وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة.

الوقوف: ﴿ عند ربهم ﴾ (ز) لنوع عدول عن إثبات إلى نفي مع اتفاق الجملتين.

و ﴿ يحزنون ﴾ (ه) ﴿ الطور ﴾ (ط) لأن التقدير: قلنا لكم خذوا ﴿ تتقون ﴾ (ه) ﴿ من بعد ذلك ﴾ (ج) لأن "لولا" للابتداء وقد دخل الفاء فيه ﴿ الخاسرين ﴾ (ه) ﴿ خاسئين ﴾ (ه) (ج) للآية والعطف بالفاء ﴿ المتقين ﴾ (ه).

التفسير: قد انجرّ الكلام في الآي المتقدمة إلى وعيد أهل الكتاب ومن يقفو آثارهم، فقرن به ما يتضمن الوعد جرياً على عادته  من ذكر الترغيب مع الترهيب فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ .

واختلف المفسرون ههنا لأن قوله في آخر الآية ﴿ من آمن ﴾ .

يدل على أن المراد من قوله ﴿ آمنوا ﴾ شيء آخر، كقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمِنوا  ﴾ .

فعن ابن عباس: المراد أن الذين آمنوا قبل مبعث محمد  بعيسى  مع البراءة من أباطيل اليهود والنصارى كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري.

كأنه قيل: إن الذين آمنوا قبل مبعث محمد  ، والذين كانوا على الدين الباطل لليهود، والذين كانوا على الدين الباطل للنصارى، كل من آمن بعد مبعث محمد  بالله واليوم الآخر وبمحمد  فلهم أجرهم.

وعن سفيان الثوري: إن الذين آمنوا باللسان دون القلب وهم المنافقون، والذين تهوّدوا يقال هاد يهود وتهود إذا دخل في اليهودية، والنصارى، والصابئين، كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي، فلهم كذا.

وقيل: الذين آمنوا هم المؤمنون بمحمد  في الحقيقة، وهو عائد إلى الماضي.

وكأنه قيل: إن الذين آمنوا في الماضي، واليهود والنصارى والصابئين، كل من آمن منهم وثبت على ذلك في المستقبل واستمر.

واشتقاق اليهود قيل من قولهم ﴿ إنا هدنا إليك  ﴾ أي تبنا ورجعنا.

عن ابن عباس: وقيل نسبوا إلى يهودا أكبر ولد يعقوب.

وقيل: إنهم يتهودون أي يتحرّكون عند قراءة التوراة.

واشتقاق النصارى قبل من ناصرة قرية كان ينزلها عيسى  قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج.

وقيل: لتناصرهم فيما بينهم أي لنصرة بعضهم بعضاً.

وقيل: لأن عيسى  قال للحواريين من أنصاري إلى الله.

واحد النصارى نصران، ومؤنثه نصرانة: والياء في نصراني للمبالغة كالتي في أحمري، والصابئين بالهمزة اشتقاقه من صبأ الرجل يصبأ صبواً إذا خرج من دينه إلى دين آخر.

وكانت العرب يسمون النبي  صابئاً لأنه  أظهر ديناً على خلاف أديانهم.

عن مجاهد والحسن: هم طائفة من اليهود والمجوس لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم.

وعن قتادة: قوم يعبدون الملائكة ويصلون للشمس كل يوم خمس مرات.

وقيل: وهو الأقرب - إنهم قوم يعبدون الكواكب ثم فيهم قولان:الأوّل أن خالق العالم هو الله  إلا أنه أمر بتعظيم هذه الأجرام واتخاذها قبلة للصلاة والدعاء.

والثاني أنه  خلق الأفلاك والكواكب وفوّض التدبير إليها، فيجب على البشر تعظيمها لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم، ثم إنها تعبد الله  .

وينسب هذا المذهب إلى الكلدانيين الذين جاءهم إبراهيم  ، فبين الله  أن هذه الفرق الأربع إذا آمنوا بالله ويدخل فيه الإيمان بكل ما أوجبه كالإيمان برسله وآمنوا باليوم الآخر وبما وعد فيه، فإن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عند الله  .

ومحل ﴿ من آمن ﴾ رفع على أنه مبتدأ خبره ﴿ فلهم أجرهم ﴾ والجملة خبر "إن"، أو نصب على أنه بدل من اسم "أن".

والمعطوفات عليه.

وخبر "أن" ﴿ فلهم أجرهم ﴾ والفاء لتضمن من أو الذين معنى الشرط.

قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين لأنهم أهل كتاب، وعكس الترتيب في الحج لأن الصابئين مقدمة على النصارى بالزمان، وراعى في المائدة المعنيين فقدمهم في اللفظ وأخرهم في التقدير، لأن تقديره: والصابئون كذلك.

وقوله  ﴿ وإذا أخذنا ميثاقكم ﴾ مخاطبة فيها معاتبة لاستمالها على تذكير النعم وتقدير المنعم.

وللمفسرين في هذا الميثاق أقوال: أحدها: أنه ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وقدرته وحكمته وعلى صدق أنبيائه ورسله وهو أقوى المواثيق والعهود، لأنه لا يحتمل الخلف والكذب والتبدل بوجه من الوجوه وهو قول الأصم، وثانيها ما روي عن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم أن موسى  لما رجع من عند ربه بالألواح، قرأوا ما فيها من الأخبار والتكاليف الشاقة فكبرت عليهم وأبوا قبولها، أمر جبرائيل بقلع الطور من أصله ورفعه فظلله فوقهم وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا ألقي عليكم فحينئذ قبلوا وأعطوا الميثاق.

وعن ابن عباس: إن لله ميثاقين الأول، حين أخرجهم من صلب آدم على أنفسهم، والثاني أنه  ألزم الناس متابعة الأنبياء.

والمراد ههنا هو هذا العهد.

وإنما قال ﴿ ميثاقكم ﴾ ولم يقل "مواثيقكم" للعلم بذلك كقوله ﴿ يخرجكم طفلاً  ﴾ أي كل واحد منكم، أو لأن الميثاق بشيء واحد أخذه من كل واحد منهم.

ولو قال مواثيقكم لأشبه أن يكون لكل منهم ميثاق آخر.

والواو في ﴿ ورفعنا ﴾ إما واو عطف إن جعل الميثاق مقدماً على رفع الجبل كما في قول الأصم وابن عباس، وإما واو الحال إن جعل مقارناً للرفع، كأنه قال: وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم والطور.

قيل: الجبل مطلقاً.

وعن ابن عباس: أنه جبل من جبال فلسطين.

وقيل: جبل معهود، والأقرب أنه الجبل الذي وقعت المناجاة عليه، وقد يجوز أن ينقله الله  إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيداً منهم، فإن القادر على أن يسكن الجبل في الهواء قادر على أن ينقله إليهم من المكان البعيد.

﴿ خذوا ﴾ على إرادة القول أي وقلنا خذوا ﴿ ما آتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بقوّة ﴾ بجد وعزيمة غير متكاسلين ولا متثاقلين وقيل: بقوة ربانية ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه، وإنما لم يحمل على نفس الذكر لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله فكيف يجوز الأمر به؟

﴿ لعلكم تتقون ﴾ رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو قلنا خذوا إرادة أن تتقوا ﴿ ثم توليتم ﴾ معطوف على محذوف أي فقبلتم والتزمتم ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به.

ويمكن أن يقال أخذ الميثاق عبارة عن قبولهم فلا حاجة إلى تقدير ﴿ من بعد ذلك ﴾ أي من بعد القبول والالتزام.

قال القفال: قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة، فحرفوا التوراة وتركوا العمل به وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم.

ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض، ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلاً ونهاراً يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى، ويجاهرون بالمعاصي في عسكره، حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون، وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرأونها، ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس، وكفروا بالمسيح وهموا بقتله، فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد  من الكتاب، وجحودهم لحقه  وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر ﴿ فلولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ بإمهالكم وتأخير العذاب عنكم ﴿ لكنتم من الخاسرين ﴾ أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم، ولكنكم خرجتم من هذا الخسران لأن الله  تفضل عليكم بالإمهال حتى تبتم.

فإن كلمة "لولا" تدل على امتناع الثاني لوجود الأول، فامتنع الخسران لوجود فضل الله.

ويحتمل أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله ﴿ ثم توليتم من بعد ذلك ﴾ ويكون قوله ﴿ فلولا فضل الله ﴾ رجوعاً بالكلام إلى أوّله، أي لولا لطف الله بكم برفع الجبل فوقكم لدمتم على ردكم للكتاب، ولكنه تفضل عليكم ورحمكم ولطف بكم بذلك حتى تبتم.

قوله عز من قائل ﴿ ولقد علمتم ﴾ اللام للابتداء، ولا تكاد تدخل الماضي بدون قد لأنها ولتأكيد مضمون الجملة الاسمية نحو: لزيد قائم، أو لتأكيد المضارع نحو: ليضرب زيد.

لكن قد تقرب الماضي من الحال فيصير الماضي كالمضارع مع تناسب معنى "قد".

ومعنى "اللام" في التحقيق، وعند الكوفيين يقدر القسم قبله.

عن ابن عباس: إن هؤلاء القوم كانوا في زمن داود  بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشأم، وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أوب في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها، وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة، فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول، وكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد.

فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك وهم خائفون من العقوبة، فلما طال العهد استنت الأبناء سنة الآباء واتخذوا الأموال، فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد في السبت فنهوهم فلم ينتهوا وقالوا: نحن في هذا العمل منذ زمان فما زادنا الله به إلا خيراً.

فقيل لهم: لا تغتروا بذلك فربما ينزل بكم العذاب والهلاك.

فأصبح القوم وهم قردة خاسئون فمكثوا ثلاثة أيام ثم ماتوا.

قال بعضهم: وفي الكلام حذف أي ولقد علمتم اعتداء الذين اعتدوا ليكون المذكور من العقوبة جزاء لذلك.

والسبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت والاعتداء فيه، إما نفس الاصطياد لأنهم أمروا فيه بالتجرد للعبادة فجاوزوا ما حد لهم واشتغلوا بالصيد، وإما الاصطياد مع استحلاله.

وقوله ﴿ كونوا ﴾ المراد منه سرعة الإيجاد وإظهار القدرة وإن لم يكن هناك قول ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون  ﴾ ﴿ وقردة خاسئين ﴾ خبر "إن" أي كونوا جامعين بين القردة، والخسوء وهو الصغار والطرد.

عن مجاهد أنه مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله ﴿ كمثل الحمار يحمل أسفاراً  ﴾ ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجع فيه تعليمه: كن حماراً.

واحتج بأن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، فإذا أبطله وخلق مكانه تركيب القرد رجع حاصل المسخ إلى إعدام الأعراض التي باعتبارها كان ذلك الجسم إنساناً، وإيجاد أعراض أخر باعتبارها صار قرداً.

وأيضاً لو جوزنا ذلك لم نأمن في كل ما نراه قرداً وكلباً أنه كان إنساناً عاقلاً وذلك شك في المشاهدات.

وأجيب بأن الإنسان ليس هذا الهيكل لتبدله بالسمن والهزال فهو أمر وراء ذلك، إما جسماني سار في جميع البدن، أو جزء في جانب من البدن كقلب أو دماغ، أو مجرد كما يقوله الفلاسفة.

وعلى التقادير فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ، وبهذا التأويل يجوز في الملك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول  ، ولأنه لم يتغير منهم إلا الخلقة والصورة والعقل، والفهم باقٍ فإنهم يعرفون ما نالهم بشؤم المعصية من تغير الخلقة وتشوّه الصورة وعدم القدرة على النطق وسائر الخواص الإنسانية، فيتألمون بذلك ويتعذبون، ثم أولئك القرود بقوا أو أفناهم الله، وإن بقوا فهذه القرود التي في زماننا من نسلهم أم لا، الكل جائز عقلاً إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا ﴿ فجعلناها ﴾ أي المسخة أو القردة أو قرية أصحاب السبت أو هذه الأمة ﴿ نكالاً ﴾ عقوبة شديدة رادعة عن الإقدام على المعصية.

والنكول عن اليمين الامتناع عنها.

ولم يقصد بذلك ما يقصده الناس من التشفي وإطفاء نائرة الغيظ، وإنما جعلناها عبرة لما قبلها ومعها وبعدها من الأمم والقرون، لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها وسيبلغ خبرها إلى الآخرين فيعتبرون، أو أريد بما بين يديها ما بحضرتها من القرى والأمم، أو جعلناها عقوبة لجميع ما ارتكبوه قبل هذا الفعل وبعده، هكذا قال بعضهم، والأولى عندي أن يقال: جعلناها عقوبة لأجل ذنوب تقدمت المسخة، ولأجل ذنوب تأخرت عنها، لأنهم إن لم يكونوا ممسوخين لم ينتهوا عنها فهم في حكم المرتكبين لها.

ولا يلزم من ذلك تجويز العقاب على الذنب المفروض الموهوم لأنه أمر اعتباري، والعقوبة في نفسها واحدة ثابتة على حالها لم تزدد لأجل الذنب المتأخر شيئاً، فليس الأمر فيه كمن ضرب عبده لأجل الإباق المتقدم مائة جلدة، ولأجل الإباق المتأخر المترقب مائة أخرى، ولكنه كمن قيد عبده أو حبسه لأجل الإباق المتقدم والإباق المترقب والله أعلم ﴿ وموعظة للمتقين ﴾ لأن منفعة الاتعاظ تعود إليهم لا إلى غيرهم مثل ﴿ هدى للمتقين ﴾ أو ليعظ المتقون بعضهم بعضاً.

وقيل: للمتقين الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًۭا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ ٦٧ قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ ۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا فَارِضٌۭ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَٱفْعَلُوا۟ مَا تُؤْمَرُونَ ٦٨ قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ صَفْرَآءُ فَاقِعٌۭ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّـٰظِرِينَ ٦٩ قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلْبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ٧٠ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا ذَلُولٌۭ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌۭ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا۟ ٱلْـَٔـٰنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ يَفْعَلُونَ ٧١ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًۭا فَٱدَّٰرَْٰٔتُمْ فِيهَا ۖ وَٱللَّهُ مُخْرِجٌۭ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ٧٢ فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٧٣ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةًۭ ۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٧٤

القراءات: ﴿ يأمركم ﴾ بالاختلاس: أبو عمرو وكذلك كل فعل مستقبل مهموز من ذوات الراء.

﴿ هزؤا ﴾ ساكنة الزاء مهموزة، حمزة وخلف وعباس والمفضل وإسماعيل.

وقرأ حمزة مبدلة الواو من الهمزة في الوقف لمكان الخط، وقرأ حفض غير الخراز مثقلاً غير مهموز، الباقون: مثقلاً مهموزاً ﴿ جئت ﴾ وبابه بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى وحمزة في الوقت ﴿ فأدارأتم ﴾ بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف، ﴿ عما يعملون ﴾ بالياء التحتانية: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ بقرة ﴾ (ط) ﴿ هزواً ﴾ (ط) ﴿ الجاهلين ﴾ (ه) نصف الجزء ﴿ ما هي ﴾ (ط) ﴿ ولا بكر ﴾ (ط) لأن التقدير هي عوان ﴿ بين ذلك ﴾ (ط) على تقدير قد تبين لكم ﴿ فافعلوا ما تؤمرون ﴾ (ه) ﴿ ما لونها ﴾ (ط) ﴿ صفراء ﴾ (لا) إلى آخر الآية لأن الجملة صفة بعد صفة ﴿ الناظرين ﴾ (ه) ﴿ ما هي ﴾ (لا) لأن التقدير فإن البقر أو لأن البقر إيلاء لعذر تكرار السؤال ﴿ علينا ﴾ (ط) ﴿ لمهتدون ﴾ (ه) ﴿ الحرث ﴾ (ج) لأن قوله ﴿ مسلمة ﴾ صفة بقرة أو خبر محذوف أي هي مسلمة ﴿ لا شية فيها ﴾ (ط) ﴿ جئت بالحق ﴾ (ط) لأن التقدير فطلبوها فوجدوها ﴿ فذبحوها ﴾ (ط) ﴿ يفعلون ﴾ (ه) ﴿ فادارأتم فيها ﴾ (ط) ﴿ يكتمون ﴾ (ه) ج للآية والفاء بعدها ﴿ ببعضها ﴾ (ط) لأن التقدير فضربوه فحيي فقيل لهم ﴿ كذلك يحيي الله الموتى ﴾ ﴿ تعقلون ﴾ (ه) ﴿ قسوة ﴾ (ط) ﴿ الأنهار ﴾ (ط) ﴿ الماء ﴾ (ط) ﴿ خشية الله ﴾ (ط) لتفصيل دلائل القدرة ﴿ تعملون ﴾ (ه).

التفسير: عن ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً له لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى  ، فاجتهد موسى في تعرف القاتل.

فلما لم يظهر قالوا له: سل لنا ربك حتى يبينه، فسأله فأوحى الله إليه إن الله يأمرهم أن يذبحوا بقرة.

فعجبوا من ذلك فشددوا على أنفسهم بالاستفهام حالاً بعد حال، واستقصوا في طلب الوصف، فلما تعين لم يجدوها بذلك النعت إلا عند يتيم.

وذلك أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر، وكان براً بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة فذبحوها، وأمر موسى  أن يأخذوا عضواً منها فيضربوا به القتيل فصار المقتول حياً وسمى لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قوداً.

واعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع بالاتفاق إلا عند مجوّز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره إلى وقت الحاجة فمختلف فيه، فالمجوزون استدلوا بالآية قالوا: أمروا بذبح بقرة معينة بدليل تعيينها بسؤالهم آخراً، وبدليل أنه لم يؤمر بمتجدد بل المأمور به في الثانية هو المأمور به في الأولى بالاتفاق، وبدليل المطابقة لما ذبح.

والمانعون قالوا: معناه اذبحوا أية بقرة شئتم بدليل تنكير بقرة، وهو ظاهر في أن المراد بقرة غير معينة، وبدليل أن ابن عباس قال: لو ذبحوا بقرة ما لأجزأهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، وبدليل التعنيف في قوله ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ ولو كانت معينة لما استحقوا التعنيف على السؤال.

وأجيب بأن ترك الظاهر يجوز لموجب راجح، وما نقل عن ابن عباس خبر الواحد، والتعنيف يجوز أن يكون لتفريطهم في الامتثال بعد حصول البيان التام.

ويتفرع على قول المانعين أن التكليف يكون متغايراً فكلفوا في الأول أيّ بقرة كانت، وثانياً أن تكون لا فارضاً ولا بكراً بل عواناً، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون صفراء، فلما لم يفعلوا كلفوا أن تكون لا ذلولاً تثير الأرض ولا تسقي الحرث.

ثم اختلف القائلون بهذا المذهب.

منهم من قال في التكليف الواقع أخيراً يجب أن يكون مستوفياً كل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة الأخيرة لا فارضاً ولا بكراً وصفراء فاقعاً لونها.

ومنهم من يقول: إنما يجب كونها بالصفة الأخيرة فقط، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفاً بعد تكليف، وإن كان الأول أشبه بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند ترك الامتثال.

وإذا ثبت أن البيان لا يتأخر وأنه تكليف بعد تكليف، دل على أن الأسهل قد ينسخ بالأشق، فإن المربي لولده قد يأمره بالسهل اختباراً، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب.

ويدل أيضاً على جواز النسخ قبل الفعل وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى  ، ويدل أيضاً على أن الزيادة في الخطاب نسخ له.

﴿ أتتخذنا هزواً ﴾ استفهام بطريقة الإنكار، معناه لا تجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوءاً بنا، أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء.

كان القوم ظنوا أنه يداعبهم لأنه من المحتمل أن موسى  أمرهم بذبح البقرة، وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حياً، فلا جرم وقع هذا القول منهم موقع الهزء.

ويحتمل أنه وإن كان قد تبين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل كيف يحيا بأن يضرب ببعض أجزاء البقرة.

واختلف العلماء ههنا فعن بعضهم تكفيرهم بهذا القول لأنهم إن شكوا في قدرة الله  على إحياء الموتى فقد كفروا، وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى  هل هو بأمر الله فقد جوزوا الخيانة على موسى  في الوحي، وذلك أيضاً كفر.

وعن آخرين أنه لا يوجب الكفر لأن المداعبة على الأنبياء جائزة، فلعلهم ظنوا أنه يداعبهم مداعبة حقة، أو المراد ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزئ بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء ﴿ من الجاهلين ﴾ إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، فإن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل، ومنصب النبوّة يجل عن ذلك كما يقول الرجل عند مثل ذلك: أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى، أو أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين لما في الاستهزاء من نقصان الدين والعقاب الشديد.

وقيل: نفس الهزء قد يسمى جهلاً، فإن الجهل ضد الحلم، كما أنه ضد العلم.

ثم إن قيل: إن المأمور بذبحه بقرة معينة في نفسها غير مبينة التعيين حسن موقع سؤالهم، لأن المأمور به لما كان مجملاً حسن الاستفسار والاستعلام.

أما على قول القائل إنها للعموم فلا بد من بيان أنه ما الذي حملهم على هذا الاستفسار فذكروا وجوهاً أحدها: أنه لما أخبرهم بشأن البقرة تعجبوا وظنوا أن البقرة التي لها مثل هذه الخاصية لا تكون إلا بقرة معينة، فلا جرم استقصوا في السؤال عن وصفها كعصا موسى المخصوصة من سائر العصي بتلك الخواص، إلا أن القوم كانوا مخطئين في ذلك لأن هذه الآية العجيبة لا تكون خاصية البقرة، بل كانت معجزة يظهرها الله على يد موسى، أو لعل القوم أرادوا قتل أي بقرة كانت إلا أن القاتل خاف من الفضيحة فألقى شبهة في البين وقال: المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة، فلما وقعت المنازعة رجعوا إلى موسى، أو الخطاب وإن أفاد العموم إلا أن القوم أرادوا الاحتياط فسألوا مزيد البيان وإزالة الاحتمال، إلا أن المصلحة تغيرت واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة.

فإن قيل: السؤال بما هو لطلب الحقيقة والحقيقة لا تعلم إلا بأجزائها ومقوماتها لا بصفاتها الخارجة، فالجواب بالأوصاف الخارجة لا يكون مطابقاً للسؤال.

قلنا: من البين أن مقصودهم من قولهم "ما البقرة" ليس طلب ماهيتها النوعية فإن ذلك كالمفروغ منه عندهم، وإنما وقع السؤال عن المشخصات.

فالظاهر يقتضي أن يقال: أي بقرة هي؟

فإن مطلب "أي" السؤال عن الصفات الذاتية والخواص.

فسبب العدول إما إقامة الحقيقة الشخصية مقام الحقيقة النوعية فإن الشخص من حيث هو شخص حقيقة أيضاً قد يطلب تصورها، وإما لأنهم تصوروا أن البقرة التي لها هذه الخاصية العجيبة حقيقتها مغايرة لحقيقة سائر البقرات وإن كانت صورتها موافقة لصورتها، وإما لأن السؤال عن الجزئيات كزيد وعمرو إنما يكون بـ "من" إذا كان طلباً للعوارض، وههنا الجزئي غير ذي عقل فناسب أن يقام ما مقام "من".

الفارض المسنة، وقد فرضت فروضاً فهي فارض كطالق كأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها.

والبكر الفتية، وكان الأظهر أنها التي لم تلد كما في الإنسان.

والعوان النصف قال: نواعم بين أبكار وعون.

*** وقد غونت وقال: فــإن أتــوك وقـــالــوا إنهـــا نصـــف *** فــإن أطيــب نصفيهــا الــــذي ذهبـــا وقد يستدل من هذا على جواز الاجتهاد واستعمال غلبة الظن في الأحكام إذ لا يعلم أنها بين الفارض والبكر إلا بطريق الاجتهاد.

وإنما جاز دخول "بين" على لفظة "ذلك" مع أنه لا يدخل إلا على متعدد، لأنها في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر من الفارض والبكر.

وإنما أشير بذلك إلى مؤنثين وهو للإشارة إلى واحد مذكر على تأويل ما ذكر وما تقدم للاختصار في الكلام ﴿ ما تؤمرون ﴾ مثل: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به.

بمعنى ما تؤمرون به، أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية المفعول بالمصدر كضرب الأمير، ولما بين لهم كمال حالها في السن شرعوا في تعرف حال اللون.

والفقوع أشد ما يكون من الصفرة.

يقال في التوكيد أصفر فاقع مثل أسود حالك، وأحمر قانئ، وارتفع اللون على أنه فاعل سببي لفاقع.

والفرق بين قولك "صفراء فاقعة" و "صفراء فاقع لونها" أن في الثاني تأكيداً ليس في الأول، لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة فكأنه قيل: شديد الصفرة صفرتها مثل جد جده، وجنونه مجنون.

وعن وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.

والسرور حالة نفسانية تعرض عند اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع.

وعن علي  : من لبس نعلاً صفراء قل همه لقوله ﴿ سر الناظرين ﴾ وعن الحسن البصري: صفراء فاقع لونها سوداء شديدة السواد، ولعله مستعار من صفة الإبل لأن سوادها يعلوه صفرة وبه فسر قوله  ﴿ جمالات صفر  ﴾ ﴿ إن البقر تشابه علينا ﴾ لأن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير ﴿ وإنا إن شاء الله لمهتدون ﴾ عن النبي  أنه قال "والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبداً" وفيه دليل على أن الاستثناء مندوب في كل عمل صالح يراد تحصيله، ففيه استعانة بالله وتفويض للأمر إليه، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية، ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن.

والمعنى إنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي بها تمتاز عما عداها، أو إنا إن شاء الله على هدى في استقصاء السؤال أي نرجو أنا لسنا على ضلالة فيما نفعله من هذا البحث، أو إنا إن شاء الله تعريفنا إياها بالزيادة لنا في البيان نهتدي لها، أو إنا إن شاء الله نهتدي للقاتل ﴿ لا ذلول ﴾ صفة لبقرة مثل لا فارض أي بقرة غير ذلول لم تذلل للكراب وإثارة الأرض، ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقي الحرث.

"لا" الأولى للنفي والثانية مزيدة للتوكيد، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقي، على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية.

والذل بالكسر اللين ضد الصعوبة، ودابة ذلول بينة الذل "فعول" بمعنى "فاعل"، ولهذا استوى فيه المذكر والمؤنث.

تقول: رجل صبور وامرأة صبور ﴿ مسلمة ﴾ سلمها الله  من العيوب مطلقاً، أو معفاة من العلم وحشية مرسلة عن الحبس، أو مخلسة اللون لم يشب صفرتها شيء من الألوان.

وعلى هذا يكون ﴿ لا شية فيها ﴾ كالبيان.

والشية كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره أي لا لون فيها يخالف سائر لونها فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها، وهي في الأصل مصدر "وشاة" إذا خلط بلونه لوناً آخر، أصلها وشية حذف فاؤها كما هو "عدة" و "زنة" ﴿ الآن ﴾ اسم للوقت الذي أنت فيه وهو ظرف غير متمكن وقع معرفة، وليس الألف واللام فيه للتعريف لأنه ليس له ما يشركه وهو يائي ﴿ جئت بالحق ﴾ أي بحقيقة وصف البقرة أو ما بقي إشكال في أمرها فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف ﴿ فذبحوها ﴾ والذبح هو قطع أعلى العنق وهو المستحب في الغنم والبقر.

والنحر هو قطع اللبة أسفل العنق وهو المستحب في الإبل.

والمرعي في الحالتين قطع الحلقوم والمرئ لكن عنق الإبل طويل، فإذا قطع أعلاه تباطأ الزهوق.

ولا يكره الذبح في الإبل والنحر في البقر والغنم وإن كان خلاف المستحب ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ استبطاء لهم، وأنهم لكثرة استكشافهم ما كاد ينقطع خيط أشباههم.

وقيل: وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها.

وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل.

وقد يستدل بهذا على أن الأمر للوجوب بل للفور وإلا لما ترتب هذا الذم على تثاقلهم ﴿ وإذ قتلتم نفساً ﴾ خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم ﴿ فادارأتم فيها ﴾ فاختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً أي يدفعه ويزحمه، أو ينفي كل واحد منكم القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره أو يدفع بعضكم بعضاً عن البراءة ويتهمه.

وأصله تدارأتم أدغمت التاء في الدال فاحتيج إلى همزة الوصل، ويحتمل أن يرجع الضمير في "فيها" إلى القتلة المعلومة من قتلتم ﴿ والله مخرج ﴾ مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتيل.

وقد حكي ما كان مستقبلاً في وقت التدارؤ كما حكي الحاضر في قوله ﴿ وكلبهم باسط ذراعيه  ﴾ فلهذا صح عمل اسم الفاعل.

وهذه الجملة معترضة، وفيها دليل على جواز عموم النص الوارد على السبب الخاص، لأن هذا يتناول كل المكتومات.

وفيها دليل على أن الله لا يحب الفساد، وأنه سيجعل إلى زواله سبيلاً، وأن ما يسّره العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فالله سيظهره، ويعضده قوله  "إن عبداً لو أطاع الله من وراء سبعين حجاباً لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس " وكذلك المعصية والضمير في ﴿ اضربوه ﴾ عائد إلى النفس، والتذكير على تأويل الشخص أو الإنسان، ويحتمل أن يعود إلى القتيل بدلالة ﴿ قتلتم ﴾ أو ﴿ ما كنتم تكتمون ﴾ واختلف في البعض من البقرة فقيل لسانها، وقيل: فخذها اليمنى، وقيل: عجبها، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الأذن، وقيل: الأذن، وقيل: البضعة من بين الكتفين، والظاهر أنهم كانوا مخيرين بين أيّ بعض أرادوا، وههنا محذوف بدلالة الفاء الفصيحة والمعنى فضربوه فحيي فقلنا كذلك يحيي الله الموتى.

روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً وقال: قتلني فلان وفلان - وهما ابنا عمه - ثم سقط ميتاً فأخذا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك، ويؤيده قوله نبينا  "ليس للقاتل من الميراث شيء" والسر فيه أنه استعجل الميراث فناسب أن يعارض بنقيض مقصوده وهو قول الشافعي.

ولم يفرق بين أن يكون القتل مستحقاً كالعادل إذا قتل الباغي، أو غير مستحق عمداً كان أو خطأ.

وعند أبي حنيفة لا يرث في العمد والخطأ إلا أن العادل إذا قتل الباغي فإنه يرثه.

وقال مالك: لا يرثه من ديته ويرثه من سائر أمواله.

ومحل ﴿ كذلك ﴾ نصب على المصدر أي يحيي الله الموتى مثل ذلك الإحياء.

وهذا الكلام إما مع الذين حضروا حياة القتيل لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا بذلك من طريق العيان والمشاهدة، وشتان بين عين اليقين وعلم اليقين.

وإما أن يكون مع منكري البعث في زمن رسول الله  .

وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير "فقلنا" بعد تقدير "فضربوه فحيي" ﴿ ويريكم آياته ﴾ دلائله على أنه قادر على كل شيء.

فدلالة هذه القصة على وجود الصانع القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات المختار في الإيجاد والإعدام آية، ودلالتها على صدق موسى  آية، ودلالتها على براءة ساحة من سوى القاتل آية، ودلالتها على حشر الأموات آية، فهي وإن كانت واحدة إلا أنها في الحقيقة آيات عدة.

ويمكن أن يراد بالآيات غير هذه أي مثل هذه الإراءة يريكم سائر الإراءات، كما أن مثل هذا الإحياء يحيي سائر الأموات.

وفي قوله ﴿ كذلك ﴾ دون أن يقال كهذا تعظيم للمشار إليه بتبعيده كما قلنا في ﴿ ذلك الكتاب ﴾ ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ تعملون على قضية عقولكم، فإن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها إذ لا أثر للمخصصات في ذلك.

فإن قيل: ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أنه قادر على إحيائه ابتداء؟

قلنا: الفائدة فيه كون الحجة آكد وعن الحيلة أبعد، فقد كان يجوز لملحد أن يتوهم أن موسى  إنما أحياه بضرب من السحر، وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه، أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب، ولما في ذبح البقرة من القربان وأداء التكليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على طلب الحوائج، وما في التشديد عليهم لأجل تشديدهم من اللطف لهم وللآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر الله على الفور ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة، والدلالة على بركة البر بالأبوين والإشفاق على الأولاد، وتجهيل المستهزئ بما لا يعلم تأويله من كلام الحكيم، وبيان أن من حق المتقرب به إلى الرب أن يكون من أحسن ما يتقرب به، فتيّ السن حسن اللون بريئاً من العيوب ثميناً نفيساً "أسمنوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم" فإن قيل: هلا قدم ذكر القتيل على الأمر بذبح البقرة كما هو حق القصة؟

قلنا: لأنها كانت تكون حينئذ قصة واحدة ويذهب الغرض في ثنية التقريع بالاستهزاء وترك المبادرة بالامتثال أولاً، وبقتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية ثانياً، على أنها دلت على اتحاد القصتين برجوع الضمير في ﴿ ببعضها ﴾ إلى البقرة وهي مذكورة في الأولى.

قوله ﴿ ثم قست قلوبكم ﴾ الآية.

خطاب لأولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى، أو للذين هم في زمن محمد  من بعد ذلك الإحياء، أو من بعد ذلك الذي عددنا من جميع الآيات الباهرات والمعجزات الظاهرات.

ومعنى "ثم" استبعاد القسوة من بعدما يوجب اللين والرقة.

وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوّها عن الاعتبار والاتعاظ فهي كالحجارة مثلها في القسوة، أو هي أشد قسوة من الحجارة.

فمن عرفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة، ويجوز أن يقدر مضاف أي هي كالحجارة أو مثل أشد قسوة.

فمن عرفها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى من الحجارة كالحديد مثلاً.

وإنما قيل: أشد قسوة مع إمكان بناء أفعل التفضيل من فعل القسوة، لكونه أدل على فرط القسوة، أو لأنه لم يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة منها، وحذف هذا الراجع لعدم الالتباس نحو: زيد كريم وعمر أكرم.

وكلمة "أو" ههنا ليست للشك، فعلام الغيوب لا يشك في شيء، وإنما هي للتخيير بأيهما شئت شبهت فكنت صدوقاً، ولو جمعت بينهما جاز.

ثم أخذ في بيان فضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة فقال ﴿ وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ﴾ أي إن منها للذي فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الغزير، وإن منها للذي ينشق انشقاقاً طولاً أو عرضاً فينبع منه الماء وذلك بحسب كثرة المادة وقلتها، فإن الأبخرة تجمع في باطن الأرض.

ثم إن كان ظاهر الأرض رخواً نفشت وانفصلت، وإن كان صلباً حجرياً اجتمعت وصارت مياهاً، ولا يزال يتواتر مددها إلى أن تنشق الأرض من مزاحمتها وتسيل أنهاراً أو عيوناً.

وأما قلوب هؤلاء فلا تنشرح للحق ولا تتأثر من الوعظ والنصح بعد مشاهدة الآيات ومعاينة الدلائل.

ويشقق أصله يتشقق فأدغم التاء في الشين كقولهم "يذكر" في "يتذكر" ﴿ لما يهبط ﴾ للذي يتردى من أعلى الجبل وذلك من خشية الله، إما لأنه  خلق فيه الحياة والعقل والإدراك كما يروى من تسبيح الحصى في كف النبي  ، وإما لأن الخشية مجاز عن انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع عما يريد بها من الإهباط والانفصال عن كلها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تأتمر، وقيل: أن يتزلزل من أجل أن تحصل خشية الله في قلوب عباده فيفزعون إليه بالتضرع والدعاء ﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ وعيد، والمعنى أنه بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم فيجازيهم في الدنيا والآخرة ﴿ فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عداً  ﴾ ووصفه  بأنه ليس بغافل لا يوهم جواز الغفلة عليه لأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها مثل ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ .

التأويل: ذبح البقرة إشارة إلى ذبح النفس البهيمية، فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني وهو الجهاد الأكبر موتوا قبل أن تموتوا.

اقتلوني يا ثقاتي *** إن في قتلي حياتي وحياتي في مماتي *** ومماتي في حياتي مت بالإرادة تحيا بالطبيعة.

وقال بعضهم: مت بالطبيعة تحيا بالحقيقة ﴿ ما هي إنها بقرة ﴾ نفس تصلح للذبح بسيف الصدق ﴿ لا فارض ﴾ في سن الشيخوخة فيعجز عن وظائف سلوك الطريق لضعف القوى البدنية كما قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد ﴿ ولا بكر ﴾ في سن شرخ الشباب يستهويه سكره ﴿ عوان بين ذلك ﴾ لقوله ﴿ حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة  ﴾ .

﴿ بقرة صفراء ﴾ إشارة إلى صفرة وجوه أصحاب الرياضيات ﴿ فاقع لونها ﴾ يريد أنها صفرة زين لا صفرة شين فإنها سيماء الصالحين.

﴿ لا ذلول تثير الأرض ﴾ لا تحتمل ذلة الطمع ولا تثير بآلة الحرص أرض الدنيا لطلب زخارفها ومشتهياتها ﴿ ولا تسقي ﴾ حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وبماء وجاهته عند الخالق، فيذهب ماؤه عند الحق وعند الخلق ﴿ مسلمة ﴾ من آفات صفاتها ليس فيها علامة طلب غير الله ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ بمقتضى الطبيعة لولا فضل الله وحسن توفيقه.

﴿ وإذ قتلتم نفساً ﴾ يعني القلب ﴿ فادّارأتم ﴾ فاختلفتم أنه كان من الشيطان أم من الدنيا أو من النفس الأمارة ﴿ فقلنا اضربوه ببعضها ﴾ ضرب لسان بقرة النفس المذبوحة بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر فحيي بإذن الله  وقال ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء  ﴾ ﴿ وأن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ﴾ مراتب القلوب في القسوة مختلفة، فالتي يتفجر منها الأنهار قلوب يظهر عليها الغليان أنوار الروح يترك اللذات والشهوات بعض الأشياء المشبهة بخرق العادات كما يكون لبعض الرهبانيين والهنود، والتي تشقق فيخرج منها الماء هي التي يظهر عليها في بعض الأوقات عند انخراق الحجب البشرية من أنوار الروح فيريه بعض الآيات والمعاني المعقولة كما يكون لبعض الحكماء، والتي تهبط من خشية الله ما يكون لبعض أهل الأديان والملل من قبول عكس أنوار الروح من وراء الحجب فيقع فيها الخوف والخشية، وهذه المراتب مشتركة بين المسلمين وغيرهم.

والفرق أنها في المسلمين مؤيدة بنور الإيمان فيزيدوا في قربهم وقبولهم ودرجاتهم، ولغيرهم ليست مؤيدة بالإيمان فيزيدوا في غرورهم وعجبهم وبعدهم واستدراجهم، والمسلمون مخصوصون بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلي أنوار الحق ورؤية برهانه.

فإراءة الآيات للخواص ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ ﴿ ويريكم آياته لعلكم تعقلون  ﴾ لكن إراءة البرهان لأخص الخواص كما في حق يوسف ﴿ لولا أن رأى برهان ربه  ﴾ سئل الحسن بن منصور عن البرهان فقال: واردات ترد على القلوب فتعجز النفوس عن تكذيبها.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٧٥ وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ قَالُوٓا۟ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ٧٦ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ٧٧ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ٧٨ فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ ٧٩ وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَةًۭ ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًۭا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٨٠ بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةًۭ وَأَحَـٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٨١ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٨٢

القراءات: ﴿ إلا أماني ﴾ حيث كان خفيفاً: يزيد إلا قوله ﴿ تلك أمانيهم ﴾ ﴿ وليس بأمانيكم ولا أماني ﴾ ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ فإن أربعتهن بالإسكان عنده ﴿ بأيديهم ﴾ بضم الهاء: يعقوب، وكذلك كل هاء كناية قبلها ياء ساكنة ﴿ خطيآته ﴾ بالجمع: أبو جعفر ونافع.

الوقوف: ﴿ يعلمون ﴾ (ه) ﴿ آمنا ﴾ (ج) والوصل أجوز لبيان حالتيهما المتناقضتين وهو المقصود ﴿ عند ربكم ﴾ (ط) ﴿ أفلا تعقلون ﴾ (ه) ﴿ يعلنون ﴾ (ه) ﴿ يظنون ﴾ (ج) ﴿ قليلاً ﴾ (ط) ﴿ يكسبون ﴾ (ه) ﴿ معدودة ﴾ (ط) ﴿ ما لا تعلمون ﴾ (ه) ﴿ النار ﴾ (ج) لأن الجملة مبتدأ وخبر بعد خبر.

﴿ خالدون ﴾ (ه) ﴿ الجنة ﴾ (ج) ﴿ خالدون ﴾ (ه).

التفسير: لما ذكر الله  وتعالى قبائح أسلاف اليهود وسوء معاملتهم مع نبيهم، أردفها قبائح أخلافهم المعاصرين لرسول الله  فكأنه قيل: إذا كان هذا أفعالهم فيما بينهم، فكيف تطمعون أيها النبي  والمؤمنون في أن يؤمنوا أي يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم؟

كقوله ﴿ فآمن له لوط ﴾ ﴿ وقد كان فريق منهم ﴾ طائفة من أسلافهم ﴿ يسمعون كلام الله ﴾ وهو ما يتلونه من التوراة ﴿ ثم يحرفونه ﴾ كما حرفوا صفة رسول الله  وآية الرجم.

وقيل: هم قوم من الذين حضروا الميقات، سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به ونهى عنه ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم فلا تفعلوا فلا بأس ﴿ من بعد ما عقلوه ﴾ فهموه وضبطوه بعقولهم من غير ما شبهة ﴿ وهم يعلمون ﴾ أنهم مفترون كذابون.

والمعنى إن كفر هؤلاء وحرفوا فلهم سابقة في ذلك كما تقول للرجل: كيف تطمع أن يفلح فلان وأستاذه فلان يأخذ عنه لا عن غيره؟

فهؤلاء المقلدة لا يقبلون إلا قول معلميهم وأحبارهم الذين تعمدوا التحريف عناداً أو لضرب من الأغراض الدنيوية ﴿ وإذا لقوا ﴾ أي اليهود قال منافقوهم: آمنا بأنكم على الحق ونشهد أن صاحبكم صادق، ونجده بنعته وصفته في كتابنا.

﴿ وإذا خلا بعضهم ﴾ الذين لم ينافقوا ﴿ إلى بعض ﴾ الذين نافقوا ﴿ قالوا ﴾ عاتبين عليهم ﴿ أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ﴾ بما بين لكم في التوراة من نعته وصفته مأخوذ من قولهم "قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه، أو قال المنافقون لغيرهم يرونهم التصلب في دينهم: أتحدثونهم إنكاراً عليهم أن يفتحوا عليهم شيئاً في كتابهم فينافقون المؤمنين وينافقون اليهود ﴿ ليحاجوكم به عند ربكم ﴾ ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه.

جعلوا محاجتهم به وقولهم "هو في كتابكم هكذا" محاجة عند الله.

ألا تراك تقول: هو في كتاب الله كذا وهو عند الله كذا بمعنى واحد؟

وعن الحسن: ليحاجوكم في ربكم لأن المحاجة فيما ألزم  من اتباع الرسل محاجة فيه أي دينه.

وقال الأصم: يحاجوكم يوم القيامة عند المساءلة فيكون زيادة في توبيخكم، فكان القوم يعتقدون أن ذلك مما يزيد في فضيحتهم في الآخرة.

وقيل: ليحاجوكم به على وجه الديانة والنصيحة، لأن من يذكر الحجة على هذا الوجه قد يقول لصاحبه: أزحت علتك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني وبين ربي، فإن قبلت أحسنت إلى نفسك، وإن جحدت كنت الخاسر الخائب.

وقيل: لتصيروا محجوجين بتلك الدلائل في حكم الله كما يقال: فلان عندي عالم أي في اعتقادي وحكمي.

وهذا عند الشافعي كذا، وعند أبي حنيفة كذا ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه فإنكم إذا حدثتموهم بالذي يحاجونكم به رجع وباله عليكم ﴿ أو لا يعلمون أن الله يعلم ﴾ جميع ﴿ ما يسرون وما يعلنون ﴾ ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان، خوّفهم الله  بذلك لأنهم كانوا يعرفون أن الله يعلم السر والعلانية ﴿ ومنهم أميون ﴾ لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها كأنه منسوب إلى الأم وهو أصل الشيء، فالأمي على أصل فطرته لم يكتسب علماً وكتابة ﴿ لا يعلمون الكتاب ﴾ التوراة ﴿ إلا أماني ﴾ وأحدها أمنية على أفعولة من مني إذا قدر.

تقول: منه تمنيت الشيء ومنيته غيري تمنية، لأن المتمني يقدر في نفسه ويجوّز ما يتمناه، وأماني اليهود هي أن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وما يمنيهم الأحبار من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة.

وقيل: الأماني الأكاذيب المختلفة التي سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد.

يقال: أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته؟

وذلك أن المختلق يقدر أن كلمة كذا بعد كذا.

وفي الصحاح أنه مقلوب المين وهو الكذب.

وقيل: إلا ما يقرأون من قولهم "تمنيت الكتاب قرأته" قال الشاعر يرثي عثمان: تمنـــى كتــــاب الله أوّل ليلـــــــة *** وآخرهــــا لا فـــي حمــــام المقـــــادر والقارئ مقدر الكلمات كالمختلق، وعلى هذا يكون الاستثناء متصلاً كأنه قيل: لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه، وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه.

ثم إ نهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل، وعلى الأول يكون استثناء منقطعاً.

ومن قرأ ﴿ أماني ﴾ بالتخفيف حذف المد كما يقال مفاتح ﴿ وإن هم إلا يظنون ﴾ كالمحقق لما تقدمه من قوله ﴿ لا يعلمون الكتاب إلا أماني ﴾ ذكر الفرقة الضالة المضلة المحرفة، ثم الفرقة المنافقين منهم، ثم الفرقة المجادلة لأهل النفاق، ثم العوام المقلدة، ونبه على أنهم في الضلال سواء، لأن للعالم أن يعمل بعلمه وعلى العامي أن لا يرضى بالتقليد والظن إن كان متمكناً من العلم ولا سيما في أصول الدين، الويل كلمة يقولها كل مكروب، وعن ابن عباس: أنه العذاب الأليم.

وعن الثوري: صديد أهل الجحيم.

وعن رسول الله  : "واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره" وقال عطاء بن يسار: الويل واد في جهنم، لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره.

ولا شبهة في دلالتها على نهاية الوعيد والتهديد ﴿ يكتبون الكتاب ﴾ المحرف ﴿ بأيديهم ﴾ تأكيد كما تقول للمنكر هذا ما كتبته بيمينك.

حكى عنهم أمرين: كتبة الكتاب وإسناده إلى الله.

فالوعيد مرتب على كل منهما وعلى مجموعهما إلا أنه على الثاني أبلغ ولهذا جيء بــ "ثم" وقوله ﴿ ليشتروا به ثمناً قليلاً ﴾ تنبيه على شقاوتهم، فإنهم استبدلوا النفع الحقير العاجل الزائل بالأجر العظيم الآجل الدائم ﴿ فويل لهم مما كتبت أيديهم ﴾ أي مما أسلفت من كتبها ما لم يكن يحل لهم ﴿ وويل لهم مما يكسبون ﴾ بذلك بعد من الرشا على التحريف وفي إعادة الويل في الكسب دليل على أن الوعيد كما يلحقهم بسبب الكتبة وإسنادها إلى الله، فكذلك يلحقهم بسبب أخذ المال عليه ليعلم أن أخذ المال على الباطل محرم وإن كان بالتراضي ﴿ وقالوا لن تمسنا النار ﴾ نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو جزمهم بأن الله  لا يعذبهم إلا أياماً معدودة قليلة، وهذا الجزم مما لا سبيل إليه بالعقل ألبتة، ولا دليل له سمعياً فلا يجزم به عاقل.

والأيام المعدودة قالوا: أربعون يوماً هي أيام عبادة العجل.

وعن مجاهد قالوا: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً لأن يوماً عند الله ألف سنة.

وأيام معدودة ومعدودات كلاهما فصيح مثل الأيام مضت ومضين.

والعهد ههنا يجري مجرى الوعد والخبر، لأن خبره  كالعهود المؤكدة منا بالقسم والنذر.

و ﴿ أتخذتم ﴾ استفهام بطريق الإنكار، وإنه يدل على عدم الدليل السمعي.

﴿ فلن يخلف الله عهده ﴾ لتنزهه  عن كل نقيصة وخلاف الخبر أنقص النقائص.

فإن قيل: هب أن الخلف في الوعد لؤم ونقيصة، لكنه في الوعيد كرم ولطف.

قلنا: الخلف من حيث هو كذب قبيح لا يجوّزه كامل، ولعل للكرم طريقاً آخر سوى هذا فتأمل.

و "أم" إما معادلة بمعنى أي الأمرين كائن على سبيل التقدير لأن العلم واقع بكون أحدهما وهذا من الكامل المنصف نحو ﴿ وإِنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين  ﴾ ، ويجوز أن تكون منقطعة بمعنى "بل أتقولون" كأنه أعرض عن الاستفهام الأول واستأنف سؤالاً ثانياً.

فالاستفهام الأول لتقرير النفي، والاستفهام الثاني لتقرير الإثبات.

وفي الآية تنبيه على أن القول بغير دليل باطل وأن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلا لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلا بدليل سمعي.

ولا حجة لمنكري القياس وخبر الواحد فيه لأنه لما دل الدليل على وجوب العمل عند حصول الظن المستند إلى القياس أو إلى خبر الواحد، كان وجوب العمل معلوماً فكان القول به قولاً بالمعلوم ﴿ بلى ﴾ إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله ﴿ لن تمسنا النار ﴾ أي بلى تمسكم أبداً بدليل قوله  ﴿ هم فيها خالدون ﴾ عن ابن عباس: وجد أهل الكتاب ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين فقالوا: لن نعذب في النار إلا ما وجدنا في التوراة، وإذا كان يوم القيامة أقحموا في النار فساروا في العذاب حتى انتهوا إلى شفير سقر وفيها شجرة الزقوم إلى آخر يوم من الأيام المعدودة قال لهم خزنة أهل النار: يا أعداء الله، زعمتم أنكم لن تعذبوا في النار إلا أياماً معدودة، فقد انقضى العدد وبقي الأبد.

قلت: وفي مثل حالهم ضلال الفلاسفة القائلين بأن الأرواح وإن صارت مكدرة بقبائح أفعال الأشباح، إلا أنها بعد المفارقة ورجوع العناصر إلى أصلها تصير إلى حظائر القدس، ولا يزاحمها شيء من قبائح الأعمال إلا أياماً معدودة بقدر فطام الأرواح عن لبان التمتعات الحيوانية، ثم تتخلص من العذاب وترجع إلى حسن المآب.

ومنهم من زعم أن استيفاء اللذات الحسية يقلل التعلقات الدنيوية ويسهل عروج الروح إلى عالمه العلوي، وكل هذا خيال فاسد ومتاع كاسد، وإنه قول من لم يجرب ولم يجد من نفسه أنها كيف تتدنس وتتكدر بالأخلاق الذميمة البهيمية والسبعية، وكيف تتصفى وتتطهر بالأخلاق الحميدة الروحانية الملكية، فغمر بصدإ مرآة القلب بحيث لا يبقى فيه شيء من الصفاء الفطري ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون  ﴾ فلا يجلوها إلا مرور الدهور وكرور الأعصار.

وقد ينضم الكفر إلى تلك الأخلاق فيبقى خالداً مخلداً في النار، في ويل طويل وزفير وعويل، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

والسيئة أصلها سيوئة من ساءه يسوءه سوأ ومساءة، فقلبت الواو ياء وأدغمت، وهي من الصفات الغالبة.

وقوله ﴿ سيئة ﴾ يتناول جميع المعاصي صغرت أو كبرت، فضم إليها شرط آخر وهو كون السيئة محيطة به ليختص بالكبيرة.

ولفظ الإحاطة حقيقة في المجسمات إحاطة السور بالبلد والظرف بالمظروف، فنقل إلى الخطيئة وهي عرض لمعنيين من جهة أن المحيط يستر المحاط به.

والكبيرة تستر الطاعات، ومن جهة أن الكبيرة تحبط الطاعات وتستولي عليها إحاطة العدو بالإنسان بحيث لا يتمكن الإنسان من الخلاص عنهم.

والآية وإن وردت في اليهود فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبمثلها تتمسك المعتزلة في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر إذا ماتوا قبل التوبة، وفسر غيرهم الخطيئة المحيطة بالكفر فيه تتحقق الإحاطة التامة.

واعلم أن في المسألة خلافاً لأهل القبلة.

منهم من قطع بوعيدهم إما مؤبداً - وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج - وإما منقطعاً - وهو قول بشر المريسي والخالدي ومنهم من قطع بأنه وعيد لهم وينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر.

والذي عليه أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والإمامية، القطع بأنه  يعفو عن بعض العصاة، وأنه إذا عذب أحدهم فلا يعذبه أبداً، لكنا نتوقف في حق البعض المعفو عنه والبعض المعذب على التعيين.

أما المعتزلة فاستدلوا بعمومات وردت في وعيد الفساق كقوله ﴿ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها  ﴾ وقوله ﴿ وإن الفجار لفي جحيم  ﴾ وقوله ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً  ﴾ ومن الحديث "من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة.

ومن قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" وعن أبي سعيد الخدري قال  "والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا دخل النار" وإذا استحقوا النار ببغضهم فلأن يستحقوا النار بقتلهم أولى.

وأجيب بالمنع من أن هذه الصيغ للعموم بدليل صحة إدخال الكل والبعض عليها نحو: كل من دخل داري فله كذا، أو بعض من دخل.

ولا يلزم منه تكرير ولا تناقض، ولأن الأكثر قد يطلق عليه لفظ الكل، ولاحتمال المخصصات.

القاطعون بنفي العقاب عن أهل الكبائر احتجوا بنحو قوله  ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين  ﴾ ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله  ﴾ ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم  ﴾ ﴿ لا يصلاها إلا الأشقى.

الذي كذب وتولى  ﴾ وبالعمومات الواردة في الوعد مثل ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك  ﴾ الآية.

حكم بالفلاح على كل من آمن.

وعورض بعمومات الوعيد.

أما أصحابنا الذين قطعوا بالعفو في حق البعض والتوقف في البعض، فقد تمسكوا بنحو قوله عز من قائل ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ وبأن عمومات الوعد والوعيد لما تعارضتا فلا بد من الترجيح لجانب الوعد بصرف التأويل إليه، لأن العفو عن الوعيد مستحسن في العرف، وإهمال الوعد باضد.

وأيضاً القرآن مملوء من قوله ﴿ عفواً غفوراً ﴾ ﴿ رحيماً ﴾ ﴿ كريماً ﴾ .

وكذا الأخبار في هذا المعنى تكاد تبلغ حد التواتر.

وأيضاً إن صاحب الكبيرة أتى بما هو أفضل الخيرات وهو الإيمان، ولم يأت بما هو أقبح القبائح وهو الكفر، ولا يهدمه ما سوى الكفر من المعاصي، ولهذا قال يحيى بن معاذ الرازي: إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة، فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعة؟

إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات، كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي، وإذا دلت الآيات على الوعد والوعيد فلا بد من التوفيق بينهما.

فإما أن يصل العبد إلى دار الثواب ثم إلى دار العقاب وهو باطل بالإجماع، أو يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار الثواب ويبقى هناك أبد الآباد وهو المطلوب.

واعلم أن مذهب الأصحاب إلى الأدب أقرب من حيث إنهم يصفونه بصفات الجمال كالعفو والمغفرة، وبصفات الجلال كالقهر والانتقام، ولكن لا يوجبون عليه ثواباً ولا عقاباً، لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

ومن حيث إنهم لا يعينون البعض المستحق للثواب ولا البعض المستحق للعقاب من المسلمين، لأن فعله مبرأ عن التعلل بلواحق الغايات وسوابق البواعث.

ومذهب المعتزلة إلى الاحتياط أقرب، فإن من خوّفك حتى تبلغ الأمن خير ممن أمنك حتى تبلغ الجوف.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًۭا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًۭا وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ ٨٣ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ٨٤ ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًۭا مِّنكُم مِّن دِيَـٰرِهِمْ تَظَـٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـٰرَىٰ تُفَـٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍۢ ۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٨٥ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ٨٦

القراءات: ﴿ لا يعبدون ﴾ بالياء للغيبة.

ابن كثير وحمزة وعلي والمفضل ﴿ القربى ﴾ بالإمالة المفرطة: حمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة وكذلك كل كلمة على وزن "فعلى" ﴿ حسنا ﴾ وصفاً: يعقوب وحمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ تظاهرون ﴾ خفيفاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وحذف إحدى التاءين للتخفيف، الباقون بالتشديد ووجهه إدغام التاء في الظاء ﴿ أسارى ﴾ بالإمالة ﴿ تفدوهم ﴾ أبو عمرو وخلف.

﴿ أسارى ﴾ مفخماً ﴿ تفدوهم ﴾ ابن كثير وابن عامر ﴿ أسرى ﴾ بالإمالة ﴿ تفدوهم ﴾ حمزة.

﴿ أسارى ﴾ بالإمالة ﴿ تفادوهم ﴾ علي والنجاري عن ورش والخراز عن هبيرة، والباقون ﴿ أسارى ﴾ مفخماً ﴿ تفادوهم ﴾ ﴿ تردون ﴾ بتاء الخطاب: أبو زيد عن المفضل ﴿ يعلمون ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ونافع وخلف ويعقوب وأبو بكر وحماد بناء لآخر الكلام على أوّله، الباقون بالتاء تغليباً للمخاطبين على الغيب.

الوقوف: ﴿ الزكاة ﴾ لأن "ثم" لترتيب الأخبار أي مع ذلك توليتم و ﴿ معرضون ﴾ و ﴿ تشهدون ﴾ (ه) ﴿ من ديارهم ﴾ (ز) لأن ﴿ تظاهرون ﴾ يشبه استئنافاً، وكونه حالاً أوجه و ﴿ العدوان ﴾ (ط) ﴿ إخراجهم ﴾ (ط) ﴿ ببعض ﴾ (ج) لابتداء الاستفهام أو النفي مع فاء التعقيب ﴿ الدنيا ﴾ (ط) لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ العذاب ﴾ (ط) ﴿ يعملون ﴾ (ه) ﴿ الآخرة ﴾ (ز) لأن الفعل مستأنف وفيه فاء التعقيب للجزاء ﴿ ينصرون ﴾ (ه).

التفسير: إنه  كلفهم بأشياء: الأوّل: قوله ﴿ لا تعبدون إلا الله ﴾ من قرأ بياء الغيبة فلأنهم غيب، ومن قرأ بتاء الخطاب فلحكاية ما خوطبوا به، وفي إعرابه أقوال: أحدها: أنه إخبار في معنى النهي كقولك "تذهب إلى فلان" تريد الأمر وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي كأنه سورع إلى الامتثال فهو يخبر عنه.

ويؤيد هذا القول عطف ﴿ وقولوا ﴾ ﴿ وأقيموا ﴾ عليه.

وثانيها: التقدير أن لا تعبدوا فلما حذفت "أن" رفعت كقوله "ألا أبهذا الزاجري أحضر الوغى" ويحتمل أن تكون "أن" مفسرة وأن تكون مع الفعل بدلاً من الميثاق كأنه قيل: أخذنا ميثاق بني إسرائيل توحيدهم.

وثالثها: هو جواب قوله ﴿ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ﴾ إجراء له مجرى القسم كأنه قيل: وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون.

وهذا التكليف بالحقيقة يتضمن جميع ما لا بد منه في الدين، لأن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته  وبجميع ما يجب له ويستحيل عليه، ومسبوق أيضاً بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي والرسالة.

التكليف الثاني: قوله: ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ معناه يحسنون بالوالدين إحساناً ليناسب ﴿ لا تعبدون ﴾ أو أحسنوا ليناسب ﴿ وقولوا ﴾ ويمكن أن يقدر "وصيناهم" عطفاً على ﴿ أخذنا ﴾ وهذا أنسب لمكان الباء، ولا بد من تقدير القول إما قبل ﴿ لا تعبدوا ﴾ وإما قبل ﴿ أحسنوا ﴾ وإما قبل ﴿ قولوا ﴾ وإنما جعل الإحسان إلى الوالدين تالياً لعبادة الله لوجوه منها: أنهما سبب وجود الولد كما أنهما سبب التربية، وغير الوالدين قد يكون سبب التربية فقط فلا إنعام بعد إنعام الله  أعظم من إنعام الوالدين.

ومنها أن إنعامهما يشبه إنعام الله تعالى من حيث إنهما لا يطلبان بذلك ثناء ولا ثواباً ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً  ﴾ .

ومنها أنه  لا يمل من إنعامه على العبد وإن أتى بأعظم الجرائم، فكذا الوالدان لا يقطعان عنه مواد كرمهما وإن كان غير بارٍ بهما، ومنها أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح والغبطة، والله  يأخذ الحبة فيربيها مثل جبل أحد.

ومنها أن المناسبة والميل والحبة بين الوالد وولده ذاتية حتى عمت جميع الحيوان، كما أن المناسبة بين الواجب والممكن ذاتية لا عرضية، وههنا أسرار فليتأمل.

ومنها أنه لا كمال يمكن للولد إلا ويطلبه الوالد لأجله ويريده عليه، كما أن الله  لا خير يمكن للعبد إلا وهو يريده عليه، ولهذا أرسل الرسل وأنزل الكتب ونصب الأدلة وأزاح العلة، ومن غاية شفقة الوالدين أنهما لا يحسدان ولدهما إذا كان خيراً منهما بل يتمنيان ذلك بخلاف غيرهما فإنه لا يرضى أن يكون غيره خيراً منه.

وتعظيم الوالدين أمر معتبر في جميع الشرائع ومركوز في كل العقول، وقد ورد "أطع الوالدين وإن كانا كافرين" وعن النبي  أنه نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركاً، ولهذا أطلق الإحسان إليهما في الآية إطلاقاً.

وقد تلطف إبراهيم  في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله ﴿ يا أبت، يا أبت ﴾ والإحسان إليهما أن يحبهما من صميم القلب ويراعي دقائق الأدب والخدمة والشفقة ويبذل وسعه في رضاهما قولاً وفعلاً، ولا يمنع أعز أوقاته وكرائم أمواله عنهما، ويجتهد في تنفيذ وصاياهما ويذكرهما في صالح دعائه كما أرشد الله  إلى جميع ما ذكرنا في قوله ﴿ فلا تقل لهما أف  ﴾ إلى آخر الآية.

التكليف الثالث: الإحسان إلى ذوي القرابة ويعبر عنه بصلة الرحم عن رسول الله  "الرحم شجنة من الرحمن قال الله: من وصلك وصلته ومن قطعك قعطعته" والشجنة الاشتباك أي الرحم مشتقة من الرحمن يعني أنها قرابة من الله مشتبكة كاشتباك العروق والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة، ولهذا صار كالتابع لحق الوالدين لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين قال الشافعي: لو أصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث وغير الوارث، والمحرم وغير المحرم، والمسلم والكافر، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والأجداد والأحفاد، لا الأبوان والولد على الأظهر، لأن الوالد والولد لا يعرفان في العرف بالقريب.

وههنا دقيقة وهي أن العرب يحفظون الأجداد العالية ليرتفع نسبهم، ونحن لو ترقينا إلى الجد العالي وحسبنا أولاده كثروا، فلهذا قال الشافعي: نرتقي إلى أقرب جد ينسب هو إليه ويعرف به.

وذكروا في مثاله أنه لو أوصى لأقارب الشافعي فإنا نصرفه إلى أولاد شافع فإنه منسوب إليه، ولا يدخل فيها أولاد علي والعباس وإن كان شافع وعلي والعباس كلهم أولاد السائب بن عبيد، والشافعي هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف.

قال المحققون: هذا في زمان الشافعي، وأما في زماننا فلا نصرفه إلا إلى أولاد الشافعي ولا نرتقي إلى بني شافع لأنه أقرب من يعرف به أقاربه في زماننا، ولا يدخل الأقارب من الأم في وصية العرب لأن قرابة الأم لا تعدها العرب قرابة ولا تفتخر بها أما لو أوصى لذي رحم زيد فيدخل فيه قرابة الأم في وصية العرب والعجم، لأن لفظ الرحم لا يختص بطرف الأب بحال.

وذهبت طائفة إلى أن الأقوى على ما أجاب به العراقيون ومال إليه أبو حنيفة، هو أن أقارب الأم تدخل في الوصية سواء كانت في وصية العرب أو وصية العجم، وتوجيه الفارق ممنوع لقوله  "سعد خالي فليرني امرؤ خاله" والإحسان إلى الأقارب قريب من الإحسان إلى الوالدين، وذلك بأن يجتهد في رضاهم بما تيسر له عرفاً وشرعاً، وينفق عليهم بالمعروف إن كانوا معسرين وهو موسر.

التكليف الرابع: الإحسان إلى اليتامى واليتيم من الأطفال الذي مات أبوه إلى أن يبلغ الحلم، فيجب على وليه حفظ ماله واستنماؤه قدر النفقة والزكاة ومؤن الملك بما أمكنه والقيام بمصالحه مع رعاية دقائق الغبطة وقضاء حقوق النصيحة.

قال ابن عباس: يرفق بهم ويدنيهم ويمسح رأسهم.

واليتم في غير الإنسان من قبل أمه، واليتيم من الدر ما لا أخت له وإنما يجمع "يتيم" على "يتامى" لأن اليتم لما كان من صفات الابتلاء حمل على الوجع والحبط.

فكما قالوا في وجع وحبط للمنتفخ البطن، وجاعي وحباطي، قيل في يتيم يتامى.

وفي الكشاف: إنه أجرى يتيم مجرى الأسماء نحو "صاحب" و "فارس" فقيل "يتائم" ثم "يتامى" على القلب وكذا في اليتيمة.

التكليف الخامس: الإحسان إلى المساكين واحدها مسكين أخذ من السكون، كأن الفقر سكنه، أو لأنه الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا شيء له كالسكير الدائم السكر وهو أسوأ حالاً من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي حنيفة ومالك، واحتجوا عليه بقوله  ﴿ أو مسكيناً ذا متربة  ﴾ وعند الشافعي وأحمد: الأمر بالعكس قالوا: اشتقاق الفقير من فقار الظهر، كأن فقاره انكسرت لشدة حاجته، والمسكين قد يملك ما يتعلل به كما في قوله  ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين  ﴾ ويظهر أثر الخلاف فيما لو أوصى للفقراء دون المساكين أو بالعكس.

والإحسان إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين ينبغي أن يكون مغايراً للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير.

التكليف السادس: ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ بالوصف أي قولاً حسناً.

وحسناً على المصدر أي قولاً ذا حسن، أو قولاً هو الحسن في نفسه لإفراط حسنه، أو ليحسن قولكم حسناً.

والظاهر أن المخاطبين بذلك هم الذين أخذ ميثاقهم لاتحاد القصة.

قيل: إنه مخصوص إما بتخصيص الناس أي قولوا للمؤمنين حسناً بدليل آية القتال ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم  ﴾ وإما بتخصيص القول أي قولوا للناس حسناً في الدعاء إلى الله والأمر بالمعروف.

وقال أهل الحقيقة: إنه على العموم وذلك أن كلام الناس مع الناس في الأمور الدينية إن كان بالدعوة إلى الإيمان وجب أن يكون بالرفق واللين كما قال لموسى ﴿ فقولا له قولاً ليناً  ﴾ وقال لمحمد  ﴿ ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك  ﴾ وإن كان بالدعوة إلى الطاعة كالفساق فحسن القول أيضاً معتبر ﴿ أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة  ﴾ ﴿ ادفع بالتي هي أحسن  ﴾ وأما في الأمور الدنيوية فمن المعلوم أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض باللطيف من القول لم يعدل إلى غيره، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما دخل الخرق في شيء إلا شانه، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخل تحت هذا القول.

وعن الباقر: قولوا للناس ما تحبون أن يقال لكم.

التكليف السابع والثامن: قوله ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ وقد تقدم تفسيرهما.

ولا شك في وجوب هذه التكاليف عليهم بدليل: أخذ الميثاق، ولأن ظاهر الأمر للوجوب ولترتب الذم عليه بتوليهم، وهذه التكاليف أيضاً واجبة في شرعنا.

وعن ابن عباس: أن الزكاة نسخت كل حق.

وضعف بأن إغاثة المضطر واجبة وإن لم تجب علينا الزكاة.

واعلم أن التكليف إما بدني أو مالي وكل منهما إما عام أو خاص.

فالبدني العام هو العبادة المطلقة، وهي أن يكون بكل الجوارح والقوى منقاداً مطيعاً مؤتمراً لأمر الله  ، بحيث لا يرى لنفسه شيئاً من التصرف والاختيار كالعبد الماثل بين يدي مولاه وإليه الإشارة بقوله تعالى ﴿ لا تعبدون إلا الله ﴾ .

والبدني الخاص هو الصلاة وأشار إليه بقوله ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ فللصلاة أوقات مخصوصة وأركان وشروط معدودة.

والمالي الخاص هو الزكاة لتخصصها بالأصناف الزكوية وبالنصاب وبالحول وغير ذلك.

والمالي العام لكونه منوطاً بالقدرة.

والإمكان سببه إما نسب أولاً، والنسب إما سابق أو مقارن أو لاحق.

فالسابق الوالدان، والمقارن الأقارب، واللاحق اليتامى، لأنهم أولاد.

وذلك إذا كان الولي جداً أو بمنزلة الأولاد، وذلك إذا كان الولي غيره.

وغير النسب إما الاحتياج والفقر وهو المساكين، أو الاشتراك في النوع، ولا يمكن إلا بالقول الحسن، وما ينخرط في سلكه من مكارم الأخلاق الفعلية "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن سعوهم بأخلاقكم" فالقول الحسن يشمل الأصناف المتقدمة أيضاً بهذا الاعتبار، وحين هذا الترتيب مما لا مزيد عليه، وقد كرر أكثر هذه المعاني في سورة النساء بضرب من التأكيد، فأكد العبادة بقوله ﴿ ولا تشركوا به شيئاً  ﴾ وأكد الإحسان إلى ذي القربى.

وما يتلوه بتكرير الجار وهو الباء وبضم أصناف أخر وهم الجار وغيره إليهم فكأنه كالتفصيل لقوله ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ .

قوله  ﴿ ثم توليتم ﴾ قيل الخطاب لمتقدمي بني إسرائيل على طريقة الالتفات، ووجهه أن أول الكلام معهم فكذا آخره إلا بدليل يوجب الانصراف عن هذا الظاهر، وقيل: إنه خطاب لمن كان في عصر النبي  من اليهود، كأنه  بين أن تلك المواثيق كما لزمهم التمسك بها فكذلك هي لازمة لكم لأنكم تعلمون ما في التوراة من نعت محمد  وصحة نبوته، فيلزمكم من الحجة مثل الذي لزمهم وأنتم مع ذلك قد توليتم إلا قليلاً منكم وهم الذين آمنوا وأنتم معرضون.

الواو للاعتراض أي وأنتم قوم من عادتكم الإعراض، أعرضتم بعد ظهور المعجزات كإعراض أسلافكم.

وقيل: ثم توليتم للمتقدمين وأنتم معرضون للمتأخرين.

وأما قوله  ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ﴾ فقيل: خطاب لعلماء اليهود في عصر النبي  .

وقيل: المراد أخذنا ميثاق آبائكم.

وقيل: خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف.

وفي قوله ﴿ لا تسفكون دماءكم ﴾ إشكال، وهو أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه فأي فائدة في النهي؟

والجواب أن هذا الإلجاء قد يتغير كما ثبت من أهل الهند أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور، وككثير ممن يصعب عليه الزمان، أو المراد لا يفعل ذلك بعضكم ببعض جعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به أصلاً أو ديناً، أو أنه إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه، أو لا تتعرضوا لمقاتلة من يغلبكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم.

﴿ ولا تخرجون أنفسكم ﴾ لا تفعلوا ما تستحقون بسببه أن تخرجوا من دياركم.

والمراد إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم لأن ذلك مما تعظم فيه الفتنة حتى يقرب من الهلاك.

وإعراب ﴿ لا تسفكون ﴾ و ﴿ لا تخرجون ﴾ على قياس ما تقرر في ﴿ لا تعبدون ﴾ ﴿ ثم أقررتم وأنتم تشهدون ﴾ أي ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه، وأنتم تشهدون عليها كقولك "فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها" أو اعترفتم بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك، لأنه كان شائعاً فيما بينهم مشهوراً، وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق.

﴿ ثم أنتم ﴾ معنى "ثم" الاستبعاد لما أسند إليهم من القتل، والاجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم، وإقرارهم وشهادتهم.

"وأنتم" مبتدأ و "هؤلاء" خبره أي أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرين تنزيلاً لتغير الصفة منزلة تغير الذات كما تقول: خرجت بغير الوجه الذي دخلت به، و "تقتلون" بيان "لأنتم هؤلاء" وقيل "هؤلاء" موصول بمعنى الذين وهذا عند الكوفيين فإنهم يجوزون كون جميع أسماء الإشارة بمعنى الموصول.

والتظاهر التعاون، ولما كان الإخراج من الديار وقتل البعض بعضاً مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة، بيّن  أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان، وفيه دليل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة.

ولا يشكل هذا بتمكين الله  الظالم من الظلم فإنه كما مكنه فقد زجره عنه ونهاه بخلاف معين الظالم فإنه يدعوه إلى الظلم ويحسنه في عينه مع أنه  لا يسأل عما يفعل.

أسرى جمع أسير كجرحى في جريح، وأسارى جمع أسرى كسكرى وسكارى.

وقيل: أسارى من الجموع التي ترك مفردها كأنه جمع "إسران" كعجالى وعجلان.

وقوله ﴿ تفادوهم ﴾ جمهور المفسرين على أنه وصف لهم بما هو طاعة وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره ليعودوا إلى كفرهم و ﴿ هو ﴾ ضمير الشأن و ﴿ إخراجهم ﴾ مبتدأ و ﴿ محرم ﴾ خبره والجملة خبر الضمير.

ويجوز أن يكون ﴿ هو ﴾ مبتدأ مبهماً و ﴿ محرم ﴾ خبره و ﴿ إخراجهم ﴾ تفسيره، ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب ﴾ أي بالفداء ﴿ وتكفرون ببعض ﴾ أي بالقتال والإجلاء.

وذلك أن قريظة كانوا حلفاء الأوس والنضير كانوا حلفاء الخزرج، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه، وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه فعيرتهم العرب فقالت: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم؟

فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ولكنا نستحيي أن يذل حلفاؤنا فذمهم الله  على المناقضة إذا أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض، ولعلهم صرحوا باعتقاد عدم وجوبه فلهذا سماه كفراً، وقد تكون المناقضة أدخل في الذم وفي ذلك تنبيه على أنهم في تصديقهم بنبوة موسى مع التكذيب بمحمد  والحجة في أمرهما على سواء، يجرون مجرى طريقة السلف منهم في الإيمان ببعض والكفر ببعض وكل في الميثاق سواء.

الخزي الذل والهوان خزي بالكسر يخزي خزياً أي ذل وهان، وخزي أيضاً يخزى خزاية أي استحيا فهو خزيان.

فإذا قيل: أخزاه الله.

فالمراد أهانه أو أوقعه موقعاً يستحيي منه وتنكير "خزي" يدل على فظاعة شأنه وأنه بلغ مبلغاً لا يكتنه كنهه، والأظهر أنه غير مختص ببعض الوجوه.

وقيل: هو قتل بني قريظة وأسرهم وإجلاء بني النضير، وقيل: الجزية، وعلى هذين القولين يختص الخزي بمن في عصر رسول الله  منهم وبمن يخلفهم دون أسلافهم، فإن قيل: عذاب منكري الصانع كالدهرية يجب أن يكون أشد، فكيف يقال في حق اليهود يردون إلى أشد العذاب؟

قلنا: إما لأن كفر العناد أغلظ، وإما لأن المراد أشد من الخزي لا الأشد مطلقاً.

وفي قوله: ﴿ وما الله بغافل ﴾ وعيد شديد للعاصين وبشارة عظيمة للمطيعين، لأن القدرة الكاملة مع عدم الغفلة تدل على وصول الحقوق إلى مستحقها لا محالة.

﴿ أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ استبدلوها بها ﴿ فلا يخفف عنهم العذاب ﴾ لا ينقطع ولا يفتر بل يدوم على حالة واحدة ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ بدفع هذا العذاب عنهم.

وفيه تنبيه على أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا إذا كانت على وفق الهوى لا الشرع، وبين لذات الآخرة ممتنع يستتبع وجود إحداهما عدم الأخرى والله ولي التوفيق.

التأويل: ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ﴾ في عهد ﴿ ألست بربكم ﴾ ﴿ لا تسفكون دماءكم ﴾ بامتثال أوامر الشيطان واتباع خطواته كما قيل: إلــــى حتفــــي مشــــى قــــدمــــي *** أرى قـــدمــــي أراق دمـــــــــي ﴿ ولا تخرجون أنفسكم ﴾ من ديار عبوديتكم التي كنتم فيها في أصل الفطرة ﴿ وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم ﴾ لا تقتصرون على ضلالكم بل يعاون بعضكم بعضاً على الإعراض عن حقوق الله والإقبال على حظوظ النفس ﴿ وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ﴾ فمن أسر في قيد الهوى فإنقاذه بالدلالة على الهدى، ومن أسر في قيد حب الدنيا فخلاصه في كثرة ذكر المولى، ومن أسر في أيدي الشكوك والشبهات ففداؤه إرشاده إلى اليقين بلوائح البراهين ولوامع البينات، ومن أسر في حبس وجود فنجاته فيما يحل عنه وثاق الكون ويوصله إلى معبوده، ومن أسر في قبضة الحق فليس لأسراهم فداء ولا لقتلاهم قود ولا لرهطهم خلاص ولا لقومهم مناص ولا منهم فرار ولا معهم قرار ولا إليهم بغيره سبيل ولا لديهم دليل ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب ﴾ وهو ما سمعتم في أول الخطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ فقلتم بلى ﴿ وتكفرون ببعض ﴾ وهو الذي عاهدتم عليه ألا تعبدوا غير الله من الشيطان والنفس والهوى الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ ۖ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًۭا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًۭا تَقْتُلُونَ ٨٧ وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًۭا مَّا يُؤْمِنُونَ ٨٨ وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٨٩ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍۢ ۚ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ٩٠ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٩١

القراءات: ﴿ القدس ﴾ بسكون الدال حيث كان: ابن كثير.

﴿ بئسما ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف.

﴿ ينزل ﴾ خفيفاً: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ القدس ﴾ (ط) ﴿ استكبرتم ﴾ (ج) لتناهي الاستفهام مع تعقب فاء التعقيب بعده ﴿ كذبتم ﴾ (ز) لعطف المستقبل على الماضي مع تقدم المفعولين فيهما ﴿ تقتلون ﴾ (ه) ﴿ غلف ﴾ (ط) (ز) لأن "بل" إعراض عن الأول وتحقيق للثاني ﴿ يؤمنون ﴾ (ه) ﴿ لما معهم ﴾ (ط) "لأن" الواو للحال ﴿ كفروا ﴾ (ج) لأن "لما" متضمنة للشرط وجوابها منتظر والوصل أجوز لأن "لما" مكرر وجوابهما متحد، وقوله: ﴿ وكانوا من قبل ﴾ حال معترض ﴿ كفروا به ﴾ (ج) لأن ما بعده مبتدأ لكن الفاء تقتضي تعجيل ذكر جوابهم ﴿ الكافرين ﴾ (ه) ﴿ من عباده ﴾ (ج) لطول الكلام مع فاء التعقيب ﴿ على غضب ﴾ (ط) ﴿ مهين ﴾ (ه) ﴿ لما معهم ﴾ (ط) ﴿ مؤمنين ﴾ (ط).

التفسير: لما ذكر  في آلاي المتقدمة صنيع اليهود في مخالفتهم أمره  ومناقضة حالهم، أكد ذلك في هذه الآي بذكر نعم أفاضها عليهم ثم إنهم قابلوها بالكفران ونقيض المقصود زيادة في تبكيتهم.

أما الكتاب فهو التوراة آتاه الله  إياه جملة واحدة.

عن ابن عباس أنها لما نزلت أمر الله موسى بحملها فلم يطق ذلك، فبعث الله لكل آية منها ملكاً فلم يطيقوا حملها، فبعث الله لكل حرف منها ملكاً فلم يطيقوا حملها، فخففها الله على موسى  فحملها.

القفو والتقفية الإتباع وهو من القفا كالتذنيب من الذنب أي أتبعنا على أثره رسلاً كثيرين وهم يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم.

روي أن هؤلاء الرسل كانوا على شريعة واحدة إلى أيام عيسى  فإنه جاء بشريعة مجددة ناسخة لأكثر شرع موسى، وكان المقصود من بعثة هؤلاء تنفيذ الشريعة السالفة وإحياء بعض ما اندرس منها ومن هنا قال  "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" "إن الله سيبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة من يجدد لها دينها" فقيل عيسى بالسريانية أيشوع أي المبارك، ومريم بمعنى الخادم.

وقيل مريم بالعبرية من النساء كالزير من الرجال وهو الذي يحب محادثة النساء ومجالستهن، سمي بذلك لكثرة زيارته لهن وبه فسر قول رؤبة: قلت لزير لم تصله مريمه *** ووزن "مريم" عند أهل الصرف "مفعل" لأن فعيلاً بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو "عثير" للغبار "وعليب" اسم واد.

البينات المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك، أيدناه قويناه من الأيد القوة، وبروح القدس الروح المقدس كما يقال حاتم الجود ورجل صدق أي بجبريل سمي بذلك لأنه سبب حياة الدين كما أن الروح سبب حياة البدن، ولأنه الغالب عليه الروحانية، ولأنه لم تضمه أصلاب الفحول ولا أرحام الأمهات، وقيل بالإنجيل كما قال ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ لأن العلم سبب حياة القلوب، وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره، عن ابن عباس وسعيد بن جبير.

وقيل: الروح الذي نفخ فيه، والقدس والقدوس هو الله، وإضافة الروح إليه تشريف وتعظيم كما يقال "بيت الله" و "ناقة الله".

عن الربيع: وكون الروح ههنا جبريل أظهر لأن اختصاصه بعيسى أكثر لأنه الذي بشر مريم بولادتها وقد تولد  من نفخة جبريل في أمه وهو الذي رباه في جميع الأحوال وكان يسير معه حيث سار وكان معه حين صعد إلى السماء.

قوله  : ﴿ أفكلما ﴾ وسطت الهمزة بين الفاء وما تعلقت به من قوله: ﴿ ولقد آتينا ﴾ لإفادة التوبيخ والتعجيب من شأنهم، ويجوز أن تكون الفاء للعطف على مقدر معناه أأعرضتم فكلما ﴿ جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ﴾ الباء للتعدية أو بمعنى "مع"، وذلك أنهم كانوا إذا أتاهم رسول بخلاف ما يهوون كذبوه وإن تهيأ لهم قتله قتلوه ترفعاً وترؤساً على عامتهم.

وأخذ أموالهم بغير حق يوهمون عوامهم أنهم على الحق والنبي  على الباطل، ويحتجون على ذلك بالتحريف وسوء التأويل، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم  ﴿ ففريقاً كذبتم ﴾ على التمام وما بقي منه غير مكذب ﴿ وفريقاً تقتلون ﴾ أي ما تيسر لكم قتله بعد على التمام لأنكم تحومون حول قتل محمد  لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة.

قال  عند وفاته: "ما زالت أكلة خيبر تعادّني فهذا أوان قطعت أبهري" .

والعداد اهتياج وجع اللديغ بعد كل سنة، والأبهر عرق يخرج من القلب إذا انقطع مات صاحبه.

ويجوز أن يراد الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب كقوله: فأضربها بلا دهش فخرت *** وفائدة تقديم المفعول به على الفعلين بعد رعاية الفاصلة في ﴿ يقتلون ﴾ بيان غاية عنادهم وفرط عتوهم حيث جعلوا الرسل فريقين: أحدهما مخصص بالتكذيب والآخر بالقتل، كأن وصف الرسالة عندهم هو الذي اقتضى عندهم أحد هذين حتى خص المنعوت به دون سائر الناس بأحد الأمرين، وهذا نهاية الجهالة حيث استقبلوا أشرف الأصناف لأكرم الأوصاف بغاية الاستخفاف.

غلف جمع أغلف وهو كل ما فيه غلاف ومنه الأغلف للذي لم يختن، أي قلوبنا مغشاة بأغطية فلا تتأثر من دعوتك لمكان الحائل بينهما.

وقيل: غلف تخفيف غلف بضمتين جمع غلاف أي قلوبنا أوعية للعلم والحكمة فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره لا حاجة بنا إلى شرعك.

﴿ بل لعنهم الله ﴾ رد لقولهم وأن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة، والتمكن من قبول الحق ولكنهم لعنوا أي طردوا عن رحمة الله وأبعدوا عن الخيرات بسبب كفرهم الذي أحدثوه بعد نصب الأدلة وإزاحة العلة.

وفي هذا لطف للمكلفين أن لا يتسلقوا إلى المعاصي بإبلاء نحو هذا العذر وإبداء مثل هذه الحجة، ولكن يشمرون عن ساق الاجتهاد "فكل ميسر لما خلق" له ﴿ فقليلاً ما يؤمنون ﴾ أي إيماناً قليلاً يؤمنون.

و "ما" مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب أو بقليل مما كلفوا به.

يؤمنون، فانتصب بنزع الخافض.

و "ما" صفة أي بشيء قليل من الأشياء المكلف بها.

ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم أي لا يؤمنون أصلاً لا قليلاً ولا كثيراً كما يقال: قليلاً ما تفعل.

أي لا تفعل ألبتة.

وذلك أن الإيمان بالله إنما يعبأ به إذا كان مؤمناً بجميع ما أنزل الله، فإذا فرق بين أوامره فهو عن الإيمان بمعزل.

﴿ ولما جاءهم ﴾ جوابه محذوف وهو نحو: كذبوا به واستهانوا بمجيئه.

ويجوز أن يكون جوابه هو جواب "لما" الثانية المكررة للتأكيد لطول الكلام نحو قوله ﴿ فلا تحسبنهم بمفازة  ﴾ بعد قوله ﴿ لا تحسبن  ﴾ .

واتفقوا على أن المراد بالكتاب هو القرآن، ووجه تصديقه لما معهم ليس هو الموافقة في أصول الشرائع، لأن جميع كتب الله كذلك، بل المراد ما يختص بنبوة محمد  من العلامات والنعوت والصفات.

والتحقيق أن ذكر الكتاب ههنا كناية عن الرسول لأن الرسول يلزمه الكتاب عرفاً أو مجازاً لأن الكتاب مستلزم للرسول لا محالة يدل على ذلك قوله ﴿ يستخفون على الذين كفروا  ﴾ وذلك أن اليهود قبل مبعث محمد  ونزول القرآن كانوا يسألون به الفتح والنصرة على المشركين إذا قاتلوهم يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة.

وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.

وقيل: معنى يستفتحون يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبياً يبعث منهم قد قرب أوانه.

والسين للمبالغة أي يسألون أنفسهم الفتح عليهم كالسين في "استعجب" و "استخسر"، أو يسأل بعضهم بعضاً أن يفتح عليه، ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا من الحق ﴾ وهو نبوة محمد  ، ويجوز أن تكون "ما" بمعنى "من" نحو: سبحان ما سخركن لنا أي فلما جاءهم النبي  الذي كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ﴿ كفروا به ﴾ ، إما لأنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة مجيء الرسل منهم فيرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه فلما بعث الله محمداً  من العرب من ذرية إسماعيل  عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب بغياً وحسداً وعناداً ولدداً، وإما لأنهم ظنوا أنه  مبعوث إلى العرب خاصة، وإما لأن اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم ومكاسبهم فأبوا وأصروا على الإنكار.

فكفرهم إذاً كفر عناد، ﴿ فلعنة الله ﴾ وهي الإبعاد عن الخيرات الحقيقية الباقية) ﴿ على الكافرين ﴾ أي عليهم، فوضع الظاهر موضع المضمر ليدل على أن اللعنة إنما لحقتهم لكفرهم، واللام للعهد أو للجنس ويدخلون فيه دخولاً أولياً.

فإن قيل: أليس أنه  ذكر ﴿ وقولوا للناس حسناً  ﴾ قلنا: العام قد يخص، وأيضاً لعن من يستحق اللعن حسن، وأيضاً أولئك بالنسناس أشبه منهم بالناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ "بئس" لإنشاء الذم، وفاعله قد يكون مظهراً نحو "بئس الرجل زيد"، وقد يكون مضمراً يعود إلى معهود ذهني فيفسر حينئذ بنكرة منصوبة وبعدهما المخصوص بالذم فـ "ما" نكرة منصوبة مفسرة: لفاعل "بئس" أي بئس شيئاً اشتروا به أنفسهم، والمخصوص بالذم ﴿ أن يكفروا ﴾ واختلف في إعراب المخصوص فقيل: مبتدأ والجملة قبله خبره.

وقيل خبر مبتدأ محذوف أي هو أن يكفروا.

واشتروا بمعنى باعوا لأن الكفر حاصل تعلق نفوسهم بأبدانهم كما أن، الثمن حاصل ملك المالك.

وقيل: إن المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله  فأتى بأعمال يظن بها أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال، وهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم من العقاب ويوصلهم إلى الثواب، فقد ظنوا أنهم قد اشتروا أنفسهم بها، والمراد بما أنزل الله القرآن لأنهم كانوا مؤمنين بغيره.

ثم بين الوجه الذي لأجله اختاروا هذا الكفر فقال ﴿ بغياً ﴾ أي حسداً وطلباً لما ليس لهم، ولولا هذا البيان لجاز أن يكون الباعث لهم على ذلك الكفر هو الجهل لا البغي ولما كان الباعث على البغي قد يكون وجوهاً شتى بين أن الحامل لهم على البغي هو ﴿ أن ينزل الله من فضله ﴾ الذي هو الوحي ﴿ على من يشاء ﴾ وتقتضي حكمته إرساله وهذا هو اللائق بما حكينا من أنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم يحصل في قومهم، فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على البغي والحسد، وعلى هذا يكون الجار المحذوف هو لام الغرض أي لأجل أن ينزل، ويحتمل أني قال المحذوف على أي حسدوه على أن ينزل.

﴿ فباءوا بغضب على غضب ﴾ لا بد من إثبات سببي غضبين: أحدهما تكذيبهم عيسى وما أنزل عليه، والثاني تكذيبهم محمد  وما أنزل عليه، فصار ذلك سبباً بعد سبب لسخط بعد سخط وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة وأبي العالية وقتادة.

وقيل: الأول لعبادتهم العجل، والثاني لكتمانهم نعت محمد  وجحدهم نبوته عن السدي.

وقيل: ليس المراد إثبات الغضبين فقط، بل المراد إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور متوالية صدرت عنهم كقولهم ﴿ عُزير ابن الله  ﴾ ﴿ يد الله مغلولة  ﴾ ﴿ إن الله فقير ونحن أغنياء  ﴾ عن عطاء وعبيد بن عمير.

وقيل: المراد تأكيد الغضب وتكثير له لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحداً إلا أنه عظيم، وهو قول أبي مسلم.

ومعنى الغضب في حقه  قد عرفت مراراً أنه عبارة عن لازمه وهو إرادة الانتقام، وأما تزايده وتكثره فيصح فيه ذلك كصحته في العذاب، فلا يكون غضبه على من كفر بخصال كثيرة كمن كفر بخصلة واحدة ﴿ وللكافرين عذاب مهين ﴾ من وضع الظاهر مقام المضمر أي ولهم عذاب، وفائدته ما ذكرنا في قوله ﴿ فلعنة الله على الكافرين ﴾ ووصف العذاب بالمهين والمهين هو المعذب لأن الإهانة لما حصلت مع العذاب جاز أن يجعل ذلك من وصفه لأنها بسبب منه، ولا يلزم من اقتران العذاب بالإهانة تكرار فقد يكون العذاب ولا إهانة كالوالد يؤدب ولده ﴿ آمنوا بما أنزل الله ﴾ بكل ما أنزل الله من كتاب وقد يستدل به على عموم "ما" ﴿ قالوا نؤمن بما أنزل علينا ﴾ أي بالتوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شرع موسى  ﴿ ويكفرون بما وراءه ﴾ أي قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة وهو الإنجيل والقرآن ﴿ وهو الحق ﴾ الضمير يعود إلى "ما وراءه" أو إلى القرآن فقط.

و ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة لوجود شرطها وهو كونها مقررة لمضمون جملة اسمية، أو كون مضمونها لازماً لمضمون الجملة الاسمية، فإن التصديق لازم حقية القرآن فصار كأنه هو والعامل في ﴿ مصدقاً ﴾ محذوف وهو يبدو أو يثبت على الأصح.

وأما الواو في ﴿ وهو الحق ﴾ فيجوز أن تكون معترضة فلا محل للجملة، ويجوز أن تكون للحال وحينئذ إما أن يكون العامل فيها هو العامل في قوله ﴿ ويكفرون ﴾ على أن كلاً منهما حال بحيالها، وإما أن يكون العامل فيها هو يكفرون على أنهما حالان متداخلتان.

وفي قوله ﴿ وهو الحق مصدقاً لما معهم ﴾ دلالة على وجوب الإيمان بمحمد  لأنه لما أثبت نبوته بالمعجزات ثم إنه أخبر أن هذا القرآن منزل من عند الله وأنه  أمر المكلفين بالإيمان، كان الإيمان به واجباً لا محالة، وعند هذا يظهر أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعضهم وبعضها محال.

وأيضاً أنه  لم يتعلم علماً ولم يقرأ ولم يخط، ثم إنه  أتى بالقصص والأخبار مطابقة لما في التوراة، فيعلم بالضرورة أنه  استفادها من قبل الوحي وأيضاً القرآن يدل على نبوة محمد  ، فلما أخبر الله  عنه أنه مصدق التوراة وجب اشتمال التوراة على الأخبار عن نبوته.

فمدعي الإيمان بالتوراة يجب أن يؤمن بمحمد  وإلا كان كاذباً.

ثم إنه  بين من وجه آخر كذب دعواهم، وهو أن التوراة لا تسوغ قتل الأنبياء وأنهم سوغوا ذلك، وفيه دليل على أن إيراد المناقضة على الخصم الألد جائز.

والكلام وإن كان على وجه الخطاب إلا أن المراد بذلك أسلافهم بدليل ﴿ من قبل ﴾ وتقتلون حكاية حال ماضية.

وأصل "لم" لما بإدخال لام التعليل في "ما" الاستفهامية، حذفت الألف للتخفيف أي لأي غرض وبأي حجة كان أسلافكم يقتلون الأنبياء.

وفي قوله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم الإيمان، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما تقدمه.

وفيه تنبيه على أن اليهود المعاصرين خرجوا بتكذيب محمد  من الإيمان بالتوراة كما أن أسلافهم خرجوا بقتل بعض الأنبياء عن الإيمان بها والله  أعلم.

التأويل: هذا حال أكثر البطالين المتشبهين بالطالبين يصغون إلى كلمات العلماء الراسخين، فما استحلته نفوسهم قبلوه، وما استغربته نبذوه وأنكروه، فيكذبون فريقاً منهم فراراً عن تحمل أعباء الطلب ويثيرون الفتنة على فريق بالحسد والإنكار والفتنة أشد من القتل ﴿ وقالوا قلوبنا غلف ﴾ فيه إشارة إلى أن الطالب إذا ابتلى في أثناء الطلب بالرهقة أو الفترة لم يضره ذلك ما دام متمسكاً بالإرادة، فيرجى رجوعه بإذن الله وبمدد همة الأستاذ والشيخ، فأما إذا زلت قدمه عن جادة الإرادة وأظهر الإنكار والاعتراض فلن يرجى فلاحه.

﴿ ولما جاءهم كتاب ﴾ فيه إشارة إلى أن أهل كل زمان يتمنون أن يدركوا أحداً من العلماء والأولياء المحظوظين بالعلوم الكسبية واللدنية ويتوسلون بهم إلى الله  عند رفع حوائجهم في صالح دعائهم ويظهرون محبتهم عند الخلق ﴿ فلما وجدوا ﴾ واحداً منهم ﴿ ما عرفوا ﴾ قدره وحسدوه وأظهروا عداوته وما أنصفوه ﴿ فباءوا بغضب ﴾ من رد ولاية الأولياء ﴿ على غضب ﴾ من الله لأوليائه كما جاء في الحديث "من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة" و "إنما أنا أغضب لأوليائي كما يغضب الليث لجروه" والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ ٩٢ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱسْمَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَـٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٩٣ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةًۭ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا۟ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٩٤ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًۢا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ ٩٥ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍۢ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍۢ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ٩٦

القراءات: ﴿ ولقد جاءكم ﴾ مدغمة الدال في الجيم كل القرآن: أبو عمرو وحمزة وعلي خلف وهشام ﴿ جاءكم ﴾ وبابه بالإمالة: حمزة وخلف وابن ذكوان ﴿ قلوبهم العجل ﴾ بكسر الهاء والميم: أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ حمزة وعلي وخلف بضم الهاء والميم، الباقون بكسر الهاء وضم الميم وكذلك كل ما لقي الميم حرف ساكن وقبل الهاء كسرة ﴿ بما تعملون ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب.

والوقوف: ﴿ ظالمون ﴾ (ه) ﴿ الطور ﴾ (ط) لتقدير القول ﴿ واسمعوا ﴾ (ط) ﴿ بكفرهم ﴾ (ط) ﴿ مؤمنين ﴾ (ه) ﴿ صادقين ﴾ (ه) ﴿ أيديهم ﴾ (ط) ﴿ بالظالمين ﴾ (ه) ﴿ على حياة ﴾ (ج) على تقدير: ومن الذين أشركوا قوم يود أحدهم، ومن وقف على ﴿ أشركوا ﴾ فتقديره أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا و ﴿ يود ﴾ مستأنف للبيان وإنما لم يدخل من في الناس وأدخل في الذين أشركوا لأن اليهود من الناس وليسوا من المشركين كقولك "الياقوت أفضل الحجارة وأفضل من الديباج" ﴿ سنة ﴾ (ط) لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً ﴿ أن يعمر ﴾ (ط) ﴿ يعملون ﴾ (ه).

التفسير: السبب في تكرير قصة اتخاذ العجل ههنا القدح بوجه آخر في قولهم ﴿ نؤمن بما أنزل علينا  ﴾ وبيان وصفهم بالعناد والتكذيب تسلية لرسول الله  وتثبيتاً له، فإن قوم موسى  بعد ظهور المعجزات الواضحات على يده اتخذوا العجل إلهاً ومع ذلك صبر وثبت على الدعاء إلى ربه والتمسك بدينه وشرعه.

وكرر ذكر رفع الطور للتأكيد، ولما نيط به من زيادة قولهم ﴿ سمعنا وعصينا ﴾ الدال على نهاية لجاجهم وذلك أنه قال لهم: اسمعوا سماع تقبل وطاعة.

فقالوا: سمعنا ولكن لا سماع طاعة، وظاهر الآية يدل على أنهم قالوا هذا القول أعني سمعنا وعصينا وعليه الأكثرون.

وعن أبي مسلم أنه يجوز أن يكون المعنى سمعوه وتلقوه بالعصيان، فعبر عن ذلك بالقول مثل ﴿ قالتا أتينا طائعين  ﴾ ﴿ وأشربوا في قلوبهم العجل ﴾ أي تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الثوب الصبغ.

وقوله  ﴿ في قلوبهم ﴾ بيان لمكان الإشراب كقوله ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ناراً  ﴾ وفي هذه الاستعارة لطيفة وهي أنه كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض فكذا تلك المحبة كانت مادة للقبائح الصادرة عنهم.

وفي قوله ﴿ واشربوا ﴾ دلالة على أن فاعلاً غيرهم فعل ذلك بهم كالسامري وإبليس وشياطين الجن والإنس، وذلك بسبب كفرهم واعتقادهم التشبيه على الله  ولا ريب أن جميع الأسباب تنتهي إلى الله  وقد عرفت التحقيق في أمثال ذلك مراراً.

﴿ بئسما يأمركم ﴾ المخصوص بالذم محذوف أي بئس شيئاً يأمركم به إيمانكم بالتوراة عبادة العجل، فليس في التوراة عبادة العجاجيل.

وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما قال قوم شعيب ﴿ أصلاتك تأمرك  ﴾ وكذلك إضافة الإيمان إليهم.

واعلم أن الإيمان عرض ولا يصح منه الأمر والنهي، لكن الداعي إلى الفعل والسبب فيه قد يشبه بالأمر كقوله ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ﴾ ﴿ قل إن كانت لكم الدار الآخرة ﴾ الدار اسم "كان" وفي الخبر ثلاثة أوجه: الأول: ﴿ خالصة ﴾ و ﴿ عند ﴾ ظرف لخالصة أو للاستقرار الذي في ﴿ لكم ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ عند ﴾ حالاً من الدار والعامل فيها "كان" أو الاستقرار.

وأما ﴿ لكم ﴾ فيكون على هذا متعلقاً بـ "كان" لأنها تعمل في حروف الجر، ويجوز أن يكون للتبيين فيكون موضعها بعد ﴿ خالصة ﴾ أي خالصة لكم فيتعلق بنفس خالصة، ويجوز أن يكون صفة لخالصة قدمت عليها فيتعلق حينئذ بمحذوف.

الثاني: أن يكون خبر كان ﴿ لكم ﴾ و ﴿ عند الله ﴾ ظرف و ﴿ خالصة ﴾ حال والعامل "كان" أو الاستقرار.

الثالث: أن يكون ﴿ عند الله ﴾ هو الخبر و ﴿ خالصة ﴾ حال والعامل فيها إما عند، و ما يتعلق به أو "كان" أو "لكم" وسوغ أن يكون ﴿ عند ﴾ خبر ﴿ كانت لكم ﴾ إذ كان فيه تخصيص وتبيين نحو ﴿ ولم يكن له كفواً أحد  ﴾ وقوله ﴿ من دون الناس ﴾ نصب بـ ﴿ خالصة ﴾ لأنك تقول: خلص كذا من كذا.

والمراد بالدار الآخرة الجنة لأنها هي المطلوبة من الدار الآخرة دون النار.

والمراد بقوله ﴿ عند الله ﴾ الرتبة والمنزلة، وحمله على عندية المكان ممكن ههنا إذ لعلهم كانوا مشبهة.

ومعنى خالصة لكم أي سالمة خاصة بكم لا حق لأحد فيها سواكم.

"ودون" ههنا يفيد التجاوز والتخطي في المكان كما تقول لمن وهبته منك ملكاً: هذا لك من دون الناس.

أي لا يتجاوز منك إلى غيرك.

والناس للجنس وقيل للعهد وهم المسلمون والجنس أولى لقوله ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى  ﴾ ولأنه لم يوجد ههنا معهود.

فإن قلت: من أين ثبت أنهم ادعوا ذلك؟

قلنا: لأنه لا يجوز أن يقال في معرض الاستدلال على الخصم إن كان كذا وكذا فافعل كذا إلا والأول مذهبه ليصح إلزامه بالثاني، ولقوله  ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى  ﴾ ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ ولما اعتقدوا في أنفسهم أنهم هم المحقون، لأن النسخ غير جائز عندهم، ولزعمهم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم ويوصلونهم إلى ثواب الله فلهذه الأسباب عظموا شأن أنفسهم وكانوا يفتخرون على العرب، وربما جعلوه كالحجة في أن النبي  المنتظر المبشر به في التوراة منهم لا من العرب، وكانوا يصرفون الناس بسبب هذه الشبهة عن اتباع محمد  ، فبين الله  فساد معتقدهم بالآية.

وبيان الملازمة أن متاع الدنيا قليل في جنب نعم الآخرة، وذلك القليل كان أيضاً منغصاً عليهم بعد ظهور محمد  ومنازعته معهم بالجدال والقتال.

فالموت خير لهم لا محالة لأنه يوصل إلى الخيرات الكثيرة الدائمة الصافية عن النغص، ولا يفوت إلا القليل النكد.

والوسيلة وإن كانت مكروهة نظراً إلى ذاتها لكنه لا يتركها العاقل نظراً إلى غايتها كالفصد ونحوه.

والنهي عن تمني الموت في قوله  "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به وإن كان ولا بد فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً إليّ وأمتني ما كانت الوفاة خيراً لي" محمول على تمن سببه عدم الصبر على الضر ونكد العيش كما قال قائل: ألا مـــوت يبــــاع فــأشتــريــه *** فهــذا العيــش مــا لا خيــر فيــه ألا رحــم المهيمــن روح عبـد *** تصــدق بــالــوفـاة علــى أخيــه فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقضاء ويدل على الجزع وضيق العطن وينافي قضية التوكل والتسليم، أو على تمن سببه الجزم بالوصول إلى نعيم الآخرة فإن ذلك خارج عن قانون الأدب، ونوع من الأخبار بالغيب لا يليق إلا ببعض أولياء الله.

روي أن علياً  كان يطوف بين الصفين في غلالة وهي شعار يلبس تحت الثوب وتحت الدرع أيضاً.

فقال له ابنه الحسن: ما هذا بزي المحاربين.

فقال: يا بني، لا يبالي أبوك على الموت سقط أم عليه سقط الموت.

وعن حذيفة أنه  كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال  : حبيب جاء على فاقة لا يفلح من ندم.

يعني على التمني.

وقال عمار بصفين: الآن ألاقي الأحبة، محمداً وحزبه.

وكان كل واحد من العشرة المبشرة بالجنة يحب الموت ويحن إليه لجزمهم بلقاء الله و نيل ثوابه وذلك لمكان البشارة، فأما أحدنا فلا يليق به تمني الموت إلا على سبيل الرجاء وحسن الظن بالله "أنا عند ظن عبدي بي" وعن النبي  "لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على الأرض يهودي" وليس لهم أن يقلبوا هذا السؤال على محمد  فيقولوا: إنك تدعي أن الدار الآخرة خالصة لك ولأمتك دون من ينازعك في الأمر، فارض بأن نقتلك ونقتل أمتك فإنا نراك وأمتك في الضر الشديد والبلاء العظيم، وبعد الموت تتخلصون إلى دار الكرامة والنعيم، لأنه  بعث لتبليغ الشرائع وتنفيذ الأحكام ولا يتم المقصود إلا بحياته وحياة أمته، فله  أن يقول لأجل هذا لا أرضى بالقتل مع أن المؤمن من هذه الأمة قلما يخلو من النزاع والشوق إلى لقاء ربه، فالعبد المطيع يحب الرجوع إلى سيده، والعبد الآبق يكره العود إلى مولاه، ولهذا جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وبذلوا أرواحهم دون الدين والذب عن الملة الحنيفية ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر  ﴾ عن عبادة بن الصامت أن النبي  قال "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فقالت عائشة أو بعض أزواجه إنا لنكره الموت قال ليس ذلك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه.

وإن الكافر إذا حضره الموت بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه" ثم إنه  بين انتفاء اللازم بقوله ﴿ ولن يتمنوه أبداً ﴾ وبرهن عليه بقوله ﴿ بما قدمت أيديهم ﴾ أي بما أسلفوا من موجبات النار كالكفر بمحمد  وبالقرآن وكتحريف كتاب الله وسائر قبائح أفعالهم.

وذكر الأيدي مجاز لأن أكثر الأعمال يتم بمباشرة اليد.

وقوله ﴿ ولن يتمنوه أبداً ﴾ من المعجزات لأنه إخبار بالغيب، وكان كما أخبر به كقوله ﴿ ولن تفعلوا  ﴾ وذلك أن التمني ليس من أعمال القلب حتى لا يطلع عليه أحد، وإنما هو قول الإنسان بلسانه تمنيت أو ليت لي كذا، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب.

فلو إنهم تمنوا لنقل ذلك كما ينقل سائر الحوادث العظام، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن أكثر من الذرّ.

وأيضاً لو كان التمني بالقلوب وتمنوا لقالوا قد تمنينا الموت في قلوبنا ولم ينقل أنهم قالوا ذلك.

وأيضاً لولا أنه  أوحى إليه أنهم لم يتمنوا لم يكن في العقل رخصة الإقدام على مثل هذا الإلزام، لأنه في غاية السهولة، وإذا ثبت انتفاء اللازم ثبت انتفاء الملزوم بالضرورة وهو أن لا تكون الدال الآخرة لهم خالصة، وأما أنها ليست لهم بالاشتراك أيضاً، فيستفاد من الآية التالية.

وفي قوله ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ إشارة أيضاً إلى ذلك لأنه إذا كان محيطاً بسرهم وعلانيتهم وقد قدموا من القبائح ما قدموا فيجازيهم بما يحقون له.

وفي وضع الظاهر وهو بالظالمين مقام المضمر وهو بهم إشارة أخرى إلى سوء منقلبهم ﴿ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون  ﴾ واللام إما للعهد وإما للجنس، فيشملهم أولاً وغيرهم من الظلمة ثانياً.

فإن قيل: ما الفائدة في قوله ههنا ﴿ ولن يتمنوه ﴾ وفي سورة الجمعة ﴿ ولا يتمنونه  ﴾ ؟

قلنا: لأن الدعوى هنا كون الدار الآخرة خالصة لهم، وهناك كونهم أولياء لله من دون الناس، والأول مطلوب بالذات، والثاني وسيلة إليه، فناسب أن ينفي الأول بما هو أبلغ في إفادة النفي وهو "لن"، أو لأن الدعوى الثانية أخص فإنه لا يلزم أن يكون كل من له الدار الآخرة ولياً بمعنى أنه يلي النبي في الكمال والإكمال، ونفي العام أبعد من نفي الخاص كما أن إثبات الخاص في قولك "فلان ابن فلان موجود" أبعد من إثبات العام في قولك "الإنسان موجود".

فحيث كانت الدعوى الأولى أبعد احتيج إلى أداة هي في باب النفي أبلغ.

ثم إنه  لما أخبر عنهم في الآية المتقدمة أنهم لا يتمنون الموت، أخبر بعد ذلك أنهم في غاية الحرص على الحياة، لأن ههنا قسماً ثالثاً وهو أن لا يتمنى الحياة ولا الموت فقال ﴿ ولتجدنهم أحرص الناس ﴾ مؤكداً باللام والنون والقسم المقدر وهو من وجد بمعنى علم.

وقوله ﴿ على حياة ﴾ بالتنكير لأنه أراد نوعاً من الحياة مخصوصاً وهي الحياة المتطاولة أو حياة وأيّ حياة.

وفي جعلهم أحرص من الذين أشركوا توبيخ عظيم، لأن المشركين لا يؤمنون بمعاد وعاقبة وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فهي جنتهم، فلا يستبعد حرصهم عليها.

فإذا ازداد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان خليقاً بالتوبيخ.

وسبب زيادة حرصهم هو علمهم بأنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون غافلون عن ذلك.

وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس لأنهم كانوا يقولون لملوكهم: عش ألف نيروز وألف مهرجان.

وعن ابن عباس: هو قول الأعاجم "زي هزار سال"، ويحسن أن يقال ﴿ ومن الذين أشركوا ﴾ كلام مبتدأ أي ومنهم ناس يودّ على حذف الموصوف كقوله ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ أي وما منا ملك لقوة الدلالة عليه بذكر ما اشتمل عليه قبله، فكأنه مذكور، وعلى هذا يلزم توبيخ اليهود من جهة أخرى وهي انضمامهم في زمرة المشركين وكونهم بعضاً منهم وذلك كقولهم ﴿ عزير ابن الله  ﴾ .

وقال أبو مسلم: في الآية تقديم وتأخير أي ولتجدنهم طائفة من الذين أشركوا وأحرص الناس على حياة، ثم فسر بقوله ﴿ يود أحدهم ﴾ أي كل واحد يغرض لو يعمر.

و "لو" في معنى التمني و ﴿ لو يعمر ﴾ حكاية لودادتهم، وكان يجوز "لو أعمر" على الحكاية إلا أنه جرى على لفظ الغيبة لقوله ﴿ يود أحدهم ﴾ مثل "حلف بالله ليفعلن" وتخصيص الألف بالذكر بناء على العرف ولأنه أول عقد يستحيل وقوعه في أعمار بني آدم أو يندر.

والضمير في قوله ﴿ وما هو ﴾ يعود إلى أحدهم و ﴿ أن يعمر ﴾ فاعل ﴿ بمزحزحه ﴾ أي وما أحدهم بمن يزحزحه من العذاب تعميره.

ويجوز أن يكون الضمير لما دل عليه ﴿ يعمر ﴾ من مصدره و ﴿ أن يعمر ﴾ بدل منه كأنه قيل: وما التعمير بمزحزحه من العذاب أن يعمر.

ويجوز أن يكون ﴿ هو ﴾ مبهماً و ﴿ أن يعمر ﴾ موضحه.

والزحزحة المباعدة والتنحية.

﴿ والله بصير بما يعملون ﴾ فيه تهديد لأهل البغي والعناد، وزجر للعصاة عن الفساد.

والبصر قد يراد به العلم يقال فلان بصير بهذا الأمر أي عارف به، وقد يراد به أنه على صفة لو وجدت المبصرات لأبصرها، وكلا الوصفين يصح عليه  ما لم يثبت له جارحة.

فإن قلنا: إن من الأعمال ما لا يصح أن يرى، تعين حمل البصر فيه على العلم والله أعلم بالصواب.

وإليه المرجع والمآب.

<div class="verse-tafsir"

قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّۭا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ٩٧ مَن كَانَ عَدُوًّۭا لِّلَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّۭ لِّلْكَـٰفِرِينَ ٩٨ وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقُونَ ٩٩ أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُوا۟ عَهْدًۭا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌۭ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ١٠٠ وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌۭ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ١٠١

القراءات: ﴿ جبريل ﴾ مفتوحة الجيم مكسورة الراء غير مهموز: ابن كثير.

وقرأ حمزه وعلي وخلف وعاصم غير حفص ويحيى مفتوحة الراء والجيم مهموزة مشبعاً.

وقرأ يحيى مختلساً.

الباقون: مكسورة الراء والجيم غير مهموز.

﴿ ميكال ﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص، وقرأ أبو جعفر ونافع مختلساً مهموزاً.

الباقون: ميكائيل مهموزاً مشبعاً.

الوقوف: ﴿ للمؤمنين ﴾ (ه) ﴿ للكافرين ﴾ (ه) ﴿ بينات ﴾ (ج) لأن هذه الواو للابتداء أو الحال والحال أوجه لاتحاد القصة ﴿ الفاسقون ﴾ (ه) ﴿ فريق منهم ﴾ (ط) لأن "بل" للإعراض عن الأول ﴿ لا يؤمنون ﴾ (ه) ﴿ أوتوا الكتاب ﴾ (ط) قد قيل يوقف لبيان أن كتاب الله مفعول "نبذ" لا بدل مما قبله ﴿ لا يعلمون ﴾ (ه) قد يجوز للآية، والوصل للعطف على ﴿ نبذ ﴾ لإتمام سوء اختيارهم في النبذ والاتباع.

التفسير: هذا نوع آخر من قبائح أفعال اليهود، والسبب في نزوله أنه  لما قدم المدينة أتاه عبد الله بن صوريا من أحبار فدك فقال: يا محمد، كيف نومك؟

فقد أخبرنا عن نوم النبي  الذي يجيء في آخر الزمان، فقال  تنام عيناي ولا ينام قلبي.

قال: صدقت يا محمد، فأخبرنا عن الولد من الرجل يكون أو من المرأة؟

فقال: أما العظام والعصب والغضروف فمن الرجل، وأما اللحم والدم والظفر والشعر فمن المرأة.

فقال صدقت.

قال: فما بال الولد يشبه أعمامه دون أخواله، أو يشبه أخواله دون أعمامه؟

فقال: أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له.

قال: صدقت.

قال: أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه وفي التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه، فقال  : "أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً فطال سقمه فنذر لله نذراً إن عافاه الله من سقمه ليحرّمن أحب الطعام والشراب على نفسه وهو لحمان الإبل وألبانها" ؟

فقالوا: اللهم نعم.

فقال له: بقيت خصلة إن قلتها آمنت بك.

أيّ ملك يأتيك بما تقول عن الله؟

قال: جبريل قال: ذاك عدونا ينزل بالقتال والشدة، ورسولنا ميكائيل يأتي باليسر والرخاء.

فإن كان هو يأتيك آمنا بك.

فقال عمر: ما مبدأ هذا العداوة؟

فقال ابن صوريا: إن الله أنزل على نبينا أن بيت المقدس يخرب في زمان رجل يقال له بختنصر، ووصفه لنا فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالاً فدفع عنه جبريل وقال: إن سلطكم الله على قتله.

فهذا ليس هو ذاك وإن لم يكن إياه فعلى أي حق تقتلونه.

ثم إنه كبر وقوي وملك وغزانا وخرب بيت المقدس فلهذا نتخذه عدواً.

وأما ميكائيل فإنه عدو لجبريل.

فقال عمر: فإني أشهد أن من كان عدواً لجبريل فهو عدو لميكائيل، وهما عدوان لمن عاداهما، فأنكر ذلك على عمر فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين.

وقيل: كان لعمر أرض بالمدينة أعلاها، وكان ممره على مدراس اليهود، وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم.

فقالوا: يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك.

فقال: والله لا أجيئكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني، وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد  وأرى آثاره في كتابكم.

ثم سألوه فقالوا: من صاحب صاحبكم؟

فقال عمر: جبريل.

فقالوا: ذاك عدوّنا يطلع محمداً على أسرارنا، وهو صاحب كل خسف وعذاب، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلام.

فقال لهم: وما منزلتهما من الله؟

قالوا: أقرب منزلة جبريل وهو عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وميكائيل عدوّ لجبريل.

فقال عمر: إن كان كما تقولون فما هما بعدوّين، ولأنتم أكفر من الحمير.

ومن كان عدواً لأحدهما كان عدواً للآخر، ومن كان عدواً لهما كان عدواً لله.

ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقال النبي  : "لقد وافقك ربك يا عمر" .

قال: لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر.

وعن مقاتل: زعمت اليهود أن جبريل عدونا أمر بأن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا.

والأقرب في سبب عداوتهم إياه أنه كان ينزل بالقرآن على محمد  كما يشعر بذلك قوله ﴿ فإنه نزله ﴾ أي إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدقاً لكتابهم وموافقاً له وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم، ولذلك كانوا يحرّفونه ويجحدون موافقته له كقولك "إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه" أو إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته حيث نزل كتاباً مصدقاً للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في النزول بما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم.

ويمكن أن يتوجه الجزاء إلى قوله ﴿ بإذن الله ﴾ إلى آخره.

أي إن عاداه أحد فلا وجه لعداوته لأنه لم ينزل بالقرآن من تلقاء نفسه وباختياره وإنما جاء به بإذن الله وأمره الذي لا محيص عنه ولا سبيل إلى مخالفته وجاء به مصدقاً هادياً مبشراً، فهو من حيث إنه مأمور وجب أن يكون معذوراً، ومن حيث إنه أتى بالهداية والبشارة يلزم أن يكون مشكوراً.

فعداوة من هذا سبيله عداوة الله، ولو أنه  أمر ميكائيل بذلك لانقاد لأمره أيضاً لا محالة ولتوجه الإشكال عليه، فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة؟

وجبريل ممتنع من الصرف للعلمية والعجمة بشرطها.

وعن ابن عباس وغيره أن معناه عبد الله، والضمير في نزله للقرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه كالمعلوم مثل قوله  ﴿ ما ترك على ظهرها من دابة  ﴾ وهذا النوع من الإضمار فيه فخامة لشأن صاحبه حيث جعله لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه.

وأكثر الأمة على أن القرآن إنما نزل على محمد لا على قلبه، لكن خص القلب بالذكر لأن السبب في تمكنه  من الأداء ثباته في قلبه، فمعنى على قلبك حفظه إياك وفهمه.

وقيل: أي جعل قلبك متصفاً بأخلاق القرآن ومتأدباً بآدابه كما في حديث عائشة "كان خلقه  القرآن" وكان حق الكلام أن يقال على قلبي إلا أنه جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به كأنه قيل: قل ما تكلمت به من قولي ﴿ من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك ﴾ ومعنى ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ موافقاً لما قبله من كتب الأنبياء فيما يرجع إلى المبادئ والغايات دون الأوساط التي يتطرق إليها الاختلاف بتبدل الأزمان والأوقات.

ومعنى قوله ﴿ وهدى وبشرى ﴾ أن القرآن يشتمل على أمرين.

أحدهما بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأفعال الجوارح فهو من هذا الوجه هدى، وثانيهما بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه فهو من هذا الوجه بشرى، والأول مقدم على الثاني في الوجود فقدم في الذكر أيضاً.

ولا ريب أن البشرى تختص بالمؤمنين، وأما الهدى فلأنهم هم المنتفعون به كما مر في ﴿ هدى للمتقين ﴾ .

ولما بين في الآية المتقدمة أن من كان عدواً لجبريل لأجل أنه نزل القرآن على قلب محمد  وجب أن يكون عدواً لله  ، بين في الآية التالية أن من كان عدواً لله وللمخصوصين بكرامته فإن الله يعاديهم وينتقم منهم.

والعداوة بالحقيقة لا تصح إلا فينا لأن العدو للغير هو الذي يريد إنزال المضار به، وهذا التصور يستحيل في حقه  من العاقل المتفطن لا الغافل المتغابي.

فمعنى قوله ﴿ من كان عدواً لله ﴾ أي لأولياء الله كقوله ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  ﴾ ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله  ﴾ .

أو يراد بذلك كراهتهم القيام بطاعته وبعدهم عن التمسك بدينه، لأن العدو لا يكاد يوافق عدوه وينقاد لأمره.

قال أهل التحقيق: عداوتهم لله وملائكته نتيجة عداوة الله لهم ونظره إليهم في الأزل بالقهر " هؤلاء في النار ولا أبالي" كما أن محبة المؤمنين لله نتيجة محبة الله إياهم ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ وذلك أن صفات الله  قديمة وصفات الخلق محدثة، والأولى علة الثانية.

وأفرد الملكان بالذكر دلالة على فضلها كأنهما من جنس آخر، فإن التغاير في الوصف قد ينزل منزلة التغاير في الذات، ولأن الآية نزلت فيما يتعلق بهما فحسن أن ينص على اسميهما.

وتقديم جبريل في الذكر يدل على أنه أفضل من ميكائيل وأيضاً أن جبريل ينزل بالوحي والعلم وذلك سبب بقاء الأرواح، وميكائيل ينزل بالخصب والرزق وهو سبب بقاء الأبدان.

والواو في جبريل وميكائيل بمعنى "أو" لأن عداوة أحد هؤلاء توجب عداوة الله كما أن عداوة كلهم توجب ذلك، ويحتمل أن يكون الواو على الأصل ويعرف ما ذكرنا من القرينة.

وقوله ﴿ للكافرين ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أن عداوة هؤلاء كفر.

الآيات البينات هي آيات القرآن، ولا يبعد أن تشمل سائر معجزاته وإن كان لفظ الإنزال نابياً عنه بضع النبوّ.

ومعنى كون الآية بينة أن العلوم تنقسم إلى ما يكون طريق تحصيله، والدليل الدال عليه أكثر مقدمات فيكون الوصل إليه أصعب، وإلى ما يكون أقل مقدمات فيكون الوصول إليه أقرب وهذا هو الآية البينة.

والكفر بها إما جحودها مع العلم بصحتها، وإما جحودها مع الجهل وترك النظر فيها والإعراض عن دلائلها، وليس في الظاهر تخصيص فيدخل الكل فيه، والفسق هو خروج الإنسان عما حد له إلى الفساد ويقرب منه الفجور، لأنه مأخوذ من فجور السد الذي يمنع الماء من أن يصير إلى الموضع الذي يفسد.

عن الحسن: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره.

ولهذا لا يوصف صاحب الصغيرة بالفسق وإن تجاوز عن أمر الله  كمن فتح من النهر نقباً صغيراً لا يقال: إنه فجر النهر.

وفي قوله ﴿ إلا الفاسقون ﴾ وجهان: أحدهما أن كل كافر فاسق ولا ينعكس، وكان ذكر الفاسق أولى ليأتي على الكافر وغيره.

الثاني أن المراد وما يكفر بها إلا الكافر المتجاوز عن كل حد في كفره.

وهذه الآيات لما كانت بينة لم يكفر بها إلا الكافر الذي بلغ في الكفر النهاية القصوى، وهذا نوع آخر من فضائح اليهود.

عن ابن عباس أنهم كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله  قبل مبعثه، فلما بعث  من العرب كفروا به وجحدوا بما كانوا يقولون فيه فقال لهم معاذ بن جبل: يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد  ونحن أهل الشرك، وتخبروننا أنه مبعوث وتصفون لنا صفته.

فقال بعضهم: ما جاءنا بشيء من البينات وما هو بالذي كنا نذكر لكم فنزلت.

واللام في ﴿ الفاسقون ﴾ للجنس أو إشارة إلى أهل الكتاب.

﴿ أو كلما ﴾ الواو للعطف على محذوف معناه أكفروا بالآيات البينات؟

وكلما عاهدوا واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا، وكم عاهدهم رسول الله  فلم يفوا الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة.

وفيه تسلية لرسول الله  لأن من يعتاد منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس من مخالفته كصعوبة من لم تجر عادته بذلك.

والنبذ الرمي بالذمام ورفضه، وإنما قيل ﴿ فريق منهم ﴾ لأن منهم من لم ينقض بل أكثرهم لا يؤمنون بالتوراة وليسوا من الدين في شيء، فلا يعدون نقض المواثيق ذنباً.

﴿ ولما جاءهم رسول ﴾ أي كتاب لتلازمهما بدليل كتاب الله وهو القرآن، نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، يعني أن علمهم بذلك رصين من قبل التوراة ولكن المكابرة هجيراهم، ونبذه وراء ظهورهم مثل لإعراضهم عنه وتركهم العمل به.

وقيل: كتاب الله التوراة لأنهم لكفرهم برسول الله كافرون بها.

وعن سفيان: أدرجوه في الديباج والحرير وحلوه بالذهب ولم يحلوا حلاله ولم يحرّموا حرامه.

اللهم ارزقنا العلم بكتابك والعمل به.

<div class="verse-tafsir"

وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌۭ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍۢ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ١٠٢ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَمَثُوبَةٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ ۖ لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ١٠٣

القراءات: ﴿ ولكن ﴾ خفيفاً ﴿ الشياطين ﴾ بالرفع: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وكذلك قوله ﴿ ولكن الله قتلهم ﴾ ﴿ ولكن الله رمى ﴾ ﴿ الملكين ﴾ بكسر اللام ههنا وفي سورة الأعراف: قتيبة.

على أن المنزل عليهما علم السحر كانا ملكين ببابل.

الوقوف: ﴿ علىملك سليمان ﴾ (ج) لأن الواو قد تصلح حالاً لبيان نزاهة سليمان وردّ ما افتروا عليه ﴿ السحر ﴾ (ط) قيل: على جعل "ما" نافية ولا يتضح لمناقضته ما في سياق الآية من إثبات السحر بل "ما" خبرية معطوفة على قوله ﴿ السحر ﴾ على أنها وإن كانت نافية يحتمل كون الواو حالاً على تقدير: يعلمون الناس السحر غير منزل فلا يفصل.

وفي الآية عشر "ماآت" إحداها كافة في ﴿ إنما ﴾ والأخيرة نكرة منصوبة في ﴿ لبئسما ﴾ والباقية خبرية ثم نافية ثم خبرية على التعاقب ﴿ وماروت ﴾ (ط) ﴿ فلا تكفر ﴾ (ط) ﴿ وزوجه ﴾ (ط) ﴿ بإذن الله ﴾ (ط) ﴿ ولا ينفعهم ﴾ (ط) ﴿ من خلاق ﴾ (ط) يجوز الوقف لابتداء اللام ﴿ أنفسهم ﴾ (ط) ﴿ يعلمون ﴾ (ه) ﴿ خير ﴾ (ط) ﴿ يعلمون ﴾ (ه).

التفسير: من قبائح أفعالهم أنهم نبذوا كتاب الله وأقبلوا على السحر ودعوا الناس إليه، وهذا شأن اليهود الذين كانوا في زمن محمد  .

وقيل: إنهم الذين تقدموا من اليهود.

وقيل: إنهم الذين كانوا في زمن سليمان  من السحرة لأن أكثر اليهود ينكرون نبوة سليمان ويعدّونه من جملة ملوك الدنيا، فالذين كانوا منهم في زمانه لا يمتنع أن يعتقدوا فيه أنه إنما وجد ذلك الملك العظيم بسبب السحر.

والأولى أن يقال: اللفظ يتناول الكل.

قال السدي: لما جاءهم محمد  عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت.

ومعنى "تتلو" تقرأ، أو ﴿ على ملك سليمان ﴾ أي على عهده وفي زمانه.

وقيل: تلا عليه أي كذب.

فالقوم لما ادعوا أن سليمان إنما وجد تلك المملكة بسبب ذلك العلم كان ذلك الادعاء كالافتراء على ملك سليمان.

وأما الشياطين فالأكثرون على أنهم شياطين الجن، وأنهم كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة، وقد دوّنوها ويقرأونها ويعلمونها الناس وفشا ذلك في زمان سليمان حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون: هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم.

وقيل: إنهم شياطين الإنس لما روي في الخبر أن سليمان كان قد دفن كثيراً من العلوم التي خصه الله  بها تحت سرير ملكه حرصاً على أنه إن هلك الظاهر منها يبقى ذلك المدفون، فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه، ثم من بعد موته واطلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنه من عمل سليمان وأنه ما وصل إلى ما وصل إلا بهذه الأشياء.

وزيفوا قول الأكثرين بأن شياطين الجن لو قدروا على تغيير كتب الأنبياء وشرائعهم بحيث يبقى ذلك التحريف مخيفاً فيما بين الناس لارتفع الوثوق عن جميع الشرائع، وهذا بخلاف ما يفعله الإنسان فإنه لا يكاد يخفى على بني نوعه.

واختلف في سبب إضافتهم السحر إلى سليمان فقيل: ليروج ذلك منهم.

وقيل: لأنهم ما كانوا مقرين بنبوته.

وقيل: لأنه لما خالط الجن وأظهر أسراراً عجيبة غلب على ظنونهم أنه استفاد ذلك من الجن.

وقوله ﴿ وما كفر سليمان ﴾ تنزيه له عما نسب القوم إليه من السحر المستلزم للكفر، فإن كونه نبياً ينافي كونه ساحراً كافراً.

ثم بين أن الذي برأه منه لاصق بغيره فقال ﴿ ولكن الشياطين كفروا ﴾ ثم ذكر ما به كفروا فقد كان من الجائز أن يتوهم أنهم كفروا لا بالسحر فقال ﴿ يعلمون الناس السحر وما أنزل ﴾ أي ويعلمونهم الذي أنزل على الملكين.

وهاروت وماروت عطف بيان للملكين علمان لهما ممتنعان من الصرف للعلمية والعجمة، وليسا من الهرت والمرت وهو الكسر كما زعم بعضهم، لأنهما لو كانا منهما لانصرفا.

وقيل: بدلان منهما.

ولنذكر ههنا حقيقة السحر وقصة هاروت وماروت.

أما السحر ففي اللغة عبارة عن كل ما لطف مأخذه وخفي سببه ومنه الساحر للعالم.

وسحره خدعه، والسحر الرئة، وفي الشرع: مختص بكل أمر يخفى سببه ويتخيل من غير حقيقة ويجري مجرى التمويه والخداع.

ومتى أطلق ولم يقيد أفاد ذم فاعله قال  ﴿ سحروا أعين الناس  ﴾ يعني موّهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى.

وقد يستعمل مقيداً فيما يمدح ويحمد وهو السحر الحلال قال  "إن من البيان لسحراً" سمى  بعض البيان سحراً لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل، ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه ولطف عبارته، ويقدر على تحسين القبيح وتقبيح الحسن، يسخط تارة فيقول أسوأ ما يمكن، ويرضى تارة فيقول أحسن ما يعلم.

ثم السحر على أقسام: منها سحر الكلدانيين الذين كانوا في قديم الدهر وهو قوم يعبدون الكواكب ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادة والنحوسة، ويستحدثون الخوارق بواسطة تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية، وهم الذين بعث الله  إبراهيم  مبطلاً لمقالتهم وراداً عليهم مذاهبهم.

ومنها سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية بدليل أن الجذع الذي يتمكن الإنسان من المشي عليه لو كان موضوعاً على الأرض لا يمكنه المشي عليه لو كان كالجسر، وما ذاك إلا لأن تخيل السقوط متى قوي أوجبه.

وقد اجتمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذاك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة للأوهام.

وحكي في الشفاء عن أرسطو أن الدجاجة إذا تشبهت كثيراً بالديكة في الصوت وفي الحراب مع الديكة في الصوت تنبت على ساقها مثل الشيء النابت على ساق الديك.

وهذا يدل على أن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية.

واجتمعت الأمم على أن الدعاء مظنة الإجابة، وأن الدعاء باللسان من غير طلب نفساني قليل الأثر.

ويحكى أن بعض الملوك عرض له فالج، فدخل عليه بعض الحذاق من الأطباء على حين غفلة منه وشافهه بالشتم والقدح في العرض، فاشتد غضب الملك وقفز من مرقده قفزة اضطرارية وزالت تلك العلة المزمنة.

والإصابة بالعين مما اتفق عليه العقلاء، والتحقيق فيه أن النفس إذا كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السموات، كانت كأنها روح من الأرواح السماوية، وكانت قوية التأثير في مواد هذا العالم.

أما إذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه اللذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تصرف ألبتة إلا في هذا البدن.

فإذا أراد أن يتعدى تأثيرها إلى بدن آخر اتخذ تمثال ذلك الغير ووضعه عند الحس فاشتغل الحس به وتبعه الخيال عليه وأقبلت النفس الناطقة بالكلية على ذلك، فقويت التأثيرات النفسانية والتصرفات الروحانية، ويعضده الانقطاع عن المألوف والمشتهيات وتقليل الغذاء والاعتزال عن الناس، ثم إن كانت النفس مناسبة لهذا الأمر بحسب ماهيتها وخاصيتها عظم التأثير.

وأما الرقى فإن كانت بألفاظ معلومة فالأمر فيها ظاهر لأن الغرض منها أن حسن البصر كما اشتغل بالأمور المناسبة للغرض، فحس السمع أيضاً يشتغل بها، فإن الحواس متى تطابقت متوجهة إلى الغرض الواحد كان توجه النفس إليه أقوى وإن كانت بألفاظ غير معلومة حصلت للنفس هناك حالة شبيهة بالحيرة والدهشة، ويحصل لها إذ ذاك انجذاب وانقطاع عن المحسوسات وإقبال على ذلك الفعل، فيقوى التأثير النفساني فيحصل الغرض.

وهكذا القول في الدخن قالوا: فثبت أن هذا القدر من القوة النفسانية مستقل بالتأثير فإن انظم إليه الاستعانة بالقسم الأول وهو تأثيرات الكواكب قوي الأثر جداً، لا سيما إن حصل لهذه النفس مدد من النفوس المفارقة المشابهة لها أو من الأنوار الفائضة من النفوس الفلكية.

ومنها سحر من يستعين بالأرواح الأرضية وهو المسمى بالعزائم، وتسخير الجن ومنه التخييلات الآخذة بالعيون وتسمى الشعوذة.

وذلك أن أغلاط البصر كثيرة، فإن راكب السفينة إذا نظر إلى الشط رأى السفينة واقفة والشط متحركاً، والقطرة النازلة ترى خطاً مستقيماً، والعنبة ترى في الماء كالزجاجة، ويرى العظيم من البعيد صغيراً.

وقد لا تقف القوة الباصرة على المحسوس وقوفاً تاماً إذا أدركت المحسوس في زمان صغير جداً فيخلط البعض بالبعض ولا يتميز، فإن الرحى إذا أخرجت من مركزها إلى محيطها خطوطاً كثيرة بألوان مختلفة ثم أديرت، فإن البصر يرى لوناً واحداً كأنه مركب من كل تلك الألوان.

وأيضاً النفس إذا كانت مشغولة بشيء فربما حضر عند الحس شيء آخر، فلا يشعر الحس به ألبتة كما أن الإنسان عند دخوله على السلطان قد يلقاه إنسان ويتكلم معه فلا يعرفه ولا يفهم كلامه لما أن قلبه مشغول بشيء آخر، وكذا الناظر في المرآة ربما قصد أن يرى سطح المرآة هل هو مستوٍ أم لا، فلا يرى شيئاً مما في المرآة.

فالمشعوذ الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استقر بهم الشغل بذلك الشيء والتحديق نحوه، عمل شيئاً آخر عملاً بسرعة فيبقى ذلك العمل خفياً لتعاون الشيئين اشتغالهم بالأول وسرعة إتيانه بالثاني.

ومنها الأعمال العجيبة التي تظهر من الآلات المركبة على النسب الهندسية، أو لضروب الخيلاء كفارسين يقتتلان فيقتل احدهما الآخر، ومنه الصور التي يصورها الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، وقد يصورونها ضاحكة أو باكية.

وقد يفرق بين ضحك السرور وضحك الخجل، ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات وعلم جر الأثقال وهذا لا يعد من السحر عرفاً، لأن لها أسباباً معلومة يقينية.

ومنها الاستعانة بخواص الأدوية والأحجار، ومنها تعليق القلب وهو أن يدعي الساحر أنه قد عرف الاسم الأعظم وأن الجن ينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن كان السامع ضعيف القلب قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه بذلك وحصل في قلبه نوع من الرعب، وحينئذ تضعف القوى الحساسة فيتمكن الساحر من أن يفعل فيه ما شاء.

وإن من جرب الأمور وعرف أحوال الناس علم أن لتعليق القلب أثراً عظيماً في تنفيذ الأعمال وإخفاء الأسرار.

ومنها السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفية لطيفة وذلك شائع في الناس.

فهذه جملة الكلام في أقسام السحر، وعند المسلمين كلها مستندة إلى قدرة الله، فإنه لا يمنتع وقوع هذه الخوارق بإجراء العادة عند سحر السحرة.

واتفقوا على أن العلم به ليس بقبيح ولا محظور، لأن العلم لذاته شريف ولعموم قوله  ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون  ﴾ ولأن الفرق بينه وبين المعجز يمكن به إلا أن اجتنابه أقرب إلى السلامة كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجر إلى الغواية.

وأما أن الساحر هل يكفر أم لا فلا نزاع بين الأمة في أن من اعتقد أن الكواكب هي المدبرة لهذا العالم وهي الخالقة لما فيه من الحوادث والخيرات والشرور، فإنه يكون كافراً على الإطلاق، وهذا هو القسم الأول من السحر.

وأما النوع الثاني وهو أن يعتقد أنه قد يبلغ روح الإنسان في التصفية والقوة إلى حيث يقدر على إيجاد الأجسام وإعدامها وتغيير البنية والشكل، فالأظهر إجماع الأمة أيضاً على تفكيره، وأما أن يعتقد الساحر أنه قد يبلغ في التصفية وقراءة الرقى وتدخين بعض الأدوية إلى حيث يخلق الله  عقيب أفعاله على سبيل العادة الأجسام والحياة والعقل وتغيير البنية والشكل، فالمعتزلة اتفقوا على تكفير من يجوز ذلك قالوا: لأنه مع هذا الاعتقاد لا يمكنه أن يعرف صدق الأنبياء والرسل، وزيف بأن الإنسان لو ادعى النبوة وكان كاذباً في دعواه فإنه لا يجوز من الله  إظهار الخوارق على يده لئلا يحصل التلبيس، أما إذا لم يدع النبوة فظهرت الخوارق على يده لم يفض ذلك إلى التلبيس، فإن المحق يتميز عن المبطل بما أن المحق تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة والمبطل لا تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة، وإن حصلت لم يتم فصوله الباطل كنار العرفج.

وأما سائر أنواع السحر فلا شك أنها ليست بكفر، وحكم من كفر بالسحر حكم المرتد.

وإذا سحر إنساناً فمات فإن قال: إني سحرته وسحري يقتل غالباً وجب عليه القود، وإن قال: سحرته وسحري قد يقتل وقد لا يقتل، فهو شبه عمد، وإن قال: سحرت غيره فوافق اسمه اسمه فخطأ.

وعن أبي حنيفة أنه قال: يقتل الساحر إذا علم أنه ساحر ولا يستتاب ولا يقبل قوله "إني أترك السحر وأتوب منه" فإذا أقر أنه ساحر فقد حل دمه.

وإن شهد شاهدان علي أنه ساحر أو وصفوه بصفة يعلم أنه ساحر قتل ولا يستتاب، وإن أقر بأني كنت أسحر مرة وقد تركت ذلك منذ زمان قبل منه ولم يقتل.

وأما قصة هاروت وماروت فقد يروى عن ابن عباس أن الملائكة لما قالت ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ فأجابهم الله بقوله ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون  ﴾ ثم وكل عليهم جمعاً من الملائكة وهم الكرام الكاتبون وكانوا يعرجون بأعمالهم الخبيثة، فعجبت الملائكة منهم ومن تبقية الله لهم مع ما ظهر منهم من القبائح.

ثم أضافوا إليهما عمل السحر فازداد تعجب الملائكة، فأراد الله أن يبتلي الملائكة فقال لهم: اختاروا ملكين من أعظم الملائكة علماً وزهداً وديانة لأنزلهم إلى الأرض فأختبرهم.

فاختاروا هاروت وماروت، وركب فيهما شهوة الإنس وأنزلهما ونهاهما عن الشرك والقتل والزنا والشرب.

فنزلا، فأمر الله  الكوكب المسمى بالزهرة والملك الموكل به فهبطا إلى الأرض، فجعلت الزهرة في صورة امرأة، والملك في صورة رجل.

ثم إن الزهرة اتخذت منزلاً وزينت نفسها ودعتهما إليها، ونصب الملك نفسه في منزلها في مثال صنم فأقبلا عليها وطلبا الفاحشة فأبت عليهما إلا أن يشربا الخمر فقالا: لا نشرب الخمر.

ثم غلبت الشهوة عليهما فشربا ثم دعواها إلى ذلك فقالت: بقيت خصلة لست أمكنكما من نفسي حتى تفعلاها.

قالا: وما هي؟

قالت: تسجدان لهذا الصنم.

فقالا: لا نشرك بالله شيئاً.

ثم غلبت الشهوة عليهما فقالا: نفعل ثم نستغفر.

فسجدا للصنم.

ثم دخل سائل عليهم فقالت: إن أظهر هذا السائل للناس ما رأى منا فسد أمرنا، فإن أردتما الوصول إليّ فاقتلا هذا الرجل.

فامتنعا منه، ثم اشتغلا بقتله.

فلما فرغا من القتل ارتفعت الزهرة وملكها إلى موضعهما من السماء فعرفا حينئذ أنه إنما أصابهما بسبب تعيير بني آدم.

وفي رواية أخرى أن الزهرة كانت فاجرة من أهل الأرض، وأنهما واقعاها بعد أن شربا الخمر وقتلا النفس وسجدا للصنم وعلماها الاسم الأعظم الذي كانا يعرجان به إلى السماء، فتكلمت المرأة بذلك الاسم فعرجت إلى السماء فمسخها الله  وصيرها هذا الكوكب ثم إن الله  خيرهما بين عذاب الآخرة آجلاً وبين الدنيا عاجلاً، فاختارا عذاب الدنيا فجعلهما ببابل منكوسين في بئر إلى يوم القيامة وهما يعلمان الناس السحر ويدعوان إليه ولا يراهما أحد إلا من ذهب إلى ذلك الموضع ليعلم السحر خاصة.

وهذه القصة عند المحققين غير مقبولة، فليس في كتاب الله ما يدل عليها، ولأن الدلائل الدالة على عصمة الملائكة تنافيها، ولاستبعاد كونهما معلمين للسحر حال العذاب، ولأن الفاجرة كيف يعقل أنها صعدت إلى السماء وجعلها الله  كوكباً مضيئاً، ولأنه ذكر في القصة أن الله  قال لهما لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني فقالا: لو فعلت بنا يا رب لما عصيناك وهذا منهم تكذيب الله وتجهيل.

فإذن السبب في إنزالهما أن السحرة كثرت في ذلك الزمان واستنبطت أبواباً غريبة من السحر وكانوا يدعون النبوة، فبعث الله هذين الملكين ليعلما الناس أبواب السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الكاذبين، ولا شك أن هذا من أحسن الأغراض والمقاصد.

وأيضاً تعريف حقيقة السحر ليميز بينه وبين المعجزة حسن، وكذا السحر لإيقاع الفرقة بين أعداء الله والألفة بين أوليائه.

ولعل للجن أنواعاً من السحر لا يقدر البشر على معارضتها إلا بإعانة الملك وإرشاده، ويجوز أن يكون ذلك تشديداً في التكليف من حيث إنه إذا علمه ما أمكنه أن يتوصل به إلى اللذات العاجلة ثم يمنعه من استعماله، كان ذلك في نهاية المشقة فيستوجب مزيد الثواب كما ابتلي قوم طالوت بالنهر ﴿ فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني  ﴾ ويقال: هذه الواقعة كانت في زمان إدريس لأنهما إذا كانا ملكين نزلا بصورة البشر لهذا الغرض، فلا بد من رسول في وقتهما ليكون ذلك معجزة له، ولا يجوز كونهما رسولين لأن رسول الإنس ثبت أنه لا يكون إلا منهم.

قوله  ﴿ وما يعلمان ﴾ أي وما يعلم الملكان أحداً حتى ينهياه وينصحاه ويقولا له ﴿ إنما نحن فتنة ﴾ ابتلاء واختبار من الله ﴿ فلا تكفر ﴾ بأن تتعلمه معتقداً له أنه حق أو متوصلاً به إلى شيء من المعاصي والأعراض العاجلة ﴿ فيتعلمون ﴾ الضمير لما دل عليه العموم في ﴿ من أحد ﴾ أي فيتعلم الناس من الملكين ﴿ ما يفرقون به بين المرء وزوجه ﴾ إما لأنه إذا اعتقد أن السحر حق كفر فبانت منه امرأته، وإما لأنه يفرّق بينهما بالتمويه والاحتيال كالنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله عنده الفرك والنشوز ابتلاء منه، لا أن السحر له أثر في نفسه بدليل قوله ﴿ وما هم بضارّين به من أحد إلا بإذن الله ﴾ بإدارته وقدرته، لأنه إن شاء أحدث عند ذلك شيئاً من أفعاله وإن شاء لم يحدث، وكان الذي يتعلمونه منهما لم يكن مقصوراً على هذه الصورة، ولكن سكون المرء وركونه إلى زوجه لما كان أشد خصت بالذكر ليدل بذلك على أن سائر الصور بتأثير السحر فيها أولى وقرأ الأعمش ﴿ وما هم بضارين به من أحد ﴾ فجعل الجارّ جزءاً من المجرور وهو "أحد" وأضاف إلى المجموع وفصل بينهما بالظرف.

ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم لأنهم يستعملونه في وجوه المفاسد ﴿ ولقد علموا ﴾ علم هؤلاء اليهود اللام فيه للابتداء وكذا في ﴿ لمن اشتراه ﴾ استبدل ما تتلو الشياطين واختاره على كتاب الله ﴿ ما له في الآخرة من خلاق ﴾ من نصيب كأنه قدر له هذا المقدار، وقيل: الخلاق الخلاص.

وقيل معنى الآية أن الملكين إنما قصدا بتعليم السحر الاحتراز عنه ليصل بذلك الاحتراز إلى منافع الآخرة، فلما استعمل السحر للدنيا فكأنه اشترى بمنافع الآخرة منافع الدنيا ﴿ ولبئسما شروا به أنفسهم ﴾ أي باعوها والمخصوص محذوف وهو السحر أو منافع الدنيا، وجواب "لو" محذوف يدل على ما قبله أي لو كانوا يعلمون لعلموا قبح ما شروا.

ويجوز أن يكون "لو" للتمني مجازاً كما تقدم من الترجي في ﴿ لعلكم تتقون ﴾ وحينئذ لا يحتاج إلى الجواب.

بقي ههنا سؤال وهو أنه كيف أثبت لهم العلم أولاً في قوله ﴿ ولقد علموا ﴾ على سبيل التوكيد بالقسم إجمالاً ثم نفاه عنهم في قوله ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ ؟

فإن "لو" لامتناع الثاني لامتناع الأول، وكذا لو كان للتمني فإن التمني استدعاء أمر هو كالممتنع.

والجواب أن الذين علموا غير الذين لم يعلموا، فالذين علموا هم الذين علموا السحر ودعوا الناس إلى تعلمه ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، والذين لا يعلمون هم الجهال الذين يرغبون في تعلم السحر.

سلمنا أن القوم واحد، ولكنهم علموا شيئاً وجهلوا شيئاً آخر، علموا أنه لا خلاق لهم في الآخرة، وجهلوا مقدار ما فاتهم من منافع الآخرة وما حصل لهم من مضارّها وعقوباتها، سلمنا أن القوم واحد والمعلوم واحد، ولكنهم نسبوا إلى الجهل حيث لم يعملوا بعلمهم ولم ينتفعوا به كما قيل: إنهم صم بكم عمي حيث لم ينتفعوا بالحواس.

ولما أوعدهم بقوله ﴿ ولقد علموا ﴾ أتبع ذلك الوعد جامعاً بين الترهيب والترغيب ليكون أدعى إلى الطاعة وأنهى عن المعصية فقال ﴿ ولو أنهم آمنوا ﴾ بعين ما نبذوه من كتاب الله وهو القرآن أو التوراة التي يصدقها القرآن أو كلاهما، واتقوا فعل المنهيات وترك المأمورات، أو اتقوا الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين ﴿ لمثوبة من عند الله ﴾ لشيء من ثوابه ﴿ خير ﴾ ولا بد من تقدير فعل يكون "أن" مع ما بعده فاعلاً له، أي لو ثبت أنهم آمنوا، وجواب "لو" محذوف أيضاً ويدل عليه هذه الجملة الاسمية المصدرة باللام أي لأثيبوا وإنما تركت الفعلية إلى هذه ليدل على ثبات المثوبة واستقرارها.

ويجوز أن يكون القسم مقدراً وقوله ﴿ لمثوبة ﴾ جوابه ساداً مسد جواب الشرط مغنياً عنه، ودخول اللام الموطئة في الشرط غير واجب في القسم المقدر وإن كان هو الأكثر، على أن دخول اللام الموطئة "لو" مستثقل فيشبه أن يكون الأكثر بل الواجب ههنا عدم الدخول.

ويجوز أن يكون "لو" للتمني مجازاً عن إرادة الله إيمانهم كأنه قيل: وليتهم آمنوا.

ثم ابتدئ ﴿ لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون ﴾ أن ثواب الله خير مما هم فيه لآمنوا واتقوا، وقد علموا لكنه جهلهم لترك العلم بالعلم.

ويجوز أن يكون "لو" بمعنى التمني كما تقرر والله  أعلم.

التأويل: ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين ﴾ النفوس ﴿ على ملك سليمان ﴾ الروح الذي هو خليفة الله في أرضه ﴿ وما كفر سليمان ﴾ الروح ﴿ ولكن الشياطين ﴾ النفس والهوى ﴿ كفروا يعلمون الناس السحر ﴾ من تخييلات الهواجس وتمويهات الوساوس ﴿ وما أنزل على الملكين ﴾ فتنة وخذلاناً من العلوم الضارة غير النافعة كشبهات الفلاسفة والمبتدعة على ملكي الروح والقلب ﴿ ببابل ﴾ الجسد ﴿ هاروت ﴾ الروح ﴿ وماروت ﴾ القلب فإنهما من العالم العلوي الروحاني أهبطا إلى الأرض العالم الجسماني بالخلافة لإقامة الحق وإزهاق الباطل فافتتنا بزهرة الحياة الدنيا واتبعا خداعها فوقعا في شبكة الشهوة التي تركت فيها ابتلاء وامتحاناً، وشربا خمر الحرص والغفلة التي تخامر العقل، وزنيا ببغي الدنيا الدنية، وعبدا صنم الهوى فعذبا منكسين برؤوسهما بالالتفات إلى السفليات وإعراضهما عن العلويات، فحرما استماع خطاب الحق وكشف حقائق العلوم النافعة الموجبة للجمعية، ومع هذا من خصوصية الملائكة الروحانية ما يعلمان أحداً من الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية.

والقوى البشرية حتى يلهماها ﴿ إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء ﴾ القلب ﴿ وزوجه ﴾ دينه.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١٠٤ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ١٠٥ ۞ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍۢ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ١٠٦ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍ ١٠٧ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـَٔلُوا۟ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَـٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٠٨

القراءات: ﴿ ما ننسخ ﴾ بضم النون وكسر السين: ابن ذكوان ﴿ ننسأها ﴾ مهموزاً: ابن كثير وأبو عمرو غير أوقية، وروى أوقية بغير همز، الباقون: ننسها من الإنساء ﴿ نأت بخير ﴾ بغير همز: أبو عمرو غير إبراهيم بن حماد ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف، الباقون وإبراهيم بن حماد بالهمزة لأنه جواب الشرط، ومن شرطه أن يهمز كل ما كان نسقاً أي عطفاً على المجزوم أو جواباً للمجزوم كل القرآن مثل قوله عز وجل ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم ﴾ وقوله ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ وأشباه ذلك ﴿ فقد ضل ﴾ بالإظهار: حجازي غير ورش وعاصم غير الأعشى، وكذلك يظهرون الدال عند الذال والظاء حيث وقعتا مثل قوله  : ﴿ فقد ظلم ﴾ ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ وأشباه ذلك.

الوقوف: ﴿ واسمعوا ﴾ (ط) ﴿ أليم ﴾ (ه) ﴿ من ربكم ﴾ (ط) ﴿ من يشاء ﴾ (ط) ﴿ العظيم ﴾ (ه) ﴿ أو مثلها ﴾ (ط) ﴿ قدير ﴾ (ه) ﴿ والأرض ﴾ (ط) ﴿ ولا نصير ﴾ (ه) ربع الجزء ﴿ ومن قبل ﴾ (ط) ﴿ السبيل ﴾ (ه).

التفسير: لما شرح الله  قبائح أفعال السلف من اليهود، شرع في قبائح أخلاق المعاصرين لرسول الله  وجدّهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه، واعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن.

قال ابن عباس: وكان يخاطب في التوراة بـ "يا أيها المساكين" فكأنه  لما خاطبهم أولاً بالمساكين أثبت لهم المسكنة آخراً حيث قال ﴿ وضربت عليهم الذلة والمسكنة  ﴾ وهذا يدل على أنه تعالى لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أوّلاً فإنه  يعطيهم الأمان من العذاب آخراً ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً  ﴾ ، ولا سيما فإن المؤمن اسم من أسمائه العظام، ففيه دليل على أنه  يقرّبهم منه في دار السلام.

وقيل: آمنوا على الغيبة نظراً إلى المظهر وهو "الذين" ولو قيل آمنتم نظراً إلى النداء جاز من حيث العربية، ثم إنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع الله من إحداهما ويأذن في الأخرى ومن هنا قال الشافعي: لا تصح الصلاة بترجمة الفاتحة عربية كانت أو فارسية.

فلا يبعد أن يمنع الله من قول ﴿ راعنا ﴾ ويأذن في قول ﴿ انظرنا ﴾ وإن كانا مترادفين.

ولكن جمهور المفسرين على أنه  إنما منع من قول ﴿ راعنا ﴾ لاشتماله على مفسدة.

ثم ذكروا وجوهاً منها: أن المسلمين كانوا يقولون لرسول الله  إذا ألقي عليهم شيئاً من العلم راعنا يا رسول الله، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي "راعينا" ومعناها "اسمع لا سمعت" كما صرح بذلك في سورة النساء ﴿ ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا  ﴾ فإن الجميع كأنها متقاربة فلما سمعوا المسلمين يقولون "راعنا" افترصوه وخاطبوا به الرسول وهم يعنون المسبة، فنهى المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى وهي ﴿ انظرنا ﴾ .

روي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده إن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله  لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟

فنزلت، ومنها قال قطرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز كانوا يقولونها عند الهزء والسخرية فلا جرم نهى الله عنها، وقيل: إن اليهود كانوا يقولون "راعينا" أي أنت راعي غنمنا فنهاهم عنه.

وقيل: إن هذه اللفظة لكونها من باب المفاعلة، تدل علىالمساواة بين المتخاطبين كأنهم قالوا: أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا فنهوا عنه ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً  ﴾ وقيل: "راعنا" خطاب مع الاستعلاء أي راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره، وليس في ﴿ انظرنا ﴾ إلا سؤال الانتظار.

وقيل: إنها تشبه اسم الفاعل من الرعونة والحمق، فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر كقولهم "عائذاً بك" أي أعوذ عياذاً.

فقولهم ﴿ راعنا ﴾ أي فعلت رعونة، ويحتمل أنهم أرادوا صرت راعنا أي ذا رعونة، فلمكان هذه الوجوه الفاسدة نهى الله عنها، وقيل: المراد لا تقولوا قولاً راعناً أي منسوباً إلى الرعن كدارع ولابن، ومنه قراءة الحسن ﴿ راعناً ﴾ بالتنوين.

وانظرنا من نظره إذا انتظره ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم  ﴾ أمرهم الله  أن يسألوه  الإمهال لينقلوا عنه فلا يحتاجون إلى الاستعادة كأنهم قالوا له: توقف في كلامك وبيانك مقدار ما يصل إلى أفهامنا.

وهذا القدر غير خارج عن قانون الأدب فقد يلتمسه المتعلم حرصاً منه على أن لا يفوت منه شيء من الفوائد وإن كان المعلم غير مهمل دقائق التفهيم والإرشاد من التثبت والتأني والإعادة إن احتيج إليها ونحو ذلك.

وقيل: انظرنا معناه انظر إلينا مثل ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ أي من قومه.

والغرض أن المعلم إذا نظر إلى المتعلم كانت إفاضته عليه أظهر وأقوى.

وفي قراءة أبيّ ﴿ انظرنا ﴾ من النظرة أي أمهلنا حتى نحفظه.

﴿ واسمعوا ﴾ معناه أحسنوا سماع كلام نبيكم بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة، أو اسمعوا سماع قبول وطاعة لا كاليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا، أو اسمعوا ما أمرتم به ولا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه من قول راعنا، وللكافرين ولليهود الذين تهاونوا برسول الله  وسبوه عذاب أليم قوله ﴿ ما يود ﴾ الآية.

"من" الأولى للبيان، لأن ﴿ الذين كفروا ﴾ جنس تحته نوعان: أهل الكتاب والمشركون.

كقوله ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين  ﴾ "ولا" مزيدة لتأكيد النفي وقرئ ﴿ ولا المشركون ﴾ والثانية مزيدة لاستغراق الخير فـ ﴿ أن ينزل ﴾ في سياق النفي: فمعنى ما يود أن ينزل يود أن لا ينزل.

والثالثة لابتداء الغاية، والخير الوحي وكذلك الرحمة ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك  ﴾ والمعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي، ولا أثر لهذا الحسد فإن الله يختص بالنبوة من يشاء ولا يكون إلا ما يشاء، وما يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة.

﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ والفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة، والإفضال والإحسان، وفيه إشعار بأن إيتاء النبوة من غاية الإحسان وأنهار شحة من بحار كماله ﴿ إن فضله كان عليك كبيراً  ﴾ .

قوله عز من قائل ﴿ وما ننسخ من آية ﴾ نوع ثان من تقرير مطاعن اليهود خذلهم الله في الإسلام.

روي أنهم قالوا: ألا ترون إلى محمد  يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً فنزلت.

وفي الآية مسائل: الأولى: النسخ لغة هو الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته.

والنقل أيضاً وهو أ ن يغير الشيء في صفته وحاله مع بقائه في نفسه، ومنه نسخت الكتاب، والمناسخات في المواريث لانتقال التركة من قوم إلى قوم.

فقيل مشترك بينهما، وقيل حقيقة في الأول مجاز في الثاني، وقيل بالعكس.

وفي الاصطلاح: هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر، فيخرج المباح بحكم الأصل إذا ورد الشرع بضده رافعاً لإباحته فإنه لا يسمى نسخاً إذ ليس رفع حكم شرعي ويخرج أيضاً الرفع بالنور والغفلة لأن ذلك الرفع ليس بمجرد الدليل الشرعي وهو "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" ونحوه، بل يقتضيه العقل أيضاً بخلاف الرفع بنحو "دعي الصلاة أيام أقرائك" فإنه لا مجال للعقل فيه.

ويخرج الرفع بنحو "صم إلى آخر الشهر" فإن "إلى" أوجبت مخالفة حكم ما بعدها لما قبلها إلا أنها لا تسمى نسخاً لأنه ليس متأخراً، ويمكن أن يقال: إن قيد متأخر إنما ينبغي أن يذكر لأن دليل النسخ لا يكون إلا كذلك.

ونحو "صم إلى كذا" وأمثاله من أنواع التخصيص متصلاً كان أو منفصلاً، إنما خرج بقيد الرفع لأن رفع الحكم إنما يكون بعد إرادة حصوله على المكلف، والتخصيص ليس كذلك لأن صورة التخصيص غير مرادة من اللفظ بل التخصيص مبين لمراد الشارع من العام.

ونعني بالحكم ههنا ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن، فإن الوجوب المشروط بالعقل الذي هو مناط التكليف لم يكن حاصلاً عند انتفاء العقل والموقوف على الحادث حادث.

وإذا كان المراد بالحكم هذا فلا يرد قول المعتزلة الحكم عندكم قديم فكيف يرتفع؟

وذلك أنا عنينا بالحكم تعلق الخطاب بعدما لم يتعلق وهذا محدث يرتفع.

وأيضاً نقطع بأنه إذا ثبت تحريم شيء بعد وجوبه انتفى الوجوب الثابت أولاً وهو المعنى بالرفع، ويحسن أيضاً أن يقال: النسخ بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخ، فيخرج بقولنا "شرعي" بيان انتهاء حكم عقلي كالبراءة الأصلية، و"بطريق شرعي" يخرج به بيان انتهاء الحكم الشرعي بطريق عقلي كانتساخ القيام عمن ينكسر رجله.

وقولنا "متراخ" ليخرج التخصيص بالغاية.

ومن هذا يعلم تعريف الناسخ والمنسوخ، ومعنى بيان انتهاء الحكم أن الخطاب السابق له غاية في علم الله  ، فإذا انتهى إلى تلك الغاية زال بذاته، ثم ورد الخطاب اللاحق بياناً لذلك.

المسألة الثانية: انعقد الإجماع من أكثر أرباب الشرائع ومن المسلمين خاصة على جواز النسخ عقلاً وعلى الوقوع شرعاً، وخالف اليهود في الجواز، وأبو مسلم الأصفهاني من المسلمين في الوقوع لا الجواز.

لنا القطع بالجواز ضرورة فإن له  أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير النظر إلى حكمة ومصلحة، وإن اعتبرت المصالح فالقطع أن المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات فهذا ما يدل على جواز النسخ.

وفي التوراة أنه أمر آدم بتزويج بناته من بنيه وقد حرم ذلك في شريعة من بعده باتفاق، وهذا ما يدل على وقوعه، وكيف لا وقد ثبت بالدلائل القاطعة والمعجزات الباهرة نبوته محمد  ، وبصحة نبوته يلزم نسخ شرع من قبله.

ولم يكن لليهود والنصارى نص صريح يعلم منه أمد شرعهم على التعيين حتى يلزم أن يكون شرع نبينا انتهاء غاية لا نسخاً.

حجة اليهود لو نسخت شريعة موسى لبطل قول موسى المتواتر "هذه شريعة مؤبدة عليكم بها ما دامت السموات والأرض" وأيضاً إن كان نسخ الحكم الشرعي لحكمة ظهرت له  لم تكن ظاهرة فهو البداء وإلا فعبث وكلاهما محال على الله  ، إذ البداء عبارة عن الظهور بعد الخفاء والعبث فعل لا يستتبع غاية.

والجواب عن الأول المنع من أنه قول موسى  ، ويؤكده أنه لو كان هذا القول صحيحاً عندهم لقضت العادة بقوله لرسولنا  ولحاجوه بذلك، لكن اليهود لم يتمسكوا به في عهده فدل ذلك على أنه إفك افتراه المتأخرون منهم.

وعن الثاني بعد تسليم اعتبار المصالح أنها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال كمنفعة شرب دواء في حال وضرره في آخر، بل الزمان الممتد من الأزل إلى الأبد قد وزع أجزاؤه فيما لم يزل على الجزئيات الواقعة فيها الصادرة شيئاً فشيئاً بحسب وقت وقت لا لمصلحة تعود إليه  بل لما هو أصلح بالنسبة إلى المتزمنات.

فالظهور والخفاء والسابق واللاحق، والإعدام والإيجاد، كلها بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إلى حضرة الواجب جل ذكره فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين.

والحاصل أن كل حكم فله غاية في علم الله  ، ولكن قد يظن المكلف استمراره في الاستقبال من قرائن الأحوال، فإذا ورد ما يبين أمده ونص له على زواله فذلك الوارد ناسخ والأول منسوخ والورود نسخ، وكل هذه التجددات بالنسبة إلى المكلف، وأما بالإضافة إليه  فكل من الحكمين موجود في وقته الذي قدر له فيه الظهور متقدماً أحدهما ومتأخراً الآخر.

وليس هذا في الأحكام فقط وإنما ذلك في كل حادث، فمن تأمل نسخة الوجود ونسب الحوادث المتفاوتة بعضها إلى بعض بالتقدم والتأخر والمعية، وجد وجوداتها المترتبة أشبه شيء بكتاب يقرؤه القارئ سطراً بعد سطر، وكلمة تلو كلمة، إذا انقضى مجموع من ذلك تلاه مجموع آخر حسب ما رتبه الحكيم العليم بمبادئه ومقاطعه، فالمنقضي في حكم المحو، والتالي في حكم الإثبات، والهيئة الاجتماعية بدون اعتبار التلاوة المستلزمة لانقضاء شيء وظهور ما يعقبه هي أم الكتاب، وهذا سر قوله عز من قائل ﴿ يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب  ﴾ ولك أن تعبر عن المجموع الدفعي بالقضاء وعن ظهوره التدريجي بالقدر وفي هذا القدر كفاية للفطن المستبصر.

المسألة الثالثة: اتفقوا على وقوع النسخ في القرآن بوجوه: أحدها: هذه الآية أعني ما ننسخ من آية.

وأجاب أبو مسلم بأن المراد بالآيات المنسوخة الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله عنا وتعبدنا بغيره، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأبطل الله ذلك عليهم بهذه الآية.

وأيضاً لعل المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ وتحويله عنه إلى سائر الكتب.

وأيضاً إن ما ههنا يفيد الشرط والجزاء، وكما أن قولك "من جاءك فأكرمه" لا يدل على حصول المجيء بل على أنه متى جاء وجب الإكرام، فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه وثانيها: الاعتداد بالحول في قوله ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول  ﴾ نسخ بأربعة أشهر وعشر في قوله ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً  ﴾ أجاب أبو مسلم بأن الاعتداد بالحول ما زال بالكلية لأنها لو كانت حاملاً ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولاً كاملاً، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان ذلك تخصيصاً لا نسخاً.

ورد بأن عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل سواء حصل وضع الحمل بسنة أو أقل أو أكثر، فجعل السنة مدة للعدة يكون زائلاً بالكلية.

وثالثها: ﴿ إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة  ﴾ منسوخة بالاتفاق، أجاب بأنه زال لزوال سببه، لأن سبب التعبد بها أن يمتاز المنافقون عن المؤمنين.

ورد بأنه يلزم منه أن من لم يتصدق كان منافقاً وهو باطل، لما روي أنه لم يتصدق غير علي  ، وبدليل ﴿ فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم  ﴾ ورابعها: الأمر بثبات الواحد للعشرة في قوله ﴿ فإن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين  ﴾ ثم نسخ ذلك بقوله ﴿ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين  ﴾ وخامسها: تحويل القبلة.

قال أبو مسلم: حكم تلك القبلة ما زال بالكلية لجواز التوجه إليه عند الإشكال، أو مع العلم إذا كان هناك عذر.

ورد بأن بيت المقدس وسائر الجهات في ذلك سواء.

وسادسها: ﴿ وإذا بدلنا آية مكان آية  ﴾ والتبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما التلاوة وإما الحكم.

وكيفما كان فهو رفع ونسخ، فهذه الدلائل وأمثالها تدل على وقوع النسخ في الجملة.

حجة أبي مسلم ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه  ﴾ والجواب أن الضمير للمجموع، وأيضاً نسخة بالنسبة إلى المكلف لا ينافي حقيته في نفسه وكونه قرآناً عربياً.

المسألة الرابعة: المنسوخ إما أن يكون هو الحكم فقط كالآيات المعدودة، أو التلاوة فقط كما يروى عن عمر أنه قال: كنا نقرأ آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم" وروي "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب"، أو الحكم والتلاوة معاً كما روي عن عائشة "كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات ثم نسخن بخمس" فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعاً، والخمس مرفوع التلاوة باقي الحكم.

ويروى أن سورة الأحزاب كانت بمنزلة السبع الطوال أو أزيد ثم وقع النقصان.

ولنرجع إلى تفسير الآية ﴿ ما ننسخ ﴾ محمول على نسخ الحكم وإزالته دون التلاوة، أو ننسها على نسخ الحكم والتلاوة جميعاً.

وإنساؤها أن يذهب بحفظها عن القلوب وذلك بأن تخرج من جملة ما يتلى ويقرأ في الصلاة، أو يحتج به، فإذا زال حكم التعبد به وطال العهد نسي، وإن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد، فتصير بهذا الوجه منسية من الصدور أو يكون ذلك معجزة له  كما يروى أنهم كانوا يقرأون السورة فيصبحون وقد نسوها.

قال عز من قائل ﴿ سنقرئك فلا تنسى.

إلا ما شاء الله  ﴾ وإنساخ الآية الأمر بنسخها وهو أن يأمر جبريل بأن يجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها، ونسؤها تأخيرها وإذهابها لا إلى بدل.

وقيل: ما ننسخ من آية أي نبدلها إما بأن نبدل حكمها فقط، أو تلاوتها فقط، أو نبدلهما، أو ننسها نتركها كما كانت ولا نبدلها، لأن النسيان قد يجيء بمعنى الترك.

وقيل: ما ننسخ من آية ما نرفعها بعد إنزالها أو ننسأها بالهمزة نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ، أو نؤخر نسخها فلا ننسخها في الحال فإنا ننزل بدلها ما يقوم مقامها في المصلحة.

ولا يخفى أن قوله ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ لا ينطبق على هذين القولين كما ينبغي.

ومعنى الآية عند جمهور المفسرين آية القرآن، وعند أبي مسلم التوراة والإنجيل كما مر.

وقد عرفت أنه يمكن حملها على معنى أعم، فكل مجموع من الوجود في كل زمان من الأزمنة آية من صحيفة المخلوقات، وكل فرد من ذلك المجموع كلمة من كلمة الله ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي  ﴾ ومعنى ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ إن حملنا الآية على ما يتضمن حكماً على المكلف أن الثاني أخف أو أصلح بالنسبة إلى وقته كما أن الأول كان أصلح بالإضافة إلى وقته.

فالثاني خير بالنسبة إلى وقته، ومثل الأول بالنسبة إلى وقته، أو يراد أن العمل بالثاني أكثر ثواباً من العمل بالأول أو مساوٍ له، فكل منهما قد تقتضيه الحكمة دون ما هو أقل ثواباً، وإن حملنا الآية على غير ذلك فيتعين الأصلح.

قال أهل الإشارة أراد بالنسخ نقل السالك وترقيه من حال إلى حال أعلى منه، وإن غصن استكمالهم أبداً ناضر، ونجم وصالهم دائماً زاهر، فلا ينسخ من آثار عباداتهم شيء إلا أبدل منها أشياء من أنوار العبودية، ولا ينسخ شيء من أنوار العبودية إلا أقيم مكانها أشياء من أقمار الربوبية.

وأيضاً إنهم يشاهدون بعض الوقائع الشريفة في الصور اللطيفة كسبتها المتخيلة بحسب صفاء الوقت وعلو المقام، فلما ارتقوا إلى مقام آخر لا يشاهدون ذلك بتلك المشاهدة، فيظن السالك الغر أنه حجب عن ذلك المقام أو الحال، فقيل: ما ننسخ من آية من آيات المقامات، أو ننسها بأن نمحوها من إدراك الخيال، نأت بخير من تلك المشاهدة أو مثلها.

ثم الأئمة استنبطوا من الآية مسائل: الأولى: زعم قوم أنه لا يجوز نسخ الحكم لا إلى بدل لقوله ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ والجمهور على خلافه لأن الآية لا تدل إلا على وجوب الإتيان بآية أخرى، أما على وجوب الإتيان بحكم آخر فلا.

سلمنا لكنه مخصوص بنسخ تقديم الصدقة بين يدي النجوى، وبنسخ وجوب الإمساك بعد الفطر من غير بدل.

سلمنا عدم تخصيصه لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك البدل عدم الحكم الذي رفع بالنسخ ويكون نسخه بغير بدل وجودي خيراً للمكلف لمصلحة علمت.

الثانية: زعم قوم أن النسخ لا يجوز بأثقل، لأن الأثقل لا يكون خيراً منه ولا مثله.

وردّ الجمهور عليهم بأن المراد كثرة الثواب وذلك لا ينافي كونه أثقل "أجرك على قدر نصبك" وأيضاً قد وقع كنسخ التخيير بين الصوم والفدية بالصوم حتماً، وصوم عاشوراء برمضان، والحبس في البيوت للزاني بالحد.

وأما النسخ إلى الأخف فكنسخ العدة من الحول إلى أربعة أشهر وعشر، وكنسخ صلاة الليل إلى التخيير فيها.

وأما نسخ الشيء إلى المثل فكالتحويل من بيت المقدس إلى الكعبة.

الثالثة: عن الشافعي أن الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة لقوله ﴿ نأت بخير منها ﴾ وذلك يدل على أن المأتي به من جنسه كما إذا قال الإنسان "ما آخذ منك من ثوب آتك بخير منه" يفيد أنه يأتيه بثوب من جنسه خير منه، وجنس القرآن قرآن.

وأيضاً ﴿ نأت ﴾ يدل على أن الآتي هو الله لا الرسول.

وأيضاً المأتي به خير والسنة لا تكون خيراً من القرآن.

وأيضاً قوله ﴿ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ دل على أن الآتي بذلك الخير هو القادر على جميع الخيرات وعلى تصريف المكلف تحت مشيئته وإرادته، لا دافع لما أراد ولا مانع لما شاء وذلك هو الله  .

وأجيب بأن قوله ﴿ نأت بخير منها ﴾ ليس فيه أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخاً، بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئاً مغايراً للناسخ يحصل بعد حصول النسخ وذلك أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ الآية الأولى، فلو كان نسخ تلك الآية مرتباً على الإتيان بذلك الخير لزم الدور.

قلت: ويمكن دفع الدور بأن يقال: المراد ما أردنا نسخها من آية نأت بخير منها حتى ننسخها.

ثم احتج الجمهور على وقوع نسخ الكتاب بالسنة بأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله "ألا لا وصية لوارث" وبأن آية الجلد صارت منسوخة بخبر الرجم.

أجاب الشافعي: بأن كون الميراث حقاً للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية، فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية، ولعل الرجم إنما ثبت بقوله  "الشيخ والشيخة" الخ.

﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ فهو يدبر الأمور ويجريها على حسب المصالح، وهو أعلم بما يتعبد المكلفين به من ناسخ ومنسوخ.

والخطاب في ﴿ ألم تعلم ﴾ إما للنبي  فتدخل الأمة تبعاً، أو لكل من له أهلية الخطاب.

ومعنى الاستفهام فيه التقرير والإثبات لظهور آثار قدرته ووضوح آيات ملكه وسلطانه.

وقيل: إشارة إلى ما شاهد ليلة المعجزات بعين اليقين ثم علمها حق اليقين، فترقى من رؤية الآيات إلى كشف الصفات، ومن كشف الصفات إلى عيان الذات، ثم نسخت عن الخيال وأثبتت في العيان.

والولي ضد العدو، وكل من ولي أمر واحد فهو وليه، فعيل بمعنى فاعل وكذا النصير.

والواو في ﴿ وما لكم ﴾ يحتمل أن تكون للاعتراض فلا محل للجملة، ويحتمل أن تكون للعطف على ﴿ له ملك السموات ﴾ فيدخل تحت الاستفهام، ويكون قوله ﴿ من دون الله ﴾ من وضع الظاهر موضع الضمير ولا يوقف على ﴿ والأرض ﴾ .

﴿ أم تريدون ﴾ قيل: الخطاب للمسلمين لقوله ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإيمان ﴾ وهذا لا يصح إلا في حق المؤمنين، ولأن "أم" للعطف ولا معطوف ظاهراً.

فالتقدير: وقولوا انظرنا واسمعوا، فهل تفعلون هذا كما أمرتم ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم ﴾ ولأنه سأل قوم من المسلمين أن يجعل  لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها المأكول والمشروب كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة وهذا قول الأصم والجبائي وأبي مسلم.

وقيل: إنه خطاب لأهل مكة وهو قول ابن عباس ومجاهد إن عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله  في رهط من قريش فقال: يا محمد، ما أؤمن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك بعد ذلك حتى تنزل علينا كتاباً من الله إلى عبد الله بن أمية أن محمداً رسول الله فاتبعوه.

فقال له بقية الرهط: فإن لم تستطع ذلك فأتنا بكتاب من عند الله جملة واحدة فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند الله كما سأله السبعون، وعن مجاهد: أن قريشاً سألت محمداً  أن يجعل الله لهم الصفا ذهباً.

فقال: نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا.

وقيل: المراد اليهود لأن هذه السورة من أول قوله ﴿ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي ﴾ حكاية عنهم ومحاجة معهم، ولأن الآية مدنية، ولأنه جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأل ما يتبدل كفراً بإيمان، وليس في ظاهر الآية أنهم أتوا بالسؤال فضلاً عن كيفية السؤال، بل المرجع فيه إلى الروايات المذكورة.

وههنا بحث وهو أن السؤال الذي ذكروه إن كان طلباً للمعجزات فمن أين أنه كفر؟

ومعلوم أن طلب الدليل علىالشيء لا يكون كفراً وإن كان ذلك طلباً لوجه الحكمة التفصيلية في نسخ الأحكام، فهذا أيضاً لا يكون كفراً فإن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلق البشر ولم يكن ذلك كفراً.

فالتفكير إما لأنهم طلبوا منه  أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة، وإما لأنهم طلبوا المعجزات على وجه التعنت واللجاج.

قلت: والأصوب في الآية أن يكون ﴿ أم تريدون ﴾ معطوفاً على ﴿ ألم تعلم ﴾ على أنه خطاب لكل مكلف، فيكون في معنى الجمع.

ثم "أم" إما أن تكون متصلة على معنى أي الأمرين كائن فإن العلم واقع بكون أحدهما لأنه إما أن لا يعلم نفوذ علمه وقدرته وأن الكل تحت قدرته وقهره وتسخيره، وإما أن يعلم فيسأل وجه الحكمة في النسخ وغيره على سبيل العناد وكلا الأمرين يوجب التكفير.

أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن المعترف بحكمته البالغة وعنايته الشاملة ورأفته الكاملة وقدرته الظاهرة من حقه أن يقتصر على علمه الإجمالي ولا يتخطى مقام الأدب في البحث والتفتيش عن تفاصيل حكمته التي لا تكاد تنحصر.

ويوهم أن السائل في شك مما أمر به أو نهي عنه، وعلى هذا لا يوقف على نصير.

وإما منقطعة على أنه أضرب عن الاستفهام الأول واستأنف استفهاماً ثانياً، ويحتمل أن لا يكون قوله ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإيمان ﴾ حكماً بتكفيرهم بسبب السؤال بل يكون تنبيهاً للمكلفين، على أن السؤال عما لا يهم لهم مما قد ينجر إلى الغواية لكثرة عروض الشكوك والشبهات حتى يقفوا على الاعتقاد الحق والتقليد الصرف فيما لا سبيل إلى درك تفاصيله أو لا يهم معرفتها.

وسواء السبيل وسطه وهو الصراط المستقيم الذي مر تفسيره.

<div class="verse-tafsir"

وَدَّ كَثِيرٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًۭا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ١٠٩ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍۢ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ١١٠ وَقَالُوا۟ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ١١١ بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌۭ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ١١٢ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ١١٣

القراءات: قد سلفت.

الوقوف: ﴿ كفاراً ﴾ (ج) لأن ﴿ حسداً ﴾ مصدر محذوف أي يحسدون حسداً، أو حال أو مفعول له وهو أوجه والوصل أجوز ﴿ الحق ﴾ (ج) لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ بأمره ﴾ (ط) ﴿ قدير ﴾ (ه) ﴿ الزكاة ﴾ (ط) لأن ما للشرط والشرط مصدر ﴿ عند الله ﴾ (ط) ﴿ بصير ﴾ (ه) ﴿ أو نصارى ﴾ (ط) ﴿ أمانيهم ﴾ (ط) ﴿ صادقين ﴾ (ه) ﴿ عند ربه ﴾ (ص) لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يحزنون ﴾ (ه) ﴿ النصارى على شيء ﴾ (ص) لا لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ على شيء ﴾ (ص) لأن الواو للحال ﴿ الكتاب ﴾ (ط) ﴿ مثل قولهم ﴾ (ج) لأن ﴿ فالله ﴾ مبتدأ مع فاء التعقيب ﴿ يختلفون ﴾ (ه).

التفسير: هذا نوع آخر من مكايد اليهود.

روي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلاً.

فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟

قالوا شديد.

قال: فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد  ما عشت.

فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ.

وقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله رباً وبمحمد نبياً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخواناً.

ثم أتيا رسول الله  وأخبراه فقال: أصبتما خيراً وأفلحتما فنزلت.

و ﴿ كفاراً ﴾ نصب على الحال، أو مفعول ثانٍ لـ "يردون" على أنه بمعنى "صير" والحسد من أقبح الخصال الذميمة قال  "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" وقال: "إن لنعم الله أعداء قيل: وما أولئك؟

قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله" وقال "ستة يدخلون النار قبل الحساب: الأمراء بالجور، والعرب بالعصبية، والدهاقين بالتكبر، والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهالة، والعلماء بالحسد" وروي أن موسى لما ذهب إلى ربه رأى في ظل العرش رجلاً يغتبط بمكانه فقال: إن هذا لكريم على ربه، فسأل ربه أن يخبره باسمه فلم يخبره باسمه وقال: أحدثك من عمله ثلاثاً: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، وكان لا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة، ويحكى أن عبد الله بن عون دخل على الفضل بن المهلب، وكان يومئذ على واسط فقال: إني أريد أن أعظك بشيء: إياك والكبر فإنه أول ذنب عصى الله به إبليس ثم قرأ ﴿ فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر  ﴾ وإياك والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة، أمكنه الله من جنة عرضها السموات والأرض فأكل منها فأخرجه الله ثم تلا ﴿ اهبطا منها  ﴾ وإياك والحسد فإنه قتل ابن آدم أخاه حين حسده ثم قرأ ﴿ واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق  ﴾ وقال ابن الزبير: ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا، لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار؟

واعلم أنه إذا أنعم الله على أخيك بنعمة فإن أردت زوالها فهذا هو الحسد المحرم الذي ذم الله  صاحبه في هذه الآية وغيرها ﴿ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله  ﴾ ﴿ إن تمسسكم حسنة تسؤهم  ﴾ ﴿ ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا  ﴾ وإن اشتهيت لنفسك مثلها فهذا هو الغبطة والمنافسة المشتقة من النفاسة وليست بحرام لقوله  ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون  ﴾ ﴿ سابقوا إلى مغفرة من ربكم  ﴾ وقال  "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً وأنفقه في سبيل الله، ورجل آتاه الله علماً فهو يعمل به ويعلم الناس" وهذا يدل على أن الحسد قد يطلق على المنافسة، وقد تكون واجبة إذا كانت النعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة، وقد تكون مندوبة في نحو الإنفاق في سبيل الله وتشهي العلم والتعليم، وقد تكون مباحة.

وللحسد مراتب أربع: الأولى، أن يحب زوال النعمة عنه وإن لم تحصل له وهذه أخبث.

الثانية: أن يحب زوالها عنه إليه كرغبته في داره الحسنة أو امرأته أو ولايته فالمطلوب بالذات حصولها له، فأما زوالها عن غيره فمطلوب بالعرض.

الثالثة: أن لا يشتهي زوالها بل يشتهي لنفسه مثلها، فإن عجز عن مثلها أحب زوالها كيلا يظهر التفاوت بينهما.

الرابعة: أن يشتهي لنفسه مثلها فإن لم يحصل فلا يحب زوالها عنه.

وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا، والمندوب إليه إن كان في الدين، والثالثة منها مذموم وغير مذموم، والثانية أخف والأولى أخبث قال  : ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض  ﴾ تمنيه لمثل ذلك غير مذموم وتمنيه لعين ذلك مذموم.

وأسباب الحسد سبعة: أولها العداوة والبغضاء، فإن من آذاه إنسان أبغضه قلبه وغضب عليه وتولد منه الحقد المنشئ للتشفي والانتقام، فإن عجز المبغض عن أن يتشفى منه بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان كما قال عز من قائل ﴿ إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها  ﴾ .

وربما أفضى هذا الحسد إلى التنازع والتقاتل، وثانيها التعزز فإن واحداً من أمثاله إذا نال منصباً عالياً فترفع عليه وهو لا يمكنه تحمل ذلك، أراد زوال ذلك المنصب عنه.

وليس من غرضه أن يتكبر بل غرضه أن يدفع كبره فإنه قد رضي بمساواته.

وثالثها: أن يكون في طبعه أن يستخدم غيره فيريد زوال النعمة من ذلك الغير ليقدر على ذلك الغرض ﴿ وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم  ﴾ ﴿ أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا  ﴾ كالاستحقار لهم والأنفة منهم.

ورابعها: التعجب ﴿ أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم  ﴾ وخامسها: الخوف من فوت المقاصد وذلك يتحقق من المتزاحمين على مقصود واحد، كتحاسد الضرائر في التزاحم على مقاصد الزوجية، وتحاسد الإخوة في التزاحم على نيل المنزلة عند الأبوين، وتحاسد الوعاظ المتزاحمين على أهل بلدة.

وسادسها: حب الرياسة كمن يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون، فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم ساءه ذلك وأحب موته، فإن الكمال محبوب لذاته وضد المحبوب مكروه.

ومن جملة أنواع الكمال التفرد بالكمال لكن هذا يمتنع حصوله إلا لله  ، ومن طمع في المحال خاب وخسر.

وسابعها: شح النفس بالخير على عباد الله، فإنك تجد من لا يشتغل برياسة ولا تكبر ولا طلب مال إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله شق عليه ذلك، وإذا وصف اضطراب أمور الناس وإدبارهم فرح به، فهو أبداً يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزائنه، وهذا ليس له سبب ظاهر سوى خبث النفس كما قيل: البخيل من بخل بمال غيره.

وقد يجتمع بعض هذه الأسباب فيعظم الحسد ويتقوى بحسبه، وقلما يقع التحاسد إلا في الأمور الدنيوية، لأن الدنيا لا تفي بالمتزاحمين.

وأما الآخرة فلا ضيق فيها فلهذا لا يكون تحاسد بين أرباب الدين وأصحاب اليقين، وإنما يكونون بلقاء إخوانهم مستأنسين وببقاء أقرانهم فرحين ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين  ﴾ وأما علاج الحسد فأمران: العلم والعمل.

أما العلم ففيه مقامان: إجمالي وهو أن يعلم أن الكل بقضاء الله وقدره، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا يرده كراهية كاره ولا يجره إرادة مريد.

وتفصيلي وهو العلم بأن الحسد قذى في عين الإيمان حيث كره حكم الله وقسمته في عباده وغش للإخوان، وعذاب أليم، وحزن مقيم، ومورث للوسواس، ومكدر للحواس.

ولا ضرر على المحسود في دنياه لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك، ولا في دينه بل ينتفع به لأنه مظلوم من جهتك فيثيبه الله على ذلك.

وقد ينتفع في دنياه أيضاً من جهة أنك عدوه، ولا يزال يزيد غمومك وأحزانك إلى أن يقضي بك إلى الدنف والتلف.

اصبر على مضض الحسو *** د فـإن صبــرك قائلــه النــار تـأكـل نفسـها *** إن لــم تجـد مـا تأكلـه وقد يستدل بحسد الحاسد على كونه مخصوصاً من الله  بمزيد الفضائل.

لا مات أعداؤك بل خلـدوا *** حتى يروا منك الـذي يكمد لا زلت محسوداً على نعمة *** فإنما الكامـل مـن يحسـد والحاسد مذموم بين الخلق، ملعون عند الخالق، مشكور عند إبليس وأصدقائه، مدحور عند الخالق وأوليائه، فهل هو إلا كمن رمى حجراً إلى عدو ليصيب به مقتله فلا يصيبه بل يرجع على حدقته اليمنى فيقلعها، فيزداد غضبه فيعود ثانياً فيرميه أشد من الأول فيرجع على عينه الأخرى فيعميه فيزداد غيظه، فيعود ثالثاً فيرجع على رأسه فيشدخه، وعدوه سالم في كل الأحوال وقد عاد عليه الوبال وأعداؤه حواليه يفرحون ويضحكون؟

هذا له في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.

وأما العمل فهو أن يأتي بالأفعال المضادة لمقتضيات الحسد، فإن بعثه الحسد على القدح فيه كلف لسانه المدح له، وإن حمله على التكبر عليه كلف نفسه التواضع له، وإن حمله على قطع أسباب الخير سعى في إيصال الخير إليه حتى يصير المحسود محبوباً محباً له، ﴿ فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم  ﴾ ، وذلك التكلف يصير بالآخرة طبعاً والله الموفق.

واعلم أن النفرة القائمة بقلب الحاسد من المحسود أمر غير داخل في وسعه، فكيف يعاقب عليه؟

وإنما الاخل تحت التكليف رضاه بتلك النفرة ثم إظهار آثارها من القدح فيه والقصد إلى إزالة النعمة عنه وجر أسباب المحنة إليه، ثم إن اليهود كانوا يريدون رجوع المؤمنين عن الإيمان من بعدما تبين لهم أن الإيمان صواب وحق، فألقوا إليهم ضربين من الشبهة لعلمهم أن المحق لا يعدل عن الحق إلا بالشبهة أحدهما ما يتصل بالدنيا وهو قولهم لهم قد علمتم ما نزل بكم من إخراجكم من دياركم وذهاب أموالكم واستمرار الخوف عليكم، فاتركوا إيمانكم الذي ساقكم إلى هذه.

الثاني في باب الدين بالقدح في المعجزات وتحريف التوراة.

قوله ﴿ من عند أنفسهم ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ود ﴾ أي تمنوا ذلك من قبل شهوتهم لا من قبل التدين والميل مع الحق، لأنهم ودوا ذلك من بعدما تبين لهم أنكم على الحق، وإما أن يتعلق بـ ﴿ حسداً ﴾ أي منبعثاً من أصل نفوسهم ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح بترك المقابلة والإعراض عن الجواب، لأن ذلك أقرب إلى تسكين الثائرة لا دائماً بل ﴿ حتى يأتي الله بأمره ﴾ عن الحسن أنه المجازاة يوم القيامة، وقيل قوة الإسلام وكثرة المسلمين، والأكثرون على أنه الأمر بالقتال فعنده يتعين إما الإسلام وإما قبول الجزية، وتحمل الذل والصغار.

والآية منسوخة لأن الآية التي علق بها غير معلومة شرعاً فليس كقوله ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل  ﴾ بل يحل محل قوله ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ إلى أن أنسخه عنكم.

عن الباقر  : إنه لم يؤمر رسول الله  بقتال حتى نزل جبريل بقوله ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا  ﴾ وقلده سيفاً فكان أول قتال قتال أصحاب عبد الله بن جحش ببطن نخل وبعده غزوة بدر.

فإن قيل: كيف يعفون ويصفحون والكفار حينئذ أصحاب قوة وشوكة، والصفح لا يكون إلا عن قدرة؟

قلنا: إن الرجل من المسلمين كان ينال الأذى فيقدر على بعض التشفي والإستعانة بسائر أصحابه، فأمروا أن لا يهيجوا قتالاً وفتنة.

وأيضاً القليل منهم كان يقاوم الكثير من المشركين ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين  ﴾ وأيضاً جعل الصابر إلى القوة قوياً ليظهره على الدين كله.

وقيل: المراد بالعفو والصفح حسن الاستدعاء واستعمال ما يلزم فيهم من النصح والإشفاق وترك التشدد، وعلى هذا لا تكون الآية منسوخة.

وكذا لو قيل: المراد بأمر الله قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ فهو يقدر على الانتقام منهم ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ تنبيه على أنه كما يلزمهم لحظ حال غيرهم بالعفو والصفح، كذلك يلزمهم لحظ أنفسهم بأداء الواجبات من خير من حسنة صلوات أو صدقة فريضة أو تطوع، فعمم بعدما خص تنبيهاً على أن الثواب لا يختص بالواجبات بل بها وبغيرها من الطاعات، ولا بد من إضمار أي تحدوا ثوابه، لأن وجدان عين تلك الأشياء غير مطلوب ﴿ إن الله بما تعملون بصير ﴾ لا يخفى عليه شيء من الأعمال وفيه ترغيب للمحسن وترهيب للمسيء ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة ﴾ نوع آخر من تخليط أهل الكتاب اليهود والنصارى والضمير في ﴿ وقالوا ﴾ لهم والمعنى وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً وقالت النصارى لن يدخلها إلا من كان نصارى، فضم بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق ما قاله لما علم من تكفير كل واحد منهما صاحبه ومثله ﴿ وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا  ﴾ والهود جمعم هائد كبازل وبزل وعائذ وعوذ، والعائذ الحديثة النتاج من النوق، والبازل الذي خرج نابه، ووحد اسم "كان" حملاً على لفظ "من" وجمع خبره حملاً على المعنى ومثله ﴿ فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم  ﴾ ﴿ تلك أمانيهم ﴾ على حذف المضاف أي أمثال تلك الأمنية أمانيهم، يريد أن أمانيهم جميعاً في البطلان مثل هذه وهي قولهم ﴿ لن يدخل الجنة ﴾ أو أشير بتلك إلى أن ودادتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم أمنية، وودادتهم أن يردوهم كفاراً أمنية، وقولهم ﴿ لن يدخل الجنة ﴾ أمنية أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم، وقوله ﴿ قل هاتوا برهانكم ﴾ متصل بقوله ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ و ﴿ تلك أمانيهم ﴾ اعتراض على هذا.

وهات الشيء اسم فعل معناه أعط، ويتصرف فيه بحسب المأمور هات، هاتيا، هاتوا، هاتي، هاتين، وقيل: الصحيح أنه ليس باسم فعل وإنما الهاء فيه مبدلة من الهمزة، وأصله آت من الإيتاء.

برهانكم حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في دعواكم، وفيه دليل واضح على أن المدعي نفياً أو إثباتاً لا بدل له من برهان وإلا فدعواه باطلة.

مـن ادعـى شيئاً بلا شـاهد *** لا بـد أن تبطـل دعــواه ﴿ بلى ﴾ إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة، وقوله ﴿ من أسلم ﴾ إلى آخره جملة شرطية مستأنفة، ويجوز أن يكون ﴿ من أسلم ﴾ فاعلاً لفعل محذوف أي بلى يدخلها من أسلم ويكون قوله ﴿ فله أجره ﴾ كلاماً معطوفاً على يدخلها ﴿ من أسلم ﴾ وفيه إشارة إلى أن لهؤلاء الداخلين برهاناً وهو استسلام النفس وانقيادها لطاعة الله مع الإحسان وفيه ترغيب لهم في الإسلام وبيان لمفارقة حالهم حال من يدخل الجنة كأنه قيل لهم: أنتم على ما أنتم عليه لا تفوزون بالجنة، بلى إن غيرتم طريقتكم وأسلمتم وجهكم لله وأحسنتم فلكم الجنة وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء من حيث إنه معدن الحواس وينبوع الفكر والتخييل، فإذا تواضع الأشرف كان غيره أولى، ولأن الوجه قد يكنى به عن النفس والذات ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ ﴿ إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى  ﴾ ولأن أعظم العبادات السجدة وهي إنما تحصل بالوجه.

وهذا الإسلام أخص من الإسلام الذي ورد في الحديث "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله  وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً" لأن هذا عبارة عن الإذعان الكلي بجميع القوى والجوارح في كل الأحوال والأوقات، وهو الإسلام الذي أمر به إبراهيم  ﴿ إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين  ﴾ ويؤكد ذلك قوله ﴿ لله ﴾ أي خالصاً له لا يشوبه شرك فلا يكون عابداً مع الله غيره ولا معلقاً رجاءه بغيره، وزاد التأكيد بقوله ﴿ وهو محسن ﴾ أي حال كونه محسناً في عمله، ومعنى الإحسان هو الذي في الحديث "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" ولا ريب أن العبادة على هذا الوجه لا تصدر إلا عن صدق النية وصفاء الطوية، فإن مثول العبد بين يدي مولاه يشغله عن الالتفات إلى ما سواه، فلا يقع قصده فيما هو فيه إلا لوجه الله فلا يصدر عنه شيء من السيئات، وأما الطاعات والمباحات فتكون مقتضية لتزايد الحسنات ورفع الدرجات في الخبر "من تطيب لله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة" وذلك أن المتطيب إن كان قصده التنعم واستيفاء اللذات أو التودد إلى النسوان كان المتطيب معصية، وإن كان قصده إقامة السنة ودفع الروائح المؤذية عن عباد الله وتعظيم المسجد فهو عين الطاعة، وكذا الكلام في المناكح والمطاعم والمشارب.

والضابط أن كل ما فعلته لداعي الحق فهو العمل الحق، وكل ما عملته لغير الله فحلالها حساب وحرامها عذاب، روي أن رجلاً في بني إسرائيل مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه: لو كان هذا الرمل طعاماً لقسمته بين الناس.

فأوحى الله  إلى نبيه قل له: إن الله قد صدقك وشكر حسن نيتك وأعطاك ثواب ما لو كان طعاماً فتصدقت به.

وليس النية أن يقول في نفسه أو بلسانه عند تدريسه أو تجارته "نويت أن أدرس لله أو أتجر لله" هيهات أنها لحديث نفس أو لسان وما ذاك إلا كقول الفارغ "نويت أن أعشق" وأما النية فهي انبعاث النفس وميلها إلى سلوك طريق الحق في كل فعل، فاجتهد في تصيير ذلك ملكة لنفسك.

"وللناس فيما يعشقون مذاهب" *** فمنهم من يعمل لباعث الخوف من النار فله ذلك، ومنهم من يعمل لباعث الطمع في الجنة وهم أكثر أهل الجنة لقصور هممهم عن طموح ما فوقها من الكمالات واللذات الحقيقيات أكثر أهل الجنة البله" ومنهم من يعمل لله فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ولما جمع الله  أهل الكتابين في الآية المتقدمة، فصل بينهما وبين قول كل فريق في حق الآخر، والظاهر حمل لفظي اليهود والنصارى على العموم وإن كان السبب خاصاً لأن هذا اعتقاد كل واحد من كل من الطائفتين في حق الأخرى.

روي أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله  أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى والإنجيل.

وقالت النصارى لهم نحوه، وكفروا بموسى والتوراة.

ومعنى ﴿ على شيء ﴾ أي شيء يصح ويعتد به، وفيه مبالغة عظيمة كقول العرب "أقل من لا شيء" عن ابن عباس: والله صدقوا.

قلت: وذلك أن الإيمان بالله إنما يعتد به إذا كان مؤمناً برسوله وبكل ما أنزله ﴿ وهم يتلون الكتاب ﴾ الواو للحال والكتاب للجنس أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب، وحق من حمل التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله أن يؤمن بالباقي ولا يكفر به، لأن جميع الكتب السماوية متواردة في تصديق بعضها بعضاً ﴿ كذلك ﴾ الكاف للتشبيه و ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى المذكور أي قولاً مثل الذي سمعت به ﴿ قال الذين لا يعلمون ﴾ و ﴿ مثل قولهم ﴾ مكرر للتأكيد ولطول الكلام بالموصول والصلة.

والمراد بالذين لا يعلمون الجهلة الذين لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام القائلين إن المسلمين ليسوا على شيء وفيه توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم فقالوا قولاً عن التشهي والعصبية مثلهم ﴿ فالله يحكم بينهم ﴾ أي بين اليهود والنصارى يوم القيامة.

عن الحسن: يكذبهم جميعاً ويدخلهم النار ويجوز أن يرجع الضمير إلى الكافرين الذين يعلمون والذين لا يعلمون وإلى المسلمين، ويحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه، فينتصر من الظالم المكذب للمظلوم المكذب، أو يريهم من يدخل الجنة عياناً ويدخل النار عياناً أعاذنا الله  منها.

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ١١٤ وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ ١١٥ وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ۗ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ بَل لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ كُلٌّۭ لَّهُۥ قَـٰنِتُونَ ١١٦ بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ١١٧ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌۭ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَـٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ ١١٨

القراءات: ﴿ قالوا اتخذ الله ﴾ بلا واو العطف: ابن عامر اتباعاً لمصاحف أهل الشام ﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب كل القرآن: ابن عامر إلا قوله ﴿ كن فيكون الحق ﴾ في آل عمران، و ﴿ كن فيكون قوله الحق ﴾ في الأنعام.

وافقه الكسائي في النحل ويس.

الوقوف: ﴿ خرابها ﴾ (ط) للفصل بين الاستفهام والخبر ﴿ خائفين ﴾ ط لأن ما بعده إخبار وعيد مبتدأ منتظر ﴿ عظيم ﴾ (ه) ﴿ وجه الله ﴾ (ط) ﴿ عليم ﴾ (ه) ﴿ وإذا ﴾ (لا) تعجيلاً للتنزيه {  } (ط) ﴿ والأرض ﴾ (ط) لأن ما بعده مبتدأ ﴿ قانتون ﴾ (ه) ﴿ والأرض ﴾ (ط) لأن إذا أجيبت بالفاء وكانت للشرط ﴿ فيكون ﴾ (ه) ﴿ آية ﴾ (ط) ﴿ قلوبهم ﴾ (ط) لأن قد لتوكيد الاستئناف ﴿ يوقنون ﴾ (ه).

التفسير: عن ابن عباس أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه وألقى فيه الجيف وحاصر أهله وقتلهم وسبى الذرية وأحرق التوراة، ولم يزل خراباً حتى بناه أهل الإسلام في زمان عمر فنزلت الآية فيهم.

وعن الحسن وقتادة والسدي نزلت في بختنصر حيث خرب بيت المقدس وأعانه على ذلك بعض النصارى.

ورد بأن بختنصر كان قبل مولد المسيح بزمان.

وقيل: نزلت في مشركي العرب الذين منعوا رسول الله  عن الدعاء إلى الله بمكة ألجأوه إلى الهجرة، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام.

وقيل: المراد منع المشركين رسول الله  أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية.

ووجه اتصال الآية بما قبلها على القولين الأولين.

هو أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط، فبين أنهم أظلم منهم فكيف يدخلون الجنة؟

وعلى الآخرين هو أنه جرى ذكر مشركي العرب في قوله ﴿ كذلك قال الذين لا يعلمون ﴾ فعقب ذلك بسائر قبائحهم و "من" استفهامية لتقرير النفي أي ليس أحد أظلم ممن منع و ﴿ أن يذكر ﴾ ثاني مفعوليه لأنك تقول: منعته كذا أو بدل من ﴿ مساجد ﴾ أو حذف حرف الجر مع أن والتقدير كراهة أن يذكر فيكون مفعولاً له.

وهذا حكم عام لجنس مساجد الله، وأن مانعها من ذكر الله  مفرط في الظلم، ولا بأس أن يجيء الحكم عاماً وإن كان السبب خاصاً كما تقول لمن آذى صالحاً واحداً من أظلم ممن آذى الصالحين؟

ومثله ﴿ ويل لكل همزة لمزة  ﴾ والمنزول فيه الأخنس بن شريق.

وينبغي أن يراد بمن منع العموم أيضاً لا الذين منعوا من أولئك النصارى أو المشركين بأعيانهم والسعي في خراب المساجد بانقطاع الذكر أو تخريب البنيان قيل: إن قوله ﴿ ومن أظلم ﴾ الذي هو في قوة ليس أحد أظلم ليس على عمومه لأن الشرك أعظم من هذا الفعل ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ وكذا الزنا وقتل النفس قلت: أما استعمال لفظ الظلم في هذا المعنى في غاية الحسن، لأن المسجد موضوع لذكر الله  فيه، فالمانع من ذلك واضع للشيء في غير موضعه.

وأما أنه لا أظلم منه فلأنه إن كان مشركاً فقد جمع مع شركه هذه الخصلة الشنعاء فلا أظلم منه، وإن كان يدعي الإسلام ففعله مناقض لقوله، لأن من اعتقد أن لو معبوداً عرف وجوب عبادته له عقلاً أو شرعاً، والعبادة تستدعي متعبداً لا محالة.

فتخريب المتعبد ينبئ عن إنكار العبادة وإنكار العبادة يستلزم إنكار المعبود، فهذا الشخص لا يكون في الحقيقة مسلماً وإنما هو منخرط في سلك أهل النفاق، والمنافق كافر أسوأ حالاً من الكافر الأصلي بالاتفاق ﴿ أولئك ﴾ المانعون ﴿ ما كان لهم ﴾ أي ما ينبغي لهم ﴿ أن يدخلوها ﴾ في حال من الأحوال ﴿ إلا خائفين ﴾ على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها.

والمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم.

وقيل: هذه بشارة للمؤمنين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخلوا المسجد الحرام إلا خائفين من أن يعاقبوا أو يقتلوا إن لم يسلموا.

وقد أنجز الله هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام ونادى فيهم عام حج أبو بكر: ألا لا يحجن بعد العام مشرك.

وأمر النبي  بإخراج اليهود من جزيرة العرب، وصار بيت المقدس في أيدي المسلمين.

وقيل: يحرم عليهم دخول المسجد إلا في أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمحاكمة أو المخاصمة أو المحاجة.

وقيل: اللفظ خبر ولكن معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه كقوله ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله  ﴾ فمن هنا قال مالك: لا يجوز للكافر دخول المساجد.

وخصص الشافعي المنع بالمسجد الحرام لجلالة قدره ومزيد شرفه، للتصريح بذلك في قوله ﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا  ﴾ .

وجوز أبو حنيفة دخول المساجد كلها لما روي أنه  قدم عليه وفد ثقيف فأنزلهم المسجد.

وأجيب بأنه في أول الإسلام ثم نسخ بالآية ﴿ خزي ﴾ ذل يمنعهم من المساجد أو بالجزية في حق أهل الذمة وبالسبي والقتل في حق أهل الحرب، وفيه ردع لهم عن ثباتهم على الكفر.

وقيل: الخزي فتح مدائنهم قسطنطينية وعمورية ورومية، والعذاب العظيم يناسب الظلم العظيم ولنذكر هنا فوائد: (الأولى) في بيان فضل المساجد ومن ذاك إضافتها إلى الله في الآية وذلك دليل على شرفها وكذا في قوله ﴿ وأن المساجد لله  ﴾ بلام الاختصاص ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر  ﴾ ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه  ﴾ وقال  "أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها" وليس ذلك إلا لأن المسجد يذكر الحبيب، والسوق يشغل عنه، وفي الآية نكتة وهي أن مخرب المساجد لما كان في نهاية الظلم والكفر يلزم أن يكون عامر المساجد في غاية العدل والإيمان.

(الثانية) في فضل المشي إلى المساجد عن أبي هريرة أنه  قال "من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فيه فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة" وقال  لبني سلمة حين أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد "دياركم تكتب آثاركم" (الثالثة) في تزيين المساجد.

عن ابن عباس أن النبي  قال: "ما أمرت بتشييد المساجد" قال ابن عباس: بزخرفتها كما زخرفت اليهود والنصارى.

التشييد رفع البناء وتطويله، والزخرفة التزيين والتمويه.

وأمر عمر ببناء مسجد فقال: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس.

(الرابعة) في تحية المسجد.

عن أبي قتادة أنه  قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" وتؤدى التحية بالفرض أو النفل نواها أولا وهذا مذهب الحسن البصري ومكحول والشافعي وأحمد وإسحق.

وقيل: يجلس ولا يصلي وإليه ذهب ابن سيرين وعطاء بن أبي رباح والنخعي وقتادة ومالك والثوري وأصحاب الرأي.

(الخامسة) في الدعاء عند الدخول في المسجد والخروج منه.

روت فاطمة بنت رسول الله  عن أبيها قالت: كان رسول الله  إذا دخل المسجد صلى على محمد  وقال: " رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي ابواب رحمتك وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك " .

(السادسة) في فضيلة القعود فيه لانتظار الصلاة عن أبي هريرة أنه  قال: "الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه فتقول: اللهم اغفر له وارحمه ما لم يحدث" (السابعة) في كراهية البيع والشراء فيه، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي  نهى عن تناشد الأشعار في المساجد وعن البيع والشراء فيها، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة يعني لمذاكرة العلم ونحوه، بل يشتغل بالذكر والصلاة والإنصات للخطبة ثم لا بأس بالاجتماع والتحلق بعد الصلاة، وأما طلب الضالة في المسجد ورفع الصوت بغير الذكر فمكروه أيضاً.

عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله  يقول: "من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن لهذا" وقد كره بعض السلف المسالة في المسجد، وكان بعضهم لا يرى أن يتصدق على السائل المتعرض في المسجد، وقال معاذ بن جبل: إن المساجد طهرت من خمس: من أن تقام فيها الحدود، أو يقبض فيها الخراج، أو ينطق فيها بالأشعار، أو ينشد فيها الضالة، أو تتخذ سوقاً.

ولم ير بعضهم بالقضاء في المسجد بأساً لأن النبي  لاعن بين العجلاني وامرأته في المسجد، ولاعن عمر عند منبر النبي  ، وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد، وكان الحسن وزرارة بن أبي أوفى يقضيان في الرحبة خارجاً من المسجد.

(الثامنة) النوم في المسجد.

عن عبادة بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى.

وفيه دليل على جواز الاتكاء والاضطجاع وأنواع الاستراحة في المسجد وجوازها في البيت إلا الانبطاح، فإنه  نهى عنه وقال: "إنها ضجعة يبغضها الله" (التاسعة) في كراهة البزاق في المسجد.

عن أنس عن النبي  قال: "البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها" وعنه  "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنه يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً ولكن ليبصق عن شماله أو تحت رجله فيدفنه" (العاشرة) عن جابر أنه  قال: "من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا" وعنه  "من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس" (الحادية عشرة) في بناء المساجد في الدور عن عائشة قالت: أمر رسول الله  ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب.

وفيه دليل أن مجرد تسمية الموضع بالمسجد لا يخرجه عن ملكه ما لم يسبله.

قوله عز من قائل ﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ الآية، الأكثرون على أنها نزلت في أمر يختص بالصلاة، ومنهم من زعم أنها نزلت في أمر لا يختص بالصلاة أما الفرقة الأولى فاختلفوا على وجوه: أحدها: أراد به تحويل المسلمين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة فقال: إن المشرق والمغرب وجميع الأطراف مملوكة له  ومخلوقة له، فأينما أمركم باستقباله فهو القبلة لأن القبلة ليست قبلة لذاتها بل بجعل الله  ، فكانت الآية مقدمة لما أراد من نسخ القبلة، وثانيها عن ابن عباس: لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت رداً عليهم.

وثالثها قول أبي مسلم: إن كلاً من اليهود والنصارى زعمت أن الجنة لهم وحدهم فرد الله عليهم، وذلك أن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لاعتقادهم أنه  صعد السماء من الصخرة، والنصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى ولد هناك ﴿ إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً  ﴾ فكل منهما وصف معبوده بالحلول في الأماكن، ومن كان هكذا فهو مخلوق لا خالق فكيف تخلص لهم الجنة وهم لا يفرقون بين المخلوق والخالق؟

ورابعها: قول قتادة وابن زيد: إن الله  نسخ بيت المقدس بالتخيير إلى أي جهة شاءوا بهذه الآية، وكان للمسلمين ذلك إلا أن النبي  كان يختار التوجه إلى بيت المقدس، ثم إنه  نسخ ذلك التخيير بتعيين الكعبة.

وخامسها أن الآية في حق من يشاهد الكعبة فله الاستقبال من أي جهة شاء.

وسادسها: روى عبد الله بن عامر بن ربيعة: كنا مع رسول الله  في غزاة في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة، فجعل كل رجل منا مسجده حجارة موضوعة بين يديه ثم صلينا، فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله  فأنزل الله هذه الآية عذراً لنا في خطئنا.

وهذا الحديث يدل على أنهم حينئذ قد نقلوا إلى الكعبة، لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ القبلة.

وسابعها: عن ابن عمر نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث توجهت به راحلته، وكان  إذا رجع من مكة صلى على راحلته تطوعاً يومئ برأسه نحو المدينة.

فمعنى الآية أينما تولوا وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم فثم وجه الله، أي فقد صادفتم رضاه إن الله واسع الفضل عليم بمصالحكم فمن ثم رخص لكم كيلا يلزم ترك النوافل والتخلف عن الرفقة، فإن النوافل غير محصورة بخلاف الفرائض فإنها محصورة.

فتكليف النزول عن الراحلة لاستقبال القبلة لا يفضي فيها إلى الحرج، ولا يخفى أن الآية على الوجه الأول ناسخة، وعلى الوجه الرابع منسوخة، وعلى سائر الوجوه لا ناسخة ولا منسوخة.

وأما الفرقة الثانية فاختلفوا أيضاً فقيل: الخطاب في ﴿ تولوا ﴾ للمانعين والساعين يريد أنهم أين هربوا فإن سلطاني يلحقهم وتدبيري يسبقهم وعلمي محيط بمكانهم.

عن قتادة أن النبي  قال: "إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه فقالوا نصلي على رجل ليس بمسلم فنزلت ﴿ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ﴾ " [آل عمران: 199] الآية.

فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة فنزلت هذه الآية أي الجهات التي يصلي إليها أهل كل ملة لي.

فمن وجه وجهه نحو شيء منها يريد طاعتي وجد ثوابي، فكان في هذا عذر للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على استقبال المشرق كقوله ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ وعن الحسن ومجاهد والضحاك: لما نزلت ﴿ ادعوني أستجب لكم  ﴾ قالوا: أين ندعوه؟

فنزلت، وعن علي بن عيسى أنه خطاب للمسلمين أي لا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله عن ذكره حيث كنتم من أرضه فللَّه بلاد المشرق والمغرب والجهات كلها، ففي أي مكان فعلتم التولية التي أمرتم بها بدليل ﴿ فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام  ﴾ ﴿ فولوا وجوهكم شطره  ﴾ فثم الجهة المأمورة المرضية وهذا كقوله  "جعلت لي الأرض مسجداً" وقيل: نزلت في المجتهدين في الصلاة أو في غيرها، وفيه أن المجتهد إذا رأى بشرائط الاجتهاد رأياً فهو مصيب.

ومعنى تولوا في جميع الوجوه تقبلوا بوجوهكم إليها.

ويقال: ولى هارباً أي أدبر، فالتولية من الأضداد، ومن جعل الخطاب للمانعين احتمل أن يريد بالتولية الإدبار و ﴿ ثم ﴾ إشارة إلى المكان خاصة.

وقد زعمت المجسمة من الآية أن لله  وجهاً وأيضاً سماه واسعاً، والسعة من نعوت الأجسام.

والجواب أن الآية عليه لا له، فإن الوجه لو حمل على مفهومه اللغوي لزم خلاف المعقول فإنه إن كان محاذياً للشرقي استحال أن يكون حينئذ محاذياً للغربي، فلا بد من تأويل هو: أن الإضافة للتشريف مثل "بيت الله" "وناقة الله" لأنه خلقهما وأوجدهما فأي وجه من وجوه العالم وجهاته المضافة إليه بالخلق والتكوين نصبه وعينه فهو قبلة والمراد بالوجه القصد والنية مثل ﴿ وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض  ﴾ أو المراد فثم مرضاة الله مثل ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله  ﴾ فإن المتقرب إلى رضا أحد شيئاً فشيئاً كالمتوجه إلى شخص ذاهباً إليه شيئاً فشيئاً.

و كيف يكون له وجه أو وجهة، أم كيف يكون جسماً أو جسمانياً وأنه خالق الأمكنة والأحياز والجواهر والأعراض والخالق مقدم على المخلوق تقدماً بالذات والعلية والشرف؟

فالمراد بالسعة كمال الاستيلاء والقدرة والملك وكثرة العطاء والرحمة والإنعام، وأنه  قادر على الإطلاق وفي توفية ثواب من يقوم بالمأمورات على شرطها، وتوفية عقاب من يتكاسل فيها، عليم بمواقع نياتهم فيجازيهم على حسب أعمالهم.

قوله ﴿ وقالوا اتخذ الله ولداً ﴾ نوع آخر من قبائح أفعال اليهود والنصارى والمشركين جميعاً فقد مر ذكرهم في قوله ﴿ كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ﴾ وفي قوله ﴿ ومن أظلم ﴾ كما مر.

والضمير يصلح للعود إليهم، فاليهود قالوا عزير ابن الله، والنصارى قالوا المسيح ابن الله، والمشركون من العرب قالوا الملائكة بنات الله {  } تنزيه له عن ذلك وتبعيد ﴿ بل له ما في السموات والأرض ﴾ ملكاً وخلقاً وإبداعاً وصنعاً، ومن جملتهم الملائكة وعزير والمسيح.

والولد لا بد أن يكون من جنس الوالد، ومن أين المناسبة بين واجب الوجود لذاته وممكن الوجود لذاته؟

اللهم إلا في مطلق الوجود، وذلك لا يقتضي شركة في الحقيقة الخاصة بكل منهما.

وقد يتخذ الولد للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته وذلك على الغني المطلق والقيوم الحق محال ﴿ كل له قانتون ﴾ التنوين عوض عن محذوف أي كل ما في السموات والأرض والقنوت في الأصل الدوام ثم الطاعة، أو طول القيام أو السكوت فالمعنى أن دوام الممكنات واستمرارها جميعاً به ولأجله وقيل: عن مجاهد وابن عباس مطيعون فسئل ما للكفار، فأجاب: أنهم يطيعون يوم القيامة فسئل هذا للمكلفين.

وقوله ﴿ بل له ما في السموات ﴾ يعم المكلف وغيره، فعدل إلى تفسير آخر قائلاً المراد كونها شاهدة على وجود الخالق بما فيها من آثار القدرة وأمارات الحدوث، أو كون جميعها في ملكه وتحت قهره لا يمتنع عن تصرفه فيها كيف يشاء.

وعلى هذه الوجوه جمع السلامة في ﴿ قانتون ﴾ للتغليب، أو يراد كل من الملائكة وعزير والمسيح عابدون له مقرون بربوبيته منكرون لما أضافوا إليهم من الولدية، وعلى هذا الوجه يجمع على الأصل.

يحكى أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال لبعض النصارى: لولا تمرد عيسى عن عبادة الله تعالى لصرت على دينه.

فقال النصراني: كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى عيسى مع جده في طاعة الله؟

فقال علي: إن كان عيسى إلهاً فالإله كيف يعبد غيره؟

وإنما العبد هو الذي يليق به العبادة فانقطع النصراني وبهت ﴿ بديع ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو بديع ﴿ السموات والأرض ﴾ عم أولاً لأن الملكية والاختصاص لا يستلزم كون المالك موجداً للمملوك، ثم خص ثانياً فقال بديع: بدع الشيء بالضم فهو بديع، وأبدعته اخترعته لأعلى مثال، وهذا من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها أي بديع سمواته وأرضه.

وقيل: بمعنى المبدع كأليم بمعنى مؤلم وضعف، ثم إنه  بين كيفية إبداعه فقال: ﴿ وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ﴾ أصل التركيب من "ق ض ى" يدل على القطع.

قضى القاضي بهذا إذا فصل الدعوى، وانقضى الشيء انقطع، وقضى حاجته قطعها عن المحتاج، وقضى الأمر إذا أتمه وأحكمه، لأن إتمام العمل قطع له، وقضى دينه أداه لأنه انقطع كل منهما عن صاحبه وضاق الشيء لأنه كأنه مقطوع الأطراف، والأمر الشأن، والفعل ههنا، ومعنى قضى أمراً أتمه أو حكم بأنه يفعله أو أحكمه قال: وعليهمــا مسـرودتـان قضـاهمـا *** داود أو صنـع السـوابـغ تبـع ثم من قرأ ﴿ فيكون ﴾ بالرفع على تقدير فهو يكون فلا إشكال، وأما من قرأ بالنصب على أنه جواب الأمر فأورد عليه أن جواب الأمر لا بد أن يخالف الأمر في الفعل أو في الفاعل أو فيهما نحو: اذهب تنتفع، أو اذهب يذهب زيد، أو اذهب ينفعك زيد، فإما أن يتفق الفعلان والفاعلان نحو: اذهب تذهب فغير جائز لأن الشيء لا يكون شرطاً لنفسه.

قلت: لا استبعاد في هذا، لأن الغرض الذي رتب على الأمر قد يكون شيئاً مغايراً لفعل الأمر وذلك أكثري، وقد لا يكون الغرض إلا مجرد ذلك الفعل فيوقع في جواب نفسه ليعلم أن الغرض منه ليس شيئاً آخر مغايراً له.

فقول القائل "اذهب تذهب أو فتذهب" معناه إعلام أن الغرض من الأمر هو نفس صدور الذهاب عنه لا شيء آخر، كما أن المقصود في الآية من الأمر بالوجود هو نفس الوجود، فأوقع "كان" التامة جواباً لمثلها لهذا الغرض، على أنه يمكن أن يشبه الواقع بعد الأمر بجواب الأمر وإن لم يكن جواباً له من حيث المعنى.

فإن قلت: إن قوله ﴿ فيكون ﴾ لما كان من تتمة المقول.

فالصواب أن يكون بتاء الخطاب نحو "اذهب فتذهب" قلت: هذا الحادث قد ذكر مرتين بلفظ الغيبة في قوله ﴿ أمراً ﴾ وفي قوله ﴿ له ﴾ ومرة على سبيل الخطاب فغلب جانب الغيبة، ويحتمل أن يكون من باب الالتفات تحقيراً لشأنه في سهولة تكونه، ولأن أول الكلام مع المكلفين فروعي ذلك.

وههنا بحث آخر وهو أنه لا يجوز أن يتوقف إيجاد الله  لشيء على صدور لفظة "كن" منه لوجوه: الأول أن قوله ﴿ كن ﴾ إما أن يكون قديماً أو محدثاً لا جائز أن يكون قديماً، لأن النون لكونه مسبوقاً بالكاف يكون محدثاً لا محالة، والكاف لكونه متقدماً على المحدث بزمان مقدر يكون محدثاً أيضاً، ولأن "إذا" للاستقبال فالقضاء محدث، وقوله "كن" مرتب عليه بفاء التعقيب، والمتأخر عن المحدث محدث، ولأن تكون المخلوق مرتب على قوله "كن" بالفاء والمتقدم على المحدث بزمان محصور محدث أيضاً، ولا جائز أن يكون "كن" محدثاً وإلا احتاج إلى مثله ويلزم إما الدور وإما التسلسل وإذا بطل القسمان بطل توقف الأشياء على "كن" (الثاني) إما أن يخاطب المخلوق بـ "كن" قبل دخوله في الوجود وخطاب المعدوم سفه، وإما بعد دخوله في الوجود لا فائدة فيه.

(الثالث) المخلوق قد يكون جماداً وتكليف الجماد لا يليق بالحكمة.

(الرابع) إذا فرضنا القادر المريد منفكاً عن قوله ﴿ كن ﴾ فإن تمكن من الإيجاد فلا حاجة إلى ﴿ كن ﴾ ، وإن لم يتمكن فلا يكون القادر قادراً على الفعل إلا عند تكلمه بـ ﴿ كن ﴾ فيلزم عجز القادر بالنظر إلى ذاته، أو يرجع الحاصل إلى تسمية القدرة بـ ﴿ كن ﴾ ولا نزاع في اللفظ.

(الخامس) أنا نعلم بالضرورة أنه لا تأثير لهذه الكلمة إذا تكلمنا بها وكذا إذا تكلم بها غيرنا.

(السادس) المؤثر إما مجموع الكاف والنون ولا وجود لهما مجموعين، فعند مجيء الثاني ينقضي الأول، وإما أحدهما وهذا خلاف المفروض فثبت بهذه الوجوه أن حمل الآية على الظاهر غير جائز فلا بد من تأويل، وأصحه أن يقال: المراد أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، فشبه حال هذا المتكون بحال المأمور المطيع الذي يؤمر فيتمثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يأبى، وفيه تأكيد لاستبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت حاله مباينة لأحوال الأجسام في توالدها وقيل: إنه علامة وضعها الله  للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً، عن أبي الهزيل.

وقيل إنه خاص بالموجودين الذين قال لهم كونوا قردة ومن يجري مجراهم من الأمم.

وقيل: أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة ﴿ وقال الذين لا يعلمون ﴾ يعني الجهلة من المشركين.

وقيل: من أهل الكتاب أيضاً.

ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به.

فالآية الأولى فيها بيان قدحهم في التوحيد، وهذه الآية فيها بيان قدحهم في النبوة.

ولولا حرف تحضيض أي هلا يكلمنا وتقرير الشبهة أن الحكيم إذا أراد تحصيل شيء اختار أقرب الطربق المؤدية إلى المطلوب، ثم إنه  كلم الملائكة وكلم موسى وأنت تقول يا محمد إنه كلمك ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ فلم لا يكلمنا مشافهة ولا ينص على نبوتك حتى يتأكد الاعتقاد وتزول الشبهة؟

فإن لم يفعل ذلك فلم لا تأتي بآية ومعجزة؟

وهذا طعن منهم في كون القرآن آية ومعجزة فأجابهم الله  بقوله ﴿ كذلك قال الذين من قبلهم ﴾ من مكذبي الرسل ﴿ تشابهت قلوبهم ﴾ أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى كقوله ﴿ أتواصوا به  ﴾ فكما أن قوم موسى كانوا أبداً في التعنت واقتراح الأباطيل ﴿ لن نصبر على طعام واحد  ﴾ ﴿ أرنا الله جهرة ﴾ } [النساء: 153] ﴿ اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة  ﴾ فكذلك هؤلاء المشركون ﴿ قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا  ﴾ وكذلك المعاصرون من اليهود والنصارى ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء  ﴾ ﴿ قد بينا الآيات لقوم ﴾ يفقهون فـ ﴿ يوقنون ﴾ أنها آيات.

فلو كان غرضهم طلب الحق لوقع الاكتفاء بها لكونها آيات ظاهرة هي القرآن العظيم الذي أخرس شقاشق الفصحاء عن آخرهم، ومعجزات باهرة كمجيء الشجرة وحنين الجذع وتسبيح الحصى وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، وأيضاً لو كان في معلوم الله  أنهم يؤمنون عند إنزال ما اقترحوه لفعلها، لكنه علم لجاجهم وعنادهم فلا جرم لم يفعل ذلك وأيضاً، لعل في تلك الآيات مفاسد لا يعلمها إلا علام الغيوب كإفضائها إلى حد الإلجاء المخل بالتكليف، وكإيجابها استئصاهم بالكلية إذا استمروا على التكذيب، وكخروجها عن القدر الصالح لإلزام الحجة، وأيضاً كثرة الآيات وتعاقبها ينافي كونها خوارق لعادة فلا تبقى آيات، وكل ما أدى وجوده إلى عدمه ففرض وجوده محال، فثبت بهذه البيانات أن عدم إسعافهم بما اقترحوه لا يقدح في صحة النبوة والله أعلم.

التأويل: مساجد الله التي يذكر فيها أساميها عند أهل النظر، النفس والقلب والروح، والسر والخفي - وهو سر السر - وذكر كل مسجد منها مناسب لذلك المسجد.

فذكر مسجد النفس الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات وملازمة السيئات، وذكر مسجد القلب التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه بالتمسك بالشبهات والتعلق بالشهوات، كما أوحى الله إلى داود  : يا داود حذر وأنذر أصحابك كل الشهوات فإن القلوب المعلقة بالشهوات عقولها عني محجوبة.

وذكر مسجد الروح الشوق والمحبة ومنع الذكر فيه بالحظوظ والمسكنات، وذكر مسجد السر المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه بالركون إلى الكرامات والقربات، وذكر مسجد الخفي بذل الوجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى المشاهدات والمكاشفات ﴿ أولئك ما كان لهم ﴾ أن يدخلوا هذه المشاهد بقدم السلوك إلا بخطوات الخوف من سوء الحساب وألم العقاب ﴿ لهم في الدنيا خزي ﴾ من ذل الحجاب ﴿ ولهم في الآخرة عذاب ﴾ الحرمان من جوار الله.

﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ القلوب مشارق شموس المعارف ومغاربها، والله في مشرق كل قلب ومغربه شارق وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق بظلمات المنى عند غلبات الهوى وغروب نجم الهدى، وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنوار الفتوح عند غلبات الشوق وطلوع قمر الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات لائحة، فإذا تحلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى سلطان الحقيقة على ممالك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود، فما بقيت الأرض ولا السماء ولا الظلمة ولا الضياء، إذ ليس عند الله صباح ولا مساء.

وتلاشي العبدية في كعبة العندية، وتودوا بفناء الفناء من عالم البقاء، رفعت القبلة وما بقي إلا الله ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ ﴿ إن الله واسع ﴾ يوسع قلب من يشاء من عباده ليسعه ﴿ عليم ﴾ بتوسيع القلب لسعته بلا كيف وحيف كما قال لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا ۖ وَلَا تُسْـَٔلُ عَنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ ١١٩ وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍ ١٢٠ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ١٢١ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٢٢ وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَـٰعَةٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ١٢٣

القراءات: ﴿ ولا تسئل ﴾ على النهي: نافع ويعقوب.

الباقون بضم التاء ورفع اللام على الخبر.

الوقوف: ﴿ ونذيراً ﴾ (لا) للعطف أي نذيراً وغير مسؤول إلا لمن قرأ ﴿ ولا تسئل ﴾ على النهي لاختلاف الجملتين ﴿ الجحيم ﴾ (ه) ﴿ ملتهم ﴾ (ط) ﴿ الهدى ﴾ (ط) ﴿ من العلم ﴾ (لا) لأن نفي الولاية والنصرة يتعلق بشرط اتباع أهوائهم فكان في الإطلاق حظر ﴿ نصير ﴾ (ه) ﴿ تلاوته ﴾ (ط) لأن ما بعدها مبتدأ آخر مع خبره.

وعندي أن الأصوب عدم الوقف لتكون الجملة أعني يتلونه حالاً من مفعول آتينا أو من فاعله مقدرة وقوله ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ الجملة خبر "الذين" لأن الإخبار عن أهل الكتاب مطلقاً بأنهم يتلونه حق تلاوته لا يصح، اللهم إلا أن يحمل الكتاب على القرآن كما يجيء ﴿ يؤمنون به ﴾ (ط) للابتداء بالشرط ﴿ الخاسرون ﴾ (ه) ﴿ العالمين ﴾ (ه) ﴿ ينصرون ﴾ (ه).

التفسير: لما بين غاية إصرارهم على العناد وتصميمهم على الكفر بعد نزول ما يكفي في باب الاقتداء والاهتداء من الآيات البينات، أراد أن يسلي ويسري عن رسوله لئلا يضيق صدره فقال إنا أرسلناك يا محمد بالحق.

والصواب حسب ما تقتضيه الحكمة وهو أن لا يكون لك أن تجبرهم على الإيمان بل لا يتجاوز حالك عن أن تكون بشيراً لمن اتبعك بكل خبر ونذيراً لمن خالفك بكل سوء ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  ﴾ فإنك غير مسؤول عن أصحاب الجحيم وهو من أسماء النار، وكل نار عظيمة في مهواة فهي جحيم من قوله  ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم  ﴾ والجاحم المكان الشديد الحر، وهذا كقوله ﴿ فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب  ﴾ وأما قراءة النهي فيروى أنه قال: ليت شعري ما فعل أبواي فنهي عن السؤال عن أحوال الكفرة والاهتمام بأعداء الله.

وفي هذه الرواية بُعْدٌ، لأن سياق الكلام ينبو عن ذلك، ولأنه  مع علمه الإجمالي بحال الكفار، كيف يتمنى ذلك؟

والأقرب أن معناه تعظيم ما وقع فيه الكفار من المحن كما إذا سألت عمن وقع في بلية فيقال لك لا تسأل عنه، فكان المسؤول يحرج أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته، أو يرى أنك لا تقدر على استماع خبره لأنه يورث الوحشة والضجر.

وقوله ﴿ ولن ترضى ﴾ فيه إقناط لرسول الله  عن إسلامهم وأن القوم قد بلغوا من التصميم على ما هم فيه إلى حد لا يقنعون بالكفاف ولا يرضون رأساً برأس، بل يريدون منك عكس ما تطمع منهم زاعمين أن ملتهم التي حان نسخها هي الهدى ﴿ قل إن هدى الله ﴾ الذي هو الإسلام ﴿ هو الهدى ﴾ الحق ليس وراءه هدى لأنه ناسخ للأديان كلها ﴿ ولو اتبعت أهواءهم ﴾ مشتهياتهم وآراءهم الباطلة المنسوخة ﴿ بعد الذي جاءك من العلم ﴾ بأمر الديانة لوضوح البراهين وسطوع الدلائل ﴿ ما لك من الله ﴾ من عقابه وسخطه ﴿ من ولي ﴾ معين يعصمك ﴿ ولا نصير ﴾ يذب عنك.

قال أهل البرهان إنما لم يقل في هذه الآية ﴿ بعدما جاءك من العلم ﴾ كما قال في آية القبلة على ما يجيء، لأن العلم في الآية الأولى علم كامل ليس وراءه علم وهو العلم بالله وبصفاته وأن الهدى هدى الله، فكأن لفظ "الذي" أليق لأنه في التعريف أبلغ، فإن "الذي" يعرفه صلته ولا يتنكر قط، ويلزمه الألف واللام.

بخلاف ما فإنه نكرة ولا يدخله الألف واللام وخصت آية القبلة "بما" و "من" التي لابتداء الغاية، لأن المراد هناك قليل من كثير العلم وهو العلم بالقبلة وليس الأول موقتاً بوقت أعني العلم بالله وبصفاته - فلم يحتج إلى زيادة من التوقيتية، وقريب من معنى القبلة ما في آل عمران ﴿ من بعدما جاءك من العلم  ﴾ فلهذا جاء بلفظ "ما" وزاد لفظة "من" وأما في سورة الرعد فإنه ﴿ ولئِن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم  ﴾ لأن العلم فيها هو الحكم العربي أي القرآن، فكأن بعضاً من الأول وهو العلم بالله وبصفاته فجاء لفظ "ما" ولم يزد لفظ "من" التوقيتية لأنه غير موقت والله أعلم بأسرار كلامه.

وفي الآية دليل على بطلان التقليد فيما إلى تحقيقه سبيل حتى لا يكون اتباع الهوى، وفيها أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة على العلم بالمأمور به لقوله ﴿ بعدما جاءك من العلم ﴾ فلأن لا يجوز التوعد إلا بعد القدرة على المأمور به كان أولى، فبطل القول بتكليف ما لا يطاق.

وفيها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله ونظيره وقوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ وإنما يحسن هذا الوعيد لاحتمال أن الصارف له عن ذلك الفعل هو هذا الوعيد أو هو أحد صوارفه، ولأن فيه زجراً شديداً لأمته لأنهم إذا علموا مآل حال النبي  لو فرض منه اتباع أهوائهم مع ما ورد في حقه ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  ﴾ ولم يبق لهم طمع في الخلاص لو وجد منهم ذلك ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ قيل: إنهم المؤمنون الذين آتاهم القرآن، لأن الكتاب الذي يمدح على تلاوته هو القرآن.

والأصح أنه لما قدم ذكر المعاندين من أهل الكتاب أراد أن يذكر مؤمنيهم.

ومعنى يتلونه حق تلاوته لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله  ، أو يتبعون مقتضاه من غير تكاسل ومنع متمسكين بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما، أو يخضعون عند تلاوته ويخشعون، أو يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه، أولئك يؤمنون بكتابهم دون من ليس على حالهم ممن لا يتلو الكتاب حق تلاوته كما يستحق أن يتلى ﴿ ومن يكفر به ﴾ من المحرفين أو من الواضعين من حقه ﴿ فأولئك هم الخاسرون ﴾ حيث لم ينتفعوا بما يحق أن ينتفع به ويغتنم وروده فرجعوا منه بخفي حنين وفازوا بكل حين.

﴿ يا بني إسرائيل ﴾ الآيتان رجوع إلى أول القصة تذكيراً للنعم بعد تعداد مواجب النقم ليتنبه منهم من وفق للتنبه والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَـٰتٍۢ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًۭا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٢٤ وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةًۭ لِّلنَّاسِ وَأَمْنًۭا وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـۧمَ مُصَلًّۭى ۖ وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَـٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ١٢٥ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًۭا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًۭا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ١٢٦

القراءات: ﴿ إبراهام ﴾ بالألف في البقرة والنساء إلا ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم ﴾ وفي الأنعام ﴿ ملة إبراهام ﴾ وفي جميع براءة إلا ﴿ وقوم إبراهيم ﴾ وفي إبراهيم ﴿ وإذ قال إبراهام ﴾ وفي النحل ومريم والعنكبوت ﴿ ولما جاءت رسلنا إبراهام ﴾ خاصة وفي "حم عَسَقَ" وجميع المفصل وإلا قوله في المودة ﴿ إلا قول إبراهيم ﴾ وفي الأعلى ﴿ صحف إبراهيم ﴾ هشام وابن ذكوان وروى ابن مجاهد في هذه السورة فقط.

(واعلم) أن ذكر إبراهيم في القرآن تسعة وستون موضعاً منها ثلاثة وثلاثون "إبراهام" بالألف في قراءة ابن عامر عن ابن ذكوان، وستة وثلاثون "إبراهيم" بالياء، والعلة في ذلك اتباع مصحفهم.

فما كتب بالألف قرئ بالألف، وما كتب بالياء قرئ بالياء، والاختيار عند الأئمة أن يقرأ ههنا بالألف لبيان المذهب والبواقي بالياء، لأنه أحسن في اللفظ وأشهر، ويوافقه سائر الأسماء الأعجمية كإسرائيل وإسرافيل وإسماعيل ﴿ عهدي ﴾ مرسلة الياء: حمزة وحفص ﴿ وإذ جعلنا ﴾ وبابه مدغمة الذال في الجيم: أبو عمرو وهشام ﴿ بيتي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع.

وحفص وهشام ﴿ واتخذوا ﴾ بفتح الخاء: نافع وابن عامر الباقون بالكسر ﴿ فأمتعه ﴾ خفيفاً ابن عامر.

الباقون بالتشديد.

الوقوف: ﴿ فأتمهن ﴾ (ط) ﴿ إماماً ﴾ (ط) ﴿ ذريتي ﴾ (ط) ﴿ الظالمين ﴾ (ه) ﴿ وأمنا ﴾ (ط) لمن قرأ ﴿ واتخذوا ﴾ بالكسر لاعتراض الأمر بين ماضيين ﴿ مصلى ﴾ (ط) كذلك ومن فتح الخاء نسق الأفعال الثلاثة فلا وقف ﴿ السجود ﴾ (ه) ﴿ واليوم الآخر ﴾ (ط) ﴿ عذاب النار ﴾ (ط) لأن "نعم" و "بئس" للمبالغة في المدح والذم فيبتدئ بهما تنبيهاً على المدح والذم ﴿ المصير ﴾ (ه).

التفسير: إنه  لما استقصى في شرح نعمه على بني إسرائيل والمشركين ومقابلتهم النعمة بالكفران والعناد، شرع في نوع آخر من البيان وهو ذكر قصة إبراهيم  لأن كلهم معترفون بفضله وأنهم من أولاده ومن ساكني حرمه وخدام بيته، وفي قصته أمور توجب الاعتراف بدين محمد  والانقياد لشرعه منها: أنه أمر ببعض التكاليف ثم وفى بها فنال منصب الاقتداء به، فيعلم أن الخيرات كلها لا تحصل إلا بترك التمرد والانقياد لحكم الله والتزام تكاليفه، ومنها أنه طلب الإمامة لذريته فقيل له ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ فيعرف أن طالب الحق يجب أن يترك التعصب والمراء ووضع ما رفعه الله لينال رياسة الدارين، ومنها أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فأريد إزالة غيظهم بأن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي اعترفوا بتعظيمه والاقتداء به، ومنها أنه دعا بإرسال نبي من ذريته وهو محمد  كما يجيء فيجب على من يعترف بإبراهيم أن يعترف بمحمد  .

أما قوله ﴿ وإذ ابتلى ﴾ العامل في "إذ" إما مضمر نحو "واذكر" وتكون بمعنى الوقت فقط، أو وإذ ابتلى كان كيت وكيت، وإما ﴿ قال إني جاعلك للناس إماماً ﴾ وعلى هذين التقديرين تكون ظرفاً لكان أو قال.

وموقع "قال" على الأولين استئناف كأنه قيل: فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات؟

فأجيب ﴿ قال إني جاعلك ﴾ وعلى الثاني جملة معطوفة على ما قبلها من الآيات ولا يخفى أن الاستئناف أصوب ليناسب سياق الجملتين الآتيتين لورودهما أيضاً على طريقة السؤال المقدر والجواب، وليكون على منهاج ﴿ وإذا جعلنا ﴾ ﴿ وإذا قال إبراهيم ﴾ ﴿ وإذ يرفع  ﴾ والابتلاء الاختبار والامتحان، عبر تكليفه إياه بالبلوى تشبيهاً لأمره بأمر المخلوقين وبناء على العرف بيننا، فإن كثيراً منا قد يأمر ليعرف ما يكون من المأمور حينئذ وإلا فكيف يجوز حقيقة الابتلاء عليه  مع أنه عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد وقيل: مجاز عن تمكينه العبد من اختيار أحد الأمرين ما يريد الله وما يشتهيه هو كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك.

واعلم أن هشام بن الحكم ومن تابعه زعم أنه  كان في الأزل عالماً بحقائق الأشياء وماهياتها فقط، وأما حدوث تلك الماهيات ودخولها في الوجود فهو  لا يعلمها إلا عند وقوعها بدليل هذه الآية وأمثالها المذكور فيها الابتلاء.

وكلمة "لعل" والجواب عنها ما مر، وقد يستدل أيضاً على مذهبه بوجوه معقولة منها أنه  لو كان عالماً بالأشياء قبل وقوعها لزم نفي القدرة عن الخالق، لأن ما علم الله وقوعه استحال أن لا يقع، وما علم أنه لا يقع استحال أن يقع ولا قدرة على الواجب وعلى الممتنع بالاتفاق، والجواب أن الوجوب بالغير وكذا الامتناع بالغير لا ينافيان قدرة القادر عليه، وإنما المنافي للقدرة عليه كونه واجباً لذاته أو ممتنعاً لذاته، ومنها أنه لو كان عالماً بجميع الجزئيات لكان له علوم غير متناهية أو كان لعلمه تعلقات غير متناهية، فيلزم حصول موجودات غير متناهية دفعة واحدة وذلك محال، لأن مجموع تلك الأشياء أزيد من ذلك المجموع بعينه عند نقصان عشرة منها، فالناقص متناه وكذا الزائد.

ونوقض بمراتب الأعداد التي لا نهاية لها، وأيضاً المجموعية والزيادة والنقصان كلها من خواص المتناهي، فأما الذي لا نهاية له ففرض هذه الأعراض فيه محال.

ومنها أن هذه المعلومات التي لا نهاية لها هل يعلم الله عددها مفضلة أو لا يعلم؟

فإن علم عددها فهي متناهية، وإن لم يعلم فهو المطلوب.

والجواب الاختيار أنه لا يعلم عددها، ولا يلزم الجهل لأن الجهل هو أن يكون لها عدد معين ثم إن الله لا يعلم عددها، فأما إذا لم يكن لها عدد في نفسها فلا جهل ومنها أن كل معلوم فهو متميز في الذهن عما عداه، وكل متميز عما عداه خارج عنه، وكل ما خرج عنه غيره فهو متناه، وكل معلوم متناه فما هو غير متناه استحال أن يكون معلوماً.

والجواب أنه ليس من شرط المعلوم تميزه من غيره عند العالم، لأن العلم بتميزه عن غيره موقوف على العلم بذلك الغير، ويلزم منه أن لا يعلم الإنسان شيئاً إلا إذا علم أموراً لا نهاية لها.

والحق أن نور الأنوار لا يتناهى ووراء لا يتناهى، ما لا يتناهى، وإحاطة غير المتناهي بغير المتناهي غير بعيد وقد يتعلق علمنا بكثير من الأشياء قبل حصولها، فإذا كان علمنا مع تناهي قوتنا ونوريتنا.

هكذا فما ظنك بالعليم الخبير الذي هو نور النور ومدبر الأمور وكل عسير عليه يسير؟

﴿ إبراهيم ﴾ بالنصب ﴿ ربه ﴾ بالرفع هو المشهور وهذه الصورة مما يجب فيه تأخير الفاعل وإزالته عن مركزه الأصلي، فإنه لو قدم الفاعل وقد اتصل به ضمير المفعول لزم الإضمار قبل الذكر لفظاً، وعن ابن عباس وأبي حنيفة رفع ﴿ إبراهيم ﴾ ونصب ﴿ ربه ﴾ فالمعنى أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيب الله  إليهن أم لا؟

واختلف المفسرون في أن ظاهر لفظ التنزيل هل يدل على تلك الكلمات أم لا؟

فقال بعضهم: اللفظ يدل عليها وهي الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده والدعاء بابتعاث محمد  ، فكل هذه تكاليف شاقة، أما الإمامة فلأن المراد بها النبوة، وأعباؤها أكثر من أن تحصى، ولهذا فإن ثواب النبي أعظم من ثواب غيره، وأما بناء البيت وتطهيره ورفع قواعده، فمن وقف على ما روي في كيفية بنائه عرف شدة البلوى فيه.

ثم إنه يتضمن إقامة المناسك، وقد امتحن الله الخليل بالشيطان في الموقف كرمي الجمار وغيره.

وأما الاشتغال بالدعاء ببعث نبي آخر الزمان فيحتاج فيه إلى الإخلاص وإزالة الحسد عن القلب وذلك في غاية الصعوبة.

واعترض على هذا القول بأن المراد من الكلمات لو كانت هذه لناسب أن يذكر قوله ﴿ فأتمهن ﴾ بعد تعداد الجميع.

وأجيب بأنه أخبر أنه ابتلاه بكلمات على الإجمال ثم أخبر أنه أتمها ثم فصل تلك الأمور، وهذا ترتيب في غاية الحسن، إذ لو ذكر ﴿ فأتمهن ﴾ بعد هذا التفصيل لوقع ضائعاً ولانقطع النظم.

والقائلون بأن ظاهر الآية لا دلالة فيه على الكلمات زعم بعضهم أنها الكلمات التي تكلم بها إبراهيم مع قومه وقت تبليغ الرسالة، وزعم بعضهم أنها أوامر ونواهٍ.

فعن ابن عباس هي عشر خصال كانت فريضة في شرعه وهي عندنا سنة: خمس في الرأس: المضمضة والاستنشاق وفرق الرأس وقص الشارب والسواك، وخمس في الجسد: الختان وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء بالماء.

وقيل: ابتلاه الله  من شرائع الإسلام بثلاثين سهماً، عشرة في براءة ﴿ التائبون العابدون  ﴾ الآية وعشرة في الأحزاب ﴿ إن المسلمين والمسلمات  ﴾ وعشرة في "المؤمنين" "وسأل سائل" إلى قوله ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون  ﴾ وقيل: هن مناسك الحج كالطواف والسعي والرمي والإحرام والوقوف بعرفة.

وقيل: ابتلاه بسبعة أشياء: بالكواكب والقمر والشمس والختان على الكبر والنار وذبح الولد والهجرة، فوفى بالكل ﴿ وإبراهيم الذي وفى  ﴾ وقيل: ما ذكره في قوله ﴿ إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين  ﴾ وقيل: المناظرات التي جرت بينه وبين أبيه ونمروذ وقومه، والصلاة والزكاة والصوم، وقسم الغنائم والضيافة والصبر عليها.

وجملة القول أن الابتلاء بتناول إلزام كل ما في فعله كلفة، واللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء وكلاً منها إلا أن الكلام في الرواية، ثم قيل: إن هذا الابتلاء كان قبل النبوة لأنه  نبه على أن قيامه بهن كالسبب لأن جعله إماماً.

وقيل: إنه بعد النبوة لأنه لم يعلم كونه مكلفاً بتلك التكاليف إلا من الوحي.

والحق أن هذا يختلف باختلاف تفسير التكاليف، فمنها ما يعلم بالضرورة كونها قبل النبوة كحديث الكوكب والشمس والقمر، ومنها ما ثبت أنه كان بعد النبوة كذبح الولد والهجرة والنار، وكذا الختان فإنه يروى أنه ختن نفسه وكان سنه مائة وعشرين، ومنها ما هو بصدد الاحتمال فقد يمكن أن يكون إلى معرفته سبيل سوى الوحي كمنام أو إلهام.

والضمير في "أتمهن" على القراءة المشهورة لإبراهيم  بمعنى فقام بهن حق القيام وأداهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوانٍ وفي الأخرى لله  أي فأعطاه ما طلبه ولم ينقص منه شيئاً، ويعضده ما روي عن مقاتل أنه فسر الكلمات بما سأل إبراهيم ربه في قوله ﴿ رب اجعل هذا بلداً آمناً ﴾ ﴿ واجعلنا مسلمين لك  ﴾ ﴿ وابعث فيهم رسولاً  ﴾ ﴿ ربنا تقبل منا  ﴾ والإمام اسم لمن يؤتم به "فعال" بمعنى "مفعول" كالإزار لما يؤتزر به أي يأتمون بك في دينهم.

والأكثرون على أن الإمام ههنا النبي لأنه جعله إماماً لكل الناس، فلو لم يكن مستقلاً بشرع كان تابعاً لرسول ويبطل العموم ولأن إطلاق الإمام يدل على أنه إمام في كل شيء، والذي يكون كذلك لا بد أن يكون نبياً، ولأن الله  سماه بهذا الاسم في معرض الامتنان فينبغي أن يحمل على أجلّ مراتب الإمامة كقوله ﴿ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا  ﴾ لا على من هو دونه ممن يستحق الاقتداء به في الدين كالخليفة والقاضي والفقيه وإمام الصلاة، ولقد أنجز الله  هذا الوعد فعظمه في عيون أهل الأديان كلها، وقد اقتدى به من بعده من الأنبياء في أصول مللهم ﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً  ﴾ وكفى به فضلاً أن جميع أمة محمد  يقولون في صلاتهم "اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم" ثم القائلون بأن الإمام لا يصير إماماً إلا بالنص تمسكوا بهذه الآية وأمثالها من نحو ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة  ﴾ ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة  ﴾ ومنع بأن الإمام يراد به ههنا النبي سلمنا أن المراد به مطلق الإمام لكن الآية تدل على أن النص طريق الإمامة وذلك لا نزاع فيه، إنما النزاع في أنه لا طريق للإمامة سوى النص، ولا دلالة في الآية على ذلك وفي الآية دليل على أنه  كان معصوماً عن جميع الذنوب، لأنه لو صدرت عنه معصية لوجب علينا الاقتداء به وذلك يؤدي إلى كون الفعل الواحد ممنوعاً منه مندوباً إليه وذلك محال.

والذرية نسل الثقلين من ذرأ الله الخلق ذرأ خلقهم إلا أن العرب تركت همزها كما في البرية، ويحتمل أن يكون منسوباً إلى الذر صغار النمل، والضم من تغيير النسب كالدهري في النسبة إلى دهر ﴿ ومن ذريتي ﴾ عطف على الكاف كأنه قال: وجاعل بعض ذريتي كما يقال "سأكرمك فتقول وزيداً" ولا يخفى أن "من" التبعيضية تدل على أنه طلب الإمامة لبعض ذريته لعلمه بأن كلهم قد لا يليق بذلك لأن ناساً غير محصورين لا يخلو من ظالم فيهم غالباً، ولعلمه بأن بعضهم يليق بها كإسماعيل وإسحق.

وقد حقق الله  أمله فجعل في أولاده وأحفاده كإسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وداود وسليمان وأيوب ويونس وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس ثم محمد  أفضلهم وأشرفهم، ولأنه لم يطلب الإمامة إلا للبعض فكان يكفي في الجواب نعم إلا أنه لم يكن حينئذ نصاً في أن ذلك البعض من المؤمنين أم من الظالمين.

ولو قال "ينال عهدي المؤمنين" كان غاية ذلك خروج الظالمين بالمفهوم لا بالنص، فلمكان التنصيص على إخراج الظالم قال ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ والمراد بالعهد هو الإمامة المطلوبة، سميت عهداً لاشتمالها على كل عهد عهد به الله  إلى بنى آدم إذ لا رياسة أعظم من ذلك كقوله ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل  ﴾ ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم  ﴾ وإذا خرج الظالم تعين الصالح للإمامة بطريق برهاني.

وذلك أن دعاءه مستجاب ألبتة فكل نبي مجاب، ولأنه لو لم يكن الصالح إماماً لم يكن لإخراج الظالم وتخصيصه بالذكر معنى.

ويحتمل أن يقال: إنه أراد الإمامة لأولاده المؤمنين لا محالة لعلمه بأن الكفرة والظلمة لا تصلح لذلك، فأجيب بما أجيب إسعافاً لطلبته بأبلغ معنى وأتمه كما إذا قيل لمن أشرف "أوص لابنك بشيء" فيقول: لا يرث مني أجنبي أي كل ما يبقى مني فهو لابني، فكيف أوصي له بشيء؟

ولا يرد أن يونس نال عهده مع أنه ظالم ﴿ سبحانك إني كنت من الظالمين  ﴾ لأن الظلم فيه محمول على ترك الأولى كما في حق آدم ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ لا على الكفر والفسق.

وقد يستدل الإمامية على إبطال غير إمامة علي كرم الله وجهه قالوا: إنهم كانوا مشركين قبل الإسلام بالاتفاق، وكل مشرك ظالم ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ وكل ظالم فإنه لا ينال عهد الإمامة قالوا: لا يقال إنهم كانوا ظالمين حال كفرهم، فبعد زوال الكفر لا يبقى هذا الاسم لأنا نقول: الظالم من ثبت له الظلم، وهذا المعنى صادق عليه دائماً ولهذا يسمى النائم مؤمناً لأنه ثبت له الإيمان وإن لم يكن التصديق حاصلاً حال النوم، وأيضاً المتكلم والماشي حقيقة في مفهومهما مع أن أجزاء التكلم والمشي لا توجد دفعة، فدل هذا على أن حصول المشتق منه ليس شرطاً لكون الاسم المشتق حقيقة.

وعورض بأنه لو حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافراً قبل بسنين متطاولة فإنه لا يحنث، وبأن التائب عن المعصية لا يسمى عاصياً فكذا التائب عن الكفر، وإن قيل: لعل هذا المانع شرعي هو تعظيم الصحابة أو لمانع عرفي فهذا القدر يكفينا على أنا بينا أن المراد من الإمامة في الآية النبوة، فمن كفر بالله طرفة عين فإنه لا يصلح للنبوة وكذا الفاسق حال الفسق لا يجوز عقد الإمامة له باتفاق الجمهور من الفقهاء والمتكلمين، فإن كل عاصٍ ظالم.

والعبرة بالعدالة الظاهرة فنحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر خلافاً للشيعة فإنهم يقولون بوجوب العصمة ظاهراً وباطناً، ومما يدل على بطلان إمامة الفاسق أن العهد في كتاب الله  قد يستعمل بمعنى الأمر ﴿ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان  ﴾ أي ألم آمركم؟

لكن المراد في الآية لا يمكن أن يكون ذلك فإن أوامره  لازمة للظالمين كما للمطيعين، فثبت أن المراد كونهم غير مؤتمنين على أوامر الله وغير مقتدى بهم فيها قال  "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" فالفاسق لا ينبغي أن يكون حاكماً ولا تنفذ أحكامه إذا ولي الحكم، ولا تقبل شهادته ولا خبره إذا أخبر عن النبي  ، ولا فتياه إذا أفتى، ولا يقدم للصلاة وإن كان بحيث لو اقتدى به لم تفسد صلاته.

قال أبو بكر الرازي: ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة أنه يجوز كون الفاسق إماماً وخليفة ولا يجوز كون الفاسق قاضياً، وهذا خطأ عظيم.

نعم أنه قال: القاضي إذا كان عدلاً في نفسه وتولى القضاء من إمام جائر فإن أحكامه نافذة والصلاة خلفه جائزة، لأن الذي ولاه بمنزلة سائر أعوانه.

وليس من شرط أعوان القاضي أن يكون عدولاً، ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعواناً له على من امتنع من قبول أحكامه كان قضاؤه نافذاً وإن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان؟

قال: وكيف يجوز أن يدعي ذلك على أبي حنيفة وقد أكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على قضائه وضربه فامتنع من ذلك فحبس فلج ابن هبيرة وجعل يضربه كل يوم أسواطاً، فلما خيف عليه قال له الفقهاء: اقبل له شيئاً من عمله أي شيء كان حتى يزول عنك الضرب، فتولى له عد أحمال التبن التي تدخل عليه فخلاه ثم دعاه المنصور إلى مثل ذلك حتى عد له اللبن الذي كان يضرب لسور المدينة، وذلك أنه كان يقول في المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عد آجره لما فعلت، وقصته في أمر زيد بن علي مشهورة، وحمله المال إليه وفتياه الناس سراً في وجوب نصرته والقتال معه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن.

وفي الآية إنذار بليغ وتخويف شديد عن وخامة عاقبة الظلم وقبح موقعه فإنه يحط أولاً عن رتبة النبوة ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ وثانياً عن درجة الولاية ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين  ﴾ وثالثاً عن مرتبة السلطنة "بيت الظالم خراب ولو بعد حين"، ورابعاً عن نظر الخلائق "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها" وخامساً عن حظ نفسه ﴿ وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون  ﴾ ولله در القائل: لا تظلمـن إذا مـا كنت مقتـدراً *** فـالظلـم آخـره يـأتيـك بـالنـدم نامـت عيونـك والمظلوم منتبه *** يدعو عليـك وعيـن الله لم تنم ولآخر: مـرتـع ظلـم الـورى وخيــم *** يـا صـاحـب اللـب والحجــاره لا تظلـم النـاس واخش ناراً *** وقـودهـــا النـــاس والحجــاره غيره: أيحسـب الظـالـم فـي ظلمـه *** أهملــــه القـــادر أم أمهــــلا مــا أهملـوا بـل لهـم مـوعـد *** لـن يجــدوا مـن دونه مـوئلا غيره: أتلعـب بـالـدعـاء وتـزدريه *** ومـا يدريـك مـا صنـع الدعاء سهام اللـيل لا تخطي ولكن *** لهــــا أمـــد وللأمــد انقضــاء واعلم أن عهد الله الذي أخذ على عباده هو بالحقيقة عهد العبودية ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ والعهد الذي التزمه لعباده هو عهد الربوبية ﴿ ربكم ورب آبائكم الأولين  ﴾ ثم إنه  لا يزال يلاحظك بنظر الربوبية فيربيك ويربيك وبعد نعمة الوجود يعطيك نعم الصحة المكنة والعافية والسلامة والإيمان والأمان والإخوان والأخدان ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  ﴾ وأنك لا تنفك عن تقصير ونسيان وجهل وعدوان وإيذاء لملائكة الله وعبيده وإرضاء لحزب الشيطان وجنوده.

فيا أيها المغرور ما هذا التقصير فإن لله المصير وما للظالمين من نصير.

قوله ﴿ وإذ جعلنا البيت ﴾ تقرير تكليف آخر.

والبيت اسم غالب للكعبة كالنجم للثريا وهذا من الأسماء التي كانت في الأصل للجنس، ثم كثر استعماله في واحد من ذلك الجنس لخصلة مختصة به من بين سائر الأفراد حتى صار علماً له.

ولا بد أن يكون وقت استعماله لذلك الواحد قبل العلمية مع لام العهد ليفيد الاختصاص به ويسمى بالعلم الاتفاقى، وإنما لزمت اللام في مثله لأنه لم يصر علماً إلا مع اللام فصارت كبعض حروفه، إلا أنه  لم يرد بالبيت نفس الكعبة فقط بل جميع الحرم لأن حكم الأمن يشمل الكل.

وصح هذا الإطلاق لأن الحرمة نشأت بسبب الكعبة نفسها ومثله قوله  ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ } [المائدة: 95] والمراد الحرم كله لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في المسجد الحرام.

وقوله ﴿ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا  ﴾ والمراد - والله أعلم - منعهم من الحج وحضور مواضع النسك، ويحتمل أن يكون المراد جعلنا البيت سبب الأمن، وعلى هذا يكون البيت نفس الكعبة، وعلى الأول يكون معنى ﴿ أمناً ﴾ موضع أمن كقوله ﴿ حرماً آمناً  ﴾ والمثابة المباءة والمرجع قيل: إن مثاباً ومثابة لغتان مثل مقام ومقامة.

وقيل: التاء للمبالغة كعلامة.

عن الحسن: أي يثوبون إليه في كل عام.

وعن ابن عباس ومجاهد: لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه وذلك لدعاء إبراهيم  ﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم  ﴾ وقيل: مثابة أي يحجون فيثابون عليه.

وكون البيت مثابة إنما يكون بجعل الله  بناء على أن فعل العبد مخلوق لله، أو بأن الله  ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعياً لهم إلى العود إليه مرة بعد أخرى وذلك لمنافع دينية ودنيوية، قال  "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" وقال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" ثم إن قطان الخافقين يجتمعون هناك للتجارات وضروب المكاسب فيعظم فيه النفع لمن أراد ولا شك أن قوله ﴿ وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً  ﴾ خبر فتارة تتركه على ظاهره وتقول إنه خبر بأن يكون ﴿ حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء  ﴾ لا أن يكون إخباراً عن عدم وقوع القتل فيه أصلاً، فإن الموجود بخلافه فقد يقع القتل الحرام وكذا المباح قال  ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم  ﴾ وتارة تصرفه عن ظاهره وتقول.

إنه أمر بأن يجعلوا ذلك الموضع أمناً من الغارة والقتل قال  "إن الله حرم مكة وإنها لم تحل لأحد قبلي وإنما أحلت لي ساعة من نهار" وقد عادت حرمتها كما كانت، فذهب الشافعي إلى أن المعنى أنها لم تحل لأحد أن ينصب الحرب عليها وأن ذلك أحل لرسول الله  ، فأما من دخل البيت من الذين وجبت عليهم الحدود فقال الشافعي: إن الإمام يأمر بالضيق عليه بما يؤدي إلى خروجه، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل، فإن لم يخرج جاز قتله فيه، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتاله فيه.

وعند أبي حنيفة لا يستوفى قصاص النفس في الحرم إلا أن ينشئ القتل فيه، ولكن يضيق الأمر عليه ولا يكلم ولا يطعم ولا يعامل حتى يخرج فيقتل وسلم أن يستوفى منه قصاص الطرف.

وعند أحمد: لا يستوفى من الملتجئ واحد من القصاصين، ولو التجأ إلى المسجد الحرام قال الإمام: أو مسجد آخر يخرج منه ويقتل لأنه تأخير يسير، وفيه صيانة المسجد وحفظ حرمته.

وقيل: تبسط الأنطاع ويقتل في المسجد تعجيلاً لتوفية الحق ﴿ واتخذوا ﴾ بفتح الخاء معطوف على ﴿ جعلنا ﴾ أي اتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قبلة يصلون إليها، وعلى هذا المراد بالمصلى القبلة.

وأما من قرأ بالكسر على الأمر فعلى إرادة القول أي وقلنا اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه استحباباً لا وجوباً.

وفي مقام إبراهيم أقوال.

فعن الحسن وقتادة والربيع بن أنس: أنه لما جاء إبراهيم من الشام إلى مكة قالت له امرأة إسماعيل: انزل حتى تغسل رأسك فلم ينزل، لأن سارة شرطت عليه أن لا ينزل غيرة على هاجر فجاءته بحجر فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه.

وعن ابن عباس: أن إبراهيم  كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة، فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على حجر فغاصت فيه قدماه.

وقيل: إنه الحجر الذي قام عليه إبراهيم عند الأذان بالحج.

قال القفال: ويحتمل أن يكون إبراهيم  قام على هذا الحجر في هذه الأمور كلها.

وعن مجاهد: مقام إبراهيم الحرم كله، فعلى هذا يراد بالمصلى المدعى من الصلاة بمعنى الدعاء.

وعن عطاء: مقام إبراهيم عرفة ومزدلفة والجمار لأنه قام في هذه المواضع ودعا بها، والقول بأن مقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه أولى، لأن هذا الاسم في العرب مختص بذلك الموضع يعرفه المكي وغيره، ولأن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجله وذلك من أظهر الدلائل على صنع الله  وإعجاز إبراهيم، وكان أشد اختصاصاً به، فإطلاق مقام إبراهيم عليه أولى، ولما روي عن النبي  أنه أخذ بيد عمر فقال:هذا مقام إبراهيم، فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى؟

فقال: لم أؤمر بذلك، فلم تغب الشمس حتى نزلت.

وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله  استلم الحجر ورمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ "ومن" هذه تجريدية على نحو "رأيت منك أسداً" و "وهب الله لي منك ولياً مشفقاً" ففيه بيان المتخذ والمرئي والموهوب وتمييزه في ذلك المعنى عن غيره.

ولا ريب أن للصلاة به فضلاً علىغيره من حيث التيمن والتبرك بموطئ قدم إبراهيم  ، وركعتا الطواف خلف المقام ثم في الحجر ثم في المسجد أي مسجد كان حيث شاء متى شاء ليلاً أو نهاراً سنة عند الشافعي في أصح قوليه بعد الفراغ من الطواف لقوله  للأعرابي حين قال هل علي غيرها؟

قال: لا إلا أن تطوع، وفي قوله الآخر فرض لظاهر قوله ﴿ واتخذوا ﴾ والأمر للوجوب، والرواية عن أبي حنيفة أيضاً مختلفة، ﴿ وعهدنا ﴾ المراد بالعهد هنا الأمر أي ألزمناهما ذلك وأمرناهما أمراً ووثقنا عليهما فيه أن طهرا إن كانت "أن" مخففة فالتقدير بأن طهرا وإن كانت مفسرة فمعناه أي طهراً والمراد التطهير من كل أمر لا يليق بالبيت، أما من الأنجاس والأقذار فلأن موضع البيت وحواليه مصلى، وأما من الشرك ومظانه فلأنه مقام العبادة والإخلاص وكل هذه إما أن لا تكون موجودة هناك أصلاً والمراد أقراه على طهارته مثل ﴿ ولهم فيها أزواج مطهرة  ﴾ فمعلوم أنهن لم يطهرن بل خلقن طاهرات، وإما أن تكون موجودة فأمر بإزالتها.

وقيل: عرّفا الناس أن بيتي طهر لهم متى حجوه للطائفين إلى آخره.

العطف يقتضي مغايرة، فالطائف من يقصد البيت حاجاً ومعتمراً فيطوف به، والعاكف من يقيم هناك.

ويجاور أو يعتكف، والركع السجود جمعاً راكع وساجد أي من يصلي هناك، وعن عطاء، إذا كان طائفاً فهو من الطائفين، وإذ كان جالساً فهو من العاكفين، وإذا كان مصلياً فهو من الركع السجود.

ويجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين يعني القائمين كما قال ﴿ للطائفين والقائمين والركع السجود  ﴾ والمعنى للطائفين والمصلين لأن القيام والركوع والسجود هيئات للمصلي، ولعل الوجه الأول أولى ليكون الركع والسجود كلاهما فقط بمعنى المصلين ولهذا لم يفصل بينهما بالواو.

ثم إذا فسرنا الطائعين بالغرباء دلت الآية على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة، لأنه  مدحهم بذلك.

وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء أن الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل.

وفي إطلاق الآية دليل على جواز الصلاة في البيت فرضاً كانت أو نفلاً خلافاً لأحمد ومالك في الفريضة قالا ﴿ فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام  ﴾ ومن كان داخل المسجد لم يكن متوجهاً إلى المسجد بل إلى جزء من أجزائه، وأجيب بأن التوجه إلى جزئه كافٍ لأن المتوجه الواحد لا يكون إلا كذلك وإن كان خارج المسجد، وبأن الفرق بين الفرض والنفل لاغٍ.

قوله  ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ قيل: في الآية تقديم وتأخير لأن قوله ﴿ رب اجعل هذا بلداً آمناً ﴾ لا يمكن لا بعد دخول البلد في الوجود.

فقوله ﴿ وإذ يرفع  ﴾ وإن كان متأخراً في التلاوة فهو متقدم من حيث المعنى قلت: في ترتيب القصة فوائد منها: أنه أجمل القصة في قوله ﴿ وإذ ابتلى ﴾ إلى ﴿ فأتمهن ﴾ ثم فسر، وفي التفسير قدم الأهم فالأهم، ولا ريب أن ذكر جعل إبراهيم إماماً أولى بالتقديم لعموم نفعه للخلائق ولتقدمه في الوجود أيضاً، ثم ذكر جعل البيت مثابة للناس وأمناً لأنه المقصود من عمارة البيت ثم حكاية عمارة البيت.

وقد حصل في ضمن رعاية الأهم فوائد أخر منها: أنه كما كان مبنى القصة على الإجمال والتفسير وقع كل من أجزائها أيضاً كذلك فقوله ﴿ وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً ﴾ مجمل، ثم فسر ذلك بأن جعله ذا أمن كان بسبب دعاء إبراهيم.

وذكر البيت أولاً وقع مجملاً ثم فسر بأنه كيف بني ومنها أنه وقع ختم الكلام بأدعية إبراهيم  ووقع ختم الأدعية بذكر خاتم النبيين، وهذا ترتيب لا يتصور أحسن منه ولعل ما فاتنا من أسرار هذا الترتيب أكثر مما أحصينا.

﴿ هذا بلداً آمناً ﴾ ذا أمن مثل عيشة راضية أو آمناً من فيه كقولك "ليل نائم" وإنما قيل ههنا بلداً آمناً على التنكير وفي سورة إبراهيم ﴿ هذا البلد آمناً ﴾ إما لأن هذا الدعاء صدر منه قبل جعل المكان بلداً فكأنه قال: واجعل هذا الوادي بلداً آمناً، وذاك الدعاء صدر وقد جعل بلداً فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته بلداً بلداً ذا أمن، وإما لأن الدعوتين واحدة والمراد اجعل هذا البلد بلداً آمناً فيفيد مبالغة زائدة كقولك "هذا اليوم يوم جار" معناه اجعله من البلدان الكاملة من الأمن بخلاف قوله ﴿ اجعل هذا البلد آمناً  ﴾ ففيه طلب الأمن نفسه قيل: سأل الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي ضرع ولا زرع وقيل: من الخسف والمسخ، وقيل: من القتل كيلا يكون سؤال الرزق بعده تكراراً، وأجيب بأن التوسعة في الرزق مغايرة لطلب إزالة القحط.

ثم إنه تعالى استجاب دعاءه فجعله آمناً من الآفات فلم يصل إليه جبار إلا قصمه الله كما فعل بأصحاب الفيل.

قيل: أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وخرب الكعبة وقصد أهلها بكل سوء؟

وأجيب بأن مقصوده لم يكن تخريب الكعبة نفسها وإنما كان غرضه شيئاً آخر.

﴿ من الثمرات ﴾ "من" للابتداء لا للتبعيض بدليل قوله ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء  ﴾ وإنما سأل إبراهيم  الأمن وأن يجبى إليه الثمرات وإن كان يتعلق بالدنيا لأن البلد إذا كان آمناً ذا خصب تفرغ أهله لطاعة الله  ويكون سبباً لاجتماع الناس وإتيانهم إليه من كل أوب زائرين وعاكفين، وطلب الدنيا لأجل الدين من سنن الصالحين "نعم المال الصالح للرجل الصالح" واختلف في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم وصار ذلك مؤكداً بدعائه فقيل: نعم لما روي عن النبي  "إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض" ولقوله ﴿ عند بيتك المحرم  ﴾ وقيل: إنما صارت حرماً آمناً بدعوته، وقبلها كانت كسائر البلاد بدليل قوله: "إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة" وقيل بالجمع بينهما، وذلك أنه كان ممنوعاً قبله بمنع الله  من الاصطلام وبما أوقع في النفوس من التعظيم ثم صار آمناً على ألسنة الرسل.

و ﴿ من آمن منهم ﴾ بدل من ﴿ أهله ﴾ يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة كأنه قاس الرزق على الإمامة حيث ميز هناك بين المؤمن والكافر فقيل: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ فعرف الفرق بينهما فقيل ﴿ ومن كفر ﴾ عطفاً على ﴿ من آمن ﴾ كما مر في ﴿ ومن ذريتي ﴾ أو هو مبتدأ مضمن معنى الشرط جوابه ﴿ فأمتعه ﴾ وذلك أن الاستخلاف استرعاء يختص بمن ينصح للمرعي فيؤدي عن الله أمره ونهيه ولا يأخذه في الدين لومة لائم ولا سطوة جبار وظالم وأبعد الناس عن النصيحة الظالم ولهذا قيل: من استسرعى الذئب فقد ظلم.

وأما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المؤمن والكافر والصالح والفاجر لعموم الرحمة، ولأنه قد يكون استدراجاً للمرزوق وإلزاماً للحجة على أنه متاع قليل وأمد يسير فيما بين الأزل والأبد و ﴿ قليلاً ﴾ أي إمتاعاً أو تمتيعاً قليلاً أو زماناً قليلاً فنعمة المؤمنين في العاجل موصولة بنعيمهم في الآجل، ونعمة الكافرين مقطوعة عنهم بعد الموت، والزائل لا يجدي بطائل ﴿ أفرأيت إن متعناهم سنين.

ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون  ﴾ ومعنى الاضطرار أن يفعل به ما يلجئه إلى النار كقوله ﴿ يوم يدعُّون إلى نار جهنم دعا  ﴾ ﴿ وسيق الذين كفروا إلى جهنم  ﴾ أو أن يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختياراً كالاضطرار إلى أكل الميتة مثلاً ﴿ وبئس المصير ﴾ ذلك الذي اضطر إليه أو ذلك الاضطرار، فحذف المخصوص للعلم به.

والمصير إما مصدر بمعنى الصيرورة يقال: صرت إلى فلان مصيراً وإما موضع وكلاهما شاذ والقياس مصار مثل "معاش" وكلاهما مستعمل والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِـۧمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ١٢٧ رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةًۭ مُّسْلِمَةًۭ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٨ رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ١٢٩ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ١٣٠ إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٣١ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَـٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ١٣٢ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنۢ بَعْدِى قَالُوا۟ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ إِلَـٰهًۭا وَٰحِدًۭا وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ ١٣٣ تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٣٤

القراءات: ﴿ أرنا ﴾ وبابه ساكنة الراء: ابن كثير ورويس قياساً على كسرة فخذ إذ تسكن فيقال "فخذ".

وقرأ أبو عمرو بالاختلاس طلباً للخفة وحذراً من الإجحاف ﴿ ويعلمهم ﴾ بالاختلاس: ابن عباس، وكذلك كل فعل مستقبل مجموع حيث وقع.

وروى ابن رومي عن ابن عباس ﴿ يكلمنا ﴾ و ﴿ تعدنا ﴾ وكل كلمة تضمنت جمعين من الأسماء باختلاس مثل ﴿ في أعينكم ﴾ ﴿ وأسلحتكم ﴾ ﴿ وأمتعتكم ﴾ و ﴿ أوصى ﴾ من الإيصاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون ﴿ وصى ﴾ بالتشديد.

﴿ شهداء إذ ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

والباقون ﴿ شهداء يذ ﴾ وكذلك ما أشبهه في كل القرآن.

الوقوف: ﴿ وإسماعيل ﴾ (ط) لإضمار القول أي يقولان ومحله نصب على الحال ﴿ منا ﴾ (ط) للابتداء بأن ولجواز الوصل وجه لطيف على تقدير فإنك أو لأنك ﴿ العليم ﴾ (ه) ﴿ مسلمة لك ﴾ (ص) لعطف المتفقين ﴿ علينا ﴾ (ط) وقد ذكر ﴿ الرحيم ﴾ (ه) ﴿ ويزكيهم ﴾ (ط) ﴿ الحكيم ﴾ (ه) ﴿ نفسه ﴾ (ط) للفصل بين الاستفهام والإخبار ﴿ في الدنيا ﴾ (ج) لعطف الجملتين ﴿ الصالحين ﴾ (ه) ﴿ أسلم ﴾ (ط) لأن قوله "قال" عامل "إذ" وإلا وجب أن يقال "فقال" وإلا انقطع النظم ﴿ العالمين ﴾ (ه) ﴿ ويعقوب ﴾ (ط) لإرادة القول على الأصح، ومن وصل جعل الوصية في معنى القول ﴿ مسلمون ﴾ (ط) لأن "أم" بمعنى همزة الاستفهام للإنكار ﴿ الموت ﴾ (لا) لأن "إذ" بدل من "إذ" الأولى و "إذ" الأولى ظرف ﴿ شهدا ﴾ و "اذ" الثانية ظرف ﴿ حضر ﴾ ومن قطعها عن الأول فوقف على الموت وجعل ﴿ قالوا ﴾ عاملاً ولم يقف على ﴿ بعدي ﴾ فله وجه لا يتضح لأن الإنكار متوجه على قولهم: إن يعقوب أوصى بنيه باليهودية لا على أن يعقوب قد مات ﴿ من بعدي ﴾ (ط) ﴿ واحداً ﴾ (ج) لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أجوز على جعل الواو حالاً ﴿ مسلمون ﴾ (ه) ﴿ قد خلت ﴾ (ج) لأن ما بعدها تصلح صفة للأمة وتصلح استئنافاً وهو واضح لعطف ﴿ ولكم ما كسبتم ﴾ عليها ﴿ ولكم ما كسبتم ﴾ (ج) لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ يعلمون ﴾ (ه).

التفسير: عن وهب بن منبه قال: إن آدم  لما أهبط إلى الأرض استوحش منها لما رأى من سعتها، ولأنه لم ير فيها أحداً غيره فقال: يا رب أما لأرضك عامر يسبحك فيها ويقدس لك غيري؟

فقال الله: إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي، وسأجعل فيها بيوتاً ترفع لذكري وسأبوئك منها بيتاً أختاره لنفسي وأخصه بكرامتي وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي وأسميه بيتي، أعظمه بعظمتي وأحوطه بحرمتي، وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي، فإني اخترت مكانه يوم خلقت السموات والأرض، أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرماً وأمناً أحرم بحرمته ما فوقه وما تحته وما حوله، فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرمتي، ومن أحله فقد أباح حرمتي، ومن أمن أهله استوجب بذلك أماني، ومن أخافهم فقد جفاني، ومن عظم شأنه فقد عظم في عيني، ومن تهاون به فقد صغر في عيني، سكانها جيراني، وعمارها وفدي، وزوارها أضيافي، أجعله أوّل بيت وضع للناس، وأعمره بأهل السماء والأرض، يأتونه أفواجاً شعثاً غبراً على كل ضامر يأتين من كل فج عميق، يعجون بالتكبير عجيجاً ويضجون بالتلبية ضجيجاً، فمن اعتمره لا يريد غيري فقد زارني وضافني ووفد عليّ ونزل بي فحق علي أن ألحقه بكرامتي وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وزواره وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته، تعمره يا آدم ما كنت حياً ثم يعمره من بعدك الأمم في القرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة وقرناً بعد قرن ونبياً بعد نبي حتى ينتهي بعد ذلك إلى نبي من ولدك يقال له "محمد" وهو خاتم النبيين فأجعله من عماره، وسكانه وحماته وولاته، يكون أميني عليه ما دام حياً، فإذا انقلب إلي وجدني وقد ذخرت له من أجره ما يتمكن به من القربة إلي والوسيلة عندي وأجعل اسم ذلك البيت وشرفه وذكره ومجده وسناه ومكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي  وهو أبوه يقال له "إبراهيم"، أرفع به قواعده وأقضي على يديه عمارته، وأعلمه مشاعره ومناسكه، وأجعله أمة واحدة قانتاً قائماً بأمري داعياً إلى سبيلي، أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم، أبتليه فيصبر وأعافيه فيشكر وآمره فيفعل وينذر لي فَيَفي، أستجيب دعاءه في ولده وذريته من بعده، وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وحماته وسقاته وخدمه وخزانه وحجابه حتى يبدلوا ويغيروا وأجعل إبراهيم إمام ذلك البيت وأهل تلك الشريعة، يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الخلق الجن والإنس.

وروي أن الله  أنزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد شرقي وغربي.

وقال لآدم: أهبطت لك بيتاً يطاف به كما يطاف حول عرشي، فتوجه إليه آدم من أرض الهند ماشياً وتلقته الملائكة فقالوا: برّ حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام.

وحج آدم أربعين حجة من أرض الهند إلى مكة على رجليه، فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيام الطوفان إلى السماء الرابعة، فهو البيت المعمور.

ثم إن الله  أمر إبراهيم ببنائه وعرفه جبرائيل مكانه.

وعن علي  : البيت المعمور بيت في السماء يقال له "الضراح" وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون فيه أبداً.

وعن عبد الله بن عمر أن النبي  قال "الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب وما مسهما ذو عاهة ولا سقيم إلا شفي" وعن ابن عباس أنه كان أشد بياضاً من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك.

وأما قصة إسماعيل  وأمه، فعن أبي هريرة أن رسول الله  قال "لم يكذب إبراهيم  قط إلا ثلاث كذبات ثنتين في ذات الله قوله ﴿ إني سقيم  ﴾ وقوله ﴿ بل فعله كبيرهم هذا  ﴾ وواحدة في شأن سارة فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك فإن سألك فأخبريه أنك أختي فإنك أختي في الإسلام فإني لا أعلم في الأرض مسلماً غيري وغيرك.

فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها فأتى بها وقام إبراهيم إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت، فعاد فقبضت يده أشد من القبضة الأولى فقال لها مثل ذلك، فعاد فقبضت يده أشد من القبضتين الأولتين فقال: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت فأطلقت يده ودعا الذي جاء بها فقال له: إنك إنما جئتني بشيطان ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي وأعطها هاجر.

قال: فأقبلت تمشي فلما رآها إبراهيم انصرف فقال: مهيم.

فقالت: خيراً كفى الله يد الفاجر وأخدم خادماً" قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء.

قلت: وذلك أنها ملكتها سارة إبراهيم فولدت له إسماعيل أبا العرب.

وأما تتمة القصة، بعد أن غارت سارة على هاجر حيث لم يكن لسارة من إبراهيم ولد فإنها ولدت إسحق بعد ولادة هاجر إسماعيل بأربع عشرة سنة.

فقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أول ما اتخذت النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هناك ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفىَ إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟

فقالت له ولك مراراً وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: الله أمرك بهذا؟

قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا.

ثم رجعت فانطلق إبراهيم  حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه فقال ﴿ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ﴾ حتى بلغ ﴿ يشكرون  ﴾ وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحداً ففعلت ذلك سبع مرات.

قال ابن عباس: قال النبي  "فلذلك سعى الناس بينهما" .

فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت صوتاً أيضاً فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تحوّض وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد أن تغرف.

قال ابن عباس: قال النبي  : "يرحم الله أم إسماعيل لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناً" .

قال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ههنا بيتاً لله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله.

وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم مقبلين من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء.

فأرسلوا جرياً أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا وأخبروهم، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟

قالت: نعم ولكن لا حق لكم في الماء.

قالوا: نعم.

قال ابن عباس: قال النبي  : " فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس" .

فنزلوا وأرسلوا إلى أهاليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب الغلام، فلما أدرك الغلام زوجوه امرأة منهم.

وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة وشكت.

قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي  وقولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً فقال: هل جاءكم من أحد؟

قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة قال: أوصاك بشيء؟

قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول: غير عتبة بابك.

قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك فطلقها.

وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم أتاهم بعد ذلك فلم يجده فدخل على امرأته فسأل عنه قالت: خرج يبتغي لنا قال: كيف أنتم؟

وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله عز وجل.

قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي  وقولي له يثبت عتبة بابه.

فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟

قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير.

قال: فأوصاك بشيء؟

قالت: نعم، يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك.

قال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك.

ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه وصنعا ما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر قال: فاصنع ما أمرك ربك.

قال: وتعينني؟

قال: وأعينك.

قال: فإن الله أمرني أن أبني بيتاً ههنا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء إبراهيم بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان ﴿ ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ﴾ وعن علي كرم الله وجهه أنه مر عليه الدهر بعد بناء إبراهيم فانهدم فبنته العمالقة، ومر عليه الدهر فانهدم فبناه قريش ورسول الله  يومئذ شاب، فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا: يحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة، وكان رسول الله  أول من خرج عليهم فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر في مرط ثم يرفعه جميع القبائل فرفعوه فأخذه رسول الله  فوضعه.

واعلم أن للبيت أربعة أركان: ركنان يمانيان وركنان شاميان، وكان لاصقاً بالأرض، وله بابان شرقي وغربي فذكر أن السيل هدمه قبل مبعث رسول الله  بعشر سنين فأعادت قريش عمارته على الهيئة التي هي عليها اليوم، ولم يجدوا من النذور والهدايا والأموال الطيبة ما يفي بالنفقة فتركوا من جانب الحجر بعض البيت وخلفوا الركنين الشاميين عن قواعد إبراهيم  ، وضيقوا عرض الجدار من الأسود إلى الشامي الذي يليه فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعاً وهو الذي يسمى الشاذروان، وروي "أنه  قال لعائشة لولا حدثان قومك بالشرك لهدمت البيت ولبنيته على قواعد إبراهيم فألصقته بالأرض وجعلت لها بابين شرقياً وغربياً" ثم إن ابن الزبير هدمه أيام ولايته وبناه على قواعد إبراهيم، ثم لما استولى عليه الحجاج هدمه وأعاده على الصورة التي هو عليها اليوم وهي بناء قريش.

ولنعد إلى المقصود فنقول ﴿ يرفع ﴾ حكاية حال ماضية، والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس والأصل لما فوقه وهي صفة غالبة معناها الثابتة، ورفع الأساس البناء عليها لأنها إذا بنى عليها نقلت من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه فيرتفع كل منها بسبب وضع الآخر عليه، ورفع القواعد صريح فيما ذهب إليه الأكثرون من أن القواعد كانت موجودة وأن إبراهيم عمّرها ورفعها كما مر في الأحاديث.

وإنما لم يقل "قواعد البيت" ليكون الكلام مبنياً على تبيين بعد إبهام ففيه تفخيم لشأن المبين، ثم إن الله  حكى عنهما ثلاثة أنواع من الدعاء في تلك الحالة؛ الأول: قولهما ﴿ تقبل منا ﴾ وقبول الله عمل العبد عبارة عن كون العمل بحيث يرضاه الله  أو يثبت عليه، والأول ألذ عند العارفين من الثاني، شبه الفعل من العبد بالهدية، وإثابة الله  عليه ورضاه به بالقبول.

وقيل: إن بين القبول والتقبل فرقاً، فالتقبل عبارة عن تكلف القبول وذلك حيث يكون العمل ناقصاً لا يستحق أن يقبل، فاختير تقبل هضماً وتواضعاً واستقصاراً.

وقد يستدل بهذا على أن الفعل المقرون بالإخلاص لا يجب ترتب الثواب عليه وإلا لم يكن في طلبه فائدة، ويحتمل أن يقال: الطلب متوجه إلى جعله من جملة الأفعال المقرونة بالإخلاص، فكنى بطلب القبول عن ذلك ويؤكده قولهما ﴿ إنك أنت السميع ﴾ يعني سماع إجابة العليم بنياتنا.

النوع الثاني ﴿ ربنا واجعلنا مسلمين لك ﴾ فإن أريد بالإسلام الدين والاعتقاد توجه الطلب إلى الثبات والدوام أي ثبتنا على ذلك وإلا كان تحصيلاً للحاصل بالنسبة إليهما وقتئذ، وإن أريد الاستسلام والخضوع والإذعان الكلي والرضا بكل ما قدر وأمر فتوجه الطلب إلى هذه الأمور أنفسها غير مفيد لأنها أمور خارجة عن الضبط لا تتيسر إلا بمجرد تيسير الله وتوفيقه بخلاف أصل الإسلام الذي وقع به التكليف فإنه مضبوط.

وقد يظن أن للعبد اختياراً فيه وإن كان اختياره على تقدير ثبوته ينتهي إلى مسبب الأسباب.

وقوله ﴿ واجعلنا ﴾ إما معطوف على ﴿ تقبل ﴾ وقوله ﴿ إنك أنت السميع العليم ﴾ ﴿ ربنا ﴾ اعتراض للتأكيد وإما معطوف على محذوف أي ربنا افعل هذا واجعلنا.

﴿ ومن ذريتنا ﴾ من للتبعيض كما في قوله ﴿ ومن ذريتي  ﴾ .

والأمة الجماعة من الناس، وقيل أراد أمة محمد  ﴿ مسلمة ﴾ يحتمل ههنا أصل الإسلام والزيادة عليه أيضاً.

وقيل: أسلم مطلقاً يفيد الإيمان والاعتقاد ومعدى باللام معناه الاستسلام والانقياد الكلي.

طلب الإسلام لهم بعد ما طلب لهم الإمامة إظهاراً للشفقة.

فالشفيق بسوء الظن مولع، ويحتمل أن يكون هذا الدعاء بياناً لما أجمل هناك فيكونان واحداً.

وتخصيص الذرية بالدعاء من بين الخلائق لأنهم أحق بالنصيحة وأقوم ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً  ﴾ ولأنهم أئمة بصلاحهم يصلح غيرهم وفي سدادهم يكون سداد من وراءهم.

ولقد استجاب الله دعاءه فلم يزل في ذريتهما من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً، ولم يزل الرسل من ذرية إبراهيم، وقد كان في الجاهلية زيد بن عمرو ابن نفيل وقس بن ساعدة.

ويقال عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله  على دين الحق قائلين بالإبداء والإعادة والثواب والعقاب يوحدون الله ولا يأكلون الميتة ولا يعبدون الأوثان ﴿ وأرنا ﴾ إن كان منقولاً عن رؤية العلم فمعناه علمنا أن شرائع حجنا كيف هي إذ أمرتنا ببناء البيت لنحجه وندعو الناس إلى حجه، وإن كان منقولاً عن رؤية البصر - وهو الأظهر - ولذلك لم يتجاوز مفعولين ظاهراً.

فالمعنى بصرنا متعبداتنا في الحج.

قال الحسن: إن جبريل أرى إبراهيم المناسك كلها حتى بلغ عرفات فقال: يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من المناسك؟

قال: نعم، فسميت عرفات.

فلما كان يوم النحر أراد أن يزور البيت عرض له إبليس فسد عليه الطريق، فأمر جبريل أن يرميه بسبع حصيات ففعل فذهب الشيطان، ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع وكل ذلك يأمره جبريل برمي الحصيات.

وقيل: المراد العلم والرؤية معاً لأن الحج لا يتم إلا بأمور بعضها يعلم ولا يرى، وبعضها لا يتم الغرض منه إلا بالرؤية، فوجب حمل اللفظ على الأمرين جميعاً وليس ببعيد، فإن اللفظ المشترك يصح إطلاقه على معنييه معاً وكذلك مدلولا الحقيقة والمجاز يصح إرادتهما معاً من لفظ واحد كالعقد والوطء من النكاح.

غاية ما في الباب أن يكون هذا الإطلاق مجازاً، ومن الناس من يحمل المناسك على المذابح.

فقد يسمى الذبح للتقرب نسكاً والذبيحة نسيكة، وليس لهذا التخصيص وجه فإن الذبح إنما يسمى نسكاً لدخوله تحت أصل معنى النسك وهو التعبد، فحمل المناسك على جميع أعمال الحج أولى قال  "خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" بل لا يبعد أن يحمل على جميع ما شرعه الله لإبراهيم أي علمنا كيف نعبدك ومتى وأين نعبدك، وبماذا نتقرب إليك حتى نخدمك بذلك خدمة العبد لمولاه؟

﴿ وتب علينا ﴾ التوبة منهما محمولة على ما عسى أن يكون فرط منهما من الصغائر عند من يجوّزها على الأنبياء، وعلى ترك الأولى ونحو ذلك عند غيرهم، ويمكن أن تكون التوبة منهما تصويراً لأنفسهما بصورة النادم العازم على التحرز تشدداً في الانصراف عما لا يليق بهما.

قال  "يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم مائة مرة" وأيضاً لعلهما استتابا لذريتهما لعلمهما بأن فيهم ظالمين لقوله  ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ وذلك لغاية شفقتهما عليهم.

وباقي مباحث التوبة، قد مر في قصة آدم فليتذكر النوع الثالث ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم ﴾ وفيه أمران: الأول: أن يبعث في تلك الأمة رسولاً ليبين لهم الشرع القويم وينهج الصراط المستقيم، والثاني: أن يكون ذلك الرسول منهم لا من غيرهم لأن الرسول والمرسل إليهم إذا كانوا جميعاً من ذريته كان رتبته أجل، ولأنه إذا كان منهم عرفوا مولده ومنشأه فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه وأمانته، ولأنه إذا كان منهم كان أحرص عليهم وأشفق من أجنبي لو أرسل إليهم.

وأما الرسول فهو محمد  بإجماع المفسرين وهو حجة ولقوله  في موضع آخر ﴿ لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين  ﴾ ولقوله  "أنا دعوة إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي" أما الدعوة فهذه، وأما البشارة فقوله  في سورة الصف ﴿ ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد  ﴾ وأما الرؤيا فما رأت آمنة وهي حامل أنه خرج منها نور أضاء ما بين الخافقين.

وههنا نكتة وهي أن الخليل لما دعا للحبيب بقوله ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً ﴾ فلا جرم قضى الله  حق الحبيب للخليل بأن أجرى ذكره على ألسنة أمته إلى يوم القيامة يقولون في صلاتهم: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.

ولهذا الذكر مناسبات أخر منها: أن الخليل دعا لنفسه بقوله ﴿ واجعل لي لسان صدق في الآخرين  ﴾ أي أبق لي ثناءً حسناً في أمة محمد  ، فأجابه الله تعالى وقرن ذكره بذكر حبيبه.

ومنها أن إبراهيم أبو الملة ﴿ ملة أبيكم إبراهيم  ﴾ ومحمد  أبو الرحمة ﴿ بالمؤمنين رءوف رحيم  ﴾ ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم  ﴾ "إنما أنا لكم مثل الوالد لولده" يعني في الرأفة والرحمة، فلما ثبت لكل منهما الأبوة قرن بين ذكرهما في التحية.

ومنها أن إبراهيم منادي الشريعة ﴿ وأذن في الناس بالحج  ﴾ ومحمد منادي الدين ﴿ سمعنا منادياً ينادي للإيمان  ﴾ ومنها أنه كان أول الأنبياء بعد الطوفان، ومحمد خاتم النبيين ورسول آخر الزمان.

ومنها إن الخليل تبرأ عن سائر الأديان ﴿ إني بريء مما تشركون  ﴾ والحبيب تنزه عن جميع الأكوان ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ ثم إن إبراهيم  ذكر لذلك الرسول صفات أولاها ﴿ يتلو عليهم آياتك ﴾ فهو الفرقان المتلو عليهم، أو جميع ما بلغه من دلائل التوحيد وغيره "أوتيت القرآن ومثله معه" وثانيتها "ويعلمهم الكتاب" أي معانيه وحقائقه، وذلك أن التلاوة وإن كانت مطلوبة لبقاء لفظها على ألسنة أهل التواتر فيبقى مصوناً من التحريف، ولأن لفظه ونظمه معجز وفي تلاوته نوع عبادة ولا سيما في الصلوات إلا أن الحكمة العظمى والمقصود الأسنى تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام.

وثالثتها قوله ﴿ والحكمة ﴾ أي ويعلمهم الحكمة.

وقيل: هي الإصابة في القول والعمل جميعاً، فلا يسمى حكيماً إلا وقد اجتمع فيه الأمران فيضع كل شيء موضعه ولهذا عبر عنها بعض الحكماء بأنها التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية، ويناسبه قوله  "تخلقوا بأخلاق الله" وعن ابن وهب قلت لمالك: ما الحكمة؟

قال: معرفة الدين والفقه فيه والاتباع له.

وعن قتادة وإليه ذهب الشافعي: هي سنة رسول الله  لأنه ذكر تلاوة الكتاب ثم تعليمه ثم عطف عليه الحكمة فيكون شيئاً خارجاً عنهما وليس ذلك إلا سنة الرسول، فإن الدلائل العقلية الدالة على التوحيد والنبوة وما يتلوهما مستقلة بالفهم فحمل اللفظ على ما لا يستفاد إلا من الشرع أولى.

وقيل: هي الفصل بين الحق والباطل من الحكم.

وقيل: المراد بالكتاب الآيات المحكمات، وبالحكمة المتشابهات.

وقيل: هي ما في أحكام الكتاب من الحكم والمصالح.

ورابعتها ﴿ ويزكيهم ﴾ لأن الإرشاد يتم بأمرين: التحلية والتخلية.

فكما يجب على المعلم التنبيه على نعوت الكمال ليحظى المتعلم بها، يجب عليه التحذير عن النقصان ليتحرز عنها وذلك بنحو ما يفعله النبي  سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة من الوعد والإيعاد والوعظ والتذكير والتشبث بأمور الدنيا لتتقوى بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح، ولذلك مدح بأنه على خلق عظيم وأنه أوتي مكارم الأخلاق.

وقيل: يزكيهم يطهرهم عن الشرك وسائر الأرجاس كقوله ﴿ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث  ﴾ وقيل: يشهد لهم بأنهم عدول يوم القيامة ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ وعن ابن عباس: التزكية هي الطاعة لله والإخلاص ﴿ إنك أنت العزيز ﴾ القادر الذي لا يغلب ﴿ الحكيم ﴾ العالم الذي لا يفعل إلا على وفق المصالح، وإذا كان كذلك صح منه إجابة الدعاء وبعثة الرسل وإنزال الكتب ﴿ ومن يرغب ﴾ الاستفهام فيه لتقرير النفي أي لا يرغب أحد.

يقال: رغب عن الأمر إذا كرهه ورغب فيه إذا أراده.

ومحل ﴿ من سفه ﴾ الرفع على البدل من الضمير في ﴿ يرغب ﴾ وذلك أنه غير موجب مثل "هل جاءك أحد إلا زيد" وسفه الإما متعد: ومعنى سفه نفسه امتهنها واستخفها فأصل السفه الخفة وفي الحديث "الكبر أن نسفه الحق وتغمص الناس" لأنه إذا رغب عما لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إذالة نفسه وتعجيزها حيث خالف بها كل نفس عاقلة.

وعن الحسن: إلا من جهل نفسه فلم يفكر فيها، فيستدل بما يجده فيها من آثار الصنع على وحدانية الله  وحكمته ويرتقي إلى صحة نبوة محمد  .

وعن أبي عبيدة: أهلك نفسه وأوبقها.

وقيل: أضل نفسه وإما لازم فمعناه سفه في نفسه فحذف الجار نحو "زيد ظني مقيم" أي في ظني وقيل: نصب على التمييز نحو "غبن رأيه وألم رأسه" وهذا عند الكوفيين.

فإن التمييز عندهم يجوز أن يكون معرفة.

وفيه توبيخ لليهود والنصارى ومشركي العرب وتعجيب من حالهم، فإن أعظم مفاخرهم وفضائلهم الانتماء إلى إبراهيم، ثم إنهم لا يؤمنون بالرسول الذي هو دعوته ومطلوبه بالتضرع والإخلاص.

فإن قيل: ملة إبراهيم عين ملة محمد في الأصول والفروع، أو هما متحدتان في الأصول كالتوحيد والنبوة، وأصول مكارم الأخلاق ولكنهما مختلفتان في فروع الأعمال ولا سبيل إلى الأول وإلا لم يكن شرع محمد  ناسخاً لسائر الشرائع ولا إلى الثاني لأنه يلزم أن يكون محمد أيضاً راغباً عن ملة إبراهيم، ولأن الاعتراف بالأصول لا يقتضي الاعتراف بنبوة محمد  ؟

قلنا: المختار اتحاد الملتين في الأصول فقط، لكن نبوة محمد  من جملة الأصول التي مهدها إبراهيم  .

والمراد بملة إبراهيم في الآية أصولها التي لا تختلف بمر الأعصار وكر الدهور، فلا يلزم أن يكون محمد  راغباً عنها لأنه أمر باتباعها ﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً  ﴾ روي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجراً إلى الإسلام فقال لهما: قد علمنا أن الله قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبياً اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون.

فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم فنزلت.

ثم إنه  لما سفه من يرغب عن ملة إبراهيم بين السبب في ذلك فقال ﴿ ولقد اصطفيناه في الدنيا ﴾ أي أخترناه للرسالة من دون الخليقة وعرفناه الملة الجامعة للتوحيد والعدل والإمامة الباقية إلى قيام الساعة حتى نال منزلة الخلة ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ فيلزمه ما يلزمهم من الكرامة وحسن الثواب فليتحقق كل ذي لب أن الراغب عن سيرة من هو فائز بسعادة الدارين لا رأي له والله الموفق.

ثم بين سبب الاصطفاء فأعمل ﴿ اصطفينا ﴾ في ﴿ إذ قال ﴾ أي اخترناه في ذلك الوقت، ويجوز أن ينتصب بإضمار "اذكر" استشهاداً على ما ذكر من حاله كأنه قيل له: اذكر الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله ﴿ إذ قال له ربه ﴾ من باب الالتفات، ولولا ذلك لكان حقه أن يقال: إذ قلنا له، والأكثرون على أنه تعالى قال له ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس واطلاعه على أمارة الحدوث فيها، فلما عرف ربه قال له أسلم، فإنه لا يجوز أن يقول له قبل أن عرف ربه.

ويحتمل أن يكون ذلك قبل الاستدلال، ولا يكون المراد منه نفس القول بل دلالة الدليل عليه كقولهم "نطق الحال" قال  ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون  ﴾ فجعل دلالة البرهان كلاماً، ويحتمل أن يكون هذا بعد النبوة والمراد استقامته على الإسلام وثباته عليه كقوله ﴿ فاستقم كما أمرت  ﴾ أو المقصود الانقياد لأوامر الله  والمسارعة إلى تلقيها بالقبول وترك الاعتراض بالقلب واللسان.

وقيل: الإيمان صفة القلب والإسلام صفة الجوارح وإن إبراهيم  كان عارفاً بالله  بقلبه فكلفه الله  بعد ذلك بعمل الجوارح.

وفي تخصيص لفظ الرب بهذا الموضع بل بأكثر قصص إبراهيم إشارة إلى أن طريق عرفانه النظر في المربوبات فلا جرم وصل إلى الرب، وطريق عرفان محمد  عكس ذلك الترتيب فلا جرم بدأ من الله ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله  ﴾ والأول طريق حسن ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق  ﴾ لكن الطريق الثاني أحسن ﴿ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد  ﴾ ومن هنا يعرف أكملية محمد  .

وإني وإن كنت الأخير زمانه *** لآت بما لم يستطعه الأوائل فألف إبراهيم دلالة على استقامة سيرته، وميم محمد دليل على أنه مكمل الأوضاع وبه ابتدأ الأمر من حيث انتهى فتمت دائرة النبوة وحصلت الخاتمة.

وكما أن ألف إبراهيم دليل على وجود الاستقامة ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا  ﴾ فألف إبليس دليل عدم الاستقامة ﴿ إلا إبليس أبى واستكبر  ﴾ والوجود خير والعدم شر فحصل من خاء الخير مع لام الابتلاء ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه  ﴾ تركيب الخلة ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلاً  ﴾ ومن شين الشر مع دال الدوام على الكفر ﴿ وكان من الكافرين  ﴾ اسم الشدة ﴿ والكافرون لهم عذاب شديد  ﴾ ثم إن الخلة مأخوذة من التخلل بين الشيئين ومنه الخلال فلا جرم كان إبراهيم  واسطة في الطريقة ﴿ أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً  ﴾ والمحبة مأخوذة من الحبة وهو خالص كل شيء وداخله، ومنه حبة القلب فلا جرم كان محمد  خاتم النبيين وحبيب رب العالمين وزبدة الكائنات وغاية الحركات، لولاك لما خلقت الأفلاك، أول الفكر آخر العمل "أول ما خلق الله  نوري، أنا أول من ينشق عنه قبر، آدم ومن دونه تحت لوائي، أنا سيد المرسلين ولا فخر" محمد  أبو الحقيقة وإن كان إبراهيم  أبا الطريقة، والحقيقة لكونها مقصودة بالذات أقوى من الطريقة، لا جرم وقع الصلاة على إبراهيم في الصلاة تبعاً للصلاة على محمد "اللهم صلَّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم" وأن الصلاة لا تصح بدون الصلاة على محمد بخلاف الصلاة على غيره.

ولنعد إلى ما كنا فيه ﴿ ووصى ﴾ التوصية من جملة الأمور المستحسنة التي حكاها الله تعالى عن إبراهيم.

أوصيته بكذا ووصيته بمعنى، وأصله من وصيت الشيء بكذا بالتخفيف إذا وصلته إليه.

وأرض واصية متصلة النبات، فالموصي يصل القربة الحاصلة له بعد الموت إلى القربات الحاصلة له في الحياة ويحمد الموصي على هذا الوصل بسبب الوصية.

والضمير في (بها) قيل: يعود إلى الكلمة أو الجملة وهي أسلمت لرب العالمين، ونحوه رجوع الضمير في قوله ﴿ وجعلها كلمة باقية  ﴾ إلى قوله ﴿ إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني  ﴾ وقيل: الأولى أن يرجع إلى الملة لأنها مذكورة صريحاً في قوله ﴿ ومن يرغب عن ملة إبراهيم ﴾ ولأن الوصية بالملة جامعة لجميع أسباب الفلاح بخلاف الوصية بالشهادة وحدها اللهم إلا أن يحمل الإسلام على الانقياد الكلي.

وفي الآية دقائق مرعية في قبول الدين منها: أنه لم يقل وأمر بها لأن الوصية عند أمارات الموت وعند ذلك يكون الاهتمام بالأمور أشد.

ومنها أنه خص نبيه بذلك في آخر عمره مع أنه كان يدعو كل الناس إلى الدين، فدل على أنه لا شيء عنده أهم من ذلك.

ومنها التعميم لجميع الأبناء وأنه لم يقيد الوصية بزمان أو مكان ولم يخلطها بشيء آخر، ثم نهاهم أن يموتوا غير مسلمين وكل هذه دلائل شدة الاهتمام بالأمور وهو المشهود له بالفضل وحسن السيرة، فيجب قبول قوله لكل عاقل وكذلك وصى بها يعقوب بنيه.

وقرئ يعقوب بالنصب فمعناه وصى بها إبراهيم بنيه ونافلته يعقوب قائلاً لكل منهما ﴿ يا بني ﴾ أصله يا بنون فأضيف إلى ياء المتكلم فسقطت النون وصار الواو ياء لأجل النصب فأدغم الياء في الياء ﴿ إن الله اصطفى لكم الدين ﴾ استخلصه واختاره لكم بأن أقام عليه الدلائل الواضحة ودعاكم إليه ومنعكم من غيره ووفقكم للأخذ به ﴿ فلا تموتن ﴾ فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام نحو "لا تصل إلا وأنت خاشع" لا ينهاه عن نفس الصلاة ولكن عن ترك الخشوع في صلاته.

والنكتة فيه إظهار أن الصلاة التي لا خشوع فيها كلا صلاة ومثله قوله  "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" فإنه في قوة قوله لجار المسجد: لا تصل إلا في المسجد.

فكان موتهم لا على حال الإسلام موتاً لا خير فيه لأنه ليس بموت السعداء ومن حق هذا الموت أن لا يحل فيهم.

﴿ أم كنتم شهداء ﴾ يحتمل أن تكون "أم" منقطعة، ومعنى الهمزة فيها الإنكار لمجرد الحضور عند وفاته والخطاب للمؤمنين أي ما كنتم حاضرين حين احتضر يعقوب، وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي، أو لأهل الكتاب المعاصرين كأنه قيل لهم: كيف تزعمون أن ما أنتم عليه دين الرسل ولم تشهدوا وصايا الأنبياء ولو شهدتم ذلك وسمعتم قولهم لنبيهم لظهر لكم حرصهم على ملة الإسلام والدين الحنيفي فرغبتم في دين محمد  ؟

ويحتمل كون "أم" متصلة على أن يقدر قبلها محذوف معناه، أتدعون على الأنبياء اليهودية ﴿ أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ﴾ قيل: أي إن أوائلكم من بنيإسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد ودين الإسلام، فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه براء وفيه نظر، لأن "أم" المعادلة أحد الأمرين كائن فيها فقط، فإن كان الحضور ثابتاً لم تكن الدعوى ثابتة لكنها ثابتة ولهذا توجه الإنكار عليها، فالوجه أن يقال: المراد أن الحضور غير ثابت لتطاول الزمان، فإذن دعواهم يهودية الأنبياء دعوى بلا دليل فلا تسمع منهم على أنه  نص على بطلانها بقوله ﴿ إذ قال لبنيه ﴾ إلى آخره، ويتجه على هذا التقدير أن تكون "أم" منقطعة كأنه استفهم أولاً على سبيل الإنكار أي لم تدعون، ثم استأنف استفهاماً ثانياً لتقرير النفي أي ما كنتم شهداء أو لتقرير الإثبات على أن أوائلهم قد شهدوا فيكون مؤكداً لذلك الإنكار ﴿ ما تعبدون ﴾ أي شيء تعبدون.

و "ما" عام لأولي العلم وغيرهم، "ومن" مختص بأولي العلم ولهذا قال العلماء "من" لما يعقل.

و "من" خصص "ما" بغير أولي العقل قال: المراد السؤال عن صفة المعبود كما تقول "ما زيد" تريد أفقيه أم طبيب روي أن يعقوب  لما دخل مصر رأى أهلها يعبدون الأوثان والنيران فخاف على بنيه بعد وفاته فقال لهم هذا القول تحريضاً على التمسك بعبادة الله لا أنهم كانوا يعبدون غير الله، لأن مبادرتهم إلى الاعتراف بالتوحيد تنافي ذلك، ولأن المشهور من أمر الأسباط أنهم كانوا قوماً صالحين، و ﴿ إبراهيم وإسماعيل وإسحق ﴾ عطف بيان لآبائك، وقدم إسماعيل لأنه أسن، وجعل إسماعيل وهو عمه من جملة آبائه لأن العمل أب والخالة أم لانخراطهما في سلك واحد هو الأخوة قال  "عم الرجل صنو أبيه" أي لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوي النخلة.

وأيضاً أطلق اسم الأب على إبراهيم وهو جده فعن الشافعي أنه مجاز ولهذا قال: الإخوة والأخوات للأب والأم لا يسقطون بالجد، وإليه ذهب مالك وأبو يوسف ومحمد وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد، وقال أبو حنيفة: إنه حقيقة وإنهم يسقطون بالجد وهو قول أبي بكر وابن عباس وعائشة والحسن وطاوس وعطاء.

ثم التعليمية قالوا: لا طريق لنا إلى معرفة الله  إلا بتعليم الرسول والإمام لأنهم لم يقولوا نعبد الإله الذي دل العقل عليه بل قالوا: نعبد الإله الذي أنت تعبده وآباؤك يعبدونه، فدل على أن طريق المعرفة هو التعليم.

وأجيب بمنع دلالة الآية على ذلك بل لعل المعرفة حلت لهم بالاستدلال إلا أنهم اختصروا الكلام فتركوا شرح صفات الله وبيان ذلك، وأيضاً إنه أقرب إلى سكون نفس يعقوب فكأنهم قالوا: لسنا نجري إلا على مثل طريقتك من اليقين بالله والإخلاص له في عبادته.

وأيضاً لعل مرادهم نعبد الإله الذي دل عليه وجودك ووجود آبائك كقوله ﴿ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم  ﴾ ﴿ إلهاً واحداً ﴾ بدل من ﴿ إله آبائك ﴾ مثل ﴿ بالناصية ناصية كاذبة  ﴾ أو نصب على الاختصاص والمدح ﴿ ونحن له مسلمون ﴾ مذعنون أو مخلصون التوحيد ومحله النصب حالاً من فاعل ﴿ نعبد ﴾ أو من مفعوله لرجوع الضمير في ﴿ له ﴾ إليه، ويجوز أن يكون جملة معطوفة على ﴿ نعبد ﴾ أو جملة معترضة مؤكدة ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون، ﴿ خلت ﴾ مضت وانقرضت والغرض أنه لم يبق منهم أثر سوى ما عملوا، ولهذا قيل ﴿ لها ما كسبت ﴾ أي ثوابه يريد أني اقتصصت عليكم أخبارهم وما كانوا عليه من الدعوة إلى الإسلام فليس لكم نفع في سيرتهم دون أن تفعلوا ما فعلوه، فإن أنتم فعلتم ذلك فزتم كما فازوا، وإن أبيتم خسرتم أنتم دونهم ﴿ ولا تسئلون عما كانوا يعملون ﴾ لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا ينفعكم حسناتهم، وفيه تكذيب لليهود حيث قالوا إنهم يعذبون أياماً معدودة لكفر آبائهم باتخاذ العجل.

وفي الآية وعيد شديد للأبناء إذا لم يعملوا بعمل الآباء قال  "يا صفية عمة محمد يا فاطمة بنت محمد ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً" "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" ثم الآية تدل على أن للعبد كسباً ولكن الأئمة اختلفوا في تفسيره، فالأشعري على أنه لا تأثير لقدرة العبد في مقدور أصلاً، لأنه لو كان موحداً لأفعاله لكان عالماً بتفاصيل فعله وليس كذلك، ولما وقع إلا ما أراده العبد وليس كذلك، بل المقدور والقدرة كلاهما واقع بقدرة الله  ، لكن الشيء الذي حصل بخلق الله وهو متعلق القدرة الحادثة هو الكسب، واعترض عليه بأن مقدور العبد إذا كان واقعاً بخلق الله تعالى، فإذا خلقه فيه استحال من العبد أن لا يتصف حينئذ به، وإذا لم يخلقه فيه استحال أن يتصف به، فأي معنى لكون العبد قادراً عليه؟

وأيضاً الذي هو مكتسب العبد إما أن يكون واقعاً بقدرة الله فلا أثر للعبد فلا يكون مكتسباً له وإن وقع بالقدرتين معاً فلا تكون قدرة الله تعالى مستقلة، والمفروض بالخلاف، فبقي أن يكون بقدرة العبد، وعن القاضي: أن ذات الفعل واقعة بقدرة الله  ثم يحصل لذلك الفعل صفة طاعة أو صفة معصية، فهذه الصفة تقع بقدرة العبد.

وضعف بأن المحرم من الجلوس في الدار المغصوبة ليس إلا شغل تلك الأحياز، فهذا الشغل إن حصل بفعل الله  فعين المنهي عنه قد خلقه الله فيه وهذا تكليف ما لا يطاق، وإن حصل بقدرة العبد فهو المطلوب.

وزعم الأستاذ أبو إسحق الإسفرايني أن ذات الفعل تقع بالقدرتين، وزيف بأن قدرة الله مستقلة بالتأثير.

ومنهم من زعم أن القدرة الحادثة مع الداعي توجب الفعل، فالله  هو الخالق للكل بمعنى أنه  هو الذي وضع الأسباب المؤدية إلى دخول هذه الأفعال في الوجود، والعبد هو المكتسب بمعنى أن المؤثر في وقوع فعله هو القدرة والداعية القائمتان به، وإلى هذا ذهب إمام الحرمين وهو مناسب لقول الفلاسفة.

وزعم جمهور المعتزلة أن القدرة مع الداعي لا توجب الفعل بل العبد قادر على الفعل والترك متمكن منهما إن شاء فعل وإن شاء ترك وهذا هو الفعل والكسب.

فهذا تقرير المذاهب، وقول الأشعري أقرب إلى الأدب، وقول إمام الحرمين أقرب إلى التحقيق لأن نسبة الأثر إلى المؤثر القريب لا تنافي كون ذلك المؤثر منسوباً إلى أثر آخر بعيد، ثم إلى أبعد إلى أن ينتهي إلى مسبب الأسباب وفاعل الكل ومبدأ المبادئ وإليك الاختيار بعقلك دون هواك.

التأويل: من قوله ﴿ وإذ ابتلى ﴾ البلاء للولاء كاللهب للذهب فأصدقهم ولاء أشدهم بلاء ﴿ وإذ ابتلى ﴾ الخليل بكلمات هي أحكام النبوة الخصال العشر في جسده ولوازم الرسالة الصبر عند صدمات المكروهات وفقدان المألوفات.

وموجبات الخلة التبري عما سوى الخليل ﴿ إني بريء مما تشركون  ﴾ وعداوة غير الخليل ﴿ فإنهم عدو لي إلا رب العالمين  ﴾ ورفع الوسائط حيث قال له جبريل في الهواء هل لك من حاجة؟

فقال: أما إليك فلا والتسليم أسلمت لرب العالمين، والرضا بما أمر به عند ذبح الولد ﴿ فلما أسلما وتله للجبين  ﴾ بخلاف ما قال نوح ﴿ إن ابني من أهلي  ﴾ فلا جرم زيد له في الاصطفاء وشرف بكرامة الإمامة والاقتداء به ﴿ وإذ جعلنا البيت  ﴾ بيت القلب كما جاء "أن الله  أوحى إلى داود فرغ لي بيتاً أسكن فيه فقال: وكيف يا رب؟

فقال: فرغ لي قلبك" أي جعلنا القلب الإنساني مثابة للناس ترجعون إليه يا طلابي وزواري كما ترجعون إلى الكعبة في الصورة، ومأمناً للسالك من تصرفات الشيطان ومكايده حين بلغ منزل القلب، لأن القلب خزانة الحق محروسة من دخول الشيطان.

وإنما جولان لص الشيطان في ميادين الصدور كقوله ﴿ يوسوس في صدور الناس  ﴾ ﴿ واتخذوا  ﴾ عند الوصول إلى كعبة القلب ﴿ من مقام إبراهيم  ﴾ وهو الخلة قبلة توجهكم ليكون قصدكم إلي لا إلى غيري كما قال إبراهيم ﴿ إني ذاهب إلى ربي سيهدين  ﴾ ﴿ وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل  ﴾ في الميثاق ﴿ أن طهرا ﴾ القلب من أدناس تعلقات الكونين وأوضار ملاحظة الأغيار ﴿ للطائفين  ﴾ وهي واردات الأحوال ﴿ والعاكفين  ﴾ وهي الملكات والمقامات ﴿ والركع السجود  ﴾ وهي صفات القلب المطهرة من الإرادة والصدق والإخلاص والتواضع والخوف والرجاء والتسليم والرضا والتوكل.

وجملة هذه الصفات العبودية ﴿ وإذ قال إبراهيم  ﴾ الآية لما أهبط آدم الروح إلى الأرض الجسد وفقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في جنة حظيرة القدس استوحش، فأنزل الله  ياقوتة القلب من جنة حظيرة القدس له بابان شرقي إلى حظيرة رب العالمين تطلع منها شوارق الألطاف، وباب غربي إلى عالم الجسد وفيه قناديل العقل، وأنزل حجر الذرة المخاطبة بخطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ منوراً بنور جواب ﴿ بلى ﴾ قد ألقم كتاب العهد يوم الميثاق وهو يمين الله في أرضه، فلما كان طوفان آفات الصفات البشرية من الطفولية إلى البلوغ، وفار تنور الشهوات رفع بيت معمور القلب إلى السماء الرابعة يعني حجب أستار خواص العناصر الأربع، وخبئ حجر الذرة في أبي قبيس صفات النفس، فلما أمر إبراهيم الروح بعد البلوغ ببناء بيت القلب وعمارته من خمس أجبل أركان الإسلام وقد اهتدى إلى موضع بيت القلب بدلالة بيت السكينة ﴿ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين  ﴾ فجعل إسماعيل النفس المطمئنة يجيء بأحجار أعمال الشريعة من جبال أركان الإسلام ويناولها إبراهيم الروح وهو يبني إلى أن بلغ موضع الحجر فنودي من أبي قبيس الهوى إن لك عندي وديعة فخذها.

فخلص حجر الذرة من أستار صفات النفس والهوى فوضعه مكانه، وكان أبيض فلما لمسته حيض اللذات الدنيوية ومشركو الشهوات النفسانية في جاهلية الطفولية اسودَّ، فلما فرغا من رفع قواعد بيت القلب سألا ربهما الاستسلام لأحكامه الظاهرة الشرعية والباطنة التي جف القلم بها في الأزل، وكذا لذريتهما المتولدات من الصفات الروحانية والنفسانية وأن يبعث فيهم رسولاً منهم لا من الخارج، فمن لم يكن له في القلب رسول وارد من الحق وهو السر لم يسمع كلام الرسول لخارجي.

ثم إن إبراهيم الروح يوصي لمتولداته من القلب وصفاته والسر وصفاته والنفس وصفاتها والقوى البشرية والحواس الخمس والأعضاء والجوارح كله ملته.

وفي الآيات إشارة إلى أنه  إذا تجلى لروح عبد مخلص متضرع إليه محب له، ظهرت آثار أنوار تجليه على قلبه وسره ونفسه وقواه وحواسه وجميع أعضائه ويخضعون له بكليتهم فيعبدون إلهاً أحداً لا متفرقاً من الهوى والدنيا والآخرة والله ولي التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ كُونُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُوا۟ ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِـۧمَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ١٣٥ قُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِىَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ ١٣٦ فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍۢ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ١٣٧ صِبْغَةَ ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةًۭ ۖ وَنَحْنُ لَهُۥ عَـٰبِدُونَ ١٣٨ قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِى ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُخْلِصُونَ ١٣٩ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطَ كَانُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ ۗ قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَـٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ١٤٠ تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٤١

القراءات: ﴿ أم تقولون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر والحماد والمفضل، الباقون: بياء الغيبة.

الوقوف: ﴿ تهتدوا ﴾ (ط) ﴿ المشركين ﴾ (ه) ﴿ ومن ربهم ﴾ (ج) لطول الكلام والاستئناف والأصح أنه حال أي آمنا غير مفرقين ﴿ منهم ﴾ (ج) لاحتمال الابتداء والحال أوجه ﴿ مسلمون ﴾ (ه) ﴿ اهتدوا ﴾ (ج) لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ شقاق ﴾ ج للابتداء بسين الوعيد مع دخول الفاء ﴿ فسيكفيكهم الله ﴾ (ج) لاحتمال الواو الابتداء والحال ﴿ العليم ﴾ (ط) لأن الجملة الناصبة لقوله ﴿ صبغة الله ﴾ محذوفة يدل عليها قوله ﴿ آمنا بالله ﴾ وقوله ﴿ فإن آمنوا ﴾ شرط معترض ﴿ صبغة الله ﴾ (ج) لابتداء الاستفهام مع أن الواو للحال ﴿ صبغة ﴾ (ج) على جعل الواو للابتداء أو للحال أو للعطف على آمنا ﴿ عابدون ﴾ (ه) ﴿ وربكم ﴾ (ج) لأن الواو يصلح أن يكون عطفاً على الحال الأولى ويصلح أن يكون مستأنفاً ﴿ أعمالكم ﴾ (ج) ﴿ مخلصون ﴾ (ط) لمن قرأ ﴿ أم يقولون ﴾ بياء الغيبة، ومن قرأ بالتاء لم يقف لكون "أم" معادلة للهمزة في ﴿ أتحاجوننا ﴾ ﴿ أو نصارى ﴾ (ط) ﴿ أم الله ﴾ (ط) ﴿ من الله ﴾ (ط) ﴿ تعملون ﴾ (ه) ﴿ فدخلت ﴾ (ج) ﴿ ما كسبتم ﴾ (ج) ﴿ يعملون ﴾ .

التفسير: إنه  لما بين بالدلائل المتقدمة صحة دين الإسلام، ذكر أنواعاً من شبه الطاعنين منها: أن اليهود قالوا ﴿ كونوا هوداً ﴾ تهتدوا، والنصارى قالوا كذلك، لما علم من التعادي بين الفريقين كما بين كل منهما وبين المسلمين وقد مر مثل هذا في قوله  ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى  ﴾ فأجابهم الله بقوله ﴿ قل بل ملة إبراهيم ﴾ أي نكون أهل ملته مثل ﴿ وسئل القرية  ﴾ أي أهلها، أو بل نتبع ملة إبراهيم وقرئ بالرفع أي ملتنا أو أمرنا ملته أو نحن أهل ملته، وحنيفاً حال من المضاف إليه كقولك "رأيت وجه هند قائمة" وذلك أن المضاف إليه متضمن للحرف فيقتضي متعلقاً هو الفعل أو شبهه، وحينئذ يشتمل على فاعل ومفعول.

فالحال عن المضاف إليه ترجع في التحقيق إلى الحال عن أحدهما وعند الكوفيين نصب على القطع أراد ملة إبراهيم الحنيف، فلما سقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فانقطع منها فانتصب، والحنيف المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق، وتحنف إذا مال وحاصل الجواب أن المعّول في الدين إن كان النظر والاستدلال فقد قدمنا الدلائل، وإن كان التقليد فالمتفق أولى من المختلف.

وقد اتفق الكل على صحة دين إبراهيم فاتباعه أولى وهذا جواب إلزامي، ثم لما كان من المحتمل أن يزعم اليهود والنصارى أنهم على دين إبراهيم أزيحت علتهم بقوله ﴿ وما كان من المشركين ﴾ لكون النصارى قائلين بالتثليث واليهود بالتشبيه، وأيضاً قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله، فليسوا من ملة إبراهيم التي هي محض التوحيد وخالص الإسلام في شيء ﴿ قولوا ﴾ خطاب للمؤمنين، ويجوز أن يكون للكافرين أي قولوا لتكونوا على الحق وإلا فأنتم على الباطل، وكذلك قوله ﴿ بل ملة إبراهيم ﴾ يجوز أن يكون أمراً لهم أي اتبعوا ملة إبراهيم أو كونوا أهل ملته، وهذا جواب آخر برهاني، وذلك أن طريق معرفة نبوة الأنبياء ظهور المعجز على أيديهم، ولما ظهر المعجز على يد محمد  وجب الاعتراف بنبوته والإيمان به وبما أنزل عليه كما اعترفوا بنبوة إبراهيم وموسى وعيسى، فإن تخصيص البعض بالقبول وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في الدليل وعن الحسن أن قوله ﴿ قل بل ملة إبراهيم ﴾ خطاب للنبي وقوله ﴿ قولوا ﴾ خطاب لأمته والظاهر العموم وإنما قدم الإيمان بالله لأن معرفة النبي والكتاب متوقفة على معرفته وفيه إبطال ما ذهب إليه التعليمية والمقلدة من أن طريق معرفة الله الكتاب والسنة، قال الخليل: الأسباط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب.

وقيل: السبط الحافد، وكان الحسن والحسين سبطي النبي  فهم حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر، عدّد بعض الأنبياء لتقدمهم وشرفهم ثم عمم لتعذر التفصيل.

﴿ لا نفرق بين أحد منهم ﴾ لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كأهل الكتاب.

ومعنى الإيمان بجميعهم أن كلا منهم حق في زمانه أولا نقول إنهم متفرقون في أصول الديانة ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً  ﴾ وأحد في معنى الجماعة ولذلك صح دخول بين عليه ﴿ ونحن له مسلمون ﴾ إذعاناً وإخلاصاً فلا جرم لا نخص بالقبول بعض عبيده المؤيدين بالمعجزات خلاف من كان إسلامه تقليداً أو هوى.

ولما بين الطريق الواضح في الدين وهو أن يعترف الإنسان بنبوة كل من قامت الدلالة على نبوته من غير مناقضة، رغبهم في مثل هذا الإيمان، وههنا سؤال وهو أن دين الإسلام وهو الحق واحد فما معنى المثل في قوله ﴿ بمثل ما آمنتم به ﴾ ؟

والجواب أن قوله ﴿ فإن آمنوا ﴾ بكلمة الشك دليل على أن الأمر مبني على الفرض، والتقدير أي فإن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم ومساوياً له في الصحة والسداد ﴿ فقد اهتدوا ﴾ لكن لا دين صحيحاً سوى هذا لسلامته عن التناقض بخلاف غيره فلا اهتداء إلا بهذا، ونظيره قولك للرجل الذي تشير عليه "هذا هو الرأي الصواب فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به" وقد علمت أن لا أصوب من رأيك، ولكنك تريد تبكيت صاحبك وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه وقيل: الباء للاستعانة لا للإلصاق والتمثيل بين التصديقين أي فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم.

وقيل: المثل صلة ويؤيده قراءة ابن عباس وابن مسعود ﴿ فإن آمنوا بما آمنتم به ﴾ وقيل: معناه إنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف، فإن آمنوا هم بمثل ذلك في التوراة فقد اهتدوا لأنهم يتوسلون به إلى معرفة نبوة محمد  .

وفي الآية دليل على أن الهداية كانت موجودة قبل هذا الاهتداء وهي الدلائل التي نصبها الله  وكشف عن وجوهها، والاهتداء قبولها والعمل بها ليفوزوا بالسعادة العظمى.

وإن تولوا عما قيل لهم ولم ينصفوا فما هم إلا في شقاق خلاف وعداوة وهو مأخوذ من الشق كأنه صار في شق غير شق صاحبه، أو من الشق لأنه فارق الجماعة وشق عصاهم، أو من المشقة لأن كل واحد منهما يحرص على ما يشق على صاحبه ويؤذيه، وفي وصف القوم بذلك دليل على معاداتهم الرسول وإضمارهم له كل سوء وتربصهم به الإيقاع في المحن، فلا جرم آمنه الله  والمؤمنين من كيدهم وقال ﴿ فسيكفيكهم الله ﴾ وناهيك به من كاف كافل.

ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين وذلك أن فيها معنى التوكيد لوقوعها في مقابلة "لن" قال سيبويه: لن أفعل نفى سأفعل، ولقد أنجز وعده عما قريب بقتل قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير وضرب الجزية عليهم، وهذا إخبار بالغيب وكم من مثله في القرآن وكل ذلك مما يتأكد به إعجاز التنزيل العزيز وحصوله بطريق الوحي الصراح ﴿ وهو السميع العليم ﴾ وعد لرسول الله  أي يسمع دعاءك ويعلم نيتك في أعلاء كلمة الحق وإعلانها فهو يستجيب لك لا محالة، ووعيد لأعدائه أي هو منهم بمرأى ومسمع يعلم ما يسرون من الحسد والحقد والغل فيكافئهم على ذلك ﴿ صبغة الله ﴾ مصدر مؤكد منتصب عن قوله ﴿ آمنا بالله ﴾ مثل وعد الله قاله سيبويه وقيل: بدل من ﴿ ملة إبراهيم ﴾ أو نصب على الإغراء أي عليكم صبغة الله، وفيما فك لنظم الكلام وإخراج له عن الالتئام.

والصبغة فعلة من صبغ للحالة التي يقع عليها الصبغ كالجلسة.

والمعنى تطهير الله لأن الإيمان يطهر النفس.

وأصله أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه بالمعمودية ويقولون هو تطهير لهم وبه يصير الواحد منهم نصرانياً حقاً، فأمر المسلمون أن يقولوا لهم آمنا وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتكم، وذلك على طريق المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار اغرس كما يغرس فلان تريد رجلاً يصطنع الكرام، ونظيره قوله ﴿ إنما نحن مستهزءون الله يستهزئ بهم  ﴾ وقيل: اللفظة من قولهم "فلان يصبغ فلاناً في الشر" أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازماً للثوب.

وقيل: سمي الدين صبغة لظهور هيئته عند صاحبه.

﴿ سيماهم في وجوههم من أثر السجود  ﴾ من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وقيل: وصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله ليبين أن المباينة بينه وبين غيره ظاهرة جلية يدركها كل ذي حس سليم كما يدرك الألوان.

وقيل: صبغة الله فطرته.

أقول: وذلك أن آثار النقص الإمكاني لازمة للإنسان لزوم الصبغ للثوب، فيمكنه أن يتدرج منها إلى وجود الصانع والإيمان به.

وقيل: صبغة الله الختان.

وقيل: حجة الله.

وقيل: سنة الله.

﴿ ومن أحسن من الله صبغة ﴾ معنى الاستفهام الإنكار وصبغة تمييز أي لا صبغة أحسن من الإيمان بالله والدين الذي شرع لكم ليطهركم به من أوضار الكفر وأوزار الشرك.

﴿ ونحن له عابدون ﴾ عبارة عن كمال الإيمان كما تقدم مراراً.

﴿ قل أتحاجوننا ﴾ أما المحاجة فهي إما قولهم نحن أحق بأن تكون النبوة فينا لأنا أهل الكتاب والعرب عبدة أوثان، وإما قولهم ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ وقولهم ﴿ كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا ﴾ وأما الخطاب فإما لأهل الكتاب وإما لمشركي العرب حيث قالوا ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم  ﴾ وإما للكل والمعنى، أتجادلون في شأن الله أو في دينه وهو ربنا وربكم وللرب أن يفعل بمربوبه ما يعلم فيه مصلحته ويعرفه أهلاً له، عبيده كلهم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي ﴿ ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ﴾ فكما أن لكم أعمالاً ترجون نيل الكرامة بها فنحن كذلك، فالعمل هو الأساس وبه الاعتبار ولكن ﴿ نحن له مخلصون ﴾ موحدون لا نقصد بالعبادة أحداً سواه، فلا يبعد أن يؤهل أهل إخلاصه بمزيد الكرامة من عنده.

﴿ أم تقولون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب احتمل أن تكون "أم" منقطعة بمعنى استئناف استفهام آخر أي بل أتقولون والهمزة للإنكار كما في ﴿ أتحاجوننا ﴾ واحتمل أن تكون متصلة بمعنى أي الأمرين تأتون المحاجة في حكمة الله أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء إنكاراً عليهم واستجهالاً لهم بما كان منهم.

وعن الزجاج: بأي الحجتين تتعلقون في أمرنا، أبالتوحيد فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء فنحن متبعون؟

ومن قرأ بياء الغيبة فلا تكون إلا منقطعة لانقطاع الاستفهام الأول بسبب الالتفات.

﴿ قل أأنتم أعلم أم الله ﴾ بل الله أعلم وخبره أصدق، وقد أخبر في التوراة والإنجيل والقرآن بأن إبراهيم ما كان يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً، وكيف لا وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده؟

ولأنهم مقرون بأن الله أعلم، وقد أخبر بنقيض ما ادعوه فإن قالوا ذلك عن ظن فقد بان لهم خطؤه، وإن قالوا ذلك عن جحود وعناد فما أجهلهم وأشقاهم، فإذن فائدة الكلام إما التنبيه وإما التجهيل.

﴿ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ﴾ قوله ﴿ من الله ﴾ إما أن يتعلق بأظلم والمعنى لو كان إبراهيم وبنوه هوداً أو نصارى، ثم إن الله كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم شهادة أظلم منه لأن الظلم من الأعدل أشنع، وإما أن يتعلق بكتم أي لا أحد أظلم ممن عنده شهادة، ثم إنه لم يقمها عند الله وكتمها وأخفاها منه وأما أن يتعلق بشهادة كقولك "عندي شهادة من فلان" ومثله ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ والمعنى ليس أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده جاءته من الله، وفيه إشارة إلى أن المؤمنين لم يكتموا ما عندهم من الحق وشهدوا لإبراهيم بالحنيفية، وتعريض بأن أهل الكتاب قد كتموا شهادات الله فأنكروا نبوة محمد وحنيفية إبراهيم وغير ذلك من تحريفاتهم.

﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ كلام جامع لكل وعيد لهم ولأضرابهم، ولو أن أحداً كان عليه رقيب من قبل ملك مجازي لكان دائم الحذر والوجل، فكيف بالرقيب القريب الذي يعلم أسراره ويعد عليه أنفاسه وأفكاره ثم هو يقدر على أن يدخله جنته أو ناره؟

﴿ تلك أمة ﴾ إشارة إلى إبراهيم وبنيه.

كما مر، وإنما أعيدت الآية ههنا لغرض آخر وهو زجرهم عن الاشتغال بوصف ما عليه الأمم السالفة من الدين فإن أديانهم لا تنفع إلا إياهم لاندراس آثارها وانطماس أنوارها، وأما الآن فالدين هو الإسلام الثابت بالدليل القاطع والبرهان البين فيجب اتباع المعلوم واقتفاؤه وإلقاء المظنون وإلغاؤه، ولا يسأل المتأخر عن المتقدم ولا المحسن عن المسيء وكل بعمله مجزي.

<div class="verse-tafsir"

۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا۟ عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ١٤٢ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًۭا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٤٣ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةًۭ تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ١٤٤ وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍۢ مَّا تَبِعُوا۟ قِبْلَتَكَ ۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍۢ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍۢ قِبْلَةَ بَعْضٍۢ ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٤٥ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًۭا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ١٤٦ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ١٤٧ وَلِكُلٍّۢ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا۟ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ١٤٨ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُۥ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ١٤٩ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ١٥٠ كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًۭا مِّنكُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ ١٥١ فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ ١٥٢

القراءات: ﴿ من يشاء إلى ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

الباقون ﴿ يشاء ولى ﴾ بقلب الثانية واواً.

وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة ﴿ يشاو إلى ﴾ بقلب الأولى واواً ﴿ لرؤف ﴾ مهموزاً مشبعاً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص والمفضل والبرجمي.

وقرأ يزيد بتليين الهمزة والإشباع.

الباقون: ﴿ لرؤف ﴾ على وزن "الرعف" ﴿ ..

يعملون ولئن ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ونافع وخلف وعاصم وأبو عمرو ويعقوب، الباقون: بالتاء ﴿ مولاها ﴾ بالألف: ابن عامر والباقون: بالباء وكسر اللام ﴿ يعملون ومن حيث ﴾ بياء المغايبة: أبو عمرو.

الباقون: بالتاء ﴿ ليلاً ﴾ مدغمة غير مهموزة عن ورش، وعن ابن كثير وحمزة وعلي وخلفٍ ويعقوب مدغماً مهموزاً.

الباقون: مظهراً مهموزاً، والاختيار عن يعقوب وهشام الإظهار.

﴿ فاذكروني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ المغرب ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ شهيداً ﴾ ط ﴿ عقبيه ﴾ ط ﴿ هدى الله ﴾ ط ﴿ ايمانكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ في السماء ﴾ ج لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد دخل الثانية حرفا توكيد يختصان بالقسم والقسم مصدّر ﴿ ترضيها ﴾ ص لأن فاء التعقيب لتعجيل الموعود ﴿ الحرام ﴾ ط ﴿ شطره ﴾ ط ﴿ من ربهم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ قبلتك ﴾ ج ﴿ قبلتهم ﴾ ج وكلاهما لتفصيل الأحوال مع اتحاد المقصود ﴿ قبلة بعض ﴾ ط ﴿ من العلم ﴾ لا لأن "ان" جواب معنى القسم في "لئن"، فلو فصل كان ﴿ من الظالمين ﴾ مطلقاً وفي الاطلاق حظر ﴿ الظالمين ﴾ ه م لأنه لو وصل صار "الذين" صفة وهو مبتدأ في مدح عبد الله ابن سلام وأضرابه ﴿ أبناءهم ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ الممترين ﴾ ه ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ الحرام ﴾ (ط) ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الحرام ﴾ ط لأن "حيث" متضمن الشرط ﴿ شطره ﴾ لا لتعلق لام في ﴿ حجة ﴾ ط قبل تحرزاً عن إثبات الحجة بعد النفي والوصل ه في العربية أوضح، ولا منافاة لأن المراد من الحجة الخصومة وبيان الحق لا ينافي الخصومة ﴿ تهتدون ﴾ إذا علق ﴿ كما أرسلنا ﴾ بما قبله ووقف على ﴿ تعلمون ﴾ وإن علق بما بعده وقف على ﴿ تهتدون ﴾ دون ﴿ تعلمون ﴾ ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ ولا تكفرون ﴾ ه.

التفسير: هذه شبهة ثانية من أهل الكتاب طعناً في الإسلام.

قالوا: النسخ يقتضي إما الجهل أو التجهيل لأن الأمر إن كان خالياً عن القيد كفى فعله مرة واحدة، فلا يكون ورود الأمر بعده على خلافه ناسخاً مقيداً.

وإن كان مقيداً بالدوام فكذلك، وإن كان مقيداً بالدوام فإن كان الآمر يعتقد دوامه ثم رفعه كان جهلاً وبداء، وإن كان عالماً بلا دوامه كان تجهيلاً، وكل هذه من الحكيم قبيح.

ثم إنهم خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة، وهو أنّا إذا جوزنا النسخ عند اختلاف المصالح فههنا لا مصلحة فإن الجهات متساوية وهذا دليل على أن هذا التغيير ليس من عند الله.

قال القفال: لفظ ﴿ سيقول ﴾ وإن كان للاستقبال لكنه قد يستعمل في الماضي كالرجل يعمل عملاً فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول: أنا أعلم أنهم سيطعنون فيّ.

كأنه يريد أنه إذا ذكر مرة فسيذكرونه مرات أخرى، ويؤيد ذلك ما ورد من الأخبار أنهم لما قالوا ذلك نزلت الآية.

والمشهور أن الله  أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه، وفيه فوائد منها: أنه إخبار بالغيب فيكون معجزاً.

ومنها أن مفاجأة المكروه أشد مما إذا وطن النفس له.

ومنها أن الجواب العتيد أقطع للخصم وقبل الرمي يراش السهم، والسفهاء الخفاف الأحلام وإذا كان من لا يميز بين ما له وعليه في أمر دنياه يعدّ سفيهاً شرعاً، فالذي يضيع أمر آخرته أولى بهذا الاسم.

عن ابن عباس ومجاهد: هم اليهود، ذلك أنهم كانوا يأنسون بموافقة النبي  إياهم في القبلة، فلمّا تحول استوحشوا لا سيما وأنهم لا يرون النسخ.

وعن البراء بن عازب والحسن الأصم: أنهم مشركو العرب قالوا: أبى إلاّ الرجوع إلى موافقتنا ولو ثبت عليه أولاً كان أولى به.

وقيل: هم المنافقون ذكروا ذلك استهزاء من حيث إن تميز بعض الجهات عن بعض ليس له دليل معقول فحملوا الأمر على العبث والعمل بالرأي والتشهي والأقرب أن يكون الكل داخلاً فيه، لأن الأعداء جبلت على الغيظ وطلب التشفي، فإذا وجدوا مجالاً لم يتركوا مقالاً ﴿ ما ولاهم ﴾ ما صرفهم استفهموا على جهة التعجب والاستهزاء ﴿ عن قبلتهم التي كانوا عليها ﴾ القبلة بيت المقدس، وضمير الجمع للرسول والمؤمنين هذا هو المجمع عليه عند المفسرين، ولولا الإجماع لاحتمل أن يعود الضمير في "كانوا" إلى "السفهاء" أي ما الذي صرف الرسول والمؤمنين عن القبلة التي كان السفهاء عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلاّ قبلة اليهود وهي إلى المغرب وقبلة النصارى وهي إلى المشرق؟

فكأنهم قالوا: كيف يتوجه أحد إلى غير هاتين الجهتين المعروفتين؟

فاجابهم الله عن شبهتهم بقوله ﴿ قل لله المشرق والمغرب ﴾ أي بلادهما، والأرض كلها والجهات بأسرها ملكاً وملكاً، ثم أكد ذلك بقوله ﴿ يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ ﴾ وهو القبلة التي اقتضت الحكمة في هذا الزمان توجيه الناس إليها ويحتمل أن يراد به الطريقة المؤدية إلى سعادة الدارين فيشتمل القبلة وغيرها.

وحاصل الجواب بعد ما مر في آية النسخ أنه  فاعل لما يشاء كما يشاء، لا اعتراض لأحد عليه كما لا اعتراض على من يتصرف في ملكه كما يريد، وأفعاله  لا تعلل بغرض وإن كانت لا تخلو عن فائدة وحكمة كما سبق، وكثير منها مما لا يهتدي عقول البشر إلى تفاصيل حكمها لكنهم قد يستنبطون بحسب أفهامهم لبعضها وجوهاً مناسبة، أما تعيين القبلة في الصلاة فالحكمة فيه أن للإنسان قوة عقلية يدرك المجردات والمعقولات بها وقوة خيالية يتصرف بها في عالم الأجسام، وقلما تنفك العقلية عن الخيالية وإعانتها كالمهندس يضع في إدراك أحكام المقادير صورة معيّنة وشكلاً معيناً ليصير الحس والخيال معينين له على إدراك تلك الأحكام الكلية، وكالذي يريد أن يثني على ملك مجازي فإنه يستقبله بوجهه ثم يشتغل بالثناء والخدمة.

فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه مستقبلاً للملك، والقراءة تجري مجرى الثناء عليه، والركوع والسجود جاريان مجرى الخدمة.

وأيضاً الخشوع في الصلاة لا يحصل إلا مع السكون وترك الالتفات، ولا يتأتى ذلك إلاّ إذا بقي في جميع صلاته مستقبلاً لجهة واحدة على التعيين.

وإذا اختص بعض الجهات بمزيد شرف في الأوهام فاستقباله أولى.

وأيضاً إنه  يحب الموافقة والألفة بين المؤمنين وقد من عليهم بذلك ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً  ﴾ .

وتوجه كل مصلٍ إلى أي جهة تتفق مظنة الاختلاف فلم يكن بد من تعيين جهة ليحصل الاتفاق.

وأيضاً كأنه  يقول: يا مؤمن أنت عبد، والكعبة بيتي، والصلاة خدمتي، وقلبك عرشي، والجنة دار كرامتي، فاستقبل بوجهك إلى بيتي وبقلبك إليّ، أبوئك دار كرامتي.

وأيضاً اليهود استقبلوا مغرب الأنوار ﴿ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر  ﴾ .

والنصارى استقبلوا مطلع الأنوار ﴿ إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً  ﴾ فالمؤمنون استقبلوا مظهر الأنوار وهو مكة، فمنها محمد ومنه خلق الأنوار ولأجله دال الفلك الدوّار.

وأيضاً المغرب قبلة موسى، والمشرق قبلة عيسى، وبينهما قبلة إبراهيم ومحمد، وخير الأمور أوسطها؛ وأيضاً الكعبة سرة الأرض ووسطها، وأمة محمد وسط ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ .

والوسط بالوسط أولى ﴿ الطيبات للطيبين  ﴾ .

وأيضاً العرش قبلة الحملة، والكرسي قبلة البررة، والبيت المعمور قبلة السفرة، والكعبة قبلة المؤمنين، والحق قبلة المتحيرين ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ والعرش مخلوق من النور، والكرسي من الدر، والبيت المعمور من الياقوت، والكعبة من جبال خمسة: سينا وزيتا وجوديّ ولبنان وحراء.

كأنه قال: إن كان عليك مثل هذه الجبال ذنوباً فأتيت الكعبة حاجاً أو معتمراً أو توجهت مصلياً الصلوات الخمس غفرتها لك.

وأيضاً لما كان بناء هذا البيت سبباً لظهور دولة العرب كانت رغبتهم في توجهها أشد وأيضاً اليهود كانوا يعيرون المسلمين بأنا قد أرشدناكم إلى القبلة وينكسر بذلك قلوب المسلمين.

فأزيل تشويشهم، وأيضاً الكعبة منشأ محمد، فتعظيمها يقتضي تعظيمه، وتعظيمه مما يعين على قبول أوامره ونواهيه، فبمقدار حشمة المرء يكون قبول قوله.

فهذه هي الوجوه المناسبة، والوجه الأقوى هو الذي ذكره الله  في قوله ﴿ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ﴾ وقوله ﴿ وكذلك جعلناكم ﴾ الكاف للتشبيه، وفي اسم الإشارة وجوه.

فقيل: راجع إلى معنى يهدي أي كما أنعمنا عليكم بالهداية كذلك أنعمنا عليكم بأن جعلناكم، أو كما هديناكم إلى أوسط البقلة جعلناكم أمة وسطاً.

وقيل: عائد إلى قوله ﴿ ولقد اصطفينا  ﴾ .

أي كما اصطفينا إبراهيم في الدنيا جعلناكم.

وقيل: ينصرف إلى قوله ﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ أي كما خصصنا بعض الجهات المتساوية بمزيد التشريف والتكريم حتى صارت قبلةً فضلاً منا وإحساناً، جعلناكم مختصين بالعدالة براً منا وامتناناً مع تساوي الخلق في العبودية.

وقيل: قد يذكر ضمير الشيء وإن لم يكن المضمر مذكوراً إذا كان المضمر مشهوراً معروفاً مثل ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ ثم من المشهور المعروف عند كل أحد أنه  هو القادر على إعزاز من يشاء وإذلال من يشاء، فالمعنى ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد غيري جعلناكم أمةً وسطاً.

الجوهري: يقال جلست وسط القوم بالتسكين لأنه ظرف، وجلست وسط الدار بالتحريك لأنه اسم، وكل موضع صلح فيه بين فهو وسط، وإن لم يصلح فيه بين فهو وسط بالتحريك.

قال: والوسط من كل شيء أعدله، وشيء وسط أي بين الجيد والرديء، وأمةً وسطاً أي عدولاً قال زهير: همو وسط يرضى الأنام بحكمهم *** إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم وذلك أن العدل متوسط في الأخلاق بين طرفي الإفراط والتفريط، ولهذا ذكره الله تعالى في معرض المدح والامتنان.

وقيل: الوسط الخيار لأنه يستعمل في الجمادات.

قال في الكشاف: اكتريت بمكة جمل أعرابي فقال: أعطني من سطاتهن - أراد من خيار الدنانير - ويؤيده قوله  في موضع آخر ﴿ كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس  ﴾ وإنما أطلق الوسط على الخيار لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والعيب، والأوساط محمية محوطة.

وقيل: المراد بالوسط ههنا أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرّط والغالي والمقصر في شأن الأنبياء لا كالنصارى حيث جعلوا النبي صلّى الله عليه وسلم ابناً وإلهاً، ولا كاليهود حيث قتلوا الأنبياء وبدلوا الكتب، ولأن الوسط في الأصل اسم وصف به استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ الأكثرون على أن هذه الشهادة في الآخرة إما بأن يكونوا شهداء للأنبياء على أممهم الذين يكذبونهم.

روي أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء يوم القيامة فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا - وهو أعلم - فيؤتى بأمة محمد فيشهدون فيقول الأمم: من أين عرفتم؟

فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق.

فيؤتى بمحمد فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله  ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ قلت: والحكمة في ذلك تمييز أمة محمد  في الفضل عن سائر الأمم حيث يبادرون إلى تصديق الله  وتصديق جميع الأنبياء والإيمان بهم جميعاً، فهم بالنسبة إلى غيرهم كالعدل بالنسبة إلى الفاسق، ولذلك تقبل شهادتهم على الأمم، ولا تقبل شهادة الأمم عليهم.

وإنما سمي هذا الإخبار شهادة لقوله  "إذا علمت مثل الشمس فاشهد" .

والشيء الذي أخبر الله  عنه معلوم مثل الشمس فتصح الشهادة عليه، وإما بأنْ يشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحق فيها.

قال ابن زيد: الأشهاد أربعة: الملائكة الحفظة ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد  ﴾ والنبيون ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيد ﴾ وأمة محمد  خاصة ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ ﴿ ويوم يقوم الأشهاد  ﴾ والجوارح ﴿ يوم تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم وأرجلهم  ﴾ .

وقيل: إن هذه الشهادة في الدنيا، وذلك أن الشاهد في عرف الشرع من يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة، فكل من عرف حال شخص فله أن يشهد عليه فإن الشهادة خبر قاطع، وشهادة الأمة لا يجوز أن تكون موقوفة على الآخرة لأن عدالتهم في الدنيا ثابتة بدليل ﴿ جعلناكم ﴾ بلفظ الماضي، فلا أقل من حصولها في الحال.

ثم رتب كونهم شهداء على عدالتهم، فيجب أن يكونوا شهداء في الدنيا.

وإن قيل: لعل التحمل في الدنيا ولكن الأداء في الآخرة.

قلنا: المراد في الآية الأداء لأن العدالة إنما تعتبر في الأداء لا في التحمل، ومن هنا يعلم أن إجماعهم حجة لا بمعنى أن كل واحدٍ منهم محق في نفسه، بل بمعنى أن هيئتهم الاجتماعية تقتضي كونهم محقين، وهذا من خواص هذه الأمة، ثم لا يبعد أن يحصل مع ذلك لهم الشهادة في الآخرة فيجري الواقع منهم في الدنيا مجرى التحمل لأنهم إذا بينوا الحق عرفوا عنده من القابل ومن الراد، ثم يشهدون بذلك يوم القيامة كما أن الشاهد علىالعقود يعرف ما الذي تم وما الذي لم يتم ثم يشهد بذلك عند الحاكم، أو يكون المعنى لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلاّ بشهادة العدول الأخيار، ويكون الرسول عليكم شهيداً يزكيكم ويعلم بعدالتكم.

وإنما قدمت صلة الشهادة في الثاني لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم فقط، فبقيت صلة الشهادة في مركزها.

والغرض في الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم فأزيلت عن مركزها ليفيد الاختصاص.

وإنما لم يقل لكم شهيداً مع أن شهادته لهم لا عليهم، لأنه ضمن معنى الرقيب مثل ﴿ والله على كل شيءٍ شهيد  ﴾ مع رعاية الطباق للأول.

وإنما قيل "شهداء على الناس في الدنيا" لأن قولهم يقتضي التكليف إما بفعل أو بقول وذلك عليهم لا لهم في الحال.

قيل: الآية متروكة الظاهر لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحدٍ منهم بها وليس كذلك، فلا بد من حملها على البعض.

فنحن نحملها على الأئمة المعصومين سلمناه لكن الخطاب في ﴿ جعلناكم ﴾ للموجودين عند نزول الآية لأن خطاب من لم يوجد محال.

فالآية تدل على أن إجماع أولئك حق لكنا لا نعلم بقاء جميعهم بأعيانهم إلى ما بعد وفاة الرسول فلا تثبت صحة الإجماع وقتئذ.

سلمنا ذلك لكن المراد بالعدالة اجتناب الكبائر فقط، فيحتمل أن الذي أجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقْدح ذلك في خيريتهم وعدالتهم.

وأجيب بأن حال الشخص في نفسه غير حاله بالقياس إلى غيره، فلم يجوز أن يكون الشخص غير مقبول القول عند الانفراد ويكون مقبولاً عند الاجتماع؟

والخطاب لجميع الأمة من حين نزول الآية إلى قيام الساعة كما في سائر التكاليف مثل ﴿ كتب عليكم الصيام كما  ﴾ ﴿ كتب عليكم القصاص  ﴾ فللموجودين بالذات وللباقين بالتبعية، لكنا لو اعتبرنا أوّل الأمة وآخرها بأسرها لزالت فائدة الآية إذا لم يبق بعد انقضائها من تكون الآية حجة عليه، فعلمنا أن المراد به أهل كل عصر.

ثم إن الله  منّ على هذه الأمة بأن جعلهم خياراً أو عدولاً عند الاجتماع، فلو أمكن اجتماعهم على الخطأ لم يبق بينهم وبين سائر الأمم فرق في ذلك فلا منة.

﴿ وما جعلنا ﴾ يريد الجعل بمعنى الشرع والحكم.

﴿ التي ﴾ صفة موصوف محذوف هو ثاني مفعولي "جعل" أي وما جعلنا القبلة أي الجهة التي كنت عليها أي كنت معتقداً لاستقبالها كقولك "الشافعي على كذا" ثم ههنا وجهان: أحدهما أن هذا الكلام بيان للحكمة في جعل الكعبة قبلة وذلك أنه  كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تألفاً لليهود وامتحاناً للذلن اتّبعوه بمكة، ثم حول إلى الكعبة اختباراً ثانياً أي ما رددناك إلى الجهة التي كنت عليها أولاً إلا امتحاناً للناس وابتلاء وثانيهما أنه بيان للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة، يعني أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وأن استقبالك بيت المقدس كان أمراً عارضاً لفائدة هي أن نمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول ومن لا يتبعه.

واللام في ﴿ لنعلم ﴾ ليست لأجل الغرض وإنما هي لتقرير الحكمة والفائدة التي يستتبعها الجعل.

فإن قيل: كيف؟

قال ﴿ لنعلم ﴾ ولم يزل عالماً بذلك؟

فالجواب أن معناه ليعلم حزبنا من النبي والمؤمنين كما يقول الملك: فتحنا البلد.

وإنما فتحه جنده أو لنعلمه موجوداً حاصلاً وهو العلم الذي يتعلق به الجزاء.

ولا يلزم منه أن يحدث لله علم فإن العلم الأزلي بالحادث الفلاني في الوقت الفلاني غير متغير، وإنما هو قبل حدوث الحادث كهو حال حدوثه.

وإنما جاء المضي والاستقبال من ضرورة كون الحادث زمانياً وكون كل زمان مكنوفاً بزمانين: سابق ولاحق.

فإذا نسبت العلم الأزلي إلى الزمان السابق قلت "سيعلم الله" وإذا نسبت إلى زمانه قلت "يعلم" وإذا نسبت إلى الزمان اللاحق قلت "قد علم" فجميع هذه التغيرات انبعثت من اعتباراتك، وعلم الله واحد فافهم.

أو لنميز التابع من الناكص كقوله ﴿ ليميز الله الخبيث من الطيب  ﴾ فسمي التمييز علماً لأنه أحد فوائد العلم وثمراته، أو لنرى كما تستعمل الرؤية مكان العلم.

وعن الفراء: أن حدوث العلم في الآية راجع إلى المخاطبين ومثاله: أن جاهلاً وعاقلاً اجتمعا فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار.

ويقول العاقل: بل النار تحرق الحطب، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه، معناه لنعلم أينا الجاهل.

وهذا من كلام المصنف مثل ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين  ﴾ وقوله ﴿ ممن ينقلب على عقبيه ﴾ استعارة للكفر والارتداد كأنه يرجع إلى حيث أتى ثم إن هذه المحنة حصلت بسبب تعيين القبلة.

أو بسبب تحويلها من الناس، من قال بالأول لأنه  كان يصلي إلى الكعبة، فلما جاء إلى المدينة صلى إلى بيت المقدس فشق ذلك على العرب من حيث إنه ترك قبلتهم، ثم لما تحول إلى الكعبة شق ذلك على اليهود.

والأكثرون على الثاني لأن الشبهة في أمر النسخ أعظم منها في تعيين القبلة، عن ابن جريج أنه قال: بلغني أنه رجع ناس ممن أسلم وقالوا مرة ههنا ومرة ههنا، ولو كان على يقين من أمر تغير رأيه.

وعن السدي: لما توجه إلى الكعبة اختلفوا، قال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة ثم تركوها؟

وقال المسلمون: ليتنا نعلم حال إخواننا الذين ماتوا وقد صلوا نحو البيت المقدس.

وقال آخرون: اشتاق إلى بلد أبيه ومولده.

وقال المشركون: تحير في دينه.

﴿ وإن كانت لكبيرة ﴾ هي "إن" المخففة التي يلزمها اللام الفارقة بينها وبين "إن" النافية، وتتهيأ بالتخفيف للدخول على الأفعال.

لكن البصريين أوجبوا كون الفعل الذي دخلت هي عليه من باب "كان" أو "علم" ويبطل عمل "إن" في الظاهر، وكذا في التقدير، فلا يقدر ضمير الشأنّ كما يقدر في "أن" المفتوحة إذا خففت، فقوله ﴿ لكبيرة ﴾ خبر "كانت" واسمها الضمير العائد إلى القبلة لأنها هي المذكورة، أو إلى ما دل عليه الكلام السابق من التولية في ﴿ ما ولاهم ﴾ أو الجعلة، أو الردة، أو التحويلة في ﴿ وما جعلنا ﴾ ومعنى لكبيرة لثقيلة شاقة مستنكرة كقوله ﴿ كبرت كلمة تخرج من أفواههم ﴾ وذلك أن الامتحان إن وقع بنفس القبلة فالفطام عن المألوف شديد والإعراض عن طريقة الآباء والأسلاف عسير، وإن وقع بالتحويل فهو مبني على جواز النسخ وفيه ما فيه من الشبه والإشكال فيصعب اعتقاد حقيقته إلا على الذين هدى الله.

الراجع محذوف أي هداهم الله إلى الثبات على دين الإسلام بأن نصب لهم الدلائل أولاً، ثم جعلهم منتفعين بها ثانياً، وإلا فالدلالة عامة للكل ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ الخطاب للمؤمنين المعاصرين، واللام لتأكيد النفي الداخل في "كان" ينتصب المضارع بعدها بتقدير "أن" أي لن يضيع الله ثواب ثباتكم على الإيمان، وأنكم لم تزلوا ولم ترتابوا، بل شكر صنيعكم وأعدّ لكم الثواب الجزيل عن الحسن.

وقال ابن زيد: ما كان الله ليترك تحويلكم من بيت المقدس إلى الكعبة لعلمه بأن تقريركم على ذلك مفسدة لكم وإضاعة لصلواتكم، أي لثوابها.

أطلق الإيمان على الصلاة لأنها أعظم آثار الإيمان وأشرف نتائجه، أو لأن المراد لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك الصلاة.

وعن ابن عباس: لما وجه رسول الله  إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟

فنزلت.

وإنما خوطبوا تغليباً للأحياء مثل ﴿ وإذ قتلتم نفساً  ﴾ ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر  ﴾ والمراد أهل ملتهم.

وليس هذا السؤال من الشك في حقية النسخ في شيء وإنما هو لأجل الاطمئنان وازدياد اليقين ولعلهم إنما خصوا السؤال بالأموات لأنهم ظنوا أنفسهم مستغنين عن ذلك حيث تقع صلاتهم إلى الكعبة بقية عمرهم مكفرة لما سلف منهم، فأجيبوا بما يخرج عنه جواب الأموات والأحياء جميعاً، فإن المنسوخ حق في وقته كما أن الناسخ حق في وقته، سواء عمل المكلف بهما في وقتيهما أو لم يعمل إلا بالمنسوخ لانقضاء أجله قبل الناسخ.

وجوز بعضهم أن يكون السؤال صادراً عن منافق فنبه الله المسلمين على الجواب.

وقيل: بل المعنى وفقتكم لقبول هذا التكليف لئلا يضيع إيمانكم، فإنهم لو ردوا هذا التكليف لكفروا.

يحكى عن الحجاج أنه قال للحسن: ما رأيك في أبي تراب؟

فقرأ قوله ﴿ إلا على الذين هدى الله ﴾ ثم قال: وعلي منهم وهو ابن عم رسول الله  وختنه على ابنته وأقرب الناس إليه وأحبهم ﴿ إن الله بالناس لرؤف رحيم ﴾ الجوهري: الرأفة أشد الرحمة.

رؤفت به أرؤف بالضم فيهما رأفة ورآفة ورأفت به أرأف بالفتح فيهما.

ورئفت به بالكسر رأفاً والصفة رؤوف ورؤف على "فعول" و "فعل" وقيل: الرحمة تقع في الكراهة للمصلحة، والرأفة لا تكاد تكون في الكراهة، وقيل: الرأفة مبالغة في رحمة خاصة هي دفع المكروه وإزالة الضرر قال ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفةٌ  ﴾ .

والرحمة اسم جامع خصص أولاً ثم عمم.

والمراد أن الرؤف الرحيم كيف يتصور منه الإضاعة، أو كيف لا ينقلكم من شرع إلى شرع هو أصلح لكم وإنما هَدى مَنْ هَدَى لأنه بالناس رؤف رحيم، فمن كان أقبل للفيض كان الأثر عليه أظهر.

قوله عز من قائل ﴿ قد نرى ﴾ معناه كثرة الرؤية ههنا وإن كان في الأصل للتقليل قال: قد أتـرك القـرن مصفـراً أناملـه *** كأن أثـوابـه مجـت بفـرصـاد كما أن "رب" في الأصل للتقليل، ثم قد تستعمل في معنى التكثير كقوله "فإن تمس مهجور الفناء فربما".

أقام به بعد الوفود وفود.

ووجه ذلك أن المادح يستقل الشيء الكثير من المدائح لأن الكثير منها كأنه قليل بالنسبة إلى الممدوح ومثله ﴿ قد يعلم الله ﴾ فإن المتمدح بكثرة العلم يقول لا تنكر أن أعرف شيئاً من العلم.

﴿ تقلب وجهك ﴾ تردد نظرك في جهة السماء وذلك لانتظار تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.

عن ابن عباس أنه قال النبي  : "يا جبريل وددت أن الله  صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فقد كرهتها" .

فقال له جبريل  : أنا عبد مثلك فسل ربك ذلك.

فجعل النبي  يديم النظر إلى السماء رجاء مجيء جبريل بما سأل فنزلت.

وإنما أحب ذلك لأن اليهود كانوا يقولون: إنه يخالفنا ثم إنه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل أو لأن الكعبة كانت قبلة أبيه إبراهيم ولأن ذلك أدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولأنه أحب أن يحصل هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه، ولا يبعد أن يميل طبعه إلى شيء ثم يتمنى في قلبه إذن الله فيه.

وقيل: إنه استأذن جبريل في أن يدعو الله  فأخبره بأن الله قد أذن له في الدعاء، فكان يقلب وجهه في السماء ينتظر مجيء جبريل للإجابة.

وعن الحسن: أن جبريل أخبره بأن الله  سيحوّل القبلة عن بيت المقدس من غير تعيين للمحول إليها - ولم تكن قبلة أحب إلى رسول الله  من الكعبة - فكان ينتظر الوحي بذلك وعلى هذا فقيل: منع من استقبال بيت المقدس ولم يعين له القبلة وكان يخاف أن يدخل وقت الصلاة ولا قبلة، فلذلك كان يقلب وجهه عن الأصم.

وقيل: بل وعد بذلك.

وقبلة بيت المقدس باقية بحيث تجوز الصلاة إليها لكن لأجل الوعد كان يقلب طرفه وهذا وإلا لم تكن القبلة ناسخة للأولى بل كانت مبتدأة، لكن المفسرين أجمعوا على أنها ناسخة للأولى، لأنه لا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلا مع بيان موضع التوجه.

واختلف في صلاته بمكة فقيل: كان يصلي إلى الكعبة فلما صار إلى المدينة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر أو ثلاثة عشر أو ستة عشر أو سبعة عشر - وهو الأكثر - أو ثمانية عشر أو سنتين أقوال.

وقيل: بل كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس إلا أنه يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس.

واختلفوا أيضاً في أن توجه بيت المقدس هل كان فرضاً لا يجوز غيره أو كان النبي  مخيراً في توجهه إليه وإلى غيره.

فعن الربيع بن أنس أنه كان مخيراً لقوله ﴿ ولله المشرق والمغرب  ﴾ الآية.

ولما روي أن قوماً قصدوا الرسول من المدينة إلى مكة للبيعة قبل الهجرة فتوجه بعضهم في الطريق لصلاته إلى الكعبة وبعضهم إلى بيت المقدس، فلما قدموا سألوا النبي  عن ذلك فلم ينكر عليهم.

وعن ابن عباس أن ذلك كان فرضاً لقوله ﴿ فلنولينك قبلة ترضاها ﴾ فدل على أنه ما كان مخيراً بينها وبين الكعبة.

ومعنى "فلنولينك" فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولهم "وليته كذا" جعلته والياً له، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس.

ترضاها تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله  وحكمته.

وعن الأصم: كل جهة وجهك الله إليها يجب أن تكون رضاً لا تسخطها كما فعل من انقلب على عقبيه.

وقيل: ترضى عاقبتها لأنك تميز بها الموافق عن المنافق.

﴿ فول وجهك ﴾ أي كل بدنك لأن الواجب على الشخص أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط.

وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء وبه تتميز الأشخاص.

وشطر المسجد الحرام أي نحوه وجهته قاله جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

وعن بعضهم أن الشطر نصف الشيء والكعبة واقعة من المسجد في النصف من جميع الجوانب، فاختبر هذه العبارة ليعرف أن الواجب هو التوجه إلى بقعة الكعبة، وزيف بالفرق بين النصف وبين المنتصف والمكلف مأمور بالثاني دون الأول.

عن ابن عباس: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن النبي قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم فاستداروا إلى الكعبة.

وفي الموطأ: صلى رسول الله  بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس ثم حوّلت القبلة قبل بدر بشهرين.

واختلفوا في المراد بالمسجد الحرام.

ففي شرح السنة عن ابن عباس أنه قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب، وهذا قول مالك.

وقال آخرون: القبلة هي الكعبة لما أخرج في الصحيحين عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة بن زيد قال: لما دخل النبي  البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال: هذه القبلة.

وقد وردت أخبار كثيرة في صرف القبلة إلى الكعبة كما قلنا في حديث ابن عمر، فاستداروا إلى الكعبة.

وقال آخرون: القبلة هي المسجد الحرام كله.

واعلم أن الواجب عند الشافعي في أظهر قوليه أن يستقبل المصلي عين الكعبة قريباً كان أو بعيداً لظاهر قوله  ﴿ وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ ولقوله  : "هذه القبلة" مشيراً به إلى العين، ولأن تعظيم الكعبة من النبي  بلغ مبلغ التواتر.

وتوقيف صحة الصلاة وهي من أعظم شعائر الدين على استقبال عين الكعبة مما يوجب مزيد شرف الكعبة، فوجب أن يكون مشروعاً.

ولأن كون الكعبة قبلة أمر معلوم وغيره مشكوك فيه والأخذ بالمعلوم أحوط.

وأما عند أبي حنيفة ويوافقه القول الآخر للشافعي، فمحاذاة جهة الكعبة كافية لأن في استقبال عين الكعبة حرجاً عظيماً للبعيد، ولأن في ذكر المسجد الحرام دون الكعبة دلالة على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين، ولأن الشطر الجانب واكتفى به في الآية، ولأن أهل قباء استداروا إلى الكعبة في أثناء الصلاة وفي ظلمة الليل ومن المعلوم أن مقابلة العين من المدينة إلى مكة حيث إنها تحتاج إلى النظر الدقيق لم يتأت لهم حينئذ، ثم لم ينكر النبي  عليهم وسمى مسجدهم بذي القبلتين، ولأن استقبال عين الكعبة لو كان واجباً ولا سبيل إليه إلا بالدلائل الهندسية فإنها هي المفيدة لليقين وغيرها من الأمارات لا يفيد إلا الظن، والقادر على اليقين لا يجوز له الاكتفاء بالظن وما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب، لزم أن يكون تعلم تلك الدلائل واجباً، ولم يذهب إليه أحد والإنصاف أن القول الأول أقرب إلى التعبد، وإصابة العين للبعيد غير بعيد، فما من نقطتين في الأرض ولا في السماء إلا ويمكن أن يوصل بينهما بخط، والغرض أن يكون المصلي ساجداً على قوس عظيمة أرضية مارّة بقدميه وموضع سجوده ووسط البيت بشرط أن يكون القوس أقل من نصف الدور.

وغير عسير معرفة هذا القدر بالدائرة الهندسية وغيرها من الطرق المشهورة فيما بين أهل الهيئة وقد برهنا على كثير منها في كتبنا النجومية، وذكرها ههنا خروج عن الصناعة مع أن المتعلم لا ينتفع بها دون مقدماتها.

ولمعرفة القبلة أمارات أخر قد يستعين بها المتحير وهي: إما أرضية وهي الجبال والقرى والأنهار، أو هوائية وهي الرياح، أو سماوية وهي النجوم.

أما الأرضية والهوائية فغير مضبوطة لكن ربما يكون في الطريق جبل مرتفع يعلم أنه على يمين المستقبل أو شماله أو قدامه أو خلفه، وكذلك الرياح قد تهب في بعض النواحي من صوب معين، وأما السماوية ففي النهار لا بد أن يراعي قبل الخروج عن البلد، الشمس عند الزوال هي بين الحاجبين أم على العين اليمنى أم على اليسرى أم تميل ميلاً أكثر من ذلك، فإن الشمس في البلاد الشمالية قلما تعد وهذه المواقع.

وكذلك يراعى وقت العصر ويعرف وقت الغروب أنها تغرب عن يمين المستقبل أو هي مائلة إلى وجهه أو قفاه.

وكذلك يعرف وقت العشاء الاخرة موضع الشفق، ووقت الصبح مشرق الشمس، ويحتاط في مشرق الصيف والشتاء ومغربها.

وبالليل يستدل بالكوكب الذي يقال له "الجدي" فيعرف أنه على قفا المستقبل أو على منكبه الأيمن أو الأيسر في البلاد الشمالية من مكة وفي البلاد الجنوبية منها بخلاف ذلك.

فإذا عرف هذه الدلائل في بلده فليعول عليها في الطريق كله إلا إذا طال السفر، فحينئذ إذا انتهى إلى بلد سأل أهل البصيرة أو يراقب هذه الكواكب وهو يستقبل محراب جامع البلد ثم يستدل بها في سائر طريقه.

ومعرفة دلائل القبلة فرض على العين أم فرض على الكفاية؟

أصح الوجهين في مذهب الشافعي الأول كأركان الصلاة وشرائطها.

قوله  ﴿ وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ ليس بتكرار لأن الأول الخطاب للرسول وهذا خطاب للأمة، أو لأن الأمة قد دخلت في الأول تبعاً.

واحتمل أيضاً أن يكون الخطاب مختصاً بأهل المدينة وفي الثاني عم المكلفين جميعاً في جميع بقاع الأرض.

واعلم أن الاستقبال يتوقف على مستقبل ومستقبل نحوه هو القبلة، ولا بد من حالة يقع فيها الاستقبال، فلنتكلم في هذه الأركان الثلاثة على الإجمال وتفصيل ذلك في كتبنا الفقهية.

الركن الأول الحالة: وهي الصلاة للإجماع على أن الاستقبال خارج الصلاة غير واجب وإن كان طاعة لقوله  "خير المجالس ما استقبل به القبلة" والصلاة إما فريضة ويتعين الاستقبال فيها إلا في حالة الخوف، وإما نافلة ويجب فيها الاستقبال إلا في حالة الخوف، وفي السفر راكباً أو ماشياً متوجهاً إلى طريقه لما روي عن ابن عمر أن النبي  كان يصلي في السفر في راحلته حيث توجهت به.

ويحكى عن أحمد خلاف في الماشي وكذا من أبي حنيفة.

وهل يجب على المتنقل أن يستقبل القبلة عند التحرم؟

الأصح نعم إن سهل بأن لم تكن مقطرة أو لا حران بها وإلا فلا، لما روي أن النبي  كان إذا سافر وأراد أن يتطوع استقبل القبلة بناقته وكبر ثم صلى حيث وجهه ركابه.

وأم عدم الاشتراط عند الصعوبة فلدفع المشقة واختلال أمر السير عليه، وأما الاستقبال عند السلام فالأصح أنه لا يشترط كما في سائر الأركان إلا الماشي فعليه الاستقبال في كل ركوع وسجود كما عليه الإتمام بخلاف الراكب فإنه لا يكلف الاستقبال فيهما ولا وضع الجبهة في السجود على السرج أو الإكاف، بل يقتصر فيهما على الإيماء ويجعل السجود أخفض.

وليس لراكب التعاسيف الذي لا مقصد له رخصة ترك الاستقبال في التنقل.

الركن الثاني القبلة: للمصلي إن وقف في جوف الكعبة وهي على هيئتها مبنية تصح صلاته فريضة كانت أو نافلة خلافاً لأحمد ومالك في الفريضة.

قيل لنا إنه صلى متوجهاً إلى بعض أجزاء الكعبة فتصح صلاته كالنافلة كما يتوجه إليها من خارج، ثم يتخير في استقبال أي جدار شاء.

ويجوز أن يستقبل الباب أيضاً إن كان مردوداً، وإن كان مفتوحاً فإن كانت العتبة قدر مؤخرة الرحل صحت صلاته وإلا فلا.

ومؤخرة الرحل ثلثا ذراع إلى ذراع تقريباً كأنهم راعوا أن يكون في سجوده يسامت بمعظم بدنه الشاخص.

وإن انهدمت الكعبة - حاشاها - وبقي موضعها عرصة فإن وقف خارجها وصلى إليها جاز لأن المتوجه إلى هواء البيت والحالة هذه متوجه نحو المسجد الحرام كمن صلى على أبي قبيس والكعبة تحته يجوز لتوجهه إلى هواء البيت.

ولو صلى في العرصة فالحكم كما لو وقف الآن على سطح الكعبة، فإن لم يكن بين يديه شاخص من نفس الكعبة قدر مؤخرة الرحل فالأصح أنه لا يجزيه خلافاً لأبي حنيفة.

وإن كان المصلي خارج الكعبة فإن كان حاضر المسجد الحرام وجب عليه لا محالة استقبال عين الكعبة بكل بدنه لأنه قادر عليه، والإمام يقف خلف المقام استحباباً، والقوم يقفون مستديرين بالبيت وإلا فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة إلا عند من يرى الجهة كافية.

ولو تراخى الصف الطويل ووقفوا في آخر باب المسجد صحت صلاتهم لأن البعيد تزداد محاذاته.

يتبين ذلك إذا جعلت البيت رأس مثلث متساوي الساقين والصفوف خطوطاً موازية لقاعدته.

وإن كان خارج المسجد فإن كان يعاين القبلة سوّى محرابه بناء على العيان وصلى إليه أبداً.

ومحراب النبي  بالمدينة نازل منزلة الكعبة لأنه لا يقر على الخطأ فهو صواب قطعاً فيسوّي سائر المحاريب عليه.

وفي معنى المدينة سائر البقاع التي صلى فيها رسول الله  إذا ضبط المحراب، وكذا المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين.

وفي الطرق التي هي جادتهم يتعين التوجه إليها وكذلك في القرية الصغيرة التي نشأ فيها قرن من المسلمين، ولا بد من الاجتهاد في التيامن والتياسر، وأما في محراب الرسول  فلا.

ولا يجوز الاجتهاد في الجهة في شيء من محاريب المسلمين لأن الخطأ منهم في الجهة بعيد بخلاف التيامن والتياسر.

ويقال: إن عبد الله بن المبارك كان يقول بعد رجوعه من الحج: تياسروا يا أهل مرو.

الركن الثالث المستقبل: إذا قدر على اليقين بالمعاينة أو بأمارات أخر فلا يجتهد ولا يقلد وإن لم يقدر، فإن وجد من يخبره عن علم وكان المخبر ممن يعتد بقوله رجع إلى قوله ولم يجتهد أيضاً كما في الوقت إذا أخبره عدل عن طلوع الفجر يأخذ بقوله ولا يجتهد وكذلك في الحوادث إذا روى العدل خبراً يؤخذ به، وكل ذلك قبول الخبر من أهل الرواية وليس من التقليد في شيء ويشترط في المخبر أن يكون عدلاً يستوي فيه الرجل والمرأة والحر والعبد، ولا يقبل خبر الكافر بحال وكذا خبر الصبي غير المميز عند الأكثرين.

ثم الإخبار عن القبلة قد يكون صريحاً وذلك ظاهر، وقد يكون دلالة كما في نصب المحاريب في المواضع التي يعتمد عليها.

ولا فرق في لزوم الرجوع إلى الخبر بين أن يكون الشخص من أهل الاجتهاد وبين أن لا يكون.

فإن لم يجد من يخبره عن علم فإن قدر على الاجتهاد ولا يتيسر إلا بمعرفة أدلة القبلة كما عددنا اجتهد ولم يقلد كما في الأحكام الشرعية، ولو فعل يلزمه القضاء ولا فرق في وجوب الاجتهاد ههنا بين الغائب عن مكة والحاضر بها إذا حال بينه وبين الكعبة حائل أصليّ كالجبال أو حادث كالأبنية، ولو خفيت الدلائل على المجتهد بغيم أو حبس أو تعارضت، صلّى كيف اتفق لحق الوقت ويقضي.

وإن عجز عن الاجتهاد فإن لم يمكنه التعلم لعدم البصر أو لعدم البصيرة فالواجب عليه التقليد كالعامي في الأحكام، وتقليد الغير هو قبول قول المستند إلى الاجتهاد بعد أن كان المجتهد مسلماً عدلاً عارفاً بأدلة القبلة يستوي فيه الرجل والمرأة والحر والعبد.

فإن وجد مجتهدين مختلفين قلد من شاء منهما، والأحب أن يقلد الأوثق الأعلم عنده، وإن أمكنه التعلم فليس له التقليد بناء على ما مر من أن تعلم الأدلة فرض العين.

فإن قلد قضى، وإن ضاق الوقت عن التعلم صلى لحق الوقت وقضى.

ثم المجتهد إن بان له الخطأ يقيناً أو كان دليل الاجتهاد الثاني أرجح ولم يشرع بعد في الصلاة، عمل بمقتضى الثاني.

وإن بان بعد الفراغ من الصلاة فإن تيقن الخطأ قضى على الأصح، وإن ظن لم يقض.

وإن تغير الاجتهاد في أثناء الصلاة انحرف ويبني.

فهذه هي المسائل المستنبطة من الآية التي ذكرناها لأنها من أهم مهمات الدين ﴿ وإن الذين أوتوا الكتاب ﴾ يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى لعموم اللفظ ولشمول الكتاب التوراة والإنجيل، ولكن يجب أن يكونوا أقل من عدد أهل التواتر ليصح عنهم الكتمان.

وعن السدي: أنهم اليهود خاصة، والكتاب التوراة، والضمير في أنه الحق إما للرسول أي أنه مع شرعه ونبوته حق يشمل أمر القبلة وغيرها، وإما لهذا التكليف الخاص وهو أنسب بالمقام، وذلك أن علماءهم عرفوا في كتب أنبيائهم خبر الرسول وأنه يصلي إلى القبلتين وأن الكعبة هي البيت العتيق الذي جعله الله قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

وأيضاً أنهم كانوا يعلمون نبوة محمد  بالمعجزات والبشارات وكل ما أتى النبي  فهو حق، فهذا التحويل حق.

﴿ وما الله بغافلٍ عما يعملون ﴾ وعد للمتقين ووعيد للناكصين والمعاندين، ثم بين استمرار أهل الكتاب على عنادهم فقال ﴿ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب ﴾ قيل: هم جميع اليهود والنصارى لعموم اللفظ، وقيل: هم علماؤهم المذكورون في الآية المتقدمة لأنهم وصفوا باتباع الهوى في قوله ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ ومجرد اعتقاد الباطل لا يكفي فيه، بل الذين بقلوبهم ثم يقولون غير الحق في الظاهر فهم المتبعون للهوى.

ونوقش فيه بأن صاحب كل شبهة صاحب هوى.

قالوا: الآيتان المكتنفتان بهذه الآية مخصوصتان بالعلماء منهم لأن الجمع العظيم لا يجوز منهم الكتمان فكذا هذه الآية.

وأجيب بأنه لا يلزم من تخصيصهما تخصيصها.

قالوا: أخبر عنهم بالإصرار والاستمرار وهذا شأن المعاند اللجوج لا دأب العامي المتحير.

وردّ بأن المقلد أيضاً قد يصر.

قالوا: الحمل على العموم يكذبه الوجود فإن كثيراً من أهل الكتاب آمن بمحمد  واتبع قبلته.

ووجه بأن المراد من قوله ﴿ ما تبعوا قبلتك ﴾ أنهم لا يجتمعون على الاتباع كقوله ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى  ﴾ وسلب الاجتماع لا ينافي اتباع البعض ﴿ بكل آية ﴾ بكل برهان قاطع على أن التوجه إلى الكعبة هو الحق ﴿ ما تبعوا قبلتك ﴾ جواب للقسم المحذوف ساد مسد جواب الشرط واللام في ﴿ ولئن ﴾ لتوطئه القسم أي والله لئن أتيتهم بكل برهان ما اجتمعوا على قبلتك لأن فيهم من قد ترك اتباعك لا لشبهة تزيلها بإيراد الحجة بل عناداً ومكابرة مع علمهم بما في كتبهم من نعتك.

ومن خص اللفظ بالعلماء بأن صح عنده أنه لم يتبع منهم أحد قبلتنا لم يحتج إلى هذا التأويل بل يكون ما تبعوا في قوة ما تبع أحد منهم ﴿ وما أنت بتابعٍ قبلتهم ﴾ رفع لتجويز النسخ وبيان أن هذه القبلة لا تصير منسوخة بالتوجه إلى بيت المقدس حسماً لأطماع أهل الكتاب فإنهم طمعوا في رجوعه إلى قبلتهم وقالوا: لو ثبت على قبلتنا كلنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره.

وفيه أنه لا يجب عليه استصلاحهم باتباع قبلتهم لأن ذلك معصية.

وإنما وحد القبلة للعلم بأن لليهود قبلة وللنصارى قبلة أخرى أو لأنهما بحكم الاتحاد في البطلان واحد ﴿ وما بعضهم بتابعٍ قبلة بعض ﴾ إن حمل على الحال فالمعنى أنهم ليسوا مجتمعين على قبلة واحدة حتى يمكن رضاهم باتباعها أو أنهم مع اتفاقهم على تكذيبك متباينون في القبلة فكيف يدعونك إلى شيئين مختلفين؟

أو أنه إذا جاز أن يختلف قبلتاهما للمصلحة فلم لا يجوز أن تكون المصلحة في ثالث؟

وإن حمل على الاستقبال فالمعنى أن اليهود لا تترك قبلتهم إلى المشرق، ولا النصارى إلى المغرب، بحيث تتعطل إحدى القبلتين، لا أن اليهودي لا يصير نصرانياً أو بالعكس فإن ذلك قد وقع.

أخبر الله  عن تصلب كل حزب فيما هو فيه محقاً أو مبطلاً ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ كلام على سبيل الفرض والتقدير لقرينة وما أنت بتابع قبلتهم المعنى لئن اتبعت مثلاً بعد وضوح الدلائل وانكشاف جلية الأمر في باب الديانة ﴿ إنك إذاً ﴾ أي إذا اتبعت لمن المرتكبين الظلم الفاحش لأن صغائر الرجل الكبير كبائر فكيف بكبائره؟

وفيه أن ترك العمل من العلماء أقبح، وفيه لطف للنبي  فإن مزيد المحبة تقتضي التخصيص بمزيد التحذير، ولعله كان في بعض الأمور يتبع أغراضهم كترك المخاشنة في القول واستمالة قلوبهم طمعاً منه في إسلامهم ومعاضدتهم، فنهى عن ذلك القدر أيضاً وآيسه منهم بالكلية.

كقوله ﴿ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً  ﴾ ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم  ﴾ وفيه إشارة للأمة كالرجل الحازم يقبل على أبرّ أولاده وأصلحهم فيزجره عن شيء بحضرة سائر الأولاد والغرض زجرهم وإصلاحهم وأنه لا محالة يؤاخذون بالطريق الأولى لو خالفوه ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم علماؤهم بدليل ﴿ يعرفونه ﴾ أي الرسول معرفة جلية يميزون بينه وبين غيره بالمشخصات من النعت والنسب والقبلة حسب ما وجدوه في كتبهم ﴿ كما يعرفون أبناءهم ﴾ لا يشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم.

"وما" مصدرية أو كافة، والغرض تشبيه عرفان شخصه بعرفان أشخاص الأبناء لا تشبيه العلم بنبوة محمد  بالعلم ببنوة الأبناء وإلا كان تشبيه المعلوم بالمظنون.

عن عمر أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله  فقال: أنا أعلم به مني يا بني.

قال: لم؟

قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته قد خانت، فقبل عمر رأسه.

وجاز إضمار الرسول وإن لم يجز له ذكر لدلالة الكلام عليه، وفيه تفخيم لشأنه وأنه معلوم بغير إعلام، ولا يصح أن يقال: المراد بالمعرفة معرفتهم الحاصلة من قبل ظهور المعجزات على يده لأنه لا يفيد إلا كونه نبياً وهم لا ينكرون ذلك، وإنما ينكرون كونه النبي  المنعوت في كتبهم فرد الله عليه ذلك فافهم.

وإنما خص الأبناء بالذكر لأنهم أعرف وأشهر وبصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق ولو تساويا فالذكور أولى بالذكر.

وقيل: الضمير للعلم أو القرآن أو تحويل القبلة وفي الكل تكلف ينبو عنه قوله ﴿ أبناءهم ﴾ ويباينه الحديث عن عبد الله بن سلام ولما كان من علمائهم العارفين بأحوال النبي  من آمن به وأظهر الحق وهو ما يجب القول به ويجب العمل بمقتضاه كعبد الله بن سلام وأتباعه.

قال  ﴿ وإن فريقاً منهم ﴾ يريد من سوى المسلمين المؤمنين منهم ﴿ ليكتمون الحق ﴾ الذي هو أمر محمد أو أمر القبلة ثم أكد ذلك بقوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ فإنه لا يوصف بالكتمان إلا من علم المكتوم ﴿ الحق من ربك ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق، "ومن ربك" خبر بعد خبر أو حال.

وأن يكون مبتدأ خبره "من ربك".

ثم في اللام يكون وجهان: العهد والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله  ، أو إلى الحق الذي في قوله ﴿ ليكتمون الحق ﴾ أو الجنس على معنى الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه وما سواه كما يدعيه أهل الكتاب باطل ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ الشاكين في كتمانهم الحق مع علمهم أو في كون الحق من ربك.

وقد يجوز أن ينهى الشخص عما يعلم أنه منته عنه لمثل ما تقرر في قوله ﴿ ولئن اتبعت ﴾ .

﴿ ولكل ﴾ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه، والوجهة اسم الجهة ولذلك ثبتت الواو كما قالوا "ولدة" في جمع الوليد الصبي، وإنما لا تجمع مع الهاء في المصادر، وقوله ﴿ هو ﴾ إما أن يعود إلى الكل وإما أن يعود إلى الله.

وثاني مفعولي ﴿ موليها ﴾ محذوف أي هو موليها وجهه، أو الله موليها إياه.

ثم اختلف في التفسير فقيل: المعنى ولكل أهل دين من الأديان المختلفة قبلة وجهة إما بشريعة وإما بهوى هو مستقبلها ومتوجه إليها لصلاته التي يتقرب بها إلى ربه، وكل يفرح بما هو عليه ولا يفارقه فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة، ولستم تؤاخذون بفعل غيركم فإنما لهم أعمالهم ولكم أعمالكم ﴿ فاستبقوا ﴾ أنتم ﴿ الخيرات ﴾ الدنيوية وهي الشرف والفخر بقبلة إبراهيم، والأخروية وهي الثواب الجزيل المعد للمطيعين.

﴿ وأينما تكونوا ﴾ من جهات الأرض ﴿ يأت بكم الله جميعاً ﴾ في صعيد القيامة فيفصل بين المحق منكم والمبطل والمصيب والمخطئ إنه قادر على ذلك.

وقيل: إن الله  عرفنا أن كل واحدة من بيت المقدس والكعبة قبلة.

فالجهتان من الله  وهو الذي ولى وجوه عباده إليهما فاستبقوا الخيرات بالانقياد لأمره في الحالين ولا تلتفتوا إلى مطاعن السفهاء فإن الله يجمعكم وإياهم يوم القيامة فيحكم بينكم.

وقيل: ولكل قوم منكم يا أمة محمد  جهة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية، فاستبقوا الفاضلات من الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت ﴿ أينما تكونوا ﴾ من الجهات المختلفة ﴿ يأت بكم الله جميعا ﴾ يجمعكم للجزاء ويجعل صلواتكم واحدة كأنها إلى جهة واحدة لمحاذاة الجميع الكعبة.

ولقراءة ابن عامر ﴿ مولاها ﴾ معنيان: أحدهما أن ما وليته فقد ولاك والآخر زينت له تلك الجهة وحببت إليه.

وقيل: ولكل مخلوق قبلة فقبلة المقربين العرش، وقبلة الروحانيين الكرسي، وقبلة الكروبيين البيت المعمور، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك أنت الكعبة، بل قبلة جسدك هي، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك أنت الكعبة، بل قبلة جسدك هي، وقبلة روحك أنا، وقبلتي أنت "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي".

ثم إن الشافعي استدل بقوله ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ على أن الصلاة في أول الوقت أفضل.

وعند أبي حنيفة: التأخير أفضل إحرازاً لفضيلة الانتظار ولتكثر الجماعة، ولما روي أنه  قال "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" وقال ابن مسعود: ما رأيت أصحاب رسول الله  حافظوا على شيء ما حافظوا على التنوير بالفجر.

وأجيب بأن الانتظار قبل مجيء الوقت لقوله  "يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً" وأن المراد بالإسفار والتنوير هو طلوع الفجر الصادق بحيث لا يشك فيه وذلك مما لا نزاع فيه، وإنما النزاع فيما إذا تحقق دخول الوقت ثم تكاسل المكلف وتثاقل أو بغير أسباب الصلاة تشاغل.

﴿ ومن حيث خرجت ﴾ ومن أي بلد خرجت يا محمد ﴿ فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ إذا صليت ﴿ وإنه ﴾ وإن هذا المأمور به ﴿ للحق ﴾ الذي يجب أن يقبل ويعمل به حال كونه ﴿ من ربك وما الله بغافلٍ عما يعملون ﴾ وعد للمتشاغلين ووعيد للمتغافلين.

واعلم أن أمر التولية ذكره الله  ثلاث مرات، وللعلماء في سبب التكرير أقوال: أولها: أن الآية الأولى محمولة على أن يكون المكلف حاضر المسجد الحرام، والثانية على أن يكون غائباً عنه ولكن يكون في البلد، والثالثة على أن يكون خارج البلد في أقطار الأرض، فقد يمكن أن يتوهم للقريب من التكليف ما ليس للبعيد فأزيل ذلك الوهم.

وثانيها: أنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر، وذلك أنه أكد الأول بأن أهل الكتاب يعلمون حقيته بشهادة التوراة والإنجيل، وأكد الثاني بإخبار الله  عن حقيته وكفى به شهيداً، وأتبع الثالث غرض التحويل وهو قوله ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة ﴾ كما أن قوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ وأمثال ذلك تكرر حيث نيط بكل منها فائدة.

وثالثها: أن الآية الأولى توهم أن التحويل إنما فعل رضا للنبي  وطلباً لهواه حيث قال ﴿ فلنولينك قبلةً ترضاها ﴾ فأزيل الوهم بتكرار الأمر وتعقيبه بقوله ﴿ وإنه للحق من ربك ﴾ أي نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك وهواك كقبلة اليهود والمنسوخة التي إنما يقيمون عليها بمجرد الهوى والتشهي، ولكنها حق من ربك بعد أنها وافقت رضاك، وفي الثالثة بيان الغرض.

ورابعها: أن الأولى لتعميم الأحوال والثانية لتعميم الأمكنة، والثالثة لتعميم الأزمنة إشعاراً بأنها لا تصير منسوخة ألبتة.

وخامسها: الزم هذه القبلة فإنها التي كنت تهواها، الزم هذه القبلة فإنها قبلة الحق لا قبلة الهوى.

الزم هذه القبلة فبها ينقطع عنك حجج العدا وهذا قريب من الثالث.

وسادسها: هذه الواقعة أولى الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا فدعت الحاجة إلى التكرير لمزيد التأكيد والتقرير.

وسابعها: قلت: الآية الأولى مشتملة على تكليف خاص بالنبي  ﴿ فلنولينك قبلةً ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ ثم على تكليف عام له ولأمته ﴿ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ والآية الثانية ﴿ ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ لأجل تكليف أخص وهو تكليف الالتفات عما سوى الله إلى الله وهو تكليف الصدّيقين وهو سنة خليل الرحمن  ﴿ وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض  ﴾ ومما يؤيد هذا التأويل تعقيبه بقوله ﴿ وإنه للحق من ربك ﴾ لم يستظهر على هذا إلا بشهادة نفسه حيث لم يبق إلا هو وهو مقام الفناء في الله بخلاف الآية الأولى فإنها أكدت بشهادة الغير.

وأيضاً اقتصر ههنا على أمر النبي  دون الأمة لأن هذه المرتبة وهي المسجد الحرام - حرام لا يليق بكل أحد جل جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا واحد بعد واحد.

وأيضاً قدم على الآية قوله ﴿ ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ﴾ فدل على أن المذكور بعدها مرتبة السابقين ﴿ ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله  ﴾ لما كان من المحتمل أن يظن أن التكليف الأخص ناسخ للتكليف الخاص منه والعام له ولأمته، كرر الآية الأولى بعينها ليعلم أن حكمها باقٍ بالنسبة إلى عموم المكلفين والله  أعلم بحقائق الأمور.

قوله ﴿ لئلا يكون ﴾ أي ولوا لأجل هذا الغرض.

وقال الزجاج: يتعلق بمحذوف أي عرفتكم لئلا يكون الناس عليكم حجة.

و الناس قيل للعموم، وقيل هم اليهود كانوا يطعنون بأنه يخالفنا في ديننا ويتبع قبلتنا ويقولون ما درى محمد أين يتوجه في صلاته حتى هديناه.

وقيل: هم العرب قالوا: إنه يقول أنا على دين إبراهيم، ولما ترك التوجه إلى الكعبة فقد ترك دين إبراهيم.

وإنما أطلق الحجة على قول المعاندين لأن المراد بها المحاجة، أو سماها حجة تهكماً أو طباقاً أو بناءً على معتقدهم لأنهم يسوقونها سياق الحجة.

وقد تكون الحجة باطلة قال  ﴿ حجتهم داحضة عند ربهم  ﴾ وكل كلام يقصد به غلبة الغير حجة، وعلى هذا فالاستثناء متصل.

والمراد بالذين ظلموا المعاندون من اليهود القائلون بأنه ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه وحباً لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء، أو بعض العرب القائلون بأن محمداً عاد إلى ديننا في الكعبة وسيعود إلى ديننا بالكلية.

وقيل: الاستثناء منقطع.

وقيل: "إلا" بمعنى الواو وأنشد شعر: وكــل أخٍ مفــارقــه أخــوه *** لعمــر أبيــك إلا الفـرقــدان يعني والفرقدان.

وإذا طعنوا في دينكم من غير ما سببٍ ﴿ فلا تخشوهم ﴾ فإنهم لا يضرونكم ﴿ واخشون ﴾ واحذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم على وفق مصلحتكم، فعلى المرء أن ينصب بين عينيه في كل أفعاله وتروكه خشية الله ويقطع الرجاء والخوف عمن سواه.

قوله ﴿ ولأتم ﴾ قيل: معطوف على ﴿ لئلا ﴾ أي حوّلتكم إلى هذه القبلة لحكمتين: إحداهما انقطاع حجتهم، والثانية إتمام النعمة بحصول شرف قبلة إبراهيم.

وقيل: متعلقة محذوف معناه ولإتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك.

وقيل: معطوف على علة مقدرة كأنه قال: واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم وهذا الإتمام لا ينافي ما أنزل في آخر عهد رسول الله  ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  ﴾ فإن لله  في كل وقت نعمة على المكلفين ولها تمام بحسبها، فهذا إتمام النعمة في أمر القبلة، وذاك تمام النعمة في أمر الدين على الإطلاق وعن علي  : تمام النعمة الموت على الإسلام.

وفي الحديث "تمام النعمة دخول الجنة" ﴿ كما أرسلنا ﴾ "ما" مصدرية أو كافة.

ثم إن الجار والمجرور يتعلق بما قبله أو بما بعده.

وعلى الأول قيل: معناه ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف وفي الآخرة بالفوز بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، أو لأتم نعمتي ببيان الشرائع، أو أهديكم إلى الدين إجابة لدعوة إبراهيم حيث قال ﴿ ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا  ﴾ كما أرسلنا فيكم رسولاً إجابةً لدعوته حيث قال ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً  ﴾ وقيل: معناه كذلك جعلناكم أمة وسطاً كما أرسلنا فيكم رسولاً، وعلى الثاني معناه كما ذكرتكم بإرسال الرسول فاذكروني أذكركم تارةً أخرى.

وفيه أن نعمه على العبد لا تنقطع، فكل نعمة سابقة فسيضم إليها أخرى لاحقة حتى يكون له الفضل أولاً وأخيراً وبدايةً ونهايةً.

وفي إرساله فيهم ومنهم أي من العرب نعمة عظيمة عليهم لما لهم فيه من الشرف، ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد للغير فبعثه الله  من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب.

وكون القرآن متلواً من أعظم النعم لأنه معجزة باقية ولأنه يتلى فتتأدى به العبادات، ولأنه يتلى فتستفاد منه جميع العلوم، ولأنه يتلى فيوقف على مجامع الأخلاق الحميدة ففي تلاوته خير الدنيا والآخرة.

ومعنى التزكية وتعليم الكتاب والحكمة قد مر في دعاء إبراهيم.

وفي قوله ﴿ يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ تنبيه على أنه  أرسله على فترة من الرسل وجهالة من الأمر وتحير الناس في أمر الديانة، فعلمهم ما احتاجوا إليه في صلاح معاشهم ومعادهم وذلك من أعظم أنواع النعم ﴿ فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ﴾ تكليف بأمرين: الذكر والشكر.

وقد مر ذكر الشكر في تفسير الحمد وقوله ﴿ ولا تكفرون ﴾ عطف بالواو ليعلم أن جحود النعمة منهيّ عنه كما أن الشكر مأمور به.

ولو قطع على طريقة قوله: "أقول له ارحل لا تقيمن عندنا" لأوهم أن المقصود بالذات هو الثاني والأول في حكم المنحى.

ويحتمل من حيث العربية أن تكون "لا" نافية والنون ليست للوقاية، ومحل الجملة النصب على الحال أي اشكروا لي غير جاحدين لنعمتي.

وأما الذكر فباللسان وهو أن يحمده ويسبحه ويمجده ويقرأ كتابه، أو بالقلب وهو أن يتفكر في الدلائل على ذاته وصفاته، وفي الأجوبة عن شبه الطاعنين فيها وفي الدلائل على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ليعمل بمقتضاها، ثم يتفكر في أسرار المخلوقات متوصلاً من كل ذرة إلى موجدها، أو بالجوارح وهو أن تكون مستغرقة في الأعمال المأمور بها فارغة عن الأشغال المنهي عنها.

وبهذا الوجه سمى الصلاة ذكراً ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله  ﴾ وأما ذكر الله  فلا بد أن يحمل على ما له تعلق بالثواب وإظهار الرضا واستحقاق المنزلة والإكرام فالحاصل اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي، اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة، اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة، اذكروني في الخلوات أذكركم في الفلوات، اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء، اذكروني بالمجاهدة أذكركم بالهداية، اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد الاختصاص، اذكروني بالعبودية أذكركم بالربوبية، اذكروني بالفناء أذكركم بالبقاء.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ١٥٣ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌۢ ۚ بَلْ أَحْيَآءٌۭ وَلَـٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ ١٥٤ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ ١٥٥ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۭ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ ١٥٦ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌۭ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ ١٥٧

القراءات: ﴿ إنا لله ﴾ بالإمالة فيهما: قتيبة ونصير.

وإنما جازت مع امتناعها في الحروف لكثرة استعمال كلمة الاسترجاع.

الوقوف: ﴿ والصلاة ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ لا ﴿ أموات ﴾ ط ﴿ لا تشعرون ﴾ ه ﴿ والثمرات ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ لا لأن صفتهم ﴿ مصيبة ﴾ لا لأن "قالوا" جواب "إذا" ﴿ راجعون ﴾ ط لأن "أولئك" مبتدأ على الأصح ومن ابتداء بالذين فخبره "أولئك" مع ما يتلوه ووقف على الصابرين ولم يقف على ﴿ راجعون ﴾ ﴿ المهتدون ﴾ ه.

التفسير: أنه  لما أوجب بقوله ﴿ فاذكروني أذكركم واشكروا لي ﴾ جميع الطاعات ورغب بقوله ﴿ ولا تكفرون ﴾ عن جميع المنهيات فإن الشكر بالحقيقة صرف العبد جميع ما أنعم الله  به عليه إلى ما أعطاه لأجله، ندب إلى الاستعانة على تلك الوظائف بالصبر والصلاة.

فالصبر قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله  ، والصلاة إذا اشتملت على مواجب الخشوع والتذلل للمعبود والتدبر لآيات الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، انجر ذلك إلى أداء حقوق سائر الطاعات والاجتناب عن جميع الفواحش والمنكرات ﴿ إن الله مع الصابرين ﴾ بالنصر والتأييد ومزيد التوفيق والتسديد ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى  ﴾ وقيل: الصبر الصوم.

وقيل: الجهاد بدليل قوله ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ﴾ أي هم أموات بل هم أحياء.

وعلى الوجه الأول كأنه قيل: استعينوا بالصبر والصلاة في إقامة ديني وسلوك سبيلي، فإن احتجتم في ذلك إلى مجاهدة عدوّي بأموالكم وأنفسكم فتلفت فإن قتلاكم أحياء عندي، من قتله محبته فديته رؤيته.

ثم إن أكثر المفسرين على أنهم أحياء في الحال، فمن الجائز أن يجمع الله  من أجزاء الشهيد جملة فيحييها ويوصل إليها النعيم وإن كانت في حجم الذرة فيرى معظم جسد الشهيد ميتاً فلا يحس بحياته وإليه الإشارة بقوله ﴿ ولكن لا تشعرون ﴾ ومما يؤيد هذا القول الآيات الدالة على إثبات عذاب القبر ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً  ﴾ ﴿ أغرقوا فأدخلوا ناراً  ﴾ والفاء للتعقيب وقال  "القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفرة النيران" .

ولم يزل أرباب القلوب يزورون قبور الشهداء ويعظمونها.

وقيل: المعنى لا تسموهم بالأموات وقولوا لهم الشهداء الأحياء.

أو المراد: قولوا لهم أحياء في الدين وإنهم على هدى ونور من ربهم لا كما يزعم المشركون أنهم ليسوا من الدين في شيء أو لا تقولوا مثل ما يقول منكرو البعث إنهم لا ينشرون وقد ضيعوا أعمارهم، ولكنهم سيحيون فيثابون وينعمون في الجنة.

وعلى هذه الوجوه لا يبقى لتخصيص الشهداء بكونهم أحياء فائدة وكذا لقوله مع المؤمنين ولكن لا تشعرون.

وقيل: إن الثواب وكذا العقاب للروح لا للقالب، لأنه مدرك للجزئيات أيضاً فلا يمتنع أن يتألم ويلتذ.

ثم إنه  يرد الروح إلى البدن في القيامة الكبرى حتى يضم الأحوال الجسمانية إلى الإدراكات الروحانية.

عن ابن عباس أن الآية نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار.

وعن كعب بن مالك أن رسول الله  قال: "إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ثمر الجنة" أي تأكل ﴿ ولنبوكم ﴾ ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم هل تصبرون وتثبتون على ما أنتم عليه من أداء حقوق الطاعة وتسلمون لأمر الله وحكمه، أم تنقلبون على أعقابكم وتظهرون الجزع على استرداد ما يدكم فيه يد المستعير؟

أمر أولاً بالشكر على إكمال الشرائع، ثم بالصبر على التكاليف الدينية، ثم حض على التثبت عند طروق النوائب وبروق المصائب، ومعنى ﴿ بشيء ﴾ بيان من هذه الأشياء وأيضاً لو قال "بأشياء" لأوهم أن من كل واحد من الخوف وغيره ضروباً وليس بمراد.

وفيه أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل هو بالنسبة إليه، وفيه أن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم.

واعلم أن كل ما يلاقيك من مكروه ومحبوب فإذا خطر ببالك وهو قد مضى سمي ذكراً وتذكراً، وإن كان في الحال سمي ذوقاً ووجداً لأنها حالة تجدها من نفسك، وإن تعلق بالاستقبال وغلب خطوره على قلبك سمي انتظاراً وتوقعاً، فإن كان المنتظر مكروهاً حصل منه ألم في القلب يسمى خوفاً وإشفاقاً، وإن كان محبوباً سمي ذلك ارتياحاً والارتياح رجاء.

وأما الجوع فالمراد منه القحط وتعذر تحصيل القوت.

عن عطاء والربيع بن أنس: أن المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي  بعد الهجرة وقد حصل لهم عند مكاشفة العرب خوف شديد بسبب الدين، فكانوا لا يأمنون قصدهم إياهم واجتماعهم عليهم وقد كان من الخوف في وقعة الأحزاب ما كان ﴿ هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً  ﴾ وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجرة النبي إلى المدينة لقلة أموالهم حتى إنه  كان يشد الحجر على بطنه.

وقد روي أنه  خرج ذات يوم فالتقى مع أبي بكر فقال: ما أخرجك؟

قال: الجوع.

قال: أخرجني ما أخرجك وكانوا ينفقون أموالهم في الاستعداد للجهاد ثم يقتلون.

فهناك يحصل النقص في المال والنفس، وقد يحصل الجوع في سفر الجهاد عند فناء الزاد ﴿ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ﴾ إلى قوله ﴿ إلا كتب لهم به عملٌ صالح  ﴾ وقد يكون النقص في النفس بموت الإخوان والأخدان.

وإما نقص الثمرات فقد يكون بالجدوب وقد يكون بترك عمارة الضياع للاشتغال بالجهاد.

وعن الشافعي: الخوف خوف الله، والجوع صيام شهر رمضان، والنقص من الأموال الزكوات والصدقات، ومن الأنفس الأمراض، ومن الثمرات موت الأولاد.

قال  "إذا مات ولد العبد قال الله  للملائكة أقبضتم ولد عبدي؟

فيقولون: نعم.

فيقول: أقبضتم ثمرة قلبه؟

فيقولون: نعم.

فيقول الله  : ماذا قال عبدي؟

فيقولون: حمدك واسترجع فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد" ﴿ ونقص ﴾ عطف على ﴿ شيء ﴾ ويحتمل أن يعطف على الخوف بمعنى وشيء من نقص الأموال.

و الخطاب في ﴿ وبشر ﴾ لرسول الله  ، أو لكل من يتأتى منه البشارة.

قال الإمام الغزالي رحمه الله : الصبر من خواص الإنسان ولا يتصور ذلك في البهائم لنقصانها، فليس لشهواتها عقل يعارضها حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبراً، ولا في الملائكة فليس لعقلهم شهوة تصرفهم عن الاشتغال بخدمة الكبير المتعال وتمنعهم عن الاستغراق في مطالعة حضرة ذي الجلال.

وأما الإنسان فإنه في الصبا بمنزلة البهيمة ليس له إلا شهوة الغذاء، ثم شهوة اللعب بعد حين، ثم شهوة النكاح لكنه إذا بلغ انضم له مع الشهوة الباعثة على اللذات العاجلة عقل يدعوه إلى الإعراض عنها والإقبال على تحصيل السعادات الباقية، فيقع بين داعيتي العقل والشهوة تضاد قصد العقل إياها هو المعنى بالصبر.

وإنه ضربان: بدني فعلاً كتعاطي الأعمال الشاقة، أو انفعالاً كالثبات على الآلام، ونفساني وهو منع النفس عن مقتضيات الطبع، فإن كان حبساً عن شهوة البطن والفرج سمي عفة، وإن كان احتمال مكروه، فإن كان من مصيبة خص باسم الصبر ويضاده حالة هي الجزع وهي إطلاق داعي الهوى في رفع الصوت وضرب الخد وشق الجيب ونحوها، وإن كان في حال الغنى سمي ضبط النفس، ويضاده حالة البطر.

وإن كان في حال مبارزة الأقران سمي شجاعة ويضاده الجبن، وإن كان في كظم الغيظ والغضب يسمى حلماً ويضاده النزق، وإن كان في نائبة من النوائب سمي سعة الصدر ويضاده الضجر وضيق الصدر، وإن كان في إخفاء كلام يسمى كتمان النفس، وإن كان عن فضول العيش سمي زهداً وضده الحرص، وإن كان على قدر يسير من المال سمي قناعه ويضاده الشره.

وليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه ولا أن لا يكره ذلك فإنه غير ممكن، وإنما الصبر على المصيبة هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع.

ولا بأس بظهور الدمع وتغير اللون فإن رسول الله  بكى على إبراهيم ابنه فقيل له في ذلك فقال: إنها رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.

ثم قال: العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.

ثم الصبر عند الصدمة الأولى وإلا سمي سلواً وهو مما لا بد منه ولهذا قيل: لو كلف الناس إدامة الجزع لم يقدروا عليه.

وقد وصف الله  الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعاً وأضاف أكثر الخيرات إليه فقال ﴿ وجعلنا منهم أئمةً يهدون بأمرنا لما صبروا  ﴾ ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا  ﴾ ﴿ ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون  ﴾ ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب  ﴾ فما من طاعةٍ إلا وأجرها مقدر إلا الصبر، ولأن الصوم من الصبر قال  في الحديث القدسي "الصوم لي" فأضافه إلى نفسه ووعد الصابرين بأنه معهم فقال ﴿ واصبروا إن الله مع الصابرين  ﴾ وعلق النصرة بالصبر فقال ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة  ﴾ وجمع للصابرين أموراً لم يجمعها لغيرهم ﴿ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ﴾ وقال  "الصبر نصف الإيمان" لأن الإيمان لا يتم إلا بترك ما لا ينبغي، والإتيان بما ينبغي والاستمرار على كل منهما إنما يتأتى بالصبر.

فكل الإيمان صبر إلا أن كل واحدٍ منهما قد يكون مطابقاً لمقتضى الشهوة فلا يحتاج فيه إلى الصبر، فلهذا عاد إلى النصف.

وقد جاء "الإيمان هو الصبر" وذلك كقوله "الحج عرفة" وعن النبي  "من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر" وقال: "يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه الله جزاء الشاكرين ويؤتى بأصبر أهل الأرض فيقال له أترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر فيقول نعم يا رب فيقول  لقد أنعمت عليه فشكر وابتليتك فصبرت لأضعفنّ لك الأجر فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين" ومن فضيلة الصبر أن قال  : "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر" فإن المشبه به يجب أن يكون أقوى كما قال "شارب الخمر كعابد الوثن" وروي أن سليمان يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفاً لمكان ملكه، وآخر أصحابي دخولاً الجنة عبد الرحمن بن عوف لمكان غناه.

وفي الخبر: أبواب الجنة كلها مصراعان إلا باب الصبر فإنه مصراع واحد.

وأول من يدخله أهل البلاء إمامهم أيوب.

ثم إن الله  بيّن أن الإنسان كيف يكون صابراً وأنه متى يستحق البشارة فقال ﴿ الذين إذا أصابتهم مصيبة ﴾ هي من الصفات الغالية التي لا تكاد تستعمل موصوفاتها وتختص من بين ما يصيب الإنسان بحالة مكروهة كالنازلة والواقعة والملمة، وإنما نكرت لتشمل كل مضرة تناله من قبل الأسباب السماوية والأرضية المنتهية إلى مسبب الأسباب بواسطة ظاهرة أو خفية ﴿ قالوا: إنا لله ﴾ إقرار بالعبودية ﴿ وإنا إليه راجعون ﴾ تفويض للأمر إليه كما يقال: إن الملك والدولة رجع إلى فلان لا يراد الانتقال بل القدرة وترك المنازعة ﴿ إنا لله ﴾ اعتراف منا له بالملك ﴿ وإنا إليه راجعون ﴾ إقرار على أنفسنا بالهلك ﴿ إنا لله ﴾ إشارة إلى المبدأ ﴿ وإنا إليه راجعون ﴾ تصريح بالمعاد.

﴿ إنا لله ﴾ إعلام بالفناء فيه ﴿ وإنا إليه راجعون ﴾ إشعار بالبقاء به.

﴿ إنا لله ﴾ إيمان بقضائه ﴿ وإنا إليه راجعون ﴾ إيمان بقدره.

واعلم أن الرضا بالقضاء إنما يحصل للعبد من الله  بطريقين: الصرف أو الجذب أما الصرف فمتى مال قلبه إلى شيء والتفت خاطره إليه جعله  منشأ للآفات لينصرف وجه قلبه من عالم الحدوث إلى جانب القدس، كما أن آدم لما تعلق قلبه بالجنة جعلها محنة عليه حتى زالت الجنة فبقي آدم مع ذكر الله.

ولما استأنس يعقوب بيوسف أوقع الفراق بينهما فبقي يعقوب مع ذكر الحق.

ولما طمع محمد  من أهل مكة في النصرة والإعانة صاروا من أشد الناس بغضاً له فأخرجوه.

وقد لا يجعل ذلك الشيء بلاء ولكن يرفعه من البين حتى لا يبقى لا البلاء ولا الرحمة، فحينئذ يرجع العبد إلى الله.

وقد يتوقع العبد من جانب خيراً فيعطيه الله  ذلك بلا واسطة فيستحي العبد فيرجع إلى الله.

وأما الجذب فجذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين.

ومن جذبه الحق إلى نفسه صار مغلوباً لأن الحق غالب فتصير الربوبية غالبة على العبودية، والحقيقة مستعلية على المجاز، كالعبد الداخل على السلطان المهيب ينصرف فكره إليه ويشتغل بالكلية عمن سواه ويصير فانياً عن نفسه وعن حظوظها فيحصل له مرتبة الرضا بأقضية الحق  من غير أن يبقى في طاعته شبهة المنازعة.

عن النبي  "من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه" وروي أنه طفئ سراج رسول الله  فقال ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ فقيل: أمصيبة هي؟

قال: نعم.

كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة.

وعن أم سلمة أن أبا سلمة حدثها أن رسول الله  قال "ما من مسلم يصاب بمصيبة فيفزع إلى ما أمر الله به" من قوله : " ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ اللهم عندك احتسبت مصيبتي فأجرني منها وعوّضني خيراً منها ألا أجره الله عليها وعوضه خيراً منها" .

قالت: فلما توفي أبو سلمة ذكرت هذا الحديث وقلت: هذا القول فعوّضني الله محمداً  .

وعن ابن عباس: أخبر الله  أن المؤمن إذا سلم لأمر الله ورجع واسترجع عند مصيبته كتب الله  له ثلاث خصال: الصلاة من الله والرحمة وتحقيق سبيل الهدى.

وعن عمر قال: نعم العدلان ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ ﴿ أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمة ﴾ ونعم العلاوة ﴿ وأولئك هم المهتدون ﴾ .

قيل: الصلوات من الله الثناء والمدح والتعظيم، والرحمة النعم العاجلة والآجلة.

وقيل: الصلاة الحنو والتعطف وضعت موضع الرأفة كقوله ﴿ رأفة ورحمة ﴾ ﴿ رؤف رحيم ﴾ والمعنى عليهم رأفة بعد رأفة ورحمة أيّ رحمة ﴿ وأولئك هم المهتدون ﴾ لطريق الصواب والفائزون بالكرامة والثواب، أو هم المستمسكون بآدابه المستنون بما ألزم وأمر وفي الآية حكمان: فرض ونفل.

فالفرض هو التسليم لأمر الله  والرضا بقضائه والصبر على أداء فرائضه لا يصرفه عنها مصائب الدنيا، والنفل قوله ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ فإن في إظهاره فوائد منها: أن غيره يقتدي به إذا سمعه، ومنها غيظ الكفار وعلمهم بجده واجتهاده في دين الله  والثبات على طاعته.

وأما الحكمة في تقديم تعريف الابتلاء فهي أن يوطنوا نفوسهم لهذه المصائب إذا وردت فتكون أبعد من الجزع.

وأيضاً إذا علموا أنه سيصل إليهم تلك المحن اشتد حزنهم فيكون ذلك الحزن تعجيلاً للابتلاء فيستحقون بذلك مزيد الثواب.

وأيضاً إذا أخبروا بوقوع هذا الابتلاء ثم وقع كان ذلك إخباراً بالغيب فيكون معجزةً.

وأيضاً فيه تنفير وتمييز له عن الموافق.

كما أن الحكمة في نفس الابتلاء أيضاً ذلك.

دعوى الإخاء علـى الإخاء كثيـرة *** بـل فـي الشـدائد تعـرف الإخــوان إذا قلت أهدى الهجر إن خلل البلى *** يقولون لولا الهجر لم يطب الحب وإن قلت كربـي دائـمُ قالـت إنمــا *** يعدّ محبــاً مــن يــدوم لــه الكــرب وإن قلت ما أذنبت قالـت مجيبــةً *** حيــاتـك ذنـب لا يقـــاس بــه ذنـب <div class="verse-tafsir"

۞ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًۭا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ١٥٨ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلْهُدَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِى ٱلْكِتَـٰبِ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ ١٥٩ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَبَيَّنُوا۟ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٦٠ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ١٦١ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ١٦٢

القراءات: ﴿ من يطوع ﴾ بتشديد الطاء والجزم: حمزة وعلي وخلف وزيد ورويس الباقون: بالتاء والتخفيف وفتح الآخر على المضي.

الوقوف: ﴿ شعائر الله ﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿ بهما ﴾ ط لأن التطوع خارج عن موجب كونهما من شعائر الله فكان استئناف حكم ﴿ عليم ﴾ ، ﴿ في الكتاب ﴾ لا لأن "أولئك" خبر "إن" ﴿ اللاعنون ﴾ لا للاستثناء ﴿ أتوب عليهم ﴾ ج لاحتمال الواو للاستئناف والحال ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ لا لأن "خالدين" حال عامله معنى الفعل في اللعنة أي لعنهم الله حتى قرأ الحسن ﴿ والملائكة ﴾ وما بعده بالرفع ﴿ فيها ﴾ ج لأن ما بعده حال بعد حال واستئناف إخبار ﴿ ينظرون ﴾ ه.

التفسير: إن في تعليق الآية بما قبلها وجوهاً منها: أن السعي بين الصفا والمروة من شرائع إبراهيم  كما مر في قصة هاجر، فذكر عقيب تحويل القبلة الذي فيه إحياء شرع إبراهيم.

ومنها أنه من آثار هاجر وإسماعيل، وفيه تذكير لما جرى عليهما من البلوى وحسن عاقبتهما، فناسب أن يردف آية الابتلاء ليعلم أن من صبر على البلوى نال الدرجة العليا في الدنيا والعقبى.

ومنها أن أقسام التكاليف ثلاثة: أولها ما يهتدي العقل إلى حسنه كشكر المنعم وذكره وأشير إلى ذلك بقوله ﴿ فاذكروني أذكركم واشكروا لي  ﴾ وثانيها ما ركز في العقول قبحه والنفور عنه كالآلام والفقر والمحن فإنه تعالى يتألم منه إلا أن الشرع لما ورد به وبين الحكمة فيه وهي الابتلاء والامتحان فحينئذ يعتقد المسلم حسنه وكونه حكمة وصواباً وذلك قوله ﴿ ولنبلونكم  ﴾ الآية، وثالثها ما ليس يهتدي العقل إلى حسنه ولا إلى قبحه بل يراه كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرة فيأتي به تعبداً محضاً وهو أكثر أفعال الحج من السعي ورمي الجمار ونحوهما، فذكرت طرق من هذا القسم عقيب القسمين الأولين تتميماً للأحكام واستيفاءً لجميع الأقسام.

والصفا والمروة هكذا باللام علمان للجبلين المعروفين بمكة - زادها الله شرفاً.

والصفاة في اللغة صخرة ملساء وفي المثل "ما تندى صفاته" والجمع صفا مقصور وأصفاء وصفي على "فعول" وإذا نعتوا الصخرة قالوا "صفاة صفواء" وإذا ذكروا قالوا "صفا صفوان" قال  ﴿ كمثل صفوان عليه تراب  ﴾ وعن الأصمعي: المرو حجارة بيض براقة يقدح منها النار، الواحدة مروة.

والشعائر جمع شعيرة وهي العلامة.

وذلك أن السعي بين الجبلين من أعلام دين الله، أوهما من متعبداته.

وقد شرعه الله تعالى لأمة محمد  ولإبراهيم  قبل ذلك كما مر قوله ﴿ وأرنا مناسكنا  ﴾ وليس السعي عبادة تامة في نفسه وإنما يصير عبادة إذا كان بعضاً من أبعاض الحج فلهذا قرن بقوله ﴿ فمن حج البيت أو اعتمر ﴾ والحج لغة القصد.

رجل محجوج أي مقصود وهو أيضاً كثرة الاختلاف والتردد، وحج فلان فلاناً إذا أطال الاختلاف إليه.

ثم غلب استعماله في القصد إلى مكة للنسك.

والحاج يأتي البيت أولاً ليعرفه ثم يعود إليه للطواف ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم يعود إليه لطواف الصدر.

ومنه محجة الطريق لكثرة تردد الناس فيها.

والاعتمار لغة الزيارة.

فالمعتمر يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ثم ينصرف كالزائر يزور ثم ينصرف.

والعمرة اسم من الاعتمار غلبت على النسك المعروف.

والجناح الحرج والإثم من قولهم "جنح لكذا" أي مال إليه، كأن صاحبه مال إلى الباطل.

أو لأن الناس يميلون إلى صاحبه بالمطالبة ثم قوله ﴿ لا جناح عليه ﴾ يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح.

وظاهر الآية لا يدل على أحد الثلاثة بالتعيين فلهذا اختلف العلماء في أن السعي واجب أم لا، متمسكين بدلائل أخر.

فعن الشافعي أنه ركن ولا يقوم الدم مقامه لقوله  "إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا" وليس المراد منه العدو بل الجد والاجتهاد في ذلك المشي بحيث لا يفوت لقوله  ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله  ﴾ ولما ثبت أنه  سعى فيجب علينا اتباعه لقوله  ﴿ واتبعوه ﴾ ولقوله  "خذوا عني مناسككم" والأمر للوجوب.

وعن أبي حنيفة أنه ليس بركن ولكنه واجب وعلى تاركه دم.

وعن ابن الزبير وابن عباس وأنس: أنه تطوع وليس على تاركه شيء لأن رفع الحرج دليل الإباحة لقوله بعد ذلك ﴿ ومن تطوع خيراً ﴾ أجاب الشافعي بما يروى أنه كان على الصفا أساف وعلى المروة نائلةٍ وهما صنمان.

كانا رجلاً وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا من دون الله فكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية وأن يكون عليهم جناح في ذلك فرفع عنهم الجناح.

فالإباحة تنصرف إلى وجود الصنمين حال السعي لا إلى نفس السعي كما لو كان على الثوب نجاسة يسيرة عند أبي حنيفة، أو دم البراغيث عندنا، فيقال: لا جناح عليك أن تصلي فيه.

فإن رفع الجناح ينصرف إلى مكان النجاسة لا غلى نفس الصلاة، ولهذا قال عروة لعائشة: أرى أنه ما على أحد من جناح أن يطوف بالصفا والمروة، قالت: بئسما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت على ما أولتها كانت "لا جناح عليه أن يطوّف بهما" وأصل "يطوف" "يتطوف" فأدغم كمن قرأ "يطوع" بالتشديد وأصله "يتطوع" والتطوع ما ترغب من ذات نفسك من غير إيجاب عليك.

ومن قال: إن السعي واجب فسر هذا التطوع بالسعي الزائد على قدر الواجب.

وعن الحسن: المراد منه جميع الطاعات.

وهذا أولى لعموم اللفظ ﴿ فإن الله شاكر ﴾ ، أي مجازيهم على الطاعة سمي جزاء الطاعة شكراً تشبيهاً بجزاء النعمة، وفيه تلطف العباد مثل ﴿ من ذا الذي يقرض الله  ﴾ كأنه يقول: إني وإن كنت غنياً عن طاعتك إلا أني أجعل لها من الموقع ما لو صح عليّ أن أنتفع بها لما ازداد وقعه على ما حصل.

﴿ عليم ﴾ بالسرائر فيوفي كل ذي حق حقه.

وهو وعد ليناسب قرنية الشكر وإن كان أيضاً يحتمل التحذير من الإخلال بوظائف الإخلاص في العبادة ﴿ إن الذين يكتمون ﴾ كلام مستأنف يتناول كل من كتم شيئاً من الدين.

وقيل: هم أهل الكتاب.

وقيل: اليهود خاصة لما روي عن ابن عباس أن جماعة من الأنصار سألوا نفراً من اليهود عما في التوراة من صفته  ومن الأحكام فكتموا فنزلت، والأول أولى لعموم اللفظ، ولأن خصوص السبب لا يوجب خصوص الحكم، ولأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فلا ريب أن كتمان الدين يناسب استحقاق اللعن من الله  فيعم الحكم حسب عموم الوصف.

ولا يخفى أنَّ القرآن قبل صيرورته متواتراً يمكن كتمانه، والمجمل من القرآن إذا كان بيانه بخبر الواحد يجري فيه الكتمان.

وكذا القول فيما يحتاج إليه المكلف من الدلائل العقلية، ولأن جماعة من الصحابة حملوه على العموم.

عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمداً  كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية على الله والله  يقول ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ﴾ فحملت الآية على العموم.

وعن أبي هريرة قال: لولا آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثاً بعد أن قال الناس: أكثر أبو هريرة وتلا ﴿ إن الذين يكتمون ﴾ قال بعض المحققين: الكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه وحصول الداعي إلى إظهاره لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد كتماناً.

فلما كان ما أنزل الله من البينات والهدى من أشد ما يحتاج إليه في الدين، وصف من علمه ولم يظهره بالكتمان كما يوصف أحدنا في أمور الدنيا بالكتمان إذا كانت مما تقوى الدواعي على إظهارها.

وعلى هذا الوجه يمدح من يقدر على كتمان السر لأن الكتمان مما يشق على النفس.

وفي الآية دليل على أن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز أن يكتم، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته، والمراد بالبينات كل ما أنزله على الأنبياء كتاباً ووحياً دون أدلة العقل.

والهدى يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية، لأن الهدى الدلالة فيعم الكل.

وبعبارة أخرى الأول هو التنزيل، والثاني ما يقتضيه التنزيل من الفوائد.

ولقوله ﴿ من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ﴾ فيشمل كون خبر الواحد والإجماع والقياس حجة لأن الكتاب دل على هذه الأمور.

وهذا الإظهار فرض على الكفاية لا على التعيين، لأنه إذا أظهره البعض صار بحيث يتمكن كل أحد من الوصول إليه ولم يبق مكتوماً، وإذا خرج عن حد الكتمان لم يجب على الباقين إظهاره مرة أخرى.

وقيل: لم لا يجوز أن يكون كل واحد منهياً عن الكتمان مأمور بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر الخبر؟

وأجيب بأن هذا غلط لأنهم ما نهوا عن الكتمان، إلا وهم فمن يجوز عليهم الكتمان ومن جاز منهم التواطؤ على الوضع والافتراء، فلا يكون خبرهم موجباً للعلم.

ومن الناس من يحتج بالآية على وجوب قبول خبر الواحد لأن وجوب الإظهار دل على وجوب العمل بالذي أظهر لا سيما وقد قال ﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ﴾ فحكم بوقوع البيان بخبرهم.

واستدل بالآية أيضاً على عدم جواز أخذ الأجرة على التعليم لأنها دلت على وجوب التعليم ولا أجرة على أداء الواجب.

وقيل في الكتاب أي في التوراة والإنجيل من نعت الرسول ومن الأحكام.

والمعنى أنا لخصناه بحيث لم ندع فيه موضع إشكال فعمدوا إلى ذلك المبين الملخص فكتموه ولبسوا على الناس.

وقيل: أراد بالمنزل الأول كتب الأولين وبالهدى القرآن ﴿ أولئك ﴾ تبعيد لهم عن درجة الاعتبار ﴿ يلعنهم الله ﴾ يبعدهم عن كل خير ﴿ ويلعنهم ﴾ يدعو عليهم باللعن ﴿ اللاعنون ﴾ الذين يتأتى منهم اللعن ويعتدّ بلعنهم من الملائكة وصالحي الثقلين.

وقيل: يدخل فيهم دواب الأرض وهوامها فإنها تقول: منعنا القطر بشؤم معاصي بني آدم.

واللاعنون دون اللاعنات تغليب للعقلاء: وإذا قيل: هم الهوام فقط فالتذكير لأنه  وصفهم بصفات العقلاء مثل ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين  ﴾ ﴿ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم  ﴾ ﴿ وقالوا لجلودهم لم شهدتم  ﴾ وقيل: كل شيء سوى الثقلين بتقدير أنها لو كانت عاقلة كانت تلعنهم، أو لأنها في الآخرة إذا أعيدت وجعلت من العقلاء فإنها تلعن من فعل ذلك في الدنيا ومات عليه.

وقيل: إن أهل النار يلعنونهم أيضاً لأنهم كتموهم الدين ﴿ كلما دخلت أمة لعنت أختها  ﴾ وعن ابن مسعود: إذا تلاعن المتلاعنان وقعت اللعنة على المستحق، فإن لم يكن مستحق رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله  .

وعن ابن عباس: أن لهم لعنتين: لعنة الله ولعنة الخلائق.

قال: وذلك إذا وضع الرجل في قبره فيسأل ما دينك ومن نبيك ومن ربك؟

فيقول: لا أدري.

فيضرب ضربة يسمعها كل شيء إلا الثقلين فلا يسمع شيء صوته إلا لعنه ويقول له الملك: لا دريت ولا تليت ﴿ إلا الذين ﴾ استثناء منهم، وفيه من الرحمة ما فيه.

وقد مر أن التوبة عبارة عن الندم على فعل القبيح لقبحه لا لغرض سواه، فإن من ترك رد الوديعة ثم ندم لأن الناس لاموه أو لأن الحاكم رد شهادته لم يكن تائباً ﴿ وأصلحوا ﴾ ما أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط منهم ﴿ وبينوا ﴾ ما كتموه أو بينوا للناس ما أحدثوه من توبتهم ليعرفوا بضد ما كانوا يعرفون به ويقتدى بهم غيرهم من المفسدين ﴿ فأولئك أتوب عليهم ﴾ أقبل توبتهم بأن أسقط عنهم تجملاً وأضع مكانه الثواب تفضلاً بدلالة قوله ﴿ وأنا التواب الرحيم إن الذين كفروا وماتوا ﴾ عام في كل من كان كذلك.

وقيل: مخصوص بهؤلاء الكاتمين.

ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتاً إذا لم يتوبوا على هذا القول يكون إطلاق الكفر عليهم - وهم من أصحاب الكبائر - مجازاً تغليظاً، أو يراد بالكفر جحود الحق وستره.

والمراد بالناس اللاعنين من يعتد بلعنه وهم المؤمنون أجمعون، وقيل: يوم القيامة يلعن بعض الكفار بعضاً فيعم المؤمن والكافر.

وقيل: لعن الجاهل والظالم مقرر في العقول حتى إن الظالم قد يلعن نفسه إذا تأمل في حاله.

وقيل: وقوع اللعن محمول على استحقاق اللعن، على من مات كافراً وإن زال التكليف عنه بالموت على أن الكافر إذا جن لم يكن زوال التكليف عنه بالجنون مسقطاً للعنه والبراءة منه، وكذلك سبيل ما يوجب المدح والموالاة من الإيمان والصلاح إذا مات صاحبه أو جن لا يغير حكمه عما كان عليه قبل حدوث الحال.

وفي الآية دليل على أن الأمور بخواتيمها، وأنه إذا كفر ومات لا على الكفر لم يكن ملعوناً ضرورة انتفاء المشروط بانتفاء الشرط ﴿ خالدين فيها ﴾ في اللعنة.

وقيل: في النار.

وأضمرت وإن لم يجر لها ذكر تفخيماً لشأنها وتهويلاً لمكانها.

والأول أولى لتقدم ذكره لفظاً، ولأن اللعنة تشمل النار وزيادة، ولأنها تصح في الحال والمآل جميعاً بخلاف النار فإنها في الاستقبال.

فمن فسر "الذين كفروا" بالكاتمين وجوّز الخلاص على صاحب الكبيرة فسر الخلود بالمكث الطويل وقد سلف مثل ذلك ﴿ لا يخفف عنهم العذاب ﴾ بل يتشابه في الأوقات باقياً على المبلغ الذي أتيح له حسب ما استحقه ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ إذا استنظروا من الإنظار الإمهال، أو لا ينظرون ليعتذروا، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة أعاذنا الله  من تلك الحالة بعميم فضله وجسيم طوله.

التأويل: الصفا للسر، والمروة للروح، والسالك بينهما يسعى.

ففي صفا السر يقطع التعلقات عن الكونين وهو التعظيم لأمر الله، وفي مروة الروح يوصل الخير إلى أهله وعياله ونفسه لمراقبة أحوال الباطن ومزاولة أعمال الظاهر وهو الشفقة على خلق الله، ومعنى سبع مرات أن تصل بركات سعيه إلى سبعة آرابه في الظاهر وإلى سبعة أطواره في الباطن وإلى سبعة أقاليم العالم لقوله  ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى  ﴾ .

ومن كمال رأفته بأهل محبته أن جعل آثار أقدامهم أشرف الأمكنة، وساعات أيامهم أعز الأزمنة.

فإلى تلك المعاهد والأطلال تشد الرحال، وتلك المشاهد والآثار تعظم وتزار.

أهوى هواها لمن قد كان ساكنها *** وليس في الدار لي هم ولا وطر حسبي الله ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ ١٦٣ إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍۢ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ١٦٤

القراءات: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ بالمد وكذلك جميع التهليل.

روى الهاشمي عن ابن كثير لورود الأثر في هذه الكلمة وهو قوله  "من قال لا إله إلا الله ومدها غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" وروى أبو الفرج عن قتيبة "إلا" هو بالإمالة حيث كان.

﴿ الريح ﴾ مفرداً: حمزة وعلي وخلفٍ.

الباقون: الرياح مجموعاً.

الوقوف: ﴿ واحد ﴾ ج نظراً إلى أن ما بعده وصف آخر.

وإلى الاختلاف بالنفي والإثبات ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ من كل دابة ﴾ ص ضرورة طول الآية وإلا فاسم "إن" ﴿ لآيات ﴾ والجار وما يتصل به معترض، والأولى الوصل والرجوع.

﴿ يعقلون ﴾ ه.

التفسير: الواحد قد يكون اسماً وذلك في العدد واحد، اثنان، ثلاثة.

وقد يكون صفة كقولك "شخص واحد" ومعناه أنه لا ينقسم من جهة ما قيل: له إنه واحد.

فالإنسان الواحد يستحيل أن ينقسم من حيث هو إنسان، لأن الإنسان الواحد يستحيل أن ينقسم إلى إنسانين، بل قد ينقسم إلى الأبعاض والأجزاء وذلك من جهة أخرى.

ثم زعم قوم أن الواحدية صفة زائدة على الذات لأن الجوهر قد يشارك العرض في كونه واحداً لا يشاركه في كونه جوهراً فقط، ولأنه يصح تعقل الجوهر مع الذهول عن كونه واحداً، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم، ولأن قولنا "الجوهر واحد" ليس يجري مجرى قولنا "الجوهر جوهر" ولأن مقابل الجوهر العرض، ومقابل الواحد هو الكثير.

ثم المفهوم من كونه واحداً أمر ثبوتي لأنه لو كان سلبياً لكان سلباً للكثرة.

فإن كانت الكثرة سلبية وسلب السلب ثبوت فالوحدة ثبوتية وهو المطلوب، وإن كانت الكثرة ثبوتية ولا معنى للكثرة إلا مجموع الوحدات فإن كانت الوحدة سلبية حصل من الأمور المعدومة أمر موجود وهو محال، فثبت أن الوحدة صفة زائدة ثبوتية.

ثم إنه لا يمكن أن يقال: إنه لا تحقق لها إلا في الذهن لأنا نعلم بالضرورة أن الشيء المحكوم عليه بأنه واحد قد كان واحداً في نفسه قبل أن يوجد في ذهننا واعتبارنا فثبت أن كون الشيء واحداً صفة ثبوتية زائدة على ذاته قائمة بتلك الذات.

والجواب أن كون الشيء واحداً في ذاته معناه كونه بحيث يصح أن يدرك الذهن منه معنى الوحدة، وهذه الحيثية لا تتوقف على حصول الذهن في الخارج.

ثم إن الوحدة لو كانت صفة زائدة على الذات كانت الوحدات متساوية في ماهية الوحدة ومتباينة بتعيناتها، فيكون للوحدة وحدة أخرى وهلم جرا وذلك محال، ثم إن شيئاً من الموجودات لا ينفك عن الوحدة حتى العدد، فإن العشرة الواحدة يعرض لها الوحدة من حيث هي عشرة واحدة.

فإن قلت: عشر ثانٍ فالعشرتان مرة واحدة قد عرضت لها الوحدة من هذه الجهة، فلا شيء من الموجودات ينفك عن الوحدة.

ولكن الوحدة تغاير الوجود لأن الموجود ينقسم إلى الواحد، والكثير والمنقسم إلى شيئين: مغاير لما به الانقسام.

والواحد الحق  وتعالى واحد باعتبارين: أحدهما أن ذاته ليست مركبة من أمور كثيرة بل ولا من أمرين أيضاً وإليه الإشارة بقوله ﴿ إلهكم إله واحد ﴾ والخطاب للممكنات بأسرهم.

والتذكير لتغليب ذوي العقول الذكور، وثانيهما أنه ليس في الوجود ما يشاركه في كونه واجب وفي كونه مبدأ لجميع الممكنات وهو المراد بقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ ويمكن أن يقال: القرينتان تدلان على نفي الشريك إلا أن الأولى منهما تدل على إثبات وحدته في الإلهية بالمطابقة.

ويلزم منه نفي الشريك كقولك "هو سيد واحد" تريد الوحدة في السيادة، فيلزم نفي أن يكون غيره سيداً.

والقرينة الثانية تدل على نفي الشريك بالمطابقة.

ثم على إثبات المعبودية بالحق فمعناه لا إله في الوجود إلا هو.

وفيه نكتة شريفة وهي أن إثبات الحق وقع في كلتا القرينتين بالمطابقة ليعلم أنه المقصد الأسنى والغاية القصوى.

وتحقيقه أن العارف له رجوع وعروج، وذلك أنه قد يفنى في عالم اللاهوت ويبقى ببقاء الحي الذي لا يموت، ويطالع عالم الشهود فيلزمه حينئذ نفي ما سوى الحق.

وإذا رجع إلى عالم الناسوت ضرورة وجب عليه نفي كل من سواه حتى يعرج إلى المقصود.

فهذا سر عكس الترتيب في القرينتين، ولأن الأولى مرتبة الصديقين السابقين فلا جرم وقع التكليف بالترتيب الأخير "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله".

ثم البرهان العقلي على أنه  واحد من جميع الوجوه لا يجمعه أجزاء مقدارية كما للأجسام، ولا يحصره أجزاء معنوية كما في البسائط النوعية، ولا أجزاء اعتبارية كما في البسائط الجنسية، هو أن كل مركب فإنه يفتقر في تحققه أجزائه، والمفتقر إلى غيره لا يكون واجب الوجود لذاته.

وأيضاً فكل ممكن فإن وجوده زائد على ماهيته في العقل والاعتبار فإنه يمكن تصور الممكن من حيث إنه ممكن مع الشك في وجوده الخارجي.

ولكن لا يمكن تعقل الواجب من حيث إنه واجب مع الشك في وجوده، ولا نعني بكون الوجود زائداً على الماهية وغير زائد إلا هذا.

وأما أنه  وحده لا شريك له فلأن وجوب الوجود يقتضي أن لا يكون الواجب لذاته مفتقراً في شيء إلى شيء أصلاً، ولا يكون كذلك إلا إذا كان في غاية الكمال ونهاية الجلال والجمال، ولا ريب أن من كمالات الجميل كونه عديم النظير.

ومن تحقق معنى وجوب الوجود بنور الباطن وصفاء الضمير لم يشك في وجوده  ولا في أن واجب الوجود من جميع جهاته، وواجب الوجود في جميع صفاته، وواحد بجميع اعتباراته حتى عن حمل الوحدة عليه وعن تصور ذاته.

وههنا حالة عجيبة، فإن العقل ما دام يلتفت إلى الوحدة فهو بعد لم يصل إلى عالم الوحدة، فإذا ترك الوحدة فقد وصل إلى الوحدة.

فاعرف هذه الأسرار لتتخلص عن ظلمات شبهات الأشرار وتفوز بمقامات الأبرار وتستغرق في بحار عالم الأنوار بعون الملك الجبار وشروق أنوار الواحد القهار.

ولك أن تقول: إنه  واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له.

أما أنه واحد في ذاته فلأنه لو شاركه غيره في حقيقته لزم تركبه مما به الاشتراك وما به الامتياز، وكل مركب مفتقر، وكل مفتقر ممكن.

وأما أنه واحد في صفاته فلأن صفات غيره من غيره وصفاته من نفسه، ولأن صفات غيره زمانية دون صفاته ولأن صفات غيره متناهية وصفاته غير متناهية كعلمه مثلاً، فإن له معلومات غير متناهية بل له في كل معلوم علوم غير متناهية بحسب أحياز ذلك المعلوم وأوقاته وسائر أحواله، ولأن موصوفية ذاته بالصفات ليست بمعنى كونها حالة في ذاته وكون ذات محلاً لها، ولا بمعنى أن ذاته تستكمل بها لأن ذاته كالمبدأ لتلك الصفات ولن يستكمل المبدأ بما عن المبدأ بل ذاته مستكملة بذاته.

ومن لوازم ذلك الاستكمال الذاتي تحقق صفات الكمال، وقد يفضي التقرير ههنا إلى حيث تقصر العبارة عن الوفاء به، وتلك أنه لا خبر عند العقول من صفاته كما أنه لا خبر عندها من ذاته، فإنا لا نعرف من علمه إلا أنه الآمر الذي لأجله ظهر الأحكام والإتقان في المخلوقات، كما أنا لا نعلم من ذاته إلا أنه مبدأ جميع الممكنات.

من طبع على قلبه مني بالخذلان، ومن كشف له الغطاء صار حيران فلا إحاطة للقطرة بكرة الماء، ولا ظهور لضوء السهى عند حلول الشمس.

كبـد السـماء أشتاقـه فـإذا بـدا *** أطـرقـت مــن إجــلالــه لا خيفـــة بــل هيبــــة *** وصيـــانـة لجمــــالــه فــالمــوت فــي إدبــاره *** والعيــش فــي إقبــالـــه وأصــدّ عنـــه إذا بـــدا *** وأروم طيــف خيـــالـــه وأما أنه واحد في أفعاله فلأن ما سواه ممكن الوجود لذاته، وبقدر البون بين الواجب للذات والممكن للذات يوجد التفاوت بين فعليهما إن فرض للممكن فعل من نفسه { الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء  وتعالى عما يشركون } [الروم: 40] ثم إنه  خص الموضع بذكر الرحمن الرحيم، لأن الإلهية والفردانية يفيد القهر والعلو، فقعبهما بذكر الصفتين ترويحاً للقلوب عن هيبة الإلهية وعزة الفردانية وإشعاراً بأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ الآية.

ذكر علماء المعاني في إيجاز هذه الآية أن في ترجيح وقوع أيّ ممكن كان على "لا وقوعه" لآيات للعقلاء.

إلا أن الكلام لما كان مع الإنس أو الجن فحسب بل مع الثقلين، ولا مع قرن دون قرن بل مع القرون كلهم إلى انقراض الدنيا وفيهم من مرتكبي التقصير في باب النظر والعلم بالصانع من لا يحصي من طوائف الغواة، لم يكن مقام أدعى لترك الإيجاز إلى الإطناب من هذا.

عن عطاء قال: نزل بالمدينة على النبي  ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ فقالت كفار قريش بمكة - ولهم حينئذ حول الكعبة ثلثمائة وستون صنماً -: كيف يسع الناس إله واحد؟

فنزلت ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ إلى آخرها وعن سعيد بن مسروق: لما نزلت ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ تعجب المشركون وقالوا: إله واحد؟

إن كان صادقاً فليأتنا بآية فنزلت.

وزعم بعض الناس أن الخلق هو المخلوق وهو الذي يدل على الصانع.

والتحقيق أنه غيره لأن الخلق التقدير، وتقدير المخلوقات غير نفس المخلوقات، ولو كان عينها والخالقية صفة لله  لزم اتصافه  بالقاذورات، والشياطين.

ولأنه يصح تعليل حدوث الحادث بخلق الله تعالى فلا يصح تعليل حدوثه بنفس ذلك الحادث، ولأنه يصح أن يقال: خلق السواد وخلق البياض ومفهوم الخلق فيهما واحد، ومفهوم السواد غير مفهوم البياض، ولاتفاق المعتبرين من النحاة على أن العالم في قول "خلق الله العالم" مفعول به لا مفعول مطلق.

ثم لا نزاع في الاستدلال على الخالق بالمخلوق، لكن لا من جهة عينه بل من جهة خلق الله إياه، وهذه الجهة التي صيرته آية.

وقد عدد الله  في هذه الآية ثماني آيات: الأولى: خلق السموات وقد تكلمنا في عددها وترتيبها في تفسير قوله  ﴿ فسوّاهن سبع سموات  ﴾ وقد زعم أهل الهيئة لما شاهدوا من كل واحد من السيارات السبع حركات مختلفة كالبطء والسرعة بعد التوسط في الحركة والوقوف والرجوع بعد الاستقامة وهي الحركة على توالي البروج وعندهم مقدمتان كليتان إحداهما أن السمويات لا يتطرق إليها إلا الاختلاف الوضعي.

الثانية: أن حركة الكوكب في الفلك ليست كحركة السمك في الماء ولكه يدور بإدارة الفلك إياه، أن كل واحد من أفلاك السيارات ينقسم إلى أفلاك أخر يتضمنها فلكه الكلي الذي مركزه مركز العالم، ومراكزها تخالف مركزه في الأغلب.

ثم إن كان مع المخالفة في المركز محيطاً بالأرض يخص باسم الخارج المركز ويبقى بعد توهم انفصاله من الفلك الكلي جسمان تعليميان متبادلاً وضع الغلظ والرقة يسميان المتممين، وإن لم يكن محيطاً بالأرض سمي بالتدوير، ويكون الكوكب مركوزاً فيه كالفص في الخاتم.

ويلزم له من مجموع الحركات المركبة من تلك الأفلاك حركة مختلفة في النظر، وإن كان كل منهما متشابهاً في نفس الأمر، ويعني بالتشابه ههنا أن يقطع المتحرك من المحيط في أزمنة متساوية قسياً متساوية، أو يحدث عند المركز زوايا متساوية وبالاختلاف نقيض ذلك.

فللقمر من تلك الأفلاك أربعة: اثنان متوافقان في المركز وخارج وتدوير.

وللعطارد أربعة: أحدها يوافق مركزه مركز العالم وخارجان وتدوير.

وللزهرة ثلاثة: وللشمس اثنان: موافق وخارج.

ولكل من الثلاثة العلوية كما للزهرة.

ومقادير حركات هذه الأفلاك بسيطة موضوعة في الزيجات، وأما المختلفة فالشمس تقطع جميع الفلك في سنة شمسية وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم إلا كسراً، والقمر في ثمانية وعشرين يوماً، وكل من عطارد والزهرة كالشمس وزحل في ثلاثين سنة، والمريخ في سنتين، والمشتري في اثنتي عشرة سنة جميع ذلك بالتقريب.

وإذا تقرر ذلك على الإجمال فنقول في كيفية الاستدلال بهذه الأحوال: إن اختصاص مقادير كل واحد من الأفلاك بمقدار معين مع اشتراكها في الطبيعة الفلكية، تدل على مخصص مدبر مختار خبير قهار.

وكذا تخصص كل منها بحيز معين، وكذا تعيين نقطتين من سطح الفلك للقطبية مع تساوي جميع النقط المفروضة عليه في صلوح ذلك، وكذا حصول الكواكب أو التدوير في جانب معين من الفلك، وكذا تفصيل الأفلاك الكلية إلى الخوارج المراكز وإبقاء المتممات على أقدار معينة في الرقة والغلظ، وكذا تعيين كل من الأجرام بحركة معينة.

السيارات كما قلنا آنفاً والثوابت بحيث تتم دوراً في ستة وثلاثين ألف سنة على ما في المجسطي، أو في خمسة وعشرين ألف سنة ومائتي سنة عند المتأخرين، والفلك الأعظم في يوم بليلة.

وكذا تعيين جهات الحركات شرقاً أو غرباً أو شمالاً أو جنوباً، وكذا تعيين مبادئ الحركات وتخصيصها بزمان دون زمان، فإن الأفلاك سواء قلنا أن ذواتها حادثة أو يقال إنها أزلية، لا بد أن يكون لحركاتها أول فإن الحركة انتقال من حالة إلى حالة، وكون الحركة أزلية ينافي المسبوقية بالغير.

فالابتداء بالحركة بعد أن لم تكن يقتضي الافتقار إلى فاعل مختار يكون الكل تحت قهره وتسخيره، وكذا تخصيص كل من الكواكب بعظم آخر وبلون آخر وبلون آخر كصفرة عطارد وبياض الزهرة كمودة زحل ودريّة المشتري وحمرة المريخ وظلمة القمر في ذاته بحيث إذا حال حائل بين الناظر وبين الشمس - وذلك في الاجتماع المرئي - كسفه.

وكذا اختلاف تأثيراتها في هذا العالم بإذن خالقها.

وبالجملة فإن هذا الترتيب العجيب والنسق الأنيق في تركيب هذه الأفلاك وائتلاف حركتها وارتباط أجرامها واختلاف أوضاعها المستتبعة لاتصالاتها وانصرافاتها، أترى أنها مبنية على حكمة وبقدرة قدير خبير أم هي واقعة عبثاً وجزافاً؟

هيهات فإن من جوّز في بناء رفيع وقصر مشيد أن التراب والماء انضم أحدهما إلى الآخر ثم تولد منهما اللبنات ثم تركبت تلك اللبنات وتولدت من تركيبها القصر ثم تزين بنفسه بالنقوش الغريبة والرسوم اللطيفة، قضى العقل له بالجنون وسجل عليه بسخافة الرأي بل يعد من زمرة الأنعام من جملة الأنام.

الآية الثانية خلق الأرض: ومن تأمل في شكلها من الاستدارة وفي حيزها من كونها واقعة في مركز العالم حتى انبعث منها بوقوع الشمس عليها مخروط ظلي في مقابلة الشمس متى وقع القمر فيه انخسف، ومن انكشاف بعضها عن كرة الماء لمكان الاستقرار عليها، وفي اختلاف أوضاع بقاعها بالنسبة إلى السماء حتى اختلف مرور الشمس وسائر الكواكب بسمت رؤوس قطان البلدان وتباينت الفصول والأمزجة والأخلاق وتغايرت الطوالع والمطالع بحسب تغاير الآفاق، ومن سائر أعراضها ومنافعها التي تقرر طرف منها في تفسير قوله ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً  ﴾ علم افتقارها إلى مدبر قدير وعليم خبير واحد في ملكه يفعل ما يشاء كما يشاء من غير منازع ومعاند.

الثالثة: اختلاف الليل والنهار: أما النهار فإنه عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأفق.

وفي عرف الشرع: زيادة ما بين طلوع الفجر الصادق إلى طلوع جرم الشمس.

وأما الليل، فعبارة عن مدة خفاء الشمس تحت الأفق، أو بنقصان الزيادة المذكورة، وذلك لأن الشمس إذا غابت ارتفع رأس مخروط ظل الأرض إلى فوق فوقع الإبصار داخله إلى أن يظهر الضلع المستنير منه من جانب الأفق الشرقي فيكون أول الفجر الكاذب إن كان الضوء مرتفعاً عن الأفق بعد، وأول الفجر الصادق إذا قرب من الأفق جداً وانبسط النور حتى إذا غاب رأس المخروط تحت الأفق طلع مركز جرم الشمس في مقابله فظهر أن الليل والنهار كيف يختلفان أي يتعاقبان مجيئاً وذهاباً كقوله ﴿ وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة  ﴾ أو يختلفان ظلاماً وضياءً أو طولاً وقصراً لأن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر ضرورة كون مجموعهما أربعاً وعشرين ساعة.

أو كيف يختلفان في الأمكنة فإن نهار كل بقعة تقابلها ضرورة كروية الأرض.

أو كيف يختلفان باختلاف البلدان فإن البلد كلما ازداد عرضاً عن خط الاستواء - وهو الموضع المحاذي لمنطقة الفلك الأعظم المسماة معدل النهار - ازداد نهاره في الصيف طولاً وفي الشتاء قصراً وبالعكس في الليل وقد يرتقي طول النهار بحسب تزايد ارتفاع القطب إلى حيث يصير اليوم بليلته نهاراً كله وبإزائه الليل، ثم إلى أكثر من ذلك إلى حيث يكون نصف السنة نهاراً ونصفها الآخر ليلاً وذلك إذا صار قطب الفلك الأعظم محاذياً لسمت الرأس ولا عمارة هناك، ولا حيث يزيد النهار الأطول على يوم بليلته لشدة البرد اللازم من قبل انخفاض الشمس.

وكون الليل والنهار في أنفسهما آيتين على وجود الصانع ووحدانيته ظاهر، وكذا من جهة ارتباطهما بحركة النير الأعظم، وكذا من جهة انتظام أحوال العباد بهما بسبب طلب المعاش في الأيام والنوم والراحة في الليالي.

ومن الغرائب تعاون المتنافيين على أمر واحد هو إصلاح معاش الحيوان، وأن إقبال الخلق في أول الليل على النوم يشبه موت الخلائق أولاً عند النفخة الأولى، ويقظتهم عند طلوع الفجر تضاهي عود الحياة إليهم في النفخة الثانية، وانشقاق ظلمة الليل بظهور الفجر المستطيل فيه من أعجب الأشياء كأنه جدول ماء صاف يسيل فيما بين بحر كدر بحيث لا يمتزجان.

وكل هذه الأمور دلائل على وجود مبدع عظيم الشأن غني عن الزمان والمكان مبرأ عن سمات الحدوث والإمكان.

الرابعة: الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس أي متلبسة بالذي ينفعهم مما يحمل فيها، أو بنفع الناس.

والفلك بالضم والسكون السفينة، واحد وجمع.

فضمة الواحد ضمة برد وضمة الجمع ضمة أسد، وتأنيث صفته ههنا أن يكون لتضمين معنى السفينة، ويحتمل أن يكون لمعنى الجمعية أي المراكب التي تجري، والتركيب يدل على الاستدارة والدوران ومنه "الفلك جسم كروي يحيط به سطحان متوازيان مركزهما واحد" "وفلكة المغزل" "وفلك ثدي الجارية استدار".

والبحر خلاف البر.

قيل: سمي بذلك لاتساعه وتعمقه ومنه "تبحر في العلم والمال" ويسمى الفرس الواسع الجري بحراً.

قال  في فرس أبي طلحة: "إن وجدناه لبحراً" وقيل: من الشق بحرت أذن الناقة شققتها.

ومنه البحيرة.

هذا وقد سلف في تفسير قوله عز من قائل ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً  ﴾ .

أن الماء محيط بأكثر جوانب القدر المعمور من الأرض فذلك هو البحر المحيط.

وقد دخل من ذلك الماء من جانب الجنوب متصلاً بالمحيط الشرقي ومنقطعاً عن الغربي إلى وسط العمارة أربعة خلجان: أولها إذا ابتدئ من الغرب الخليج البربري لكونه حدود بربر من أرض الحبشة طوله من الجنوب إلى الشمال مائة وستون فرسخاً، وعرضه خمسة وثلاثون فرسخاً.

وعلى ضلعه الغربي بلاد كفار الحبشة وبعض الزنج، وعلى الشرقي بلاد مسلمي الحبشة.

وثانيها الخليج الأحمر، طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة وستون فرسخاً، وعرضه بقرب منتهاه ستون فرسخاً، وبين طرفه وفسطاط مصر الذي على شرقي النيل مسيرة ثلاثة أيام على البر، وعلى ضلعه الغربي بلاد الزنج من البربر وبعض بلاد الحبشة، وعلى ضلعه الشرقي سواحل عليها فرضة مدينة الرسول  لقوافل مصر والحبشة إلى الحجاز، ثم سواحل اليمن، ثم عدن على الزاوية الشرقية منه.

وثالثها خليج فارس، طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة وستون فرسخاً، وعرضه قريب مائة وثمانين، وعلى سواحل ضلعه الغربي اليمن وبلاد عمان ولهذا ينسب البحر هناك إليها.

وجملة ولاية العرب وأحيائهم من الحجاز واليمن والطائف وغيرها وبواديهم بين الضلع الغربي من هذا البحر والشرقي من الخليج الأحمر، فلهذا تسمى العمارة الواقعة بينهما جزيرة العرب وفيها مكة زاد الله شرفها.

وعلى سواحل ضلعه الشرقي بلاد فارس ثم هرموز ثم مكران ثم سواحل السند.

ورابعها الخليج الأخضر مثلث الشكل آخذ من الجنوب إلى الشمال.

ضلعه الشرقي من بلاد فارس ثم هرموز ثم مكران يتصل بالمحيط الشرقي.

وضلعه الغربي خمسمائة فرسخ تقريباً.

وعلى سواحل هذا الضلع ولايات القتا والصين ولهذا يسمى بحر الصين، ومن زاويته الشرقية من بحر فارس يسمى بحر الهند لكون بعض ولاياتهم على سواحله، وأيضاً قد دخل إلى العمارة من جانب الغرب خليج عظيم يمر من جانب الجنوب على كثير من بلاد المغرب ويحاذي أرض السودان وينتهي إلى بلاد مصر والشام، ومن جانب الشمال على بلاد أندلس والجلانقة والصقالبة إلى بلاد الروم والشام، ويتشعب منه شعبة من شمال أرض الصقالبة إلى أرض مسلمي بلغار يسمى بحر ورتك.

طوله المعلوم مائة فرسخ، وعرضه ثلاثة وثلاثون.

وإذا جاوز تلك النواحي امتدّ نحو المشرق عما وراء جبال غير مسلوكة وأراض غير مسكونة، ويتشعب منه أيضاً شعبة تسمى بحر طرابزون.

فهذه هي البحار المتصلة بالمحيط.

أما غير المتصلة فأعظمها بحر طبرستان وجيلان وباب الأبواب والخرز والبكون، لكون هذه الولايات على سواحله مستطيل الشكل آخذ من المشرق إلى المغرب بأكثر من مائتين وخمسين فرسخاً، ومن الجنوب إلى الشمال تقريب من مائتين.

ومن عجائب البحار الحيوانات المختلفة الأعظام والأنواع والأصناف، ومنها الجزائر الواقعة فيها.

فقد يقال في بحر الهند من الجزائر العامرة وغير العامرة ألف وثلثمائة وسبعون، منها جزيرة عظيمة في أقصى البحر تقابل أرض الهند في ناحية المشرق.

وعند بلاد الصين تسمى جزيرة سرنديب دورها ثلاثة آلاف ميل، فيها جبال عظيمة وأنهار كثيرة ومنها يخرج الياقوت الأحمر.

وحول هذه الجزيرة تسع عشرة جزيرة عامرة فيها مدائن وقرى كثيرة، ومن جزائر هذا البحر جزيرة "كلة" التي يجلب منها الرصاص القلعي، وجزيرة "سريرة" التي يجلب منها الكافور.

وغرائب البحر كثيرة ولهذا قيل: حدث عن البحر ولا حرج وسئل بعض العقلاء ما رأيت من عجائب البحر؟

قال: سلامتي منه.

والسفينة مما ألهم الله  تركيبها ثم أجراها بقدرته على وجه الماء، فلولا رقة الماء وخفة مادة السفينة ثم عجيب صنعتها لما تم جريها، ولولا الرياح المعينة على تحركها لما تكامل النفع بها، ولولا اعتدال الريح لما سلمت من تلاطم الأمواج، ولولا تقوية قلوب راكبيها لما صبروا على شدائد ركوبها، ولولا أنه  خص كل طرف بشيء لم تنبعث الدواعي إلى اقتحام الأخطار في هذه الأسفار وحمل الأمتعة إلى الأمصار في البراري والبحار، فلا جرم ينتفع الحامل من حيث إنه يربح، وينتفع المحمول إليه من حيث إنه يجد ما أعوزه.

وفي الآية دليل على إباحة ركوب السفينة وإباحة الانتفاع بالتجارة.

الخامسة: ﴿ وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ أما نزول المطر من السماء فقد مر تحقيق ذلك في تفسير قوله  ﴿ أو كصيبٍ من السماء  ﴾ وأن المراد من السماء السحاب أو التقدير من جانب السماء.

وأما تنكير ﴿ من ماء ﴾ فلأن الغرض الوحدة الشخصية أو الصنفية يعني ماء هو سبب حياة الأرض لا المطر الذي قد لا ينبت شيئاً كما جاء في الحديث "ليس السنة بالتي لا تمطر وإنما السنة التي تمطر ولا تنبت" ولا ريب أن في إنزال ذلك الماء دلالات على الصانع ووحدانيته حيث جعله في غاية الصفاء واللطافة والعذوبة وصيره سبباً للأرزاق وأنزله بعد قنوط الناس منه وشدة احتياجهم إليه وأودع في نزوله حياة الأرض أي حسنها ونضارتها ورواءها وبهجتها وخضرتها بخروج أصناف النبات وضروب الأعشاب وألوان الأزهار وأنواع الأشجار والأثمار وجريان الجداول بينها والأنهار بحيث تروق الناظرين وتشوق السامعين.

فـوقـت الـربيـع فـي الأزمـان *** كســن الصبـا فـي الأسنــان وموت الأرض من ترشيح الاستعارة، فإنه لما عبر عن بهجتها ونضرتها وخضرتها بالحياة، عبر عن جمودها وكمودتها وبقائها على الهيئة الأصلية بالموت كأنها جسد لا روح فيه.

فلا دواء عليه.

السادسة: ﴿ وبث فيها من كل دابةٍ ﴾ وإنه معطوف على ﴿ أنزل ﴾ فيدخل تحت حكم الصلة، ويصح عود الضمير ﴿ فيها ﴾ إلى الأرض لأن قوله ﴿ فأحيا ﴾ عطف على ﴿ أنزل ﴾ فاتصل به وصارا جميعاً كالشيء الواحد.

فكأنه قيل: وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها من كل دابة ويجوز عطفه على ﴿ أحيا ﴾ أي فأحيا بالمطر الأرض وبث فيها من كل دابةٍ، لأن معاش الحيوان بل حياته يدور على الماء ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي  ﴾ .

واعلم أن الحيوان إما توليدي أو توالدي، وكلا الصنفين يحتاج إلى صانع فردٍ حكيم.

يحكى أن شخصاً قال بحضرة عمر: إني أتعجب من أمر الشطرنج ورقعته صغيرة ولو لعب الإنسان به ألف مرة لم يتفق مرتان فقال عمر: ههنا ما هو أعجب منه، وهو أن مقدار الوجه شبر في شبر، ثم إن مواضع الأعضاء التي فيها من الحاجبين والعينين والأنف والفم لا يتغير ألبتة ومع ذلك لا ترى شخصين أبداً يشتبهان في الصورة.

فما أعظم تلك القدرة والحكمة التي أظهرت في هذه الرقعة الصغيرة هذه الاختلافات التي لا حد لها، ولولا هذا الاختلاف لاشتبه الناس بعضهم ببعض وانقطع نظم معايشهم وحوائجهم.

ومن تأمل كتب التشريح وقرأ كتاب الحيوان وتتبع عجائب المخلوقات وقف من تراكيبها وخواصها على ما يقضي منه العجب ويفضي إلى الاعتراف بوحدانية الرب.

السابعة: تصريف الله  الرياح مع دقتها ولطافتها وفي ذلك نفع عظيم لانتفاع الحيوان بتنشق الهواء البارد، وبجريان السفن بهبوب الرياح، ومن قبل تلقيح الأشجار وسوق السحاب إلى حيث يرسله الله  ، ومن جهة تصحيح الأهوية الوبائية إلى غير ذلك من المنافع.

والمراد بتصريفها تقليبها في جهات العالم على حسب المصالح شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً أي صباً ودبوراً على كيفيات متخالفة حارّة وباردة وعاصفة ورخاء.

ومن قرأ الريح بالموحدة فليس فيها دلالة على العذاب في هذا المقام، والذي جاء في الحديث أنه  كان إذا هبت الريح قال: "اللَّهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً" .

فلا يدل إلا على أن مواضع الرحمة بالجمع أدل كما قال  : ﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات  ﴾ وقال ﴿ وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم  ﴾ وقد تختص اللفظة في القرآن بشيء فتكون أمارة له.

فمن ذلك أن عامة ما جاء في التنزيل من قوله ﴿ وما يدريك ﴾ مبهم غير معين قال ﴿ وما يدريك لعل الساعة قريب  ﴾ وما كان من لفظ "أدراك" فإنه مفسر ﴿ وما أدراك ما القارعة  ﴾ ﴿ وما أدراك ما هيه  ﴾ .

الثامنة: السحاب المسخر بين السماء والأرض سمي سحاباً لانسحابه في الهواء.

ومعنى التسخير التذليل.

وذلك أن طبع الماء ثقيل يقتضي النزول فكان بقاؤه في جو الهواء على خلاف طبعه بقاسر ومخسر.

وأيضاً لو دام لعظم ضرره من حيث إنه يستر ضوء الشمس ويكثر الأنداء والأمطار ويتعذر التردد في الحوائج، ولو انقطع لعظم ضرره لاستلزامه الجدب والإمحال، فكان تقديره بالمقدار المعلوم والإتيان به في وقت الحاجة ودفعه عند زوالها بمدبر ومسخر لا محالة.

وفي نفس السحاب من عظمه وتراكمه وارتفاعه وانخفاضه وانبساطه وتخلخله وسده الأفق في لحظة وانقشاعه في أخرى واشتماله على الرعد والبرق والسحمة والتطبيق إلى غير ذلك من العجائب دلالات واضحة على كمال حكمة موجده ومقدّره.

وأما قوله  ﴿ الآيات ﴾ فيحتمل أن يكون راجعاً إلى الكل أي مجموع هذه الأشياء الثمانية آيات، ويحتمل أن يكون راجعاً إلى كل واحد فإن كل واحد منها يدل على مدلولات كثيرة كما فصلنا.

وأيضاً فكل واحدة منها من حيث إنها موجودة فدل على وجود موجدها، وكونه قادراً ومن حيث إنها وقعت على وجه الإحكام والإتقان تدل على علم الصانع، ومن حيث حدوثها واختصاصها بوقتٍ دون وقت تدل على إرادته واختياره، ومن حيث إنها وجدت على الاتساق والانتظام دلت على وحدانية الله  ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ .

وأما قوله  ﴿ لقوم يعقلون ﴾ فإنما خص الآيات بهم لأنهم الذين يتمكنون من النظر فيه والاستدلال به.

وفي الآية من الفوائد أن التقليد مذموم فيما إلى تحقيقه سبيل.

وفيها أن جميع المعارف ليست ضرورية وإلا لم يحتج إلى النظر في شيء منها، وإنما خص الآيات الثمانية بالذكر مع أن سائر الأجسام والأعراض مستوية في الاستدلال بها على وجود الصانع بل كل ذرّة من الذرات، لأنها جامعة بين كونها نعماً على المكلفين، ومتى كانت الدلائل كذلك كانت أنجع في القلوب وأشد تأثيراً في الخواطر.

عن رسول الله  "ويلٌ لمن قرأ هذه الآية فمج بها" أي لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها حسبي الله ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًۭا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَشَدُّ حُبًّۭا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًۭا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ ١٦٥ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ ١٦٦ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةًۭ فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا۟ مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ حَسَرَٰتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ ١٦٧

القراءات: ﴿ ولو ترى ﴾ بتاء الخطاب: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب.

الباقون: بالياء ﴿ إذ يرون ﴾ بضم الياء من الإراءة: ابن عامر ﴿ إن القوة ﴾ ﴿ وإن الله ﴾ بكسر الألف فيهما: يزيد وسهل ويعقوب ﴿ إذ تبرأ ﴾ بإدغام الذال في التاء وكذا ما أشبهه: هشام وسهل وأبو عمرو وحمزة وعلي وخلف.

﴿ يريهم الله ﴾ بكسر الهاء والميم: أبو عمرو وسهل.

وقرأ حمزة وعلي وخلف ويعقوب بضم الهاء والميم.

والباقون بكسر الهاء وضم الميم ﴿ بخارجين ﴾ بالإمالة: عباس وقتيبة لجوار من النار.

الوقوف: ﴿ كحب الله ﴾ ط ﴿ حباً لله ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ لا وكذلك ﴿ وجميعاً ﴾ لا من قرأ "أن" بالكسر فيهما ﴿ شديد العذاب ﴾ ه ﴿ الأسباب ﴾ ه ﴿ تبرؤا منا ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ ومن النار ﴾ ه.

التفسير: أنه  وتعالى لما قرر للتوحيد الدلائل الباهرة عقبها تقبيح ما يضاده "فبضدها تتبين الأشياء" والند المثل المناد كما سلف.

والمراد بالأنداد ههنا هي الأصنام التي اعتقد المشركون أنها تقربهم إلى الله زلفى، ونذروا لها النذور وقربوا لأجلها القرابين، وقيل: يعني السادة الذين كانوا يطيعونهم وينزلون على أوامرهم ونواهيهم محلين ما حرم الله ومحرّمين ما أحل.

عن السدى: واستدل على تفسيره بأن قوله ﴿ يحبونهم ﴾ فيه ضمير العقلاء ولأنه من المستبعد أن تكون محبتهم لها كمحبتهم لله  مع علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع ولقوله ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ﴾ وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ العقلاء أنداداً وأمثالاً لله  يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم ما يلتزمه المؤمنون لله  .

ويمكن تزييف الحجج بأن ضمير العقلاء جاز عوده إلى الأصنام بناء على اعتقاد الجهلة حيث نظموها في سلك المعبود الحق.

قال  ﴿ إِن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم  ﴾ .

وأيضاً علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع ممنوع ولو علموا بذلك ما أشركوا وأيضاً التبري لا يمتنع من الأصنام بدليل قوله  ﴿ ويوم القيامة يكفرون بشرككم  ﴾ وقال أهل العرفان: كل شيء شغلت قلبك به سوى الله فقد جعلته في قلبك نداً لله  ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه  ﴾ ﴿ يحبونهم ﴾ يحبون عبادتهم أو التقرب إليهم والانقياد لهم، أو يعظمونهم ويخضعون لهم كحب الله من إضافة المصدر إلى المفعول أي كما يحب الله على أنه مصدر من المبني المفعول.

وإنما استغنى عن ذكر من يحبه وهم المؤمنون لأنه غير ملتبس.

وقيل: كالحب اللازم عليهم لله وقيل: كحبهم الله أي يسوّون بينه وبينهم في محبتهم بناء على أنهم كانوا مقرّين بالله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين  ﴾ ﴿ والذين آمنوا أشدُ حباً لله ﴾ لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره في السراء ولا في الضراء، ولا يجعلون وسائط بينهم وبينه بخلاف المشركين يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله.

ويعبدون الصنم زماناً ثم يرفضونه إلى غيره، أو يأكلونه كما أكلت باهلة آلهتها من حيس وهو الأقط والسمن والتمر عام المجاعة وفيهم قال الشاعر: أكلـــت حنيفــة ربهـــا *** زمــن التجعــم والمجــاعـة لم يحـذروا مـــن ربهـــم *** ســوء العـواقـب والتبـاعـة واعلم أن إطلاق محبة العبد لله  قد ورد في القرآن والحديث كما في هذه الآية وكقوله ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ويروى أن إبراهيم  قال لملك الموت.

وقد جاء لقبض روحه - هل رأيت خليلاً يميت خليله؟

فأوحى الله إليه: هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله.

فقال: يا ملك الموت الآن فاقبض.

"وجاء أعرابي إلى النبي  فقال: يا رسول الله متى الساعة؟

فقال: ماذا أعددت لها فقال: ما أعددت كثير صلاة ولا صيام إلا أني أحب الله ورسوله.

فقال  : المرء مع من أحبه" .

ثم إن الأئمة اختلفوا في معناها فقال جمهور المتكلمين: إن المحبة نوع من أنواع الإرادة لا تعلق لها إلا بالجائزات، ويستحيل تعلق المحبة بذات الله وصفاته، فمعنى قولنا يحب الله يحب طاعة الله وخدمته أو يحب ثوابه وإحسانه.

وأما العارفون فيقولون: إنا نحب الله لذاته لا لغرض، ولو كان كل شيء محبوباً لأجل شيء آخر دار أو تسلسل وإذا كنا نحب الرجل العالم لعلمه، والرجل الشجاع لقوته وغلبته، والرجل الزاهد لبراءة ساحته عن المثالب، فالله تعالى أحق بالمحبة لأن كل كمال بالنسبة إلى كماله نقص، والكمال مطلوب لذاته محبوب لنفسه.

وكلما كان الاطلاع على دقائق حكمة الله وقدرته وصنعه أكثر كان حبه له أتم، وبحسب الترقي في درجات العرفان تزداد المحبة إلى أن يستولي سلطان الحب على قلب المؤمن فيشغله عن الالتفات لغيره ويفنى عن حظوظ نفسه، فيه يسمع وبه يبصر وبه يمشي ويتكلم بلسان الحال "ليس في جبتي سوى الله" فلا يعصي الله طرفة عين ولا يشتغل بحظ نفسه لمحة بصر كما قيل: تعصـي الإلـه وأنت تظهر حبه *** هذا لعمـري في الفعـال بديـع لـو كان حبـك صـادقاً لأطعته *** إن المحـب لمـن يحب مطيـع ويحب الله ويحب أولياءه ومقربيه ويناوئ أعداءه ومخالفيه ﴿ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين  ﴾ .

لعيـن تغـدى ألـف عين ويتقى *** ويكـرم ألـف للحبيـب المكـرم ﴿ ولو يرى ﴾ قرئ بالياء والتاء "وأن" "وإن" بالفتح والكسر فههنا أربعة تقديرات: الأول: لو يعلم الذين ظلموا أنفسهم باتخاذ الأنداد إذا عاينوا العذاب يوم القيامة أن القدرة كلها لله على كل شيء من العقاب والثواب دون أندادهم وأن عذاب الله للظالمين شديد، لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة ووقوع العلم بظلمهم وضلالهم.

وحذف جواب "لو" دليل على فخامة شأن المحذوف ليذهب الوهم كل مذهب ويقدر من الفظاعة ما لا يكتنه كنهه كقولهم "لو رأيت فلاناً والسياط تأخذه" بخلاف ما وقع التعبير عنه بلفظ معين.

الثاني: ولو ترى - يا محمد أو يا من يتأتى منه الرؤية - هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم وقت معاينتهم العذاب بمعاينتهم أن القدرة كلها لله وأنه شديد العذاب، لرأيت أمراً عظيماً.

فعلى هذا "أن" و "إن" مع معمولهما بدل من العذاب.

قال الفراء: الوجه فيه تكرير الرؤية أي يرون أن القوة لله جميعاً.

الثالث: بياء الغيبة وكسر "إن" و "إن" ومعناه كالأول، والجملتان معترضتان.

أو المعنى لقيل: إن القوة لله.

والرابع: على هذا القياس.

ودخول "لو" وكذا "إذا" في المستقبل مع "أن" حقهما الدخول على الماضي نظم للمستقبل في سلك الماضي المقطوع به لصدوره عمن لا خلاف في إخباره.

وقيل: لأن الساعة قريب فكأنها قد وقعت وكذا الكلام في ﴿ إذ تبرأ ﴾ وأنه بدل من ﴿ إذ يرون العذاب ﴾ وقيل: هو معمول شديد.

والمراد بالذين اتبعوا القادة والرؤساء من مشركي الإنس.

عن قتادة والربيع وعطاء: أو شياطين الجن الذين صاروا متبوعين بالوسوسة عن السدي: وقيل الأوثان.

والتبري إما بالقول وهو أقرب، وإما بظهور العجز والندم بحيث لا يغنون عن أنفسهم من عقاب الله شيئاً فكيف عن غيرهم؟

﴿ ورأوا العذاب ﴾ الواو للحال أي تبرؤا في حال رؤيتهم العذاب ﴿ وتقطعت ﴾ عطف على ﴿ تبرأ ﴾ ﴿ بهم ﴾ أي عنهم فإن "تقطع" في معنى "زال أو وقع" تقطع الأسباب ملتبسة بهم مثل ﴿ لقد تقطع بينكم  ﴾ بضم النون أو الباء للتعدية كأن أسباب الوصل صارت أسباب القطع ومصالحهم انقلبت عليهم مفاسد.

والسبب في اللغة الحبل ثم استعير لكل ما يتوصل به.

قالوا: ولا يدعى الحبل سبباً حتى ينزل ويصعد به.

والمراد ههنا الوصل التي كانت بينهم من الاتفاق على دين واحد ومن الأنساب والمحاب والأتباع والأشياع والعهود والعقود ﴿ لو أن لنا كرة ﴾ تمنّ ولذلك أجيب بالغاء كأنه قيل: ليت لنا كرة رجعة إلى الدنيا وإلى حال التكليف والمتبوعون مفتقرون إلى اتباعنا ونصرتنا حتى نتبرأ منهم بعدم النصرة والإعانة كما فعلوا هم اليوم ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك الإراء الفظيع ﴿ يريهم الله أعمالهم حسرات ﴾ هو ثالث مفعول "أرى" أو مثل ذلك التبرؤ يريهم أعمالهم حسرات، فإن ذلك التبرؤ نوع إراءة.

والمراد بالأعمال قيل الطاعات لزمتهم فلم يقوموا بها وضيعوها.

عن السدي: وقيل المعاصي وأعمالهم الخبيثة يتحسرون لم عملوها.

عن الربيع وابن زيد: وقيل ثواب طاعاتهم التي أتوا بها فأحبطوه بالكفر.

عن الأصم: وقيل أعمالهم التي تقربوا بها إلى رؤسائهم من تعظيمهم والانقياد لأمرهم.

والحسرة شدة الندم على ما فات حتى بقي النادم كالحسير من الدواب وهو الذي لا منفعة فيه.

والتركيب يدور على الكشف ومنه انحسر الطائر انكشف بذهاب ريشه.

والحاصل أنهم لا يرون مكان أعمالهم إلا حسرات.

فيا أيها المغرور بالسلامة ما أعددت ليوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، يوم يجعل الولدان شيباً، يوم يدع المسرور كئيباً.

الدنيا دار تجارة فالويل لمن تزود منها الخسارة ﴿ وما هم بخارجين من النار ﴾ استدل الأشاعرة بالتقديم على التخصيص فقالوا: إن أصحاب الكبيرة من أهل القبلة يخرجون من النار.

وزعم المعتزلة أن بناء الكلام على "هم" لتقوي الحكم وإفادة التأكيد كقوله  ﴿ وهم يخلقون  ﴾ فإنه لا يدل على أن غير الأصنام غير مخلوق والله أعلم حسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُوا۟ مِمَّا فِى ٱلْأَرْضِ حَلَـٰلًۭا طَيِّبًۭا وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌ ١٦٨ إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ١٦٩ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۗ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ ١٧٠ وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَآءًۭ وَنِدَآءًۭ ۚ صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ١٧١

القراءات: ﴿ خطوات ﴾ ساكنة الطاء حيث كان: أبو عمرو وغير عباس ونافع وحمزة وخلف الهاشمي وأبو ربيعة عن البزي والقواس والحماد وأبو بكر غير البرجمي.

الباقون: بالضم.

﴿ بل نتبع ﴾ .

وبابه مثل ﴿ هل ننبئكم  ﴾ و ﴿ بل نقذف  ﴾ مدغماً حيث كان: علي وهشام.

الوقوف: ﴿ طيباً ﴾ ز والوصل أجوز لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ آباءنا ﴾ ط لابتداء الاستفهام ﴿ ولا يهتدون ﴾ ه ﴿ ونداء ﴾ ط لحق المحذوف أي هم صم ﴿ لا يعقلون ﴾ ه.

التفسير: قال الكلبي: نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة، حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.

والآية مسوقة لتقرير طرف من جهالات المشركين المتخذين من دون الله أنداداً.

وحلالاً مفعول كلوا أو حال مما في الأرض وهو المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه من الحل الذي يقابل العقد.

ومنه حل بالمكان إذا نزل، وحل عقد الرحال، وحل الدين وجب لانحلال العقدة بانقضاء المدة، والحلة لأنها تحل عن الطي للبس.

وتحلة القسم لأن عقدة اليمين تنحل به.

ثم الحرام قد يكون حراماً في جنسه كالميتة والدم، وقد يكون حراماً لعرض كملك الغير إذا لم يأذن في أكله، فالحلال هو الخالي عن القيدين، والطيب إن أريد به ما يقرب من الحلال لأن الحرام يوصف بالخبيث ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب  ﴾ فالوصف لتأكيد المدح مثل ﴿ نفخة واحدة  ﴾ أي الطاهر من كل شبهة.

ويمكن أن يراد بالطيب اللذيذ، أو يراد بالحلال ما يكون بجنسه حلالاً وبالطيب ما لا يتعلق به حق الغير.

والخطوة بالضم ما بين قدمي الخاطي كالغرفة بالضم اسم لما يغترف والفعلة بالضم والسكون إذا كانت اسماً تجمع في الصحيح بسكون العين وضمها.

يقال: اتبع خطواته ووطئ على عقبه إذا اقتدى به واستن بسنته ﴿ مبين ﴾ ظاهر العداوة لا خفاء به ﴿ قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين  ﴾ ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم  ﴾ ﴿ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ﴾ السوء متناول جميع المعاصي من أفعال الجوارح وأفعال القلوب، والفحشاء هي التي جاوزت الحد في القبح فلهذا قد تحقق الأول بما لم يجب فيه الحد والثاني بما يجب فيه الحد ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ وهذا أقبح الكل لأن وصف الله  بما لا ينبغي من أعظم الكبائر فهذه الآية كالتفسير لقوله ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ والصغائر والكبائر والكفر والجهل كلها من مأمورات الشيطان، بل لا يأمر الشيطان إلا بهذه الأمور بدليل "إنما" وهي للحصر وقد يدعو الشيطان إلى الخير ظاهراً وغرضه أن يجرّه إلى الشر آخراً مثل أن يجرّه من الأفضل إلى الفاضل فيتمكن بعد ذلك أن يجرّه إلى الشر.

ومثل أن يجره من الفاضل السهل إلى الأفضل الأشق ليصير ازدياد المشقة سبباً لتنفره عن الطاعة.

ويدخل في قوله ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ جميع المذاهب الباطلة والعقائد الفاسدة وقول الرجل هذا حلال وهذا حرام بغير علم بل يتناول مقلد الحق لأنه وإن كان مقلداً للحق لكنه قال ما لا يعلم فصار مستحقاً للذم من جهة أنه قادر على تحصيل العلم بالحق، ثم إنه قنع بالظن والتخمين.

ومعنى أمر الشيطان وسوسته وقد سلف في شرح الاستعاذة، وفي التعبير عن وسوسته بالأمر رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم أو قبولكم وساوسه.

وإذا كان الآمر المطاع مرجوماً مذموماً فكيف حال المأمور المطيع؟

وفي هذا معتبر للبصراء ومزدجر للعقلاء أعاذنا الله بحوله وأيده من مكر الشيطان وكيده.

﴿ وإذا قيل لهم ﴾ أي للمتخذين من دون الله أنداداً أو للناس.

والالتفات إلى الغيبة للنداء على ضلالتهم كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون: وعن ابن عباس: نزلت في اليهود حين دعاهم رسول الله  إلى الإسلام فقالوا: نتبع ما ألفينا أي وجدنا عليه آباءنا، فإنهم كانوا خيراً منا وأعلم.

وقد يعود الضمير إلى المعلوم كما يعود إلى المذكور، وعلى هذا فالآية مستأنفة.

وإنما خص هذا الموضع بقوله ﴿ ألفينا ﴾ لأن "ألفيت" يتعدى إلى مفعولين ألبتة فكان نصاً في ذلك فورد في الموضع الأول على الأصل.

واقتصر في المائدة ولقمان على لفظ "وجدنا" المشترك بين المتعدي إلى واحد والمتعدي إلى اثنين اكتفاء بما ورد في الأول مع تغيير العبارة عارضوا ما أنزل الله من الدلائل الباهرة بالتقليد فما أغفلهم وأنفسهم فلا جرم أجاب الله  بقوله ﴿ أو لو كان ﴾ الواو للعطف لا للحال على ما وقع في الكشاف، والهمزة للرد والتعجب وفعل الاستفهام، محذوف وكذا جواب الشرط، أيتبعونهم ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً من الدين ولا يهتدون للثواب، أيتبعونهم أيضاً؟

وتقرير الجواب أن يقال للمقلد: أعرفت أن المقلد محق أم لا.

فإن لم تعرف فكيف قلدته مع احتمال كونه مبطلاً، وإن عرفت فإما بتقليد آخر ويستلزم التسلسل، أو بالعقل فذلك كافٍ في معرفة الحق والتقليد ضائع.

وأيضاً علم المقلد إن حصل بالتقليد تسلسل، وإن حصل بالدليل فإنما يتبعه المقلد إذا علم ذلك الدليل أيضاً وإلا كان مخالفاً فظهر......

فقال وضلال ﴿ ومثل الذين كفروا ﴾ فيه للعلماء طريقان: أحدهما تصحيح المعنى بإضمار إما في المشبه أي مثل من يدعو الحق كمثل الذي ينعق يقال: نعق الراعي بالضأن إذا صاح بها.

وأما نغق الغراب فبالغين المعجمة شبه الداعي إلى الحق براعي الغنم والكفرة بالغنم ووجه التشبيه أن البهيمة تسمع الصوت ولا تعلم المراد، وهؤلاء الكفار يسمعون صوت الرسول وألفاظه وما كانوا ينتفعون بها فكأنهم لا يفهمون معانيها.

وإما بإضمار في المشبه به أي مثل الذين كفروا كبهائم الذي ينعق الطريق.

الثاني: التصحيح بغير إضمار أي مثلهم في دعائهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع، لكن قوله ﴿ لا دعاء ونداء ﴾ لا يساعد عليه لأن الأصنام لا تسمع شيئاً.

أو مثلهم في دعائهم آلهتهم كمثل الناعق في دعائه عند الجبل فإنه لا يسمع إلا صدى صوته.

فإذا قال: يا زيد.

يسمع من الصدى يا زيد، فكذلك هؤلاء الكفار إذا دعوا الأوثان لا يسمعون إلا ما تلفظوا به من الدعاء والنداء.

أو مثلهم في قلة عقلهم حيث عبدوا الأوثان كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم.

فكما أن الكلام مع البهائم دليل سخافة العقل فكذلك عبادتهم لها أي ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم كمثل الذي يتكلم مع البهائم، فكما أن ذلك عبث ضائع فكذا تقليدهم واتباعهم ﴿ صم ﴾ عن استماع الحق والانتفاع به ﴿ بكم ﴾ عن إجابة الداعي إلى سبيل الخير ﴿ عمي ﴾ عن النظر في الدلائل ﴿ فهم لا يعقلون ﴾ العقل المسموع ولا المطبوع وذلك أن طريق الاكتساب الاستعانة بالحواس ولهذا قيل: من فقد حساً فقد علماً.

فلما فقدوا فائدة الحواس فكأنهم عدموها خلقة، قال شابور بن أردشير: العقل نوعان: مطبوع ومسموع.

فلا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه فإن أحدهما بمنزلة العين والآخر بمثابة الشمس ولا يكمل الإبصار إلا بتعاونهما.

وقال النبي  "إن لكل شيء دعامة ودعامة عمل المرء عقله" فبقدر عقله تكون عبادته لربه.

أما سمعتم قول الله عز وجلّ حكاية عن الفجار؟

﴿ لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير  ﴾ وقال: "ما اكتسب المرء مثل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى" التأويل: الذين كفروا لم يسمعوا إذ خاطبهم الحق بقوله ﴿ ألست بربكم  ﴾ إلا دعاء ونداء لأنهم كانوا في الصف الأخير من الأرواح المجندة في أربعة صفوف: الأول للأنبياء، والثاني للأولياء، والثالث للمؤمنين، والرابع للكافرين فما شاهدوا شيئاً من أنوار الحق ولكنهم قالوا بالتقليد بلى فبقوا على التقليد ﴿ بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ١٧٢ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيْرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ١٧٣ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٤ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ ١٧٥ ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِى ٱلْكِتَـٰبِ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ ١٧٦

القراءات: ﴿ الميتة ﴾ بتشديد الياء: يزيد.

الباقون: بالسكون؛ ﴿ فمن اضطر ﴾ بكسر النون وضم الطاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وكسر الطاء: يزيد.

الباقون: بضمهما.

الوقوف: ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغير الله ﴾ ج الشرط مع فاء التعقيب ﴿ عليه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ تزكيهم ﴾ ج والوصل أولى لاتصال بعض جزائهم بالبعض ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بالمغفرة ﴾ ج للابتداء بالتعجب أو الاستفهام والوجه الوصل للمبالغة في الإنكار.

﴿ على النار ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط للابتداء بأن ﴿ بعيد ﴾ ربع الجزء.

التفسير: إنه  تكلم من أول السورة إلى ههنا في دلائل التوحيد والنبوة واستقصى شرح أهل النفاق والشقاق من المشركين وأهل الكتاب، وذيل كلاً من ذلك بما يناسبه، ومن ههنا شرع في بيان الأحكام الشرعية.

الحكم الأول: إباحة الأكل للمؤمنين بعد ما عمم للناس كلهم، وهذا بالنظر إلى الأصل.

وقد يصير واجباً العارض كما لو أشرف على الهلاك بسبب المجاعة، وقد يكون مندوباً كموافقة الضيف واستدل بقوله ﴿ من طيبات ما رزقناكم ﴾ على أن الرزق قد يكون حراماً فإن الطيب هو الحلال.

ولو كان الرزق حلالاً ألبتة لم يبق في ذكر الطيب فائدة إذ يصير المعنى كلوا من حلالات ما أحللنا لكم وأجيب بالمنع من أن معنى الطيب ما ذكر بل المعنى كلوا من متلذذات ما رزقناكم، ولعل أقواماً ظنوا أن التوسع في الأكل الحلال والاستكثار من الملاذ ممنوع منه فرفع الحرج.

﴿ واشكروا لله ﴾ الذي رزقكموها ﴿ إن كنتم إياه تعبدون ﴾ إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه مولى النعم فإن الشكر رأس العبادة، والتركيب يدور على الكشف والإظهار ومنه كشر إذا كشف عن ثغره، فنشر النعم وحصرها باللسان من الشكر.

وباطن الشكر أن يستعين بالنعم على الطاعة دون المعصية وقال بعضهم: أوليتنـي نعمـاً أبـوح بشكـرهـا *** وكفيتنـي كـل الأمـور بـأسرهـا فلأشكـرنك ما حييت فـإن أمـت *** فلتشكـرنك أعظمـي فـي قبرهـا عن النبي  "يقول الله  إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري" ولما أجمل في الآية ما يباح أكله ذيل بحصر ما هو محرّم ليبقى ما عدا ذلك على أصل الإباحة فقيل ﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ﴾ يتناول ما مات حتف أنفه وما لم تدرك ذكاته على الوجه الشرعي.

وإذا كانت محرمة وجب الحكم بنجاستها إجماعاً، ولأن تحريم ما ليس بمحرم ولا فيه ضر وظاهر يدل على النجاسة.

وليس في الآية إجمال عند الأكثرين، لأن المفهوم من تحريم الميتة ليس تحريم أعيانها وإنما المفهوم في العرف حرمة التصرف في هذه الأجسام كما لو قيل: فلان يملك جارية.

فهم منه عرفاً أنه يملك التصرف فيها.

وعلى هذا فالآية تدل على حرمة جميع التصرفات إلا ما أخرجه الدليل المخصص كالسمك والجراد لقوله  "أحلت لنا ميتتان ودمان.

أما الميتتان فالجراد والنون.

وأما الدمان فالطحال والكبد" .

وقال  في صفة البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وهذا عام لجميع الحيوانات التي لا تعيش إلا في الماء وإن لم تكن على صورة السمكة المشهورة.

ولا فرق أيضاً بين ما يؤكل نظيره في البر كالبقر والشاة وبين ما لا يؤكل كخنزير الماء وكلبه على أصح القولين للشافعي.

وقد زعم بعض الناس كصاحب الكشاف أن السمك والجراد يخرج بنفسه لأن الميتة لا تتناولهما عرفاً وعادة، ولهذا من حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث، وإن أكل لحماً في الحقيقة لقوله  ﴿ لتأكلوا منه لحماً طرياً  ﴾ وشبهوه بما لو حلف لا يركب دابة فركب كافراً لم يحنث وإن عدّ الكافر من الدواب لقوله  ﴿ إن شر الدواب عند الله الذين كفروا  ﴾ وفيه نظر.

لأن عدم التناول عرفاً إنما هو بعد تخصيص الشارع فلا يمكن أن يجعل دليلاً على عمومه.

وكالجنين الذي يوجد ميتاً عند ذبح الأم عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد وهو المروي عن علي  وابن مسعود وابن عمر لقوله  "ذكاة الجنين ذكاة أمه" وقال أبو حنيفة: لا يؤكل إلا أن يخرج حياً فيذبح وحمل الحديث على الإضمار أي ذكاة الجنين كذكاة أمه وردّ بأن الإضمار خلاف الأصل، وبأنه إذا خرج لا يسمى جنيناً، وبأنه لا يبقى للخبر حينئذ فائدة، لأن ذلك معلوم، ولما روي عن أبي سعيد "أنه  سئل عن الجنين يخرج ميتاً قال: إن شئتم فكلوه فإن ذكاته ذكاة أمه" وكشعر الميتة وصوفها فإنهما عند أبي حنيفة ظاهران لقوله  في معرض الامتنان ﴿ ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين  ﴾ ولقوله  في شاة ميمونة "إنما حرم من الميتة أكلها" ولأنهم كانوا يلبسون جلود الثعالب، ولأن الشعر، وا لصوف لا حياة فيه لأن حكم الحياة الإدراك والشعور.

ومن ههنا ذهب مالك إلى تحريم العظام دون الشعور، وعند الشافعي الشعر والعظم ونحوهما كالقرن والظفر والسن كلها نجسة لقوله  "ما أبين من حي فهو ميت" ولأن الحياة عندنا عبارة عن كونه متعرض للفساد والتعفن، وهذا المعنى يعم الشعر واللحم.

وأما الإهاب فللفقهاء فيه مذاهب سبعة.

فأوسع الناس قولاً الزهري.

جوز استعمال الجلود بأسرها قبل الدباغ، ثم داود قال: تطهر كلها بالدباغ لقوله  "أيما إهاب دبغ فقد طهر" ولأن الدباغ يعيد الجلد إلى ما كان عليه حال الحياة من عدم التعفن والفساد.

ثم مالك يطهر ظاهر كلها دون باطنها.

ثم أبو حنيفة يطهر كلها إلا جلد الخنزير لدسومته والآدمي لكرامته.

ثم الشافعي يطهر الكل إلا جلد الكلب والخنزير.

ثم الأوزاعي وأبو ثور يطهر جلد ما يؤكل لحمه فقط.

ثم أحمد بن حنبل والشيعة لا يطهر شيء منها بالدباغ لإطلاق الآية ولقول عبد الله بن حكيم: أتانا كتاب رسول الله  قبل وفاته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب.

واختلف في أنه هل يجوز الانتفاع بالميتة بإطعام البازي والبهيمة؟

فمنهم من منع منه حتى قال بعضهم: إذا أقدم البازي من عند نفسه على أكل الميتة وجب علينا منعه.

وجوز الشافعي استعمال نجس العين كجلد الكلب والخنزير للضرورة كمفاجأة قتال مع فقدان غيره، وكدفع الحر والبرد المهلكين، ولأجل تجليل الكلب وإن لم يكن ضرورة، وكذا استعمال جلد الميتة قبل الدباغ لتجليل الدابة والكلب، وكذا استعمال النجس العين كودك الميتة والخنزير والزبل للاستصباح وتسميد الأرض لعموم الحاجة القريبة من الضرورة، وقد نقله الأثبات عن أصحاب رسول الله  .

وسئل  عن الفأرة تقع في السمن فقال: " استصبحوا به ولا تأكلوه" .

والدخان وإن كان نجساً لكنه قليل معفو عنه.

وعند أبي حنيفة: إذا مات في الماء القليل ما ليس له نفس سائلة أي دم كالذباب والبعوض والخنفساء والعقرب وبنات وردان لم يفسد الماء قل أو كثر لأن رطوبة هذه الحيوانات تشبه رطوبة النبات فهي حية وميتة على هيئة واحدة.

وعند الشافعي فيه قولان: وعامة الأصحاب عدّوا دود الطعام من جملة ما ليس له نفس سائلة وقالوا: لا ينجس الطعام الذي تولد منه بموته فيه بلا خلاف.

وإن وقع في ماء أو في مائع آخر فقولان.

ثم الذباب والبعوض ونحوهما وإن حكم بطهارة ميتتهما فهي محرمة لأنها مستقذرة مندرجة تحت عموم اسم الميتة.

وفي جواز أكل دود الطعام والفواكه والماء وجهان، والأظهر تحرمها عند الانفراد، ومع هذه الأشياء يمكن أن يسامح به.

وسأل عبد الله بن المبارك أبا حنيفة عن طائر وقع في قدر مطبوخ فمات فقال أبو حنيفة لأصحابه: ما ترون فيها؟

فذكروا له عن ابن عباس أن اللحم يؤكل بعد ما يغسل فيهراق المرق.

فقال أبو حنيفة: بهذا نقول على شريطة إن كان وقع فيها في حال سكونها: فكما في هذه الرواية، وإن وقع فيها في حال غليانها لم يؤكل اللحم ولا المرق.

قال ابن المبارك: ولم ذلك؟

قال: لأنه إذا سقط فيها في حال غليانها فمات فقد داخلت الميتة اللحم، وإذا وقع فيها في حال سكونها فمات فقد وسخت الميتة اللحم.

فاستحسنه ابن المبارك.

وعند أبي حنيفة: ذبح ما لا يؤكل لحمه يستعقب الطهارة.

وعند الشافعي لا يستعقبها كما لا يستعقب حل الأكل، وكما لو ذبح المجوسي مأكول اللحم.

ولبن الشاة الميتة وأنفحتها طاهران عند أبي حنيفة دون الشافعي ومالك، لا لأن الآية لا تتناولهما فإن اللبن لا يوصف بأنه ميتة، بل لتنجسهما بمجاورة الميتة.

وبيض مأكول اللحم إذا مات ووجد ذلك في جوفه فإن كان متصلباً فطاهر بعد أن يغسل وإلاّ فلا.

أما الدم فعند الشافعي جميعه محرم سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح لإطلاق الآية إلا الكبد والطحال للخبر عند من يقول بتناول الآية إياهما، وعند من يقول بذلك لا تخصيص.

وقال أبو حنيفة: دم السمك ليس بمحرم، وأما لحم الخنزير فأجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم، وتخصيص اللحم بالذكر لأن معظم الانتفاع متعلق به.

أما شعر الخنزير فغير داخل في الظاهر وإن أجمعوا على تحريمه وتنجيسه.

واختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع به للخرز؟

فأبو حنيفة ومحمد يجوز، والشافعي لا يجوز.

واحتج أبو حنيفة بأنا نرى المسلمين يقرون الأساكفة على استعماله من غير نكير، ولأن الحاجة ماسة إليه.

وأما ما أهل به لغير الله فمعناه رفع به الصوت للصنم وذلك قول أهل الجاهلية باسم اللات والعزى.

وأهل المعتمر إذا رفع صوته بالتلبية.

قال العلماء: لو أن مسلماً ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتداً، وذبيحته ذبيحة مرتد.

وقدم به في هذه السورة وأخر في المائدة والأنعام والنحل لأن تقدم الباء هو الأصل لأنه يجري في إفادة التعدية مجرى الهمزة والتضعيف، فكان الموضع الأول هو اللائق بهذا الأصل، وفي سائر المواضع قدم ما هو المستنكر وهو الذبح لغير الله، ولهذا لم يذكر في سائر الآية قوله ﴿ فلا إثم عليه ﴾ اكتفاء بما ذكر في الموضع الأول.

ويستثنى مما أهل به لغير الله ذبائح أهل الكتاب إذا سمي عليها باسم المسيح مثلاً لإطلاق قوله  ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم  ﴾ ولأن النصراني إذا سمي الله  فإنما يريد به المسيح وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب.

وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه: إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به لغير الله فوجب أن يحرم.

وإذا ذبحوا على اسم الله فظاهر اللفظ يقتضي الحل ولا عبرة بما لو أراد به المسيح.

وعن علي كرم الله وجهه: إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فلا تأكلوا، وإذا لم تسمعوهم فكلوا فإن الله  قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون.

واعلم أن ظاهر الآية يقتضي أن يكون سوى هذه الأشياء محرماً، لكنا نعلم أن في الشرع أشياء أخر سواها من المحرمات، فكلمة إنما متروكة العمل بظاهرها والله أعلم ﴿ فمن اضطر ﴾ افتعل من الضر وهو الضيق أي ألجئ.

استثنى من التحريم حالة الضرورة ولها سببان: أحدهما الجوع الشديد وأن لا يجد مأكولاً حلالاً يسد به الرمق فعند ذلك يكون مضطراً إلى أكل المحرم.

الثاني: إذا أكرهه على تناوله مكره فيحل له تناول ما أكره عليه.

والاضطرار ليس من أفعال المكلف حتى يقال إنه لا إثم عليه فيه، فلا بد من إضمار وهو الأكل.

أي فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه، وإنما حذف للعلم به.

"وغير" ههنا بمعنى "لا" النافية كأنه قيل: فمن اضطر باغياً ولا عادياً.

والبغي في اللغة الظلم والخروج عن الإنصاف.

بغي الجرح ورم وترامي إلى فساد.

وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء فهو بغي.

والعدوان الظلم الصراح وتجاوز الحد.

وللأئمة في الآية قولان: أحدهما وإليه ذهب أبو حنيفة تخصيص البغي والعدوان بالأكل، وعلى هذا فالمعنى غير باغ بأن يجد حلالاً تكرهه النفس، فعد إلى أكل الحرام للذته ﴿ ولا عاد ﴾ أي متجاوز قدر الرخصة، أو غير باغ أي طالب للذة ولا عاد متجاوز سداً لجوعه، عن الحسن وقتادة والربيع ومجاهد وابن زيد: أو غير باغ على مضطر آخر بالاستئثار عليه، ولا عاد في سد الجوعة.

والثاني وإليه ذهب الشافعي والإمامية: غير باغٍ على إمام المسلمين، ولا عادٍ بالمعصية طريق المحقين.

ويتفرع على الاختلاف أن العاصي بسفره هل يترخص أم لا؟

فعند أبي حنيفة يترخص لأنه مضطر وغير باغٍ ولا عادٍ في الأكل.

وعند الشافعي لا يترخص لأنه موصوف بالعدوان ويؤيده الآية الأخرى ﴿ فمن اضطر في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثم  ﴾ وأيضاً غير باغٍ ولا عادٍ حالان من الاضطرار، فلا بد أن يكون وصف الاضطرار باقياً في الحالين وليس كذلك، لأنه حال الأكل لا يبقى وصف الاضطرار.

وأيضاً الإنسان نفور بطبعه عن تناول الميتة والدم فلا حاجة إلى نهيه عن التعدي في الأكل.

وأيضاً إنه نفي ماهية البغي والعدوان، وإنما تنتفي عند انتفاء جميع أفرادها ويتحقق حينئذٍ نفي العدوان في السفر كما هو مقصودنا.

وأما تخصيص البغي بالأكل كما ذهبتم إليه فترجيح من غير دليل.

حجة أبي حنيفة قوله  في آية أخرى ﴿ وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه  ﴾ وهذا الشخص مضطر فوجب أن يترخص.

وأيضاً قال  ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم  ﴾ ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة  ﴾ والامتناع عن الأكل سعي في قتل النفس، فيحرم كما لو ترك دفع أسباب الهلاك عن نفسه إذا صال عليه جمل أو فيل أو حية.

وأيضاً الضرورة تبيح تناول طعام الغير من دون الرضا بل على سبيل القهر، وهذا التناول محرم لولا الاضطرار فكذا ههنا.

أجاب الشافعي: بأنه يمكنه الوصول إلى استباحة هذه الرخص بالتوبة، فإذا لم يتب فهو الجاني على نفسه.

ثم إن الرخصة إعانة على السفر وإذا كان السفر معصية فالرخصة إعانة على المعصية، والسعي في تحصيل المعصية محظور، فالجمع غير ممكن ثم اتفق الإمامان على أن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه إلا إذا عجز عن السير ويهلك فيتناول المشبع.

وقال عبد الله بن الحسن العنبري: يأكل منها ما يسد جوعته.

وعن مالك: يأكل منها حتى يشبع ويتزود فإن وجد غنى عنها طرحها.

والأول أقرب، لأن سبب الرخصة إذا كان الإلجاء فمتى ارتفع الإلجاء ارتفعت الرخصة، كما لو وجد الحلال لم يحل له تناول الميتة، وكما أن الجوعة في الابتداء لا تبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضرراً بتركه.

وهذه الرخصة لجميع المحرمات عند الأكثرين، وبعضهم خصصها بما سوى لحم الخنزير، والشافعي منع عن شرب الخمر لشدة العطش دون إساغة اللقمة.

وفي التداوي بها وجهان، وبسائر المحرمات يجوز ولا يجب الامتناع إلى أن يشرف على الموت فإن الأكل حينئذٍ لا ينفع، بل لو انتهى إلى تلك الحالة له التناول.

وحدوث مرض مخوف في جنسه كخوف الموت، وهكذا إن كان يخاف منه لطوله وتماديه.

ولا يشترط في جميع ذلك إلا غلبة الظن دون التيقن.

ومعنى قوله ﴿ فلا إثم عليه ﴾ رفع الحرج والضيق كما مر في قوله ﴿ فلا جناح عليه أن يطوّف بهما  ﴾ ورفع الحرج قدر مشترك بين الواجب والمندوب والمباح فلا ينافي وجوب الأكل في حالة الاضطرار.

ومعنى قوله ﴿ أن الله غفور رحيم ﴾ أن المقتضي للحرمة قائم إلا أنه زالت الحرمة لوجود العارض، فلما كان تناوله تناول ما حصل فيه المقتضى للحرمة ذكر بعده المغفرة، ثم ذكر أنه رحيم يعني لأجل الرحمة أبحت لكم ذلك، أو لعل المضطر يزيد على تناول قدر الحاجة فهو  غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة، رحيم حيث أباح تناول قدر الحاجة.

أو أنه لما بين هذه الأحكام فالمكلفون بالنسبة إليها إما أن يعصوا فذكر أنه غفور لهم إذا تابوا، أو يطيعوا فهو رحيم حيث وفقهم للطاعة.

﴿ إن الذين يكتمون ﴾ عن ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم - كعب بن الأشرف وحي بن أخطب ونحوهما - كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم فعمدوا إلى صفة رسول الله  فغيروها ثم أخرجوها إليهم وقالوا: هذا نعت نبي آخر الزمان لا يشبه نعت هذا النبي الذي بمكة.

فإذا نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفاً لصفة النبي  فلا يتبعونه ﴿ ويشترون به ﴾ أي بالكتمان لدلالة الفعل عليه، أو بالمنزل.

وقد سبق معنى الاشتراء والثمن القليل ﴿ في بطونهم ﴾ حال أي ملء بطونهم.

أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه ﴿ إلا النار ﴾ لأنه إذا أكل ما يلتبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه أكل النار كقولهم "أكل الدم" أي الدية التي هي بدل منه: قال: أكلـت دمـاً إن لـم أرعـك بضـرة *** بعيـدة مهـوى القـرط طيبـة النشـر وذلك أنهم كانوا يستنكفون عن أخذ الدية وبعيدة مهوى القرط كناية عن طول العنق.

ويمكن أن يقال: إنهم يأكلون في الآخرة النار لأكلهم في الدنيا الحرام ﴿ ولا يكلمهم الله ﴾ بما يحبون لأنهم كتموا كلامه في الدنيا بل بنحو ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] أو لا يكلمهم الله أصلاً لغضبه عليهم كما هو ديدن الملوك من الإعراض عند السخط والإقبال عند الرضا ﴿ ولا يزكيهم ﴾ بالإثناء عليهم أو بقبول أعمالهم ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ بيان لتماديهم في الخسارة فإن أحسن الأشياء في الدنيا الاهتداء والعلم، وأقبحها الضلال والجهل.

وفي الآخرة أنفع الأشياء المغفرة، وأضرها العذاب فهم في خسران الدارين لاستبدالهم في الدنيا أقبح الأمور بأحسنها، وفي الآخرة أضر الأشياء بأنفعها.

﴿ فما أصبرهم على النار ﴾ تعجب من حالهم في تلبسهم بمواجب النار من غير مبالاة منهم، فإن الراضي بموجب الشيء لا بد أن يكون راضياً بمعلوله ولازمه إذا علم ذلك اللزوم كما تقول لمن يتعرض لما يوجب غضب السلطان "ما أصبرك على القيد والسجن" وهذا التعجب منهم في حال التكليف واشترائهم الضلالة بالهدى.

وعن الأصم: أن المراد أنه إذا قيل لهم ﴿ اخسؤا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] فهم يسكتون ويصبرون على النار لليأس من الخلاص.

وضعف بأنه خلاف الظاهر وبأن أهل النار قد يقع منهم الجزع والاستغاثة.

وقيل: إن "ما" في ﴿ ما أصبرهم ﴾ للاستفهام لمعنى التوبيخ معناه أي شيء صبرهم عليها حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل؟

وهذا أصل معنى فعل التعجب والتعجب استعظام الشيء مع خفاء سبب حصول عظم ذلك الشيء هذا هو الأصل، ثم قد يستعمل لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب كما في حق الله  ﴿ ذلك ﴾ الوعيد الشديد أو ذلك الكتمان وسوء معاملتهم إنما هو بسبب ﴿ إن الله نزل الكتاب ﴾ يعني جنس الكتب السماوية أو القرآن ﴿ بالحق ﴾ بالصدق أو ببيان الحق وقد نزل في جملة ما نزل أن هؤلاء الرؤساء من أهل الكتاب لا يؤمنون ولا يكون منهم إلا الإصرار على الكفر فإنه  ختم على قلوبهم ﴿ وإن الذين اختلفوا في الكتاب ﴾ جنسه فقالوا في البعض حق وفي البعض باطل وهم أهل الكتاب ﴿ لفي شقاق ﴾ خلاف ﴿ بعيد ﴾ عن الحق، أو الذين اختلفوا في القرآن فقال بعضهم شعر، وبعضهم سحر، وبعضهم أساطير الأولين، أو الذين اختلفوا في التوراة والإنجيل فقدح كل منهما في الآخر، أو ذكر كل منهما للآيات الدالة على نبوة محمد  تأويلاً آخر فاسداً، أو حرفوا كلاً منهما على وجه آخر لأجل عداوتك هم فيما بينهم في شقاقٍ بعيدٍ ومنازعةٍ شديدةٍ.

فلا ينبغي أن تلتفت إلى اتفاقهم على العداوة، فإنه ليس فيما بينهم مؤالفة وموافقة.

وعن أبي مسلم: اختلفوا في الكتاب أي توارده مثل ﴿ إن في اختلاف الليل والنهار  ﴾ أي تعاقبهما.

واعلم أن الآية وإن نزلت في أهل الكتاب، يشبه أن تكون عامة في كل من كتم شيئاً من باب الدين فيكون حكماً ثانياً للمسلمين، ويصلح أن يتمسك بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر.

وكان السبب في تعقيب هذا الحكم الحكم الأول أن أهل الكتاب قد حرموا بعض ما أحل الله كلحوم الإبل وألبانها وأحلوا بعض الشحوم، فسيقت الآية تعريضاً بصنعهم وتصريحاً بجزائهم وجزاء أضرابهم والله أعلم.

التأويل: الميتة جيفة الدنيا والدم وهي الشهوات النفسانية "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" وقال أيضاً  "سدوا مجاري الشيطان بالجوع" ولحم الخنزير مادة الشره والحرص، وما أهل به لغير الله كل ما يتقرب به إلى الله رياء وسمعة والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

۞ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ ١٧٧

القراءات: ﴿ ليس البر ﴾ بنصب الراء: حمزة وحفص الخراز عنه مخير.

الباقون: بالرفع ﴿ ولكن ﴾ خفيفاً ﴿ البر ﴾ رفعاً وكذلك فيما بعد: نافع وابن عامر.

الباقون: بالتشديد والنصب.

الوقوف: ﴿ والنبيَّن ﴾ ج لطول الكلام واختلاف المعنى لأن ما قبله أصول الإيمان وما بعده فروع: ﴿ وفي الرقاب ﴾ ج للطول مع انتهاء شرع المكارم وابتداء اللوازم ﴿ الزكاة ﴾ ج ﴿ عاهدوا ﴾ ج للعدول عن النسق إلى المدح والتقدير: هم الموفون أعني الصابرين ﴿ اليأس ﴾ ط ﴿ صدقوا ﴾ ط ﴿ المتقون ﴾ ه.

التفسير: هذا حكم آخر من أحكام الإسلام.

عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً سأل النبي  عن البر فأنزل الله  هذه الآية.

قال: وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ثم مات على ذلك وجبت له الجنة.

وقيل: كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة فقيل: ليس البر العظيم الذي يجب أن تذهلوا لشأنه عن سائر صنوف البر أمر القبلة، ولكن البر الذي يجب صرف الهمة إليه بر من آمن وقام بهذه الأعمال، وعلى هذا فالخطاب عام.

وقيل: الخطاب لأهل الكتاب لأن المشرق قبلة النصارى، والمغرب قبلة اليهود، وأنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حولت إلى الكعبة.

وزعم كل من الفريقين أن البر هو التوجه إلى قبلته، فرد عليهم بأن ما أنتم عليه خارج من البر.

أما أولاً فلأنه منسوخ، وأما ثانياً فلأنه على تقدير صحته شرط من شرائط أعمال البر لأن من جملتها الصلاة واستقبال القبلة شرط فيها، ولن يكون شرط جزء الشيء تمام حقيقة ذلك الشيء، وذلك أن البر اسم جامع للطاعات وأعمال الخير المقربة إلى الله ومنه بر الوالدين وهو استرضاؤهما بكل ما أمكن.

والتركيب يدل على الاتساع ومنه البر خلاف البحر.

قيل: إن قراءة رفع البر أولى ليكون الاسم مقدماً على الخبر على الأصل.

وقيل: بالنصب أولى لأن "أن" مع صلتها تشبه المضمر في أنها لا توصف، والمضمر أدخل في الاختصاص من المظهر فهو أولى بأن يكون اسماً ﴿ ولكن البر من آمن ﴾ على تقدير حذف المضاف أي بر من آمن.

وقيل: التقدير هكذا ولكن ذا البر من آمن.

وقيل: البر بمعنى البار مثل رجل صوم أي صائم.

وعن المبرد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت ﴿ ولكن البر ﴾ بفتح الباء.

قال في التفسير الكبير: إنه  اعتبر في تحقيق ماهية البر أموراً: الأول: الإيمان بأمور خمسة: أولها الإيمان بالله، ولن يحصل العلم بالله إلا عند العلم بذاته المخصوصة والعلم بما يجب ويجوز ويستحيل عليه، ولن يحصل العلم بهذه الأمور إلا عند العلم بالدلائل الدالة عليها فيدخل فيها العلم بحدوث العالم.

والعلم بالأصول التي عليها يتفرع حدوث العالم ويدخل في العلم بما يجب له من الصفات العلم بوجوبه وقدمه وبقائه وكونه عالماً بكل المعلومات، قادراً على كل الممكنات، حياً مريداً سميعاً بصيراً متكلماً، ويدخل في العلم بما يستحيل عليه العلم بكونه منزهاً عن الحالية والمحلية والتحيز والعرضية.

ويدخل في العلم بما يجوز عليه اقتداره على الخلق والإيجاد وبعثه الرسل.

وثانيها الإيمان باليوم الآخر ويتفرع على كونه  عالماً بجميع المعلومات قادراً على كل الممكنات.

وثالثها الإيمان بالملائكة ورابعها الإيمان بالكتب السماوية.

وخامسها الإيمان بالنبيين.

وسبب هذا الترتيب أن للمكلف مبدأ وسطاً ونهايةً، ومعرفة المبتدأ والمنتهي هو المقصود بالذات أعني الإيمان بالله واليوم الآخر، وأما معرفة مصالح الوسط فلا تتم إلا بالرسالة وهي منوطة بالوحي الذي يأتي به الملك، فثبت أن كل ما يلزم المكلف التصديق به داخل في الآية.

الثاني: إيتاء المال على حبه أي على حب المال.

عن أبي هريرة أنه " قيل لرسول الله  : أي الصدقة خير؟

قال: أن تتصدق وأنت صحيح حريص، تأمل البقاء وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا" .

عن أبي الدرداء أنه  قال "مثل الذي تصدق عند الموت مثل الذي يهدي بعد ما يشبع" والسبب أنه عند الصحة يحصل ظن الحاجة إلى المال، وعند ظن الموت يحصل الاستغناء، وبذل الشيء عند الاحتياج أدل على الطاعة من بذله عند الاستغناء عنه.

وأيضاً الإعطاء عند الصحة أدل على كونه متيقناً بالوعد والوعيد من إعطائه حال المرض والموت.

وأيضاً الهبة عند الموت تشبه الهبة عند الخوف من الفوت.

وقيل: الضمير يرجع إلى الإيتاء أي يعطي ويحب الإعطاء رغبة في ثواب الله.

وقيل: يرجع إلى الله أي يعطي المال على حب الله وطلب مرضاته.

ثم ذكر  وتعالى ممن يؤتون المال أصنافاً ستة: أولهم القرابة، وثانيهم اليتامى، وثالثهم المساكين وقد مر ما يتعلق بكل منهم في تفسير قوله  ﴿ وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله  ﴾ وإنما قدم ذوي القربى لأنهم أحق قال  : "صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذي رحمك اثنتان" لأنها صدقة وصلة ولتأكد استحقاقه نال رتبة الوارثة ويحجر بسببه على المالك في الوصية حتى لا يمكن من الوصية إلا في الثلث.

وأطلق ذوي القربى واليتامى والمراد الفقراء منهم لعد الإلباس، وتقديم اليتامى على المساكين لأن الصغير الفقير الذي لا والد له ولا هو كاسب منقطع الحيلة من كل الوجوه.

ورابع الأصناف ابن السبيل المسافر المنقطع عن ماله.

جعل ابناً للسبيل لملازمته له كما يقال لطير الماء "ابن الماء" وللشجاع "أخو الحرب" وللناس "بنو الزمان".

وقيل: هو الضيف لأن السبيل يرعف به.

وخامسهم السائلون وهم المستطعمون ويدخل فيه المسلم والكافر وقريب منه قول رسول الله  "للسائل حق وإن جاء على فرس" وسادسهم المكاتبون وأشار إليه بقوله ﴿ وفي الرقاب ﴾ أي في معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم.

وقيل: في ابتياع الرقاب وإعتاقها.

وقيل: في فك الأسارى.

والرقاب جمع الرقبة وهو مؤخر أصل العنق.

واشتقاقها من المراقبة وذلك أن مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم، ولهذا يقال للمملوك رقبة كأنه يراقب العذاب ولا يقال له عنق.

الثالث والرابع: قوله ﴿ وأقام الصلاة وآتى الزكاة ﴾ وقد سلف مباحثهما.

ثم إن الأئمة حيث ذكر الله  ، إيتاء المال في الوجوه المذكورة، ثم قفاه بإيتاء الزكاة.

ومن حق المعطوف عليه، غلب على ظنونهم أن في المال حقاً سوى الزكاة.

وكيف لا وقد اكتنف الإيتاء فرضان وهما الإيمان وإقامة الصلاة؟

وأيضاً قال  "لا يؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعان وجاره طاوٍ إلى جنبه" .

ولا خلاف أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضرورة وجب على الناس أن يعطوه مقدار دفع الضرورة.

وإن لم تكن الزكاة واجبة عليهم، ولو امتنعوا من الإعطاء جاز الأخذ منهم قهراً.

وما روي عن علي  أن الزكاة نسخت كل حق كأنه أراد الحقوق المقدّرة بدليل أنه يلزم التصدق عند الضرورة والنفقة على الأقارب وعلى المملوك.

الخامس: قوله ﴿ الموفون بعهدهم إذا عاهدوا ﴾ وهو مرفوع على المدح أي هم الموفون، أو عطف على ﴿ من آمن ﴾ والمراد بالعهد ما أخذه الله من العهود على عباده بقولهم وعلى ألسنة رسله إليهم بالقيام بحدوده والعمل بطاعته، فقبل العباد ذلك حيث آمنوا بالأنبياء والكتب.

ويندرج فيه ما يلتزمه المكلف ابتداء من تلقاء نفسه مما يكون بينه وبين الله كالنذور والأيمان، أو بينه وبين رسول الله كبيعة الرضوان بايعوه على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أن لا يقولوا إلا بالحق أينما كانوا لا يخافون في الله لومة لائمٍ، أو بينه وبين الناس واجباً كعقود المعاوضات، أو مندوباً كالمواعيد، فلهذا قال المفسرون ههنا: هم الذين إذا واعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا أو نذروا أوفوا، وإذا اؤتمنوا أدّوا، وإذا قالوا صدقوا.

السادس: ﴿ والصابرين في البأساء والضراء ﴾ وهو نصب على المدح والاختصاص إظهاراً لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال.

قال أبو علي الفارسي: إذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح أو الذم فالأحسن أن يخالف بإعرابها ولا تجعل كلها جارية على موصوفها، لأن هذا الموضع من مواضع الإطناب في الوصف والإبلاغ في القبول، فإذا خولف بإعراب الأوصاف كان المقصود أكمل لأن الكلام عند اختلاف الإعراب يصير كأنه أنواع من الكلام وضروب من البيان، وعند الاتحاد في الإعراب يكون وجهاً واحداً أو جملةً واحدة.

وذكر المحققون في إفادة اختلاف الحركة المدح والذم أن أصل المدح والذم من كلام السامع، وذلك أن الرجل إذا أخبر غيره فقال له: قام زيد.

فربما أثنى السامع على زيد وقال: ذكرت والله الظريف وذكرت العاقل.

أو هو - والله - الطريف، أو هو العاقل.

فأراد المتكلم أن يمدحه بمثل ما مدحه به السامع فجرى الإعراب على ذلك أي أريد الظريف أو العاقل ﴿ والبأساء ﴾ الفقر والشدة ﴿ والضراء ﴾ المرض والزمانة.

وهما فعلاء من البؤس والضر لا أفعل لهما لأنهما ليسا بنعتين ﴿ وحين البأس ﴾ القتال في سبيل الله والجهاد.

وأصل البأس الشدة ﴿ أولئك الذين صدقوا ﴾ في إيمانهم وجدّوا في الدين ﴿ وأولئك هم المتقون ﴾ ونظير هاتين الجملتين في القطع للاستئناف قوله ﴿ أولئك على هدىً من ربهم وأولئك هم المفلحون  ﴾ كأنه قيل: ما للمستقلين بهذه الصفات وصفوا بالبر الذي هو أصل كل خير؟

فأجيب بأن أولئك الموصوفين لهم قدم صدقٍ في الإسلام، وهم المتسمون بسمة التقوى.

وكل منهم منطو على جميع الخيرات ومتضمن لكل المأمورات والمنهيات، فلهذا اتصفوا بتلك الصفات.

وذكر الواحدي ههنا أن الواوان في هذه الأوصاف للجمع.

فمن شرائط البروتمام شرط البار أن يجتمع فيه هذه الأوصاف، ومن قام بواحدة منها لم يستحق الوصف بالبر فلا ينبغي أن يظن الإنسان أن الموفي بعهده من جملة من قام بالبر وكذا الصابر في البأساء، بل لا يكون قائماً بالبر إلا عند استجماع هذه الخصال حتى قال بعضهم: إن البر من خواص الأنبياء.

والحق أنه ليس بمستبعد أن يوجد في الأمة موصوف بالبر إلا أن كمال البر لا يكون إلا في النبي ولا سيما نبينا محمد  .

ثم إن أهل الكتاب كما أخلوا بجميع أوصاف البر أخلوا بالإيمان بالله ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله  ﴾ ﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة  ﴾ وذهبت اليهود إلى التجسيم، والنصارى إلى الحلول والاتحاد، وأنكروا المعاد الجسماني وقالوا ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى  ﴾ ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ﴾ } [البقرة: 80] وقالوا: إن جبريل عدوّنا وكفروا بالكتب السماوية ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض  ﴾ وقتلوا النبيين وطعنوا في نبوة المرسلين، واتسموا بسمة الشح حتى اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، ونقضوا العهود ﴿ أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريقٌ منهم  ﴾ ولم يصبروا في اللأواء ﴿ لن نصبر على طعامٍ واحد  ﴾ ولا حين البأس ﴿ فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون  ﴾ فالعجب كل العجب منهم حيث ادّعوا البر ولا شيء ولا واحد من أجزاء البر فيهم، وهذا غاية القحة ونهاية العناد والله بصير بالعباد.

التأويل: ليس البر بركم بتولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر الحقيقي هو بري معكم بتولية وجوه أرواحكم بجذبات المحبة قبل الحضرة الربوبية المحبوبية لتؤمنوا بدلالة نور بري بي وببر حبي لكم تحبوني، والملائكة يحبونكم ببر حبي لكم.

وبر حبي لكم ليس بمحدث كبركم معي بل هو بر قديم في الكتاب القديم، وبنور هذه المحبة تحبون أهل محبتي وهم النبيون.

فالجنسية علة الضم.

﴿ وآتى المال على حبه ﴾ أي ما حصل للعبد من بر الحب وما مال إلى سره من عواطف الحق ينفقه على حب حبيبه بأداء حقوق الشريعة والطريقة بالمعاملات القالبية والقلبية ﴿ ذوي القربى ﴾ وهم الروح والقلب والسر ذوو قرابة الحق ﴿ واليتامى ﴾ المتولدات من النفس الحيوانية الأمارة بالسوء إذا ماتت النفس عن صفاتها بسطوات تجلي صفات الحق ﴿ والمساكين ﴾ هم الأعضاء والجوارح ﴿ وابن السبيل ﴾ القوى البشرية والحواس الخمس فإنهم في التردد والسفر إلى عوالم المعقولات والمخيلات والمحسوسات والموهومات ﴿ والسائلين ﴾ الدواعي الحيوانية والروحانية ﴿ وفي الرقاب ﴾ في فك رقبة السر عن أسر تعلقات الكونين.

فحينئذٍ أقام صلاة المحاضرة مع الله بالله وآتى زكاة مواهب الحق إلى أهل استحقاقها من الخلق وهم الموفون بعهدهم إذا عاهدوا مع الله بالتوحيد والعبودية الخالصة يوم الميثاق، والصابرين في بأساء مراعاة الحقوق وضراء مخالفات الحظوظ وفناء الوجود عند لقاء الشهود وحين بأس سطوات تجلي صفات الجلال ﴿ أولئك الذين صدقوا ﴾ ببذل الوجود ﴿ وأولئك هم المتقون ﴾ من شرك الأنانية والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ۖ ٱلْحُرُّ بِٱلْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلْأُنثَىٰ بِٱلْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌۭ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍۢ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌۭ ۗ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١٧٨ وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌۭ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١٧٩

الوقوف: ﴿ في القتلى ﴾ ط ﴿ بالأنثى ﴾ ط لأن العفو إعطاء الدية صلحاً فكان خارجاً عن أصل موجب القتل مستأنفاً ﴿ بإحسان ﴾ ط ﴿ رحمة ﴾ ط لأن الاعتداء خارج عن أصل الموجب وفرعه فكان مستأنفاً ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ تتقون ﴾ ه.

التفسير: هذا حكم آخر، وسببه أن اليهود كانوا يوجبون القتل فقط، والنصارى يوجبون العفو فقط.

فأما العرب فتارة كانوا يوجبون القتل وأخرى يوجبون الدية، لكنهم كانوا يظهرون التعدي في كل واحد من الحكمين.

فإذا وقع القتل بين قبيلتين كان يقول الشريف للخسيس لنقتلن بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، وبالرجل منا الرجلين منهم، وكانوا يجعلون جراحاتهم ضعف جراحات خصومهم، وربما زادوا على ذلك على ما يروى أن رجلاً قتل رجلاً من الأشراف ثم اجتمع أقارب القاتل عند والد المقتول فقالوا: ماذا تريد؟

قال: إحدى ثلاث.

قالوا: وما هي؟

قال: تحيون ولدي، أو تملؤن داري من نجوم السماء، أو تدفعون إليّ جملة قومكم حتى أقتلهم، ثم لا أرى أني أخذت عوضاً.

وكانوا يجعلون دية الشريف أضعاف دية الخسيس فبعث الله محمداً بالعدل وسوّى بين عباده في القصاص.

وقيل: نزلت في واقعة قتل حمزة.

ومعنى كتب فرض وأوجب كقوله ﴿ كتب عليكم الصيام  ﴾ ولفظة "على" أيضاً تفيد الوجوب كقوله ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ والقصاص أن تفعل بالإنسان مثل ما فعل من قولك "اقتص فلان أثر فلان" إذا فعل مثل فعله.

ومنه القصة لأن الحكاية تساوي المحكي والمقص لتعادل جانبيه.

وقوله ﴿ في القتلى ﴾ أي بسبب قتل القتلى كقوله "في النفس المؤمنة مائة إبل" أي بسببها.

فظاهر الآية يدل على وجوب القصاص على جميع المؤمنين بسبب جميع القتلى إلا أنهم أجمعوا على أن غير القاتل خارج عن هذا العموم.

وأما القاتل فقد دخله التخصيص أيضاً في صور كما إذا قتل الوالد ولده، والسيد عبده، والمسلم حربياً أو معاهداً، أو مسلم مسلماً خطأ إلا أن العام الذي دخله التخصيص يبقى حجة فيما عداه.

فإن قيل: لو جب القصاص لوجب إما على القاتل وليس عليه أن يقتل نفسه بل يحرم عليه ذلك، وإما على ولي الدم وهو مخير بين الفعل والترك، بل هو مندوب إلى الترك.

﴿ والعافين عن الناس  ﴾ وإما على أجنبي وليس ذلك بالاتفاق.

وأيضاً القصاص عبارة عن التسوية، ووجوب رعاية المساواة على تقدير القتل لا يوجب نفس القتل.

قلنا عن الأول إن المراد إيجاب إقامة القصاص على الإمام أو من يجري مجرى الإمام، لأنه متى حصلت شرائط وجوب القود فإنه لا يحل للإمام أن يترك القود وهو من جملة المؤمنين فالتقدير: يا أيها الأئمة كتب عليكم استيفاء القصاص إن أرادوا لي الدم أستيفاء.

ويحتمل أن يكون خطاباً مع القاتل لأنه كتب عليه تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص.

وذلك أن القاتل ليس له أن يمتنع ههنا وليس له أن ينكر، بل للزاني والسارق الهرب من الحدود، ولهما أيضاً أن يستترا بستر الله فلا يعترفا، فكان أمر القتل أشنع، وفيه حق الآدمي أكثر.

وعن الثاني أن ظاهر الآية يقتضي إيجاب التسوية في القتل، والتسوية في القتل صفة للقتل، وإيجاب الصفة يقتضي إيجاب الذات.

فالآية تفيد إيجاب القتل.

ثم اختلفوا في كيفية المماثلة التي تجب رعايتها فقال الشافعي: إن كان قتله بقطع اليد قطعت يد القاتل، فإن مات عنه في تلك المرة وإلا حزت رقبته.

وكذلك إن أحرق الأول بالنار أحرق الثاني، فإن مات في تلك المرة وإلا حزت رقبته.

روي أنه  قال: "من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه" ورضخ يهودي رأس جارية بالحجارة فأمر رسول الله  بأن يفعل به مثله.

ولأنه لا يجوز أن يقال: كتبت التسوية في القتلى إلا في كيفية القتل، وحيث لم يستثن دخل.

وأيضاً الحكم بالعموم يوجب التخصيص في بعض الصور كما لو قتله بالسحر فلا يقتل السحر لأنه محرم بل بالسيف.

وكما لو قتل صغيراً باللواط فإنه يقتل بالسيف على الأصح.

ولو لم يحكم بالعموم لزم الإجمال، والتخصيص أهون منه.

وأيضاً لو لم تفد الآية إلا إيجاب التسوية في أمر من الأمور فلا شيئين إلا وهما متساويان في بعض الأمور، فلا يستفاد من الآية شيء ألبتة.

وقال أبو حنيفة: المراد بالمماثلة تماثل النفس ويتعين السيف لقوله  : "لا قود إلا بالسيف" واتفقوا على أن القاتل إذا لم يتب وأصر على ترك التوبة فإن القصاص مشروع في حقه عقوبة له من الله.

أما إذا تاب فقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون عقوبة للدلائل الدالة على قبول التوبة ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده  ﴾ فما الحكمة في وجوب قتله؟

أجاب أصحابنا بأنه  يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل.

وقالت المعتزلة: إنما شرع ليكون لطفاً.

وكيف يتصور هذا اللطف ولا تكليف بعد القتل؟

قالوا: فيه منفعة للقاتل من حيث إنه إذا علم أنه لا بد وأن يقتل صار ذلك داعياً له إلى الخير وترك الإصرار والتمرد، ومنفعة لولي المقتول من حيث التشفي، ومنفعة لسائر المكلفين من حيث الانزجار عن القتل.

قوله عز من قائل ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ الباء للبدل نحو "بعت هذا بذاك" أي الحر مقتول بدل الحر.

ثم فيه قولان: الأول ويروى عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وعطاء وعكرمة، أن لا يكون القصاص مشروعاً إلا بين الحرين وبين العبدين وبين الأنثيين، لأن الألف واللام تفيد العموم أي كل حر يقتل بحر.

فلو كان قتل حر بعبد مشروعاً لكان ذلك الحر مقتولاً بعير حر وهو يناقض الآية.

ولأن هذا القول خرج مخرج البيان لقوله ﴿ كتب عليكم القصاص ﴾ وإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد إهمال للتسوية فلا يكون مشروعاً وهو يناقض الآية، وإلى هذا ذهب الشافعي ومالك وقالا: لما قتل العبد بالعبد فلأن يقتل بالحر وهو فوقه أولى، وكذا القول في قتل الأنثى بالذكر.

وأما قتل الذكر بالأنثى فليس فيه إلا الإجماع، وكأن سنده أن الذكورة والأنوثة فضيلتان كالعلم والجهل والشرف والخسة، فكما أنه لم يفرق بين العالم والجاهل فكذلك بين الذكر والأنثى، ويروى عن عمرو بن حزم أن النبي  كتب إلى أهل اليمن "أن الذكر يقتل الأنثى" .

القول الثاني ويروى عن سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وقتادة والنوري وهذا مذهب أبي حنيفة، أن الحر بالحر لا يفيد الحصر ألبتة بل يفيد شرع القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على حال سائر الأقسام.

لأن قوله ﴿ والأنثى بالأنثى ﴾ يقتضي قصاص الحرة بالمرأة الرقيقة، فلو كان قوله ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد ﴾ مانعاً من ذلك تناقض.

وأيضاً قوله ﴿ كتب عليكم القصاص ﴾ جملة مستقلة وقوله ﴿ الحر بالحر ﴾ تخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر، فلا يمنع من ثبوت الحكم في سائر الجزئيات.

ويؤيد ما ذكرنا قوله  ﴿ النفس بالنفس ﴾ وقوله  "المسلمون تتكافأ دماؤهم" وقد يقتل الجماعة بواحد فدل على أن التفاضل غير معتبر في الأنفس ثم إنهم قالوا: الفائدة في تخصيص هذه الجزئيات بالذكر ما ذكرنا في سبب النزول أنهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل فمنعوا عن ذلك.

وأيضاً نقل عن علي  والحسن البصري أن الغرض أن هذه الصورة هي التي يكتفى فيها بالقصاص.

أما في سائر الصور وهي ما إذا كان القصاص واقعاً بين الحر والعبد وبين الذكر والأنثى فهناك لا يكتفي بالقصاص، بل لا بد من التراجع.

فأيما حر قتل عبداً فقود به، فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه بشرط أن يسقطوا قيمة العبد من دية الحر ويؤدوا إلى أولياء الحر بقية ديته، وإن قتل عبد حراً فهو به فإن شاء أولياء الحر قتلوا وأسقطوا قيمة العبد من دية الحر وأدوا بعد ذلك إلى أولياء الحر بقية ديته، وإن شاءوا أخذوا كل الدية وتركوا قتل العبد.

وإن قتل رجل امرأة فهو بها قود، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه وأدوا بعد ذلك نصف ديته إلى أوليائه، وإن شاءوا تركوا قتله وأخذوا ديتها.

وإذا قتلت امرأة رجلاً فهي به قود، فإن شاء أولياء الرجل قتلوها وأخذوا نصف الدية، وإن شاءوا تركوها وأخذوا كل الدية، فعلى هذا الغرض من الآية أن الاكتفاء بالقصاص مشروع بين الحرين والعبدين والذكرين والأنثيين، فأما عند اختلاف الجنس فالاكتفاء بالقصاص غير مشروع.

قوله  ﴿ فمن عفي له من أخيه شيء ﴾ المعنى فمن عفي له من جهة أخيه شيء من العفو كقولك "سير بزيد بعض السير وطائفة من السير" ولا يصح أن يكون شيء في معنى المفعول به لأن عفا لا يتعدى إلى مفعول به إلا بواسطة.

فإن قيل: إن "عفا" يتعدى بعن لا باللام فما وجه قوله ﴿ فمن عفى له ﴾ فالجواب أنه يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب فيقال: عفوت عن فلان وعن ذنبه.

قال  ﴿ عفا الله عنك  ﴾ فإذا تعدى إلى الذنب وإلى الجاني معاً قيل "عفوت لفلان عما جنى" كما تقول "غفرت له ذنبه" وتجاوزت له عنه.

فمعنى الآية فمن عفى له عن جنابته.

فاستغنى عن ذكر الجناية.

فإنما قيل شيء من العفو ليعلم أنه إذا عفي له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم يجب إلا الدية.

وأخوه هو ولي المقتول وإنما قيل له أخوه لأنه لابسه من قبل أنه ولي الدم ومطالبه به كما تقول للرجل "قل لصاحبك كذا" إذا كان بينهما أدنى تعلق.

أو ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والإسلام.

وقد يستدل بهذا على أن الفاسق مؤمن لأنه  أثبت الأخوة بين القاتل وبين ولي الدم، ولا شك أن هذه الأخوة بسبب الدين ﴿ إنما المؤمنون إخوة  ﴾ مع أن قتل العمد العدوان بالإجماع من الكبائر.

وأيضاً إنه  ندب إلى العفو عن القاتل، والعفو إنما يليق عن المؤمن.

ويحتمل أن يجاب بأن القاتل قبل إقدامه على القتل كان مؤمناً فلعله  سماه مؤمناً بهذا التأويل، وبأن القاتل قد يتوب وعند ذلك يكون مؤمناً.

ثم إنه  أدخل غير التائب فيه على سبيل التغليب.

وأيضاً لعل الآية نازلة قبل أن يقتل أحد أحداً.

ولا شك أن المؤمنين أخوة قبل الإقدام على القتل.

وأيضاً الظاهر أن الفاسق يتوب، وعلى هذا التقدير يكون ولي المقتول أخاً له.

وأيضاً يجوز أن يكون قد جعله أخاً له في النسب كقوله  ﴿ وإلى عاد أخاهم هوداً  ﴾ ﴿ فاتباع بالمعروف ﴾ أي فليكن اتباع، أو فالأمر، أو فحكمه اتباع.

أو فعلية اتباع فقيل: على العافي اتباع بالمعروف بأن يشدد في المطالبة بل يجري فيها على العادة المألوفة، فإن كان معسراً فالنظرة وإن كان واجداً لعين المال فإنه لا يطالبه بالزيادة على قدر الحق، وإن كان واجداً بغير المال الواجب فالإمهال إلى أن يستدل وأن لا يمنعه بسبب الاتباع عن تقديم الأهم من الواجبات ﴿ و ﴾ إلى المعفو عنه ﴿ أداء إليه بإحسان ﴾ بأن لا يدعي الإعدام في حال الإمكان ولا يؤخره مع الوجود، ولا يقدم ما ليس بواجب عليه، وأن يؤدي ذلك المال على بشر وطلاقة وقول جميل من غير مطل وبخس، هذا قول ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد.

وقيل: هما على المعفو عنه فإنه يتبع عفو العافي بمعروف ويؤدي ذلك المعروف إليه بإحسان ﴿ ذلك ﴾ قيل: إشارة إلى الاتباع والأداء.

وعن ابن عباس: وهو الأقرب إنه إشارة إلى الحكم بسرع القصاص والدية والعفو، فإن هذه الأمة خيرت بينهن توسعة وتيسيراً، ولم يكن لليهود إلا القصاص وللنصارى إلا العفو وإثبات الخيرة فضل من الله ورحمة في حقنا، لأن ولي الدم قد تكون الدية آثر عنده من القود إذا كان محتجاً إلى المال، وقد يكون القود آثر عنده إذا كان راغباً في التشفي ودفع شر القاتل عن نفسه.

وقد يؤثر ثواب الآخرة فيعفو عن القصاص وعن بدله جميعاً وهو الدية.

﴿ فمن اعتدى بعد ذلك ﴾ التخفيف فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل مع قتل القاتل أو دونه أو قتل بعد أخذ الدية والعفو فقد كان لولي في الجاهلية يؤمن القاتل بقبوله الدية ثم يظفر به فيقتله ﴿ فله عذاب أليم ﴾ نوع من العذاب الأليم في الآخرة.

وعن قتادة: العذاب الأليم أن يقتل لا محالة ولا يقبل من الدية كما روي أنه  قال "لا أعافي أحداً قتل بعد أخذه الدية" وهو مذهب الحسن وسعيد بن جبير وضعفه غيرهم.

ولما كانت الآية مشتملة على إيلام العبد الضعيف وأنه لا يليق بكمال رحمته عقبها بقوله ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ .

قال المفسرون: القصاص إزالة الحياة، وإزالة الشيء لا تكون نفس ذلك الشيء فالمراد لكم في شرع القصاص حياة وأيّ حياة.

وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل.

وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة، ويحتمل أن يقال: نفس القصاص سبب لنوع من الحياة وهي الحاصلة بالارتداع عن القتل، لأن القاتل إذا قيد منه ارتدع من كان يهم بالقتل فلم يقتل ولم يقتل فكان القصاص سبب حياة نفسين.

وقرأ أبو الجوزاء ﴿ ولكم في القصص حياة ﴾ أي فيما قص عليكم من حكم القتل والقصاص.

وقيل: القصص القرآن أي لكم في القرآن حياة للقلوب.

وهذا وقد اتفق علماء البيان على أن قوله  ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ بلغ في الإيجاز نهاية الإعجاز، وذلك أن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثيرة كقولهم "قتل البعض أحياء للجميع" وأكبروا القتل وأوجز ذلك قولهم "القتل أنفى للقتل".

والترجيح مع ذلك للآية من وجوه: الأول أن قولهم لا يصح على العموم لأن القتل ظلماً ليس أنفى للقتل قصاصاً بل أدعى له.

ولو خصص فقيل "القتل قصاصاً أنفى للقتل ظلماً" طال.

والآية تفيد هذا المعنى من غير تقدير وتكلف.

الثاني: أن القتل قصاصاً لا ينفي القتل ظلماً من حيث إنه قتل بل من حيث إنه قصاص.

وهذه الحيثية معتبرة في الآية لا في كلامهم.

الثالث: أن الحياة هي الغرض الأصلي ونفي القتل إنما يراد لحصول الحياة.

فالتنصيص على المقصود الأصلي أولى.

الرابع: التكرار من غير ضرورة مستهجن وأنه في كلامهم لا في الآية.

الخامس: أن الحروف الملفوظة التي يعتمد عليها في اعتبار الوجازة لا المكتوبة هي في الآية عشرة، وفي كلامهم أربعة عشر.

السادس: أن الأغلب في كلامهم أسباب خفاف وذلك مما يخل بسلاسة التركيب، والآية مع غاية وجازتها فيها السبب والوتد والفاصلة.

السابع: ظاهر قولهم يقتضي كون الشيء سبباً لانتفاء نفسه وهو محال، وفي الآية جعل نوع من القتل وهو القصاص سبباً لنوع من الحياة ولا استبعاد فيه لظهور التغاير.

الثامن: المطابقة مرعية في الآية لمكان التضاد بين لفظي القصاص وحياة بخلاف كلامهم.

التاسع: اشتمال الآية على لفظ يصلح للتفاؤل وهو الحياة، بخلاف كلامهم فإنه يشتمل على نفي اكتنفه قتلان وأنه لكما يليق بهم.

العاشر: اشتمال الآية على اسمين وأداة، واشتمال كلامهم على ثلاثة أسماء وأداة.

وإن اعتبرت أداة التعريف ففي الآية واحدة وفي كلامهم ثنتان، وإن اعتبر التنوين في الآية تقاصت الأدوات وتبقى زيادة الأسماء بحالها، على أن أفعل التفضيل إذا لم يكن فيه اللام والإضافة يستعمل بمن.

فتقدير كلامهم "القتل أنفى للقتل من كل شيء" فأين الوجازة ﴿ يا أولي الألباب ﴾ يا ذوي العقول وأولو جمع لا واحد له من لفظه، وواحده ذو بمعنى صاحب.

وأولات للإناث واحدتها ذات بمعنى صاحبة قال تعالى ﴿ وأولات الأحمال  ﴾ وإعراب أولو كإعراب جمع المذكر السالم.

وزادوا في "أولي" واواً فرقاً بينها وبين "إلى" وأجرى "أولو" عليه.

واللب العقل، ولب النخلة قلبها، وخالص كل شيء لبه.

خاطب العقلاء الذين يتفكرون في العواقب ويعرفون جهات الخوف فلا يرضون بإتلاف أنفسهم لإتلاف غيرهم إلا في سبيل الله ﴿ لعلكم تتقون ﴾ يتعلق بمحذوف أي أريتكم ما في القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس لتكونوا على بصيرة في إقامته، راجين أن تعملوا عمل أهل التقوى في الحكم به.

وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة، أو لعلكم تتقون نفس القتل الخوف القصاص.

عن الحسن والأصم: وقد بقي على الآية بحث، وهو أنه سئل إذا صح أن المقتول إن لم يقتل فهو يموت لأن المقدر من عمره ذلك القدر، وكذا إذا هم إنسان بقتل آخر فارتدع خوفاً عن القصاص فإن ذلك الآخر يموت وإن لم يقتله ذلك الإنسان لأن كل وقت صح وقوع قتله صح وقوع موته، فكيف يفيد شرع القصاص حياة؟

والجواب أنه  قد جعل لكل شيء سبباً يدور مسببه معه وجوداً وعدماً.

وشرعية القصاص مما جعلها  سبباً لحياة من أراد حياته بعد أن تصور الهامّ قتله، وذلك بأن تذكر القصاص فارتدع عما هم به.

ففائدة شرع القصاص هي فائدة سائر الأسباب والوسائط ومنكر فائدتها.

وكلا الإنكارين مذموم وصاحبهما عند العقلاء ملوم والله أعلم.

التأويل: كما كتب القصاص في قتلاكم كتب على نفسه الرحمة في قتلاه وقال: من أحبني قتلته ومن قتلته فأنا ديته ﴿ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ﴾ أي من كان متوجهاً إليه  بالكلية كان فيضه  متصلاً به بالكلية، ومن كان في رق غيره من المكوّنات لم يتصل به فيضه غاية الاتصال، ومن كان ناقصاً في دعوى محبته لم يكن مستحقاً لكمال محبته ﴿ فمن عفي له ﴾ من الأحباء والأصفياء ﴿ شيء ﴾ من أنواع البلاء والابتلاء الذي هو موكل بالأنبياء والأولياء فإنه معروف من معارفه.

فالواجب على العبد أداء شكره إلى الله بإحسان.

﴿ فمن اعتدى بعد ذلك ﴾ الوفاء بملابسة الجفاء وألقى جلباب الحياء ﴿ فله عذاب أليم ﴾ فإن الكفر مرتعه وخيم ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ الدارين والتقاء برب الثقلين ﴿ يا أولي الألباب ﴾ الذين بدلوا قشر الروح الإنساني عند شهود الجلال الصمداني ﴿ لعلكم تتقون ﴾ شرك وجودكم.

<div class="verse-tafsir"

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ ١٨٠ فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعْدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ١٨١ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍۢ جَنَفًا أَوْ إِثْمًۭا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٨٢

القراءات: ﴿ خاف ﴾ بالإمالة حيث كان: حمزة.

﴿ موصٍ ﴾ بالتشديد: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وجبلة الباقون: بالتخفيف من الإيصاء.

الوقوف: ﴿ خيراً ﴾ ج لأن قوله ﴿ الوصية ﴾ مفعول ﴿ كتب ﴾ وإنما لم يؤنث الفعل لتقدمه ولاعتراض ظرف وشرط بينهما، أو "الوصية" مبتدأ "وللوالدين" خبره، ومفعول "كتب" محذوف أي كتب عليكم أن توصوا.

ثم بين لمن الوصية والوصل أولى لئلا يحتاج إلى الحذف.

﴿ بالمعروف ﴾ ح لأن التقدير حق ذلك حقاً أو كتب الوصية حقاً.

﴿ المتقين ﴾ ط وإن كان بعدها فاء التعقيب لأنه حكم آخر ﴿ يبدلونه ﴾ ط عليم كذلك ﴿ عليه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ (ه).

التفسير: وهذا حكم آخر.

قوله ﴿ كتب عليكم ﴾ يقتضي الوجوب كما مر.

والمراد من حضور الموت ليس معاينة الموت لأنه في ذلك الوقت يكونه عاجزاً عن الإيصاء والأكثرون قالوا: المراد ظهور أمارة الموت وهو المرض المخوف كما يقال لمن قارب البلد: إنه وصل.

وعن الأصم: المراد فرض عليكم في حال الصحة الوصية بأن تقولوا إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا، وزيف بأنه ترك للظاهر.

ولا شك أن الخير قد ورد في القرآن بمعنى المال ﴿ وما تنفقوا من خير  ﴾ ﴿ وإنه لحب الخير لشديد  ﴾ ﴿ من خير فقير  ﴾ لكن الأئمة اختلفوا في المراد بالخير ههنا بعد اتفاقهم على أنه المال.

فعن الزهري: أنه المال مطلقاً قليلاً كان أو كثيراً بدليل قوله ﴿ من خير فقير  ﴾ ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره  ﴾ وأنه  اعتبر أحكام المواريث فيما يبقى من المال قل أم كثر قال  ﴿ وللنساء نصيبٌ مما ترك الولدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً  ﴾ فكذا الوصية، ولأن كل ما ينتفع به فهو خير.

والأكثرون على أن لفظ الخير في الآية مختص بالمال الكثير كما لو قيل "فلان ذو مال" يفهم منه أن ماله قد جاوز حد أهل الحاجة وإن كان اسم المال يقع في الحقيقة على ما يتموله الإنسان من قليلٍ أو كثير.

وكما إذا قيل "فلان في نعمة من الله  " فإنه يراد تكثير النعمة وإن كان أحد لا ينفك عن نعمة الله وهو باب من المجاز مشهور ينفون الاسم عن الشيء لنقصه ومن قوله  "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" ولو كانت الوصية واجبة في كل ما يترك لم يكن لقوله ﴿ إن ترك خيراً ﴾ فائدة لندرة من يموت فاقداً أقل ما يتمول.

ثم القائلون بهذا اختلفوا في أن المسمى بالخير في الآية مقدر بمقدار معين أم لا.

فمنهم من قال: إنه غير مقدّر ويختلف ذلك باختلاف حال الرجل.

فقد يوصف المرء لمقدار من المال بأنه غنيّ ولا يوصف غيره بالغنى لذلك المقدار لأجل كثرة العيال وتوسع النفقة، فيكون التعيين في كل صورة موكولاً إلى الاجتهاد، وهذا لا ينافي أصل الإيجاب.

ومنهم من قال: إنه مقدر.

ثم اختلفوا فعن علي كرم الله وجهه: أنه دخل على مولى في مرض الموت وله سبعمائة درهم فقال: ألا أوصي؟

قال: لا قال الله  ﴿ إن ترك خيراً ﴾ وليس لك كثير مال.

وعن عائشة أن رجلاً قال لها: إني أريد أن أوصي.

قالت: كم مالك؟

قال: ثلاثة آلاف.

قالت: كم عيالك؟

قال أربعة.

قالت: قال الله  ﴿ إن ترك خيراً ﴾ وإن هذا لشيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل.

وعن ابن عباس: أنه إذا ترك سبعمائة درهم فلا يوصي، فإذا بلغ ثمانمائة درهم أوصى.

وعن قتادة: ألف درهم.

وعن النخعي من ألف إلى خمسمائة درهم.

قال أبو البقاء: جواب الشرط عند الأخفش الوصية بحذف الفاء أي فالوصية للوالدين على الابتداء والخبر واحتج بقول الشاعر: من يفعل الحسنات اللَّه يشكرها *** وقال غيره: جواب الشرط في المعنى ما تقدم من كتب الوصية كما تقول "لك كذا إن فعلت" ويجوز أن يكون جواب الشرط معنى الإيصاء لا معنى الكتب بناء على رفع الوصية بكتب وهو الوجه.

وقيل: المرفوع بكتب الجار والمجرور وهو ﴿ عليكم ﴾ وليس بشيء وأما إذا فهو ظرف لمعنى الوصية ولا يحتاج إلى جواب.

والأقربين قيل هم الأولاد عن ابن زيد.

وقيل من عدا الولد عن ابن عباس ومجاهد.

وقيل: جميع القرابات.

وقيل: غير الوارث.

وقوله ﴿ بالمعروف ﴾ أمر بأن يسلك في الوصية الطريقة الجميلة.

فلو حرم الفقير ووصى للغني لم يكن معروفاً، ولو سوّى بين الوالدين مع عظم حقهما وبين بني العم لم يكن معروفاً، ولو أوصى لأولاد الجد البعيد مع حضور الإخوة لم يكن ما يأتيه معروفاً.

﴿ وحقاً ﴾ مصدر مؤكد أي حق ذلك حقاً على المتقين على الذين آثر والتقوى وجعلوها مذهباً لهم وسيرة.

واعلم أن الأئمة القائلين بوجوب هذه الوصية اختلفوا في أنها منسوخة أم لا.

أما أبو مسلم فإنه اختار عدم نسخها وقال: معناها كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين في قوله  : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم  ﴾ أو كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى الله به لهم عليهم وأن لا ينقص من أنصبائهم، أو لا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء مع ثبوت الوصية.

فالميراث عطية من الله  والوصية عطية ممن حضره الموت، فالوارث يجمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين، ولو قدرنا حصول المنافاة فهذه الآية توجب الوصية للوالدين والأقربين.

ثم آية الميراث تخرج القريب الوارث ويبقى القريب الذي لا يكون وارثاً داخلاً في الآية.

وذلك أن من الوالدين من لا يرث بسبب اختلاف الدين والرق والقتل، ومن الأقارب من يسقط في حال ويثبت في حال، ومنهم من يسقط في كل حال إذا كانوا ذوي رحم.

فآية الميراث مخصصة لهذه الآية لا ناسخة لها.

وأكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء على أن الآية منسوخة قالوا: نسخت بآية المواريث أو بالإجماع أو بقوله  "أن الله أعطى كل ذي حقٍ حقه ألا لا وصية لوارث" وهذا وإن كان خبر واحد إلا أن الأمة تلقته بالقبول حتى التحق بالمتواتر فيجوز نسخ القرآن به عند الجمهور.

ومن أئمة الأمة من قال: هي منسوخة في حق من يرث، ثابتة فيمن لا يرث وهو مذهب ابن عباس والحسن البصري ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد حتى قال الضحاك: من مات من غير أن يوصي لأقربائه فقد ختم عمله بمعصية.

وقال طاوس: إن أوصى للأجانب وترك الأقارب نزع منهم ورد إلى الأقارب.

قالوا: الآية دلت على وجوب الوصية للقريب ترك العمل به في حق القريب الوارث، إما بآية المواريث أو بقوله "لا وصية لوارث" أو بإجماع الأمة.

فبقيت الآية دالة على وجوب الوصية للقريب الذي لا يكون وارثاً.

وأيضاً قال  "ما من حق امرئٍ مسلم له شيء يوصي فيه" وفي رواية "له شيء يريد أن يوصي به أن يبيت ليلتين" وفي رواية "ثلاث ليال إلا ووصيته مكتوبة عنده" لكن الوصية لغير الأقارب غير واجبة بالإجماع فوجب أن تختص بالأقارب.

وهؤلاء القائلون بأن الآية صارت منسوخة في حق القريب الذي لا يكون وارثاً اختلفوا في موضعين: الأول: نقل عن ابن مسعود أنه جعل هذه الوصية للأفقر فالأفقر من الأقرباء.

وقال الحسن البصري والأغنياء سواء.

الثاني: عن الحسن وجابر بن زيد وعبد الملك بن معلى أنهم قالوا فيمن يوصي لغير قرابته وله قرابة لا ترثه: يجعل ثلثي الثلث لذوي القرابة، وثلث الثلث لمن أوصى له.

وعن طاوس: أن الأقارب إن كانوا محتاجين انتزعت الوصية من الأجانب وردت إلى الأقارب ﴿ فمن بدله ﴾ فمن غير الإيصاء أو ما قاله الميت وأوصى به عن وجهه إن كان موافقاً للشرع ﴿ بعد ما سمعه ﴾ وتحققه فلا معنى للسماع لو لم يقع العلم به والمبدل إما الوصي بأن يغير الوصية في الكتابة، أو في قسمة الحقوق، وإما الشاهد بأن يغير شهادته أو يكتمها غيرهما بأن يمنع من وصول ذلك المال إلى مستحقه، وقيل: المنهي عن التغيير هو الموصي، نهي عن تغيير الوصية عن الموضع الذي بيّن الله  الوصية فيه.

فإنهم كانوا يوصون في الجاهلية للأبعدين طلباً للفخر والشرف، ويتركون الأقارب في الضر والفقر، فأمرهم بالوصية للأقربين وأوعدهم على تركها.

﴿ فإنما إثمه ﴾ ما إثم الإيصاء المغير أو إثم التبديل إلا على الذين يبدلونه، فإن أحداً لا يؤاخذ بذنب غيره.

ومنه يعلم أن الطفل لا يعذب بكفر أبيه، وأن الإنسان إذا أمر الوارث بقضاء دينه فإن الميت لا يعذب بتقصير ذلك الوارث، وأن الميت لا يعذب بنياحة غيره عليه ﴿ إن الله سميعٌ عليم ﴾ يسمع الوصية على حدها ويعلمها على صفتها فلا تخفى عليه خافية من التغيير الواقع فيها، وفي ذلك وعيد للمبدّل وأيّ وعيد.

ثم إنه  لما أطلق الإيعاد على التبديل أتبعه قوله ﴿ فمن خاف ﴾ ليعلم أن التغيير من الباطل إلى الحق على طريق الإصلاح مستحسن شرعاً كما هو حسن عقلاً، وللخوف ههنا تفسيران: أحدهما: الخشية فيسأل أنه إنما يصح في أمر منتظر مظنون والوصية وقعت وعلمت.

وأجيب بأن المراد أن هذا المصلح إذا شاهد الموصي يوصي فظهرت منه أمارات الجنف الذي هو الميل عن طريق الحق مع ضرب من الجهالة، أو مع التأويل أو شاهد فيه إثماً أي تعمداً بأن يزيد غير المستحق، أو ينقص المستحق أو يعدل عن المستحق.

فعند ظهور أمارات ذلك وقبل تحقق الوصية يأخذ في الإصلاح بينهم أي بين أهل الوصية، لأن قوله ﴿ من موصٍ ﴾ يدل على سائر ملابساته.

فكأن الموصي يقول وقد حضر الوصي والشاهد على وجه المشورة: أريد أن أوصي للأباعد دون الأقارب، أو أن أزيد فلاناً مع أنه غير مستحق للزيادة، أو أنقص فلاناً مع أنه مستحق للزيادة، فعند ذلك يصير السامع خائفاً من جنف أو إثم لا قاطعاً به، وأيضاً الجائز أن لا يستمر الموصي على وصيته فإن له الفسخ ما دام في حياته، فمن أين يحصل الثقة بما فعل وقد يعدل عن الحق في آخر الأمر؟

وبتقدير أن تستقر الوصية ومات الوصي على ذلك لم يبعد أن يقع بين الورثة والموصى لهم تنازع فيما نسب إلى الموصي، وقد يعزى حينئذٍ إلى الجنف أو الإثم فيحتاج إلى الإصلاح بينهم بإجرائهم على قانون الشرع.

والتفسير الثاني إن ﴿ خاف ﴾ بمعنى علم.

وقد يستعمل الخوف والخشية مقام العلم، لأن الخوف منشؤه ظن مخصوص، وبين العلم والظن مشابهة من وجوه كثيرة، فصح إطلاق أحدهما على الآخر استعمالاً شائعاً من ذلك قولهم "أخاف أن ترسل السماء" يريدون التوقع.

والظن الغالب الجاري مجرى العلم.

فمعنى الآية أن الميت إذا أخطأ في وصيته أو جار فيها متعمداً فلا حرج على من علم ذلك أن يرده إلى الصلاح بعد موته وهذا قول ابن عباس وقتادة والربيع.

وفي الآية دليل على جواز الإصلاح بين المتنازعين إذا خاف المصلح إفضاء المنازعة إلى محذور شرعاً.

والغرض من قوله ﴿ فلا إثم عليه ﴾ رفع الحرج حتى لا ينافي الوجوب.

وفيه مع ذلك نكتة هي أن الإصلاح بين القوم يحتاج إلى الإكثار من القول وذلك قد يفضي إلى الإسهاب والتكلم ببعض ما لا ينبغي فبين  أنه لا مؤاخذة على المصلح من هذا الجنس إذا كان غرضه الأصلي صحيحاً ولهذا أتبعه قوله ﴿ أن الله غفورٌ رحيم ﴾ وأيضاً كأنه قيل: أنا الذي أغفر الذنوب ثم أرحم المذنب، فلأن أوصل رحمتي إليك أيها المصلح مع تحمل أعباء الإصلاح أولى.

أو المراد أن الموصي الذي أقدم على الجنف أو الإثم متى أصلح خلل وصيته فإن الله يغفر له ويرحمه بفضله.

وبهذا التأويل يجوز أن يرجع الضمير في قوله ﴿ فلا إثم عليه ﴾ إلى الموصي.

واعلم أن أكثر الأئمة وإن ذهبوا إلى أن وجوب الوصية منسوخ بآية المواريث إلا أنهم اتفقوا على أنها الآن جائزة في الثلث لما روي أنه  عاد سعد ابن أبي وقاص فقال للنبي  : إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأوصي بثلثي مالي؟

قال: لا.

قال: فبشطره؟

قال: لا قال: فبالثلث؟

قال: الثلث والثلث كثير.

لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس.

فأفاد الحديث المنع من الزيادة واستحباب النقصان عن الثلث إن كانت الورثة فقراء.

والوصية أوسع مجالاً من الإرث، فإذا أراد الوصية فالأفضل أن يقدم من لا يرث من أقاربه لأن الله أعطى الأقربين الميراث ويقدم منهم المحارم ثم يقدم بالرضاع ثم بالمصاهرة ثم بالولاء ثم بالجوار كما في الصدقات المنجزة.

فإن أوصى للورثة بعضهم جاز لكن بالإجازة من سائر الورثة كما لو زاد على الثلث للأجنبي، فإن الزائد يحتاج إلى إجازة الورثة.

التأويل: كتب على الأغنياء الوصية بالمال وعلى الولياء الوصية بالحال، والأغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلث والأولياء يخرجون في مبادئ أحوالهم عن الكل.

والمعنى إذا حضر قلب أحدكم مع الله وأمات نفسه عن الصفات الحيوانية، فعليه أن يوصي للوالدين.

وهما الروح العلوي والبدن السفلي، فإن النفس تولدت من ازدواجهما، وللأقربين - وهم القلب - والسر بترك كل مشرب يظهر لهم من المشارب الروحانية والجسمانية بالمعروف من غير إسراف يفضي غلى الإتلاف معرضاً عن الشهوات مجتنباً عن الرسوم والعادات كما قال  : "بعثت لرفع العادات وترك الشهوات بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ومن مكارم الأخلاق أن يجعل المشارب مشرباً واحداً والمذاهب مذهباً واحداً.

وكـل لـه سـؤل ودين ومذهب *** ووصلكم سـؤلي وديني هواكم وأنتم من الدنيا مرادي وهمتي *** مناي مناكم واختياري رضاكم ﴿ حقاً على المتقين ﴾ من الشرك الخفي ولهذا لم يقل على المسلمين أو المؤمنين لأنهم أهل الظواهر والمتقون هم أهل البواطن كما قال  "التقوى ههنا" وأشار إلى صدره.

وأحكام الظواهر يحتمل النسخ وأحكام البواطن وهي الحكم والحقائق لا تحتمل النسخ.

فحكم الوصية في حق المتقين غير منسوخ أبداً ﴿ فمن بدله ﴾ فمن غير من الروح والقلب والسر والوصية الصادرة من نفسه الميتة ﴿ فإنما إثمه ﴾ عليهم.

وسبب هذا التوكيد أن السر والقلب والروح كلهم من العالم الروحاني، وصفاتهم حميدة باقية فترك مشاربها والخروج عنها صعب جداً ﴿ فمن خاف ﴾ تفرس ﴿ من موصٍ جنفاً ﴾ في ترك المشارب بأن يبالغ في المجاهدات لنيل المشاهدات ﴿ أو إثماً ﴾ تجاوزاً عن حد الشرع في رفع الطبع ﴿ فأصلح ﴾ بينهم بين الروح والبدن والقلب والسر ولكن بنظر شيخ كامل ومرب عارف، فلا حرج على المصلح والله الموفق.

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١٨٣ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَٰتٍۢ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌۭ طَعَامُ مِسْكِينٍۢ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًۭا فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّهُۥ ۚ وَأَن تَصُومُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ١٨٤ شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍۢ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ١٨٥ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ١٨٦ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌۭ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌۭ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٔـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَـٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ١٨٧

القراءات: ﴿ فديةٌ طعام ﴾ مضافاً ﴿ مساكين ﴾ بالجمع: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان.

وروى الحلواني والداري عن هشام والنجاري ﴿ فديةٌ ﴾ بالتنوين ﴿ طعام ﴾ بالرفع مضافاً إلى مساكين بالجمع.

الباقون: مثل هذا إلا أن ﴿ مسكين ﴾ مفرد مجرور ﴿ فمن تطوع ﴾ بتشديد الطاء والواو وبياء الغيبة وجزم العين: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بلفظ الماضي من باب التفعل ﴿ القرآن ﴾ غير مهموز حيث كان: ابن كثير وعباس وحمزة في الوقف فإذا كان بمعنى القراءة فإن عباساً فيه مخير إن شاء همز وإن شاء لم يهمز كقوله  ﴿ وقرآن الفجر أن قرآن الفجر  ﴾ ﴿ ولا تعجل بالقرآن  ﴾ ﴿ إن علينا جمعه وقرآنه  ﴾ ﴿ فاتبع قرآنه  ﴾ الباقون بالهمز ﴿ اليسر والعسر ﴾ حيث كانا مثقلين: يزيد إلا قوله ﴿ فالجاريات يسرا  ﴾ ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ من التكميل: أبو بكر وحماد وعباس ورويس.

والباقون: من الإكمال.

﴿ الداعي إذا دعاني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.

وافق أبو جعفر ونافع غير قالون وأبو عمرو بالياء في الوصل.

والباقون بغير ياء فيها في الحالين ﴿ في لعلهم ﴾ بفتح الياء: ورش.

الباقون: بالسكون.

الوقوف: ﴿ تتقون ﴾ لا لأن "أياماً" ظرف "الصيام" أو الاتقاء ﴿ معدودات ﴾ ط لأن المرض والسفر عارضان فكانا خارجين عن أصل الوضع ﴿ أخر ﴾ ط لأن خبر الجار منتظر وهو "فدية" فلا تعلق له بما قبله ﴿ مسكين ﴾ ط لأن التطوع خارج عن موجب الأصل ﴿ خير له ﴾ ط لأن التقدير والصوم خيرٌ لكم.

﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ والفرقان ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ فليصمه ﴾ ط للابتداء بشرط آخر ﴿ أخر ﴾ ط ﴿ العسر ﴾ ز قد يجوز ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ط لأن قوله "أجيب مستأنف ﴿ دعان ﴾ ص للفاء ﴿ يرشدون ﴾ ه ﴿ لهن ﴾ ط ﴿ عنكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ لكم ﴾ ص لذلك ﴿ إلى الليل ﴾ ج وإن اتفقت الجملتان لأن حكم الصوم والاعتكاف مختلفان ولكل واحد شأن ﴿ في المساجد ﴾ ط لأن "تلك" مبتدأ ﴿ فلا تقربوها ﴾ ط لأن كذلك صفة مصدر محذوف أي يبين الله بياناً كبيان ما تقدم ﴿ يتقون ﴾ ه.

التفسير: هذا حكم آخر.

والصيام مصدر صام كالقيام والعياذ.

وهو في اللغة الإمساك عن الشيء.

قال الخليل: الصوم قيام بلا عمل.

وصام الفرس صوماً أي قام على غير اعتلاف.

وقال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم.

وإنه في الشرع عبارة عن الإمساك عن أشياء مخصوصة تسمى المفطرات كالأكل والشرب والوقاع في زمان مخصوص هو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس.

ولا بد في صحته من النية وأن يقع في غير يومي العيد بالاتفاق، وفي غير أيام التشريق عند الأكثرين.

ويوافقه الجديد من قول الشافعي "ومن غير يوم الشك بلا ورد ونذر وقضاء وكفارة".

ولا بد للصائم من الإسلام والنقاء عن الحيض والنفاس، ومن العقل كل اليوم، ومن انتفاء الإغماء في جزء من اليوم.

وقوله  ﴿ كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ أي على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم.

قال علي كرم الله وجهه: أوّلهم آدم يعني أن الصوم عبادة أصلية قديمة ما أخلى الله أمة من افتراضها عليهم لم يفرضها عليكم وحدكم.

﴿ لعلكم تتقون ﴾ بالمحافظة عليها لقدمها، أو المعاصي لأن في الصوم ظلفاً للنفس عن المناهي ومواقعة السوء، أو لعلكم تنتظمون في سلك أهل التقوى فإن الصوم شعارهم.

وقيل: معناه صومكم كصومهم في عدد الأيام وهو رمضان، كتب على النصارى فأصابهم موتان فزادوا عشراً قبله وعشراً بعده.

وقيل: كان يقع في البرد الشديد والحر الشديد فشق عليهم فجعلوه بين الشتاء والربيع وزادوا عشرين كفارة.

ومعنى معدودات مؤقتات بعدد معلوم أو قلائل مثل ﴿ دراهم معدودة  ﴾ وأصله أن المال القليل يعدّ عدّاً، والكثير يحثى حثياً كأنه قال: إني رحمتكم فلم أفرض عليكم صيام الدهر كله ولا أكثره ولكن أياماً معدودة قليلة، وعلى هذا يحتمل أن يكون وجه الشبه بين الفرضين مجرد تعليق الصوم بمدة غير متطاولة وإن اختلفت المدتان.

ثم إن الأئمة اختلفوا في هذه الأيام على قولين: الأول: أنها غير رمضان.

فعن عطاء: ثلاثة أيام من كل شهر.

وعن قتادة: هي مع صوم عاشوراء.

ثم اختلفوا أيضاً فقيل: كان تطوّعاً ثم فرض وقيل بل كان واجباً.

واتفقوا أنه نسخ بصوم رمضان واستدلوا على قولهم إنها غير صوم رمضان بما روي عن النبي  "إن صوم رمضان نسخ كل صوم" فدل على أن صوماً آخر كان واجباً.

وأيضاً ذكر حكم المريض والمسافر في هذه الآية وفي التي تتلوها، فلو اتحد الصومان كان تكريراً محضاً.

وأيضاً ذكر في هذه الآية التخيير بين الصوم والفدية وصوم رمضان واجب على التعيين فيختلفان.

والثاني: وهو اختيار أبي مسلم والحسن وأكثر المحققين أنها شهر رمضان أجمل أولاً ذكر الصيام، ثم بينه بعض البيان بقوله ﴿ أياماً معدودات ﴾ ثم كمل البيان بقوله ﴿ شهر رمضان ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن من غير زيادة ولا نقصان.

وأجيب عن استدلالهم الأول بأنه ليس في الخبر أنه نسخ عنه وعن أمته كل صوم فلم لا يجوز أن يراد به نسخ كل صوم وجب الشرائع المتقدمة.

سلمنا أن المراد به صوم ثبت في شرعه ولكن لم لا يجوز أن يكون ناسخاً لصيام وجب بغير هذه الآية.

وعن الثاني أن صوم رمضان كان واجباً مخيراً، وفي الآية الثانية جعل واجباً على التعيين، فأعيد حكم المريض والمسافر ليعلم أن حالهما ثانياً في رخصة الإفطار ووجوب القضاء كحالهما أولاً.

وعن الثالث أن الاختلاف مسلم لكن في التخيير والتعيين، أما في نفس الصوم فلا.

وههنا سؤال وهو أن قوله ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ كيف كان ناسخاً للتخيير مع اتصاله بالمنسوخ؟

والجواب أن الاتصال في التلاوة لا يوجب الاتصال في النزول، بل المقدم في التلاوة يمكن أن يكون ناسخاً والمتأخر منسوخاً كآية الاعتداد بالحول.

وهكذا نجد في القرآن آية مكية متأخرة في التلاوة عن الآية المدنية وذلك كثير.

قال القفال: انظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، فبين أولاً أن لهذه الأمة في هذا التكليف أسوة بالأمم السالفة، فإن الأمور الشاقة إذا عمت خفت.

ثم بين ثانياً وجه الحكمة في إيجاب الصوم وحصول التقوى.

ثم بين ثالثاً أنه مختص بأيام قلائل لا بكلها ولا بأكثرها.

ثم بين رابعاً أنه خصه من الأوقات بالشهر الذي أنزل فيه القرآن ليعلم شرفه فتوطن النفس له.

ثم ذكر خامساً إزالة المشقة في إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى زمن الرفاهية والصحة وهي هيئة يكون بها بدن الإنسان في مزاجه وتركيبه بحيث يصدر عنها الأفعال كلها سليمة والمرض زوالها.

واختلف الأئمة في المرض والسفر المبيحين للإفطار على أقوال: أحدها أن أيّ مريض كان، وأيّ مسافر كان، فله أن يترخص تنزيلاً للفظ المطلق على أقل أحواله، وهذا قول الحسن وابن سيرين.

يروى أنه دخل عليه في رمضان وهو يأكل فاعتل بوجع أصبعه.

وعن داود: الرخصة حاصلة في كل سفرٍ ولو كان فرسخاً.

وثانيها أنه المرض الذي لو صام لوقع في مشقة وجهد وكذا السفر وهو قول الأصم.

وحاصله تنزيل اللفظ على أكمل أحواله.

وثالثها وهو قول الشافعي وأكثر الفقهاء أنه الذي يؤدي إلى ضرر في النفس أو زيادة في العلة إذ لا فرق في العقل بين ما يخاف منه وبين ما يؤدي إلى ما يخاف منه كالمحموم إذا خاف أنه لو صام اشتد حماه، والأرمد يخاف أن يشتد وجع عينه.

قالوا: وكيف يمكن أن يقال: كل مرض مرخص مع علمنا بأن في الأمراض ما ينفعه الصوم؟

فالمراد إذن منه ما يؤثر الصوم في تقويته تأثيراً يعتد به والتأثير اليسير لا عبرة به.

المرض المرخص لا يفرق فيه بين أن يعرف كونه كذلك بنفسه أو يخبره بذلك طبيب حاذق بشرط كونه مسلماً بالغاً عدلاً.

وأصل السفر من الكشف لأنه يكشف عن أحوال الرجال وأخلاقهم.

وعن الأزهري: سمي مسافراً لكشف قناع الكن عن وجهه وبروزه للأرض الفضاء.

قال الأوزاعي: السفر المبيح مسافة يوم.

وعند الشافعي مقدر بستة عشر فرسخاً ولا يحسب منه مسافة الإياب.

كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله  ، وهو الذي قدر أميال البادية، كل ميل اثنا عشر ألف قدم وهي أربعة آلاف خطوة.

وإلى هذه ذهب مالك وأحمد وإسحق، وذلك أن تعب اليوم الواحد يسهل تحمله بخلاف ما إذا تكرر في يومين فحينئذٍ يناسب الرخصة، ولما روى الشافعي عن ابن عباس أن النبي  قال "يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان" قال أهل اللغة: كل بريد أربعة فراسخ.

وروى الشافعي أيضاً أن عطاء قال لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟

فقال: لا فقال: إلى مرّ الظهران؟

فقال: لا.

ولكن اقصر إلى جدّة وعسفان والطائف.

قال مالك: بين مكة وجدة وعسفان أربعة برد.

وقال أبو حنيفة والثوري: رخصة السفر لا تحصل إلا في ثلاث مراحل، أربعة وعشرين فرسخاً قياساً على المسح.

والإجماع على الرخصة في هذا المدة والخلاف فيما دون ذلك فيبقى المختلف فيه على أصل وجوب الصوم.

وأجيب بأن قوله  "يمسح المقيم يوماً وليلة" لا يدل على أنه لا تحصل الإقامة في أقل من يوم وليلة، لأنه لو نوى الإقامة في موضع الإقامة ساعة يصير مقيماً.

وكذا قوله  "والمسافر ثلاثة أيام" لا يوجب أن لا يحصل السفر في أقل من ثلاثة أيام.

وأيضاً الترجيح للإفطار لقوله  في قصر الصلاة "هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" وإنما قيل ﴿ أو على سفرٍ ﴾ دون أن يقول مسافراً كما قال ﴿ مريضاً ﴾ لأن السفر يتعلق بقصده واختياره حتى لو عزم على الإقامة في منزل من المنازل لم يبق على قصد السفر، فلا يصح الإفطار وإن كان مسافراً وهذا بخلاف المرض فإنه صفة قائمة به إن حصلت حصلت وإلا فلا.

وعدّة فعلة من العدّ بمعنى المعدود كالطحن بمعنى المطحون، وعدة المرأة من هذا.

وإنما قيل ﴿ فعدّة ﴾ على التنكير ولم يقل "فعدتها" أي فعدة الأيام المعدودات للعلم بأنه لا يؤثر عدد على عددها وأنه لا يأتي إلا بمثل ذلك العدد ظاهراً، فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة.

والمعنى فعليه صوم عدّة.

وقرئ بالنصب أي فليصم عدّة.

وأخر جمع أخرى تأنيث آخر، وإنه غير مصروف للصفة والعدل من أخر من كذا.

واعلم أن قوماً من علماء الصحابة ذهبوا إلى أنه يجب على المريض والمسافر أن يفطرا ويصوما عدة من أيام أخر وهو قول ابن عباس وابن عمر حتى قالا: لو صام في السفر قضى في الحضر.

واختاره داود بن علي الأصفهاني وهو مذهب الإمامية لأن قوله  ﴿ فعدّة ﴾ أي فعليه عدّة مشعر بالوجوب عليه.

ولأن قوله ﴿ يريد بكم اليسر ﴾ ينبئ عن إرادته الإفطار ولقوله  "ليس من البر الصيام في السفر" وفي الرواية بدل لام التعريف ميم التعريف.

وقوله "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" وذهب أكثر الفقهاء إلى أن هذا الإفطار رخصة فإن شاء أفطر وإن شاء صام لما يجيء من قوله  ﴿ وإن تصوموا خيرٌ لكم ﴾ ولما روى أبو داود في سننه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن حمزة الأسلمي سأل النبي  فقال: يا رسول الله هل أصوم في السفر فقال : " صم إن شئت وأفطر إن شئت" .

قالوا وفي الآية إضمار التقدير: فمن كان مريضاً أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر كقوله  ﴿ أو به أذى من رأسه ففديةٌ  ﴾ أي فحلق فعليه فدية.

ثم اختلف هؤلاء فعن الشافعي وأبو حنيفة ومالك والثوري وأبي يوسف ومحمد: أن الصوم أفضل.

وقالت طائفةٌ: الأفضل الفطر وإليه ذهب ابن المسيب والشعبي والأوزاعي وأحمد وإسحق.

وقيل: أفضل الأمرين أيسرهما على المرء.

واختلف أيضاً في القضاء فعامة العلماء على التخيير.

وعن أبي عبيدة بن الجراح: أن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه إن شئت فواتر وإن شئت ففرّق.

وعن علي كرم الله وجهه وابن عمر والشعبي وغيرهم: أنه يقضي كما فات متتابعاً ويؤيده قراءة أبي ﴿ فعدة من أيامٍ أخر متتابعات ﴾ قوله  ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ فيه ثلاثة أقوال: الأول: وهو قول أكثر المفسرين: أن المعنى وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر بهم لكونهم مقيمين صحيحين إن أفطروا فدية هي طعام مسكين.

والفدية في معنى الجزاء وهو عبارة عن البدل القائم عن الشيء وأنه ههنا عند أهل العراق - ومنهم أبو حنيفة - نصف صاع من بر أو صاع من غيره.

وعند أهل الحجاز - ومنهم الشافعي - مدّ من غالب قوت البلد لكل يوم ويصرف إلى الفقير والمسكين.

قالوا: كان ذلك في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعوّدوه فاشتد عليهم فرخص لهم في الإفطار والفدية.

عن سلمة بن الأكوع: لما نزلت ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ﴾ كان من أراد أن يفطر يفطر ويفتدي حتى نزلت ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ فنسختها.

من قرأ بإضافة الفدية إلى طعام فالإضافة فيه كهي في قولك "خاتم حديد" ومن قرأ "مساكين" على الجمع فلأن الذين يطيقونه جمع فكل واحد منهم يلزمه طعام مسكين لكل يوم.

والاعتبار بمدّ رسول الله  وهو مائة وثلاثة وسبعون درهماً وثلث الدرهم.

الثاني: أن هذا راجع إلى المسافر والمريض.

وذلك أن المريض والمسافر منهما من لا يطيق أصلاً وإليه الإشارة بقوله ﴿ فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيامٍ أخر ﴾ ومنهما من يطيق الصوم مع الكلفة وهو المراد بقوله ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ قالوا: هذا أولى ليلزم النسخ أقل، فإن نسخ التخيير بين الصوم والفدية عن المريض المطيق أقل من نسخ التخيير عنه وعن الصحيح المقيم.

الثالث: أنه نزل في الشيخ الهرم.

عن السدي: وعلى هذا لا تكون الآية منسوخة ويؤيده القراءة الشاذة ﴿ يطوّقونه ﴾ تفعيل من الطوق إما بمعنى الطاقة أو القلادة أي يكلفونه، أو يقلدونه.

والتركيب يستعمل فيمن يقدر على شيء مع ضرب من المشقة والكلفة وبعضهم أضاف إلى الشيخ الهرم الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما وولديهما.

واتفقوا على أنا لشيخ إذا أفطر فعليه الفدية، وأما الحامل والمرضع إذا أفطرتا فقال الشافعي: عليهما القضاء والفدية لحق الوقت.

وقال أبو حنيفة: لا يجب إلا القضاء كيلا يلزم الجمع بين البدلين.

﴿ فمن تطوّع خيراً ﴾ بأن يطعم مسكينين أو أكثر أو يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب، أو صام مع الفدية عن الزهري.

﴿ فهو ﴾ أي التطوع ﴿ خير له وأن تصوموا ﴾ أيها المطيقون أو المطوقون وتحملتهم متاعب الصيام ﴿ خيرٌ لكم ﴾ من الفدية وتطوّع الخير.

ويجوز أن ينتظم في الخطاب المريض والمسافر أيضاً عند من يرى أن الصوم لهما أفضل ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ أن الصوم أشق عليكم وأن أجركم على قدر نصبكم، أو تعلمون بالله فتخشونه فتمتثلون أمره ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء  ﴾ أو تعلمون ما في الصوم من الفوائد الدنيوية والأخروية.

عن علي كرم الله وجهه أن النبي  قال "يقول الله عز وجلّ الصوم لي وأنا أجزى به وللصائم فرحتان حين يفطر وحين يلقى ربه.

والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" وعنه  "إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم" وعن أبي هريرة أن النبي  قال "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.

ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" وعنه أن رسول الله  قال "من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً" وعن النبي  "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" وفضيلة الصوم ومنافعه أكثر من أن تحصى ولو لم يكن فيه إلا التشبه بالملائكة والارتقاء من حضيض حظوظ النفس البهيمية إلى ذروة التشبه بالروحانيات المجرّدة لكفى به فضلاً ومنقبة.

هذا صوم الشريعة، فأما صوم الطريقة فالإمساك عما حرم الله عز وجلّ والإفطار بما أباح وأحل، وصوم الحقيقة الإمساك عن الأكوان والإفطار بمشاهدة الرحمن.

صمت عن غيره فلما تجلى *** كأن بي شـاغلٌ عن الإفطار وتشـوّقت مـدة ثـم لمـا *** زارني جَلّ عن مدى الأنظار قوله عز من قائل ﴿ شهر رمضان ﴾ الشهر مأخوذ من الشهرة.

عن مجاهد: رمضان اسم الله  .

وروي عن النبي  "لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا جاء شهر رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله" وعلى هذا شهر رمضان أي شهر الله.

والأكثرون على أنه اسم علم للشهر كرجب وشعبان ومنع الصرف للعلمية والألف والنون.

ثم اختلف في اشتقاقه فعن الخليل: أنه من الرمض بتسكين الميم وهو مطر يأتي وقت الخريف ويطهر وجه الأرض عن الغبار، سمي الشهر بذلك لأنه يطهر الأبدان عن أوضار الأوزار.

وقيل: من الرمض بمعنى شدة الحر من وقع الشمس والأرض رمضاء.

وفي الكشاف: الرمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء، سمي بذلك إما لارتماضهم فيه من حر الجوع كما سموه ناتقاً لأنه كان ينتقهم أي يزعجهم لشدته عليهم، أو لأن الذنوب ترمض فيه أي تحترق.

وروي عن النبي  أنه قال "إنما سمي رمضان لأنه يرمض ذنوب عباده" وكأن هذا من قولهم "رمضت النصل" جعلته بين حجرين أملسين ثم دققته ليرق.

وعن الأزهري: أنهم كانوا يرمضون أسلحتهم فيه ليقضوا منها أوطارهم في شوّال قبل دخول الأشهر الحرم.

وقيل: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمي بذلك.

وشهر رمضان يجمع على رمضانات وأرمضاء، وإضافة الشهر إليه إضافة العام إلى الخاص، ولو لم يتلفظ بالشهر جاز كقوله  "من صام رمضان إيماناً" الحديث.

لأن التسمية وقعت برمضان فقط.

وارتفاعه على أنه مبتدأ خبره ﴿ الذي أنزل فيه القرآن ﴾ أو على أنه بدل من الصيام في قوله ﴿ كتب عليكم الصيام ﴾ أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي أي الأيام المعدودات شهر رمضان.

وعلى هذين الوجهين يكون الموصول مع صلته صفة لشهر رمضان.

قال أبو علي: وهذا أولى ليكون أيضاً في الأمر بصوم الشهر وإلا كان خبراً عن إنزال القرآن فيه.

وقرئ بالنصب على صوموا شهر رمضان أو على الإبدال من ﴿ أياماً ﴾ أو على مفعول ﴿ وأن تصوموا ﴾ وفي هذا الوجه نظر من قبل الفصل بين ﴿ أن تصوموا ﴾ ومعموله بالخبر.

وفائدة وصف الشهر بإنزال القرآن فيه التنبيه على علة تخصيصه بالصوم فيه.

وذلك أنه لما خص بأعظم آيات الربوبية ناسب أن يخص بأشق سمات العبودية فبقدرهضم النفس يترقى العبد في مدارج الأنس ويصل إلى معارج القدس وتنخرق له الحجب الناسوتية ويطلع على الحكم اللاهوتية ويفهم معاني القرآن ويتبدل له العلم بالعيان وكان حينئذٍ من العجائب ما كان.

وفي إنزال القرآن في رمضان أقوال.

فعن سفيان بن عيينة أنزل في فضله القرآن كما تقول أنزل في علي  كذا.

وقال ابن الأنباري: أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن كما تقول: أنزل الله في الزكاة كذا أي في إيجابها، وأنزل في الخمر كذا أي في تحريمها.

والقولان متقاربان، أو هما واحد فإنه لم ينزل سوى قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ﴾ الآيات.

واختيار الجمهور أن الله  أنزل القرآن في رمضان.

عن النبي  "نزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين" ثم إنه لا شك أن القرآن قد نزل منجماً مفرقاً على حسب المصالح والوقائع، فأوّلت الآية بأن المراد أنه ابتدئ فيه إنزاله وذلك ليلة القدر.

ومبادئ الملل والدول هي التي يؤرخ بها لشرفها وانضباطها.

وهذا قول محمد بن إسحق.

أو أنه أنزل جملة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل إلى الأرض نجوماً، وليس يبعد أن يكون للملائكة الذين هم سكان سماء الدنيا مصلحة في إنزال ذلك إليهم، وفيه مصلحة للرسول من حيث توقع الوحي عن أقرب الجهات.

ولعل فيه مصلحة لجبريل المأمور بالإنزال والتأدية ولا سيما على رأي الفلاسفة الذين جبريل عندهم هو العقل الفعال الأخير الذي يدير عالم الكون والفساد وخاصة نوع الإنسان.

وعلى هذا القول يحتمل أن يقال: إن الله  أنزل كل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم نزله على محمدٍ  منجماً إلى آخر عمره.

ويحتمل أن يقال: إنه  كان ينزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر كل سنة ما يحتاجون إليه في تلك السنة وكذلك أبداً إلى أن تم إنزاله.

وعلى هذا يكون تعين رمضان الذي أنزل فيه القرآن نوعياً لا شخصياً ﴿ هدى للناس وبيناتٍ ﴾ منصوبان على الحالية أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق وهو آيات واضحات مكشوفات من جملة ما يهدي إلى الحق ويفرق بينه وبين الباطل من الكتب السماوية وذلك أن الهدى قسمان: جلي مكشوف وخفي مشتبه، فوصفه أولاً بجنس الهداية ثم قال: إنه من نوع البين الواضح.

ويحتمل أن يقال: القرآن هدى من نفسه ومع ذلك ففيه أيضاً بينات من هدى الكتب المتقدمة، فيكون المراد بالهدى والفرقان والتوراة والإنجيل، أو يقال: الهدى الأول أصول الدين، والثاني فروعه، فيزول التكرار.

نقل الواحدي عن الأخفش والمازني أن الفاء في ﴿ فمن شهد ﴾ زائدة إذ لا معنى للعطف والجزاء ههنا وهذا وهم لظهور كونها للجزاء كأنه قيل: لما علمتم اختصاص هذا الشهر بفضيلة إنزال القرآن فيه فأنتم أيضاً خصوه بهذه العبادة، ومعنى شهد أي حضر.

ثم قيل: إن مفعوله محذوف ﴿ والشهر ﴾ منصوب على الظرف وكذلك الهاء في ﴿ فليصمه ﴾ ولا يكون مفعولاً به كقولك "شهدت الجمعة" لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان الشهر.

فالمعنى فمن شهد منكم في الشهر المذكور المعلوم البلد أو المقام فليصم في الشهر.

وصاحب هذا القول ارتكب الإضمار حذراً من لزوم التخصيص في حق المسافر إلا أنه يلزمه ما فر منه أية سلك لأن الصبي والمجنون والمريض كل منهم شهد البلد مع أنه لا يجب عليه الصوم.

أما إذا قيل: إن الشهر مفعول به مثل "شهدت عصر فلان وأدركت زمانه" فلا يلزم منه إلا أحد الأمرين وهو التخصيص بقوله ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفرٍ فعدّة من أيامٍ أخر ﴾ فيكون أولى من الأول لأن الإضمار والتخصيص إذا تعارضا فالتخصيص أولى، فكيف إذا وقع الإضمار والتخصيص في جانب والتخصيص وحده في جانب؟

هذا ما قاله الإمام فخر الدين الرازي معترضاً به على صاحب الكشاف وغيره.

(قلت): الإنصاف أن الترجيح مع صاحب الكشاف لأن لزوم الإضمار في الآية ممنوع، وذلك أن ﴿ شهد ﴾ ههنا متروك المفعول كقولهم "فلان يعطى ويمنع" ومعنى من شهد من كان على حالة الحضر سواء كان في البلد أو في منزل من المنازل ونوى الإقامة.

وأما التخصيص فمشترك على القولين إلا أنه على قول صاحب الكشاف أقل لعدم دخول المسافر فيه، فيكون أولى.

فإن قيل: فعلى هذا يكون قوله بعيد ذلك ﴿ أو على سفرٍ ﴾ تكراراً قلنا: إنما أعيد ليترتب عليه حكم القضاء كما للمريض.

وأيضاً لا يلزم من إيجاب الصوم على الحاضر عدم إيجابه على المسافر، ولو سلم فبالمفهوم أوّلاً وبالمنطوق ثانياً، فأين التكرار؟

وإنما وضع المظهر وهو الشهر مقام المضمر حيث لم يقل فمن شهده اعتناء بشأنه واعتلاء لمكانه وتمكيناً في القلوب وتعظيماً في النفوس كقوله: أن يسأل الحق يعطى الحق سائله.

*** وههنا بحث وهو أن قوله ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ جملة شرطية، وما لم يوجد الشرط بتمامه لم يترتب عليه الجزاء، والشهر عبارة عن زمان مخصوص من أوله إلى آخره، فظاهر الآية يقتضي أن الصوم لا يجب عليه إلا عند شهود الجزء الأخير وهو محال لأنه يقتضي إيقاع الفعل في الزمان المنقضي.

وأجيب بأن المراد من الشهر جزء من أجزائه وهذا مجاز مشهور، والمعنى من شهد جزءاً من أجزاء الشهر فليصم كل الشهر.

ثم إن كان هذا الجزء من أول الشهر كما لو شهد هلال رمضان فهذا موافق لما نقل عن علي كرم الله وجهه: أن من دخل عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر وجب أن يصوم الكل.

وأما سائر المجتهدين فيقولون: هذا عام يدخل فيه الحاضر والمسافر إلا أن قوله ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفرٍ ﴾ يخصصه، وإن كان في أثناء الشهر فيوافق قول أبي حنيفة: إن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر لزمه قضاء ما مضى.

قلت: لا حاجة إلى ارتكاب التجوز المذكور وهو إطلاق لفظ الشهر على جزء من أجزائه، ولا يلزم منه المحال المذكور إذ المراد من شهد الشهر أجمع فليكن بحيث قد وجد منه الصوم في جميع أيامه، أو المراد من عزم على كونه مقيماً في الشهر فليصمه.

ويعلم منه أنه إن كان حاضراً في بعضه يتعلق إيجاب الصوم بذلك البعض فقط بدليل قوله ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفرٍ ﴾ فإنه لما علم الوجوب للحاضر في كله والرخصة للمسافر في كله علم الحكمان جميعاً للحاضر في بعضه والمسافر في البعض الآخر، فكل يوم مستقل بنفسه فيما يقتضيه، والصوم فيه عبادة مستقلة، وكأن ما نقل عن علي كرم الله وجهه أمر إلزامي رعاية لحرمة الشهر كما لو أدركت الحائض من أول الوقت قدر ما يسع تلك الصلاة، وفي قول قدر ركعة، وفي قول قدر تكبيرة، لزمها قضاؤها إذا طهرت.

وأما أن شهر رمضان بم يثبت حتى يعتبر الشهود فيه فقد قال  "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاستكملوا العدة" يعني عدة شعبان ثلاثين يوماً.

ومهما شهد عند القاضي عدل واحد أنه رأى الهلال ثبت لما روي عن عمر أنه رأى الهلال وحده فشهد عند النبي  فأمر الناس بالصوم.

ولما روي أن علياً  شهد عنده رجل على رؤية هلال رمضان فصام وقال: صيام يوم من شعبان أحب إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان، وللاحتياط في أمر العبادة.

ولا يثبت الهلال في سائر الشهور إلا برؤية عدلين، وعند أبي حنيفة: يثبت هلال رمضان في الغيم بواحد وفي الصحو تعتبر الاستفاضة.

وإذا رؤي في موضع شمل الحكم لمن هو على ما دون مسافة القصر منه ولا يجب الصوم بذلك على من عداهم.

﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ معناه في اللغة السهولة ومنه اليسار للغني لأنه يتسهل به الأمور وتتسنى المقاصد واليد اليسرى لبقائها على اليسر، أو لأن الأمور تسهل بمعاونتها اليمنى والعسر نقيضه.

وفي الصحاح: قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم وأوسطه ساكن فمن العرب من يثقله ومنهم من يخففه.

أوجب الصوم على سبيل السهولة لأنه ما أوجب إلا في مدة قليلة من السنة، ثم ذلك القليل ما أوجبه على المريض والمسافر وههنا يتحقق صدق قوله  "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة" .

ومن كمال رأفته  أنه نفى الحرج أولاً ضمناً بقوله ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ ثم نفاه صريحاً بقوله ﴿ ولا يريد بكم العسر ﴾ والظاهر أن الألف واللام في اليسر والعسر يفيد العموم، فيمكن أن يستدل به على عدم وقوع التكليف بما لا يطاق.

والمعتزلة تمسكوا بالآية أنه قد يقع من العبد ما لا يريد الله  ، فإن المريض لو حمل نفسه على الصوم حتى أجهده فقد ما لم يرد الله منه إذ كان لا يريد العسر.

وأجيب بأنا نحمل اللفظ على أنه  لا يأمره بالعسر وإن كان قدير يدمنه العسر فإن الأمر عندنا قد يثبت بدون الإرادة.

فكما أنه يجوز أن يأمر ولا يريد جاز أن يريد ولا يأمر.

قوله ﴿ ولتكملوا ﴾ أجمعوا على أن الفعل المعلل محذوف فيه.

فعن الفراء: التقدير ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون.

شرع جملة ما ذكره وهو الأمر بصوم العدة وتعليم كيفية القضاء والرخصة في إباحة الفطر.

وهذا نوع من اللف لطيف المسلك.

فقوله ﴿ لتكملوا ﴾ علة الأمر بمراعاة العدة ﴿ ولتكبروا ﴾ علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر.

﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ أي إرادة أن تشكروا علة الترخيص والتيسير.

وعن الزجاج: أن المحذوف فعل أمر مقدر قبله كأنه قيل: لتعلموا ما تعملون ولتكملوا.

والفرق أن حذف النون في الأول للنصب وفي هذا للجزم.

ولا يخفى أن قوله ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ يبقى في هذا الوجه غير مرتبط بما قبله إلا أن يقال: إنه في قوة "ولتشكروا".

وفيه أيضاً بعد ويحتمل أن يقال ﴿ ولتكملوا ﴾ معطوف على اليسر كأنه قيل: يريد الله بكم اليسر ويريد بكم لتكملوا كقوله ﴿ يريدون ليطفؤا  ﴾ وإنما قيل ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ ولم يقل "ولتكملوا الشهر" ليشمل عدة أيام الشهر وعدة أيام القضاء جميعاً.

وعدى فعل التكبير بعلى لتضمين معنى الحمد أي ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم.

والمراد بالتكبير قيل: إنه تعظيم الله  والثناء عليه شكراً على ما وفق لهذه الطاعة.

وتمام هذا التكبير إنما يكون بالقول والاعتقاد والعمل.

فالقول أن يقر بصفاته العلى وأسمائه الحسنى وينزهه عما يليق به من ند وصاحبة وولد وتشبيه بالخلق، وكل ذلك لا يعتدّ به إلا مع الاعتقاد القلبي.

وأما العمل فالتعبد بالأوامر والتبعد عن النواهي.

وهذا لا يختص بوقت استكمال عدة رمضان، ولكنه شامل لجميع الأحيان.

وقيل: هو تكبير الفطر وإنه مشروع في العيدين لما روي أنه  كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعاً صوته بالتهليل والتكبير حتى يأتي المصلى.

وأوّل وقته في العيدين جميعاً غروب الشمس ليلة العيد.

وعن أحمد ومالك أنه لا تكبير ليلة العيد وإنما يكبر في يومه.

لنا قوله  ﴿ ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ﴾ قال الشافعي: سمعت من أرضى به من أهل العلم بالقرآن يقول ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ أي عدة صوم رمضان ﴿ ولتكبروا الله ﴾ عند إكمالها، وإكمالها بغروب الشمس آخر يوم من رمضان وأما آخر التكبير فأصح الأقوال أنهم يكبرون إلى أن يحرم الإمام بصلاة العيد، لأن الكلام مباح إلى تلك الغاية والتكبير أولى ما يقع به الاشتغال.

والمسنون في صيغته أن يكبر ثلاثاً نسقاً وبه قال مالك.

وقال أحمد وأبو حنيفة: يكبر مرتين.

لنا الرواية عن جابر وابن عباس.

وأيضاً فإنه تكبير موضوع شعاراً للعيد فكان وتراً كتكبير الصلاة.

قال الشافعي: وما زاد من ذكر الله فحسن.

واستحسن في "الأم" أن تكون زيادته ما نقل عن رسول الله  إنه قاله على الصفا وهو: "الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.

لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده فلا شيء بعده لا إله إلا الله والله أكبر" قال في الشامل: والذي يقوله الناس لا بأس به أيضاً وهو: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر والله أكبر ولله الحمد.

يرفع الناس أصواتهم بالتكبير ليلتي العيد في المنازل والمساجد والطرق والأسواق سفراً كانوا أو حاضرين في اليومين في طريق المصلي وبالمصلى إلى الغاية المذكورة سواء كان يصلي المكبر مع الإمام أو لا يصلي.

ويستثني من ذلك الحاج فلا يكبر ليلة الأضحى.

واختلف في أن التكبير في أي العيدين أوكد، ففي القديم ليلة النحر لإجماع السلف عليها، وفي الجديد ليلة الفطر لورود النص فيها.

قوله  ﴿ وإذا سألك عبادي عني ﴾ وجه اتصاله بما قبله هو أنه لما أمر العباد بالتكبير الذي هو الذكر وبالشكر نبههم على أنه مطلع على ذكرهم وشكرهم فيسمع نداءهم ويجيب دعاءهم ولا يخيب رجاءهم، أو أنه أمرهم بالثناء ثم رغبهم في الدعاء تعليماً للمسألة وتنبيهاً على حسن الطلب، وسبب نزوله ما روي أن أعرابياً قال لرسول الله  : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟

وقيل: كان في غزاة وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء فقال  : " إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً" .

وعن قتادة أن الصحابة قالوا: يا نبي الله كيف ندعو ربنا فنزلت.

وعن عطاء أنهم سألوا في أي ساعة ندعو فنزلت.

وعن ابن عباس  ما أن يهود أهل المدينة قالوا: يا محمد كيف يسمع ربك دعاءنا؟

فنزلت.

وعن الحسن: سألت الصحابة فقالوا أين ربنا فنزلت.

وقيل: فرض عليهم الصيام كما كتب على الذين من قبلهم أي إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم فشق ذلك على بعضهم حتى عصوا ربهم في ذلك التكليف، ثم ندموا وسألوا النبي  عن توبتهم فنزلت مبشرة بقبول توبتهم.

ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم، وبهذا الوجه تصير الآية مناسبة لما قبلها ولما بعدها.

ثم إن سؤالهم النبي  عن الله إما أن يكون عن ذاته بأن يكون السائل ممن يجوّز التشبيه فيسأل عن القرب والبعد بحسب الذات، وإما أن يكون عن صفاته بأنه هل يسمع دعاءنا، أو عن أفعاله بأنه إذا سمع دعاءنا فهل يجيبنا إلى مطلوبنا، أو كيف أذن في الدعاء وهل أذن في أن ندعوه بجميع الأسماء، أو ما أذن إلا بأن ندعوه بأسماء معينة، وهل أذن أن ندعوه كيف شئنا، أو ما أذن إلا بأن ندعوه على وجه معين كما قال  ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها  ﴾ وكل هذه الوجوه محتملة لأن قوله ﴿ فإني قريب ﴾ يدل على أن السؤال كان عن الذات وقوله ﴿ أجيب دعوة الداع ﴾ دليل على أن السؤال عن الصفة لأن الإجابة بعد السماع وإطلاق قوله ﴿ إذا دعان ﴾ يرشد إلى الإذن في الدعاء على أي نحو أراد ما لم يتجاوز قانون الأدب عرفاً كقوله  ﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها  ﴾ قال العلماء: ليس القرب ههنا بالمكان، لأنه لو كان في المكان كان مشاراً إليه بالحس ومنقسماً إذ يمتنع أن يكون في الصغر والحقارة كالجوهر الفرد.

وكل منقسم مفتقر في تحققه إلى أجزائه.

وكل مفتقر ممكن.

وأيضاً لو كان في المكان، فإما أن يكون غير متناه من جميع الجوانب وهو محال فإن كل بعد متناه ببرهان تناهي الأبعاد أو من جانب واحد فكذلك مع أن كونه بحيث يقتضي جانب منه عدم التناهي، وجانب منه التناهي يوجب كونه مركباً من أجزاء مختلفة الطبائع، أو يكون متناهياً من جميع الجوانب وهو باطل بالاتفاق.

وأيضاً هذه الآية من أقوى الدلائل على أن القرب ليس بالجهة لأنه لو كان في المكان لما كان قريباً من الكل بل لو كان قريباً من حملة العرش يكون بعيداً عن غيرهم، ولو كان قريباً من المشرقي كان بعيداً عن المغربي.

قالوا: فثبت أن المراد بالقرب قربه بالتدبير والحفظ والكلاءة.

قال في الكشاف: هو تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بحال من قرب مكانه.

فإذا دعى أسرعت تلبيته ونحوه ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد  ﴾ وقوله  "هو بينكم وبين أعناق رواحلكم" وقد أشار بعض المحققين إلى أن اتصاف ماهيات الممكنات بوجودها لما كان بإيجاد الصانع فهو كالمتوسط بين ماهياتها ووجوداتها، فيكون أقرب إلى ماهية كل ممكن من وجود تلك الماهية إليها بل ماهية كل شيء إنما صارت هي هي بجعل الصانع حتى ماهية الوجود فبه صار الجوهر جوهراً والسواد سواداً والعقل عقلاً والنفس نفساً.

فالصانع أقرب إلى كل ماهية من تلك الماهيات إلى نفسها (قلت) استصحاب المكان لا يوجب الافتقار إلى المكان.

ولئن سلم أن كل مفتقر إلى المكان ينقسم، فانقسام كل مستصحب للمكان ممنوع، وبراهين تناهي الأبعاد مختلة زيفناها في مواضعها.

فلا ذرة من ذرات العالم إلا ونور الأنوار محيط بها قاهر عليها قريب منها، أقرب من وجودها إليها، لا بمجرد العلم فقط ولا بمعنى الصنع والإيجاد فقط بل بضرب آخر لا يكشف المقال عنه غير الخيال، مع أن التعبير عن بعض ذلك يوجب شنعة الجهال.

شعر: رمزت إليه حذار الرقيب *** وكتمان سر الحبيب حبيب إذا ما تلاشيت في نوره *** يقول لي ادع فإني قريب فإن سألوه  : أين ربنا؟

صح الجواب بأني قريب، وإن سألوه: هل يسمع ربنا دعاءنا؟

صح الجواب بأني قريب، وإن سألوه كيف ندعوه أبرفع الصوت أم بإخفائه؟

صح أن يجاب إني قريب، وإن سألوه: هل يعطينا ربنا مطلوبنا بالدعاء صحّ في الجواب فإني قريب، وإن سألوه إذا أذنبنا ثم تبنا فهل يقبل الله توبتنا؟

صَحَّ أن يجاب إني قريب أي بالنظر إليهم والتجاوز عنهم.

واعلم أن الدعاء مصدر دعوت أدعو وقد يكون اسماً.

تقول: سمعت دعاءً كما تقول سمعت صوتاً.

وحقيقة الدعاء استدعاء العبد ربه  العناية والاستمداد والمعونة.

قال بعض الظاهريين: لا فائدة في الدعاء لأن المطلوب به إن كان معلوم الوقوع عند الله كان واجب الوقوع وإلا فلا.

ولأن الأقدار سابقة والأقضية جارية وقد جف القلم بما هو كائن، فالدعاء لا يزيد فيها شيئاً ولا ينقص، ولأن المقصود إن كان من صالح العبد فالجواد لطق لا يبخل به، وإن لم يكن من مصالحه لم يجز طلبه، ولأن أجل مقامات الصدّيقين الرضا بالقضاء وإهمال حظوظ النفس.

والاشتغال بالدعاء ينافي ذلك، ولأن الدعاء شبيه بالأمر أو النهي وذلك خارج عن الأدب، ولهذا ورد في الكلام القدسي "من شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيه أفضل ما أعطي السائلين" وقال جمهور العقلاء: إن الدعاء من أعظم مقامات العبودية وإنه من شعار الصالحين ودأب الأنبياء والمرسلين.

والقرآن ناطق بصحته عن الصديقين، والأحاديث مشحونة بالأدعية المأثورة بحيث لا مساغ للإنكار ولا مجال للعناد.

والسبب العقلي فيه أن كيفية علم الله وقضائه وقدره غائبة عن العقول، والحكمة الإلهية تقتضي أن يكون العبد معلقاً بين الرجاء والخوف اللذين بهما تتم العبودية.

وبهذا الطريق صححنا القول بالتكاليف مع الاعتراف بإحاطة علم الله وجريان قضائه وقدره في الكل.

وما روي عن جابر أنه "جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بيّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن ففيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل؟

قال: بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير.

قال: ففيم العمل؟

قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له.

وكل عامل بعمله منبه على ما قلنا، فإنه  علقهم بين الأمرين، رهبهم بسابق القدر ثم رغبهم في العمل ولم يترك أحد الأمرين للآخر فقال: كل ميسر لما خلق له" .

يريد أنه ميسر في أيام حياته للعمل الذي سبق به القدر قبل وجوده إلا أنك تحب أن تعرف الفرق بين الميسر والمسخر كيلا تغرق في لجة القضاء والقدر، وكذا القول في باب الرزق والكسب.

والحاصل أن الأسباب والوسائط والروابط معتبرة في جميع أمور هذا العالم.

ومن جملة الوسائل في قضاء الأوطار الدعاء والالتماس كما في الشاهد.

فلعل الله  قد جعل دعاء العبد سبباً لبعض مناجحه.

فإذا كان كذلك فلا بد أن يدعو حتى يصل إلى مطلوبه، ولم يكن شيء من ذلك خارجاً عن قانون القضاء السابق وناسخاً للكتاب المسطور.

ومن فوائد الدعاء إظهار شعار الذل والانكسار، والإقرار بسمة العجز والافتقار، وتصحيح نسبة العبودية، والانغماس في غمرات النقصان الإمكاني، والإفلاس عن ذروة الترفع، والاستغناء إلى حضيض الاستكانة، والحاجة والفاقة، ولهذا ورد "من لم يسأل الله يغضب عليه" فإذا كان الداعي عارفاً بالله  وعالماً بأنه لا يفعل إلا ما وافق مشيئته وسبق به قضاؤه وقدره، ودعا على النمط المذكور من غير أن يكون في دعائه حظ من حظوظ النفس الأمارة، راجياً فيما عند الله من الخير، خائفاً من الإقدام على موقف المسألة والمناجاة، وأن تكون استجابته صورة الاستدراج، كان دعاؤه خليقاً بالإجابة وجديراً بالقبول وأن تعود بركته عليه قال  "ما من رجلٍ يدعو الله بدعاء إلا استجيب له.

فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل قالوا يا رسول الله وكيف يستعجل؟

قال: يقول دعوت ربي فما استجاب لي" وأما هيئة الداعي فعن أبي هريرة  أن رسول الله  قال "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاهٍ" وعن ابن عباس أن رسول الله  قال: "سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم" وأما شرائط الدعاء فمنها بعد ما مر من الإخلاص وغيره تزكية البدن وإصلاحه بلقمة الحلال.

وذكر النبي  الرجل يطيل السفر يمد يده إلى السماء أشعث أغبر يقول: يا رب يا رب.

ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟

وذكر المحققون أن الدعاء مفتاح باب السماء، وأسنانه لقمة الحلال.

وأما وقت الدعاء ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي  قال "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" وعن أبي أمامة قال: يا رسول الله أيّ الدعاء أسمع؟

قال: جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات.

وعن أنس أن رسول الله  قال "الدعاء بين الآذان والإقامة لا يرد وزاد في رواية قال: فماذا نقول يا رسول الله؟

قال: سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة" .

وعن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد فأكثروا الدعاء" وعنه أنه قال "من سره أن يستجيب الله له دعاءه عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء" وعنه أن رسول الله  قال: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين" وأما كيفية الدعاء فعن فضالة بن عبيد أن النبي  سمع رجلاً يدعو في صلاته فلم يصلّ على النبي  .

فقال النبي  عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي  ثم ليدع بعد ما شاء" .

وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله  قال "الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد حتى يصلى عليّ فلا تجعلوني كغمر الراكب صلوا عليّ أول الدعاء وأوسطه وآخره" .

ومن لطائف الآية أنه  قال ﴿ فإني قريب ﴾ دون أن يقول "فقل إني قريب" كما قال في سائر الأسئلة والأجوبة.

وذلك في مواضع من كتابه ﴿ ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي  ﴾ ﴿ ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً  ﴾ ﴿ يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي  ﴾ وهذه الأسئلة أصولية.

﴿ يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين  ﴾ ﴿ ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير  ﴾ ﴿ ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى  ﴾ ﴿ ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن  ﴾ ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة  ﴾ ﴿ يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول  ﴾ ﴿ ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي  ﴾ ﴿ ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكراً  ﴾ فكأنه  يقول: عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء، أما في الدعاء فلا واسطة بيني وبينك.

وأيضاً في مقام السؤال قال: ﴿ عبادي ﴾ وهذا يدل على أن العبد له، وفي مقام الإجابة قال ﴿ فإني قريب ﴾ وهذا يدل على أنه للعبد.

وأيضاً لم يقل "العبد مني قريب" بل قال ﴿ إني قريب ﴾ منه إشارة إلى أنه ما للتراب ورب الأرباب وإنما يصل من حضيض الإمكان الذاتي إلى ذروة الوجود والبقاء بفضل الواجب وفيضه ﴿ فليستجيبوا لي ﴾ أجاب واستجاب بمعنى يقال: أجاب واستجاب له أي فليمتثلوا أمري إذا دعوتهم إلى الإيمان والطاعة ﴿ وليؤمنوا بي ﴾ وليستقيموا وليعزموا على الاستجابة، وليؤمنوا كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم إرادة أن يكونوا من الراشدين المهتدين إلى مصالح دينهم ودنياهم، فإن طاعة الله  هي المستتبعة للخيرات عاجلاً وآجلاً ﴿ من عمل صالحاً من ذكرٍ وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون  ﴾ وفي ضده ﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ونحشره يوم القيامة أعمى  ﴾ وحاصل الكلام: أنا أجيب دعاءكم مع أني غني عنكم على الإطلاق فكونوا أنتم مجيبين دعوتي مع افتقاركم إليّ من جميع الوجوه.

وفيه نكتة وهي أنه  لم يقل أجب دعائي حتى أجيب دعاءك لئلا يصير المذنب محروماً عن هذا الإكرام بل قال: أنا أجيب دعاءك على جميع أحوالك فكن أنت مجيباً لدعائي وهذا يدل على أن نعمه  شاملة ورحمته كاملة تعم المطيعين والمذنبين والكاملين والناقصين.

وقيل: الدعاء في الآية هو العبادة لما روي عن النعمان بن بشير أن رسول الله  قال "الدعاء هو العبادة" وقرأ ﴿ ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين  ﴾ وعلى هذا فالإجابة عبارة عن الوفاء بما ضمن للمطيعين من الثواب كقوله  ﴿ ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله  ﴾ وقيل: المراد من الدعاء التوبة.

وذلك أن التائب يدعو الله عند التوبة، فإجابة الدعوة على هذا التفسير عبارة عن قبول التوبة.

قوله عز وجل: ﴿ أحل لكم ﴾ الآية جمهور المفسرين على أنها ناسخة لما عليه الناس في أول الإسلام.

روي عن ابن عباس أنه لما نزلت ﴿ كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ كانوا إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب وصاموا إلى القابلة، فاختان رجل فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، فأراد الله أن يجعل ذلك تيسيراً لمن بقي ورخصة ومنفعة.

وعن البراء قال: كان أصحاب محمد  إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ويومه حتى يمسي.

وقال: إن قيس بن صرمة الأنصاري، أو صرمة بن قيس، أو قيس بن عمرو - على اختلاف الروايات - كان صائماً.

فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: أعندك طعام؟

قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عينه فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشي عليه.

فذكر ذلك للنبي  فنزلت ﴿ أحل لكم ﴾ ففرحوا بها فرحاً شديداً، وأبو مسلم خالف الجمهور بناء على مذهبه من أنه لم يقع في القرآن نسخ ألبتة.

احتج الجمهور بوجوه منها.

أنه  شبه إيجاب الصوم على هذه الأمة بإيجابه على من قبلهم، فيلزم منه حرمة الأكل والشرب والوقاع بعد النوم في شرعنا كما كانت في شرعهم.

وإذا كانت الحرمة ثابتة فهذه الآية رافعة لها ناسخة لحكمها.

ومنع أبو مسلم من أن مقتضى التشبيه حصول المشابهة في كل الأمور، فلعلهم إنما كانوا يمتنعون من الأكل والشرب والوقاع اعتقاداً منهم ببقاء تلك الحرمة في شرعنا كما هي في شرع من قبلنا مع جواز كونها مباحة في نفس الأمر.

ومع قيام هذا الاحتمال فلا جزم بالنسخ ومنها قوله تعالى ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ﴾ ولو كان ذلك حلالاً لم ينسبوا إلى الخيانة، قيل: إن عمر  واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه.

فأتى النبي  وقال: يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة وأخبره بما فعل.

فقال  : ما كنت جديراً بذلك يا عمر فقام رجال فاعترفوا بما كانوا صنعوا بعد العشاء فنزلت.

قال أبو مسلم: أصل الخيانة النقص.

وخان واختان وتخوّن بمعنى واحد مثل كسب واكتسب وتكسب.

والمعنى علم الله أنكم كنتم تنقصون أنفسكم حظها من اللذات لا من الثواب والخير.

ومنها قوله ﴿ فتاب عليكم وعفا عنكم ﴾ والتوبة والعفو يكونان بعد المعصية وارتكاب ما هو محرم.

قال أبو مسلم: التوبة من العباد الرجوع إلى الله بالعبادة، ومن الله الرجوع إلى العبد بالرحمة والإحسان.

والعفو التسهيل والتوسعة والتخفيف.

قال  "عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهماً درهم" وقال "أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله" والمراد التخفيف بتأخير الصلاة إلى آخر الوقت.

ويقال: أتاني هذا المال عفواً أي سهلاً.

فالمعنى عاد عليكم بالرحمة وسع عليكم بإباحة هذه الأشياء المحرمة على الذين من قبلكم.

وأما الروايات فأخبار آحاد لا يوجب شيء منها حمل القرآن على النسخ.

ولنشتغل بتفسير الألفاظ فنقول: ليلة الصيام قال الواحدي: أراد ليالي الصوم، فوضع الواحد موضع الجمع.

ويمكن أن يقال: أضاف الليلة إلى هذه الحقيقة فتتناول الكل من غير تكلف.

والرفث الجماع.

والرفث أيضاً الفحش من القول وكلام النساء في الجماع.

وقيل لابن عباس.

حين أنشد: وهن يمشين بنا هميسا *** إن تصدق الطير ننك لميسا أترفث وأنت محرم؟

فقال: إنما الرفث ما واجه به النساء.

هميساً أي مشياً ليناً، ولميس اسم امرأة أي أن يصدق الفأل ننكها.

وقال أبو علي: معناه الفرج.

ويقال: جامع الرجل أو ناك.

فإذا أردت الكناية عن هذه العبارة قلت: رفث الرجل.

وإنما كني عنه ههنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح ولم يعبر عنه بالإفضاء أو الغشيان أو المس ونحوها كما في مواضع آخر ﴿ وقد أفضى بعضكم إلى بعض  ﴾ ﴿ فلما تغشاها ﴾ } [الأعراف: 189] ﴿ باشروهن  ﴾ ﴿ من قبل أن تمسوهن  ﴾ ﴿ أولامستم النساء  ﴾ وفي قوله: ﴿ دخلتم بهن  ﴾ ﴿ فأتوا حرثكم  ﴾ ﴿ فما استمعتم به منهن  ﴾ ﴿ ولا تقربوهنّ  ﴾ حتى استهجان لما وجد منهم قبل الإباحة، أو البيان كما سماه اختياناً لأنفسهم.

قال الأخفش إنما عدي الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء في قوله ﴿ وقد أفضى بعضكم إلى بعض  ﴾ .

﴿ هن لباس لكم ﴾ وجه التشبيه أنهما يعتنقان فينضم جسد أحدهما إلى جسد صاحبه ويشتمل عليه كالثوب.

قال الربيع: هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن.

وقال ابن زيد: كل منهما يستر صاحبه عن الأبصار عند الجماع.

قال الجعدي: إذا ما الضجيع ثنى عطفها *** تثنت فكانت عليه لباساً أو سميا لباساً لستر كل منهما صاحبه عما لا يحل كما في الخبر "من تزوّج فقد أحرز ثلثي دينه" أو المراد تستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت لو لم تكن المرأة حاضرة كما يتستر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار.

وعن الأصم: أن كل واحد منهما كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي كانوا يفعلونه، وزيف بأن هذه القرينة واردة في معرض الإنعام لا في مقام الذم.

ووحد اللباس إما لأنه جنس وإما لأنه مصدر "لابس" وضع موضع الصفة.

وموقع قوله ﴿ هنّ لباس لكم ﴾ استئناف لأنه كالبيان لسبب الإحلال، فإن مثل هذه المخالطة والملابسة توجب قلة الصبر عنهن.

ومعنى ﴿ علم الله ﴾ ظهر معلومه أو هو عالم، ولم يذكر في الآية أن الخيانة فيماذا إلا أن الذي تقدم هو ذكر الجماع والذي تأخر هو مثله بدليل ﴿ فالآن باشروهن ﴾ فتعين أن يكون المراد به الخيانة في الجماع.

ومن المعلوم أن كل واحد منهم لم يختن فالخطاب لبعضهم، وكل من عصى الله ورسوله فقد خان نفسه لأنه جلب إليها العقاب ونقص حظها من الثواب.

وقيل: إن الآية لا تدل على وقوع الخيانة منهم، وإنما المراد علم الله أنكم بحيث لو دام هذا التكليف تختانون أنفسكم فضعفكم وقلة صبركم، فوسع الأمر عليكم حتى لا تقعوا في الخيانة.

﴿ فتاب عليكم ﴾ من الفاء الفصيحة أي فتبتم فقبل توبتكم.

وعلى قول أبي مسلم لا إضمار.

﴿ فالآن باشروهن ﴾ تأكيد لقوله ﴿ أحل لكم ﴾ وفيه ضرب من البيان لأن حل الرفث في ليلة الصيام لا يوجب حله في جميع أجزائها حتى الصباح.

والجمهور على أن المراد بالمباشرة ههنا الجماع، سمي بهذا الاسم لتلاصق البشرتين فيه.

ومنه ما روي أنه  قال "لا يباشر الرجل الرجل والمرأة المرأة" وإنما قلنا إنا لمراد بها الجماع لأن السبب في هذه الرخصة كان وقوع الجماع من القوم، ولأن الرفث أريد به ذلك إلا أن إباحة الجماع تتضمن إباحة ما دونه فصح ما نقل عن الأصم أن المراد بها الجماع وغيره ورجع النزاع لفظياً.

وأما المباشرة في قوله ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ فلا يعود النزاع فيها إلى اللفظ، لأن المنع من الجماع لا يدل على المنع مما دونه من الاستمتاعات.

﴿ وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ جعل أو قضى أو كتب في اللوح من الولد أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن للغرض الأصلي من النكاح وهو التناسل.

قال  "تناكحوا تكثروا" وقيل: هو نهي عن العزل فقد وردت الأخبار في كراهية ذلك.

وعن الشافعي: لا يعزل الرجل عن الحرة إلا بإذنها، ولا بأس أن يعزل عن الأمة.

وعن علي كرم الله وجهه: أنه كان يكره العزل.

وقيل: اطلبوا المحل الذي حلله الله لكم كقوله  ﴿ فأتوهنّ من حيث أمركم الله  ﴾ وقيل: وابتغوا هذه المباشرة التي كتب الله لكم بعد أن كانت محرمة عليكم، وعن أبي مسلم: وابتغوا المباشرة التي كان الله كتبها لكم، وإن كنتم تظنون أنها محرّمة عليكم.

وقيل: يعني لا تباشروهن إلا في الأوقات والأحوال التي أذن الله لكم في مباشرتهن دون أوقات الحيض والنفاس والعدّة والردة.

وقيل: أي لا تبتغوا المباشرة إلا من الزوجة والمملوكة وهو الذي كتب في القرآن من قوله ﴿ إلا على أزواجهم أن ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون: 6\] وعن معاذ بن جبل وابن عباس في رواية أبي الجوزاء: اطلبوا ليلة القدر وما كتب الله لكم من الثواب إن أصبتموها.

واستبعده بعضهم وليس ببعيد، فإن توزع الفكر بسبب الشهوة المشوّشة قد يمنع عن الإخلاص في العبودية ولا يتفرغ المكلف حينئذ لطلب ليلة القدر التي هي حاصل صوم رمضان فقال  ﴿ فالآن باشروهن ﴾ لتفرغوا لطلب الغاية من صيامكم والله أعلم بمراده، عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت ﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ﴾ عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي، وجعلت أنظر إليهما من الليل ولا يستبين لي، فإذا تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت.

فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله  فأخبرته فضحك وقال: إنك لعريض القفا إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل.

وكنى رسول الله  بذلك عن بلاهة عديّ وقلة فطنته، وفي الصحيحين أيضاً عن سهل بن سعد: نزلت ولم ينزل ﴿ من الفجر ﴾ فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله عز وجل بعد ﴿ من الفجر ﴾ فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار.

واعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع بالاتفاق إلا عند من يجوّز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره عن وقت الخطاب فجائز عند الأكثرين.

ولما كان من مستعملات العرب إطلاق الخيط الأبيض على أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود، والخيط الأسود على ما يمتد معه من غبس الليل قال أبو دواد: فلما أضاءت لنا سدفة *** ولاح من الصبح خيط أنارا والسدفة الضياء المخلوط بالظلام، اقتصر على الاستعارة أوّلاً، ثم لما اشتبه الأمر على بعض من لا دراية له باللغة العربية نزل من الفجر بياناً للخيط الأبيض واستغنى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما يستتبع بيان الآخر.

وخرج الكلام من الاستعارة إلى التشبيه البليغ كما أن قولك "رأيت أسداً" مجاز، فإذا زدت "من فلانٍ" رجع تشبهاً.

فالاستعارة وإن كانت أبلغ من التشبيه وأدخل في الفصاحة من حيث إنها استعارة كما بين في موضعه إلا أن رفع الاشتباه عن المكلفين أهم وأولى.

فالفصاحة في هذا المقام ترك الاستعارة، وليس هذا من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة على الإطلاق، لأن المحتاجين ههنا إلى البيان ساقطون عن درجة الاعتبار لأن فهم المعنى من اللفظ إنما يعتبر بالنسبة إلى العارف بقوانين العرب واستعمالاتهم لا بالإضافة إلى الأغبياء منهم.

نعم التفهيم يعم البليد والذكي والله المستعان.

ولا يسبقنّ إلى الوهم أن المشبه بالخيط الأبيض هو الصبح الكاذب المستطيل لأنه يناقض ما ورد في الخبر "لا يغرنكم الفجر المستطيل فكلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستطير" وإنما المشبه هو الفجر الصادق، وهو أيضاً يبدو دقيقاً ولكن يرتفع مستطيراً أي منتشراً في الأفق لا مستطيلاً.

ويمكن أن يقال: الفصل المشترك بين ما انفجر من الضياء.

أي انشق وبين ما هو مظلم بعد يشبه خيطين اتصلا عرضاً.

فالذي انتهى إليه الضياء خيط أبيض، والذي ابتدأ منه الظلام خيط أسود.

وقد سبق تقرير الصبح في تفسير قوله  ﴿ واختلاف الليل والنهار  ﴾ فليتذكر.

قيل: ويجوز أن تكون "من" في قوله  ﴿ من الفجر ﴾ للتبعيض لأنه بعض الفجر وأوّله: ولا شك أن "حتى" لانتهاء الغاية فدلت الآية على أن حل المباشرة والأكل والشرب ينتهي عند طلوع الصبح.

فاستدل بهذا على جواز صوم من يصبح جنباً.

وبقوله ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ على أن الصوم ينتهي عند غروب الشمس، لأن ما بعد "إلى" لا يدخل فيما قبلها وخاصة إذا لم يكن من جنسه، بل على حرمة الوصال.

ويؤيده ما روي أنه  قال: "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد غربت الشمس وأفطر الصائم" فيجب على المكلف أن يتناول في هذا الوقت شيئاً.

وكيف لا وقد صح عن النبي  أنه نهى عن الوصال فقيل: يا رسول الله إنك تواصل.

فقال: "إني لست مثلكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" .

أي من طعام الجنة، أو إني على ثقة بأني لو احتجت أطعمني من الجنة، أو إني أعطيت قوة من طعم وشرب.

والتحقيق أن استغراقه في مطالعة جلال الله يشغله عن الالتفات إلى ما سواه، فإذا تناول شيئاً قليلاً ولو قطرة من الماء فبعد ذلك كان بالخيار في الاستيفاء إلا أن يخاف التقصير في الصوم المستأنف أو في سائر العبادات فيلزم حينئذ أن يتناول بمقدار الحاجة، وقد يتشبث الحنفي بالآية على جواز النية في نهار صوم رمضان لأن مدة الإمساك هو النهار فقط فيجب قصد الإمساك فيه فقط، ومقتضى هذا الدليل صحة الفرض بنيته بعد الزوال إلا أنا نقول: الأقل ملحق بالأغلب، فأبطلنا الصوم بنيته بعد الزوال وصححناه بنيته قبله.

حجة الشافعي قوله  "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" ويروى "من لم ينو" وإنما جوز في النفل أن ينوي قبل الزوال لأنه  كان يدخل على بعض أزواجه فيقول: هل من غداء؟

فإن قالوا لا قال: إني صائم، وأيضاً الحنفي: يجب إتمام الصوم النفل لقوله ﴿ ثم أتموا ﴾ والأمر للوجوب.

وقال الشافعي: قد ورد هذا عقيب الفرض فيتخصص به وأعلم أنه  خصص بالذكر من المفطرات الرفث والأكل والشرب لأن النفس تميل إليها.

وهاهنا مفطرات أخر استنبطت من الآية أو استفيدت من السنة فمنها الاستمناء لأن الإيلاج من غير إنزال مبطل.

فالإنزال بنوع شهوة أولى، وكذا الإنزال باللمس أو القبلة دون الفكر أو النظر بشهوة لأن هذا يشبه الاحتلام، وعند مالك الإنزال بالنظر مفطر، وعند أحمد إن كرر النظر حتى أنزل أفطر.

ومنها الاستقاء لقوله  "من ذرعه القيء وهو صائم فلا قضاء عليه ومن استقاء فليقض" ومنها دخول الشيء جوفه من منفذ مفتوح سواء كان فيه قوة محيلة تحيل الواصل إليه من غذاء أو دواء أولا، فالحلق جوف وكذا باطن الدماغ والبطن والأمعاء والمثانة لما روي عن ابن عباس أن الفطر مما دخل والوضوء مما خرج، فالحقنة مبطلة للصوم وكذا السعوط إذا وصل إلى الدماغ.

ولا بأس بالاكتحال، وليست العين من الأجواف فإنه  اكتحل في رمضان وهو صائم.

وعن مالك وأحمد إنه إذا وجد في الحلق طعماً أفطر.

والتقطير في الأذن إذا وصل إلى الباطن كالسعوط وكذا في الإحليل وإن لم يصل عليه إلى المثانة.

ولا بأس بالفصد والحجامة لكن يكره خيفة الضعف.

احتجم  وهو صائم محرم في حجة الوداع.

وقال أحمد: يفسد الصوم بالحجامة.

ولو دهن رأسه أو بطنه فوصل إلى جوفه بتشرب المسام لم يضر كالاغتسال والانغماس عند الشافعي، ولا بد أن يكون الواصل عن قصد منه فلو طارت ذبابة إلى حلقه أو وصل غبار الطريق أو غربلة الدقيق إلى جوفه لم يفطر.

ولو فتح فاه عمداً لما في الحفظ من العسر.

ولو ضبطت المرأة ووطئت أو وجيء بالسكين أو أوجر بغير اختياره فلا إفطار.

وكذا لو كان مغمى عليه فأوجر معالجة ولو أكره حتى أكل بنفسه أفطر لأنه أتى بضد الصوم، ولا أثر لدفع الضرر كما لو أكل أو شرب لدفع الجوع أو العطش.

وعند أحمد لا يفطر.

وابتلاع الريق الصرف الطاهر من الفم لا يفطر، والنخامة إن لم تحصل في حد الظاهر من الفم لم تضر وإن حصلت فيه بانصبابها من الدماغ إلى الثقبة النافذة منه إلى أقصى الفم فوق الحلقوم، فإن قدر على مجه ولم يمج حتى جرى بنفسه بطل صومه لتقصيره وإلا فلا، وإذا تمضمض فسبق الماء إلى جوفه أو استنشق فوصل الماء إلى دماغه لم يفطر على الأصح إن لم يبالغ وبه قال أحمد.

وعند أبي حنيفة ومالك يفطر وإن بالغ أفطر وفاقاً.

"قال  للقيط بن صبرة: بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" ولو بقي طعام في خلل أسنانه فابتلعه عمداً أفطر خلافاً لأبي حنيفة فيما إذا كان يسيراً، وربما قدره بالحمصة.

وإن جرى به الريق من غير قصد منه لم يفطر على الأصح.

ولا بد أيضاً في وصول العين من ذكر الصوم، فإذا أكل ناسياً، فإن قل لم يفطر لقوله  "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" وخالف مالك.

وإن كثر أفطر.

ولو جامع ناسياً للصوم فالأصح أنه لا يبطل كما في الأكل.

ولو أكل على ظن أن الصبح لم يطلع بعد، أو أن الشمس قد غربت وكان غالطاً لم يجزئه صومه على الأشهر لأنه تحقق خلاف ما ظنه واليقين مقدم على الظن.

ثم إن كان الصوم واجباً قضى، وإن كان تطوعاً فلا قضاء.

والأحوط في آخر النهار أن لا يأكل إلا بعد تيقن غروب الشمس لأن الأصل بقاء النهار ولو اجتهد وغلب على ظنه دخول الليل بورد أو غيره، فالأصح جواز الأكل، وقد أفطر الناس في زمان عمر ثم انكشف السحاب وظهرت الشمس.

وأما في أول النهار فيجوز الأكل بالظن والاجتهاد إلى طلوع الفجر لأن الأصل بقاء الليل، فإن قيل: إن أول الفجر كيف يدرك ويحس ومتى عرف المترصد الطلوع كان الطلوع الحقيقي مقدماً عليه؟

فيجاب إما بأن المسألة موضوعة على التقدير كدأب الفقهاء في أمثالها وإما بأنا نتعبد بما يطلع عليه.

ولا معنى للصبح إلا بظهور الضوء للناظر وما قبله لا حكم له كالزوال عند زيادة الظل، وإذا كان الشخص عارفاً بالأوقات ومنازل القمر، وكان بحيث لا حائل بينه وبين مطلع الفجر وترصد فمتى أدرك فهو أول الصبح المعتبر، وحينئذ يحرم المفطرات وعن الأعمش أنه يحل الأكل والشرب والوقاع إلى طلوع الشمس قياساً لأول النهار على آخره.

وجعل الخيط الأبيض وقت الطلوع والخيط الأسود ما اتصل به من آخر الليل.

ومن الناس من قال: لا يجوز الإفطار إلا عند غروب الحمرة، كما أنه لا يجوز الأكل إلا إلى طلوع الفجر.

وهذه المذاهب قد انقرضت، والفقهاء أجمعوا على بطلانها.

يحكى عن الأعمش أنه دخل عليه أبو حنيفة يعوده فقال له الأعمش: إنك لثقيل على قلبي وأنت في بيتك فكيف إذا زرتني؟

فسكت عنه أبو حنيفة، فلما خرج قيل له: لم سكت عنه؟

قال: ماذا أقول في رجل ما صام ولا صلى في دهره عنى أنه كان يأكل بعد الفجر الثاني قبل طلوع الشمس فلا صوم له، وكان لا يغتسل من الإكسال فلا صلاة له.

واعلم أن في الآية ترتيباً عجيباً ونسقاً أنيقاً وذلك أن الرفث لما كان من أشنع الأمور التي يجب الإمساك عنها في رمضان حتى قال بعض الناس إنه كان حراماً في رمضان ليلاً ونهاراً وفيه قد وقعت الخيانة كما مر في الإخبار.

قدم إباحته أولاً ثم بين السبب في إباحته، ثم وبخ المختانون في شأنه وعقب التوبيخ بالعفو وقبول التوبة، ثم أعيد ذكر إباحته ليترتب عليه الغرض الأصلي من الرفث وهو طلب النسل، وليعطف عليه إباحة الأكل والشرب جميع ذلك إلى آخر جزء من أجزاء الليل، ثم لما بين مدة الإفطار وما أبيح فيها بين مدة الصوم الذي هو المقصود الأصلي تلك المدة هي ما بقي من مدة الإفطار إلى تمام أربع وعشرين ساعة هي مجموع اليوم بليلته، أعني من أول الفجر الصادق إلى غروب الشمس، ثم لما كان زمان الاعتكاف مستثنى من ذلك لأنه فهم من الآية أن الإمساك عن الرفث كان مختصاً بنهار رمضان لا بليلته ولا بسائر أيام السنة ولياليها عقب إباحة الرفث فيما سوى نهار رمضان بخطره في حال الاعتكاف فقيل ﴿ ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ قال الشافعي: الاعتكاف حبس المرء نفسه على شيء براً كان أو إثماً.

قال تعالى ﴿ يعكفون على أصنام لهم  ﴾ والاعتكاف الشرعي: المكث في بيت الله تعالى تقربا إليه.

وهو من الشرائع القديمة.

قال  ﴿ أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين  ﴾ وللأئمة خلاف في المراد من المباشرة ههنا.

فعن الشافعي: في أصح قوليه ووافقه أبو حنيفة وأحمد: إنها الجماع والمقدمات المفضية إلى الإنزال.

لأن الأصل في لفظ المباشرة ملاقاة البشرتين.

فالمنع من هذه الحقيقة ما دام في المعتكف وحين يخرج لحاجة ولم تتم مدة الاعتكاف منع عن القبلة والعناق وكل ما فيه تلاصق البشرتين.

خالفنا الدليل فيما إذا لم ينزل من هذه الأمور لتبين عدم الشهوة فيها، وقد علم أن اللمس بغير شهوة جائزة لأنه  كان يدني رأسه من عائشة لترجل رأسه وهو  معتكف، فيبقى ما فيه الشهوة على أصل المنع.

احتج من قال إنها لا تبطل الاعتكاف بأن هذه الأمور لا تبطل الصوم والحج فلا تفسد الاعتكاف، لأنه ليس أعلى درجة منهما.

وأجيب بأن النص مقدم على القياس.

واتفقوا على أن شرط الاعتكاف الجلوس في المسجد لأنه مميز عن سائر البقاع من حيث إنه بنى لإقامة الطاعات.

ثم اختلفوا فعن علي  أنه لا يجوز إلا في المسجد الحرام لقوله  ﴿ أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين  ﴾ أي لجميع العاكفين.

وعن عطاء فيه وفي مسجد المدينة لقوله  "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام" وعن حذيفة فيهما وفي مسجد بيت المقدس لقوله  "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" الزهري: لا يصح إلا في الجامع.

أبو حنيفة: لا يصح إلا في مسجد له إمام راتب ومؤذن راتب.

الشافعي: يجوز في جميع المساجد لإطلاق قوله ﴿ في المساجد ﴾ إلا أن الجامع أولى حتى لا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة.

ولا خلاف أن الاعتكاف مع الصوم أفضل وهل يجوز بغير صوم؟

الشافعي: نعم لأنه بغير الصوم عاكف وأنه  منع العاكف من المباشرة ولو كان اعتكافه باطلاً لما كان ممنوعاً.

وأيضاً لو كان الاعتكاف موجباً للصوم لم يصح الاعتكاف في رمضان لأن ذمته مشغولة بالصوم الواجب لشهود الشهر فلا يمكنه الاشتغال بالصوم الذي يوجبه الاعتكاف، لكنهم أجمعوا على صحة الاعتكاف في رمضان.

وأيضاً لو تلازما لخرج المعتكف عن اعتكافه بالليل كما يخرج عن الصوم لكنه لا يخرج.

وأيضاً "روي أن عمر  قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة، فقال  :أوف بنذرك" .

ومعلوم أنه لا يجوز الصوم في الليلة.

أبو حنيفة: لا يجوز لأنه يجب الصيام في الاعتكاف بالنذر فيجب بغير نذر أيضاً كعكسه في الصلاة حال الاعتكاف، وهو أن الصلاة لما لم تجب في النذر بالإجماع لم تجب في غير النذر، أيضاً وفرق بأن الصوم والاعتكاف متقاربان، فكل منهما كف وإمساك، والصلاة أفعال مباشرة لا مناسبة بينها وبين الاعتكاف فلا يجعل أحدهما وصفاً للآخر، ولهذا قلنا: إنه لو نذر أن يعتكف صائماً أو يصوم معتكفاً لزمه كلاهما، والجمع بينهما.

ولو نذر أن يعتكف مصلياً أو يصلي معتكفاً لزمه كلاهما دون الجمع بينهما.

ويتفرع على المذهبين أنه يجوز أن ينذر اعتكاف ساعة عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة فلا يجوز أقل من يوم بشرط أن يدخل قبل طلوع الفجر ويخرج بعد غروب الشمس.

قال الشافعي: وأحب أن يعتكف يوماً وإنما قال ذلك للخروج عن الخلاف.

﴿ تلك حدود الله ﴾ إشارة إلى جميع ما تقدم من أول آية الصيام إلى ههنا لا إلى عدم المباشرة في الاعتكاف وحده، لأنه حد واحد أللهم إلا أن يراد أمثال تلك الجملة.

وحد الشيء مقطعه ومنتهاه، وحد الدار ما يمنع غيرها أن يدخل فيها، والحد الكلام الجامع لمانع فحدود الله ما منع من مخالفتها بعد أن قدرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة.

وإنما قال ههنا ﴿ فلا تقربوها ﴾ وفي موضع آخر ﴿ فلا تعتدوها  ﴾ لأن العامل بشرائع الله أوامر ونواهي منصرف في حيز الحق، فإذا تعداه وقع في حيز الباطل.

فالنهي عن التعدي هو المقصود إلا أن الأحوط أن لا يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل كيلا يذهل فيقع في الباطل.

عن النعمان بن بشير: سمعت رسول الله  يقول "إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا ولكل ملك حمى وحمى الله محارمه" .

وقيل: لا تقربوها أي لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم  ﴾ وقيل: الأحكام المذكورة بعضها أمر وأكثرها نهي، فغلب جانب التحريم أي لا تقربوا تلك الأشياء التي منعتم عنها.

وأما في الأوامر فقال ﴿ فلا تعتدوها  ﴾ أي اثبتوا عليها ولا تتخطوها، ﴿ كذلك ﴾ أي كما بين ما أمركم به وما نهاكم عنه في هذا المقام ﴿ يبين ﴾ سائر أدلته على دينه وشرعه إرادة أن يتصف الناس بالتقوى جعلنا الله  من المتقين بفضله ورحمته.

التأويل: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" الضمير عائد إلى الحق.

على كل عضو في الظاهر صوم، وعلى كل صفة في الباطن صوم.

فصوم اللسان عن الكذب والنميمة، وصوم العين عن محل الريبة، وصوم السمع عن استماع الملاهي، وعلى هذا فقس البواقي.

وصوم النفس عن التمني والشهوات، وصوم القلب عن حب الدنيا وزخارفها، وصوم الروح عن نعيم الآخرة ولذاتها، وصوم السر عن شهود غير الله ﴿ كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ أي على بسائطكم وأجزائكم فإنها كانت صائمة عن المشارب كلها، فلما تعلق الروح بالقلب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية ﴿ لعلكم تتقون ﴾ مشارب المركبات وتطهرون عن دنس الحظوظ الحيوانيات والروحانيات، فحين يأفل كوكب استدعاء الحظوظ الفانية تطلع شمس حقوق الملاقاة الروحانية الباقية كما قال  "للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه" ﴿ فمن كان منكم مريضاً ﴾ أي وقع له فترة في السلوك لمرض غلبات صفات النفس وكسل الطبيعة ﴿ أو على سفر ﴾ حصل له وقفة للعجز عن القيام بأعباء أحكام الحقيقة، فليمهل حتى تدركه العناية ويعالج سقمه بمعاجين الإلطاف وأشربة الإعطاف فيتداركه في أيام سلامة القلب.

﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ على من كان له قوة في صدق الطلب ﴿ طعام مسكين ﴾ فالطعام كل مشرب غير مشرب ألطاف الحق، والمسكين من يكون مشربه غير ما عند الله ويقنع به، فيدفع تلك المشارب إلى أهاليها ويخرج عما سوى الله، ويواصل الصوم ولا يفطر إلا على طعام مواهب الحق وشراب مشاربه وهو معنى "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ فمن تطوع خيراً ﴾ فمن زاد في الفداء أي كلما فطم من مشرب وسقى من مشرب آخر.

وروي فدى ذلك المشرب أيضاً أي تركه إلى أن يصير مشربه ترك المشارب كلها وداوم الصوم كقوله تعالى ﴿ وأن تصوموا خير لكم ﴾ فينزل فيه حقائق القرآن وهذا معنى قوله ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ فيكون على مأدبة الله لا بمعنى أنه يأكل من المأدبة فإنه دائم الصوم، ولكن المأدبة تأكله حتى تفنيه عن وجوده وتبقيه بشهوده فيكون خلقه القرآن وحينئذ يفرق بين الوجود الحقيقي والوجود المجازي كما قال ﴿ وبينات من الهدى والفرقان ﴾ فيقال يا محمد له أصبت فالزم وهو معنى قوله ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ قال أبو يزيد: ناداني ربي وقال: أنا بدك اللازم فالزم بدك.

رمضان يرمض ذنوب قوم، ورمضان الحقيقي يحرق وجود قوم.

رمضان اسم من أسماء الله أي من حضر مع الله فليمسك عن غير الله ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ وهو مقام الوصول ﴿ ولا يريد بكم العسر ﴾ وهو ما في الطريق من الرياضة والمجاهدة كالطبيب يسقي دواء مراً، فمراده حصول الصحة لا إذاقة مرارة الدواء.

وأيضاً "كل ميسر لما خلق له" لو لم يرد بنا اليسر لم يجعلنا طالبين لليسر (شعر): لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه *** من فيض جودك ما علمتني الطلبا ﴿ ولتكملوا ﴾ عدة أنواع الغاية بجذبات ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ ﴿ ولتكبروا الله ﴾ ولتعظموه ﴿ على ما هداكم ﴾ إلى عالم الوصال بتجلي صفات الجمال ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ نعمة الوصال بتنزيه ذي الجلال عن إدراك عقول أهل الكمال وإحاطة الوهم والخيال.

قوله  ﴿ أحل لكم ليلة الصيام ﴾ اعلم أن في الإنسان تلوناً في الأحوال.

فتارة يكون بحكم غلبات الصفات الروحانية في ضياء نهار الواردات الربانية وحينئذ يصوم عن الحظوظ الإنسانية وهو حالة السكر، وتارة يكون بحكم الدواعي والحاجات البشرية مردوداً إلى ظلمات الصفات الحيوانية وهذه حالة الصحو، فخصه الله  بنهار كشف الأستار وطلوع شموس الأسرار ليصوموا فيه عما سواه، وبليلة إسبال أستار الرحمة ليسكنوا فيها ويستريحوا بها كما منّ الله  بقوله ﴿ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً  ﴾ الآيتين.

ومعنى الرفث إلى النساء التمتع بالحظوظ الدنيوية التي تتصرف النفس فيها تصرف الرجال في النساء ﴿ هن لباس لكم ﴾ أي الصفات والحظوظ الإنسانية ستر لكم يحميكم عن حرارة شموس الجلال لكيلا تحرقكم سطوات التجلي ﴿ وأنتم لباس لهن ﴾ تسترون معايب الدنيا بالأموال الصالحة واستعمال الأموال على قوانين الشرع والعقل "نعم المال الصالح للرجل الصالح" ﴿ فالآن باشروهن ﴾ بقدر الحاجة الضرورية ﴿ وابتغوا ﴾ بقوة هذه المباشرة ﴿ ما كتب الله لكم ﴾ من المقامات العلية ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ في ليالي الصحو ﴿ حتى يتبين لكم ﴾ آثار أنوار المحو فالأحوال تنقسم إلى بسط وقبض، وزيادة ونقص، وجذب وحجب، وجمع وفرق، وأخذ ورد، وكشف وستر، وسكر وصحو، وإثبات ومحو، وتمكين وتكوين، كما قيل: كأن شيئاً لم يزل إذا أتى *** كان شيئاً لم يكن إذا مضى ﴿ في المساجد ﴾ أي في مقامات القربة والأنس.

وفيه إشارة إلى أنه يجب أن يكون الاشتغال بالضروريات من حيث الصورة وتكون الأسرار والأرواح مع الحق، وهذا مقام أهل التمكين ﴿ فلا تقربوها ﴾ بالخروج عنها يا أهل الكشوف والعكوف وبالدخول فيها يا أهل الكسوف والخسوف حسبي الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ١٨٨ ۞ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَٰبِهَا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ١٨٩

القراءات: ﴿ البيوت ﴾ بضم الباء: أبو جعفر ونافع غير قالون وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والبرجمي وهشام غير الحلواني.

الباقون: بكسر الباء.

الوقوف: ﴿ تعلموا ﴾ ه ﴿ عن الأهلة ﴾ ط لابتداء حكم آخر مع النفي ﴿ من اتقى ﴾ ج و ﴿ الحج ﴾ ط ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ أبوابها ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تفلحون ﴾ ه.

التفسير: لما كان الصوم منتهياً إلى الإفطار والإفطار يتضمن الأكل، ناسب أن يردف حكم الصيام بحكم ما يصلح للأكل وما لا يصلح له.

ولما كان الصوم والفطر منوطين برؤية الهلال عقباً بذكر السؤال عن حال الأهلة.

قال الإمام الغزالي في الإحياء: المال يحرم إما لمعنى في عينه أو لخلل في جهة اكتسابه، والأول إما أن يكون من المعادن أو من النبات أو من الحيوان، أما المعادن والنبات فلا يحرم شيء منهما إلا ما يزيل الحياة وهي السموم، أو الصحة وهي الأدوية في غير وقتها، أو العقل كالخمر والبنج وسائر المسكرات.

وأما حدثنا الحيوان فينقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل.

وما يحل فإنما يحل إذا ذبح ذبحاً شرعياً، وإذا ذبح فلا يحل جميع أجزائه بل يحرم منه الدم والفرث وكل ذلك مذكور في كتب الفقه.

والثاني وهو ما يحرم لخلل في جهة إثبات اليد عليه نقول فيه أخذ المال إما أن يكون باختيار المتملك أو بغير اختياره كالإرث.

والذي باختياره إما أن لا يكون مأخوذاً من مالك كالمعادن، وإما أن يكون مأخوذاً من مالك وذلك إما أن يؤخذ قهراً أو بالتراضي.

والمأخوذ قهراً إما أن يكون لسقوط عصمة المالك كالغنائم، أولاً لاستحقاق الأخذ كزكوات الممتنعين والنفقات الواجبة عليهم.

والمأخوذ تراضياً إما أن يؤخذ بعوض كالبيع والصداق والأجرة، وإما أن يؤخذ بغير عوض كالهبة والوصية، فهذه أقسام ستة: الأول: ما لا يؤخذ من مالك كنيل المعادن وإحياء الموات والاصطياد والاحتطاب والاستقاء من الأنهار والاحتشاش، فهذا حلال بشرط أن لا يكون المأخوذ مختصاً بذي حرمة من الآدميين.

الثاني: المأخوذ قهراً ممن لا حرمة له وهو الفيء والغنيمة وسائر أموال الكفار المحاربين وذلك حلال للمسلمين إذا أخرجوا منه الخمس فقسموه بين المستحقين بالعدل ولم يأخذوه من كافر له حرمة وأمان وعهده.

الثالث: المأخوذ قهراً بالاستحقاق عند امتناع من عليه فيؤخذ دون رضاه وذلك حلال إذا تم سبب الاستحقاق وتم وصف المستحق واقتصر على المستحق.

الرابع: ما يؤخذ تراضياً بمعاوضة وذلك حلال إذا روعي شرط العوضين وشرط العاقدين وشرط لفظي الإيجاب والقبول مع ما يعتد الشرع به من اجتناب الشروط المفسدة.

الخامس: ما يؤخذ بالرضا من غير عوض كما في الهبة والوصية والصدقة إذا روعي شرط المعقود عليه وشرط العاقدين وشرط العقد ولم يؤد إلى ضرر بوارث أو غيره.

السادس: ما يحصل بغير اختياره كالميراث وهو حلال إذا كان المورث قد اكتسب المال من بعض الجهات الخمس على وجه حلال، ثم كان ذلك بعد قضاء الدين وتنفيذ الوصايا وتعديل القسمة بين الورثة وإفراز الزكاة والحج والكفارة إن كانت واجبة.

فهذه مجامع مداخل الحلال وما سوى ذلك فحرام لا يجوز أكله.

وكذا إن كان من هذه الجهات وصرفه إلى غير المصارف الشرعية كالخمر والزمر والزنا واللواط والميسر والسرف المحرم، وكل هذه الوجوه داخلة تحت قوله  ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ أي بالوجه الذي لم يبحه الله  ولم يشرعه ﴿ بينكم ﴾ أي في المعاملات الجارية بينكم والتصرفات الواقعة بينكم.

وليس المراد منه الأكل خاصة بل غير الأكل من التصرف كالأكل في هذا الباب إلا أنه خص الأكل بالذكر لأنه المقصود الأعظم من المال.

وقد يقال لمن أنفق ماله إنه أكله.

والإدلاء أصله من أدليت دلوي أرسلتها في البئر للاستقاء، فإذا استخرجتها قلت دلوتها.

ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاء.

ومنه يقال للمحتج أدلى بحجته كأنه يرسلها ليصير إلى مراده.

وفلان يدلي إلى الميت بقرابة ورحم إذا كان منتسباً إليه فيطلب الميراث بتلك النسبة طلب المستقي الماء بالدلو.

قوله ﴿ وتدلوا ﴾ داخل في حكم النهي أي ولا تدلوا بها إلى الحكام أي لا ترشوها إليهم، أو لا تلقوا أمرها والحكومة فيها إليهم لتأكلوا طائفة من أموال الناس بالإثم بشهادة الزور أو باليمين الكاذبة أو بالصلح مع العلم بأن المقضى له ظالم.

والفرق بين الوجهين أن الحكام على الأول حكام السوء الذين يقبلون الرشا التي هي رشا الحاجة، فبها يصير المقصود البعيد قريباً، وإذا أخذها حاكم السوء مضى في الحكم من غير ثبت كمضي الدلو في الإرسال.

وعلى الثاني قد يكون الحاكم عادلاً ولكن قد يشتبه عليه الحق كما روي عن النبي  أنه قال للخصمين: "إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إليّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه.

فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئاً فإنما أقضي له قطعة من نار" فبكيا وقال كل واحد منهما: حقي لصاحبي.

فقال: اذهبا فتوخيا ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه.

"فتوخيا" أي اقصدا الحق فميا تصنعانه من القسمة واقترعا وليأخذ كل منكما ما تخرجه القسمة بالقرعة ثم تحاللا: ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ أنكم على الباطل وارتكاب المعاصي مع العلم بقبحها أقبح وصاحبه بالتوبيخ أحق.

روي أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصاري قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ ألا يكون على حالة واحدة؟

﴿ يسئلونك عن الأهلة ﴾ وقيل: إن السائلين هم اليهود.

ثم إن الله  لم يجبهم بأنه إنما يرى كذلك لأنه يستفيد النور من الشمس وأنه مظلم في ذاته ويفصل أبداً بين المضيء والمظلم منه دائرة لاستداره المنير والمستنير، ويفصل بين المرئي وغير المرئي من القمر أيضاً دائرة.

والدائرتان تتطابقان في الاجتماع بحيث لا يظهر شيء من المستنير وتكون القطعة المظلمة مما يلي البصر وهذه الحالة هي المحاق.

وكذا في الاستقبال لكن القطعة المضيئة هي التي تلي البصر والقمر في هذه الحالة يسمى بدراً.

وفي سائر الأوضاع يتقاطعان.

أما في التربيعين فعلى زوايا قوائم تقريباً، وفي غير التربيعين على زوايا حادة ومنفرجة، وعلى التقديرين تنقسم كرة القمر بهما إلى أربع قطع: اثنتان مضيئتان وهما اللتان تليان الشمس، والباقيتان مظلمتان.

ويقع في مخروط البصر إحدى الأوليين وإحدى الأخريين، لكنه يحس بالمضيئة دون المظلمة.

والقطع الأربع في التربيعين متساويات تقريباً، وفي غيرهما تختلف المتجاورتان وتتساوى المتقابلتان.

والقطعة المرئية من المتجاورتين الواقعتين في مخروط البصر في الربعين الأول والأخير من الشهر أصغرهما، لأن زاوية تلك القطعة أصغر اللتين يليان الإبصار أعني أنها حادة وتسمى القطعة المرئية الصغيرة أول ما يبدو إلى ليلتين هلالاً ويجمع على أهلة، لأنه يتعدد اعتباراً.

وفي الربعين الباقيين من الشهر القطعة المضيئة المرئية أعظم المتجاورتين الموصوفتين لأن زاويتها أعظم المذكورتين أعني أنها منفرجة، وإنما لم يجابوا بذلك لأن المكلف لا يهمه معرفة هذه التصورات في باب العمل، وإنما الذي يعود عليه من فوائده وحكمه في باب التكليف معرفة المواقيت وهي المعالم التي يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدد نسائهم وأيام حيضهن ومدد حملهن ومعالم للحج يعرف بها وقته.

والميقات من الوقت كالميزان من الوزن، ولعمري إنه لو منع مانع من أن ضبط هذه الأمور لا يتسهل ولا يتسنى إلا بوقوع الاختلاف في تشكلات القمر حيث سمى عوده من كل تشكل إلى مثله ولا سيما من الهلالية إلى مثلها شهراً وبذلك قدر السنون، وضبطت الأوقات والفصول فلن يمكنه جحود فائدته على تقدير وجود، ولو لم يكن في الإظهار رسمة الحدوث والإمكان والزوال والنقصان في الفلكيات حتى لا يظن بها وجوب الوجود، أو الاشتراك في القدم مع مفيض الخير والجود، أو امتناع الخرق والالتئام كما ذهب إلى كل من ذلك طائفة من اللئام لكفى به تنبيهاً وعناية وإرشاداً وهداية إلى افتقار الفلكيات إلى فاعل مختار ومدبر قهار جاعل الظلم والأنوار، ومصير الأهلة والأقمار، وفي إفراد الحج بالذكر مع أن الأهلة مواقيت عبادات أخر كالصوم والزكاة إشارة إلى أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله  له، وأنه لا يجوز نقل الحج عن تلك الأشهر إلى شهر آخر كما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء.

ويمكن أن يقال: توقف الصوم على الهلال قد علم من قوله ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن  ﴾ والزكاة تتعلق بالحول.

والأصل في تقدير السنين لعودة الشمس من نقطة كأول الحمل مثلاً إلى مثلها بحركتها الخاصة، والأيمان والجهاد لا يتعلقان بوقت معين، والصلاة تتعلق باليوم بليلته، فلم يبق من الأركان المتعلقة بالشهر سوى الحج فتعين ذكره في هذه الآية والله أعلم.

قوله  عز من قائل ﴿ وليس البر بأن تأتوا البيوت ﴾ عن البراء قال: نزلت هذه الآية فينا.

كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤا لم يدخلوا من قبل أبواب البيوت فجاء رجل من الأنصارفدخل من قبل بابه فكأنه عُير بذلك فنزلت وفي رواية كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره فأنزل الله الآية.

والحاصل أن ناساً من الأنصار كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطاً ولا داراً ولا فسطاطاً من باب فإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء.

فقيل لهم: ليس البر بتحرجكم من دخول الباب تشديداً لأمر الإحرام ﴿ ولكن البر من اتقى ﴾ ولكن ذا البر من اتقى مخالفة الله.

وقيل: إن الحمس وهم قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم وبنو عامر مبن صعصعة سموا حمساً لتشددهم في دينهم والحماسة الشدة.

كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا بيوتهم ألبتة، ولم يجلسوا تحت سقف البيت، ولم يستظلوا الوبر، ولم يأكلوا السمن والأقط.

وعن الحسن والأصم: كان الرجل في الجاهلية إذا هم فتعسر عليه مطلوبه لم يدخل بيته من بابه بل يِأتيه من خلفه، ويبقى على هذه الحالة حولاً كاملاً فنهاهم الله  عن ذلك لأنهم كانوا يفعلونه تطيراً.

وأما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله بناء على الأسباب المروية في نزوله وعليه أكثر المفسرين، فهو أنهم لما سألوا عن الحكمة في اختلاف حال الأهلة قيل لهم: اتركوا السؤال عن هذا الأمر الذي لا يعنيكم وارجعوا إلى ما البحث عنه أهم، ولا تعتقدوا أن جميع ما سنح لكم هو على شاكلة الصواب: وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم تحسبونها براً وليست من البر في شيء، أو أنه  لما ذكر الحكمة في الأهلة وهي جعلها مواقيت الناس والحج وكان هذا الأمر من الأشياء التي اعتبروها في الحج، فلا جرم تكلم الله تعالى فيه استطراداً، أو اتفق وقوع القصتين في وقت واحد فنزلت الآية فيهما معاً في وقت واحد.

وقيل: إنه تمثيل لتعكيسهم في سؤالهم، فإن الطريق المستقيم هو الاستدلال بالمعلوم على المظنون، فأما أن يستدل بالمظنون على المعلوم فذاك عكس الواجب، ولما ثبت بالدلائل أن للعالم صانعاً مختاراً حكيماً، وثبت أن الحكيم لا يفعل إلا الصواب البريء عن العبث والسفه، فإذا رأينا اختلاف حال القمر وجب أن نعلم أن فيه حكمة ومصلحة، وهذا استدلال بالمعلوم على المجهول.

فأما أن يستدل بعدم علمنا بما فيه من الحكمة على أن فاعله غير حكيم فهو استدلال بالمجهول على المعلوم، فكأنه  يقول: لما لم تعلموا حكمته في اختلاف نور القمر صرتم شاكين في حكمة الخالق أو قاربتم الشك، فقد أتيتم الأمر من ورائه وهذا ليس من البر ولا من كمال العقل، إنما البر أن تأتوا الأمور من وجوهها التي يجب أن تؤتى منها، وهذا باب مشهور في الكناية قال الأعشى: وكأس شربت على رغبة *** وأخرى تداويت منها بها لكي يعلم الناس أني أمرؤ *** أتيت المعيشة من بابها وعن أبي مسلم: أن هذا إشارة إلى ما كانوا يفعلونه من النسيء وكان يقع الحج في غير وقته، فذكر إتيان البيوت من ظهورها مثلاً لمخالفتهم الواجب في الحج وشهوره.

ثم إنه  أمرهم بالتقوى التي تتضمن الإتيان بجميع الواجبات والاجتناب عن الفواحش والمنكرات إرادة أن يظفروا بالمطالب الدينية والدنيوية والله ولي التوفيق.

التأويل: ﴿ بالباطل ﴾ أي بهوى النفس والحرص والإسراف ﴿ وتدلوا بها إلى الحكام ﴾ يعني النفوس الأمارة بالسوء ﴿ من أموال الناس ﴾ من الأموال التي خلقت للاستعانة بها على العبودية.

الأهلة للزاهدين مواقيت أورادهم وللصديقين مواقيت مراقباتهم.

والحج إشارة إلى ما يرد بحكم الوقت عليهم من غير اختيارهم، فمن كان وقته الصحو كان قيامه بالشريعة، ومن كان وقته المحو فالغالب عليه أحكام الحقيقة، فإن تجلى لهم بوصف الجلال طاشوا، وإن تجلى لهم بوصف الجمال عاشوا، فليس للمحبين وقت إلا أوقات محبوبهم كما ليس لهم وصف إلا أوصاف محبوبهم والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَقَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ١٩٠ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَـٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ ١٩١ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٩٢ وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٩٣ ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌۭ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا۟ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ١٩٤ وَأَنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ١٩٥

القراءات: ﴿ ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم ﴾ حمزة وعلي وخلف.

الباقون: من باب المفاعلة.

وقيل: إنه من جملة ما يكتب في المصحف بغير ألف كالرحمن.

الوقوف: ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ من القتل ﴾ ج للعارض بين الجملتين المتفقتين ﴿ فيه ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ فاقتلوهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الدين لله ﴾ ط لتبدل الحكم ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ قصاص ﴾ ط لأن الاعتداء خارج عن أصل الموجب وفرعه ﴿ ما اعتدى عليكم ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ التهلكة ﴾ ج لاختلاف المعنى أي لا تقتحموا في الحرب فوق ما يطاق ﴿ وأحسنوا ﴾ ج لاحتمال تقدير الفاء واللام ﴿ المحسنين ﴾ ه.

التفسير: لما أمر في الآية المتقدمة بالتقوى، أمر في هذه الآية بأشق أقسامها على النفس وهو المقاتلة في سبيل الله.

عن أبي موسى أن النبي  سئل عمن يقاتل في سبيل الله فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ولا يقاتل رياء ولا سمعة" ﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ الذين يناجزونكم القتال دون المحاجزين أعني الذين هم بصدد القتال بالفعل دون التاركين.

قيل: وعلى هذا يكون منسوخاً بقوله: ﴿ وقاتلوا المشركين كافة  ﴾ ومنع بأن الأمر بقتال من يقاتل لا يدل على المنع من قتال من لا يقاتل.

وكذا ما روي عن الربيع بن أنس: هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فكان رسول الله  يقاتل من قاتل ويكف عمن كف.

أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ والصبيان والرهبان والنساء أي المستعدين للقتال سوى من جنح للسلم، أو الكفرة كلهم لأنهم جميعاً مضادون للمسلمين قاصدون لمقاتلتهم مستحلون لها فهم في حكم المقاتلة قاتلوا أو لم يقاتلوا.

وقيل في سبب نزول الآية إنه  خرج مع أصحابه لإرادة الحج، فلما نزل بالحديبية وهو موضع كثير الشجر والماء صدهم المشركون عن دخول البيت فأقام شهراً لا يقدر على ذلك، فصالحوه على أن يرجع ذلك العام ويعود إليهم في العام القابل ويتركوا له مكة ثلاثة أيام حتى يطوف وينحر الهدى ويفعل ما يشاء، فرضي  بذلك وصالحهم عليه وعاد إلى المدينة.

وتجهز في السنة القابلة ثم خاف أصحابه من قريش أن لا يفوا بالوعد ويصدوهم عن المسجد الحرام وأن يقاتلوهم.

وكانوا كارهين لقتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم.

فأنزل الله هذه الآيات وبيّن له كيفية المقاتلة إن احتاجوا إليها فقال: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا ﴾ بابتداء القتال.

وإنما كان ذلك في أول الأمر لقلة المسلمين ولكون الصلاح في استعمال الرفق واللين، فلما قوي الإسلام وكثر الجمع وأقام من أقام منهم على الشرك بعد ظهور المعجزات وتكررها عليهم حصل اليأس من إسلامهم، فأمروا بالقتال على الإطلاق.

أو لا تعتدوا بقتال من نهيتم عن قتاله من غير المستعدين كالنساء والشيوخ والصبيان والذين بينكم وبينهم عهد، أو بالمثلة، أو المفاجأة من غير دعوة إلى الإسلام.

وهذه المعاني الثلاثة بإزاء التفاسير الثلاثة في ﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ .

﴿ إن الله لا يحب المعتدين ﴾ المتجاوزين عما شرع الله لهم.

في الصحاح: ثقفته أي صادفته.

وفي الكشاف، الثقف وجود على وجه الأخذ والغلبة، ومنه رجل ثقف أي سريع الأخذ لأقرانه قال: فـإمـا تثقفـونـي فـاقتلـونـي *** فمـن أثقـف فليـس إلـى خلـود أمر في الآية الأولى بالجهاد بشرط إقدام الكفار على القتال، وفي هذه الآية زاد في التكليف فأمر بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا.

واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام، وسمي حراماً لأنه ممنوع أن يفعل فيه ما منع من فعله وأصل الحرمة المنع ﴿ من حيث أخرجوكم ﴾ أي من الموضع الذي أخرجوكم وهو مكة، وقد فعل رسول الله  بمن لم يسلم منهم يوم الفتح.

أو أخرجوهم من منازلهم كما أخرجوكم من منازلكم، وقد أجلى رسول الله  المشركين من المدينة بل قال: " لا يجمع دينان في جزيرة العرب" والمراد بالإخراج تكليفهم الخروج قهراً أو تخويفهم وتشديد الأمر عليهم حتى اضطروا إلى الخروج ﴿ والفتنة ﴾ عن ابن عباس أنها الكفر بالله لأنه فساد في الأرض يؤدي إلى الظلم والهرج وفيه الفتنة.

وأيضاً الكفر ذنب يستحق العقاب الدائم بالاتفاق والقتل ليس كذلك والكفر يخرج به صاحبه عن الأمة دون القتل.

روي أن صحابياً قتل رجلاً من الكفار في الشهر الحرام فعابه المؤمنون على ذلك فنزلت.

أن لا تستعظموا الإقدام على القتل في الشهر الحرام، فإن إقدام الكفار على الكفر في الشهر الحرام أعظم من ذلك.

وقيل الفتنة أصلها عرض الذهب على النار للخلاص من الغش، ثم صار اسماً لكل محنة.

والمعنى إن إقدام الكفار على تخويف المؤمنين وعلى تشديد الأمر عليهم حتى صاروا ملجئين إلى ترك الأهل والأوطان هرباً من إضلالهم في الدين وإبقاء على مهجهم وحرمهم، أشد من القتل الذي أوجبته عليكم جزاء عن تلك الفتنة لأنه يقتضي التخلص، من غموم الدنيا وآفاتها.

لقتل بحد السيف أهون موقعاً *** على النفس من قتل بحد فراق وقيل: الفتنة العذاب الدائم الذي يلزمهم بسبب كفرهم، فكأنه قيل: اقتلوهم حيث ثقفتموهم، واعلموا أن وراء ذلك من عذاب الله ما هو أشد منه قال عز من قائل: ﴿ يوم هم على النار يفتنون  ﴾ وقيل: فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام لأنه سعي في المنع عن الطاعة التي ما خلق الجن والإنس إلا لها، أشد من قتلكم إياهم في الحرم.

وقيل: ارتداد المؤمن أشد من أن يقتل محقاً.

فالمعنى وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ولو أتى ذلك على أنفسكم فإنكم إن قتلتم وأنتم على الحق كان ذلك أولى بكم من أن ترتدوا على أدباركم أو تتكاسلوا عن طاعة معبودكم.

يروى أن الأعمش قال لحمزة: أرأيت قراءتك إذا صار الرجل مقتولاً فبعد ذلك كيف يصير قاتلاً لغيره؟

فقال حمزة: إن العرب إذا قتل منهم رجل قالوا قتلنا، وإذا ضرب منهم واحد قالوا ضربنا، وذلك أن وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم.

﴿ فإن انتهوا ﴾ قيل: أي عن القتال لأن المقصود من الإذن في القتال منع المقاتلة عن ابن عباس.

وقيل: أي عن الشرك بدليل قوله: ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ الدال على أنه يغفر لهم ويرحهم والكافر لا ينال غفران الله ورحمته بترك القتال بل بترك الكفر، عن الحسن.

قلت: إن أريد بالقتال استحلالهم قتل المسلمين تلازم القولان، والانتهاء عن الكفر ظاهره التلفظ بكلمة الإسلام وأنه مؤثر في حقن الدم وعصمة المال، وباطنه هو التشبث بأركان الإسلام جميعاً ويؤثر في استحقاق الرحمة والغفران.

وقد يستدل بقوله: ﴿ والفتنة أشد من القتل ﴾ على أن التوبة عن قتل العمد بل من كل ذنب.

مقبولة لأن الشرك أعظم الذنوب، فإذا قبل الله  توبة الكافر فقبول توبة القاتل أولى.

وأيضاً الكافر القاتل مقبول التوبة بالاتفاق إذا أسلم، فالقاتل غير الكافر أولى.

ويمكن أن يجاب بأن حق الله  مبني على المساهلة فظهر الفرق.

وأيضاً الإيمان يجب ما قبله، فلا يلزم من عدم مؤاخذة الكافر بقتله إذا أسلم أن لا يؤاخذ المسلم بقتله، ولهذا يجب قضاء الصلوات الفائتة على المسلم إذا تاب عن ترك الصلاة، ولا يجب على الكافر إذا أسلم.

قوله  : ﴿ وقاتلوهم ﴾ وقيل: إنه ناسخ لقوله: ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ﴾ وهو وهم لأن البداءة بالمقاتلة عند المسجد الحرام نفت حرمته.

غاية ما في الباب أن هذه الآية عامة وما قبلها مخصصة إياها وهذا جائز، فإن القرآن ليس على ترتيب النزول، ولو كان على الترتيب أيضاً فلا يضرنا لجواز نزول الخاص قبل العام عندنا وذلك أن الخاص قاطع في دلالته تقدم أو تأخر، والعام دلالته على ما يدل عليه الخاص غير مقطوع بها فلا بد من التخصيص جمعاً بينهما ﴿ حتى لا تكون فتنة ﴾ قيل: أي شرك وكفر.

وعلى هذا فالآية محمولة على الأغلب.

فإن قتالهم لا يزيل الكفر رأساً، وإنما الغالب الإزالة لأن من قتل منهم فقد زال كفره ومن لم يقتل كان خائفاً من الثبات على كفره.

والحاصل قاتلوهم حتى تكون كلمة الله هي العليا وهو المراد أيضاً من قوله: ﴿ ويكون الدين لله ﴾ أي ليس للشيطان فيه نصيب لوضوح شأنه وسطوع برهانه كما قال  : ﴿ ليظهره على الدين كله  ﴾ ولا يعبأ بالمخالف لقلة شوكته وسقوطه عن درجة الاعتداد به، أو محمولة على قصد إزالة الكفر فترتب هذا العزم على القتال كلي لا يتخلف عنه.

وقيل: فتنتهم أنهم كانوا يضربون أصحاب النبي  ويؤذونهم حتى ذهب بعضهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة، أي قاتلوهم حتى تظهروا عليهم ولا يفتنوكم عن دينكم.

وعن أبي مسلم: معناه قاتلوهم حتى لا يكون منهم القتال الذي إذا بدأوا به كان فتنة على المؤمنين لما يخافون عنده من أنواع المضار.

ولا يخفى أن قوله: ﴿ ويكون الدين لله ﴾ يرجح القول الأول ليكون المعنى: وقاتلوهم حتى يزول الكفر ويظهر الإسلام ﴿ فإن انتهوا ﴾ عن الأمر الذي وجب قتالهم لأجله وهو إما الكفر أو القتال ﴿ فلا عدوان إلاّ على الظالمين ﴾ أي فلا تعدوا على المنتهين فيكون مجموع قوله ﴿ إلاّ على الظالمين ﴾ قائماً مقام على المنتهين.

لأن مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، فنهوا عنه بدليل انحصاره في غير المنتهين.

أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين.

وعلى الوجهين سمي جزاء الظلم ظلماً للمشاكلة كما يجيء في قوله  : ﴿ فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ أو أريد إنكم إن تعرضتم لهم بعد الانتهاء كنتم ظالمين فيتسلط عليكم من يعدو عليكم.

قاتلهم المشركون عام الحديبية في الشهر الحرام وهو ذو القعدة سنة ست من الهجرة وصدّوهم عن البيت.

فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتهم القتال وذاك في ذي القعدة سنة سبع ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام ﴾ أي هذا الشهر بذاك الشهر، وهتكه بهتكه.

فلما لم تمنعكم حرمته عن الكفر والأفعال القبيحة فكيف تمنعنا عن القتال معكم دفعاً لشروركم وإصلاحاً لفسادكم؟

والحرمة ما لا يحل انتهاكه، والقصاص المساواة أي وكل حرمة يجري فيها القصاص من هتك حرمة أيّ حرمة كانت، اقتص منه بأن يهتك له حرمة.

والحرمات الشهر الحرام والبيت الحرام والإحرام، فلما أضاعوا هذه الحرمات في سنة ست فقد وفقتكم حتى قضيتموها على رغمهم في سنة سبع، وإن أقدموا على مقاتلتكم فقد أذنت لكم في قتالهم فافعلوا بهم مثل ما فعلوا ولا تبالوا.

ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله ﴾ حين تنتصرون ممن اعتدى عليكم حتى لا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ بالنصر والتأييد والتقوية والتسديد، فإن الاستصحاب بالعلم أو بالمكان إن جاز شامل للمتقين وغيرهم.

قوله عز من قائل ﴿ وأنفقوا ﴾ وجه اتصاله بما قبله أنه  لما أمر بالقتال وأنه يفتقر إلى العدد والعدد قد يكون ذو المال عاجزاً عن القتال، وقد يكون القوي على القتال عديم المال فلهذا أمر الله الأغنياء بالإنفاق في سبيله إعداداً للرجال وتجهيزاً للأبطال ويروى أنه لما نزل ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام ﴾ قال رجل من الحاضرين: والله يا رسول الله ما لنا زاد وليس أحد يطعمنا.

فأمر  أن ينفقوا في سبيل الله وأن يتصدقوا وأن لا يكفوا أيديهم عن الصدقة ولو بشق تمرة ولو بمشقص يحمل في سبيل الله فيهلكوا فنزلت هذه الآية على وفق قول الرسول  .

والإنفاق صرف المال في وجوه المصالح.

فلا يقال للمضيع: إنه منفق وإنما يقال: مبذر.

وسبيل الله دينه فيشمل الإنفاق فيه الإنفاق في الحج والعمرة والجهاد والتجهيز والإنفاق في صلة الرحم وفي الصدقات أو على العيال أو في الزكاة والكفارات أو في عمارة بقاع الخير وغير ذلك.

الأقرب في هذه الآية.

وقد تقدم ذكر القتال.

أن يراد به الإنفاق في الجهاد، ولكنه  عبر عنه بقوله ﴿ في سبيل الله ﴾ ليكون كالتنبيه على السبب في وجوب هذا الإنفاق.

فالمال مال الله فيجب إنفاقه في سبيل الله، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز نفسه ونشط وهان عليه ما دعي إليه.

والباء في ﴿ بأيديكم ﴾ مزيدة مثلها في "أعطى بيده للمنقاد" والمعنى: ولا تقبضوا التهلكة أيديكم أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم.

وقيل: الأيدي الأنفس كقوله: ﴿ فبما كسبت أيديكم  ﴾ ﴿ بما قدمت يداك  ﴾ أي لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة.

وقيل: بل ههنا حذف أي لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة كما يقال "أهلك فلان نفسه بيده" إذا تسبب لهلاكها.

عن أبي عبيدة والزجاج: إن التهلكة والهلاك والهلك واحد.

لم يوجد مصدر على تفعلة بضم العين سوى هذا، إلا ما حكاه سيبويه من قولهم "التضرة" "والتسرة" ونحوها في الأعيان "التنضبة" لشجر و "التتفلة" لولد الثعلب.

ويجوز أن يقال: أصلها التهلكة بالكسر كالتجربة والتبصرة على أنها مصدر من هلك مشدد العين، فأبدلت من الكسرة ضمة كما جاء الجوار في الجوار.

وليس الغرض من هذا التكلف على ما ظن تصحيح لفظ القرآن كيلا تنخرم فصاحته فإنه أجل من أن يحتاج في تصحيحه إلى الاستشهاد بكلام الفصحاء من البشر، وكيف لا وهو حجة على غيره وليس لغيره أن يكون حجة عليه.

وإنما الغرض الضبط والتسهيل ما أمكن فتنبه.

وللمفسرين في هذا الإلقاء خلاف فمنهم من قال إنه راجع إلى الإنفاق.

وروى البخاري في صحيحه عن حذيفة قال: نزلت هذه الآية في النفقة.

وذلك أن لا ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم فيستولي العدو عليهم ويهلكهم، أو ينفقوا كل مالهم فيحتاجوا ويجتاحوا فيكون نهياً عن التقتير والإسراف وعنهما جميعاً ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً  ﴾ أو المعنى: أنفقوا في سبيل الله ولا تقولوا إن أنفقنا نهلك ذلاً وفقراً.

نهوا عن أن يحكموا على أنفسهم بالهلاك للإنفاق، أو أنفقوا ولا تلقوا ذلك الإنفاق في التهلكة والإحباط منا أو أذى أو رياء وسمعة مثل ﴿ ولا تبطلوا أعمالكم  ﴾ ومنهم من قال: إنه راجع إلى غير الإنفاق أي لا تخلوا بالجهاد فتتعرضوا للهلاك الذي هو سخط الله وعذاب النار، أو لا تقحموا في الحرب حيث لا ترجون النفع ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم فإن ذلك لا يحل كما روي عن البراء بن عازب أنه قال في هذه الآية: هو الرجل يستقتل بين الصفين.

وإنما يجب أن يتقحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل.

" روى الشافعي أن رسول الله  ذكر الجنة فقال له رجل من الأنصار: أرأيت يا رسول الله إن قُتلتُ صابراً محتسباً؟

قال: لك الجنة" .

فانغمس في جماعة العدو فقتلوه.

وأن رجلاً من الأنصار ألقى درعاً كان عليه حين ذكر النبي  الجنة.

ثم انغمس في العدو فقتلوه بين يدي الرسول.

وروي أن رجلاً من الأنصار تخلف من أصحاب بئر معونة فرأى الطير عكوفاً على من قتل من أصحابه.

فقال لبعض من معه: سأتقدم إلى العدو فيقتلونني ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي ففعل ذلك.

فذكروا للنبي  فقال فيه قولاً حسناً.

وروى أسلم أبو عمران قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا لنا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة!

فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: أيها الناس، إنكم تؤوّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار.

لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سراً دون النبي  : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه.

فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها.

فأنزل الله  على نبيه يرد علينا ما قلنا، فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم.

وقيل: إن الآية من تمام ما قبلها أي إن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم فإن الحرمات قصاص، ولا تحملنكم حرمة الشهر على أن تستسلموا لمن قاتلكم فتهلكوا بترككم القتال.

وعن النعمان بن بشير: كان الرجل يذنب فيقول: لا يغفر لي فأنزل الله  هذه الآية.

وذلك أنه يرى أنه لا ينفعه معه عمل فيترك العبودية ويصر على الذنب فنهى عن القنوط من رحمة الله ﴿ وأحسنوا ﴾ في الإنفاق بأن يكون مقروناً بطلاقة الوجه أو على قضية العدالة بين التقتير والإسراف أو في فرائض الله عن الحسن ﴿ إن الله يحب المحسنين ﴾ إذ الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

وهذا مقام القرب، والقرب يقتضي الإرادة الذاتية وهذا رمز والله ولي كل خير.

التأويل: ﴿ وقاتلوا ﴾ من يمنعكم عن السير في سبيل الله أو أراد أن يقطع عليكم طريقة من شياطين الإنس والجن حتى نفوسكم التي هي أعدى عدوكم ﴿ ولا تعتدوا ﴾ لا تتجاوزوا عن حد الشرع فتجاهدوا بالطبع، ولكن كونوا ثابتين على قدم الاستقامة بقدر الاستطاعة من غير إفراط وتفريط، ﴿ واقتلوا ﴾ كفار النفس بسيف الرياضة حيث ظفرتم بهم، ومجاهدتها مخالفة هواها.

﴿ وأخرجوهم ﴾ من صفات النفس ﴿ كما أخرجوكم ﴾ من جمعية القلب وحضوره ﴿ والفتنة ﴾ أي المحنة التي ترد على القلب من طوارق صفات النفس الحاجبة عن الله ﴿ أشد من ﴾ قتل النفس بمخالفة هواها ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ﴾ لا تلتفتوا إلى النفس وصفاتها إذا كنتم آمنين مطمئنين في مقامات القلب والروح حتى يزاحموكم في الحضور وداعية الهوى؛ فإن نازعوكم في الجمعية والحضور ﴿ فاقتلوهم ﴾ بسيف الصدق واقطعوا مادة تلك الدواعي عن نفوسكم بكل ما أمكن لئلا يبقى لكم علاقة تصدكم عن الله ﴿ فإن انتهوا ﴾ بأن قنعت بما لا بد لها فلا تغلوا في مجاهدتها.

﴿ الشهر الحرام ﴾ أي ما يفوتكم من الأوقات والأوراد بتواني النفس ونزاعها وغلبات صفاتها فتداركوه الشهر بالشهر واليوم باليوم ﴿ فمن اعتدى ﴾ فكل صفة غلبت واستولت فعالجوها بضدها البخل بالسخاء، والغضب بالحلم، والحرص بالزهد، والشهوة بالعفة، ﴿ واتقوا الله ﴾ في الإفراط والتفريط ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ بالتفريط في الحقوق والإفراط في الحظوظ أو بموافقة النفوس ومخالفة النصوص، أو بالركوب إلى الفتور بالحسبان والغرور والله المستعان على ما يصفون.

<div class="verse-tafsir"

وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا۟ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُۥ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِۦٓ أَذًۭى مِّن رَّأْسِهِۦ فَفِدْيَةٌۭ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍۢ ۚ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍۢ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌۭ كَامِلَةٌۭ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُۥ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ١٩٦

القراءات: ﴿ من رأسه ﴾ وكذلك "البأس" و "الكأس" كلها بغير همزة أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ لله ﴾ ط لأن عارض الإحصار خارج عن موجب الأصل ﴿ من الهدى ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ محله ﴾ ط لابتداء حكم كفارة الضرورة ﴿ أو نسك ﴾ ج لأن "إذا" للشرط مع الفاء وجوابه محذوف أي فإذا أمنتم من خوف العدو وضعف المرض فامضوا.

أمنتم وقف لحق الحذف ولابتداء الشرط في حكم آخر وهو التمتع ﴿ من الهدى ﴾ ج ﴿ رجعتم ﴾ ط ﴿ كاملة ﴾ ط ﴿ الحرام ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه.

التفسير: الحج في اللغة القصد كما مر في قوله ﴿ فمن حج البيت أو اعتمر  ﴾ وفي الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة.

وهي على ثلاثة أقسام: أركان وأبعاض وهيئات.

لأن كل عمل يفرض فيه فإما أن يتوقف التحلل عليه وهو الركن، أو لا يتوقف.

فإما أن يجبر بالدم وهو البعض، أو لا يجبر وهو الهيئة.

والأركان عند الشافعي خمسة: الإحرام والوقوف بعرفة والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة وحلق الرأس أو تقصيره.

وخالف أبو حنيفة في السعي، ولا مدخل للجبران في الأركان.

وأما الأبعاض أعني الواجبات المجبورة بالدم، فالإحرام من الميقات والرمي وفاقاً وفي الوقوف بعرفة إلى أن تغرب الشمس وفي المبيت بمزدلفة والمبيت بمنى، وفي طواف الوداع خلاف.

وأما الهيئات فالاغتسال وطواف القدوم والرمي والاضطباع في الطواف وفي السعي واستلام الركن وتقبيله والسعي في موضع السعي والمشي في موضع المشي والخطب والأذكار والأدعية إلى غير ذلك.

وبالجملة ما سوى الأركان والأبعاض ولا دم في تركها.

وأما في العمرة فما سوى الوقوف من أركان الحج أركان فيها.

ثم إن قوله عز من قائل: ﴿ وأتموا ﴾ أمر بالإتمام.

وهل هذا الأمر مطلق أو مشروط؟

فالشافعي على أنه مطلق والمعنى: افعلوا الحج والعمرة على نعت التمام والكمال.

وأبو حنيفة على أنه مشروط والمعنى: من شرح فيه فليتمه كما إذا كبر بالصلاة تطوعاً لزمه الإتمام.

وفائدة الخلاف تظهر في العمرة فإنها تصير واجبة على المعنى الأول دون الثاني.

حجة الشافعي أن الإتمام قد يراد به فعل الشيء تاماً كاملاً كقوله ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن  ﴾ أي أدّاهن على التمام والكمال.

وقوله ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل  ﴾ أي افعلوا الصيام تاماً إلى الليل وهذا أولى من تقدير أنكم إذا شرعتم فيه فأتموه، لأن الأصل عدم إضمار هذا الشرط، ولأن المفسرين أجمعوا على أن هذه أول آية نزلت في الحج، فحملها على الإيجاب ليكون تأسيساً أولى من حملها على الإتمام بشرط الشروع، فإنها تكون حينئذ تبعاً، ولأنه قرئ ﴿ وأقيموا الحج والعمرة ﴾ والشاذ يصلح للترجيح وإن لم يصلح للقطع كخبر الواحد، ولأن الوجوب المطلق يستلزم الإتمام، والإتمام بشرط الشروع لا يستلزم أصل الوجوب.

فتأويلنا أكثر فائدة، فيكون أولى.

وأيضاً أنه أحوط.

واعتمر النبي  قبل الحج، ولو لم تكن العمرة واجبة لكان الأشبه أن يبادر إلى الحج الذي هو واجب.

وقال  ﴿ يوم الحج الأكبر  ﴾ وفيه دليل على وجود حج أصغر وما ذاك إلا العمرة بالاتفاق.

لكن الحج واجب على الإطلاق لقوله ﴿ ولله على الناس حج البيت  ﴾ فيدخل فيه الأكبر والأصغر.

حجة أبي حنيفة قصة " الأعرابي الذي سأل النبي  عن أركان الإسلام فعلمه الصلاة والزكاة والحج والصوم فقال الأعرابي: لا أزيد على هذا ولا أنقص.

فقال النبي  : أفلح الأعرابي إن صدق" .

وقال  : "بني الإسلام على خمس" الحديث.

ولم يذكر العمرة.

وأجيب بأن العمرة حج أصغر فتدخل في مطلق الحج قالوا: روي عن جابر "أن النبي  سئل عن العمرة أواجبة هي أم لا؟

فقال: لا، وأن تعتمر خير لك" .

وعن أبي هريرة عن النبي  "الحج جهاد والعمرة تطوع" وأجيب بأنها أخبار آحاد فلا تعارض القرآن.

وأيضاً لعل العمرة، ما كانت واجبة حينما ذكر النبي  تلك الأحاديث، ثم نزل بعدها ﴿ وأتموا الحج ﴾ وذلك في السنة السابعة من الهجرة.

وأيضاً إنها معارضة بأخبار تدل على وجوبها.

روى النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن أبي رزين أنه سأل النبي  قال: إن أبي شيخ كبير أدرك الإسلام ولا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، قال  ": "حج عن أبيك واعتمر" " أمر بهما والأمر للوجوب.

وروي عن ابن عباس أنه قال: إن العمرة لقرينة الحج، وحمله على أنهما يقترنان في الذكر تكلف.

وعن عمر أن رجلاً قال له: إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ أهللت بهما جميعاً فقال: هديت لسنة نبيك وحمله على أن الوجوب مستفاد من الإهلال بهما لا يخلو من تعسف.

قالوا: قرأ علي وابن مسعود والشعبي ﴿ والعمرة لله ﴾ بالرفع.

فكأنهم قصدوا بذلك إخراجها عن حكم الحج في الوجوب.

وأجيب بأن الشاذة لا تعارض المتواترة، وبأنها ضعيفة من حيث العربية لعطف الاسمية على الفعلية، والخبرية على الطلبية، وبأن كون العمرة عبادة لله لا ينافي وجوبها.

واعلم أن لأداء النسكين وجوهاً ثلاثة: الإفراد والتمتع والقِران فالإفراد أن يحج ثم بعد الفراغ منه يعتمر من أدنى الحل، أو يعتمر قبل أشهر الحج ثم يحج في تلك السنة.

والقِران أن يحرم بالحج والعمرة معاً في أشهر الحج بأن ينويهما بقلبه معاً، وكذلك لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم قبل الطواف أدخل الحج عليها يصير قارناً.

والتمتع هو أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده في أشهر الحج ويأتي بأعمالها، ثم يحج في هذه السنة من مكة.

سمي تمتعاً لاستمتاعه بمحظورات الإحرام بينهما بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، وأنه أيضاً يربح ميقاتاً لأنه لو أحرم بالحج من ميقات بلده لكان يحتاج بعد فراغه من الحج إلى أن يخرج إلى أدنى الحل فيحرم بالعمرة منه، وإذا تمتع استغنى عن الخروج لأنه يحرم بالحج من جوف مكة.

ولا خلاف بين أئمة الأمة في جواز هذه الوجوه، وإنما الخلاف في الأفضلية فقال الشافعي: أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القِران.

وقال في اختلاف الحديث: التمتع أفضل من الإفراد وبه قال مالك.

والإمامية قالوا: لا يجوز لغير حاضري المسجد الحرام العدول عن التمتع إلا لضرورة.

وقال أبو حنيفة، القِران أفضل ثم الإفراد ثم التمتع.

وهو قول المزني وأبي إسحاق المروزي.

وقال أبو يوسف ومحمد: القِران أفضل ثم التمتع ثم الإفراد.

حجة الشافعي في أفضلية الإفراد قوله ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ وذلك أن العطف يقتضي المغايرة وأنها تحصل عند الإفراد، فأما عند القِران فالموجود شيء واحد هو حج وعمرة معاً.

وأيضاً الأعمال عند الإفراد أكثر فيكون الثواب أكثر وذلك هو الفضل.

وما روي عن أنس أنه قال: كنت واقفاً عند جران ناقة رسول الله  وكان لعابها يسيل على كتفي فسمعته يقول: لبيك بعمرة وحجة معاً.

معارض بما روى مسلم في صحيحه عن عائشة أن النبي  أفرد بالحج، وهكذا روى جابر وابن عمر.

وقد رجح الشافعي رواية عائشة وجابر وابن عمر على رواية أنس بأنهم أعلم وأقرب إلى رسول الله  وأقدم صحبة، أن أنساً كان صغيراً في ذلك الوقت قليل العلم.

حجة القائلين بأفضلية القِران: أن في القِران مسارعة إلى النسكين، وفي الإفراد ترك المسارعة إلى أحدهما، فيكون أفضل لقوله ﴿ وسارعوا  ﴾ وأجيب بأنا لا نقول الحجة المفردة بلا عمرة أفضل من الحجة المقرونة، لكنا نقول: من أتى بالحج في وقته ثم بالعمرة في وقتها، فمجموع هذين الأمرين أفضل من الإتيان بالحجة المقرونة، واختلف في تفسير الإتمام في قوله  ﴿ وأتموا ﴾ .

فعن علي  وابن عباس وابن مسعود: أن إتمامهما أن تحرم من دويرة أهلك.

وقال أبو مسلم: المعنى أن من نوى الحج والعمرة لله وجب عليه الإتمام قال: ويدل على صحة هذا التأويل أن الآية نزلت بعد أن منع الكفار النبي  في السنة الماضية عن الحج والعمرة.

فالله  أمر رسوله في هذه الآية بأن لا يرجع حتى يتم الفرض.

ويعلم منه أن تطوع الحج والعمرة كفرضهما في وجوب الإتمام.

وقال الأصم: المراد إتمام الآداب المعتبرة فيهما وهي عسرة على ما ذكر في الإحياء الأول: في المال، فينبغي أن يبدأ بالتوبة ورد المظالم وقضاء الديون وإعداد النفقة لكل من تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع، ويرد ما عنده من الودائع ويستصحب من المال الطيب الحلال ما يكفيه لذهابه وإيابه من غير تقتير، بل على وجه يمكنه معه التوسع في الزاد والرفق بالفقراء، ويتصدق بشيء قبل خروجه ويشتري لنفسه دابة قوية على الحمل أو يكتريها.

الثاني: الإخوان والرفقاء المقيمون يودعهم ويلتمس أدعيتهم فإن الله  جعل في دعائهم خيراً.

والسنة في الوداع أن يقول: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك.

الثالث: إذا هم بالخروج صلى ركعتين يقرأ في الأولى بعد "الفاتحة"، ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ وفي الثانية "الإخلاص" وبعد الفراغ يتضرع إلى الله  بالإخلاص.

الرابع: إذا حصل على باب الدار قال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وكلما كانت الدعوات أكبر كان أولى.

الخامس: إذا ركب قال: بسم الله وبالله والله أكبر، توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون  ﴾ السادس: في النزول.

والسنة أن يكون أكثر سيره بالليل ولا ينزل حتى يحمى النهار، وإذا نزل صلى ركعتين ودعا الله كثيراً.

السابع: إن قصده عدوّ أو سبع بالليل أو بالنهار فليقرأ آية الكرسي ﴿ وشهد الله  ﴾ و "الإخلاص" و "المعوذتين" ثم يقول: تحصنت بالله العظيم واستعنت بالحي الذي لا يموت.

الثامن: مهما علا نشزاً من الأرض في الطريق يستحب أن يكبر ثلاثاً.

التاسع: أن لا يكون هذا السفر مشوباً بشيء من الأغراض العاجلة كالتجارة وغيرها.

العاشر: أن يصون لسانه عن الرفث والفسوق والجدال، ثم بعد الإتيان بهذه المقدمات يأتي بجميع أركان الحج على الوجه الأصح الأقرب إلى موافقة الكتاب والسنة، ويكون غرضه في كل هذه الأمور ابتغاء مرضاة الله  ليكون مؤتمراً لقوله  : ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ اقتداء بإبراهيم  حين ابتلي.

بكلمات فأتمهن.

وقيل: المراد من قوله: ﴿ وأتموا ﴾ أفردوا كل واحد منهما بسفره ويؤيد هذا تأويل من قال الإفراد أفضل.

وأقرب هذه الأقوال ما يرجع حاصله إلى معنى ائتوا بالحج والعمرة تأمين كاملين بمناسكهما وشرائطهما وآدابهما لوجه الله بدليل قوله ﴿ فإن أحصرتم ﴾ قال أحمد بن يحيى أصل الحصر والإحصار الحبس ومنه الحصير للملك لأنه كالمحبوس في الحجاب.

والحصير معروف سمي به لانضمام بعض أجزائه إلى بعض.

فكأن كلاً منها محبوس مع غيره، والحصير المحبس أيضاً.

والأكثرون على أن لفظ الحصر مخصوص بمنع العدو.

يقال: حصره العدو إذا منعه عن مراده وضيق عليه.

وعن أبي عبيدة وابن السكيت والزجاج وغيرهم: أن لفظ الإحصار مختص بالمرض ونحوه من خوف وعجز قال  ﴿ الذين أحصروا في سبيل الله  ﴾ وقيل: الإحصار مختص بمنع العدو.

ومنه ما يروى عن ابن عمر وابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو.

وفائدة الخلاف في الآية تظهر في مسألة فقهية وهي أنهم اتفقوا على أن حكم الإحصار عند حبس العدو ثابت.

وهل يثبت بسبب المرض وسائر الموانع؟

قال أبو حنيفة: يثبت.

وقال الشافعي ومالك وأحمد: لا يثبت، بل يصبر حتى يبرأ.

نعم لو شرط أنه إذا مرض تحلل صح الشرط لما " "روي أنه  مر بضباعة بنت الزبير فقال:أما تريدين الحج؟

فقالت: إني شاكية.

فقال: حجي واشترطي أن تحلي حيث حبست" ." وفي حكم المرض كل غرض صحيح كضلال الطريق ونفاد الزاد، حجة أبي حنيفة ظاهر كلام أكثر أهل اللغة، وما روي عن النبي  "من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل" وحجة الشافعي قول ابن عمر وابن عباس وطائفة من أهل اللغة.

وأيضاً الهمزة في ﴿ أحصر ﴾ ليس للتعدية لمساواته حصر في اقتضاء المفعول فتكون للوجود، أو لصيرورته ذا كذا فيؤوّل المعنى إلى أنكم إن وجدتم أو صرتم محصورين فلا يبقى النزاع، وأيضاً المانع إنما يتحقق عند وجود المقتضي، والمريض لا قدرة له على الفعل فلا مانع بالنسبة إليه، فثبت أن لفظ الإحصار حقيقة في العدو دون المرض.

وأيضاً لفظ المانع على المرض غير معقول لأنه عرض لا يبقى زمانين.

وأيضاً لو كان المريض داخلاً في المحصر لكان في قوله ﴿ فمن كان منكم مريضاً ﴾ نوع تكرار ولزم عطف الشيء على نفسه.

واعتذر عن هذا بأن المريض إنما خص بالذكر لأن له حكماً خاصاً وهو حلق الرأس، فصار تقدير الآية إن منعتم لمرض تحللتم بدم, وإن تأذى رأسكم بمرض حلقتم وكفَّرتم، وأيضاً فإذا أمنتم يناسب الخوف من العدو إذ يقال في المرض شفي وعوفي لا أمن.

ولو قيل: إن خصوص آخر الآية لا يقدح في عموم أولها قلنا: لا يلزم من عدم القدح وجود المناسبة.

وقيل: إنه منع المرض خاصة وهو باطل بالدلائل المذكورة وزيادة وهي أن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول الآية أن الكفار أحصروا النبي  بالحديبية.

والأئمة وإن اختلفوا في أن الآية هل تتناول غير سبب النزول أم لا، إلا أنهم اتفقوا على أن خروج ذلك السبب غير جائز.

ثم في الآية إضماران، والتقدير: فتحللتم أو أردتم التحلل فعليكم ما استيسر، أو فاهدوا ما استيسر أي ما تيسر مثل استعظم وتعظم واستكبر وتكبر.

أما الإضمار الأول فلأن نفس الإحصار لا يوجب هدياً وإنما الموجب هو التحلل أو نية التحلل.

وأما الإضمار الثاني فلأن قوله: ﴿ ما استيسر ﴾ إما مرفوع على الابتداء وخبره محذوف، أو منصوب على المفعولية وناصبه محذوف.

والهدي جمع هدية كما يقال في جدية السرج وهي شيء محشو تحت دفتي السرج جدي.

وقرئ من الهدي جمع هدية كمطية ومطيّ، وهذه لغة تميم.

ومعنى الهدي ما يهدى إلى بيت الله تقرباً إليه بمنزلة الهدية.

عن علي وابن عباس والحسن وقتادة  م: أعلاها بدنة وأوسطها بقرة وأدونها شاة فعليه ما تيسر له من هذه الأجناس، والمحصر المحرم إذا أراد التحلل وذبح، وجب أن ينوي التحلل.

ألبتة قبل الذبح، وأكثر الفقهاء على أن حكم العمرة في الإحصار حكم الحج، وعن ابن سيرين: أنه لا إحصار فيها لأنها غير موقتة.

ورد بأن قوله تعالى: ﴿ فإن أحصرتم ﴾ مذكور عقيب الحج والعمرة فكان عائداً إليهما، وبأنه  تحلل بالإحصار عام الحديبية وكان معتمراً.

وما حد الإحصار؟

قالت العلماء: لو منعوا ولم يتمكنوا من المسير إلا ببذل مال فلهم أن يتحللوا ولا يبذلوا المال وإن قل إذ لا يجب احتمال الظلم في أداء الحج بل يكره البذل إن كان الطالبون كفاراً، والأكثرون على إنه لا يحب القتال على الحجيج وإن كان العدو كفاراً وكان في مقابلة كل مسلم أقل من مشركين ولو قاتلوا فلهم لبس الدروع والمغافر، لكنهم يفدون كما لو لبسوا المخيط لدفع حر أو برد، لا فرق على الأصح في جواز التحلل بين أن يمنعوا من المضي دون الرجوع أو يمنعوا من جميع الجوانب، لأنهم يستفيدون بالتحليل الأمن من العدو المواجه.

ولو صد عن طريق وهناك طريق آخر ووجدوا شرائط الاستطاعة فيه لزمهم سلوكه ولم يكن لهم التحلل في الحال، وإذا سلكوه ففاتهم الحج لحزونته أو لطوله تحلّلوا بعمل عمرة ولا يلزمهم القضاء على الأظهر من قولي الشافعي، لأنهم بذلوا مجهودهم فصاروا كالمصدودين مطلقاً، نعم لو استوى الطريقان من كل وجه وجب القضاء لأن الموجود فوات محض.

وفي قوله  : ﴿ ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله ﴾ حذف لأن الرجل لا يتحلل ببلوغ الهدي محله، بل لا يحصل التحلل إلا بالنحر.

فالتقدير: حتى يبلغ الهدي محله وينحر.

وإنما جاز تذكير الهدي لأن كل ما يفرق بين واحده وبينه بالتاء وعدمه جاز تذكيره وتأنيثه.

قال تعالى: ﴿ أعجاز نخل منقعر  ﴾ وفي موضع آخر: ﴿ أعجاز نحل خاوية  ﴾ والمحل اسم للزمان الذي يحصل فيه الحل، ومنه محل الدين لوقت وجوب قضائه أو اسم للمكان.

قال الشافعي: يجوز إراقة دم الإحصار في الحرم بل حيث حبس.

وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك إلا في الحرم يبعث به ويجعل للمبعوث على يده يوم أمار.

حجة الشافعي أنه  أحصر بالحديبية فنحر هناك.

وأجيب بأن محصره طرف الحديبية الذي هو أسفل مكة وهو من الحرم.

وعن الزهري: أن النبي  نحر هدية في الحرم وقال الواقدي: الحديبية هي طرف الحرم على تسعة أميال من مكة.

ورد بقوله تعالى ﴿ هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله  ﴾ فإن هذه الآية صريحة في أنهم نحروا الهدي في غير الحرم.

وأيضاً قوله ﴿ فإن أحصرتم ﴾ يتناول كل من كان محصراً سواء كان في الحل أو في الحرم.

وقوله: ﴿ فما استيسر ﴾ يدل على وجوب النحر فيجب أن يكون المحصر قادراً على إراقة الدم حيث أحصر.

وأيضاً التحلل موقوف على النحر فلو توقف النحر على وصوله إلى الحرم لم يحصل التحلل في الحال وهذا يناقض ما هو المقصود من شرع الحكم وهو تخليص النفس من العدو في الحال.

وأيضاً لو كان الموصل إلى الحرم هو المحصر فكيف يؤمر بهذا الفعل مع قيام الخوف؟

وإن كان غيره فقد لا يجد ذلك الغير فماذا يفعل؟

حجة أبي حنيفة أن المحل عبارة عن مكان الحل.

وقوله ﴿ حتى يبلغ الهدي محله ﴾ يدل على أنه غير بالغ في الحال إلى ذلك المكان.

وأيضاً هب أن لفظ المحل يشمل الزمان والمكان إلا أن قوله تعالى: ﴿ ثم محلها إلى البيت العتيق  ﴾ وقوله ﴿ هدياً بالغ الكعبة  ﴾ يزيل احتمال الزمان والبيت نفسه لا يراق فيه الدماء، فتعين أن يكون هو الحرم، وأجيب بأن كل ما وجب على المحرم في ماله من فدية وجزاء وهدي لا يجزئ إلا في الحرم لمساكين أهله إلا إذا عطب الهدي فيذبح في طريقه ويخلى بينه وبين المساكين، وإلا إذا أحصر فإنه ينحر هديه حيث حبس بالدلائل المذكورة.

قالوا: الهدية لا تكون هدية إلا إذا بعثها إلى دال المهدي إليه، فالهدي كذلك.

وردّ بأن هذا تمسك بالاسم وهو محمول على الأفضل عند القدرة.

والمحصر إذا كان عادماً للهدي فهل له بدل ينتقل إليه؟

للشافعي فيه قولان: أحدهما لا بدل له ويكون الهدي في ذمته أبداً وبه قال أبو حنيفة لأنه تعالى أوجب له الهدي وما أثبت له بدلاً، وعلى هذا فماذا يفعل؟

فيه قولان: أصحهما أنه يتحلل في الحال كما لو صام بدله كيلا تعظم المشقة، والآخر وإليه ميل أبي حنيفة أنه يقيم على إحرامه حتى يجده.

والقول الثاني أن له بدلاً وهذا أصح وبه قال أحمد قياساً على سائر الدماء الواجبة على المحرم، وعلى هذا فما ذلك البدل؟

الأصح الطعام لأن قيمة الهدي أقرب إليه من الصيام، وإذا لم يرد النص إلا بالهدي فالرجوع إلى الأقرب أولى.

ثم الصيام عن كل مدٍّ يوماً.

وفي قول صوم المتمتع عشرة أيام.

وقيل: صوم الأذى ثلاثة أيام.

وبالجملة فالآية دلت على أن المحصرين لا ينبغي لهم أن يحلوا فيحلقوا رؤوسهم إلا بعد تقديم ما استيسر من الهدي كما أنه أمرهم أن لا يناجوا الرسول إلا بعد تقديم الصدقة ومعنى ﴿ حتى يبلغ الهدي محله ﴾ حتى تنحروا هديكم حيث حبستم، أو حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن ينحر فيه أي الحرم.

ولكن الأفضل في الحج منى وفي العمرة المروة.

ولا بد من نية التحلل عند الذبح لأن الذبح قد يكون للتحلل وقد يكون لغيره، فلا بد من قصد صارف فإن كان مصدوداً عن البيت دون أطراف الحرم فهل له أن يذبح في الحل؟

أصح الوجهين عند الشافعي أن له ذلك، وإذا أحصر فتحلل نظر إن كان نسكه تطوعاً فلا قضاء عليه وبه قال مالك وأحمد لأن المصدودين مع النبي  كانوا ألفاً وأربعمائة، والذين اعتمروا معه في عمرة القضاء كانوا نفراً يسيراً ولم يأمر الباقين بالقضاء، وقال أبو حنيفة: عليه القضاء.

وإن لم يكن نسكه تطوعاً نظر إن لم يكن مستقراً عليه كحجة الإسلام فيما بعد السنة الأولى من سني الإمكان وكالنذر والقضاء فهو باقٍ في ذمته كما لو شرع في صلاة ولم يتمها تبقى في ذمته، ومهما أحصر بمرض ونحوه.

وقد صححناه بالآية فحكم الهدي ما مر في الإحصار بالعدوّ وإن صححناه بأن كان قد شرط التحلل به إذا مرض فهل يلزمه الهدي للتحلل؟

فإن كان قد شرط التحلل بالهدي فنعم، وإن كان قد شرط التحلل بلا هدي فلا وكذا إن أطلق على الأظهر لمكان الشرط.

قوله عز من قائل: ﴿ فمن كان منكم مريضاً ﴾ قيل: إنه مختص بالمحصر.

وذلك أنه قبل بلوغ الهدي محله ربما لحقه مرض أو أذى في رأسه إن صبر فالله  أذن له في إزالة ذلك المؤذي بشرط بذل الفدية.

والأكثرون على أنه كلام مستأنف في كل محرم لحقه مرض في بدنه فاحتاج إلى علاج أو أذى في رأسه فاضطر إلى الحلق.

والنسك العبادة وقرئ بالتخفيف، وقيل: جمع نسيكة وهي الذبيحة.

قال ابن الأعرابي: النسك سبائك الفضة، كل سبيكة منها نسيكة، ثم قيل: للمتعبد "ناسك" لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث.

ثم قيل للذبيحة نسك لأنها من أشرف العبادات التي يتقرب بها إلى الله، واتفقوا في النسك على أن أقله شاة كما في الأضاحي، وأما الصيام والإطعام فليس في الآية ما يدل على كميتهما وكيفيتهما وبماذا يحصل بيانه؟

فيه قولان: أحدهما وعليه أكثر الفقهاء.

ومنهم الشافعي وأبو حنيفة أن بيانه في حديث "كعب بن عجرة قال: حملت إلى رسول الله  والقمل يتناثر على وجهي فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا أما تجد شاة؟

فقلت: لا.

قال صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك" .

فنزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة وثانيهما عن ابن عباس والحسن الصيام كصيام المتمتع عشرة أيام والإطعام مثل ذلك في القدر.

قال العلماء المرض قد يحوج إلى اللباس أو إلى الطيب أو إلى الدهن وفي كل منها نوع استمتاع فألحقوا فدية نحو هذه المحظورات بفدية الحلق لاشتراك الجميع في الترفه.

والحاصل أنه يدخل فيه كل محظورات الإحرام سوى الجماع ففيه بدنة ثم بقرة ثم سبع شياه ثم طعام بقيمة البدنة ثم صيام بعدد الأمداد كما يجيء في قوله  ﴿ فلا رفث  ﴾ وسوى الصيد ففيه الجزاء على ما يجيء تفصيله في المائدة.

وفي هذه الآية أيضاً إضماران أي فحلق فعليه فدية ﴿ فإذا أمنتم ﴾ إن كان معناه الأمن بعد الخوف قبل التحلل فجواب الشرط وهو فامضوا محذوف.

وإن كان معناه إذا لم تحصروا وكنتم في حال أمن وسعة فقوله ﴿ فمن تمتع ﴾ الشرط مع الجزاء جواب الشرط الأول ولا وقف على ﴿ أمنتم ﴾ ومعنى التمتع التلذذ.

وأصله الطول حبل مانع أي طويل.

وكل من طالت صحبته مع الشيء فهو متمتع به.

وقد عرفت معنى التمتع بالعمرة إلى الحج وهو أن يقدم مكة فيعتمر في أشهر الحج ثم يقيم حلالاً بمكة حتى ينشئ منها الحج فيحج من عامه ذلك.

والتمتع بهذا الوجه صحيح لا كراهة فيه.

وما يروى أن عمر خطب وقال: متعتان على عهد رسول الله  أنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج، ذكر الأئمة أن تلك المتعة هي أن يجمع بين الإحرامين ثم يفسخ الحج إلى العمرة ويتمتع بها إلى الحج.

وروي أن النبي  أذن لأصحابه في ذلك ثم نسخ.

وعن أبي ذر أنه قال: ما كانت متعة الحج إلا لنا خاصة.

يعني الركب الذين كانوا مع النبي  .

وكان السبب فيه أنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج ويعدّونها من أفجر الفجور، فلما اراد النبي  إبطال ذلك الاعتقاد عليهم بالغ فيه بأن نقلهم في أشهر الحج من الحج إلى العمرة.

وهذا سبب لا يشاركهم فيه غيرهم، فلهذا المعنى كان نسخ الحج في أشهر الحج خاصاً بهم.

ومعنى التمتع بالعمرة إلى الحج أنه يتمتع بمحظورات الإحرام بسبب إتيانه بالعمرة إلى أوان الحج، وقيل: استمتاعه بالعمرة إلى وقت الحج انتفاعه بالتقرب بها إلى الله قبل الانتفاع بتقربه بالحج ولوجوب الدم على المتمتع شروط منها: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام لقوله  ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ ويجيء تمام الكلام فيه عما قريب ومنها أن يحرم بالعمرة من الميقات فإن جاوزه مريداً النسك ثم أحرم بها فإن كان الباقي أقل من مسافة القصر فليس عليه دم التمتع ولكن يلزمه دم الإساءة، وإن كان الباقي مسافة القصر فعليه دمان.

ومنها أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فلو أحرم وفرغ من أعمالها قبل أشهر الحج ثم حج لم يلزمه الهدي لأنه أشبه الإفراد، ولو أحرم بها قبل أشهر الحج وأتى بجميع أفعالها في أشهره فاصح قولي الشافعي أنه لا يلزمه الدم، وبه قال أحمد لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج لتقدم أحد أركان العمرة.

ولو سبق الإحرام مع بعض الأعمال قبل أشهر الحج فعدم وجود الدم أولى.

وعن مالك أنه مهما حصل التحلل في أشهر الحج وجب الدم.

وعند أبي حنيفة إذا أتى بأكثر أعمال العمرة في الأشهر كان متمتعاً.

ومنها أن يقع الحج والعمرة في سنة واحدة، فلو اعتمر ثم حج في السنة القابلة فلا دم عليه سواء أقام بمكة إلى أن حج أو رجع وعاد لأن الدم إنما يجب إذا زاحم بالعمرة حجة في وقتها وترك الإحرام بحجة من الميقات مع حصوله في وقت الإمكان ولم يوجد.

وعن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله  يعتمرون في أشهر الحج وإذا لم يحجوا في عامهم ذلك لم يهدوا.

ومنها أن يحرم بالحج من جوف مكة بعد الفراغ من العمرة، فإن عاد إلى ميقاته الذي أنشأ العمرة منه وأحرم بالحج فلا دم عليه لأنه لم يربح ميقاتاً.

وفي اشتراط نية التمتع وجهان: أصحهما لا تشترط كما لا تشترط نية القرآن، وهذا لأن الدم منوط بربح أحد السفرين.

ولا يختلف ذلك بالنية وعدمها ويخالف اشتراط نية الجمع بين الصلاتين من حيث إن أشهر الحج كما هي وقت الحج فهي وقت العمرة بخلاف وقت الصلاة.

ثم إن دم التمتع دم جبران الإساءة حتى لا يجوز له أن يأكل منه، أو دم نسك حتى يجوز أن يأكل.

ذهب أبو حنيفة إلى الثاني ومال الشافعي إلى الأول لما روي أن عثمان كان ينهى عن المتعة فقال له علي  : أعمدت إلى رخصة أثبتها رسول الله  للغريب للحاجة فأبطلتها؟

فسمى المتعة رخصة، وهذا دليل النقص.

وأيضاً التمتع تلذذ وأنه ينافي العبادة لأنها مشقة وتكليف.

وأيضاً إنه تعالى أوجب الهدي على المتمتع بلا توقيت، ولو كان نسكاً كان موقتاً.

وأيضاً للصوم فيه مدخل ودم النسك لا يبدل بالصوم، والكلام في مراتب هذا الهدي كما مرّ وينبغي أن يكون الإبل ثنياً وهو الطاعن في السنة السادسة، وكذا البقر وهو الطاعن في السنة الثالثة، ويجزئ كل من الإبل والبقر عن سبعة شركاء.

ولو اقتصر على الغنم فليكن ثني المعز وهو الذي دخل في السنة الثالثة، أو جذع الضأن وهو أيضاً في السنة الثانية، يستوي في هذا الباب الذكر والأنثى ويستحب أن يذبح يوم النحر، ولو ذبح بعدما أحرم بالحج جاز لأن التمتع قد تحقق فترتب عليه الهدي جبراً له.

وكذا قبل الإحرام بالحج وبعد التحلل من العمرة على الأصح، لأنه حق مالي تعلق بسببين وهما الفراغ من العمرة والشروع في الحج.

فإذا وجد أحدهما بأن إخراجه كالزكاة والكفارة.

وعند أبي حنيفة لا يجوز بناء على أنه نسك كدم الأضحية فيختص بيوم النحر وبه قال مالك وأحمد.

فمن لم يجد الهدي وقيس عليه ما إذا لم يجد ما يشتريه به أو بيع بثمن غال، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج.

قال الشافعي: أي بعد الإحرام بالحج لأنه  جعل الحج ظرفاً للصوم، ولا يصلح سائر أفعال الحج ظرفاً له فلا أقل من الإحرام.

وأيضاً ما قبل الإحرام بالحج ليس وقتاً للهدي الذي هو أصل فكذا لبدله، وقال أبو حنيفة، أي في وقت الحج وهو أشهره فجاز أن يصوم بعد الإحرام بالعمرة.

وبمثله قال أحمد في رواية، وفي أخرى قال: يجوز بعد التحلل من العمرة، ولا يجوز أن يصوم شيئاً منها في يوم النحر ولا في أيام التشريق كما مر في الصوم.

والمستحب أن يصوم الأيام الثلاثة قبل يوم عرفة، فإن الأحب للحاج يوم عرفة أن يكون مفطراً كيلا يضعف عن الدعاء وأعمال الحج، ولم يصمه النبي  بعرفة بل يروى أنه  نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة.

ويحكى عن أبي حنيفة أن الشخص إن كان بحيث لا يضعف فالأولى أن يصوم حيازة للفضيلتين.

ويعلم مما ذكرنا أنه يستحب أن يحرم بالحج قبل يوم عرفة بثلاثة أيام ليصوم فيها، وأما الواجد للهدي فالمستحب له أن يحرم يوم التروية بعد الزوال متوجهاً إلى منى لما روي عن جابر أن النبي  قال: "إذا توجهتم إلى منى فأهلوا بالحج" وإذا فاته صوم الأيام الثلاثة في الحج لزمه القضاء عند الشافعي لأنه صوم واجب فلا يسقط بفوات وقته كصوم رمضان، وإذا قضاها لم يلزمه دم خلافاً لأحمد.

وعند أبي حنيفة يسقط الصوم بالفوات ويستقر الهدي في ذمته ﴿ وسبعة إذا رجعتم ﴾ للشافعي في المراد من الرجوع قولان: أصحهما الرجوع إلى الأهل والوطن لما روي أنه  قال للمتمتعين "من كان معه هدي فليهد ومن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم" والثاني أن المراد منه الفراغ من أعمال الحج وبهذه قال أبو حنيفة وأحمد كأنه بالفراغ رجع عما كان مقبلاً عليه من الأعمال.

وعلى الأصح لو توطن مكة بعد فراغه من الحج صام بها، وإن لم يتوطنها لم يجز صومه بها ولا في الطريق على الأصح لأنه تقديم العبادة البدنية على وقتها.

ثم إذا لم يصم الثلاثة في الحج حتى فرغ ورجع لزمه صوم العشرة عند الشافعي.

وهل يجب التفريق في القضاء بين الثلاثة والسبعة؟

الأصح عند إمام الحرمين وطائفة وبه قال أحمد أنه لا يجب لأن التفريق في الأداء يتعلق بالوقت فلا يبقى حكمه في القضاء كالتفريق في الصلوات المؤداة.

والأصح عند أكثر أصحاب الشافعي وجوب التفريق كما في الأداء.

ويفارق تفريق الصلوات فإن ذلك التفريق يتعلق بالوقت، وهذا يتعلق بالفعل وهو الحج.

والرجوع وما قدر ما يقع به التفريق أصح الأقوال التفريق بأربعة أيام، ومدة إمكان مسيره إلى أهله على العادة الغالبة بناء على أصلين سبقا أحدهما: أن المتمتع ليس له صوم أيام التشريق، والثاني أن المراد بالرجوع الرجوع إلى أهله ﴿ تلك عشرة كاملة ﴾ طعن فيه بعض الملحدين أن هذا من إيضاح الواضحات.

فمن المعلوم بالضرورة أن الثلاثة والسبعة عشرة وأيضاً قوله ﴿ كاملة ﴾ يوهم أن ههنا عشرة غير كاملة وهو محال، فذكر العلماء من فوائده أن الواو في قوله ﴿ وسبعة ﴾ ليس نصاً قاطعاً في الجمع بل قد يكون للإباحة بمعنى أو كما في قوله ﴿ مثنى وثلاث ورباع  ﴾ وكما في قولك "جالس الحسن وابن سيرين" لو جالسهما جميعاً أو واحداً منهما كان ممتثلاً ففذلكت نفياً لتوهم الإباحة.

وأيضاً ففائدة الفذلكة في كل حساب أن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلاً وعلى هذا مدار علم السياقة وكفى به إفادة.

وأيضاً المعتاد أن البدل أضعف حالاً من المبدل كالتيمم من الوضوء، فلعل المراد أن هذا البدل كامل في كونه قائماً مقام المبدل وهما في الفضيلة سواء، وذكر العشرة لصحة التوصل به إلى هذا الوصف إذ لو اقتصر على تلك جاز أن يعود إلى الثلاثة أو إلى السبعة.

وأيضاً قوله ﴿ تلك عشرة كاملة ﴾ يدفع التخصيص الذي يتطرق إلى كثير من العمومات في الشرع ويصرف الكلام إلى التنصيص.

وأيضاً إن مراتب الأعداد ثلاث: الآحاد والعشرات والمئات.

وهذه من وساطها فكأنه قال: إنما أوجبت هذا العدد لكونه موصوفاً بصفة التوسط والكمال.

وأيضاً التوكيد طريقة مسلوكة في كلام العرب يعرف منه كون المذكور مما يعقد به الهمم، ففيه زيادة توصية بصيامها وأن لا يتهاون بها ولا ينقص من عددها وأيضاً هذا الخطاب مع العرب ولم يكونوا أهل حساب فبين الله  بذلك بياناً قاطعاً كما روي أنه  قال في الشهر هكذا وهكذا وهكذا ثم أشار بيده ثلاث مرات وأمسك إبهامه في الثالثة تنبيهاً بالإشارة الأولى على الثلاثين، وبالثانية على التسعة والعشرين.

وأيضاً فيه إزالة الاشتباه والتصحيف الذي يمكن أن يتولد من تشابه سبعة وتسعة في الخط.

وأيضاً يحتمل أن يراد كاملة في الإجزاء حتى لا يتوهم أنها بسبب التفريق غير مجزئة كما لا يجزئ في كفارات الظهار والقتل ووقاع رمضان إلا الصوم المتتابع.

وأيضاً يحتمل أن يكون خبراً في معنى الأمر أي فلتكن تلك الصيامات كاملة لتسد الخلل ويكون الحج المأمور به تاماً كاملاً كما قال ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ .

واعلم أن الصوم مضاف إلى الله  في قول النبي  حكاية عن الله  "الصوم لي وأنا أجزي به" والحج أيضاً مضاف إليه  في الآية ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ وكما دل النقل على هذا الاختصاص فالعقل أيضاً يدل على ذلك.

أما الصوم فلأنه عبادة لا يطلع عليها إلا الله  وهو مع ذلك شاق على النفس جداً، وأما الحج فلأنه عبادة لا يطلع العقل ألبتة على وجوه الحكمة فيها وهو مع ذلك شاق جداً لأنه يوجب مفارقة الأهل والولد ويقتضي التباعد عن أكثر اللذات والاستمتاعات، فكل منهما لا يؤتى به إلا لمحض ابتغاء مرضاة الله  .

ثم إن هذا الصوم بعضه واقع في زمان الحج فيكون جمعاً بين مشقتين، وبعضه واقع بعد الفراغ من الحج وهو انتقال من مشقة إلى مشقة، والأجر على قدر النصب، فلا جرم وصفه الله  بالكمال في باب العبادة والتنكير في اللفظ أيضاً يؤيد ذلك زادنا الله اطلاعاً على لطائف قرآنه العظيم ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ اختلف العلماء في أن المشار إليه ماذا؟

فقال أبو حنيفة وأصحابه: إنه إشارة إلى التمتع وما ترتب عليه لأنه ليس البعض أولى من البعض فيعود إلى كل ما تقدم فلا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام.

وقال الشافعي: بل عودة إلى الأقرب أولى وهو الحكم بوجوب الهدي على المتمتع.

وأيضاً قوله ﴿ فمن تمتع ﴾ عام يشمل الحرمي والميقاتي والآفاقي.

وأيضاً إنه  شرع القرآن والمتعة إبانة لنسخ ما كان عليه أهل الجاهلية في تحريمهم العمرة في أشهر الحج، والنسخ يثبت في حق الناس كافة.

ويتفرع على مذهب أبي حنيفة أن من تمتع أو قرن من حاضري المسجد الحرام كان عليه دم وهو دم جناية لا يأكل منه.

وعلى مذهب الشافعي أن يصح تمتعهم وقرانهم ولا يجب عليهم شيء، فإن لزوم الهدي على الآفاقي بسبب أنه أحرم من الميقات عن العمرة ثم أحرم عن الحج لا من الميقات فيلزمه جبر الخلل بدم.

والمكي لا يجب عليه أن يحرم من الميقات فلا خلل في حجة تمتع أو قرن أو أفرد، فلا يلزمه الهدي ولا بدله.

ثم اختلفوا في حاضري المسجد الحرام فعن مالك أنهم أهل مكة وأهل ذي طوى.

وعن طاوس هم أهل الحرم.

وعن الشافعي هم الذين يكونون على أقل من مسافة القصر من مكة، فإن كانوا على مسافة القصر فليسوا من الحاضرين، وبه قال أحمد.

وعن أبي حنيفة أنهم أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة.

والمواقيت: ذو الحليفة على عشر مراحل من مكة وعلى ميل من المدينة، والجحفة لأهل الشام ومصر والمغرب على خمسين فرسخاً من مكة، ويلملم من صوب اليمن وقرن لنجد الحجاز، وذات عرق من صوب المشرق والعراق وخراسان وكل هذه الثلاثة من مكة على مرحلتين.

فهذه هي المذاهب وأوفقها للآية.

مذهب مالك لأن أهل مكة هم الذين يحضرون المسجد الحرام.

إلا أن الشافعي قال: قد يطلق المسجد الحرام على الحرم قال  ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام  ﴾ ورسول الله  أسري به من الحرم لا من المسجد.

وقد يقال: حضر فلان فلاناً إذا دنا منه.

ومن كان مسكنه دون مسافة القصر فهو قريب نازل منزلة المقيم في نفس مكة.

وفي مذهب أبي حنيفة بعد، فإن يؤديّ إلى إخراج القريب من الحاضرين وإدخال البعيد لتفاوت مسافات المواقيت، ثم إن مسافة القصر مرعية من نفس مكة أو من الحرم الأعرف هو الثاني لما قلنا إن المسجد الحرام يراد به جميع الحرم.

قال الفراء: ذلك لمن لم يكن معناه ذلك الفرض الذي هو الدم أو الصوم لازم على من لم يكن من أهل مكة كقوله  "اشتراطي لهم الولاء" أي عليهم وذكر حضور الأهل والمراد حضور الحرم لأن الغالب على الرجل أنه يسكن حيث أهله ساكنون ﴿ واتقوا الله ﴾ في محافظة حدوده وما أمركم به ونهاكم عنه في الحج وغيره ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ لمن تهاون بحدوده.

قال أبو مسلم: العقاب والمعاقبة سيان، واشتقاقهما من العاقبة كأنه يراد عاقبة فعله السيء كقول القائل "لتذوقن فعلك".

التأويل: حج الخواص حج رب البيت وشهوده وهذه سيرة إبراهيم  كما قال ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ ولكنه أحصر في السماء السابعة فلا جرم أهدى بإسماعيل، ولما أسري بالنبي  وكان ذهابه بالله ما أحصره شيء فقيل له ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ وجرى ما جرى ﴿ فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ ثم قال لأمته: اسعوا في إتمام صورة الحج بقدر استطاعتكم، وفي الحقيقة بأن تخرجوا وجودكم ﴿ فإن أحصرتم ﴾ بأعداء النفس والهوى أو لملال القلب أو لكلال الروح أو باستجلاء الأحوال أو بتمني الآمال ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ أعلاها الروح وأوسطها القلب وأدناها النفس يهدي ما كان الإحصار به.

﴿ ولا تحلقوا ﴾ لا تشتغلوا بغير الله حتى تبلغوا المقصد، فإن عرض مرض في الإرادة أو يعلوه أذى من المزاحمات من غير فترة من نفسه فلم يجد بداً من الإناخة بفناء الرخص، فليجتهد أن يتداركه بالفدية فقد قيل: من أقبل على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله، والصيام هو الإمساك عن المشارب والصدقة الخروج عن المعلوم، والنسم ذبح النفس في مقاساته الشدائد ﴿ فإذا أمنتم ﴾ الإحصار وأقبل الجد الصاعد والزمان المساعد ﴿ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ﴾ واستراح في الطلب ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ من ترك مشارب الروح والقلب والنفس ﴿ فمن لم يجد لم يستطع ﴾ ترك تلك المشارب لعلو شأنها وعظم مكانها فعليه الإمساك عن مشارب القوى الثلاث المدركة للمعاني والمتصرفة فيها وهي الوهم والحافظة والمتخيلة، هذا إذا كان في عالم المعنى، فإذا رجع إلى عالم الصورة أمسك عن القوى السبع مشار بها وهي الحس المشترك والخيال، لأن الأولى مدركة الصور، والثانية معينتها على الحفظ وبعدهما الحواس الخمس الظاهرة ﴿ تلك عشرة كاملة ﴾ هي الحواس الظاهرة والباطنة ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ لأن الحاضر في مقام القرب والأنس لا يخاطب ولا يعاتب وإنما يلزم العتب، والطلب للسالك والسائر، فإذا وصل فقد استراح.

﴿ واتقوا ﴾ أن تسكنوا في فترة أو وقفة أو تركنوا إلى مشرب من هذه المشارب ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ للغافلين عن هذا الخطاب القانعين بذل الحجاب.

<div class="verse-tafsir"

ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌۭ مَّعْلُومَـٰتٌۭ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ۚ وَٱتَّقُونِ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ١٩٧ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَـٰتٍۢ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ١٩٨ ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٩٩ فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًۭا ۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍۢ ٢٠٠ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةًۭ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ٢٠١ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ٢٠٢ ۞ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍۢ مَّعْدُودَٰتٍۢ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٢٠٣

القراءات: ﴿ فلا رفث ولا فسوق ﴾ بالرفع فيهما: أبو عمرو ويعقوب وابن كثير ويزيد.

وزاد يزيد ﴿ ولا جدال ﴾ بالرفع.

الباقون: بفتح الثلاثة وكذلك يروي القطعي عن أبي زيد من طريق الحسن الهاشمي، ﴿ واتقون ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.

وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل بالياء.

﴿ ومن تأخر ﴾ روى هبة الله بن جعفر عن الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف بالتليين.

الوقوف: ﴿ معلومات ﴾ ط ﴿ في الحج ﴾ ط ﴿ يعلمه الله ﴾ ط ﴿ التقوى ﴾ ز للعارض بين الجملتين المتفقتين ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط لأن "إذا" أجيبت بالفاء فكانت شرطاً في ابتداء حكم آخر ﴿ الحرام ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ هداكم ﴾ ج لأن الواو تصلح حالاً واستئنافاً.

﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ واستغفروا الله ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ ذكراً ﴾ ط ﴿ من خلاق ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ مما كسبوا ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه نصف الجزء.

﴿ معدودات ﴾ ط لأن الشرط في بيان حكم آخر ﴿ عليه ﴾ الأولى ط لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ عليه ﴾ الثانية لا لتعليق اللام.

﴿ اتقي ﴾ ط لاختلاف النظم ﴿ تحشرون ﴾ ه.

التفسير: من المعلوم أن الحج ليس نفس الأشهر، فالتقدير أشهر الحج أو وقته أشهر معلومات كقولك "البلد شهران".

أو الحج حج أشهر معلومات أي لا حج إلا فيها خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية من النسيء.

وقيل: يمكن أن يقال: جعل الحج نفس الأشهر كما في قولهم "ليل قائم ونهار صائم" واتفق المفسرون على أن شوّالاً وذا القعدة من أشهر الحج.

واختلفوا في ذي الحجة فعن عروة بن الزبير ومالك كله لأن أقل الجمع ثلاثة، وقد يفعل الإنسان بعد النحر ما يتصل بالحج من رمي الجمار ونحوه.

والمرأة إذا حاضت فقد تؤخر الطواف الذي لا بد منه إلى أيام بعد الشهر، من هنا ذهب عروة إلى جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر.

وعن أبي حنيفة: عشر ذي الحجة وهو قول ابن عباس وابن عمرو النخعي والشعبي ومجاهد والحسن قالوا: لفظ الجمع يشترك فيما وراء الواحد بدليل قوله  ﴿ فقد صغت قلوبكما  ﴾ ونزل بعض الشهر منزلة كله كما يقال "رأيتك سنة كذا" وإنما رآه في ساعة منها.

ورمي الجمار يفعله الإنسان وقد حل بالحلق والطواف والنحر من إحرامه فكأنه ليس من أعمال الحج.

والحائض إذا طاف بعده فهو في حكم القضاء.

وإنما قلنا إن يوم النحر من أشهر الحج لأنه وقت لركن من أركان الحج وهو طواف الزيارة.

ومن المفسرين من زعم أن يوم الحج الأكبر يوم النحر.

وعن الشافعي: التسعة الأولى من ذي الحجة من ليلة النحر، لأن الحج يفوت بطلوع يوم النحر ولا تفوت العبادة مع بقاء وقتها.

قيل: إنه  جعل كل الأهلة مواقيت للحج في قوله ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج  ﴾ وفي هذه الآية جعل وقت الحج أشهر معلومات.

وأجيب بأن تلك الآية عامة وهذه خاصة والخاص مقدم على العام.

وأقول: الميقات علامة الوقت فلولا الأهلة لم يعلم مدخل كل شهر على التعيين.

فجميع الأهلة في الإعلام سواء بالنسبة إلى وقت مفروض، فلا منافاة بين كون جميع الأهلة علامات الحج من حيث إنها تؤذن بما بقي من السنة إلى أوان الحج، وبين كون الأشهر المعلومات وقتاً للحج، ومعنى قوله ﴿ معلومات ﴾ أن الحج إنما يكون في السنة مرة واحدة في أشهر معينة من شهورها ليس كالعمرة التي يؤتى بها في السنة مراراً، وأحالهم في معرفة تلك الأشهر على ما كانوا علموه قبل نزول هذا الشرع.

وعلى هذا فهذا الشرع لم يأت على خلاف ما عرفوه وإنما جاء موافقاً مقرراً له.

أو المراد أنها معلومات ببيان الرسول، أو المراد أنها مؤقتة بأوقات معينة لا يجوز تقديمها وتأخيرها كما يفعله أصحاب النسيء.

ثم إن الشافعي استدل بالآية على أنه لا يجوز لأحد أن يهل بالحج قبل أشهر الحج، وبه قال أحمد وإسحق.

وأيضاً الإحرام بالعبادة قبل وقت الأداء لا يصح قياساً على الصلاة.

وأيضاً الخطبة في صلاة الجمعة لا تجوز قبل الوقت لأنها أقيمت مقام ركعتين من الظهر حكماً، فلأن لا يصح الإحرام وهو شروع في العبادة أولى.

وأيضاً الإحرام لا يبقى صحيحاً لأداء الحج إذا ذهب وقت الحج قبل الأداء، فلأن لا ينعقد صحيحاً لأداء الحج قبل الوقت أولى لأن البقاء أسهل من الابتداء.

وعن أبي حنيفة ومالك والثوري: جواز الإحرام في جميع السنة لقوله  ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج  ﴾ والجواب ما مر.

قالوا: الإحرام التزام الحج فجاز تقدمه قبل الوقت كالنذر.

والجواب الفرق بين النذر والإحرام، فإن الوقت معتبر للأداء ولا اتصال للنذر بالأداء بدليل أن الأداء لا يتصور إلا بعقد مبتدأ، وأما الإحرام مع كونه التزاماً فهو أيضاً شروع في الأداء وعقد عليه فلا جرم افتقر إلى الوقت.

قالوا: اشتهر عن أكابر الصحابة أنهم قالوا: من إتمام الحج أن يحرم المرء من دويرة أهله.

وقد تبعد داره بعداً شديداً يحتاج إلى أن يحرم قبل شوال.

والجواب أن النص لا يعارضه الأثر على أنه يمكن تخصيص الأثر في حق من لا يكون داره سحيقاً ﴿ فمن فرض فيهن الحج ﴾ فمن ألزم نفسه في هذه الشهور أن يحج.

وبماذا يحصل هذا الإلزام المسمى بالإحرام لأنه يحرم عليه حينئذ أشياء كانت حلالاً له.

قال الشافعي: إنه ينعقد الإحرام بمجرد النية من غير حاجة إلى التلبية.

نعم إنها سنة عند النية وبه قال أحمد ومالك لقوله  ﴿ فمن فرض ﴾ وفرض الحج على النية أدل منه على التلبية أو سوق الهدي.

وفرض الحج موجب لانعقاد الحج بدليل قوله ﴿ فلا رفث ﴾ فوجب أن تكون النية كافية في انعقاد الحج.

وأيضاً قال  "لكل امرئ ما نوى" وأيضاً إنه عبادة ليس في آخرها ولا في أثنائها نطق واجب، فكذلك في ابتدائها كالطهارة والصوم.

وعند أبي حنيفة: التلبية شرط انعقاد الإحرام لإطباق الناس على الاعتناء به عند الإحرام إلا أن سوق الهدي وتقليده والتوجه معه يقوم مقام التلبية.

وعن ابن عمر أنه قال: إذا قلد أو أشعر فقد أحرم.

وعن ابن عباس: إذا قلد الهدي وصاحبه يريد العمرة أو الحج فقد أحرم.

وروى أبو منصور الماوردي في تفسيره عن عائشة أنها قالت: لا يحرم إلا من هل أو لبى.

وأيضاً إن الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا يشرع فيها بنفس النية كالصلاة.

وصورة التلبية ما روي عن النبي  أنه قال: "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" ، ولا تكره الزيادة على هذا.

روي عن ابن عمر أنه كان يزيد فيها.

لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغبى إليك والعمل.

فإن رأى شيئاً يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة.

ثبت ذلك عن رسول الله  .

وفي بعض الروايات أنه قال في تلبيته: لبيك حقاً تعبداً ورقاً.

قال الشافعي في أصح قوليه: الأفضل أن ينوي ويلبي حين تنبعث به راحلته إن كان راكباً، وحين يتوجه إلى الطريق إن كان ماشياً لما روي أنه  لم يهل حتى انبعثت به دابته، قال إمام الحرمين: ليس المراد من انبعاث الدابة ثورانها، بل المراد استواؤها في صوب مكة.

فإذا استوت به راحلته متوجهاً إلى الطريق نوى: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني ولبى.

وإن كان يريد القران نوى الحج والعمرة، وإن كان يريد العمرة نوى العمرة ولبى.

والقول الثاني وبه قال أحمد ومالك وأبو حنيفة أن الأفضل أن ينوي ويلبي كما تحلل من الصلاة أي من ركعتي الإحرام وهو قاعد.

ثم يأخذ في السير لرواية ابن عباس أن النبي  صلى بذي الحليفة ركعتين ثم أحرم، وتكثير التلبية في دوام إلا حرام مستحب قائماً كان أو قاعداً راكباً أو ماشياً حتى في حالة الجنابة والحيض لأنه ذكر لا إعجاز فيه فأشبه التسبيح، "قال  لعائشة  ا حين حاضت: افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" .

قوله عز من قائل ﴿ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ﴾ من قرأ بفتح الثلاثة أو برفعها فلا إشكال، ومن قرأ برفع الأولين وفتح الأخير فقيل: لأن الأولين محمولان على معنى النهي كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، ثم أخبر بانتفاء الجدال أي لا شك ولا خلاف في الحج.

وذلك أن قريشاً كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة، وكانوا يقدمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرد إلى وقت واحد، ورد الوقوف إلى عرفة فأخبر الله  أنه قد ارتفع الخلاف في الحج، وربما يستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله  "من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كهيئته يوم ولدته أمه" وإنه لم يذكر الجدال.

وقيل: الاهتمام بنفي الجدال أشد من الاهتمام بنفي الرفث والفسوق فلذلك قرئ كذلك.

أما الأوّل فلأن الرفث عبارة عن قضاء الشهوة، والجدال مشتمل على ذلك لأن المجادل يشتهي تمشية قوله، والفسوق عبارة عن مخالفة أمر الله، والمجادل لا ينقاد للحق.

وكثيراً ما يقدم على الإيذاء والإيحاش المؤدي إلى العداوة والبغضاء، فدل على أن الجدال مشتمل على جميع أنواع القبح.

وأما أن القراءة تفيد ذلك فلأن الفتح يقتضي نفي الماهية، وانتفاؤها يوجب انتفاء جميع أفرادها.

وأما الرفع فلا يوجب انتفاء جميع أفراد الماهية بل يجوّز، فيكون الفتح أدل على عموم النفي.

أما تفسير الرفث فعن ابن عباس هو الجماع، وله في العمرة والحج نتائج منها.

فساد النسك يروى ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم من الصحابة، واتفق الفقهاء عليه بعدهم، وإنما يفسد الحج بالجماع إذا وقع قبل التحللين لقوّة الإحرام.

ولا فرق بين أن يقع قبل الوقوف بعرفة أو بعده خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يفسد بالجماع بعد الوقوف ولكن يلزمه الفدية.

وأما الجماع بين التحللين فلا أثر له في الفساد على الصحيح.

وعن مالك وأحمد أنه يفسد ما بقي شيء من إحرامه، وتفسد العمرة أيضاً بالجماع قبل حصول التحلل.

ووقت التحلل عنها بعد الفراغ من الحلق بناء على أنه نسك وهو الأصح، فتفسد العمرة بالجماع قبل الحلق، واعلم أن للعمرة تحللاً واحداً وذلك إذا طاف وسعى وحلق، وللحج تحللان وذلك أنه إذا أتى باثنين من الرمي والنحر والحلق والطواف أعني الرمي والحلق، أو الرمي والطواف، أو الحلق والطواف، حصل التحلل الأول وهو إباحة جميع المحظورات من التطيب والقلم ولبس المخيط وقتل الصيد وعقد النكاح إلا الجماع فإنه لا يحل إلى الإتيان بالأمر الثالث، فإذا أتى به حل الجماع أيضاً وهو المراد بالتحلل الثاني قال الأئمة: الحج يطول زمانه وتكثر أعماله بخلاف العمرة فأبيح بعض محظوراته دفعة وبعضها أخرى.

قال  "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب واللباس وكل شيء إلا النساء" واللواط وإتيان البهيمة في الإفساد كالوطء في الفرج وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة فيهما ولمالك في إتيان البهيمة، ثم سائر العبادات لا حرمة لها بعد الفساد ويصير الشخص بالفساد خارجاً منها، لكن الحج والعمرة وإن فسدا يجب امضي فيهما وذلك بإتمام ما كان يفعله لولا عروض الفساد روي عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم من أفسد حجه مضى في فاسده وقضى من قابل.

ومن نتائج الفساد الكفارة يستوي فيها الحج والعمرة.

وخصالها خمس على الترتيب بدنة إن وجدها لأن الصحابة نصوا على البدنة وإلا فبقرة وإلا فسبع من الغنم وإلا قومت البدنة دراهم والدراهم طعاماً فإن لم يجد الطعام صام عن كل مد يوماً.

ومن النتائج القضاء باتفاق لما روينا عن كبار الصحابة وقضى من قابل، سواء كان المقضي عنه فرضاً أو تطوعاً فإن القضاء واجب، وأصح الوجهين في القضاء أنه على الفور لا على التراخي، لأنه لزم وتضيق بالشروع ويدل عليه ظاهر قول الصحابة و "قضى من قابل".

وكذا الكلام فيمن ترك الصوم أو الصلاة بعدوان على الأشبه، لأن جواز التأخير نوع ترفيه وتخفيف والمعدي لا يستحق ذلك.

ولو كانت المرأة محرمة نظر إن جامعها وهي نائمة أو مكرهة لم يفسد حجها وإلا فسد، ولكن لا يجب على أصح القولين إلا بدنة واحدة عنهما جميعاً.

وإذا أفسد حجه بالجماع ثم جامع ثانياً فإن لم يفد عن الأول لزم بدنة أخرى.

وإن فدى لم يلزم إلا شاة.

وعن الحسن: الرفث كل ما يتعلق بالجماع، فليس للمحرم التقبيل بالشهوة ولا المباشرة فيما دون الفرج.

فلو باشر شيئاً منها عمداً فالفدية.

روي عن علي وابن عباس أنهما أوجبا بالقبلة شاة وإن كان ناسياً لم يلزمه شيء ولا يفسد شيء من مقدمات الجماع الحد ولا يوجب البدنة بحال سواء أنزل أو لم ينزل، وبه قال أبو حنيفة، وعند مالك يفسد الحج إذا أنزل وهو أظهر الروايتين عن أحمد.

وقيل: الرفث باللسان ذكر المجامعة وما يتعلق بها.

والرفث باليد اللمس والغمز، والرفث بالفرج الجماع.

وقيل: الرفث هو قول الخنا والفحش لقوله  "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه فليقل إني صائم" وعن أبي عبيدة: الرفث الإفحاش وعنه الرفث اللغو في الكلام.

وأما الفسوق فهو الخروج عن الطاعة وحدود الشريعة فيشمل كل المعاصي قال  ﴿ ففسق عن أمر ربه  ﴾ وقيل: هو التنابز بالألقاب والسباب قال  ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ﴾ وقال  "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" وقيل الإيذاء والإيحاش ﴿ ولا يضارّ كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم  ﴾ وعن ابن زيد: هو الذبح للأصنام ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وأنه لفسق  ﴾ وقيل: الرفث هو الجماع ومقدماته مع الحليلة والفسوق ذلك مع الأجنبية.

وأما الجدال فإنه فعال من المجادلة وأصله من الجدل والفتل كأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه.

واختلف المفسرون فيه.

فعن الحسن: هو الجدال الذي يفضي إلى السباب والتكذيب والتجهيل، وإنه واجب الاجتناب في كل حال إلا أنه مع الرفقاء وفي الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة، وقال محمد بن كعب القرظي: إن قريشاً كانوا إذا اجتمعوا بمنى قال بعضهم: حجنا أتم.

وقال آخرون: بل حجنا أتم.

وقال آخرون: بل حجنا أتم.

فنهاهم الله عن ذلك.

وقال مالك في الموطأ: الجدال في الحج أن قريشاً كانوا يقفون عند المشعر الحرام في المزدلفة بفزح وإنه جبل هناك، وكان غيرهم يقفون بعرفات، وكل من الفريقين يقول: نحن أصوب.

وقال القاسم بن محمد: كانوا يجعلون الشهور على العدد فيختلفون في يوم النحر بسبب ذلك.

فبعضهم يقول هذا يوم عيد، ويقول آخرون بل غداً فكأنه قيل لهم: قد بينا لكم أن الأهلة هي مواقيت الحج فاستقيموا على ذلك ولا تجادلوا فيه.

قال القفال: ويدخل في هذا النهي ما جادلوا فيه رسول الله  حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فشق ذلك عليهم وقالوا: نروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر منياً.

فقال  "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" فتركوا الجدال حينئذ.

وقال عبد الرحمن بن زيد: جدالهم في الحج اختلافهم في أن أيهم المصيب مقام إبراهيم.

وقيل: إنه النسيء نهوا عن ذلك فإن الزمان قد عاد إلى ما كان عليه الحج في وقت إبراهيم  ، قال القاضي أبو بكر الباقلاني: لو حمل النفي في الألفاظ الثلاثة على الخبر وجب أن يحمل الرفث على الجماع، والفسوق على الزنا، والجدال على الشك في الحج، ليصح خبر الله  بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج المعتبر.

وإن حملنا الكلام على النهي صح أن يراد بالرفث الجماع ومقدماته وقول الفحش، وبالفسوق جميع أنواعه، وبالجدال جميع أصنافه، فعلى هذا يكون في الآية بعث على الأخلاق الحميدة والآداب الحسنة.

وبالحقيقة لا رفث نهي عن طاعة القوّة الشهوية التي توجب الانهماك في الفجور، ولا فسوق إشارة إلى قهر القوّة الغضبية الداعية إلى التمرد والاستعلاء، ولا جدال رمز إلى تسخير القوّة الوهمية التي تحمل الإنسان على الخلاف في ذات الله  وصفاته وأفعاله وأحكامه، فمنه تنشأ الآراء المتخالفة والأهواء المتصادمة والعقائد الفاسدة والمذاهب الباطلة.

واعلم أن الجدال ليس منهياً عنه بجميع أقسامه وإنما المذموم منه هو الذي منشأه صرف العصبية ومخض المراء لتنفيذ الآراء الزائفة وتحصيل الأعراض الزائلة والأغراض الفارغة، وأما الذب عن الدين القويم والدعاء إلى الصراط المستقيم وإلزام الخصم الألد وإفحام المعاند اللجوج بمقدمات مشهورة وآراء محمودة حتى يستقر الحق في مركزه ويضمحل صولة الباطل ويركد ريحه فمأمور به في قوله عز من قائل ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ وإنه إحدى شعب البيان وقد يكون أنجع من قاطعة البرهان ﴿ وما تفعلوا من خير يعلمه الله ﴾ لم يتعرض لمقابل الخير وإن كان عالماً به أيضاً لنكتة هي أني إذا علمت منك الخير ذكرته وشهرته، وإذا علمت منك ضده أخفيته وسترته لتعلم أنه إذا كانت رحمتي بك هكذا في الدنيا فكيف تكون في العقبى؟

وفيه ترغيب للمطيعين وإيذان بأنهم من المحسنين "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" والعبد الصالح إذا علم اطلاع مولاه على سرائره وخفاياه اجتهد في أداء ما أمره به، واحترز عن ارتكاب ما نهاه عنه، ومن غاية عنايته حثهم على الخير بعدما نهاهم عن الشر ليستعملوا مكان الرفث التفث، وبدل الفسوق رعاية الحقوق، ومقام الجدال والشقاق الوفاق مع الرفاق تتميماً لمكارم الأخلاق وتنبيهاً على شرف النفس وطيب الأعراق بدليل قوله ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ أي اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فإن ذلك خير الزاد.

وليس السفر من الدنيا أهون من السفر في الدنيا، وهذا لا بد له من زاد فكذا ذلك.

بل يزداد فإن زاد الدنيا يخلصك عن عذاب منقطع موهوم، وزاد الآخرة ينجيك من عذاب أبديّ معلوم.

زاد الدنيا يوصلك إلى متاع الغرور، وزاد الآخرة يبلغك دار السرور.

وزاد الدنيا سبب حصول حظوظ النفس، وزاد الآخرة سبب الوصول إلى عتبة الجلال والقدس.

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى *** ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا ندمت على أن لا تكـون كمثلــه *** وأنك لم ترصد كما كان أرصـدا وقيل: نزلت في ناس من اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون: نحن متوكلون.

ثم كانوا يسألون الناس وربما ظلموهم وغصبوهم فأمرهم الله  أن يتزوّدوا ما يتبلغون به فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن الظلم.

وفيه دليل على أن القادر على استصحاب الزاد في السفر، إذا لم يستصحب عصى الله في ذلك، ففيه إبطال حكمة الله  ورفع الوسائط والروابط التي عليها تدور المناجح وبها تنتظم المصالح.

روي أن بعض العارفين زهد فبلغ من زهده أن فارق الناس وخرج من الأمصار وقال: لا أسأل أحداً شيئاً حتى يأتيني رزقي.

فأخذ يسيح فأقام في سفح جبل سبعاً لم يأته شيء حتى كاد يتلف.

فقال: يا رب إن أحببتني فأتني برزقي الذي قسمت لي وإلا فاقبضني إليك.

فألهمه الله  في قلبه: وعزتي وجلالي لا أرزقك حتى تدخل الأمصار وتقيم بين الناس فدخل المدينة وأقام بين ظهراني الناس فجاء هذا بطعام وهذا بشراب فأكل وشرب فأوجس في نفسه من ذلك، فسمع أردت أن تبطل حكمته بزهدك في الدنيا، أما علمت أنه يرزق العباد بأيدي العباد أحب إليه من أن يرزقهم بيد القدرة.

وقيل: في الآية حذف أي تزودوا لعاجل سفركم وللآجل فإن خير الزاد التقوى واتقون وخافوا عقابي.

وفيه تنبيه على كمال عظمته كقوله "أنا أبو النجم وشعري شعري" ﴿ يا أولي الألباب ﴾ يعني أن قضية العقل تقوى الله ومن لم يتقه فلا لب له في التحقيق.

ولما منع الناس عن الجدال اختلج في قلب المكلف شبهة أن التجارة لكونها مفضية في الأغلب إلى النزاع في قلة القيمة وكثرتها يجب أن تكون منهية.

وأيضاً أنها كانت محرمة في الجاهلية وقت الحج وأنه أمر غير مستحسن ظاهراً لأن المشتغل بخدمة الله  يجب أن لا يتلوث بالأطماع الدنيوية.

وأيضاً كان من الممكن أن تقاس التجارة على سائر المباحات من الطيب والمباشرة ولاصطياد في كونها محظورة بالإحرام فلدفع هذه الشبهة نزلت.

﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا ﴾ أي في أن تطلبوا ﴿ فضلاً من ربكم ﴾ عطاء منه وتفضلاً أو زيادة في الرزق بسبب التجارة والربح بها كقوله ﴿ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله  ﴾ عن أبي مسلم: أنه حمل الآية على ما بعد الحج.

قال: والتقدير واتقون في كل أفعال الحج، ثم بعد ذلك ليس عليكم جناح أن تبتغوا كقوله ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله  ﴾ وزيف بأن حمل الآية على موضع الشبهة أولى من حملها لا على موضع الشبهة، ومحل الاشتباه هو التجارة في زمان الحج، وأما بعد الفراغ فالحل معلوم، وقياس الحج على الصلاة فاسد، فإن الصلاة أعمالها متصلة فلا يحل في أثنائها التشاغل بغيرها، وأعمال الحج متفرقة تحتمل التجارة في خلالها.

وأيضاً الفاء في قوله ﴿ فإذا أفضتم ﴾ ظاهرة في أن هذه الإفاضة حصلت عقيب ابتغاء الفضل وذلك يدل على أن المراد وقوع التجارة في زمان الحج ويؤيده قراءة ابن عباس ﴿ فضلاً من ربكم في مواسم الحج ﴾ وقال ابن عباس في سبب نزول الآية كانوا يتأثمون أن يتجروا أيام الحج وإذا دخل العشر بالغوا في الكف عن البيع والشراء فلم يقم لهم سوق، ويسمون من يخرج للتجارة الداج ويقولون: هؤلاء الداج وليسوا بالحاج ومعنى الداج الأعوان والمكارون من الدجيج وهو الدبيب في السير.

قال ابن السكيت: لا يطلق الدجيج إلا إذا كان جماعة ولا يقال ذلك للواحد.

وقيل: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يتجرون فيها في أيام الموسم، وكانت معايشهم منها.

فلما جاء الإسلام تأثموا فرفع عنهم الحرج.

ومن المعلوم أنه إنما يباح ما لم يشغل عن العبادة.

وعن ابن عمر أن رجلاً قال له: إنا قوم نكرى في هذا الوجه يعني في طريق الحج، وإن قوماً يزعمون أن لا حج لنا.

فقال: سأل رجل رسول الله  عما سألت عنه فلم يرد عليه حتى نزل ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ فدعا به فقال: أنتم حجاج.

وعن عمر أنه قيل له: هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟

فقال: وهل كانت معايشنا إلا من التجارة في الحج؟!

وعن جعفر الصادق  : أن ابتغاء الفضل ههنا طلب أعمال أخر زائدة على أعمال الحج موجبة لفضل الله  ورحمته كإعانة الضعيف وإغاثة الملهوف وإطعام الجائع وإرواء العطشان.

واعلم أن الفضل ورد في القرآن بمعان، منها ما يتعلق بالمصالح الدنيوية من المال والجاه والغذاء واللباس وهو المسمى بالرزق ﴿ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله  ﴾ ومنها ما يتعلق بالمصالح الأخروية وهو الفضل والثواب والجنة والرحمة ﴿ تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله  ﴾ ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان  ﴾ ومنها ما يتعلق بمواهب القربة ﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء  ﴾ ﴿ وكان فضل الله عليك عظيماً  ﴾ ورفع الجناح قد يستعمل في الواجب والمندوب مثل ما يستعمل في المباح كما مر في قوله ﴿ فلا جناح عليه أن يطوّف بهما  ﴾ .

﴿ فإذا أفضتم ﴾ أي دفعتم بكثرة ومنه إفاضة الماء وهو صبه بكثرة.

التقدير: أفضتم أنفسكم.

فترك ذكر المفعول كما ترك في قولهم دفعوا من موضع كذا وصبوا.

وعرفات جمع عرفة وكلاهما علم للموقف كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة فسمي مجموع تلك القطعة بعرفات كما قيل في باب الصفة "ثوب أخلاق" و "برمة أعشار" ثم سئل: هلا منعت الصرف وفيها سببان التعريف والتأنيث؟

فقيل: إنه لم يبق علماً بعدما جمع ثم جعل علماً لمجموع القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في الصرف.

وقيل: إن هذا التنوين تنوين المقابلة في نحو "مسلمات" ومن ذهب إلى أن تنوين المقابلة لا وجود له كجار الله وكثير من المتأخرين.

وأن هذا التنوين تنوين الصرف.

قالوا: إنما لم يسقط لأن التأنيث في نحو "مسلمات وعرفات" ضعيف.

فإن التاء التي هي لمحض التأنيث سقطت، والباقية علامة لجمع المؤنث، وزيف بأن عرفات مؤنث.

وإن قلنا إنه لا علامة تأنيث فيها لا متمحضة للتأنيث ولا مشتركة لأنه لا يعود الضمير إليها إلا مؤنثاً تقول "هذه عرفات مباركاً فيها" ولا يجوز "مباركاً فيه" إلا بتأويل بعيد كما في قوله "ولا أرض أبقل إبقالها" فتأنيثها لا يقصر عن تأنيث مصر الذي هو بتأويل البقعة.

وقال بعض المتأخرين: الأولى أن يقال: إن التنوين للصرف وإنما لم يسقط في نحو "عرفات" لأنه لو سقط لتبعه الكسر في السقوط وتبع النصب وهو خلاف ما عليه الجمع السالم، إذ الكسر فيه متبوع لا تابع فهو فيه كالتنوين في غير المنصرف للضرورة لم يحذفا لمانع.

هذا مع أنه جوز المبرد والزجاج ههنا مع العلمية حذف التنوين وإبقاء الكسر كبيت امرئ القيس في رواية.

تنورتها من أذرعات وأهلها *** بيثرب أدنى دارها نظر عالي وبعضهم يفتح التاء في مثله مع حذف التنوين كسائر ما لا ينصرف.

فعلى هذين الوجهين التنوين للظرف بلا خلاف، والأشهر بقاء التنوين في مثله مع العلمية.

وقيل: التنوين عوض من منع الفتحة.

واعلم أن اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى بيوم التروية، واليوم التاسع منه يسمى بيوم عرفة.

وعرفة وعرفات هي الموضع المخصوص.

فقيل: التروية التفكر.

وسببه أن آدم  لما أمر ببناء البيت فبناء تفكر فقال: يا رب إن لكل عامل أجراً فما أجري على هذا العمل؟

قال: إذا طفت به غفرت لك ذنوبك بأول شوط من طوافك.

قال يا رب زدني قال: أغفر لأولادك إذا طافوا به.

قال: زدني، فقال: أغفر لكل من استغفر له الطائفون من موحدي أولادك.

قال: حسبي يا رب حسبي.

وقيل: إن إبراهيم  رأى في منامه ليلة التروية كأنه يذبح ابنه فأصبح متفكراً هل هذا من الله أو من الشيطان، فلما رآه ليلة عرفة يؤمر به أصبح فقال: عرفت يا رب أنه من عندك.

وقيل: إن أهل مكة يخرجون يوم التروية إلى منى فيروّون في الأدعية التي يذكرونها في الغد بعرفات.

وقيل: التروية الإرواء فإن أهل مكة كانوا يجمعون الماء للحجيج الذي يقصدونهم من الآفاق فيتسعون في الماء بعدما تعبوا في الطريق من قلة الماء، أو لأنهم يتزوّدون الماء إلى عرفة، أو لأن المذنبين كالعطاش وردوا بحار الرحمة فشربوا منها حتى رووا.

أما يوم عرفة فقيل: إنه من المعرفة لأن آدم وحوّاء عليهما السلام التقيا بعرفة فعرف أحدهما صاحبه، عن ابن عباس أو لأن جبريل  علم آدم مناسك الحج فلما وقف بعرفات قال له: أعرفت؟

قال: نعم.

أو لأن إبراهيم  عرفها حين رآها بما تقدم من النعت والصفة.

عن علي  وابن عباس وعطاء والسدي.

أو لأن جبريل عرف بها إبراهيم المناسك وقد مر في قوله ﴿ وأرنا مناسكنا  ﴾ أو لأن إبراهيم وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر بمكة ورجع إلى الشام ولم يتلاقيا سنين ثم التقيا يوماً بعرفات، وقد سبقت القصة في بناء البيت في قوله ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد  ﴾ ولما ذكرنا آنفاً من مقام إبراهيم أو لأن الحاج يتعارفون فيه إذا وقفوا، أو لأنه  يتعرف فيه إلى الحاج بالمغفرة والرحمة.

وقيل: اشتقاقها من الاعتراف لأن الناس يعترفون هنالك للحق بالربوبية والجلال، ولأنفسهم بالفقر واختلاف الحال.

يقال: إن آدم  وحوّاء لما وقفا بعرفات قالا ربنا ظلمنا أنفسنا، فقال الله  : الآن عرفتما أنفسكما.

وقيل: من العرف وهو الرائحة الطيبة لأن المذنبين يكتسبون بالمغفرة روائح طيبة عند الله مقام ضدها.

قال  "خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك" وقد يسمى يوم عرفة يوم إياس الكفار من الإسلام ويوم إكمال الدين ويوم إتمام النعمة ويوم الرضوان أخذاً من قوله  في المائدة ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً  ﴾ عن عمر وابن عباس: نزلت هذه الآية عشية يوم عرفة وكان يوم الجمعة والنبي  واقف بعرفة في موقف إبراهيم  في حجة الوداع وقد اضمحل الكفر وهدم منار الجاهلية.

فقال النبي  : "لو يعلم الناس مالهم في هذه الآية لقرت أعينهم" .

قال يهودي لعمر: لو أن هذه الآية أنزلت علينا لتخذنا ذلك اليوم عيداً فقال عمر: أما نحن فجعلناه عيدين.

وكان ذلك يوم عرفة ويوم جمعة يوم صلة الواصلين ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  ﴾ يوم قطيعة القاطعين ﴿ أن الله بريء من المشركين ورسوله  ﴾ يوم إقالة عثرة النادمين وقبول توبة التائبين ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ يوم وفد الوافدين في الخبر "الحاج وفد الله والحاج زوّار الله وحق على المزور الكريم أن يكرم زائره" يوم الحج الأكبر ﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر  ﴾ يوم خص صومه بكثرة الثواب قال  "صوم يوم التروية كفارة سنة وصوم يوم عرفة كفارة سنتين" وقال "من صام يوم التروية أعطاه الله مثل ثواب أيوب على بلائه، ومن صام يوم عرفة أعطاه الله مثل ثواب عيسى بن مريم" أقسم الله  به في قوله عز من قائل ﴿ والشفع والوتر  ﴾ عن ابن عباس: الشفع يوم التروية وعرفة، والوتر يوم النحر يوم خص بكثرة الرحمة وسعة المغفرة.

وعن عائشة أن رسول الله  قال: "ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو يتجلى ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء اشهدوا ملائكتي أني قد غفرت لهم" ولا ضير أن نشير ههنا إلى أعمال الحج إشارة خفيفة.

اعلم أنه من دخل مكة محرماً في ذي الحجة أو قبله فإن كان مفرداً أو قارناً طاف طواف القدوم وأقام على إحرامه حتى يخرج إلى عرفات، وإن كان متمتعاً طاف وسعى وحلق وتحلل من عمرته وأقام إلى وقت خروجه إلى عرفات، وحينئذ يحرم من جوف مكة بالحج ويخرج، وكذلك من أراد الحج من أهل مكة.

والسنة للإمام أن يخطب بمكة اليوم السابع من ذي الحجة بعدما صلى الظهر خطبة واحدة يأمر الناس فيها بالذهاب غداً بعد أن يصلوا الصبح إلى منى، ويعلمهم تلك الأعمال.

ثم إن القوم يذهبون يوم التروية إلى منى بحيث يوافون الظهر بمنى ويصلون بها مع الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح من يوم عرفة، ثم إذا طلعت الشمس على ثبير توجهوا إلى عرفات، فإذا دنوا منها فالسنة أن لا يدخلوها بل تضرب قبة الإمام بنمرة.

روي أن النبي  مكث حتى طلعت الشمس ثم ركب وأمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة فنزل بها.

فإذا زالت الشمس خطب الإمام خطبتين يبين لهم مناسك الحج ويحرضهم على إكثار الدعاء والتهليل بالموقف، وبعد الفراغ من الخطبة الأولى جلس ثم قام وافتتح الخطبة الثانية والمؤذنون يأخذون في الأذان معه.

ويخفف بحيث يكون فراغه منها مع فراغ المؤذنين من الأذان، ثم ينزل فيقيم المؤذنون فيصلي بهم الظهر، ثم يقيمون في الحال فيصلي.

بهم العصر، وهذا الجمع متفق عليه.

ثم بعد الفراغ من الصلاة يتوجهون إلى عرفات فيقفون عند الصخرات لأن النبي  وقف هناك، وإذا وقفوا استقبلوا القبلة ويذكرون الله  ويدعونه إلى غروب الشمس.

والوقوف ركن لا يدرك الحج إلا به، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج لقوله  "الحج عرفة" فمن فاته عرفة فقد فاته الحج.

وقد يستدل بالآية أيضاً على ذلك لأنها دلت على ذكر الله عند المشعر الحرام عقيب الإفاضة من عرفات.

والإفاضة من عرفات لا تتصور إلا بعد الحصول بعرفات.

وجمهور الفقهاء على أن الوقوف بالمشعر الحرام ليس بركن لأنه  أمر بالذكر عنده، فالوقوف به تبع لا أصل بخلاف الوقوف بعرفة لأنه جعله أصلاً حيث لم يقل فإذا أفضتم عن الذكر بعرفات.

ووقت الوقوف يدخل بزوال الشمس يوم عرفة ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر وذلك نصف يوم وليلة كاملة، وإذا حضر الحاج هناك في هذا الوقت لحظة واحدة من ليل أو نهار كفى.

وقال أحمد: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر.

وإذا غربت الشمس دفع الإمام من عرفات وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بالمزدلفة.

قيل: سمي بها لأنهم يقربون فيها من منى والازدلاف القرب.

وقيل: لأن الناس يجتمعون بها، والازدلاف الاجتماع.

وقيل: لأنهم يزدلفون إلى الله أي يتقربون بالوقوف فيها.

ويقال: للمزدلفة جمعم لأنه يجمع فيها بين صلاتي المغرب والعشاء عن قتادة: وقيل: لأن آدم  اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها أي دنا منها.

ثم إذا أتى الإمام المزدلفة جمع بين المغرب والعشاء بإقامتين.

ثم يبيتون بها فإن لم يبت بها فعليه دم شاة.

فإذا طلع الفجر صلوا الصبح بغلس.

والتغليس بالفجر ههنا أشد استحباباً منه في غيرها وهو متفق عليه.

فإذا صلوا الصبح أخذوا منها الحصى للرمي، يأخذ كل إنسان سبعين حصاة ثم يذهبون إلى المشعر الحرام، وهو جبل يقول له قزح فيرقى فوقه إن أمكنه أو وقف بالقرب منه إن أمكنه، ويحمد الله ويهلله ويكبره، ولا يزال كذلك حتى يسفر جداً، ثم يدفع قبل طلع الشمس.

ويكفي المرور كما في عرفة ثم يذهبون منه إلى وادي محسر، فإذا بلغوا بطن محسر فمن كان راكباً يحرك دابته، ومن كان ماشيا يسعى سعياً شديداً قدر رمية حجر.

فإذا أتى منى رمى جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات ويقطع التلبية إذا رمى، ثم بعدما رمى جمرة العقبة ذبح الهدي إن كان معه هدي وذلك سنة لو تركه لا شيء عليه لأنه ربما لا يكون معه هدي.

ثم بعدما ذبح الهدي يحلق رأسه أو يقصر، ثم بعد الحلق أتى مكة ويطوف بالبيت طواف الإفاضة وهو الركن ويصلي ركعتي الطواف ويسعى بين الصفا والمروة، ثم بعد ذلك يعود إلى منى في بقية يوم النحر، وعليهم البيتوتة بمنى ليالي التشريق لأجل الرمي.

واعلم أن من مكة إلى منى فرسخين، ومن منى إلى عرفات فرسخين، ومزدلفة متوسطة بين منى وعرفات منها إلى كل واحد منهما فرسخ، ولا يقفون بها في سيرهم من منى إلى عرفات.

والحاصل أن أعمال الحج يوم النحر إلى أن يعود إلى منى أربعة: رمي جمرة العقبة والذبح والحلق والتقصير والطواف طواف الإفاضة ويسمى طواف الزيارة أيضاً لأنهم يأتون من منى زائرين للبيت ويعودون في الحال.

والترتيب في الأعمال الأربعة على النسق المذكور مسنون وليس بواجب.

أما أنه مسنون فلأن النبي  فعلها، وأما أنه ليس بواجب فلماروي عن عبد الله بن عمرو قال: " وقف رسول الله  بمنى للناس يسألونه فجاء رجل فقال: يا رسول الله إني حلقت قبل أن أرمي.

قال: ارم ولا حرج.

وأتاه آخر فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي قال: ارم ولا حرج.

وأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي فقال: ارم ولا حرج، فما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال: افعل ولا حرج" .

وعن مالك وأحمد وأبي حنيفة أن الترتيب بينها واجب ولو تركه فعليه دم على تفصيل ليس ههنا موضع بيانه.

ثم إن أهل الجاهلية كانوا قد غيروا مناسك الحج من سنة إبراهيم  .

وذلك أن الحمس كانوا لا يقفون بعرفات ويقولون: لا نخرج من الحرم ولا نتركه في وقت الطاعة، وكان غيرهم يقفون بعرفة والذين كانوا يقفون بعرفة يفيضون قبل أن تغرب الشمس، والذين يقفون بمزدلفة إذا طلعت الشمس ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير أي نسرع للنحر.

وقيل: أي ندفع من مزدلفة فندخل في غور الأرض.

وثبير جبل هناك فأمر الله  نبينا  بمخالفة القوم في الدفعتين فأمره بأن يفيض من عرفات بعد غروب الشمس.

وبأن يفيض من المزدلفة قبل طلوع الشمس، فإن السنة أيضاً من قبيل الوحي.

قال الواحدي: المشعر الحرام هو المزدلفة سماه الله  بذلك لأن الصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده.

وقال في الكشاف: المشعر الحرام قزح وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة، أي: يوقد هناك النار في الجاهلية، قال: وقيل المشعر الحرام ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام.

قال: والصحيح أنه الجبل لما روى جابر أن النبي  لما صلى الفجر - يعني بالمزدلفة - بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل ولم يزل واقفاً حتى أسفر.

وقال: عند المشعر الحرام معناه ما يلي المشعر الحرام قريباً منه وذلك للفضل كالقرب من جبل الرحمة وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، أو جعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به عند المشعر.

والمشعر المعلم لأنه معلم لعبادته ووصف بالحرام لحرمته.

وأما الذكر المأمور به هناك فقيل: هو الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء.

والصلاة تسمى ذكراً قال  ﴿ وأقم الصلاة لذكري  ﴾ والدليل عليه أن ﴿ فاذكروا ﴾ أمر فهو للوجوب ولا ذكر يجب هناك إلا هذا، والجمهور على أن المراد ذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل.

عن ابن عباس أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون ﴿ كما هداكم ﴾ "ما" مصدرية أو كافة.

أطلق الأمر بالذكر أوّلاً ثم قيده ثانياً.

والمعنى: اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة كي تكونوا شاكرين والهداية إما كل أنواع الهدايات أو الهداية إلى سنة إبراهيم في مناسك الحج، أو اذكروا كما علمكم كيف تذكرونه لا تعدلوا عنه بحسب الرأي والقياس، فإن أسماء الله  توقيفية أو الذكر الأول محمول على الذكر باللسان، والثاني على الذكر بالقلب.

أو المعنى اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته، أو المراد بتثنية الأمر تكريره وتكثيره كقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً  ﴾ وعلى هذا فيكون قوله ﴿ كما هداكم ﴾ متعلقاً بالأمرين جميعاً، أو الذكر الأول مقيد بأنه عند المشعر الحرام والثاني مطلق يدل على وجوب ذكره في كل مكان وعلى كل حال.

فالأول إقامة للوظيفة الشرعية والثاني ارتقاء إلى معارج الحقيقة وهو أن ينقطع القلب عن المشعر الحرام بل عن كل ما سواه من حلال وحرام.

أو المراد بالأول الجمع بين الصلاتين هناك وبالثاني التسبيح والتحميد ﴿ وإن كنتم من قبله ﴾ من قبل الهدى، أو من قبل الرسول، أو من قبل إنزال الكتاب الذي بين فيه معالم دينكم ﴿ لمن الضالين ﴾ الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه.

"وإن" هي المحففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ﴿ ثم أفيضوا ﴾ في هذه الإفاضة قولان: أحدهما أنه الإفاضة من عرفات وعلى هذا فالأكثرون قالوا: إنه أمر لقريش وحلفائها وهم الحمس لأنهم كانوا لا يتجاوزون المزدلفة ويتعللون بأن الحرم أشرف من غيره، فالوقوف به أولى.

وبأنهم أهل الله وقطان حرمه فلا يليق بحالهم أن يساووا الناس بالوقوف في الموقف ترفعاً وكراً.

روي أن النبي  لما جعل أبا بكر أميراً في الحج أمره بإخراج الناس إلى عرفات.

فلما ذهب مر على الحمس وتركهم فقالوا له: إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك؟

فلا تذهب.

فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر الله إلى عرفات ووقف بها وأمر سائر الناس بالوقوف بها.

والحاصل ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس الواقفون بعرفات لا من المزدلفة.

ومعنى "ثم" التفاوت بين الإفاضتين وأن الإفاضة المأمور بها صواب والأخرى خطأ كما تقول "أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم" تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى كريم والإحسان إلى غيره، وبهذا التحقيق لا يلزم عطف الشيء على نفسه.

وصيرورة المعنى: فإذا أفضتم من عرفات فأفيضوا من عرفات، ولا أن يقدر تقديم هذه الآية على ما قبلها في الوضع.

ومن القائلين بأن المراد الإفاضة من عرفات من قال إنه أمر الناس جميعاً.

وقوله ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ المراد به إبراهيم  وإسماعيل  فإن من سنتهما ذلك.

وروي أن النبي  كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس ويخالف الحمس.

وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيساً مقتدى به.

﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ ﴿ الذين قال لهم الناس  ﴾ يعني نعيم بن مسعود ﴿ إن الناس ﴾ يعني أبا سفيان.

ووجه ثالث وهو أن يكون قوله ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفات وأن ما عداه مبتدع كما يقال "هذا مما فعله الناس قديماً".

القول الثاني عن الضحاك أن المراد الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر، وقوله ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ يعني إبراهيم وإسماعيل ومتبعيهما فإن طريقتهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول  ، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس فأمرهم الله  بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

وأورد على هذا القول أن استعمال "حيث" للزمان قليل، ويمكن أن يجاب بأن القرآن أولى ما يحتج به.

وعن الزهري: أن الناس في هذه الآية آدم  واحتج بقراءة سعيد بن جبير ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ بكسر السين اكتفاء من الياء بالكسرة من قوله ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى  ﴾ والمعنى: أن الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تتركوه.

﴿ واستغفروا الله ﴾ من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم، وليكن الاستغفار باللسان مع التوبة بالقلب وهي أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ويعزم أن لا يقصر فيما بعده ابتغاء لمرضاة الله لا للمنافع العاجلة.

والاستغفار بالحقيقة يجب على كل مكلف وإن لم يعلم من ظاهر حاله خطيئة فإن النقص لازم الإمكان، والقصور من خصائص الإنسان وكيف لا وقد قالت الملائكة وإنهم أرفع حالاً ما عبدناك حق عبادتك.

وصورة الاستغفار على ما روى البخاري في صحيحه عن شداد بن أوس أن النبي  قال: "سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك وأبوء بذنبي فاغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" ولو اقتصر على قوله "أستغفر الله" كفى.

ولو زاد فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وأنت التواب الرحيم.

أو قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ذا الجلال والإكرام.

من كل ذنب أذنبته ومعصية ارتكبتها، وأتوب إليه من الذنب الذي أعلم ومن الذي لا أعلم كان حسناً.

﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ بناءان للمبالغة كما مر مراراً.

واختلف أهل العلم في المغفرة الموعودة في هذه الآية.

فمن قائل إنها عند الدفع من عرفات إلى جمع بناء على القول الأول في الإفاضة، ومن قائل إنها عند الدفع من جمع إلى منى بناء على القول الآخر.

قوله عز من قائل ﴿ فإذا قضيتم مناسككم ﴾ أي فرغتم من عباداتكم التي أمرتم بها في الحج، أو من أعمال مناسككم إذ المناسك جمع المنسك.

وأنه يحتمل أن يكون مصدراً وأن يكون اسم مكان.

وعن مجاهد أن قضاء المناسك هو إراقة الدماء.

عن ابن عباس: أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم بعد أيام التشريق يقفون بين مسجد منى وبين الجبل ويذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم ويتناشدون فيها الأشعار وغرضهم الشهرة والترفع بمآثر سلفهم.

فلما أنعم الله عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لربهم لا لآبائهم.

ثم الفاء في قوله ﴿ فاذكروا الله ﴾ تدل على أن الفراغ من المناسك يوجب هذا الذكر فلهذا قيل: هو الذكر على الذبيحة، وقيل: هو التكبيرات بعد الصلاة في أيام النحر والتشريق وقيل: هو الإقبال على الدعاء والاستغفار بعد الفراغ من الحج كالأدعية المأثورة عقيب الصلوات المكتوبة.

وقيل: معناه فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار البشرية وقهرتم القوى الطبيعية وأمطتم الأذى من طريق السلوك، فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير القلب بذكر الله فإن التخلية ليست مقصودة بالذات، وإنما الغرض منها التخلية بمواجب السعادات الباقيات، فالأولى نفي والثاني إثبات.

ومعنى ﴿ كذكركم آباءكم ﴾ توفروا على ذكر الله كما كنتم تتوفرون على ذكر الآباء، وأقيموا الثناء على الله مقام تعداد مفاخر الآباء فإنه إن كان كذباً أوجب الدناءة في الدنيا والعقوبة في العقبى، وإن كان صدقاً استتبع العجب والتباهي، وإن كانوا يذكرون الآباء ليتوسلوا بذلك إلى إجابة الدعاء فالإقبال بالكلية على مولي النعماء أولى مع أن حسنات آبائهم محبطة لسبب إشراكهم.

وعن الضحاك والربيع: اذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم وذلك قول الصبي أول ما ينطق "أبه أبه أمه أمه" أي كونوا مواظبين على ذكر الله كما يكون الصبي في صغره مواظباً على ذكر أبيه وأمه، فاكتفي بالآباء عن الأمهات كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ وقال أبو مسلم: جرى ذكر الآباء مثلاً لدوام الذكر.

والمعنى: كما أن الرجل لا ينسى ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر الله.

وقال ابن الأنباري: العرب أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء فقال  : عظموا الله كتعظيمكم آباءكم.

وقد نهى رسول الله  عن الحلف بالآباء وقال "من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" وقيل: اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية فإن الواحد منكم لو نسب إلى والدين تأذى منه واستنكف.

وقيل: كما أن الطفل يرجع إلى أبيه في طلب المهمات وكفاية الملمات فكونوا أنتم في ذكر الله كذلك.

وعن ابن عباس معنى الآية أن تغضب لله إذا عصي أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء.

وقوله ﴿ أو أشد ذكراً ﴾ إما في موضع جر عطفاً على ما أضيف إليه الذكر في قوله ﴿ كذكركم ﴾ كما تقول "كذكر قريش آباءهم أو قوم أشد منهم ذكراً.

وإما في موضع نصف عطفاً على ﴿ آباءكم ﴾ بمعنى أو أشد ذكراً من آبائكم على أن ﴿ ذكراً ﴾ من فعل المذكور وهو الآباء لا فعل الذاكر وهو الأبناء، فإن الذكر بل كل فعل معتدٍ له اعتبارات اعتبار وقوعه على المفعول، واعتبار صدوره عن الفاعل.

وذلك الفعل بأحد الاعتبارين مغاير له بالاعتبار الآخر.

وإنما لزم اعتبار الفعل ههنا من جهة وقوعه على المفعول لأنّ الآباء المفضل عليهم المذكورون لا الذاكرون.

ويحتمل أن يقال: المعنى فاذكروا الله ذكراً مثل ذكركم آباءكم أو أشد ذكراً.

ولكن برد عليه أن أفعل إنما يضاف إلى ما بعده إذا كان من جنس ما قبله كقولك: "وجهك أحسن وجه" أي أحسن الوجوه.

فإذا نصب ما بعده كان غير الذي قبله كقوله "زيد أفره عبداً".

فالفراهة للعبد لا لزيد.

والمذكور قبل ﴿ أشد ﴾ ههنا هو الذكر والذكر لا يذكر حتى يقال "أشد ذكراً إنما قياسه أن يقال: الذكر أشد ذكر جراً إضافة.

وفيه وجه نصبه على ما قال أبو علي أن يجعل الذكر ذاكراً مجازاً.

ويجوز نسبة الذكر إلى الذكر بأن يسمع إنسان الذكر فيذكر، فكأن الذكر قد ذكر لحدوثه بسببه وعلى جميع الوجوه.

فمعنى "أو" ههنا ليس هو التشكيك وإنما المراد به النقل عن الشيء إلى ما هو أقرب وأولى كقول رجل لغيره "افعل هذا إلى شهر أو أسرع منه".

وإنما أمر الله تعالى أن يكون ذكره أشد لأن مفاخر آبائهم متناهية وصفاته الكمالية غير متناهية، وتلك مشكوكة وهذه متيقنة، وغاية الأول تضييع وحرمان، ولازم الثاني نور وبرهان.

ثم إنه تعالى بعدما أمر بالعبادة تصفية للنفس وتخلية لها عن ظلمات الكبر والضلال وأمر عقيب ذلك بتنوير الباطن بنور الجلال والجمال بكثرة الاشتغال بذكر الكبير المتعال، نبه على حسن طلب مزيد الإنعام والإفضال فذكر أن الناس فريقان: منهم من قصر دعاءه على طلب اللذات العاجلة، ومنهم من أضاف إلى ذلك الطلب نعيم الآخرة وأهمل القسم الثالث وهو أن يكون دعاؤه مقصوراً على طلب الآخرة تنبيهاً على أن ذلك غير مشروع ومن حقه أن لا يوجد، فإن الإنسان خلق ضعيفاً لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بعذاب النار.

فالأولى به أن يستعيذ بربه من آفات الدنيا الآخرة.

عن أنس "أن النبي  دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض فقال له: ما كنت تدعو الله به؟

قال: كنت أقول: اللهم إذا كنت تعاقبني به في الآخرة فعجلنيه في الدنيا فقال النبي  : سبحان الله إنك لا تطيق ذلك ألا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟

فدعا له رسول الله  فشفي" .

والإنصاف أنه  لو سلط الألم على عرق واحد في البدن أو على منبت شعرة واحدة عجز الإنسان عن الصبر عليه، وقد يفضي ذلك به إلى الجزع ويعوقه عن اكتساب الكمالات، ويحمله على إهمال وظائف الطاعات، ومن ذا الذي يستغني عن إمداد الله إياه في دنياه وعقباه؟!

ثم المقصرون في الدعاء على طلب الدنيا من هم؟

عن ابن عباس: أنهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ارزقنا إبلاً وبقراً وغنماً وإماء وعبيداً.

وذلك لأنكارهم البعث والمعاد.

وعن أنس: كانوا يقولون: اسقنا المطر وأعطنا على عدوّنا الظفر، ويحكى عن أبي علي الدقاق أنه قال: أهل النار يستغيثون ثم يقولون: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله في الدنيا.

طلب المأكول والمشروب وفي النار طلب المأكول والمشروب، فلما غلبتهم شهواتهم افتضحوا في الدنيا والآخرة وقال الآخرون.

يحتمل أن يكونوا مسلمين وعوقبوا لأنهم سألوا الله في أعظم المواقف وأشرف المشاهد أخس البضائع وأدون المطالب المشبه تارة بكنيف وأخرى بأحقر من جناح بعوضة، معرضين عن العيش الباقي والنعيم المقيم.

وقوله ﴿ ربنا آتنا في الدنيا ﴾ متروك المفعول الثاني لأنه كالمعلوم، ويحتمل أن يكون من قولهم "فلان معط" أي موجد الإعطاء، معناه اجعل إعطاءنا في الدنيا خاصة.

واعلم أن مطامح النفس في الدنيا إحدى ثلاث خصال: روحانية هي تكميل القوة النظرية بالعلم وتتميم القوّة العملية بتحصيل الأخلاق الفاضلة، وبدنية هي الصحة والجمال، وخارجية هي الجاه والمال.

وكل من لا يؤمن بالبعث فإنه لا يطلب فضيلة روحانية ولا جسمانية إلا لأجل الدنيا.

فيطلب العلم لأجل الترفع على الأقران ويكتسب الأخلاق لتدبير الأمور المنزلية والمدنية.

فلما قال عز من قائل ﴿ وماله في الآخرة من خلاق ﴾ أي طلب نصيب حذف مفعول ﴿ آتنا ﴾ لأن كل من ليس له في الآخرة طلب، ولا لهمه إلى اقتناء السعادات الباقيات نزاع وطموح، فمطلوبه عبث وسفه ووبال وضلال أي شيء فرضت علماً وعملاً روحانياً أو جسمانياً.

اللهم اجعلنا ممن لا ينظر في أي شيء بنظر إلا إليك، ولا يرغب في كل ما يرغب إلا لأجل ما لديك إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين.

ثم إنه  لم يذكر في هذه الآية أن هذا الفريق مجابة دعوتهم أولاً.

فقال طائفة من العلماء: إنهم ليسوا بأهل للإجابة، لأن كون الإنسان مجاب الدعوة صفة مدح ولا يليق إلا بأولياء الله والمرتضين من عباده وقال آخرون قد يكون الإنسان مجاباً لا كرامة واجتباء بل مكراً واستدراجاً ويؤيده قوله  ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب  ﴾ وعلى هذا يصح أن يقال في الآية إضمار أي يقول: ربنا آتنا في الدنيا فيؤتيه الله في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق.

لأن همته مقصورة على الدنيا.

والحسنتان في دعاء الصالحين.

أما في الدنيا فالصحة والأمن والكفاية والولد الصالح والزوجة الصالحة والنصرة على الأعداء، وقد سمى الله  الخصب والسعة في الرزق وما أشبه ذلك حسنة ﴿ إن تصبك حسنة تسؤهم  ﴾ ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين  ﴾ قيل: إما النصرة وإما الشهادة.

وأما في الآخرة فالفوز بالثواب والخلاص من العقاب، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع.

صرح بذلكفي قوله ﴿ وقنا عذاب النار ﴾ وهذه بالجملة كلمة جامعة لجميع خيرات الدنيا والآخرة.

روى حماد بن سلمة عن ثابت أنهم قالوا لأنس: ادع لنا فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

قالوا: زدنا فأعادها قالوا: زدنا قال: فما تريدون سألت لكم خير الدنيا والآخرة.

وعن علي  الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء.

وعذاب النار امرأة السوء.

وقيل: الحسنة في الدنيا العمل النافع وهو الإيمان والطاعة، وفي الآخرة التنعم بذكر الله والإنس به وبرؤيته.

قلت: لا تلذذ في الدنيا والآخرة إلا بهذا.

الجسم مني للجليس مجالس *** وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي وعن قتادة الحسنتان طلب العافية في الدارين.

وعن الحسن: هي في الدنيا فهم كتاب الله، وفي الآخرة الجنة.

ومنشأ البحث مجيء الحسنة منكرة في حيز الإثبات، فكل من المفسرين حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة عقلاً أو شرعاً.

ويمكن أن يقال: التنوين للتعظيم أي حسنة وأي حسنة أو يريد حسنة توافق حال الداعي وحكمة المدعو، وفيه من حسن الطلب ورعاية الطلب ورعاية الأدب ما ليس في التصريح به فإنه لا يكون إلا ما يشاء أو يريد حسنة ما وإن كانت قليلة، فإن النظر إلى المنعم لا إلى الإنعام.

قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقال له قليل.

﴿ أولئك ﴾ الداعون بالحسنتين ﴿ لهم نصيب ﴾ وأي نصيب ﴿ مما كسبوا ﴾ من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة.

فمن للابتداء.

ويحتمل التعليل أي من أجل ما كسبوا كقوله ﴿ مما خطيئاتهم أغرقوا  ﴾ والكسب ما يناله المرء بعمله ومنه يقال للأرباح "إنها كسب فلان" أولهم نصيب مما دعوا به يعطيهم بحسب مصالحهم في الدنيا واستحقاقهم في الآخرة وسمي الدعاء كسباً لأنه من الأعمال والأعمال موصوفة بالكسب ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم  ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ أولئك ﴾ للفريقين جميعاً وأن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا.

﴿ والله سريع الحساب ﴾ السرعة نقيض البطء.

والحساب مصدر كالمحاسبة وهو العدّ قال الزجاج: هو مأخوذ من قوله "حسبك كذا" أي كفاك.

وذلك أن فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان.

ومعنى كون الله محاسباً لخلقه قيل: إنه يعلمهم ما لهم وعليهم بأن يخلق العلم الضروري في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها، أو بمقادير ما لهم من الثواب والعقاب.

ووجه هذا المجاز أن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بماله وعليه، فإطلاق الحساب على هذا الإعلام إطلاق اسم السبب على المسبب.

عن ابن عباس أنه قال: لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله يعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم فيقال لهم: هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها، ثم يعطون حسناتهم ويقال: هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم.

وقيل: المحاسبة المجازاة ﴿ وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً  ﴾ ووجه المجاز أن الحساب سبب للأخذ والإعطاء.

وقيل: إنه  يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية ما لها من الثواب والعقاب.

فمن قال: إن كلامه ليس بحرف ولا صوت قال: إنه  يخلق في أذن المكلف سمعاً يسمع به كلامه القديم كما يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة.

ومن قال: إنه صوت قال: إنه  يخلق كلاماً يسمعه كل مكلف.

إما بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كل واحد منهم و في جسم يقرب من أذنه بحيث لا يبلغ قوة ذلك الصوت مبلغاً يمنع الغير من فهم ما كلف به، فهذا هو المراد من كونه محاسباً لخلقه، ومعنى كونه سريع الحساب أو قدرته  متعلقة بجميع الممكنات من غير أن يفتقر في أحداث شيء إلى فكر وروية ومدة وعدّة، ولذلك ورد في الخبر أنه يحاسب الخلق في مقدار حلب شاة، وروي في لمحة.

أو أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم لأنه قادر على أن يعطي مطالب جميع الخلائق في لحظة واحدة كما ورد في الدعاء المأثور "يا من لا يشغله سمع عن سمع"، أو أن وقت جزائه وحسابه سريع يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد كقوله  ﴿ اقترب للناس حسابهم  ﴾ وقوله  ﴿ واذكروا الله ﴾ أي بالتكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار يكبر مع كل حصاة.

وفيه دليل على وجوب الرمي لأن الأمر بالتكبير أمر بالذي يتوقف التكبير على حضوره، وإنما اختير هذا النسق لأنهم ما كانوا منكرين للرمي وإنما كانوا يتركون ذكر الله  عنده ﴿ في أيام معدودات ﴾ هي أيام التشريق ثلاثة أيام بعد النحر: أولها يوم القر لأن الناس تستقر فيه بمنى.

والثاني يوم النفر الأول لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى.

والثالث يوم النفر الثاني.

عن عبد الرحمن بن معمر الديلي أن رسول الله  أمر منادياً ينادي الحج عرفة.

من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج وأيام منى ثلاثة من تعجل في يومين فلا إثم عليه واعلم أن التكبير المشروع في غير الصلاة وخطبة العيدين نوعان: مرسل ومقيد.

فالمرسل هو الذي لا يتقيد ببعض الأحوال بل يؤتى به في المنازل والمساجد والطرق ليلاً ونهاراً كما مر في تفسير قوله تعالى ﴿ ولتكبروا الله على ما هداكم  ﴾ وذكرنا صورة التكبير هناك أيضاً.

ولا فرق في التكبير المرسل بين عيد الفطر والأضحى.

وأما التكبير المقيد فأظهر الوجهين أنه لا يستحب في عيد الفطر لم ينقلوا ذلك عن قول رسول الله  ولا أصحابه، وإنما يستحب في الأضحى.

وتقييده هو أن يؤتى به في أدبار الصلوات خاصة.

واختلفوا في ابتدائه وانتهائه فقيل: من طهر يوم النحر إلى ما بعد طلوع الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبيرات على هذا في خمس عشرة صلاة وهو قول ابن عباس وابن عمر وبه قال مالك والشافعي في أشهر أقواله، وحجتهم أن الناس فيه تبع للحجاج وهم يبتدؤن التكبير عقيب الظهر يوم النحر إلى مضي خمس عشرة صلاة.

فيكون آخرها صلاة الصبح من آخر أيام منى وذكرهم قبل ذلك التلبية.

والقول الثاني للشافعي أنه يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير في أعقاب ثماني عشرة صلاة.

والقول الثالث أنه يبتدأ من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر، فتكون التكبيرات بعد ثماني صلوات، وهو قول علقمة والأسود والنخعي وأبي حنيفة.

واعترض عليه بأن هذه التكبيرات تنسب إلى أيام التشريق، فوجب أن يؤتى بها فيها.

وإن انضم معها زمن آخر فلا أقل من أن تكون هي أغلب.

والقول الرابع يبتدأ به من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطع بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق، فيكبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة، وهو قول أكابر الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود  م وقول الثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق والمزني من الفقهاء لما روى جابر أن النبي  أصبح يوم عرفة ثم أقبل علينا وقال: " الله أكبر" .

ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق، ولأن هذا هو الأحوط فتكثير التكبير خير من تقليله.

وعلى هذا القول إنما تكون التكبيرات مضافة إلى أيام التشريق لأنها أكثر تلك المدة.

قال الجوهري: تشريق اللحم تقديده، ومنه أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها في الشمس.

وقيل: هو من قولهم "أشرق ثبير كيما نغير".

وقيل: سميت بذلك لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس.

وأما رمي أيام التشريق فإنه يجب أن يرمي كل يوم بين الزوال والغروب بكل جمرة من الجمرات الثلاث بالترتيب مبتدئاً من الجمرة الأولى من جانب المزدلفة ومختتماً برمي جمرة العقبة وهي التي تلي مكة رميات سبعاً في سبع دفعات لأن النبي  كذلك رماها.

وقال: خذوا عني مناسككم.

فجملة ما يرمي في الحج سبعون حصاة، يرمي إلى جمرة العقبة يوم النحر سبع حصيات، وإحدى وعشرون في كل يوم من أيام التشريق إلى الجمرات الثلاث إلى كل واحدة سبع تواتر النقل به قولاً وفعلاً، ويكبر مع كل حصاة.

وعلى الحجيج أن يبتوا بمنى الليلتين الأوليين من ليالي التشريق، فإذا رموا اليوم الثاني فمن أراد منهم أن ينفر قبل غروب الشمس فله ذلك ويسقط عنه مبيت الليلة الثالثة والرمي من الغد وذلك قوله  ﴿ فمن تعجل ﴾ أي عجل أو استعجل ﴿ في يومين فلا إثم عليه ﴾ ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن يبيت الليلة الثالثة ويرمي يومها، وبه قال أحمد ومالك والشافعي.

وعند أبي حنيفة يسوغ النفر ما لم يطلع الفجر، فإذا طلع لزم التأخر إلى تمام الأيام الثلاثة وذلك قوله  ﴿ ومن تأخر فلا إثم عليه لمن التقى ﴾ قال في الكشاف: تعجل واستعجل يجيئان متعديين مثل تعجل الذهاب واستعجله، ويجيئان مطاوعين بمعنى عجل وهذا أوفق لقوله ﴿ ومن تأخر ﴾ والرمي في اليوم الثالث يجوز تقديمه على الزوال عند أبي حنيفة.

وعند الشافعي لا يجوز كسائر الأيام.

وقد سئل ههنا أن المتأخر قد استوفى ما عليه من العمل فكيف ورد في حقه ﴿ فلا إثم عليه ﴾ وهذا إنما يقال في حق المقصر الذي يظن أنه قد رهقه آثام فيما أقدم عليه.

فأجيب بأن الرخصة قد تكون عزيمة كالقصر عند أبي حنيفة والشيعة لا يجوز في السفر غيره، فلمكان هذا الاحتمال رفع الحرج في الستعجال والتأخر دلالة على أن الحاج مخير بين الأمرين، أو بأن أهل الجاهلية كانوا فريقين: منهم من يجعل المتعجل آثماً، ومنهم من يجعل المتأخر آثماً مخالفاً لسنة الحج، فبيّن الله  أن لا إثم على واحد منهما.

وقيل: إن المعنى في إزالة الإثم عن المتأخر إنما هو لمن زاد على مقام الثلاثة.

فكأنه قيل: إن أيام منى التي ينبغي المقام بها فيها ثلاثة، فمن نقص فلا إثم عليه، ومن زاد على الثلاثة ولم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه.

وقيل: إن الآية سيقت لبيان أن الحج مكفر للذنوب والآثام لا لبيان أن التعجل وتركه سيان كما أن الإنسان إذا تناول الترياق فالطبيب يقول له: الآن إذا تناولت السم فلا بأس، وإن لم تتناول فلا بأس، يريد أن الترياق دواء كامل في دفع المضار لا أن تناول السم وعدم تناوله يجريان مجرى واحداً.

وقيل: إن جوار البيت مكروه عند كثير من العلماء لأن ذلك قد يفضي إلى نقص حشمة البيت ووقعه في قلبه وعينه فأمكن أن يختلج في قلب أحد أن التعجيل أفضل بناء على هذا المعنى، ولما في التعجل من المسارعة إلى طواف الزيارة، فبيّن  أنه لا حرج في واحد منهما.

وقال الواحدي: هذا من باب رعاية المقابلة والمشاكلة مثل ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ بل ههنا أولى لأن المندوب يصدق عليه أنه لا إثم على صاحبه فيه، وجزاء السيئة ليس بسيئة أصلاً.

وأما قوله  ﴿ لمن اتقى ﴾ أي ذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي كيلا يتخالج في قلبه إثم منهما فإن ذا التقوى متحرز من كل ما يريبه.

وقيل: معناه أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقياً قبل حجة كقوله ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين  ﴾ أو لمن كان متقياً عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحج.

وقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ أي فيما يستقبل فيه حث على ملازمة التقوى فيما بقي من عمره وتنبيه على مجانبة الاغترار بالحج السابق كما أن قوله ﴿ واعلموا أنكم إليه تحشرون ﴾ توكيد للأمر بالتقوى وبعث على التشدد فيه لأن الحشر - وهو اسم يقع على ابتداء - خروج الناس من الأجداث إلى انتهاء الموقف يوجب تصوره، لزوم سيرة الاتقاء عن ترك الواجبات وفعل المحظورات.

والمراد من قوله ﴿ إليه ﴾ أنه حيث لا مالك سواه ولا ملجأ إلا إليه، ولا مستعان إلا هو ﴿ يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله  ﴾ .

التأويل: ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ هي مدة الحياة الفانية، وقيل إلى أربعين سنة، ولهذا قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد.

نعم لو صدق طلبه قبل الأربعين وما أمكنه الوصول فقريب أن يحصل مقصوده بعد الأربعين، ومن فاته الطلب في عنفوان شبابه إلى أن بلغ الأربعين فحري منه عليه الحيف إذ ضيع اللبن في الصيف، لكنه يصلح للعبادة التي أجرها الجنة.

﴿ فلا رفث ﴾ لا يميل إلى الدنيا وزينتها وليهجرها كالمحرم بعد الاغتسال بماء الإنابة بتزر بإزار التواضع والانكسار، ويتردى برداء التذلل والافتقار.

﴿ ولا فسوق ﴾ ولا خروج من الأوامر والنواهي بل لا يخرج من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت ﴿ ولا جدال في الحج ﴾ لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول لا بالفروع ولا بالأصول فلا في مالها مع أحد يخاصم ولا في جاهها لأحد يزاحم، فمن نازعه في شيء من ذلك يسلمها إليه ويسلم عليه ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ وتزودوا لكل سالك زاد.

فزاد أولي القشور كعك وسويق وهم الذين مقصدهم البيت ومقصودهم الجنة، وزاد أولي الألباب التقوى وهم من مقصدهم ومقصودهم رب البيت.

وتقوى أهل القشور مجانبة الزلات ومواظبة الطاعات، وتقوى أولي الألباب مجانبة الصفات بالصفات والذات بالذات.

فلما كان مقصودهم خير المقاصد كان زادهم خير الزاد ﴿ أن تبتغوا فضلاً ﴾ مقام ابتغاء الفضل بمعنى الرحمة بترك الموجود وبذل المجهود وهو في سيره إلى عرفات، ومقام ابتغائه بمعنى مواهب القربة ببذل الوجود عند الوقوف بعرفات، لأن الحج عرفة وعرفة المعرفة ومقام ابتغائه بمعنى الرزق هو قبل سيره إلى عرفات.

وقال جمع من المحققين: إنه بعد استكمال الحج الحقيقي لأنه لقوة عرفانه بالله لا تضره الدنيا بل يكون تصرفه فيها بالله في الله لله ﴿ عند المشعر الحرام ﴾ يعني القلب الذي حرام عليه الاطمئنان بغير ذكر الله ﴿ واذكروه كما هداكم ﴾ أي كما هدى قلوبكم يهدي نفوسكم كيلا تقع في خطر حب الدنيا.

﴿ وإن كنتم من ﴾ قبل الوقوف بعرفات المعرفة ﴿ لمن الضالين ﴾ في طلب الدنيا وحظوظ النفس ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ يعنى محمداً وسائر الأنبياء والأولياء أي لتكن الإفاضة من عرفات المعرفة لأجل أداء الحقوق بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ﴿ واستغفروا الله ﴾ لأجل إزالة غين المخالطة مع الخلق كقوله ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ إلى قوله ﴿ واستغفره  ﴾ أي إذا وجدت هذا لا تخلو عن خط ما فاستغفره ﴿ فإذا قضيتم ﴾ مناسك الوصال وبلغتم مبلغ الرجال فلا تأمنوا مكر الله وواظبوا على الذكر ﴿ كذكركم آباءكم ﴾ في صغركم للافتقار وفي كبركم للافتخار ﴿ أو أشد ذكراً ﴾ لأنه يمكن الاستغناء من الأب ولا يمكن الاستغناء من الله ﴿ والله سريع الحساب ﴾ لأن أثر الطاعة وأثر المعصية تظهر في الحال على القلب ﴿ في أيام معدودات ﴾ هي أيام البداية والوسط والنهاية ﴿ فمن تعجل في يومين ﴾ وقف على الوسط ليكون من أهل الجنة ﴿ فلا إثم عليه ومن تأخر ﴾ إلى أن يصل يوم النهاية حتى يكون من أهل الله فذاك لمن اتقى الرجوع والوقوف، والله ولي التوفيق وهو حسبي.

<div class="verse-tafsir"

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ ٢٠٤ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ ٢٠٥ وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُۥ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ٢٠٦ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ ٢٠٧ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةًۭ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ٢٠٨ فَإِن زَلَلْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٠٩ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍۢ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ٢١٠

القراءات: ﴿ مرضاة ﴾ بالإمالة والوقف بالهاء: علي.

وكذلك يقف على ﴿ هيهات ﴾ هيهاه وعلى ﴿ حدائق ذات ﴾ ذاه وعلى ﴿ أفرأيتم اللات ﴾ اللاه وعلى ﴿ ولات حين ﴾ ولاه، وعلى ﴿ مريم ابنة ﴾ ابنه.

وافق أبو عمر وفي ﴿ ولات حين ﴾ بالهاء ﴿ لسلم ﴾ بفتح السين.

أبو جعفر ونافع وابن كثير وعلي.

الباقون: بالكسر.

﴿ والملائكة ﴾ بالجر: يزيد عطفاً على "ظلل" أو على "الغمام" أو للجوار وإن كان فاعل "يأتهم".

الباقون: بالرفع ﴿ ترجع الأمور ﴾ حيث كان بفتح التاء وكسر الجيم: حمزة وعلي وخلف وابن عامر وسهل ويعقوب.

الباقون: بضم التاء وفتح الجيم.

الوقوف: ﴿ قلبه ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ الخصام ﴾ ه ﴿ والنسل ﴾ ط ﴿ الفساد ﴾ ط ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ مرضات الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ه ﴿ كافة ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الشيطان ﴾ ط مع احتمال الجواز ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ وقضى الأمر ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.

التفسير: لما آل أمر بيان الحج إلى تعديد فرق الناس بحسب أغراضهم في الدعاء، ناسب أن يعطف على ذلك تقسيم آخر يعرف منه مطامح أنظار الناس على الإطلاق ليعرف أرباب النفاق.

من أصحاب الوفاق.

عن السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي وهو حليف بني زهرة.

أقبل إلى النبي  بالمدينة فأظهر له الإسلام وزعم أنه يحبه وقال: والله يعلم أني لصادق.

فلما خرج من عند النبي  مر بزرع لقوم من المسلمين وحمر، فأحرق الزرع وعقر الحمر.

وقيل: إنه أشار على بني زهرة بالرجوع يوم بدر وقال لهم: إن محمداً ابن أختكم فإن يك كاذباً كفاكموه سائر الناس، وإن يك صادقاً كنتم أسعد الناس به.

فقالوا: نعم الرأي ما رأيت.

ثم خنس بثلثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله  فسمى بهذا السبب أخنس - وكان اسمه أبي بن شريق - فبلغ ذلك رسول الله  فأعجبه.

وعن ابن عباس والضحاك: أن كفار قريش بعثوا إلى النبي  أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفراً من علماء أصحابك فبعث إليهم جماعة، فلما كانوا ببعض الطريق ركب من الكفار سبعون راكباً فأحاطوا بهم فقتلوهم وصلبوهم ففيهم نزلت.

وقوله بعد ذلك ﴿ ومن الناس من يشري ﴾ إشارة إلى هؤلاء الشهداء.

واختيار المحققين من المفسرين أنه لا يمتنع أن تكون الآية نازلة في الرجل ثم تكون عامة في أمثاله.

فهذه الآية عامة في المنافقين، فإن ألسنتهم تحلو لي وقلوبهم أمر من الصبر.

والضمير في ﴿ يعجبك قوله ﴾ يعود إلى "من" ويحتمل أن يكون جمعاً ولكنه أفرد نظراً إلى اللفظ.

ومعنى يعجبك يروقك ويعظم في قلبك و ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ إما أن يتعلق بقوله أي يعجبك ما يقوله في باب الدنيا طلباً للمصالح العاجلة فقط كالأمان من القتل والأخذ من المغانم، و إما أن يتعلق بيعجبك لأن قوله وحلو كلامه إنما يعجب السامع في الدنيا ولا يعجبه في الآخرة لما يرهقه في الموقف من الهيبة والحيرة، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام.

والخطاب إما للنبي  ، أو لكل سامع.

﴿ ويشهد الله على ما في قلبه ﴾ يحتمل أن يكون ذلك الاستشهاد بالحلف، وأن يكون بقوله "شهد الله على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام".

﴿ وهو ألد الخصام ﴾ الألد الشديد الخصومة، واللديدان جانبا الوادي.

كأن كلاً من المتخاصمين في جانب.

ومنه اللدود وهو ما يصب من الأدوية في أحد شقي الفم.

وإضافة الألد بمعنى "في" كقولهم "ثبت الغدر" و "قتيل الصف" أو جعل الخصام ألد على المبالغة نحو "جد جده".

والخصام جمع خصم كصعاب في صعب.

والمعنى: هو أشد الخصوم خصومة.

والحاصل إنه جدل بالباطل شديد الفسوق في معصية الله عالم اللسان جاهل العمل، وإذا تولى عنك وذهب بعد إلانة القول وإحلاء المنطق سعى في الأرض ليفسد فيها كما فعل بأولئك المسلمين من إحراق الزروع وعقر المواشي.

وأصل السعي المشي بسرعة، وقد يستعار لإيقاع الفتنة والتخريب بين الناس.

وقيل: لما انصرف من بدر مر ببني زهرة وكان بينه وبين ثقيف خصومة، فبيتهم ليلاً وأهلك مواشيهم وأحرق زروعهم، وعلى هذا فيقع قوله ﴿ ويهلك الحرث والنسل ﴾ تفصيلاً لما أجمله قوله ﴿ ليفسد ﴾ وقيل: إفساده هو إلقاء الشبه في عقائد المسلمين، وعلى هذا فيكون إهلاك الحرث والنسل بمعنى آخر.

وهذا تفسير مناسب لأن كمال الإنسان بالعلم والعمل ونقصه بضدهما، فيكون الإفساد إشارة إلى نقص قوّته النظرية والإهلاك عبارة عن فعل المنكرات و فيه نقصان قوّته العملية.

وقيل: ﴿ وإذا توّلى ﴾ أي إذا كان والياً فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل.

وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل.

فالحرث الزرع، والنسل الولد.

ونسلت الناقة بولد كثير، والتركيب يدل على الخروج.

وقيل: إهلاك الحرث قتل النسوان ﴿ نساؤكم حرث لكم  ﴾ وإهلاك النسل إفناء الصبيان ﴿ والله لا يحب الفساد ﴾ قالت المعتزلة: معناه لا يريد الفساد.

وفيه دليل على أنه يريد القبائح وإذا لم يردها لم يخلقها لأن الخلق لا يمكن إلا بالإرادة.

ومنع من أن المحبة نفس الإرادة، بل المحبة عبارة عن مدح الشيء وذكره بالتعظيم.

ثم الدليل الدال على أن لا مرجح لأحد جانبي كل ممكن على الآخر إلا الله وإلا انسد باب إثبات الصانع يدل على أن الكل بإرادته ومشيئته، وقد مر تحقيق ذلك فيما سلف.

واعلم أنه  حكى عن المنافق جملة من الأفعال الذميمة.

أولها حسن كلامه في طلب الدنيا، وثانيها استشهاده بالله كذباً وبهتاناً، وثالثها لحاجة في إبطال الحق وإثبات الباطل، ورابعها سعيه في الأرض للإفساد، وخامسها سعيه في إهلاك الحرث والنسل.

فوقع قوله ﴿ والله لا يحب الفساد ﴾ جمله معترضة.

ثم ذكر خصلة سادسة أشنع من الكل دالة على جهله المركب وخروجه عن أن يرجى منه خير وذلك قوله ﴿ وإذا قيل له اتق الله ﴾ في ارتكاب شيء من هذه المنهيات.

والقائل إما الرسول  قولاً خاصاً أو عاماً لجميع المكلفين فيدخل المنافق فيه، وإما كل واعظ وناصح ﴿ أخذته العزة بالإثم ﴾ من قولهم "أخذت فلاناً بأن يفعل كذا" أي ألزمته ذلك وحملته عليه أي أخذته الغلبة والاستيلاء والأنفة وحمية الجاهلية أن يعمل الإثم، وذلك الإثم هو ترك الالتفات إلى هذا الوعظ وعدم الإصغاء إليه، أو من قوله "أخذته الحمى" أي لزمته، و "أخذه الكبر" أي اعتراه ذلك والمعنى لزمته العزة الحاصلة بسبب الإثم الذي في قلبه، وذلك الإثم هو الكفر والجهل وعدم النظر في الدلائل ﴿ فحسبه جهنم ﴾ كافية هي جزاء له يستوي فيه الواحد والجمع والتثنية والمذكر والمؤنث لأنه مصدر.

ورفعه على الخبرية أو على الابتداء إذا كان ما بعده معرفة، أو على الابتداء فقط إن كان نكرة مثل "حسبك درهم".

وعلى هذا تكون الإضافة معنوية ألبتة، وعلى تقدير كونه خبر الوقوع المعرفة بعده تكون الإضافة لفظية أي فحسب وكافٍ له.

قال يونس وأكثر النحويين: جهنم اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة وهي أعجمية وفيها العلمية والتأنيث.

وقال آخرون: إنه اسم عربي سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها.

حكي عن رؤبة أنه قال: ركية جهنام بكسر الجيم والهاء أي بعيدة القعر.

وقيل: اشتقاقها من الجهومة وهي الغلظ.

ومنه رجل جهم الوجه أي غليظه.

سميت بذلك لغلظ أمرها في العذاب والعقاب.

﴿ ولبئس المهاد ﴾ أي ما يمهد لأجله فإن المعذب في النار يلقى على النار كما يوضع الشخص على الفراش.

ويحتمل أن يكون مصدراً بمعنى التمهيد والتوطئة.

قوله  : ﴿ ومن الناس من يشري ﴾ الآية.

قال سعيد بن المسيب: أقبل صهيب مهاجراً نحو النبي  فاتبعه نفر من قريش فنزل عن راحلته وانتشل ما في كنانته وأخذ قوسه ثم قال: والله لا تصلون إليّ أو أرمي بكل سهم معي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي.

وإن شئتم دللتكم على مال دفنته بمكة وخليتم سبيلي ففعلوا.

فلما قدم على رسول الله  نزلت، فقال رسول الله  : " "ربح البيع أبا يحيى" وتلا الآية.

وقيل: أخذ المشركون صهيباً فعذبوه فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير لا يضركم، أمنكم كنت أم من غيركم.

فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟

ففعلوا ذلك.

وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر في رجال، فقال له أبو بكر: ربح بيعك أبا يحيى.

قال صهيب: وبيعك.

أفلا تخبرني ما ذاك؟

فقال: نزلت فيك كذا قرأ الآية.

عن الحسن: نزلت في أن المسلم أتى الكافر فقاتل حتى قتل.

وقيل: نزلت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

سمع عمر بن الخطاب إنساناً يقرأ هذه الآية فقال عمر: إنا لله قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل.

وقيل: نزلت في علي  بات على فراش رسول الله  ليلة خروجه إلى الغار.

ويروى أنه لما نام على فراشة قام جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبريل ينادي بخ بخ.

من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة ونزلت الآية.

ثم إن الآية تدل على أن ههنا مبايعة، فأكثر المفسرين على أن العامل هو البائع.

ومعنى يشري يبيع ﴿ وشروه بثمن بخس  ﴾ والله هو المشتري ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم  ﴾ وعمل المكلف وهو بذل نفسه في طاعة الله من الصلاة والصيام والحج والجهاد هو الثمن والجنة هي المثمن.

وقيل: يحتمل أن يراد بالشراء ههنا الاشتراء وذلك أن من أقدم على الكفر والمعاصي.

فكأن نفسه خرجت عن ملكه وصارت حقاً للنار، وإذا أقدم على الطاعة صار كأنه اشترى نفسه من النار فصار حال المؤمن كالمكاتب يبذل دراهم معدودة ويشتري بها نفسه، والمؤمن يبذل أنفاساً معدودة ويشتري بها نفسه، لكن المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم.

فكذا المكلف لا ينجو عن ربقة العبودية ما دام بقي له نفس واحد في الدنيا، وهذا كقول عيسى  ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً  ﴾ وقوله عز من قائل لنبيه ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ و ﴿ ابتغاء مرضات الله ﴾ أي طلب رضوانه نصب على العلة الغائية.

وفيه دليل على أن كل مشقة يتحملها الإنسان يجب أن تكون على وفق الشرع ومطلوباً بها جانب الحق وإلا كان عمله ضلالاً وكده وبالاً.

﴿ والله رؤف بالعباد ﴾ فمن رأفته جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل، وجوز لهم كلمة الكفر إبقاء على النفس ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ ومن رأفته أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها، ومن رأفته أن المصر على الكفر مائة سنة إذا تاب ولو في لحظة أسقط عقابه وأعطاه ثوابه، ومن رأفته أن النفس له والمال له ثم إنه يشتري ملكه بملكه فضلاً منه وامتناناً ورحمة وإحساناً.

قوله  ﴿ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ﴾ أصل السلم بالكسر، والفتح الاستسلام والطاعة.

ويطلق أيضاً على الصلح وترك الحرب والمنازعة.

وهو أيضاً راجع إلى هذا و إنه يذكر ويؤنث.

واختلف في المخاطبين فقيل: أمر للمسلمين بما يضاد حال المنافقين أي يا أيها الذين آمنوا بالألسنة والقلوب دوموا على الإسلام فيما تستأنفونه من أيامكم ولا تخرجوا منه ولا من شيء من شرائعه.

﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ لا تلتفتوا إلى الشبهات التي يلقيها إليكم أهل الغواية، والكائن في الدار إذا علم أن له في المستقبل خروجاً منها لا يمتنع أن يؤمر بدخولها في المستقبل حالاً بعد حال.

ومعلوم أن المؤمنين قد يخرجون عن خصال الإيمان بالنوم والسهو وغيرهما من الأحوال، فلا يبعد أن يأمرهم الله بالدخول في الإسلام فيما يستأنف من الزمان.

أو أمرهم بأن يكونوا مجتمعين في نصرة الدين واحتمال البلوى فيه.

ولا تتبعوا آثار الشيطان بالإقبال على الدنيا والجبن والخور في أمر الدين مثل ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا  ﴾ أو يكون المراد بالدخول في السلم ترك الذنوب والمعاصي، فإن من مذهبنا أن الإيمان باقٍ مع الذنب والعصيان، أو يكون المراد الرضا بالقضاء والتلقي لجميع المكاره بالبشر والطلاقة كما ورد في الخبر "الرضا بالقضاء باب الله الأعظم" أو يكون المراد ترك الانتقام وسلوك طريق العفو والإغماض ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ وقوله: ﴿ كافة ﴾ يصلح أن يكون حالاً من المأمورين أي ادخلوا بأجمعكم في السلم ولا تتفرقوا ولا تختلفوا وأن يكون حالاً من السلم على أنها مؤنث كالحرب أي ادخلوا في شرائع الإسلام كلها وأصل الكف المنع فسمي الجميع كافة لأن الاجتماع بمنع التفرق والشذوذ.

ورجل مكفوف أي كف بصره من أن ينظر.

وكفة القميص لأنها تمنع الثوب من الانتشار.

والكف طرف اليد لأنه يكف بها عن سائر البدن.

وقيل: الخطاب للمنافقين والتقدير: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكليتكم في الإسلام ولا تتبعوا آثار تزيين الشيطان وتسويله بالإقامة على النفاق.

وقيل: نزلت في مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه حين أرادوا أن يقيموا على بعض شرائع موسى كتعظيم السبت وقراءة التوراة واستأذنوا رسول الله  في ذلك، فأمروا أن يدخلوا في شرائع الإسلام كافة ولا يتمسكوا بشيء من أحكام التوراة لثبوت نسخها بالكلية، فإن التمسك بها بعد تبين نسخها من اتباع آثار الشيطان، وقيل: السلم الإسلام، والخطاب لأهل الكتاب، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بالكتاب المتقدم كملوا طاعتكم بالإيمان بجميع أنبيائه وكتبه، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بالشبهات التي يتمسكون بها في بقاء تلك الشريعة ﴿ إنه لكم عدوّ مبين ﴾ عن أبي مسلم أن المبين من صفات البليغ الذي يعرب عن ضميره، ولا يخفى أنه أعرب عن عداوته لآدم ونسله.

وقيل: مبين من الإبانة القطع وذلك أنه يقطع المكلف بوسوسته عن طاعة الله وثوابه ورضوانه.

قوله ﴿ فإن زللتم ﴾ المخاطبون ههنا هم المخاطبون في قوله ﴿ ادخلوا ﴾ فيجيء الخلاف ههنا بحسب الخلاف هناك.

والمعنى العام: فإن دحضت أقدامكم وانحرفتم عن الطريق الذي أمرتم به ﴿ من بعد ما جاءتكم البينات ﴾ الدلائل العقلية والسمعية على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق ﴿ فاعلموا أن الله عزيز ﴾ غالب لا يعجزه الانتقام منكم وهذه نهاية في الوعيد كما لو قال الوالد لولده: إن عصيتني فأنت عارف بي وبشدّة سطوتي.

كان أبلغ في الزجر من التصريح بضرب من ضروب العذاب.

وكما أن قوله ﴿ عزيز ﴾ يشتمل على الوعيد البليغ فقوله ﴿ حكيم ﴾ يشتمل على الوعد الحسن.

فإن اللائق بالحكمة تمييز المحسن من المسيء وأن لا يسّوي بينهما في الثواب والعقاب.

روي أن قارئاً قرأ غفور رحيم فسمعه أعرابي فأنكره ولم يقرأ القرآن وقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا.

الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه يكون إغراء عليه.

قوله ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ﴾ الآية معنى النظر ههنا الانتظار.

وأما إتيان الله فقد أجمع المفسرون على أنه  منزه عن المجيء والذهاب لأن هذا من شأن المحدثات والمركبات وأنه  أزلي فرد في ذاته وصفاته فذكروا في الآية وجهين: الأول: وهو مذهب السلف الصالح السكوت في مثل هذه الألفاظ عن التأويل وتفويضه إلى مراد الله  كما يروى عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن على أربعة أوجه: وجه لا يعذر أحد بجهالته، ووجه يعرفه العلماء ويفسرونه، ووجه يعرف من قبل العربية فقط، ووجه لا يعلمه إلا الله.

الثاني: وهو قول جمهور المتكلمين: أنه لا بد من التأويل على سبيل التفصيل.

فقيل: جعل مجيء الآيات مجيئاً له تفخيماً لها كما يقال "جاء الملك" إذا جاء جيش عظيم من جهته.

وقيل: المراد إتيان أمره وبأسه فحذف المضاف بدليل قوله في موضع آخر ﴿ أو يأتي أمر ربك  ﴾ ﴿ فجاءهم بأسنا ﴾ وأيضاً اللام في قوله ﴿ وقضى الأمر ﴾ تدل على معهود سابق وما ذاك إلا الذي أضمرناه.

لا يقال أمر الله عندكم صفة قديمة فالإتيان عليها معهود سابق وما ذاك إلا الذي أضمرناه.

لا يقال أمر الله عندكم صفة قديمة فالإتيان عليها محال.

وعند المعتزلة أصوات فتكون أعراضاً.

فالإتيان عليها أيضاً محال لأنا نقول: الأمر قد يطلق على الفعل ﴿ وما أمر فرعون برشيد  ﴾ وحينئذ فالمراد ما يليق بتلك المواقف من الأهوال وإظهار الآيات المهيبة.

وإن حملنا الأمر على ضد النهي فلا يبعد أن منادياً ينادي يوم القيامة ألا إن الله يأمركم بكذا.

ومعنى كونه في ظلل من الغمام أن سماع ذلك النداء ووصول تلك الظلل يكون في آن واحد، أو يكون المراد حصول أصوات مقطعة مخصوصة في تلك الغمامات تدل على حكم الله  على أحد بما يليق به من السعادة والشقاوة، أو أنه  يخلق نقوشاً منظومة في ظلل من الغمام لشدة بياضها.

وسواد تلك الكتابة يعرف بها حال أهل الموقف في الوعد والوعيد، وتكون فائدة الظلل أنه  جعلها أمارة لما يريد إنزاله بالقوم ليعلموا أن الأمر قد حضر.

وقيل: المأتي به محذوف والمعنى إلا أن يأتيهم الله ببأسه أو بنقمته الدالة عليه بقوله ﴿ عزيز ﴾ .

وفائدة الحذف كونه أبلغ في الوعيد لانقسام خواطرهم وذهاب فكرتهم في كل وجه.

وقيل: إن "في" بمعنى الباء أي يأتيهم الله بظلل من الغمام، والمراد العذاب الذي يأتيهم في الغمام مع الملائكة.

وقيل: الغرض من ذكر إتيان الله تصوير غاية الهيبة ونهاية الفزع كقوله  ﴿ والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه  ﴾ ولا قبض ولا طي ولا يمين وإنما الغرض تصوير عظمة شأنه.

وقيل: بناء على أن الخطاب في ادخلوا وزللتم لليهود المراد أنهم لا يقبلون دين الحق إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، وذلك أن اليهود كانوا على اعتقاد التشبيه ويجوّزون المجيء والذهاب على الله  ويقولون: إنه  تجلى لموسى  على الطور في ظلل من الغمام، فطلبوا مثل ذلك في زمن محمد  .

فعلى هذا يكون الكلام حكاية عن معتقد اليهود ولا يبقى إشكال فإن الآية لا تدل إلا على أن قوماً ينتظرون إتيان الله وليس فيها دلالة على أنهم محقون في ذلك الانتظار أم مبطلون.

والظلل جمع ظلة وهي ما أظلك والغمام لا يكون كذلك إلا إذا كان مجتمعاً ومتراكماً.

فالظلل من الغمام عبارة عن قطع متفرقة، كل قطعة منها تكون في غاية الكثافة والعظم، فكل قطعة ظلة والجمع ظلل.

والاستفهام ههنا في معنى النفي أي ما ينتظرون إلا أن يأتيهم عذاب الله في ظلل من الغمام، وفيه تفظيع شأن العذاب وتهويله لأن الغمام مظنة الرحمة، وإذا نزل منه العذاب كان أشنع لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسر، فكيف إذا جاء الشر من حيث يتوقع الخير؟

أو نزول الغمام علامة لظهور الأهوال في القيامة قال: ﴿ يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوماً على الكافرين عسيراً  ﴾ واستعير لتتالي العذاب تتابع القطر وإتيان الملائكة ليقوموا بما أمروا به من تعذيب وتخريب ولا حاجة إلى التأويل لأن إتيانهم ممكن.

﴿ وقضي الأمر ﴾ فرغ من أمر إهلاكهم وتدميرهم أو عما كانوا يوعدون به، فلا تقال لهم عثرة ولا تصرف عنهم عقوبة ولا ينفع في دفع ما نزل بهم حيلة.

والتقدير: إلا أن يأتيهم الله ويقضي الأمر، فوضع الماضي موضع المستقبل.

إما للتنبيه في قرب العذاب أو الساعة "كل ما هو آت قريب"، وإما لأن إخبار الله  كالواقع المقطوع به وقيل: الأمر المذكور ههنا هو فصل القضاء بين الخلائق وأخذ الحقوق لأربابها وإنزال كل أحد من المكلفين منزله من الجنة والنار.

وعن معاذ بن جبل وقضاء الأمر مصدر مرفوع عطفاً على لفظي الله والملائكة.

﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ وذلك أنه ملك في الدنيا عباده كثيراً من أمور خلقه، أما إذا صاروا إلى الآخرة فلا مالك للحكم بين العباد سواه وهذا كقولهم "رجع أمرنا إلى الأمير" إذا كان هو يختص بالنظر فيه.

فعلى المكلف أن يدخل في السلم كما أمر ويحترز عن اتباع آثار الشيطان كما نهى.

ثم إن الأمور ترجع إليه  ، وهو  يرجعها إلى نفسه بإفناء الدنيا وإقامة القيامة.

فهذا معنى القراءتين في ﴿ ترجع ﴾ وأيضاً قراءة ضم التاء وفتح الجيم على مذهب العرب في قولهم "فلان معجب بنفسه" ويقول الرجل لغيره: إلى أين ذهب بك؟

وإن لم يكن أحد يذهب به.

أو المراد أن العباد يردّون أمورهم إلى خالقهم ويعترفون برجوعها إليه.

أما المؤمنون فبالمقال، وأما الكافرون فبشهادة الحال ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدوّ والآصال  ﴾ .

التأويل: النفس الأمارة تظهر الأشياء المموهة والأقوال المزخرفة وترى أنها أولى الأولياء، ولكنها أعدى الأعداء وتسعى في تخريب أرض القلب وإبطال حرث الصدق في طلب السعادة إهلاك نسل ما يتولد من الأخلاق الحميدة وتشمخ بأنفها عن قبول الحق فحسبه جهنم الميعاد ﴿ ومن الناس من يشري ﴾ هذا شأن الأولياء باعوا أنفسهم خالصاً لوجه الله لا لأجل الجنة ﴿ ادخلوا في السلم كافة ﴾ أي بجميع الأجزاء والأعضاء الظاهرة والباطنة.

ودخول القلب في الإسلام يكون بدخول الإيمان في القلب، ودخول الروح في الإسلام يكون بتخلقه بأخلاق الله وتسليم الأحكام والأقضية لله، ودخول السر في الإسلام بفنائه في الله وبقائه بالله، وهذا مقام يضيق عن إعلانه نطاق النطق ولا يسع إظهاره ظروف الحروف.

وإن قميصاً خيط من نسج تسعة *** وعشرين حرفاً من معانيه قاصر الله ولي التوفيق وهو حسبي.

<div class="verse-tafsir"

سَلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ كَمْ ءَاتَيْنَـٰهُم مِّنْ ءَايَةٍۭ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ٢١١ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ٢١٢ كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍ ٢١٣ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ۗ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ ٢١٤

القراءات: ﴿ ليحكم ﴾ بضم الياء وفتح الكاف: يزيد.

وكذلك في آل عمران والنور في موضعين.

الباقون بفتح الياء وضم الكاف ﴿ يقول ﴾ برفع اللام: نافع.

الباقون: بالنصب.

الوقوف: ﴿ بينة ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الشرط مع تقدير حذف أي فبدّلوا ومن يبدل الخ ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ من الذين آمنوا ﴾ م لأن و "الذين" مبتدأ و "فوقهم" خبره.

ولو وصل صار "فوقهم" ظرفاً ليسخرون أو حالاً لفاعل "يسخرون" وقبحه ظاهر.

﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ فيما اختلفوا فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بإذنه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ من قبلكم ﴾ ط للفصل بين الاستفهام والإخبار لأن قوله "ولما يأتكم" عطف على "أم حسبتم" تقديره أحسبتم ولم يأتكم.

﴿ متى نصر الله ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه.

التفسير: أنه  لما أمر بالسلم ونهى عن مقابلها ثم قال: ﴿ فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات  ﴾ أي فإن أعرضتم عن هذا التكليف صرتم مستحقين للتهديد.

ثم بين ذلك التهديد بقوله ﴿ فأعلموا أن الله عزيز حكيم  ﴾ ثم ثنى ذلك التهديد بقوله ﴿ هل ينظرون  ﴾ الآية ثم ثلث التهديد بقوله ﴿ سل بني إسرائيل ﴾ والخطاب للرسول  أو لكل أحد.

وهذا السؤال سؤال تقريع كما يسأل الكفرة يوم القيامة، وإلا فكثرة الآيات التي أوتوها معلومة بإعلام الله  .

والمراد سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها لا جرم استوجبوا العقاب من الله تعالى، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون كي يعتبروا ويتعظوا.

و "كم" تحتمل الاستفهامية والخبرية، و ﴿ من آية ﴾ مميزها، وقد فصل بين المميز وبينها بالفعل.

فإن كانت استفهامية فالتقدير: سلهم عن عدد إيتائنا الآيات إياهم حتى يخبروك عن كميتها.

وإن كانت خبرية فالمعنى: سلهم عن أنا كثيراً من الآيات آتيناهم.

والآيات الواضحات إما معجزات موسى  كفرق البحر وتظليل الغمام وتكليم الله إياه والعصا واليد ونحوها وهي تسع ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات  ﴾ وإما الدلائل الدالة على صحة دين الإسلام فمنهم من آمن وأقر ومنهم من جحد وبدل ﴿ ومن يبدل نعمة الله ﴾ قيل: إنها الآيات والدلائل الدالة على صحة دين الإسلام وهي أجل أقسام النعم، لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة.

ثم إن قلنا: الآيات معجزات موسى فتبديلها أن الله  أظهرها لتكون أسباب هدايتهم فجعلوها أسباب ضلالتهم كقوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم  ﴾ وإن قلنا: الآية البينة هي ما في التوراة والإنجيل من الدلائل على صحة نبوة محمد  فتبديلها تحريفها وإدخال الشبه فيها.

وقيل: المراد بنعمة الله ما آتاهم من أسباب الصحة والأمن والكفاية، فتبديلها أنهم لم يجعلوها واسطة الطاعة والقيام بما عليهم من التكاليف، بل استعملوها في غير ما أوتيت هي لأجله.

وعلى هذا فقوله ﴿ من بعد ما جاءته ﴾ معناه ظاهر، وأما على القول الأول وهو أن المراد من النعمة لآيات فمعنى مجيئها التمكن من معرفتها أو عرفانها كقوله ﴿ ثم يحرفونه من بعدما عقلوه  ﴾ لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها فكأنها غائبة.

﴿ فإن الله شديد العقاب ﴾ قال الواحدي: الرابطة محذوفة أي له.

والتحقيق أن ترك هذا الإضمار أولى فإنه إذا علم كونه تعالى موصوفاً بهذا الوصف لزم من ذلك أنه يعاقب المبدل إن شاء، ولكن لا يلزم من كونه شديد العقاب للمبدّل كونه متصفاً بذلك وصفاً ذاتياً.

ثم قال الواحدي.

والعقاب عذاب يعقب الجرم.

ثم إنه  ذكر السبب الذي لأجله كان التبديل سيرتهم فقال: ﴿ زين للذين كفروا ﴾ الآية.

والغرض تعريف المؤمنين ضعف عقول الكفار في ترجيح الفاني من زينة الدنيا على الباقي من نعيم الآخرة، والتذكير في زين إما لأن الحياة والإحياء واحد، أو للفصل مع أن التأنيث ليس بحقيقي.

عن ابن عباس أن الآية نزلت في أبي جهل وأضرابه من كبار قريش.

وقيل: رؤساء اليهود وعلمائهم.

وعن مقاتل: نزلت في المنافقين.

ولا مانع من نزولها في جميعهم لأن كلهم وهم في التنعم والراحة كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين والمهاجرين.

ثم المزين من هو؟

فعن المعتزلة أنهم غواة الجن والإنس قبحوا أمر الآخرة في أعين الكفار وأوهموا أن لا صحة لها فلا تنغصوا عيشكم في الدنيا كقول من قال: أتترك لذة الصهباء نقداً *** بما وعدوك من لبن وخمر؟

قالوا: وأما الذي يقوله المجبرة من أنه  زين ذلك فباطل.

لأن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه، وإذا كان المزين هو الله  فلا بد أن يكون صادقاً في ذلك الإخبار، فيكون فاعله المستحسن له مصيباً.

وإن كان كافراً وإصابة الكافر كفر فهذا القول كفر، وزيف بأن مزين الكفر لجميع الكفار لا بد أن يكون خارجاً منهم.

وقولهم: "المزين للشيء هو المخبر عن حسنه" مردود، وإنما المزين من يجعل الشيء موصوفاً بالأوصاف الحسنة.

سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن الله  يكون مخبراً عن حسنه من حيث إنه أخبر عما فيها من اللذات والراحات؟

وهذا إخبار عما ليس بكذب والتصديق به ليس بكفر.

وقال أبو مسلم: الكفار زينوا لأنفسهم والعرب تقول: "أين يذهب بك" لا يريدون أن ذاهباً ذهب به ومنه قوله  ﴿ أنى يؤفكون  ﴾ ﴿ أنى يصرفون  ﴾ .

ولما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهراً فالإنسان بالحقيقة هو الذي زين لنفسه.

والتحقيق أن المزين هو الله  كما صرح بذلك في قوله ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً  ﴾ وكيف لا وانتهاء جميع الحوادث إليه أظهر في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب والحلاوة، وركب في الطبائع حب الشهوات والميل إلى الطيبات، لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه، بل مع إمكان رد النفس عنها ليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح ويكفها عن الحرام ويتم غرض الابتلاء.

أو نقول: المراد من التزيين أنه  أمهلهم في الدنيا ولم يمنعهم عن الإقبال عليها والحرص الشديد في طلبها.

وقيل: إن الله  زين من الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون المحظورات وهو ضعيف، لأن الله  خص بهذا التزيين الكفار وتزيين المباحات لا يختص بالكفار.

وإن قيل: المراد من تزيين المباح للكافر أنه دائم السرور به.

وإن قلت: ذات يده لكونه معقود الهمة به لا عيش عنده إلا عيش الدنيا، بخلاف المؤمن فإن تمتعه من طيبات الدنيا وبهجتها وإن كثر ماله وجاهه مكدر بالخوف والوجل من الحساب في الآخرة.

قلنا: تزيين المباح في نظر الكافر بحيث يفضي به إلى الاشتغال عن الآخرة مستقبح.

أيضاً فالكلام فيه كالكلام في تزيين المحظور فيبقى الإشكال بحاله ولا مخلص إلا بإسناد الكل إليه  بعد تذكر ما سلف لنا مراراً في حقيقة الجبر والقدر.

ولما أخبر الله  عنهم بأنه زين لهم الحياة العاجلة أخبر عنهم بعد ذلك بفعل يديمونه فقال: ﴿ ويسخرون من الذين آمنوا ﴾ كابن مسعود وعمار وصهيب وغيرهم يقولون: هؤلاء المساكين تركوا طيبات الدنيا وتحملوا المتاعب لطلب الآخرة.

ولا يخفى أنه لو بطل حديث المعاد لكان لهذه السخرية وجه، لكنه لو ثبت القول بالمعاد وصح كانت السخرية منقلبة عليهم لأنهم أعرضوا عن الملك الأبدي والنعيم المقيم بسبب لذات حقيرة في أنفاس معدودة فلهذا قال  ﴿ والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ﴾ أما بالمكان فلأنهم في عليين وهم في سجين، وأما بالرتبة والشرف فلأنهم في معارج الأنس وهم في هاوية الهوان.

ويحتمل أن يراد أنهم فوقهم بالحجة لأن حجج الكفار وشبههم كان تؤثر بوسوسة الشيطان، وبمجرد استبعاد أمر المعاد وحجج المتقين يوم القيامة تستند إلى العيان وبمدد الرحمن ﴿ ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا نعم ﴾ } [الأعراف: 44] أو يراد أن سخرية المؤمنين بالكافرين يوم القيامة لكونها حقة وباقية فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا لكونها باطلة ومنقضية.

وفي قوله ﴿ والذين اتقوا ﴾ دون أن يقول آمنوا كما قال: ﴿ من الذين آمنوا ﴾ بعث على التقوى وأن كرامة المؤمن منوطة بها.

﴿ والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ بغير تقدير.

وذلك أن الكفار كانوا يستدلون بحصول الزخارف الدنيوية لهم على أنهم على الحق وبحرمان فقراء المؤمنين عنها على أنهم على الباطل، فرد الله  عليهم قولهم بأن ذلك متعلق بمحض المشيئة، وقد يستتبع غاية هي الاستدراج في حق الكافر والابتلاء في حق المؤمن، أو يرزق من يشاء من مؤمن وكافر بغير حساب يكون لأحد عليه ولا مطالبة ولا سؤال سائل، فالأمر أمره والحكم حكمه ولا يسأل عما يفعل.

أو من حيث لا يحتسب كما يقول الرجل "إذا جاءه ما لم يكن قد قدره ما كان هذا في حسابي" والمعنى أن الكفار وإن كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين فلعل الله  يرزق المؤمنين من حيث لم يحتسبوا، ولقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود، ويسر لهم الفتوح حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر، أو المراد أن ما يرزق العبد في الدنيا من الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب، وما يرزق العبد في الآخرة من النعيم المقيم فبغير عذاب وبغير حساب.

ويحتمل أن يخص الرزق في الآية بالمؤمنين في الآخرة، وعلى هذا يكون معنى ﴿ بغير حساب ﴾ أي رزقاً واسعاً وغذاء لا فناء له ولا انقطاع ولا حصر كقوله ﴿ يرزقون فيها بغير حساب  ﴾ أو يقال: إن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب وبعضها تفضل كما قال ﴿ فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله  ﴾ فالفضل بلا حساب إذ الحساب إنما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئاً ينقص قدر الواجب عما كان والثواب ليس كذلك، فإنه بعد انقضاء الأدوار والأعصار يكون الثواب المستحق بحكم الوعد والفضل باقياً.

فعلى هذا لا يتطرق الحساب ألبتة إلى الثواب.

أو أراد أن الذي يعطى لا نسبة له إلى ما في خزائن ملكه وقدرته، فلا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.

أو معنى بغير حساب بغير استحقاق، وإنما يعطى بمجرد الفضل والإحسان.

أو معناه أنه يزيد على قدر الكفاية إلى عشرة بل سبعمائة من قولهم "فلان ينفق بالحساب" إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية.

أو أنه لا يخاف نفاد ما عنده فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه.

قوله  ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ الآية.

فيه إشارة إلى أن التباغي والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا وطيباتها لا يختص بهذا الزمان، وإنما ذلك داء قديم في الإنسان.

ثم الأمة الواحدة كانوا على الحق أو على الباطل فيه للمفسرين أقوال: الأول: أنهم كانوا على الحق واختاره المحققون لوجوه منها: قوله  ﴿ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ﴾ وهذا يدل على أن النبيين عليهم السلام بعثوا حين الاختلاف وصيرورة بعضهم مبطلاً، ولو كانوا قبل ذلك مجتمعين على الكفر لكان بعث الأنبياء إليهم حينئذ أولى.

ومنها النقل المتواتر إن آدم وأولاده كانوا مسلمين مطيعين لله  إلى أن قتل قابيل هابيل حسداً وبغياً.

وعن ابن عباس أنه كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون على شريعة من الحق.

ومنها أن وقت الطوفان لم يبق إلا أهل السفينة وكلهم كانوا على الحق والدين الصحيح، فلعل الناس إشارة إليهم.

ومنها أن الدين الحق يتوقف على النظر، والنظريات مستندة بالآخرة إلى مقدمات تعلم صحتها بضرورة العقل وإلى ترتيب.

كذلك فالعقل السليم لا يغلط لو لم يعرض له سبب من خارج، فالصواب له بالذات و الخطأ بالعرض وما بالذات أقدم مما بالعرض بحسب الاستحقاق وبحسب الزمان أيضاً.

فالأولى أن يقال: كان الناس على الحق ثم اختلفوا لأسباب خارجة كالبغي والحسد ويؤيده قوله  "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه" القول الثاني: وهو مروي عن ابن عباس والحسن وعطاء أنهم كانوا على الباطل لأن بعثة الأنبياء مترتبة على ذلك، ولو كانوا على الحق لم يحتج إلى بعثتهم.

ولو قيل: إن تقدير الآية فاختلفوا فبعث الله كما قرأ به ابن مسعود، فالأصل عدم الإضمار، والقراءة الشاذة لا يعتد بها.

ومتى كان الناس متفقين على الكفر؟

قالوا: من وفاة آدم إلى زمان نوح  .

كانوا كفاراً بحكم الأغلب وإن كان فيهم بعض المسلمين كهابيل وشيث وإدريس عليهم السلام كما يقال: دار الكفر وإن كان فيها مسلمون.

القول الثالث: عن أبي مسلم والقاضي أبي بكر أنهم كانوا أمة واحدة في التمسك بالشرائع العقلية وهي الاعتراف بوجود الصانع وصفاته والاشتغال بخدمته وشكر نعمته والاجتناب عن القبائح العقلية كالظلم والكذب والعبث.

واحتجا بأن لفظ النبيين جمع معرف فيفيد العموم، والفاء توجب التعقيب فيعلم من ذلك أن تلك الواحدة متقدمة على جميع الشرائع، فلا تكون الاستفادة من العقل، ثم سأل القاضي نفسه فقال: أوليس أول الناس آدم وأنه كان نبياً مبعوثاً؟

وأجاب بأنه يحتمل أن يكون مع أولاده متمسكين بالشرائع العقلية أولاً، ثم إن الله  بعثه إلى أولاده.

ويحتمل أن شريعته قد صارت مندرسة ثم رجع الناس إلى الشرائع العقلية.

القول الرابع: التوقف فلا دلالة في الآية على أنهم كانوا محقين أو مبطلين.

القول الخامس: أن المراد من الناس أهل الكتاب الذين آمنوا بموسى  ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد فبعث الله النبيين ومعهم الكتب كما بعث داود ومعه الزبور وعيسى ومعه الإنجيل ومحمداً  ومعه الفرقان لتكون تلك الكتب حاكمة في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها.

وهذا القول يوافق قول من قال: إن الخطاب في ﴿ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم ﴾ لأهل الكتب.

فيراد بالناس إذن ناس معهودون.

ثم إنه  وصف النبيين بصفات ثلاث: الأولى: كونهم مبشرين، والثانية: كونهم منذرين وقدمت البشارة على الإنذار لأن البشارة تجري مجرى حفظ الصحة، والإنذار يجري مجرى إزالة المرض.

أو الأول لكونه مقصود الغذاء، والثاني كتناول الدواء.

والأول لكونه مقصوداً بالذات مقدم على الثاني لأنه مقصود بالعرض.

الصفة الثالثة: قوله ﴿ وأنزل معهم الكتاب بالحق ﴾ وفي قوله "معهم" والضمير يعود إلى عامة النبيين دليل على أنه لا نبي إلا ومعه كتاب منزل فيه بيان الحق والباطل، طال ذلك الكتاب أم قصر، ودوّن ذلك الكتاب أو لم يدوّن، معجزاً كان أو غير معجز.

قيل: إنزال الكتاب قبل وصول الأمر و النهي إلى المكلفين، ووصول الأمر والنهي إليهم قبل التبشير والإنذار، فلم قدم التبشير والإنذار على إنزال الكتاب؟

وأجيب بأن الوعد والوعيد منهم قبل بيان الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات من المعرفة بالله وترك الظلم وغيرهما، وبأن المكلف إنما يتحمل النظر في دلالة المعجز على الصدق.

وفي الفرق بين العجز والسحر إذا خاف أنه لو لم ينظر فربما ترك الحق فيصير مستحقاً للعقاب والخوف إنما يقوى عند التبشير والإنذار فلهذا قدم ذكرهما على إنزال الكتاب.

قلت: فيه فائدة أخرى لفظية هي أن لا يقع فاصلة كثيرة بين الثالثة وبين الأولين، أو بين الثالثة وبين ما رتب عليها من قوله ﴿ ليحكم ﴾ أي الكتاب لأنه أقرب.

ولا محذور في نسبة الحكم إليه تجوزاً كما لا محذور في كونه هدى وشفاء.

واللام للجنس، أو أريد مع كل واحد كتابه.

وقيل: ليحكم الله لأنه الحاكم في الحقيقة لا الكتاب وقيل: ليحكم النبي المنزل عليه بين الناس ﴿ فيما اختلفوا فيه ﴾ أي في الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق، أو في كل ما اختلفوا فيه ولم يعرفوا وجه الصواب في ذلك بحسب حكم الله ﴿ وما اختلف فيه ﴾ في الحق ﴿ إلا الذين أوتوه ﴾ أي أعطوا الحق وأدّوه لمباشرة أسبابه القريبة التي هي مجيء البينات.

وقيل: الضمير للكتاب أي إلا الذين أوتوا الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف.

كأنهم عارضوا الكتاب بنقيض ما أنزل لأجله، أنزل لئلا يختلفوا فزادوا في الاختلاف.

وفيه دليل على أن الاختلاف في الحق لم يوجد إلا بعد بعثة الأنبياء، وإنزال الكتب كما مر في القول الأول.

وقال كثير من المفسرين: المراد بالذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى.

واختلافهم إما تكفير بعضهم بعضاً، وإما تحريفهم أو تبديلهم ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات ﴾ يحتمل أن يكون كالبيان لإيتاء الكتاب أي وما اختلف فيه من اختلف إلا من بعد مجيء البينات التي هي الكتب كقوله  ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة  ﴾ ويحتمل أن تكون هذه البينات مغايرة لإيتاء الكتاب ويعني بها الدلائل العقلية التي نصبها الله  إثبات الأصول التي لا يمكن إثباتها بالدلائل السمعية، وإذا حصلت الدلائل العقلية والسمعية لم يكن في العدول عذر ولا علة، ولو حصل الإعراض كان سببه بغياً بينهم وحسداً وظلماً لحرصهم على الدنيا ولقلة الإنصاف وكثرة الاعتساف، و ﴿ من الحق ﴾ بيان لما اختلفوا فيه أي فهدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف.

واللام بمعنى "إلى" أي هداهم إلى ما اختلفوا فيه كقوله  ﴿ ثم يعودون لما قالوا  ﴾ أي إلى ما قالوه ﴿ بإذنه ﴾ قال الزجاج: بعلمه.

وقيل: بأمره فبالأمر يحصل التمييز بين الحق والباطل فتحصل الهداية.

وقيل: في الآية إضمار أي فهداهم فاهتدوا بإذنه إذ لا جائز أن يأذن لنفسه ﴿ والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ هو الحق الموصل إلى كمال الدارين، أو هو طلب الجنة.

ولما كان ذلك الحق أو الطلب لا يتأتى إلا باحتمال شدائد التكليف وأعباء الإرشاد والتعليم قال  : ﴿ أم حسبتم ﴾ على طريقة الالتفات التي هي أبلغ تشجيعاً لرسول الله  والمؤمنين على الثبات والصبر مع المخالفين من أهل الكتاب والمشركين، فإن من كان نظره أعلى في مراتب قرب المولى فبلاؤه أقوى وهو بالابتلاء أولى.

قال في الكشاف: "أم" منقطعة ومعنى الهمزة فيها التقرير وإنكار الحسبان واستبعاده.

وقال القفال  : تقدير الآية: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه حين صبروا على استهزاء قومهم أفتسلكون سبيلهم أم تحسبون ﴿ أن تدخلوا الجنة ﴾ من غير سلوك سبيلهم ﴿ ولما يأتكم ﴾ فيه معنى التوقع.

وفيه دليل على أن الإيتاء متوقع منتظر.

عن ابن عباس: لما دخل النبي  المدينة اشتد الضرر عليهم لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة له فأنزل الله  تطييباً لقلوبهم ﴿ أم حسبتم ﴾ وقال قتادة والسدي: نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والخوف وكان كما قال  ﴿ وبلغت القلوب الحناجر  ﴾ وقيل: نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله ابن أبي لأصحاب النبي  إلى متى تقتلون أنفسكم وتنصرون الباطل؟

لو كان محمد نبياً ما سلط الله عليكم الأسر والقتل.

والمعنى أم حسبتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة بمجرد الإيمان بي والتصديق لرسولي دون أن تعبدوا الله بكل ما تعبدكم به وابتلاكم بالصبر عليه، وأن ينالكم من أذى الكفار، ومن احتمال الفقر والفاقة ومكابدة الضر والبؤس في المعيشة ومقاساة الأهوال في جهاد العدو كما نال ذلك من قبلكم من المؤمنين؟

و ﴿ مثل الذين خلوا ﴾ حالهم التي هي مثل في الشدة و ﴿ مستهم ﴾ بيان للمثل وهو استئناف كأن قائلاً قال: كيف كان ذلك المثل؟

فقيل: مستهم ﴿ البأساء ﴾ وهي عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه ﴿ والضراء ﴾ وهي إشارة إلى انفتاح أبواب الشر والآفة إليه ﴿ وزلزلوا ﴾ حركوا وأزعجوا بأنواع البلايا والرزايا إزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة وهي من زل الشيء عن مكانه، والتضعيف في اللفظ للتضعيف في المعنى.

وقيل: معناه خوّفوا وليس ببعيد، لأن الخائف لا يستقر بل يضطرب لقلقه ولهذا لا يقال ذلك إلا في الخوف المقيم المقعد.

ثم إنه  ذكر بعد ذلك شيئاً هو الغاية في الدلالة على كمال الضر والبؤس والمحنة فقال: ﴿ حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ﴾ لأن الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك غاية في الشدة لا مطمح وراءها.

من قرأ "يقول" بالنصب فعلى إضمار أن، ومعنى الاستقبال بالنظر إلى ما قبل "حتى" وإن لم يكن مستقبلاً عند الإخبار.

ومن رفع فعلى الحال الماضية المحكية كقولهم "شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه" ﴿ ألا إن نصر الله قريب ﴾ أي فقيل لهم ذلك إجابة إلى طلبتهم، فكونوا أنتم معاشر المؤمنين كذلك في تحمل الأذى والمتاعب في طلب الحق، فإن نصر الله قريب لأنه آتٍ وكل ما هو آتٍ قريب، والحاصل أن أصحاب رسول الله  كان ينالهم من المشركين والمنافقين أذى كثير، ولما أذن لهم في القتال نالهم من الجراح وذهاب الأموال والأنفس ما لا يخفى فعزاهم  في ذلك، وبيَّن أن حال من قبلهم في طلب الدين كان ذلك، والمصيبة إذا عمت طابت.

وذكر الله  من قصة إبراهيم  وإلقائه في النار، ومن أمر أيوب  وما ابتلاه به، ومن أمر سائر الأنبياء في مصابرتهم على أنواع المكاره ما صار ذلك سلوة للمؤمنين.

" روى خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله  وهو متوسد بردةً له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا.

فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون" .

وههنا سؤال، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد: مت نصر الله؟

والجواب أن كونه رسولاً لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء، فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته وكان قد سمع من الله  أنه ينصره إلا أنه ما عين له ذلك الوقت قال: - عند ضيق قلبه - متى نصر الله؟

حتى إنه إذا علم قرب الوقت زال همه وطاب وقته، ولهذا أجيب بأن نصر الله قريب لا بأن نصر الله كائن.

وهذا الجواب يحتمل أن يكون من الله، ويحتمل أن يكون قولاً لقوم منهم إذا رجعوا إلى أنفسهم وعلموا أن الله لا يخلف الميعاد.

وقيل: إنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولاً ثم ذكروا كلامين: أحدهما متى نصر الله، والثاني ألا إن نصر الله قريب.

فهذا الثاني قول الرسول، والأول قول المؤمنين كقوله ﴿ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله  ﴾ والمعنى لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله بالنهار.

ثم في الآية دليل على أن كل من لحقه شدة يجب أن يعلم أنه سيظفر بزوالها لأنه إما أن يتخلص عنها وإما أن يموت، وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه وذلك من أعظم النصرة.

اللهم انصرنا من عندك فإنك نعم المولى ونعم النصير.

التأويل: إنه  إذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه يريد آياته وكراماته، فإن اغتر بأحواله تعجب بكماله فيضل على حظوظ النفس ويبدل نعمة الله بموافقتها ورضاها فإن الله شديد العقاب بأن يغير أحواله ويسلب عنه كماله.

﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ على الحق وعلى الفطرة يوم الميثاق ﴿ وأنزل معهم الكتاب ﴾ الذي جف به القلم للسعادة أو الشقاوة كقوله  "ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة أو النار" ﴿ وما اختلف ﴾ كل فريق إلا وقد أوتوا السعادة أو الشقاوة في حكم الله وقضائه، ولكن ما حصلت السعادة والشقاوة للفريقين إلا من بعد البينات وهي معاملاتهم فبها يتبين السعيد من الشقي وبالعكس، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع المآب.

<div class="verse-tafsir"

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍۢ فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌۭ ٢١٥ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٢١٦ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍۢ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌۭ فِيهِ كَبِيرٌۭ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَـٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌۭ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٢١٧ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٢١٨

الوقوف: ﴿ ينفقون ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط للابتداء بالشرط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ كره لكم ﴾ ج ﴿ خير لكم ﴾ ج لتفصيل الأحوال ﴿ شر لكم ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ قتال فيه ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ط على أن قوله "وصدّ" مبتدأ وما بعده معطوف عليه، وقوله "أكبر عند الله" خبره، وقد يقال: "وصد" عطف على "كبير" أي القتال فيه كبير، وسبب صد عن سبيل الله وكفر بالله تعالى وبنعمة المسجد الحرام، أو صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام فيوقف ههنا، ويجعل "وإخراج أهله" مبتدأ.

وقيل: "وصد" عطف الوقف على "سبيل الله".

و "كفر به" مبتدأ.

والوجه هو الأول لانتظام المعنى أي القتال منا وإن كان كبيراً ولكن الصد والكفر والإخراج التي كانت منكم ﴿ أكبر من القتل ﴾ ط ﴿ استطاعوا ﴾ ط ﴿ والآخرة ﴾ ج لأن الجملتين وإن اتفقنا فتكرار "أولئك" ينبه على الابتداء مبالغة في تعظيم الأمر ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ رحمة الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.

المستقبل على المستقبل.

﴿ يتذكرون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما بالغ في وجوب الإعراض عن العاجل والإقبال على الآجل بكل ما يمكن من الدخول في السلم وبذل المهج والأموال والصبر على مواجب التكاليف والدعاء إلى الدين القويم انتظاراً لنصرة الله، شرع بعد ذلك في بيان الأحكام وهو من هذه الآية إلى قوله ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم  ﴾ جرياً على سننه المرضى من خلط بيان التوحيد وذكر النصيحة والوعظ ببيان الأحكام، ليكون كل منهما مؤكداً للآخر.

الحكم الأول: بيان مصرف الإنفاق ﴿ يسئلونك ماذا ينفقون ﴾ عن ابن عباس: نزلت الآية "في رجل أتى النبي  فقال: إن لي ديناراً فقال: أنفقه على نفسك.فقال: إن لي دينارين.

فقال: أنفقهما على أهلك.

فقال: إن لي ثلاثة فقال: أنفقها على خادمك.

فقال: إن لي أربعة قال: أنفقها على والديك.

قال: إن لي خمسة قال: أنفقها على قرابتك.

قال: إن لي ستة.

قال: أنفقها في سبيل الله وهو أخسها أي أقلها ثواباً" .

وعنه في رواية أبي صالح أنها نزلت في عمرو بن الجموح وهو الذي قتل يوم أحد وكان شيخاً كبيراً هرماً وعنده ملك عظيم فقال: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟

أما بحث "ماذا" فقد تقدم في قوله ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلاً  ﴾ وأما أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة إليهم فكيف طابق قوله في الجواب ﴿ قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ﴾ الآية.

فالوجه فيه أنه حصل في الآية ما يكون جواباً عن السؤال، وضم إليه زيادة بها يكمل المقصود.

وذلك أن قوله ﴿ ما أنفقتم من خير ﴾ تضمن بيان ما ينفقونه وهو كل خير، وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا إذا صرفت إلى جهة الاستحقاق.

وقال القفال: السؤال وإن كان وارداً بلفظ "ما" إلا أن المقصود هو الكيفية.

فمن المعلوم لهم أن الذي أمروا بإنفاقه مال يخرج قربة إلى الله تعالى، وحينئذ يكون الجواب مطابقاً للسؤال كما طابق قوله ﴿ إنها بقرة لا ذلول  ﴾ سؤالهم عن البقرة ما هي، حيث كان من المعلوم أن البقرة بهيمة شأنها كذا وكذا، فتوجه الطلب إلى تعيين الصفة لا الماهية.

وقيل: إنهم لما سألوا هذا السؤال أجيبوا بأن السؤال فاسد، أنفق أي شيء كان ولكن بشرط كونه مالاً حلالاً ومصروفاً إلى مصبه، كما لو سأل شخص صحيح المزاج طبيباً حاذقاً أي طعام آكل؟

والطبيب يعلم أنه لا يضره أكل الطعام أي طعام كان، فيقول له: كل في اليوم مرتين أي كل ما شئت.

لكن بهذا الشرط، فكذا ههنا المعنى لينفق أي شيء أراد، لكن بشرط وهو أن يراعي الترتيب في الإنفاق فيقدم الوالدين لأنهما كالسبب لوجوده وقد ربياه صغيراً، ثم الأقربين لأن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح جميع الفقراء، الترجيح لا بدّ له من مرحج والقرابة تصلح للترجيح لأنه أعرف بحاله.

والإطلاع على غنى الغني مما يحمل المرء على الإنفاق.

وأيضاً لو لم يعطه قريبه احتاج إلى الرجوع إلى غيره وذلك عار وشنار.

وأيضاً قريب المرء كجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير، ثم اليتامى لعدم قدرتهم على الاكتساب لصغرهم، ثم المساكين الذين هم غير اليتامى، وأبناء السبيل لأنهم بسبب الاشتراك في دار الإقامة من أنفسهم، ثم أبناء السبيل المنقطعون عن بلدهم ومالهم ما يتبلغون به إلى أوطانهم، ﴿ وما تفعلوا من خير ﴾ من إنفاق شيء من مال بناء على أن الخير هو المال أو من كل ما يتعلق بالبر والطاعة طلباً لجزيل الثواب وهرباً من أليم العقاب.

﴿ فإن الله به عليم ﴾ فيجازيكم أحسن الجزاء.

عن السدي: أن الآية منسوخة بفرض الزكاة.

وقال المحققون: ويروى عن الحسن أنها ثابتة، فقد يكون الإنفاق على الفروع والأصول واجباً، ويحتمل أن يكون المراد: من أحب التقرب إلى الله  في باب النفقة تطوعاً فليراع هذا الترتيب.

قوله  : ﴿ كتب عليكم القتال ﴾ كان النبي  غير مأذون له في القتال مدة إقامته بمكة، فلما هاجر أذن في قتال من يقاتله من المشركين، ثم أذن في قتال المشركين عامة، ثم فرض الله  الجهاد.

قال بعض العلماء: إن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على الكل فرض عين لا كفاية.

أما الوجوب فمستفاد من لفظ الإيجاب ويكفي العمل به مرة واحدة، وقوله ﴿ كتب ﴾ وأما العموم فلأن قوله ﴿ عليكم ﴾ لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد كما في قوله ﴿ كتب عليكم القصاص  ﴾ و ﴿ كتب عليكم الصيام  ﴾ وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب.

وعن ابن عمر وعطاء أن قوله ﴿ كتب ﴾ يقتضي الإيجاب ويكفي العمل به مرة واحدة، وقوله ﴿ عليكم ﴾ يقتضي تخصيص هذا الكتاب بالموجودين في ذلك الوقت.

والعموم في ﴿ عليكم الصيام ﴾ مستفاد من دليل منفصل هو الإجماع.

وذلك الدليل معقود ههنا بل الإجماع منعقد على أنه من فروض الكفاية إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل.

﴿ وهو كره لكم ﴾ ليس المراد أن المؤمنين ساخطون لأوامر الله  فإن ذلك ينافي الإسلام، وإنما المراد كون القتال شاقاً على النفس وهكذا شأن سائر التكاليف، وكيف لا والتكليف إلزام ما فيه كلفة ومشقة وأنها في القتال أكثر لأن الحياة أعظم ما يميل إليه الطباع فبذلها ليس بهين؟

والجود بالنفس أقصى غاية الجود *** وأيضاً كراهتهم للقتال قبل أن فرض لما فيه من الخوف من كثرة الأعداء وإنارة نوائر الفتن، فبيّن  أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه للمصالح التي نذكرها.

والكره الكراهة وضع المصدر موضع الوصف مبالغة، ويجوز أن يكون بمعنى "مفعول" كالخبز بمعنى المخبوز أي هو مكروه لكم.

وقرئ بالفتح بمعنى المضموم كالضعف والضعف، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له أو مشقته عليهم كقوله  ﴿ حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً ﴾ وقال بعضهم: الكره بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه، وإذا كان بالإكراه فبالفتح.

﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ﴾ فربما كان الشيء شاقاً عليكم في الحال وهو سبب للمنافع الجليلة في الاستقبال وبالضد، ولهذا حسن شرب الدواء المر في الحال لتوقع حصول الصحة في الاستقبال، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتحصيل الربح في المال، وكذا تحمل المتاعب في طلب العلم للفوز بالسعادة العظمى في الدنيا والعقبى.

العلــم أولــه مــر مـذاقتـه *** لكـنّ آخـره أحلـى مـن العسـل وههنا كذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل وصون المال عن الإنفاق، ولكن فيه أنواع من المفاسد والمضار أدناها تسلط الكفار واستيلاؤهم على ديار المسلمين، وربما يؤدي إلى أن استباحوا بيضة الإسلام واستناخوا بحريمهم واستأصلوهم عن آخرهم.

وأما منافع الجهاد فمنها الظفر بالغنائم، ومنها الفرح العظيم بالاستيلاء على العدو.

وأما ما يتعلق بالدين فالثبات عليه والثواب في الآخرة.

وترغيب الناس في الإسلام وإعلاء كلمة الله، وتوطين النفس للفراق عن دار البلاء والانقطاع عن عالم الحس قال الخليل: "عسى" من الله واجب في القرآن.

قال: ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح  ﴾ وقد وجد ﴿ عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً  ﴾ وقد حصل.

والتحقيق أن معنى الرجاء فيه يعود إلى المكلف وإن كان المرجو حاله معلوماً لله  كما بينا في "لعل" ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ وذلك أن علمه  فعلي يعلم الأسباب وما يترتب عليها، والحوادث وما نشأت هي منها، يحيط علمه بالمبادئ والغايات ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض  ﴾ وعلمكم انفعالي فلعلكم تعكسون التصورات فتظنون المبادئ غايات وبالعكس، والمصالح مفاسد وبالضد.

وفيه ترغيب عظيم في أداء وظائف التكاليف.

وتخويف شديد عن تبعة العصيان والمرود، فإن الإنسان إذا تصور قصور نفسه وكمال علم الله  علم أنه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيره وصلاحه، فيلزم نفسه امتثاله وإن كرهه طبعه فكأنه  يقول: يا أيها العبد، علمي أكمل من علمك فكن مشتغلاً بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك وهواك.

فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله  في جواب الملائكة ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون  ﴾ .

الحكم الثاني في قوله  ﴿ يسئلونك عن الشهر الحرام ﴾ أكثر المفسرين على أن هؤلاء السائلين هم المسلمون حيث اختلج في صدورهم أن يكون الأمر بالقتال مقيداً بغيرالشهر الحرام والمسجد الحرام، فسألوا النبي  هل يحل لهم القتال في هذا الزمان وهذا المكان أم لا؟

ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن رسول الله  بعث عبد الله بن جحش - وهو ابن عمة النبي  - في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين، على رأس سبعة عشر شهراً من مقدمة المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين: سعد بن أبي وقاص الزهري، وعكاشة بن محصن الأسدي، وعتبة بن غزوان السلمي، وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله، وخالد بن بكير.

وكتب لأميرهم عبد الله بن جحش كتاباً وقال: سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين.

فإذا نزلت منزلتين فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك ثم امض لما أمرتك، ولا تستكرهن أحداً من أصحابك على السير معك.

فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فإذا فيه "بسم الله الرحمن الرحيم.

أما بعد، فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتى تنزل على بطن نخلة فترصد بها عير قريش، لعلك أن تأتينا منه بخبر" فلما نظر عبد الله في الكتاب قال: سمع وطاعة.

ثم قال لأصحابه ذلك وقال: إنه قد نهاني أن أستكره أحداً منكم.

حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع قد أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه فاستأذنا أن يتخلفا في طلب بعيرهما فأذن لهما فتخلفا في طلبه.

ومضى عبد الله ببقية أصحابه حتى نزلوا بطن نخلة - بين مكة والطائف - فبينما هم كذلك مرت بهم عيرٍ لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة من تجارة الطائف، فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ونوفل بن عبد الله المخزوميان.

فلما رأوا أصحاب رسول الله  هابوهم فقال عبد الله بن جحش: إن القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منك فليتعرض لهم، فإذا رأوه محلوقاً أمنوا وقالوا: قوم عمار.

فحلقوا رأس عكاشة ثم أشرف عليهم فقالوا: قوم عمار لا بأس عليكم فأمنوهم.

وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة، وكانوا يرون أنه من جمادى وهي رجب.

فتشاور القوم فيهم وقالوا: لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم.

فأجمعوا أمرهم في مواقعة القوم، فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله فكان أول قتيل من المشركين.

واستأسر الحكم وعثمان فكان أول أسيرين في الإسلام، وأفلت نوفل فأعجزهم.

واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله  بالمدينة، فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام شهراً يأمن فيه الخائف ويذعر فيه الناس لمعايشهم.

سفك فيه الدماء وأخذ فيه الحرائب وعيّر بذلك أهل مكة من كان فيها من المسلمين.

فقال رسول الله  لابن جحش وأصحابه: "ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام" ، ووقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً.

فعظم ذلك على أصحاب السرية وظنوا أن قد هلكوا وسقطوا في أيديهم وقالوا: يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى وأكثر الناس في ذلك فنزلت ﴿ يسئلونك عن الشهر الحرام ﴾ فأخذ رسول الله  العير فعزل منها الخمس فكان أول خمس، وقسم الباقي بين أصحاب السرية فكان أول غنيمة في الإسلام.

وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم فقال: بل نقفهما حتى يقدم سعد وعتبة، وإن لم يقدما فتلناهما بهما.

فلما قدما فأداهما.

فأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله  بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيداً، وأما عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة فمات بها كافراً، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعاً وقتله الله، وطلب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله  : "خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية" .

وقيل: إن هذا السؤال كان من الكفار، سألوا رسول الله  عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حرام استحلوا قتاله فيه فنزلت ﴿ يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه ﴾ خفض على أنه بدل الاشتمال من الشهر.

وفي قراءة ابن مسعود ﴿ عن قتال فيه ﴾ بتكرير العامل.

وقرأ عكرمة ﴿ قتل فيه قل قتال فيه كبير ﴾ أي عظيم مستنكر كما يسمى الذنب العظيم كبيرة.

وإنما جاز وقوع قتال مبتدأ لكونه موصوفاً بالظرف.

فإن قيل: كيف نكّر القتال في قوله  ﴿ قل قتال ﴾ ومن حق النكرة إذا تكررت أن يكون المذكور ثانياً معرفاً مشاراً به إلى الأول وإلا كان الثاني مغايراً للأول؟

قلنا: لأن المراد بالقتال الأول الذي سألوا عنه القتال الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش.

فلو جيء بالثاني معرفاً لزم أن يكون ذلك من الكبائر، مع أن الغرض منه كان نصرة الإسلام وإعلاء كلمته، فاختير التنكير ليكون تنبيهاً على أن القتال المنهي عنه هو الذي فيه تقوية الكفر وهدم قواعد الدين لا الذي سألوا عنه.

ثم الجمهور اتفقوا على أن حكم هذه الآية حرمة القتال في الشهر الحرام، وهل بقي ذلك الحكم أو نسخ؟

عن ابن جريج أنه قال: حلف لي بالله عطاء أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا على سبيل الدفع.

وروى جابر قال: لم يكن رسول الله  يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى.

وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟

قال: نعم.

قال أبو عبيد الله: والناس بالثغور اليوم جميعاً على هذا القول، يرون الغزو مباحاً في الأشهر الحرم كلها، ولم أر أحداً من علماء الشام والعراق ينكره عليهم.

وكذلك أحسب قول أهل الحجاز والحجة في إباحته.

قوله  ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم  ﴾ ويمكن أن يقال أن قوله ﴿ قتال فيه كبير ﴾ نكرة في حين الإثبات فيتناول فرداً واحداً لا كل الأفراد، فلا يلزم منه تحريم القتال في الشهر الحرام مطلقاً، فلا حاجة فيه إلى تقدير النسخ والله أعلم.

﴿ وصدّ عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ﴾ من القتال في الأشهر الحرم فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر الحرام فكيف تعيبون عبد الله بن جحش على ذلك القتال مع أنه ظن أنه في جمادى الآخرة؟

واعلم أن قوله ﴿ وصد ﴾ قد مر وجوه إعرابه في الوقوف.

أما قوله: ﴿ والمسجد الحرام ﴾ فقيل: إنه معطوف على الهاء في "به" عند من يجوز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، كقراءة حمزة ﴿ تساءلون به والأرحام  ﴾ بالخفض.

والكفر بالمسجد الحرام منع الناس عن الصلاة فيه والطواف به وقيل: إنه معطوف على سبيل الله أي صد عن سبيل الله وصد عن المسجد الحرام.

واعترض بأنه يلزم الفصل بين صلة المصدر الذي هو الصد، وبين المصدر بالأجنبي الذي هو قوله ﴿ وكفر به ﴾ وأجيب بأن الصد عن سبيل الله والكفر به كالشيء الواحد في المعنى، فكأنه لا فصل وبأن التقديم لفرط العناية مثل ﴿ ولم يكن له كفواً أحد  ﴾ وكان حق الكلام "ولم يكن أحد كفواً له".

وقيل: والمسجد الحرام عطف على الشهر الحرام أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام وهذا قول الفراء وأبي مسلم.

وقيل: الواو في "والمسجد الحرام" للقسم.

والصد عن سبيل الله هو المنع عن الإيمان بالله وبمحمد أو عن الهجرة.

وقيل: منعهم المسلمين عام الحديبية عن عمرة البيت وزيف بأن الآية نزلت قبل غزوة بدر كما مر في قصة ابن جحش.

وعام الحديبية كانت بعد غزوة بدر.

وأجيب بأن معلوم الله كالواقع.

والمراد بإخراج أهله، إخراج المسلمين من مكة.

وإنما جعلهم أهلاً له إذ كانوا هم القائمين بحقوق المسجد ولهذا قال عز من قائل ﴿ وكانوا أحق بها وأهلها  ﴾ وإنما كانت هذه الأمور أكبر لأن كل واحد منها كفر والكفر أعظم من القتال.

وأيضاً إنها أكبر من قتال في الشهر الحرام وهو قتال عبد الله بن جحش، ولم يكن قاطعاً بأنه وقع في الشهر الحرام.

وأما الكفار فيعلمون بأن هذه الأمور تصدر عنهم في الشهر الحرام ﴿ والفتنة ﴾ أي الشرك، أو إلقاء الشبهات في قلوب المؤمنين أو التعذيب كفعلهم ببلال وصهيب وعمار.

﴿ أكبر من القتل ﴾ لأن الفتنة تفضي إلى القتل في الدنيا وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة، فيصح أن الفتنة أكبر من القتل، فضلاً عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي.

يروى أنه لما نزلت الآية كتب عبد الله بن جحش إلى مؤمني مكة "إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج الرسول  من مكة ومنع المؤمنين عن البيت الحرام" ﴿ ولا يزالون يقاتلونكم ﴾ إخبار عن استمرار الكفار على عداوة المسلمين ﴿ حتى يردوكم عن دينكم ﴾ كي يرودكم عنه كقولك "أسلمت حتى أدخل الجنة" بمعنى كي أدخل.

ويجوز أن يكون بمعنى "إلى" كقوله ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم  ﴾ وقوله ﴿ إن استطاعوا ﴾ استبعاد لاقتدارهم كقول الرجل لعدوّه وهو واثق بأنه لا يظفر به "إن ظفرت بي فلا تبقِ عليّ" ﴿ ومن يرتدد ﴾ ومن يرجع ﴿ منكم عن دينه فيمت وهو كافر ﴾ باق على الردة ﴿ فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ أما في الدنيا فلما يفوته من فوائد الإسلام العاجلة فيقتل عند الظفر به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين موالاة ولا نصراً ولا ثناء حسناً وتبين زوجته منه ويحرم الميراث، وأما في الآخرة فيكفي في تقريره قوله ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ واعلم أن الردة أغلظ أنواع الكفر حكماً، وأنها تارة تحصل بالقول الذي هو كفر كجحد مجمع عليه، وكسبّ نبي من الأنبياء.

وأخرى بالفعل الذي يوجب استهزاء صريحاً بالدين كالسجود للشمس والصنم وإلقاء المصحف في القاذورات.

وكذا لو اعتقد وجوب ما ليس بواجب.

ويشترط في صحة الردة التكليف، فلا تصح ردة الصبي والمجنون.

وههنا بحث أصولي وهو أن جماعة من المتكلمين ذهبوا إلى أن شرط صحة الإيمان والكفر حصول الموافاة.

فالإيمان لا يكون إيماناً إلا إذا مات المؤمن عليه، والكفر لا يكون كفراً إلا إذا مات الكافر عليه.

لأن من كان مؤمناً ثم ارتد - والعياذ بالله - فلو كان ذلك الإيمان الظاهر إيماناً في الحقيقة لكان قد استحق عليه الثواب الأبدي.

فإما أن يبقي الاستحقاقان وهو محال، وإما أن يقال إن الطارئ يزيل السابق وهو أيضاً محال، لأنهما متنافيان وليس أحدهما أولى بالتأثير من الآخر، بل السابق بالدفع أولى من اللاحق بالرفع لأن الدفع أسهل من الرفع.

وأيضاً شرط طريان الطارئ زوال السابق.

فلو عللنا زوال السابق بطريان الطارئ لزم الدور.

وبحث فروعي: وهو أن المسلم إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في الوقت فعند الشافعي: لا إعادة عليه لأن شرط حبوط العمل أن يموت على الردة لقوله  عطفاً على الشرط ﴿ فيمت وهو كافر ﴾ وعند أبي حنيفة لزمه قضاء ما أدى وكذلك الحج لما جاء في موضع آخر مطلقاً ﴿ ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون  ﴾ والحبط في اللغة أن تأكل الإبل شيئاً يضرها فتعظم بطونها فتهلك.

وفي الحديث "وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم" سمي بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء بسبب ورود المفسد عليه.

ولا شك أن المراد من إحباط العمل ليس هو إبطال نفس العمل، لأن العمل شيء كما وجد فني وزال وإعدام المعدوم محال.

فقال المثبتون للإحباط والتكفير: المعنى أن عقاب الردة الحادثة يزيل ثواب الإيمان السابق.

إما بشرط الموازنة كما هو مذهب أبي هاشم وجمهور المتأخرين من المعتزلة، أو لا بشرط الموازنة كما هو مذهب أبي علي.

وقال المنكرون للإحباط: المراد بالإحباط الوارد في كتاب الله  هو أن المرتد إذا أتى بالردة فتلك الردة عمل محبط لا يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحق ثواباً، فمعنى حبط عمله أنه أتى بعمل ليس فيه فائدة، بل فيه مضرة عظيمة، أو المراد أنه تبين أن أعماله السابقة لم تكن معتداً بها شرعاً.

وروي أن عبد الله بن جحش وأصحابه حين قتلوا ابن الحضرمي ظن قوم أنهم إن سلموا من الإثم لم يكن لهم أخر فنزلت ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية.

لأن عبد الله كان مؤمناً وكان مهاجراً وصار بسبب هذا القتال مجاهداً.

وقيل: إنه  لما أوجب الجهاد بقوله ﴿ كتب عليكم القتال ﴾ وبين أن تركه سبب للوعيد، أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ الآية ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد.

ومعنى هاجروا فارقوا أوطانهم وعشائرهم من الهجر الذي هو ضد الوصل.

والهجر الكلام القبيح لأنه مما ينبغي أن يهجر.

وجاز أن يكون المراد أن الأحباب والأقارب هجروه بسبب هذا الدين وهو أيضاً هجرهم بهذا السبب فكان ذلك مهاجرة.

والمجاهدة من الجهد بالفتح الذي هو المشقة، أو من الجهد بالضم الطاقة لأنه يبذل الجهد في قتال العدو عند فعل العدو مثل ذلك، ويجوز أن يكون معناها ضم جهده إلى جهد أخيه في نصرة دين الله كالمساعدة ضم ساعده إلى ساعد أخيه لتحصيل القوة ﴿ أولئك يرجون رحمة الله ﴾ يحتمل أن يكون الرجاء بمعنى القطع واليقين ولكن في أصل الثواب، والظن إنما دخل في كميته وكيفيته وفي وقته.

ويحتمل أن يراد المنافع التي يتوقعونها، فإن عبد الله بن جحش ما كان قاطعاً بالثواب في عمله بل كان يظن ظناً، وإنما جعل الوعد معلقاً بالرجاء ليعلم أن الثواب على الإيمان والعمل غير واجب، وإنما ذلك بفضله ورحمته كما هو مذهبنا.

ولو وجب أيضاً صح لأنه متعلق بأن لا يكفر بعد ذلك وهذا الشرط مشكوك.

وأيضاً المذكور ههنا هو الإيمان والهجرة والجهاد.

ولا بد للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال والتوفيق فيها مرجو من الله.

وأيضاً المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع هذه الخصال مستقصرين أنفسهم في نصرة دين الله، فيقدمون عليه راجين رحمته خائفين عقابه ﴿ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ﴾ \[المؤمنون: 60\].

﴿ والله غفور رحيم ﴾ يحقق لهم رجاءهم إن شاء بعميم فضله وجسيم طوله.

عن قتادة: هؤلاء خيار هذه الأمة.

ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون وإنه من رجا طلب ومن خاف هرب.

وقال شاه الكرماني: علامة الرجاء حسن الطاعة.

وقيل: الرجاء رؤية الجلال بعين الجمال.

وقيل: قرب القلب من ملاطفة الرب.

روي عن لقمان أنه قال لابنه: خف الله  خوفاً لا تأمن فيه مكره، وأرجه رجاء أشد من خوفك.

قال: فكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد؟

قال: أما علمت أن المؤمن كذي قلبين يخاف بأحدهما ويرجو بالآخر؟

وهذا لأنهما من حكم الإيمان وهما للمؤمن كالجناحين للطائر، إذا استويا استوى الطير وتم في طيرانه.

ومن هنا قيل: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌۭ كَبِيرٌۭ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ٢١٩ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌۭ لَّهُمْ خَيْرٌۭ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ٢٢٠ وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌۭ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكَةٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟ ۚ وَلَعَبْدٌۭ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِۦ ۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٢٢١

القراءات: ﴿ إثم كبير ﴾ بالثاء المثلثة: حمزة وعلي.

الباقون: بالباء.

﴿ قل العفو ﴾ بالرفع أبو عمرو.

الباقون: بالنصب.

﴿ لأعنتكم ﴾ بغير همز: روى أبو ربيعة عن أصحابه.

وعن حمزة وجهان في الوقف ترك الهمزة لبيان المذهب، والهمز ليدل على أصل الكلمة.

الوقوف: ﴿ والميسر ﴾ ط ﴿ للناس ﴾ ز قد يجوز مع اتفاق الجملتين تنبيهاً على أن بيان الثانية أهم من الأولى ﴿ من نفعهما ﴾ ط ﴿ ينفقون ﴾ ط ﴿ العفو ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ لا لتعلق الجار.

﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ اليتامى ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ فإخوانكم ﴾ ط ﴿ المصلح ﴾ ط ﴿ لأعنتكم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ يؤمنّ ﴾ ط لأجل لام الابتداء بعده ﴿ أعجبتكم ﴾ ج لوقوع العارض وإن اتفقت الجملتان ﴿ يؤمنوا ﴾ ط ﴿ أعجبكم ﴾ ط ﴿ إلى النار ﴾ ج والوصل أجوز لأن مقصود الكلام بيان تفاوت الدعوتين مع اتفاق الجملتين، ومن وقف أراد الفصل بين ذكر الحق والباطل ﴿ بإذنه ﴾ ج لأن جملة "والله يدعو" تقابل الجملة الأولى فلم يكن قوله "ويبين آياته" من تمامها إذ ليس في الجملة الأولى ذكر بيان، ومن وصل فلعطف المستقبل على المستقبل ﴿ يتذكرون ﴾ (ه).

التفسير: الحكم الثالث: بيان حرمة الخمر والميسر.

قالوا: نزلت في الخمر أربع آيات نزلت بمكة ﴿ ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً  ﴾ فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال، ثم إن عمر ومعاذاً ونفراً من أصحابه قالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال فنزلت هذه الآية، فشربها قوم وتركها آخرون.

ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناساً منهم فشربوا وسكروا، فأمّ بعضهم فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون.

فنزلت ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون  ﴾ فقلّ من يشربها.

ثم دعا عتبان بن مالك قوماً فيهم سعد ابن أبي وقاص فلما سكروا افتخروا وتناشدوا حتى أنشد سعد شعراً فيه هجاء الأنصار، فضربه أعرابي بلحي بعير فشجه موضحة، فشكا إلى رسول الله  فقال عمر: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً.

فنزلت ﴿ إنما الخمر والميسر  ﴾ إلى قوله ﴿ فهل أنتم منتهون  ﴾ فقال عمر: انتهينا يا رب.

والحكمة في وقوع التحريم على هذا الوجه أن القوم قد ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم بذلك كثيراً، فلو منعوا دفعة واحدة لشق ذلك عليهم فإن الفطام عن المألوف شديد، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج والرفق.

واختلف العلماء في مفهوم الخمر فقال الشافعي: كل شراب مسكر فهو خمر.

وقال أبو حنيفة: الخمر ما غلى واشتد وقذف بالزبد من عصير العنب.

احتج الشافعي بما روى أبو داود في سننه عن الشعبي عن ابن عمر عن عمر قال: نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير.

وهذا دليل على أن الخمر عندهم كل ما خامر العقل أي خالطه.

والتركيب يدل على الستر والتغطية، ومنه خمار المرأة.

وكذا ما روي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله  : "إن من العنب خمراً، وإن من التمر خمراً، وإن من العسل خمراً، وإن من البر خمراً وإن من الشعير خمراً" ، قال الخطابي: إنما جرى ذكر هذه الأشياء خصوصاً لكونها معهودة في ذلك الزمان، وكل ما في معناها من ذرة أو سلت أو عصارة شجر فحكمها حكم هذه الخمسة.

كما أن تخصيص الأشياء الستة بالذكر في خبر الربا لا يمنع من ثبوت حكم الربا في غيرها.

وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله  قال: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" فمراد الشارع أن كل مسكر فهو خمر لغة أو شرعاً فيكون حقيقة لغوية أو شرعية كالصلاة، ولئن منع ذلك فلا أقل من أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة وهو المراد.

وعن عائشة قالت: سئل رسول الله  عن البتع - وهو شراب يتخذ من العسل - فقال  "كل شراب مسكر فهو حرام" وعن أم سلمة قالت: نهى رسول الله  عن كل مسكر ومفتر.

قال: الخطابي: والمفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء.

وأيضاً الآيات الواردة في الخمر منها اثنتان بلفظ الخمر وغيرهما بلفظ المسكر مثل ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى  ﴾ وفيه دليل على أن المراد بالخمر هو المسكر.

وكذا في قول عمر ومعاذ "الخمر مذهبة للعقل".

فإنه يوجب أن كل ما كان مساوياً للخمر في هذا المعنى إما أن يكون خمراً وإما أن يكون مساوياً للخمر في علة التحريم.

وأيضاً قال  ﴿ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة  ﴾ ولا شك أن هذه الأفعال معللة بالسكر فيعلم منه أن حرمة الخمر معللة بالإسكار.

فإما أن يجب القطع بأن كل مسكر خمر، وإما أن يلزم الحكم بالحرمة في كل مسكر.

حجة أبي حنيفة قوله  ﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً  ﴾ منّ الله علينا باتخاذ السكر والرزق الحسن، والنبيذ سكر ورزق حسن، فوجب أن يكون مباحاً لأن المنة لا تكون إلا بالمباح، وأيضاً ما روي في الصحيحين عن جابر "أن رسول الله  استسقى فقال رجل: يا رسول الله، ألا أسقيك نبيذاً؟

قال: بلى.

فخرج يسعى فجاء بقدح فيه نبيذ فشرب" .

واعلم أن المسكر حرام جنسه قل أم كثر نيئاً أو مطبوخاً لقوله  "ما أسكر كثيره فقليله حرام" وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله  يقول "كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام" قال الخطابي: الفرق مكيال يسع ستة عشر رطلاً.

وفيه أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب.

وعن ابن عباس أنه جاء رجل فسأله عن العصير فقال: اشربه ما كان طرياً.

قال: إني أطبخه وفي نفسي منه شيء.

قال: أكنت شاربه قبل أن تطبخه؟

قال: لا، قال: إن النار لا تحل شيئاً وقد حرم.

وقال أبو حنيفة: المطبوخ من عصير العنب إن ذهب أقل من ثلثيه فهو حرام لكن لا حد على شاربه إلا إذا سكر، وإن ذهب ثلثاه فهو حلال إلا القدر المسكر فيحرم ويتعلق بشربه الحد.

يروى أن عمر بن الخطاب كتب إلى بعض عماله "أما بعد فاطبخوا شرابكم حتى يذهب منه نصيب الشيطان فإن له اثنين ولكن واحداً".

ونقيع التمر والزبيب إذا اشتد فهو حرام ولكن لا حد فيه ما لم يسكر، فإن طبخ فهو حلال إلا المقدار الذي يسكر فإن ذلك حرام ويحد به، ولا يعتبر في النقيع ذهاب الثلثين.

ونبيذ الحنطة والشعير والعسل وغيرها حلال نيئاً كان أو مطبوخاً، ولا يحرم منه إلا القدر المسكر.

وذكروا في حد السكران عبارات فعن الشافعي: أنه الذي اختلط كلامه المنظوم وانكشف سره المكتوم.

وقيل: الذي لا يفرق بين السماء والأرض وقيل: الذي يتمايل في مشيه ويهذي في كلامه.

والأقرب أن الرجوع فيه إلى العادة.

ثم إن قوله  ﴿ يسئلونك عن الخمر والميسر ﴾ ليس فيه بيان أنهم عن أي شيء سألوا، فيحتمل أنهم سألوا عن حقيقته وماهيته، ويحتمل أنهم سألوا عن حل الانتفاع وحرمته، ويحتمل أنهم سألوا عن حل شربه وحرمته إلا أنه  لما أجاب بذكر الحرمة بل تخصيص الجواب على أن ذلك السؤال كان واقعاً عن الحل والحرمة أي يسألونك عما في تعاطيهما.

وأما كيفية دلالة الآية على الحرمة فهي أنها مشتملة على أن في الخمر إثماً والإثم حرام لقوله  ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم  ﴾ ومما يؤكد هذا أن السؤال كان واقعاً عن مطلق الخمر وقد جعل الله  الإثم لازماً لهذه الماهية فيلزمها الإثم على جميع التقادير من الشرب وغير ذلك من وجوه الانتفاع والاستعمال.

وصرح أيضاً بأن الإثم الحاصل منها أكبر من النفع المتوهم فيها عاجلاً، وإنما لم يقنع كبار الصحابة بهذه الآية طلباً لما هو آكد في التحريم ثقة واطمئناناً كما التمس إبراهيم  مشاهدة إحياء الموتى طلباً لمزيد الإيقان وركوناً إلى سكون النفس بالعيان.

فإن قيل: لما كان الإثم لازماً لماهية الخمر من حيث هي، فلم لم تكن محرمة في سائر الشرائع؟

قلت: كم من نقص في الأديان السالفة تممه شرع خاتم النبيين!

وأيضاً هذا لزوم شرعي، ويمكن أن تختلف الشرائع بحسب اختلاف الأزمان ولا سيما إذا اعتبرت مصالح الإنسان.

والميسر القمار مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعليهما.

يقال: يسرته أي قمرته مشتق من اليسار لأنه يسلب يساره.

عن ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله.

أو من اليسر لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير ما كدّ وتعب.

وقال ابن قتيبة: الميسر من التجزئة والاقتسام يقال: يسروا الشيء إذا اقتسموه.

فالجزور نفسه يسمى ميسراً لأنه يجزأ أجزاء والياسر الجازر.

ثم يقال للقامر: ياسر لأنه بسبب ذلك الفعل يجزئ لحم الجزور.

وقال الواحدي: يسر الشيء أي وجب، والياسر الواجب بسبب القداح.

وأما صفة الميسر على ما في الكشاف فهي: إنه كانت لهم عشرة أقداح - وهي الأزلام والأقلام - أساميها: الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى والمنيح والسفيح والوغد.

لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤنها عشرة أجزاء.

وقيل: ثمانية وعشرين.

لا نصيب لثلاثة وهي المنيح والسفيح والوغد، وللفذ سهم، والتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة.

يجعلونها في الربابة - وهي خريطة - ويضعونها على يدي عدل ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحاً منها.

فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئاً وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم.

قال العلماء: وفي حكم الميسر سائر أنواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما.

روي عن النبي  "إياكم وهاتين الكعبتين المشؤمتين فإنهما من ميسر العجم" وعن ابن سيرين ومجاهد وعطاء: كل شيء فيه خطر فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز.

وروي أن علياً  مر بقوم وهم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟.

إلا أن الشافعي رخص في الشطرنج إذا خلا عن الرهان، وكف اللسان عن الطغيان، وحفظ الصلاة عن النسيان.

فإن الميسر ما يوجب دفع مال وأخذ مال وهذا ليس كذلك.

ويحكى اللعب به عن ابن الزبير وأبي هريرة وكثير من السلف.

وأما السبق في النصل والخف والحافر فجائز بالاتفاق لقوله  "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر" وذلك لما فيها من التأهب للجهاد، والكلام في تفاصيلها وشروطها مذكور في كتب الفقه.

﴿ قل فيهما إثم كبير ﴾ أي إنهما من الكبائر.

ومن قرأ بالثاء فمعنى الكثرة أن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة.

أما في الخمر فلأنها عدوّ العقل الذي هو عقال الطبع وأشرف خصائص الإنسان ومقابل الأشرف يكون أخس الأشياء.

حكى بعض الأدباء أنه مر على سكران وهو يبول في يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضئ ويقول: الحمد لله الذي جعل الإسلام نوراً والماء طهوراً.

وعن العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية: لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد في جرأتك؟

فقال: ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله في جوفي، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسي سفيههم، ومن خواصها أن الإنسان كلما كان اشتغاله بها أكثر كان الميل إليها أتم، وقوة النفس عليها أقوى.

بخلاف سائر المعاصي كالزنا وغيره، وكفى بقوله ﴿ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر الميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة  ﴾ وبقوله  "الخمر أم الخبائث" ذماً لها وتقريراً لإثم شاربها.

وقد لعن رسول الله  بسبب الخمر عشرة.

وقال  : "كل مسكر حرام" "وإن على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قالوا يا رسول الله وما طينة الخبال؟

قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار" وكذا الكلام في الميسر مع أن فيه أكل الأموال بالباطل.

وأما المنافع المذكورة فهي أنهم كانوا يغالون بها إذا جلبوها من النواحي، وكان المشتري إذا ترك المماكسة في الثمن يعدّ ذلك فضيلة ومكرمة، وكان يكثر أرباحهم بذلك السبب قال أبو محجن: أقومها زقاً يحق بذا كم يساق إلينا تجرها ونسوقها.

قال أبقراط: في الخمر عشر منافع.

خمس جسمانية وخمس نفسانية.

فالجسمانية أنها تجوّد الهضم وتدرّ البول وتحسن البشرة وتطيب النكهة وتزيد في الباه.

والنفسانية أنها تسر النفس وتقرب الأمل وتشجع النفس وتحسن الخلق وتزيل البخل.

ومن منافع الميسر التوسعة على ذوي الحاجات لأنهم كانوا يفرقونه على المساكين فيكتسبون به الثناء والمدح.

ولا ريب أن منافع الخمر والميسر لكونها مظنونة عاجلة أقل من إثمهما لكونه متيقن.

الحساب الدائم العذاب، والعاقل لا يختار النفع القليل الزائل بعقاب أبدي لا نهاية له.

الحكم الرابع: ﴿ ويسئلونك ماذا ينفقون ﴾ وقد تقدم ذكر هذا السؤال وأجيب عنه بذكر المصرف وأعيد هنا فأجيب بذكر الكمية.

وذلك أن الناس لما رأوا الله ورسوله يحضان على الإنفاق وينبهان على عظم ثوابه، سألوا عن مقدار ما كلفوا به هل هو كل المال أو بعضه؟

ومعنى العفو ما تيسر وسهل مما يكون فاضلاً عن الكفاية.

ويشبه أن يكون العفو عن الذنب راجعاً إلى التيسير والتسهيل.

ويقال للأرض السهلة: العفو.

ومن قال إن العفو هو الزيادة، فهو أن الغالب أن ذلك إنما يكون فيما يفضل عن حاجة الإنسان في نفسه وعياله.

وحاصل الأمر يرجع إلى التوسط في الإنفاق والنهي عن التبذير والتقتير وعن النبي  أنه كان يحبس لأهله قوت سنة.

وقال  : "خير الصدقة ما أبقت غنى ولا يلام على كفاف" وللعلماء في هذا الإنفاق خلاف.

فعن أبي مسلم: أنه يجوز أن يكون العفو هو الزكوات، ذكرها ههنا مجملة وتفصيلها في السنة، وقيل: إنه تطوع ولو كان مفروضاً لبين مقداره ولم يفوّض إلى رأي المكلف.

وقيل: إن هذا كان قبل نزول آية الصدقات، وكانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم ما يكفيهم في عامهم وينفقون ما فضل ثم نسخ بالزكاة.

﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات ﴾ أي كما بين لكم وجوه الإنفاق ومصارفه فهكذا يبين لكم في مستأنف أيامكم جميع ما تحتاجون إليه.

﴿ لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ﴾ فتأخذون بما هو أصلح لكم من سلوك سبيل العدالة للإنفاق وغيره، أو تتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع.

ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله ﴿ وإثمهما أكبر من نفعهما ﴾ أي لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في الدنيا حتى لا تختاروا الأدنى على الأعلى.

ويجوز أن يتعلق بـ "يبين" أي يبين لكم الآيات في أمر الدارين وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون.

الحكم الخامس: ﴿ ويسئلونك عن اليتامى ﴾ عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً  ﴾ عزلوا أموالهم عن أموالهم فنزلت.

وعنه عن ابن عباس قال: لما أنزل الله  ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن  ﴾ وقوله ﴿ إن الذين يأكلون  ﴾ نطلق من كان عنده مال اليتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، وجعل يحبس له ما يفضل من طعامه حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله  فنزلت.

﴿ قل إصلاح لهم خير ﴾ وهو كلام جامع لمصالح اليتيم والولي.

أما لليتيم فلأنه يتضمن صلاح نفسه بالتقويم والتأديب، وصلاح ماله بالتبقية والتثمير لئلا تأكله النفقة عليه والزكاة منه.

وأما الولي فلأن إحراز الثواب خير له من التحرز عن مال اليتيم حتى تختل مصالحه وتفسد معيشته، وقيل: الخبر عائد إلى الولي يعني إصلاح أموالهم من غير عوض ولا أجرة خير للولي وأعظم أجراً، وقيل: عائد إلى اليتيم أي مخالطتهم بالإصلاح خير لهم من التفرد عنهم والإعراض عن أمورهم، والأصوب هو القول الأول، فإن جهات المصالح مختلفة غير مضبوطة فينبغي أن يكون نظر المتكفل لأمور اليتيم على تحصيل الخير في الدنيا و الآخرة لنفسه ولليتيم في ماله ونفسه.

﴿ وإن تخالطوهم فإخوانكم ﴾ أي فهم إخوانكم في الإسلام، والمخالطة جمع يتعذر فيه التمييز.

قيل: المراد وإن تخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن والخدم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز كما يفعله المرء بمال ولده ومع إخوانه في الدين، فإن هذا أدخل في حسن العشرة والمؤالفة.

وقيل: المراد بهذه المخالطة أخذ مقدار أجرة المثل في ذلك العمل، وسنشرح المذاهب في ذلك إن شاء الله  إذا انتهينا إلى تفسير قوله  ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف  ﴾ وقيل: المراد أن يخالطوا أموال اليتامى بأموالهم وأنفسهم على سبيل الشركة بشرط رعاية جهات المصلحة والغبطة للصبي وحمل بعضهم المخالطة على المصاهرة واختاره أبو مسلم، لأن هذا خلط اليتيم نفسه والشركة خلط لماله.

وأيضاً الشركة داخلة في قوله ﴿ قل إصلاح لهم خير ﴾ والخلط من جهة النكاح وتزويج البنات منهم لم يدخل في ذلك، فحمل الكلام على هذا الخلط أقرب.

وأيضاً إنه  قال بعد هذه الآية ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ ﴾ فكان المعنى إن المخالطة المندوب إليها إنما هي في اليتامى الذين هم لكم إخوان في الإسلام لتتأكد الألفة بالمناكحة، فإن كان اليتيم من المشركين فلا تفعلوا ذلك ﴿ والله يعلم المفسد ﴾ لأمورهم ﴿ من المصلح ﴾ لها، أو يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في مالهم بالنكاح من المصلح فيجاوزيه على حسب غرضه ومقصده، فأحذروه ولا تتحروا غير الإصلاح، وفيه تهديد عظيم فكأنه قال: أنا المتكفل بالحقيقة لأمر اليتيم، وأنا المطالب لوليه إن قصر.

﴿ ولو شاء الله لأعنتكم ﴾ لحملكم على العنت وهو المشقة بأن ضيق عليكم طريق المخالطة معهم.

وعن ابن عباس: لو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً.

وذلك أنهم كانوا في الجاهلية قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى وربما تزوجوا باليتيمة طمعاً في مالها، أو يزوجها من ابن له كيلا يخرج مالها من يده.

وقد يستدل بالآية على أنه  لا يكلف العبد ما لا يقدر عليه وعلى أنه تعالى قادر على خلاف العدل لأنه لو امتنع وصفه بالقدرة على الإعانات ما جاز أن يقول "ولو شاء لأعنت" ولهذا قال: ﴿ إن الله عزيز ﴾ غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم ولكنه ﴿ حكيم ﴾ لا يكلف إلا ما يتسع فيه طاقتهم.

الحكم السادس: ﴿ ولا تنكحوا المشركات ﴾ أكثر المفسرين على أن هذه الآية ابتداء شرع وحكم آخر في بيان ما يحل ويحرم.

وعن أبي مسلم: أنه متعلق بقصة اليتامى ترغيباً في مخالطتهنّ دون مخالطة المشركات.

عن ابن عباس: أن رسول الله  بعث مرثد بن أبي مرثد الغنوي - وكان حليفاً لبني هاشم - إلى مكة ليخرج منها ناساً من المسلمين، وكان يهوى امرأة في الجاهلية اسمها عناق.

فأتته وقالت: ألا نخلو؟

فقال: ويحك إن الإسلام حال بيننا.

فقالت: فهل لك أن تتزوّج بي؟

قال: نعم.

ولكن أرجع إلى رسول الله  فاستأمره فنزلت هذه الآية.

ثم العلماء اختلفوا في الآية في موضعين: الأوّل في لفظ النكاح فقال أكثر أصحاب الشافعي: إنه حقيقة في العقد لقوله  "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" ولا شك أن المتوقف على الولي والشاهد هو العقد لا الوطء.

ولقوله  أيضاً "ولدت من نكاح لا من سفاح" ولقوله  ﴿ وأنكحوا الأيامى  ﴾ وقال الجمهور من أصحاب أبي حنيفة: إنه حقيقة في الوطء لقوله  ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره  ﴾ والنكاح الذي ينتهي إليه الحرمة ليس هو العقد بل هو الوطء بدليل قوله  " لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" وقال  "ناكح اليد ملعون وناكح البهيمة ملعون" ومن الناس من قال: النكاح عبارة عن الضم.

يقال: نكح المطر الأرض إذا وصل إليها، ونكح النعاس عينيه.

والضم حاصل في العقد وفي الوطء، فيحسن استعمال اللفظ فيهما جميعاً.

قال ابن جني: سألت أبا علي عن قولهم "نكح المرأة" فقال: فرقت العرب بالاستعمال فرقاً لطيفاً.

فإذا قالوا: نكح فلان فلانة، أرادوا أنه تزوّجها وعقد عليها.

وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته.

لم يريدوا غير المجامعة.

إلا أن المفسرين أجمعوا على أن المراد بالنكاح في هذه الآية هو العقد أي لا تعقدوا على المشركات.

الثاني لفظ المشرك هل يتناول الكفار من أهل الكتاب أم لا؟

قال الأكثرون: نعم لقوله  ﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله  ﴾ إلى قوله  ﴿ عما يشركون  ﴾ ولقوله ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ فلو كان كفر اليهود والنصارى غير الشرك لاحتمل أن يغفر الله لهم وذلك باطل بالاتفاق.

وأيضاً النصارى قائلون بالتثليث وليس ذلك في الصفات، فإن أكثر المسلمين أيضاً يثبتون لله  صفات قديمة، فإذن هو في الذات وهذا شرك محض.

وروي "أن النبي  أمّر أميراً وقال: إذا لقيت عدوّاً من المشركين فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فادعهم إلى الجزية وعقد الذمة، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، سمى من يقبل الجزية وعقد الذمة بالمشرك" .

وقال أبو بكر الأصم: كل من جحد رسالته فهو مشرك من حيث إن تلك المعجزات التي ظهرت على يده كانت خارجة عن حدّ البشر، وهم أنكروها وأضافوها إلى الجن والشياطين، فقد أثبتوا شريكاً لله  في خلق هذه الأشياء الخارجة عن قدرة البشر.

واعترض عليه بأن اليهودي حيث لا يسلم أن ما ظهر على يد محمد  هو من جنس ما لا يقدر العباد عليه، لم يلزم أن يكون مشركاً بسبب إضافة ذلك إلى غير الله.

والجواب أنه لا اعتبار بإقراره، وإنما الاعتبار بالدليل، فإذا ثبت بالدليل أن ذلك المعجز خارج عن قدرة البشر، فمن أضاف ذلك إلى غير الله كان مشركاً كما لو أسند خلق الحيوان والنبات إلى الأفلاك والكواكب.

احتج المخالف بأنه  فصل بين أهل الكتاب والمشركين في الذكر حيث قال ﴿ ما يودّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين  ﴾ ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين  ﴾ والعطف يقتضي التغاير.

وأجيب بأن كفر الوثني أغلظ وهذا القدر يكفي في العطف، أو لعله خص أوّلاً ثم عمم.

هذا وقد سلف في تفسير قوله عز من قائل ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً  ﴾ أن أكثر عبدة الأوثان مقرون بأن إله العالم واحد، وأنه ليس له في الإلاهية بمعنى خلق العالم وتدبيره شريك ونظير، فظهر أن وقوع اسم المشرك عليهم ليس بحسب اللغة بل بالشرع كالصلاة والزكاة.

وإذا كان كذلك فلا يبعد بل يجب اندراج كل كافر تحت هذا الاسم، لا سيما وقد تواتر النقل عن النبي  بأنه يسم كل من كان كافراً بأنه مشرك.

التفريع إن قيل: المشركات تشمل الحربيات والكتابيات جميعاً فالآية منسوخة أو مخصصة بقوله ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم  ﴾ لأن سورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ شيء منها قط وهو قول ابن عباس والأوزاعي.

لا يقال: لعل المراد من آمن بعد أن كان من أهل الكتاب لأن قوله ﴿ والمحصنات من المؤمنات  ﴾ يشمل من آمن منهنّ فيبقى قوله ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب  ﴾ ضائعاً ولإجماع الصحابة على جواز نكاح الكتابيات نقل أن حذيفة تزوّج بيهودية أو نصرانية فكتب إليه عمر أن خل سبيلها.

فكتب إليه: أتزعم أنها حرام؟

فقال: لا، ولكني أخاف.

وعن جابر بن عبد الله عن رسول الله  أنه قال: "نتزوّج نساء أهل الكتاب ولا يتزوّجون نساءنا" وعن عبد الرحمن بن عوف أن النبي  قال في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم" ولو لم يكن نكاح نسائهم جائزاً لكان هذا الاستثناء خالياً عن الفائدة.

وإن قيل: إن المشركات تختص بالحربيات، فالآية ثابتة وباقية على عمومها.

ومن الناس من زعم أن هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التزوج بالمشركات.

روي هذا عن الحسن وزيف بأن رفع مباح الأصل ليس بنسخ لأن الناسخ والمنسوخ يجب أن يكونا حكمين شرعيين إلا أن يقال: إن تجويز نكاح المشركة قبل نزول الآية كان ثابتاً من قبل الشرع.

قوله ﴿ حتى يؤمن ﴾ اتفق الكل على أن المراد منه الإقرار بالشهادة والتزام أحكام الإسلام، ولكن لا يدل هذا على أن الإيمان في عرف الشرع عبارة عن الإقرار فقط لما مر في تفسير قوله ﴿ الذين يؤمنون بالغيب  ﴾ أنه لا بد في الإيمان الحقيقي من التصديق القلبي، إلا أنه اكتفي ههنا بالإقرار اللساني لأنه هو أمارة الإيمان بالنسبة إلينا، فلا اطلاع لنا على صميم القلب، والسرير موكولة إلى علام الخفيات.

فإن وافق سره العلن كان مؤمناً حقاً وإلا كان منافقاً جداً ﴿ ولأمة مؤمنة ﴾ هذه اللام في إفادة التوكيد تشبه لام القسم.

والمراد بالأمة وكذا بالعبد في قوله ﴿ ولعبد مؤمن ﴾ أمة الله وعبده لأن الناس كلهم عبيداً لله وإماؤه أي ولا مرأة مؤمنة حرة كانت أو مملوكة ﴿ خير من مشركة ولو أعجبتكم ﴾ للمبالغة والجواب محذوف أي ولو كانت المشركة تعجبكم بمالها وجمالها ونسبها، فالمؤمنة خير منها لأن الإيمان يتعلق بالدين والمال، والجمال والنسب يتعلق بالدنيا، ورعاية الدين أولى من رعاية الدنيا إن لم يتيسر الجمع بينهما.

وقد تحصل المحبة والتآلف عند التوافق في الدين فتكمل منافع الدنيا أيضاً من حسن الصحبة والعشرة وحفظ الغيب وضبط الأموال والأولاد، وأما عند اختلاف الدين فتنعكس هذه القضايا.

وقد يرى أضداد ما توقع منها ولهذا قال رسول الله  "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسنها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك" وقد ظن بعضهم أن المراد بالأمة ضد الحرة فقال: التقدير: ولأمة مؤمنة خير من حرة مشركة.

ولهذا ذهب بعض آخر إلى أن في الآية دلالة على أن القادر على طول الحرة يجوز له التزوّج بالأمة على ما هو مذهب أبي حنيفة، لأن الآية دلت على أن الواجد لطول الحرة المشركة يكون لا محالة واجداً لطول الحرة المسلمة، لأنه بسبب التفاوت في الإيمان والكفر لا يتفاوت قدر المال المحتاج إليه في أهبة النكاح، فيلزم قطعاً أن يكون الواجد لطول الحرة المسلمة يجوز له نكاح الأمة ﴿ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ﴾ لا خلاف ههنا في أن المراد به الكل، وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر على اختلاف أقسام الكفر ﴿ أولئك ﴾ المشركات والمشركون ﴿ يدعون إلى النار ﴾ أي إلى ما يؤدي إليها، فإن الزوجية مظنة الألفة والمحبة في الظاهر، وقد تحمل المودة على الاتفاق في الدين فلعل المؤمن يوافق الكافر، والاحتراز عن مظنة الارتداد أهم من الطموح إلى إسلام المشرك.

فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا ولا يكون بينهم وبين المؤمنين إلا المناصبة والقتال.

وقيل: المراد أنهم يدعون إلى ترك المحاربة والجهاد، وفي ترك الجهاد استحقاق النار والعذاب.

وغرض هذا القائل أن يجعل هذا فرقاً بين الذمية وغيرها، فإن الذمية لا تحمل زوجها على ترك الجهاد.

وقيل: إن الولد الذي يحدث ربما دعاه الكافر إلى الكفر فيصير الولد من أهل النار فهذا هو الدعوة إلى النار.

﴿ والله يدعو إلى الجنة ﴾ حيث أمر بالتزوج بالمسلمة حتى يكون الولد مسلماً من أهل الجنة، أو المراد أن أولياء الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة المغفرة وما يؤدي إليهما، فهم الذين تحب موالاتهم و مصاهرتهم وأن يؤثروا على غيرهم ﴿ بإذن ﴾ بتوفيق الله وتيسيره للعمل الذي يستحق به الجنة والغفران وقرى الحسن ﴿ والمغفرة ﴾ بالرفع على الابتداء أي المغفرة كائنة بتيسيره ﴿ ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون ﴾ معناه واضح.

وقد عرفت فيما مر أن التذكر محاولة استرجاع الصورة المحفوظة، فكان الآيات تليه على ما هو مركوز في العقول من حقيقة دين الإسلام ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون  ﴾ .

التأويل: إن خمر الظاهر كما يتخذ من أجناس مختلفة كالعنب والتمر والعسل والحنطة والشعير وغيرها، فكذلك خمر الباطن من أجناس مختلفة كالغفلة والشهوة والهوى وحب الدنيا وأمثالها.

وهذه تسكر النفوس والعقول الإنسانية التي هي مناط التكليف فلهذا حرمت في عالم التكليف، وأما ما يسكر القلوب والأرواح والأسرار فهو شراب الواردات في أقداح المشاهدات من ساقي تجلي الصفات إذا دارت الكؤوس انخمدت شهوات النفوس، فتسكر القلوب بالمواجيد عن المواعيد، والأرواح بالشهود عن الوجود، والأسرار بمطالعة الجمال من ملاحظة الكمال، وهذا شراب حلال لأنه فوق عالم التكليف، وإنه يمزج الكثيف باللطيف فيه ﴿ ومنافع للناس ﴾ وملاذ لأهل القرب والاستئناس.

فصحوك من لفظي هو الوصل كله *** وسكرك من لحظي يبيح لك الشربا فمـا مـل سـاقيهـا ومـا مـل شـارب *** عقـار لحــاظ كـأســه يسـكـر اللبــا قوم أسكرهم وجود الشراب وقوم أسكرهم شهود الساقي.

فــأســكـــر القـــــوم دور كـــأس *** وكــان سـكــري مــن المـــديـــــر الكأس والشراب والساقي و المسقي ههنا واحد كما قيل: رق الــزجــاج وراقــت الخمـــر *** فتشـــابهـــا وتشــاكـــل الأمــــــر فكـــأنمـــا خمـــر ولا قــــــــدح *** وكـــأنمـــــا قـــــدح ولا خمـــــر وإثم الإعراض عن كؤوس الوصال في النهاية أكبر من نفع الطلب ألف سنة في البداية.

أما الميسر فإثمه كبير عند ا لأخيار وإنه بعيد عن خصال الأبرار، ولكن نفعه عدم الالتفات إلى الكونين، وبذل نفوس العالمين في فردانية نقش الكعبتين.

﴿ وإثمهما أكبر من نفعهما ﴾ لأن إثمهما للعوام ونفعهما للخواص، والعوام أكثر من الخواص.

وبعبارة أخرى الإثم في الخمر الظاهر والميسر الظاهر، والنفع في الخمر الباطن والميسر الباطن، وأهل الظاهر أكثر من أهل الباطن والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًۭى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ ٢٢٢ نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌۭ لَّكُمْ فَأْتُوا۟ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٢٢٣ وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةًۭ لِّأَيْمَـٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَتُصْلِحُوا۟ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ٢٢٤ لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ ٢٢٥ لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍۢ ۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٢٢٦ وَإِنْ عَزَمُوا۟ ٱلطَّلَـٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ٢٢٧

القراءات: ﴿ حتى يطهرن ﴾ بالتشديد والأصل "يتطهرن" فأدغم التاء في الطاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.

الباقون ﴿ يطهرن ﴾ بالتخفيف من الطهارة.

﴿ أنى ﴾ بالإمالة المفرطة: حمزة وعلي وخلف.

وقرأ العباس بالإمالة اللطيفة كل القرآن.

الباقون بالتفخيم ﴿ لا يؤاخذكم ﴾ وبابه وكل همزة تحركت وتحرك ما قبلها مثل ﴿ يؤخر ﴾ و ﴿ يؤده ﴾ وأشباه ذلك بغير همز: يزيد وورش والشموني وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ عن المحيض ﴾ ط ﴿ أذى ﴾ ط لأن لكونه أذى تأثيراً بليغاً في وجوب الاعتزال ﴿ في المحيض ﴾ لا للعطف.

﴿ حتى يطهرن ﴾ ج لأن "إذا" متضمنة الشرط للفاء في جوابه مع فاء التعقيب فيها ﴿ أمركم الله ﴾ ط ﴿ المتطهرين ﴾ ه ﴿ حرث لكم ﴾ ص لأن الفاء كالجزاء أي إذا كن حرثاً فأتوهن وإلا فقد اختلف الجملتان ﴿ شئتم ﴾ ز قد يجوز لوقوع العارض.

﴿ لأنفسكم ﴾ ط ﴿ ملاقوه ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ بين الناس ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: الحكم السابع: ﴿ ويسئلونك عن المحيض ﴾ قيل: إنه  جمع في هذا الموضع بين ستة أسئلة، فذكر الثلاثة الأول بغير الواو والباقية بالواو.

والسبب أن سؤالهم عن تلك الحوادث وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت بحرف العطف، لأن كل واحد من تلك السؤالات سؤال مبتدأ، وسألوا عن الوقائع الأخر في وقت واحد فجيء بحرف الجمع لذلك كأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن كذا وعن كذا.

روي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها، والنصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، وكان أهل الجاهلية إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها على فرش، ولم يساكنوها في بيت.

فقال ناس من الأعراب يا رسول الله، البرد شديد والثياب قليلة.

فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلكت الحيض فنزلت الآية، فقال  : "إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت" يعني أن المراد من قوله  ﴿ فاعتزلوا النساء ﴾ فاعتزلوا مجامعتهن.

واتفق المسلمون على حرمة الجماع في زمان الحيض، واتفقوا على حل الاستمتاع بالمرأة بما فوق السرة وتحت الركبة، واختلفوا فيما دون السرة وفوق الركبة.

فالشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف قالوا: يجب اعتزال ما اشتمل عليه الإزار بناء على أن المحيض مصدر كالمجيء والمبيت، والتقدير: فاعتزلوا تمتع النساء في زمان الحيض.

ترك العمل بالآية فيما فوق السرة وتحت الركبة للإجماع فبقي الباقي على الحرمة.

وعن زيد بن أسلم أن رجلاً سأل النبي  ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟

قال: " لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها" ، وقيل: ما سوى الفرج حلال، لأن المراد بالمحيض موضع الحيض فالمعنى فاعتزلوا موضع الحيض من النساء، نعم المحيض الأول مصدر فيصلح عود الضمير إليه في قوله ﴿ قل هو أذى ﴾ أي الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه نفرة وكراهة على أنه يحتمل أن يكون بمعنى المكان والتقدير هو ذو أذى، وإنما قدم قوله ﴿ هو أذى ﴾ لترتب الحكم وهو وجوب الاعتزال عليه.

وذلك أن دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من طريق الرحم، حتى لو احتبست تلك الفضلة لمرضت المرأة.

فذلك الدم جار مجرى البول والغائط فكان أذى وقذراً.

ولا يرد عليه دم الاستحاضة حيث لا يوجب الاعتزال، لأن ذاك دم صالح يسيل من عرق يتفجر في عنق الرحم، ويؤيده ما روي في الصحيحين عن عائشة قالت: "جاءت فاطمة بنت أبي حبيش فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟

فقال: لا، إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" .

ومعنى العرق أنه علة حدثت بها من تصدع العروق.

وأصل الحيض في اللغة السيل.

يقال: حاض السيل وفاض.

قال الأزهري: منه قيل الحوض لأن الماء يحيض إليه أي يسيل.

والواو والياء من حيز واحد.

وقد ورد في الحديث لدم الحيض صفات منها السواد ويراد به أنه يعلوه حمرة متراكبة فيضرب من ذلك إلى السواد، ومنها الثخانة، ومنها المحتدم وهو المحرق من شدة حرارته، ومنها أنه ذو دفعات أي يخرج برفق ولا يسيل سيلاً، ومنها أن له رائحة كريهة، ومنها أنه بحراني وهو الشديد الحمرة.

وقيل: ما يحصل فيه كدورة تشبيهاً له بماء البحر.

فمن الناس من قال: إن كان الدم موصوفاً بهذه الصفات فهو الحيض وإلا فلا، وما اشتبه الأمر فيه فالأصل بقاء التكاليف، وزوالها إنما كان بعارض الحيض.

فإذا كان غير معلوم الوجود بقيت التكاليف الواجبة على ما كانت.

ومنهم من قال: هذه الصفات قد تشتبه على المكلف فإيجاب التأمل في تلك الدماء وفي تلك الصفات يقتضي عسراً ومشقة، فالشارع قدر وقتاً مضبوطاً متى حصلت الدماء فيه كان حكمها حكم الحيض، ومتى حصلت خارج ذلك الوقت لم يكن حكمها حكم الحيض كيف كانت صفة تلك الدماء.

أما السن المحتمل للحيض فأصح الوجوه أنها تسع سنين فإن رأت الصبية دماً قبل استكمال التسع فهو دم فساد.

قال الشافعي: وأعجل من سمعت من النساء يحضن نساء تهامة يحضن لتسع سنين.

وقيل: إن أول وقت الإمكان يدخل بالطعن في السنة التاسعة.

وقيل: بمضي ستة أشهر من السنة التاسعة.

والاعتبار على الوجوه بالسنين القمرية تقريباً على الأظهر لا تحديداً، حتى لو كان بين رؤية الدم وبين استكمال التسع على الوجه الأصح ما لا يسع حيضاً وطهراً، كان ذلك الدم حيضاً وإلا فلا، وأقل مدة الحيض عند الشافعي يوم وليلة، وعند أبي حنيفة ثلاثة أيام، وعن مالك لا حد لأقله.

وأما أكثر الحيض فهو خمسة عشر يوماً وليلة لقول علي  وكرم الله وجهه: ما زاد على خمسة عشر فهو استحاضة.

وعن عطاء: رأيت من تحيض يوماً ومن تحيض خمسة عشر يوماً.

وأما الطهر فأكثره لا حد له.

فقد لا ترى المرأة الدم في عمرها إلا مرة واحدة، وأقله خمسة عشر يوماً، وقال أحمد أقله ثلاثة عشر.

وقال مالك: ما أعلم بين الحيضتين وقتاً يعتمد عليه لنا الرجوع إلى الوجود، وقد ثبت ذلك من عادات النساء، وروي أنه  قال: "تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي" أشعر ذلك بأقل الطهر وأكثر الحيض.

وغالب عادات النساء في الحيض ست أو سبع، وفي الطهر باقي الشهر.

"قال  لحمنة بنت جحش: تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً كما تحيض النساء ويطهرن" .

ومعنى: "في علم الله"، أي مما علمك الله من عادتك أو من غالب عادات النساء.

ويحرم في الحيض عشرة أشياء: الصلاة والصوم والاعتكاف والمكث في المسجد و الطواف ومس المصحف وقراءة القرآن والسجود والغشيان بنص القرآن والطلاق في حق بعضهن ثم إن أكثر فقهاء الأمصار على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا يحل مجامعتها إلا بعد أن تغتسل عن الحيض، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي والثوري.

والمشهور عن أبي حنيفة أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها حتى تغتسل ويمضي عليها وقت صلاة، وإن رأته عشرة أيام جاز له أن يقربها قبل الاغتسال.

حجة الشافعي أن القراءة المتواترة حجة بالإجماع فإذا حصلت قراءتان متواترتان وجب الجمع بينهما ما أمكن.

فمن قرأ "يطهرن" بالتخفيف فانتهاء الحرمة عنده انقطاع الدم، ومن قرأ "يطهرن" بالتثقيل فالنهاية تطهرها بالماء، والجمع بين الأمرين ممكن بأن يكون النهاية حصول الشيئين.

ومعنى قوله ﴿ ولا تقربوهن ﴾ أي لا تجامعوهن وهذا كالتأكيد لقوله ﴿ فاعتزلوا ﴾ ويحتمل أن يكون ذلك نهياً عن المباشرة في موضع الدم وهذا نهي عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع.

وأيضاً قوله ﴿ فإذا تطهرن فأتوهن ﴾ تعليق للإتيان على التطهر بكلمة "إذا"، فوجب أن لا يجوز الإتيان عند عدم التطهر.

والمراد بالتطهر الاغتسال؛ لأن هذا الحكم عائد إلى ذات المرأة، فوجب أن يحصل في كل بدنها لا في بعض من أبعاض بدنها.

وعن عطاء وطاوس هو أن تغسل الموضع وتتوضأ.

وقال بعضهم: غسل الموضع.

ثم القائلون بوجوب الاغتسال أجمعوا على أن التيمم يقوم مقامه عند إعواز الماء ﴿ من حيث أمركم الله ﴾ أي من المأتى الذي أمركم به وحلله لكم وهو القبل.

عن ابن عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة وعكرمة.

وقال الأصم والزجاج: فأتوهن من حيث يحل لكم غشيانهن وذلك بأن لا يكنّ صائمات ولا معتكفات ولا محرمات.

وعن محمد ابن الحنفية: فأتوهن من قبل الحلال دون الفجور.

﴿ إن الله يحب التوابين ﴾ مما عسى أن يبدر عنهم من ارتكاب ما نهوا عنه من ذلك بمجامعة الحائض والطاهرة قبل الغسل وإتيان الدبر ﴿ ويحب المتطهرين ﴾ المتنزهين عن تلك الفواحش.

فالتائب هو الذي فعله ثم تركه، والمتطهر هو الذي ما فعله تنزهاً عنه لأن الذنب كأنه نجاسة روحانية حكمية ﴿ إنما المشركون نجس  ﴾ أو يحب التوابين الذين يطهرون أنفسهم بطهرة التوبة من كل ذنب، ويحب المتطهرين من جميع الأقذار والأوزار.

الحكم الثامن ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ وإنه جار مجرى البيان والتوضيح لقوله ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ دلالة على أن الغرض الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة فينبغي أن يؤتى المأتي الذي هو مكان الحرث، وعن جابر رضي الله عنه قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فنزلت هذه الآية.

وعن ابن عباس: "جاء عمر إلى رسول الله  فقال: يا رسول الله هلكت.

قال: وما أهلكك؟

قال: حوّلت رحلي الليلة.

قال: فلم يرد عليَّ شيئاً.

فأوحى إلى رسول الله  هذه الآية" .

وتحويل الرحل قيل: ظاهره الكناية عن الإتيان في غير المحل المعتاد.

وقيل: إنه الإتيان في المحل المعتاد لكن من جهة ظهرها.

وعنه كانت الأنصار تنكر أن يأتي الرجل المرأة مجبية أي في قبلها من دبرها وكانوا أخذوا ذلك من اليهود وكانت قريش تفعل ذلك ولما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته فبلغ ذلك رسول الله  فنزلت ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ أي مقبلات ومدبرات ومستكفيات بعد أن يتقى الدبر والحيضة، وذلك أن قوله ﴿ حرث لكم ﴾ أي مزرع ومنبت للولد وهذا على سبيل التشبيه.

ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، وإنما وحد الحرث لأنه مصدر أقيم مقام المضاف أي هن مواضع حرث فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، لا تحظر عليكم جهة دون جهة، بعد أن يكون المأتي واحداً وهو موضع الحرث أعني القبل دون الدبر، هذا ما عليه أكثر العلماء ويؤيده قوله عز من قائل ﴿ قل هو أذى فاعتزلوا ﴾ جعل ثبوت الأذى علة للاعتزال ولا معنى للأذى، إلا ما يتأذى الإنسان منه بنتن وتلوث وتنفر طبع، والأذى في الدبر حاصل أبداً فالاعتزال عنه أولى بالوجوب.

فمعنى ﴿ أنى شئتم ﴾ كيف شئتم من قبلها قائمة أو باركة أو مضطجعة.

وقيل: "أنى" بمعنى "متى" أي فأتوا حرثكم أي وقت شئتم من أوقات الحل يعني إذا لم تكن أجنبية أو محرمة أو صائمة أو حائضاً.

وعن ابن عباس: المعنى إن شاء عزل وإن شاء لم يعزل.

وقيل: متى شئتم من ليل أو نهار والأصح الأول وعن مالك والشيعة تجويز إتيان النساء في أدبارهن ويحكى أن نافعاً نقل عن ابن عمر مثل ذلك واحتجوا بأن الحرث اسم المرأة لا الموضع المعين وبأن قوله ﴿ أنى شئتم ﴾ معناه من أين شئتم كقوله ﴿ أنى لك هذا  ﴾ أي من أين.

وكلمة "أين" تدل على تعدد الأمكنة فيلزم أن يكون المأتي بها متعدداً.

وبقوله ﴿ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون: 6\] ترك العمل بعمومه في حق الذكور لدلالة الإجماع فوجب أن يبقى معمولاً به في حق الإناث.

ولا يخفى ضعف هذه الحجج ولو سلم مساواتها دلائل الحرمة في القوة فالاجتناب أحوط، وكيف لا وقد روي عن رسول الله  "ملعون من أتى امرأة في دبرها" ولو لم يكن فيه إلا فوات غرض التوالد والتناسل الذي به بقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف أنواع الكائنات لكفى به منقصة وذماً، وإذا كان لزنا لكونه مزيلاً للنسب محرماً، وكذا الخمر لكونها رافعة للعقل، والقتل لكونه مفنياً للشخص، فلأن يحرم هذا الفعل لكونه متضمناً لفناء النوع أولى كاللواط وإتيان البهيمة والاستمناء ولهذا عقبه بقوله ﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾ أي افعلوا ما تستوجبون به الجنة والكرامة كقول الرجل لغيره "قدم لنفسك عملاً صالحاً" وذلك أن الآية اشتملت على الإذن في أحد الموضعين والمنع عن الموضع الآخر فكأنه قيل: لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة وإنما يجب أن تكونوا في ربقة الإخلاص وتقديم الطاعة، ثم إنه أكد ذلك بقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا تحسن إلا إذا كانت مسبوقة بالنهي عن مشتهي.

فقوله ﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾ تحريض على فعل الطاعات ويندرج فيه ابتغاء لولد والتسمية عند الوقاع وغير ذلك من بآداب الخلوة، وقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ زجر عن المحظورات والمنكرات، وقوله ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ تذكير ليوم البعث والحساب الذي لولاه لضاع فعل الطاعات وترك المنهيات وما أحسن هذا الترتيب!

ثم قال ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ كيلا يخلو الوعيد من الوعد.

ولم يذكر المبشر به وهو الثواب والكرامة ونحوهما إما لأنه كالمعلوم من نحو قوله ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً  ﴾ ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات  ﴾ وإما لأن الغرض نفس البشارة مثل "فلان يعطى".

الحكم التاسع: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ وهو نهي عن الجراءة على الله بكثرة الحلف، فإن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة أي معرضاً له قال: فلا تجعلوني عرضة للوائم.

وقد ذم الله  من أكثر الحلف بقوله ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين  ﴾ والحكمة فيه أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك فلا يؤمن إقدامه على الأيمان الكاذبة.

وأيضاً كلما كان الإنسان أكثر تعظيماً لله كان أكمل في العبودية، ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله  أجل وأعلى عنده من أن يبتذله ويستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية.

وقوله ﴿ أن تبروا ﴾ علة النهي اي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصّلحوا بين الناس لأن الخلاف مجترئ على الله غير معظم له فلا يكون براً متقياً، فإذا ترك الحلف لاعتقاده أن الله أعظم وأجل من أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا اعتقد الناس في صدق لهجته وبعده من الأغراض الفاسدة فعدوه براً متخذاً من الإخلال بواجب حق الله فيدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم.

ومعنى آخر وهو أن تكون العرضة "فعلة" بمعنى "مفعول" كالقبضة والغرفة فيكون اسماً للشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانع الناس من السلوك، ومنه "عرض العود على الإناء" وتقول "فلان عرضة دون الخير".

وذلك أن الرجل كان يحلف على بعض الخيرات من صلة لرحم أو إصلاح أو إحسان أو عبادة ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني.

فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ أي حاجزاً لما حلفتم عليه.

وسمي المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين كما "قال النبي  لعبد الرحمن بن سمرة: إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" أي على شيء مما يحلف عليه.

فيكون قوله ﴿ أن تبروا ﴾ عطف بيان ﴿ لأيمانكم ﴾ أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى أو الإصلاح بين الناس، وعلى هذا فاللام في ﴿ لأيمانكم ﴾ إما أن تتعلق بالفعل أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخاً وحاجزاً، وإما أن تعلق بـ ﴿ عرضة ﴾ لما فيها من معنى الاعتراض بمعنى لا تجعلوا شيئاً يعترض البر.

ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويتعلق ﴿ أن تبروا ﴾ بالعرضة أي لا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا ﴿ والله سميع ﴾ إن حلفتم به ﴿ عليم ﴾ بنياتكم إن تركتم الحلف إجلالاً لذكره، واليمين في الأصل عبارة عن القوة فسمي الحلف بذلك لأن المقصود بها تقوية جانب البر على جانب الحنث.

اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ولهذا قيل: لما لا يعتد به ولا يخطر من أولاد الإبل في الدية "لغو" وهو في الأصل مصدر لغا يلغو.

قال  "من قال يوم الجمعة لصاحبه صه والإمام يخطب فقد لغا" واختلف الفقهاء في اللغو من اليمين فذهب الشافعي - وهو قول عائشة والشعبي وعكرمة - أنه قول العرب "لا والله" و "بلى والله" مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف.

فلو قيل لواحد منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام لا ننكر ذلك ولعله قال: لا والله ألف مرة.

ومذهب أبي حنيفة وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد والنخعي والزهري وسليمان بن يسار وقتادة والسدي ومكحول - أن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن.

وفائدة الخلاف أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل "لا والله" و "بلى والله" ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن، وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك.

حجة الشافعي أن الآية تدل على أن لغو اليمين كالمقابل المضاد لما يحصل بسبب كسب القلب، لكن المراد من قوله ﴿ بما كسبت قلوبكم ﴾ هو الذي يقصده الإنسان على سبيل الجد ويربط به قلبه فيكون اللغو ما تعوّده الناس في الكلام "لا والله" و "بلى والله" فأما إذا حلف على شيء أنه كان حاصلاً جداً ثم ظهر أنه لم يكن فقد قصد الإنسان بذلك اليمين المتصل تصديق قوله وربط قلبه بذلك فلم يكن لغواً ألبتة، وأيضاً إنه  ذكر قبل هذه الآية النهي عن كثرة الحلف فذكر عقيب ذلك حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد في الكلام على سبيل القصد إلى الحلف، وبيّن أنه لا مؤاخذة عليهم ولا كفارة لأن إيجاب الكفارة والمؤاخذة عليهم يفضي إما إلى أن يمنعوا عن الكلام أو يلزمهم في كل لحظة كفارة وكلاهما حرج في الدين، فظهر أن تفسير اللغو بما ذكرنا هو المناسب ويؤده ما روت عائشة عن النبي  أنه قال: "لغو اليمين قول الرجل بين كلامه لا والله وبلى والله" وروي "أنه  مر بقوم ينتضلون ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم فقال: أصبت والله ثم أخطأ فقال الذي مع النبي  : حنث الرجل يا رسول الله، فقال  : كل أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة" وعن عائشة أنها قالت: أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة التي لا يعقد عليها القلب.

وأثر الصحابي في تفسير كلام الله حجة.

وقال أبو حنيفة: اليمين معنى لا يلحقه الفسخ فلا يعتبر فيه القصد كالطلاق والعتاق.

وأيضاً إنه  قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه" أوجب الكفارة على الحانث مطلقاً من غير فصل بين المجد والهازل.

وقيل: إن يمين اللغو هو الحلف على ترك طاعة أو فعل معصية، فبين الله  أنه لا يؤاخذ بترك هذه الأيمان ﴿ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ﴾ أي بإقامتكم على ذلك الذي حلفتم عليه من ترك الطاعة وفعل المعصية وعن الضحاك أن اللغو هي اليمين المكفرة كأنه قيل: لا يؤاخذكم الله بإثم الحلف إذا كفرتم.

وقيل: هي ما يقع سهواً، والمراد بما كسبت قلوبكم هو العمد، واختاره القاضي أبو بكر.

ثم إن الشافعي قال: معنى لا يؤاخذكم لا يلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه، ولكن يلزمكم الكفارة بما نوت قلوبكم وقصدت من الأيمان ولم يكن كسب اللسان وحده.

وقال أبو حنيفة: معناه لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم بالظن، ولكن يعاقبكم بما اقترفته قلوبكم من إثم القصد أي الكذب في اليمين، وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهو اليمين الغموس.

وقال مالك في الموطأ: أحسن ما سمعت في ذلك أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه فلا كفارة.

قال: والذي يحلف على شيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضي به أحداً أو يعتذر لمخلوق أو بقتطع به مالاً فهذا لا أعلم أن يكون فيه كفارة، وإنما الكفارة على من حلف أن لا يفعل الشيء المباح الذي له فعله ثم يفعله، أو أن يفعله ثم لا يفعله مثل: أن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيع بذلك، أو يحلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه.

﴿ والله غفور رحيم ﴾ حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم وأخر عقوبتكم بما كسبت قلوبكم لعلكم تتفكرون أو تتوبون عنها.

الحكم العاشر: ﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ يقال في اللغة: آلى يؤلي إيلاء وأئتلى ائتلاء وتألى تألياً.

والإلية والقسم واليمين والحلف كلها واحد.

وفي الحديث القدسي "آليت أن أفعل" خلاف المقدرين والإيلاء في الشرع هو الحلف على الامتناع من وطء لزوجة مطلقاً أو مدة تزيد على أربعة أشهر.

وكان الإيلاء طلاقاً في الجاهلية فغيّر الشرع حكمه.

قال سعيد بن المسيب.

كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها وكان يتركها بذلك لا أيماً ولا ذات بعل، والغرض منه مضارة المرأة.

ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضاً فأزال الله  ذلك وأمهل الزوج مدة حتى يتروى ويتأمل.

فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها.

ثم المتعارف أن يقال: آليت على كذا وإنما عدي ههنا بمن لأنه أريد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر كما يقال: "لي منك كذا" أو ضمن في هذا القسم المصوص معنى البعد فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم أو يعتزلون مولين أو مقسمين.

والتربص التلبث والانتظار وإضافته إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله "بينهما يوم" أي مسيرة في يوم ﴿ فإن فاؤا ﴾ فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب الضرار بالإيلاء وهو الغالب، وإن كان من الجائز كونه على رضا منهن إشفاقاً منهن على الولد من القتل أو لغير ذلك من الأسباب ﴿ وإن عزموا الطلاق ﴾ بان عقدوا القلب على حل رابطة النكاح ﴿ فإن الله سميع عليم ﴾ وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة التي هي مثل التوبة.

واعلم أن الإيلاء له أركان أربعة.

الحالف والمحلوف به والمحلوف عليه ومدة هي ظرف المحلوف عليه.

الركن الأول: الحالف وهو كل زوج يتصور منه الوقاع وكان تصرفه معتبراً في الشرع، فيصح إيلاء الذمي لعموم قوله ﴿ للذين يؤلون ﴾ وبه قال أبو حنيفة.

وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصح إيلاؤه بالله  ويصح بالطلاق والعتاق، وأيضاً لا فرق عندنا بين الحر والرقيق في الحد.

وعند أبي حنيفة يتنصف برق المرأة، وعند مالك برق الرجل كما قالا في الطلاق لنا أن التخصيص خلاف الظاهر، ولأن تقدير هذه المدة إن كان لأجل معنى يرجع إلى الجبلة والطبع وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج فيستوي فيه الحر والرقيق كالحيض ومدة الرضاع ومدة العنة.

ويصح الإيلاء في حالتي الرضا و الغضب بعموم الآية.

وقال مالك: لا يصح إلا في حال الغضب.

وأيضاً يصح الإيلاء من المرأة سواء كانت في صلب النكاح أو كانت مطلقة طلقة رجعية، لأن الرجعية يصدق عليه أنها من نسائه بدليل أنه لو قال: نسائي طوالق.

وقع الطلاق عليها فتدخل تحت ظاهر قوله ﴿ يؤلون من نسائهم ﴾ ولهذا لو قال لأجنبية: والله لا أجامعك لم يكن مولياً.

وإيلاء الخصي صحيح لأنه يجامع كما يجامع الفحل غير أنه لا ينزل.

ومن جُبّ جميع ذكره لم يصح إيلاؤه على الأظهر لأنه لا يتحقق منه قصد الإيلاء لامتناع الأمر في نفسه.

وكذا الأشل ومن بقي من ذكره بعد الجب ما دون قدر الحشفة.

فإن آلى ثم جب فالأصح ثبوت الخيار لها فإن لم تفسخ بقي الإيلاء على الأظهر لأن العجز عارض وقد قصد الإضرار في الابتداء وإذا كانت المرأة رتقاء أو قرناء فالحكم كما في الجب ولا يصح إيلاء الصبي والمجنون بحال.

الركن الثاني: المحلوف به وهو إما الله  وصفاته أو غيره.

فإن حلف بالله كان مولياً، ثم إن جامعها في مدة الإيلاء خرج عن الإيلاء.

وهل يجب عليه كفارة اليمين؟

الجديد وقول أبي حنيفة أنه يجب عليه كفارة اليمين، لأن الدلائل الدالة على وجوب الكفارة عند الحنث باليمين عامة، وأي فرق بين أو يقول: والله لا أقربك" ثم يقربها وبين أن يقول: "والله لا أكلمك" ثم يكلمها.

وإنما ترك ذكر الكفارة في الآية لأنها مبنية في سائر المواضع من القرآن وعلى لسان الرسول.

وقوله  ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ يدل على عدم العقاب وأنه لا ينافي الكفارة كالتائب عن الزنا أو القتال لا عقاب عليه، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص.

وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير الله كما إذا قال: إن وطئتك فللَّه علي عتق رقبة أو صدقة أو حج أو صوم أو صلاة.

فهل يكون مولياً؟

الجديد وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة من العلماء أنه يكون مولياً لأن العتق والطلاق المعلقين بالوطء يحصلان لو وطئ فيكون ما يلزمه الوطء مانعاً له من الوطء، ويكون هو بتعليقه بالوطء مضراً بها فيثبت لها المطالبة كما في اليمين بالله  حتى يضيق الأمر عليه بعد مضي أربعة أشهر ليفيء أو يطلق.

ولا يخفى أنه لو كان المعلق به إلزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر اللجاج.

وفيه أقوال أصحها أن عليه كفارة اليمين، والثاني عليه الوفاء بما سمى، والثالث التخيير بين كفارة اليمين وبين الوفاء.

الركن الثالث: المحلوف عليه وهو الجماع وهذا من صرائح ألفاظه، وكذا النيك والوطء والإصابة ومن كناياتها المباضعة والملامسة والمباشرة فلا تعمل إلا بالنية.

الركن الرابع: المدة.

فعن ابن عباس أنه لا يكون مولياً حتى يحلف أن لا يطأها أبداً، وعن الحسن وإسحاق أنه مول وإن حلف يوماً.

وهذان المذهبان في غاية البعد.

وعن أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أن لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد.

وعن مالك وأحمد و الشافعي أنه لا يكون مولياً حتى تزيد المدة على أربعة أشهر.

فعند الشافعي إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل لأربعة أشهر.

وهذه المدة تكون حقاً للزوج فإذا مضت طالبت المرأة الزوج بالفيئة أو الطلاق، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه.

وعند أبي حنيفة إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه، حجة الشافعي أن الفاء في قوله ﴿ فإن فاؤا ﴾ تقتضي كون ما بعدها من حكمي الفيئة والطلاق مشروعاً متراخياً عن انقضاء الأشهر الأربعة.

وأيضاً قوله ﴿ وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ﴾ صريح في أن وقوع الطلاق وإنما يكون بإيقاع الزوج، وفي أن الزوج لا بد أن يصدر عنه شيء يكون مسموعاً وما ذاك إلا إيقاع الطلاق.

أجاب أبو حنيفة بأن قوله ﴿ فإن فاؤا ﴾ تفصيل للحكم المتقدم كما تقول: "أنا نزيلكم هذا الشهر.

فإن حمدتكم أقمت عندكم إلى آخره وإلا لم أقم وأتحول" وأيضاً الإيلاء طلاق في نفسه، فالطلاق إشارة إليه.

وأيضاً الغالب أن العازم للطلاق والضرار وترك الفيئة لا يخلو من مقاولة ودمدمة وحديث نفس، فذلك الذي يسمعه الله كما يسمع وسوسة الشيطان.

واستدل على صحة مذهبه في أن الفيئة لا بد أن تقع في الأشهر بقراءة عبد الله بن مسعود فإن ﴿ فاؤا فيهن ﴾ ورد بأنها شاذة فلا معول عليها والرجوع إلى الحق أولى الله حسبي.

التأويل: كما أن النساء محيضاً في الظاهر وهو سبب نقصان إيمانهن يمنعهن عن الصلاة والصيام فكذا للرجال محيض في الباطن وهو سبب نقصان إيمانهم يمنعهم عن حقيقة الصلاة وهي المناجاة، وعن حقيقة الصوم وهي الإمساك عن مشتهيات النفوس.

وكما أن المحيض هو غلبة الدم فكذلك الهوى هو غلبة دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية، فكلما غلب الهوى تكدر الصفا وحصل الأذى.

وقد قيل: قطرة من الهوى تكدر بحراً من الصفا.

ولذلك نودي من سرادقات الجلال: يا قلوب الرجال اعتزلوا نساء النفوس في محيض غلبات الهوى ﴿ حتى يطهرن ﴾ يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح ﴿ فإذا تطهرن ﴾ بماء التوبة والإنابة ورجعن إلى الحضرة في طلب القربة ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ يعني عند ظهور شواهد الحق لزهوق باطل النفس واضمحلال هواها ﴿ إن الله يحب التوابين ﴾ عن أوصاف الوجود ﴿ ويحب المتطهرين ﴾ بأخلاق المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الوجود ويحب المتطهرين ببقاء الشهود ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون فيما سوى الله بتصرف الحقّ فهم رجال وما دون الله نساؤهم وهم الأنبياء والأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذنه.

فكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم، فالدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا ﴿ وما تشاءون إلا أن يشاء الله  ﴾ فقد فنيت مشيئتهم في مشيئته  وبقيت قدرة تصرفهم بتقويته ﴿ لا يؤاخذكم الله ﴾ القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات الحراثة، والأعمال والأقوال كالبذر.

فالبذر ما لم يقع في الأرض المرتبة للزراعة لا ينبت وإن كان فيها آلة من آلات الحراثة.

أما إن كان لما يجري على الظواهر من الخبر أدنى أثر في القلب ولو كان مثقال ذرة فإن الله  من كمال فضله وكرمه لا يضيعه بل يضاعفه، وإن كان ما يجري عليه في الظاهر شراً فإن لم يكن له أثر في القلب كان لغواً ولا يؤاخذه، وإن كان له أثر في القلب فهو بصدد المؤاخذة وإن شاء الله غفره.

﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ من وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من ملالة النفس أو نفرة الطبع فعلى الشيخ والأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة ويعاونوه بالهمم العلية ويتربصوا أربعة أشهر للرجوع لأن هذه مدة تعلق الروح بالجنين كما جاء في الحديث "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك" إلى آخره ﴿ فإن فاءوا ﴾ الفيئة إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة ونفخ فيه روح الإرادة مرة أخرى لاحظوه بعين القبول، فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون، بل شراب لا يذوقه إلا العارفون، وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون ﴿ وإن عزموا الطلاق ﴾ لعزمه على طلاق منكوحة المواصلة ﴿ فإن الله سميع ﴾ لمقالتهم ﴿ عليم ﴾ بحالتهم وهو حسبي.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوٓءٍۢ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىٓ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓا۟ إِصْلَـٰحًۭا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٢٨ ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌۢ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌۢ بِإِحْسَـٰنٍۢ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا۟ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٢٢٩ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُۥ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ٢٣٠ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍۢ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًۭا لِّتَعْتَدُوا۟ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًۭا ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ٢٣١ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوْا۟ بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٢٣٢

القراءات: ﴿ أن يخافا ﴾ بضم الياء: يزيد وحمزة ويعقوب الباقون بفتح الياء ﴿ نبينها ﴾ بالنون المفضل.

الباقون بياء الغيبة ﴿ يفعل ذلك ﴾ مدغماً حيث كان: أبو الحرث عن علي ﴿ فقد ظلم ﴾ مظهراً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير ورش وعاصم غير الأعشى.

الوقوف: ﴿ قروء ﴾ ط ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ إصلاحاً ﴾ ط ﴿ بالمعروف ﴾ ص لعطف المتفقتين ولا تمام المقصود في تفضيل الرجال ﴿ درجة ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ مرتان ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ بإحسان ﴾ ط ﴿ حدود الله ﴾ الأول ط ﴿ افتدت به ﴾ ط ﴿ تعتدوها ﴾ ج ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ص لأن الطلاق للزوج الثاني على خطر الوجود لا منتظر معهود فكان خارجاً من مقتضى الجملة الأولى ﴿ أن يقيما حدود الله ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ أو سرحوهن بمعروف ﴾ ص لطول الكلام ﴿ لتعتدوا ﴾ ج ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ هزوا ﴾ ص لطول ما بعده ﴿ يعظكم به ﴾ ط ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ وأطهر ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه.

التفسير: الحكم الحادي عشر: الطلاق.

ويشتمل على أحكام أولها: وجوب العدة.

واعلم أن المطلقة وهي التي أوقع الطلاق عليها إما أن تكون أجنبية ولا يقع الطلاق عليها في عرف الشرع بالإجماع وإما أن تكون منكوحة وحينئذ إما أن لا تكون مدخولاً بها ولا عدة عليه لقوله  ﴿ إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها  ﴾ وإما أن تكون مدخولاً بها وحينئذ إن كانت حاملاً فعدتها بوضع الحمل قال  : ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن  ﴾ وإن كانت حائلاً فإن امتنع الحيض في حقها إما للصغر المفرط أو الكبر المفرط فعدتها بالأشهر لا بالأقراء لقوله  ﴿ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن  ﴾ وإن كان المحيض في حقها ممكناً فإن كانت رقيقة فعدتها قرآن، وإن كانت حرة فعدتها ثلاثة أقراء لهذه الآية، فظهر أن قوله ﴿ والمطلقات ﴾ لا يتناول إلا المنكوحة الحرة المدخول بها كالحائل من ذوات الحيض.

لا يقال: العام إنما يحسن تخصيصه إذا كان الباقي أكثر من حيث إنه جرت العادة بإطلاقلفظ الكل على الغالب لا المغلوب.

فيقال: الثوب أسود إذا كان الغالب عليه السواد لا البياض.

وههنا الباقي قسم واحد من الأقسام الخمسة فكيف يحسن إطلاق لفظ العام عليه؟

لأنا نقول: أما الأجنبية فتخرج بعرف الشرع كما مر، وأما غير المدخول بها فالقرينة تخرجها لأن المقصود من العدة براءة الرحم، وكذا الحامل والآيسة لأن إيجاب الاعتداء بالأقراء إنما يكون حيث يحصل الأقراء ولا أقراء في حقهما.

وأما الرقيقة فتزويجها كالنادر فثبت أن اللفظ باقٍ على تناوله الأغلب.

وإنما لم يقل وليتربصن المطلقات بل أخرج الأمر في صورة الخبر إشعاراً بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن فهو يخبر عن موجود.

وبناء الكلام على المبتدأ مما زاده أيضاً فضل تأكيد وتقوّ.

ولو قيل: "وليتربصن المطلقات" لم يكن بتلك الوكادة وفي ذكر الأنفس دون أن يقال "يتربصن ثلاثة قروء" تهييج لهن على التربص لأن فيه ما يستنكفن منه، فإن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، نوازع إليهم، فأمرن أن يقبضن أنفسهن.

والقروء جمع قرء بفتح القاف أو ضمها، والراء ساكنة في الحالين.

وفي الصحاح بفتح القاف فقط.

ولا خلاف أن اسم القرء يقع على الطهر والحيض، والمشهور أنه حقيقة فيهما.

وقيل: حقيقة في الحيض مجاز في الطهر.

وقيل بالعكس.

وقيل: إنه موضوع لمعنى واحد مشترك بينهما إما لأن القرء هو الاجتماع ثم في وقت الحيض يجتمع الدم في الرحم وفي وقت الطهر يجتمع الدم في البدن وهو قول الأصمعي والأخفش والفراء والكسائي، وإما لأنه عبارة عن الانتقال من حالة إلى حالة وهو قول أبي عبيد، وإما لأن القرء هو الوقت.

وقيل: "هذا قارئ الرياح" لوقت هبوبها.

ولا يخفى أن لكل من الطهر والحيض وقتاً معيناً وهذا قول أبي عمرو بن العلاء.

ثم إن الله  أمر المطلقة بثلاثة أشياء تسمى أقراء، لكن العلماء أجمعوا على أن الثلاثة يجب أن تكون من أحد الجنسين.

ثم اختلفوا فذهب الشافعي إلى أنها الأطهار، ويروى ذلك عن ابن عمر وزيد وعائشة ومالك وربيعة وأحمد في رواية.

وقال عمر وعلي وابن مسعود: هي الحيض.

وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى.

وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي أقصر حتى لو طلقها في حال الطهر يحسب بقية الطهر قرءاً وإن حاضت عقيبه في الحال إذا شرعت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها.

وعند أبي حنيفة ما لم تطهر من الحيضة الثالثة إن كان الطلاق في حال الطهر، أو من الحيضة الرابعة إن كان في حال الحيض لا يحكم بانقضاء عدتها.

ثم قال: إذا طهرت لأكثر الحيض تنقضي عدتها قبل الغسل، وإن طهرت لأقل الحيض لم تنقض عدتها حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء أو يمضي عليها وقت صلاة حجة الشافعي قوله  ﴿ فطلقوهن لعدتهن  ﴾ أي في زمان عدتهن.

وأجيب بأن معنى الآية مستقبلات لعدتهن كما تقول: "لثلاث بقين من الشهر" أي مستقبلاً لثلاث.

وقيل: هذا يقوي استدلال الشافعي لأن قول القائل: "لثلاث بقين من الشهر" معناه لزمان يقع الشروع في الثلاث عقيبه.

فمعنى الآية طلقوهن بحيث يحصل الشروع في العدة عقيبه.

ولما كان الإذن حاصلاً بالتطليق في جميع زمان الطهر وجب أن يكون الطهر الحاصل عقيب زمان التطليق من العدة.

وروي عن عائشة أنها قالت: هل تدرون ما الأقراء؟

الأقراء الأطهار.

ثم قال الشافعي: النساء بهذا أعلم.

وأيضاً التركيب يدل على الجمع.

وأكثر أحوال الرحم اجتماعاً واشتمالاً على الدم آخر الطهر، إذ لو لم تمتلئ بذلك الفائض لما سالت إلى الخارج.

فمن أول الطهر يأخذ في الاجتماع والازدياد إلى آخره، والآخر هو حال كمال الاجتماع فآخر الطهر هو القرء بالحقيقة.

وأيضاً الاعتداد بالأطهار أقل زماناً من الاعتداد بالحيض، فيلزم المصير إليه لأن الأصل أن لا يكون لأحد على غيره حق الحبس والمنع.

ولما كانت المدة أقل كان أقرب إلى هذا الأصل وأوفق له.

وأيضاً الآية تدل على أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى أقراء خرجت عن العهدة فتكون متمكنة من الاعتداد بالأطهار التي مدتها أقل، ومن الاعتداد بالحيض التي مدتها أكثر، فيكون الاعتداد بالقدر الزائد على مدة الأطهار غير واجب.

حجة أبي حنيفة قوله  "دعي الصلاة أيام أقرائك" وقوله "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان" ولأن الغرض الأصلي من العدة استبراء الرحم والحيض هو الذي يستبرأ به الأرحام، ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة، وفي تقليل مدة العدة تحليل بضعها للزوج الثاني.

فالتكثير أحوط ولأن إطلاق طهر كامل على بعض الطهر خلاف الظاهر، وإذا تعارضت الوجوه ضعفت الترجيحات ويكون حكم الله  في كل أحد ما أدى اجتهاده إليه.

وانتصاب ﴿ ثلاث قروء ﴾ على أنه مفعول به كقولهم "المحتكر يتربص الغلاء" أي يتربصن مضي ثلاثة قروء.

أو على الظرفية أي مدة ثلاثة قروء.

وإنما جاء المميز على جمع الكثرة دو القلة التي هي الأقراء للاتساع فإنهم يستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر ولهذا قال: ﴿ بأنفسهن ﴾ وما هي إلا نفوس كثيرة.

وأيضاً فلعل القروء أكثر استعمالاً فنزلا القليل بمنزلة المهمل فيكون مثل قولهم "ثلاثة شسوع".

ثم إن أمر العدة لما كان مبنياً على انقضاء القرء في حق ذوات الأقراء وعلى وضع الحمل في حق الحامل وكان الوصول إلى معرفة ذلك متعذراً على الرجال، جعلت المرأة أمينة في العدة، وجعل القول قولها إذا ادعت انقضاء قرئها في مدة يمكن ذلك فيها، وهو عند الشافعي اثنان وثلاثون يوماً وساعة.

لأنها إذا طلقت طاهراً فحاضت بعد ساعة ثم حاضت يوماً وليلة - وهو أقل الحيض - ثم طهرت خمسة عشر يوماً - وهو أقل الطهر - ثم حاضت مرة أخرى يوماً وليلة، ثم طهرت خمسة عشر ثم رأت الدم، فقد انقضت عدتها لحصول ثلاثة أطهار.

فمتى ادعت هذا أو أكثر منه قبل قولها، وكذلك إذا كانت حاملاً فادعت سقوط الولد كان القول قولها لأنها على أصل أمانتها ولهذا قال  : ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ﴾ فأكثر المفسرين قالوا: إن الكتمان راجع إلى الحبل والحيض معاً.

وذلك أن المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما.

أما كتمان الحمل فإذا كتمت الحمل قصرت مدة عدتها فتتزوج بسرعة، وربما كرهت مراجعة الزوج الأول، وربما أحبت التزوج بزوج آخر وأحبت أن تلصق ولدها بالزوج الثاني.

وأما كتمان الحيض فغرضها فيه أن المرأة إذا طلقها الزوج وهي من ذوات الأقراء، فقد تحب تطويل عدتها لكي يراجعها الزوج الأول، وقد تحب تقصير عدتها لتبطل رجعته، فإذا حاضت أولاً فكتمته ثم أظهرت عند الحيضة الثانية أن ذلك أول حيضها فقد طولت العدة، وهكذا إن كتمت الحيضة الثالثة.

وإذا كتمت أن حيضها باق فقد قطعت الرجعة على زوجها.

وقيل: المراد النهي عن كتمان الحبل فقط لأن المخلوق في الأرحام هو الحبل لا الحيض، ولأن حمل المعنى على ما هو شريف أولى لقوله  ﴿ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء  ﴾ وقيل: المراد النهي عن كتمان الحيض لأن الآية وردت عقيب ذكر الأقراء ولم يتقدم ذكر الحمل.

وقيل: يجوز أن يراد اللائي يبغين إسقاط ما في بطونهن من الأجنة فلا يعترفن به ويجحدنه لذلك، فجعل كتمان ما في أرحامهن كناية عن إسقاطه.

وفي قوله ﴿ إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ تعظيم لفعلهن، وإن من آمن بالله وبعقابه لا يجترئ على مثله من العظائم.

وفيه أن من جعل أميناً في شيء فخان فيه فأمره عند الله شديد.

الحكم الثاني للطلاق الحكم الثاني للطلاق: الرجعة وذلك قوله ﴿ وبعولتهن أحق بردهن ﴾ والبعل الزوج والجمع البعولة.

والتاء لتأكيد التأنيث في الجماعة كصقورة.

وليس هذا في كل جمع وإنما هو مقصور على السماع.

ويقال للمرأة أيضاً بعل وبعلة كما يقال زوج وزوجة والبعل: السيد المالك.

يقال: مَنْ بعل هذه الناقة؟

أي مَنْ ربها وصاحبها؟

ويجوز أن يراد بالبعولة المصدر من قوله "بعل حسن البعولة" وعلى هذا فالمضاف محذوف أي أهل بعولتهن أحق بردهن برجعتهن.

قال تعالى في موضع: ﴿ ولئن رددت إلى ربي  ﴾ وفي موضع آخر ﴿ ولئن رجعت  ﴾ فكأنه يردها من التربص إلى خلافه، ومن الحرمة إلى الحل في ذلك أي في مدة التربص، لأنه إذا انقضى ذلك الوقت بطل حق الرد والرجعة.

وإنما تكون البعولة أحق عند الله  برجعتهن إن أرادوا إصلاحاً لما بينهم وبينهن وإحساناً إليهن لا الضرار وتطويل العدة كما في قوله ﴿ ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ﴾ فلو راجعها لقصد المضارة استوجب من الله العقاب، وإن صحت رجعته شرعاً لأنا نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.

فإن قيل: كيف جعلوه أحق بالرجعة كأن للنساء حقاً فيها؟

فالجواب أن الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار قوله على قولها فهذا هو المعنى بالأحقية أو نقول: إنهن إن كتمن ما في أرحامهن لأجل أن يتزوّج بهن آخر، فإذا فعلن ذلك كان الزوج الأول أحق بردهن، وإن ثبت للزوج الثاني حق في الظاهر ولهن من الحق على الرجال مثل الذي للرجال عليهن بالمعروف بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس فلا يكلفنهم ما ليس لهن ولا يكلفونهن ما ليس لهم.

والمراد بالمماثلة مماثلة الواجب في كونهما من الحسنة لا في جنس الفعل.

فإذا غسلت ثيابه أو خبزت لا يجب عليه أن يفعل نحو ذلك ولكن يقابله بما يليق بالرجال.

قال أبو هريرة: "قيل لرسول الله  : أي النساء خير؟

قال: التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخونه في نفسها وماله بما يكره" وفي حديث حجة الوداع "ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن" وعن ابن عباس أنه قال: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي لقوله  ﴿ ولهن مثل الذي عليهن ﴾ وقيل: معنى الآية ولهن على الزوج من إرادة الإصلاح عند المراجعة مثل ما عليهن من ترك الكتمان.

﴿ وللرجال عليهن درجة ﴾ زيادة في الحق وفضيلة وهي واحدة الدرجات الطبقات من المراتب.

أصلها من درج الرجل.

والضب يدرج دروجاً أي مشى ودرج أي مضى لسبيله.

ودرج القوم إذا انقرضوا.

وفي المثل "أكذب من دبَّ ودرج" أي أكذب الأحياء والأموات.

وقد فضل الله الرجال على النساء في أمور: في العقل وفي الدية وفي الميراث وفي نصيبه من المغنم، وفي صلاحية الإمامة والقضاء والشهادة، وفي أن له أن يتزوج عليها ويتسرى وليس لها ذلك، وفي أن له أن يطلقها وإذا طلقها راجعها شاءت المرأة أم أبت ولا قدرة للمرأة على التطليق ولا على الرجعة فإذن المرأة كالأسير العاجز في يد الرجل ولهذا قال  : "استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان" وفي خبر آخر "اتقوا الله الضعيفين اليتيم والمرأة" وذلك أن من كانت نعمة الله عليه أكثر كان صدور الذنب عنه أقبح، واستحقاقه للزجر أشد، وقيل: بل الغرض من الآية أن فوائد الزوجية هي السكن والازدواج والألفة والمودة واشتباك الأنساب واستكثار الأعوان والأحباب وحصول اللذة، وكل ذلك مشترك بين الجانبين، بل يمكن أن يقال: نصيب المرأة منها أوفر.

ثم إن الزوج اختص بأنواع من الكلفة وهي التزام المهر والنفقة والذب عنها والقيام بمصالحها، فيكون وجوب الخدمة على المرأة أشد رعاية لهذه الحقوق الزائدة فيكون هذا كقوله  ﴿ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم  ﴾ وعن النبي  "لو أمرت أحداً بالسجود لغير الله لأمرت المرأة بالسجود لزوجها" ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ غالب لا يمنع مصيب في أفعاله، وأحكامه لا يتطرق إليها احتمال العبث والسفه والغلط والباطل.

الحكم الثالث للطلاق: هو الطلاق الذي يثبت فيه الرجعة.

وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يطلق امرأته ثم يراجعها قبل أن تنقضي عدتها، ولو طلقها ألف مرة كانت القدرة على المراجعة ثابتة له.

فجاءت امرأة إلى عائشة فشكت أن زوجها يطلقها ويراجعها يضارها بذلك، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله  فنزل ﴿ الطلاق مرتان ﴾ فعلى هذا تكون الآية متعلقة بما قبلها.

والمعنى أن الطلاق الرجعي مرتان ولا رجعة بعد الثلاث.

وهذا تفسير من جوز الجمع بين الطلقات الثلاث وهو مذهب الشافعي وهو أليق بنظم الكلام لأنه تعالى بيّن في الآية الأولى أن حق الرجعة ثابت للزوج ولم يذكر أن ذلك الحق ثابت دائماً أو إلى غاية معينة فكان ذلك كالمجمل أن العام فيفتقر إلى مبين أو مخصص، فذكر عقيبه أن الطلاق المعهود السابق الذي يثبت فيه للزوج حق الرجعة هو أن يوجد طلقتان فقط، فإذا وصلت التطليقة إلى هذه الغاية بطل حق الرجعة.

والطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم.

وقيل: إن هذا كلام مبتدأ والمعنى: أن التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير كقوله  ﴿ ثم ارجع البصر كرتين  ﴾ أي كرة بعد كرة، وقولهم "لبيك وسعديك".

وهذا التفسير قول من قال: الجمع بين الثلاث حرام.

وزعم أبو زيد الدبوسي في الأسرار أن هذا هو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعمران بن الحصين وأبي موسى الأشعري وأبي الدرداء وحذيفة  م، ويؤكده العدول عن لفظ الأمر وهو "طلقوا مرتين أو دفعتين" إلى لفظ الخبر كما مر في قوله ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ ثم من هؤلاء من قال: لو طلقها ثنتين أو ثلاثاً لا يقع إلا واحدة وهذا هو الأقيس، واختاره كثير من علماء أهل البيت لأن النهي يدل على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع سعي في إدخال تلك المفسدة في الوجود ومنهم من قال: - وهو اختيار أبي حنيفة - إنه وإن كان محرماً إلا أنه يقع ويكون بدعة، والسنة أن لا يوقع عليها إلا واحدة في طهر لم يجامعها فيه.

وهذا منه بناء على أن النهي لا يدل على الفساد، ومما يؤيد مذهب الشافعي حديث العجلاني الذي لاعن امرأته فطلقها بين يدي رسول الله  فلم ينكر عليه، ومما يؤكد مذهب أبي حنيفة حديث ابن عمر أن رسول الله  قال له: إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً فتطلقها لكل قرء تطليقة.

وأما قول ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ أي أمركم بعد الرجعة أو بعد معرفة كيفية التطليق أحد هذين.

فالتسريح الإرسال والإطلاق والإمساك نقيضه.

ومعنى الإمساك بالمعروف هو أن يراجعها لا على قصد المضارة بل على قصد الإصلاح ومعنى التسريح بإحسان قيل: هو أن يوقع عليها الطلقة الثالثة.

روي أنه لما نزل قوله  ﴿ الطلاق مرتان ﴾ قيل له  : فأين الثالثة؟

فقال: هو قوله ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ وقيل: هو أن يترك المراجعة حتى تبين بانقضاء العدة.

ويروى عن الضحاك والسدي وهو أقرب لولا الخبر الذي رويناه لأن الفاء في قوله ﴿ فإن طلقها ﴾ تقتضي وقوع هذه الطلقة متأخرة عن ذلك التسريح.

فلو كان المراد بالتسريح هو الطلقة الثالثة لكان قوله ﴿ فإن طلقها ﴾ طلقة رابعة وإنه غير جائز.

وأيضاً لو حملنا التسريح على ترك المراجعة كانت الآية متناولة لجميع الأقسام، لأنه بعد الطلقة الثانية إما أن يراجعها وهو قوله ﴿ فإمساك بمعروف ﴾ أو لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي عدتها وتحصل البينونة وهو قوله ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ أو يطلقها وذلك قوله ﴿ فإن طلقها ﴾ فلو جعلنا التسريح طلاقاً لزم إهمال أحد الأقسام وتكرير بعضها.

وأما الحكمة في إثبات حق الرجعة فهي أن النعم مجهولة إذا فقدت عرفت، فلو كانت الطلقة الواحدة مانعة عن الرجعة فربما ظهرت المحبة بعد المفارقة وعظمت المشقة.

ثم إن إكمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة فلهذا ثبت حق المراجعة بعد المفارقة مرتين ليجرب الإنسان أحوال قلبه، فإن كان الأصلح له إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف، وإن كان الأصلح تسريحها سرحها على أحسن الوجوه وهو أن يؤدي حقوقها المالية، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها، وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رأفته بعبده.

الحكم الرابع من أحكام الطلاق: بيان الخلع وذلك قوله ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ﴾ وسبب ارتباط هذا بما قبله أنه  لما أمر بالتسريح مقروناً بإحسان بيَّن عقيبه أن من جملة الإحسان أنه إذا طلقها لا يأخذ منها شيئاً مما أعطاها من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها، لأنه ملك بضعها واستمتع بها في مقابلة ما أعطاها إلا إذا فارقها على عوض ويدخل فيه النهي من أن يضيق عليها ليلجئها إلى الافتداء كما قال في سورة النساء ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن  ﴾ والخطاب في قوله ﴿ ولا يحل لكم ﴾ للأزواج وفي قوله ﴿ فإن خفتم ﴾ للأئمة والحكام.

ويجوز أن يكون الخطاب الأول أيضاً للأئمة لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون "روي أن الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي.

وفي سنن أبي داود أن المرأة كانت حبيبة بنت سهل الأنصارية، كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه أشد البغض وكان يحبها أشد الحب.

فأتت رسول الله  وقالت: فرق بيني وبينه، والله ما أعيب عليه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام ما أطيقه بغضاً إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سواداً وأقصرهم قامةً وأقبحهم وجهاً.

فقال ثابت: مرها فلترد علي الحديقة التي أعطيتها، فقال لها: ما تقولين؟

قالت: نعم وأزيده.

فقال  : لا، حديقته فقط.

ثم قال لثابت: خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها" ففعل، وكان ذلك أول خلع في الإسلام.

ومعنى قوله ﴿ إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ﴾ إلا أن يخاف الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية واختلفوا في مقدار ما يجوز به الخلع.

فعن الشعبي والزهري والحسن وعطاء وطاوس أنه لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها وهو قول علي كرم الله وجهه لقوله  ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ﴾ ثم قال: ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ أي فلا جناح على الرجل فيما أخذ، ولا عليها فيما أعطت.

ومعنى ﴿ فيما افتدت به ﴾ فيما افتدت نفسها واختلعت به فوجب أن يكون هذا راجعاً إلى ما آتاها، ولقوله  لا حديقته فقط.

حين قالت جميلة: نعم وأزيده.

ولأن ذلك إجحاف بجانب المرأة وضرار بالمرأة بعدما استبيح من بضعها ولهذا قال سعيد بن المسيب: لا يأخذ إلا دون ما أعطاها حتى يكون الفضل له.

وأما سائر الفقهاء فإنهم قالوا: الخلع عقد معاوضة فينبغي أن لا يتقدر بمقدار معين.

فكما أن للمرأة عند النكاح أن لا ترضى إلا بالصداق الكثير، فكذلك للزوج أن لا يرضى عند المخالعة إلا بالبذل الكثير لا سيما وقد أظهرت الاستخفاف بالزوج حيث أظهرت بغضه وكراهته، ويتأكد هذا بما روي أن امرأة نشزت على زوجها فرفعت إلى عمر فأباتها في بيت الزبل ثلاث ليال ثم دعاها فقال: كيف وجدت مبيتك؟

قالت: ما بت منذ كنت عنده أقر ليعين منهن.

فقال عمر لزوجها: اخلعها ولو بقرطها أي حتى قرطها.

ولهذا قال قتادة يعني بمالها كله.

وقيل: هو من قولهم "خذه ولو بقرطي مارية" وذلك فيهما درّتان قيمتهما أربعون ألف دينار.

ويصح الخلع في حالتي الشقاق والوفاق عند أكثر المجتهدين لقوله  ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً  ﴾ فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن يحصل لنفسها شيئاً بإزاء ما بذلت، كان ذلك في الخلع الذي تصير بسببه مالكة لنفسها أولى.

وذهب الزهري والنخعي وداود إلى أنه لا يباح الخلع إلا عند الغضب والخوف من أن لا يقيما حدود الله كما في الآية، وإن وقع الخلع في غير هذه الحالة فالخلع فاسد.

والجمهور على أنه لا كراهة في الخلع إن جرى في حال الشقاق، أو كانت تكره صحبته لسوء خلقه أو دينه كما في الآية، أو وقع وتحرجت عن الإخلال ببعض حقوقه لما بها من الكراهة فافتدت ليطلقها، أو ضربها الزوج تأديباً فافتدت، أو منعها حقها من النفقة وغيرها فافتدت لتتخلص منه وإن كان الزوج يكره صحبتها فأساء العشرة ومنعها بعض حقها حتى ضجرت وافتدت، فالخلع مكروه وإن كان نافذاً والزوج مأثوم بما فعل.

فالخلع المباح هو أن تكون المرأة بحيث تخاف الفتنة على نفسها والزوج يخاف أناه إذا لم تطعه اعتدى عليها.

ويجوز أن يكون الخوف بمعنى الظن كما سبق في قوله ﴿ فمن خاف من موصٍ جنفاً  ﴾ ومن قرأ ﴿ إلا أن يخافا ﴾ على البناء للمفعول جعل ﴿ ألا يقيما ﴾ بدلاً من ألف الضمير بدل الاشتمال مثل "خيف زيد تركه إقامة حدود الله" ثم الفرقة الحاصلة على العوض إن كان بلفظ الطلاق فهو طلاق، وإن لم يجر إلا لفظ الخلع فللشافعي فيه قولان: الجديد أنه طلاق ينتقص به العدد وإذا خلعها ثلاث مرات لم ينكحها إلا بمحلل، ويروى هذا عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود  م وبه قال أبو حنيفة ومالك واختاره المزني ووجه بأنها فرقة لا يملكها غير الزوج فيكون طلاقاً كما لو قال: أنت طالق على كذا.

ولأنه لو كان فسخاً لما صح بالزيادة على المهر المسمى كالإقالة في البيع.

وإذا خالعها ولم يذكر المهر وجب أن يرد عليها المهر كالإقالة فإن الثمن يجب رده وإن لم يذكراه.

والقديم أنه فسخ لا ينتقص به العدد ويجوز تحديد النكاح بعد الخلع من غير حصر.

ويروى هذا عن ابن عمر وابن عباس قالوا: لأنه لو كان طلاقاً وقد قال عقيب ذلك ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد ﴾ لكان الطلاق أربعاً، ولأن النبي  أذن لثابت في مخالعته امرأته ولم يستكشف عن الحال مع أن الطلاق في زمان الحيض وفي الطهر الذي حصل الجماع فيه حرام، ولما روى عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس لما اختلعت منه جعل النبي  عدتها حيضة ولو كانت مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد ﴿ تلك ﴾ أي المذكورات من أحكام الطلاق ﴿ حدود الله فلا تعتدوها ﴾ فلا تتجاوزوا عنها ﴿ ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ﴾ والظالم اسم ذم وتحقير.

فوقوع هذا الاسم عليه يكون جارياً مجرى الوعيد.

وكيف لا والظالم ملعون ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين ﴾ ثم إنه ظلم من الإنسان على نفسه حيث أقدم على المعصية، وظلم على الغير أيضاً بتقدير أن لا تتم المرأة عدته أو كتمت شيئاً مما خلق في رحمها، أو ترك الرجل الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان، أو أخذ من جملة ما آتاها شيئاً لا بسبب نشوز من جهة المرأة.

الحكم الخامس من أحكام الطلاق: بيان أن الطلقة الثالثة قاطعة لحق الرجعة وذلك قوله ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ والسبب في إيقاع آية الخلع بين آية الرجعة وبين هذه بعد ما مر من مناسبتها للتسريح بإحسان، هو أن الرجعة والخلع لا يصحان إلا قبل الطلقة الثالثة، ومعنى الآية فإن طلقها مرة ثالثة بعد المرتين فلا تحل له من بعد ذلك التطليق حتى تنكح أي تتزوج غيره.

والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كالتزوج فيقال: فلانة ناكح في بني فلان أي لها زوج منهم.

هذا عند من يفسر قوله ﴿ الطلاق مرتان ﴾ بالطلاق الرجعي.

وأما عند من يفسره بأن التطليق الشرعي هو الذي يوقع على التفريق.

فالمعنى عنده أنه إن طلقها الطلاق الموصوف بالتكرار في قوله ﴿ الطلاق مرتان ﴾ واستوفى نصابه ﴿ فلا تحل له من بعد ﴾ ذلك ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ .

ومذهب جمهور المجتهدين أن النكاح ههنا بمعنى الوطء، لأن قوله ﴿ زوجاً ﴾ يدل على العقد.

وقد نقلنا هذا عن أبي علي فيما سلف في تفسير قوله ﴿ ولا تنكحوا المشركات  ﴾ ويؤيد هذاما روي عن عائشة "أن امرأة رفاعة جاءت إلى النبي  فقالت: إن رفاعة طلقني فبت طلاقي وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني.

وإن ما معه مثل هدبة الثوب.

فقال رسول الله  : تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟

لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" .

كنى بالعسيلة عن لذة الجماع وإنما أنث لأن من العرب من يؤنث العسل.

ويروى أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت فقالت: إنه قد كان مسني فقال لها: كذبت في قولك الأول فلن أصدقك في الآخر، فلبثت حتى قبض رسول الله  فأتت أبا بكر فقالت: أرجع إلى زوجي الأول فقال: قد عهدت رسول الله  حين قال لك ما قال فلا ترجعي إليه.

فلما قبض أبو بكر قالت مثله لعمر فقال: إن أتيتني بعد مرتك هذه لأرجمنك فمنعها.

وأيضاً المقصود من توقيت حصول الحل على هذا الشرط زجر الزوج عن الطلاق لأن الغالب أن الزوج يستنكر أن يستفرش زوجته رجل آخر ولهذا قال بعض أهل العلم: إنما حرم الله على نساء النبي  أن ينكحن زوجاً غيره لما فيه من الغضاضة.

ومعلوم أن هذا الزجر إنما يحصل بتوقيف الحل على الدخول، فأما مجرد العقد فليس فيه زيادة نفرة فلا يصلح جعله مانعاً وزاجراً.

ثم قال الشافعي: إذا طلق زوجته واحدة أو ثنتين ثم نكحت زوجاً آخر وأبانها ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد لم يكن له عليها إلا طلقة واحدة وهي التي بقيت من الطلقات، لأن هذه طلقة ثالثة من حيث إنها وجدت بعد طلقتين، والطلقة الثالثة توجب الحرمة الغليظة، وقال أبو حنيفة: بل يملك عليها ثلاثاً كما لو نكحت زوجاً بعد الثلاث وإذا تزوج الغير بالمطلقة ثلاثاً على أنه إذا أحلها للأول بأن أصابها فلا نكاح بينهما فهذا متعة بأجل مجهول وهو باطل.

ولو تزوجها بشرط أن يطلقها إذا أحلها للأول فقولان: أحدهما لا يصح، والثاني يصح ويبطل الشرط وبه قال أبو حنيفة.

ولو تزوجها مطلقاً مضمراً أنه إذا أحلها طلقها فالنكاح صحيح ويكره ذلك ويأثم به.

وقال مالك وأحمد والثوري: هذا النكاح باطل.

وحيث حكمنا بفساد النكاح فالوطء لا يقع به التحليل على الأصح.

وعن النبي  "لعن المحلل والمحلل له" وعن عمر: لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما.

﴿ فإن طلقها ﴾ أي الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ على المرأة المطلقة والزوج الأول في ﴿ أن يتراجعا ﴾ بنكاح جديد إلى ما كانا عليه من النكاح فهذا تراجع لغوي وظاهر الآية يقتضي أن يحل للزوج الأول هذا التراجع عقيب ما يطلقها الزوج الثاني من غير عدة بدلالة فاء التعقيب في قوله ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ ولهذا ذهب سعيد بن المسيب إلى أن النكاح ههنا بمعنى العقد، وأن التحليل يحصل بمجرد العقد لأن الوطء لو كان معتبراً لكانت العدة واجبة.

والجواب أن الآية مخصوصة بقوله  ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ ﴿ إن ظنا أن يقيما حدود الله ﴾ إن كان في ظنهما وفي عزيمتهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية، ولم يقل إن علما، ولا يجوز أن يفسر الظن ههنا بالعلم لأن اليقين في الاستقبال مغيب عن الإنسان، فإن لم يحصل هذا الظن وخافا عند المراجعة من نشوز منها أو إضرار منه فالرجوع مذموم إلا أنه يصح شرعاً.

من قرأ ﴿ نبينها ﴾ بالنون فمن طريقة الالتفات والنون للتعظيم، ومن قرأ بالياء فظاهر وصيغة المضارع أريد بها ههنا الحال فلا إشكال.

وجوز بعضهم أن يكون المراد بها الاستقبال، وذلك أن النصوص التي تقدمت أكثرها عامة يدخل فيها التخصيص وذلك يعرف بالسنة.

فكان المراد - والله أعلم - إن هذه الأحكام التي تقدمت هي حدود الله، وسيبينها الله على لسان نبيه كمال البيان فهو كقوله  ﴿ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس  ﴾ وإنما خص البيان بالعلماء لأنهم هم المنتفعون بذلك.

ثم إنه  لما بين الأحكام المهمة للطلاق استأنف لحكمي الإمساك والتسريح ببيانين آخرين في آيتين متعاقبتين، لأن جملة الأمر في الطلاق يؤل إلى أحد هذين: الأول قوله  ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ﴾ أي آخر عدتهن وشارفن منتهاها.

والأجل يقع على المدة كلها وعلى آخرها.

يقال لعمر الإنسان أجل، وللموت الذي ينتهي به أجل، ويتسع في البلوغ أيضاً يقال: بلغ البلد إذا شارفه وداناه، ويقول الرجل لصاحبه: إذا بلغت مكة فاغتسل بذي طوى يريد به مشارفة البلوغ.

فهذا من باب المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الأكثر، ولأنه قد علم أن الإمساك بعد تقضي الأجل لا وجه له لأنها بعد تقضيه غير زوجة له وفي غير عدة منه فلا سبيل له عليها ﴿ فأمسكوهن بمعروف ﴾ راجعوها من غير توخي ضرار بالمراجعة ﴿ أو سرحوهن بمعروف ﴾ خلوها حتى تنقضي عدتها ونبين.

ولما أمر بعد الطلاق بأحد الأمرين، استأنف حكم كل منهما فقدم حكم الإمساك على طريقة النهي لا الأمر، لأن المأمور يمتثل بمرة واحدة فلعله يمسكها بمعروف في الحال لكن في قلبه أن يضارها في الاستقبال، والمنهي لا يمتثل إلا إذا انتهى في كل الأوقات فيكون أدل على الدوام والثبات فقال: ﴿ ولا تمسكوهن ضراراً ﴾ مضارة وتشمل موجبات النفرة والعداوة كلها، وروي أن الرجل كان يطلق المرأة ثم يدعها فإذا قارب انقضاء القرء الثالث راجعها، وهكذا يفعل بها في العدة تسعة أشهر أو أكثر.

وقيل: الضرار سوء العشرة.

وقيل: تضييق النفقة وكانوا يفعلون في الجاهلية أكثر هذه الأفعال رجاء أن تختلع المرأة منه بماله.

ومعنى قوله ﴿ لتعتدوا ﴾ أي لا تضاروهن ليكون عاقبة أمركم الاعتداء كقوله ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً  ﴾ أو لا تضاروهن على قصد الاعتداء عليهن فتكونون متعمدين لتلك المعصية.

وقيل: لتلجؤهن إلى الافتداء ﴿ ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ﴾ بتعريضها لعقاب الله، أو بتفويته عليها منافع الدنيا والدين.

أما الدنيا فلأنه إذا اشتهر بتلك المعاملة لم يرغب في التزويج منه ولا في معاملته أحد، وأما منافع الدين فالثواب الحاصل على حسن العشرة مع الأهل وعلى الانقياد لأحكام الله  وتكاليفه ﴿ ولا تتخذوا آيات الله هزواً ﴾ فمن أقربائه يجب طاعة الله وطاعة رسوله ثم وصلت إليه هذه التكاليف المذكورة في أبواب العدة والرجعة والخلع وترك المضارة ولم يتشمر لأدائها كان كالمستهزئ بها.

أو المراد لا تتهاونوا بتكاليف الله كما يتهاون بما يكون من باب الهزء والعبث.

وعن أبي الدرداء: كان الرجل يطلق في الجاهلية ويعتق ويتزوج ويقول: كنت لاعباً.

فنزلت فقرأها رسول الله  وقال: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة" وروي "الطلاق والعناق والنكاح" وعن عطاء: المعنى أن المستغفر من الذنب إذا كان مصراً عليه أو على مثله كان كالمستهزئ بآيات الله.

ثم إنه  لما رغبهم في أداء التكاليف بما ذكر من التهديد رغبهم أيضاً في أدائها بأن ذكرهم أقسام نعمه عليهم.

فبدأ أولاً بذكرها على الإجمال فقال: ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم ﴾ وهذا يتناول كل نعمة لله على العبد في الدنيا والدين وقيل: المراد بها الإسلام ونبوة محمد  ، ثم خصص نعم الدين بالذكر لشرفها فقال: ﴿ وما أنزل عليكم ﴾ عطفاً على النعمة ﴿ من الكتاب والحكمة ﴾ من القرآن والسنة وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقها ﴿ يعظكم به ﴾ في محل النصب حالاً مما أنزل أو من فاعل "أنزل".

ويحتمل أن يكون ﴿ ما أنزل ﴾ الصلة والموصول مبتدأ، وقوله ﴿ يعظكم به ﴾ خبراً ﴿ واتقوا الله ﴾ في أوامره ونواهيه ﴿ واعلموا أن الله بكل شيءٍ عليم ﴾ فيه وعد ووعيد وترغيب وترهيب الثاني: وهو حكم المرأة المطلقة بعد انقضاء العدة قوله عز من قائل ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ﴾ بلوغ الأجل ههنا على الحقيقة.

عن الشافعي: دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين ﴿ فلا تعضلوهن ﴾ لا تحبسوهن ولا تضيقوا عليهن.

وأصل العضل الضيق ومنه عضلت الدجاجة، إذا نشب بيضها فلم يخرج، وعضلت الأرض بالجيش إذا ضاقت بهم لكثرتهم، وأعضل الدواء الأطباء إذا أعياهم، والعضلة اللحمة المتجمعة المكتنزة في عصبة.

والخطاب للأزواج الذين يمنعون نساءهم بعد انقضاء العدة ظلماً وقسراً ولحمية الجاهلية من أن ينكحن أزواجهن الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهن إذا تراضوا - اي الرجال والنساء - تراضياً واقعاً بينهم بالمعروف بما يحسن في الدين والمروءة من الشرائط كالعقد الحلال والمهر الجائز والشهود والعدول.

وقيل: بمهر المثل وفرعوا عليه مسألة فقهية توافق مذهب أبي حنيفة وهي: أنها إذا زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها فالنكاح صحيح لكن للولي أن يعترض عليها بسبب النقصان عن المهر دفعاً للشين عن الأولياء ولأن نساء العشيرة يتضررن بذلك فقد يعتبر مهورهن بمهرها.

وزعم كثير من المفسرين أن الخطاب في قوله ﴿ فلا تعضلوهن ﴾ للأولياء لما روى البخاري في صحيحه أن معقل بن يسار قال: كانت لي أخت تخطب إلي وأمنعها من الناس.

فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقاً له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها.

فلما خطبت إلي أتاني يخطبها مع الخطاب فقلت له: خطبت إلي فمنعتها الناس وآثرتك بها وزوجتك ثم طلقتها طلاقاً لك رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب، والله لا أنكحتهكها أبداً.

قال: ففيَّ نزلت هذه الآية فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه.

وعن مجاهد والسدي أن جابر بن عبد الله كانت له بنت عم فطلقها زوجها وأراد رجعتها بعد العدة فأبى جابر فنزلت.

وأجيب بأن رعاية نظم كلام الله أولى من محافظة خبر الواحد، ولا يخفى تفكك النظم لو قيل: "وإذا طلقتم النساء أيها الأزواج فلا تعضلوهن أيها الأولياء" لأنه لا يبقى بين الشرط والجزاء مناسبة، قالوا: ليس بعد انقضاء العدة قدرة للزوج على عضل المرأة.

والجواب أنه قد يقدر على الظلم وقد يجعد الطلاق أو يدعي أنه كان راجعها في العدة، أو يدس إلى من يخطبها بالوعيد والتهديد، أو ينسبها إلى أمور تنفر الناس عنها.

قالوا: ﴿ أن ينكحن أزواجهن ﴾ يدل على أن الأولياء كانوا يمنعونهن من العود إلى أولئك الذين كانوا أزواجاً لهن.

والجواب أن العرب قد تسمي الشيء بما يؤل إليه.

فالمراد من يردن أن يتزوّجنهم فيكونوا أزواجاً لهن.

وقيل: الوجه أن يكون خطاباً للناس أي لا يوجد فيما بينكم عضل، لأنه إذا وجد بينهم وهم راضون كانوا في حكم العاضلين.

ثم إن الشافعي تمسك بالآية في أن النكاح لا يجوز إلا بولي، لأنه لو جاز للمرأة أن تزوج نفسها أو توكل من يزوجها لما كان الولي قادراً على عضلها من النكاح، وهذا مبني على أن الخطاب في ﴿ لا تعضلوهن ﴾ للأولياء وفيه ما فيه.

ولو سلم فلم يجوز أن يكون الاستبداد الشرعي حاصلاً لهن، ولكن يمنعها الولي من بعض الجهات التي قلنا في الزوج.

وأيضاً فثبوت العضل في حق الولي ممتنع لأنه مهما عضل انعزل، وإذا انعزل لا يبقى لعضله أثر.

وتمسك أبو حنيفة بقوله  ﴿ أن ينكحن أزواجهن ﴾ على أن النكاح بغير ولي جائز، وذلك أنه  اضاف النكاح إليها إضافة الفعل إلى فاعله والتصرف إلى مباشره، ونهى الولي عن منعها من ذلك.

ولو كان ذلك التصرف فاسداً لما نهى الولي عن منعها منه، ويتأكد هذا النص بقوله ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ وأجيب بأن الفعل كما يضاف إلى المباشر فقد يضاف أيضاً إلى المتسبب مثل "بنى الأمير داراً" وإنما ذهبنا إلى هذا وإن كان مجازاً لدلالة الحديث على بطلان هذا النكاح هذا.

وأما قوله ﴿ ذلك يوعظ به ﴾ فالخطاب فيه إما للرسول أو لكل أحد على الانفراد كما أن الخطاب في قوله في سورة الطلاق ﴿ ذلكم يوعظ به من كان  ﴾ للمكلفين مجموعين.

وقوله ﴿ من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ تخصيص لهم بالوعظ لأنهم هم المنتفعون بذلك.

ومن استدل بهذا على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة يكذبه التكاليف العامة كقوله ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ وأيضاً لا يلزم من تخصيص العظة بالمؤمنين تخصيص التكليف بهم ﴿ ذلكم أزكى لكم ﴾ أي أنمى وهو إشارة إلى استحقاق الثواب الدائم، وأطهر أي من أدناس الآثام ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ لأن علمه  فعلي كامل وعلمنا انفعالي ناقص.

فقد تخفى المصلحة والعاقبة علينا، أو تشتبه المصلحة بالمفسدة فلا صلاح للمكلف إلا في طاعة علام الغيوب ليحوز سعادة الدارين والله ولي التوفيق.

التأويل: إنه  من كمال الكرم والاصطناع إذا صدر من العبد أمارات النشوز والانقطاع أمهله إلى انقضاء عدة الجفاء، فلعله يعود إلى إقامة شرائط الوفاء، وتتحرك داعية في صميم قلبه من نتائج محبة ربه، إذ لم يكن له أن يكتم ما خلق الله في رحم قلبه من المحبة.

وإن ابتلاه الله بمحنة الفرقة فيقرع بأصبع الندامة باب التوبة، ويقوم على قدم الغرامة في طلب الرجعة والأوبة فيقال له من غاية الفضل والنوال: يا قارع الباب دع نفسك وتعال، من طلب منا فلاحاً فليلزم عتبتنا مساء وصباحاً.

﴿ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً ولهن مثل الذي عليهن ﴾ أي للعباد حق في ذمة الربوبية كما أن الله تعالى حقاً في ذمة عباده، فإذا تقرب العبد إليه شبراً فالله أحق برعاية الحق فيقرب إليه ذراعاً.

والفضل له على الإطلاق لا بدرجة بل بدرجات غير متناهية ﴿ والله عزيز ﴾ أعز من أن يراعي العباد مع عجزهم كمال حقوقه ﴿ حكيم ﴾ لا تقتضي حكمته أن يطالبهم بما ليس في وسعهم بل يقبل منهم القليل ويوفيهم الثواب الجزيل ﴿ الطلاق مرتان ﴾ يعني أن أهل الصحبة لا يفارقون بجريمة ولا جريمتين كما في قصة موسى والخضر.

ثم في الثالثة إن سلكوا سبيل الهجران فلا يحل للإخوان أن يواصلوا الخوان حتى يصاحب الخائن صديقاً مثله، فإن ندم بعد ذلك عن أفعاله وسام ذلك الصديق وأمثاله ورجع إلى صحبة أشكاله ﴿ فلا جناح ﴾ في التراجع ﴿ إن ظنا ﴾ فيه خيراً ولا يجوز لأحد من الإخوان أن يعضله من صحبة الأقران.

وفيه أن الله  يتجاوز عن زلات العبد مرة بعد أخرى، فإذا أصر العبد ابتلاه بالخذلان وجعله قرين الشيطان كما قال: ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن  ﴾ فإن طلق قرين الشيطان ورجع إلى باب الرحمن تداركه بالغفران والرضوان.

وأما قوله ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ﴾ فإشارة إلى أنه ليس لأهل الصحبة - وإن اتفقت المفارقة - أن يستردوا خواطرهم عن الرفقاء بالكلية، فإن العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه إلا أن يؤدي إلى مداهنة وإهمال حق من حقوق الدين ﴿ فلا جناح عليهما فيها افتدت به ﴾ كأن لم يكن بينهما صحبة ﴿ فإن الله سميع ﴾ بمقالتهم ﴿ عليم ﴾ بحالهم والله ولي التوفيق.

۞ وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُۥ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌۭ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦ ۚ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍۢ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍۢ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ٢٣٣ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًۭا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍۢ وَعَشْرًۭا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ ٢٣٤ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِۦ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُوا۟ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا۟ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَـٰبُ أَجَلَهُۥ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ فَٱحْذَرُوهُ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ ٢٣٥ لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا۟ لَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَـٰعًۢا بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ ٢٣٦ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةًۭ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّآ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا۟ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوٓا۟ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٣٧

القراءات: ﴿ لا تضار ﴾ بضم الراء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وقتيبة.

الباقون بفتح الراء ولا خلاف في قوله ﴿ ولا يضار كاتبٌ ولا شهيد  ﴾ بالفتح ﴿ ما أتيتم ﴾ مقصوراً: ابن كثير.

الباقون بالمد ﴿ يتوفون ﴾ بفتح الياء وما بعده: المفضل.

الباقون بضم الياء ﴿ النساء أو ﴾ بهمزتين: عاصم وعلي وحمزة وخلف وابن عامر.

الباقون ﴿ النساء ﴾ وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة ﴿ النساء أو ﴾ .

﴿ تماسوهن ﴾ حيث وقعت: علي وحمزة وخلف.

الباقون ﴿ تمسوهن ﴾ ﴿ قدره ﴾ بالتحريك: يزيد وابن ذكوان وروح وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون بالإسكان.

الوقوف: ﴿ الرضاعة ﴾ ط ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ وسعها ﴾ ج لاستئناف اللفظ مع قرب المعنى ﴿ مثل ذلك ﴾ ج ﴿ عليهما ﴾ ط لابتداء الحكم في استرضاع الأجنبية ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ هـ ﴿ وعشراً ﴾ ج ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ هـ ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ معروفاً ﴾ ط ﴿ أجله ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ فاحذروه ﴾ ج للفصل بين موجبي الخوف والرجاء ولهذا كررت كلمة "واعلموا" تقديره غفور حليم فارجوه والوقف أليق ﴿ حليم ﴾ هـ ﴿ فريضة ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ ومتعوهن ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، لأن الجملة الثانية لتقدير المأمور في الأولى ﴿ قدره ﴾ الثاني ج لأن "متاعاً" مصدر "متعوهن" والوقف لبيان أنه غير متصل بما يليه من الجملتين العارضتين ﴿ بالمعروف ﴾ ج لأن "حقاً" يصلح نعتاً للمتاع أي متاعاً حقاً، ويصلح مصدر المحذوف أي حق ذلك حقاً.

﴿ المحسنين ﴾ ط ﴿ النكاح ﴾ ط ﴿ للتقوى ﴾ ط ﴿ بينكم ﴾ هـ ﴿ بصير ﴾ هـ.

التفسير: الحكم الثاني عشر: الإرضاع والوالدات.

قيل: هن المطلقات والمزوجات لأن ظاهر اللفظ مشعر بالعموم.

وقيل: المطلقات ولهذا ذكرت عقيب آية الطلاق.

وتحقيقه أنه إذا حصلت الفرقة استتبعت التباغض والتعاند المتضمن لإيذاء الولد ليتأذى الزوج، وربما رغبت في التزوج بزوج آخر فيهمل أمر الطفل، فندب الله  الوالدات المطلقات إلى رعاية جانب الأطفال والاهتمام بشأنهم.

وأيضاً إنه  قال في الآية: ﴿ وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ﴾ ولو كانت الزوجية باقية لوجب ذلك للزوجية لا للرضاع ذكره السدي.

وقال الواحدي في البسيط: الأولى أن يحمل على المزوجات في حال بقاء النكاح، لأن المطلقة لا تستحق النفقة وإنما تستحق الأجرة، ثم إن النفقة والكسوة تجبان في مقابلة التمكين، فإذا اشتغلت بالإرضاع والحضانة لم تتفرغ لخدمة الزوج، فلعل متوهماً يتوهم أن مؤنتها قد سقطت بالخلل الواقع في الخدمة فأزيل ذلك الوهم بإيجاب الرزق والكسوة وإن اشتغلت بالإرضاع ويرضعن مثل يتربصن في أنه خبر في معنى الأمر المؤكد، وهذا الأمر على سبيل الندب بدليل قوله  ﴿ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن  ﴾ ولو وجب عليها الإرضاع لم تستحق الأجرة.

وإنما كان ندباً من حيث إن تربية الطفل بلبن الأم أصلح، ولأن شفقتها أكثر، ولا يجوز استئجار الأم عند أبي حنيفة ما دامت زوجة أو معتدة من نكاح، وعند الشافعي يجوز، فإذا انقضت عدتها جاز بالاتفاق.

وقد يفضي الأمر إلى الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه، أو لم توجد له ظئر، أو كان الأب عاجزاً عن الاستئجار.

﴿ حولين ﴾ أي عامين، والتركيب يدور على الانقلاب.

فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني، و ﴿ كاملين ﴾ توكيد كقوله ﴿ تلك عشرة كاملة  ﴾ فقد يقال: أقمت عند فلان حولين.

وإنما أقام حولاً وبعض الآخر.

وليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب لقوله  بعد ذلك ﴿ لمن أراد أن يتم الرضاعة ﴾ أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الإرضاع، أو اللام متعلقة بيرضعن كما تقول: أرضعت فلانة لفلان ولده أي يرضعن حولين لمن أراد أن يتم الرضاعة من الآباء، لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم وعليه أن يتخذ له ظئراً إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه.

ثم المقصود من ذكر التحديد قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا في مدة الرضاعة، فإن أراد أحدهما أن يفطمه قبل الحولين ولم يرض الآخر لم يكن له ذلك.

أما إذا اجتمعا على أن يفطما قبل تمام الحولين فلهما ذلك.

وأيضاً فللرضاع حكم خاص في الشريعة وهو قوله  "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" فيعلم من التحديد أن الإرضاع ما لم يقع في هذا الزمان لا يفيد هذا الحكم هذا هو مذهب الشافعي وبه قال علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبي والزهري.

وعن أبي حنيفة أن مدة الرضاع ثلاثون شهراً.

وقرئ ﴿ أن يتم الرضاعة ﴾ برفع الفعل تشبيهاً لأن بما لتآخيهما في التأويل أي في المصدر لأن كلمة "ما" ستارة تقع مصدرية فلا تنصب.

وقرئ ﴿ الرضاعة ﴾ بكسر الراء.

﴿ وعلى المولود له ﴾ وعلى الذي يولد له وهو الوالد وله في عمل الرفع على الفاعلية لما عليهم في المغضوب عليهم.

وإنما قيل: ﴿ المولود له ﴾ دون الوالد ليعلم أن الوالدات إنما ولدت لهم ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات.

وفيه تنبيه على أن الولد إنما يلحق بالوالد لكونه مولوداً على فراشه ما قال  : "الولد للفراش" وفيه أن نفع الأولاد عائد إلى الآباء فيجب عليهم رعاية مصالحه كما قيل: كله لك فكله عليك.

فعليهم رزقهن وكسوتهن إذا أرضعه ولدهم كالأظآر ألا ترى أنه ذكره باسم الوالد حيث لم تكن هذه المعاني مقصودة وذلك قوله ﴿ واخشوا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولده ولا مولودٌ هو جاز عن والده شيئاً  ﴾ ﴿ بالمعروف ﴾ تفسيره ما يتلوه وهو أن لا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه ولا يتضار.

وأيضاً المعروف في هذا الباب قد يكون محدوداً بشرط وعقد، وقد يكون غير محدود إلا من جهة العرف، لأنه إذا قام بما يكفيها في طعامها وكسوتها فقد استغنى عن تقدير الأجرة، إذ لو كان ذلك أقل من قدر الكفاية لحقها ضرر من الجوع والعري، ويتعدى ذلك الضرر إلى الولد.

وفي الآية دليل على أن حق الأم أكثر من حق الأب لأنه ليس بين الأم والطفل واسطة، وبين الأب وبينه واسطة، فإنه يستأجر المرأة على الإرضاع والحضانة بالنفقة والكسوة.

والتكليف: الإلزام.

قيل: أصله من الكلف وهو الأثر على الوجه.

فمعنى تكلف الأمر اجتهد أن يبين فيه أثره.

وكلفه ألزمه ما يظهر فيه أثره.

والوسع ما يسع الإنسان ولا يعجز عنه ولهذا قيل: الوسع فوق الطاقة.

من قرأ ﴿ لا تضار ﴾ بالرفع فعلى الإخبار في معنى النهي، ويحتمل البناء للفاعل والمفعول على أن الأصل تضار بكسر الراء، أو تضار بفتحها.

ومن قرأ بالفتح فعلى النهي صريحاً، ويحتمل البناءين أيضاً.

وتبيين ذلك أنه قرئ ﴿ لا تضارر ﴾ و ﴿ لا تضارر ﴾ بالجزم وكسر الراء الأولى وفتحها.

ومعنى لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ليس بعدل من الزرق والكسوة وأن تشغل قلبه بسبب التفريط في شأن الولد، وأن تقول بعد ما ألفها الصبي: اطلب له ظئراً ونحو ذلك ﴿ ولا يضار مولودٌ له ﴾ امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئاً مما وجب عليه من الرزق والكسوة، أو يأخذه منها وهي تريد إرضاعه، أو يكرهها على الإرضاع.

وهكذا إذا كان مبنياً للمفعول كان نهياً عن أن يلحق بها الضرر من قبل الزوج، وعن أن يلحق الضرر بالزوج من قبلها بسبب الولد.

ويحتمل أن يكون تضار بمعنى تضر، والباء من صلته أي لا تضر والدة بولدها بأن تسيء غذاءه وتعهده أو تفرّط فيما ينبغي له ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها، ولا يضر الوالد به بأن ينتزعه من يدها أو يفرط في شأنها فتقصر هي في حق الولد.

وإنما قيل: ﴿ بولدها ﴾ و ﴿ بولده ﴾ لأن المرأة لما نهيت عن المضارة أضيف إليها الولد استعطافاً لها عليه وأنه ليس بأجنبي منها فمن حقها أن تشفق عليه وكذلك الوالد.

قوله  ﴿ وعلى الوارث مثل ذلك ﴾ للعلماء فيه أقوال من حيث إنه تقدم ذكر الوالد والولد والوالدة واحتمل في الوارث أن يكون مضافاً إلى كل واحد من هؤلاء.

فعن ابن عباس أن المراد وارث الأب، وقوله ﴿ وعلى الوارث ﴾ عطف على قوله ﴿ وعلى المولود له رزقهن ﴾ وما بينهما تفسير للمعروف.

فالمعنى وعلى وارث المولود مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة أي إن مات المولود ألزم من يرثه أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بالشرط المذكور من العدل وتجنب الضرار.

وقيل: المراد وارث الولد الذي لو مات الصبي ورثه، فيجب عليه عند موت الأب كل ما كان واجباً على الأب، وهذا قول الحسن وقتادة وأبي مسلم والقاضي.

ثم اختلفوا في أنه أيّ وارث هو؟

فقيل: العصبات دون الأم والأخوة من الأم وهو قول عمر والحسن ومجاهد وعطاء وسفيان وإبراهيم.

وقيل: هو وارث الصبي من الرجال والنساء على قدر النصيب من الميراث، عن قتادة وابن أبي ليلى.

وقيل: وعلى الوارث ممن كان ذا رحم محرم دون غيرهم من ابن العم والمولى عن أبي حنيفة وأصحابه.

وعند الشافعي لا نفقة فيما عدا الولاد أي الأب والابن.

وقيل: المراد من الوارث هو الصبي نفسه فإنه إن مات أبوه وورثه وجبت عليه أجرة رضاعه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال أجبرت الأم على إرضاعه.

وقيل: المراد من الوارث الباقي من الأبوين كما في الدعاء المروي "واجعله الوارث منا" أي الباقي وهو قول سفيان وجماعة ﴿ فإن أرادا فصالاً ﴾ أي فطاماً وليس من باب المفاعلة وإنما هو ثلاثي على "فعال" كالعثار والإباق.

وذلك أن الولد ينفصل عن الاغتذاء بثدي أمه إلى غيره من الأقوات.

وعن أبي مسلم أنه يحتمل أن يكون المراد من الفصال إيقاع المفاصلة بين الولد والأم إذا حصل التراضي والتشاور في ذلك، ولم يرجع ضرر إلى الولد وليكن الفصال صادراً ﴿ عن تراضٍ منهما وتشاور ﴾ مع أرباب التجارب وأصحاب الرأي ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ في ذلك زادا على الحولين لضعف في تركيب الصبي، أو نقصاً.

وهذه أيضاً توسعة بعد التحديد وذلك أن الأم قد تمل من الإرضاع فتحاول الفطام والأب أيضاً قد يمل إعطاء الأجرة على الإرضاع فيطلب الفطام دفعاً لذلك لكنهما قد يتوافقان على الإضرار بالولد لغرض النفس فلهذا اعتبرت المشاورة مع غيرهما، وحينئذٍ يبعد موافقة الكل على ما يكون فيه إضرار بالولد، وإن اتفقوا على الفطام قبل الحولين وهذا غاية العناية من الرب بحال الطفل الضعيف، ومع اجتماع الشروط لم يصرح بالإذن بل رفع الحرج فقط.

ولما بيّن حكم الأم وأنها أحق بالرضاع بيّن أنه يجوز العدول في هذا الباب عنها إلى غيرها فقال: ﴿ وإن أردتم أن تسترضعوا ﴾ أي المراضع أولادكم ﴿ فلا جناح عليكم ﴾ يقال: أرضعت المرأة الصبي واسترضعتها الصبي بزيادة السين مفعولاً ثانياً كما تقول: أنجا لحاجة واستنجته إياها.

فحذف أحد المفعولين للعلم به.

وعن الواحدي: التقدير أن تسترضعوا لأولادكم فحذف اللام للعلم به مثل ﴿ وإذا كالوهم أو وزنوهم ﴾ أي كالوا لهم أو وزنوا لهم.

ومن موانع الإرضاع للأم ما إذا تزوجت بزوجٍ آخر، فقيامها بحق ذلك الزوج يمنعها عن الإرضاع.

ومنها أنه إذا طلقها الزوج الأول فقد تكره الإرضاع ليتزوج بها زوج آخر.

ومنها أن تأبى المرأة قبول الولد إيذاء للزوج المطلق.

ومنها أن تمرض أو ينقطع لبنها.

فعند أحد هذه الأمور إذا وجدنا مرضعة أخرى وقبل الطفل لبنها جاز العدول عن الأم إلى غيرها، فإن لم نجد مرضعة أخرى أو وجدنا ولكن لا يقبل الطفل لبنها فالإرضاع واجب على الأم.

﴿ إذا سلمتم ﴾ إلى المراضع ﴿ ما آتيتم ﴾ ما آتيتموه المرأة أي ما أردتم إيتاءه مثل ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ قرأ ﴿ ما أتيتم ﴾ بالقصر فهو من أتى إليه إحساناً إذا فعله كقوله  ﴿ إنه كان وعده مأتياً ﴾ أي مفعولاً.

وروى شيبّان عن عاصم ﴿ ما أوتيتم ﴾ أي ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة، وليس التسليم شرطاً للجواز والصحة وإنما هو ندب إلى الأولى.

وفيه حث على أن الذي يعطي المرضعة يجب أن يكون يداً بيد حتى يكون أهنأ وأطيب لنفسها لتحتاط في شأن الصبي، ولهذا قيد التسليم بأن يكون بالمعروف وهو أن يكونوا حينئذٍ مستبشري الوجوه ناطقين بالقول الجميل مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن قطعاً لمعاذيرهن.

ثم أكد الجميع بأن ختم الآية بنوع من التحذير فقال: ﴿ واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير ﴾ .

الحكم الثالث عشر: عدة الوفاة ﴿ والذين يتوفون ﴾ ومعناه يموتون ويقبضون قال: ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها  ﴾ وأصل التوفي أخذ الشيء كاملاً وافياً.

ويبنى للمفعول ومعناه ما قلنا، وللفاعل ومعناه استوفى أجله ورزقه وعليه قراءة علي رضي الله عنه ﴿ يتوفون ﴾ بفتح الياء.

والذي يحكى أن أبا الأسود الدؤلي كان يمشي خلف جنازة فقال له رجل: من المتوفي - بكسر الفاء -؟

فقال: الله.

وكان أحد الأسباب الباعثة لعليّ  على أن أمره بأن يضع كتاباً في النحو.

فلعل السبب فيه أن ذلك الشخص لم يكن بليغاً وهذا المعنى من مستعملات البلغاء فلهذا لم يعتد بقوله، وحمله على متعارف الأوساط ﴿ ويذرون ﴾ يتركون ولا يستعمل منه الماضي والمصدر استغناء عنهما بتصاريف ترك.

والأزواج ههنا النساء ﴿ يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ﴾ مثل قوله ﴿ يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء  ﴾ وقد مر.

﴿ وعشراً ﴾ أي يعتددن هذه المدة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام.

وإنما قيل: ﴿ عشراً ﴾ ذهاباً إلى الليالي والأيام داخلة معها.

قال في الكشاف: ولا نراهم قط يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام.

وقيل في سبب التغليب: إن مبدأ الشهر من الليل، والأوائل أقوى من الثواني.

وأيضاً هذه الأيام أيام الحزن، وأيام المكروه خليقة أن تسمى ليالي استعارة، أو المراد عشر مدد كل منها يوم بليلته.

وذهب الأوزاعي والأصم إلى ظاهر الآية وأنها إذا انقضت لها أربعة أشهر وعشر ليال حلت للأزواج نقل عن الحسن وأبي العالية أنه  إنما حد العدة بهذا القدر لأن الولد ينفخ فيه الروح في العشر بعد الأربعة.

قلت: ولعل هذا من الأمور التي لا يعقل معناها كأعداد الركعات ونصب الزكوات، وإنما الله ورسوله أعلم بذلك.

وهذه العدة واجبة على كل امرأة مات زوجها إلا إذا كانت أمة فإن عدتها نصف عدة الحرة عند أكثر الفقهاء.

وعن الأصم أن عدتها عدة الحرائر تمسكاً بظاهر عموم الآية، وقياساً على وضع الحمل وإلا إذا كانت المرأة حاملاً فإنها إذا وضعت الحمل حلت وإن كان بعد وفاة الزوج بساعة لقوله  ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن  ﴾ .

ولو زعم قائل أن ذلك في الطلاق فليعول على قصة سبيعة الأسلمية، ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر فقال لها النبي  : "حللت فانكحي من شئت" .

وعن علي  أنها تتربص أبعد الأجلين.

ولا فرق في عدة الوفاة بين الصغيرة والكبيرة وذات الأقراء وغيرها والمدخول بها وغيرها.

وقال ابن عباس: لا عدة عليها قبل الدخول.

ورد بعموم الآية، ولهذا أيضاً لم يفرق بين أن ترى المعتدة في المدة المذكورة دم الحيض على عادتها أو لا تراه خلافاً لمالك فإنه قال: لا تنقضي عدتها حتى ترعادتها من الحيض في تلك الأيام مثل التي كانت عادتها.

فإن كانت عادتها أن تحيض في كل شهر مرة فعليها في عدة الوفاة أربع حيض، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل شهرين مرة فعليها حيضتان، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل أربعة أشهر مرة يكفيها حيضة واحدة، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر مرة فههنا يكفيها الشهور، ثم مذهب الشافعي أنها إن ارتابت استبرأت نفسها من الريبة، كما أن ذات الأقراء لو ارتابت وجب عليها أن تحتاط وتعتبر المدة بالهلال ما أمكن، فإن مات الزوج في خلال شهر هلالي والباقي أكثر من عشرة أيام فتعد ما بقي وتحسب ثلاثة أشهر بعده بالأهلة وتكمل ذلك الباقي ثلاثين وتضم إليها عشرة أيام، فإذا انتهت من اليوم الأخير إلى الوقت الذي مات فيه الزوج فقد انقضت العدة، وإن كان الباقي دون عشرة أيام فتعده وتحسب أربعة أشهر بالأهلة وتكمل الباقي عشرة من الشهر السادس، وإن كان الباقي عشرة أيام فتعتد بها وبأربعة أشهر بالأهلة بعدها، وإن انطبق الموت على أول الهلال فتعتد بأربعة أشهر بالأهلة وبعشرة أيام من الشهر الخامس.

واختلفوا في أن هذه المدة سببها الوفاة أو العلم بالوفاة؟

فعن بعضهم - ويوافقه جديد قول الشافعي - أنها ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تعتد بانقضاء الأيام في العدة لما روي أن النبي  قال: "امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها يقين موته أو طلاقه" وأيضاً فالنكاح معلوم بيقين فلا يزال إلا بيقين.

وقال الأكثرون: السبب هو الموت.

فلو انقضت المدة أو أكثرها ثم بلغها خبر وفاة الزوج وجب أن تعتد بما انقضى، والدليل عليه أن الصغيرة التي لا علم لها تكفي في انقضاء عدتها هذه المدة.

ثم المراد من تربصها بنفسها الامتناع عن النكاح بالإجماع، والامتناع عن الخروج من المنزل إلا عند الضرورة والحاجة والإحداد ويعني به ترك التزين بثياب الزينة وترك التحلي والتطيب والتدهن والاكتحال بالإثمد، ويحرم عليها أن تخضب بالحناء ونحو ذلك فيما يظهر من اليدين والرجلين والوجه.

ولا منع منه فيما تحت الثياب ولا منع من التزين في الفرش والبسط والستور وأثاث البيت ومن التنظيف بغسل الرأس والامتشاط وقلم الأظفار والاستحداد ودخول الحمام وإزالة الأوساخ.

والعدة تنقضي إن تركت الإحداد ولكنّها تعصي لما روي أن رسول الله  قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً" وعن الحسن والشعبي أنه غير واجب لأن الحديث يقتضي حل الإحداد لا وجوبه لكنه  قال: "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلى ولا تختضب ولا تكتحل" والممشقة المصبوغة بالمشق وهو الطين الأحمر.

وقد يحتج بقوله ﴿ والذين يتوفون منكم ﴾ من قال: الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع وإلا لم يخص الخطاب في ﴿ منكم ﴾ بالمؤمنين.

والجواب إنما خصوا بالخطاب لأنهم هم العاملون بذلك كقوله  ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها  ﴾ مع أنه منذر للكل ﴿ ليكون للعالمين نذيراً  ﴾ ﴿ فإذا بلغن أجلهن ﴾ إذا انقضت عدتهن ﴿ فلا جناح عليكم ﴾ أيها الأولياء لأنهم الذين يتولون العقد، أو أيها الحكام وصلحاء المسلمين لأنهن إذا تزوجن في مدة العدة وجب على كل أحد منعهن عن ذلك، فإن عجز استعان بالسلطان وذلك لأن المقصود من هذه العدة الأمن من اشتمال فرجها على ماء زوجها الأول.

وقيل: معناه لا جناح عليكم وعلى النساء فيما فعلن في أنفسهن من التعرض للخطاب بالتزين والتطيب ونحوهما مما تنفرد المرأة بفعله، وفيه دليل على وجوب الإحداد بالمعروف بالوجه الذي يحسن عقلاً وشرعاً.

وقد يحمل أصحاب أبي حنيفة الفعل ههنا على التزويج فيستدلونه به على جواز النكاح بلا ولي.

بعد تسليم أن المراد من الفعل هو التزويج أن الفعل قد يسند إلى المسبب مثل "بنى الأمير داراً" وقد تقدم في قوله ﴿ أن ينكحن أزواجهن  ﴾ ثم ختم الآية بالتهديد المشتمل على الوعيد فقال: ﴿ والله بما يعملون خبير ﴾ .

الحكم الرابع عشر: خطبة النساء وذلك قوله  ﴿ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ﴾ والتعريض ضد التصريح ومعناه أن تضمر كلامك كي يصلح للدلالة على المقصود وعلى غير المقصود إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح، ولهذا قد يقال: إنه سوق الكلام لموصوف غير مذكور كما يقول المحتاج: جئتك لأنظر إلى وجهك الكريم.

ومنه قول الشاعر: وحسبك بالتسليم مني تقاضياً *** وأصله من عرض الشيء وهو جانبه كأنه يحوم حوله ولا يظهره ولهذا قيل: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" وهو قسم من أقسام الكناية.

والخطبة أصلها من الخطب وهو الأمر والشأن خطب فلان فلانة أي سألها أمراً وشأناً في نفسها.

وكذا في الخطبة والخطاب فإن في كل منهما شأناً.

ثم النساء على ثلاثة أقسام: أحدها: أن تجوز خطبتها تعريضاً وتصريحاً وهي الخالية عن الزوج والعدة إلا إذا كان قد خطبها آخر وأجيب إليه، وعليه يحمل قوله  "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" فإن وجد صريح الإباء أو لم يوجد صريح الإجابة ولا صريح الرد فالأصح أنه يجوز خطبتها لأن السكوت لا يدل على الرضا خلافاً لمالك.

وثانيها: ما لا يجوز خطبتها تعريضاً ولا تصريحاً وهي منكوحة الغير، لأن خطبتها ربما صارت سبباً لتشويش الأمر على زوجها، ولامتناع المرأة عن أداء حقوق الزوج إذا وجدت راغباً فيها، وكذا الرجعية فإنها في حكم المنكوحة بدليل أنه يصح طلاقها وظهارها ولعانها وتعتد منه عدة الوفاة ويتوارثان.

وثالثها: ما يفصل في حقها بين التعريض والتصريح وهي المعتدة غير الرجعية سواء كانت معتدة عن وفاة، أو عن طلقات ثلاث، أو عن طلقة بائنة كالمختلعة، أو عن فسخ.

وسبب ا لتحريم أنها مستوحشة بالطلاق فربما كذبت في انقضاء العدة بالأقراء مسارعة إلى مكافاة الزوج.

وأما المعتدة عن وفاة فظاهر الآية يدل على أنها في حقها لأنها ذكرت عقيب آية عدة المتوفى عنها زوجها، ثم إنه خص التعريض بعدم الجناح فوجب أن يكون التصريح بخلافه، ثم المعنى يؤكد ذلك وهو أن التصريح لا يحتمل غير النكاح، فالغالب أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار عن انقضاء العدة قبل أوانها بخلاف التعريض فإنه يحتمل غير ذلك فلا يدعوها إلى الكذب.

قال الشافعي: والتعريض كثير كقوله "رب راغب فيك" أو "من يجد مثلك" أو "لست بأيم" و "إذا حللت فأعلميني".

وعد آخرون من ألفاظ التعريض أو يقول لها: "إنك لجميلة" أو "صالحة" و "من غرضي أن أتزوج" و "عسى الله أن ييسر لي امرأة صالحة" ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه.

والتصريح أن يقول: إني أريد أن أنكحك أو أتزوجك أو أخطبك.

وعن أبي جعفر محمد بن علي أنها دخلت عليه امرأة وهي في العدة فقال: قد علمت قرابتي من رسول الله  وحق جدي عليّ وقدمي في الإسلام.

فقالت: غفر الله لك أتخطبني في عدتي وأنت يؤخذ عنك؟

فقال: إنما أخبرتك بقرابتي من نبي الله.

قد دخل رسول الله  على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفي عنها فلم يزل يذكر لها منزلته من الله وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده.

فما كانت تلك خطبة ﴿ أو أكننتم في أنفسكم ﴾ أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم، لا معرّضين ولا مصرحين.

أباح التعريض في الحال أولاً ثم أباح أن يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك بعد انقضاء العدة، ثم ذكر الوجه الذي لأجله أباح التعريض فقال: ﴿ علم الله أنكم ستذكرونهن ﴾ لأن شهوة النفس إذا حصلت في باب النكاح لم يكد المرء يصبر عن النطق بما ينبئ عن ذلك فأسقط الله  عنه الحرج.

ثم قال: ﴿ ولكن ﴾ أي فاذكروهن ولكن ﴿ لا تواعدوهن سراً ﴾ والسر وقع كناية عن النكاح الذي هو الوطء لأنه مما يسر.

ثم عبر به عن النكاح الذي هو العقد لأنه سبب فيه كما فعل بالنكاح ﴿ إلا أن تقولوا قولاً معروفاً ﴾ وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا.

والمعنى لا تواعدوهن مواعدة سرية إلا مواعدة الإحسان إليها والاهتمام بمصالحها حتى يصير ذكر هذه الأشياء مؤكداً لذلك التعريض.

فالمواعدة المنهي عنها إما أن تكون المواعدة في السر بالنكاح فيكون منعاً من التصريح، وإما المواعدة بذكر الجماع كقوله: إن نكحتك آنك الأربعة والخمسة.

وعن ابن عباس أو كقوله: دعيني أجامعك فإذا أتممت عدتك أظهرت نكاحك.

عن الحسن أو يكون ذلك نهياً عن مسارة الرجل المرأة الأجنبية لأن ذلك يورث نوع ريبة، أو نهياً أن يواعدها أن لا تتزوج بأحد سواه.

ويحتمل أن يكون السر صفة للموعود به أي لا تواعدوهن بشيء يوصف بكونه سراً إلا بأن تقولوا قولاً معروفاً وهو التعريض.

وعن ابن عباس هو أن يتواثقا أن لا تتزوج غيره ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح ﴾ من عزم الأمر وعزم عليه.

والعزم عقد القلب على فعل من الأفعال معناه ولا تعزموا عقد عقدة النكاح، أو لا تعزموا عقدة النكاح أن تعقدوها، وإذا نهى عن العزم فعن نفس الفعل أولى.

وقيل: معنى العزم القطع أي لا تحققوا ذلك ولا توجبوه ومنه قوله  "لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل" وروي "لم يبيت الصيام" وقيل: لا تعزموا عليهن أن يعقدن النكاح مثل عزمت عليك أن تفعل كذا.

وأصل العقد الشد والعهود والأنكحة تسمى عقوداً تشبيهاً بالحبل الموثق بالعقد ﴿ حتى يبلغ الكتاب أجله ﴾ المراد منه المكتوب أي تبلغ العدة المفروضة آخرها وانقضت، ويحتمل أن يكون مصدراً بمعنى الفرض أي حتى يبلغ هذا التكليف نهايته.

وباقي الآية بيان موجبي الخوف والرجاء كما تقدم.

الحكم الخامس عشر: حكم المطلقة قبل الدخول وقبل فرض المهر وذلك قوله عز من قائل ﴿ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ﴾ واعلم أن عقد النكاح يوجب بدلاً على كل حال، وذلك البدل إما أن يكون مذكوراً أو غير مذكور.

فإن كان مذكوراً فإن حصل الدخول استقر كله وعدتها ثلاثة قروء كما سبق، وإن لم يحصل الدخول سقط نصف المذكور بالطلاق كما يجيء في الآية التالية، وإن لم يكن البدل مذكوراً فإن لم يحصل الدخول فحكمها في هذه الآية وهو أن لا مهر لها ويجب لها المتعة، وإن حصل الدخول فحكمها غير مذكور في هذه الآيات إلا أنهم اتفقوا على أن الواجب فيها مهر المثل قياساً على الموطوءة بالشبهة، بل أولى لوجود النكاح الصحيح.

وقد يستنبط حكمها من قوله  ﴿ فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن  ﴾ ويحتمل أن يقال: هذه الآية تدل على أنه لا مهر للتي لا تكون ممسوسة ولا مفروضاً لها، فيعرف من ذلك وجود المهر للممسوسة غير المفروض لها وللمفروض لها غير الممسوسة.

وقد سلف حكم الممسوسة المفروض لها فتبين اشتمال القرآن على أحكام جميع الأقسام.

فإن قيل: ظاهر الآية مشعر بأن نفي الجناح على المطلق مشروط بعدم المسيس وليس كذلك، فإنه لا جناح عليه أيضاً بعد المسيس.

قلنا: لعل الآية وردت لبيان إباحة الطلاق على الإطلاق، وهذا الإطلاق لا يصح إلا قبل المسيس إذ بعده يحتاج إلى أن يكون الطلاق في طهر لم يجامعها فيه، أو لعل "ما" بمعنى "التي" لا للمدة.

والتقدير: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن.

ولا يلزم منه وجود الجناح في تطليق غيرهن، أو المراد من الجناح في الآية لزوم المهر أي لا مهر عليكم ولا تبعة في تطليقهن، فإن الجناح في اللغة الثقل يقال: جنحت السفينة إذا مالت بثقلها.

ومما يؤكد ذلك أنه نفي الجناح ممدوداً إلى غاية هي إما المسيس أو الفرض.

والجناح الذي ثبت عند أحد هذين الأمرين هو لزوم المهر فحصل القطع بأن الجناح المنفي في أول الآية هو لزوم المهر.

وأيضاً إن تطليق النساء قبل المسيس إما أن يكون قبل تقدير المهر أو بعده.

وفي القسم الثاني أوجب نصف المفروض كما يجيء فيجب أن يكون المنفي في القسم الأول مقابل المثبت في الثاني.

واتفقوا على أن المراد بالمسيس أو المماسة في الآية الجماع، ولا يخفى حسن موقع هذه الكناية، وفيه تأديب للعباد في اختيار أحسن الألفاظ للتخاطب والتفاهم.

والفرض في اللغة التقدير أي تقدروا مقدراً من المهر.

ومعنى "أو" ههنا أن رفع الجناح منوط بعدم المسيس، أو بعدم الفرض على سبيل منع الخلوة فقط، ولهذا صح اجتماعهما في هذا الحكم.

وقيل: إنها بمعنى الواو.

وقيل: بمعنى "إلا أن" وقيل: بمعنى "حتى" والكل تعسف.

ثم إنه  لما بيّن أنها لا مهر لها قبل المسيس والتسمية، ذكر أن لها المتعة فقال: ﴿ ومتعوهن ﴾ فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنها واجبة نظراً إلى الأمر، وأنه للوجوب ظاهراً وهو قول شريح والشعبي والزهري.

وعن مالك: ويروى عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة أنهم كانوا لا يرونها واجبة لأنه  قال في آخر الآية: ﴿ حقاً على المحسنين ﴾ فجعلها من باب الإحسان.

ورد بأن لفظ "على" منبئ عن الوجوب.

وكذا قوله ﴿ حقاً ﴾ وأصل المتعة والمتاع ما ينتفع به انتفاعاً منقضياً ولهذا قيل: الدنيا متاع.

ويسمى التلذذ تمتعاً لانقطاعه بسرعة.

﴿ على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ﴾ أوسع الرجل إذا كان في سعة من ماله، وأقتر ضده من القترة وهي الغبار، فكأنه التصق بالأرض لضيق ذات يده.

وقدره أي قدراً مكانه وطاقته فحذف المضاف، أو قدره مقداره الذي يطيقه لأن ما يطيقه هو الذي يختص به.

والقدر والقدر لغتان في جميع معانيهما، وفي الآية دليل على أن تقدير المتعة مفوض إلى الاجتهاد كالنفقة التي أوجبها الله  للزوجات وبيّن أن الموسع يخالف المقتر.

قال الشافعي: المستحب على الموسع خادم، وعلى المتوسط ثلاثون درهماً، وعلى المقتر مقنعة.

وعن ابن عباس أنه قال: أكثر المتعة خادم، وأقلها مقنعة، وأي قدر أدى جاز في جانبي الكثرة والقلة، والنظر في اليسار والإعسار إلى العادة.

وقال أبو حنيفة: المتعة لا تزاد على نصف مهر المثل، لأن حال المرأة التي سمي لها المهر أحسن من حال التي لم يسم لها.

ثم لما لم يجب زيادة على نصف المسمى إذا طلقها قبل الدخول فهذه أولى.

﴿ متاعاً ﴾ تأكيد لمتعوهن أي تمتيعاً بالمعروف بالوجه الذي يحسن في الدين والمروءة، وعلى قدر حال الزوج في الغنى والفقر، وعلى ما يليق بالزوجة بحسب الشرف والوضاعة حق ذلك ﴿ حقاً على المحسنين ﴾ لأنهم الذين ينتفعون بهذا البيان، أو من أراد أن يكون محسناً فهذا شأنه وطريقته، أو على المحسنين إلى أنفسهم في المسارعة إلى طاعة الله  .

الحكم السادس عشر: حكم المطلقة قبل الدخول وبعد فرض المهر وذلك قوله  ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ الآية.

واعلم أن مذهب الشافعي أن الخلوة لا تقرر المهر.

وقال أبو حنيفة: الخلوة الصحيحة تقرر المهر وهي أن لا يكون هناك مانع حسي أو شرعي.

فالحسي نحو الرتق والقرن والمرض أو يكون معهما ثالث وإن كان نائماً.

والشرعي كالحيض والنفاس وصوم الفرض وصلاة الفرض والإحرام المطلق فرضاً كان أو نفلاً.

وقوله ﴿ وقد فرضتم ﴾ في موضع الحال.

ومعنى قوله ﴿ فنصف ما فرضتم ﴾ فعليكم نصف ذلك، أو فنصف ما فرضتم ساقط أو ثابت ﴿ لا أن يعفون ﴾ أي المطلقات على أزواجهن فتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئاً؟

والفرق بين قولك "النساء يعفون" وبين "الرجال يعفون" هو أن الواو في الأول لام الفعل والنون ضمير جماعة النساء ولم يحذف منه شيء، وإنما وزنه يفعلن والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل، والواو في الثاني ضمير جماعة الذكور واللام محذوف ووزنه "يعفون" والنون علامة الرفع، فقوله ﴿ أو يعفو ﴾ عطف على محل ﴿ أن يعفون ﴾ والذي بيده عقدة النكاح الولي وهو قول الشافعي، ويروى عن الحسن ومجاهد وعلقمة.

وقيل: الزوج وهو مذهب أبي حنيفة ويروى عن علي وسعيد بن المسيب.

وكثير من الصحابة والتابعين قالوا: ليس للولي أن يهب مهر مولاته صغيرة كانت أو كبيرة.

وأيضاً الذي بيد الولي هو عقدة النكاح، فإذا عقد حصلت العقدة أي المعقودة كالأكلة واللقمة، ثم هذه العقدة بيد الزوج لا الولي وعن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول فأكمل لها الصداق وقال: أنا أحق بالعفو.

حجة الأولين أن الصادر عن الزوج هو أن يعطها كل المهر وذلك يكون هبة والهبة لا تسمى عفواً اللهم إلا أن يقال: كان الغالب عندهم أن يسوق إليها المهر عند التزوج فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف ما ساق إليها، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها.

أو يقال: سماه عفواً على طريقة المشاكلة، أو لأن العفو والتسهيل.

فعفو الرجل هو أن يبعث إليها كل الصداق على وجه السهولة.

حجة أخرى لو كان المراد به الزوج وقد قال أولاً: ﴿ وإن طلقتموهن ﴾ ناسب أن يقال: ﴿ إلا أن يعفون ﴾ أو تعفو على سبيل الخطاب أيضاً، وأجيب بأن سبب العدول عن الخطاب إلى الغيبة هو التنبيه على المعنى الذي لأجله يرغب في العفو.

والمعنى إلا أن يعفون أو يعفو الزوج الذي حبسها بأن ملك عقدة نكاحها عن الأزواج ثم لم يكن منها سبب في الفراق، وإن فارقها الزوج فلا جرم كان حقيقاً بأن لا ينقصها من مهرها ويكمل لها صداقها.

ثم قال الشافعي: إذا ثبت أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، فهم منه أن النكاح لا ينعقد بدون الولي، وذلك للحصر المستفاد من تقديم ﴿ بيده ﴾ على ﴿ عقدة النكاح ﴾ فتبين أنه ليس في يد المرأة من ذلك شيء ﴿ وأن تعفوا أقرب للتقوى ﴾ قيل: اللام بمعنى "إلى" والتقدير: العفو أقرب إلى التقوى.

والخطاب للرجال والنساء جميعاً إلا أنه غلب الذكور لأصالتهم وكمالهم، وإنما كان عفواً لبعض عن البعض أقرب إلى حصول معنى الاتقاء لأن من سمح بترك حقه تقرباً إلى ربه فهو من أن يأخذ حق غيره أبعد، ولأنه إذا استحق بذلك الصنع الثواب فقد اتقى العقاب واحترز عنه ﴿ ولا تنسوا الفضل ﴾ لا تتركوا التفضل والتسامح فيما بينكم، وليس نهياً عن النسيان فإن ذلك غير مقدور، بل المراد منه الترك.

وذلك أن الرجل إذا تزوج المرأة فقد يتعلق قلبها به فإذا طلقها قبل المسيس صار ذلك سبباً لتأذيها منه.

وأيضاً إذا كلف الرجل أن يبذل لها مهرها من غير أن يكون قد انتفع بها صار ذلك سبباً لتأذيه منها، فلا جرم ندب الله  كلاً منهما إلى تطييب قلب الآخر ببذل كل المهر أو تركه وإلا فالتنصيف.

عن جبير بن مطعم أنه دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه بنتاً له فتزوجها.

فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق كملاً فقيل له: لم تزوجتها؟

فقال: عرضها علي فكرهت رده.

قيل: فلم بعثت بالصداق؟

قال: فأين الفضل؟

ثم إنه  ختم الآية بما يجري مجرى الوعد والوعيد على العادة المعلومة فقال: ﴿ إن الله بما تعملون بصير ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

حَـٰفِظُوا۟ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُوا۟ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ ٢٣٨ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًۭا ۖ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ ٢٣٩ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًۭا وَصِيَّةًۭ لِّأَزْوَٰجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍۢ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍۢ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ٢٤٠ وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ ٢٤١ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٢٤٢

القراءات: ﴿ وصية ﴾ بالنصب: أبو عمر وابن عامر وحمزة وحفص ويعقوب غير روبس.

الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ قانتين ﴾ ه ﴿ أو ركباناً ﴾ ج لأن "إذا" في معنى الشرط مع فاء التعقيب ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أزواجاً ﴾ ج لانقطاع النظم ومكان الحذف لأن التقدير فعليهم وصية أو فليوصوا وصية، والوصل أجوز لاتصال المعنى فإن وصية أو وصية قام مقام خبر المبتدأ.

﴿ إخراج ﴾ ج ﴿ من معروف ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ .

التفسير: الحكم السابع عشر: الصلاة، وذلك أنه  لما بين للمكلفين ما بين من معالم الدين وشعائر اليقين أعقبها بذكر الصلاة التي تفيد انكسار القلب من هيبة الله تعالى وزوال التمرد وحصول الانقياد لأوامره والانتهاء عن مناهيه تحصيلاً لسعادة الطرفين وتكميلاً لمصالح الدارين.

وقد أجمع المسلمون على أن الصلوات المكتوبة خمس، وفي الآية إشارة إلى ذلك لأن الصلوات جمع فأقلها ثلاث، والصلاة الوسطى تدل على شيء زائد والإلزام التكرار، وذلك الزائد لو كان الرابع لم يكن للمجموع وسطى فلا أقل من خمسة.

والمراد بمحافظتها رعاية جميع شرائطها من طهارة البدن والثوب والمكان، ومن ستر العورة واستقبال القبلة والإتيان بأركانها وأبعاضها وهيآتها والاحتراز عن مفسداتها من أعمال القلب وأعمال اللسان والجوارح.

ومعنى المفاعلة في المحافظة إما لأنها بين العبد والرب كأنه قيل: احفظ الصلاة يحفظك الإله الذي أمرك بالصلاة كقوله ﴿ فاذكروني أذكركم  ﴾ وفي الحديث "احفظ الله يحفظك" وإما لأنها بين المصلي والصلاة فمن حفظ الصلاة حفظته الصلاة عن المناهي ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ﴾ وحفظته عن الفتن والمحن ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة  ﴾ وكيف لا وفي الصلاة القراءة والقرآن شافع مشفع.

في الخبر "تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان فتشهدان وتشفعان" و "إن سورة الملك تصرف عن المتهجد بها عذاب القبر وتجادل عنه في الحشر وتقف في الصراط عند قدميه وتقول للنار لا سبيل لك عليه" وفي الصلاة الوسطى سبعة أقوال: الأول: أنه  أمرنا بالمحافظة على الصلاة الوسطى ولم يبين لنا أنها أي الصلوات.

وما يروى من أخبار الآحاد لا معوّل عليها فيجب أن تؤدى كلها على نعت الكمال والتمام، ولعل هذا هو الحكمة في إبهامها، ولمثل ذلك أخفى الله  ليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في يوم الجمعة، واسمه الأعظم في أسمائه، ووقت الموت في الأوقات ليكون المكلف خائفاً عازاماً على التوبة في كل الأوقات، وهذا القول اختاره جمع من العلماء، عن محمد بن سيرين أن رجلاً سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال: حافظ على الصلوات كلها تصبها.

وعن الربيع: أرأيت لو علمتها بعينها أكنت محافظاً عليها ومضيعاً سائرهن؟

قال السائل: لا.

قال الربيع: فإن حافظت عليهن فقد حافظت على الصلاة الوسطى.

القول الثاني: أن الوسطى مجموع الصلوات الخمس، فإن الإيمان بضع وسبعون درجة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطرق.

والصلوات المكتوبات واسطة بين الطرفين.

القول الثالث: أنها صلاة الصبح وهو قول علي وعمر وابن عباس وابن عمر وجابر وأبي أمامة.

ومن التابعين قول طاوس وعطاء وعكرمة ومجاهد وهو مذهب الشافعي قالوا: إن هذه الصلاة تصلى في الغلس فبعضها في ظلمة الليل وآخرها في ضوء النهار.

وأيضاً إن في النهار صلاتين: الظهر والعصر، وفي الليل صلاتين: المغرب والعشاء، والصبح متوسط بينهما.

وأيضاً الظهر والعصر يجمعان في السفر وكذا المغرب والعشاء والفجر منفرد بينهما.

قال القفال: وتحقيق هذا يرجع إلى ما يقوله الناس: فلان متوسط إذا لم يمل إلى أحد الخصمين وكان منفرداً بنفسه عنهما.

وقد أقسم الله  بها في قوله ﴿ والفجر وليالٍ عشر  ﴾ وأيضاً قال  : ﴿ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً  ﴾ واتفقوا على أن المراد منه صلاة الفجر فخصها في تلك الآية بالذكر للتأكيد وخص الصلاة الوسطى في هذه الآية بالذكر للتأكيد، فيغلب على الظن أنهما واحد.

وأيضاً قرن هذه الصلاة بذكر القنوت في قوله ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ وليس في المفروضة صلاة صبح فيها القنوت إلا الصبح.

وأيضاً لا شك أنه  أفردها بالذكر لأجل التأكيد والصبح أحوج الصلوات إلى ذلك، ففيه ترك النوم اللذيذ واستعمال الماء البارد والخروج إلى المسجد في الوقت الموحش.

وأيضاً الإفراد بالذكر ينبئ عن الفضل، ولا ريب في فضيلة صلاة الصبح ولهذا جاء ﴿ والمستغفرين بالأسحار  ﴾ وروي أن التكبيرة الأولى منها في الجماعة خير من الدنيا وما فيها.

وخصت بالأذان مرتين: أولاهما قبل الوقت إيقاظاً للناس حتى لا تفوتهم ألبتة، وخص أذانها بالتثويب وهو أن يقول بعد الجيعلتين: الصلاة خير من النوم.

وإن الانسان إذا قام من منامه فكأنه صار موجوداً بعد العدم، وعند ذلك يزول عن الخلائق ظلمة الليل وظلمة النوم والغفلة وظلمة الفجر والحيرة، ويملأ العالم نوراً والأبدان حياة وعقلاً وقوةً وفهماً.

فهذا الوقت أليق الأوقات بأن يشتغل العبد بأداء العبودية وإظهار الخضوع والاستكانة لفاطر السموات والأرض وجاعل الظلمات والنور.

وعن علي  أنه سئل عن الصلاة الوسطى فقال: كنا نرى أنها الفجر.

وعن ابن عباس أنه صلى الصبح ثم قال: هذه هي الصلاة الوسطى.

القول الرابع: أنها صلاة الظهر ويروى عن عمر وزيد وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، لأن الظهر كان شاقاً عليهم لوقوعه في وقت القيلولة وشدة الحر فصرف المبالغة إليه أولى.

وعن زيد بن ثابت أن النبي  كان يصلي بالهاجرة وكانت أثقل الصلوات على أصحابه، وربما لم يكن وراءه إلا الصف والصفان فقال  : "لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم" فنزلت هذه الآية.

وأيضاً ليس في المكتوبات صلاة وقعت وسط الليل والنهار إلا هذه، وإنها صلاة بين صلاتين نهاريتين: الفجر والعصر وأنها صلاة بين البردين: برد الغداة وبرد العشي، وإن أول إمامة جبرائيل كان في صلاة الظهر كما ورد في الأحاديث الصحاح، وإن صلاة الجمعة مع ما ورد في فضلها تنوب عن الظهر لا عن غيرها.

وعن عائشة أنها كانت تقرأ ﴿ والصلاة الوسطى وصلاة العصر ﴾ وكانت تقول: سمعت ذلك عن رسول الله  .

فيغلب على الظن أن المعطوف عليه العصر هو الظهر الذي قبله.

وروي أن قوماً كانوا عند زيد بن ثابت فأرسلوا إلى أسامة بن زيد وسألوه عن الصلاة الوسطى فقال: هي صلاة الظهر، كانت تقام في الهاجرة.

القول الخامس: أنها صلاة العصر ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة  م، ومن الفقهاء النخعي وقتادة والضحاك وهو مروي عن أبي حنيفة أيضاً لما ورد من التأكيد فيه كقوله  "من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" وقد أقسم الله بها في قوله ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر  ﴾ ولما يحتاج في معرفة وقتها إلى تأمل أكثر من حال الظهر.

فالمغرب يعرف بغروب جرم الشمس، والعشاء يعرف بغروب الشفق، والفجر بطلوع الصبح الصادق، والظهر بدلوك الشمس عن دائرة نصف النهار، ولما في وقتها من اشتغال الناس بحوائجهم.

وعن علي  أن النبي  قال يوم الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً" رواه البخاري وملسم وسائر الأئمة.

وهو عظيم الموقع في المسألة.

وفي صحيح مسلم "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" "وعن النبي  أنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب.

وعن حفصة أنها قالت لمن كتب لها المصحف: إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى أملي عليك كما سمعت رسول الله  يقرؤها فأملت عليه ﴿ والصلاة الوسطى صلاة العصر ﴾ " القول السادس: أنها صلاة المغرب.

عن قبيصة بن ذؤيب لأنها بين بياض النهار وسواد الليل، ولأنها وسط في الطول والقصر.

القول السابع: أنها صلاة العشاء لأنها متوسطة بين صلاتين لا تقصران: المغرب والصبح.

ولما ورد في فضلها عن عثمان بن عفان عن النبي  "من صلى العشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة" وقال أهل التحقيق: القلب هو الذي في وسط الإنسان بل هو واسطة بين الروح والجسد فكأنه قيل: حافظوا على صورة الصلوات بشرائطها، وحافظوا على معاني الصلوات وحقائقها بدوام شهود القلب للرب في الصلاة وبعدها.

ثم إن الشافعي احتج بالآية على أن الوتر ليس بواجب وإلا كانت الصلوات ستاً فلم يبق لها وسطى.

وهذا إنما يتم لو كان المراد الوسطى في العدد، لكنه يحتمل أن يكون الوسطى في الفضيلة من قوله ﴿ وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً  ﴾ أو الوسطى في الزمان وهو الظهر، أو الوسطى في المقدار كالمغرب فإنه ثلاث ركعات فيتوسط بين الاثنتين والأربع، أو الوسطى في الصفة كصلاة الصبح يتوسط بين صفتي الظلام والضياء ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ عن ابن عباس أن القنوت هو الدعاء والذكر لقوله تعالى ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً  ﴾ ولأن قوله ﴿ حافظوا على الصلوات ﴾ أمر بما في الصلاة من الفعل فيكون القنوت عبارة عن كل ما في الصلاة من الذكر.

وعن الحسن والشعبي وسعيد بن جبير وطاوس وقتادة والضحاك ومقاتل: قانتين أي مطيعين لما روي أنه  قال: "كل قنوت في القرآن فهو الطاعة" ﴿ ومن يقنت منكن لله ورسوله  ﴾ ﴿ فالصالحات قانتات  ﴾ فالقنوت عبارة عن إكمال الطاعة والاحتراز عن إيقاع الخلل في أركانها وسننها وآدابها.

وفيه زجر لمن لم يبال كيف صلى فخفف واقتصر على ما لا يجزى وذهب إلى أنه لا حاجة لله إلى صلاة العباد، ولو كان كما قالوا وجب أن لا يصلي أصلاً لأنه  كما لا يحتاج إلى الكثير من عبادتنا فكذلك لا يحتاج إلى القليل، وقد صلى رسول الله  وسائر الرسل والسلف الصالح فأطالوا وخشعوا واستكانوا وكانوا أعلم بالله من هؤلاء الجهال وقيل: قانتين ساكتين.

عن زيد بن أرقم وعبد الله بن مسعود كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.

وعن مجاهد: القنوت عبارة عن الخشوع وخفض الجناح وسكون الأطراف، وكان أحدهم إذا صلى خاف ربه فلا يلتفت، ولا يقلب الحصى، ولا يبعث بشيء من جسده.

ولا فحذف المفعول به للعلم به أو فإن حصل لكم خوف أو كنتم على حالة الخوف على أنه متروك المفعول ﴿ فرجالاً أو ركباناً ﴾ أي فصلوا راجلين أو راكبين.

وقيل: المعنى فإن خفتم فوات الوقت إن أخرتم الصلاة إلى أن تفرغوا من حربكم فصلوا رجالاً أو ركباناً.

وعلى هذا فالآية تدل على تأكيد فرض الوقت حتى يترخص لأجل المحافظة عليه بترك القيام و الركوع والسجود.

ورجالاً جمع راجل كقيام جمع قائم وتجار جمع تاجر، أو جمع رجل يقال: رجل رجل أي راجل.

والركبان جمع راكب كفارس وفرسان.

ولا يقال راكب إلا لمن كان على إبل، فإن كان على فرس فإنما يقال له: فارس.

لكن المراد في الآية أعم، وتخصيص اللفظ بالركبان لأنه الغالب فيهم.

واعلم أن صلاة الخوف، إما أن تكون في غير حال القتال وسوف يجيء بيانها في سورة النساء إن شاء الله  ، وإما أن تكون عند التحام القتال وهو المراد بهذه الآية.

ومذهب الشافعي أنهم يصلون ركباناً على دوابهم ومشاة على أقدامهم إلى القبلة وإلى غير القبلة، ويقتصرون من الركوع والسجود على الإيماء إلا أنهم يجعلون السجود أخفض من الركوع، ويحترزون عن الصيحان، أنَّه لا ضرورة إليه بل الشجاع الساكت أهيب.

وقال أبو حنيفة: لا يصلي الماشي بل يؤخر لأنه  أخر الصلاة يوم الخندق.

وأجيب بأن الآية ناسخة لذلك الفعل.

ويدخل في الخوف المفيد لهذه الرخصة الخوف في القتال الواجب كالقتال مع الكفار أو مع أهل البغي، وفي القتال المباح كالدفاع عن النفس، أو عن حيوان محترم، أو عن المال.

أما القتال المحظور فإنه لا يجوز فيه صلاة الخوف لأن الرخص لا تناط بالمعاصي والخوف الحاصل لا في القتال كالهارب من الحرق والغرق والسبع، وكذا المطالب إذا كان معسراً خائفاً من الحبس عاجزاً عن بينة الإعسار يرخص أيضاً في هذه الصلاة لأن قوله ﴿ فإن خفتم ﴾ مطلق يتناول الكل ﴿ فإذا أمنتم ﴾ فإذا زال خوفكم ﴿ فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ من صلاة الأمن بقوله ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ كما بينه بشروطه وأركانه.

والصلاة قد تسمى ذكراً ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ وقيل: فاذكروا الله أي فاشكروا الله لأجل إنعامه عليكم بالأمن.

وقيل: فاشكروه على الأمن واذكروه بالعبادة كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع على لسان نبيه.

وكيف تصلون في حال الخوف وفي حال الأمن.

و "ما" في ﴿ كما علمكم ﴾ إما مصدرية أو كافة.

الحكم الثامن عشر: عدة الوفاة بوجه آخر ﴿ والذين يتوفون منكم ﴾ الآية.

من قرأ ﴿ وصية ﴾ بالرفع فـ ﴿ وصية ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ لأزواجهم ﴾ وجاز وقوع النكرة مبتدأ لتخصيصه بما تخصص منهم وصية، أو وصية الذين يتوفون وصية، أو الذين يتوفون أهل وصية إلى الحول، وكل هذه الوجوه جائز حسن.

ومن قرأ بالنصب فعلى تقدير فليوصوا وصية أو يوصون وصية مثل "أنت سير البريد" أي أنت تسير سير البريد أو ألزم الذين يتوفون منكم وصية متاعاً نصب على المصدر على معنى فليوصوا لهن وصية وليمتعوهن متاعاً.

والتقدير: جعل الله لهن ذلك متاعاً لأن ما قبله من الكلام يدل عليه، أو نصب على الحال، أو نصب بالوصية و ﴿ غير إخراج ﴾ نصب على المصدر المؤكد كقولك "هذا القول غير ما تقول" أو بدل من ﴿ متاعاً ﴾ أو حال من الأزواج أي غير مخرجات.

والمعنى أن حق الذين يتوفون منكم عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعده حولاً كاملاً أي ينفق عليهن من تركته ولا يخرجن من مساكنهن.

وأكثر المفسرين على أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخت المدة بقوله ﴿ أربعة أشهر وعشراً  ﴾ أو نسخ ما زاد منه على هذا المقدار بالإرث الذي هو الربع والثمن لقوله  "ألا لا وصية لوارث" وعن علي  وابن عمر أن لها النفقة وإن كانت حائلاً.

وأما السكنى فعند أبي حنيفة وأصحابه لا سكنى لهن وهو قول علي وابن عباس وعائشة، واختاره المزني قياساً على النفقة في مقابلة التمكين ولا تمكين.

وأما السكنى فلتحصين الماء وهو موجود، وعند الشافعي لهن ذلك على الأظهر وهو قول عمر وعثمان وابن مسعود وابن عمر وأم سلمة، ووافقه مالك والثوري وأحمد.

وبناء الخلاف على خبر "فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قالت: فسألت رسول الله  أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي ما أنزلني بمنزل يملكه فقال: نعم.

فانصرفت حتى إذا كنت في المسجد أو في الحجرة دعاني فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" .

فحمل بعضهم الأمر الثاني على النسخ وآخرون على الاستحباب.

وعن مجاهد أنها إن لم تختر السكنى في دار زوجها ولم تأخذ النفقة من مال زوجها كانت عدتها أربعة أشهر وعشراً وإن اختارت السكنى في داره والأخذ من ماله وتركته فعدتها الحول.

قال: وإنما نزلنا الآية على هذين التقديرين لتكون كل واحدة منهما معمولاً بها.

وعن أبي مسلم: إنكم تضيفون الوصية إلى حكم الله  فيلزمكم القول بالنسخ، ونحن نضيف الحكم إلى الزوج حتى يصير معنى الآية: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وقد وصوا وصية لأزواجهم بالنفقة والسكنى حولاً.

فهذا المجموع شرط وجوابه فإن خرجن - أي قبل ذلك - وخالفن وصية الزوج بعد أن يقمن المدة التي ضربها الله  ﴿ فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف ﴾ أي نكاح صحيح، لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة.

والسبب فيه أنهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى حولاً، وكانوا يوجبون على المرأة الاعتداد بالحول، فبيّن الله  في هذه الآية أن ذلك غير واجب.

ويؤكده ما روت زينب بنت أبي سلمة قالت: سمعت أمي أم سلمة تقول: "جاءت امرأة إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟

فقال رسول الله  لا مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: لا.

ثم قال رسول الله  : إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول" .

قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟

فقالت: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشاً أي بيتاً صغيراً، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيباً حتى يمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر فتقتض به.

قال مالك: أي تمسح به جلدها فقلما تقتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد بما شاءت من طيب أو غيره، فلا جناح عليكم يا أولياء الميت فيما فعلن في أنفسهن من التزين والإقدام على النكاح.

ومن قطع نفقتهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول ومن ترك منعهن من الخروج لأن مقامها حولاً في بيت زوجها ليس بواجب عليها.

وإنما قال ههنا ﴿ من معروف ﴾ منكراً لأن المراد بوجه من الوجوه التي لهن أن يأتينه.

وأما في الآية السابقة فإنه أراد بالوجه المعروف من الشرع.

ويمكن أن يقال: إن تلك الآية متأخرة في النزول عن هذه بإجماع المفسرين فلهذا نكر أولاً، ثم عرف لأن النكرة إذا تكررت صارت معرفة قال  : ﴿ كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول  ﴾ .

الحكم التاسع عشر: ﴿ وللمطلقات متاع ﴾ عم المطلقات بإيجاب المتعة لهن بعد ما أوجبها لواحدة منهن وهي المذكورة في الحكم الخامس عشر.

وروي أنها لما نزلت ﴿ ومتعوهن ﴾ إلى قوله ﴿ متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين ﴾ قال رجل من المسلمين: إن أحسنت فعلت فإن لم أرد ذلك لم أفعل فنزلت هذه الآية أي حقاً على من كان متقياً عن الكفر والمعاصي واعلم أن المطلقات قسمان: مطلقة قبل الدخول فلها المتعة إن لم يفرض لها مهر كما مر في الحكم الخامس عشر، وإن فرض لها مهر فلا متعة لها وحسبها نصف المهر لأنه  اقتصر على ذلك ولم يذكر المتعة فهي مستثناة من عموم هذه الآية.

ومطلقة بعد الدخول سواء فرض لها أم لم يفرض.

واختلفوا في استحقاقها المتعة.

فالقديم من قول الشافعي وبه قال ابو حنيفة، لا متعة لها لأنها تستحق المهر كالمطلقة بعد الفرض وقبل الدخول.

وفي الجديد لها المتعة وهو قول علي وابنه الحسن وابن عمر لعموم الآية، ولقوله  ﴿ فتعالين أمتعكن  ﴾ وكان ذلك في حق نساء دخل بهن النبي.

وليست كالمطلقة المذكورة لأنها استحقت الصداق لا بمقابلة عوض، وهذه استحقت الصداق في مقابلة استباحة البضع فيجب لها المتعة للإيحاش.

وعن سعيد بن جبير وأبي العالية والزهري أنها واجبة لكل مطلقة تمسكاً بظاهر عموم الآية.

وقيل: المراد بهذا المتعة النفقة في العدة بدليل ﴿ متاعاً إلى الحول ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُوا۟ ثُمَّ أَحْيَـٰهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ٢٤٣ وَقَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ٢٤٤ مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا فَيُضَـٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضْعَافًۭا كَثِيرَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُۜطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٤٥

القراءات: ﴿ فيضاعفه ﴾ بالألف والنصب: عاصم غير المفضل وسهل "فيضعفه" بالتشديد والنصب: ابن عامر ويعقوب غير روح.

فيضعفه بالتشديد والرفع: ابن كثير ويزيد وروح.

الباقون فيضاعفه بالألف والرفع وكذلك في سورة الحديد ﴿ ويبصط ﴾ بالصاد: ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير الخزاعي عن ابن فليح، وابن مجاهد وأبي عون عن قنبل، وسهل وعاصم وابن ذكوان وغير ابن مجاهد والنقاش وشجاع وعلي الحلواني من قالون مخير.

الباقون بالسين.

الوقوف: ﴿ الموت ﴾ ص ﴿ أحياهم ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ كثيرة ﴾ ط ﴿ ويبسط ﴾ ص ﴿ ترجعون ﴾ ه.

التفسير: قد جرت عادته  أن يذكر بعد بيان الأحكام القصص اعتباراً للسامعين ليحملهم ذلك الاعتبار على ترك التمرد والعناد ومزيد الخضوع والانقياد فقال: ﴿ ألم تر ﴾ وفيه تقرير لمن سمع بقصتهم ووقف على أخبار الأولين وتعجيب من حالهم.

ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجب، أو تكون الرؤية بمعنى العلم والمعنى: ألم ينته علمك ولهذا عدي بإلى.

وعلى هذا يجوز أن يكون النبي  لم يعرف هذه القصة إلا بهذه الآية، ويجوز أن يقال: كان العلم بها سابقاً على نزول هذه الآية، ثم إنه  أنزل الآية على وفق ذلك.

روي أن أهل داوردان - قرية قبل واسط - وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفر من حكم الله وقضائه.

ويروى أن حزقيل النبي الذي يقال له: ذو الكفل مر عليهم بعد زمان طويل وقد عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم، فتعجب مما رأى فأوحى إليه: أتريد أن أريك كيف أحيهم؟

فقال: نعم فقيل له: ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي.

فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى تمت العظام.

ثم أوحى الله إليه: نادها إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً فصارت لحماً ودماً.

ثم نادها إن الله يأمرك أن تقومي فقامت.

فلما أحياهم كانوا يقولون: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت.

ثم رجعوا إلى قومهم بعد حياتهم، وكانت تظهر أمارات الموت في وجوههم إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم.

وعن ابن عباس أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أمر عسكره بالقتال فخافوا القتال فهربوا وقالوا لملكهم: إن الأرض التي نذهب إليها فيها الوباء، فنحن لا نذهب إليها حتى يزول ذلك الوباء.

فأماتهم الله بأسرهم وبقوا ثمانية أيام حتى انتفخوا.

وبلغ بني إسرائيل موتهم فخرجوا لدفنهم فعجزوا من كثرتهم فحظروا عليهم الحظائر وأحياهم الله  بعد الثمانية، فبقي فيهم شيء من ذلك النتن وبقي ذلك في أولادهم إلى هذا اليوم وقيل: إن حزقيل النبي ندب قومه إلى الجهاد فكرهوا وجبنوا فأرسل الله  عليهم الموت، فلما كثر فيهم الموت خرجوا من ديارهم فراراً من الموت، فلما رأى حزقيل ذلك قال: اللهم إله يعقوب وإله موسى ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم تدلهم على نفاذ قدرتك وأنهم لا يخرجون عن قبضتك.

فأرسل الله عليهم الموت فلما رآه  ضاق قلبه فدعا مرة أخرى فأحياهم الله  .

أما قوله  ﴿ وهم ألوف حذر الموت ﴾ ففيه دليل على الألوف الكثيرة ولكنهم اختلفوا.

فقيل: عشرة آلاف، وقيل: ثلاثون، وقيل: سبعون.

وعن بعضهم أن الألوف جمع آلف كقعود جمع قاعد أي خرجوا وهم مؤتلفو القلوب، وزيف بأن ورود الموت عليهم وفيهم كثرة يفيد مزيد اعتبار بحالهم بخلافهم لو كانوا نفراً يسيراً.

فأما ورود الموت على قوم بينهم ائتلاف ومحبة فكوروده على قوم بينهم اختلاف كثير في أن وجه الاعتبار لا يتغير، وقد يوجه بأن المراد إلفهم بالدنيا ومحبتهم لها فأهلكوا ليعلم أن حرص الإنسان على الحياة لا يعصمه عن الفوت.

و ﴿ حذر الموت ﴾ مفعول لأجله.

﴿ فقال لهم الله موتوا ﴾ معناه فأماتهم وجيء بهذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد، وأنها خارجة عن العادة ولا أمر ولا قول كما مر في قوله {  إذا قضى أمر فإنما يقول له كن فيكون } [مريم: 35] ويدل عليه قوله ﴿ ثم أحياهم ﴾ وإذا صح الإحياء بلا قول فكذا الإماتة.

ويحتمل أنه تعالى أمر الرسول بأن يقول لهم موتوا.

والظاهر أنهم لم يكونوا رأوا عند الموت من الأهوال والأحوال ما تصير بها معارفهم ضرورية ويمنع من صحة التكليف بعد الإحياء كما في الآخرة.

وقال قتادة: إنما أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم.

﴿ إن الله لذو فضلٍ على الناس ﴾ تفضل عليهم بأن خرجوا من الدنيا على المعصية فأعادهم إلى الدنيا ومكنهم من التوبة والتلافي، وتفضل على منكري المعاد باقتصاص خبرهم ليستبصروا ويعتبروا، وذلك أن تركب الأجزاء على الشكل المخصوص ممكن وإلا لما وجد أولاً، وإذا كان ممكناً في نفسه، وقد أخبر الصادق بوجوده وجب القطع به.

وفي القصة تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وأن الموت إذا لم ينفع منه الفرار فأولى أن يكون في سبيل الله، ولهذا أتبعت بقوله ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ ثم إن كان هذا الأمر خطاباً للذين أحياهم على ما قال الضحاك أحياهم ثم أمرهم بأن يذهبوا إلى الجهاد، فلا بد من إضمار تقديره، وقيل لهم: قاتلوا.

وإن كان استئناف خطاب للحاضرين على ما هو اختيار الجمهور من المفسرين فلا إضمار، وفيه ترغيب وإرهاب كيلا ينكص على عقبيه محب للحياة بسبب خوف الموت فإن الحذر لا يغني عن القدر.

﴿ واعلموا أن الله سميع عليم ﴾ يسمع ما يقوله القاعدون والمجاهدون ويعلم ما يضمرونه وهو من وراء الجزاء.

ولما أمر المكلفين بالقتال في سبيل الله أردف ذلك بقوله ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ أي في باب الجهاد، كأنه ندب العاجز عن الجهاد أن ينفق على الفقير القادر على الجهاد، وأمر القادر على الجهاد أن ينفق على نفسه في طريق الجهاد.

و "ذا" في ﴿ من ذا ﴾ إما زائدة و "من" استفهام في موضع الرفع، و "الذي" مع صلتها خبره أو موصولة و "الذي" بدلها أو اسم إشارة خبر "من" و "الذي" نعت له، أو بدل منه.

قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون "من" و "ذا" بمنزلة اسم واحد كما كانت "ماذا" لأن "ما" أشد إبهاماً من "من" إذا كانت "من" لمن يعقل.

وقد بني الكلام على طريقة الاستفهام لأن ذلك أدخل في الترغيب والحث على الفعل من ظاهر الأمر.

وقيل: إن هذا الكلام مبتدأ لا تعلق له بما قبله، وإنما ورد مستأنفاً في الإنفاق إما على الإطلاق وهو الأليق بعموم لفظ القرض، وإما الواجب منه لأن قوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ كالزجر.

وهو إنما يليق بالواجب، وأما غير الواجب لأن القرض بالتبرع أشبه وهذا قول الأصم.

وقد يروى عن بعض أصحاب ابن مسعود أن المراد من هذا القرض هو قول الرجل "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر".

وعن النبي  "من لم يكن عنده ما يتصدق به فليلعن اليهود فإنه له صدقة" ويشبه أن يكون الفقير الذي لا يملك شيئاً إذا كان في قلبه أنه إذا قدر أنفق وأعطى، قامت تلك النية مقام الإنفاق.

وعن الزجاج أن لفظ القرض حقيقة في كل ما يفعل ليجازى عليه.

وأصل القرض القطع ومنه المقراض والانقراض لانقطاع الأثر، ومن أقرض فكأنما قطع له من ماله أو عمله قطعة يجازى عليها.

وقيل: إن لفظ القرض في الآية مجاز، فإن القرض إنما يأخذه من يحتاج إليه لفقره وذلك في حق الله محال، ولأن البدل في القرض المعتاد لا يكون إلا بالمثل وهنا يضاعف، ولأن المال الذي يأخذه المستقرض لا يكون ملكاً له وههنا المال المأخوذ ملك الله.

ثم مع حصول هذه الفروق سماه الله  قرضاً تنبيهاً على أن ذلك لا يضيع عند الله.

فكما أن القرض يجب أداؤه ولا يجوز الإخلال به فكذا الثواب المستحق على هذا الإنفاق واصل إلى المكلف لا محالة.

وقوله ﴿ قرضاً حسناً ﴾ يحتمل كونه اسم مصدر وكونه مصدراً بمعنى الإقراض.

ومعنى كونه حسناً حلالاً خالصاً لا يختلط به الحرام ولا يشوبه منٌ ولا أذى ولا يفعله رياء وسمعة، وإنما يفعله خالصاً لوجه الله  .

و ﴿ أضعافاً ﴾ نصب على الحال أو على المفعول الثاني إن ضمن ضاعف معنى صير، ويجوز أن يكون مصدراً لأن الضعف وإن كان اسماً إلا أنه قد يقع موقع المصدر كالعطاء فإنه اسم للمعطى، وقد يستعمل بمعنى الإعطاء قال القطامي: أكفراً بعد رد الموت عني *** وبعد عطائك المائة الرتاعا؟

وإنما جاز جمع المصدر بحسب اختلاف أنواع الجزاء لاختلاف الإقراض في المقدار والإخلاص وغير ذلك.

والضعف المثل، والتضعيف والأضعاف والمضاعفة كلها الزيادة على أصل الشيء حتى يصير مثلين أو أكثر.

قيل: الواحد بسبعمائة.

وعن السدي أن هذا التضعيف لا يعلم أحدكم هو وما هو، وإنما أبهمه الله  لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود ﴿ والله يقبض ويبسط ﴾ يقتر على عباده ويوسع فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبدلكم الضيقة بالسعة.

وأيضاً من كتب له الفقر فليس له إلا ذلك سواء أنفق أو لم ينفق، ومن كتب له الغنى فليس له إلا ذلك.

فعلى التقديرين يكون إنفاق المال في سبيل الله أولى.

وإذا علم المكلف أن القبض والبسط بالله انقطع نظره عن مال الدنيا وبقي اعتماده على الله، فحينئذٍ يسهل عليه الإنفاق في مرضاة الله.

ويحتمل أن يكون المعنى: والله يقبض بعض القلوب حتى لا يقدم على هذه الطاعة، ويبسط بعضها حتى يسهل عليه البذل وصرف المال.

﴿ وإليه ترجعون ﴾ فيجازيكم بحسب ما قدمتم من أعمال الخير و الله ولي التوفيق وإليه انتهاء الطريق.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلَإِ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰٓ إِذْ قَالُوا۟ لِنَبِىٍّۢ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًۭا نُّقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلَّا تُقَـٰتِلُوا۟ ۖ قَالُوا۟ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَـٰتِلَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَـٰرِنَا وَأَبْنَآئِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْا۟ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ ٢٤٦ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًۭا ۚ قَالُوٓا۟ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةًۭ مِّنَ ٱلْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُۥ بَسْطَةًۭ فِى ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ ۖ وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُۥ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ ٢٤٧ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِۦٓ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَـٰرُونَ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٢٤٨ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍۢ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّىٓ إِلَّا مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةًۢ بِيَدِهِۦ ۚ فَشَرِبُوا۟ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ قَالُوا۟ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍۢ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةًۭ كَثِيرَةًۢ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ٢٤٩ وَلَمَّا بَرَزُوا۟ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًۭا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٢٥٠ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢٥١

القراءات: ﴿ عسيتم ﴾ بكسر السين حيث كان نافع.

الباقون بالفتح.

وزاده بالإمالة: حمزة ونصير وابن مجاهد والنقاش عن ابن عباس وذكوان.

﴿ بصطه ﴾ بالصاد: أبو نشيط والشموني غير النقاد، وكذلك ﴿ بباصط  ﴾ ﴿ الله يبسط  ﴾ ﴿ ولا تبسطها كل البسط  ﴾ ﴿ فما اسطاعوا  ﴾ وما أشبه ذلك ﴿ مني إلا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالسكون.

﴿ غرفة ﴾ بفتح العين: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالضم ﴿ هو والذين ﴾ بالإدغام روى ابن مهران ومحمد العطار عن أبي شعيب وشجاع وكذلك ما أشبهها ﴿ فئة ومئة ﴾ وبابهما غير مهموزتين: يزيد وشموني وحمزة في الوقف ﴿ دفاع الله ﴾ وكذلك في سورة الحج: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.

الباقون ﴿ دفع الله ﴾ .

الوقوف: ﴿ من بعد موسى ﴾ م لأنه لو وصل صار "إذ" ظرفاً لقوله "ألم تر" وهو محال ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ ألا تقاتلوا ﴾ ط ﴿ وأبنائنا ﴾ ط ﴿ تعظيماً ﴾ لابتداء أمر معظم ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ ملكاً ﴾ ط ﴿ من المال ﴾ ط ﴿ والجسم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الملائكة ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ بالجنود ﴾ لا لأن "قال" جواب لما ﴿ بنهر ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ فليس مني ﴾ ج للابتداء بشرط آخر اتحاد المقصود ﴿ بيده ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ منهم ﴾ ط تعظيماً لابتداء أمر معظم ﴿ معه ﴾ (لا) لأن "قالوا" جواب لما ﴿ وجنوده ﴾ ط ﴿ ملاقو الله ﴾ (لا) لأن ما بعده مفعول "قال" ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ط لأن ما قبله دعاء وما بعده خبر ماضٍ يتصل بكلام طويل بعده ولا وقف على "بإذن الله" لاتصال اللفظ واتساق المعنى فإن الهزيمة كانت من قتل داود جالوت ﴿ مما يشاء ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: القصة الثانية قصة طالوت، والملأ اسم جماعة من الناس كالقوم والرهط لأنهم يملؤن العيون هيبةً، أو لأنهم ملأى بالأحلام والآراء الصائبة وجمعه أملاء.

قال: وقال لها الأملاء من كل معشر.

وخير أقاويل الرجال سديدها.

قال الزجاج: الملأ الرؤساء سموا بذلك لأنهم ملؤا بما يحتج إليه من كفايات الأمور وتدبيرها من قولهم "ملؤ الرجل ملاءة فهو ملؤ" إذا كان مطيقاً له، لأنهم يتمالؤن أي يتظاهرون ويتساندون.

والغرض من إيراد هذه القصة عقيب آية القتال، ترغيب المكلفين على الجهاد وأن لا يكونوا كمن أمروا بالقتال فخالفوا وظلموا ﴿ إذ قالوا لنبيٍ لهم ﴾ لم يحصل العلم بذلك النبي وبأولئك الملأ من الخبر المتواتر، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن.

لكن المقصود وهو الحث على الجهاد حاصل.

منهم من قال: إن النبي  هو يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف لقوله  ﴿ من بعد موسى ﴾ ولكنه لا يلزم منه حصوله من بعده على الاتصال.

والأكثرون على أنه أشمويل واسمه بالعربية إسماعيل.

وعن السدي هو شمعون سمته أمه بذلك لأنها دعت الله أن يرزقها إياه فسمع دعاءها فسمته شمعون.

والسين تصير شيناً بالعبرانية وهو من ولد لاوى بن يعقوب.

﴿ ابعث لنا ملكاً ﴾ أنهض للقتال معنا أميراً نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وتنتظم به كلمتنا.

وكان قوام بين إسرائيل بملك يجتمعون عليه يجاهد الأعداء ويجري الأحكام، ونبي يطيعه الملك ويقيم أمر دينهم ويأتيهم بالخبر من ربهم ﴿ نقاتل في سبيل الله ﴾ بالنون والجزم على الجواب وهي القراءة المشهورة.

وقرئ بالنون والرفع على أنه حال أي ابعث لنا ملكاً مقدرين القتال، أو استئناف كأنه قال لهم.

ما تصنعون بالملك؟

فقالوا: نقاتل.

وقرئ "يقاتل" بالياء والجزم على الجواب، وبالرفع على أنه صفة لـ ﴿ ملكاً ﴾ و ﴿ هل عسيتم ﴾ خبره ﴿ أن لا تقاتلوا ﴾ والشرط فاصل بينهما، وجواب الشرط محذوف يدل عليه المذكور أي إن كتب عليكم القتال فهل يتوقع منكم الجبن والخور؟

وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه ﴿ وما لنا ألا نقاتل ﴾ قال المبرد: "ما" نافية أي ليس لنا ترك القتال.

والأكثرون على أنه للاستفهام، وأورد عليه أنه خلاف المشهور فإنه لا يقال: ما لك أن لا تفعل كذا، وإنما يقال: مالك لا تفعل.

فعن الأخفش أن "أن" زائدة أي ما لنا لا نقاتل.

ورد بأن الزيادة خلاف الأصل ولا سيما في كلام رب العزة.

وعن الفراء أن الكلام محمول على المعنى لأن قولك "ما لك لا تقاتل" معناه ما منعك أن تقاتل، فلما ذهب إلى معنى المنع حسن إدخال "أن" فيه.

وعن الكسائي: واستحسنه الفارسي أن التقدير أيّ شيء لنا وأيّ داع أو غرض في ترك القتال فسقطت كلمة "في" على القياس ﴿ وقد أخرجنا ﴾ أي وحالنا أنا أخرجنا من ديارنا بالسبي والقهر على نواحيها، ومن بلغ منه العدو هذا المبلغ فالظاهر منه الاجتهاد في قمع عدوّه.

روي أن قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين.

وههنا محذوف التقدير: فسأل الله  ذلك فبعث لهم ملكاً وكتب عليهم القتال.

﴿ فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم ﴾ وهم الذين عبروا النهر وسيأتي ذكرهم وأنهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر علىعدد أهل بدر.

﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ وعيد لهم ولكل مكلف في الإسلام على القعود عن القتال.

وأي وعيد أبلغ من أن وضع الظالمين موضع الضمير العائد إليهم.

قوله  ﴿ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ طالوت اسم أعجميّ كجالوت وداود، امتنع من الصرف للعلمية والعجمة المعتبرة.

وقد يمكن تكلف اشتقاقه من الطول لما يجيء من وصفه بالبسطة في الجسم، وقد يوافق العبراني العربي.

و ﴿ ملكاً ﴾ نصب على الحال، أو التمييز، أو مفعول ثانٍ على أن بعث بمعنى صير.

وفي الآية تقرير لتوليهم وتأكيد لذلك، فإن أولى ما تولوا هو إنكارهم أمر النبي المبعوث إليهم بالتماسهم وذلك أنهم ﴿ قالوا أنى يكون ﴾ كيف ومن أين يصح ويصلح ﴿ له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعةً من المال ﴾ الواو الولى للحال، والثانية للعطف.

فانتظمت الجملتان في سلك الحالية.

استبعدوا تملكه من وجهين: الأول: أن النبوة كانت في سبط لاوى بن يعقوب ومنه موسى وهارون، والملك كان في سبط يهوذا ومنه داود وسليمان، وأن طالوت ما كان من أحد هذين السبطين بل كان من ولد بنيامين.

الثاني: أنه كان فقيراً ولا بد للملك من مال يعتضد به.

فعن وهب أنه كان دباغاً.

وعن السدي أنه كان مكارياً.

وقال الآخرون: كان سقاء فأزيلت شبهتهم بوجوه: الأول: ﴿ قال إنّ الله اصطفاه عليكم ﴾ اختاره دونكم واستخلصه من بينكم وأمره عليكم، ولا اعتراض لأحد على حكم الله.

وروي أن نبيهم دعا الله حين طلبوا منه ملكاً فأُتي بعصا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت.

الثاني: ﴿ وزاده بسطة في العلم والجسم ﴾ طعنوا فيه بنقصان الجاه والمال فقابلهما الله  بوصفين العلم والقدرة وأنهما أشد مناسبة لاستحقاق الملك من النسب والمال، لأن العلم والقدرة من باب الكمالات الحقيقية دونهما وبالعلم والقدرة يتوسل إلى الجاه والمال ولا ينعكس، والعلم والقدرة من الكمالات الحاصلة لحق الإنسان، والمال والجاه أمران منفصلان عن ذات الإنسان وأنهما لا يمكن سلبهما عن ذات الإنسان بخلافهما.

وإن العالم بأمر الحروب ذا القوة والبطش يكون الانتفاع به في مصالح البلاد والعباد أتم من النسيب الغني إذا لم يكن له علم يضبط المصالح وقدرة على دفع الأعداء.

والظاهر أن المراد بالبسط في العلم هو حذقه فيما طلبوه لأجله من أمر الحرب، ويجوز أن يكون عالماً في الديانات وبغيرها.

وذلك أن الملك ينبغي أن يكون عالماً وإلا كان مزدري غير منتفع به، وأن يكون جسيماً يملأ العين مهابة وحشمة.

والبسطة السعة والامتداد وطول القامة.

روي أنه كان يفوق الناس برأسه ومنكبيه.

وقيل: المراد منه الجمال وكان أجمل بني إسرائيل.

والأظهر أن يراد بها القوة لأنها المنتفع بها في دفع الأعداء لا الطول والجمال.

الوجه الثالث: ﴿ والله يوتي ملكه من يشاء ﴾ فالملك له والعبيد له والمالك إذا تصرف في ملك نفسه فلا اعتراض لأحد عليه.

الوجه الرابع: ﴿ والله واسع عليم ﴾ فإذا فوض الملك إليه فإن علم أن الملك لا يتمشى إلا بالمال فتح عليه باب الرزق ويوسع عليه.

قوله عز من قائل ﴿ وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ﴾ الآية.

اعلم أن ظاهر قوله  ﴿ إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً ﴾ يدل على أنهم كانوا معترفين بنبوة ذلك النبي  .

ثم إنه لما قال: ﴿ إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ كان هذا دليلاً قاطعاً على أنه ملك، لكنه  لكمال رأفته بالمكلفين ضم إلى ذلك الدليل دليلاً آخر دل على صدق النبي، وإكثار الدلائل من الله  جائز.

ولهذا كثرت معجزات محمد  ومعجزات موسى وعيسى عليهما السلام.

ثم إن مجيء التابوت لا بد أن يقع على وجه يكون خارقاً للعادة حتى يصح أن يكون معجزة وآية من عند الله دالة على صدق تلك الدعوى.

فقيل: إن الله  أنزل على آدم تابوتاً فيه صور الأنبياء من أولاده فتوارثوه إلى أن وصل إلى يعقوب، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصر، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت قال ذلك النبي: إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره.

وكان الكفار الذين سلبوا التابوت قد جعلوه في موضع البول والغائط، فدعا النبي  عليهم في ذلك الوقت فسلط الله على أولئك الكفار البلاء حتى إن كل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله بالبواسير، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت فأخرجوه ووضعوه على ثورين، فأقبل الثوران يسيران ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما حتى أتوا منزل طالوت.

فعلى هذا إتيان التابوت مجاز لأنه أتى به ولم يأت هو بنفسه.

وقيل: إنه صندوق من خشب كان موسى يضع التوراة فيه و كانوا يعرفونه، ثم إن الله  رفعه بعد ما قبض موسى  لسخطه على بني إسرائيل.

ثم قال نبي ذلك القوم: إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء، فنزل من السماء والملائكة كانوا يحفظونه والقوم ينظرون حتى نزل عند طالوت وهذا قول ابن عباس.

وعلى هذا الإتيان حقيقة، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعاً لأن من حفظ شيئاً في الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء.

أما شكل التابوت فقيل: كان من خشب الشمشار مموهاً بالذهب نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين.

وقرأ أبي وزيد بن ثابت ﴿ التابوه ﴾ بالهاء وهي لغة الأنصار.

وأما وزن التابوت فلا يخلو إما أن يكون "فعلوتا" أو "فاعولا" لا سبيل إلى الثاني لقلة باب سلس وقلق ولأنه تركيب غير معروف فهو "فعلوت" من التوب أي الرجوع لأنه ظرف، فلا يزال يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته.

والظاهر أن مجيء التابوت كان معجزة لنبي ذلك الزمان، ومع كونه معجزة له كان آية قاطعة في ثبوت ملك طالوت، وقيل: إن طالوت كان نبياً وإتيان التابوت معجزته لأنه كان مقروناً بالتحدي.

والجواب أن التحدي كان من النبي  لأمته ﴿ فيه سكينةٌ ﴾ هي "فعيلة" من السكون ضد الحركة ومعناه الوقار، ومصدر وقع موقع الاسم كالعزيمة.

وأما البقية فبمعنى الباقية.

يقال: بقي من الشيء بقية.

والمراد بالسكينة والبقية إما أن يكون شيئاً حاصلاً في التابوت أولاً، والثاني قول الأصم وعلى هذا فمعناه أنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة اطمأنت نفوسهم وأقروا له بالملك وانتظم أمر ما بقي من دين موسى وهارون ومن شريعتهما فهذا كقوله  "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" أي بسببها.

وعلى الأول أقوال فعن أبي مسلم: كان في التابوت بشارات من كتب الله المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام بأن الله  ينصر طالوت وجنوده فيزول خوف العدو عنهم.

وعن ابن عباس: هي صورة من زبرجد وياقوت لها رأس كرأس الهر، وذنب كذنبه، وجناحان فيزف التابوت نحو العدو وهم يمضون معه، فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر.

وعن علي  : كان لها وجه كوجه الإنسان، وفيها ريح هفافة أي طيبة.

وأما البقية فهي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفيز من المنّ الذي أنزل عليهم.

قال بعض العلماء: إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون لأن ذلك التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت.

وفي التابوت أشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون فيكون الآل هم الأتباع.

قال  : ﴿ أدخلوا آل فرعون  ﴾ ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون  ﴾ ويجوز أن يراد مما تركه موسى وهارون والآل مقحم لتفخيم شأنهما "كقوله  لأبي موسى الأشعري لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود" وأراد به داود نفسه إذ لم يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن ما كان لداود ﴿ إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ﴾ بدلالة المعجزة على صدق المدعي وههنا محذوف والتقدير: فأتاهم التابوت فأذعنوا لطالوت وأجابوا إلى المسير تحت رايته.

﴿ فلما فصل طالوت بالجنود ﴾ أصله فصل نفسه ثم كثر حذف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي والمعنى: انفصل عن بلده مع الجنود.

والجند الأعوان والأنصار وكل صنف من الخلق جند قال  : "الأرواح جنود مجندة" .

روي أن طالوت قال لقومه: لا ينبغي أن يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه، ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا متزوج بامرأة لم يبن فيها.

ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ.

فاجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفاً، وكان الوقت قيظاً وسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهراً.

فقال نبيهم: على قول، أو طالوت على الأظهر، وذلك إما بإخبار النبي  أو بالوحي إن كان نبياً ﴿ إن الله مبتليكم بنهرٍ ﴾ بما اقترحتموه من النهر.

قيل في حكمة هذا ابتلاء: إنه لما كان من عادة بني إسرائيل مخالفة الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة، أظهر الله علامة قبل لقاء العدو يتميز بها الصابر على الحرب من غير الصابر، لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو.

عن ابن عباس والسدي أنه نهر فلسطين، وعن قتادة والربيع أنه نهر بين الأردن وفلسطين.

ونهر بتحريك الهاء وتسكينها لغتان و ﴿ مبتليكم ﴾ أي ممتحنكم.

ولما كان الابتلاء من الناس إنما يكون بظهور الشيء، وثبت أن الله لا يثيب ولا يعاقب على علمه إنما يظهر ذلك بظهور الأفعال من الناس وذلك لا يحصل إلا بالتكليف، لا جرم سمى التكليف ابتلاء.

﴿ فمن شرب منه فليس مني ﴾ هو كالزجر أي ليس بمتصل بي ولا بمتحد معي من قولهم "فلان مني" يريد أنه كأنه بعضه لاختلاطهما واتحادهما، أو ليس من أهل ديني وطاعتي ومن حزبي وأشياعي ﴿ ومن لم يطعمه ﴾ ومن لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه.

ومنه طعم الشيء لمذاقه.

واعلم أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف أن لا يشرب من هذا النهر كيف يحنث؟

فقال أبو حنيفة: لا يحنث إلا إذا كرع في النهر.

حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث لأن الشرب من الشيء هو أن يكون ابتداء شربك متصلاً بذلك الشيء.

وقال الباقون: بل إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث لأن هذا وإن كان مجازاً إلا أنه مجاز مشهور، فلما كان من المحتمل في اللفظ الأول أن يكون النهي مقصوراً على الشرب من النهر حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلاً تحت النهي.

ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام فقال: ﴿ ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفةً بيده ﴾ استثناء من قوله ﴿ فمن شرب منه فليس مني ﴾ ليصح النظم وإنما فصل قوله ﴿ ومن لم يطعمه ﴾ بين المستثنى والمستثنى منه للعناية.

ومعنى الاستثناء الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع.

والغرفة بالفتح بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف ملء الكف.

عن ابن عباس: كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه، ويحتمل منها.

ولعل ذلك من معجزات نبي ذلك الزمان كما يروى عن نبينا  من إرواء الخلق العظيم من الماء القليل، ويحتمل أنه كان مأذوناً أن يأخذ من الماء ما شاء مرة واحدة بقربة أو جرة بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه ولخدمه ولأن يحمله مع نفسه إلا أن قوله ﴿ بيده ﴾ لا يجاوب هذا الاحتمال ﴿ فشربوا منه ﴾ كرعوا فيه ﴿ إلا قليلاً منهم ﴾ وقرأ أبي والأعمش ﴿ إلا قليلٌ منهم ﴾ وهذا من باب الميل إلى المعنى والإعراض عن اللفظ جانباً كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم.

فبهذا تميز الموافق عن المنافق والصديق عن الزنديق.

يروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد وقع أكثرهم في النهر وأكثروا الشرب فاسودت شفاههم وغلبهم العطش وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله  فلم يزيدوا على الاغتراف فقوي قلبهم وصح أيمانهم وعبروا النهر سالمين.

والمشهور أنهم كانوا على عدد أهل بدر لما روي أن النبي قال لأصحابه يوم بدر: أنتم اليوم على عدد أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن.

قال البراء بن عازب: وكنا يومئذٍ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً.

وقيل: إنهم كانوا أربعة آلاف.

ولا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاعه، وإنما الخلاف في أنهم رجعوا قبل عبور النهر أو بعده، والحق أنه ما عبر معه إلا المطيعون لقوله  ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ﴾ ولقوله: ﴿ فليس مني ﴾ أي ليس من أصحابي في سفري، ولأن المقصود من الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي، وإذا تميزا فالظاهر أنه لم يأذن للعاصين، وصرفهم عن نفسه قبل أن يرتدوا عند لقاء العدو، وقيل: إنه استصحب كل جنوده لأنهم قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده.

ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه، بل لا يصدر إلا عن المنافق أو الفاسق.

والجواب لعل طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم تخلفوا وما جاوزوه، سألوهم عن سبب التخلف فذكروا ذلك، وما كان النهر في العظم بحيث يمنع المكالمة، أو المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة، أو المؤمنون الذين عبروا النهر كانوا فريقين: منهم من يكره الموت ويغلب الخوف والجزع على طبعه وهم الذين قالوا: لا طاقة لنا، ومنهم من كان شجاعاً قوي القلب وهم الذين أجابوا بقولهم ﴿ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ﴾ أو أنهم لما شاهدوا قلة عسكرهم قال بعضهم: لا طاقة لنا اليوم.

فلا بد أن نوطن أنفسنا للقتل.

وقال الآخرون: بل نرجو من الله الفتح والظفر.

فكأن غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة، وغرض الآخرين التحريض على رجاء الفتح والظفر، وكلا الغرضين محمود.

والطاقة اسم بمنزلة الإطاقة.

يقال: أطقت الشيء إطاقة وطاقة ومثلها أطاع إطاعة والاسم الطاعة وأغار إغارة والاسم الغارة، وأجاب يجيب إجابة والاسم الجابة.

وفي المثل "أساء سمعاً فأساء جابة" أي جواباً ومعنى قوله ﴿ يظنون أنهم ملاقوا الله ﴾ يغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت.

عن قتادة: أو يظنون أنهم ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة، وذلك أن أحداً لا يعلم عاقبة أمره، وعن أبي مسلم: أوَتظنون أنهم ملاقو طاعة الله من غير رياء وسمعة وبنية خالصة، أو أنهم عرفوا مما في التابوت من الكتب الإلهية يقين النصر والظفر إلا أن حصول ذلك في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل الظن، أو المراد بقوله ﴿ يظنون ﴾ يعلمون ويوقنون لما بين اليقين والظن من المشابهة في تأكد الاعتقاد، والفئة الجماعة لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة، وقال الزجاج: هي من قولهم "فأوت رأسه بالسيف" وفأيت أي قطعت كأن الفئة قطعة من الناس.

والمراد تقوية قلوب الذين قالوا: لا طاقة لنا إذ العبرة بالتأييد الإلهي والنصرة الإلهية، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة، ومحل "كم" رفع بالابتداء و ﴿ غلبت ﴾ الجملة خبره، ﴿ بإذن الله ﴾ بتيسيره وتسهيله.

﴿ والله مع الصابرين ﴾ بالمعونة و التأييد يحتمل أن يكون من قوله  وأن يكون من قول الذين يظنون.

قوله  ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده ﴾ الآية البراز الأرض الفضاء ومنه البروز والمبارزة في الحرب كأن كل واحد منهما حصل بحيث يرى صاحبه.

واعلم أن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع ضعفائهم وعوامهم أن الغلبة لا تتعلق بكثرة العدد وأن النصر والظفر بإعانة الله اشتغلوا بالدعاء و ﴿ قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ وهكذا كان يفعل نبينا محمد  كما روي في قصة بدر أنه كان يصلي ويستنجز من الله وعده، وكان متى لقي عدواً قال: "اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم، اللهم بك أصول وبك أجول" .

والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه، وإنما يخلو بصب كل ما فيه فيفيد المبالغة.

أي صب علينا أتم صبر وأبلغه وهذا هو الركن الأعظم في المحاربة، فإنه إن كان جباناً لم يجد بطائل.

ثم إن الشجاع مع ذلك يحتاج إلى الآلات والعدد والاتفاقات الحسنة حتى يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار، فاقترحوها بقولهم ﴿ وثبت أقدامنا ﴾ ثم إنه مع كل هذه الأشياء يفتقر إلى أن تزيد قوته على قوة عدوه حتى يغلبهم وهو المراد بقولهم ﴿ وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ فلا جرم استجاب الله دعاءهم ﴿ فهزموهم ﴾ كسروهم ﴿ بإذن الله ﴾ بتوفيقه وإعانته ﴿ وقتل داود جالوت ﴾ عن ابن عباس أن داود كان راعياً ومعه سبعة إخوة مع طالوت، فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم أيشا أرسل ابنه داود - وكان صغيراً - إليهم ليأتيه بخبرهم، فأتاهم وهم في المصاف، وبرز جالوت الجبار وكان من قوم عاد وكانت بيضته فيها ثلثمائة رطل من الحديد، فلم يخرج إليه أحد فقال: يا بني إسرائيل، لو كنتم على الحق لبارزني بعضكم.

فقال داود لإخوته: أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف؟

فسكتوه.

فذهب إلى ناحية من الصف ليس فيها إخوته فمر به طالوت وهو يحرّض الناس فقال له داود: ما تصنعون لمن يقتل هذا؟

فقال طالوت: أنكحه ابنتي وأعطيه نصف مملكتي.

فقال داود: فأنا خارج إليه.

وكانت عادته أنه يقاتل بالمقلاع الذئب والأسد في المرعى وكان طالوت عارفاً جلادته فلما هم داود بأن يخرج إلى جالوت مر بثلاثة أحجار فقلن: يا داود خذنا معك ففينا ميتة جالوت.

ثم لما خرج إلى جالوت رماه فأصابه في صدره ونفذ الحجر فيه وقتل بعده ناساً كثيراً.

قيل: فحسده طالوت ولم يف له وعده ثم ندم على صنيعه فذهب يطلبه إلى أن قتل.

﴿ وآتاه الله الملك ﴾ في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها ﴿ والحكمة ﴾ أي النبوّة لأن الحكمة وضع الأمور موضعها على الوجه الأصوب والنحو الأصلح.

وكمال هذا المعنى إنما يحصل بالنبوة، والمشهور من أحوال بني إسرائيل، أن الله  كان يبعث إليهم نبياً وعليهم ملكاً كان ذلك الملك ينفذ أمور ذلك النبي، وكان نبي ذلك الزمان أشمويل وملكه طالوت، فلما توفي أشمويل أعطى الله دود النبوّة، ولما توفي طالوت أعطى الله الملك إياه أيضاً، ولم يجتمع الملك والنبوّة على أحد من بني إسرائيل قبله.

ويروى أن بين قتله جالوت وبين ما أعطاه الله الملك والحكمة سبع سنين.

قال بعضهم: هذا الإتيان جبراً له على ما فعل من الطاعة وبذل النفس في سبيل الله، ولا ممتنع في جعل النبوّة جزاء على بعض الطاعات كما قال  : ﴿ ولقد اخترناهم على علم على العالمين  ﴾ وقال: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ ولهذا ذكر بعده حديث الهزيمة والقتل.

وترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية لا سيما وقد نطقت الأحجار معه، وقد قهر العدو العظيم المهيب بالآلة الحقيرة.

وقال آخرون: إن النبوّة لا يجوز جعلها جزاء على الأعمال ولكنها محض عناية الله  ببعض عبيده كما قال: ﴿ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس  ﴾ فإن قيل: لم قدم الملك على الحكمة مع أنه أدون منها؟

فالجواب أنه  أراد أن يذكر كيفية ترقي داود  في معارج السعادات، والتدرج في مثل هذا المقام من الأدون إلى الأشرف هو الترتيب الطبيعي.

﴿ وعلمه مما يشاء ﴾ قيل: هو صنعة الدروع لقوله ﴿ وعلمناه صنعة لبوس لكم  ﴾ وقيل: منطق الطير ﴿ علمنا منطق الطير  ﴾ وقيل: ما يتعلق بمصالح الملك فإنه ما تعلم ذلك من آبائه فإنهم كانوا رعاة.

وقيل: علم الدين والقضاء ﴿ وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب  ﴾ ولا يبعد حمل اللفظ على الكل والغرض منه التنبيه على أن العبد لا ينتهي قط إلى حالة يستغني عن التعلم سواء كان نبياً أو لم يكن ولهذا قيل لمحمد  ﴿ وقل ربي زدني علماً  ﴾ ﴿ ولولا دفع الله ﴾ معناه ظاهر وأما من قرأ بالألف فإما أن يكون مصدر الدفع نحو جمع جماحاً وكتب كتاباً وقام قياماً، وإما أن يكون بمعنى أنه  يكف الظلمة والعصاة عن المؤمنين على أيدي أنبيائه وأئمة دينه، فكان يقع بين أولئك المحقين وأولئك المبطلين مدافعات كقوله ﴿ إن الذين يحادّون الله ورسوله  ﴾ .

واعلم أن الله  ذكر في الآية المدفوع وهو بعض الناس، والمدفوع به وهو البعض الآخر.

وأما المدفوع عنه فغير مذكور للعلم به وهو الشرور في الدين كالكفر والفسق والمعاصي، فعلى هذا الدافعون هم الأنبياء وأئمة الهدى ومن يجري مجراهم من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والشرور في الدنيا كالهرج والمرج وإثارة الفتن.

فالدافعون إما الأنبياء أو الملوك الذابون عن شرائعهم ولهذا قال  : "الملك والدين توأمان" "الإسلام أس والسلطان حارس فما لا أس له فهو منهدم وما لا حارس له فهو ضائع" وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ لفسدت الأرض ﴾ أي بطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وغير ذلك من سائر أسباب العمران.

وقيل: المراد بالدفع نصر المسلمين على الكفار.

ومعنى فساد الأرض عبث الكفار فيها وقتالهم المسلمين.

وقيل: المعنى لو لم يدفع الكفار بالمسلمين لعم الكفر ونزل سخط الله، فاستؤصل أهل الأرض وتصديق ذلك ما روي أن النبي  قال: "يدفع بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي وبمن يزكي عمن لا يزكي وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء لما أنظرهم الله طرفة عين" ثم تلا هذه الآية ﴿ ولكنّ الله ذو فضلٍ على العالمين ﴾ بسبب ذلك الدفاع.

وفيه أن الكل بقضاء الله وقدره وبقهره ولطفه وبعدله وفضله.

التأويل: فقوله ﴿ ألم تر إلى الملأ ﴾ أن القوم لما أظهروا خلاف ما أضمروا وزعموا غير ما كتموا، عرض نقد دعواهم على محك معناهم فما أفلحوا عند الامتحان إذ عجزوا عن البرهان، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، وهذا حال أكثر مدّعي الإسلام والإيمان والذين يزعمون نصلي ونصوم ونحج ونزكي لله وفي الله باللسان دون صدق الجنان، وسيظهر ما كان لله وما كان للهوى في كفتي الميزان ﴿ فلما كتب عليهم القتال ﴾ تبين الأبطال من البطال ﴿ فتولوا إلا قليلاً منهم ﴾ وأن أهل الحق أعز من العنقاء وأعوز من الكيمياء.

تعيرنا أنا قليـل عديدنا *** فقلت لها إن الكرام قليل تعيرنا أنا قليل وجارنا *** عزيز وجار الأكثرين ذليل وإنما لم ينل المدعون مقصودهم لأنه لم تخلص لله قصودهم ولو أنهم قالوا: ﴿ وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله ﴾ وقد أمرنا ربنا وأوجب القتال علينا وأنه سيدنا ومولانا فلعل الله صدق دعواهم وأعطى مناهم وأكرم مثواهم كما قال قوم من السعداء في أثناء البكاء والصعداء ﴿ وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين  ﴾ فلا جرم أثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين.

﴿ إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ فيه إشارة إلى أن الحكم الإلهية حلت وتجلت في جلباب تعاليها عن إدراك العقول البشرية كنه معنى من معانيها، ولهذا.

قالوا: ﴿ أنى يكون له الملك علينا ﴾ وليس هذا بأعجب من قول المقرّبين المؤيدين بالأنوار القدسية ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ واستحقاراً لشأن آدم واحتجاباً بحجب الأنانية والنحنية، فلما تكبر بنو إسرائيل وقالوا: ﴿ نحن أحق بالملك ﴾ وضعهم الله وحرموا الملك، ولما تواضع طالوت لله وقال: كيف أستحق الملك وسبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل، رفعه الله وأعطاه الملك.

ولما تفوقت الملائكة وترفعوا بقولهم ﴿ ونحن نسبح بحمدك  ﴾ أمرهم بالسجود لآدم، ولما عرضت الخلافة على آدم فتواضع لله وقال: ما للتراب ورب الأرباب أكرمه الله  بسجود الملائكة وحمل أعباء الأمانة ﴿ إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ﴾ فيه إشارة إلى أن آية خلافة العبد أن يظفر بتابوت قلب ﴿ فيه سكينة ﴾ من ربه وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس مع الله ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ ﴿ بقية مما ترك آل موسى ﴾ هو عصا الذكر كلمة لا إله إلا الله وهي الثعبان الذي إذا فغر فاه تلقف عظيم سحر سحرة صفات فرعون النفس.

وإن تابوتهم الذي فيه سكينتهم كان يتداوله أيدي الحدثان، وتابوت قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، وإن كان في تابوتهم بعض التوراة ففي تابوت قلب المؤمن جميع القرآن، وإن كان في تابوتهم صور الأنبياء ففي تابوت المؤمن رب الأرض والسماء كما قال: "لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن" فإذا حصل لطالوت الروح الإنساني تابوت القلب الرباني سلم له ملك الخلافة، وإنقاد له جميع أسباط صفات الإنسان فلا يركن إلى الدنيا و يتجهز لقتال جالوت النفس الأمارة ﴿ إن الله مبتليكم بنهرٍ ﴾ هو نهر الدنيا وما زين للخلق فيها ﴿ زين للناس حب الشهوات  ﴾ ليظهر المحسن من المسيء ويميز الخبيث من الطيب ﴿ إلا من اغترف غرفة بيده ﴾ قنع من متاع الدنيا بما لا بد له منه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار، وكان نبينا محمد  يقول: "اللهم اجعل قوت آل محمد كفافاً" أي ما يمسك رمقهم ﴿ لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ﴾ لأن من شرب من نهر الدنيا ماء شهواتها ولذاتها وتجاوز عن حد الضرورة فيها لا يطيق قتال جالوت النفس وجنود صفاتها وعسكر هواها، لأنه صار معلولاً مريض القلب فبقي على شط نهر الدنيا ﴿ ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها  ﴾ ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده ﴾ فيه إشارة إلى أن المجاهد في الجهاد الأكبر لا يقوم بحوله وقوته لقتال النفس إلا إذا رجع إلى ربه مستعيناً به مستغنياً عن غيره قائلاً ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ على الائتمار بطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى والإعراض عن زينة الدنيا ﴿ وثبت أقدامنا ﴾ على التسليم في الشدة والرخاء ونزول البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء ﴿ وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ وهم أعداؤنا في الدين عموماً، والنفس الأمارة وصفاتها التي هي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصاً ﴿ فهزموهم بإذن الله ﴾ بنصرته وقوته ﴿ وقتل داود ﴾ القلب ﴿ جالوت ﴾ النفس الخ.

وأخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الركون إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى حتى صار الثلاثة حجراً واحداً وهو الالتفات إلى غير المولى، فوضعه في مقلاع التسليم والرضا فرمى به جالوت النفس، فسخر الله له ريح العناية حتى أصاب أنف بيضة هواها، وخالط دماغها فأخرج منه الفضول وخرج من قفاها وقتل من روائها ثلاثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها، وهزم الله باقي جيشها وهي الشياطين وأحزابها، وآتاه الله ملك الخلافة وحكمه الإلهامات الربانية، وعلمه مما يشاء من حقائق القرآن وإشاراته ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ﴾ يعني أرباب الطلب بالمشايخ البالغين الواصلين الهادين المهتدين كما قال ﴿ ولكل قوم هاد  ﴾ لفسدت أرض استعداداتهم المخلوقة في أحسن التقويم عن استيلاء جالوت النفس بتبديل أخلاقها وتكدير صفائها ﴿ ولكن الله ذو فضلٍ على العالمين ﴾ فمن كمال فضله ورحمته حرك سلسلة طلب الطالبين وألهم أسرارهم إرادة المشايخ الكاملين، ووفقهم للتمسك بذيول تربيتهم ووقفهم على التشبث بأهداب سيرهم، وثبتهم على الرياضات في حال تزكيتهم كما قال: ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ٢٥٢ ۞ تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍۢ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ٢٥٣ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌۭ وَلَا شَفَـٰعَةٌۭ ۗ وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٢٥٤

القراءات: ﴿ لا بيعَ فيه ولا خلة ولا شفاعة ﴾ بالفتح غير منون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير؛ الباقون: بالرفع والتنوين.

وكذلك في سورة إبراهيم: ﴿ لا بيع فيه ولا خلال  ﴾ وكذلك في سورة الطور: ﴿ لا لغو فيها ولا تأثيم  ﴾ .

الوقوف: بالحق ط للابتداء، بأن المرسلين 5 على بعض م؛ لأنه لو وصل صار الجار والمجرور صفة لبعض فينصرف بيان تفضيل الرسل إلى بعض، فيكون موسى  من هذا البعض المفضَّل عليه غيره لا من البعض المفضَّل على غيره بالتكليم.

درجات ط للعدول، القدس ط، من كفر ط، ما يريد، ولا شفاعة ط، الظالمون 5.

التفسير: ﴿ تلك ﴾ القصص المذكورة من حديث الألوف وإماتتهم ثم إحيائهم، ومن تمليك طالوت وظهور الآية التى هى إتيان التابوت، وغلبة الجبابرة على يد داود وهو صبي فقير؛ ﴿ آيات الله ﴾ الباهرة الدالة على كمال قدرته وحكمته ورحمته؛ ﴿ نتلوها عليك ﴾ بتلاوة جبرائيل وفيه تشريف عظيم لجبرائيل كقوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ ﴿ بالحق ﴾ باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم كذلك من غير تفاوت، ولأن في تلاوتها حكمة شريفة وهي اعتبار المكلفين من أمتك ليحتملوا شدائد الجهاد كما/ احتملها الأمم السالفة، ولأنها تدل على نبوّتك من قبل أنها أخبار بالغيب لما فيها من الفصاحة والبلاغة.

ثم أكّد ذلك بقوله: ﴿ وإنك لمن المرسلين ﴾ حيث تخبر بها من غير أن تعرف بقراءة ودراسة، وفيه أيضاً تسلية للنبي  فيما يراه من الكفار وأهل النفاق من الخلاف والشقاق كما رآه الرسل قبله، فالمصيبة إذا عمت طابت.

ولمثل هذا كرر فقال: ﴿ تلك الرسل ﴾ أي الذين تعرفهم وأنت من جملتهم ﴿ فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ﴾ فضله الله بأن كلمه الله من غير سفير وهو موسى  ﴿ ورفع بعضهم درجات ﴾ قيل إن ﴿ درجات ﴾ نصب بنزع الخافض، وقيل رفع لبعضهم كقوله: ﴿ ورفعناه مكاناً علياً  ﴾ أي له، وقيل حال من بعضهم أي ذا درجات، وقيل مصدر في موضع الحال، وقيل انتصابه على المصدر لأن الدرجة بمعنى الرفعة فكأنه قال: ورفعنا بعضهم رفعات.

وأيَّد عيسى بروح القدس ومع ذلك قد نالهم من قومهم ما ذكرناه لك بعد مشاهدة المعجزات وأنت رسول مثلهم، فلا تحزن على ما ترى من قومك ولو شاء الله لم يختلف أمم أولئك، ولكن ما قضاه الله فهو كائن وما قدره فهو واقع.

واعلم أن الأمة أجمعت على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، وعلى أن محمداً أفضل الكل لوجوه منها قوله  : ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ ومنها قوله: ﴿ ورفعنا لك ذكرك  ﴾ قرن ذكره بذكر محمد  في كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهد، ولم يكن ذلك لسائر الأنبياء؛ ومنها أنه قرن طاعته بطاعته: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله  ﴾ وبيعته ببيعته ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ وعزته بعزته: ﴿ ولله العزة ولرسوله  ﴾ ورضاه برضاه ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه  ﴾ وأجابته بإجابته ﴿ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول  ﴾ ومحبته بمحبته: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله  ﴾ .

ومنها أن معجزاته أكثر وقد ترتقي إلى ألف من جملتها القرآن، بل القرآن يشتمل على ألفي معجزة وأزيد، لأن التحدي وقع بأقصر سورة هي الكوثر وإنها ثلاث آيات، وكل ثلاث آيات من القرآن تصلح للتحدي فيكون معجزاً برأسه.

ومنها أن معجزته، وهي القرآن، باقية على وجه الدهر ومعجزاتهم قد انقضت وانقرضت مع أن معجزته من جنس ما لا يبقى زمانين وهي الأصوات والحروف ومعجزاتهم من جنس ما يبقى مدة طويلة.

ومنها أنه اجتمع فيه من الخصال الجميلة والخلال المرضية ما كان متفرقاً فيهم وإليه الإشارة بقوله: ﴿ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده  ﴾ أي أطلعناك على أحوالهم وسيرهم فاختر أنت منها أجودها وأحسنها، فإنه لا يجوز أن يكون مأموراً/ بالاقتداء بهم في أصول الدين لأنه تقليد، ولا في الفروع فإن شرعه ناسخ الشرائع، فإذن المراد محاسن الأخلاق.

ومنها أنه بعث إلى الخلق كافة وكان يتحمَّل أعباء الرسالة أكثر فيكون ثوابه أزيد.

ومنها أن هذا الدين أفضل وإلا لم ينسخ به سائر الأديان فيكون شارعه أفضل، ومنها أن أُمَّته أفضل: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس  ﴾ وإذا كان التابع أفضل فالمتبوع أفضل.

ومنها أن أمته أكثر لكونه مبعوثاً إلى الجن والإنس، ولا يخفى أن لكثرة التابعين أثراً قوياً في علو شأن المتبوع.

ومنها أن كل نبيٍّ نودي في القرآن فقد نودي باسمه.

﴿ يا آدم اسكن  ﴾ ، ﴿ يا موسى إني أنا الله  ﴾ ، ﴿ وناديناه أن يا إبراهيم  ﴾ ، ﴿ يا عيسى إني متوفِّيك  ﴾ .

وأما النبي  فإنه نودي بقوله: ﴿ يا أيها النبي  ﴾ وغيرها كثير ﴿ يا أيها الرسول  ﴾ ، بل أقسم بحياته، ﴿ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون  ﴾ .

وأما الأحاديث في هذا الباب؛ فعن ابن عباس قال: "جلس ناس من أصحاب رسول الله  يتذاكرون وهم ينتظرون خروجه.

قال: فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم فقال بعضهم لبعض: عجباً إن الله تبارك وتعالى اتخذ من خلقه خليلاً واتخذ إبراهيم خليلاً.

وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى كلّمه تكليماً.

وقال آخر: ماذا بأعجب من جَعْل عيسى كلمة الله وروحه.

وقال آخر: ماذا بأعجب من آدم اصطفاه الله عليهم وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته.

فسلم رسول الله  على أصحابه وقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وأن موسى نجيّ الله وهو كذلك، وأن عيسى روح الله وكلمته وهو كذلك، وأن آدم اصطفاه الله وهو كذلك.

ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر، وأنا أول شافع وأول شفيع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرّك حلق الجنة فيفتح الله لي فيُدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر" .

وفي الصحيحين عن جابر قال: قال رسول الله  : " أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يُبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحِلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجُعلت لي الأرض طيبة وطهوراً ومسجداً فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونُصرت بالرعب على العدو بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة" وروى البيهقي في كتابه في فضائل الصحابة "ظهر علي بن أبي طالب من البعيد فقال النبي  هذا سيد العرب فقالت عائشة: ألست سيد العرب؟

فقال: أنا سيد العالمين وهو سيد العرب" .

ومما يؤكّد هذه المعاني ما ركز في العقول أن ذخائر كل ملك ينبغي أن تكون على مقدار من تحت تملكه فأمير المدينة يحتاج إلى عدة أكثر من عدة ريئس القرية.

ولما كانت نبوة محمد  أعمّ من نبوة سائر الأنبياء فإنه مبعوث إلى الثقلين كافة، فلا جرم أُعطي من كنوز العلم والحكمة وذخائز المعارف والحقائق، ومن جوامع الكلم وبدائع الحكم ومحاسن العادات ومكارم الأخلاق ما لم يؤت نبي قبله ولن يؤتى أحد بعده.

هذا وقد طعن فيه بعض الملحدة بأن معجزات سائر الأنبياء كانت أعظم من معجزاته؛ فآدم جُعل مسجود الملائكة، وإبراهيم ألقي في النار فانقلبت روحاً وريحاناً، وأُوتي موسى العصا واليد البيضاء، وداود لان الحديدُ في يده، وسليمان أُعطي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده وكان الجن والإنس والطير مُسَخرين له، وقد اعترف محمد بفضلهم حتى قال: " "لا تفضلوني على يونس بن متى" .

وقال: " "لا تخيروا بين الأنيباء" " .

وقال "لا ينبغي لأحد أن يكون خيراً من يحيى بن زكريا " وذكر أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها.

والجواب أن كون آدم مسجوداً للملائكة لا يوجب كونه أفضل من محمد  بدليل قوله  : " آدم ومَنْ دونه تحت لوائي يوم القيامة" " وقوله: " كنت نبياً وآدم بين الماء والطين" .

ونُقل أن جبريل  أخذ ركاب محمد  ليلة المعراج وهذا أعظم من السجود، وأنه  يصلي بنفسه على محمد إلى يوم القيامة، وسجود الملائكة لآدم ما كان إلا مرَّة واحدة على أن ذلك السجود أيضاً إنما كان لأجل نور محمد  الذي كان في جبهته، وأن أول الفكر آخر العمل ولهذا قال: "لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك" ومَنْ تأمَّل كتب دلائل النبوة وجد في مقابلة كل معجزة كانت لنبي قبله معجزة أفضل منها لمحمد  .

وأما قوله: " "لا تفضلوني...

ولا تخيروا " ، فنوع من التواضع وسلوك طريق الأدب.

وأيضاً التمييز بين الشخصين إنما يمكن بعد الإحاطة بفضائلهما جميعاً وذلك مرتبة لا تليق بكل أحد، فورد النهي عنه حتى لا يؤدي إلى محذور.

والحاصل أن التوفيق بين قوله "لا تفضلوني" وبين ما مرّ من الأحاديث أن كلاً منهما ورد في مقام آخر ولغرض آخر، فحيث رآهم يزدرون بشأنه ويتعجبون من الأنبياء/ السالفة منعهم عن ذلك، وقال: " "أنا أكرم الأولين والآخرين وأنا سيد العالمين" .

وحيث رآهم يزدرون بشأن بعض الأنبياء زجرهم عن ذلك وقال: "لا تفضلوني"؛ على أنه لا يلزم من النهي عن شيء عدم مطابقة ذلك الشيء، للواقع فقد يكون الشيء حقاً في الواقع وينهى عن الاشتغال به لكونه غير مهم بالنسبة إلى المكلف، فالمراد بهذا الأمر: لا تشتغلوا بتفضيلي فإنه لا يهمّكم، وإنما المهم لكم أن تعرفوا حقية جميع الأنبياء وتؤمنوا بهم.

ولنرجع إلى ما كنا فيه فقوله: ﴿ من كلم الله ﴾ التقدير: من كلمه، فحذف العائد وقرىء كلم الله بالنصب وليس بقوي؛ فإن كلّ مصلٍّ فإنه يكلم الله قال  " المصلي يناجي ربه" .

وإنما الشرف في أن يكلمه الله قال الأشعري: المسموع هو الكلام القديم الأزلي ولا يستبعد سماع ما ليس بحرف ولا صوت، كما لا يمتنع رؤية ما ليس بمكيف ولا في جهة.

وقالت المعتزلة: سماع ما ليس بحرف ولا صوت محال.

واتفقوا على أن موسى قد كلمه الله واختُلف في أن محمداً  ليلة المعراج هل كلمه الله أم لا؛ منهم مَنْ قال نعم بدليل قوله: ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ وأورد ههنا أن التكليم لا يدل على فضل ومنقبة، فقد كلم الله إبليس حيث قال: ﴿ أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين  ﴾ الآيات، وأجيب بأن قصة إبليس ليس فيها ما يدل على أنه  كلّمة من غير واسطة، فلعلّ الواسطة كانت موجودة، قلت: هذا خلاف الظاهر والحق أن المكالمة قسمان: مكالمة الرضا وهي الموجبة للتشريف كمكالمة موسى، ومكالمة الغضب وهي الموجبة للعن كما في حق إبليس: ﴿ وأن عليك اللعنة إلى يوم الدين  ﴾ وكما في أهل النار: ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\].

أما قوله: ﴿ ورفع بعضهم درجات ﴾ فقيل: المراد بيان أن الرسل مراتبهم متفاوتة فاتخذ إبراهيم خليلاً، وأعطى داود الملك والنبوة، وسخر لسليمان الجن والإنس والطير والريح.

وخصّ يحيى بالعفة والطهارة وعدم الحاجة إلى النسوان، وخصّ محمداً  بالبعث إلى الثقلين وكونه خاتم النبيين إلى سائر خصائصه.

هذا إذا حملنا الدرجات على المناصب والمراتب.

أما إذا حملناها على المعجزات ففيه أيضاً وجه؛ وذلك أن كل واحد من الأنبياء أوتي نوعاً آخر من المعجزة لائقاً بزمانه؛ فمعجزات موسى من قلب العصا حية ومن اليد البيضاء وفلق البحر كانت شبيهة بما عليه أهل زمانه من السحر، ومعجزات عيسى/ من إبراء الأكمه والأبرص تناسب للطب لأن كل ذلك غالب على قومه، ومعجزة محمد  وهي القرآن تضاهي ما عليه الناس وقتئذٍ من الفصاحة والبلاغة وإنشاء الخطب وقرض الشعر.

وبالجملة فالمعجزات متفاوتة بالقلة والكثرة، وبالبقاء وعدم البقاء، وبالقوة وعدم القوة.

وفيه وجه ثالث وهو أن يكون المراد بتفاوت الدرجات يتعلق بالدنيا وهو كثرة الأُمة والصحابة وقوة الدولة.

وإذا تأملت الوجوه الثلاثة علمت أنّ محمداً  كان مستجمعاً للكل؛ فمنصبه أعلى، ومعجزته أقوى وأبقى، وقومه أكثر، ودولته أعظم وأوفر، وقيل: المراد بهذه الآية محمد  لأنه هو المفضَّل على الكل.

وإنما قال: ﴿ ورفع بعضهم درجات ﴾ على سبيل التنبيه والرمز كمن فعل عظيماً فيقال له: من فعل هذا؟

فيقول: أحدكم أو بعضكم، ويريد به نفسه، ويكون ذلك أفخم من التصريح به.

وسئل الحطيئة عن أشعر الناس فذكر زهيراً والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث، أراد نفسه.

ولو قال: ولو شئت لذكرت نفسي، لم يبق فيه فخامة.

وليس قوله ﴿ ورفع بعضهم درجات ﴾ تكراراً لقوله ﴿ فضلنا بعضهم على بعض ﴾ لأن المفهوم من قوله ﴿ فضلنا ﴾ هو وجود نفس الفضل.

والمفهوم من قوله ﴿ ورفع بعضهم درجات ﴾ هوالتفاوت بالدرجات الكثيرة.

﴿ وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ﴾ قد سبق تفسيره، وإنما عدل عن الغيبة إلى الحكاية لأن الضمير في قوله ﴿ وآتينا ﴾ للتعظيم وتعظيم المؤتى يدل على عظمة الإيتاء، وأما قوله ﴿ كلم الله ﴾ فأهيب من قوله ﴿ كلمنا ﴾ فلهذا اختير الغيبة.

وسبب تخصيص موسى وعيسى بالذكر هو أن أمتهما موجودون حاضرون، فنبَّه على أن هذين الرسولين مع علو درجتهما وتبيُّن معجزاتهما، لم يحصل الانقياد من أمتهما لهما بل نازعوا وخالفوا، وعن الواجب عليهم في طاعتهما أعرضوا ثم إن الرسل بعد مجيء البينات ووضوح الدلائل اختلف أقوامهم فمنهم مَنْ آمن ومنهم مَنْ كفر، وبسبب ذلك الاختلاف تقاتلوا وتحاربوا، فلهذا قال  : ﴿ ولو شاء الله ﴾ أي أن لا يقتتلوا ما اقتتل الذين من بعدهم لاختلافهم في الدين وتكفير بعضهم بعضاً ولكن اختلفوا فمنهم من آمن لالتزامه دين الأنبياء، ومنهم من كفر بإعراضه عنه ولو شاء الله ما اقتتلوا.

كرر الكلام تكذيباً لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم، ولكن الله يفعل ما يريد.

وفي الآية دلالة على صحة مسألة خلق الأعمال، ومسألة إرادة الكائنات، وأن الكل بقضاء الله وقدره، لأن الدواعي تستند لا محالة إلى داعية يخلقها الله عز وجل في العبد، والمعتزلة يقيدون المطلق في الآيتين فيقولون المراد ولو شاء الله مشيئة الجاء وقسر كما يقال لو شاء الإمام لم يعبد المجوس النار في مملكته ولم يشرب النصارى الخمر ويقولون المراد يفعل ما يريد من أفعال نفسه.

ثم إنه/ تعالى لما أمر بالقتال فيما سبق بقوله ﴿ وقاتلوا في سبيل  ﴾ وأعقبه بقوله ﴿ منْ ذا الذي يقرض الله  ﴾ ، والغرض منه الإنفاق في الجهاد، ثم أكّد الأمر بالقتال وذكر فيه قصة طالوت، أعقبه تارة أخرى الأمر بالإنفاق في الجهاد بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم ﴾ وعن الحسن أنه مختص بالزكاة لأن قوله ﴿ من قبل أن يأتي يوم ﴾ كالوعيد وأنه لا يتوجه إلا على الواجب، والأكثرون على أنه عام يتناول الواجب والمندوب.

وليس في الآية وعيد وإنما الغرض أن يعلم أن منافع الآخرة لا تكتسب إلا في الدنيا، وأن الإنسان يجيء وحده وما معه إلا ما قدم من أعماله.

ومعنى قوله ﴿ لا بيع ﴾ أنه لا تجارة فيه فيكتسب ما يفتدى به من العذاب، أو يكتسب مالاً حتى ينفق منه، ﴿ ولا خلة ﴾ لا مودة، لأن كلّ أحد يكون مشغولاً بنفسه لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه، أو لأن الخوف الشديد غالب على كل أحد يوم تذهل كل مرضعة عما أَرضعت.

ثم إنه لما نفى الخلة والشفاعة مطلقاً ذكر عقيبة قوله ﴿ الكافرون هم الظالمون ﴾ ليدلّ على أن ذلك النفي مختص بالكافرين وعلى هذا فتصير الآية دالة على ثبوت الشفاعة في حق الفسَّاق.

نقل عن عطاء بن يسار أنه كان يقول: الحمد لله الذي قال والكافرون هم الظالمون، ولم يقل والظالمون هم الكافرون.

وقيل أراد والتاركون الزكاة هم الظالمون، لأنهم تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم، فقال ﴿ والكافرون ﴾ للتغليظ كقوله ﴿ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين  ﴾ أي ومن لم يحج.

وقيل المراد.

إن الكافرين إذا دخلوا النار فالله لم يظلمهم بذلك، بل هم الذين ظلموا أنفسهم باختيار الكفر والفسق.

فهو كقوله ﴿ ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً  ﴾ وقيل "الكافرون" هم الذين وضعوا الأمور في غير مواضعها لتوقعهم الشفاعة من الأصنام، ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله.

وقيل المعنى والكافرون هم التاركون الإنفاق في سبيل الله من قوله ﴿ آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا  ﴾ وأما المسلم فإنه ينفق في سبيل الله قل أم كثر.

وفائدة الفصل أنهم الكاملون في الظلم البالغون فيه المبلغ العظيم.

التأويل: ﴿ تلك آيات الله ﴾ أسراره وأنواره ورموزه وإشاراته ﴿ نتلوها عليك بالحق ﴾ نجلوها عليك بالحقيقة كما هي ﴿ وإنك لمن المرسلين ﴾ الذين عبروا هذه المقامات وشاهدوا تلك الأحوال والكرامات، وصح لهم صفاء الأوقات ولذة المناجاة في الخلوات، ثم فطموا عن ألبان تلك اللذات في حجر القربات، وأرسلوا إلى أهل الغدر والغفلات وعبدة طواغيت الهوى وأصنام الشهوات، ليدعوهم من دار الغرور إلى دار السرور ويخرجونهم من الظلمات/ إلى النور، ولكنهم ما صاحبوك في الجلوات فإنهم بقوا في السموات وأنت عبرت المكونات ﴿ فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ فوصلت من العبدية إلى العندية، ثم فطمت عن رضاع لي مع الله وقت، وابتليت بسفارة جبريل، ثم لقيت من القوم ما لقيت، فحق لك أن تقول: " ما أوذي نبي مثل أوذيت" " لأن غيرك ما سقي من شرب ما سقيت فما أوذي بفطام مثل ما أوذيت.

﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ﴾ إشارة إلى أن التفاضل في الدين والدنيا بين العباد ليس بسعيهم ومناهم وإنما هو بتفضيل الله إياهم، فلكلّ من أهل الفضل أنوار، ولأنوارهم آثار على قدر استعلاء أضواء أنوارهم لا على قدر سعيهم واختيارهم.

وهذا التفاوت صادر من تلك الأقسام حين جرت به الأقلام، كما قال  : " إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم رشّ عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل وغوى" .

ثم إن الفضل فضلان: عام يمتاز به عن المردودين ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون  ﴾ ؛ وخاص يمتاز به عن المقبولين كما ثبت لسيد المرسلين.

والتفاوت في الأنوار على قدر التفاوت في الظلمات المخلوقة المستعدة لقبول النور في بدر الخلقة لا في حقيقة النور، فإنه موصوف بالوحدة، ولهذا ورد بلفظ الوحدان في قوله ﴿ وجعل الظلمات والنور  ﴾ ﴿ ويخرجهم من الظلمات إلى النور  ﴾ .

والرفعة في الدرجات في قدر قوة الاستعلاء، كما قال: ﴿ والذين أوتوا العلم درجات  ﴾ فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية؛ فكلما ازداد العلم ازدادت الدرجة، وعلى قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات الوجود كانت مراتب الأنبياء بعضها فوق بعض.

فقد يبقى بعضهم في مكان من أماكن السموات، كما روي عنه  أنه رأى آدم ليلة المعراج في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم  في السماء السابعة، وأن محمداً  ما بقي في مكان بل رفع به إلى سدرة المنتهى ثم إلى قاب قوسين أو أدنى، لأنه كان فانياً بالكلية عن ظلمة وجوده باقياً بنور شهود ربه، ولهذا سماه الله نوراً ﴿ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين  ﴾ : ثم لما أخبر عن فضيلة الخواص بأنها كانت بسبب تفضيله إياهم، أخبر عن اختلاف العوام وافتراقهم أنه كان بمشيئته لا بمشيئتهم فقال: ﴿ ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم ﴾ ثم أخبر عن إحراز الفضل أنه في الإنفاق والبذل فخاطب أهل الإيمان أي: إن كان إيمانكم بالبعث والنشور والثواب والعقاب والجنة والنار حقّاً فتصدقوا من كل ما رزقناكم من المال والجاه والقوة والقدرة والعلم والمعرفة وغيرها في مصارفها العامة والخاصة، أنفقوا ملكنا ومالنا في صلاح أنفسكم واغتنموا مساعدة الإمكان في تقديم الإحسان مع الإخوان، ﴿ من قبل أن يأتي يوم ﴾ لا يشترى فيه ما يباع من الأموال والأنفس في سوق ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم  ﴾ ولا ينفعه خلة خليل دنيوي، لأن ﴿ الأخلاَّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين  ﴾ ﴿ ولا شفاعة ﴾ لأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، ﴿ والكافرون هم الظالمون ﴾ لأنفسهم لأنا أرسلنا الرسل وأنزلنا الكتب وأمرناهم بالإنفاق ووعدناهم الثواب وحذرناهم العقاب وقد أعذر من أنذر.

والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌۭ وَلَا نَوْمٌۭ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍۢ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ ٢٥٥ لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦ ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٢٥٧

القراءات: تعرف ممَّا مرَّ.

الوقوف: ﴿ إلا هو ﴾ ج، لأن قوله: ﴿ الحي القيوم ﴾ يصلح بدلاً عن الضمير وخبر ضمير آخر محذوف ﴿ القيوم ﴾ ج لاختلاف الجملتين، ﴿ ولا نوم ﴾ ط، ﴿ وما في الأرض ﴾ ط لابتداء الاستفهام.

﴿ بإذنه ﴾ ط لانتهاء الاستفهام.

﴿ وما خلفهم ﴾ ج للفرق بين الأخبار عن علمه الكامل مطلقاً وإثبات علم الخلق المقدر لمشيئته مبتدأ بالنفي.

﴿ بما شاء ﴾ ج لاختلاف الجملتين.

﴿ حفظهما ﴾ ج ﴿ العظيم ﴾ هـ.

﴿ الغي ﴾ ج، لأن من للشرط مع فاء التعقيب.

﴿ الوثقى ﴾ ط قد قيل للاستئناف بالنفي والوجه الوصل على جعل الجملة حالاً للعروة أي: استمسك بها غير منفصمة ﴿ لها ﴾ ط.

﴿ عليم ﴾ هـ.

﴿ آمنوا ﴾ لا، لأن ﴿ يخرجهم ﴾ حال والعامل معنى الفعل في ﴿ ولي ﴾ تقديره: الله يليهم مخرجاً لهم أو مخرجين ﴿ إلى النور ﴾ ط للفصل بين الفريقين: ﴿ الطاغوت ﴾ لا، لأن ﴿ يخرجونهم ﴾ حال.

إلى الظلمات ط.

﴿ النار ﴾ ج.

﴿ خالدون ﴾ هـ.

التفسير: قد جرت عادته  في هذا الكتاب الكريم أنه يخلط الأنواع الثلاثة، أعني: علم التوحيد وعلم الأحكام، وعلم القصص بعضها ببعض.

والغرض من ذكر القصص إما تقرير دلائل التوحيد، وإما المبالغة في إلزام الأحكام والتكاليف، وفي هذا النسق أيضاً رحمة شاملة ولطف كامل؛ فإن طبع الإنسان جبل على الملال، فكلما انتقل من أسلوب إلى أسلوب انشرح صدره وتجدد نشاطه وتكامل ذوقه ولذته ويصير أقرب إلى فهم معناه والعمل بمقتضاه.

وإذ قد تقدَّم من علم الأحكام والقصص ما اقتضى المقام إيراده ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد.

فقال ﴿ الله لا إله إلا هو الحى القيوم ﴾ عن النبي  أنه قال " "ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوماً، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة " .

وعن عليّ  : "سمعت نبيكم وهو على أعواد المنبر يقول من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره، وجار جاره والأبيات حوله" وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم علي  : أين أنتم من آية الكرسي؟.

ثم قال: قال رسول الله  "يا علي سيد البشر آدم  ، وسيد العرب أنت، وسيد العالمين محمد  ولا فخر، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي" .

وعن عليّ  أنه قال: "لما كان يوم بدر قاتلتُ ثم جئتُ إلى رسول الله  أنظر ماذا يصنع، فجئت فإذا هو ساجد يقول: يا حي يا قيوملا يزيد على ذلك.

ثم رجعت إلى القتال ثم جئت وهو  يقول ذلك.

فلا أزال أذهب وارجع وأنظر إليه وكان لا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله له" .واعلم أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم، وأشرف المذكورات والمعلومات هو الله  بل هو متعالٍ عن أن يقال هو أشرف من غيره لأن ذلك يقتضي نوع مشاكلة أو مجانسة وهو مقدس عن مجانسة ما سواه؛ ولما كانت الآية مشتملة من نعوت جلاله وأوصاف كبريائه على الأصول والمهمات، فلا جرم وصلت في الشرف إلى أقصى الغايات ونهاية التصورات.

ولنشتغل بالتفسير.

أما لفظ "الله" فقد مرَّ تفسيره في أول الكتاب.

وأما قوله ﴿ لا إله إلاَّ هو ﴾ فقد سبق تفسيره في قوله ﴿ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو  ﴾ وأما ﴿ الحي القيوم ﴾ فقد سلف أيضا معناهما في شرح الأسماء، إلا أنا نزيد ههنا فنقول: عن ابن عباس: إن أعظم أسماء الله "الحي القيوم".

ويؤكده ما روينا من قصة بدر ولو كان ذكر أشرف منه لذكره وقتئذٍ في السجود.

وأما الدليل العقلي فإن "الحي" قيل هو الذي يصلح أن يعلم ويقدر، أو هو الدراك الفعال، فأورد عليه أن هذا لا يقتضي المدح لمشاركة أخس الحيوانات إياه في ذلك.

ونحن نقول إن "الحي" في اللغة ليس عبارة عمن يوجد فيه هذه الصفة من هذه الحيثية فقط، بل كل شيء، يكون كاملاً في جنسه فإنه يسمَّى حيًّا.

ومن ههنا يصحُّ أن يقال: أحيا الموات، وأحيا الله الأرض.

فإن كمال حال الأرض أن تكون معمورة، وكمال حال الأشجار أن تكون مورقة نضيرة.

ولما كان كمال حال الجسم أن يكون بحيث يصح أن يعلم ويقدر، فلا جرم سميت تلك الصفة حياة.

فالمفهوم من "الحي" هو الكامل في جنسه، والكامل في الوجود هو الذي يجب وجوده بذاته، فلا حيّ بالحقيقة إلاّ واجب الوجود لذاته.

وأما "القيوم" فيطلق لمجموع اعتبارين: أحدهما، أنه لا يفتقر في قوامه إلى غيره.

والثاني أنَّ غيره يفتقر في قوامه إليه، وبهذا الثاني يزيد على مفهوم "الحي".

ومن هذين الأصلين يتشعَّب جميع مسائل التوحيد والمعرفة فمنها أن واجب الوجود واحد في ذاته وبجميع جهات الوحدة، إذ لو فرض فيه تركّب بوجه من الوجوه افتقر في تحققه إلى وجود ذينك الجزأين فيقدح في كونه قيوماً؛ ومنها أنه لا شريك له وإلا اشتركا في الوجوب وتباينا بالتعيُّن فيكون كلّ منهما مركّباً من جزأين فلا يكون قيوماً ولا حيَّا، فإن كلّ مركّب مفتقِرٌ وكل مفتقِرٍ ممكنٌ؛ ومنها أن لا يكون متّحيزاً لأن كلَّ متّحيزٍ منقسمٌ، قد ثبت أنه واحد، ومنها أنه ليس في جهة يُشار إليها، وإلا كان متحيزاً؛ ومنها أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا يصح عليه الحركة والسكون والانتقال والحالية والمحلية وغير ذلك؛ ومنها أنه عالم بجميع المعلومات فإنه لا معنى للعلم إلا حضور حقيقة المعلوم للعالم، وإذا كان حيًّا قيوماً كانت حقيقته حاضرة عند ذاته وذاته مقوم لغيره، والعلم بالعلة يوجبُ العلم بالمعلول فيكون عالماً بما سواه.

ومنها أنه قادر على كل المقدورات، وإلا لم يكن قيوماً بمعنى كونه مقوماً لغيره ويعلم منه استناد كل الممكنات إليه بواسطة أو غير واسطة، ويلزم منه القول بالقضاء والقدر.

"والحي" أصله حيي كحذر وطمع، فأدغمت الياء في الياء عند اجتماعهما، وكلا الياءين أصل، وقال ابن الأنباري: أصله "حيو" بدليل الحيوان، فلما اجتمعت الواو والياء ثم كان السابق ساكناً، جعلنا ياء مشددة، وزيف بكونه عديم النظير فإنه لم يوجد ما عينه ياء ولامه واو.

"والقيوم" مبالغة قائم، وأصله "قيووم" على "فيعول"، فجعلت الياء الساكنة والواو الأولى ياء مشددة.

ولو كان "قوّوما" على "فعول" لقيل "قووم"، وعن عمر أنه قرأ "الحي القيام".

وقرىء "القيم" ثم لما بين أنه "حي قيوم" أكد ذلك بقوله ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ ولهذا فقد العاطف بينهما وكذا فيما يعقبهما والسنة ما يتقدم النوم من الفتور الذي يسمَّى النعاس، أي: لا/ يأخده نعاس، فضلاً أن يأخذه نوم أو نقول: نفى الأخص أولاً، ثم نفى الأعم ليفيد المبالغة من حيث لزوم نفي النوم أولاً ضمناً ثم ثانياً صريحاً.

ولو اقتصر على نفي الأخص لم يلزم منه نفي الأعم، والمعنى أنه لا يفتر عن تدبير الخلق لأن القيم بأمر الطفل لو غفل عنه ساعة اختل أمر الطفل، وهو كما يقال لمن ضيع وأهمل: إنك لوسنان نائم.

ومما يدل على أن السهو والغفلة والنوم على الله محال هو أن هذه الأشياء إما أن تكون عبارات عن عدم العلم، أو عن أضداد العلم.

وعلى التقديرين فجواز طريانها يوجب جواز زوال علم الله تعالى، فلا يكون العلم مقتضى ذاته فيفتقر إلى فاعل: فواجب الوجود لذاته لا يكون واجباً بجميع صفاته، فلا يكون حيًّا ولا قيوماً وهذا خلف.

"روي عن النبي  أن موسى  سأل الملائكة: هل ينام ربنا؟

فأوحى الله إليهم أن يوقظوه ثلاثاً ولا يتركوه ينام، ثم أعطاه قاروتين مملؤتين ماء في كل يدٍ واحدة، وأمره بالاحتفاظ.

فكان يتحرز بجهده إلى أن نام في آخر الأمر فضرب إحداهما على الأخرى فانكسرتا" .

وكان ذلك مثلا في بيان أنه لو كان ينام لم يقدر على حفظ السموات والأرضين.

وهذه الرواية، إن صحت، وجب أن ينسب هذا السؤال إلى جهال قوم موسى كطلب الرؤية، وإلا فكيف يجوز على نبيّ الله تجويز النوم على "الحي القيوم" والتجويز شك، والشك في مثله كفر.

ثم لما بيَّن كونه "قيوماً" وأكده بما أكد، رتّب عليه حكماً وهو قوله ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ لأن كل ما سواه فإنما تقوّمت ماهيته وتحصّل وجوده به، فيكون ملكاً له، ويلزم منه أن يكون حكمه جارياً في الكل، ولا يكون لغيره في شيء من الأشياء حكم إلا بإذنه وأمره، وهو المراد بقوله: ﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ ومعنى الاستفهام ههنا الإنكار، أي: لا يشفع، وفيه ردّ على المشركين القائلين للأصنام: ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله  ﴾ ويلزم من كون غيره غير متصرف في ملكه بوجهٍ من الوجوه إلا بأمره كونه عالماً بالكل وكون غيره غير عالم بالكل إلا بإعلامه.

فأشار إلى الأول بقوله ﴿ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ﴾ ، وإلى الثاني بقوله ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ﴾ والمعنى: يعلم ما كان قبلهم وما يَكون بعدهم والضمير لما في السموات والأرض، لأن فيهم العقلاء فغلبوا، أو لما دل عليه قول ﴿ مَنْ ذا ﴾ من الملائكة والأنبياء والصالحين والشهداء.

عن مجاهد وعطاء والسدي أي: يعلم ما كان قبلهم من أمور الدنيا وما كان بعدهم من أمور الآخرة؛ وعن الضحاك والكلبي: ﴿ ما بين أيديهم ﴾ : الآخرة لأنهم يقدمون عليها، "وما خلفهم" الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم.

وعن ابن عباس: ﴿ يعلم ما بين أيديهم ﴾ من السماء إلى الأرض، "وما خلفهم" يريد ما في السموات وقيل: ما فعلوا من خير وشر وما يفعلونه بعد/ ذلك، والغرض أنه  عالم بأحوال الشافع والمشفوع له فيما يتعلق باستحقاق الثواب والعقاب، لأنه عالم بجميع المعلومات لا يخفى عليه خافية، والشفعاء لا يعلمون من أنفسهم أن لهم من الطاعة ما يستحقون به هذه المنزلة العظيمة عند الله ولا يعلمون أن الله تعالى أذن لهم في تلك الشفاعة أم لا، فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه، أي من معلوماته، إلا بما علم كقوله: ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا  ﴾ ويحتمل أن يراد: ولا يعلمون الغيب إلا بإعلامه كقوله: ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول  ﴾ وإذا كان الشفعاء وهم الملائكة والأنبياء لا يعلمون شيئاً إلا بتعليم الله فغيرهم بعدم العلم أولى.

ثم إنه لما بين كمال ملكه وحكمه في السموات وفي الأرضين ذكر أن ملكه فيما عدا السموات والأرضين أعظم وأجلّ، وأنّ ذلك مما ينقطع دون الإيماء إلى أدنى درجة من درجاتها أوهام المتوهمين، فقال ﴿ وسع كرسيه السموات والأرض ﴾ يقال وسع فلان الشيء إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به.

قال  : " لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي" " أي: لم يحتمل غير ذلك.

وأما "الكرسي" فأصله من التركيب والتلبد، ومنه الكرس بالكسر للأبوال والأبعار يتلبد بعضها على بعض، والكراسة لتراكب بعض أوراقها على بعض، والكرسي لما يجلس عليه لتركب خشباته، وللمفسرين في معناه ههنا أقوال: فعن الحسن أنه جسم عظيم يسع السموات والأرض وهو نفس العرش لأن السرير قد يوصف بأنه عرش وبأنه كرسي لأن كل واحد منهما يصح التمكن عليه.

وقيل إنه دون العرش وفوق السماء السابعة وقد وردت الأخبار الصحيحة بهذا.

وعن السدي أنه تحت الأرض.

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الكرسي موضع القدمين وينبغي أن تحمل هذه الرواية إن صحت على ما لا يفضي إلى التشيبيه ككونه موضع قدم الروح الأعظم أو ملك آخر عظيم القدر عند الله  .

وههنا أسرارا لا أحبُّ إظهارها لو شاء الله أن يطلع عليها عبداً من عبيده فهو أعلم بمحارم أسراره.

وقيل: المراد من الكرسي أن السلطان والقدرة والملك له لأن الإلهية لا تحصل إلا بهذه الصفات، والعرب تسمِّي أصل كل شيء الكرسي، أو لأنه تسمية للشيء باسم مكانه؛ فإن الملك مكانه الكرسي.

وقيل: المراد به العلم لأن موضع العالم هو الكرسي وأيضا العلم هو الأمر المعتمد عليه.

ومنه يقال للعلماء: كراسي الأرض كما يقال لهم أوتاد الأرض.

وقيل: المقصود من الكلام تصوير عظمة الله وكبريائه ولا كرسي ثم ولا قعود ولا قاعد.

واختاره جمع من المحققين كالقفال والزمخشري وتقريره: أنه يخاطب الخلق في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوا في ملوكهم؛ فمن ذلك أنه جعل الكعبة بيتاً له/ يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم، وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم.

وذكر في الحجر الأسود أنه يمين الله في أرضه، ثم جعله مقبل الناس كما تقبَّل أيدي الملوك.

وكذلك ما ذكر في القيامة من حضور الملائكة والنبيين والشهداء ووضع الموازين.

وعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشاً فقال: ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ ووصف عرشه فقال: ﴿ وكان عرشه على الماء  ﴾ ثم قال ﴿ وترى الملائكة حافين من حول العرش  ﴾ ثم قال ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية  ﴾ ثم أثبت لنفسه كرسياً.

ولما توافقنا أن المراد من الألفاظ الموهمة للتشبيه في الكعبة والطواف والحجر هو تعريف عظمة الله وكبريائه فكذا الألفاظ الواردة في العرش والكرسي ﴿ ولا يؤده ﴾ لا يثقله ولا يشق عليه؛ ﴿ حفظهما ﴾ حفظ السموات والأرض وفيه أن نفاذ حكمه وأمره في الكل على نعت واحد وصورة واحدة، علوية كانت الأجسام أو سفلية كبيرة أو صغيرة.

ثم بيَّن أنه مع كونه مقوِّماً للممكنات مقيماً للأرضين والسموات متعال عن المتحيزات ومقدس عن الزمنيات فقال: ﴿ وهو العلي العظيم ﴾ والمراد منهما علو الرتبة وعظمة الشرف لا الحيز والجهة.

وكيف لا وهو مقيم للمكان ومديم للزمان.

وقوله  : ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ الآية: لما بيَّن دلائل التوحيد بياناً شافياً قاطعاً للأعذار ذكر بعد ذلك.

أنه لم يبق للكافر علة في إقامته على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه؛ وذلك لا يجوز في دار الدنيا التي هي مقام الابتلاء والاختبار، وينافيه الإكراه والإجبار.

ومما يؤكد ذلك قوله: ﴿ قد تبين الرشد من الغي ﴾ يقال بَانَ الشيء واستبان وتبيَّن وبيّن أيضا إذا وضح وظهر ومنه المثل: قد تبين الصبح لذي عينين.

والرشد إصابة الخير، والغي نقيضه.

أي: تميز الحق من الباطل، والإيمان الكفر، والهدى من الضلال، بكثرة الحجج والبينات ووفور الدلائل والآيات.

﴿ فمن يكفر بالطاغوت ﴾ قال النحويون: وزنه "فعلوت" نحو جبروت وأصله من "طغى"، إلا أن لام الفعل قلبت إلى موضع العين ثم صيرت ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.

وذكر الفارسي أنه مصدر كالرغبوت والرهبوت، والدليل على ذلك أنه يفرد في موضع الجمع كما يقال: هم رضا وعدل.

ولهذا قال  : ﴿ أولياؤهم الطاغوت  ﴾ والأصل فيه التذكير.

قال  : ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به  ﴾ فأما قوله  : ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها  ﴾ فالتأنيث لإرادة الآلهة.

وأما معنى "الطاغوت" فعن عمر ومجاهد وقتادة: هو الشيطان.

وعن سعيد بن جبير: الكاهن.

وقال أبو العالية: الساحر.

وعن بعضهم: الأصنام.

وقيل: مردة الجن والإنس وكل ما يطغى، وإنما جعلت/ هذه الأشياء أسباباً للطغيان لحصول الطغيان عند الاتصال بها كقوله ﴿ رب إنهن أضللن كثيراً من الناس  ﴾ ويعلم من قوله ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ﴾ ثم من قوله: ﴿ ومن يؤمن بالله ﴾ ، أن الكافر لا بد أن يتوب أوّلاً، ثم يؤمن بعد ذلك، ﴿ فقد استمسك بالعروة الوثقى ﴾ استمسك وتمسك بمعنى، والعروة واحدة عرى: الدلو والكوز ونحوهما مما يتعلق به.

والوثقى تأنيث الأوثق، وهذا من باب استعارة المحسوس للمعقول، لأن الإسلام أقوى ما يتشبث به للنجاة فمثل المعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس وهو الحبل الوثيق المحكم حتى يتصور السامع كأنه ينظر إليه بعينه فتزول شبهته بالكلية.

والفصم كسر الشيء من غير أن يبيّن فصَمْتُه فانفصم.

والمقصود من قوله ﴿ لا انفصام لها ﴾ هو المبالغة لأنه إذا لم يكن لها انفصام، فأن لا يكون لها انقطاع أولى قيل إن الموصول ههنا محذوف أي التي لا انفصام لها كقوله ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ أي مَن له.

وقيل: معنى قوله ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ لا تكرهوا في الدين على أنه إخبار في معنى النهي والإكراه إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيراً يحمله عليه.

ثم قال بعضهم: إنه منسوخ بقوله ﴿ جاهد الكفار والمنافقين  ﴾ وقال بعضهم: هو في أهل الكتاب خاصة، لأنهم إذا قبلوا الجزية سقط القتل عنهم وحُكْم المجوس حُكْمهم.

وأما الكفار الذين تهوّدوا أو تنصروا فقيل إنهم لا يقرُّون على ذلك ويكرهون على الإسلام.

وقيل يقرُّون على ما انتقلوا إليه ولا يكرهون.

"روي أنه كان لأنصاريٍّ من بني سالم بن عوق ابنان فتنصَّرا قبل أن يبعث رسول الله  ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال: والله لا أدعكما حتى تسلما.

فأبيا فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عيله وسلم فقال الأنصاري: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر فنزلت فخلاهما" .

وقيل معنى قوله ﴿ لا إكراه ﴾ أي: لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب أنه دخل مكرهاً لأنه إذا رضي بعد الحرب وصحَّ إسْلامه فليس بمكره، ومعناه لا تنسبوه إلى الإكراه فيكون كقوله ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً  ﴾ .

﴿ والله سميع عليم ﴾ يسمع قول من يتكلم بالشهادة وقول من يتكلم بالكفر، يعلم ما في قلب المؤمن من الاعتقاد الطيب وما في قلب الكافر من العقد الخبيث.

"وعن عطاء عن ابن عباس قال: كان رسول الله  يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة وكان يسأل الله ذلك سراً وعلانية فقيل له: والله سميع لدعائك يا محمد عليم بحرصك واجتهادك" قوله  : ﴿ الله ولي الذين آمنوا ﴾ أي متولي أمورهم وكافل مصالحهم "فعيل"/ بمعنى "فاعل" والتركيب يدل على القرب، فالمحب ولي لأنه يقرب منك بالمحبة والنصرة، ومنه الوالي لأنه يلي القوم بالتدبير، وفيه دليل على أن ألطاف الله  في حق المؤمنين وفيما يتعلق بالدين أكثر من ألطافه في حق الكافر، وذلك أنه يخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان ومن الضلال إلى الهدى ومن الشك إلى اليقين.

والإخراج يشمل الكافر إذا آمن والمؤمن الأصلي، ولا يبعد أن يقال يخرجهم إلى النور من الظلمات، وإن لم يكونوا في الظلمة ألبتة؛ فإن العبد لو خلا عن توفيق الله  لحظة لوقع في ظلمات الجهالات والضلالات فصار توفيقه  سبباً لدفع تلك الظلمات عنه، وبين الدفع والرفع تشابه، ومثله قوله: ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها  ﴾ ومعلوم أنهم ما كانوا قط في النار.

"ويروى أنه  سمع إنساناً قال: أشهد أن لا إله إلا الله فقال: على الفطرة فلما قال: أشهد أن محمداً رسول الله قال: خرج من النار" ومن المعلوم أنه ما كان فيها.

قال الواحدي: كل ما في القرآن من الظلمات والنور فإنه  أراد بهما الكفر والإيمان إلا قوله في أول الأنعام ﴿ وجعل الظلمات والنور  ﴾ فإنه عنى به الليل والنهار.

قال: وإنما جعل الكفر ظلمة لأنه كالظلمة في المنع من الإدراك، وجعل الإيمان نوراً لأنه كالسبب في حصول الإدراك.

قلت: قد مر أن الإيمان والعلم وجميع الكمالات النفسانية والمعارف اليقينية أنوار تزداد النَفس بها نورية وإشراقاً فلا حاجة إلى هذا التكلف.

﴿ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ﴾ مصدر، ولهذا وحد في موضع الجمع ﴿ يخرجونهم من النور إلى الظلمات ﴾ وإنما وحد النور وجمع الظلمة لأن الحق وما يرجع إليه طريقه واحد وهو أيضا في نفسه واحد، وأما الباطل فلا حصر له ولا لطرقه.

كما أن الخط المستقيم الواصل بين النقطتين واحد، والمنحنية غير محدود.

وإسناد الإضلال إلى الطاغوت، وهو كل من ينسب إلى الطغيان، كالمجاز فإن الحوادث بأسرها تستند إلى المبدأ الأول بالحقيقة وتنتهي إلى قضائه وقدره كما سبق تحقيقه مراراً.

﴿ أولئك ﴾ الكفار أو هم مع من يطيعهم من الوسائط والوسائل ﴿ أصحاب النار ﴾ فيكون زجراً للكل ووعيداً لهم أعاذنا الله من ذلك.

التأويل: ﴿ الحي القيوم ﴾ : أشير بهما إلى الاسم الأعظم لأن اسمه "الحي" مشتمل على جميع أسمائه وصفاته.

فإن من لوازم الحي أن يكون قادراً عالماً سميعاً بصيراً متكلماً مريداً باقياً إلى غير ذلك من نعوت الكمال، واسمه "القيوم" دالّ على افتقار كل المخلوقات إليه؛ فإذا تجلى الله للعبد بهاتين الصفتين، انكشف للعبد عند تجلي صفته "الحي" معاني جميع أسمائه وصفاته؛ وعند تجلي صفته "القيوم" فناء جميع المخلوقات، إذ كان قيامها/ بقيومية الحق لا بأنفسهم، فلما جاء الحق وزهق الباطل فلا يرى في الوجود إلا "الحي القيوم" إذ سلب "الحي" جميع أسماء الله وسلب "القيوم" قيام الممكنات، ففني التعدد وبقيت الوحدة.

فيذكره عند شهود عظمة الواحدانية بلسان عيان الفردانية لا بلسان بيان الإنسانية، فقد ذكره باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى؛ لأنه حينئذٍ ينطق بالله فيكون الحال كما جرى على لسانه.

فأما الذاكر عند غيبته عن عظمة الوحدانية فبكل اسم دعاه لا يكون الاسم الأعظم بالنسبة إلى حال غيبته، وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الأعظم.

كما سئل أبو يزيد عن الاسم الأعظم فقال: الاسم الأعظم ليس له حد محدود ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم شئت.

﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ ، لأن النوم أخو الموت والموت ضد الحياة، وهو الحي الحقيقي فلا يلحقه ضد الحياة.

﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ هذا الاستثناء راجع إلى النبي  كأنه قيل: من ذا الذي يشفع عنده يوم القيامة إلا عبده محمد  فإنه مأذون في الشفاعة موعود بها ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً  ﴾ .

﴿ ويعلم ﴾ محمد  ﴿ ما بين أيديهم ﴾ من أوليات الأمور قبل خلق الخلائق، كقوله  "أول ما خلق نوري، أول ما خلق الله العقل أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام" ﴿ وما خلفهم ﴾ من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم نفسي نفسي ورجوعهم إليه بالاضطرار، ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه ﴾ وإنما هو شاهد على أحوالهم وسيرهم ومعاملاتهم وقصصهم ﴿ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل  ﴾ ويعلم أمور آخرتهم وأحوال أهل الجنة والنار، وهم لا يعلمون شيئاً من ذلك ﴿ إلا بما شاء ﴾ أن يخبرهم عنه ﴿ وسع كرسيه السموات والأرض ﴾ : مثال العرش في عالم الإنسان قلبه؛ ومثال الكرسي: سره.

وسوف يجيء تمام التحقيق إن شاء الله  في قوله ﴿ الرحمن علىالعرش استوى  ﴾ وإن العرش مع عظمته كحلقة ملقاة بين السماء والأرض بالنسبة إلى سعة قلب المؤمن.

﴿ ولا يؤده حفظهما ﴾ لا يثقل الروح الإنساني حفظ أسرار السموات والأرض، ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها  ﴾ ولما أظهر لمخلوقاته من العرش والكرسي ولقلب المؤمن وسره علواً في المرتبة وعظمة في الخلقة إظهاراً لكمال القدرة والحكمة، تردَّى برداء الكبرياء واتّزر بإزار العظمة والبهاء وهو أولى بالمدح والثناء فقال: ﴿ وهو العلي العظيم ﴾ فمن علا في الآخرة والأولى فبإعلائه، ومن عظم فبتعظيمه.

ثم أخبر عن عزة الدين لأرباب اليقين بقوله ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ كما قال  : " ليس الدين بالتمني" " مع أن التمني نوع من الاختيار فكيف يحصل بالإكراه هو/ الإجبار، فإن الدين هو الاستسلام لأوامر الشرع ظاهراً والتسليم لأحكام الحقِّ باطناً من غير حرج وضيق عطن.

ثم شرع في مزيد شرح لحقيقة الدين بقوله ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ﴾ يتبرأ منه؛ فطاغوت العوام الأصنام، وطاغوت الخواص هو النفس، وطاغوت خواص الخواص ما سوى الله.

وإيمان العوام إقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، وإيمان الخواص عزوب النفس عن الدنيا وسلوك طريق العقبى.

وشهود القلب مع المولى.

وإيمان خواص الخواص ملازمة الظاهر والباطن في طاعة الله، وإنابة القلب إلى الفناء في الله، وإخلاء السر للبقاء بالله، وهذا هو السكر الموجب للشكر.

ولهذا قال موسى بعد إفاقته عن سكر سطوات شراب التجلي ﴿ تبت إليك  ﴾ أي عن هذه الإفاقة، فكان مخصوصاً عن عالمي زمانه بالإيمان العياني وشريكاً مع القوم بالإيمان البياني كما البياني كما قيل: لي سكرتان وللندمان واحدة *** شيء خصصت به من بينهم وحدي ثم العروة الوثقى التي استمسك بها المؤمن لا يمكن أن تكون من المحدثات المخلوقات لقوله ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ ولا تكون أيضا من بطشك وإلا كانت منفصمة، بل تكون من بطشه ﴿ إن بطش ربك لشديد  ﴾ ولكل مؤمن عروة مناسبة لمقامه في الإيمان؛ فهي للعوام توفيق الطاعة، وللخواص مزيد العناية بالمحبة ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ ولخواص الخواص الجذبة الإلهية التي تفنيه عن ظلمات الغيرية وتبقيه بنور الربوبية ولهذا قال  : " "جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين " وأعمالهما فانية من عالم الحدوث، وجذبة الحق باقية من عالم القدم لا يجوز عليها الانفصام، فالمجذوب لا يخلص منها أبد الآبدين.

ثم أخبر عن تصرفات جذباته فقال: ﴿ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ يخرج العوام من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية، والخواص من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية والربانية، وخواص الخواص من ظلمات الحدوث والفناء إلى نور الشهود والبقاء.

﴿ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ﴾ : ذكر الطاغوت بلفظ الوحدان، والأولياء بلفظ الجمع، ليعلم أن الولاء والمحبة من قبل الكفار أي هم أولياء الطاغوت كقوله ﴿ أنداداً يحبونهم كحب الله  ﴾ ؛ فإن الطاغوت لو فسر بالأصنام فهي بمعزل عن الولاية وإن فسر بالشيطان أو النفس؛ فهم الأعداء لا الأولياء يخرجونهم من نور الروحانية وصفاء الفطرة إلى ظلمات الصفات البهيمية والسبعية/ والشيطانية، ظلمات بعضها فوق بعض، دركات بعضها تحت بعض ﴿ أولئك ﴾ أي أرواح الكفار مع النفس والشيطان والأصنام أصحاب النار، لأن الأرواح، وإن لم تكن من جنسهم ولكن من تشبه بقوم فهو منهم.

والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِـۧمَ فِى رَبِّهِۦٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٢٥٨ أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍۢ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ ثُمَّ بَعَثَهُۥ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةًۭ لِّلنَّاسِ ۖ وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًۭا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٢٥٩ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةًۭ مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍۢ مِّنْهُنَّ جُزْءًۭا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًۭا ۚ وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ٢٦٠

القراءات: ﴿ ربِّي الذي ﴾ مرسلة الياء: حمزة.

الباقون بالفتح.

﴿ أنا أحيى ﴾ بالمد: أبو جعفر ونافع، وكذلك ما أشبهها من المفتوحة والمضمومة، وزاد أو نشيط بالمد في المكسورة في قوله  ﴿ إن أنا إلا نذير  ﴾ وأشباه ذلك ﴿ مائة ﴾ وبابه مثل "فئة" وقد مر.

﴿ لبث ﴾ وبابه بالأظهار: ابن كثير ونافع وخلف وسهل ويعقوب ﴿ لم يتسنه ﴾ في الوصل والوقف بالهاء: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب، لأن الهاء للسكت وهاء السكت تزاد للوقف.

الباقون: بالهاء الساكنة في الحالين، والهاء إما أصلية مجزومة بلم، أو هاء سكت.

وأجروا الوصل مجرى الوقف.

﴿ إلى حمارك ﴾ كمثل الحمار بالإمالة: عليّ غير ليث وأبي حمدون، وحمدويه والنجاري عن ورش، وابن ذكوان وأبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي بن شنبوذ عن أهل مكة.

﴿ ننشرها ﴾ بالراء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وأبو جعفر ونافع.

الباقون بالزاي.

﴿ قال أعلم ﴾ موصولاً والابتداء بكسر الهمزة على الأمر: حمزة وعلي.

الباقون: مقطوعاً والميم مضمومة على الإخبار ﴿ فصرهن ﴾ بكسر الصاد: يزيد وحمزة وخلف ورويس والمفضَّل، ﴿ جزءاً ﴾ بتشديد الزاي: يزيد ووجهه أنه خفف بطرح همزته ثم شدد كما يشدد في الوقف إجراء للوصل/ مجرى الوقف.

وقرأ أبو بكر وحماد "جزءاً" مثقلاً مهموزاً.

الباقون: ساكنة الزاي مهموزة.

الوقوف: ﴿ الملك ﴾ م لأن إذ ليس بظرف لإيتاء الملك.

﴿ ويميت ﴾ (لا) لأن ﴿ قال ﴾ عامل، إذ ﴿ وأميت ﴾ ط، ﴿ كفر ﴾ ط، ﴿ الظالمين ﴾ لا، للعطف بأو التعجب.

﴿ عروشها ﴾ ج لأن ما بعده من تتمة كلام قبله من غير عطف.

﴿ موتها ﴾ ج لتمام المقول مع العطف بفاء الجواب والجزاء ﴿ بعثه ﴾ ط.

﴿ كم لبثت ﴾ ط.

﴿ يوم ﴾ ط.

﴿ لم يتسنه ﴾ ج وإن اتفقت الجملتان لوقوع الحال المعترض بينهما، ومن وصل حسن له الوقف على ﴿ حمارك ﴾ بإضمار ما يعطف عليه قوله ﴿ ولنجعلك ﴾ أي لتستيقن ولنجعلك، ومن جعل الواو مقحمة لم يقف.

﴿ لحما ﴾ ط لتمام البيان ﴿ له ﴾ (لا) لأن ﴿ قال ﴾ جواب لما.

﴿ قدير ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ تؤمن ﴾ ط.

﴿ قلبي ﴾ ط.

﴿ سعياً ﴾ ط، لاعتراض جواب الأمر ﴿ حكيم ﴾ .

التفسير: إنه  ذكر ههنا قصصاً ثلاثاً؛ أولاها في إثبات العلم بالصانع والباقيتان في إثبات البعث والنشور.

فالقصة الأولى مناظرة إبراهيم ملك زمانه، عن مجاهد أنه نمرود بن كنعان وهو أول من تجبر وادّعى الربوبية والمحاجة المغالبة بالحجة.

والضمير في "ربه" لإبراهيم، ويحتمل أن يكون لـ "نمرود"، والهاء في "أن آتاه" قيل لإبراهيم لأنه أقرب في الذكر، ولأنه لا يجوز أن يؤتى الكافر الملك والتسليط، ولأنه يناسب قوله ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً  ﴾ .

وقال جمهور المفسرين: الضمير لذلك الشخص الذي حاج إبراهيم، ولا يبعد أن يعطي الله الكافر بسطةً وسعةً في الدنيا.

ومعنى أن آتاه لله أي لأن أتاه الله الملك فأبطره وأورثه الكبر والعتو أو جعل محاجته في ربه شكراً له كقولك "عاداني فلان لأني أحسنت إليه" تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان، ويجوز أن يكون المعنى: حاج وقت أن آتاه.

وعن مقاتل أن هذه المحاجة كانت حين ما كسر إبراهيم الأصنام وسجنه نمرود ثم أخرجه من السجن ليحرقه فقال: من ربك الذي تدعو إليه؟

فقال: ربي الذي يحيي ويميت.

وهذا دليل في غاية الصحة لأن الخلق عاجزون عن الإحياء والإماتة فلا بد أن يستند إلى مؤثر قادر مختار خبير بأجزاء الحيوان وأشكاله، بصير بأعضائه وأحواله، ولأمر ما ذكره الله  في مواضع من كتابه فقال ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] ﴿ وهو الذي خلقكم من تراب  ﴾ ﴿ ألم نخلقكم من ماء مهين  ﴾ ويروى أن الكافر دعا حينئذٍ شخصين فاستبقى أحدهما وقتل الآخر وقال: أنا أيضاً أحيي وأميت.

ثم للناس في هذا المقام طريقان: الأول وعليه أكثر المفسرين أن إبراهيم  لما رأى من/ نمرود أنه ألقى تلك الشبهة عدل عن ذلك إلى دليل آخر ومثال آخر أوضح من الأول فقال ﴿ إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ﴾ قالوا: وفي هذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة.

وأورد عليه أن الشبهة إذا وقعت في الأسماع وجب على المحق القادر على ذكر الجواب أن يذكر الجواب في الحال إزالة لذلك الجهل واللبس.

ولما طعن الملك الكافر في الدليل الأول أو في المثال الأول بتلك الشبهة كان الاشتغال بإزالة ذلك واجباً مضيقاً فكيف يليق بالمعصوم أن يترك ذلك الواجب مع أن فيه إيهام أن كلامه الأول كان ضعيفاً؟

ولئن سلمنا أن الانتقال من دليل إلى دليل حسن لكنه يجب أن يكون المنتقل إليه أوضح.

لكن الاستدلال بالإحياء والإماتة على وجود الصانع أظهر وأقوى من الاستدلال بطلوع الشمس، فإن جنس الحياة لا قدرة للخلق عليه، وأما جنس تحريكالأجسام فللخلق قدرة عليه.

وأيضاً دلالة الإحياء والإماتة على الحاجة إلى المؤثر القادر لكونهما من المتبدلات أقوى من دلالة طلوع الشمس لكون حركة الأفلاك على نهج واحد.

وأيضاً إن نمرود لما لم يستحي من معارضة الإحياء والإماتة الصادرين عن الله بالقتل والتخلية، فكيف يؤمن منه عند استدلال إبراهيم بطلوع الشمس أن يقول بل طلوع الشمس من المشرق مني، فإن كان لك إله فقل له حتى يطلعها من المغرب.

وعند ذلك التزم المحققون من المفسرين ذلك وقالوا: إنه لو أورد هذا السؤال لكان من الواجب أن يطلع الشمس من مغربها، ومن المعلوم أن الاشتغال بإظهار فساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثير من التزام طلوع الشمس من المغرب، فما الذي حمل إبراهيم على ترك الجواب عن ذلك السؤال الركيك، والتزم الانقطاع، واعترف بالحاجة إلى الانتقال، وتمسك بدليل لا يمكن تمشيته إلا بالتزام اطلاع الشمس من المغرب؟

ولما كانت هذه الأعتراضات واردة على الطريق الأول عدل بعض المحققين إلى طريق آخر وقالوا: إن إبراهيم  لما احتج بالإحياء والإماتة قال المنكر: أتدعي الإحياء والإماتة من الله ابتداء أم بواسطة الأسباب الأرضية والسماوية؟

أما الأول فلا سبيل إليه، وأما الثاني فنظيره أو ما يقرب منه حاصل للبشر.

فإن الجماع يفضي إلى الولد بتوسط الأسباب، وتناول السم يفضي إلى الموت، فأجاب إبراهيم  بناء على معتقدهم، وكانوا أصحاب تنجيم - بأن الإحياء والإماتة وإن حصلا بواسطة حركات الأفلاك، لكن الحركات والاتصالات لا بد لها من فاعل ومدبر، وليس ذلك هو البشر فإنه لا قدرة لهم على الفلكيات، فهي إذن بتحريك رب الأرض والسموات.

قلت: وفيه أيضاً طريق آخر نذكره في التأويلات إن شاء الله  .

﴿ فبهت الذي كفر ﴾ يقال: بهت الرجل بالكسر إذا دهش وتحير، وبهت بالضم مثله.

وقد قرىء بهما وأفصح منهما القراءة المشهورة فبهت على البناء للمفعول لأنه يقال: رجل مبهوت ولا يقال/ باهت ولا بهيت قاله الكسائي.

﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ فلهذا لم ينفعه الدليل وإن بلغ في الظهور إلى حيث صار المبطل مبهوتاً محجوجاً، فيعلم منه أن الكل بقضاء الله وقدره وبمشيئته وإرادته.

القصة الثانية قوله  ﴿ أو كالذي مر على قرية ﴾ ذهب الكسائي والفراء والفارسي وأكثر النحويين إلى أنه معطوف على المعنى، والتقدير: أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مر، ونظيره من القرآن ﴿ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله ﴾ \[المؤمنون: 84، 85\] ثم قال ﴿ قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله ﴾ \[المؤمنون: 186، 187\] فهذا عطف على المعنى كأنه قيل: لمن السموات؟

فقيل: لله.

ومثله قول الشاعر: فلسنا بالجبال ولا الحديدا *** وعن الأخفش: أن الكاف زائدة والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، أو إلى الذي مر.

وعن المبرد: أنا نضمر الفعل في الثاني والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إلى إبراهيم أو ألم تر إلى مثل الذي مر.

واختلف في المار بالقرية فعن مجاهد وعليه أكثر المفسرين من المعتزلة أن المار كان رجلاً كافراً.

شاكاً في البعث لأن قوله ﴿ أنى يحيي ﴾ استبعاد وإنه لا يليق بالمؤمن، ولأنه  قال في حقه ﴿ فلما تبين له ﴾ وفيه دليل على أن ذلك التبين لم يكن حاصلاً قبل ذلك.

وكذا قوله ﴿ أعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ وذهب سائر المفسرين إلى أنه كان مسلماً ثم قال قتادة وعكرمة والضحاك والسدي: هو عزير، وقال عطاء عن ابن عباس هو أرميا.

ثم من هؤلاء من قال: إن أرميا هو الخضر  وهو رجل من سبط هارون بن عمران وهذا قول محمد بن إسحق.

وقال وهب بن منبه: إن أرميا هو النبي الذي بعثه الله عند ما خرب بختنصر بيت المقدس وأحرق التوراة.

وقيل: هو عزير على ما يجيء.

حجة هؤلاء أن قوله ﴿ أنى يحيي هذه الله بعد موتها ﴾ يدل على أنه كان عالماً بالله، وبأنه تعالى يصح منه الإحياء في الجملة، والاستبعاد إنما هو في القرية المخصوصة.

وأيضاً قد شرفه الله  بالتكلم في قوله ﴿ قال كم لبثت ﴾ وفي قوله ﴿ وانظر ﴾ ﴿ ولنجعلك ﴾ وفي نفس قصته من الإعادة وغيرها إكرام له أيضاً.

روي عن ابن عباس أن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم الكثير - ومنهم عزير وكان من علمائهم - فجاء بهم إلى بابل.

فدخل عزير تلك القرية ونزل تحت ظل شجرة وربط حماره وطاف في القرية فلم ير فيها أحداً، فعجب من ذلك وقال ﴿ أنى يحيي هذه الله بعد موتها ﴾ أي من أين يتوقع عمارتها؟

لا على/ سبيل الشك في القدرة، بل بسبب اطراد العادة في أن مثل ذلك الموضع الخراب قلما يصيره الله معموراً.

وكانت الأشجار مثمرة فتناول منها التين والعنب وشرب من عصير العنب، ونام فأماته الله في منامه مائة عام وهو شاب، ثم أعمى عنه في موته أبصار الإنس والطير والسباع، ثم أحياه بعد المائة ونودي من السماء يا عزير ﴿ كم لبثت؟

قال: لبثت يوماً أو بعض يوم.

قال: بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك ﴾ من التين والعنب ﴿ وشرابك ﴾ من العصير لم يتغير.

فنظر فإذا التين والعنب كما شاهد.

ثم قال ﴿ وانظر إلى حمارك ﴾ فنظر فإذا عظام بيض تلوح وقد تفرقت أوصاله.

فسمع صوتاً: أيتها العظام البالية إني جاعل فيك روحاً فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض ثم التصق كل عضو بما يليق به، الضلع إلى الضلع والذراع إلى مكانه، ثم جاء الرأس إلى مكانه، ثم العصب، ثم العروق، ثم انبسط اللحم عليه، ثم انبسط الجلد عليه، ثم خرجت الشعور من الجلد، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو قائم ينهق، فخر عزير ساجداً فقال ﴿ أعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ ثم إنه دخل بيت المقدس فقال القوم: حدثنا آباؤنا أن عزير بن شرحيا مات ببابل، وقد كان يختنصر قتل ببيت المقدس أربعين ألفاً من قراء التوراة وكان فيهم عزير.

والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة، فلما أتاهم بعد مائة عام جدد لهم التوراة وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لم يخرم منها حرفاً.

وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت وعورضت بما أملاه فما اختلفا في حرف، فعند ذلك قالوا: عزير ابن الله.

وعن وهب وقتادة وعكرمة والربيع أن القرية إيليا وهو بيت المقدس.

وقال ابن زيد: هي القرية التي خرجت منها الألوف حذر الموت.

ومعنى قوله ﴿ خاوية على عروشها ﴾ ساقطة على سقوفها من خوى النجم إذا سقط.

والعروش الأبنية، والسقوف من الخشب، كان حيطانها قائمة وقد تهدمت سقوفها ثم انقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المتهدمة، وهذا من أحسن ما يوصف به خراب المنازل.

ويحتمل أن يكون من خوى المنزل إذا خلا عن أهله، وخوى بطن الحامل.

"وعلى" بمعنى "عن" أي خاوية عن عروشها، ويجوز أن يراد أن القرية خاوية مع بقاء عروشها وسلامتها.

قال في الكشاف: ويجوز أن يكون ﴿ على عروشها ﴾ خبراً بعد خبر كأنه قيل: هي خالية وهي على عروشها أي هي قائمة مظلة على عروشها على معنى أن السقوف سقطت إلى الأرض فصارت في قرار الحيطان، وبقيت الحيطان بحالها فيه مشرفة على السقوف الساقطة، ويجوز أن يراد أن القرية خاوية مع كون أشجارها معروشة، وكان التعجب من ذلك أكثر لأن الغالب من القرية الخالية أن يبطل ما فيها من عروش الفواكه ﴿ فأماته الله مائة عام ﴾ لأن الإحياء بعد مدة طويلة أغرب فيكون أدخل في كونه آية ﴿ ثم بعثه ﴾ أي أحياه كما كان أوّلاً عاقلاً فهماً مستعداً للنظر والاستدلال في المعارف الإلهية، ولو قال أحياه لم/ تحصل هذه الفوائد.

﴿ قال كم لبثت ﴾ أي كم مدة؟

فخذف المميز.

والحكمة في السؤال هو التنبيه على حدوث ما حدث من الخوارق وإلا فمن المعلوم أن الميت لا يمكنه بعد أن صار حياً أن يعلم أن مدة موته طويلة أو قصيرة ﴿ قال ﴾ بناء على الظن لا بطريق الكذب ﴿ لبثت يوماً أو بعض يوم ﴾ روي أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غروب الشمس.

فقال قبل النظر إلى الشمس: يوماً.

ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: أو بعض يوم.

والظاهر أنه علم أن ذلك اللبث كان سبب الموت بأمارات شاهدها في نفسه وفي حماره ﴿ لم يتسنه ﴾ لم يتغير.

وأصله من السنة أي لم يأت عليه السنون لأن مرّ السنين إذا لم يغيره فكأنها لم تأت عليه.

وعلى هذا فالهاء إما للسكت بناء على أن أصل سنة سنوة بدليل سنوات في الجمع وسنية في التحقير، وقولهم "سانيت الرجل مساناة" إذا عامله سنة.

وإما أصلية على أن نقصان سنة هو الهاء بدليل سنيهة في التصغير، وقولهم "أجرت الدار مسانهة".

وقيل: أصله لم يتسنن إما من السن وهو التغير قال  ﴿ من حمإ مسنون  ﴾ أي متغير منتن.

وإما من السنة أيضاً بناء على ما نقل الواحدي من أن أصل سنة يجوز أن يكون سننة بدليل سنينة في تحقيرها وإن كان قليلاً.

وعلى التقديرين أبدلت النون الأخيرة ياء مثل تقضي الباري في تقضض.

ثم حذفت الياء للجزم وزيدت هاء السكت في الوقف.

وعن أبي علي الفارسي أن السن هو الصب فقوله "لم يتسن" أي الشراب بقي بحاله لم ينصب.

فعلى هذا يكون قوله ﴿ لم يتسنه ﴾ عائداً إلى الشراب وحده، ويوافقه قراءةٍ ابن مسعود ﴿ فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسنن ﴾ وأما على سائر الأقوال فيكون عدم التغير صالحاً لأن يعود إلى الطعام وإلى الشراب جميعاً.

فإن قيل: إنه  لما قال ﴿ بل لبثت مائة عام ﴾ كان من حقه أن يذكر عقيبه ما يدل على ذلك، ولكن قوله ﴿ فانظر ﴾ يدل ظاهراً على ما قاله من أنه لبث يوماً أو بعض يوم.

فالجواب أن الشبهة كلما كانت أقوى كان الاشتياق إلى الدليل الكاشف عنها أشد ولهذا قيل: ﴿ وانظر إلى حمارك ﴾ فرآه عظاماً نخرة فعظم تعجبه حيث رأى ما يسرع إليه التغير وهو الطعام والشراب باقياً، وما يمكن أن يبقى زماناً طويلاً وهو الحمار غير باقٍ فعرف طول مدة لبثه بأن شاهد عظام حماره رميماً.

وهذا بالحقيقة لا يدل بذاته لأن القادر على إحياء الحيوان قادر على إماتته وجعل عظامه نخرة في الحال، ولكن انقلاب عظام الحمار إلى حالة الحياة كانت معجزة دالة على صدق ما سمع من قوله ﴿ بل لبثت مائة عام ﴾ .

﴿ ولنجعلك آية ﴾ قال الضحاك: معناه أنه جعله دليلاً على صحة البعث.

وقال غيره: كان آية ﴿ للناس ﴾ لأن الله  بعثه شاباً أسود الرأس، وبنو بنيه شيوخ بيض اللحى والمفارق.وقيل: إنه كان يقرأ التوراة عن ظهر قلبه فذلك كونه آية.

وقيل: إن حماره لم يمت.

والمراد وانظر إلى حمارك سالماً في مكانه كما ربطته وذلك من أعظم الأيات أن يعيشه مائة/ عام من غير علف ولا ماء كما حفظ طعامه وشرابه من التغير، وأما فائدة الواو في قوله ﴿ ولنجعلك آية للناس ﴾ فقد قال الفراء: فإنما دخلت لنية فعل بعدها مضمر، لأنه لو قال وانظر إلى حمارك لنجعلك آية، كان النظر إلى الحمار شرطاً وجعله آية جزاء، وهذا المعنى غير مطلوب من هذا الكلام.

بل المعنى: ولنجعلك آية فعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء.

ومثله في القرآن كثير ﴿ وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون  ﴾ ﴿ وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين  ﴾ ﴿ وانظر إلى العظام كيف ننشرها ﴾ بالراء المهملة أي كيف نحييها.

وقرىء ﴿ كيف ننشرها ﴾ من نشر الله الموتى بمعنى أنشرهم.

ويحتمل أن يكون من النشر ضد الطي فإن الحياة تكون بالانبساط.

وقد وصف الله العظام بالإحياء في قوله ﴿ من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة  ﴾ ومن قرأ بالزاء فمعناه نحركها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب.

والنشز ما ارتفع من الأرض ومنه نشوز المرأة لأنها ترتفع عن حد رضا الزوج.

"وكيف" في موضع الحال من العظام والعامل فيه "ننشرها" لا "انظر" لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.

ثم أكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره، وأن اللام فيه بدل من الكناية.

وعن قتادة والربيع وابن زيد: أن العظام عظام هذا الرجل نفسه.

قالوا: إنه  أحيا رأسه وعينيه وكانت بقية بدنه عظاماً نخرة وكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها تجتمع وينضم البعض إلى البعض وكان يرى حماره واقفاً كما ربطه، وزيف بأن قوله ﴿ لبثت يوماً أو بعض يوم ﴾ إنما يليق بمن لا يرى في نفسه أثر التغير لا بمن شاهد أجزاء بدنه متفرقة وعظامه رميمة.

وأيضاً قوله ﴿ ثم بعثه ﴾ يدل على أن المبعوث هو تلك الجملة التي أماتها، وقيل: هي عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم، وفاعل تبين مضمر تقديره ﴿ فلما تبين له ﴾ أن الله على كل شيء قدير ﴿ قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كما في قوله "ضربني وضربت زيداً" أو التقدير: فلما تبين له ما أشكل عليه من أمر الإماتة والإحياء قال أعلم.

وتأويله إني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه قبل ذلك استدلالاً.

ومن قرأ ﴿ اعلم ﴾ على لفظ الأمر فمعناه أنه عند التبين أمر نفسه بذلك.

والله تعالى أمره بذلك كما في آخر قصة إبراهيم ﴿ واعلم أن الله عزيز حكيم ﴾ قال القاضي: القراءة الأولى أولى لأن الأمر بالشيء إنما يحسن عند عدم المأمور به، وههنا العلم حاصل بدليل قوله ﴿ فلما تبين له ﴾ فلا يحسن الأمر بتحصيل العلم بعد ذلك.

أما الإخبار عن أنه حصل فجائز.

قلت: ليس هذا من باب الأمر بتحصيل الحاصل، وإنما الأمر فيه عائد إلى شيء آخر غير حاصل وهو عدم التعجب من إيجاد سائر الممكنات البعيدة، فإن من قدر/ على إيجاد أمر مستبعد الحصول كان قادراً على نظائره من الغرائب والعجائب لا محالة، ولهذا أوردت القضية كلية.

نعم لو قيل: اعلم أن الله قادر على إحياء الموتى لأشبه أن يكون أمراً بتحصيل الحاصل، على أن ذلك أيضاً ممنوع فإن الأمر حينئذٍ يعود إلى شيء آخر غير حاصل هو عدم الشك فيما يستأنف من الزمان أي لتكن هذه الآية على ذكر منك كيلا يعترض لك شك فيما بعد، وذلك كقولك للمتحرك "تحرك" أي واظب على الحركة ولا تفتر.

وليت شعري كيف يطعن بعض العلماء في بعض القراءات السبع مع ثبوت التواتر وكونها كلها كلام الحكيم العليم تقدس وتعالى؟

القصة الثالثة قوله عم طوله ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ التقدير: واذكر وقت قول إبراهيم.

وقيل: معطوف على قوله ﴿ إلى الذي ﴾ أي ألم تر إلى وقت قول إبراهيم.

وههنا دقيقة وهي أنه لم يسم عزيراً في قصته بل قال ﴿ أو كالذي مرّ على قرية ﴾ وههنا سمى إبراهيم لأن عزيراً لم يحفظ الأدب بل قال ابتداء ﴿ أنى يحيي هذه الله بعد موتها ﴾ وإبراهيم أثنى على الله أولاً بقوله ﴿ رب أرني ﴾ وأيضاً إن عزيراً استبعد الإحياء فأرى ذلك في نفسه، وإبراهيم التمس ودعا بقول ﴿ أرني ﴾ فأرى ذلك في غيره.

ومعنى أرني بصرني.

وذكروا في سبب سؤال إبراهيم وجوهاً.

الأول قال الحسن والضحاك وقتادة وعطاء وابن جريج: إنه رأى جيفة مطروحة على شط النهر، فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت، فإذا أكل السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت، فقال إبراهيم: رب أرني كيف تجمع أجزاء هذا الحيوان من بطون السباع والطيور ودواب البحر.

فقيل: أو لم تؤمن؟

قال: بلى.

ولكن المطلوب بالسؤال أن يصير العلم الاستدلالي ضرورياً.

الثاني: قال محمد بن إسحق والقاضي: إنه في مناظرته مع نمرود لما قال ربي الذي يحيي ويميت قال الكافر أنا أحيي وأميت فأطلق محبوساً وقتل آخر فقال إبراهيم: ليس هذا بإحياء وإماتة وعند ذلك قال ﴿ رب أرني كيف تحيي الموتى ﴾ لتنكشف هذه المسألة عند نمرود وأتباعه، ويزول الإنكار عن قلوبهم.

وري أن نمرود قال له: قل لربك يحيي وإلا قتلتك، فسأل الله ذلك، وقوله ﴿ ليطمئن قلبي ﴾ أي بنجاتي من القتل، أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي وبرهاني، وأن عدولي إلى غيرها كان بسبب جهل المستمع.

الثالث: عن ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي أن الله  أوحى إليه أني أتخذ بشراً خليلاً، فاستعظم ذلك إبراهيم  وقال: إلهي، ما علامة ذلك؟

فقال: علامته أنه يحيي الميت بدعائه فلما عظم مقام إبراهيم  في درجات العبودية وأداء الرسالة خطر بباله أني لعلي أكون ذلك الخليل.

فسأل الله إحياء الموتى فقال الله: أو لم تؤمن؟

قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي على أني خليل/ لك.

الرابع: لا يبعد أن يقال: إنه لما جاء الملك إلى ابراهيم وأخبره بأن الله بعثك رسولاً إلى الخلق طلب المعجزة ليطمئن قلبه على أن الآتي ملك كريم لا شيطان رجيم.

الخامس: لعله طالع في الصحف المنزلة عليه أن الله  يحيي الموتى بدعاء عيسى، فطلب ذلك ليطمئن قلبه أنه ليس أقل منزلة عند الله من عيسى وأنه من أولاده.

السادس: أمر بذبح الولد فسارع إلى ذلك فقال: إلهي، أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح فامتثلت فشرفني بأن تجعل بدعائي فاقد الروح ذا روح.

السابع: أراد أن يخصصه الله بهذا التشريف في الدنيا بأن جميع الخلائق يشاهدون الحشر في الآخرة.

الثامن: لعل إبراهيم لم يقصد إحياء الموتى بل قصد سماع الكلام بلا واسطة.

وأما أن إبراهيم  كان شاكاً في المعاد فلا ينبغي أن يعتقد فيه، ومن كفر النبي المعصوم فهو بالكفر أولى وكيف يظن ذلك بإبراهيم  وقوله ﴿ بلى ﴾ اعتراف بالإيمان، وقوله ﴿ ليطمئن قلبي ﴾ كلام عارف طالب لمزيد اليقين.

والشك في قدرة الله يوجب الشك في نبوّة نفسه، والذي جاء في الحديث من قوله  " "نحن أحق بالشك من إبراهيم" فذلك أنه "لما نزلت هذه الآية قال بعض من سمعها: شك إبراهيم ولم يشك نبينا.

فقال رسول الله  تواضعاً منه وتقديماً لإبراهيم على نفسه نحن أحق بالشك منه" والمعنى أننا لم نشك ونحن دونه، فكيف يشك هو؟

والاستفهام في قوله ﴿ أولم تؤمن ﴾ للتقرير كقوله: ألستم خير من ركب المطايا؟

*** وأيضاً المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه  كان مؤمناً بذلك عارفاً به، وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر.

واللام في قوله ﴿ ليطمئن ﴾ تتعلق بمحذوف أي ولكن سألت ليزيد قلبي سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال.

وقد تعرض الخواطر للمستدل بخلاف المعاين، هذا إذا قلنا: المطلوب حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة الله  على الإحياء، أما إذا قلنا: إن الغرض شيء آخر فلا إشكال ﴿ فخذ أربعة من الطير ﴾ عن ابن عباس: هنّ طاوس ونسر وغراب وديك.

وفي قول مجاهد وابن زيد: حمامة بدل النسر ﴿ فصرهن إليك ﴾ بضم الصاد وكسرها من صاره يصوره ويصيره أي أملهن وضمهن إليك.

وقال الأخفش: يعني وجههنّ إليك.

وفائدة أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها أن يتأملها ويعرف أشكالها وهيئتها وحلاها كيلا تلتبس بعد الإحياء، ولا يتوهم أنها غير تلك.

وفي الآية حذف كأنه قبل أملهن وقطعهن ﴿ ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ﴾ وقيل: معنى صرهن قطعهن فلا اضمار.

روي أنه أمر بذبحها ونتف ريشها وأن يقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط/ ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك رؤوسها، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال التي بحضرته وفي أرضه على كل جبل ربعاً من كل طائر، ثم يصيح بها تعالين بإذن الله.

فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثاً، ثم أقبلن فانضممن إلى رؤوسهن كل جثة إلى رأسها.

وأنكر أبو مسلم هذه القصة وقال: إن إبراهيم  لما طلب إحياء الموتى من الله أراه الله  مثالاً قرب به الأمر عليه.

والمراد بـ ﴿ صرهن إليك ﴾ الإمالة والتمرين على الإجابة أي قعود الطيور الأربعة بحيث إذا دعوتها أجابتك حال الحياة، والغرض منه ذكر مثال محسوس لعود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة، ويؤكده قوله ﴿ ثم ادعهن ﴾ أي الطيور لا الأجزاء ﴿ يأتينك سعياً ﴾ وزيف قول أبي مسلم بأنه خلاف إجماع المفسرين، وبأن ما ذكره غير مختص بإبراهيم فلا يلزم له مزية.

وأيضاً إن ظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ما سأل، وعلى قوله لا تكون الإجابة حاصلة.

ولأن قوله ﴿ على كل جبل منهنَّ جزءاً ﴾ دليل ظاهر على تجزئة الطيور وحمل الجزء على أحد الطيور الأربعة بعيد، ثم ظاهر قوله ﴿ على كل جبل ﴾ جميع جبال الدنيا.

فذهب مجاهد والضحاك إلى العموم بحسب الإمكان كأنه قيل: فرقها على كل جبل يمكنك التفرقة عليه.

وقال ابن عباس والحسن وقتادة والربيع: أربعة جبال على حسب الطيور الأربعة والجهات الأربع.

وقال السدي وابن جريج: المراد كل جبل كان يشاهده إبراهيم وكانت سبعة.

أما قوله ﴿ ثم ادعهنّ يأتينك سعياً ﴾ فقيل: عدواً ومشياً على أرجلهنّ لأن ذلك أبلغ في الحجة، وقيل: طيراناً.

ورد بأنه لا يقال للطير إذا طار سعى.

وأجيب بأن السعي هو الاشتداد في الحركة مشياً كانت أو طيراناً، واحتج الأصحاب بالآية على أن البنية ليست شرطاً على صحة الحياة لأنه  جعل كل واحد من تلك الأجزاء والأبعاض حياً قادراً على السعي والعدو.

قال القاضي: دلت الآية على أنه لا بد من البنية من حيث إنه أوجب التقطيع بطلان حياتها، والجواب أن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة، أما الانفكاك عنه في بعض الأحوال فيدل على المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة، ولما دلت الآية على حصول فهم النداء لتلك الأجزاء حال تفرقها كان دليلاً قاطعاً على أن البنية ليست شرطاً للحياة.

﴿ واعلم أن الله عزيز ﴾ غالب على جميع الممكنات ﴿ حكيم ﴾ عالم بعواقب الأمور وغايات الأشياء.

التأويل: إن الله  لما أعطى نمرود ملكاً ما أعطى أحداً قبله ادّعى الربوبية وما ادّعاها أحد قبله.

وسبب ذلك أن الإنسان لحسن استعداده للطلب وغاية لطافته في الجوهر دائم الحركة في طلب الكمال لا يتوقف لحظة إلا لمانع، ولكنه جبل ظلوماً جهولاً، فمتى وكل إلى نفسه مال إلى عالم الحس، موافقاً لسيره الطبيعي لأنه خلق من تراب وطبعه الميل/ إلى السفل فيرى الكمال في جمع المال ثم طلب الجاه فيصرف المال فيه ثم في الحكم والتسلط.

فإذا ملك السفليات بأسرها وقهر ملوك الأرض أراد أن ينازع ملك الملوك وجبار الجبابرة فيقول: أنا أحيي وأميت، وليس للعالم رب إلا أنا جهلاً بالكمال وذلك عند فساد جوهره وبطلان استعداده، كما أنه إذا صلح جوهره بحسن تربية النبي  أو من ينوب منابه - وهو الشيخ - قال: ليس في الوجود سوى الله.

وهذا هو حقيقة ﴿ فاعلم أَنهُ لا إله إلا الله واستغفر لذنبك  ﴾ يعني كن فانياً عن وجودك بالكلية، واستغفر لذنب حسبان وجود غير وجوده فافهم جداً وإن لم تكن مجداً، فإن المجد من يدق بمطرقة "لا إله إلا الله" دماغ نمرود النفس إلى أن يؤمن بالله ويكفر بطاغوت وجود كل ما سوى الله.

﴿ قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ﴾ اعتراض على قول الكافر أنا أحيي وأميت، والمراد أن إرسال النفس الناطق لتدبير البدن اطلاع شمس الحياة من أفق البدن، فإن كنت صادقاً في دعواك أن هذا يتأتى منك فأمسكها عندك وهو الإتيان بالشمس من مغربها، وأنه آية القيامة من مات فقد قامت قيامته.

﴿ فبهت الذي كفر ﴾ لأنه إن أمكنه أن يدعي الإحياء بمعنى الإبقاء وهو اطلاع الشمس من المشرق، فلن يمكنه أن يدعي الإماتة بمعنى قبض الروح من غير آلة القتل وهو الإتيان بالشمس من المغرب، فهذه طريقة لا يرد عليها شيء من الاعتراضات المذكورة في التفسير.

ثم أخبر عن إظهار قدرته في إحياء الموتى بعد انقطاع المدعي في حجته عقيب الدعوى بقوله  ﴿ أو كالذي مر على قرية ﴾ وذلك أن قوماً أنكروا حشر الأجساد بعد اعترافهم بحشر الأرواح، وزعموا أن الأرواح إذا خرجت من سجن الأشباح وتقوت بالعلوم الكلية التي استفادتها من عالم الحس فما حاجتها أن ترجع إلى السجن والقيد، كما أن الصبي إذا استفاد العلوم في المكتب وكبر قدره وعظم وقعه لم يحتج إلى أن يرجع إلى المكتب وحال صباه، فهو  لكمال فضله ورأفته دفع هذه التسويلات النفسية ورفع هذه الشبهات الفلسفية بأن أمات عزيراً مائة سنة وحماره معه ثم أحياهما جميعاً ليعلم أن الله  مهما أحيا عزير الروح أحيا معه حمار الجسد، وكما أن عزير الروح يكون عند الملك الجبار يكون حمار الجسد في جنات تجري من تحتها الأنهار.

فلعزير الروح مشرب من كؤوس تجلي صفات الجلال والجمال ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً  ﴾ " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ولحمار الجسد مرتع من/ الرياض ومشرب من الحياض ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  ﴾ و ﴿ قد علم كل أناس مشربهم  ﴾ .

شربنا وأهرقنا على الأرض قسطها *** وللأرض من كأس الكرام نصيب ثم أكد حديث الحشر بقصة عن خليله  وذلك قوله ﴿ رب أرني كيف تحيي الموتى ﴾ فيفوح منه رائحة قول موسى ﴿ رب أرني أنظر إليك  ﴾ إلا أن موسى لم يحفظ الأدب في الطلب فما رأى غير النصب والتعب، وأدب بتأديب الخاطىء الجاني، وعرك بتعريك ﴿ لن تراني ﴾ وذلك أنه كان صاحب شرب وكان الخليل صاحب ري، وصاحب الشرب سكران، وصاحب الري صاح.

شربت الحب كأسا بعد كأس *** فما نفذ الشراب وما رويت فلسكر موسى كان يبسط تارة مع الحق بقوله ﴿ رب أرني أنظر إليك  ﴾ ويعربد أخرى بقوله ﴿ إن هي إلا فتنتك  ﴾ ومن كمال صحو الخليل ما زل قدمه في أدب من اداب العبودية في الحضور والغيبة فلا جرم أكرم اليوم بكرامة الشيبة "إن أول ما شاب شيبة إبراهيم" ويحترم غداً بالكسوة " "إن أول من يكسى إبراهيم " ولما ابتلي في ماله فبذل للضيفان وابتلي في ولده فأسلم وتله للجبين وابتلي بنفسه فاستسلم لمنجنيق ابن كنعان، وابتلي بجبرائيل فقال: أما إليك فلا.

لا جرم أكرمه الله بالإمامة ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ ومن إمامته أنه كان أول من دق باب طلب الحق وقال ﴿ هذا ربي  ﴾ وأول من سلك طريق الحق وقال ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وأول من نطق بالمحبة وقال ﴿ لا أحب الآفلين  ﴾ وأول من أظهر الشوق وقال ﴿ لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين  ﴾ وأول من أظهر العداوة مع غير المحبوب ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين  ﴾ وأول من اشتاق فسأل الرؤية وقال ﴿ رب أرني ﴾ ولا تظن أن اشتياقه إلى الرب إنما كان وقت سؤاله.

ولست حديث العهد شوقاً ولوعة *** حديث هواكم في حشاي قديم ولكنه من حفظ آداب الإجلال كان لا يفتح على نفسه باب السؤال، ويقول حسبي من سؤالي علمه بحالي إلى أن ساقه التقدير إلى حسن التدبير.

وسأله نمرود من ربك؟

فأجرى/ الحق على لسانه من فضله وإحسانه ﴿ ربي الذي يحيي ويميت ﴾ فقال نمرود: هل رأيت منه ما تقول؟

فوجد الخليل فرصة للمأمول فأدرج في السؤال السول فأخفى سره وهو أدنى في علنه وهو ﴿ كيف تحيي الموتى ﴾ وهو يعلم أنه يعلم السر وأخفى.

فأول باب فتح عليه من مقصوده أن أسمعه من كلامه بفضله وجوده.

و ﴿ قال أولم تؤمن ﴾ فكان في هذه الكلمة من إعجاز القرآن ثلاثة معان مضمرة: أو لم تؤمن وقت ما آمنت عند نمرود بأني أحيي وأميت فما كان إيمانك حقيقاً؟

أو لم تؤمن لميعاد رؤيتي في الجنة فأريك ثمة؟

أو لم تؤمن بما طلبت من الإحياء؟

مضمراً في كل منها الإثبات في لفظة النفي.

فأجاب الخليل عن الاستفهامات الثلاثة ببلى سراً بسر أي بلى آمنت.

وكان إيماناً حقيقياً ولكن ما كان مقصودي الإيمان والإيقان فإنه حاصل، ولا إحياء الموتى فإني فارغ من الموتى وإحيائهم، ولكني سألت ليطمئن قلبي بما تريد، أو بلى آمنت بميعاد رؤيتك في الجنة ولكن ليطمئن قلبي برؤيتك، فإنه كلما ازداد اليقين ازداد الشوق فاضطراب قلبي من غاية يقيني، أو بلى آمنت بقدرتك على الإحياء ولكن ما سألتك عن الإحياء وإنما سألتك عن كيفية الإحياء، ففي ضمن ذلك يحصل مقصودي كما أن من له معشوق خياط وهو يريد مشاهدة معشوقه ويحتشم أن يقول: أرني وجهك لأنظر إليك.

لأنه يعلم أن الدلال فرين الجمال، وأن العزة والحسن توأمان: وفي مذهب الملاح الطلب رد والسبيل سد فيقول: أرني كيف تخيط الثياب؟

فكل صانع فاخر في صنعته يريد أن يرى جودة عمله فيحضر المعشوق عنده بلا حجاب وهو يخيط الثوب فيقول: انظر إليّ كيف أخيطه؟

فالعاشق ينظر بعلة الصنع إلى الصانع ويحظى منه بلا مانع ودافع ويطمئن قلبه بذلك.

فالخليل لما اعتذر عن الجليل من اضطراب قلبه واضطرار حاله وتضرع بين يدي مولاه، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه حقق رجاءه وقال ﴿ خذ أربعة من الطير ﴾ الآية.

والمراد أنك محجوب بك عني فبحجاب صفاتك عن صفاتي محجوب، وبحجاب ذاتك عن ذاتي ممنوع، فمهما تموت عن صفاتك تحيا بصفاتي، فإذا فنيت عن ذاتك بقيت ببقاء ذاتي ﴿ فخذ أربعة من الطير ﴾ وهي الصفات الأربع التي تولدت من العناصر الأربعة التي خمرت طينة الإنسان منها فتولدت من ازدواج كل عنصر مع قرينه صفتان: فمن التراب وقرينها وهو الماء تولد الحرص والبخل وهما قرينان يوجدان معاً، ومن الناء وقرينها وهو الهواء تولد الغضب والشهوة، ولكل واحد من هذه الصفات زوج خلق منها ليسكن إليها.

فالحرص زوجه الحسد، والبخل زوجه الحقد، والغضب زوجه الكبر، وليس للشهوة اختصاص بزوج معين بل هي كالمعشوقة بين الصفات فتعلق بها كل صفة، فهن الأبواب السبعة للدركات السبع من جهنم ﴿ لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم  ﴾ يعني من الخلق.

فمن كان الغالب عليه صفة منها دخل النار من/ ذلك الباب، فأمر الله  خليله بذبح هذه الصفات وهي الطيور الأربعة، طاوس البخل فلو لم يزين المال في نظر البخيل ما بخل به، وغراب الحرص وبكوره من حرصه، وديك الشهوة، ونسر الغضب لترفعه في الطيران وهذه صفة المغضب.

فلما ذبح الخليل بسكين الصدق هذه الطيور وانقطعت منه متولداتها ما بقي له باب يدخل به النار فصارت النار عليه لما ألقي فيها برداً وسلاماً.

والمبالغة في تقطيعها ونتف ريشها وخلط أجزائها إشارة إلى محو آثار الصفات المذكورة وهدم قواعدها علي يدي إبراهيم الروح بأمر الشرع ﴿ ثم اجعل على كل جبل ﴾ هي الجبال الأربعة التي جبل الإنسان عليها: النفس النامية وهي النباتية، والأرواح الثلاثة الحيواني والطبيعي والإنسان الملكي.

فهذه الجبال كالأشجار والزروع، وأجزاء الطيور كالتراب المخلوط بالزبل يجعل على الزروع فيتقوى كل واحد من هؤلاء بقوّة واحد من أولئك، ويتربى بتربيتها ويتصرف فيها الروح الإنساني فيحييها بنور هو من خصائص أرواح الإنسان، فتكون تلك الصفات ميتة عن أوصافها حية باخلاق الروحانيات.

هذا لخواص الخلق الذي الغالب على أحوالهم الروح، وأما خواص الخواص ومن أدركته العناية كالخليل، فالله  بعد خمود هذه الصفات يتجلى له بصفته المحيي فيحيي هذه الصفات الفانية عن أوصافها بنور صفته المحيية فيكون العبد في تلك الحالة حياً بحياته محيياً بصفاته كما قال " لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش " كما أن أمياً يقول لكاتب: أرني كيف تكتب.

فيجعل الكاتب قلمه في يد الأمي ويأخذ يده بيده ويكتب فتظهر الكتابة من يدي الأمي على الصحيفة، ففي تلك الحالة يظن الأمي أنه صار كاتباً فيقول أنا الكاتب كقوله: عجبت منك ومني *** أفنيتني بك عني أدنيتني منك حتى *** ظننت أنك أني فإذا رفع الكاتب يده عن يد الأمي فيعلم الأمي أنه أمي والكاتب هو الكاتب فيستغفر عن ذنب حسبانه أنه هو الكاتب وإليه الإشارة بقوله ﴿ واستغفر لذنبك  ﴾ أي ذنب حسبان أنك كاتب وأنت نبي أمي عربي ما وصلت إلى ما وصلت إلا بفضلنا ﴿ وكان فضل الله عليك عظيماً  ﴾ ثم إن الله  إن تجلى لخليله بصفة واحدة وهي صفة المحيي ليريه آية من آياته وهي كيفية الإحياء، فقد تجلى لحبيبه بجميع صفاته ليلة المعراج كما قال ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ والخليل طلب الرؤية لنفسه ﴿ رب أرني ﴾ والحبيب طلبها له ولأمته "أرنا الأشياء كما هي" وذلك لعلو مرتبته وهمته ورفعته وكمال معرفته، فلعلو همته قال: أرنا.

ولرفعة مرتبته قال: الأشياء كما هي، فإن فيه مع رعاية الأدب إخفاء المقصود.

فكان قول الخليل بالنسبة إلى هذا تصريحاً وإن كان بالنسبة إلى قول الكليم تعريضاً.

وفيه أيضاً طلب كمال الرؤية بجميع الصفات فإن جميعها داخلة في الأشياء، ولكمال معرفته طلب رؤية الماهية فقال "كما هي" وهذا هو الملك الحقيقي الذي لا يكتنه كنهه.

ثم قيل للخليل ﴿ واعلم أن الله عزيز ﴾ أعز من أن يعرف كنه صفاته ﴿ حكيم ﴾ لا يطلع على أسراره إلا من يليق بذلك من مخلوقاته.

<div class="verse-tafsir"

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنۢبُلَةٍۢ مِّا۟ئَةُ حَبَّةٍۢ ۗ وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٢٦١ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُوا۟ مَنًّۭا وَلَآ أَذًۭى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٢٦٢ ۞ قَوْلٌۭ مَّعْرُوفٌۭ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌۭ مِّن صَدَقَةٍۢ يَتْبَعُهَآ أَذًۭى ۗ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌۭ ٢٦٣ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُبْطِلُوا۟ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلْأَذَىٰ كَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌۭ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٌۭ فَتَرَكَهُۥ صَلْدًۭا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍۢ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٢٦٤ وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًۭا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍۭ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌۭ فَـَٔاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌۭ فَطَلٌّۭ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٦٥ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٌۭ مِّن نَّخِيلٍۢ وَأَعْنَابٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٌۭ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌۭ فِيهِ نَارٌۭ فَٱحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ٢٦٦

القراءات: ﴿ أنبتت سبع ﴾ وبابه بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وسهل.

﴿ يضعف ﴾ وبابه: ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب.

الباقون ﴿ يضاعف ﴾ ﴿ رياء الناس ﴾ غير مهموز حيث كان يزيد والشموني والخزاعي عن ابن فليح وحمزة في الوقف.

الباقون بالهمزة.

﴿ الكافرين ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدويه ورويس عن يعقوب، وكذلك ما كان محله النصب من الإعراب كل القرآن ﴿ بربوة ﴾ بفتح الراء حيث كان ابن عامر وعاصم.

الباقون بضمها ﴿ أكلها ﴾ وبابه ساكنة الكاف: ابن كثير ونافع وافق أبو عمرو فيما اتصلت بالهاء والألف ﴿ بما يعملون بصير ﴾ بالياء التحتانية: أبو/ عون عن قنبل.

الباقون بالتاء للخطاب.

الوقوف: ﴿ مائة حبة ﴾ ط، ﴿ لمن يشاء ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، ﴿ عند ربهم ﴾ ج لعطف المختلفتين، ﴿ يحزنون ﴾ ه، ﴿ أذى ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه، ﴿ والأذى ﴾ (لا) لتعلق كاف التشبيه أي إبطالاً مثل إبطال الذي، ﴿ الآخر ﴾ ط، ﴿ صلدا ﴾ ط، ﴿ كسبوا ﴾ ط، ﴿ الكافرين ﴾ ه، ﴿ ضعفين ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب واتحاد الكلام، ﴿ فطل ﴾ ط، ﴿ بصير ﴾ ه، ﴿ الأنهار ﴾ (لا) لأن ما بعده صفة لجنة أيضاً، ﴿ الثمرات ﴾ (لا) لأن الواو وللحال، ﴿ ضعفاء ﴾ ص والوصل أولى والوقف على ﴿ فاحترقت ﴾ ط لتناهي مقصود الاستفهام والمعنى: أيحب أحدكم احتراق جنة صفتها كذا في حال كذا؟

﴿ تتفكرون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر من أصول المبدأ والمعاد ما اقتضاه المقام أتبعه ببيان التكاليف والأحكام.

قال القاضي في كيفية النظم: إنه  لما أجمل في قوله ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة  ﴾ ، فصّل بعد ذلك بهذه الآية تلك الأضعاف، وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته على الإحياء والإماتة لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب بعد الحشر لكان التكليف بالإنفاق وسائر الطاعات عبثاً كأنه قال: قد عرفت أني خلقتك وأكملت نعمي عليك بالإحياء والإقدار، وقد علمت قدرتي على المجازاة، فليكن علمك بهذه الأصول داعياً إلى إنفاق الأموال فإنه يجازي القليل بالكثير، ثم ضرب لذلك الكثير مثلاً وهو من الواحد إلى سبعمائة.

وعن الأصم أنه  ضرب هذا المثل بعد ما احتج على الكل بما يوجب تصديق النبي  ليرغبوا في المجاهدة بالنفس والمال في نصرته وإعلاء شريعته.

وقيل: إنه  لما بين أنه وليّ المؤمنين، وأن الكفار أولياؤهم الطاغوت، بيّن مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت.

قلت: لما بين صحة المعاد ولا بد له من زاد ولا يمكن التزود من الأموال التي يمتلكها العباد بالإنفاق، أتبعه أحكامه فقال ﴿ مثل الذين ﴾ ولا بد من إضمار ليصح التشبيه أي مثل صدقاتهم كمثل حبة أو مثلهم باذر حبة.

وسبيل الله دينه.

فقيل الجهاد، وقيل جميع أبواب الخير.

والمنبت هو الله، ولكن الحبة لما كانت سبباً أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء.

ومعنى إنباتها سبع سنابل أن تخرج ساقاً يتشعب منها سبع شعب لكل واحد سنبلة.

وهذا التمثيل تصوير للأضعاف سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه الصفة أو لم توجد، على أنه قد يوجد في الجاورس والذرة وغيرهما مثل ذلك.

وسبع سنابل مثل ثلاثة قروء في إقامة جمع الكثرة مقام القلة.

﴿ والله يضاعف ﴾ أي تلك المضاعفة لمن يشاء لا لكل منفق لتفاوت أحوال المنفقين في الإخلاص، أو يضاعف سبع المائة ويزيد عليها أضعافها/ لمن يستحق ذلك في مشيئته.

﴿ والله واسع ﴾ كامل القدرة على المجازاة لأن فيضه غير متناه ﴿ عليم ﴾ بمقادير الإنفاقات وبمواقعها ومصارفها بإخلاص صاحبها، وإذا كان الأمر كذلك فلن يضيع عمل عامل له عنده.

ثم لما عظم أمر الإنفاق أردف ببيان الأمور التي يجب رعايتها حتى يبقى ذلك الثواب منها: ترك المن والأذى، والمنّ قد يراد به الإنعام قال تعالى ﴿ ولا تمنن تستكثر  ﴾ وقد يراد به إظهار الاصطناع وهو مذموم ولهذا قيل: صنوان مٌَّن مُنِحَ سائله ومَنٌّ منع نائله وضنّ.

وذلك لما فيه من انكسار قلب الفقير، ومن تنفير ذوي الحاجة عن صدقته، ومن عدم الاعتراف بأن النعمة نعمة الله والعباد عباده، وأن المعطي هو الله.

وإذا كان العبد في هذه الدرجة كان محروماً عن مطالعة الأسباب الربانية الحقيقية، وكان في درجة البهائم التي لا يترقى نظرهن من المسحوس إلى المعقول، ومن الآثار إلى المؤثرات.

وأما الأذى فمهم من حمله على أذى المؤمنين على الإطلاق، والمحققون خصصوه بما تقدم ذكره وهو أن يتطاول على الفقير بما أدل إليه ويقول له: ألست إلا مبرماً وما أنت إلا ثقيل، وباعد الله ما بيني وبينك.

ومعنى "ثم" تراخي الرتبة وإظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى، وإن تركهما خير من نفس الإنفاق بل ترك كل منهما لأنهما نكرتان في سياق النفي ﴿ لهم أجرهم ﴾ وقال فيما يجيء ﴿ فلهم أجرهم  ﴾ لأن الموصول ههنا لم يضمن معنى الشرط وضمنه ثمة، وفرق معنوي وهو أن الفاء دلالة على أن الإنفاق سبب استحقاق الأجر وطرحها عارٍ عن تلك الدلالة.

ثم إنه ذكر هنالك الإنفاق منهم على سبيل المواظبة والاستمرار فكان التأكيد بما يوجب الربط بينهما ما هنالك أنسب.

﴿ ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ أي لا يخافون فوات ثواب الإنفاق.

ولا يحزنون بالفوات كقوله ﴿ ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً  ﴾ والمراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب ولا يحزنهم الفزع الأكبر.

ويعلم من قوله ﴿ في سبيل الله ﴾ أن قوله ﴿ لهم أجرهم ﴾ مشروط بأن لا يوجد منهم الكفر، ويعلم من قوله ﴿ ثم لا يتبعون ﴾ أن المن والأذى من قبيل الكبائر حيث يخرجان هذه الطاعة العظيمة عن الاعتداد بها.

احتجت المعتزلة بالآية من وجهين: الأول أن العمل يوجب الأجر لقوله ﴿ لهم أجرهم ﴾ وأجيب بأن ذلك بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل.

الثاني أن الكبائر تحبط ثواب فاعلها وإلا لم يكن المن والأذى مبطلين ثواب الإنفاق، وأجيب بأن الإنفاق على تقدير المن والأذى لا ثواب له أصلاً، فكيف يتصور رفع ما لم يوجد؟

﴿ قول معروف ﴾ تقبله القلوب ولا تنكره وذلك أن يرد السائل بطريق أحسن وعدة حسنة ﴿ ومغفرة ﴾ عفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول لأنه إذا رد بغير مقصوده فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان أو نيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل أو عفو من جهة السائل بأن يعذر المسؤول إذا رده رداً جميلاً ﴿ خير من صدقة يتبعها أذى ﴾ لأنه إذا أتبع الإيذاء الإعطاء فقد جمع بين الإنفاع والإضرار، وربما لم يف ثواب النفع بعقاب الضر.

وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إيصال السرور إلى قلب المؤمن ولا إضرار، فكان الأولى ﴿ ومن الناس ﴾ الناس من خصص الآية بالتطوع لأن الواجب لا يحل منعه ولا رد السائل فيه.

ورد بأن الواجب قد يعدل به عن سائل إلى سائل وعن فقير إلى فقير ﴿ والله غني ﴾ عن صدقة كل منفق، فما وجه المن؟

﴿ حليم ﴾ عن معاجلته بالعقوبة إذا مَنّ، ولا يخفى ما فيه من الوعيد.

ثم إنه  ضرب لكل واحد من المؤذي وغير المؤذي مثلاً فقال تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ وعن ابن عباس: بالمن على الله والأذى للفقير، ﴿ كالذي ﴾ أي كإبطال المنافق الذي ﴿ ينفق ماله رئاء الناس ﴾ وهو أن يرائي بعمله غيره ولا يريد رضا الله وثواب الآخرة، ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين للذي ينفق، فمثله الضمير إما أن يكون عائداً إلى المنافق على أنه  شبه المانّ بالمرائي المنافق، ثم شبه المنافق بالحجر.

وإما أن يعود إلى المانِّ المؤذى على أنه شبهه بالمنافق ثم شبهه بالحجر.

والصفوان الحجر الأملس، الوابل المطر العظيم القطر، والصلد الأجرد النقي ومنه صلد جبين الأصلع إذا برق.

وهذا المثل ضربه الله لعمل المانِّ المؤذي ولعمل المنافق، فإن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالاً كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل لأنه تبين أن تلك الأعمال ما كانت لله  ولم يؤت بها على وجه يستحق الثواب كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب.

وأما المعتزلة فقالوا: إن تلك الصدقة أوجبت الأجر والثواب، ثم إن المنَّ والأذى أزالا ذلك الأجر بناء على مذهبهم من الإحباط والتكفير.

فعلى مذهبنا: العمل الظاهر كالتراب، والمان المؤذي أو المنافق كالصفوان ويوم القيامة كالوابل.

وعلى قولهم: المن والأذى كالوابل، وعن القفال: ان عمل المانِّ مشبه بما إذا طرح بذراً في صفوان صلد عليه غبار قليل، فإذا أصابه مطر جود بقي مستودع بذره خالياً لا شيء فيه.

ألا ترى أنه ضرب مثل المخلص بجنة فوق ربوة؟

وعلى هذا فقوله ﴿ لا يقدرون على شيء ﴾ الضمير فيه عائد إلى معلوم غير مذكور، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي فرض على الصفوان لأنه خرج عن الانتفاع به، فكذا المانُّ والمؤذي والمنافق لا ينتفع واحد منهم بعمله يوم القيامة، وناهيك بكون المانِّ والمنافق ملزوزين في قرن شناعة شأن المن والأذى، وقيل: الضمير عائد إلى الذي إما لأن "من" و "الذي" متعاقبان فكأنه قيل: كمّن ينفق، وإما لأن المراد المراد الفريق الذي، وإما لأنه أشير/ بالذي إلى الجنس والجنس في حكم العام.

وقيل: المعنى لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فإنكم إن فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم، فالتفت من الخطاب إلى الغيبة كقوله ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم  ﴾ .

﴿ والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ معناه - على قولنا - سلب الإيمان عنهم، وعلى قول المعتزلة أنه يضلهم عن الثواب وطريق الجنة لسوء اختيارهم ﴿ ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله ﴾ طلباً لمرضاته ﴿ وتثبيتاً من أنفسهم ﴾ قيل: أي يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها من المن والأذى.

وقيل: تثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة مجاهد ﴿ وتبييناً ﴾ من البيان.

وقيل: إن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية إلا إذا صارت مقهورة بالرياضة ومعشوقها أمران الحياة العاجلة والمال، فإذا بذل ماله وروحه معاً فقد ثبت نفسه كلها ﴿ وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم  ﴾ وإذا بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، فعلى هذا "من" للتبعيض ذكره في الكشاف، قال الزجاج: تصديقاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم جازمين بأن الله  لا يضيع ثوابهم فـ "من" على هذا للابتداء، وجزمهم بالثواب هو المراد بالتثبيت.

وعن الحسن ومجاهد وعطاء: المراد أنهم يثبتون أنفسهم تثبيتاً في طلب المستحق وصرف المال في وجهه.

قال الحسن: كان الرجل إذا هَمَّ بصدقة يتثبت فإن كان لله أمضى وإن خالطه شك أمسك.

وقيل: إنه إذا أنفق لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وحظ من حظوظها فهناك اطمأن قلبه واستقرت نفسه ولم يحصل لنفسه منازعة مع قلبه فذلك الاستقرار هو التثبيت.

ويحتمل أن يكو ن المراد به حصول ملكة الإنفاق بحيث يحصل عنه بطريق الاطراد والاعتياد لا بطريق البخت والاتفاق، فإن الأخلاق ما لم تصر ملكات لصاحبها لم تكد يظهر على جوهر النفس صفاؤها ونوريتها.

والمعنى أن مثل نفقة هؤلاء في زكائها عند الله كمثل جنة وهي البستان.

وقرىء ﴿ كمثل جنة بربوة ﴾ بمكان مرتفع من ربا الشيء يربو إذا زاد وارتفع، ومنه الربو لزيادة التنفس، والربا في المال.

قيل: وإنما خص المكان المرتفع لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمراً.

واعترض عليه بأن المكان المرتفع لا يحسن ريعه لبعده عن الماء وربما تضربه الرياح كما أن الوهاد لكونها مصب المياه قلما يحسن ريعها، فإذن البستان لا يصلح له إلا الأرض المستوية، فالمراد بالربوة أرض طيبة حرة تنتفخ وتربو إذا نزل عليها المطر، فإنها إذا كانت على هذه الصفة كثر دخلها وكمل شجرها كقوله  ﴿ وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت  ﴾ ومما يؤكد ما ذكرنا أن هذا المثل، في مقابلة المثل الأول، فكما أن الصفوان لا/ يربو ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه فينبغي أن تكون هذه الأرض بحيث تربو وتنمو ﴿ فآتت أكلها ﴾ أي ثمرتها وما يؤكل منها ﴿ ضعفين ﴾ مثلي ما كان يعهد منها.

وقيل: مثلي ما يكون في غيرها ﴿ فإن لم يصبها وابل فطل ﴾ مطر صغير القطر يصيبها ولا ينتقص شيء من ثمرها لكرم منبتها، أو المراد أنها على جميع الأحوال لا تخلو من أن تثمر قل أم كثر، وكذلك من أخرج صدقة لوجه الله لا يضيع كسبه وفّر أم نزر.

ويحتمل أن يمثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم القليلة والكثيرة بالوابل والطل، وكما أن الكل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة فكذلك نفقتهم تزيد في زلفاهم وحسن حالهم ﴿ والله بما تعملون ﴾ من وجوه الإنفاق وكيفيتها والأمور الباعثة عليها ﴿ بصير ﴾ فيجازي بحسب النيات وخلوص الطويات.

ثم إنه  رغب في الإنفاق المعتبر الجامع لشرائطه وحذر عن ضده بأن ضرب مثالاً آخر فقال ﴿ أيود أحدكم ﴾ والهمزة للإنكار البالغ أي لن يود.

قرىء ﴿ له جنات ﴾ وقد وصف الله  الجنة بثلاثة أوصاف الأول: كونها من نخيل وأعناب كأن الجنة إنما تكوّنت منهما لكثرتهما فيها.

الثاني: تجري من تحتها الأنهار، ولا شك أن ذلك يزيد في رونقها وبهائها.

والثالث: فيها من كل الثمرات، وإنما خص النخيل والأعناب أولاً بالذكر لأنهما أكرم الشجر أو أكثرها منافع.

قال في الشكاف: ويجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيهما كقوله ﴿ وكان له ثمر  ﴾ بعد قوله ﴿ جنتين من أعناب وحففناهما بنخل  ﴾ .

ثم شرع في بيان شدة حاجة المالك إلى هذه الجنة فقال ﴿ وأصابه الكبر ﴾ أي والحال أنه قد أصابه الكبر.

وقال الفراء: إنه معطوف على ﴿ يود ﴾ واستقام نظر المعنى لأنه يقال: وددت أن يكون كذا، ووددت لو كان كذا، فكأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة واصابه الكبر وله ذرية ضعفاء.

وقرىء ﴿ ضعاف ﴾ أي صبيان وأطفال ﴿ فأصابها إعصار ﴾ ريح تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود ﴿ فيه نار فاحترقت ﴾ أي الجنة ولا يخفى أن هذه المثل في المقصود أبلغ الأمثال، فإن الإنسان إذا كان له جنة في غاية الكمال، وكان هو في نهاية الاحتياج إلى المال - وذلك أوان الكبر مع وجود الأولاد الأطفال - فإذا أصبح وشاهد تلك الجنة محترقة بالصاعقة، فكم يكون في قلبه من الحسرة وفي عينه من الحيرة؟

فكذا الإنفاق نظير الجنة المذكورة وزمان الاحتياج يوم القيامة، فإذا أتبع الإنفاق النفاق أو المن والأذى كان ذلك كالإعصار الذي يحرق تلك الجنة ويورثه الخيبة والندامة.

التأويل: ﴿ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ﴾ فلهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم وقلوبهم في سبيل الله فلهم الله، "ومن أعطى تمرة إلى فقير يأخذها الله بيمينه ويربيها كما يربي/ أحدكم فلوة أو فصيلة حتى تكون أعظم من الجبل" .

فمن أعطى قلبه إلى الله فهو يربيه بين أصبعي جلاله حتى يصير أعظم من العرش بما فيه، وإن قوماً بذلوا المال لله، وقوماً بذلوا الحال بإيثار صفاء الأوقات وفتوحات الخلوات على طلاب الحق وأرباب الصدق للقيام بأمورهم في تشفي ما في صدورهم ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ فبذلوا ليحصلوا، وحصلوا لينفصلوا، وانفصلوا ليتصلوا، واتصلوا ليصلوا الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله في طلبه لا في طلب غيره من الثناء والجزاء ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً  ﴾ ﴿ ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ﴾ على الله بأن يقول: عملت هذا العمل لأجلك ووجب لي عليك الأجر ﴿ ولا أذى ﴾ بأن يطلب من الله غير الله.

رأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام فقال له: كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني ﴿ لهم أجرهم عند ربهم ﴾ ينزلهم في مرتبة العندية ﴿ عند مليك مقتدر  ﴾ لا عند الجنة ولا عند النار.

﴿ قول معروف ﴾ يصدر عن العارف بالله في طلب المعروف ﴿ ومغفرة ﴾ له وأن لم يكن عنده ما يتصدق ﴿ خير ﴾ له عند ربه ﴿ من صدقة يتبعها ﴾ من الجهل ﴿ أذى ﴾ طلب غير الحق من الحق ﴿ والله غني ﴾ عن غيره ﴿ حليم ﴾ لا يعجل بالعقوبة على من يختار في الطلب غيره، ولولا حلمه فما للتراب ورب الأرباب ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ فالمعاملات إذا كانت مشوبة بالأغراض ففيها نوع من الإعراض، ومن أعرض عن الحق فقد أقبل على الباطل ومن أقبل على الباطل فقد أبطل حقوقه في الأعمال ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال  ﴾ .

ولو كان قصدك في الصدقة طلب الحق لما مننت على الفقير بل كنت رهين منته حيث صار سبب وصولك إلى الحق، ولهذا قال  " لولا الفقراء لهلك الأغنياء" " أي لم يجدوا سبيلاً إلى الحق.

وفسر بعضهم اليد العليا بيد الفقير، واليد السفلى بيد الغني.

لأن الفقير يأخذ منه الدنيا ويعطيه الآخرة ﴿ كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ لأنه لو كان مؤمناً بالله لكان ينفق لله، ولو كان يؤمن بالآخرة لأنفق للآخرة لا للناس فمثل المرائي ﴿ كمثل صفوان عليه تراب ﴾ هو عمله ﴿ فأصابه وابل ﴾ وهو وابل الرد.

" "أنا أغنى الأغنياء عن الشرك " ﴿ فتركه صلداً ﴾ مفلساً خائباً.

﴿ لا يقدرون عل شيء مما كسبوا ﴾ ليتوسلوا به إلى الله.

﴿ والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ بنعمة طلب شهود جماله فحرموا عن دولة وصاله.

﴿ وتثبيتاً من أنفسهم ﴾ وتخليصاً لنياتهم في طلب الحق ومرضاته من خطوط أنفسهم ﴿ كمثل جنة ﴾ / هي قلب المخلص ﴿ بربوة ﴾ في رتبة عالية عند الحق ﴿ أصابها وابل ﴾ الواردت الربانية ﴿ فإن لم يصبها وابل فطل ﴾ الإلهامات ﴿ فآتت أكلها ضعفين ﴾ ضعف من نعيم الجنة وضعف من دولة الوصال وشهود "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" ، فإن الله  كما يعطي أهل الآخرة نصيباً من الدنيا بالتبعية ولا يعطي أهل الدنيا نصيباً من الآخرة، فكذلك يعطي أهل الله نصيباً من الآخرة بالتبعية ولا يعطي أهل الآخرة ما لأهل الله من القربة ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ كيف تعملون ولماذا تعملون لابتغاء المرضاة أو لاستيفاء اللذات واستبقاء الحياة.

ثم ضرب مثلاً لروح الإنسان وقلبه بجنةٍ له فيها من كل الثمرات إذا خلق في أحسن تقويم، مستعداً لجميع الكرامات، مشرفاً بعلم السمات، منوراً بأنوار العقل والحواس السليمات، متوحداً بحمل الأمانة، متفرداً برتبة الخلافة.

جنة هي منظور نظر العناية تجري من تحتها أنهار الهداية، وأصاب صاحبها ضعف الإنسانية، ﴿ وله ذرية ضعفاء ﴾ من متولدات القوى البشرية في غاية الافتقار إلى التربية بأغذية ثمراتها ﴿ فأصابها إعصار ﴾ من أعمال البر ﴿ فيه نار ﴾ من الرياء والنفاق ﴿ فاحترقت ﴾ جنة الروحانية بنار صفات البشرية وتبدلت الأخلاق الروحية بالنفسية، والملكية بالشيطانية ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات لعلك تتفكرون ﴾ في إحسانه معكم بإيتاء الاستعداد الفطري، فلا تبطلوه بقبيح فعالكم، ولا تضيعوا أعماركم في طلب آمالكم، وتستعدوا للموت قبل حلول آجالكم والله المستعان وهو حسبي.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ ٢٦٧ ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةًۭ مِّنْهُ وَفَضْلًۭا ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ ٢٦٨ يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ ٢٦٩ وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُۥ ۗ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ٢٧٠ إِن تُبْدُوا۟ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ ٢٧١ ۞ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَىٰهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ٢٧٢ لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحْصِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًۭا فِى ٱلْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ لَا يَسْـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًۭا ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ٢٧٣ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٢٧٤

القراءات: ﴿ ولا تيمموا ﴾ بتشديد التاء ومد الألف: البزي وابن فليح الباقون على الأصل ﴿ ومن يؤت الحكمة ﴾ بكسر التاء: يعقوب أي من يؤتيه الله.

الباقون بالفتح ﴿ فنعما هي ﴾ ساكنة العين: أبو عمرو والمفضل ويحيى وأبو جعفر ونافع غير ورش ﴿ فنعما هي ﴾ بفتح النون وكسر العين: ابن عامر وعلي وحمزة وخلف والخراز، الباقون ﴿ فنعما هي ﴾ بكسر النون والعين والميم مشددة في القراءات، ﴿ ونكفر ﴾ بالنون والراء ساكنة: أبو جعفر ونافع وحمزة وخلف وعلي ﴿ ويكفر ﴾ بالياء والراء مرفوعة: ابن عامر وحفص والمفضل.

الباقون ﴿ ونكفر ﴾ بالنون ورفع الراء ﴿ يحسبهم ﴾ وبابه بفتح السين: ابن عامر ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة.

﴿ بسيماهم ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وابن شاذان عن خلاد مخيراً.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وكذلك كل كلمة على ميزان "فعلى".

الوقوف: ﴿ من الأرض ﴾ "ز" لعطف المتفقتين ﴿ تغمضوا فيه ﴾ (ط)، ﴿ حميد ﴾ ه، ﴿ الفحشاء ﴾ ج، وإن اتفقت الجملتان ولكن للفصل بين تخويف الشيطان الكذاب ووعد الله الحق الصادق، ﴿ فضلاً ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، وقد يوصل على جعل ما بعده صفة، ﴿ من يشاء ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف.

ومن قرأ ﴿ ومن يؤت الحكمة ﴾ بالكسر فالوصل أجوز.

﴿ كثيراً ﴾ ط، ﴿ الألباب ﴾ ه، ﴿ يعلمه ﴾ ط، ﴿ أنصار ﴾ ه، ﴿ فنعما هي ﴾ ج، ﴿ خير لكم ﴾ ط، لمن قرأ ﴿ ونكفر ﴾ مرفوعاً بالنون أو الياء على الاستئناف.

ومن جزم بالعطف على موضع فهو خير لكم لم يقف ﴿ سيئاتكم ﴾ ط، ﴿ خبير ﴾ ه، ﴿ من يشاء ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ فلأنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي، ﴿ وجه الله ﴾ ط، ﴿ لا يظلمون ﴾ ه، ﴿ في الأرض ﴾ ز لأن ﴿ يحسبهم ﴾ وإن صلحت حالاً بعد حال نظماً، ولكن لا يليق بحال من أحصر.

﴿ التعفف ﴾ ز لأن ﴿ تعرفهم ﴾ تصلح استئنافاً والحال أوجه أي يحسبهم الجاهل أغنياء وأنت تعرفهم بحقيقة ما في بطونهم من الضر وهم لا يسألون الناس على إلحاف.

وقد يجعل ﴿ لا يسألون ﴾ استئنافاً فيجوز الوقف على ﴿ سيماهم ﴾ ﴿ إلحافاً ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، ﴿ عند ربهم ﴾ ج ﴿ يحزنون ﴾ ه.

التفسير: لما رغب في الإنفاق وذكر أن منه ما يتبعه المن والأذى، ومنه ما لا يتبعه ذلك، وشرح ما يتعلق بكل من القسمين وضرب لكل واحد مثلاً، ذكر بعد ذلك أن المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل الله كيف يجب أن يكون فقال ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما/ أخرجنا ﴾ أي من طيبات ما أخرجنا، فحذف لدلالة الأول عليه.

عن الحسن: أن المراد من هذا الإنفاق الفرض بناء على أن ظاهر الأمر للوجوب، والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة وسائر النفقات الواجبة، وقيل: التطوع لما روي عن علي والحسن ومجاهد أن بعض الناس كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم فأنزل الله هذه الآية.

عن ابن عباس: "جاء رجل ذات يوم بعذق حشف فوضعه في الصدقة لأهل الصفة على حبل بين أسطوانيتن في مسجد رسول الله  فقال  : بئسما صنع صاحب هذا" فنزلت.

وقيل: يشمل الفرض والنفل، لأن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على الترك فقط، ويتفرع على قول الوجوب وجوب الزكاة في كل مال يكسبه الإنسان، فيشمل زكاة التجارة وزكاة الذهب والفضة وزكاة النعم وزكاة كل ما ينبت من الأرض، إلا أن العلماء خصصوها بالأقوات لما روي أنه  قال: " الصدقة في أربعة: في التمر والزبيب والحنطة والشعير وليس فيما سواها صدقة" فهذا الخبر ينفي الزكاة في غير الأربعة، لكن ثبت أخذ الزكاة من الذرة وغيرها بأمر  فعلم وجوب الزكاة في الأقوات دون غيرها.

ولا يكفي في وجوب الزكاة كون الشيء مقتاتاً على الإطلاق، بل المعتبر حالة الاختيار لا وقت الضرورة ومثله الشافعي بالقت وحب الحنظل وسائر البذور البرية، وشبهها ببقرة الوحش لا زكاة فيها لأن الناس لا يتعهدونها.

وأيضاً لا تجب الزكاة في القوت ما لم يبلغ خمسة أوسق وبه قال مالك وأحمد لرواية أبي سعيد الخدري أن النبي  قال: "ليس فيما دون خمسَة أوسق صدقة" وقال أبو حنيفة: يجب العشر في القليل والكثير استدلالاً بعموم الآية.

وتفصيل الكلام في الأموال الزكوية وكيفية إخراجها ونصاب كل منها مشهور مذكور في الفروع، فلذلك ولطولها لم نشرع فيها.

وما المراد بالطيب في الآية؟

قيل: الجيد فيكون المراد بالخبيث الرديء لما مر في سبب النزول أنهم كانوا يتصدقون برذالة أموالهم فنهوا عن ذلك، ولأن المحرم لا يجوز أخذه بالإغماض وبغيره، والآية دلت على جواز أخذ الخبيث بالإغماض، وعن ابن مسعود ومجاهد: أن الطيب هو الحلال والخبيث هو الحرام، والمراد من الإغماض هو المسامحة وترك الاستقصاء.

والمعنى ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال من حلاله أو من حرامه، ويحتمل أن يراد ما/ يكون طيباً من جميع الوجوه فيكون طيباً بمعنى الحلال وبمعنى الجودة أيضاً، لأن الاستطابة قد تكون شرعاً وقد تكون عقلاً.

واعلم أن المال الزكوي إن كان كله شريفاً وجب أن يكون المأخوذ منه كذلك، وإن كان الكل خسيساً فلا يكلف صاحبه فوق طاقته ولا يكون خلافاً للآية لأن المأخوذ في هذه الحال لا يكون خبيثاً من ذلك المال وإنما الكلام فيما لو كان في المالجيد ورديء فحينئذٍ يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك، ولا تكلف أيضاً جيده لقوله  لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: " اعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم " بل الواجب حينئذٍ هو الوسط.

ثم إن قلنا: المراد من الإنفاق في الآية التطوع أو هو والفرض جميعاً، فالمعنى أن الله  ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه قضاء لحقوق التعظيم والإخلاص، ومعنى ﴿ لا تيمموا الخبيث ﴾ لا تقصدوه.

يقال: تيممته وتأممته كله بمعنى قصدته.

ومحل ﴿ تنفقون ﴾ نصب على الحال، وقدم ﴿ منه ﴾ عليه ليعلم أن المنهي عنه هو تخصيص الخبيث بالإنفاق منه أي إذا كان في المال طيب وخبيث.

ويحتمل أن يتم الكلام عند قوله: ﴿ ولا تيمموا الخبيث ﴾ ثم ابتدأ مستفهماً بطريق الإنكار فقال: ﴿ منه تنفقون ﴾ وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم إلا بالإغماض وهو غض البصر وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض وهو الخفاء.

يقال للبائع: أَغْمِضْ أي لا تستقص كأنك لا تبصر.

وأصله أن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه كيلا يرى ذلك، فكثر حتى جعل كل مساهلة إغماضاً أي لو أهدي لكم مثل هذه الأشياء أخذتموها إلا على استحياء وإغماض، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم؟

ويحتمل أن يراد إلا إذا أغمضتم بصر البائع أي كلفتموه الحط من الثمن.

عن الحسن: لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه.

﴿ واعلموا أن الله غني ﴾ عن صدقاتكم ﴿ حميد ﴾ محمود على ما أنعم من البيان والتكليف بما تحوزون به النعيم الأبدي، أو حامد شاكر على إنفاقكم كقوله: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ ثم إن الله  لما رغب في أجود ما يملكه الإنسان أن ينفق، حذر عن وسوسة الشيطان فقال: ﴿ الشيطان يعدكم الفقر ﴾ أما الشيطان فيشمل إبليس وجنوده وشياطين الإنس والنفس الأمارة بالسوء.

والوعد يستعمل في الخير والشر.

قال  : ﴿ النار وعدها الله الذين كفروا  ﴾ ويمكن أن يكون استعماله في الشر محمولاً على التهكم مثل ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ وأصل الفقر في اللغة كسر الفقار وقرىء الفقر بضمتين، والفقر بفتحتين.

﴿ ويأمركم بالفحشاء ﴾ يغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور.

والفاحش عند العرب البخيل.

والتحقيق أن لكل خلق طرفين ووسطاً، فالطرف الكامل للإنفاق هو أن يبذل كل ماله في سبيل الله، والطرف الأفحش أن لا ينفق شيئاً لا الجيد ولا الرديء، والوسط أن يبخل بالجيد وينفق الرديء.

فالشيطان إذا أراد نقله من الأفضل إلى الأفحش، فمن خفي حيلته أن يجره إلى الوسط وهو وعده بالفقر، ثم إلى الطرف وهو أمره بالفحشاء.

وذلك أن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فلا يمكنه أن يجره ابتداء إليها إلا بتقديم مقدمة هي التخويف بالفقر إذا أنفق الجيد من ماله، فإذا أطاعه زاد فيمنعه من الإنفاق بالكلية.

وربما تدرج إلى أن يمنع الحقوق الواجبة فلا يؤدي الزكاة ولا يصل الرحم ولا يرد الوديعة، فإذا صار هكذا ذهب وقع الذنوب عن قلبه ويتسع الخرق فيقدم على المعاصي كلها.

ثم لما ذكر درجات وسوسة الشيطان أردفها بذكر إلهامات الرحمن فقال: ﴿ والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً ﴾ فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة والفضل إشارة إلى ما يحصل في الدنيا من الخلف عن النبي  " إن الملك ينادي كل ليلة: اللهم أعط منفقاً خلفاً وممسكاً تلفا " فالشيطان يعدكم الفقر في غد الدنيا، والرحمن يعدكم المغفرة في غد العقبى، ووعد الرحمن بالقبول أولى لأن الوصول إلى غد الدنيا مشكوك فيه، وغد العقبى مقطوع به.

وعلى تقدير وجدان غد الدنيا فقد لا يبقى المال بآفةأخرى، وعند وجدان العقبى لا بد من حصول المغفرة فإن الله  لا يخلف الميعاد.

ولو فرض بقاء المال فقد لا يتمكن صاحبه من الانتفاع به لخوف أو مرض أومهم بخلاف الانتفاع بما في الآخرة فإنه لا مانع منه.

وبتقدير التمكن من الانتفاع بالمال فإن ذلك ينقطع ويزول بخلاف الموعود في الآخرة فإنه باق لا يزول.

وأيضاً لذات الدنيا مشوبة بالآلام والمضار ألبتة، فلا لذة إلا وفيها ألم من وجوه كثيرة بخلاف لذات الآخرة فإنه لا نغص فيها ولا نقص.

والمراد بالمغفرة تكفير الذنوب، والتنكير فيه للدلالة على الكمال والتعظيم لا سيما وقد قرن به لفظة "منه" فإن غاية كرمه ونهاية جوده مما يعجز عن إدراكها عقول الخلائق.

ويحتمل أن يكون نوعاً من المغفرة وهو المشار إليه في آية أخرى ﴿ فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات  ﴾ أو أن يجعل شفيعاً في غفران ذنوب إخوانه المؤمنين.

وأما الفضل فيحتمل أن يراد به الفضيلة الحاصلة للنفس وهي ملكة الجود والسخاء، وذلك أن المال فضيلة خارجية وعدمه نقصان خارجي، وملكة الجود فضيلة نفسانية وملكة البخل رذيلة/ نفسانية، فمتى لم يحصل الإنفاق حصل الكمال الخارجي والنقصان الداخلي، وإذا حصل الإنفاق وجد الكمال الداخلي والنقصان الخارجي، فيكون الإنفاق أولى وأفضل.

وأيضاً متى حصلت ملكة الإنفاق زالت عن النفس هيئة الاشتغال بنعيم الدنيا والتهالك في طلبها فاستنارت بالأنوار القدسية وهذا هو الفضل.

وأيضاً مهما عرف من الإنسان أنه منفق كانت الهمم معقودة على أن يفتح الله عليه أبواب الرزق ولمثل ذلك من التأثير ما لا يخفى ﴿ والله واسع ﴾ كامل العطاء كافل للخلف قادر على إنجاز ما وعد ﴿ عليم ﴾ بحال من أنفق ثقة بوعده وبحال من لم ينفق طاعة للشيطان.

ثم نبه على الأمرالذي لأجله يحصل ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان وهو الحكمة والعقل، فإن وعد الشيطان إنما ترجحه الشهوة والنفس.

عن مقاتل: إن تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: مواعظ القرآن ﴿ وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به  ﴾ وثانيها الحكمة بمعنى الفهم ﴿ وآتيناه الحكم صبياً  ﴾ ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة  ﴾ وثالثها الحكمة بمعنى النبوة ﴿ وآتاه الله الملك والحكمة  ﴾ ورابعها القرآن بما فيه من الأسرار ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم.

فتأمل يا مسكين شرف العلم فإن الله  سماه الخير الكثير ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ والتنكير للتعظيم.

وسمى الدنيا بأسرها قليلاً ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ وذلك أن الدنيا متناهية العدد، متناهية المقدار، متناهية المدة والعلوم، لا نهاية لمراتبها وعددها ومدة بقائها والسعادات الحاصلة منها.

واعلم أن كمال الإنسان في شيئين: أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به.

فمرجع الأول إلى العلم والإدراك المطلق، ومرجع الثاني إلى فعل العدل والصواب، ولذلك سأل إبراهيم  ﴿ رب هب لي حكماً  ﴾ وهو الحكمة النظرية، ﴿ وألحقني بالصالحين  ﴾ وهو الحكمة العملية.

ونودي موسى  ﴿ إنى أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ وهو الحكمة النظرية ثم قال: ﴿ فاعبدني  ﴾ وهو العملية.

وحكي عن عيسى  أنه ﴿ قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت  ﴾ وكلها النظرية ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً  ﴾ وجميعها العملية.

وقال في حق محمد  : ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله  ﴾ وهو النظرية ثم قال ﴿ واستغفر لذنبك  ﴾ وهو العملية.

وقال في حق جميع الأنبياء ﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا  ﴾ وأنه الحكمة العلمية ثم قال ﴿ فاتقون  ﴾ وهو الحكمة العملية./ فعلم من هذه الآيات وأمثالها أن كمال حال الإنسان في هاتين القوتين.

والحكمة فعلة من الحكم كالنحلة من النحل.

ورجل حكيم إذا كان ذا حجا ولب وإصابة رأي، فعيل بمعنى فاعل ويجيء بمعنى مفعول ﴿ فيه يفرق كل أمر حكيم  ﴾ أي محكم.

وفي الآية دليل على أن جميع العلوم النظرية والأخلاق المرضية إنما هي بإيتاء الله  .

والذين حملوا الإيتاء على التوفيق والإعانة كالمعتزلة ما زادوا إلا أن وسعوا الدائرة إذ لا بد من الانتهاء إليه أية سلكوا ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين إذا حصل لهم الحكم والمعارف لم يقفوا عند المسببات، فلم ينسبوا هذه الأحوال إلى أنفسهم بل يرقون إلى أسبابها حتى يصلوا إلى السبب الأول.

وأما المعتزلة فإنهم لما فسروا الحكمة بقوة الفهم ووضع الدلائل قالوا: هذه الحكمة لا تفيد بنفسها وإنما ينتفع بها المرء إذا تدبر وتذكر فعرف ماله وما عليه، وعند ذلك يقدم أو يحجم.

ثم إنه  نبه على أنه عالم بما في قلب العبد من نية الإخلاص أو الرياء، وأنه يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي والنيات فلا يهمل شيئاً منها فقال ﴿ وما أنفقتم من نفقة ﴾ لله أو للشيطان ﴿ أو نذرتم من نذر ﴾ في طاعة الله أو معصيته ﴿ فإن الله يعلمه ﴾ وتذكير الضمير إما لأنه عائد إلى "ما" وإما لأنه عائد إلى الأخير كقوله: ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً  ﴾ وهذا قول الأخفش، والنذر ما يلتزمه الإنسان بإيجابه على نفسه وأصله من الخوف كأنه يعقد على نفسه خوف التقصير في الأمر المهم عنده ومنه الإنذار إبلاغ مع تخويف.

واعلم أن النذر قسمان: نذر اللجاج والغضب ونذر التبرر.

أما الأول فهو أن يمنع نفسه من الفعل أو يحثها عليه بتعليق التزام قربة بالفعل أو الترك كقوله "إن كلمت فلاناً أو أكلت كذا أو دخلت الدار أو لم أخرج من البلد فللَّه علي صوم شهر أو صلاة أو حج أو إعتاق رقبة" ثم إنه إذا كلمه أو أكل أو دخل أو لم يخرج فللعماء ثلاثة أقوال: أحدها يلزمه الوفاء بما التزم، والثاني: وهو الأصح أن عليه كفارة يمين لما روي أنه  : "كفارة النذر كفارة اليمين" ، والثالث: التخيير بين الوفاء وبين الكفارة.

وأما نذر التبرر فنوعان: نذر المجازاة وهو أن يلتزم قربة في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع نقمة مثل "إن شفى الله مريضي أو رزقني ولدا فللَّه علي أن أعتق رقبة أو أصوم أو أصلي كذا" فإذا حصل المعلق عليه لزمه الوفاء بما التزم لقوله  : " "من نذر أن يطيع الله فليطعه " .

ونذر التنجيز وهو أن يلتزم ابتداء غير معلق على شيء كقوله "لله علي/ أن أصوم أو أصلي أو أعتق" فالأصح أنه يصح ويلزم الوفاء به لمطلق الخبر.

وما يفرض التزامه بالنذر إما المعاصي وإما الطاعات وإما المباحات.

فالمعاصي كشرب الخمر والزنا ونذر المرأة صوم أيام الحيض ونذر قراءة القرآن في حال الجنابة لا يصح التزامها بالنذر لأنه لا نذر في معصية الله  ، ومن هذا القبيل نذر ذبح الولد أو ذبح نفسه.

وإذا لم ينعقد نذر فعل المعصية فعليه أن يمتنع منه ولا يلزمه كفارة يمين، وما روي من أنه  قال: " لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين " محمول على نذر اللجاج، وأما الطاعات فالواجبات ابتداء بالشرع كالصلوات الخمس وصوم رمضان لا معنى لالتزامها بالنذر معلقاً أو غير معلق، وكذا لو نذر أن لا يشرب الخمر ولا يزني، وإذا خالف ما ذكره فلا يلزمه الكفارة على الأصح، وأما غير الواجبات فالعبادات المقصودة وهي التي وضعت للتقرب بها وعرف من الشارع الاهتمام بتكليف الخلق بإيقاعها عبادة فتلزم بالنذر وذلك كالصوم والصلاة والزكاة والصدقة والحج والاعتكاف والإعتاق وكذا فروض الكفايات التي يحتاج فيها إلى معاناة تعب وبذل مال كالجهاد وتجهيز الموتى، ذكره إمام الحرمين - وفي الصلاة على الجنازة والأمر بالمعروف، وما ليس فيه بذل مال وكثير مشقة الأظهر اللزوم أيضا، وكما يلزم أصل العبادات بالنذر يلزم رعاية الصفة المشروطة فيها إذا كانت من المحبوبات كالصلاة بشرط طول القراءة أو الركوع أو السجود أو الحج بشرط المشي إذا جعلناه أفضل من الركوب وهو الأصح ولو أفرد الصفة بالالتزام.

والأصل واجب كتطويل الركوع والسجود أو القراءة في الفرائض، فالأشبة اللزوم لأنها عبادات مندوب إليها.

وأما الأعمال والأخلاق المستحسنة كعيادة المريض وزيارة القادم وإفشاء السلام على المسلمين فالأظهر لزومها أيضاً بالنذر، وكذا تجديد الوضوء لأن كلها مما يتقرب بها إلى الله  ، وقد رغب الشارع فيها.

وأما المباحات التي لم يرد فيها ترغيب كالأكل والنوم والقيام والقعود فلو نذر فعلها أو تركها لم ينعقد نذره، "روي أن النبي  رأى رجلاً قائماً في الشمس فسأل عنه فقالوا: نذر أن لا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال  : مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" .

ولو قال: "لله عليّ نذر" من غير تسمية لزمه كفارة يمين لقوله  : " "من نذر نذراً وسمى فعليه ما سمى، ومن نذر نذراً ولم يسم فعليه كفارة يمين " ﴿ وما للظالمين ﴾ الذين يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو للرياء، أو لا يوفون بالنذور، أو ينذرون في/ المعاصي ﴿ من أنصار ﴾ ممن ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه.

والأنصار جمع ناصر كأصحاب في صاحب، أو جمعٍ نصير كأشراف في شريف.

وقد يتمسك المعتزلة بهذا في نفي الشفاعة لأهل الكبائر، فإن الشفيع ناصر.

ورد بأن الشفيع في العرف لا يسمى ناصراً وإلا كان قوله ﴿ ولا هم ينصرون  ﴾ بعد قوله: ﴿ ولا يقبل منها شفاعة  ﴾ تكراراً.

وأيضاً إن هذا الدليل النافي عام في حق كل الظالمين وفي كل الأوقات، والدليل المثبت للشفاعة خاص في حق البعض وفي بعض الأوقات والخاص مقدم على العام.

وأيضا اللفظ لا يكون قاطعاً في الاستغراق بل ظاهراً على سبيل الظن القوي فصار الدليل ظنياً والمسألة ليست ظنية فكان التمسك بها ساقطاً.

"سألوا رسول الله  أصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية فنزلت: ﴿ إن تبدوا الصدقات ﴾ " والتركيب موضوع للصحة والكمال ومنه "فلان صادق المودة" و"هذا خل صادق الحموضة" و"صدق فلان في خبر" إذا أخبر على وجه الصحة والكمال، ومنه "الصداق" لأن عقد الصداق به يتم ويكمل، والزكاة صدقة لأن المال بها يصح ويبقى وبها يستدل على صدق العبد وكماله في إيمانه، ﴿ فنعما هي ﴾ من قرأ بسكون العين فمحمول على أنه أوقع على العين حركة خفيفة على سبيل الاختلاس وإلا لزم التقاء الساكنين على غير حدة، ومثله ما يروى في الحديث أنه  قال لعمرو بن العاص: " "نعم المال الصالح للرجل الصالح " بسكون العين.

ومن قرأ بكسر النون والعين فلتحصيل المشاكلة، ومن قرأ بفتح النون وكسر العين فعلى الأصل.

قال طرفة: نعم الساعون في الأمر المبر *** قال سبيويه: "ما" في تأويل الشيء أي نعم الشيء هي.

وقال أبو علي: الجيد في مثله أن يقال: "ما" في تأويل شيء لأن "ما" ههنا نكرة إذ لو كانت معرفة بقيت بلا صلة.

فإن "هي" مخصوصة بالمدح.

فالتقدير: نعم شيئاً إبداء الصدقات.

فحذف المضاف للدلالة، أو نعم شيئاً تلك الصدقات، أو تلك الخصلة وهي الإبداء.

قال الأكثرون: المراد بها صدقة التطوع لقوله  : ﴿ وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ﴾ والإخفاء في صدقة التطوع أفضل كما أن الإظهار في الزكاة أفضل أما الأول فلأن ذلك أشق على النفس فيكون أكثر ثواباً، ولأنه أبعد عن الرياء والسمعة قال  : "لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان " والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة، والمعطي في ملأ من الناس يطلب الرياء، وقد بالغ قوم في الإخفاء واجتهدوا أن لا يعرفهم الآخذ، فبعضهم كان يلقي الصدقة في يد/ الأعمى، وبعضهم يلقيها في طريق الفقير أو في موضع جلوسه بحيث يراها ولا يرى المعطي، وبعض يشدها في ثوب الفقير وهو نائم، وبعض يوصل إلى الفقير على يد غيره، وقال  : " أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر " وقال أيضاً: " إن العبد ليعمل عملاً في السر فيكتبه الله سراً، فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية، فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب في الرياء" وقال  : " "صدقة السر تطفىء غضب الرب " وأيضاً في الإظهار هتك ستر الفقير وإخراجه من حيز التعفف، وربما أنكر الناس على الفقير أخذ تلك الصدقة لظن الاستغناء به فيقع الفقير في المذمة والناس في الغيبة، ولأن في الإظهار إذلالاً للآخذ وإهانة له، وإذلال مؤمن غير جائزة ولأن الصدقة كالهدية، وقال  : " "من أهدي إليه هدية وعنده قوم فهم شركاء فيها " وربما لا يدفع الفقير إليهم شيئاً فيقع في حيز اللوم والتعنيف.

نعم لو علم أنه إذا أظهرها اقتدى غيره به لم يبعد والحالة هذه أن يكون الإظهار أفضل.

وروى ابن عمر أنه  قال: " السر أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء " واعلم أن الإنسان إذا أتى بعمل وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة أن يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة، فههنا الشيطان يردد عليه ذكر رؤية الخلق والقلب ينكره.

فهذا الإنسان في محاربة الشيطان فيكون إخفاؤه يفضل علانيته سبعين ضعفاً كما روي عن ابن عباس: صدقات السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً.

ثم إن الله  عباداً راضوا أنفسهم حتى من الله عليهم بأنوار هدايته، وذهبت عنهم وساوس النفس لأن الشهوات قد ماتت منهم ووقعت قلوبهم في بحار عظمة الله فلم يحتاجوا إلى المجاهدة.

فإذا أعلنوا بالعمل أرادوا أن يقتدي بهم غيرهم، فهم كاملون في أنفسهم ويسعون في تكميل غيرهم كما قال  : ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق  ﴾ ﴿ واجعلنا للمتقين إماماً  ﴾ فهؤلاء أئمة الهدى وأعلام الدين وسادة الخلق بهم يقتدى في الذهاب إلى الله.

وأما أن الإظهار في إعطاء الزكاة أفضل فلأن الله أمر الأئمة بتوجيه السعادة لطلب الزكوات، وفي دفعها إلى السعاة إظهارها، ولأنه ينفي التهمة ولهذا روي أنه  كان أكثر صلاته في البيت إلا المكتوبة.

وعن ابن عباس: صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً.

هذا إذا كان المزكي ممن لا يخفى يساره، فإن لم يعرف باليسار كان الإخفاء له أفضل ولا سيما إذا خاف الظلمة أن يطمعوا في ماله.

وعن بعضهم أن معنى قوله ﴿ خير لكم ﴾ أنه في نفسه خير من الخيرات كما يقال الثريد خير من الأطعمة./ وإنما قيل ﴿ وتؤتوها الفقراء ﴾ لأن المقصود من بعث المتصدق أن يتحرى موضع الصدقة فيصير عالماً بالفقراء مميزاً لهم عن غيرهم، فإذا تقدم منه هذا الاستظهار ثم أخفاها حصلت الفضيلة فلهذا شرط في الإخفاء أن يحصل معه إيتاء الفقراء.

وأما في الإبداء فقلما يخفى حال الفقير فلهذا لم يصرح بالشرط.

﴿ ونكفر عنكم ﴾ من قرأ بالنون مرفوعاً فهو عطف على محل ما بعد الفاء، لأن الأصل في الشرط والجزاء أن يكونا فعلين.

فإذا وقع الجزاء فعلاً مضارعاً مع الفاء كان خبر مبتدأ محذوف.

فقوله: ﴿ فهو ﴾ في تأويل.

فيكون خيراً لكم ﴿ ونكفر ﴾ بالرفع عطف عليه، ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ونحن نكفر، وأن يكون جملة من فعل وفاعل مستأنفة.

ومن قرأ مجزوماً فهو عطف على محل الفاء وما بعده لأنه جواب الشرط كأنه قيل: وإن تخفوها تكن أعظم أجراً.

وأما من قرأ ﴿ ويكفر ﴾ بياء الغيبة مرفوعاً فالإعراب كما مر في النون والضمير لله أو للإخفاء.

وقرىء ﴿ وتكفر ﴾ بالتاء مرفوعاً ومجزوماً والضمير للصدقات، وقرأ الحسن بالياء والنصب بإضمار "إن" ومعناه: وإن تخفوها تكن خيراً لكم وأن يكفر عنكم خير لكم.

والتكفير في اللغة الستر والتغطية ومنه "كفر عن يمينه" أي ستر ذنب الحنث.

وقوله: ﴿ من سيئاتكم ﴾ يحتمل أن يكون "من" للتبعيض لأن السيئات كلها لا تكفر وإنما يكفر بعضها، ثم أبهم الكلام في ذلك البعض لأن بيانه كالإغراء على ارتكابها، وأحسن أحوال العبد أن يكون بين الخوف والرجاء.

ويحتمل أن يكون للتعليل أي من أجل سيئاتكم كما لو قلت: ضربتك من سوء خلقك أي من أجل ذلك.

وقيل: إنها زائدة.

﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ كأنه ندب بهذا الكلام إلى الإخفاء الذي هو أبعد من الرياء.

عن الكلبي أنه قال: "اعتمر رسول الله  عمرة القضاء وكانت معه أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمها قتيلة وجدتها فسألتاها وهما مشركتان فقالت: لا أعطيكما شيئاً حتى أستأمر رسول الله  فإنكما لستما على ديني.

فاستأمرته في ذلك فأنزل الله  : ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ فأمرها رسول الله  بعد نزولها أن تتصدق عليهما فأعطتهما ووصلتهما" قال الكلبي: ولها وجه آخر، وذلك أن ناساً من المسلمين كانت لهم قرابة وأصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفعونهم قبل أن يسلموا.

فلما أسلموا كرهوا أن ينفعوهم وراودوهم أن يسلموا واستأمروا رسول الله  فنزلت فأعطوهم بعد نزولها.

وعن سعيد بن جبير قال: "قال رسول الله  : لا تصدقوا إلا على أهل دينكم فأنزل الله ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ فقال رسول الله  : تصدقوا على أهل الأديان" وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك.

والعلماء أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم فتكون/ الآية مخصوصة بالتطوع.

وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة وأباه غيره،ومعنى الآية ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام فتصدق عليهم لوجه الله ولا توقف ذلك على إسلامهم، وذلك أنه  كان شديد الحرص على إيمانهم فأعلمهم الله  أنه بعث بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله ومبيناً للدلائل فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك.

فالهدى ههنا بمعنى الاهتداء، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم.

وفيه وجه آخر ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة توقيف الصدقة على إيمانهم، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به، بل الإيمان المطلوب منهم هو الإيمان طوعاً واختياراً ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ إثبات للهداية التي نفاها أولاً.

لكن المنفي أولاً هو الهداية أي الاهتداء على سبيل الاختيار فكذا الثاني.

ومنه يعلم أن الاهتداء الاختياري واقع بتقدير الله  وتخليقه وتكوينه وهذا التفسير هو المناسب لسبب النزول.

وفي الكشاف: أن المعنى لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهى عنه.

ثم ظاهر قوله: ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ إنه خطاب مع النبي  ولكن المراد به هو وأمته، لأن ما قبله عام ﴿ إن تبدوا الصدقات ﴾ وما بعده عام ﴿ وما تنفقوا من خير ﴾ من مال ﴿ فلأنفسكم ﴾ ثوابه فليس يضركم كفرهم أو فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم ﴿ وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ﴾ أي لستم في صدقتكم علىأقاربكم المشركون تقصدون إلا وجه الله من صلة رحم أو سد خلة مضطر، قد علم الله هذا من قلوبكم.

وقيل: خبر في معنى نهي أي لا تنفقوا إلا لله، وقيل: معناه لا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم المفيد للمدح حتى تبتغوا وجه الله، وقيل: ليست نفقتكم إلا لطلب ما عند الله فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله؟

وفائدة إقحام الوجه أنك إذا قلت فعلته لوجه زيد كان أشرف من قولك فعلته له، لأن وجه الشيء أشرف ما فيه، ثم كثر حتى عبر به عن الشرف مطلقاً.

وأيضاً قول القائل: "فعلت هذا الفعل له" احتمل الشركة وأن يكون قد فعله لأجله ولغيره، أما إذا قال "فعلت لوجهه" فلا يحتمل الشركة عرفاً ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم ﴾ جزاؤه في الآخرة أضعافاً مضاعفة، وإنما حسن قوله ﴿ إليكم ﴾ مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية ﴿ وأنتم لا تظلمون ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.

ثم لما بيّن أنه يجوز صرف الصدقة إلى أي فقير كان، أراد أن يبين أن اشد الناس/ استحقاقاً من هو فقال ﴿ للفقراء ﴾ أي ذلك الإنفاق لهؤلاء الفقراء كما لو تقدم ذكر رجل فتقول: عاقل لبيب أي ذلك الذي مر وصفه عاقل لبيب، وقيل: اعمدوا للفقراء أو أجلوا ما تنفقون للفقراء، أو المراد صدقاتكم للفقراء.

قيل: نزلت في فقراء المهاجرين وكانوا نحو أربعمائة رجل وهم أصحاب الصفة، لم يكن لهم سكن ولا عشائر بالمدينة، كانوا ملازمين للمسجد يتعلمون القرآن ويصومون ويخرجون في كل غزوة، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى.

وعن ابن عباس: "وقف رسول الله  يوماً على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال: أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنه من رفقائي" .

ثم إنه  وصف هؤلاء الفقراء بخمس صفات: الأولى قوله ﴿ الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ أي حصروا أنفسهم ووقفوا على الجهاد في سبيل الله لأن سبيل الله مختص بالجهاد في عرف القرآن، ولأن وجوب الجهاد في ذلك الزمان كان آكد فكانت الحاجة إلى من يحبس نفسه للمجاهدة مع رسول الله  أشد، فموضع الصدق فيهم يكون أوقع سداً لخلتهم وتقوية لقلوبهم وإعلاء لمعالم الدين.

وعن سعيد بن المسيب واختاره الكسائي، أن هؤلاء قوم أصابتهم جراحات في الغزوات فأحصرهم المرض والزمانة، وعن ابن عباس: هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد فعذرهم الله.

الثانية ﴿ لا يستطعيون ضرباً في الأرض ﴾ أي سيراً فيها وذلك إما لاشتغالهم بالعبادة أو بالجهاد فلا يفرغون للكسب والتجارة، وإما لأن خوفهم من الأعداء يمنعهم من السفر، وإما لأن مرضهم وعجزهم يمنعهم منه.

الثالثة ﴿ يحسبهم ﴾ يظنهم ﴿ الجاهل ﴾ بحالهم ومن لم يخبر أمرهم ﴿ أغنياء من التعفف ﴾ من أجل تركهم المسألة وإظهارهم التجمل تكلفاً منهم.

والتعفف إظهاء العفة وهي ترك الشيء والكف عنه.

الرابعة ﴿ تعرفهم ﴾ أي أنت يا محمد أو كل راء ﴿ بسيماهم ﴾ والسيما والسيمياء العلامة التي يعرف بها الشيء من السمة العلامة فوزنه "عفلى" قال مجاهد: سيماهم التخشع والتواضع.

الربيع والسدي: أثر الجهد من الجوع والفقر.

الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع.

أبو زيد: رثاثة ثيابهم.

وقيل: المهابة في العيون.

وقيل: آثار الفكر.

روي أنه  كان كثير الفكر.

الخامسة ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ أي إلحاحاً وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطى له.

والتركيب يدل على الستر كأنه لزم المسؤول لزوم الساتر للمستور.

عن النبي  : " إن الله يحب الحيي الحليم المتعفف ويبغض البذيء السائل الملحف " قيل: معنى الآية أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا، وأورد عليه أنه ينافي التعفف الذي وصفوا به قبل.

فالوجه أن يراد نفي السؤال والإلحاف جميعاً كقوله: ولا ترى الضب بها يتجحر *** أي لا ضب ولا انجحار ليكون موافقاً لوصفهم بالتعفف.

وفائدة الكلام التنبيه على سوء طريقة الملحف كما/ إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور والآخر طياش خفيف وأردت أن تمدح أحدهما وتذم الآخر قلت: فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام ليس بخواض ولا مهذار.

لم يكن غرضك من قولك "ليس خواض ولا مهذار" وصفه بذلك لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عنه، بل غرضك التنبيه على سوء طريقة الثاني.

وقيل: معناه لا يتركون السؤال إلا بإلحاح شديد منهم على أنفسهم لشدة حاجتهم كقوله: ولي نفس أقول لها إذا ما *** تنازعني لعلي أو عساني وقيل: إن عدم السؤال بطريق الإلحاف يتضمن نفي السؤال عنهم رأساً لأن كل سائل فلا بد أن يلح في بعض الأوقات كأنه يقول: إذا أرقت ماء وجهي فلا أرجع بغير مقصود.

وقيل: لعل الساكت عن السؤال يطهر من نفسه أمارات الحاجة فيكون في حال سكوته أنطق ما يكون فترق القلوب له، فالمراد أنهم وإن سكتوا عن السؤال لكنهم لا يضمون إلى ذلك السؤال من رثاثة الحال وآثار الانكسار ما يقوم مقام السؤال فإن ذلك نوع إلحاف، بل يتجملون للخلق بحيث لا يطلع على سرهم غير الخالق.

عن النبي  : " لا يفتح أحد باب مسألةٍ إلا فتح الله عليه باب فقر ومن يستغن يغنه الله ومن استعف يعفه الله" " "لأن يأخذ أحدكم حبلاً يحتطب به فيبيعه بمد من تمر خير له من أن يسأل الناس " ﴿ وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ﴾ فيه أن ثواب هذا الإنفاق الذي هو أعظم المصارف لا يكتنه كنهه فلذلك وكل إلى علم الله  بخلاف الآية المتقدمة فإنه لما رغب في التصدق على أهل الأديان قال في آخره ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم ﴾ كما لو قال السلطان لعبده الذي حسن عنده موقع خدمته: إني بحسن خدمتك عالم ولحقك عارف.

كان أبلغ مما لو قال: إن أجرك واصل إليك.

ثم أرشد في خاتمة الآيات إلى أكمل وجوه الإنفاقات بقوله: ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار ﴾ الآية.

وذلك أن الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة يكون ذلك منهم دليلاً على الحرص البالغ والاهتمام التام كلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه متعللين بوقت وحال.

والباء بمعنى "في" أي في الليل والنهار و ﴿ سراً وعلانية ﴾ منصوبان على الظرفية أيضاً أي في أوقات السر والعلن، أو على وصف المصدر أي إنفاقاً سراً وعلانية، أو على الحال لكونه بياناً عن كيفية الإنفاق، وقيل: لما نزل/ ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير إلى أصحاب الصفة وبعث عليّ بوسق من تمر ليلاً فنزلت الآية.

وفي تقديم ذكر الليل وتقديم السر على العلانية دليل على أن صدقة علي  كانت أكمل.

وعن ابن عباس: "ما كان علي  يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم نهاراً وبدرهم ليلاً وبدرهم سراً وبدرهم علانية فقال له النبي  : ما حملك على هذا؟

فقال: أن استوجب ما وعد لي ربي.

فقال: ذلك لك" ونزلت الآية.

وقيل: نزلت في أبي بكر حين تصدق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية.

وقيل: في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله.

وكان أبو هريرة إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية والله  أعلم بحقيقة الحال.

التأويل: ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ فيه صلاح المتصدق من وجوه: أحدها لو فسر الطيب بالحلال فليقبل الله منه، ولو فسر بالجودة فليجز به بقدر جودته.

وثانيها ليثاب على التعظيم لأمر الله.

وثالثها ليثاب على الشفقة على خلق الله.

ورابعها ليثاب على الإيثار ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ وخامسها ليستحق البر ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون  ﴾ .

وسادسها ليثاب على زيادة الإيمان وأن المتصدق في صدقته كالزارع في زراعته.

فكما أن الزارع كلما ازداد إيقانه بحصول الثمرة اجتهد في جودة البذر فكذا المتصدق كلما ازداد إيمانه بالبعث والجزاء زاد في جودة صدقته لتحققه ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها  ﴾ وقدم ذكر الكسب على ذكر المخرج من الأرض لقوله  " "إن أطيب ما يأكل الرجل من كسب يده " وفي الآية معنى آخر لطيف ﴿ انفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ من تزكية النفوس وتصفية القلوب ﴿ ومما أخرجنا لكم ﴾ من أرض طينتكم من تحلية سرائركم بمكارم الأخلاق، ولتكن النفقة طيبة من خباثة الشبهات طيباً إنفاقها من خباثة الأغراض الدنيوية والأخروية، طيباً منفقها من خباثة الالتفات والنظر في الإنفاق إلى غير الله، فإذا كانت النفقة طيبة في نفسهافلله قبول طيب من الوسائط فيأخذها بيده ويربيها قبل أن تقع في يد الفقير، وإذا كانت اليد طيبة في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند الله من عملها، وإذا كان القلب المنفق طيباً عن الالتفات إلى غير الله فلله قبول طيب عن الأغيار بين أصبعين من أصابع الرحمن، وهذا/ تحقيق قوله  " "إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب " ولستم بآخذي هذا الخبيث لا في أصل الفطرة ولا في عهد الخلقة لأنكم خلقتم من أصل طيب وطينة طيبة.

فالروح من أطيب الأطايب لأنه أقرب الأقربين إلى حضرة رب العالمين، والجسد من التراب الطيب ﴿ فتيمموا صعيداً طيباً  ﴾ ثم أحياكم بالإيمان ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ثم يرزقكم من الطيبات ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم  ﴾ فليس منكم شيء خبيث في الظاهر والباطن ﴿ إلا أن تغمضوا فيه ﴾ فتقبلوه تكلفاً وقسراً " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه " فلما لم تكن الخباثة ذاتية للإنسان بل كانت طارئة عليه عارية لديه أنزل الله  كلمة طيبة هي " لا إله إلا الله" ليطيب بالمواظبة عليها أخلاقهم ويستحقوا يوم القيامة أن يقال لهم ﴿ سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين  ﴾ ﴿ واعلموا أن الله غني ﴾ فمن كمال غناه أراد أن يغنيكم بثواب الإنفاق ﴿ حميد ﴾ على ما أنعم بهذا التكليف ليتوسل به إلى الكمال الأبدي.

﴿ الشيطان يعدكم الفقر ﴾ ظاهراً فهو يأمركم بالفحشاء باطناً لأنها اسم جامع لكل سوء فيتضمن البخل والحرص واليأس من الحق والشك في مواعيد الحق بالخلف والتضعيف وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه ونسيان فضله وتعلق القلب بغيره ومتابعة الشهوات وترك العفة والقناعة والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبذر كل بلية.

فمن فتح على نفسه باب وسوسة فسوف يبتلى بهذه الآفات وأضعافها، ومن فتح على نفسه باب عدة الحق أفاض عليه سجال غفرانه وبحار فضله وإحسانه.

فالمغفرة تكفير الذنوب والآثام، والفضل ما لا تدركه الأوهام ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ فمن ذلك أن يفتح على قلبه باب حكمته عاجلاً كما قال ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ وليست الحكمة مما يحصل بمجرد التكرار كما ظنه أهل الإنكار والذين لم يفرقوا بين المعقولات وبين الأسرار والحكم الإلهيات.

فالمعقولات ما تكتسب بالبرهان وهي مشتركة بين أهل الأديان، والأسرار الإلهية مواهب الحق لا ترد إلا على قلوب الأنبياء والأولياء ﴿ نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء  ﴾ ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين لم يقفوا عند القشور وارتقوا إلى لب عالم النور.

ثم أخبر عن توفية الأجور للمنفق في المفروض والمنذور ﴿ وما للظالمين ﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه فبدلوا بالإنفاق النفاق وبالإخلاص الرياء ﴿ من أنصار ﴾ ولا ناصر بالحقيقة إلا الله، ومن أذن له الله/ إبداء الصدقات ضد إخفائها، وإخفاؤها تخليتها عن شوب الحظوظ وإليه الإشارة في قوله  : " "سبعة يظلهم الله في ظله " ثم قال: " ورجل تصدق بيمينه فأخفاها عن شماله" " أي عن حظوظ نفسه لتكون خالصة لوجه الله.

فصاحبها يكون في ظل الله قال  : " إن المرء يكون في ظل صدقته يوم القيامة " أي إن كانت صدقته لله كان في ظل الله، وإن كانت للجنة كان في ظل الجنة، وإن كانت للهوى كان في ظل الهاوية.

فمعنى قوله: ﴿ إن تبدو الصدقات ﴾ أي تظهروها لطمع ثواب الجنة فإن طمع الصواب شوب حظ ﴿ فنعما هي ﴾ فإنها مرتبة الأبرار ﴿ إن الأبرار لفي نعيم  ﴾ ﴿ وإن تخفوها ﴾ عن كل حظ ونصيب ﴿ وتؤتوها الفقراء ﴾ الذين تعطونها إياهم لوجه الله لا لحظ النفس ﴿ فهو خير لكم ﴾ لأن جزاءها لقاء الله.

ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها الولاية وأن الله فيها ولي الكفاية، يا محمد لك المقام المحمود واللواء المعقود ولك الوسيلة وعلى الأنبياء الفضيلة، وأنت سيد الأولين والآخرين وأنت أكرم الخلائق على رب العالمين ولكن ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ ولكن الهداية من خصائص شأننا ولوائح برهاننا، أنت تدعوهم ونحن نهديهم.

ثم نبه على أن أفضل وجوه الإنفاق هو الفقير الذي أحصرته المحبة في الله عن طلب المعاش لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الكفاف، أخذ عليه سلطان الحقيقة كل طريق فلا له في المشرق مذهب ولا له في المغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب.

كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها *** عليه فما تزداد طولاً ولا عرضاً ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ﴾ لأنهم مستورون تحت قباب الغيرة محجوبون عن معرفة أهل الغيرية "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري يا محمد" ﴿ تعرفهم بسيماهم ﴾ لأنك لست بك فلست غيري، ما رأيت إذ رأيت ولكن الله رأى ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى  ﴾ وإن سيماهم لا يرى بالبصر الإنساني بل يرى من نور رباني، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن أنهم ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ لا بقليل ولا بكثير.

لأن آثار أنوار غنى قلوبهم انعكست على ظواهرهم فتنورت بالتعفف نفوسهم، واضمحلت ظلمة فقرهم وفاقتهم ﴿ وما تنفقوا من خير ﴾ من المال أو الجاه أو خدمة بالنفس أو إكرام أو إرادة حتى السلام على هؤلاء السادة استحقاقاً وإجلالاً لا استخفافاً وإذلالاً ﴿ فإن/ الله به عليم ﴾ ومن سيماهم في الظاهر أنهم إذا وجدوا مالاً لم يبيعوا عزة الفقر به بل ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية ﴿ فلهم أجرهم عند ربهم ﴾ عند مليك مقتدر ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ في الدنيا على ما يفوتهم لأنهم تركوها لله وهو لهم خلف عن كل تلف، ولا في الآخرة ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰا۟ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَوٰا۟ ۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟ ۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٢٧٥ يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٢٧٧ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٢٧٨ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ٢٧٩ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍۢ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍۢ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٨٠ وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٢٨١

القراءات: ﴿ الربا ﴾ حيث كان بالإمالة: حمزة وعلي وخلف.

وهذا إذا كان معرّفاً ولا يميلون المنكر في الوصل لأجل التنوين كقوله: ﴿ وما آتيتم من ربا  ﴾ ويميلون في الوقف لزوال التنوين ﴿ فأذنوا ﴾ ممدودة مكسورة الذال: حمزة وحماد وأبو بكر غير ابن غالب والبرجمي حمزة يقف بغير همزة أي بالتليين.

الباقون فأذنوا بسكون الهمزة وفتح الذال ﴿ لا تظلمون ولا تظلمون ﴾ الأول مبني للمفعول والثاني للفاعل المفضل.

الباقون بالعكس ﴿ ميسره ﴾ بضم السين: نافع ﴿ ميسرة ﴾ بضم السين وإثبات التاء: زيد عن يعقوب، الباقون بفتح السين وعدم التاء.

﴿ وأن تصدقوا ﴾ خفيفاً بحذف إحدى التاءين: عاصم.

الباقون بتشديد الصاد لإدغام تاء التفعل في الصاد.

﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم: أبو عمرو ويعقوب عباس مخير.

الباقون مبنياً للمفعول.

الوقوف: ﴿ من المس ﴾ ط،/ ﴿ مثل الربا ﴾ م كيلا يظن أن ما بعده من قولهم وإن أمكن جعل ﴿ وأحل ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ وحرم الربا ﴾ ط لابتداء الشرط واستئناف المعنى، ﴿ ما سلف ﴾ ط لتناهي الجزاء، ﴿ إلى الله ﴾ ج، ﴿ النار ﴾ ج، ﴿ خالدون ﴾ ه، ﴿ الصدقات ﴾ ط، ﴿ أثيم ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ج، ﴿ يحزنون ﴾ ه، ﴿ مؤمنين ﴾ ه، ﴿ ورسوله ﴾ ج، ﴿ أموالكم ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف أو حال عاملة معنىالفعل في لام التمليك، ﴿ ولا تظلمون ﴾ ه، ﴿ ميسرة ﴾ ط، ﴿ تعلمون ﴾ ه، ﴿ لا يظلمون ﴾ ه.

التفسير: الحكم الثاني من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع حكم الربا.وذلك أنَّ بين الصدقة وبين الربا مناسبة التضاد، فإن الصدقة تنقيص مأمور بها، والربا زيادة منهي عنها.

وأيضاً لما أمر بالإنفاق من طيبات المكاسب وجب أن يردف بالكسب الحرام وهو الربا، والحلال وهو البيع ما يناسب من الدين والرهن وغيرهما فقال ﴿ الذين يأكلون الربا ﴾ أما الأكل فيعم جميع التصرفات إلا أنه عبر عن الشيء بمعظم مقاصده وكيف لا وقد " لعن رسول الله  آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه والمحلل له" " وأيضاً نفس الربا لا يمكن أن يؤكل ولكن يصرف إلى المأكول فيؤكل، فالمراد التصرف فيه.

والربا في اللغة الزيادة من ربا يربو، ومن أمالها فلمكان كسرة الراء.

وهو في المصاحف مكتوب بالواو وأنت مخير في كتابتها بالألف والواو.

وفي الكشاف: كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة.

وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع.

ثم الربا قسمان: ربا النسيئة وربا الفضل.

أما الأول فهو الذي كانوا يتعارفونه في الجاهلية، كانوا يدفعون المال مدة على أن يأخذوا كل شهر قدراً معيناً، ثم إذا حل الدين طالب المديون برأس المال فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل.

وأما ربا الفضل فأن يباع مَنٌّ من الحنطة بمنوين مثلاً.

والمروي عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول وكان يقول: لا ربا إلا في النسيئة.

ويجوّز ربا النقد فقال له أبو سعيد الخدري: أشهدت ما لم نشهد أسمعت ما لم نسمع؟

فروى له الحديث المشهور في هذا الباب.

وله روايات منها.

" الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطى فيه سواء" ثم قال أبو سعيد: لا أرني وإياك في ظل بيت ما دمت على هذا.

فيروى أنه رجع عنه.

قال محمد بن سيرين: كنا في بيت معنا عكرمة فقال رجل: يا عكرمة، أما تذكر ونحن في بيت فلان ومعنا ابن عباس؟

فقال: إنما كنت/ استحللت الصرف برأيي ثم بلغني أن رسول الله  حرمه فاشهدوا أني قد حرمته وبرئت إلى الله منه.

حجة ابن عباس أن قوله  : ﴿ وأحل الله البيع ﴾ يتناول بيع الدرهم بالدرهمين نقداً.

وقوله: ﴿ وحرم الربا ﴾ لا يتناوله لأن كل زيادة ليست محرمة فوجب أن تبقى على الحل ولا يخرج إلا العقد المخصوص الذي كان يسمى فيما بينهم ربا وهو ربا النسيئة.

وقد تأكد هذا الرأي بما روى أسامة ين زيد أن النبي  قال: " الربا في النسيئة " وفي رواية " لا ربا فيما كان يداً بيد " وذكر أبو المنهال أنه سأل البراء بن عازب وزيد بن أرقم "فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله  فسألنا رسول الله  عن الصرف فقال: إن كان يداً بيد فلا بأس، وإن كان نسيئة فلا يصح" وأما جمهور المجتهدين فقد اتفقوا على حرمة الربا في القسمين.

أما النسيئة فبالقرآن، وأما النقد فبالخبر، ثم إن الخبر دل على حرمة ربا النقد في الأشياء الستة: النقدان والمطعومات الأربعة.

ولا شك أن الربا إنما ثبت فيها لمعنى، فإذا عرف ذلك المعنى ألحق بها ما يشاركها فيه.

أما الأشياء الأربعة فللشافعي في علة الربا فيها قولان: الجديد أن العلة الطعم لما روي عن معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع رسول الله  يقول " الطعام بالطعام مثل بمثل " علق الحكم باسمي الطعام، والحكم المعلق بالاسم المشتق معلل بما منه الاشتقاق كالقطع المعلق باسم السارق، والجلد المعلق باسم الزاني.

والقديم أن العلة فيها الطعم مع الكيل أو الوزن لما روي أنه  قال: " "الذهب بالذهب وزناً بوزن والبر بالبر كيلاً بكيل " فعلى هذا يثبت الربا في كل مطعوم مكيل أو موزون دون ما ليس بمكيل ولا موزون كالسفرجل والرمان والبيض والجوز.

وقال مالك: العلة الاقتيات، فكل ما هو قوت أو يستصلح به القوت كالملح يجري فيه الربا.

وعند أبي حنيفة العلة الكيل حتى ثبت الربا في الجص والنورة.

وعن أحمد رواية كأبي حنيفة والأخرى كالجديد.

وأما النقدان فعن بعض الأصحاب أن العلة فيهما لعينهما لا لعلة.

والمشهور أن العلة فيهما صلاحية الثمنية الغالبة فيشمل التبر والمضروب والحلي والأواني المتخذة منها، ولا يتعدى الحكم إلى الفلوس على الأصح وإن راجت رواج الذهب والفضة لانتفاء العلة.

وقال أحمد وأبو حنيفة: العلة فيهما الوزن فيتعدى الحكم إلى كل موزون كالحديد والرصاص.

فهذا ضبط المذاهب وتفاريعها إلى الفقه.

وأما السبب في تحريم الربا/ فهو أن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئة يحصل له زيادة درهم من غير عوض، وأخذ مال المسلم من غير عوض محرم لقوله  : " "حرمة مال المسلم كحرمة دمه " وإبقاء رأس المال في يده مدة مديدة وتمكينه من أن يتجر فيه وينتفع به أمر موهوم فقد يحصل وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد متيقن وتفويت المتيقن لأجل الموهوم لا يخلو من ضرر.

وقيل: سبب تحريمه أنه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب، لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقداً أو نسيئة أعرض عن وجوه المكاسب فيختل نظام العالم.

وقيل: لما يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، ولأنه تمكين للغني من أن يأخذ مالاً زائداً من الفقير.

وقيل: إن حرمة الربا قد ثبتت بالنص ولا يجب أن تكون حكمة كل تكليف معلومة لنا.

﴿ لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ﴾ التخبط الضرب على غير استواء ومنه خبط العشواء وتخبط الشيطان.

قيل: من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع فورد على ما كانوا يعتقدون.

والمس الجنون رجل ممسوس أي مسه الجني فاختلط عقله، وكذلك جن الرجل ضربته الجن وهذا أيضا من زعماتهم.

وقيل: من عادة الناس إذا أرادوا تقبيح شيء أن يضيفوه إلى الشيطان كما في قوله  : ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين  ﴾ فورد القرآن على ذلك.

وقيل: إن الشيطان يمسه بالوسوسة المؤذية التي يحدث عندها الفزع فيصرع كما يصرع الجبان في الموضع الخالي، ولهذا لا يوجد هذا الخبط في العقلاء وأرباب الحزم واللب.

وأكثر المسلمين على أن الشيطان لا يبعد أن يكون قوياً على الصرع والقتل والإيذاء بتقدير الله  .

وللمفسرين في الآية أقوال: أحدها أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف.

وقوله: ﴿ من المس ﴾ يتعلق بـ ﴿ لا يقومون ﴾ أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع.

أو يتعلق بـ ﴿ يقوم ﴾ أي كما يقوم المصروع من جنونه، وقال ابن قتيبة: يريد إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم فأثقلهم.

وقيل: إنه مأخوذ من قوله  : ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا  ﴾ وذلك أن الشيطان يدعوه إلى الهوى، والملك يجره إلى التقوى، فيقع هناك حركات مضطربة وأفعال مختلفة وهو الخبط، فإذا مات آكل الربا على ذلك أورثه الخبط في الآخرة وأوقعه في ذلك الحجاب بينه وبين الله/ تعالى.

﴿ ذلك ﴾ العقاب بسبب قولهم ﴿ إنما البيع مثل الربا ﴾ وذلك أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلاً وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع وإلا كان حق النظم في الظاهر أن يعكس فيقال: إنما الربا مثل البيع.

لأن الكلام في الربا لا في البيع، ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق، ثم إنهم كانوا يعولون في تحليل الربا على هذه الشبهة وهي أن من اشترى ثوباً بعشرة ثم باعه بأحد عشر نقداً أو نسيئة فهذا حلال، فكذا إذا أعطى العشرة بأحد عشر لا فرق بين الصورتين إذا حصل التراضي من الجانبين، والبياعات إنما شرعت لدفع الحاجات.

ولعل الإنسان يكون صفر اليد في الحال وسيحصل له أموال كثيرة في المآل فإعطاؤه الزيادة عند وجدان المال أسهل عليه من البقاء في الحاجة قبل وجدان المال.

فأجاب الله  عنها بحرف واحد وهو قوله: ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا ﴾ وحاصلة إنكار التسوية وأن النص لا يعارض بالقياس فإن ذلك من عمل إبليس، أمره الله تعالى بالسجود فعارض النص بالقياس وقال أنا خير منه.

ثم ظاهر الآية يدل على أن الوعيد إنما لحقهم باستحلالهم الربا دون الإقدام على أكله مع اعتقاد التحريم، وعلى هذا التقدير لا يثبت بهذه الآية كون أكل الربا من الكبائر، ويجب تأويل مقدمة الآية بأن المراد من أكلهم الربا استطابته واستحلاله كما يقال: فلان يأكل مال الله قضماً وهضماً.

أي يستحل التصرف فيه إلا أن جمهور المفسرين حملوا الآية على وعيد من يتصرف في مال الربا لا على وعيد من يستحل هذا العقد.

قيل: ويحتمل أن يكون قوله ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا ﴾ من تمام كلام الكفار على سبيل الاستبعاد.

وأكثر المفسرين على خلافه لأن جعله من كلام الكفار لا يتم إلا بإضمار هو أن يحمل ذلك على الاستفهام بطريق الإنكار، أو على الرواية عن قول المسلمين والإضمار خلاف الأصل.

وأيضاً لو كان من تمام كلامهم فلم يكشف الله  عن فساد شبهتهم، فلم يكن قوله بعد ذلك ﴿ فمن جاءه موعظة من ربه ﴾ لائقاً بالمقام وأيضاً المسلمون لم يزالوا متمسكين في البيع بهذه الآية، ولولا أنهم علموا أن ذلك كلام الله لا كلام الكفار لم يصح منهم الاستدلال بها.

وههنا بحث للشافعي وهو أن الآية من المجملات التي لا يجوز التمسك بها بناء على أن الاسم المفرد باللام لا يفيد العموم وليس فيه إلا تعريف الماهية فيكفي في العمل به ثبوت صورة واحدة.

ولو سلم إفادة العموم فلا شك أن إفادته مما لو قيل: وأحل الله البياعات: بلفظ الجمع.

ومع ذلك فقد تطرق إليه تخصيصات خارجة عن الحصر والضبط، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام الله لأنه قريب من الكذب.

نعم إطلاق اللفظ المستغرق على الأغلب عرف مشهور، وأيضاً روي أن عمر قال: " خرج رسول الله  من الدنيا وما سألناه عن الربا" .

ولو كان هذا اللفظ مفيداً للعموم لم يقل/ ذلك.

وأيضاً قوله ﴿ وأحل الله البيع ﴾ يقتضي أن يكون كل بيع حلالاً، وقوله: ﴿ وحرم الربا ﴾ يقتضي أن يكون كل رباً حراماً.

لأن الربا هو الزيادة ولا بيع إلا ويقصد به الزيادة، وإذا تعارضا وتساقطا ووجب الرجوع إلي بيان النبي  .

﴿ فمن جاءه موعظة ﴾ فمن بلغه وعظ ﴿ من ربه فانتهى ﴾ امتنع من استحلال الربا وتبع النهي ﴿ فله ما سلف ﴾ فلا يؤاخذ بما مضى منه لأنه أخذ قبل نزول التحريم كقوله ﴿ إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف  ﴾ عن الزجاج: والتنوين في ﴿ موعظة ﴾ للتعظيم أو للتقليل أي موعظة بليغة أو شيء من المواعظ.

وقيل: النهي المتأخر كيف يؤثر في الفعل المتقدم حتى يكون ما سلف ذنباً؟

فالمراد له ما أكل من الربا وليس عليه رد ما سلف.

عن السدي: والسلوف التقدم ومنه الأمم السالفة، وسلافة الخمر صفوتها لأنه أول ما يخرج من عصيرها، ﴿ وأمره إلى الله ﴾ لأنه إن انتهى عن أكل الربا كما انتهى عن استحلاله فهو المقر بدين الله العامل بتكليفه فيستحق المدح والثواب، وإن انتهى عن الاستحلال دون الأكل فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له لقوله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ ﴿ ومن عاد ﴾ إلى استحلال الربا وأنه مثل البيع ﴿ فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ لأنه كفر باستحلال ما هو محرم إجماعاً.

وأما القائلون بتخليد الفساق فيقولون: ومن عاد إلى أكل الربا.

ثم إنه تعالى لما بالغ في الزجر عن الربا وكان قد بالغ في الآي السالفة في الحث على الصدقات، ذكر ما يجري مجرى الداعي إلى ترك الربا وفعل الصدقة فقال ﴿ يمحق الله الربا ويربي الصدقات ﴾ والمحق نقص الشيء حالاً بعد حال ومنه "محاق القمر" وكل من محق الربا وإرباء الصدقات إما في الدنيا وإما في الآخرة.

وذلك أن الغالب في المرابي وإن كثر ماله أن تؤل عاقبته إلى الفقر وتزول البركة عن ماله.

عن ابن مسعود أن النبي  قال: " "الربا وإن كثر إلى قل " وذلك لدعاء الناس عليه وبغضهم إياه لسقوط عدالته وشهرته بالفسق والعدوان، وربما يطمع الظلمة في ماله ظناً منهم من أن المال في الحقيقة ليس له.

وعن ابن عباس في تفسير هذا المحق أن الله  لا يقبل منه صدقة ولا جهاداً ولا حجاً ولا صلة.

ثم إن مال الربا لا يبقى عند الموت وتبقى التبعة عليه.

وقد ثبت في الحديث " أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام " هذا حال الغني من الحلال فكيف حال الغني من الحرام المقطوع بحرمته؟

قال القفال: نظير قوله ﴿ يمحق الله الربا ﴾ المثل الذي ضربه فيما تقدم ﴿ كمثل صفوان عليه تراب  ﴾ ونظير قوله: ﴿ ويربي الصدقات ﴾ المثل الآخر ﴿ كمثل جنة بربوة  ﴾ .

﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل  ﴾ عن أبي هريرة/ عن رسول الله  : " إن الله يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد " وأيضاً المتصدق يزداد كل يوم جاهه وذكره الجميل وتميل القلوب إليه وتنقطع الأطماع عنه متى اشتهر منه أنه متشمر لإصلاح مهمات الضعفاء وسد خلة الفقراء، فتبين أن الربا وإن كان زيادة في المال إلا أنه نقصان في المآل، والصدقة وإن كانت نقصاناً في الحال إلا أنها زيادة في الاستقبال.

فعلى العاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الحس والطبع ويعوّل على ما ندب إليه العقل والشرع ﴿ والله لا يحب كل كفار أثيم ﴾ الكفار فعال من الكفر ومعناه المقيم على ذلك، والصيغة للمزاولة كـ "تمار وقوال" والأثيم "فعيل" بمعنى "فاعل" وهو أيضا للمبالغة في الاستمرار على اكتساب الآثام، وذلك لا يليق إلا بمن ينكر تحريم الربا فيكون جاحداً.

ووجه آخر وهو أن يكون الكفار عائداً إلى المستحل، والأثيم إلى الآكل مع اعتقاد التحريم.

ويحتمل أن يعود كلاهما إلى أكل الربا ويكون تغليظاًَ في أمر الربا وإيذاناً بأنه من فعل الكفرة لا من فعل المسلمين.

وفي الآية دلالة على أنه  سبقت رحمته غضبه.

بيانه أنه لم ينف المحبة إلا عن الجامع بين الإصرار على الكفر وبين المواظبة على سائر الآثام كالربا.

فإن استحلاله كفر وهو في نفسه إثم مذموم في جميع الأديان، لأنه سلب مال المحتاج بنوع من الإكراه والإلجاء، فتبقى الآية ساكنة عمن جمع بين الأمرين لا على سبيل الإصرار والمواظبة وعن الذي لم يجمع بينهما.

نعم قد عرف بدليل آخر أن الكفار الذي لم يواظب على سائر الآثام لا يستأهل محبة الله  وذلك لا ينافي السكوت عن حكمه ههنا والله أعلم.

ثم ذكر الترغيب عقيب الترهيب على عادته من ذكر الوعد مع الوعيد فقال ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية.

فاحتج به من قال العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان كما مر.

وأجيب بأنه قال في الآية: ﴿ وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ مع أن الصلاة والزكاة من الأعمال الصالحة.

ورد بأن الأصل حمل كل لفظ على فائدة جديدة ترك العمل به عند التعذر فيبقى في غيره على الأصل ﴿ لهم أجرهم عند ربهم ﴾ لم يقل "على ربهم" لأن الأول يجري مجرى ما إذا باع بالنقد وذلك النقد حاضر متى شاء البائع أخذه، والثاني جارٍ مجرى البيع في الذمة نسيئة، ولا شك أن الأول أفضل ﴿ ولا خوف عليهم ﴾ عن ابن عباس: أي فيما يستقبلهم من أحوال القيامة ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ بسبب ما تركوه في الدنيا، فإن المنتقل من حال إلى حال أخرى فوقها ربما يتحسر على بعض ما فاته من الأحوال السالفة وإن كان مغتبطاً بالثانية لأجل إلف وعادة، فبيّن  أن هذا القدر من الندامة لا يلحق أهل الثواب والكرامة.

وقال الأصم: لا خوف عليهم من عذاب يومئذٍ ولا هم يحزنون بسبب أنهم فاتهم النعيم الزائد الذي حصل لغيرهم من السعداء لأنه لا منافسة في الآخرة، وأيضاً إنهم لا يحزنون بسبب إنه لم يصدر منا طاعة أزيد مما صدر حتى صرنا بها مستحقين بثواب أزيد مما وجدناه لأن هذه الخواطر لا توجد في الجنة.

وههنا سؤال وهو أن المرأة إذا بلغت عارفة بالله، ولما بلغت حاضت.

وعند انقطاع حيضها ماتت.

أو الرجل بلغ عارفاً بالله، وقبل أن تجب عليه الصلاة والزكاة مات.

فهما بالاتفاق من أهل الثواب مع خلوهما عن الأعمال، فكيف وقف الله ههنا حصول الأجر على حصول الأعمال؟

والجواب أن الموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها، وقد دلت الآية على أن كل مؤمن عمل صالحاً فله الأجر فلا يلزم العكس الكلي ثم إنه  لما بيَّن أن من انتهى عن الربا فله ما سلف كان يجوز أن يظن أنه لا فرق بين المقبوض منه وبين الباقي في ذمة القوم فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ﴾ فبين أنه يحرم أخذ ما بقي من الربا في ذمتهم.

فإن قيل: كيف قال ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ ثم قال في آخره ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ ؟

فالجواب أن هذا كما يقال: إن كنت أخي فأكرمني.

معناه أن من كان أخاً أكرم أخاه.

ومعناه إذ كنتم مؤمنين أو إن كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان، أو يا أيها الذين آمنوا بلسانكم ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بقلوبكم.

قال القاضي: وفيه دلالة على أن الإيمان لا يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة، وإنما يصير مؤمناً بالإطلاق متى تجنب كل الكبائر.

وأجيب بأن المراد إن كنتم عاملين بمقتضى الإيمان.

وهذا بناء على أن العمل الصالح غير داخل في مسمى الإيمان، وإنما شدد الله في ذلك لأن المنتظر لحلول الأجل إذا حضر الوقت وطن نفسه على أن تلك الزيادة قد حصلت له ففطامه عنها يكون شديداً عليه فقال ﴿ اتقوا الله ﴾ واتقاؤه إنما يكون باتقاء ما نهى عنه.

وهذه الآية أصل كبير في أحكام الكفار.

إذا أسلموا، فإن ما مضى في الكفر يبقى ولا ينقض ولا يفسخ، وما لم يوجد منه في حال الكفر فحكمه محمول على الإسلام، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم ولا يجوز في الإسلام فهو عفو لا يتعقب وإن كان النكاح وقع على مهر حرام فقبضته المرأة فقد مضى، وإن كانت لم تقبضه فلها مهر مثلها دون ما سمى وهذا مذهب الشافعي.

وأما سبب نزول الآية فعن ابن عباس: "بلغنا - والله أعلم - أنها نزلت في بني عمرو بن عمير من ثقيف وفي بني المغيرة بني مخزوم.

كانت بنو المغيرة يربون لثقيف، فلما أظهر الله رسوله على مكة وضع يومئذ الربا كله فأتى بنو عمرو بن عمير وبنو المغيرة إلى عتاب بن أسيد وهو على مكة فقال بنو المغيرة: ما جعلنا أشقى الناس بالربا أوضع عن/ الناس غيرنا.

فقال بنو عمر: وصولحنا على أن لنا ربنا، فكتب عتاب في ذلك إلى رسول الله  فنزلت هذه الآية والتي بعدها ﴿ فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ﴾ فعرف بنو عمرو أن لا يدان لهم بحرب من الله ورسوله" .

وقال عطاء وعكرمة: "نزلت في العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان وكانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجداد قال لهما صاحب التمر: لا يبقى لي ما يكفي عيالي إن أنتما أخذتما حقكما كله.

فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعف لكما؟

ففعلا.

فلما جاء الأجل طلبا الزيادة فبلغ ذلك رسول الله  فنهاهما ونزلت الآية" فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما.

وقال السدي: "نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله  هذه الآية فقال النبي  : ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب" ﴿ فإن لم تفعلوا فأذنوا ﴾ قيل: خطاب مع الكفار المستحلين للربا.

ومعنى قوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ معترفين بتحريم الربا ﴿ فإن لم تفعلوا ﴾ أي فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه ﴿ فأذنوا ﴾ ومن ذهب إلى هذا القول قال: فيه دليل على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام فهو خارج عن الملة كما لو كفر بجميع شرائعه، وعلى هذا يكون مالهم فيئاً للمسلمين.

وقيل: خطاب مع المؤمنين المصرين على معاملة الربا لأنه خطاب مع قوم تقدم ذكرهم وما هم إلا المخاطبون بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ ومعنى قوله: ﴿ فآذنوا ﴾ عند من جعله من الإيذان أعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من الله، فالمفعول محذوف.

وإذا أمروا بإعلام غيرهم فهم أيضا قد علموا ذلك، لكن ليس في علمهم دلالة علي إعلام غيرهم.

فهذه القراءة في الإبلاغ آكد ممن قرأ ﴿ فأذنوا ﴾ من أذن بالشيء إذا أعلم به أي كونوا على إذن وعلم.

فإن قيل: كيف أمربالمحاربة مع المسلمين؟

قلنا: هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل كما جاء في الخبر " من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " وعن جابر عن النبي  : " "من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله " وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  ﴾ أصلاً في قطاع الطريق من المسلمين./ فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب الله وسنة رسوله.

ثم التفضيل فيه أن المصر على عمل الربا إن كان شخصاً قدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى عليه حكم الله من التعزير والحبس إلى أن تظهر منه التوبة، وإن كان له عسكر وشوكة حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكر مانعي الزكاة.

وكذا القول لو أجمعوا على ترك الأذان وترك دفن الموتى فإنه يفعل بهم ما ذكرناه ﴿ وإن تبتم ﴾ من استحلال الربا أو عن معاملة ﴿ فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ﴾ الغريم يطلب زيادة على رأس المال ﴿ ولا تظلمون ﴾ أنتم بنقصان رأس المال.

﴿ وإن كان ذو عسرة ﴾ إن وقع غريم من غرمائكم ذو إعسار على أن "كان" هي التي تسمى تامة بمعنى وجد الشيء وحدث في نفسه لا بمعنى وجد موصوفاً بشيء فإنها حينئذٍ تكون ناقصة تحتاج إلى الخبر.

وقرأ عثمان ﴿ ذا عسرة ﴾ بمعنى وإن كان الغريم أو المستربي ذا عسرة.

والقراءة المشهورة أولى كيلا تكون النظرة مقصورة على الغريم المستربي بل تعمه وغيره من أرباب العسرة وهي اسم من الإعسار وهو تعذر الموجود من المال.

والنظرة التأخير والإمهال وفي الآية حذف والتقدير: فالحكم أو فالأمر نظرة.

وقرىء ﴿ فنظرة ﴾ بسكون الظاء، وقرأ عطاء ﴿ فناظره ﴾ على الأمر أي سامحه بالإنظار وناظره أي صاحب الحق ناظره أي منتظره، أو ذو نظرته مثل مكان عاشب أي ذو عشب.

والميسرة اليسار ضد الإعسار.

وقرىء بضم السين كمقبرة ومقبرة.

ومن قرأ بالإضافة إلى الضمير فقد حذف التاء كقوله: ﴿ وأقام الصلاة ﴾ واختلفوا في أن حكم الإنظار مختص بالربا أو عام في الكل؟

فعن ابن عباس وشريح والضحاك والسدي وإبراهيم: الآية في الربا.

قال الكلبي: قال بنو عمرو لبني المغيرة: هاتوا رؤوس أموالنا ولكم الربا ندعه لكم.

فقال بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسرة فأخرونا إلى أن تدرك الثمرة فأبوا أن يؤخروهم فنزلت ﴿ وإن كان ذو عسرة ﴾ وعن مجاهد وسائر المفسرين أنها عامة في كل دين، ولهذا ورد "كان" تامة.

ولو فرض أن سبب النزول خاص فلا بد من إلحاق سائر الصور به لأن العاجز عن أداء المال لا يجوز تكليفه به وهو قول أكثر الفقهاء كمالك وأبي حنيفة والشافعي.

والإعسار في الشرع هو أن لا يجد في ملكه ما يؤديه بعينه ولا يكون له ما لو باعة لأمكن أداء الدين من ثمنه.

فمن وجد داراً أو ثوباً لا يعد من ذوي العسرة إذا أمكنه بيعها وأداء ثمنها، ولا يجوز له أن يحبس إلا قوت يومه لنفسه وعياله وما لا بد لهم من كسوة لصلاتهم ودفع الحر والبرد عنهم.

وهل يلزمه أن يؤخر نفسه من صاحب الدين أو غيره؟

الأصح أنه لا يلزمه، وكذا لو بذل له غيره ما يؤديه لا يلزمه القبول.

فأما من له بضاعة كسدت عليه فواجب عليه أن يبيعها بالنقصان إن لم يمكن إلا ذلك.

وإذا علم الإنسان أن/ غريمه معسر حرام عليه حبسه وأن يطالبه بما له عليه ووجب الإنظار إلى وقت اليسار فأما إن كان غريمه في إعساره جاز أن يحبسه إلى ظهور الإعسار.

وإذا ادعى الإعسار وكذبه الغريم فإن كان الدين الذي حصل لزمه حصل له عن عوض كالبيع أو القرض فلا بد له من إقامة شاهدين عدلين على أن ذلك العوض قد هلك، فإن لم يكن عن عوض كإتلاف وضمان وصداق فالقول قوله وعلى الغريم البينة، لأن الأصل هو الفقر، ﴿ وأن تصدقوا ﴾ على المعسر بما عليه من الدين يدل على ذلك ذكر المعسر وذكر رأس المال ﴿ خير لكم ﴾ لحصول الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ أن هذا التصدق خير لكم فتعملوا به جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه، أو تعلمون فضل التصدق على الإنظار والقبض بعده، أو تعلمون أن ما يأمركم به ربكم أصلح لكم.

وقيل: المراد بالتصدق الإنظار لقوله  : " لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة " وزيف بأن الإنظار ثبت وجوبه بالآية الأولى فلا بد من فائدة جديدة ولأن قوله ﴿ خير لكم ﴾ إنما يليق بالمندوب لا بالواجب.

ثم إن المعاملين بالربا كانوا أصحاب شرف وجلالة وأعوان وتغلب على الناس، فاحتاجوا إلى مزيد زجر ووعيد فلا جرم وقع ختم أحكام الربا بقوله ﴿ واتقوا يوماً ﴾ والمراد اتقاء ما يحدث فيه من الشدائد والأهوال.

واتقاء ذلك لا يمكن إلا باجتناب المعاصي وفعل الأوامر في الدنيا فهذا القول يتضمن الإتيان بجميع التكاليف.

وانتصب ﴿ يوماً ﴾ على أنه مفعول به.

والمعنى: تأهبوا بما تسلفون من العمل الصالح للقاء يوم ﴿ ترجعون فيه إلى الله ﴾ أي إلى ما أعد لكم من ثواب أو عقاب، وإلى علمه وحفظه وذلك أن الإنسان له أحوال ثلاث على الترتيب: الأولى كونه جنيناً لا يملك تصرفاً فلا تصرف فيه إلا لله، والثانية خروجه إلى فضاء وهنالك يرى للأبوين لغيرهما تصرف فيه ظاهر.

الثالثة ما بعد الموت وهنالك لا يكون التصرف فيه ظاهراً وفي الحقيقة إلا لله  فكأنه عاد إلى الحالة الأولى.

وهذا معنى الرجوع إلى الله ﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ أي جزاء ذلك أو المكتسب هو الجزاء كما يقال: كسب الرجل لما يحصله بتجارته.

والمراد أن كل مكلف فإنه يصل إليه جزاء عمله بالتمام عند الرجوع إلى الله  كقوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره  ﴾ ثم كان لقائل أن يقول: كيف يليق بأكرم الأكرمين إيصال العذاب إلى عبيده الكفار والفساق فقال ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ بل العبد هو الذي أوقع نفسه في تلك الورطة لأن الله  مكنه وأزاح عذره وسهل طريق الاستدلال عليه وأمهل.

هذا على أصول المعتزلة.

وأما على أصول الأصحاب فهو إشارة إلى أنه  ملك الملوك وخالق الخلائق، والملك إذا تصرف في ملكه كيف شاء وأراد لم يكن ظلماً.

"عن ابن عباس أنها آخر آية نزلت على رسول الله  نزل بها جبريل وقال:/ ضعها على رأس المائتين والثمانين من البقرة" ، وعاش  بعدها أحداً وثمانين يوماً، وقيل أحداً وعشرين، وقيل سبعة أيام، وقيل ثلاث ساعات، والله  أعلم بحقيقة الحال.

التأويل: أخبر عن حرص أهل الدنيا وهم أكلة الربا بعد ذكر قناعة أهل العقبى.

فمثل آكل الربا كمثل من به جوع الكلب يأكل ولا يشبع حتى ينتفخ بطنه ويثقل عليه فلا يقوم إلا كما يقوم المصروع لأنه كلما أقام صرعه ثقل بطنه، ومثله قوله  : " إن هذا المال خضر حلو وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم إلا آكلة الخضر فإنها أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت فمن أخذه بحقه ووضعه بحقه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع " وفي الحديث مثلان: أحدهما للمفرط في جمع الدنيا بحيث يفضي به إلى الهلاك في الدنيا والعقبى وأشار إليه بقوله: " "وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم " وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول فتستكثر منها الماشية لاستطابتها إياها حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاعتدال فتنشق أمعاؤها فتهلك أو تقارب الهلاك.

والمثل الآخر للمقتصد وذلك قوله "إلا آكلة الخضر" وذلك أن الخضر ليست من أحرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره ولكنها من كلإ الصيف التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها، فلا ترى الماشية تكثر منها وهو مثل التاجر الذي يكتسب المال بطريق البيع والشراء ويؤدي حقه وإن كان له حرص في الطلب والجمع.

ولكن لما كان بأمر الشرع وطريق الحل ما أضربه ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا ﴾ يعني كيف يكون ما أزال نور الأمر ظلمته مثل ما زاد ظلمته ارتكاب المنهي؟

فمرتكب الربا في ظلمات ثلاث: ظلمة الحرص وظلمة الدنيا وظلمة المعصية.

﴿ وأمره إلى الله ﴾ يرزقه من حيث لا يحتسب ﴿ والله لا يحب كل كفار ﴾ بنعمة الشرع وأنواره ﴿ أثيم ﴾ عامل بالطبع مقيم في ظلمة إصراره.

ثم أخبر عن العاملين بالشرع الخارجين عن الطبع الذين آمنوا إيمان التصديق بالتحقيق مقروناً بالتوفيق، ثم خرجوا عن ظلمة اتباع الهوى بإقامة الصلاة وعالجوا ظلمة الركون إلى الدنيا بأنوار إيتاء الزكاة، فجذبتهم العناية من حضيض العبدية إلى ذروة العندية ﴿ ولهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ﴾ من الرجوع إلى ظلمات الطبيعة ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ لفوات أنوار الشريعة.

ثم أخبر عن أهل الإيمان المجازي فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ باللسان ﴿ اتقوا الله ﴾ أي بالله كما جاء.

"كنا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله  ".

أي جعلناه قدامنا.

ومن شرط المؤمن الحقيقي اتقاؤه بالله في ترك الزيادات كما قال: " "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " و ﴿ ذروا ما بقي من الربا ﴾ تركوا ما سوى الله في طلبه ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ إيماناً حقيقياً.

﴿ فإن لم تفعلوا ﴾ لم تتركوا كل زيادة تمنعكم ﴿ فأذنوا بحرب من الله ورسوله ﴾ ببعد منهما وبغض.

﴿ وإن تبتم ﴾ تركتم غيره ﴿ فلكم رؤوس أموالكم ﴾ وهي الكرامة التي فضلكم بها على كثير من خلقه وهي المحبة يحبهم ويحبونه ﴿ لا تظلمون ﴾ بوضع محبتي في غير موضعها من المخلوقات ﴿ ولا تظلمون ﴾ بوضع محبتكم في غير موضعها.

﴿ وإن كان ذو عسرة ﴾ لم يصل إليه ما أعد لأجله عاجلاً ﴿ فنظرة إلى ميسرة ﴾ وهو وقت وصوله إليه آجلاً ﴿ وأن تصدقوا ﴾ تبذلوا فينا ما تتمنون من صنوف برنا في الدنيا والعقبى على قدر همتكم ﴿ فهو خير لكم ﴾ لأنا نجازيكم على قدر مواهبنا ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ قدرها ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين " ثم إنه  كما جمع في القرآن خلاصة الكتب السماوية جمع في خاتمة الوحي خلاصة أي القرآن فقال: ﴿ واتقوا يوماً ﴾ الآية.

وذلك أن فائدة جميع الكتب راجعة إلى معنيين: النجاة من الدركات السفلى وهي سبعة: الكفر والشرك والجهل والمعاصي والأخلاق المذمومة وحجب الأوصاف وحجاب النفس.

والفوز بالدرجات العلى وهي ثمانية: المعرفة والتوحيد والعلم والطاعات والأخلاق المحمودة وجذبات الحق والفناء عن أنانيته والبقاء بهويته.

فقوله ﴿ واتقوا ﴾ شامل لما يتعلق بالسعي الإنساني من هذه المعاني، لأن حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله ومباشرة ما يقربك إليه، فتقوى العام الخروج بسبب الإقامة بشرائط ﴿ جاهدوا فينا  ﴾ عن الكفر بالمعرفة، وعن الشرك بالتوحيد، وعن الجهل بالعلم، وعن المعاصي بالطاعات، وعن الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة.

ثم من ههنا تقوى الخاص تخرجهم جذبات ﴿ لنهدينهم سبلنا  ﴾ من حجب أوصافهم إلى درجة تجلي صفات الحق فيستظلون بظل سدرة المنتهى ﴿ عندها جنة المأوى  ﴾ فينتفعون بمواهب ﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى  ﴾ ثم من ههنا تقوى خاص الخاص فتخرجه العناية بجذبات ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ من سدرة المنتهى الأوصاف إلى قاب قوسين نهاية حجاب النفس وبدية أنوار القدس.

وهناك من عرف نفسه فقد عرف ربه وهو مقام أو أدنى ترجعون فيه إلى الله.

لأن مبدأ وجودك النفخة، وآخر حالك الجذبة، وبها/ اصطفى آدم وكرم نبيه ولهذا لم يقل: ولقد كرمنا أولاد آدم، لأن أهل الكرامة منهم من هو بوصف الرجال دون النساء.

ثم وصف الرجال بقوله: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكرالله  ﴾ فمن كان من النساء بهذا الوصف فهو من الرجال في المعنى، ومن لم يكن من الرجال بهذا الوصف فهو من النساء في الحقيقة، وفي هذا الرجوع وعد وبشارة للأولياء، ووعيد وإنذار للأعداء ﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ فبقدر مراتبه في العبودية والتقوى يهتدي إلى مقامات القرب من المولى، وبحسب فنائه عن حجاب نفسه يبقى ببقاء ذاته وهويته، ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ فإن دخول النور في البيت وخروج الظلمة منه إنما يكون على مقدار سعة فتح الروزنة وضيقة ولا تظلم الشمس عليه مثقال ذرة ﴿ فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى فَٱكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌۢ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْـًۭٔا ۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُۥ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَٱسْتَشْهِدُوا۟ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌۭ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا۟ ۚ وَلَا تَسْـَٔمُوٓا۟ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ وَأَدْنَىٰٓ أَلَّا تَرْتَابُوٓا۟ ۖ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةًۭ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوٓا۟ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌۭ وَلَا شَهِيدٌۭ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا۟ فَإِنَّهُۥ فُسُوقٌۢ بِكُمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ٢٨٢ ۞ وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ وَلَمْ تَجِدُوا۟ كَاتِبًۭا فَرِهَـٰنٌۭ مَّقْبُوضَةٌۭ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًۭا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُۥ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٌۭ قَلْبُهُۥ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ ٢٨٣

القراءات: ﴿ أن يمل ﴾ هو بسكون الهاء: قتيبة والحلواني عن قالون.

الباقون بالضم على الأصل ﴿ أن تضل ﴾ بكسر الهمزة على الشرط: حمزة والمفضل.

الباقون بالفتح على أنها ناصبة ﴿ فتذكر ﴾ بالتشديد والرفع: حمزة وجبلة ﴿ فتذكر ﴾ بالرفع، ومن الإذكار: أبو زيد عن المفضل ﴿ فتذكر ﴾ من الإذكار وبالنصب: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وقتيبة.

الباقون ﴿ فتذكر ﴾ بالتشديد والنصب.

﴿ تجارة حاضرة ﴾ بالنصب فيهما: عاصم./ الباقون بالرفع فيهما.

﴿ فرهن ﴾ بضم الراء والهاء: ابن كثير وأبو عمرو.

الباقون ﴿ فرهان ﴾ .

الوقوف: ﴿ فاكتبوه ﴾ ط، للعدول.

﴿ بالعدل ﴾ ص، لعطف المتفقين ﴿ فليكتب ﴾ ج ﴿ شيئا ﴾ ط.

﴿ بالعدل ﴾ ط، ﴿ من رجالكم ﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿ الأخرى ﴾ ط ﴿ دعوا ﴾ ط للعدول ﴿ أجله ﴾ ط ﴿ ألا تكتبوها ﴾ ط لابتداء الأمر.

﴿ تبايعتم ﴾ ص لعطف المتفقين ﴿ ولا شهيد ﴾ ط ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ه، ﴿ ويعلمكم الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه، ﴿ مقبوضة ﴾ ط لابتداء شرط واستئناف معنى آخر ﴿ ربه ﴾ ط للعدول ﴿ الشهادة ﴾ ط ﴿ قلبه ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: الحكم الثالث المداينة.

وسبب النظم أن الحكمين المتقدمين وهما الإنفاق وترك الربا كانا سببين لنقصان المال، فأرشد الله  في هذه الآية بكمال رأفته إلى كيفية حفظ المال الحلال وصونه عن التلف والبوار ورعاية وجوه الاحتياط، فإن مصالح المعاش والمعاد متوقفة على ذلك، ولهذه الدقيقة بالغ في الوصاية وأطنب.

عن ابن عباس أن المراد به السلم وقال: لما حرم الربا أباح السلم وأنزل فيه أطول آية.

ولهذا قال بعض العلماء: لا لذة ولا منفعة يتوصل إليها بالطريق الحرام إلا وجعل الله  وتعالى لتحصيل مثلها طريقاً حلالاً وسبيلاً مشروعاً.

والتداين تفاعل من الدين.

يقال: داينت الرجل إذا عاملته بدين معطياً أو آخذاً.

والمراد إذا تعاملتم بما فيه دين.

وذلك أن البياعات على أربعة أوجه: أحدها بيع العين بالعين وذلك ليس بمداينة البتة.

والثاني بيع الدين بالدين وهو باطل فيبقى ههنا بيعان: بيع العين بالدين وهو ما إذا باع شيئاً بثمن مؤجل، وبيع الدين بالعين وهو المسمى بالسلم وكلاهم داخلان تحت الآية.

وأما القرض فلا يدخل فيه وإنه غير الدين لغة فإن الدين يجوز فيه الأجل، والقرض لا يجوز فيه الأجل.

والفائدة في قوله: ﴿ بدين ﴾ تخليصه من التداين بمعنى المجازاة، أو التأكيد مثل ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه  ﴾ أو ليشمل أي دين كان صغيراً أو كبيراً سلماً أو غيره.

وفي الكشاف: فائدته رجوع الضمير إليه في قوله: ﴿ فاكتبوه ﴾ إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن.

ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال فإنه كالمطابقة، ودلالة تداينتم على ذلك كالتضمن.

وقيل: ليكون المعنى تدايناً يحصل فيه دين واحد فيخرج بيع الدين بالدين.

وإنما لم يقل كلما تداينتم ليكون نصاً في العموم لأن الكلية تفهم من بيان العلة في قوله: ﴿ ذلكم أقسط عند الله ﴾ فإن العلة قائمة في الكل فيكون الحكم حاصلاً في الكل، أو نقول: العلة هي التداين والعلة لا ينفك عنها معلوها فتكون القضية كلية كما في قوله: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا  ﴾ والأجل مدة الشيء ومنه أجل الإنسان لمدة عمره./ وفائدة قوله ﴿ مسمى ﴾ أن يعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوماً كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام.

وأنه لو قال إلى الحصاد أو إلى قدوم الحاج لم يجز لعدم التسمية.

ثم إنه  أمر في المداينة بشيئين: الكتبة والاستشهاد ليكون كلا المتداينين أوثق وآمن من النسيان والتفاوت والتخالف في مقدار الدين وفي انقضاء الأجل وفي سائر ما تشارطا عليه.

وهذا الأمر قيل للوجوب وهو مذهب عطاء وابن جريج والنخعي، وجمهور المجتهدين على أنه للندب لإجماع المسلمين قديماً وحديثاً على البيع بالأثمان المؤجلة من غير كتبة ولا إشهاد، ولأن في إيجابهما حرجاً وتضييقاً.

وقيل: كانا واجبين فنسخا بقوله: ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته ﴾ وهذا مذهب الحسن والشعبي والحكم بن عتيبة.

أما المخاطب بقوله: ﴿ فاكتبوه ﴾ فليس كل أحد لوجود أميين كثيرين في الدنيا، بل من له استئهال لكتبه ولهذا قال: ﴿ وليكتب بينكم كاتب ﴾ وليس ذلك أيضاً على الإطلاق ولكنه يجب أن يكون الكاتب متصفاً بالعدل فيكتب بحيث لا يزيد في الدين ولا ينقص عنه ولا يخص أحدهما بالاحتياط دون الآخر، ويحترز عن الألفاظ المجملة التي يقع النزاع في المراد منها.

وهذا بالحقيقة أمر للمتداينين بتخير الكاتب وأن لا يستكتبوا إلا فقيهاً أديباً ديناً.

قال بعض الفقهاء: العدل أن يكون ما يكتبه متفقاً عليه بين المجتهدين ولا يكون بحيث يجد قاض من قضاة المسلمين سبيلاً إلى إبطاله ﴿ ولا يأب كاتب ﴾ ولا يمتنع أحد من الكتاب وهو معنى التنكير في كاتب ﴿ أن يكتب ﴾ وقوله ﴿ كما علمه الله ﴾ إما أن يكون متعلقاً بما قبله فالتقدير: ولا يأب كاتب أن يكتب مثل ما علمه الله  فيقع قوله بعد ذلك ﴿ فليكتب ﴾ تأكيداً للأول أي فليكتب تلك الكتابة التي علمه الله  إياها أو بما بعده فيكون الأول نهياً عن الامتناع مطلقاً، والثاني أمراً بالكتابة المقيدة والمطلق لا دلالة له على المقيد، فلا يكون الثاني تأكيداً للأول وإنما يكون بياناً له.

ثم النهي عن الامتناع عن الكتابة لكل كاتب إنما هو على سبيل الإرشاد والأولى تحصيلاً لحاجة المسلم وشكراً لما علمه الله من كتابة الوثائق فهو كقوله: ﴿ وأحسن كما أحسن الله إليك  ﴾ وقيل: إنه على سبيل الإيجاب ولكنه نسخ بقوله ﴿ ولا يضار كاتب ولا شهيد ﴾ .

وعن الشعبي أنه فرض كفاية فإن لم يجد إلا كاتباً واحداً وجبت الكتابة عليه، وإن وجد أشخاصاً فالواجب كتابة أحدهم.

وقيل: متعلق الإيجاب هو أن يكتب كما علمه الله يعني أنه بتقدير أن يكتب، فالواجب أن يكتب كما علمه الله وأن لا يخل بشرط من الشروط كيلا يضيع مال المسلم بإهماله.

واعلم أن الكتابة بعد حصول الكاتب العارف بشروط الصكوك والسجلات لا تتم إلا بإملاء من عليه الحق ليدخل في جملة إملائه اعترافه بمقدار الحق وصفته وأجله إلى غير ذلك، فلهذا قال  ﴿ وليملل الذي عليه الحق ﴾ والإملال والإملاء لغتان: قال الفراء: أمللت عليه الكتاب لغة/ الحجاز وبني أسد، وأمليت لغة بني تميم وقيس، وقد نطق القرآن بهما.

قال: ﴿ فهي تملى عليه بكرة وأصيلا  ﴾ .

﴿ وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً ﴾ أمر أن لهذا المملي الذي عليه الحق بأن يقر بتمام المال الذي عليه ولا ينقص منه شيئاً.

والبخس النقص ﴿ فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً ﴾ محجوراً عليه لتبذيره وجهله بالتصرف وضعف عقله ﴿ أو ضعيفاً ﴾ صبياً أو شيخاً مختلاً ﴿ أو لا يستطيع أن يمل هو ﴾ أو غير مستطيع للإملاء بنفسه لعيّ به أو خرس ﴿ فليملل وليه بالعدل ﴾ والمراد بولي الذي عليه الحق الذي يلي أمره ويقوم بمصالحه من وصي إن كان سفيهاً أو صبياً، أو وكيل إن كان غير مستطيع، أو ترجمان يمل عنه وهو يصدقه.

وفائدة توكيد المتصل بالمنفصل في قوله: ﴿ أن يمل هو ﴾ أنه غير مستطيع بنفسه ولكن بغيره وهو الذي يترجم عنه.

وعن ابن عباس ومقاتل والربيع أن الضمير في ﴿ وليه ﴾ عائد إلى الدين أي الذي له الدين ليمل.

قيل: وفيه بعد لأن قول المدعي كيف يقبل؟

ولو كان قوله معتبراً فأيحاجة إلى الكتابة والإشهاد؟

ثم المقصود من الكتابة هو الاستشهاد ليتمكن بالشهود من التوصل إلى تحصيل الحق إن جحد فلهذا قال  : ﴿ واستشهدوا ﴾ أي أشهدوا.

والإشهاد والاستشهاد بمعنى، لأن معنى استشهدته سألته أن يشهد شهيدين أي شاهدين "فعيل" بمعنى "فاعل".

وإطلاق الشهيد على من سيكون شهيداً تنزيل لما يشارف منزلة الكائن.

ومعنى قوله ﴿ من رجالكم ﴾ أي من رجال أهل ملتكم وهم المسلمون.

وقيل يعني الأحرار، وقيل من رجالكم الذين تعدّونهم للشهادة من أهل العدالة ﴿ فإن لم يكونا ﴾ أي الشهيدان رجلين ﴿ فرجل وامرأتان ﴾ أي فليكن أو فليشهد أو فالشاهد رجل وامرأتان أو فرجل وامرأتان يشهدون جميع هذه التقديرات جائز حسن ذكره علي بن عيسى ﴿ ممن ترضون من الشهداء ﴾ وفيه دليل على أنه ليس كل أحد صالحاً للشهادة.

والفقهاء قالوا شرائط قبول الشهادة أن يكون حراً بالغاً عاقلاً مسلماً عدلاً عالماً بما يشهد به لا يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه ولا يدفع مضرة عنها، ولا يكون معروفاً بكثرة الغلط ولا بترك المروءة ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة.

وعن علي  : ولا يجوز شهادة العبد في شيء وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، وذلك لأنه  قال ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ والإجماع منعقد على أن العبد لا يجب عليه الذهاب بل يحرم عليه ذلك إذا لم يأذن له السيد، فيعلم منه أن العبد لا يجوز أن يكون شاهداً.

وعند شريح وابن سيرين وأحمد: تجوز شهادة العبد قالوا: لأن العقل والعدالة والدين لا يختلف بالحرية والرق.

وعند أبي حنيفة يجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض على اختلاف الملل ﴿ ان تضل ﴾ أن لا تهتدي إحداهما للشهادة بأن/ تنساها لغلبة البرد والرطوبة على أمزجتهن أو إحدى النفسين، فإن الإنسان لا يخلو من النسيان ﴿ فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ وانتصابه على أنه مفعول له أي إرادة أن تضل.

قال في الكشاف: فإن قلت: كيف يكون ضلالها مراداً لله؟

قلت: لما كان الضلال سبباً للإذكار والإذكار مسبباً عنه وهم ينزلون كل واحد من السبب والمسبب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما، كانت إرادة الضلال المسبب عنه الإذكار إرادة للإذكار، فكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت ونظيره قولهم "أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، وأعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه".

وفي التفسير الكبير أن ههنا غرضين: أحدهما حصول الإشهاد وذلك لا يتأتى إلا بتذكير إحدى المرأتين.

والثاني بيان تفضيل الرجل على المرأة حتى يبين أن إقامة المرأتين مقام الرجل الواحد هو العدل في القضية وذلك لا يتأتّى إلا بضلال إحدى المرأتين، فلهذا صار كل من الغرضين صحيحاً ولا محذور.

ومن قرأ بكسر "إن" على الشرط والجزاء فلا إشكال.

وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال ﴿ فتذكر إحداهما ﴾ معناه فتجعل إحداهما الأخرى ذكراً يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر ولا يخفى ما فيه من التعسف.

واعلم أن الشهادة خبر قاطع ولهذا قال  : " على مثل الشمس فاشهد أو فدع " وقد يقام الظن المؤكد فيه مقام اليقين ضرورة.

وقول الشاهد الواحد لا يكفي للحكم به إلا في هلال رمضان كما مر، ولا يحتاج إلى أزيد من اثنين إلا في الزنا لقوله  : ﴿ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء  ﴾ وقال: ﴿ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم  ﴾ ولا يعتبر فيه شهادة النساء.

عن الزهري أنه قال مضت السنة من رسول الله  والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود وغير هلال رمضان والزنا إما عقوبة أو غيرها.

فإن كان عقوبة فلا يثبت إلا برجلين لما مر من حديث الزهري يستوي فيه حق الله  كحد الشرب وقطع الطريق، وحق العباد كالقصاص والقذف، وأما غير العقوبات فما ليس بمالي.

ولا يقصد به المال إن كان مما يطلع عليه الرجال غالباً كالنكاح والرجعة والطلاق والعتاق والإسلام والردة والبلوغ والولاء وانقضاء العدة وجرح الشهود وتعديلهم والعفو عن القصاص، فكل ذلك لا يثبت إلا برجلين أيضاً.

وإن كان ممن يختص بمعرفته النساء غالباً فتقبل فيه شهادتهن على انفرادهن لما روي عن الزهري أنه قال: مضت السنة أن تجوز شهادة النساء في كل شيء لا يليه غيرهن وذلك كالولادة والبكارة والثيابة والرتق والقرن والحيض والرضاع وعيب المرأة من برص وغيره تحت الإزار، ولا يثبت شيء من ذلك بأقل من أربع نسوة تنزيلاً لاثنتين منهن منزلة رجل.

وما يثبت بهن يثبت برجل وامرأتين وبرجلين بالطريق الأولى.

وأما ما هو مال أو يقصد به المال كالأعيان/ والديون والعقود المالية من البيع والإقالة والرد بالعيب والإجارة والوصية بالمال والحوالة والضمان والصلح والقرض، فيثبت بشهادة رجل وامرأتين ثبوتها بشهادة رجلين ونص القرآن منزل على هذا القسم والذي قبله.

وجوز الشافعي القضاء بالشاهد واليمين لما روي أنه  قضى بالشاهد واليمين وأنكره أبو حنيفة ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ "ما" زائدة مبهمة أي إذا دعوا فقيل: أي إلى أداء الشهادة عند احتياج صاحب الحق إليها.

وقيل: إلى تحمل الشهادة وهو قول قتادة واختاره القفال قال: كما أمر الكاتب أن لا يأبى الكتابة، أمر الشاهد أن لا يأبى تحمل الشهادة وقيل: أمر بالتحمل إذا لم يوجد غيره.

وحمله الزجاج على مجموع الأمرين: التحمل أولاً والأداء ثانياً.

والقول الأول أصح لأنه أطلق عليهم لفظ الشهداء.

والأصل في الإطلاق الحقيقة وتسميتهم قبل التحمل شهداء مجاز لا يعدل إليه إلا لضرورة.

وأيضاً التحمل غير واجب على الكل بخلاف الأداء بعد التحمل.

وأيضاً الأمر بالإشهاد يتضمن الأمر بتحمل الشهادة، فكان صرف قوله ﴿ ولا يأب الشهداء ﴾ إلى الأمر بالأداء أولى ليفيد فائدة جديدة وهي أن الشاهد إن كان متعيناً وجب عليه أداء الشهادة، وإن كان فيهم كثرة كان الأداء فرضاً على الكفاية.

﴿ ولا تسأموا ﴾ لا تضجروا ولا تملوا أن تكتبوه أي الدين أو الحق لتقدم ذكرهما على أي حال كان الحق صغيراً أو كبيراً مما جرت العادة بكتبته لا كالحبة والقيراط، فإن القليل من المال ربما أفضى إلى نزاع كثير.

وإنما نهى عن السآمة لأنها من الكسل والكسل صفة المنافق.

وأيضا من كثرت مدايناته فاحتاج أن يكتب لكل دين صغير أو كبير كتاباً فربما مل كثرة الكتب فاقتضى المقام ترغيبه وإلهابه.

ويجوز أن يكون الضمير للكتاب، وأن تكتبوه مختصراً أو مشبعاً، ولا يخلوا بكتابته إلى أجله إلى وقته الذي اتفقا على تسميته ﴿ ذلكم ﴾ الكتب أو ذلكم الذي أمرتكم به من الكتب والإشهاد ﴿ أقسط ﴾ أعدل ﴿ عند الله وأقوم للشهادة ﴾ أعون على إقامة الشهادة وهما إما من أقسط وأقام فيكون محمولاً على قولهم "أفلس من ابن المذلق" وإما من قويم وقاسط بمعنى ذو قسط على طريقة النسب وإلا فالقاسط الجائر.

ولا يصح ذلك المعنى ههنا يقال: قسط إذا جار، وأقسط أي عدل ﴿ وأدنى ألا ترتابوا ﴾ أقرب من انتفاء الريب.

رتب الله  على الكتبة والإشهاد ثلاث فوائد: الأولى: تتعلق بالدين لأنه إذا كان مكتوباً كان إلى اليقين أقرب وعن الجهل أبعد فيكون أعدل عند الله.

والثانية تتعلق بالدنيا وهو كونه أبلغ في الاستقامة التي هي ضد الاعوجاج وأعون للحفظ والذكر.

والثالثة أنه يدفع الضرر عن نفسه بأن لا يضل في أمره ولا يتردد، وعن غيره بأن لا/ ينسبه إلى الكذب والخيانة فلا يقع في الغيبة والجهالة.

فما أحسن هذه الفوائد وما أدخلها في الضبط والترتيب ﴿ إلا أن تكون تجارة حاضرة ﴾ قيل: هو راجع إلى قوله ﴿ إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ﴾ إن البيع بالدين قد يكون إلى أجل قريب وقد يكون إلى أجل بعيد، فاستثنى عن المداينة ما يكون أجله قريباً.

ويحتمل أن يكون استثناء من قوله: ﴿ ولا تسأموا أن تكتبوه ﴾ وقد يقال: إنه استثناء منقطع والتقدير: لكنه إذا كانت التجارة حاضرة فليس عليكم جناح.

فيكون كلاماً مستأنفاً على سبيل الإضراب عن الأول.

والتجارة تصرف في المال لطلب الربح.

فسواء كانت المبايعة بدين أو بعين فالتجارة حاضرة.

فإذاً المراد بالتجارة ههنا ما يتجر فيه من الأبدال.

ومعنى إدارتها بينهم تعاطيهم إياها يداً بيد.

والمعنى إلا أن تتبايعوا بيعاً ناجزاً يداً بيد.

ومن قرأ ﴿ تجارة ﴾ بالرفع فعلى "كان" التامة أو الناقصة والخبر ﴿ تديرونها ﴾ ومن قرأ بالنصب فالتقدير إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كبيت الكتاب.

بني أسد هل تعلمون بلاءنا *** إذا كان يوماً ذا كواكب أشنعا أي إذا كان اليوم يوماً.

واليوم الأشنع هو الذي ارتفع شره وعلا.

وذو كواكب أي شديد.

ويقال في التهديد: لأرينك الكواكب ظهراً.

وقال الزجاج: تقديره إلا أن تكون المداينة تجارة أي يكون ديناً قريب الأجل.

﴿ فليس عليكم جناح ألا تكتبوها ﴾ ومعنى رفع الجناح عدم الضرر لا عدم الإثم إلا لزم أن تكون الكتابة المذكورة أولاً واجبة، وقد أثبتنا خلاف ذلك.

وإنما رخص  في هذا النوع من التجارة لكثرة جريانها فيما بين الناس.

فتكليفهم الكتابة والإشهاد في كل لحظة حرج عليهم مع أن خوف التجاحد في مثله قليل.

﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ هذا التبايع كأنه لما رفع عنهم الكتابة في التجارة الحاضرة، كرر الأمر بالإشهاد ليعلم أن حكمه باق فيها لأن الإشهاد بلا كتابة تخفُّ مؤنته.

ويحتمل أن يكون أمراً بالإشهاد مطلقاً ناجزاً كان التبايع أو كالئاً لأنه أحوط.

عن الحسن: إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد.

وعن الضحاك: هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل.

﴿ ولا يضار كاتب ولا شهيد ﴾ يحتمل أن يكون مبنياً للفاعل فيكون أصله لا يضارر بكسر الراء وبه قرأ عمر وعليه أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة ومعناه: نهى الكاتب أن يزيد أو ينقص والشاهدين أن يحرفا أو يتركا الإجابة إلى ما يطلب منهما ولهذا قال: ﴿ وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ﴾ فإن التحريف في الكتابة والشهادة فسق وإثم.

وعن ابن مسعود وعطاء ومجاهد أن التقدير لا يضارر بفتح الراء وبه قرأ ابن عباس، وأنه نهي للمتداينين عن الضرار بالكاتب والشهيد كأن يعجلا عن مهم ويلزا، أولا يعطى الكاتب حقه من الجعل، أو يحمل الشهيد/ مؤنة مجيئة من بلد.

﴿ وإن تفعلوا ﴾ ما نهيتكم عنه من الضرار أو كل ما نهيتكم عنه من فعل معصية أو ترك طاعة ليكون عاماً ﴿ فإنه ﴾ فإن الضرار أو ارتكاب المنهي ﴿ فسوق بكم ﴾ خروج عن أمر الله وطاعته.

ومعنى ﴿ بكم ﴾ أي ملتصق بكم.

﴿ واتقوا الله ﴾ في أوامره ونواهيه ﴿ ويعلمكم الله ﴾ ما فيه صلاح الدارين ﴿ والله بكل شيء ﴾ من مصالح عباد ﴿ عليم ﴾ .

واعلم أنه  جعل البياعات في هذا المقام على ثلاثة أقسام: بيع بكتاب وشهود، وبيع برهان مقبوضة، وبيع بالأمانة.

ولما بين القسم الأول شرع في الثاني وقال ﴿ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة ﴾ واتفق الفقهاء على أن الارتهان لا يختص بالسفر ولا بحالة عدم وجدان الكاتب، كيف وقد ثبت أن رسول الله  رهن درعه في غير سفر، ولكنه وردت الآية على الغالب، فإن الغالب أن لا يوجد الكاتب في السفر ولا يوجد أدوات الكتابة ولهذا قال ابن عباس: أرأيت إن وجدت الكاتب ولم تجد الصحيفة والدواة وقرأ ﴿ ولم تجدوا كاتباً ﴾ ونظيره قوله ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم  ﴾ وليس الخوف من شرط جواز القصر.

وكان مجاهد والضحاك يذهبان إلى أن الرهن لا يجوز في غير السفر أخذاً بظاهر الآية، ولا يعمل بقولهما اليوم.

وأصل الرهن من الدوام.

رهن الشيء إذا دام وثبت.

ونعمة راهنة أي دائمة ثابتة والرهن مصدر جعل اسماً وزال عنه عمل الفعل.

فإذا قلت رهنت عنده رهناً لم يكن انتصابه انتصاب المصدر ولكن انتصاب المفعول به كما تقول: رهنت ثوباً.

ولهذا جمع الأسماء.

وله جمعان: رهن بضمتين كسقف في سقف، ورهان مثل كباش في كبش.

وقيل: إن أحدهما جمع الآخر.

وفي الكلام حذف تقديره فرهن مقبوضة بدل من الشاهدين، أو فعليه رهن، أو فالوثيقة، أو الذي يستوثق به رهن.

ويعلم من قوله: ﴿ مقبوضة ﴾ أن الرهن لا بد في لزومه من القبض، والمراد باللزوم أن لا يكون للراهن الرجوع عن الرهن ولا للمرتهن عن الارتهان.

وقبض المرهون المشاع إنما يحصل بقبض الكل وقبل القبض يصح الرهن ولكن لا يلزم.

وأما صورة القبض فقبض العقار إنما يحصل بتخلية الراهن أو وكيله بينه وبين المرتهن أو وكيله وتمكينه منه بتسليم المفتاح فيما له مفتاح.

وقبض المنقول يحصل بالنقل من موضعه إلى موضع لا يختص بالراهن كالشارع والمسجد وملك المرتهن، وإن كان المنقول مقدراً فلا بد من التقدير أيضاً بوزن أو كيل أو ذرع.

ولو نقل من بيت من دار الراهن إلى بيت آخر بإذنه، أو وضعه الراهن بين يدي المرتهن إذا امتنع من قبضه، حصل القبض.

ثم إنه  ذكر بيع الأمانة فقال ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً ﴾ فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به وثقته بأنه لا يجحد الحق ولا ينكره ﴿ فليؤد الذي اؤتمن أمانته ﴾ فليكن المديون عند ظن الدائن به.

وسمى/ الدين أمانة وإن كان مضموناً لائتمانه عليه بترك الارتهان منه والحاصل أنه مجاز مستعار.

وذلك أنه لما اشترك هذا الدين مع الأمانة الشرعية في وصف وجود الأمانة اللغوية أطلق أحدهما على الآخر.

والائتمان افتعال من الأمن ﴿ وليتق الله ربه ﴾ حتى لا يدور في خلده جحود واختيان.

وفي الآية قول آخر وهو أنها خطاب للمرتهن بأن يؤدي الرهن عند استيفاء المال فإنها أمانة في يده.

والصحيح هو الأول.

ومن الناس من قال: هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على وجوب الكتبة والإشهاد وأخذ الرهن.

والحق أن تلك الأوامر محمولة على الإرشاد رعاية وجوه الاحتياط، وهذه الآية محمولة على الرخصة.

وعن ابن عباس أنه قال: في آية المداينة نسخ.

ثم قال: ﴿ لا تكتموا الشهادة ﴾ وفيه وجوه: الأول عن القفال: أنه  لما أباح ترك الكتبة والإشهاد والرهن عند اعتقاد كون المديون أميناً، ثم كان من الجائز أن يكون هذا الظن خطأ وأن يخرج المديون جاحداً للحق، وكان من الممكن أن يكون بعض الناس مطلعاً على أحوالهم، ندب الله ذلك الإنسان أن يشهد لصاحب الحق بحقه، سواء عرف صاحب الحق تلك الشهادة أم لا، وشدد فيه بأن جعله إثم القلب لو تركه.

وعلى هذا يمكن أن يحمل قوله  : "خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد " وقيل: المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك الواقعة.

وقيل: المراد بالكتمان الامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها، فإن في ذلك إبطال حق المسلم، وحرمه مال المسلم كحرمة دمه، فلهذا بالغ في الوعيد وقال ﴿ ومن يكتمها فإنه اثم قلبه ﴾ والآثم الفاجر، والآثم مرتفع بأن و ﴿ قلبه ﴾ فاعله.

ويجوز أن يكون ﴿ قلبه ﴾ مبتدأ و ﴿ آثم ﴾ خبره مقدماً عليه، والجملة خبر "إن".

وفائدة ذكر القلب والشخص بجملته آثم لا قلبه وحده، هو أن أفعال الجوارح تابعة لأفعال القلوب ومتولدة مما يحدث في القلب من الدواعي والصوارف، وإسناد الفعل إلى القلب الذي هو محل الاقتراف ومعدن الاكتساب أبلغ كما يقال عند التوكيد: هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي، وعن النبي  : " "إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب " .

وزعم كثير من المتكلمين أن الفاعل والعارف والمأمور والمنهي/ هو القلب، ﴿ والله بما تعملون عليم ﴾ فيه تحذير للكاتم وتهديد له.

عن ابن عباس: "أكبر الكبائر الإشراك بالله لقوله  : ﴿ فقد حرم الله عليه الجنة ﴾ وشهادة الزور وكتمان الشهادة" التأويل: إنه  كما أمر العباد أن يكتبوا كتاب المبايعة فيما بينهم ويستشهدوا عليه العدول، فقد كتب كتاب مبايعة جرت بينه وبين عباده في الميثاق ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة  ﴾ إلى قوله: ﴿ واستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به  ﴾ وأشهد الملائكة الكرام ﴿ وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين  ﴾ وإنه  كما أمركم أن لا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً أمرالملائكة أن يكتبوا معاملاتكم الصغيرة والكبيرة، ثم عند خروجكم من الدنيا يجعلون ذلك في أعناقكم ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه  ﴾ ثم نودي من سرادقات الجلال: يا قوي الظلم ضعيف الحال ﴿ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً  ﴾ ثم إن الكتاب يكتبون عليه في صباحه ومسائه، وما يكتبون إلا من إملائه وإنه بالقليل والكثير مما يملي يخاطب، وبالنقير وبالقطمير على ما يميل عن الحق يعاتب، فليحاسب نفسه قبل أن يحاسب، فعليه أن يملي الحق للحق.

فإن كان الذي عليه حق للحق سفيهاً جاهلاً بإملاء الحق للحق لاشتغاله بالباطل، أو ضعيفاً عاجراً مغلوباً بغلبات نفسه، أو لا يستطيع أن يمل هو لكونه ممنوعاً بالعواتق والعلائق لا قدرة له على إملاء ما ينفعه ولا يضره، ولا قوة له في إنهاء ما لا يحزنه ويسره، ﴿ فليملل وليه بالعدل ﴾ فإن لكل قوم ولياً يخرجهم من الأحزان إلى السرور، ومن الأسجان إلى القصور، ومن الأشجان إلى الحبور، ومن العجز والفتور إلى القوة والحضور.

﴿ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور  ﴾ و ﴿ استشهدوا شهيدين ﴾ استصحبوا من أرباب القلوب اثنين من رجالكم الذين هم بالنسبة إليكم رجال وأنتم نساء ﴿ فإن لم يكونا رجلين ﴾ أرباب القلوب ﴿ فرجل ﴾ منهم ﴿ وامرأتان ﴾ أي رجلان من أهل الصلاح ليكونا بمثابة رجل من أهل الولاية في فائدة الصحبة ﴿ ممن ترضون من الشهداء ﴾ ممن يصلح أن يكون من شهداء الله كما قال: " "أنتم شهداء الله في أرضه " ﴿ أن تضل إحداهما ﴾ عن جادة الاستقامة في بادية النفس المملوءة من شياطين الهوى ﴿ فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ فالرفيق ثم الطريق.

واعلم أن أهل الدين طائفتان: الواقفون والسائرون.

والمراد بالواقف من وقف في عالم الصورة ولم يفتح له باب إلى عالم المعنى كالفرخ المحبوس في قشر البيضة فيكون شربه من عالم المعاملات البدنية ولا سبيل له إلى عالم القلب ومعاملاته فهو محبوس في سجن الجسد وعليه موكلان من الكرام يكتبان عليه من أعماله الظاهرة بالنقير والقطمير ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد  ﴾ وأما السائر فلا يقف في محل ولا ينزل في منزل يسافر من عالم الصورة إلى عالم المعنى، ومن مضيق الأجساد إلى متسع الأرواح وهم صنفان: سيار وطيار.

فالسيار من يسير بقدمي الشرع والعقل على جادة الطريقة، الطيار من يطير بجناحي العشق والهمة في فضاء الحقيقة وفي رجله جلجلة الشريعة.

فالإشارة في قوله: ﴿ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً ﴾ إلى السيار الذي تخلص من سجن الجسد وقيد الحواس وزحمة التوكيل، فلم يوجد له كاتب يكتب عليه كما قال بعضهم: ما كتب عليّ صاحب الشمال منذ عشرين سنة، وقال بعضهم: كاشف لي صاحب اليمين وقال لي: أمل علي شيئاً من معاملات قلبك لأكتبه فإني أريد أن أتقرب به إلى الله.

قال: فقلت له: حسبك الفرائض.

فالحبس والقيد والتوكيل لمن لم يؤد حق صاحب الحق أو يكون هارباً منه.

فأما الذي آناء الليل وأطراف النهار يغدو ويروح في طلب غريمه وما يبرح في حريمه فلا يحتاج إلى التوكيل والتقييد، فالذي هو موكل على الهارب يكون وكيلاً وحفيظ للطالب ﴿ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله  ﴾ وللسائرين رهان مقبوضة عند الله، رهان وأية رهان، قلوب ليس فيها غير الله قبض، وأي قبض؟

مقبوضة بين أصبعين من أصابع الرحمن.

أما الطيار الذي هو عاشق مفقود القلب، مغلوب العقل، مجذوب السر، فلا يطالب بالرهن فإنه مبطوش ببطشه الشديد.

مستهام ضاق مذهبه *** في هوى من عز مطلبه كل أمر في الهوى عجب *** وخلاصي منه أعجبه وإنما يحتاج إلى الرهن المتهم بالخيانة لا المتعين للأمانة، فلم يوجد في السموات والأرض ولا في الدنيا والآخرة أمين يؤتمن لتحمل أعباء أمانته إلا العاشق المسكين.

لما نظر إليها كان فراش تلك الشمعة عشقها فطار فيها وأتى بحملها، فلما حملها واستحسن منه ما تفرد به من أصحابه جاءت له من الحضرة ألقاب فنسب في البداية إلى الإفساد وسفك الدماء ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء  ﴾ ولقب في النهاية بالظلم والجهل ﴿ إنه كان ظلوماً جهولاً  ﴾ هذا أمر عجيب ونقش غريب، من لم يطع في حمل الأمانة وأتى نسب إلى المكانة والطاعة والأمانة مكين مطاع ثم أمين.

ومن/ أطاع في حمل الأمانة وأتى نسب إلى الظلم والجهل والفساد والخيانة، نعم إنما يكون ذلك لوجهين: أحدهما أن الذلة والمسكنة وقعت في قسم العاشق كما أن العزة والعظمة وقعت في طرف المعشوق بل جمال عزة المعشوق، لا يظهر إلا في مرآه ذلة العاشق.

وثانيهما أن من له كمال عزة الأمانة يلزم كمال ذلة المؤتمن في الظاهر بصلاح كتمان أمر الأمانة.

وقد يختص غير المؤتمن بحسن الثناء عليه ليكون عزته في الظاهر وذلته في الحقيقة يدلك على حقيقة حفظ السر خطاب، ﴿ اسجدوا لآدم  ﴾ وعتاب ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون  ﴾ ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً ﴾ كما اخترتك من بين الخليقة واصطفيتك على البرية بحمل الأمانة ﴿ فليؤد الذي اؤتمن أمانته ﴾ ولا تكتموا الشهادة، أشهدتكم على أنفسكم يوم الميثاق بإقرار قبول الأمانة فقلتم: بلى شهدنا.

فاليوم أطالبكم بأداء حقها فأدوها لي ملفوفة بلفاف التقوى "الإيمان عريان ولباسه التقوى" وكتمان الشهادة أن يكون شهودك مع غير شواهد ربك، وهذا من نتائج خيانة قلبك في أمانة ربك، فلا يشاهد قلبك إلا شواهد ربك، ولا يؤدي سرك حقيقة أمانة ربك إلا إلى ربك بربك لربك.

<div class="verse-tafsir"

لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ٢٨٤ ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ ٢٨٥ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًۭا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٢٨٦

القراءات: ﴿ فيغفر لمن يشاء ﴾ بإدغام الراء في اللام: أبو عمرو.

وجملة أهل العلم على الإخفاء لا على الإدغام التام ﴿ فيغفر ﴾ و ﴿ يعذب ﴾ برفع الراء والباء: يزيد وابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب.

وقرأ حمزة غير أبي عمرو والحلواني عن قالون وابن مجاهد وأبو عون وأبو ربيعة عن البزي وخلف لنفسه يعذب من بالإظهار، أبو عمرو يدغم ﴿ ويعذب من يشاء ﴾ كل القرآن.

﴿ وكتابه ﴾ حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ وكتبه ﴾ جمعاً لا يفرق بياء الغيبة يعقوب.

الباقون بالنون ﴿ أخطأنا ﴾ مثل ﴿ فادارأتم  ﴾ .

الوقوف: ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ به الله ﴾ ط لمن قرأ ﴿ فيغفر ﴾ بالرفع على الاستئناف/ أي فهو يغفر، ومن جزم العطف لم يقف.

﴿ من يشاء ﴾ ط.

﴿ قدير ﴾ ه ﴿ والمؤمنون ﴾ ه، لمن لم يقف على من ربه.

﴿ المصير ﴾ ه، ﴿ وسعها ﴾ ط ﴿ ما اكتسبت ﴾ ط ﴿ أو أخطأنا ﴾ ج ﴿ من قبلنا ﴾ ج لأن النداء للابتداء ولكن الواو لعطف السؤال على السؤال ﴿ لنا به ﴾ ج ﴿ واعف عنه ﴾ وقفة ﴿ واغفر لنا ﴾ كذلك ﴿ واحمنا ﴾ كذلك للتفصيل بين أنواع المقاصد والاعتراف بأن أطماعنا غير واحد ﴿ الكافرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما جمع في هذه السورة أشياء كثيرة من علم الأصول وهي دلائل التوحيد والنبوة والمعاد وأشياء كثيرة من بيان الشرائع والتكاليف كالصلاة والزكاة والقصاص والصوم والحج والجهاد والحيض والطلاق والعدة والصداق والخلع والإيلاء والإرضاع والبيع والربا والمداينة، ختم السورة بكلام دل على كماله ملكه وهو قوله: ﴿ لله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وعلى كمال علمه وهو قوله ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾ وعلى كمال قدرته وهو قوله ﴿ فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ﴾ وفي ذلك غاية الوعد للمطيعين ونهاية الوعيد للمذنبين.

وعن أبي مسلم أنه لما قال: والله بما تعملون عليم.

ذكر عليه دليلاً عقلياً فإن من كان فاعلاً لهذه الأفعال المحكمة المتقنة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع الفاخرة لا بد أن يكون محيطاً بأجزائها وجزئياتها.

وقيل: لما أمر بالوثائق من الكتبة والأشهاد والرهن، ذكر ما علم منه أن المقصود يرجع إلى الخلق وأنه منزه على الانتفاع به.

وقال الشعبي وعكرمة ومجاهد: إنه لما أوعد على كتمان الشهادة ذكر أن له ما في السموات وما في الأرض فيجازي على الكتمان والإظهار.

عن ابن عباس وأبي هريرة واللفظ له: "لما نزل ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله  .

فأتوا رسول الله  ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والصدقة.

وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها.

قال رسول الله  : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟

بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.

فلما قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾ فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله عزّوجل: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ قال: نعم ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ قال: نعم، ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ قال نعم ﴿ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ﴾ قال نعم.

" واعلم أن العلماء اتفقوا على أن الأمور التي تخطر بالبال مما يكرهها الإنسان ولا يمكنه إزالتها عن النفس، لا يؤاخذ بها لأنها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق، وأما الخواطر التي يوطن الإنسان نفسه عليها ويعزم على إدخالها في الوجود فقد قيل: إنه يؤاخذ بها لقوله تعالى: ﴿ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم  ﴾ وكما يؤاخذ باعتقاد الكفر والبدع وأنه من أفعال القلوب، ثم قال بعضهم: إنما يؤاخذ بها الدنيا لما روى الضحاك عن عائشة أنها قالت: ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه.

نعم يبتليه في الدنيا أو حزن أو أذى، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب.

وروت أنها سألت النبي  عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه.

وقيل: إن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل فإنه في محل العفو لما روي أنه  قال بعد نزول قوله ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ " "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا " وقيل: معنى قوله ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ﴾ أن يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهراً وإما على سبيل الخفية، وعلى هذا فلا حاجة الى التزام النسخ.

وكذا لو قيل: إن معنى كونه حسيباً ومحاسباً كونه عالماً بما في الضمائر والسرائر فيغفر لمن يشاء وإن كان من أصحاب الكبائر لعموم اللفظ.

وعند المعتزلة لمن استوجب المغفرة بالتوبة وهو تخصيص من غير دليل ﴿ ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ﴾ مستولِ على كل الممكنات بالقهر والغلبة والإيجاد والإعدام.

فعلى كل عاقل أن يكون له عبداً منقاداً خاضعاً لأوامره ومراضيه، محترزاً عن مساخطه ومناهيه ليستحق المدح والثناء بقوله ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ﴾ فإن كمال الربوبية في الواجب يستلزم كمال العبودية في الممكن، وكمال العبودية في الممكن يستتبع كمال الرحمة عليه وذلك قوله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ إلى آخر السورة.

أو نقول: إنه بدأ السورة بذكر المتقين الذين يؤمنون بالغيب، فبيّن في آخرها أن الذين مدحتهم في أول السورة هم أمة محمد ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله ﴾ ثم قال ههنا ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا ﴾ كما قال هناك ﴿ ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون  ﴾ وقال ههنا ﴿ غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾ كما قال هنالك ﴿ وبالآخرة هم يوقنون  ﴾ ثم حكى عنهم كيفية تضرعهم إلى ربهم بقوله: ﴿ ربنا لا تؤاخذنا ﴾ إلى آخر السورة كما قال هناك ﴿ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ﴾ \[البقرة:/ 5\] أو نقول: إنه  لما ذكر في هذه السورة أنواع الشرائع والأحكام، بيّن أن الرسول اعترف لمعجزة دلت على صدق الملك أن ذلك وحي من الله وصل إليه، وأن الذي أخبره بذلك ملك مبعوث من قبل الله معصوم من التحريف وليس بشيطان مضل.

ثم ذكر عقيبه إيمان المؤمنين بذلك لمعجزات أظهرها الله  على يد الرسول حتى استدلت الأمة بها على أنه صادق في دعواه وهو المرتبة المتأخرة.

ومن تأمل في نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بسبب فصاحة ألفاظه وبلاغة معانيه، فهو أيضا معجز بحسب ترتيبه ونظم مبانيه.

ولعل الذين قالوا إنه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك.

ثم ههنا احتمالان: أحدهما أن يكون تمام الكلام عند قوله: ﴿ المؤمنون ﴾ فيكون المعنى ﴿ آمن الرسول...والمؤمنون...

بما أنزل إليه من ربه ﴾ ثم ابتدأ بقول ﴿ كل آمن ﴾ فيكون الضمير الذي التنوين نائب عنه في كل عائداً إلى الرسول والمؤمنين أي كلهم آمن بل كل واحد ممن تقدم ذكره من الرسول والمؤمنين آمن، ولهذا وحد.

ومثل هذا الضمير يجوز أن يفرد بمعنى كل واحد، ويجوز أن يجمع كقوله ﴿ وكل أتوه داخرين  ﴾ وهذا الاحتمال يشعر بأنه  ما كان مؤمناً بربه ثم آمن، فيحمل عدم الإيمان على وقت الاستدلال وذلك أنه عرف بما ظهر من المعجزات على يد جبريل  أن هذا القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام منزل من عند الله  وليس من باب إلقاء الشياطين ولا من نوع السحر والكهانة والشعبذة.

والاحتمال الثاني أن يتم الكلام عند قوله ﴿ من ربه ﴾ ثم ابتدأ من قوله ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله ﴾ وفي هذا الاحتمال إشعار بأن الذي حدث هو إيمانه بالشرائع التي نزلت عليه كما قال ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان  ﴾ أما الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله على الإجمال فقد كان حاصلاً منذ خلق من أول الأمر بل كان نبياً وآدم بين الماء والطين، كما أن عيسى خلق كامل العقل حتى قال في المهد ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً  ﴾ وعلى هذا فإنما خص الرسول بذلك لأن الذي أنزل إليه من ربه قد يكون متلواً يسمعه الغير ويعرفه فيمكنه أن يؤمن به، وقد يكون وحياً لا يعلمه سواه.

فيكون هو  مختصاً بالإيمان به ولا يتمكن الغير من الإيمان به.

واعلم أن الآية دلت على أن معرفة هذه المراتب الأربع من ضروريات الإيمان: المرتبة الأولى هي الإيمان بالله  فإن صدق المبلغ والرسول يتوقف على وجود المبلغ والمرسل.

والثانية الإيمان بالملائكة فإنهم وسائط بين الله وبين البشر.

﴿ ينزل الملائكة بالروح/ من أمره على من يشاء من عباده  ﴾ ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ .

والثالثة الكتب فإنه الوحي الذي يتلقفه الملك ويوصله إلى النبي  .

فمثال الملك في عالم الصورة جرم القمر، ومثال الوحي نور القمر.

فكما أن القمر يستفيد من نور الشمس ويوصله إلينا فكذا الملك يأخذ الوحي من الله  ويلقيه على الأنبياء فلا جرم وقع الرسل في المرتبة الرابعة.

وهذا الترتيب مما تقتضيه حكمة عالم التكليف والوسائط وإلا فمقام لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل معلوم لنبينا  ، وهذا سر تطلع منه على أسرار أخرى إن كنت من أهلها، ثم الإيمان بالله عبارة عن الإيمان بوجوده وبصفاته وبأفعاله بأحكامه وبأسمائه.

أما الإيمان بوجوده فهو أن تعلم أن وراء المتحيزات موجوداً خالقاً لها، وعلى هذا التقدير فالمجسم لا يكون مقراً بوجود الإله  فيكون الخلاف معهم في ذات الله  .

وأما الفلاسفة والمعتزلة فالخلاف معهم في الصفات لا في الذات، لأنهم مقرون بوجود موجود غير متحيز ولا حال في المتحيز، وأما الإيمان بصفاته فالصفات إما ثبوتية أو سلبية أو إضافية.

وقد عرفت في تفسير البسملة ما يصح وصفه  بها وما لا يصح، وكذا في تفسير آية الكرسي.

وأما الإيمان بأفعاله فأن تعلم أن كل ما سواه فإنما حصل بتخليقه وتكوينه حتى الأفعال التي تسمى اختيارية للحيوانات، وذلك أن مشيئة الإنسان محدثة منتهية إلى الله  فهو مضطر في صورة مختار.

وقد حققنا هذه المسألة في تفسير قوله ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ وأما الإيمان بأحكامه فإن تعلم أنها غير معللة بغرض وإن كان يترتب عليها الفوائد، وأن تعلم أن المقصود من شرعها منافع عائدة إلى العباد لا إلى الله فإنه منزه عن جلب المنافع ودفع المضار، وأن تعلم أن له الإلزام والحكم في الدنيا كيف شاء وأراد، وأن تعلم أنه لا يجب على الحق بسبب الأعمال شيء، وأنه في الآخرة يغفر لمن يشاء بفضله ويعذب من يشاء بعدله ولا يقبح منه شيء، لأن الكل ملكه وملكه.

وأما الإيمان بأسمائه فهي الأسماء الواردة في كتب الله المنزلة وفي كلمات أنيبائه المرسلة، وقد مر في تفسير البسملة فهذا هو الإشارة إلى معاقد الإيمان بالله.

وأما الايمان بالملائكة فهو الإيمان بوجودها.

فأما البحث عن أنها روحانية محضة، أو جسمانية محضة، أو مركبة من القسمين، وبتقدير كونها جسمانية فلطيفة أو كثيفة، وإن كانت لطيفة فنورانية أو هوائية فذاك مقام العلماء الراسخين في العلوم القرآنية والبُرهانية ويدخل في الإيمان بالملائكة اعتقاد أنهم معصومون، وأن لذتهم بذكر الله، وحياتهم بمعرفته وطاعته، وأنهم وسائط بين الله وبين البشر، وبهم وصلت الكتب إلى الأنبياء، ولكل طائفة منهم مقام معلوم وجزء مقسوم من أقسام هذا العالم.

وأما الإيمان بالكتب/ فإن تعلم أن كلها وحي من عند الله وليس لأحد من المخلوقات أن يلقي فيها شيئاً من ضلالاتهم ولا سيما في القرآن العظيم.

وإن من قال: إن ترتيب القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان، فقد أخرج القرآن عن كونه حجة وطرق إليه التغيير والتحريف.

وأن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه، ومحكمه يكشف عن متشابهه.

وأما الإيمان بالرسل فإن تعلم كونهم معصومين عن الذنوب في باب الاعتقاد في أمر التبيلغ وفي الفتيا وفي الأخلاق وفي الأفعال كما مر في قصة آدم، وأن تعلم أن النبي  أفضل ممن ليس بني خلافاً لبعض الصوفية، وأن بعض الأنبياء أفضل من بعض كما قال  : ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض  ﴾ وأما فضلهم على الملائكة فقد قال بعضهم: إن الأنبياء أفضل من الملائكة.

وقال كثير من العلماء: إن الملائكة السماوية أفضل منهم وإنهم أفضل من الملائكة الأرضية.

وقد مر تحقيق ذلك في قصة آدم أيضاً.

وأن تعلم أن شرعهم وإن صار منسوخاً إلا أن نبوتهم لم تصر منسوخة.

وإنهم الآن أنبياء ورسل كما كانوا، وناقش بعض المتكلمين في ذلك.

فهذه إشارة إلى أصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله.

وأما من قرأ ﴿ وكتابه ﴾ على الوحدة فإما أن يراد به القرآن، ثم الإيمان به يتضمن الإيمان بمجموع الكتب والرسل.

وإما أن يراد به جنس الكتب السماوية فإن اسم الجنس المضاف قد يفيد العموم كقوله: ﴿ وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها  ﴾ وقال ﴿ احل لكم ليلة الصيام الرفث  ﴾ وهذا الإحلال شائع في جميع الصيام.

قال العلماء: قراءة الجمع أولى لمشاكلة ما قبله وما بعده.

وقيل: قراءة الإفراد أولى لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع.

ومن هنا قال ابن عباس: الكتاب أكثر من الكتب.

ومن قرأ ﴿ لا نفرق ﴾ بالنون فلا بد من إضمار أي يقولون لا نفرق.

ومن قرأ بالياء على أن الفعل لكل فلا حاجة إلى الإضمار، ثم إن الجملة خبر أو حال واحد في معنى الجمع.

أي بين كل منهم وبين آخر منهم، فإن النكرة في سياق النفي تعم ولذلك صلحت لدخول "بين" عليها.

وليس المراد بعدم التفريق عدم التفضيل لقوله  : ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض  ﴾ بل المراد عدم التفريق في الإيمان بهم وفي اعتقاد بنوتهم لظهور المعجزات على أيديهم حسب دعاويهم.

والغرض منه تزييف معتقد اليهود والنصارى الذين يقرون بنبوة موسى وعيسى دون نبوة محمد  .

وعن أبي مسلم: لا نفرق ما جمعوا كقوله ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا  ﴾ واعلم أن قوله ﴿ آمن الرسول ﴾ إلى قوله ﴿ بين أحد من رسله ﴾ إشارة إلى استكمال القوة النظرية بهذه المعارف الشريفة ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا ﴾ إشارة إلى استكمال القوة العملية بالأعمال/ الفاضلة الكاملة.

أو نقول: إن للإنسان إياماً ثلاثة الأمس والبحث عنه يسمى معرفة المبدأ، واليوم والبحث عنه يسمى بالوسط، والغد والفحص عنه يسمى بعلم المعاد.

فقوله: ﴿ آمن الرسول ﴾ إلى قوله ﴿ من رسله ﴾ إشارة إلى معرفة المبدأ ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا ﴾ إشارة إلى الوسط و ﴿ غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾ علم المعاد ومثله في آخر سورة هود ﴿ ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله  ﴾ وهو معرفة المبدأ لأن الكمالاتالحقيقية ليست إلا العلم والقدرة.

وقوله: ﴿ ولله غيب السموات والأرض  ﴾ فيه بيان كمال العلم، وقوله ﴿ وإليه يرجع الأمر ﴾ فيه كمال القدرة.

وأما علم الوسط وهو علم ما يجب أن يشتغل به اليوم فبدايته الاشتغال بالعبودية وهو قوله: ﴿ فاعبده  ﴾ ونهايته قطع النظر عن الأسباب، وتفويض الأمور كلها إلى مسبب الأسباب وهو قوله ﴿ وتوكل عليه  ﴾ وأما علم المعاد فقوله: ﴿ وما ربك بغافل عما تعملون  ﴾ أي ليومك غد سيصل إليك فيه نتائج أعمالك ومثله ﴿ سبحان ربك رب العزة عما يصفون  ﴾ وهو معرفة المبدأ ﴿ وسلام على المرسلين  ﴾ وفيه إشارة إلى عالم الوسط ﴿ والحمد لله رب العالمين  ﴾ إشارة إلى علم المعاد كقوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ والوقوف على هذه الأسرار إنما يكون بجذبة من ضيق عالم الأسرار إلى فسحة عالم الأنوار.

أو نقول ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله ﴾ إشارة إلى الأحكام العقليات ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا ﴾ إشارة إلى الأحكام السمعيات.

قال الواحدي: أي سمعنا قوله وأطعنا أمره.

وقيل: حذف المفعول صورة.

ومعنى ههنا أولى ليفيد أنه ليس في الوجود قول يجب سمعه إلا قوله، ولا أمر تجب إطاعته إلا أمره.

والسماع ههنا بمعنى القبول أي سمعناه بآذان عقولنا وعرفنا صحته وتيقنا أن كل تكليف ورد على لسان الملائكة والأنبياء عليهم السلام، فهو حق صحيح واجب قبوله، ثم قال ﴿ وأطعنا ﴾ فدل هذا على أنه كما صح اعتقادهم في هذه التكاليف فهم ما أخلوا بشيء منها، فجمع الله  بهذين اللفظين كل ما يتعلق بأبواب التكاليف علماً وعملاً.

﴿ غفرانك ﴾ مصدر منصوب بإضمار فعله أي اغفر.

ويقال: غفرانك اللهم لا كفرانك.

من قوله ﴿ وما يفعلوا من خير فلن يكفروه  ﴾ أي لن تعدموا جزاءه.

وفي الكشاف: أي نستغفرك ولا نكفرك.

وقيل: معناه نسألك غفرانك فيكون مفعولاً به.

والأشهر أنه مصدر حذف فعله وجوباً لكثرة الاستعمال وللاستغناء به عن فعله نحو: سقياً ورعياً.

وههنا سؤال وهو أن القوم لما قبلوا التكليف وعملوا به فأي حاجة بهم إلى طلب المغفرة؟

والجواب لعلهم خافوا أن يكون قد فرط منهم تقصير فيما يأتون/ ويذرون، أو لعلهم كانوا يرتقون في درجات العبودية فيستغفرون مما قد خلفوها، ومن ههنا قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وقد حمل قوله  : " وإني لأستغفر الله في اليوم سعبين مرة " على مثل هذا.

ولأن جميع الطاعات في جنب مواجب حقوق الإلهية جنايات وتقصير وقصور، ولهذا حكى عن أهل الجنة ﴿ دعواهم فيها سبحانك اللهم ﴾ } [يونس: 10] أي أنت منزه عن تسبيحنا وتقديسنا ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين  ﴾ أي كل الحمد له، وإن كنا لا نقدر على فهم ذلك الحمد بعقولنا ولا على ذكره بألسنتنا.

ثم إن طلب هذا الغفران مقرون بأمرين: أحدهما بالإضافة إليه، والثاني بقوله: ﴿ ربنا ﴾ أما القيد الأول فمعناه أطلب المغفرة منك وأنت الكامل في هذه الصفة والمطموع من الكامل في صفة أن يعطي عطية كاملة، وما ذاك إلا بأن يغفر جميع الذنوب ويبدّلها حسنات.

أو تكون الإضافة إشارة إلى ما ورد في الحديث: " "إن لله  مائة جزء من الرحمة قسم جزءاً منها على الملائكة والجن والإنس وجميع الحيوانات فبها يتراحمون ويتعاطفون.

وأخر تسعة وتسعين جزءاً ليوم القيامة " أو لعل العبد يقول: كل صفة من صفاتك فإنما يظهر أثرها في محل معين.

فلولا الوجود بعد العدم لما ظهرت آثار قدرتك، ولولا الترتيب العجيب والتأليف الأنيق لما ظهرت آثار علمك، ولولا جرم العبد وجنايته وعجزه وحاجته لم يظهر آثار مغفرتك ورأفتك.

فأنا أطلب الغفران الذي لا يمكن ظهوره إلا في حقي وفي حق أمثالي من المذنبين.

وأما القيد الثاني فمعناه ربيتني إذ أوجدتني مع أنك لو لم تربني في ذلك الوقت لم أتضرر به لأني كنت أبقى في العدم، والآن لو لم تربني أتضرر به فأسألك أن لا تهملني.

أو ربيتني حين لم أذكرك بالتوحيد فكيف يليق بكرمك أن لا تربيني وقد أفنيت عمري في توحيدك؟

أو ربيتني في الماضي فاجعل تربيتك لي في الماضي شفيعاً إليك في أن تربيني في المستقبل، أو ربيتني فيما مضى فأتمم هذه التربية فيما يستقبل فإن إتمام المعروف خير من ابتدائه، ﴿ وإليك المصير ﴾ حيث لا حكم إلا حكمك ولا يشفع أحد إلا بإذنك.

وفيه اعتراف بأنه  عالم بالجزئيات قادر على كل الممكنات، له المحيا وله الممات.

قوله  ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ إن قلنا إنه من تمام كلام المؤمنين فوجه النظم أنهم قالوا: كيف لا نسمع ولا نطيع وإنه  لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا.

وإن قلنا إنه من كلام الله  مستأنفاً فالوجه أنهم لما قالوا سمعنا وأطعنا ثم طلبوا المغفرة، دل ذلك على أنه لا يصدر عنهم زلة إلا على سبيل السهو والنسيان، فلا جرم خفف الله  عنهم إجابة لدعائهم.

والوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه كالصلوات الخمس وصوم رمضان والحج، فإنه كان من إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج أكثر من حجة.

ولكنه  ما جعل في الدين من حرج لكمال رحمته وشمول رأفته.

واعلم أن المعتزلة عولوا في نفي تكليف ما لا يطاق على هذه الآية، ثم استنبطوا منها أصلين: الأول أن العبد موجد لأفعال نفسه إذ لو كان بتخليق الله  لم يكن للعبد قدرة على دفعها لضعف قدرته، ولا على فعلها إذ الموجود لا يوجد.

ثانياً، فتكليف العبد بالفعل يكون تكليف ما لا يطاق.

الثاني أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لكان المأمور بالإيمان غير قادر عليه، فيلزم تكليف ما لا يطاق.

أما الأشاعرة فقالوا: تكليف من مات على الكفر كأبي لهب مع العلم بعدم إيمانه تكليف بالجمع بين النقيضين.

والجواب أن العلم بعدم الإيمان ليس تكليفاً بعدم الإيمان حتى يلزم التكليف بالنقيضين، والتكليف بأمر ممكن لذاته ممتنع لغيره غير التكليف بأمر مستحيل لذاته الذي هو محل النزاع.

لكن الأشعري لما كانت حجته قوية عنده خصص الآية بأنها إنما وردت في التكاليف الممكنة، إذ التكليف بالممتنع ليس تكليفاً بالحقيقة وإنما هو إعلام وإشعار بأنه خلق من أهل النار.

على أنه لو جعلت من قول المؤمنين لم يبق فيها حجة، ويحتمل أن يقال: لما حكاه عنهم في معرض المدح وجب أن يكونوا صادقين فيه ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ قال الواحدي: إن الكسب والاكتساب واحد.

قال  : ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها  ﴾ وقيل: الاكتساب أخص لأن الكسب لنفسه ولغيره، والاكتساب ما يكتسب لنفسه خاصة.

وقيل: في الاكتساب مزيد اعتمال وتصرف لهذا خص بجانب الشر دلالة على أن العبد لا يؤاخذ من السيئات إلا بما عقد الهمة عليه وربط القلب به بخلاف الخير فإنه يثاب عليه كيفما صدر عنه.

قالت المعتزلة: في الآية دليل على أن الخير والشر كلاهما مضاف إلى العبد، ولو كانا بتخليق الله  لبطلت هذه الإضافة وجرى صدور أفعاله منه مجرى لونه وطوله وشكله مما لا قدرة له عليه ألبتة، ولانتفت فائدة التكليف وقد سبق تحقيق المسألة مراراً، وكذا تفسير الكسب وبيان المذاهب فيه في تفسير وبيان المذاهب فيه في تفسير قوله ﴿ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم  ﴾ .

واحتج الأصحاب بالآية على فساد القول بالمخاطبة لأنه  بيّن أن لها/ ثواب ما كسبت وعليها عقاب ما اكتسبت، وهذا صريح في أن الاستحقاقين يجتمعان، وأنه لا يلزم من طرّو أحدهما زوال الآخر.

وقال الجبائي: تقدير الآية لها ما كسبت من ثواب العمل الصالح إذا لم يبطله، وعليها ما اكتسبت إذا لم يكفر بالتوبة وإنما أضمرنا هذا الشرط لأن الثواب منفعة دائمة والعقاب مضرة دائمة، والجمع بينهما محال.

واحتج كثير من المتكلمين بالآية في أن الله  لا يعذب الأطفال بذنوب آبائهم، والفقهاء تمسكوا بها في إثبات أن الأصل في الأملاك البقاء والاستمرار.

وفرعوا عليه مسائل منها: أن المضمونات لا تملك بأداء الضمان، لأن المقتضى لبقاء الملك قائم وهو قوله ﴿ لها ما كسبت ﴾ والعارض الموجود إما الغصب وإما الضمان وهما لا يوجبان زوال الملك بدليل أم الولد والمدبر.

ومنها أنه لا شفعة للجار لأن المقتضي لبقاء الملك قائم وهو قوله ﴿ لها ما كسبت ﴾ عدلنا عن الدليل في الشريك لكثرة تضرره بالشركة فيبقى في الجار على الأصل.

ومنها أن القطع لا يسقط الضمان لوجود المقتضي، والقطع لا يوجب زوال الملك بدليل أن المسروق متى كان باقياً وجب رده على المالك.

ومنها أن منكري وجوب الزكاة احتجوا به، والجواب أن دلائل وجوب الزكاة أخص والخاص مقدم على العام.

ثم إنه  حكى عن المؤمنين أربعة أنواع من الدعاء: الأول ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ ومعنى لا تؤاخذنا لا تعاقبنا.

وقد يكون فاعل بمعنى فعل نحو: سافرت وعاقبت اللص.

وقيل: معنى المشاركة ههنا أن الناسي قد أمكن من نفسه وطرّق السبيل إليها بفعله فصار من يعاقبه بذنبه كالمعين لنفسه في إيذاء نفسه.

وفي التفسير الكبير: إن الله يأخذ المذنب بالذنب والمذنب يأخذ ربه بالعفو والكرم أي يتمسك عند الخوف من عذابه برحمته، وهذا معنى المؤاخذة بين العبد والرب.

والمراد بالنسيان إما الترك وهو أن يترك الفعل لتأويل فاسد كما أن الخطأ هو أنه يفعل الفعل لتأويل فاسد ومنه قوله  : ﴿ نسوا الله فنسيهم  ﴾ أي تركوا العمل لله فترك أن يثيبهم، وإما ضد الذكر.

وأورد عليه أن النسيان والخطأ متجاوز عنهما في قوله  : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " فما معنى الدعاء؟

والجواب من وجوه: الأول أن النسيان منه ما يعذر صاحبه فيه ومنه ما لا يعذر.

فمن رأى دماً في ثوبه وأخر إزالته إلى أن نسي فصلى وهو على ثوبه عد مقصراً إذا كان يلزمه المبادرة إلى إزالته.

وكذا إذا تغافل عن تعاهد القرآن حتى نسي فإنه يكون ملوماً بخلاف ما لو واظب على القراة ومع/ ذلك نسي فإنه يكون معذوراً.

وروي "أنه  كان إذا أراد أن يذكر حاجته شد خيطاً في أصبعه" فثبت أن الناسي قد لا يكون معذوراً وذلك إذا ترك التحفظ وأعرض عن أسباب التذكر، وإذا كان كذلك صح طلب غفرانه بالدعاء.

والحاصل أنه ذكر النسيان والخطأ والمراد بهما ما هما مسببان عنهما من التفريط والإغفال.

الثاني أن هذا على سبيل الفرض والتقدير وذلك أنهم كانوا متقين لله حق تقاته، فما كان يصدر عنهم ما لا ينبغي إلا على وجه الخطأ والنسيان، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إيذاناً ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به فكأنه قيل: إن كان النسيان مما يجوز المؤاخذة به فلا تؤاخذنا به.

الثالث أن العلم بأن النسيان مغفور لا يمنع من حسن طلبه بالدعاء، فربما يدعو الإنسان بما يعلم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله إما لاستدامته وإما لاعتداد تلك النعمة أو لغير ذلك كقوله ﴿ قل رب احكم بالحق  ﴾ ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك  ﴾ وقالت الملائكة: ﴿ فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك  ﴾ .

الرابع أن مؤاخذة الناسي غير ممتنعة عقلاً وإنما عرف عدم المؤاخذة بالآية والحديث، فلما كان ذلك جائزاً في العقل حسن طلب المغفرة منه بالدعاء.

وقد يتمسك به من يجوّز تكليف ما لا يطاق فيقول الناسي غير قادر على الاحتراز عن الفعل، فلولا أنه جائز من الله  عقلاً لما أرشد الله  إلى طلب ترك المؤاخذة عليه.

وقد يستدل به على حصول العفو لأهل الكبائر قالوا: إن النسيان والخطأ لا بد أن يفسرا بما فيه العمد والقصد إلى فعل ما لا ينبغي.

إذ لو فسرا بما لا عمد فيه فالمؤاخذة على ذلك قبيحة عند الخصم، وما يقبح من الله فعله يمتنع طلب تركه بالدعاء.وإذا فسرا بما ذكرنا وقد أمر الله المسلمين أن أن يدعوه بترك المؤاخذة عل تعمد المعصية دل ذلك على أنه يعطيهم هذا المطلوب فيكون العفو لصاحب الكبيرة مرجواً.

النوع الثاني: من الدعاء ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ الإصر الثقل والشدة ثم يسمى العهد إصراً لأنه ثقيل.

والإصر العطف لأن من عطفت عليه ثقل على قلبك ما يصل إليه من المكاره.

يقال: ما تأصرني على فلان آصرة أي ما تعطفني عليه قرابة ولا منة، والمعنى لا تشدد علينا في التكاليف كما شدّدت على من قبلنا من الهيود، قال المفسرون: إن الله  فرض عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها، وكان عذابهم معجلاً في الدنيا.

فأجاب الله  دعاءهم كما قال: ﴿ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم  ﴾ وقال  " رفع عن أمتي المسخ والخسف والغرق" " وإنما طلبوا هذا التخفيف لأن التشديد مظنة التقصير والتقصير موجب العقوبة.

وقيل: معناه لا تحمل علينا عهداً أو ميثاقاً يشبه ميثاق من قبلنا في الغلظ والشدة وهو قريب من الأول.

قال بعض العلماء: اليهود لما كانت الفظاظة/ وغلظ القلب غالبة عليهم كانت مصالحهم في التكاليف الشديدة الشاقة، وهذه الأمة الرقة وكرم الخلق غالبة عليهم فكانت مصلحتهم في التخفيف وترك التغليظ.

وأما أن اليهود لما خصت بغلظ الطبع وهذه الأمة باللطافة والكرم فليس إلينا أن نعلم تفاصيل جميع الكائنات وما لا يدرك كله لا يترك كله.

النوع الثالث: الدعاء ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ ومن الأصحاب من تمسك به في جواز تكليف ما لا يطاق إذ لو لم يكن جائزاً لما حسن طلب تركه بالدعاء.

وأجاب المعتزلة عنه بأن معنى قوله: ﴿ لا طاقة لنا ﴾ أي ما يشق فعله لا الذي لا قدرة لنا عليه.

وفي الحديث أن النبي  قال في المملوك: " له طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق " أي لا يشق عليه.

وزيف بأن معناه ومعنى الآية المتقدمة يكون حينئذٍ واحداً فعدلوا عن ذلك وقالوا: المراد منه العذاب أي لا تحملنا عذابك الذي لا نطيق احتماله.

سلمنا أنهم سألوا الله  أن لا يكلفهم ما لا قدرة لهم عليه، لكن ذلك لا يدل على جواز أن يفعل خلاف ذلك كما أن قوله ﴿ رب احكم بالحق ﴾ لا يدل على جواز أن يحكم بباطل.

وكذا قول إبراهيم  ﴿ ولا تخزني يوم يبعثون  ﴾ لا يدل على أن خزي الأنبياء جائز.

قيل: لم خص التكليف الشاق بالحمل والتكليف الذي لا قدرة عليه بالتحميل؟

وأجيب بأن الحاصل فيما لا يطاق هو التحميل دون الحمل.

قيل: لما طلب أن لا يكلفه بالفعل الشاق كان من لوازمه أن لا يكلفه بما لا يطاق فكان المناسب طرح هذا الدعاء لا أقل من عكس الترتيب.

والجواب على تفسير المعتزلة ظاهر أي لا تحملنا عذابك فإنهم طلبوا الإعفاء عن التكليفات الشاقة التي كلفها من قبلهم، ثم عما نزل عليهم من العقوبات على تفريطهم في المحافظة عليها.

وأما على تفسير الأشاعرة فهو أنهم سألوا أن لا يكلفهم تكليفاً شاقاً مقيداً وهو التكليف بما كلف من قبلهم.

ثم سألوا أن لا يكلفهم التكليف الشاق الذي لا قدرة لهم عليه مطلقاً سواء كلف بذلك من قبلهم أم لا.

وقيل: الأول طلب ترك التشديد في مقام القيامبظاهر الشريعة، والثاني طلب ذلك في مقام الحقيقة وهو مقام الاشتغال بمعرفة الله وخدمته وطاعته وشكر نعمه أي لا تطلب مني حمداً يليق بجلالك ولا شكراً يليق بآلائك ونعمائك، ولا معرفة تليق بقدس عظمتك وكمالك.

وأما الفائدة في حكاية هذه الأدعية بصيغة الجمع في ﴿ لا تؤاخذنا ﴾ ﴿ ولا تحمل علينا ﴾ فذلك أنه إذا اجتمعت النفوس والهمم على كل شيء كان حصوله أرجى.

النوع الرابع من الدعاء ﴿ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ﴾ وإنما حذف النداء وهو قوله "ربنا" ههنا لأن النداء يشعر بالبعد.

فترك النداء يؤذن بأن العبد إذا واظب على التضرع والدعاء نال مقام القربة والزلفى من الله.

والفرق بين العفو والمغفرة والرحمة أن العفو إسقاط العذاب، والمغفرة أن يستر عليه بعد ذلك جرمه صوناً له عن عذاب التخجيل والفضيحة فإن الخلاص من عذاب النار إنما يطيب إذا حصل عقيبة الخلاص من عذاب الفضيحة.

فالأول هو العذاب الجسماني والثاني هو العذاب الروحاني.

وبعد التخلص منهماأقبل على طلب الثواب وهو أيضاً قسمان: جسماني هو نعيم الجنة وطيباتها وهو قوله ﴿ وارحمنا ﴾ وروحاني هو إقبال العبد بكليته على مولاه وهو قوله ﴿ أنت مولانا ﴾ ففيه الاعتراف بأنه  هو المتولي لكل نعمة ينالونها، وهو المعطي لكل مكرمة يفوزون بها، وأنهم بمنزلة الطفل الذي لا تتم مصلحته إلا بتدبير قيمه، والعبد الذي لا ينتظم شمل مهماته إلا بإصلاح مولاه.

وبهذا الاعتراف يحق الوصول إلى الحق "من عرف نفسه" أي بالإمكان والنقصان "عرف ربه" أي بالوجوب والتمام.

ثم إذا وصل إلى الحق أعرض بالكلية عما سواه وهو قوله ﴿ فانصرنا على القوم الكافرين ﴾ أعنا على قهر كل من خالفك وناواك وعلى غلبة القوى الجسمانية الداعية إلى ما سواك.

عن رسول الله  " السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها فإن تعلمها بركة وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة قيل: وما البطلة؟

قال: السحرة " وعنه  " "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " وعنه  " "أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن نبي قبلي " وعنه  " "أنزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل " وروى الواحدي عن مقاتل بن سليمان "أنه لما أسري بالنبي  إلى السماء أعطي خواتيم سورة البقرة فقالت الملائكة له: إن الله عز وجل أكرمك بحسن الثناء بقوله ﴿ آمن الرسول ﴾ فاسأله وارغب إليه.

فعلّمه جبريل  كيف يدعو فقال النبي  ﴿ غفرانك ربنا ﴾ فقال الله: قد غفرت لكم.

فقال: ﴿ لا تؤاخذنا ﴾ فقال الله: لا أؤاخذكم.

فقال: لا تحمل علينا إصراً.

فقال: لا أشدد عليكم.

فقال: لا تحملنا ما لا طاقة لنا به.

فقال: لا أحملكم ذلك.

فقال: ﴿ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ﴾ فقال الله: قد عفوت عنكم/ وغفرت لكم وانصركم على القوم الكافرين" .

وفي بعض الروايات أن محمداً  كان يذكر هذه الدعوات والملائكة كانوا يقولون آمين.

التأويل: الإنسان مركب من عالمي الأمر والخلق.

له روح نوراني من عالم الأمر والملكوت، وله نفس ظلمانية من عالم الخلق والملك، ولكل منهما نزاع وشوق إلى عالمه.

فغاية بعثة الأنبياء تزكية النفوس عن ظلمة أوصافها وتحليتها بأنوار الأرواح، وحاصل تسويل الشيطان عكس هذه القضية وإليه الإشارة في قوله ﴿ إن تبدوا ما في أنفسكم ﴾ مودع من أنوار الأخلاق الروحانية في الظاهر بأعمال الشريعة في الباطن بأحوال الحقيقة ﴿ أو تخفوه ﴾ بإبراز ظلمات الأوصاف النفسية في الظاهر بمخالفات الشريعة، وفي الباطن بموافقات الطبيعة ﴿ يحاسبكم به الله ﴾ بطهارة النفس لقبول أنوار الروح أو بتلوث الروح لقبول ظلمات النفس ﴿ فيغفر لمن يشاء ﴾ فينور نفسه بأنوار الروح وروحه بأنوار الحق ﴿ ويعذب من يشاء ﴾ فيعاقب نفسه بنار دركات السعير وروحه بنار فرقة العلي الكبير ﴿ والله على كل شيء ﴾ من إظهار اللطف والقهر على تركيب عالمي الأمر والخلق ﴿ قدير ﴾ لما عرج بالنبي  إلى سدرة المنتهى وبلغ المقصد الأعلى ﴿ ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى  ﴾ أكرم بالسلام قبل الكلام فقيل: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

فأجاب  بقوله: " " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" .

فقيل له ﴿ آمن الرسول ﴾ عياناً ﴿ بما أنزل إليه من ربه ﴾ فقال من كمال رأفته بأمته ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله ﴾ إلى قوله ﴿ سمعنا وأطعنا ﴾ فقال الله  : ما يطلبون مني في جزاء السمع والطاعة؟

فقال النبي  ﴿ غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾ ما يطلبون إلا أن تسترهم بسربال فضلك ويكون مصيرهم إليك لا إلى غيرك كما كان مصيري إليك لا إلى من سواك.

قال الله في جوابه ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ إنك في مقام لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولهذا قال لك جبريل: لو دنوت أنملة لاحترقت.

وإن الأنبياء والمرسلين الذين اصطفيناهم على العالمين وكل طائفة منهم في سماء واقفون حبستهم رحمتي كيلا تحرقهم سبحات وجهي وسطوات قهري، فكيف أكلف أمتك المذنبة المرحومة بهذا المصير وأنا بضعف حالهم بصير؟

وإنما بلغت هذا المقام حتى جاوزت الرسل الكرام أن اتخذتك حبيباً قبل أن أخلقك وخلقت الكائنات لمحبتك ولأن أمتك أكرم الأمم، ولهم بسبب شفاعتك اختصاص بمحبتي إياهم ما داموا في متابعتك فقل لهم ﴿ إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله  ﴾ فبقدر ما كسبت أمتك من أنوار متابعتك تستحق المصير إلى حضرة جلالنا وشواهد جمالنا، وعلى قدر ما اكتسبت بالتواني عن ظل متابعتك تستأهل المصير إلى دركات السعير.

فتارة/ أسكره لذة هذا الخطاب وأخرى أقحمته سطوة هذا العتاب.

فقال ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ أي لا تعاقب أمتي إن نسيت عهدك الذي عاهدتهم أن يحبوك ولا يحبوا غيرك، أو أخطأت طريق طلبك ولكن ما أخطأت طريق عبوديتك فلم يعبدوا غيرك وأنت قلت: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً ﴾ بأن تجعلنا أسرى النفس الأمارة فنعبد عجل الهوى ونار الشهوات كما عبد الذين من قبلنا ﴿ ولا تحملنا ما لا طاقة لنا ﴾ بالصبر عن شهود جمالك ﴿ واعف عنا ﴾ حجب أنانيتنا ﴿ واغفر لنا ﴾ بشواهد هويتك ﴿ وارحمنا ﴾ برفع البينونة من بيننا ﴿ أنت مولانا ﴾ وولينا في رفعوجودنا وناصرنا في نيل مقصودنا ﴿ فانصرنا على القوم الكافرين ﴾ بجذبات عنايتك وأعنا في المصير إليك على قمع كفار الأثنينية التي تمنعنا من وحدتك.

بيني وبينك إنيَّ يزاحمني *** فارفع بجودك إنّي من البين

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل