تفسير سورة البقرة الآية ٣٠ عند غرائب القرآن ورغائب الفرقان

الإسلام > القرآن > تفسير > النيسابوري > سورة 2 البقرة > الآية ٣٠

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٣٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 19 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

القراءات: ﴿ خليفة ﴾ وأشباهها بالإمالة عند الوقف: أبو عمرو وحمزة وعلي والأعشى والبرجمي إلا أن يكون قبلها من الحروف الموانع السبع وهي: الصاد والضاد والطاء والظاء والغين والخاء والقاف نحو: خاصة، وفريضة، وحطة، وغلظة، وصبغة، وصاخة، وشقة.

وأما العين والحاء والراء فعلى الاختلاف عند أهل المدينة، فأشدهم إمالة حمزة وعلي، فأما أبو عمرو والأعشى والبرجمي فإنهم يميلون بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب ﴿ إني أعلم ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ خليفة ﴾ (ط) بناء على أن عامل "إذ" محذوف أي اذكر.

ومن جعل ﴿ قالوا ﴾ عامل "إذ" وصل.

﴿ الدماء ﴾ (ج) لأن انتهاء الاستفهام على قوله ﴿ ويسفك الدماء ﴾ يقتضي الفصل، واحتمال الواو لمعنى الحال في قوله ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ يقتضي الوصل ﴿ ونقدس لك ﴾ (ط) ﴿ ما لا تعلمون ﴾ (ه).

التفسير: هذا ابتداء الإخبار عن كيفية خلق آدم  وعن كيفية تعظيمه إياه، فينخرط في سلك ما تقدمه من النعم، فإن النعمة على الآباء نعمة على الأبناء، وإذ ههنا مجرد لمعنى الظرفية أي أذكر وقت قول ربك كقوله ﴿ واذكر أخا عاد إذ أنذر  ﴾ أي وقت إنذاره على أنه بدل من أخا عاد لأن الذكر في ذلك الوقت ممتنع.

والخطاب للنبي  أو لكل واحد من بني آدم، ويجوز أن ينتصب بـ ﴿ قالوا ﴾ فيكون للمجازاة.

والملائكة جمع ملأك وأصله مألك بتقديم الهمزة من الألوكة هي الرسالة، ثم قلبت وقدمت اللام فقيل: ملأك، وجمع على فعائل مثل شمأل وشمائل، ثم تركت همزة المفرد لكثرة الاستعمال وألقيت حركتها على اللام.

وإلحاق التاء لتأنيث الجمع نحو حجارة وقد لا تلحق.

واعلم أن الملك قبل النبي  بالشرف والعلية وإن كان بعده في عقولنا وأذهاننا، وقد جعله الله واسطة بينه وبين رسله في تبليغ الوحي والشريعة.

وقدم ذكر الإيمان بالملائكة على ذكر الإيمان بالأنبياء ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله  ﴾ ولا خلاف بين العقلاء في أن شرف العالم العلوي بالملائكة كما أن شرف العالم السفلي بوجود الأنبياء فيه.

وللناس في حقيقة الملائكة مذاهب: منهم من زعم أنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السموات وهو قول أكثر المسلمين، ومنهم عبدة الأوثان القائلون إن الملائكة هي هذه الكواكب الموصوفة بالإسعاد والإنحاس وأنها أحياء ناطقة، فالمسعدات ملائكة الرحمة والمنحسات ملائكة العذاب.

ومنهم معظم المجوس والثنوية القائلون بالنور والظلمة وإنهما عندهم جوهران حساسان مختاران قادران، متضادا النفس والصورة، مختلفا الفعل والتدبير.

فجوهر النور فاضل خير نقي طيب الريح كريم النفس يسر ولا يضر وينفع ولا يمنع ويحيى ولا يبلى، وجوهر الظلمة ضد ذلك، فالنور يولد الأولياء وهم الملائكة لا على سبيل التناكح بل كتولد الحكمة من الحكيم والضوء من المضيء، وجوهر الظلمة يولد الأعداء وهم الشياطين كتولد السفه من السفيه.

ومنهم القائلون بأنها جواهر غير متحيزة، ثم اختلفوا فقال بعضهم وهم طوائف من النصارى - إنها هي الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها، فإن كانت صافية خيرة فالملائكة، وإن كانت خبيثة كثيفة فالشياطين.

وقال آخرون - وهم الفلاسفة - إنها مخالفة لنوع النفوس الناطقة البشرية، وإنها أكمل قوة وأكثر علماً، ونسبتها إلى النفوس البشرية كنسبة الشمس إلى الأضواء، فمنها نفوس ناطقة فلكية، ومنها عقول مجردة ومنهم من أثبت أنواعاً أخر من الملائكة وهي الأرضية المدبرة لأحوال العالم السفلي، خيرها الملائكة وشريرها الشياطين ولكل من الفرق دلائل على ما ذهب إليه يطول ذكرها ههنا.

وقد يستدل عليها أصحاب المجاهدات من جهة المكاشفة وأصحاب الحاجات والضرورات من جهة مشاهدة الآثار العجيبة والهداية إلى المعالجات النادرة الغريبة وتركيب المعجونات واستخراج صنعة الترياقات، كما يحكى أنه كان لجالينوس وجع في الكبد فرأى في المنام كأن امرأ يأمره أن يفصد الشريان الذي على ظهر كفه اليمنى بين السبابة والإبهام ففعل فعوفي، ومما يدل على ذلك حال الرؤيا الصادقة.

ولا نزاع ألبتة بين الأنبياء عليهم السلام في إثبات الملائكة وذلك كالأمر المجمع عليه بينهم، وأما شرح كثرتهم فقد قال  "أطّت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع" وروي "إن بني آدم عشر الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر، وهؤلاء كلهم عشر الطيور، وهؤلاء عشر حيوانات البحر وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية، وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة، ثم الكل في مقابلة ملائكة الكرسي نزر قليل، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة ألف طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السموات والأرض وما فيها، فإنها كلها تكون شيئاً يسيراً وقدراً قليلاً، وما مقدار موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ولا يعرف عددهم إلا الله، ثم مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل  والملائكة الذين هم جنود جبريل وهم كلهم سامعون مطيعون لا يستكبرون عن عبادته ولا يسأمون" وأما أصنافهم فمنهم حملة العرش ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية  ﴾ ومنهم أكابر الملائكة جبرائيل صاحب الوحي والعلم، وميكائيل صاحب الرزق والغذاء، وإسرافيل صاحب الصور، وعزرائيل ملك الموت، ومنهم ملائكة الجنة ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب  ﴾ ومنهم ملائكة النار ﴿ عليها تسعة عشر  ﴾ ومنهم لموكلون ببني آدم عن اليمين وعن الشمال قعيد.

ومنهم الموكلون بأحوال هذا العالم ﴿ والصافات صفا  ﴾ وأما أوصافهم فكما قال أمير المؤمنين علي  : منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون، لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان، ومنهم أمناء على وحيه وألسنة إلى رسله ومختلفون بقضائه وأمره.

منهم الحفظة لعباده والسدنة لأبواب جنانه، ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار ركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم، ناكسة دونه أبصارهم، متلفعون بأجنحتهم، مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة، لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين، ولا يحدونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر.

ثم إنه روى الضحاك عن ابن عباس أنه  إنما قال هذا القول للملائكة الذين كانوا محاربين مع إبليس، لأن الله  لما أسكن الجن الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضاً، بعث الله إبليس في جند من الملائكة فأخرجوهم من الأرض وألحقوهم بجزائر البحر، فقال  لهم ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ وقال الأكثرون من الصحابة والتابعين: إنه  قال ذلك لجماعة الملائكة من غير تخصيص، لأن لفظ الملائكة يفيد العموم والتخصيص خلاف الأصل.

و ﴿ جاعل ﴾ من جعل الذي له مفعولان، معناه مصير في الأرض خليفة، وإنما لم يقل إني خالق كما قال ﴿ إني خالق بشراً من طين ﴾ لأنه باعتبار الخلافة من عالم الأمر لا من عالم الخلق.

والظاهر أن الأرض يراد بها ما بين الخافقين، وقد يروى عن النبي  أن الأرض ههنا أرض مكة التي دحيت الأرض من تحتها.

والخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه، والخليفة اسم يصلح للواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وجمعه خلائف مثل: كريمة وكرائم.

وجاء خلفاء لأنهم جمعوه على إسقاط الهاء مثل: ظريف وظرفاء.

والمراد به آدم  إما لأنه صار خليفة لأولئك الجن الذين تقدموه، ويروى ذلك عن ابن عباس، وإما لأنه يخلف الله في الحكم بين خلقه كقوله ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق  ﴾ وهو المروي عن ابن مسعود والسدي.

وعن الحسن، أن المراد بالخليفة أبناء آدم لأنه يخلف بعضهم بعضاً ويؤيده قوله ﴿ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض  ﴾ وإنما وحد بتأويل من يخلف أو خلفاً يخلف، وبالحقيقة الإنسان يخلف جميع المكونات من الروحانيات والجسمانيات والسماويات والأرضيات، ولا يخلفه شيء منها إذ لم يجتمع في شيء منها ما اجتمع فيه.

وليس للعالم مصباح يضيء بنار نور الله فيظهر أنوار صفاته خلافة عنه إلا مصباح الإنسان، لأنه أعطى مصباح السر في زجاجة القلب، والزجاجة في مشكاة الجسد، وفي زجاجة القلب زيت الروح ﴿ يكاد زيتها يضيء  ﴾ من صفاء العقل ولو لم تمسسه نار النور، وفي مصباح السر فتيلة الخفاء، فإذا استنار مصباحه بنار نور الله كان خليفة الله في أرضه، فيظهر أنوار صفاته في هذا العالم بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة واللطف والقهر، ولا تظهر هذه الصفات لا على الحيوان ولا على الملك فاعلم.

والفائدة في إخبار الملائكة بذلك، إما تعليم العباد المشاورة في أمورهم وإن كان هو بحكمته البالغة غنياً عن ذلك، وإما ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا.

واعلم أن الجمهور من علماء الدين على أن الملائكة كلهم معصومون عن جميع الذنوب لقوله  ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون  ﴾ فلا شيء من المأمورات بل ومن المنهيات - لأن المنهي مأمور بتركه - إلا ويدخل فيه بدليل صحة الاستثناء وأيضاً لقوله ﴿ بل عباد مكرمون.

لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون  ﴾ ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون  ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.

وطعن فيهم بعض الحشوية بأنهم قالوا أتجعل، والاعتراض على الله من أعظم الذنوب.

وأيضاً نسبوا بني آدم إلى القتل والفساد وهذا غيبة وهي من أعظم الكبائر.

وأيضاً مدحوا أنفسهم بقولهم ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ وهو عجب.

وأيضاً قولهم ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ اعتذار والعذر دليل الذنب.

وأيضاً قوله  ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ دل على أنهم كانوا كاذبين فيما قالوه.

وأيضاً قوله ﴿ ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض ﴾ يدل على أنهم كانوا مرتابين في أنه  عالم بكل المعلومات.

وأيضاً علمهم بالإفساد وسفك الدماء إما بالوحي وهو بعيد وإلا لم يكن لإعادة الكلام فائدة، وإما بالاستنباط والظن وهو منهي ﴿ ولا تقْفُ ما ليس لك به علم  ﴾ وأيضاً قصة هاروت وماروت وأن إبليس كان من الملائكة المقربين ثم عصى الله وكفر.

والجواب عن اعتراضهم على الله أن غرضهم من ذلك السؤال لم يكن هو الإنكار ولا تنبيه الله على شيء لا يعلمه فإن هذا الاعتقاد كفر، وإنما المقصود من ذلك أمور منها: أن الإنسان إذا كان قاطعاً بحكمة غيره ثم رآه يفعل فعلاً لا يهتدي ذلك الإنسان إلى وجه الحكمة فيه، استفهم عن ذلك متعجباً.

فكأنهم قالوا إعطاء هذه النعم العظام من يفسد ويسفك لا تفعله إلا لوجه دقيق وسر غامض فما أبلغ حكمتك، ومنها أن إبداء الإشكال طلباً للجواب غير محذور، فكأنه قيل: إلهنا أنت الحكيم الذي لا يفعل السفه ألبتة، وتمكين السفيه من السفه قبيح من الحكيم، فكيف يمكن الجمع بين الأمرين؟

وهذا جواب المعتزلة، واستدلوا به على أن الملائكة لم يجوزوا صدور القبيح من الله  فكانوا على مذهب أهل العدل قالوا: ومما يؤكد ذلك أنهم أضافوا الفساد وسفك الدماء إلى المخلوقين لا إلى الخالق.

وأيضاً قالوا ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ والتسبيح تنزيه ذاته عن صفة الأجسام ﴿ ونقدس لك ﴾ والتقديس تنزيه أفعاله عن صفة الذم ونعت السفه، ومنها أن الخيرات في هذا العالم غالبة على شرورها، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير.

فالملائكة نظروا إلى الشرور فأجابهم الله  بقوله ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ أي من الخيرات الكثيرة التي لا يتركها الحكيم لأجل الشر القليل وهذا جواب الحكيم.

ومنها أن سؤالهم كان على وجه المبالغة في إعظام الله  ، فإن العبد المخلص لشدة حبه لمولاه يكره أن يكون له عبد يعصيه.

ومنها أن قولهم ﴿ أتجعل ﴾ مسألة منهم أن يجعل الأرض أو بعضها لهم إن كان ذلك صلاحاً نحو قول موسى ﴿ أتهلكنا بما فعل السفهاء منا  ﴾ أي لا تهلك، فقال  ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ من صلاحكم وصلاح هؤلاء فبين أن الاختيار لهم السماء ولهؤلاء الأرض، ليرضى كل فريق بما أختار الله له.

ومنها أن هذا الاستفهام خارج مخرج الإيجاب كقول جرير: ألستم خير من ركب المطايا؟

أي أنتم كذلك وإلا لم يكن مدحاً، فكأنهم قالوا: إنك تفعل ذلك ونحن مع هذا نسبح بحمدك لأنا نعلم في الجملة أنك لا تفعل إلا الصواب والحكمة فقال  ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ فأنتم علمتم ظاهرهم وهو الفساد والقتل، وأنا أعلم ظاهرهم وما في باطنهم من الأسرار الخفية التي تقتضي إيجادهم.

وفيه أن استحقاق تلك الخلافة ليس بكثرة الطاعة ولكنه بسابق العناية، وأنه  غني عن طاعة المطيعين كما أنه لا تضره معصية المذنبين.

والجواب عن الغيبة أن من أراد إيراد السؤال وجب أن يتعرض لمحل الإشكال، فلذلك ذكروا الفساد والسفك لا للغيبة.

وعن العجب أن مدح النفس غير ممنوع منه مطلقاً ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث  ﴾ فكأنهم قالوا ما سألناك للقدح في حكمتك يا رب فإنا نعترف لك بالإلهية والحكمة، بل لطلب وجه الحكمة.

وعن الاعتذار، إنه لم يكن للذنب بل لأن ترك السؤال كان أولى.

وروي عن الحسن وقتادة أن الله  لما أخذ في خلق آدم همست الملائكة فيما بينهم وقالوا: ليخلق ربنا ما شاء أن يخلق، فلن يخلق خلقاً إلا كنا خلقاً أعظم منه وأكرم عليه، فلما خلق آدم  وفضله عليهم وعلمه الأسماء كلها قال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين في أنه لا يخلق خلقاً إلا وأنتم أفضل منه، ففزعوا إلى التوبة وقالوا ﴿ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ ثم إن العلماء ذكروا في إخبار الملائكة عن الفساد والسفك وجوهاً منها: أنهم قالوا ذلك ظناً إما لأنهم قاسوهم على حال الجن الذين كانوا قبل آدم  في الأرض وهو مروي عن ابن عباس والكلبي، وإما لأنهم عرفوا خلقته وعلموا أنه مركب من الأركان المتخالفة والأخلاط المتنافية الموجبة للشهوة التي منها الفساد وللغضب الذي منه سفك الدماء.

ومنها أنهم قالوا ذلك عن اليقين، ويروى عن ابن مسعود وناس من الصحابة، وذلك أنه  لما قال للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: ربنا وما يكون الخليفة؟

قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً.

فعند ذلك قالوا: ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟

أو أنه  كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في الأرض خلق عظيم أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، أو لأنه لما كتب القلم في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك، أو لأن معنى الخليفة إذا كان النائب لله في الحكم والقضاء والاحتياج إلى الحاكم إنما يكون عند التنازع والتظالم، كان الإخبار عن وجود الخليفة إخباراً عن وقوع الفساد والشر بطريق الالتزام وقيل: لما خلق الله النار خافت الملائكة خوفاً شديداً فقالوا: لم خلقت هذه النار؟

قال: لمن عصاني من خلقي.

ولم يكن يومئذ لله خلق إلا الملائكة، ولم يكن في الأرض خلق ألبتة.

فلما قال: إني جاعل في الأرض خليفة، عرفوا أن المعصية منهم تظهر.

وأما قصة إبليس وهاروت وماروت فسيجيء الكلام فيها.

واختلف الناس في أن الملائكة لهم قدرة على المعاصي والشرور أم لا.

فالفلاسفة وكثير من أهل الجبر قالوا: إنهم خير محض ولا قدرة لهم على الشر.

والمعتزلة أثبتوا لهم قدرة على الأمرين، لأن قولهم ﴿ أتجعل ﴾ إما معصية أو ترك الأولى، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل، وأيضاً قال  ﴿ ومن يقل منهم إني إلّه من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ وهذا يقتضي كونهم مزجورين.

وقال ﴿ لا يستكبرون عن عبادته  ﴾ والمدح بترك الاستكبار إنما يحسن لو كان قدراً على الاستكبار.

ويمكن إلزامهم بأن الثواب عندهم واجب على الله فيمتنع عليه تركه مع أنه يستحق المدح على الثواب.

والواو في ﴿ ونحن نسبح ﴾ للحال كقولك "أتحسن إلى فلان وأنا أحق بالإحسان" والتسبيح تبعيد الله من السوء وكذا التقديس، من سبح في الماء وقدس في الأرض إذا ذهب فيها أو أبعد.

والتبعيد عن السوء إما في الذات ويحصل بنفي الإمكان المستلزم لنفي الكثرة المستلزمة لنفي الجسمية والعرضية والضد والند، وإما في الصفات بأن يكون مبرءاً عن العجز والجهل والتغيرات محيطاً بكل المعلومات قادراً على كل المقدورات، وإما في الأفعال بأن لا تكون أفعاله لجلب المنافع ودفع المضار، يقول الله تعالى: أنا المنزه عن النظير والشريك  هو الواحد القهار، أنا المدبر للسموات والأرض سبحان رب السموات والأرض، أنا المدبر لكل العالمين، سبحان الله رب العالمين أنا المنزه عن قول الظالمين سبحان ربك رب العزة عما يصفون، أنا الغني عن الكل  هو الغني، أنا السلطان الذي كل شيء سواي فهو تحت قهري وتسخيري فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء، أنا المنزه عن الصاحبة والولد  أنى يكون له ولد، أنا الذي أخلق الولد من غير أب  ﴿ إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون  ﴾ ، أنا الذي سخرت الأنعام القوية للبشر الضعيف ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين  ﴾ أنا الذي أعلم لا بعلم المعلمين ولا بإرشاد المرشدين ﴿ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا  ﴾ أنا الذي أغفر معصية سبعين سنة بتوبة ساعة ﴿ فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس  ﴾ فإن أردت رضوان الله فسبح ﴿ ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى  ﴾ وإن أردت الخلاص من النار فسبح ﴿ سبحانك فقنا عذاب النار  ﴾ وإن أردت الفرج من البلاء فسبح ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين  ﴾ أيها العبد، واظب على تسبيحي ﴿ وسبحوه بكرة وأصيلاً ﴾ } [الأحزاب: 42] وإلا فالضرر يعود إليك ﴿ فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون  ﴾ يسبح لي الحجر والمدر والرمال والجبال والشجر والدواب والليل والنهار والظلمات والأنوار والجنة والنار والزمان والمكان والعناصر والأركان والأرواح والأجسام ﴿ سبح لله ما في السموات والأرض  ﴾ ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ أيها العبد، أنا الغني عن تسبيح هذه الأشياء، وهذه الأشياء ليست من الأحياء فلا حاجة بها إلى ثواب هذا التسبيح، ولا أضيع ثواب هذه التسبيحات، فإن ذلك لا يليق بي ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً  ﴾ لكني أوصل ثواب هذه الأشياء إليك لتعرف أن من اجتهد في خدمتي أجعل كل العالم في خدمته "وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء" أيها العبد أذكرني بالعبودية لتنتفع به لا أنا ﴿ سبحان ربك رب العزة عما يصفون  ﴾ فإنك إذا ذكرتني في الخلوات ذكرتك في الفلوات ﴿ والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً  ﴾ أقرضني وإن كنت أنا الغني حتى أرد الواحد عليك عشرة ﴿ إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم  ﴾ لا حاجة لي إلى العسكر ﴿ ولو يشاء الله لانتصر منهم  ﴾ ولكن إذا نصرتني نصرتك ﴿ إن تنصروا الله ينصركم  ﴾ اخدمني ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم  ﴾ لا لأني أحتاج إلى خدمتك فإني أنا الملك ﴿ ولله ملك السموات والأرض  ﴾ ولكن أصرف في خدمتي عمراً قصيراً لتنال ملكاً كبيراً وخيراً كثيراً ﴿ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم  ﴾ .

قوله ﴿ بحمدك ﴾ في موضع الحال أي نسبحك ملتبسين بحمدك، فإنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق لم نتمكن من ذلك.

وسئل رسول الله  أي الكلام أفضل؟

فقال: ما اصطفاه الله لملائكته: سبحان الله وبحمده.

ويروى أن أهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأهل السماء الثانية قيام إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأهل السماء الثالثة ركوع إلى يوم القيامة يقولون: سبحان الحي الذي لا ينام ولا يموت.

وعن ابن عباس وابن مسعود: نسبح أي نصلي، والتسبيح الصلاة.

وعن مجاهد: نقدس لك نطهر أنفسنا من ذنوبنا وخطايانا ابتغاء لمرضاتك.

وقيل: ظهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك حتى تصير مستغرقة في أنوار معرفتك ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ معناه لا تعجبوا ولا تغتموا بأن فيهم من يفسد ويسفك فإني أعلم أن فيهم من لو أقسم على الله لأبرَّه، وأعلم أن معكم إبليس وفي قلبه من الحسد والكبر والنفاق ما فيه، أو أنكم لما وصفتم أنفسكم بهذه المدائح فأنتم في تسبيح أنفسكم لا في تسبيحي.

اصبروا حتى أخلق البشر فيكون فيهم من يعبدونني ثم يخشونني، يودون حق العبادات ثم لا يتكلمون على تلك الطاعات ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم  ﴾ ﴿ والذين هم من خشية ربهم مشفقون ﴾ \[المؤمنون: 57\] ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين  ﴾ ﴿ وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين  ﴾ أو أعلم من المصالح في ذلك ما هو خفي عليكم، ولكم في هذا الإجمال ما يغنيكم عن التفصيل، فإن أفعالي كلها حكمة ومصلحة، وإن خفي عليكم وجه كل واحد على أنه قد بين لهم بعض ذلك في قوله: ﴿ وعلم ءادم الأسماء.........

﴾ <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر