الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة البقرة
تفسيرُ سورةِ البقرة كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 1449 دقيقة قراءة﴿ الٓمٓ ﴾ هو وأمثاله أسماء للسورة المبتدأة به، ولا يضر وضع الاسم الواحد (كالم) لعدة سور لأنه من المشترك الذي يعين معناه اتصاله بمسماه.
وحكمة التسمية والاختلاف في ﴿ الٓمٓ ﴾ و ﴿ المص ﴾ نفوض الأمر فيها إلى المسمي .
ويسعنا في ذلك ما صنع صحابة رسول الله وتابعوهم، وليس من الدين في شيء أن يتنطع متنطع فيخترع ما يشاء من العلل، التي قلما يسلم مخترعها من الزلل.
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ ﴾ الكتاب بمعنى المكتوب وهو اسم جنس لما يكتب والمراد بالكتاب هذه الرقوم والنقوش ذات المعاني.
والإشارة تفيد التعيين الشخصي أو النوعي.
وليس المراد هنا نوعًا من أنواع الكتب بل المراد كتاب معروف معهود للنبي بوصفه.
وكأن ذلك العهد مبني على صدق الوعد من الله بأنه يبعثه ويؤيده بكتاب تام كامل كافل لطلاب الحق بالهداية والإرشاد، في جميع شؤون المعاش والمعاد.
فأشار"بذلك"إليه.
ولا يضر أنه لم يكن موجودًا كله وقت نزول أمثال هذه الإشارة، فقد يكفي في صحتها وجود البعض.
وقد كان نزل من القرآن جملة عظيمة قبل نزول أول السورة وأمر النبي بكتابها فكتبت وحفظت، فالإشارة إليها إشارة إليه.
بل يكفي في صحة الإشارة أن يشار إلى سورة البقرة نفسها لأنه يصح فيها وصف ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ والأول أشبه، والإشارة إلى الكتاب كله عند نزول بعضه إشارة إلى أن الله تعالى منجز وعده للنبي بإكمال الكتاب كله.
ومن حكمة الإشارة بهذا الكتاب، أي المكتوب المرقوم، أن النبي أمر بكتابته دون غيره، فهو الكتاب وحده، ولا يضر إنه عند النزول لم يكن مكتوبًا بالفعل لأنك تقول أنا أملي كتابًا أو هلم أُمْلِ عليك كتابًا.
والإشارة البعيدة بالكاف يراد بها بُعْدُ مرتبته في الكمال، وعلوها عن متناول قريحة شاعر أو مقول خطيب قوال، والبعد والقرب في الخطاب الإلهي إنما هو بالنسبة إلى المخلوقين، ولا يقال إن شيئًا بعيدًا عنه تعالى أو قريبًا منه في المكان الحسي لأن كل الأشياء بالنسبة إليه تعالى سواء.
وإنما القرب منه والبعد عنه تعالى معنوي وهو أقرب إلينا من أنفسنا بعمله.
﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ الريب والريبة والظنة (التهمة) والمعنى أن ذلك الكتاب مبرأ من وصمات العيب، فلا شك فيه، ولا ريبة تعتريه، لا من جهة كونه من عند الله تعالى، ولا في كونه هاديًا مرشدًا، ويصح أن يقال إنه في قوة آياته، ونصوع بيناته، بحيث لا يرتاب عاقل منصف، غير متعنت ولا متعسف، في كونه هداية مفاضة من سماء الحق، مهداة إلى الخلق، على لسان أمي لم يسبق له قبله الاشتغال بشيء من علومه، ولا الإتيان بكلام يقرب منه في بلاغته، ولا في أسلوبه حتى بعد نبوته - ولهذا قال فيما يأتي قريبًا ﴿ وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾ وحاصله إنه كذلك في كل من نظمه وأسلوبه وبلاغته، ومن معانيه وعلومه وتأثيره والمتبادر في المعنى أنه لا يمكن أن توجه إليه الشبهة، أو تحوم حوله الريبة في كونه هاديًا من الله تعالى، سواء أشك في ذلك أحد أم لا.
﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ خبر بعد خبر، والهدى مصدر في الأصل كالتُّقى والسُّرى.
والمراد بالهداية هنا الدلالة على الصراط المستقيم مع المعونة الخاصة والأخذ باليد، على ما تقدم في تفسير المراد من ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ ﴾ ، لأن كونه هاديًا للمتقين بالفعل غير كونه هاديًا -دالًا- لسائر الناس من غير مراعاة أخذهم بدلالته، واستقامتهم على طريقته، وكلمة"المتقين"من الاتقاء، والاسم التقوى، وأصل المادة: وقى يقي.
والوقاية معروفة المعنى.
وهو البعد أو التباعد عن المضر أو مدافعته، ولكن نجد هذا الحرف مستعملًا بالنسبة إلى الله تعالى كقوله ﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ - ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ - ﴿ وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾ فمعنى اتقاء الله اتقاء عذابه وعقابه، وإنما تضاف التقوى إلى الله تعالى تعظيمًا لأمر عذابه وعقابه، وإلا فلا يمكن لأحد أن يتقي ذات الله تعالى ولا تأثير قدرته، ولا الخضوع الفطري لمشيئته.
ومدافعة عذاب الله تعالى تكون باجتناب ما نهى واتباع ما أمر، وذلك يحصل بالخوف من العذاب ومن المعذِّب، فالخوف يكون ابتداء من العذاب وفي الحقيقة من مصدره، فالمتقي هو من يحمي نفسه من العقاب ولا بد في ذلك أن يكون عنده نظر ورشد يعرف بهما أسباب العقاب والآلام فيتقيها.
كان من الجاهلين من مقت عبادة الأصنام وأدرك أن فاطر السموات والأرض لا يرتضيه الخضوع لها، وأن الإله الحق يحب الخير، ويبغض الشر، فكان منهم من اعتزل الناس لذلك.
وكانوا لا يعرفون من عبادة الله إلا الالتجاء والابتهال وتعظيم جانب الربوبية، وذلك ما كان يسمى صلاة في لسانهم - وبعض الخيرات البديهية التي يهتدي إليها العقل في معاملات الخلق.
وكان من أهل الكتاب من وصفهم الله تعالى بمثل قوله ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ وبقوله ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ فأمثال هؤلاء من الفريقين هم المراد بالمتقين.
ولا حاجة إلى تخصيص ما جاء في وصفهم بالمؤمنين منهم بعد الإسلام أو بالمسلمين، بل أولئك هم الذين كان في قلوبهم اشمئزاز مما عليه أقوامهم، وفي نفوسهم شيء من التشوف إلى هداية يهتدون بها، ويشعرون باستعدادهم لها، إذا جاءهم شيء من عند الله تعالى.
فالمتقون في هذه الآية إذن هم الذين سلمت فطرتهم فأصابت عقولهم ضربًا من الرشاد ووجد في أنفسهم شيء من الاستعداد لتلقي نور الحق يحملهم على توقي سخط الله تعالى والسعي في مرضاته، بحسب ما وصل إليه علمهم، وأداهم إليه نظرهم واجتهادهم.
<div class="verse-tafsir"
الإيمان هو التصديق الجازم المقترن بإذعان النفس وقبولها واستسلامها، وآيته العمل بما يقتضيه الإيمان عند عدم الصارف الذي يختلف باختلاف درجات المؤمنين في اليقين.
والغيب ما غاب علمه عنه.
الناس قسمان: مادي لا يؤمن إلا بالحسيات، وغير مادي بما لا يدركه الحس، أي بما غاب عن المشاعر منى أرشد إليه الدليل أو الوجدان السليم، ولا شك أن الإيمان بالله وملائكته -وهي جنود غائبة لها مزايا وخواص يعلمها - وباليوم الآخر إيمان بالغيب.
ومن لا يؤمن بالله لا يمكن أن يهتدي بالقرآن، ومن يتصدى لهدايته لا بد له أن يقيم الحجة العقلية على أن لهذا العالم إلهًا متصفًا بصفات الكمال التي لا تتحقق الألوهية إلا بها ثم يقنعه بأن هذا القرآن هداية من لدنه تعالى.
لذلك وصف الله المتقين الذين يهتدون بالقرآن بقوله: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ .
والإيمان بالغيب هو الاعتقاد بموجود وراء المحسوس.
وصاحب هذا الاعتقاد، واقف على طريق الرشاد، وقائم على أول النهج، لا يحتاج إلا إلى من يدله على المسلك ويأخذ بيده الغاية، فإن من يعتقد بأن وراء المحسوسات موجودات يصدق بها العقل، وإن كانت لا يأتي عليها الحس، إذا أقمت له الدليل على وجود فاطر السموات والأرض المستعلي عن المادة ولواحقها، المتصف بما وصف به نفسه على ألسنة رسله، سهل عليه التصديق وخف عليه النظر في جلي المقدمات وخفيها، وإذا جاء الرسول بوصف اليوم الآخر أو بذكر عالم من العوالم التي استأثر الله بعلمها، كعالم الملائكة مثلًا، لم يشق على نفسه تصديق ما جاء به الخبر بعد ثبوت النبوة.
لهذا جعل الله سبحانه هذا الوصف في مقدمة أوصاف المتقين الذين يجدون في القرآن هدى لهم.
وأما من لا يعرف من الموجود إلا المحسوس، ويظن أن لا شيء وراء المحسوسات وما اشتملت عليه، فنفسه تنفر من ذكر ما وراء مشهوده أو ما يشبه مشهوده، وقلما تجد السبيل إلى قلبه إذا بدأته بدعواك، نعم قد توصلك المجاهدة بعد مرور الزمان في إيراد المقدمات البعيدة، والأخذ به في الطرق المختلفة، إلى تقريبه مما تطلب، ولكن هيهات أن ينصرك الصبر، أو يخضعه القهر، حتى يتم لك من الأمر، فمثل هذا إذا عرض عليه القرآن نبا عنه سمعه، ولم يجمل من نفسه وقعه، فكيف يجد فيه هداية، أو منقذًا من غواية؟
ولما كان الإيمان بالغيب يطلق عند الناس على ذلك الاستسلام التقليدي الذي لم يأخذ من النفس إلا ما أخذ اللفظ من اللسان، وليس له أثر في الأفعال، لأنه لم يقع تحت نظر العقل، ولم يلحظه وجدان القلب، بل أغلقت عليه خزانة الوهم، ومثل هذا الذي يسمونه إيمانًا لا يفيد في إعداد القلب للاهتداء بالقرآن - لما كان هذا شأنهم مَنَّ الله علينا ببيان يشعر بحقيقة ما أراده تعالى من معنى الإيمان، فذكر علامات المؤمنين بالغيب الذين ينتفعون بهداية القرآن بالجمل الآتية، قال: ﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة ﴾ إلخ.
الصلاة إظهار الحاجة والافتقار إلى المعبود بالقول أو العمل أو كليهما وهو المراد بقولهم:"الصلاة معناها الدعاء"لأن إظهار الحاجة إلى العظيم الكريم، ولو بالفعل فقط، التماس للحاجة واستدرار للنعمة، أو طلب لدفع النقمة.
أرأيتم أولئك الذين يقفون بين أيدي الملوك ناكسي رؤوسهم حاني ظهورهم، وتارة يقعون على أقدامهم يقبلونها، أليس الباعث على هذا العمل إما خوف من عقوبة يطلبون به دفعها، وإما حذر على نعمة يتوقون سلبها ورفعها، فيلتمسون بقاءها، ويرجون زيادتها ونماءها؟!.
هذه الصلاة كانت توجد عند بعض الجاهليين وهم الذين كانوا يعرفون بالحنيفيين والحنفاء، وعند بعض أهل الكتاب بالمعنى الذي يأتي ذكره.
والصلاة بالمعنى الذي ذكرناه قد ظهر في الإسلام في أفضل أشكاله، وهو تلك الصلاة التي فرضها الله على المسلمين، فإن هذه الأقوال والأفعال المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم على النحو الذي جاءت به السنة المتواترة من أفضل ما يعبر به عن الإحساس بالحاجة إلى المعبود، وشعور الأنفس بعظمته، لو أقامها المصلون وأتوا بها على وجهها، ولذلك قال ﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة ﴾ ولم يقل يصلون، وفرق بينهما، فإن الصلاة متى حددت بكيفية مخصوصة يقال لمن يؤديها بتلك الكيفية إنه صلى وإن كان عمله هذا خلوًا من معنى الصلاة وقوامها المقصود من الهيئة الظاهرة، فاحتيج إلى لفظ يدل على هذا المعنى الذي به قوام الصلاة، وهو ما عبر عنه القرآن بلفظ الإقامة.
وقد قالوا إن إقامة الصلاة عبارة عن الإتيان بجميع حقوقها من كمال الطهارة واستيفاء الأركان والسنن، وهو لا يعدو وصف الصورة الظاهرة، وإنما قوام الصلاة الذي يحصل بالإقامة هو التوجه إلى الله تعالى والخشوع الحقيقي له، والإحساس بالحاجة إليه تعالى.
فإذا خلت صورة الصلاة من هذا المعنى لم يصدق على المصلي أنه أقام الصلاة، فإنه قد هدمها بإخلائها من عمادها، وقتلها بسلبها روحها، ومن غريب مزاعم من يسمون أنفسهم بالمسلمين: أن حضور القلب في جميع أجزاء الصلاة واستشعار الخشية من أصعب ما تتجشمه النفس، بل يكاد يكون مستحيلًا لغلبة الخواطر على ذهن المصلي.
هذا وأخشى أن يكون هذا جحودًا لمعنى الصلاة، وإنما عرض لهم هذا الوهم الباطل من شدة الغفلة، واستحكام العلة، وإني أدلهم على طريقة لو أخذوا بها لشغلوا بمعنى الصلاة حتى عن الصلاة نفسها، تلك الطريقة هي أن لا ينطق المصلي بلفظ إلا وهو يستورد معناه على ذهنه، فإذا قال ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ يستحضر معنى الحمد وإضافته إلى ذات الله تعالى مع وصفه بالربوبية، لجميع الأكوان العلوية والسفلية، وإذا قال مثل: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ تصور معنى الملك وتعلقه بذلك اليوم يوم الجزاء، وهكذا فإذا أخذ المصلي على نفسه أن يتصور المعاني من ألفاظها التي ينطق بها فقد أقام الصلاة، أما وهو ينطق ولا يفقه ولا يلحظ بذهنه معنى لفظ ما يقول فكيف يزعم أنه يصلي فضلًا عن أنه يقيم الصلاة؟!.
﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ : هذا الوصف من أقوى أمارات الإيمان بالغيب، لأن كثيرًا من الناس يأتون بضروب العبادات البدنية كالصلاة والصوم ومتى عرض لهم ما يقتضي بذل شيء من المال لله تعالى يمسكون ولا تسمح أنفسهم بالبذل، وليس المراد بالإنفاق هنا ما يكون على الأهل والولد، ولا يسمونه بالجود والكرم، كَقِرَى الضيوف ابتغاء عرض كالشهرة والجاه، أو الأنس بالأصحاب، لأن هذا ليس من آثار الإيمان بالغيب، وإنما هو الإنفاق الناشئ عن شعور بأن الله تعالى هو الذي رزقه وأنعم عليه به، وأن الفقير المحروم عبد الله مثله، وأنه حرم من سعة العيش لضعف أو حرمان من الأسباب التي توصل إلى الرزق، أو عن إحساس بأن مصلحة من مصالح المسلمين ومنفعة من منافعهم العامة لا تقوم أو لا تصل إليهم إلا ببذل المال، وقد أوجب الله على من أوتي المال أن ينفق منه في ذلك السبيل وهو أفضل سبل الله، فمن يجد من نفسه داعية لبذل أحب الأشياء إليه وهو ماله ابتغاء مرضاة الله تعالى وقيامًا بشكره، ورحمة لأهل العوز والبائسين من خلقه، فهو لا شك مستعد لقبول هداية القرآن أتم الاستعداد، حتى إذا ما دعي إليه لبى وأجاب وأسلم إلى الله تعالى وأناب.
فهذا بيان حال الفرقة الولى ممن يهتدي بالقرآن فعلًا ويشملها لفظ المتقين بالمعنى السابق، وكان منهم بعض العرب الحنفاء، وبعض أهل الكتاب الصلحاء، كما سبق بيانه.
والمراد من كون القرآن هدى لهذه الفرقة أنها مستعدة لقبوله، ومهيأة للاسترشاد به، لأن الإيمان الإجمالي بالله وبحياة أخرى بعد هذه الحياة يوفى الناس فيها أجورهم بحسب أعمالهم البدنية والنفسية، واتقاء ما يحول دون السعادة في هذه الحياة بحسب الاجتهاد الناقص والتعليم الذي لم يقتنع به العقل، ولم تسكن إليه النفس، قد هيأهم لقبول القرآن، وأن يقتبسوا من نوره ما يذهب بظلمات الجهل والحيرة، ويمنح الأرواح ما تتشوف إليه بمقتضى الفطرة.
وبعد أن بين حال هذه الفرقة التي يكون الكتاب هدى لها، يخرجها من ظلمات الشك إلى نور اليقين، وينكب بها عن مهاب رياح الفكر إلى مستقر السكينة، ومستكن الطمأنينة، بما تتعرفه النفس من جانب القدس، عطف عليها بيان حال الفرقة التي اهتدت به فعلًا، وصار إمامًا لها تتبعه في جميع أعمالها، دون أن تغمض عينها عنه.
بعد أن أضاء لها ما أضاء منه، فقال عز من قائل: <div class="verse-tafsir"
هذه هي الطبقة الثانية من المتقين واعيد لفظ"الذين"لتحقيق التمايز بين الطبقتين.
وهذه الطبقة أرقى من الطبقة الأولى لأن أوصافها تقتضي الأوصاف التي أجريت على تلك وزيادة، فالقرآن يكون هدى لها بالأولى، ومعنى كونه هدى لها أنه يكون إمامها في أعمالها وأحوالها، لا تحيد عن النهج الذي ينهجه لها، كما ذكرنا.
ما كل من أظهر الإيمان بما ذكر مهتد بالقرآن.
فالمؤمنون بالقرآن على ضروب شتى، ونرى بيننا كثيرين ممن إذا سئل عن القرآن قال: هو كلام الله ولا شك، ولكن إذا عرضت أعماله وأحواله على القرآن نراها مباينة له كل المباينة.
القرآن ينهى عن الغيبة والنميمة والكذب، وهو يغتاب ويسعى بالنميمة ولا يتأثم من الكذب.
القرآن يأمر بالفكر والتدبر وهو كما وصف القرآن المكذبين بقوله تعالى فيهم: ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ ﴾ لا يفكر في مستقبله ولا مستقبل أمته، ولا يتدبر الآيات والنذر، ولا الحوادث والعبر.
إن المؤمن الموقن المذكور في الآية الكريمة هو الذي يزين أعماله وأخلاقه باستكمال ما هدى إليه القرآن دائمًا، ويجعله معيارًا يعرض عليه تلك الأعمال والأخلاق ليتبين هل هو مهتد به أم لا؟
مثال ذلك الصلاة يصفها القرآن بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقال في المصلين ﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلاَّ الْمُصَلِّينَ ﴾ .
فيبين أن الصلاة تقتلع الصفات الذميمة الراسخة التي تكاد تكون فطرية، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، ولم تقتلع من نفسه جذور الجبن والهِلع، وتصطلم جراثيم البخل والطمع، فليعلم أنه ليس مصليًا في عرف القرآن، ولا مستحقًا لما وعد عباده الرحمن.
أما لفظ الإنزال فالمراد به ما ورد من جانب الربوبية الرفيع الأعلى، وأوحى إلى العباد من الإرشاد الإلهي الأسمى، وسمي إنزالًا لما في جانب الألوهية من ذلك العلو: علو الرب على المربوب، والخالق على المخلوقين، الذين لا يخرجون بالتكريم والاصطفاء عن كونهم عبيدًا خاضعين، وقد سمى القرآن غير الوحي من إسداء النعم الإلهية إنزالًا فقال ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ فنكتفي بهذا من معنى الإنزال، وهو ما يفهمه كل عربي، من حاضر وبدوي، عما أطال به المفسرون وندع الخلافات للمختلفين.
ثم قال تعالى: ﴿ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ أما لفظ ﴿ الآخرَةِ ﴾ فقد ورد في القرآن كثيرًا والمراد به الحياة الآخرة حيث الجزاء على الأعمال.
وأما اليقين فهو الاعتقاد المطابق للواقع الذي لا يقبل الشك ولا الزوال، فهو اعتقادان: اعتقاد أن الشيء كذا، واعتقاد أنه لا يمكن أن يكون إلا كذا.
..
وصفهم بأنهم موقنون بالآخرة لأنهم مؤمنون بالقرآن ولم يصف بهذا الوصف الطائفة الأولى لأنها وإن كانت تؤمن بالغيب وتتوجه إلى الله تعالى بالصلاة المخصوصة بها وتنفق مما رزقها الله، فذلك لا ينافي أنها في حيرة من أمر البعث والجزاء، وكذلك كانت قبل الإيمان بالقرآن وكان من هداية القرآن لها أن خرج بها من غمرات تلك الحيرة.
لا يعتد بما دون اليقين في الإيمان، وقد قال الله تعالى في اعتقاد قوم: ﴿ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ وإذا لم يكن الظَّان موقنًا وعلى نور من ربه في اعتقاده فما حال من هو دونه من الشاكِّين والمرتابين؟
ويعرف اليقين في الإيمان بالله واليوم الآخر بآثاره في الأعمال.
إننا نرى الرجل يأتي إلى المحكمة بدعوى زور يريد أن يأكل بها حق أخيه بالباطل أو يجامل آخر بشهادة زور، أو ينتقم بها من ثالث، وهو يعلم أنه مزور ومبطل فيقال له: اتق الله إن أمامك يومًا ﴿ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾ فيقول أعوذ بالله أنا أعلم أن أمامي يومًا، وأن أمامي شبرًا من الأرض -(يعني القبر)- والدنيا لا تغني عن الآخرة.
ويحلف اليمين الغموس باسم الله تعالى أنه محق في دعواه أو شهادته، ثم يظهر التحقيق أنه مزور، ويضطره إلى الاعتراف والإقرار بذلك، فكأن الإيمان بالله واليوم الآخر عنده خيال يلوح في ذهنه عندما يريد الخلابة والخداع لأجل أكل الحقوق أو إرضاء الهوى، ولا يظهر له أثر في أعماله وأحواله كأثر الاعتقاد ببعض المشايخ الميتين كما بينا ذلك من قبل.
فمثل هذا الإيمان - وإن تعارف الناس على تسميته تلك- ليس من الإيمان الذي يقوم على ذلك المعنى من الإيقان، ويظهر أثره في الجوارح والأركان.
اليقين: إيمانك واعتقادك بالشيء والإحساس به من طريق وجدانك كأنك تراه، بأن يكون قد بلغ بك العلم به أن صار مالكًا لنفسك مصرفًا لها في أعمالها، ولا يكون العلم محققًا للإيمان على هذا الوجه حتى تكون قد أصبته من إحدى طريقتين: (الأولى): النظر الصحيح فيما يحتاج فيه إلى النظر، كالإيقان بوجود الله ورسالة الرسل، وذلك بتخليص المقدمات، والوصول بها إلى حد الضروريات، فأنت بعد الوصول إلى ما وصلت إليه كأنك راء ما استقر رأيك عليه.
(والطريق الأخرى): خبر الصادق المعصوم بعد أن قامت الدلائل على صدقه وعصمته عندك، ولا يكون الخبر طريقًا لليقين حتى تكون سمعت الخبر من نفس المعصوم ، أو جاءك عنه من طريق لا تحتمل الريب، وهي طريق التواتر دون سواها، فلا ينبوع لليقين بعد طول الزمن بيننا وبين النبوة إلا سبيل المتواترات التي لم يختلف أحد في وقوعها، فالإيقان بالمغيبات كالآخرة وأحوالها والملأ الأعلى وأوصافه، وصفات الله التي لا يهتدي إليها النظر لا يمكن تحصيله إلا من الكتاب العزيز، وهو الحق الذي جاءنا من الله لا ريب فيه، فعلينا أن نقف عندما أنبأ به من غير خلط ولا زيادة ولا قياس.
وأكد الإيقان بالآخرة بقوله ﴿ هُمْ ﴾ اهتمامًا بشأنه وليبين أن الإيقان بالآخرة خاصة من خواص الذين آمنوا بالقرآن وبما أنزل قبله من الكتب لا يشركهم فيه سواهم.
وقد علمت أنه لا بد أن يكون الموقن به من أحوال الآخرة قطعيًا.
فهذه الإضافات التي أضافوها على أخبار الغيب وخلقوا لها الأحاديث، بل أضافوا إليها أيضًا أقوال أهل الكتاب وأشياء أخرى نسبوها إلى السلف، وبعض غرائب جاءت على لسان المنتسبين للتصوف، لا تدخل فيما يتعلق به اليقين، بل الجهل بالكثير منها خير من العلم به، فإنما الوصف الذي يمتاز به أهل القرآن هو اليقين، ولا يكون اليقين إلا حيث يكون القطع وأما الظن فهو وصف من عابهم القرآن وأزرى بهم فلا علاقة له بأحوالهم.
<div class="verse-tafsir"
ههنا إشارتان، والمشار إليه عند الجمهور واحد، وهو ما في الآيتين السابقتين من المؤمنين، من غير أهل الكتاب والمؤمنين منهم، وكرر الإشارة للإسلام بأنه لا بد من تحقق الوصفين لتحقق الحكم بأنهم على هدى وأنهم هم المفلحون.
كذا قال بعضهم، وهو تكلف ظاهر وكذا قولهم: إن تنكير هدى هنا للتعظيم.
وأنا أرى أن الإشارتين هما لنوعي المؤمنين المذكورين في الآية السابقة بأسلوب اللف والنشر المرتب.
إن الإشارة الأولى ﴿ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ في هذه الآية للفرقة الأولى وهم الذين ينتظرون الحق لأنهم على شيء منه -كما يدل عليه تنكير"هدى"الدال على النوع- وينتظرون بيانًا من الله تعالى ليأخذوا به، ولذلك تقبلوه عندما جاءهم.
فقد أشعر الله قلوبهم الهداية بما آمنوا به من الغيب، وأقاموا الصلاة بالمعنى الذي سبق، وأنفقوا مما رزقهم الله، وأما الفرقة الثانية وهم المؤمنون بما جاء به محمد فعلى هدى تشترك فيه تلك الفرقة الأولى، لكن على وجه أكمل، لأنها مؤمنة بالقرآن وعاملة به.
وقوله ﴿ عَلَى هُدًى ﴾ تعبير يفيد التمكن من الشيء كتمكن المستقر عليه كقولهم"ركب هواه"ولقد كان أفراد تلك الفرقة (أي الأولى) على بصيرة وتمكن من نوع الهدى الذي كانوا عليه، فإن كان هذا غير كافٍ لإسعادهم وفلاحهم، فهو كافٍ لإعدادهم وتأهيلهم لهما بالإيمان التفصيلي المنزل ولذلك قبلوه عندما بلغتهم دعوته.
وإلى الفرقة الثانية وقعت الإشارة الثانية ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ﴾ ، كما هو ظاهر، وهم المفلحون بالفعل لاتصافهم بالإيمان الكامل بالقرآن وبما تقدمه من الكتب السماوية واليقين بالآخرة - لا مطلق الإيمان بالغيب إجمالًا- ويرشد إلى التغاير بين مرجع الإشارتين ترك ضمير الفصل"هم"في الأولى وذكره في الثانية.
ولو كان المشار إليه واحدًا لذكر الفصل في الأولى، لأن المؤمنين بالقرآن هم الذين على الهدى الصحيح التام، فهو خاص بهم دون سواهم، لكنه اكتفى عن التنصيص على تمكنهم من الهدى بحصر الفلاح فيهم.
ومادة "الفلح" تفيد في الأصل معنى الشق والقطع، ومثلها مادة "الفلج" بالجيم و"الفلخ" بالخاء و"الفلذ" و"الفلع" و"الفلغ" و"الفلق" و"الفل" و"الفلم".
ويطلق الفلاح والفلح على الفوز بالمطلوب، ولكن لا يقال أفلح الرجل إذا فاز بمرغوبه عفوًا من غير تعب ولا معاناة، بل لا بد في تحقيق المعنى اللغوي لهذه المادة من السعي إلى الرغيبة والاجتهاد لإدراكها، فهؤلاء ما كانوا مفلحين إلا بالإيمان بما أنزل إلى النبي وما أنزل من قبله.
وباتباع هذا الإيمان بامتثال الأوامر واجتناب النواهي التي نيط بها الوعد والوعيد فيما أنزل إليه مع اليقين بالجزاء على جميع ذلك في الآخرة، ويدخل في هذا كله الكذب والزور وتزكية النفس من سائر الرذائل كالشره والطمع والجبن والهلع والبخل والجور والقسوة وما ينشأ عن هذه الصفات من الأفعال الذميمة، وارتكاب الفواحش والمنكرات والانغماس في ضروب اللذات.
كما يدخل فيه الفضائل التي هي أضداد هذه الرذائل المتروكة، وجميع ما سماه القرآن عملًا صالحًا من العبادات وحسن المعاملة مع الناس والسعي في توفير منافعهم العامة والخاصة مع التزام العدل والوقوف عند ما حدده الشرع القويم، والاستقامة على صراطه المستقيم.
وجملة القول أن الإيمان بما أنزل إلى النبي وهو الإيمان بالدين الإسلامي جملة وتفصيلًا، فما علم من ذلك بالضرورة ولم يخالف فيه مخالف يعتد به فلا يسع أحدًا جهله، فالإيمان به إيمان، والإسلام لله إسلام، وإنكاره خروج من الإسلام، وهو الذي يجب أن يكون معقد الارتباط الإسلامي وواسطة الوحدة الإسلامية، وما كان دون ذلك في الثبوت ودرجة العلم فموكول إلى اجتهاد المجتهدين، أو ذوق العارفين أو ثقة الناقلين بمن نقلوا عنه ليكون معتمدهم فيما يعتقدون بعد التحري والتمحيص.
وليس لهؤلاء أن يلزموا غيرهم ما ثبت عندهم، فإن ثقة الناقل بمن ينقل عنه حالة خاصة به لا يمكن لغيره أن يشعر بها حتى يكون له مع المنقول عنه في الحال مثل ما للناقل معه، فلا بد أن يكون عارفًا بأحواله وأخلاقه ودخائل نفسه، ونحو ذلك مما يطول شرحه ويحصل الثقة للنفس بما يقول القائل.
ولا يصح ان يكون شيء من ذلك مثار اختلاف في الدين.
<div class="verse-tafsir"
كان الذي تقدم بيانًا من الله تعالى لصنفين من الناس لهم في القرآن هداية ولنفوسهم إلى الاهتداء به انبعاث: الأول - من الصنفين أولئك الذين يبلغهم لأول مرة، وهم ممن يخشى الله ويهاب سلطانه، وفي أصول اعتقادهم الإيمان بما وراء الحس، على ما تقدم.
والثاني - أولئك الذين آمنوا بما أنزل إلى النبي وما أنزل من قبله.
وهذا الصنف قد يجتمع مع الذي قبله فيمن كانوا متقين مؤمنين بالغيب، ثم آمنوا بالنبي وبما جاء به، وقد يفترق الصنفان فيمن بقي إلى اليوم لم تبلغه الدعوة وهو على تلك الأوصاف، ومن ولد من آباء مؤمنين ثم صدق إيمانه بعد أن بلغ رشده وملك عقله.
أما هاتان الآيتان فقد بينتا حال طائفة ثالثة من الناس وهم الكافرون، ثم يبين قوله تعالى ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ﴾ الخ..
حال طائفة أخرى أخص منها وهم المنافقون، الذين يظهر من أقوالهم وفي بعض أفعالهم أنهم مؤمنون، ولكنهم في حقيقة أمرهم كافرون، بل شر من الكافرين.
فهذه أقسام أربعة ينقسم إليها الناس إذا بلغهم القرآن ونظروا فيه، ودعوا إلى الإيمان به والأخذ بهديه.
بيَّن الله تعالى لنبيه أنه إذا كان يوجد في الناس من لا يؤمن بالقرآن فليس هذا عيبًا وتقصيرًا في هداية الكتاب، وإنما العيب فيهم لا في الكتاب، لأنه هداية كسائر الهدايات الطبيعية التي أعرض الناس وعموا عنها، كهداية العقل والسمع والبصر ونحوها مما أكرم الله به هذا النوع البشري، وقد يحكم الرجل بأن في العمل مضرة تلحق به، ومع ذلك يعدل عن حكمه انتهازًا للذة زينها له حسه أو وهمه، ويأتي ذلك العمل على ما يعلم من سوء مغبته، فاحتقار الرجل لعقل نفسه لا يعد عيبًا في تلك الموهبة الإلهية ولا يحط من شأن النعمة فيها.
انظر إلى رجل يغمض عينيه ويمشي في طريق لا يعرفها فيسقط في حفرة وتتحطم عظامه، هل ينقص ذلك من قدر بصره، ويبخس من حق الله في الإحسان به، على هذا الذي لم يرد أن يستعمله فيما خلق له؟!
ففي الكلام تسلية لأهل الحق وسيدهم هو النبي ، فهو تسلية له أولًا وبالأولى.
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ..
الكفر هنا عبارة عن جحود ما صرح الكتاب المنزل أنه من عند الله، أو جحود الكتاب نفسه، أو النبي الذي جاء به، وبالجملة ما علم من الدين بالضرورة بعد ما بلغت الجاحد رسالة النبي بلاغًا صحيحًا، وعرضت عليه الأدلة على صحتها لينظر فيها فأعرض عن شيء من ذلك وجحد عنادًا أو تساهلًا أو استهزاءً.
نعني بذلك أنه لم يستمر في النظر حتى يؤمن.
ولم نسمع أن أحدًا من الصحابة ، كفر أحدًا بما وراء هذا.
فما عداه من الأفاعيل والأقاويل المخالفة لبعض ما أسند إلى الدين، ولم يصل العلم بأنه منه إلى حد الضرورة -أي لم يكن سنده قطعيًا كسند الكتاب- فلا يعد منكره كافرًا إلا إذا قصد بالإنكار تكذيب النبي ، فمتى كان للمنكر سند من الدين يستند إليه فلا يكفر، وإن ضعفت شبهته في الاستناد إليه، ما دام صادق النية فيما يعتقد، ولم يستهن بشيء مما ثبت بالقطع وروده عن المعصوم .
وقد تجرأ بعض المتأخرين على تكفير من يتأول بعض الظنيات، أو يخالف شيئًا مما سبق الاجتهاد فيه، أو ينكر بعض المسائل الخلافية، فجرؤوا الناس على هذا الأمر العظيم، حتى صاروا يكفرون من يخالفهم في بعض العادات، وإن كانت من البدع المحظورات، ثم هم على عقائد الكافرين، وأخلاق المنافقين، ويعملون أعمال المشركين ويصفون أنفسهم بالمؤمنين الصادقين.
الكافرون أقسام: (منهم) من يعرف الحق وينكره عنادًا، وهؤلاء هم الأقلون ولا ثبات لهم ولا قوام، وكان منهم في زمن النبي جماعة من المشركين واليهود، ولم يلبثوا أن انقرضوا.
كنت قلت في هذا المعنى كلمة جديرة بأن تحفظ وهي:"إن جحود الحق مع العلم به كاليقين في العلم كلاهما قليل في الناس".
(ومنهم) من لا يعرف الحق، ولا يريد ولا يحب أن يعرفه، وهم الذين قال الله تعالى فيهم ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ .
هؤلاء كلما صاح بهم صائح الحق فزعوا ونفروا، وأعرضوا واستكبروا، ففي أنفسهم شعور بالحق، ولكنهم يجدون فيها زلزلة، كلما لاح لهم شعاعه يحجبونه عن أعينهم بأيديهم، وسبب ذلك أنهم لم يستعملوا أنظارهم في فهم الحق، ويخافون لو استعملوها أن ينقصهم شيء مما يظنونه خيرًا ويتوهمونه معقودًا بعقائدهم التي وجدوا عليها آباءهم وساداتهم.
(ومنهم)من مرضت نفسه واعتل وجدانه، فلا يذوق للحق لذة، ولا تجد نفسه فيه رغبة، بل انصرف عنه إلى هموم أُخَرَ، ملكت قلبه وأسرت فؤاده، كالهموم التي غلبت أغلب الناس اليوم على دينهم وعقولهم، وهي ما استغرقت كل ما توفر لديهم من عقل وإدراك، واستنفدت كل ما يملكون من حول وقوة في سبيل كسب مال أو توفير لذة جسمانية، أو قضاء شهوة وهمية، فعمي عليهم كل سبيل سوى سبل ما استهلكوا فيه، فإذا عرض عليهم حق أو ناداهم إليه منادٍ، رأيتهم لا يفهمون ما يقول الداعي ولا يميزون بين ما يدعو إليه، وبين ما هم عليه، فيكون حظ الحق منهم الاستهزاء والاستهانة بأمره، فإذا وعدهم أو أوعدهم النذير، قالوا: لا نصدق ولا نكذب حتى ننتهي إلى ذلك المصير، وهذا القسم، كالذي قبله، كثير العدد في الناس في كل زمان ومكان، خصوصًا في الأمم التي يفشو فيها الجهل، وتنطمس من أفرادها أعين الفطرة، وتنضب من أنفسهم ينابيع الفضائل، فيصبحون كالبهائم السائمة لا همَّ لهم إلا فيما يملأ بطونهم أو يداعب أوهامهم، ويصح جمع هذين القسمين تحت قسم واحد وهو قسم المعرضين الجاحدين الجاهلين، والقسم الأول هو قسم المعاندين المكابرين.
فكل من هذه الفرق ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ ﴾ ..
الإنذار الإخبار والإعلام بالشيء المقترن بالتخويف مما يترتب عليه من فعل يتضمن ذمه وطلب تركه أو ترك لأمر يتضمن مدحه وطلب فعله، نصًا أو اقتضاءً، والسواء اسم مصدر بمعنى الاستواء.
والمعنى أن الذين كفروا ولم يدخلوا في قسم المستعدين للإيمان لرسوخهم في الكفر، يستوي الإنذار وعدمه بالنسبة إليهم في الواقع، فالذي يعرض عن النور مع العلم به ويغمض عينيه كيلا يراه بغضًا له لذاته أو تأذيًا به، أو عنادًا وعداوة لمن دعاه إليه - ماذا يفيده النور، وماذا يعيب النور من إعراضه؟
والذي لا يعرف النور ولا يحب أن يعرفه لأن فساد طبيعته وخبث تربيته أنآه عنه وأبعده، وجعله يألف الظلمة كالخفاش، أو أفسد الجهل وجدانه فأصبح لا يميز بين نور وظلمة، ولا بين نافع وضار، ولا بين لذيذ ومؤلم، ماذا عساه يفيده النور مهما سطع، أو يؤثر فيه الضوء مهما ارتفع.
ثم وصف سبحانه فقدهم لهذا الاستعداد، ورسوخهم في الكفر الذي لم يبق معه محل لغيره بهذا التعبير البليغ ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾ .
يقولون إن الختم والطبع والرين ألفاظ تجري على شيء واحد وهو: تغطية الشيء والحيلولة بينه وبين ما من شأنه أن يدخله ويمسه، والقلوب مراد بها العقول، والمراد بالسمع والأسماع، وأفراده لأن أصله مصدر ومن شأن المصادر أن لا تجمع، وقد لوحظ هنا الأصل، والأبصار العيون التي تدرك المبصرات من الأشكال والألوان.
وأنا أرى في مسألة هذا الجمع والإفراد رأيًا آخر، إذ لو صح ما قيل فإن البصر أيضًا مصدر فلماذا جمعه؟..
والذي أراه أن العقل له وجوه كثيرة في إدراك المعقولات، فليس الناس فيه سواء، فجمع لاختلاف الناس فيه، وأنواع تصرفهم في وجوهه، بخلاف السمع فإن أسماع الناس تتساوى في إدراك المسموعات، فلا تتشعب تشعب العقول في إدراك المعقولات، وأما الأبصار فهي مثل العقول في التشعب، وأعظم معين للعقول في إدراكها، لأن أنواع المبصرات كثيرة فتعطي للعقل مواد كثيرة، والسمع لا يدرك إلا الصوت، وليس في الكلام عند النقل طريق من طرق العلم اليقيني إلا التواتر، بخلاف ما نقطع فيه الضرورة من طريق العقل والبصر فهو كثير، فالأوليات: كالحكم بأن الجزء أصغر من الكل وأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، والقضايا التي قياساتها معها، من المعقولات المحضة.
والتجربيات والحدسيات يشترك فيها العقل والبصر، والقسم الأعظم من المشاهدات سبيل الإدراك فيه البصر، فالعقول والأبصار بمنزلة ينابيع كثيرة تنبجس من كل منها عيون للعلم مختلفة، بخلاف السمع فإنه ينبوع واحد لا اختلاف فيما يصدر عنه، فالحاصل أن العقول والأبصار تتصرف في مدركات كثيرة فكأنها صارت بذلك كثيرة فجمعت، وأما السمع فلا يدرك إلا شيئًا واحدًا فأفرد.
وهنا يسأل سائل: كيف هذا وقد قالوا: إن السمع أفضل من البصر؟
والجواب: أنا لا أتكلم في التفضيل، ذلك إلى الله ورسوله، وإنما أشرح موجودًا وأبين مناسبة اللفظ له، وأن المشاهدة قاضية بأن العقل لا منتهى لتصرفه، وبأن أقل ما قيل في البصر أنه يدرك الألوان، والأشكال، والمقادير، والسمع لا يدرك إلا الأصوات فقط، كما أن الذوق لا يحس إلا بالمذوقات وحدها، وإن كان ما يصل من طريق السمع قد يتضمن حكاية عن معقول أو مبصر، ولكن وروده على الحكاية لا يغير من حقيقته، فهو معقول أو مبصر.
فمن ذكر لك برهانًا على حقيقة علمية فإنما تسمع منه الأصوات والحروف، وأما فهمك المقدمات ووصولك منها إلى النتائج فهو من طريق عقلك لا من طريق سمعك، فإن كان حديث الأفضلية يستند إلى جميع المدركات قد يمكن أن يعبر عنها بالكلم -وهو مسموع- فقد بينا لك ما فيه، ويعارضه أن جميع ضروب الكلام يصح أن تكتب وطريق فهمها من الرقم إنما هو البصر، والحق أن المعول عليه في تعدد الطريق ليس ما يكون من قبيل الحكاية، بل ما يكون من طبيعة القوة.
وأما انطباق الكلام على تلك الأقسام السابقة وبيان حرمانهم وكونهم كما وصفوا -فهو بالنسبة إلى الطائفة التي عاندت الحق وهي تعرفه- ظاهر، لأنهم لما عاندوا الحق، لأنه لم يأت على أيديهم، فقد طبع على قلوبهم بطابع ذلك العناد نفسه، فإنه قد حيل بين عقولهم وإدراك ما يصيرون إليه بالإصرار على الباطل من ضعف أمر وفساد حال في الدنيا، وشقاء وخلود في نكال الآخرة، ثم هم قد حجبوا به عن إدراك ما يتبع ذلك الحق من المعارف والحقائق الأخرى، فقد ختم على قلوبهم بالنسبة إلى ما حجبوا عنه.
وأما الختم على سمعهم فلأنهم صموا عن سماع الحق واستماع القول لفهمه، فمن أعرض عن فهم الحق فهو لم يسمع إلا صوتًا لم ينفذ شيء من معناه إلى موضع الإدراك الحقيقي منه، فقد ختم على سمعه فلا ينفذ إليه شيء ينتفع به.
وأما الأبصار فإنما كانت غشاوات عند هؤلاء الجاحدين، لأن فائدة البصر، هي التوقي من الخطر، والعبرة بما يبصر، فمن لم ينظر في الآيات الكونية التي تقع تحت بصره كل يوم، كأنه لم يبصر شيئًا منها، فقد ضرب على بصره بغشاوة.
وأما بالنسبة إلى القسمين الآخرين اللذين جمعا تحت قسم واحد وهو قسم المعرضين الجاحدين الجاهلين كما سبق فالختم على القلوب والسمع والأبصار ظاهر، لأنهم لم ينتفعوا بشيء من هذه القوى حتى في فهم ما يعرض عليهم، ورؤية ما يقع تحت حواسهم.
والكلام كله ضرب من التمثيل يعرفه اللسان وتعهده اللغة.
ولما كان حديث الختم تمثيلًا لفقد حقيقة الفهم والحرمان من فوائد تلك المواهب الإلهية: مواهب العقل والسمع والأبصار كان إسناده إلى الله تأكيدًا لمعنى الحرمان، وتقريرًا لمعصية الخسران، لأن ما ختم بيد الله لا تفضه يد سواه.
وأما النكتة في استعمال الختم مع القلب والسمع، والغشاوة مع البصر، فهي أن الختم من شأنه أن يكون على المكنون المستور.
وهكذا موضع حس السمع، ومع الإدراك من العقل.
والأسماع في ظاهره الخلقة، وأما البصر فالحاسة منه ظاهرة منكشفة، ومثل هذه الدقائق هي المرادة بقول صاحب التلخيص"ولكل كلمة مع صاحبتها مقام".
والمعنى هو ما بيناه.
والله أعلم.
﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ التنكير فيه للتعظيم والتهويل، ووصفه مع ذلك بعظيم يدل على أنه بالغ حد العظمة كمًا وكيفًا، فهو شديد الإيلام، وطويل الزمان.
وهل هذا العذاب في الدنيا أم في الآخرة؟
قال في آية أخرى ﴿ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ فيؤخذ من هذه الآية ومن آيات أخرى أن الإعراض عن هدى الإسلام، وما أرشد إليه من إصلاح المعاش والمعاد، جزاؤه الضنك والضيق وفقد العزة والسلطة في الدنيا، والعذاب العظيم في العقبى.
وهنا يسأل سائل: هل الآية نص في التكليف بالمحال؟
والجواب: لا، وأنا لا أحب أن أحشر المسائل الخلافية في تفسير القرآن، بل أحب أن أبين المعنى الذي كان يفهمه الصحابة ، وما كان يخطر على بال أحد منهم التكليف بالمحال.
على أن الاتفاق واقع بين الأئمة بل بين الأمة على أن التكليف بالمحال غير واقع، وإن الله"لا يكلف نفسًا إلا وسعها"كما صرح به الكتاب وتضافرت عليه الأحاديث النبوية، فما بقي من مواضع الخلاف لا يمس نصوص الكتاب العزيز الذي ﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
سمي يوم القيامة باليوم الآخر لأنه آخر الأيام، فإن اليوم الذي كانت به الحياة الأولى هو ابتداء طور جديد من الحياة ينتهي بالموت، ويوم القيامة ابتداء طور آخر لا موت بعده ..
...
قدمنا أن الكلام من أول السورة في القرآن وأقسام الناس بإزائه وذكرنا منهم ثلاث فرق: فرقتان لهما فيه هدى (إحداهما) المتقون، وبين حالهم بقوله ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ الخ...
ومنهم الذين كانوا يدعون الحنيفيين، والمنصفون من أهل الكتاب الذين كانوا ينتظرون إشراق نور الحق ليهتدوا به، كما تقدم.
(والثانية) هي المذكورة في قوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ إلخ..
وهم كل من آمن بالنبي من أهل الكتاب وغيرهم على التحقيق.
وبينا أنه يوجد بإزاء هاتين الطائفتين طائفتان أخريان لا ترجى هدايتهما بالقرآن: الأولى منهما هي المشروح حالها في قوله تعالى ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ إلخ..
وهي كما قدمنا تنقسم إلى قسمين: جاحدين لا يسمعون ومعاندين يعرفون الحق ولا يذعنون.
وهذه الآيات التي نحن بصدد تفسيرها الآن هي المبينة لحال الفرقة الرابعة وهي فرقة من الناس توجد في كل آن وفي كل عصر.
وليست الآيات كما قيل في أولئك النفر من المنافقين الذين كانوا في عصر التنزيل،ولذلك قال تعالى في بيان حالهم ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ ولم يقل عنهم إنهم يقولون مع ذلك"وآمنا بك يا محمد"وما كان القرآن ليعتني بأولئك النفر الذين لم يلبثوا أن انقرضوا كل هذه العناية ويطيل في بيان حالهم أكثر مما أَطال في الأصناف الثلاثة الذين هم سائر الناس.
نعم إن الآيات على عمومها تتناول من كان منهم في عصر التنزيل تناولًا أوليًا وتصف حالهم وصفًا مطابقًا، وهي مع ذلك عبرة عامة شاملة لمن مضى ولمن يجيء من هذ الصنف إلى يوم القيامة، وقد كان ويكون من اليهود والنصارى والصابئين والمجوس ومن كل طائفة تدعي أنها على دين، ولم يحك عنهم دعوى الإيمان بالأنبياء والأعمال الصالحة -مع أن منهم الذين يدعون ذلك- لأن الإيمان باليوم الآخر يتضمن ذلك، فهو إنما يعرف من قبل الأنبياء، وهذا ضرب من ضروب إيجاز القرآن التي بلغت حد الإعجاز.
قد يقال: كان في أولئك القوم من كانوا يؤمنون بالله وباليوم الآخر، كمنافقي اليهود، فلمَ كذبهم ونفى عنهم الإيمان نفيًا مطلقًا مؤكدًا بدخول الباء في خبر"ما"فقال ﴿ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أي بداخلين في جماعة المؤمنين الصادقين البتة.
وهو أبلغ من نفي فعل الإيمان المطابق للفظهم والمقيد بالإيمان بالله وباليوم الآخر؟؟
والجواب: إن اعتقادهم التقليدي الضعيف لم يكن له أثر في أخلاقهم وأعمالهم، فلو حُصِّل ما في صدورهم، ومُحِّص ما في قلوبهم، وعرفت مناشئ الأعمال من نفوسهم، لوجد أن ما كان لهم من عمل صالح كصلاة وصدقة فإنما مبعثه رياء الناس، وحب السمعة، وهم من وراء ذلك منغمسون في الشرور، كالإفساد والكذب والغش والخيانة والطمع وغير ذلك من الرذائل التي حكاها عنهم الكتاب ونقلها رواة السنة، وهذه الأعمال تدل على أنهم لا يؤمنون بالله كما يحب ويرضى أن يؤمن به، وهو أن يشعر المؤمن بعظيم سلطانه، ويعلم أنه سبحانه مطلع على سره وإعلانه، لأنه مهيمن على السرائر، وعالم بما في الضمائر، فيرضيه بظاهره وباطنه.
بل كانوا يكتفون ببعض ظواهر العبادات يظنون أنهم يرضون الله تعالى بذلك، والعمل الظاهر الذي لا يصدقه الباطن إذا قصد به إرضاء آخر يسمى في اللغة مداجاة ومداراة ومخادعة، فإن كان يقصد به المخادعة فظاهر، وإلا فيكفي لصحة الإطلاق أن العمل عمل المخادع، لا عما الطائع الخاضع، وهذا مراد القرآن من مخادعة هؤلاء الذين هم أهل الكتاب المؤمنين بالله إيمانًا ناقصًا، لم يقدروا الله فيه حق قدره، ويستحيل أن يقصد المؤمن بالله تعالى مخادعته، ولكنهم لجهلهم بالله ظنوا به ما سوغ وصفهم بما ذكر عنهم.
فهذا هو معنى قوله تعالى ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .
وأما قوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ ﴾ فهو بيانه للواقع، فإن هذه الأعمال لا قيمة له عند الله خلافًا لما يتوهمونه عن غير هدى ولا بينة..
إذا رجع الإنسان إلى نفسه، وأصغى لمناجاة سره، يجد عندما يهم بعمل شيء أن في قلبه طريقين، وفي نفسه مختصمين، أحدهما يأمره بالعمل وسلوك الطريق الأعوج وآخر ينهاه عن العوج، ويأمره بالاستقامة على المنهج، ولا يترجح عنده باعث الشر، ولا يجيب داعي السوء، إلا إذا خدع نفسه بعد المشاورة والمذاكرة المطلوبة فيها، وصرفها عن الحق، وزين لها الباطل، وهذه الشؤون النفسية في غاية الخفاء، تكون المنازعة ثم المخادعة ثم الترجيح ويمر ذلك كله كلمح البصر، وربما لا يلتفت إليه الإنسان بفكره ولذلك قال ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ فإن الشعور هو إدراك ما خفي.
فمعنى نفي الشعور عن المنافقين في مخادعتهم لله تعالى أنهم يجرون في كذبهم وتلبيسهم وريائهم على ما ألفوا وتعودوا، فلا يحاسبون أنفسهم عليه، ولا يراقبون الله فيه، وما كلهم يؤمنون بوجود الله وإحاطة علمه، ومن يؤمن بوجوده لم يترب على خشيته ومراقبته، ولا يفكر فيما يرضيه وفيما يغضبه، فهو يعمل عمل المخادع له وما يشعر بذلك.
وأما مخادعتهم للمؤمنين فظاهرة لأنهم اتخذوهم أعداء وهو عاجزون عن إظهار عداوتهم، فأعمالهم التي يقصدون بها إرضاء المؤمنين كلها خداع ورياء..
هؤلاء المغرورون إذا عرض زاجر الدين بينهم وبين شهواتهم قام لهم من أنفسهم ما يسهل لهم أمره من أمل في الغفران، أو تأويل إلى غير المراد، أو تحريف إلى ما يخالف القصد من الخطاب، وذلك بما في نفوسهم من ملكات السوء المغشاة بصور من العقائد، الملونة بما يتجلى للأعين فيما يسمونه إيمانًا، وما هم في الحقيقة بمؤمنين، وإنما هم خادعون مخدوعون ولكنهم لما عمي عليهم من أمر أنفسهم لا يشعرون، لأن ذلك يمر في أنفسهم وهم عنه غافلون.
وفرق ظاهر بين ما تستحضره النفس من المعلومات وتستعرضه عندما تسأل عنه وما هو راسخ فيها من تلك المعلومات، بصيرورته ملكة في النفس متصرفة في الإرادة باعثة لها على العمل، فمن العلوم ما هو ثابت في النفس ممتزج بها، على النحو الذي ذكرنا فيتبع امتزاجه هذا تمكن ملكات أخر تصدر عنها الأعمال وهي ما يعبر عنه بالأخلاق والصفات كالكرم والشجاعة ونحوهما فإنها إنما تنطبع في النفس تبعًا للعلم الذي يلائمها، وهو العلم الحقيقي الذي تصدر عنه الأعمال وربما يغفل الإنسان عنه ولا يلاحظه عندما يعمل.
وفرق بين ملاحظة العلم واستحضاره، وبين وجوده وتحققه في نفسه.
ومن العلوم ما يلاحظ الإنسان أنه عنده، فهو صورة عند النفس تستحضره عند المناسبة ويغيب عنها عند عدمها، لأنه لم يشربه القلب ولم يمتزج بالنفس فيصير صفة من صفاتها الراسخة التي لا تزايلها، وهذا النوع من العلم يتعلق بما تعلق به النوع الأول، كعلم الحلال والحرام الذي يحصله طلبة الفقه الإسلامي مثلًا، وكعلم مزايا الفضيلة ورزايا الرذيلة الذي يخزنه طلاب علوم الآداب والأخلاق والنظار في كتب الأواخر والأوائل لتعزيز مادة العلم وتوسيع مجال القول وتوفير القدرة على حسن المنطق ونحو ذلك، فهذا العلم كالأداة المنفصلة عن العامل، يبقى في خزانة الخيال، تستحضره النفس عندما تدفعها الشهوة إلى تزيين ظاهر المقال، لا إلى تحسين باطن الحال، ولن يكون لهذا الضرب من العلم أدنى أثر في عمل من أعمال صاحبه.
وتسميته علمًا لأنه يدخل في تعريفه العام"صورة من الشيء حاضرة عند النفس"وعند التدقيق لا ترتفع به منزلته إلى أن يندرج في معنى العلم الحقيقي.
فاستحضار هذا العلم كاستحضار الكتاب واللوح وإدراك ما فيه، ثم الذهول عنه ونسيانه عند الاشتغال بشيء آخر.
فهؤلاء - الذين يخادعون أنفسهم ويخادعون الله تعالى- عندهم علم حقيقي تنبعث عنه أعمالهم، وإن كان باطلًا في نفسه، وهو تصديقهم بما في شهواتهم، من المصلحة لذواتهم، وهو الذي رجح عندهم اختيار ما فيه قضاؤه والانصباب إلى ما تدعو إليه، وهو ما أنساهم ما كانوا خزنوا في أنفسهم من صور الاعتقادات الدينية، فأبعدهم ذلك عن الاعتقاد الحقيقي الذي يعتد به وجعله رسمًا مخزونًا في الخيال، لا أثر له في الأفعال، يدعونه بألسنتهم، وتكذبهم في دعواهم أعمالهم وأحوالهم، ولذلك نسبهم إلى الدعوى القولية ولم يقل فيهم ما قال في ذلك الفريق الأول ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ فإنه هناك ذكر إيمانهم وقفى عليه بذكر العمل يشهد له، ومن هنا يعلم ما الإيمان الذي يعتد به القرآن، وهو يظهر لمن يقرأ القرآن ليحاسب به نفسه، ويزن إيمانه وأعماله بما حكم به على إيمان من قبله وأعمالهم، لا لمن يقرأه على أنه قصة تاريخية مات من يحكي عنها، واستثنى القارئ نفسه ممن حكم عليهم فيها.
فإن كان مات من كانوا سبب النزول فالقرآن حي لا يموت، ينطبق حكمه ويحكم سلطانه على الناس في كل زمان، فكل مؤمن بالله واليوم الآخر، ومع ذلك يصدر في عمله عن شهواته، ولا يمنعه إيمانه عن ركوب خطيئاته، فاعتقاده إنما هو خيال، لا يعلو عن لفظ في مقال، ودعوى عند جدال، فإذا ركن إلى هذا المعتقد فهو خادع لنفسه، مخادع لربه، يظن أن علام الغيوب لا ينظر إلى ما في القلوب.
﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ عهد عند العرب التعبير عن العقول بالقلوب، والمرض ما يطرأ على العقول فيضعف تعلقها وإدراكها، والشك والوهم من أعراض هذا المرض، فهو ظلمة تعرض للعقل فتقف بشعاعه أن ينفذ إلى ما وراء التكاليف والأحكام من الأسرار والحكم.
وهذا النفوذ هو الفقه في الدين الذي يسوق النفس إلى الأخذ به ظاهرًا وباطنًا، وقد عبر القرآن عن فقد أمثال هؤلاء لهذا بقوله ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾ وربما كان التعبير عن العقول بالقلوب في مثل هذا المقام، لأن القلب يظهر فيه أثر الوجدان الذي هو السائق إلى الأعمال، يظهر لك ذلك بما تجده من اضطراب قلبك عند اشتداد الخوف أو اشتداد الفرح، فإنك تحس بزيادة ضرباته وشدة نبضاته، فصورة الاعتقاد إذا تناولها العقل من طريق التقليد والتسليم، فجعلها في زاوية من زوايا الدماغ لم يكن لها سلطان على القلب ولا تأثير في الوجدان، واعتقاد لا يصحبه هذا السلطان ولا يصدر عنه هذا التأثير، لا يعتد الله تعالى به ولا يستفيد الإنسان منه كما تقدم آنفًا، فمن لم يطرق الإيمان قلبه بقوة البرهان، ولم يحل مذاقه منه في الوجدان، بحيث يكون هو المصرف له في أعماله، لا ينفعه إيمانه، إلا إذا تمرن على الأعمال الصالحة عن فهم وإخلاص، حتى يحدث لقلبه الوجدان الصالح، فأهل اليقين يبعثهم يقينهم على العمل الصالح، وأهل التقليد تلحقهم أعمالهم الصالحة بأهل اليقين في الانتفاع بإيمانهم، وهذا الفريق الذي تحكي عنه الآيات، وتصفه بالكذب والخداع، قد فقد الأمرين معًا، ولا صحة للقلب إلا بهمها، فمن فقدهما مرض ولا يلبث مرضه أن يقتله.
ولضعف العقل أسباب منها ما هو فطري كما هو حال أهل البله والعته، وهو الذي لا يكلف صاحبه ولا يلام، ومنها ما يكون من فساد التربية العقلية كما هو حال المقلدين الذين لا يستعملون عقولهم، وإنما يكتفون بما عليه قومهم من الأوهام والخيالات ويرين على قلوبهم ما يكسبونه من السيئات، وما يكونون عليه من التقاليد والعادات، ولا يعتنون بما أمر الله من تمزيق هذه الحجب، وإزالة هذه السحب، للوقوف على ما وراءها من مخدرات العرفان، ونجوم الفرقان وشموس الإيمان، بل يكتفون بما حكى الله عنهم في قوله ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ حتى يجيء اليوم الذي يقولون فيه ﴿ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴾ .
كان في قلوبهم المرض قبل مجيء النذير وبيان الرشد من الغي، عندما كانوا في فترة، حظهم من الكتب قراءة ألفاظها ومن الأعمال إقامة صورها ﴿ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا ﴾ بعد ما جاءهم البرهان المنير ببعثة البشير النذير، ووجدوا منه زعزعة في أنفسهم، ولكن أخذتهم العزة بالإثم فأبوا الإيمان، ونبوا عن القرآن، وزاد تمسكهم بما كانوا عليه واشتد حرصهم عليه، فكان شعاع النور الذي جاء به الرسول عمى في أعينهم ومرضًا على مرضهم، ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي عذاب مؤلم فوق هذه الأمراض، وأليم صيغة فعيل من ألم يألم فهو أليم وصف به العذاب نفسه ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ في دعواهم الإيمان بالله واليوم الآخر، فإنهم يصدقوا بأعمالهم، ما يزعمون من حالهم.
قرأ عاصم وحمزة والكسائي يكذبون بالتخفيف أي بسبب تكذيبهم النبي والحكم في القراءتين، إثبات جمعهم للرذيلتين، أي الكذب في دعوى الإيمان، وتكذيب النبي والثانية سبب الأولى، وهم إنما كانوا يكذبونه في أنفسهم، وفيما بينهم إذا خلوا إلى شياطينهم والعذاب عقوبة عليهما معًا، أي على التكذيب وهو الكفر، وعلى الكذب في دعوى الإيمان وهو النفاق، وهؤلاء في باطنهم شر من الذين كفروا عنادًا من رؤساء قريش، فإنهم لم يكونوا يكذبونه وإنما كانوا يجحدون جحود استكبار.
قال تعالى ﴿ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ .
والقراءة الأولى هي المشهورة والعذاب فيها مقرون بالكذب لا بالتكذيب.
وقد يقال: لم جعل العذاب جزاء الكذب دون الكفر؟
والجواب أن الكفر داخل في هذا الكذب وإنما اختير لفظ الكذب في التعبير للتحذير عنه.
وبيان فظاعته وعظم جرمه، ولبيان أن الكفر من مشتملاته، وينتهي إليه في غاياته، ولذلك حذر القرآن منه أشد التحذير، وتوعد عليه أسوأ الوعيد، وما فشا الكذب في قوم إلا فشت فيهم كل جريمة وكبيرة، لأنه ينشأ من دناءة النفس وضعف الحياة والمروءة، ومن كان كذلك لا يترك قبيحًا إلا بالعجز عنه، نعوذ بالله تعالى من عمله ومنه.
<div class="verse-tafsir"
تنطق هذه الآيات بأن ما عليه هذا الصنف من الغرور بما عنده من التقاليد قد سول له الباطل وزين له سوء عمله فرآه حسنًا، وشوه في نظره كل حق لم يأته على لسان رؤسائه ومقلَّديه بنصه التفصيلي فهو يراه قبيحًا، وقد صورت الآيات هذا الغرور بما حكته عن بعض أفراده وهو: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ ﴾ بما تصدون عن سبيل الله من آمن وتبغونها عوجاء، وتنفرون الناس من محمد والأخذ بما جاء به من الإصلاح، الذي يجتث أصول الفساد، ويصطلم جراثيم الأدواء، ويحيي ما أماتته البدع من إرشاد الدين، ويقيم ما قوضته التقاليد من سنن المرسلين، ﴿ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ بالتمسك بما استنبطه الرؤساء، وما كان عليه الأحبار والعرفاء من تعاليم الأنبياء، فإنهم أعرف بسنتهم، وأدرى بطريقتهم، فكيف ندع ما تلقيناه منهم، ونذر ما يؤثره آباؤنا وشيوخنا عنهم، ونأخذ بشيء جديد، وطارف ليس له تليد؟
هكذا شأن كل مفسد: يدعي أنه مصلح في نفس إفساده، فإن كان على بينة من إفساده عارفًا أنه مضل - وإنما يكون كذلك إذا كان إفساده لغيره لعداوة ومنه له- فإنما يدعي ذلك لتبرئة نفسه من وصمة الإفساد بالتمويه والمواربة.
وإن كان مسوقًا إلى الإفساد بسوء التقليد الأعمى الذي لا ميزان فيه لمعرفة الإصلاح من الإفساد إلا الثقة بالرؤساء المقلَّدين، فهو يدعيه عن اعتقاد ولا يريد أن يفهم غير ما تلقاه عنهم.
وإن كان أثر تقليدهم، والسير على طريقتهم، مفسدًا للأمة في الواقع ونفس الأمر، لأن الوجود والحقيقة الواقعة لا قيمة لهما ولا اعتبار في نظر المقلِّدين، بل هم لا يعرفون مناشئ الفساد ومصادر الخلل، ولا مزالق الزلل، لأنهم عطلوا نظرهم الذي يميز ذلك، وأرادوا أن يوقعوا غيرهم بهذه المهالك، بصدهم عن سبيل الإسلام، الداعي إلى الوحدة والالتئام، فكان ذلك منهم دعاء إلى الفرقة والانفصام، والثبات على عبادة الملائكة أو البشر أو الأصنام، وأي إفساد في الأرض أعظم من التنفير عن اتباع الحق، وعن الاعتصام بدين فيه سعادة الدارين، والأرض إنما تفسد وتصلح بأهلها؟
ولذلك قال تعالى ﴿ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ ﴾ فابتدأ الكلام المؤكد لإثبات إفسادهم بكلمة"ألا"التي يراد بها التنبيه والإيقاظ وتوجيه النظر، وتدل على اهتمام المتكلم بما يحكيه بعدها ﴿ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ بأن هذا إفساد غرز في طبائعهم، بما تمكن فيها من الشبهة بتقليد رؤسائهم الذين أشربوا عظمتهم، وهذا دليل على أنهم لم يكونوا معاندين ولا مرائين، وأنهم على اعتقاد ضعيف يشهد له العمل كما تقدم في تفسير آية ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ﴾ .
وإذا كانت الآيات في وصف طائفة من الناس توجد في كا امة كما قدمنا فيحاسب بها نفسه كل مسلم يعتقد أن القرآن إمامه، وأن فيه هدى له، فإنها حجة على كثير ممن يدَّعون الإسلام بالقول ويعملون بخلاف ما جاء به، ويتبعون غير سبيله.
ثم صورت الآيات ذلك الجهل والغرور في الفريقين بصورة أخرى أشد تشويهًا مما قبلها، لأن تلك صورتهم في عملهم، وهذه صورتهم في جوهر إيمانهم.
وهي ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ ﴾ الذين تعتقدون كمالهم، وترون تعظيمهم وإجلالهم، كإبراهيم وموسى وعيسى وأتباعهم، الذين كان الإيمان راسخًا في جنانهم، ومؤثرًا في وجدانهم، ومصرفًا لأبدانهم، أو كعبد الله بن سلام وأمثاله من علمائكم، ﴿ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ﴾ ويعنون بالسفهاء أتباع النبي الواقفين عند ما كان عليه، المعرضين عن غير ما أنزل إليه، لما تضمنه الأمر من الشهادة لهم بأنهم في إيمانهم كأتباع أولئك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم سلف اليهود الذين كان الكلام معهم، وكانوا يفتخرون بما يتناقلونه من سيرتهم.
فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ ﴾ أي وحدهم دون من عَرَّضوا بهم، لأن لهم سلفًا صالحًا تركوا الاقتداء بهم، زعمًا أن المتأخر لا يمكن أن يكون على هدى المتقدم، لأنه يصعب أو يتعذر عليه اللحاق به، واحتذاء عمله، لعلوه في الدرجة، وبهده في المنزلة، وأن حظهم من سلفهم انتظار شفاعتهم، وإن لم يسيروا على سنتهم، فأي الفريقين أجدر بلقب السفيه؟
أهم أولئك اليهود الذين لهم أسوة صالحة ولكنهم لا يهتدون بها وهذه حالهم من سوء العقيدة وقبح العمل؟
أم من لا سلف له إلا عبدة الأوثان، وقلبه مع ذلك مطمئن بالإيمان، وأعماله تشهد له بالإحسان، كالصحابة الذين هداهم الله بنور الإسلام، فكانوا كأتباع أولئك الأنبياء الكرام، بل ربما سبقوهم بالفضائل، وزادوا عليهم في الفواضل؟
لا شك أن أولئك المفسدين بعد ما تقدم لهم من سلف صالح، ودين قيم، هم السفهاء، دون هؤلاء العقلاء.
﴿ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أن السفه محصور فيهم، ومقصور عليهم، وإنما عندهم شعور ما بأنهم ركبوا هواهم، ولم يتبعوا هدى سلفهم ولا هداهم، ينتحلون له العلل الضعيفة، ويتمحلون له الأعذار السخيفة، فهو لم يصل إلى حد العلم الذي تتكيف به النفس.
ويكفي في إثبات سفههم، أنهم يعرفون حسن حال سلفهم، ويعترفون به ولكن لا يقتدون بهم، ولا يقتفون أثرهم وإنما يعتمدون في نجاتهم وسعادتهم على تلك الأماني والتعلات، كقولهم (لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات) وقولهم (نحن أبناء الله وأحباؤه) وشعبه وأصفياؤه، وإنما هو نفي العلم الكامل الذي يزيل الشبه ويذهب بالعلل، ويبعث على الاقتداء بالعمل.
وهذا أيضًا حجة على كثير من اللابسين لباس الإسلام، وهم من هذا الصنف، يعتقدون كمال سلفهم، ولا يقتدون بهم، وإنما يطمعون في سعادة الدنيا والآخرة بانتسابهم إلى أولئك السلف العظام، ولكونهم من أمة النبي ، وهي خير الأمم، بشهادة الله في القدم، ولكنهم لا يعلمون انها فضلت سواها بكونها أمة وسطًا تقوم على جادة الاعتدال، في العقائد والأخلاق والأعمال، وتسعى في إصلاح البشر، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
كما سيأتي في تفسير ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ وتفسير ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ وليس عند هؤلاء السفهاء شيء من هذه الصفات، إلا الأماني والتعلات.
<div class="verse-tafsir"
الآيات التي تقدمت في وصف هذا الصنف من الناس الذي قلنا إنه يوجد في كل أمة وملة وفي كل عصر، كانت عامة تصور حال أفراده في كل زمان ومكان، وكان أسلوبها ظاهرًا في العموم كقوله ﴿ يُخَادِعُونَ ﴾ إلخ وقوله: وإذا قيل لهم كذا -قالوا كيت وكيت.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ﴾ الآية، فهو وصف قد يختص ببعض أفراد هذا الصنف ممن كان في عصر التنزيل، جاء بعد الأوصاف العامة وحكي بصيغة الماضي ليكون كالتصريح بتوبيخ تلك الفئة من هذا الصنف، التي بلغت من التهتك في النفاق، والفساد في الأخلاق، أن تظهر بوجهين، وتتكلم بلسانين، وما بلغ كل أفراد الصنف هذا المبلغ من الفساد والضعف.
ولهذه الخصوصية في الآية قال بعض الواهمين: إن جميع تلك الآيات في منافقي ذلك العصر.
وقد مر تفنيده فلا نعيده.
على أن هذه الفئة أيضًا توجد في كل عصر وزمان، يكون فيه لأهل الحق قوة وسلطان، والحكاية عنها بصيغة الماضي الواقع لا تنافي ذلك، لأن"إذا"تدل على المستقبل، فمعنى الفعل مستقبل، وإنما اختيرت صيغة الماضي لتوبيخ أولئك الأفراد وإيذانهم بأن بضاعة النفاق والمداجاة لا تروج في سوق المؤمنين لأنها مزجاة، وأن استهزاءهم مردود إليهم، ووباله عائد عليهم.
كان أولئك النفر يدهنون في دينهم، فإذا لقوا المؤمنين قالوا آمنا بما أنتم به مؤمنون، ﴿ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ﴾ من دعاة الفتنة وعمال الفساد وأنصار الباطل، الذين يصدون عن سبيل الحق بما يقيمون أمامه من عقبات الوساوس والأوهام، وما يلقون فيه من أشواك المعايب وتضاريس المذام، وقال مفسرنا (الجلال) إنهم الرؤساء، والصواب ما قلنا، وكم من رئيس مغمول، لما في نفسه من الضعف والخمول، لا ينصر اعتقاده، وإن كان معترفًا بأن فيه رشاده، وفي عزته عزه وإسعاده.
وكم من مرؤوس شديد العزيمة، قوي الشكيمة يكون له في نصر ملته، والمدافعة عن أمته، ما يعجز عنه الرؤساء، ولا يأتي على أيدي الأمراء.
وللذبابة في الجرح الممد يد تنال ما قصرت عنه يد الأسد ﴿ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ أي إنا معكم على عقيدتكم وعملكم، وإنما نستهزئ بالمسلمين ودينهم، فكشف القرآن عن هذا التلون وهذه الذبابة، وقابلهم عليها بما هدم بنيانهم وفضح بهتانهم، فقال ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ ..
أصل الاستهزاء الاستخفاف وعدم العناية بالشيء في النفس، وإن أظهر المستخف الاستحسان والرضا تهكمًا، وهذا المعنى محال على الله تعالى، والمحال بذاته يصح إطلاق لازمه، والمستهزئ بإنسان في نحو مدح لعلمه واستحسان لعمله مع اعتقاد قبحه، غير مبالٍ به ولا معتنٍ بعلمه ولا بعمله، حيث لم يرجعه عنه ولم يكرهه عليه، ويلزمه استرسال المستهزأ به في عمله القبيح فمعنى: الله يستهزئ بهم: أنه يمهلهم فتطول عليهم نعمته، وتبطئ عنهم نقمته، ثم يسقط من أقدارهم ويستدرجهم بما كانوا يعملون ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ والعمه عمى القلب وظلمة البصيرة وأثره الحيرة والاضطراب وعدم الاهتداء للصواب.
﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ﴾ ..
المشار إليه بأولئك هم الذين بينت حالهم الآيات السابقة بأنهم يقولون آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين إلخ وهو صريح في أن طغيانهم وعمههم من كسبهم، ولم يجبروا عليه بخلق ربهم..
وقد فسروا"اشتروا"باستبدلوا وهو غير سديد لأن بين اللفظتين فصلًا في المعنى وكلنا نعتقد -والحق ما نعتقد- أن القرآن في أعلى درج البلاغة لا يختار لفظًا على لفظ من شأنه أن يقوم مقامه، ولا يرجح أسلوبًا على أسلوب يمكن تأدية المراد به، إلا لحكمة في ذلك وخصوصية لا توجد في غير ما اختاره ورجحه.
ووجه اختيار"اشتروا"على استبدلوا أن الأول أخص من وجهين..
أحدهما- أن الاستبدال لا يكون شراء إلا إذا كان فيه فائدة يقصدها المستبدل منه سواء كانت الفائدة حقيقة أو وهمية.
وثانيهما-أن الشراء يكون بين متبايعين بخلاف الاستبدال، فإذا أخذت ثوبًا من ثيابك بدل آخر يقال إنك استبدلت ثوبًا بثوب، فالمعنى الذي تؤديه الآية أن أولئك القوم اختاروا الضلالة على الهدى لفائدة لهم بإزائها يعتقدون الحصول عليها من الناس، فهو معاوضة بين طرفين يقصد بها الربح، وهذا هو معنى والاشتراء الشراء، ومثلهما البيع والابتياع، ولا يؤديه مطلق الاستبدال.
ذلك بأنه كان عندهم كتب سماوية فيها مواعظ وأحكام، وفيها بشارة بأن الله يرسل إليهم نبيًا يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصر التقاليد، وأغلال التقيد بإرادة العبيد، ويرعى جميع الأمم بقضيب من حديد، فيرجع للعقول نعمة الاستقلال، ويجعل إرادة الأفراد هي المصرفة للأعمال، فكان عندهم بذلك حظ من هداية العقل والمشاعر وهداية الدين والكتاب، ولكن نجمت فيهم الأحداث والبدع، وتحكمت فيهم العادات والتقاليد، وعلا سلطان ذلك كله على سلطان الدين، فضل الرؤساء في فهمه، بتحكيم تقاليدهم في أحكامه وعقائده، بضروب من التحريف والتأويل، وأهمل المرؤوسون العقل والنظر في الكتاب بحظر الرؤساء وأثرتهم، فكان الجميع على ضلالة في استعمال العقل وفي فهم الكتاب، بعد أن كانا هدايتين ممنوحتين لهم لإسعادهم، وكانت المعاوضة عند الفريقين في ذلك المنافع الدنيوية: للرؤساءالمال والجاه والتعظيم والتكريم باسم الدين، وللمرؤوسين الاستعانة بجاه رؤساء الدين على مصالحهم ومنافعهم، ورفع أثقال التكاليف، بفتاوى التأويل والتحريف.
هكذا استحبوا العمى على الهدى -وهو العقل والدين- رغبة في الحطام، وطمعًا في الجاه الكاذب، ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ﴾ في الدنيا إذ لم تثمر لهم ثمرة حقيقية، بل خسروا وخابوا بإهمالهم النظر الصحيح الذي لا تقوم المصالح ولا تحفظ المنافع إلا به.
وإسناد الربح إلى التجارة عربي في غاية الفصاحة لأن الربح هو النماء في التجر، وهذه المعاوضة هي التي من شأنها أن تثمر الربح، فإسناده إليها نفيًا.
أو إثباتًا إسناد صحيح لا يحتاج إلى التأويل، كأنه قيل فلم يكن نماء في تجارتهم، على أن ذلك التأويل المعروف من أن إسناد الربح إلى التجارة لأنها سببه والوسيلة إليه وأن العبارة من المجاز العقلي -تأويل يتفق مع البلاغة ولا ينافيها، ولا زال المجاز العقلي من أفضل ما يزين البلغاء به كلامهم، ويبلغون به ما يشاءون من تفخيم معانيهم، ﴿ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ في دينهم لأنهم لم يأخذوه على وجهه، ولم يفهموه حق فهمه، أو ما كانوا مهتدين في هذه التجارة لأنهم باعوا فيها ما وهبهم الله من الهدى والنور بظلمات التقاليد وضلالات الهواء والبدع التي زجوا أنفسهم فيها -أو ما كانوا مهتدين في طور من الأطوار، ولا مسّ الرشد قلوبهم في وقت من الأوقات، لأنهم نشأوا على التقليد العمى من أول وهلة، ولم يستعملوا عقولهم قط في فهم أسراره، واقتباس أنواره.
ولا يذهبن الوهم إلى أن اشتراء الضلالة بالهدى يفيد أنهم كانوا مهتدين ثم تركوا الهدى للضلالة فيتناقض أول الآية مع آخرها،إذ ليس كل من منح الهدى يأخذ به فيكون مهتديًا، وهؤلاء حُمِّلوه فباعوه ولم يَحْمِلوه، وينظر إلى هذا الاشتراء ويشبهه الاستحباب في قوله تعالى ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾ .
والله أعلم.
ومن مباحث الأداة قراءة حمزة والكسائي ﴿ الْهُدى ﴾ بالإمالة أي جعل مدها بين الألف والياء وهي لغة بني تميم، وعدم الإمالة لغة قريش وهي الفصحى، ولما كان يعسر على لسان من اعتادها تركها أذن الله تعالى بها فيما أقرأ جبريل النبي .
<div class="verse-tafsir"
هذا مثل من مثلين ضربهما الله في هذه الايات للصنف الثالث من الناس الذين قرع القرآن أبواب قلوبهم.
وكان من عناية الله تعالى في بيان حاله أن قفى على ذلك التفصيل في شأن فرقه وأطوارهم بضرب المثل الذي يقصد به تجلي المعنى في أتم مجاليه، وتأثر النفوس بما أودع فيه، ناهيك بما في التنقل في الأساليب من توجيه الذهن إلى سابق القول، ودعوة الفكر إلى مراجعة ما مضى منه.
ولولا أن بلاء هذا الصنف عظيم، وداءه دفين، وعلاجه متعسر -لأنه متولد من الدواء الذي كان يجب أن تكون فيه الصحة ونعمة العافية- لما كان من البلاغة ولا من الحكمة، أن يعنى بشأنه كل هذه العناية، كما قلنا في تزييف رأيمنذهب إلى أن الكلام في تلك الشرذمة من المنافقين في عصر التنزيل.
ضرب الله تعالى لهذا الصنف في مجموعه مثلين، ينبئان بانقسامه إلى فريقين، خلافًا لما في أكثر التفاسير في أن المثلين لفريق واحد، وأن معناهما وموضوعهما واحد.
الأول- من آتاهم الله دينًا وهداية عمل بها سلفهم فجنوا ثمرها، وصلح حالهم بها، أيام كانوا مستقيمين على الطريقة، آخذين بإرشاد الوحي واقفين عند حدود الشريعة، ولكنهم انحرفوا عن سنن سلفهم في الأخذ بها ظاهرًا وباطنًا، ولم ينظروا في حقائق ما جاءهم، بل ظنوا أن ما كان عند سلفهم من نعمة وسعادة، وإنما كان أمرًا خصوا به أو خيرًا سيق إليهم، لظاهر قول أو عمل امتازوا به عن غيرهم ممن لم يأخذ بدينهم، وإن كان ذلك العمل لم يخالط سرائرهم، ولم تصلح به ضمائرهم، فأخذوا بتقاليد وعادات لم تدع في نفوسهم مجالًا لغيرها، ولذلك لم يتفكروا قط في كونهم أحرى بالتمتع بتلك السعادة والسيادة من سلفهم، لأن حفظ الموجود، أيسر من إيجاد المفقود، بل لم يبيحوا لأنفسهم فهم الكتاب الذي اهتدى من قبلهم بما فيه من شموس العرفان، ونجوم الفرقان، لزعمهم أن فهمه لا يرتقي إليه إلا أفراد من رؤساء الدين، يؤخذ بأقوالهم ما وجدوا، وبكتبهم إذا فقدوا.
فمثل هذا الفريق من الصنف المخذول في فقده لما كان عنده من نور الهداية الدينية، وحرمانه من الاهتداء بها بالمرة، وانطماس الآثار دونها عنده - مثل من استوقد نارًا إلخ.
والوجه في التمثيل أن من يدعي الإيمان بكتاب نزل من عند ربه قد طلب بذلك الإيمان أن توقد له نار يهتدي بها في الشبهات، ويستضيء بها في ظلمات الريب والمشكلات، ويبصر على ضوئها ما قد يهجم عليه من مفترسة الأهواء والشهوات، فلما أضاءت ما حوله بما أودعته من الهدى والرشاد، وكان بالنظر فيها يمشي على هداية وسداد، هجمت عليه من نفسه ظلمة التقليد الخبيث، وعصب عينيه شيطان الغرور، فذهب عنه ذلك النور، وأطبق عليه جو الضلالة، بل طفئ فيه نور الفطرة، وتعطلت قوى الشعور بما بين يديه، فهو بمنزلة الأعمى الأصم الذي لا يبصر ولا يسمع.
وأما الفريق الثاني: فقد ضرب الله له المثل في قوله ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ ﴾ إلخ، وهو الذي بقي له بصيص من النور، فله نظرات ترمي إلى ما بين يديه من الهداية أحيانًا، ولمعاني التنزيل لمعان يسطع على نفسه الفينة بعد الفينة، ويأتلق في نظره الحين بعد الحين،عندما تحركه الفطرة، أو تدفعه الحوادث للنظر فيما بين يديه، ولكنه من التقاليد والبدع في ظلمات حوالك، ومن الخبط فيها على حال لا تخلو من المهالك، وهو في تخبطه يسمع قوارع الإنذار الإلهي ويبرق في عينيه نور الهداية، فإذا أضاء له ذلك البرق السماوي سار، وإذا انصرف عنه بشبه الضلالات الغرارة قام وتحير لا يدري أين يذهب.
ثم إنه ليعرض عن سماع نذر الكتاب ودعاة الحق كمن يضع أصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع إرشاد المرشد ولا نصح الناصح يخاف من تلك القوارع أن تقتله، ومن عواصف النذر أن تهلكه.
هذا هو شأن فريقي هذا الصنف بما يشير إليه المثلان إجمالًا.
وفي تفسير الآيات تفصيل ما أشرنا إليه.
قال تعالى ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾ العرب تستعمل لفظ"الذي"في الجمع كلفظي"ما"و"من"ومنه قوله تعالى ﴿ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ﴾ وإن شاع في الذي الإفراد لأن له جمعًا، وقد روعي في قوله ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ معناه، والفصيح فيه مراعاة اللفظ أولًا ومراعاة المعنى آخرًا.
والتفنن في إرجاع الضمائر متفرعة ضرب من استعمال البلغاء، يقرر المعنى في الذهن ويهبه فضل تمكن وتأكيد، بما يحدث فيه من الرؤية والتوجه إلى الإحاطة بمعاني المختلفات.
﴿ فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ﴾ يقال ضاءت النار والشمس وأضاءت (لازم) ويقال ضاء المكان وأضاءته النار أي أظهرته بضوئها.
قال العباس في النبي .
وأنت لما ظهرت أشرقت الأر ض وضاءت بنورك الأفق استوقدوا بفطرتهم السليمة نار الهداية الإلهية بتصديقهم، فلما أضاءت لهم بروقها، ووضح لهم طريقها، فاجأتهم التقاليد الموروثة، وباغتتهم العادات المألوفة، وشغلهم ما يتوهمونه فيها من المنافع والفوائد، وما يتوقعونه في الإعراض عنها من المصارع والمفاسد، عن الاستعانة بذلك الضوء على ذلك الصراط المستقيم، والتفرقة بين نهاره المشرق وظلمات ليلها البهيم، بل استبدلوا هذا الديجور، بذلك الضياء والنور، وهذا هو معنى ذهاب نورهم.
وإنما قال ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ ولم يقل ذهب نورهم، أو أذهب الله نورهم - للإشعار بأن الله تعالى كان معهم بمعونته وتوفيقه عندما استوقدوا النار فأضاءت، وذلك أنهم كانوا قائمين على سبيل فطرته التي فطر الناس عليها، معتقدين صحة شريعته التي دعا الناس إليها، وبأنه تخلى عنهم عندما نكبوا عن تلك السبيل، وعافوا ذلك المورد السلسبيل.
ولا شك أن المستوقد المسترشد تكون له حالة مع الله تعالى مرضية في التوجه إليه وقصد اتباع هداه، والاستضاءة بنوره الذي وهبه إياه، فإذا أعرض عنه وكله الله إلى نفسه، وذهب بنوره.
وإذا ذهب النور لا يبقى إلا الظلمة، وما كان هؤلاء في ظلمة واحدة، ولكنها ظلمات بعضها فوق بعض، متعددة بأنواع التقاليد التي فتنوا بها، وبتعدد أنواع الهداية التي أعرضوا عنها، ولذلك قال ﴿ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ﴾ شيئًا.
حذف مفعول يبصرون إيذانًا بالعموم، أي لا يبصرون مسلكًا من مسالك الهداية ولا يرون طريقًا من طرقها، لأنه صرف عنايته عنهم بتركهم سنته، وإهمالهم هدايته، ووكلهم إلى أنفسهم.
ويا ويل من وكله الله إلى نفسه، وحرمه توفيقه، نسأل الله العافية.
هذا المثل مضروب لفريق لا ترجى هدايته، لأنه سد على نفسه جميع أبواب الهداية، فلا يثق بعقله ولا بحواسه ولا بوجدانه إذا خالفت تقاليده، وعدم الإبصار بذهاب النور غير كافٍ لتمثيل هذا اليأس والحرمان، لجواز أن يلوح بارق، أو يذر شارق، أو يصيح طارق، فتكون الهداية، وتنكشف الغواية، ولذلك عقبه بقوله تعالى ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ أي أنهم فقدوا منفعة السمع الذي يؤدي إلى النفس ما يلقيه المرشدون إليها من الحجج القاطعة، والدلائل الناصعة، فلا يصيخون إلى وعظ واعظ، ولا يصغون لتنبيه منبه: * فما أضيع البرهان عند المقلد * بل لا يسمعون وإن أصاخوا، ولا يفقهون إن سمعوا، فكأنهم صم لم يسمعوا.
وفقدوا منفعة الاسترشاد بالقول وطلب الحكمة من معاهدها، فلا يسألون بيانًا، ولا يطلبون برهانًا، وفقدوا خير منافع الأبصار، وهو نظر الاستفادة والاعتبار، فلا يرون ما يحل بهم من الفتن فينزجروا، ولا يبصرون ما تتقلب به أحوال الأمم فيعتبروا، ﴿ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ﴾ عن ضلالتهم، ولا يخرجون من ظلماتهم، لأن من وقع في أرض فلاة في ليلة مظلمة وفقد فيها جميع حواسه لا يمكنه أن يسمع صوتًا يهتدي به، ولا أن يصيح هو لينقذه من يسمعه، ولا أن يرى بارقًا يؤمه ويقصده، فهو لا يرجع من تيهه، بل يظل يعمه في الظلمات، حتى يفترسه سبع ضار، أو يصل إلى شفا جرف هار، فينهار به في شر قرار، ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
هذا هو مثل الفريق الثاني من هذا الصنف من الناس، الذي كان أفراده ولا يزالون فتنة للبشر، ومرضًا في الأمم، وحجة على الدين، لأنهم بغرورهم بتقاليدهم التي اكتفوا بها من دينهم الموروث، يعبثون بعقولهم، ويلهون بخيالاتهم، ويجنون على مشاعرهم ومداركهم فيضعفونها، ويصارعون الفطرة الإلهية فيصرعونها، حتى يكون بعضهم كالجمادات ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ كما تقدم في المثل الأول، ويألف البعض الآخر الظلمة بطول التقليد، ويكون أفراده في نور البرهان كالخفافيش في نور الشمس، ولكنهم أمثل من الفريق الذي ضرب له المثل الأول، لأن فيهم بقية من الرجاء ورمقًا من الحياة، يوجههم إلى الاقتباس من نور الهداية كلما أضاءت لهم بروقها، والمشي في الجادة كلما استبانوا طريقها، ولكن تحول دون ذلك ظلمات التقاليد العارضة، وتقف في سبيل عقبات البدع المعارضة، وقد يعدهم لاستماع قوارع الآيات التي تنذرهم بما حرفوا، وصوادع الحجج التي تبين لهم كيف انحرفوا، ولا يصدهم عنها إلا أنها تزعجهم إلى ترك ما صَنَّفو وأَلَّفوا، وهجر ما أحبوا وأَلِفوا، وعدم المبالات بسنة الآباء، وقلة الاحتفال بعظمة الرؤساء، فهم يتراوحون بين الخوف والرجاء، مذبذبين بين أهل الجحود وأهل اليقين ﴿ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ ﴾ ، ولا ينقطع منهم الأمل، حتى ينقطع بهم الأجل.
ألا تراهم عندما يقرع أسماعهم من كتاب ربهم ما يبين فساد سيرتهم، والتواء طريقتهم، كقوله تعالى في النعي على أمثالهم، وحكاية ما لم يرضه من أقوالهم: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ إلخ: وقوله في بيان ندمهم على التقليد، عندما يحل بهم الوعيد، ﴿ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴾ يأخذهم الزلزال، ويتولاهم الاضطراب والقلق، وتنشق لهم الظلمة عن فلق، ويلمع في نفوسهم نور الهداية الفطرية فيمشون فيه خطوات، ثم تحيط بهم الظلمات، وينقطع بهم الطريق كما ألمحنا آنفًا.
وأسباب غلبة الظلمات على النور، هي موافقة ما عليه الجمهور، والإخلاد إلى الهوى، وتفضيل عرض هذا الأدنى، وانتظار المغفرة ولو بما تأولوه في معنى الشفاعة، وتمنى الربح من غير بضاعة ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ﴾ ؟
بلى هو عندهم مدروس بجدليات النحو والكلام، ولكنه دارس الصُّوَىوالأعلام، المنصوبة لهداية القلوب والأحلام، ومقروء بالتجويد والأنغام، ولكنه متروك الحكم والأحكام، يقرأونه لكسب الحطام، ولمعرفة الحلال والحرام، ولا يتلونه لإصلاح القلب واللسان، بتزكية النفس وتغذية الإيمان، ويكتبونه لشفاء الأبدان من الأسقام، لا لشفاء ما في الصدور من الأوهام والآثام، ولو كان له أنصار يدعون إليه، وهداة يعتصمون به ويعولون عليه، لتبددت الظلمات أما الأنوار، ومحت آيةَ الليل آيةُ النهار.
تلك الإرشادات الإلهية بمنزلة المطر الذي ينزل من السماء، والزلزال والاضطراب الذي أشرنا إليه بمنزلة الرعد، واستبانة الصراط المستقيم الذي يلمع في أنفسهم من ذلك كالبرق، والعادات والشهوات والخوف من ذم الجماهير عند العمل بما يخالفهم كالظلمات التي تصد عن سلوك الطريق بل تعميه على طالبه وتحجبه عنه، ولذلك قال الله تعالى في تمثيل حال هذا الفريق ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ ﴾ أي قوم نزل بهم صيب، ووصفه بأنه من السماء مع العلم بأن الصيب لا يكون إلا من السماء للإشعار بأنه أمر لا يملكون دفعه وليس ملاكه في أيديهم، ومن المعهود عند بلغاء العرب التعبير عما يلم بالناس مما لا دافع له بأنه نزل من السماء، ولا جرم أن تلك السوانح التي تسنح في الأفكار، والإلهامات الإلهية، لأصحاب الفطرة الزكية، التي يكون من أثرها ما أشار المثل إليه، وتقدم التنبيه عليه، هي أمر وهبي واقع، ما له من دافع.
قال تعالى في وصف الصيب ﴿ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ﴾ الظلمات هي ظلمة الليل وظلمة الصيب نفسه، والرعد هو الصوت المعروف الذي يسمع في الحساب عند اجتماعه أحيانًا، والبرق هو الضوء الذي يلمع في السحاب في الغالب، وقد يلمع من الأفق حيث لا سحاب، وقال مفسرنا الجلال السيوطي: إن الرعد ملك أو صوته، والبرق سوطه يسوق به السحاب، وكأن الملك جسم مادي لأن الصوت المسموع بالآذان من خصائص الأجسام، وكأن السحاب حمار بليد لا يسير إلا إذا زجر بالصراخ الشديد والضرب المتتابع؟!.
وما ذكرناه هو الذي كان يفهمه العرب من اللفظين، وهو الذي يفهمه الناس اليوم.
ولا يجوز صرف الألفاظ عن معانيها الحقيقية إلا بدليل صحيح، ولا سيما إذا صرفت عن معاني من عالم الشهادة، الذي يعرفه الواضعون والمتكلمون، إلى معاني من عالم الغيب لا يعلمها إلا الله تعالى ومن أعلمهم الله تعالى إياها بالوحي، ولكن أكثر المفسرين ولعوا بحشو تفاسيرهم بالموضوعات التي نص المحدثون على كذبها، كما ولعوا بحشوها بالقصص والإسرائيليات التي تلقفوها من أفواه اليهود وألصقوها بالقرآن لتكون بيانًا له وتفسيرًا، وجعلوا ذلك ملحقًا بالوحي، والحق الذي لا مرية فيه أنه لا يجوز إلحاق شيء بالوحي غير ما تدل عليه ألفاظه وأساليبه، وإلا ما ثبت بالوحي عن المعصوم الذي جاء به ثبوتًا لا يخالطه الريب.
وقال تعالى في أصحاب الصيب ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾ الصاعقة هي ما كان يعرفه العرب ويعرفه كل واحد وهو ما ينزل في أثناء المطر والبرق والرعد فيصعق ما ينزل به بأن يهلك أو يلحقه ضرر، وما تفسيرنا للبرق والرعد والصاعقة مع كونها معروفة لكل الناس إلا لأن المفسرين صرفوا أفهامهم عن المعروف إلى غيره، كما حكي عن (أرسطو) حكيم قدماء اليونان أن تلاميذه سألوه عن تعريف الحركة فقام ومشى، وما أنطقهم بالسؤال عنها على بداهتها إلا أنهم اعتادوا أن يسمعوا من الفلاسفة أقوالًا في الأمور الجلية، تجعلها غامضة خفية.
وأما حقيقة البرق والرعد والصاعقة وأسباب حدوثها فليس من مباحث القرآن، لأنه من علم الطبيعة (أي الخليفة) وحوادث الجو التي في استطاعة الناس معرفتها باجتهادهم ولا تتوقف على الوحي، وإنما تذكر الظواهر الطبيعية في القرآن لأجل الاعتبار والاستدلال، وصرف العقل إلى البحث الذي يقوى به الفهم والدين، والعلم بالكون ينمو ويضعف في الناس ويختلف باختلاف الزمان، فقد كان الناس يعتقدون في بعض الأزمنة أن الصواعق تحدث من أجسام مادية لما كانوا يشمونه في محل نزولها من رائحة الكبريت وغيره، ورجعوا عن هذا الاعتقاد في زمن آخر ملاحظين أن تلك الرائحة لا تكون دائمًا في محل الصاعقة.
وقد ظهر في هذا الزمان أن في الكون سيالًا يسمونه الكهرباء من آثاره ما ترون من"التلغراف"و"التليفون والترامواي"، وهذه الأضواء الساطعة في البيوت والأسواق، من غير شموع ولا زيت ولا ذبال، وإنما تكون باتصال سلكين دقيقين كالخيوط التي يخاط بها الثياب، أحدهما يحمل أو يوصل السيال الكهربائي الذي يسمونه الموجب، والآخر يوصل السيال المسمى بالسالب، وباتصال السلكين، يتولد النور من تلاقي السيالين، وبانقطاعهما أو الفصل بينهما ينفصل السيالان فينقطع الضوء من المصابيح والحركة من الآلات، والكهربائية موجودة في كل شيء، والبرق في السحاب يتولد من اتصال نوعيها الموجب والسالب بقدرة الله تعالى، كما يتولد في الأرض بعمل الإنسان.
وقد استنزل بعض علماء الكهربائية قبس الصاعقة من السحاب إلى الأرض، والصاعقة من أثر الكهربائية، وهي تفريغ السحاب طائفة منها في مكان لجاذب في الأرض يجذبه، وكثيرًا ما حصل الصعق لعمال التلغراف، لما بين السحاب والأسلاك من الجاذبية.
ومعرفة الناس بالسبب الحقيقي للصواعق هداهم إلى حفظ الأبنية الشاهقة منها باتخاذ القضيب المعروف الذي يسمى قضيب الصاعقة، فلا تنزل الصواعق على بناء رفع فوقه هذا القضيب، ولا مجال في تفسير القرآن للتطويل في أمثال هذه المسائل الطبيعية لأنها تطلب من فنونها الخاصة بها، فلنعد إلى بيان المثل.
استحضر حال قوم مشاة في فلاة من الأرض نزل عليهم بعدما أقبل ظلام الليل صيب من السماء قصفت رعوده، ولمعت بروقه، وتصور كيف يهوون بأصابعهم إلى آذانهم كلما حدث قاصف من الرعد ليدفعوا شدة وقعه بسد منافذ السمع برؤوس الأنامل، وعبر عن الأنامل بالأصابع هذا التعبير المجازي اللطيف للإشعار بشدة عنايتهم بسد آذانهم، ومبالغتهم في إدخال أناملهم في صماليخها، كأن كل واحد منهم يحاول بما دهمه من الخوف أن يغرس أصبعه كلها في أذنه، حتى لا يكون للصوت منفذ إلى سمعه، لما يحذره على نفسه من الموت الزؤام، ومعالجة الحِمام، وهذا هو الجبن الخالع، ومنتهى حدود الحماقة، لأن سد الآذان ليس من أسباب الوقاية من أخذ الصاعقة ونزول الموت، والموت فقد الحياة بمفارقة الروح للبدن، وخلق الله عبارة عن تقديره أو عن قبضه للروح وتوفيه للنفس.
وقوله تعالى ﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ يرشدنا في أثناء شرح المثل وتقريره إلى حال من ضرب فيهم المثل يذهلنا ما نتصوره من حال المشبه به عن حال المشبه المقصود بالذات، وهو أن التصام والهروب من سماع آيات الحق والحذر من صواعق براهينه الساطعة أن تذهب بتقاليدهم التي يرون حياتهم الملية مرتبطة بها لا يفيدهم شيئًا، لأن الله تعالى محيط بهم، مطلع على سرائرهم، وعلم بما في ضمائرهم، وقادر على أخذهم أينما كانوا، وفي أي طريق سلكوا، فلا يهربون من برهان إلا ويفاجئهم برهان آخر، كالغريق يدفعه موج ويتلقاه موج حتى يقذف به إلى ساحل النجاة، أو يدفعه إلى هاوية العدم، ولهذا قال ﴿ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ ولم يقل محيط بهم، والمراد بالإحاطة هنا إحاطة القدرة، فمن لم يمته بأخذ الصاعقة أماته بغيرها (تنوعت الأسباب والموت واحد) والمحيط بالشيء لا يمكن أن يفوته وينفلت من قبضته.
ثم بعد التنبيه والاستلفات عاد إلى إتمام المثل وتفصيله، فقال عز شأنه: ﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ﴾ إذا لمع البرق بشدة مفاجئًا من هو في ظلمة فإنه يؤثر في بصره تأثيرًا يكاد يخطفه، والخطف هو الأخذ بسرعة، ولكنه يتبين به جزءًا من الطريق فيمشي فيه خطوات ثم يعتكر عليه الظلام، وتستحوذ عليه المخاوف والأوهام، فيقف في مكانه، أو يعود البرق إلى لمعانه، ويحاكي هذا من حال الممثل بهم أنه عندما يدعوهم الداعي إلى أصل الدين، ويوضح لهم سبب ما هو فيه من البلاء المبين، ويتلو عليهم الآيات البينة، ويقيم لهم الحجج القيمة، على أنهم تنكبوا الصراط السوي وأصيبوا بالداء الدوي، يظهر لهم الحق فيعزمون على اتباعه، وتسير أفكارهم في نوره بعض خطوات، ولكن لا يعتمون أن تعود إليهم عتمة التقليد وظلمة الشهوات، وغُبْسَة الأهواء والشبهات، فتقيد الفكر وإن لم تقف سيره وإنما تعود به إلى الحيرة -كما تقدم في أول الكلام- ثم يتكرر النظر في تضاعيفها بطريق الالتفات والإلمام.
وفيه أنهم على سوء الحال وخطر المآل، لم تنقطع منهم الآمال، كما انقطعت من أصحاب المثل الأول الذين وصفوا بالصم البكم العمي، ولذلك قال فيهم ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ﴾ حتى ينجع فيهم وعظ واعظ ولا تفيدهم هداية هاد، ولم يقل إنه ذهب بنور أولئك وسلبهم كل أنواع الهدى والرشاد، فوقع اليأس من رجوعهم إلى الحق.
وقوله تعالى ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ الخ رجع إلي بيان حال من ضرب فيهم المثل، لا من تتمة المثل، وقد كنى عنهم بالضمير هنا لأن المثل قد تم، بعدما ذكرهم في قوله ﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ بالوصف الذي اقتضى التمثيل.
<div class="verse-tafsir"
في الناس المنادَون هنا وجهان: الوجه الأول - أنهم الذين يقولون: آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بؤمنين ذلك الإيمان الذي يملك القلب ويصرف النفس في الأعمال وهو المقبول عند الله تعالى، وإنما هم آخذون بتقاليد ظاهرية ليس لها ذلك الأثر الصالح في أخلاقهم وأعمالهم فهم يخادعون الله تعالى بالتلبس ببعض صور العبادات والأقوال و"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"والكلام على هذا لا يزال في الصنف الرابع من أصناف البشر المخاطبين بالقرآن كما تقدم فلا حاجة إلى بيان وجه الاتصال بين الآيات.
الوجه الثاني-وهو الراجح - أن الخطاب عام للناس كافة، ووجه الاتصال بين الآيات على هذا إنه لما بين تعالى في أصناف الناس هذا الصنف الذي احتقر أفراده نعم الله تعالى عليهم، واستعظموها وأكبروها على من قبلهم، فحرموا أنفسهم من أَجَلَّ المزايا الإنسانية، وأجَلّوا سلفهم حتى رفعوهم إلى مرتبة الربوبية، خاطب الناس عامة بأن يعبدوه ملاحظين معنى الربوبية والخالقية التي تشملهم ومن قبلهم من السلف فتنظمهم جميعًا في سلك العبودية للخالق تعالى شأنه، ولا يكونوا كذلك الصنف الخاسر الكفور بنعم المشاعر والعقل وهداية الدين، إذ لم يستعملوا عقولهم في فهم ما أنزل عليهم، بل اكتفوا بتقليد بعض رؤسائهم وعلمائهم، زاعمين أنه لا يقوى على فهم كتاب الله تعالى غيرهم، كأن الله تعالى أنزل كتبه وخاطب بها نفرًا معدودين في وقت محدود، ولم يجعلها هداية عامة للأمة، وإنما ألزم سائر الناس في سائر الأوقات الاكتفاء باتباع أولئك الرؤساء وأتباعهم وأتباع أتباعهم وهلمجرا ثم تركوا أتباعهم اتكالًا على شفاعتهم واكتفاء بالانتساب إليهم، وزعمًا أن الله أعطاهم ما لا يعطي مثله لأحد سواهم، وإن عملوا مثل عملهم، تعالى الله على الظلم والمحاباة وهو ذو الرحمة التي تنتهي وذو الفضل العظيم.
هذا النداء الإلهي المشعر بأن نسبة الناس الأولين إلى الله تعالى كنسبة الآخرين واحدة: - هو الخالق وهم المخلوقون، وهو المستحق للعبادة وهم المأمورون بها أجمعون،- حجة علينا وعلى جميع من استن بسنة ذلك الصنف من قبلنا ..
وأنا أخص طلاب علوم الدين بالذكر، فينبغي للطالب أن يوجه نفسه إلى فهم القرآن ويحملها على الاهتداء به، فإذا هو فعل ذلك تظهر عليه آداب الإسلام التي أشار إليها الرسول بقوله"أدبني ربي فأحسن تأديبي"وإنما كان أدبه القرآن، ومن اشتغل بهذا حق الاشتغال وصل إلى معرفة أمراض المسلمين الحاضرة، ومنابع البدع التي فشت فيهم، ومثارات الفتن التي فرقتهم، ويعرف علاج ذلك.
وإن من ذاق حلاوة القرآن لا ينظر في كتاب ولا يتلقى علمًا إلا ما يفتح له باب الفهم في القرآن أو ما يفتح له بابه القرآن فيجده مرآته، وما عدا ذلك مبعد عنه، والبعد عن القرآن هو عين البعد عن الله تعالى، وذلك هو الضلال البعيد.
كل ما أمرنا به القرآن وأرشدنا إلى النظر فيه فالاشتغال به اشتغال بالقرآن، فإذا قال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ فذلك تنبيه وإرشاد إلى الاعتبار بما في خلقنا من الحكم والأسرار، وينبغي لنا البحث عنها كما قال في آية أخرى ﴿ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ وإلى الاعتبار بتاريخ من قبلنا كما قال في آية أخرى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ ﴾ وأمثال ذلك كثير.
لا يتعظ الإنسان بالقرآن فتطمئن نفسه بوعده وتخشع لوعيده إلا إذا عرف معانيه، وذاق حلاوة أساليبه، ولا يأتي هذا إلا بمزاولة الكلام العربي البليغ مع النظر في بعض النحو كنحو ابن هشام وبعض فنون البلاغة كبلاغة عبد القاهروبعد ذلك يكون له ذوق في فهم اللغة يؤهله لفهم القرآن.
قال الإمام أبو بكر الباقلاني: من زعم أنه يمكنه أن يفهم شيئًا من بلاغة القرآن بدون أن يمارس البلاغة بنفسه فهو كاذب مبطل.
فهل يصح لمسلم بلغ ورشد وطلب العلم أن لا يجعل القرآن إمامه ويتخذه نورًا يمشي به في الناس ويهتدي به في ظلمات البدع.
أمامنا عقبتان كؤودان لا نرتقي عما نحن فيه إلا باقتحامهما، وهم الكسل وتسجيل القصور على أنفسنا بجهل قيمة نعم الله تعالى علينا، وصاحب هاتين الخلتين يمقت كل من يرشده إلى الخير ويهديه للحق، لأنه يكلفه ضد طبعه، فلا يرى مهربًا من الاعتراف بضلاله وغيه، إلا بالقدح بمرشده وناصحه.
على كل منا أن ينظر في نفسه وينظر في القرآن العظيم ويزن به ما هو عليه من العقائد والأخلاق والأعمال، فإن رجح به ميزانه فهو مسلم حقيقي فليحمد الله تعالى، وإلا فليسع فيما يكون به الرجحان.
لا بد لنا من النظر الطويل والفكر القويم فيما نحن فيه، فمن لم يتفكر لم يهتد إلى الحق، ومن لم يهتدِ إليه فهو ضال، (فماذا بعد الحق إلا الضلال).
يقول تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ الذين يدّعون الإيمان بالله قولًا بأفواههم ولم يمس الإيمان الحق سواد قلوبهم، ولا كان له سلطان على أرواحهم، ويدَّعون الإيمان باليوم الآخر ولم يستعدوا له بتهذيب أنفسهم وإصلاح أعمالهم، وإنما يأتون ببعض صور العبادات بحكم العادات الموروثة، وقلوبهم مشغولة عن الله الذي لا تفيد العبادة عنده إلا بالتوجه إليه وابتغاء مرضاته، والشعور بعظمته وجلاله، فهم يخادعون الله بهذه الظواهر التي لا معنى لها، والصور التي لا روح فيها، وإنما يخدعون في الحقيقة أنفسهم لأن أعمالهم هذه لا تفيدهم في الدنيا عزة وسعادة ولا تنجيهم في الآخرة.
ويا أيها الناس الذين لم يرزؤا بهذا الخذلان، ولم يبتلوا بهذا الافتتان، سواء كانوا من أهل الكفر أو من أهل الإيمان، (اعبدوا ربكم) جميعًا عبادة خشوع وإخلاص وأدب وحضور كأنكم تنظرون إليه وترونه، فإن لم تكونوا ترونه فإنه يراكم، وينظر دائمًا إلى محل الإخلاص منكم وهو قلوبكم، واستعينوا على إشعار نفوسكم هذا الخشوع والحضور والإخلاص في العبادة باستحضار معنى الربوبية فإنه هو ربكم الذي أنشأكم فيما لا تعلمون ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ وغذاكم بنعمه، ونماكم بكرمه، كما فعل مثل ذلك بسلفكم الصالح فشكروه وعبدوه وحده مقرين بهذه التربية، ومعظمين لهذه المنة، فليدع ذلك الصنف احتقار النعم التي هو فيها والاقتصار على تعظيم نعمة الله على السلف فقط فإن هذا الرب العظيم ﴿ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ وخلق ﴿ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ قد رَبَّاكم كما ربى سلفكم، ووهبكم من الهدايات مثلما وهبهم، فمن شكر منهم ومنكم زاده نعمًا، ومن كفر بهذه النعم جعلها عليه نقمًا، ليكون عبرة ومثلًا للآخرين، وذلك من رحمته بالعالمين، وقد أقسم تعالى على ذلك في كتابه المجيد فقال ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ وفي القصاص حياة لأولي الألباب، وما يتذكر إلا من أناب.
هكذا أمر الله تعالى عباده أجمعين، بأن يعبدوه وحده مخلصين له الدين، وأرشدهم -بإعلامه إياهم أنه ساوى بينهم وبين من قبلهم في المواهب الخلقية- إلى الاستقلال بالعمل، وقدر نعمته عليهم قدرها، ليعلموا أن كل النعم التي تكتسب بالشكر وهي ما عدا النبوة- مقدورة لهم، كما كانت مقدورة لمن قبلهم، وأنهم إذا زادوا على سلفهم شكرًا يزدادون نعمًا، وما الشكر إلا استعمال المواهب والنعم فيما وهبت لأجله، فالذين يقولون إننا لا نقدر على فهم الدين بأنفسنا من الكتاب والسنة لأن عقولنا وأفهامنا ضعيفة، وإنما علينا أن نأخذ بقول من قبلنا من آبائنا، لأن عقولهم كانت أقوى، وكانوا على فهم الدين أقدر، بل لا يمكن أن يفهمه غيرهم، أولئك كافرون بنعمة العقل، وغير مهتدين بهذه الآية الناطقة بالمساواة في المواهب وسعة الرحمن والفضل.
وكذلك الذين يتخذون وسطاء بينهم وبين الله تعالى لأجل التقرب إليه زلفى.
بغير ما شرعه لهم من الدين وما جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام -وهم الوسائل في الهداية والرشاد -أو لأجل الشفاعة لهم عنده لينالوا جزاء ما شرعه من الدين، من غير طريق العمل به واتباع المرسلين- قد احتقروا نعم الله تعالى ولم يهتدوا بهذه الآية لأنهم قد جعلوا لله أندادًا يبغون أن ينالوا بأشخاصهم ماحكم الله بأن يطلبه الناس بإيمانهم وأعمالهم، فجعلوا هؤلاء الأنداد شركاء لله يغنونهم عن شريعته، شعروا بذلك أم لم يشعروا.
يقول تعالى لجميع عباده، ﴿ اعْبُدُونِي ﴾ ، ملاحظين معنى الربوبية، والمساواة في المواهب الخلقية التي تؤهلكم للسعادة الحقيقية ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ فإن العبادة على هذا الوجه هي التي تعدكم للتقوى، ويرجى بها بلوغ غاية الكمال القصوى.
..
الشائع أن لعل للترجي في ذاتها وإذا وقعت في كلام الله تعالى يكون معناها التحقيق، وغرض القائلين بهذا تنزيه الله سبحانه عن الترجي بمعناه اللغوي الآتي، ولكنه رمي للكلام بدون بيان، وحقيقته أن لعل للترجي ولكنها تستعمل للإعداد والتهيئة للشيء وفي هذا معنى الترجي، فحيث وقعت ﴿ لَعَلَّ ﴾ في القرآن فالمراد بها هذا المعنى الأخير كما فسرناها به آنفًا، وهو يستلزم التحقيق، لأن الإعداد بما تأتي"لعل"بعده أمر محقق لا ريبة فيه، فإن العبادة على الوجه الذي أرشدت إليه الآية من ملاحظة معنى الربوبية الخ ما تقدم شرحه تطبع في النفس ملكة خشية الله وتعظيمه ومراقبته، وتعلي همة العابد وتقوي عزيمته وإرادته، فتزكو نفسه وتنفر من المعاصي والرذائل، وتألف الطاعات والفضائل، وهذه هي التقوى، وإذا قلنا إن الرجاء متعلق بالناس فالإعداد فيه ظاهر ومتحقق، إذ لو لم يخلقهم مستعدين للتقوى لما اتقاه منهم أحد.
ومعنى الترجي في أصل اللغة توقع حصول الشيء القريب بحصول سببه والاستعداد له، سواء كان الاستعداد كسبيًا أو طبيعيًا، فاستعملنا"لعل"المعبرة عن التوقع في سببه وهو الاستعداد أو الإعداد الذي هو جعل المرء مستعدًا، والتعبير عن المسبب بلفظ السبب شائع في استعمال اللغة، وقد عدوا الترجي والتمني من الأخبار وصيغهما صيغ إنشاء فقط.
لما ذكّر الله عباده بنعمة الإيجاد ونعمة المساواة في المواهب التي تقتضي التقوى وعدم إطراء السلف برفعهم إلى مقام الربوبية كما وقع من الذين ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ ذكرهم ثانيًا ببعض خصائص الربوبية التي تقتضي الاختصاص بالعبودية، فقال ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشًا ﴾ بما مهدها وجعلها صالحة للافتراش والإقامة عليها والارتفاق بها، أي فهو القادر على جلائل الفعال، العظيم الذي يستحق العبادة والإجلال، المنعم بجميع النعم، الجدير بأعلى مراتب الشكر، جعل الأرض بقدرته فراشًا لأجل منفعتكم"والسماء بناء"متماسكًا لكيلا تقع على الأرض فتسحقكم.
السماء مجموع ما فوقنا من العالم، والبناء وضع شيء على شيء بحيث يتكون من ذلك شيء بصورة مخصوصة: وقد كون الله السماء بنظام كنظام البناء، وسوى أجرامها على هذه الصفة المشاهدة وأمسكها بسنة الجاذبية فلا تقع على الأرض، ولا يصطدم بعضها ببعض، إلا إذا جاء يوم الوعيد، وبطل نظام هذا العالم ليعود في خلق جديد، والواجب ملاحظته في هذا المقام هو تصور قدرة الله تعالى وعظمته وسعة فضله ورحمته.
ثم بعد أن امتن بنعمة الإيجاد، ونعمة الفراش والمهاد، ونعمة السماء، التي هي كالبناء، وذكر نعمة الإمداد، الذي تحفظ به هذه الأجساد، وهي مادة الغذاء، التي بها النمو والبقاء، فقال ﴿ وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾ والثمرات ما يحصل من النبات نجمًا كان أو شجرًا: يصلح الزارع والغارس الأرض، ويبذر البذر، ويغرس الفسيل ويتعاهد ذلك بالسقي والعذق، فيكون له كسب في رزقه، ولكنه ليس له كسب في إنزال المطر الذي يسقي به، ولا في تغذية النبات بماء المطر أو النهر المجتمع من المطر، وبأجزاء الأرض، وعناصرها الأُخر، ولا في تولد خلاياه التي بها نموه، ولا في إثماره إذا أثمر، وإنما كل ذلك بيد الله القدير - فعلينا أن نتفكر في ذلك لنزداد تعظيمًا له وإجلالًا فلا نعبد معه أحدًا.
وبعد أن عرفنا الله تعالى بأنفسنا، وبنعمته علينا وعلى سلفنا، وبعد أن عرفنا ذاته الكريمة، بآثار رحمته ومنته العظيمة، وصرنا جديرين بأن نعرف أن العبد عبد فلا يعبد، وأن الرب رب فلا يشرك به ولا يجحد، قال تفريعًا وترتيبًا على ما سبق ﴿ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا ﴾ من سلفكم المخلوقين مثلكم، تطلبون منهم ما لا يطلب إلا منه، وهو كل ما تعجزون عنه، ولا يصل كسبكم إليه، لا تفعلوا ذلك فإنهم في الخلق والعبودية مثلكم.
الأنداد جمع ند (بكسر النون) وفسر بالشريك، وهو في اللغة المضارع والكفؤ، يقال فلان ند فلان ومن أنداد فلان أي يضارعه ويماثله ولو في بعض الشؤون.
والأنداد الذين اتخذوا في جانب الله هم الذين خضع الناس لهم وصمدوا إليهم في بعض الحاجات، لمعنى يعتقده فيهم الخاضعون المخاطبون بترك الأنداد أولًا وبالذات، وهم مشركو العرب وأهل الكتاب، فالعرب كانت تسمي ذلك الخضوع والصمد عبادة إذ لم يكن عندهم وحي ينهاهم عن عبادة غير الله فيتحاموا هذا اللفظ"العبادة"ويستبدلوا به لفظ التعظيم أو التوسل مثلًا تأويلًا لظاهر نص التنزيل.
وأما أهل الكتاب الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أندادًا وأربابًا فكانوا يؤولون فلا يسمون هذا الاتخاذ عبادة ولا أولئك المعظمين آلهة أو أندادًا أو أربابًا.
وفرق بين الاتخاذ بالفعل والتسمية بالقول، والجميع متفقون على أنه لا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله وإنما كانوا يسمون دعاءهم غير الله والتقرب إليه توسلًا واستشفاعًا، ويسمون تشريعهم لهم العبادات وتحليلهم لهم المنكرات، وتحريمهم عليهم بعض الطيبات، فقهًا واستنباطًا من التوراة.
إلا أن من النصارى من لا يتحامون التصريح بعبادة السيدة مريم وبعض القديسين استعمالًا للفظ في مدلوله اللغوي.
وصور العبادة تختلف عند الأمم اختلافًا عظيمًا وأعلاها عند المسلمين الأركان الخمسة والدعاء.
وقالوا كل عمل غير محظور تحسن فيه النية لله تعالى فهو عبادة، كأن المعنى الذي يجعل جميع الأعمال عبادة هو التوجه إلى الله تعالى وحده وابتغاء مرضاته، ولها عند أهل الكتاب صور أخرى، والمؤولون يخصون هذه الصور بالله تعالى وإذا ابتدعوا صورة فيها معنى العبادة يسمونها باسم آخر يستحلونها بل يستحبونها به، ولكنهم لا يخرجون بالتسمية أو التأويل عن حيز من يتخذ من دون الله أندادًا كما ذكر الله عنهم في قوله ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ ولم يكن منهم سوى التوسل بهم والأخذ في الدين بقولهم تقليدًا لهم بدون فهم لما جاء على لسان الوحي كما صح ذلك عن رسول الله ، وقدماء الفرس جعلوا لله ندًا في الخلق والإيجاد فقالوا: إن للخير إلهًا هو الإله الأول، وإن للشر إلهًا يضاده، وليس النهي في الآية عن هذا الند الشريك لأن المخاطبين لا يدينون به كما قلنا وتدل عليه الآيات الكثيرة.
لذلك وصل النهي بقوله ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي والحال أنكم تعلمون أنه لا ند له لأنكم إذا سئلتم مَنْ خلقكم وخلق من قبلكم؟
تقولون الله، وإذا سئلتم من يرزقكم من السموات والأرض ومن يدبر الأمر؟
تقولون الله.
فلماذا تستغيثون إذن بغير الله وتدعون غير الله؟
ومن أين أتيتم بهذه الوسائط التي لا تضر ولا تنفع وادعيتم أنهم شفعاؤكم عند الله؟
ومن أين جاءكم أن التقرب والتوسل إلى الله يكون بغير ما شرعه من الدين حتى قلتم (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله)؟
يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم، وخلق وسطاءكم وشفعاءكم، وأعدكم جميعًا للتقوى، التي تقربكم إليه زلفى، وساوى بينكم أنواع المواهب إلا أنه خص الأنبياء عليهم السلام بالوحي ليعلموكم ما أخطأ نظركم ورأيكم فيه، فعليكم أن تهتدوا بما جاؤوا به فإن صد المرؤوسين عن ترك تقاليدهم واتباع الوحي من غير زيادة فيه ولا نقصان من خَوْفُهم الرؤساء فقد آثروا رؤساءهم على الله وجعلوهم له أندادًا، وإن صد الرؤساءَ عن هذا الاتباع توقعُ زوال المنفعة والجاه لدى المرؤوسين فقد اتخذوهم أندادًا، فالند هو المكافيء والمثل، وأنتم بترككم الحق لخوفهم ورجائهم تفضلونهم على الله تعالى وتجعلونه أقل الأنداد تعظيمًا، ففروا رحمكم الله إلى الله، ولا تخافوا غيره ولا ترجوا سواه، فعار على من يعرف الله، أن يؤثر رضاء أحد على رضاه، لا فرق بين رئيس ومرؤوس، وتابع ومتبوع، بل هذا لا يقع من مؤمن حقيقي لأن الله تعالى يقول ﴿ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قلنا إن الكلام من أول السورة في القرآن وتفصيل أحوال الناس في الإيمان به وعدمه، وهذه الآية دليل على عدم الخروج عن هذا الموضوع في كل ما تقدم، فالآيات متصل بعضها ببعض كحبات من الجوهر نظمت في سلك واحد، فإنه بعد ما ذكر المتقين الذين يهتدون بالقرآن، وعلاماتهم، وبين خصائصهم وصفاتهم، وذكر الجاحدين المعاندين، وما هم عليه من العمى عن جلية الحق المبين، وما رزئوا به من الصمم المعنوي حتى لا يسمعون الحجج والبراهين، وما أصيبوا به من البكم بالنسبة لقول الحق أو سؤال المرشدين، ثم ذكر المذبذبين بين ذلك فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وذكر فرقهم وأصنافهم، وبين خلائقهم وأوصافهم، وضرب لهم الأمثال، ونضلهم في ميدان الجدال، بسهام الحجج النافذة، وسيوف البراهين القاطعة - بعد هذا كله تحداهم بالكتاب الذي يدعو إليه ويناضل عنه ويكافح دونه ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ فقال: ﴿ وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾ أي يا أيها الناس عليكم بعد أن تنسلوا من مضيق الوساوس، وتتسللوا من مآزق الهواجس، وتنزعوا ما طوقكم به التقليد من القلائد، وتكسروا مقاطر ما ورثتم من العوائد، أن تهرعوا إلى الحق بذاته، فهذه آية من أظهر آياته، وهي عجزكم عن الإتيان بسورة مثل سور القرآن من رجل، أي مثل الذي جاءكم به، وهو عبدنا ورسولنا محمد ، وإن عجزتم عن الإتيان بسورة من مثله تساوي سورة في هدايتها، وتضارعها في أسلوبها وبلاغتها، وأنتم فرسان البلاغة، وعصركم أرقى عصور الفصاحة، وقد اشتهر كثيرون منكم بالسبق في هذا الميدان، ولم يكن محمد ممن يسابقكم من قبل في هذا الرهان، لأنه لم يؤت هذا الاستعداد بنفسه، ولم يتمرن عليه أو يتكلفه لمباراة أهله، فاعلموا أن ما جاء به بعد أربعين سنة فأعجزكم بعد سبقكم لم يكن إلا بوحي إلهي، وإمداد سماوي، لم يسم عقله إلى علمه، ولا بيانه إلى أسلوبه ونظمه.
وعبر عن كون الريب"بإن"للإيذان بأن من شأن هذا التنزيل أن لا يرتاب فيه، لأن الحق فيه ظاهر بذاته، يتلألأ نوره في كل آية من آياته، ولكن: إذا لم تكن للمرء عين صحيحة فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر والتنزيل من مادة النزول كالإنزال، وتقدم تفسيره، إلا أن صيغة (التفعيل) الدالة على التدريج أو التكثير، تفيد أن القرآن نزل نجومًا متفرقة، وهو الواقع، وصيغة أنزل لا تنفيه.
وقوله تعالى ﴿ مِنْ مِثْلِهِ ﴾ فيه وجهان: (أحدهما) أن الضمير في"مثله" للقرآن المعبر عنه بقوله ﴿ مِمَّا نَزَّلْنَا ﴾ .
(والثاني) أنه لعبدنا ..
وهو أرجح بدليل من الداخلة على"مثله"الدالة على النشوء، أي فإن كان أحد ممن يماثل الرسول بالأمية يقدر على الإتيان بسورة فليفعل، قال تعالى ﴿ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ ﴾ الذين يشهدون لكم أنكم أتيتم بسورة من مثله، وهؤلاء الشهداء هم غير الله تعالى بالضرورة، أي ادعوا كل من تعتمدون عليه ليشهد لكم ﴿ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ ، أو ادعوا كل أحد غير الله تعالى ليؤيد دعواكم كما أيد الله تعالى دعوة عبده ، وانظروا هل يغنيكم دعؤكم شيئًا ﴿ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ في دعواكم أن عندكم فيه ريبًا، وإنما يصدق المرتاب في ريبه إذا خفيت الحجة، وغلبت الشبهة، وكان جادًا في النظر، فهو يقول: إن كنتم صدقتم في أنكم مرتابون فلديكم ما يمحص الحق فجدوا في الفكر، ولا تتوانوا في النظر، وتدبروا هذا الكتاب وها هو ذا معروض عليكم، وأتوا بسورة واحدة من مثل هذا النبي الأمي، فإذا أمكن لكم ذلك فلخاطر الريب أن يمر بنفوسكم، وإلا فما وجه إعراضكم عن دعوته، وإبطائكم عن تلبيته؟
أي إذا تجردت نفوسكم وخلصت عقولكم مما أنتم عليه من التقاليد والأهواء، ونظرتم في القرآن نظر إنصاف، فلا يمكن أن يحوّم الريب حولكم، ولا أن يدنو الشك فيه منكم، ولو فرضنا أن طائفًا منه مس قلوبكم فإن أمام أعينكم ما يدفعه وهو إعجاز القرآن.
ثم قال تعالى ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا ﴾ الخ أي فإن لم تأتوا بسورة من مثله، وتجتثوا دليله من أصله.
وما أنتم بفاعلين، لأن هذا ليس في طاقة المخلوقين، فاتقوا النار التي أعدت لأمثالكم من الكافرين، الذين يجحدون الحق بعد البرهان المبين، وقوله تعالى ﴿ وَلَنْ تَفْعَلُوا ﴾ جملة معترضة بين الشرط وجوابه، وهي مقصودة هنا في ذاتها لما فيها من تقوية الدليل وتقرير عجزهم بما يثير حميتهم ويغريهم بتكلف المعارضة، ولا يمكن أن يصدر مثل هذا النفي الاستقبالي المؤكد أو المؤبد من عاقل كالنبي في أمر ممكن عقلًا لولا أن أنطقه الله الذي خصه بالوحي، وهو الذي يعلم غيب السموات والأرض، بأنه غير ممكن لأحد.
وعبر عن النفي وقوع الفعل منهم"بإن"التي يعبر بها عما يشك في شرطه، أو يجزم المتكلم بعدم وقوعه، ومقتضى القاعدة أن يكون الشرط هنا بإذا لأن المحقق أنهم لن يفعلوا كما صرحت به الآية، مع القطع بأن الله تعالى منزه عن الشك، ولكن القواعد التي تذكر في علم البلاغة قد ينظر فيها إلى حال المخاطب لا حال المتكلم، والمعول عليه هو ما يقصد المتكلم أن يبلغه من نفس المخاطب ويودعه في ذهنه، فههنا يخاطب الله المرتابين، والذين هم في جحودهم وعنادهم كالواثقين الموقنين، خطابًا يؤذن أوله بأن عدم الإتيان بما تحداهم به مشكوك فيه، ولازمه أن المعارضة جائزة منهم، وداخلة في حدود إمكانهم، خاطبهم بهذا مراعاة لظاهر حالهم التي تومئ إلى القدرة على المعارضة، وتشير إلى إمكان الإتيان بالسورة، ثم كر على هذا الإيذان، بل الإبهام، بالنقض، بلا تلبث أو تريث، وأبطل مراعاة الظاهر بل حولها إلى تهكم، بالنفي المؤكد الذي ذهب بذلك الذَّماء، واستبدل اليأس بالرجاء، كأنه يقول إن إعراضكم عن الإيمان، بعد سماع هذا القرآن، الذي أفاض العلوم على أمي لم يترب في معاهد العلم، وأظهر معجزات البلاغة على من لم يكن يعرف منه التبريز بها في نثر ولا نظم، يدل على أنكم تدعون استطاعة الإتيان بسورة من مثله وما أنتم بمستطيعين، ولو استعنتم عليه بجميع العالمين، ﴿ قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ .
كان يتحداهم بمثل هذه الآيات الصادعة التي تثير النخوة، وتهيج الغيرة، مع علو كعبهم في البلاغة ورسوخ عرقهم في أساليبها وفنونها، في عصر ارتقت فيه دولة الكلام، ارتقاء لم تعرف مثله الأيام، حتى كانوا يتبارون فيه ويتنافسون، ويباهون ويفاخرون، ويعقدون لذلك المجامع ويقيمون الأسواق، ثم يطيرون بأخبارهم في الآفاق، ومع هذا لم يتصد أحد منهم للمعارضة، ولم ينهض بليغ من مصاقعهم إلى المناهضة.
فلا شك أن الله قد رفع هذا الكلام إلى درجة لا يرقى البشر إليها، وهو تعالى جدّه العالم بمبلغ استطاعتهم، المالك لأعنة قدرتهم.
قال المتكلمون في بلاغة القرآن: إننا نجده لم يلتزم شيئًا مما كانوا يلتزمون بسجعهم وإرسالهم، ورجزهم، وأشعارهم، بل جاء على النمط الفطري، والأسلوب العادي، الذي يتسنى لكل إنسان أن يحذو مثاله، ولكنهم عجزوا فلم يأتوا ولن يأتي غيرهم بسورة من مثله، ثم نلاحظ أيضًا أن القرآن بهذا الأسلوب قد تحدى به كل من بلغه من العرب على تفرق ديارهم، وتنائي أقطارهم، وأرسل الرسول إلى الأطراف يدعو الناس إلى الإيمان به، فعمت الدعوة وبلغت مبلغًا، لم ينبر أحد للمعارضة كما قلنا.
ألا يدل هذا على نهاية العجز وعمومه وإحساس كل بليغ بالضعف في نفسه عن الانبراء لمباراته، والتسامي لمحاكاته، وعلى أن الله تعالى جعله فوق القُدَر، خارقًا لما يعتاد من كسب البشر؟
بلى، وإن لهذا الإعجاز وجهين: أحدهما -كونه معجزًا بذاته لأنه في مرتبة لا يمكن لبشر أن يرتقي إليها.
وثانيهما -أنه جاء على لسان أمي لبث أربعين سنة لم يوصف بالبلاغة ولم يؤثر عنه شيء من العلم.
وقد ذكروا وجوهًا أخرى للإعجاز ينطوي عليها القرآن منها قوله هنا ﴿ وَلَنْ تَفْعَلُوا ﴾ بناء على أن المخبر هو الله تعالى عالم الغيب وما يكون في المستقبل.
ومن فائدة هذا القول في عهد نزوله، وقبل ظهور تأويله، أن قرعه لسمع من لا يؤمن بالغيب يقتضي أشد التحريض على المعارضة التي يظهر بها العجز ويقوم البرهان، بالإعجاز المقتضي للإيمان لولا مكابرة المستكبرين لوجدانهم، وجحود ألسنتهم لما استيقنته قلوبهم، ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ ، وأما من يؤمن بالغيب ويعتقد الخوارق فما عليه إلا أن ينتهي إلى عجزه ويبادر إلى الإيمان به وبرسالة من أنزل عليه، للعلم القطعي بأنه لا يمكن لعاقل أن يجزم بذلك إلا إذا كان مطلعًا على الغيب، فهو خبر عن الله .
ثم قال تعالى مخاطبًا للفريقين بعد تسجيل العجز عليهم: ﴿ فَاتَّقُوا النَّارَ ﴾ وهي موطن عذاب الآخرة، نؤمن بها لأنها من عالم الغيب الذي أخبر الله تعالى به، ولا نبحث عن حقيقتها ولا نقول إنها شبيهة بنار الدنيا ولا إنها غير شبيهة بها، وإنما نثبت لها جميع الأوصاف التي وصفها كما في قوله تعالى بها كقوله ﴿ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ المراد بالحجارة الأصنام كما في قوله تعالى ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ ، ولا يسبقن إلى الفهم أنها لا توجد إلا بوجود الناس والحجارة إذ يصح أن يكونوا وقودها بعد وجودها.
والوقود بالفتح ما توقد به النار، وبالضم مصدر وقد، وسمع المصدر بالفتح أيضًا.
وقال بعضهم في تفسير (وقودها): إن الناس بأعمالهم وعبادة بعضهم بعضًا وانحرافهم عن صراط الحق المستقيم، والحجارة بعبادة الناس لها - سببان في إيجاد النار وإعدادها لهم، فبذلك كانوا كالوقود الذي تضرم به النار، وفي الكلام تقديم السبب وهو الناس والحجارة على المسبب وهو قوله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ وبهذا التفسير يظهر الحصر في جملة ﴿ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ فإنها اسمية مُعَرَّفة الطرفين، وخص الحجارة بالذكر لأنها أظهر المعبودات عند العرب.
والمراد بالكافرين الذين لا يجيبون دعوة الأنبياء عليهم السلام والذين ينحرفون عن أصولها بعد الأخذ بها لبدع يبتدعونها، وتقاليد يحدثونها، وتأويلات يلفقونها.
فهؤلاء هم الذين أعدت وهيئت النار لهم لأنهم الذين يستحقون الخلود فيها، ومن وردها ورودًا وانتهى إلى موطن آخر فذلك الموطن هو الذي أعد له.
وليس بعد الدنيا موطن إلا الجنة جعلنا الله من أهلها بالتوفيق للتقوى، أو النار نعوذ بالله منها ومما يقرب إليها من قول وعمل.
<div class="verse-tafsir"
لما بين تعالى في الآية السابقة ما أعده للكافرين الذين قامت عليهم الحجة فجحدوا بها، أراد أن يبين في هذه الآية نصيب مقابل هؤلاء وهم الذين ظهر لهم الدليل فآمنوا، ولاح لهم نور الهداية فاهتدوا، فالكلام متصل بعضه ببعض ولذلك عطف الجملة على ما قبلها، لأنها متممة لفائدتها، إذ لا بد بعد بيان جزاء الكافرين، من بيان جزاء المؤمنين، والإرشاد ترهيب وترغيب، والخطاب يصح أن يكون للنبي خاصة، وأن يكون عامًا لكل من يسمع الأمر من أهله، وقالوا إن الأخير هو المعروف في لسان العربوالمفهوم عندهم من أمثال هذا الخطاب كقوله تعالى ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي ﴾ وقوله ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً ﴾ فهو في عمومه جار مجرى الأمثال، والمخاطب الأول به هو الرسول على كل حال.
قال تعالى ﴿ وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ولم يذكر بماذا آمنوا لأن متعلق الإيمان كان معروفًا عند المخاطبين وهو الله تعالى وصفاته التي ورد بها النقل الصريح، وأثبتها العقل الصحيح، والوحي ومن جاء به، والبعث والجزاء.
فهذه هي الأصول التي كان يدعو إليها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن صدقهم فيها كان مؤمنًا ويصدق بما يتبع ذلك من التفصيل...
ولا بد في تحقق الإيمان من اليقين، ولا يقين إلا ببرهان قطعي لا يقبل الشك والارتياب، ولا بد أن يكون البرهان على الألوهية والنبوة عقليًا، وإن كان الإرشاد إليها سمعيًا، ولكن لا ينحصر البرهان العقلي المؤدي إلى اليقين في تلك الدلة التي وضعها المتكلمون، وسبقهم إلى كثير منها الفلاسفة الأقدمون، وقلما تخلص مقدماتها من خلل، أو تصح طرقها من علل، بل قد يبلغ أمي علم اليقين بنظرة صادقة في ذلك الكون الذي بين يديه، أو في نفسه إذا تجلت بغرائبها عليه، وقد رأينا من أولئك الأميين، ما لا يلحقه في يقينه آلاف من أولئك المتفننين، الذين أفنوا أوقاتهم في تنقيح المقدمات وبناء البراهين، وهو أسوأ حالًا من أدنى المقلدين.
فإطلاق الإيمان، وذكر المؤمنين وما أعدَّ لهم، من غير وصله بذكر المُؤمَن به، معهود في القرآن، لأن المتعلق معلوم للسامعين كما قلنا، وهو بالنسبة لمن لم يؤمنوا بما دعاهم إليه النبي إجمالًا من الأصول، وأما المؤمنون فقد عرفوه مفصلًا تفصيلًا.
ثم وصف المؤمنين الذين يستحقون البشارة بقوله ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ وأطلق في هذا أيضًا كما أطلق في كثير من الآيات لأن العمل الصالح معروف عند الناس بالإجمال، وذلك كاف في الترغيب فيه وجعله تابعًا للإيمان متصلًا به، ولازمًا من لوازمه، وبيَّن الأعمال الصالحة بالتفصيل في آيات كثيرة كقوله تعالى ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ﴾ إلخ وكالآيات في أول سورة ﴿ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ وآخرها وآخر سورة الفرقان وأوائل سورة المعارج وغير ذلك.
كأن الله تعالى يقول عن العمل الصالح معروف عند الناس لأنه أودع في نفوسهم ما يميزون به بين الخير والشر،ولكن بعضهم يضل بانحراف يطرأ على نفسه فيخرجها عن الاعتدال الفطري، ثم يضل بضلاله آخرون فتكون التقاليد والعادات الناشئة عن هذا الضلال هي الميزان عند الضالين في معرفة الصلاح والفساد والخير والشر لا أصل الهداية الفطرية، ولذلك قال "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" يعني أن الإنسان لو ترك ونفسه لاهتدى إلى الحق ما دام بعيدًا عن التقاليد والعادات.
وقد بلغ فساد الطباع وانحراف الفطرة في بعض الأمم مبلغًا كادوا يخرجون به عن طور البشر كمتنطعي البراهمة إذ ذهبوا إلى أن كمال الأرواح وسعادتها إنما هو في تعذيب الأبدان وحرمانها من لذاتها، ولذلك جدوا في البعد عن اللذات الجسمانية بأنواعها فمالوا عن سنن الاعتدال، ومنوا أبدانهم وعقولهم بالفساد والاعتلال، وكبعض كفرة العرب وطائفة من البراهمة إذ زعموا أنه لا خير إلا في اللذة البدنية ولا شر إلا في الألم الجسداني، فالسعادة والكمال عندهم في البعد عن الآلام البدنية، والتمتع بالشهوات الحسية، فمثل هؤلاء المرضى النفوس المحرومين من الكمال الروحي والعقلي كمثل من غلبت عليه الصفراء فصار يذوق الحلو مرًا، وإن من المرضى من يشتهي في طور النقه ما لا يشتهي في حال الصحة والاعتدال، وكذلك الحبالى في مدة الوحم.
سرى الجبناء أن الجبن حزم وتلك الخديعة الطبع اللئيم فالخير والرذيلة والصلاح والفساد والحق والباطل والفضيلة والرذيلة كل ذلك معروف في الجملة حتى عند الأشرار ولذلك يدعون الخير والصلاح وينكرون ما هم عليه فإطلاق القول بذكر الأعمال الصالحات ليس مبهمًا عندهم، ولا خطابًا بغير مفهوم، وإنما يحتاج معتل الفطرة إلى التفصيل في ذلك، وذكر الأمارات والدلائل التي تميز بين الصالحين والفاسقين، والمحقين والمبطلين، ولهذا نزلت آيات البيان والتفصيل التي أشرنا إلى بعضها آنفًا، وبها ينقطع تلبيس الأغبياء، واعتذار الجهلاء، وحق القول بأن الذي يستحق هذه البشارة هو من جمع بين الإيمان والعمل الصالح الذي ترشد إليه الفطرة السليمة، ويهدي إلى تحديده الكتاب العزيز وسنة الرسول المتبعة.
بشرهم ﴿ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ﴾ ورد لفظ الجنة والجنات كثيرًا في مقابلة النار، والجنة في اللغة البستان والجنات جمعها، وليس المراد بهما مفهومهما اللغوي فقط وإنما هما دار الخلود في النشأة الآخرة، فالجنة دار الأبرار والمتقين، والنار دار الفجار والفاسقين، فنؤمن بهما بالغيب ولا نبحث في حقيقة أمرهما، ولا نزيد على النصوص القطعية فيهما شيئًا لأن عالم الغيب لا يجري فيه القياس.
ومما وصف الله تعالى به الجنات قوله ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ﴾ والمناسبة ظاهرة فإن البساتين حياتها بالأنهار..
وهل سميت دار النعيم جنة وجنات على سبيل التشبيه وذكرت الأنهار ترشيحًا له أم سميت بذلك لأنها مشتملة على الجنات تسمية للكل باسم البعض؟
الله أعلم بمراده.
ألمْ تر إلى ربك كيف ذكر من شأن أهل تلك الجنات فيها أنهم ﴿ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ﴾ كلمة "من" الأولى للابتداء والثانية للتبعيض، أي رزقوا من الجنات رزقًا من بعض ثمارها ﴿ قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ أي هذا الذي وعدنا به في الدنيا جزاء على الإيمان والعمل الصالح، فهو كقوله تعالى ﴿ وقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وعْدَهُ وأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾ وذهب "الجلال" وغيره إلى اختيار أن معناه تشبيه ثمرات الآخرة بثمرات الدنيا لأنها مثلها في اللون والشكل والرائحة وإن كانت تفضلها في الطعم واللذة فقوله تعالى ﴿ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ﴾ بيان لسبب القول على هذا التفسير، أي أتوا بما ذكر من الرزق في الدنيا والآخرة متشابهًا بعضه يشبه بعضًا، ومحصلة أنهم عندما يؤتون برزق الجنة يبادرون إلى الحكم بأنه غير ما وعدوا به وأنه عين رزق الدنيا، لأن التشابه يكون سبب الاشتباه عليهم، ولكنهم يعرفون الفرق بعد ذلك بالطعم لأن فرقًا عظيمًا بين لذة رزق الدنيا ورزق الجنة.
والتعبير بكلما ينافي هذا التفسير لأن الاشتباه إنما يكون في المرة الأولى، ثم يعرفون التفاوت معرفة تذهب به وتمنع من الحكم بأن هذا عين ذاك، أما بالنسبة لأفراد النوع الواحد من الثمار فبالاختبار، وأما بالنسبة لما بعد النوع الأول من الأنواع فبالقياس عليه.
وما ذهب إليه "الجلال" مناف للبلاغة في المعنى أيضًا لأن تشابه رزقي الدنيا والآخرة في الألوان والروائح واختلافه في الطعم فقط ليس فيه كبير تشويق لأن اللذة في التنقل، ثم إن أطوار الجنة مخالفة لأطوار الدنيا، والتشويق للناس إنما يكون بحسب ما عهدوا واعتادوا وألفوا.
وإننا نعلم أن الأمل في الدنيا لأجل حفظ البنية من الانحلال، ولا انحلال في دار الخلد والبقاء، فلا بد أن يكون الأكل والشرب هناك على ما ورد لحكمة أخرى، أو هو لتحصيل لذة لا نعرفها لأنها من أحوال عالم الغيب، وإنما نؤمن بما ورد ونفوض أمر حقيقته وحكمته إلى الله تعالى، وما ورد أنه لذة أعلى من لذات الدنيا.
وذهب بعض المفسرين إلى ما قلناه أولًا من أن ذلك الرزق هو عين ما وعدوا به جزاء على أعمالهم فكلما رزقوا ثمرة منه يذكرون الوعد الإلهي شكرًا لله على توفيقهم لذلك العمل الذي له أعد هذا الجزاء كما تفيده آية ﴿ وقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ التي ذكرناها آنفًا، فهو من قبيل ارتباط الموعود به بالموعود عليه كأن الأعمال عين الجزاء ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ومَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَهُ ﴾ وقوله تعالى بعد ذلك ﴿ وأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ﴾ تأكيد وتقرير لما تضمنه قولهم وهذا هو الراجح، وهنالك قول ثالث وهو أن رزق الجنة وثمرها يتشابه على أهلها في صورته، ويختلف في طعمه ولذته، وهو المتبادر من اللفظ.
ثم قال ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ أي مبالغ في تطهيرهن وتزكيتهن فليس فيهن ما يعاب من خبث جسدي، حتى ما هو في الدنيا طبيعي كالحيض والنفاس، ولا نفسي كالمكر والكيد وسائر مساوئ الأخلاق، لأنهن طهرن كل نوع من أنواع الطهور.
ونساء الجنات من المؤمنات الصالحات وهن المعروفات في القرآن بالحور العين، وصحبة الأزواج في الآخرة كسائر شؤونها الغيبية نؤمن بما أخبر به الله تعالى منها لا نزيد فيه ولا ننقص منه، ولا نبحث في كيفيته، وإنما نعرف بالإجمال أن أطوار الحياة الآخرة أعلى وأكمل من أطوار الحياة الدنيا كما تقدم، ونحن نعلم أن الحكمة في لذة الأزواج بالمصاحبة الزوجية المخصوصة هي التناسل وإنما النوع، ولم يرد أن في الآخرة تناسلًا، فلا بد أن تكون لذة المصاحبة الزوجية هناك أعلى، وحكمتها أسمى.
وإننا نؤمن بها ولا نبحث في حقيقتها كما تقدم في بحث رزق الجنة.
ثم قال ﴿ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ الخلود في اللغة طول المكث ومن كلامهم خلد في السجن كما في الأساس، وفي الشرع الدوام الأبدي أي لا يخرجون منها ولا هي تفنى بهم فيزولوا بزوالها وإنما هي حياة أبدية لا نهاية لها، وفقنا الله لما يجعلنا من خيار أهلها من العلوم الصحيحة، والأعمال الصالحة، التي ترتقي بها الأرواح، وتستعد لذلك الفلاح.
<div class="verse-tafsir"
الآيات متصلة بما قبلها لم يختلف النظم ولم يخرج الكلام عن الموضوع الأصلي وهو الكتاب الذي لا ريب فيه، وحال الناس في الإيمان به وعدم الإيمان، ولا فصل في صحة هذا الوصل بين أن يكون الكلام ردًا على اليهود الذين أنكروا ضرب الأمثال بالمحقرات كالذباب والعنكبوت كما يروى عن ابن عباس، أو ردًا على المنافقين الذي أنكروا الأمثال في الآيات السابقة بمستوقد النار والصيب من السماء زاعمين أنه لا يليق بالله ضرب الأمثال، أو يكون المراد بالمثل القدوة تقريرًا لنبوة النبي .
أما على الأول فيقال إنه إنما نص هنا على نفي الاستحياء من ضرب أي مثل، ولم يذكر ذلك هناك عند تمثيل الأولياء الذين اتخذوهم من دون الله بالذبابات والعنكبوت لأن المقام هنا مقام ذكر الاعتراض الموجه على القرآن، فيكون هذا مقام رد شبه المكابرين عنه، وأما على الثاني والثالث فهو أظهر، على أنه لا حاجة في فهم الآية إلى ما قالوه في سببها، فإن لم تكن ردًا لما قيل فهي رد لما قد يقال، أو يجول في خواطر أهل المكابرة والجدال، والمجاحدة والمحال.
والاستحياء قال صاحب الكشاف إنه من الحياء وهو انكسار وتغير في النفس يلم بها إذا نسب إليها أو عرض لها فعل تعتقد قبحه، وفي الحالة الثانية يكون مانعًا من الفعل الذي يعرض، يقال فلان يستحي أن يفعل كذا، أي أن نفسه تنكسر فتنقبض عن فعله، ويقال إنه استحيا من عمل كذا، أي إن نفسه انفعلت وتألمت عندما عرض عليه عمله فرآه سيئًا أو نقصًا.
ويقال حيي بهذا المعنى كأنه أصيب في حياته، كما يقال نسي إذ أصيب في نَساه- هو عرق يسمونه عرق النسا بفتح النون- وحشي إذا أصيب في حشاه.
وقالوا إن الحياء ضعف في الحياة بما يصيب موضعها وهو النفس، فمعنى عدم استحياء الله تعالى لأنه لا يعرض له ذلك الانكسار والانفعال، ولا يعتريه ذلك التأثر والضعف فيمتنع من ضرب المثل، بل هو يضرب من الأمثال الهادية والمطابقة لحال الممثل به ما يعلم أنه يجلي الحقائق ويؤثر في القلوب.
ولكن صاحب الكشاف وغيره أرادوا أن يجعلوا الآية دليلًا على اتصاف الله تعالى بالحياء، فقالوا إن النفي خاص، ومثله إذا ورد على شيء يدل على أن ذلك الشيء قابل للاتصاف بالمنفى، فمن لا قدرة له على شيء ينفى عنه، لا تقول إن عيني لا تسمع وأذني لا ترى، وقالوا إن معنى نفي الاستحياء هو أن الله تعالى لا يرى من النقص أن يضرب مثلًا بعوضةً فما دونها لأنه خالق كل شيء، وقد ورد في الحديث نسبة الحياء إلى الله تعالى، والنافون له يؤولون ما ورد بأثره وغايته.
والمثل في اللغة الشبه والشبيه وضربه عبارة عن إيقاعه وبيانه، وهو في الكلام أن يذكر الحال من الأحوال ما يناسبها ويشابهها ويظهر من حسنها أو قبحها ما كان خفيًا، ولما كان المراد به بيان الأحوال كان قصة وحكاية، واختير له لفظ الضرب لأنه يأتي عند إرادة التأثير وهيج الانفعال، كأن ضارب المثل يقرع به أذن السامع قرعًا ينفذ أثره إلى قلبه، وينتهي إلى أعماق نفسه، ولكن في الكلام قلبًا حيث جعل المثل هو المضروب وإنما هو مضروب به.
وإذا كان الغرض التأثير فالبلاغة تقضي بأن تضرب الأمثال لما يراد تحقيره والتنفير عنه بحال الأشياء التي جرى العرف بتحقيرها، واعتادت النفوس النفور منها، ومثل هذا لا يخفى على بليغ، ولا على عاقل أيضًا، ولذلك قال بعضهم: إن المنكرين لم يروا في القرآن شيئًا يعاب فتحملوا بقولهم هذا: كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدًا وبغضًا إنه لدميم وجروا في ذلك على عادة المتحذلقين المتكيسين إذ يتحامون ذكر الألفاظ التي مدلولاتها حقيرة في العرف، وإذا اضطروا لذكرها شفعوها بما يشفع لها كقولهم "أجلكم الله"، وإذا كان شأن المثل ما ذكرنا وكان ذكر الأشياء التي ينفر منها من ذكرنا في الأمثال التي يراد منها التنفير، هو الأبلغ في التأثير الذي هو روح البلاغة وسرها، وكان قوله تعالى ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ مبينًا لشأن من شؤون كماله في كتابه العزيز، وقاضيًا على الذين يتحامون ذكر البعوضة وأمثالها بنقص العقل، وخسران ميزان الفضل، والمراد بما فوق البعوضة ما علاها وفاقها في مرتبة الصغر ومنها جنة النسم (الميكروبات) التي لا ترى إلا بالنظارات المكبرة (ميكرسكوب) وكانوا يضربون المثل بمخ النملة، وفي كلام بلغائهم: أسمع من قراد، وأطيش من فراشة، وأعز من مخ البعوضة.
والمعنى إن الله تعالى لا يترك ضرب مثل ما من الأمثال حياء منه سواء كن بعوضة أو أصغر منها حجمًا، وأقل عند الناس شأنًا.
ثم ذكر تعالى أن الناس في ذلك فريقان ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ لأنه ليس نقصًا في حد ذاته، وقد جاء في كلامه تعالى، فهو ليس نقصًا في جانبه، وإنما هو حق لأنه مبين للحق ومقرر له، وسائق إلى الأخذ به، بما له من التأثير في النفس وذلك أن المعاني الكلية للذهن مجملة مبهمة فيصعب عليه أن يحيط بها وينفذ فيها فيستخرج سرها والمثل هو الذي يفصل إجمالها، ويوضح إبهامها، فهو ميزان البلاغة وقسطاسها، مشكاة الهداية ونبراسها، ورحم الله تعالى عبد القاهر الجرجاني إمام البلاغة والواضع الأول لعلمي المعاني والبيان، ومؤلف (أسرار البلاغة) و(دلائل الإعجاز) لتحقيق إعجاز القرآن، حيث قال في كتابه الأول: "واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبهة، وكسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشب من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفًا، وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفًا".
"فإن كان مدحًا كان أبهى وأنبل في النفوس وأعظم، وأهز للعطف، وأسرع للإلف، وأجلب للفرح، وأغلب على الممتدح، وأوجب شفاعة للمادح، وأقضى له بغرر المواهب والمنائح، وأسير على الألسن وأذكر، وأولى بأن تعلقه القلوب وأجدر".
"وإن كان ذمًا كان مسه أوجع، وميسمه ألذع، ووقعه أشد، وحده أحد".
"وإن كان حجاجًا كان برهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبيانه أبهر".
"وإن كان افتخارًا كان شأوه أبعد، وشرفه أحد، ولسانه ألد".
"وإن كان اعتذارًا كان إلى القبول أقرب، وللقلوب أخلب، وللسخائم أسل، ولغَرْب الغضبأقل، وفي عقد العقود أنفث، وعلى حسن الرجوع أبعث".
"وإن كان وعظًا كان أشفى للصدر، وأدعى إلى الفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر، وأجدر بأن يجلي الغيابة، ويبصر الغاية، ويبرئ العليل، ويشفي الغليل..."إلخ.
﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فيجادلون في الحق بعد ما تبين، ويمارون بالبرهان وقد تعين، فيخرجون من الموضوع، ويُعْرِضون عن الحجة، ويتتبعون الكلم المفردة، حتى إذا ظفروا بكلمة لا يستعذبها ذوق المتطرفين، ولا تدور على ألسنة المتكلفين، أظهروا العجب منها، وطفقوا يتساءلون عنها ﴿ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً ﴾ ولو أنصفوا لعرفوا، ولكنهم ارتابوا في الحق فانصرفوا، ﴿ وكَانَ الإنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ﴾ يذهب به جدله إلى قياس رب العالمين، بمتنطعي المتأدبين، وينكر على ربه المثل والقياس، ولا ينكره على نفسه وعلى الناس.
قال تعالى في جوابهم ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ أي يضل بالمثل أو بالكلام المضروب فيه المثل أولئك الذين يجعلونه شبهة على الإنكار والريب، ويهدي به الذين يقررون الأشياء بغاياتها، ويحكمون عليها بحسب فائدتها.
وأنفع الكلام ما جلى الحقائق، وهدى إلى أقصد الطرائق، وساق النفوس، بقوة التأثير، إلى حسن المصير ﴿ وتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ومَا يَعْقِلُهَا إلاَّ العَالِمُونَ ﴾ فهؤلاء العالمون هم المؤمنون الذين يعلمون أنه الحق من ربهم وهم المهديون به، وأما الذين قالوا ﴿ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ ﴾ إلخ، أي الذين ينكرون المثل لكفرهم فهم الضالون به، وقد بين شأنهم بقوله تعالى ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلاَّ الفَاسِقِينَ ﴾ فعرفت علة ضلالهم وهي الفسوق، أي الخروج عن هداية الله تعالى في سننه في خلقه، التي هداهم إليها بالعقل والمشاعر، وبكتابه بالنسبة إلي الذين أُوتوه، وليس المراد بالفاسقين ما هو معروف في الاصطلاحات الشرعية وهم العصاة بما دون الكفر من المعاصي فإنه لا يصح هنا، وتلك الاصطلاحات حادثة بعد التنزيل، وقد كان التعبير مشعرًا بأن المثل هو منشأ الإضلال والهداية بذاته، فنفى ذلك بهذه الجملة ليبين أن منشأ الضلال راسخ فيهم وفي أعمالهم وأحوالهم.
ثم إن الآية تشعر بأن المهتدين في الكثرة كالضالين، مع أن هؤلاء أكثر، وكأن الحكمة في التسوية إفادة أن المؤمنين المهديين على قلتهم أجل فائدة وأكثر نفعًا وأعظم آثارًا من أولئك الكفار الفاسقين الضالين على كثرتهم لأن المؤمنين كما قيل: "قليل إذا عدوا كثير إذا شدوا" ولذلك جعل الواحد في القتال بعشرة في حال القوة والعزيمة، وباثنين في حال الضعف، قيل هو ضعف البدن، وقيل بل ضعف البصيرة، ولقد كان من أثر ذلك العدد القليل، من المؤمنين الأولين، أن سادوا جميع العالمين.
لم أر أمثال الرجال تفاوتًا إلى المجد حتى عد ألف بواحد إن الكرام كثير في البلاد وإن قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا وأما وجه تقديم الإضلال على الهداية فلأن سببه ومنشأه من الفكر متقدم في الوجود، وإنما جاءت الآيات المبينة بالأمثال لإخراجهم مما كانوا فيه من ظلمات الباطل إلى نور الحق، فزادت الفاسقين رجسًا على رجسهم، لأن نور الفطرة قد انطفأ من أنفسهم، بتماديهم في نقض العهد، وقطع الوصل والإفساد في الأرض، كما في الآية التالية لهذه- ﴿ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ إلخ.
وقد علم بما ذكرنا أن في الآية لفًا ونشرًا غير مرتب، فإن الضلال ذكر أولًا وهو للفريق الثاني، والهدى ذكر آخرًا وهو للفريق الأول.
هذا وإن ما تقدم في ضرب المثل وضلال قوم به وهداية آخرين، هو مبني على أن المراد به المثل الكلامي كما عليه الجمهور، أخذًا مما ورد في سبب النزول، وتقدم عن بعضهم أن المراد بالمثل في الآية القدوة الذي يؤتم به ويهتدى بهديه، وهذا المعنى للمثل معروف، وقد نطق به القرآن في قوله تعالى ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا ومَثَلاً لِّلآخِرِينَ ﴾ وقوله تعالى ﴿ ولَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ وقال فيه ﴿ إنْ هُوَ إلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إسْرَائِيلَ ﴾ فهذه الآية تهدينا إلى فهم قوله تعالى ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا ﴾ وأن المراد به دحض شبهة الذين أنكروا نبوة النبي و للَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ صلاحيته لأن يكون مثلًا يقتدى به، وهي أنه بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وهم المشركون، والذين أنكروا أن يكون من العرب، وهم اليهود.
وقد حكى هذه الشبهة عنهم في آيات كثيرة كأنهم يقولون: إذا كان بشرًا مثلنا فكيف يدعي أنه رسول من الله يجب اتباعه، ومثل كامل ضرب للاقتداء به؟
﴿ أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا ﴾ ولأي شيء لم يرسل الله مَلَكًا؟
ومنهم من قال ﴿ لَوْلا أُنزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴾ ، وقد أقام الله الحجة على هؤلاء بقوله ﴿ وَإن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ﴾ إلخ، وأتبعها بوعيد من أعرض عن الإيمان بعد قيام البرهان وهم الكافرون، وبشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم المؤمنون، وبعد تقرير الحجة وهي تحديهم بسورة من مثله كر على شبهتهم بالنقض وهي استبعاد أن يكون بشر رسولًا من عنده، ومحصله أن الله تعالى خالق كل شيء فيجعل ما شاء من المنفعة والفائدة فيما شاء ومن شاء من خلقه، ويضربه مثلًا للناس يهتدون به، وليس هذا نقصًا في جانب الألوهية، فيستحيي من ضربها مثلًا، بل من الكمال والفضل أن يجعل من المخلوقات الضعيفة والمحتقرة في العرف كالبعوض فوائد ومنافع، فكيف يستنكر أن يجعل من الإنسان الكامل الذي كرمه وخلقه في أحسن تقويم مثلًا وإمامًا يقتدي به قومه ويهتدون بهديه؟
وبقية الكلام في الآية على هذا الوجه في معنى المثل هو نحو ما تقدم تقريره، أو ظاهر منه أتم الظهور، فإن الذين آمنوا يعلمون أن هذا الإمام الذي نصبه للناس، مهما يكن ضعيفًا قبل أن يقويه ببرهانه، هو الحق الذي ثبت تأييده من ربهم، والكافرون يقولون لمَ لمْ يبعث إلى الناس من هو خير منه في نظرهم؟
وماذا يريد بأن يجعل لهم قدوة في أضعفهم وأهونهم؟
وهكذا تقول في قوله: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ﴾ إلخ.
وقد عهد من أهل البصيرة الاقتداء بالحيوانات والاستفادة من خصالها وأعمالها، ويحكى عن بعض كبار الصوفية أنه قال: تعلمت المراقبة من القط، وعن بعض حكماء المسلمين أنه قرأ كتابًا نحوًا من ثلاثين مرة فلم يفهمه فيئس منه وتركه فرأى خنفسة تتسلق جدارًا وتقع فعد عليها الوقوع فزاد على ثلاثين مرة ولم تيأس حتى تمكنت بعد ذلك من تسلقه والانتهاء إلى حيث أرادت، فقال: لن أرضى أن تكون هذه الخنفساء أثبت مني وأقوى عزيمة، فرجع إلى الكتاب فقرأه حتى فهمه.
ويقال إن" تيمورلنك" كانت تحدثه نفسه بالملك من أول نشأته، على ما كان من فقره ومهانته، فسرق مرة غنمًا-"وكان لصًا"- ففطن له الراعي فرماه بسهمين أصابا كتفه ورجله فعطلاهما، فأوى إلى خربة وجعل يفكر في مهانته ويوبخ نفسه على طعمها في الملك، ولكنه رأى نملة تحمل تبنة وتصعد إلى السقف وعندما تبلغه تقع ثم تعود وظلت على ذلك عامة الليل حتى نجحت في الصباح، فقال في نفسه والله لا أرضى بأن أكون أضعف عزيمة وأقل ثباتًا من هذه النملة، وأصر على عزمه حتى صار ملكًا وكان من أمره ما كان.
<div class="verse-tafsir"
وصف الضالين بالفسوق ثم بين من حال فسوقهم نقض العهد الموثق، وقطع ما يجب أن يوصل، والإفساد في الأرض، وسجل بذلك عليهم الخسران وحصرهم في مضيقه، بحيث لا يسلم منه إلا من رجع عن فسوقه.
العهد هنا لفظ مجمل لم يتقدم الآيات ما يشعر به، ولم يتل فيما تلاها ما يبينه، وكذلك ما أمر الله به أن يوصل، ليس في سابق الآيات ولا في لاحقها ما يفسره ويبين المراد منه، فما المعنى الذي يتبادر منها إلى أفهام المخاطبين، ويصح أن يؤخذ من حال أولئك الفاسقين، الذين أنكروا على الله أن يضرب مثلًا يقتدى به من البشر أو من العرب، أو الذين أنكروا الوحي لمجيء الأمثال القولية فيه بما يعد حقيرًا من المخلوقات في عرف المتكبرين والمتطرفين منهم؟
دل ذكر العهد والسكوت عما يفسره، وإطلاق ما أمر الله به أن يوصل بدون بيان ما يفصله، على أن الله تعالى ما وصفهم إلا بما هم متصفون به، ولا حاجة إلى بيان المجمل بالقول إذا كان الوجود قد تكفل ببيانه، والواقع قد فسره بلسانه، يرشد إلى فهم العهد الإلهي هنا ما قلناه في معنى الفسوق فإن الفاسقين هم ﴿ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ ، فإذا كان معنى الفسوق الخروج عن سنن الله تعالى في خلقه التي هداهم إليها بالعقل والمشاعر، وعن هداية الدين بالنسبة إلى الذين أوتوه خاصةً، فعهد الله تعالى هو ما أخذهم به يمنحهم ما يفهمون به هذه السنن المعهودة للناس بالنظر والاعتبار، والتجربة والاختبار، أو العقل والحواس المرشدة إليها، وهي عامة، والحجة بها قائمة على كل من وهب نعمة العقل وبلغ سن الرشد سليم الحواس، ونقضه عبارة عن عدم استعمال تلك المواهب استعمالًا صحيحًا حتى كأنهم فقدوها وخرجوا من حكمها، كما قال تعالى ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ولَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا ولَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ ﴾ وكما قال فيهم أيضًا ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴾ .
هذا هو القسم الأول من العهد الإلهي، وهو العام الشامل، والأساس للقسم الثاني المكمل الذي هو الدين، فالعهد فطري خلقي، وديني شرعي، فالمشركون نقضوا الأول، وأهل الكتاب الذين لم يقوموا بحقه نقضوا الأول والثاني جميعًا، وأعني بالناقضين من أنكر المثل من الفريقين.
والميثاق اسم لم يُوَثَّق به الشيء ويكون محكمًا يعسر نقضه، والله تعالى قد وثق العهد الفطري بجعل العقول بعد الرشد قابلة لإدراك السنن الإلهية في الخلق، ووثق العهد الديني بما أيد به الأنبياء من الآيات البينات، والأحكام المحكمات، وقد وثق العهد الأول بالعهد الثاني أيضًا، فمن أنكر بعثة الرسل ولم يهتد بهديهم فهو ناقض لعهد الله فاسق عن سننه في تقويم البنية البشرية وإنمائها، وإبلاغ قواها وملكاتها حد الكمال الإنساني الممكن لها.
وأما قوله ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ ففيه من الإجمال نحو ما في نقض العهد، وليس هو بمعناه على طريق التأكيد، وإنما هو وصف مستقل جاء متممًا لما سبقه.
وهذا الأمر نوعان: أمر تكوين وهو ما عليه الخلق من النظام والسنن المحكمة، وقد سمى الله تعالى التكوين أمرًا مما عبر عنه بقوله ﴿ كُن ﴾ .
وأمر تشريع وهو ما أوحاه إلى أنبيائه وأمر الناس بالأخذ به، ومن النوع الأول ترتيب النتائج على المقدمات، ووصل الأدلة بالمدلولات، وإفضاء الأسباب إلى المسببات، ومعرفة المنافع والمضار بالغايات، فمن أنكر نبوة النبي بعد ما قام الدليل على صدقه، أو أنكر سلطان الله على عباده بعد ما شهدت له بها آثاره في خلقه، فقد قطع ما أمر الله به أن يوصل بمقتضى التكوين الفطري- وكذلك من أنكر شيئًا مما علم أنه جاء به الرسول.
لأنه إن كان من الأصول الاعتقادية ففيه القطع بين الدليل والمدلول، وإن كان من الأحكام العملية ففيه القطع بين المبادئ والغايات، لأن كل ما أمر الدين به قطعًا فهو نافع ومنفعته تثبتها التجربة والدليل، وكل ما نهى عنه حتمًا فلا بد أن تكون عاقبته مضرة، فالذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه هم الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل غايته، أما بالنسبة إلى الإيمان بالله تعالى، وبالنبوة فيقطعون ما أمر به بمقتضى التكوين والنظام الفطري، وأما بالنسبة إلى الأحكام فيقطعون ما أمر به في كتبه أمر تشريع وتكليف، وصلة الأرحام تدخل في كل من القسمين.
إذا كان مشركو العرب قد نقضوا عهد الفطرة وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل بمقتضاها، بتكذيبهم النبي وإيذائه وهو ذو رحم بهم، فالمكذبون من أهل الكتابين قد قطعوا صلات الأمرين كما نقضوا العهدين.
فإن الله تعالى قد بشرهم في الكتب المنزلة على أنبيائهم بالنبي ، لأنه ذكر للمبشَّر به صفات وأعمالًا وأحوالًا تنطبق عليه أتم الانطباق، فحرفوا وأولوا واجتهدوا في صرفها عنه وهم معتمدون ﴿ وإنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ ومنهم من يحمل تلك الصفات والعلامات على غيره، ومنهم ينتظر مبعوثًا آخر يجيء الزمان به.
التعبير بالقطع هنا أبلغ من التعبير بالنقض ولذلك جاء بعده متممًا له، كأن عهد الله تعالى إلى الناس حبل محكم الطاقات موثق الفتل، وكأن هذا الحبل قد وصل بحكمة أمر التكوين وحكم أمر التشريع بين جميع المنافع التي تنفع الناس، فلم يكتف أولئك الفاسقون المنكرون للمثل الذي ضربه الله لعباده بنقض حبل العهد الإلهي، وحل طاقاته ونكث فتله حتى قطعوه قطعًا، وأفسدوا بذلك نظام الفطرة ونظام الهداية الدينية أصلًا وفرعًا، ولذلك عقب هذا الوصف بقوله ﴿ ويُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ﴾ وأي إفساد أكبر من إفساد من أهمل هداية العقل وهداية الدين، وقطع الصلة بين المقدمات والنتائج، وبين المطالب والأدلة والبراهين؟!
من كان هذا شأنه فهو فاسد في نفسه، ووجوده في الأرض مفسد لأهلها، لأن شره يتعدى كالأجرب يعدي السليم.
ولذلك ورد في السنة النهي عن قرناء السوء، والمشاهدة والتجربة مؤيدة للسنة ومصدقة لها، خصوصًا إذا قعدوا في سبيل الله يصدون عنها ويبغونها عوجًا، فإن إفسادهم يكون أشد انتشارًا وأشمل خسارًا.
ولما كان إفساد هؤلاء عامًا للعقائد والأخلاق والأعمال لأن علته فقد الهدايتين- هداية الفطرة وهداية الدين- سجل عليهم الخسران وحصره فيهم بقوله ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ ﴾ ، بالخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة: أما خسرانهم في الدنيا فهو ظاهر لأرباب البصائر الصافية، والفضائل السامية، ولكنه يخفى على الأكثرين، بالنسبة إلى الأغنياء من أولئك الخاسرين، يرونهم متمتعين بلذات الدنيا وشهواتها، فيحسبون أنهم مغبوطون سعداء بها، فيكون هذا الحسبان من آلات الإفساد، ولو سبروا أغوارهم، وبلوا أخبارهم، لأدركوا أن ما هم فيه من ظلمة النفس وضيق العطن وفساد الأخلاق ينغص عليهم أكثر لذاتهم، ويقذف بهم إلى الإفراط الذي ولد الأمراض الجسدية والنفسية، ويثير في نفوسهم كوامن الوساوس، ويجعل عقولهم كالكرة تتقاذفها صوالجة الأوهام، وأن حب الراحة يوقعهم في تعب لا نهاية له، وهو تعب البطالة الكسل أو العمل الاضطراري.
ومن لا يذوق لذة العمل الاختياري لا يذوق لذة الراحة الحقيقية، لأن الله تعالى لم يضع الراحة في غير العمل، وإنما سعادة الدنيا بصحة الجسم والعقل وأدب النفس الذي يرشد إليه الدين، فمن فقد هذه الأشياء فقد خسر الدنيا والآخرة و ﴿ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
الكلام متصل بما قبله ومرتبط به ارتباطًا محكمًا والخطاب للفاسقين الذين يضلون بالمثل فإنه وصفهم أولًا بنقض العهد الإلهي الموثق، وقطع ما أمر به سبحانه أن يوصل، سواء كان الأمر أمرَ تكوين وهو السنن الكونية، أو أمر تشريع وهو الديانة السماوية، ثم بعد هذا البيان جاء بهذا الاستفهام التعجبي عن صفة كفرهم مقترنًا بالبرهان الناصع على أنه لا وجه له، ولا شبهة تسوغ الإقامة عليه فقال ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ﴾ ؟
أي بأي صفة من صفات الكفر بالله تعالى تأخذون وعلى أية شبهة فيه تعتمدون، وحالكم في موتيكم وحياتيكم تأبى عليكم ذلك، ولا تدع لكم عذرًا فيه؟
وبين هذه الحال بقوله ﴿ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ﴾ أي والحال أنكم كنتم قبل هذه النشأة الأولى من حياتكم الدنيا أمواتًا منبثة أجزاؤكم في الأرض، بعضها في طبقتها الجامدة وبعضها في طبقتها السائلة وبعضها في طبقتها الغازية (الهوائية) لا فرق في ذلك بينها وبين أجزاء سائر الحيوان والنبات، فخلقكم أطوارًا من سلالة من طين، فكنتم بالطور الأخير في أحسن تقويم، وفضلكم على غيركم بما وهبكم من العقل والإدراك وما سخر لكم من الكائنات ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ يقبض الروح الحي الذي به نظام حياتكم هذه فتنحل أبدانكم بمفارقته إياها وتعود إلى أصلها الميت وتنبث في طبقات الأرض وتدغم في عوالمها، حتى ينعدم هذا الوجود الخاص به ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ حياة ثانية كما أحياكم بعد الموتة الأولى بلا فرق إلا ما تكون به الحياة الثانية أرقى في مرتبة الوجود وأكمل لمن يزكون أنفسهم في تلك، وأدنى منها وأسفل فيمن يدسونها ويفسدون فطرتها ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ فينبئكم بما عملتم، ويحاسبكم على ما قدمتم، ويجازيكم به.
وأقول: إن تراخي الإرجاع إلى الله تعالى عن حياة البعث عبارة عن تأخير الحساب والجزاء وطول زمن الوقوف والانتظار كما ورد في حديث الشفاعة العظمى وغيره.
فإذا كان هذا شأنكم معه وهذا فضله عليكم، وهذا مبدأكم وذلك منتهاكم، فكيف تكفرون به وتنكرون عليه أن يضرب لكم مثلًا تهتدون به، ويبعث فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياته ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من قيام مصالحكم في حياتكم الأولى، وسعادتكم في حياتكم الأخرى؟
لا يقال كيف يحتج عليهم بالحياة الثانية قبل الإيمان بالوحي الذي هو دليلها ومثبتها، لأنه احتجاج على مجموع الناس بما عليه الأكثرون منهم، ولا عبرة بالشذاذ المنكرين للبعث في هذا المقام، لأن الاحتجاج بالحياة الأولى بعد الموتة الأولى كاف للتعجب من كفرهم بالله وإنكارهم عليه أن يضرب مثلًا ما لهداية الناس زعمًا أن هذا لا يليق بعظمته، فإن من أوجد هذا الإنسان الكريم، وجعله في أحسن تقويم، وركب صورته من تلك الذرات الصغيرة، والنطفة المهينة الحقيرة، والعلقة الدموية أو الدودية، والمضغة اللحمية، ﴿ لا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ .
والكلام مسوق لإبطال شبه منكري المثل والقرآن الذي جاء به، لا لإبطال شبه منكري البعث بلوامع شهبه، ثم عن تمثيل إحدى الحياتين بعد الموت بالأخرى داحض لحجة من يزعم عدم إمكان الثانية، لأن ما جاز في أحد المثلين جاز في الآخر، والكلام في إثبات الوحي الإلهي للنبي المرسل من البشر والإيمان بالبعث تابع له.
ثم بعد بيان بعض آياته في أنفسهم بذكر المبدأ والمنتهي ذكرهم بآياته في الآفاق فقال ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ ، فالكلام على اتصاله وترتيبه، وانتظام جواهره في سلك أسلوبه، فليس في قوله كيف تكفرون إلخ، انتقال لإثبات البعث كما قال بعض المفسرين غفلة عن هذا الاتصال المتين، ولعمري إن وجوه الاتصال بين الآيات، وما فيها من دقائق المناسبات، لهي ضرب من ضروب البلاغة، وفن من فنون الإعجاز، إذا أمكن للبشر الإشراف عليه، فلا يمكنهم البلوغ إليه، والكلام في البعث في القرآن كثير جدًا فلا حاجة إلى الإسراع إليه هنا.
يصور لنا قوله تعالى ﴿ خَلَقَ لَكُم ﴾ قدرته الكاملة، ونعمه الشاملة، وأي قدرة أكبر من قدرة الخالق؟
وأي نعمة أكمل من جعل كل ما في الأرض مهيئًا لنا، ومعدًا لمنافعنا؟
وللانتفاع بالأرض طريقان: (أحدهما): الانتفاع بأعيانها في الحياة الجسدية.
(وثانيهما): النظر والاعتبار بها في الحياة العقلية، والأرض هي ما في الجهة السفلى، أي ما تحت أرجلنا، كما أن المراد بالسماء كل ما في الجهة العليا أي فوق رؤوسنا، وإننا ننتفع فيه بعقولنا بالاستدلال به على قدرة مبدعه وحكمته.
والتعبير يفي بتناول ما في جوف الأرض من المعادن بالنص الصريح.
قال تعالى ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ ﴾ يقال استوى إلى الشيء إذا قصد إليه قصدًا مستويًا خاصًا به لا يلوي على غيره.
وقال الراغب: إذا تعدى استوى بإلى اقتضى الانتهاء إلى الشيء، إما بالذات وإما بالتدبير، والمراد أن إرادته توجهت إلى مادة السماء كما قال في سورة فصلت ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ وهِيَ دُخَانٌ ﴾ إلخ ﴿ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ﴾ فأتم خلقهن من تلك المادة الدخانية، فجعلهن سبع سموات تامات منتظمات الخلق.
وهذا الترتيب يوافق ما كان معروفًا عند اليهود عن سيدنا موسى من أن الله تعالى خلف الأرض أولًا، ثم خلق السموات والنور، ولا مانع من الأخذ بظاهر الآية، فإن الخلق غير التسوية، ألا ترى أن الإنسان في طور النطفة والعلقة يكون مخلوقًا ولكنه لا يكون بشرًا سويًا في أحسن تقويم كما يكون عند إنشائه خلقًا آخر، وسنبين إن شاء الله تعالى عند تفسير قوله تعالى ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾ أن العالم كان شيئًا واحدًا ثم فصله الله تعالى بالخلق تفصيلًا، وقدره تقديرًا، فلا مانع إذن من أن يكون خلق الأرض وما فيها سابقًا على تسوية السماء سبعًا، نعم إن هذا من أسرار الخلقة التي لا نعرفها وربما يتوهم أن هذه الآية تناقض أو تخالف قوله تعالى بعد ذكر خلق السماء وأنوارها ﴿ والأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ والجواب عنه من وجهين: أحدهما-أن البعدية ليست بعدية الزمان ولكنها البعدية في الذكر، وهي معروفة في كلام العرب وغيرهم، فلا بعد في أن نقول فعلت كذا لفلان وأحسنت عليه بكذا وبعد ذلك ساعدته في عمل كذا كما تقول وزيادة على ذلك ساعدته في عمله، تريد نوعًا آخر من أنواع الإحسان من غير ملاحظة التأخر في الزمان.
ثانيهما-أن الذي كان بعد خلق السماء هو دحو الأرض أي جعلها ممهدة مدحوة قابلة للسكنى والاستعمار لا مجرد خلقها وتقدير أقواتها فيها، وخلق الله وتقديره لم ينقطع من الأرض ولا ينقطع منها ما دامت، وكذلك يقال في غيرها.
وحاصل القول إن الله تعالى خلق هذه الأرض وهذه السماوات التي فوقنا بالتدريج، وما أشهدنا خلقهن، وإنما ذكر لنا ما ذكره للاستدلال على قدرته وحكمته، وللامتنان علينا بنعمته، لا لبيان تاريخ تكوينهما بالترتيب، لأن هذا ليس من مقاصد الدين، فابتداء الخلق غير معروف، ولا ترتيبه، إلا أن تسوية السماء سبع سماوات يظهر أنه كان بعد تكوين الأرض، ويظهر أن السماء كانت موجودة إلا أنها لم تكن سبعًا، ولذلك ذكر الاستواء إليها وقال ﴿ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ﴾ فنؤمن بأنه فعل ذلك لحكم يعلمها، وقد عرض علينا ذلك لنتدبر ونتفكر، فمن أراد أن يزداد علمًا فليطلبه من البحث في الكون، وعليه بدراسة ما كتب الباحثون فيه من قبل، وما اكتشف المكتشفون من شؤونه، وليأخذ من ذلك بما قام عليه الدليل الصحيح لا بما يتخرص به المتخرصون ويخترعونه من الأوهام والظنون، وحسبه أن الكتاب أرشده إلى ذلك وأباحه له.
هذه الإباحة للنظر والبحث في الكون، بل هذا الإرشاد إليها بالصيغ التي تبعث الهمم وتشوق النفوس ككون كل ما في الأرض مخلوقًا لنا محبوسًا على منافعنا هو مما امتاز به الإسلام في ترقية الإنسان، فقد خاطبنا القرآن بهذا على أن أهل الكتاب كانوا متفقين في تقاليدهم وسيرتهم العملية على أن العقل والدين ضدان لا يجتمعان، والعلم والدين خصمان لا يتفقان، وأن جميع ما يستنتجه العقل خارجًا عن نص الكتاب فهو باطل.
ولذلك جاء القرآن يلح أشد الإلحاح بالنظر العقلي، والتفكر والتدبر والتذكر، فلا تقرأ منه قليلًا إلا وتراه يعرض عليك الأكوان ويأمرك بالنظر فيها واستخراج أسرارها واستجلاء حكم اتفاقها واختلافها ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمٰوَٰتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ﴾ ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾ ﴿ أَفَلا يَنظُرُونَ إلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة جدًا.
وإكثار القرآن من شيء دليل على تعظيم شأنه ووجوب الاهتمام به، ومن فوائد الحث على النظر في الخليقة للوقوف على أسرارها بقدر الطاقة، واستخراج علومها لترقية النوع الإنساني الذي خلقت هي لأجله- مقاومة تلك التقاليد الفاسدة التي كان عليها أهل الكتاب فأودت بهم وحرمتهم من الانتفاع بما أمر الله الناس أن ينتفعوا به.
كانت أوروبا المسيحية في غمرة من الجهل، وظلمات من الفتن، تسيل الدماء فيها أنهارًا لأجل الدين، وباسم الدين وللإكراه على الدين، ثم فاض طوفان تعصبها على المشرق ورجعت بعد الحروب الصليبية تحمل قبسًا من دين الإسلام وعلوم أهله، فظهر فيهم بعد ذلك قوم قالوا: إن لنا الحق في أن نتفكر، وأن نعلم أو نستدل، فحاربهم الدين ورجاله حربًا عوانًا انتهت بظفر العلم ورجاله بالدين ورجاله، وبعد غسل الدماء المسفوكة قام منذ مائتي سنة إلى اليوم رجال منهم يسمون هذه المدنية القائمة على دعائم العلم: المدنية المسيحية، ويقولون بوجوب محق سائر الأديان ومحوها بعد انهزامها من أمام الدين المسيحي لأنها لا تتفق مع العلم وفي مقدمتها الدين الإسلامي، وحجتهم على ذلك حال المسلمين، نعم إن المسلمين أصبحوا وراء الأمم كلها في العلم حتى سقطوا في جاهلية أشد جهلًا من الجاهلية الأولى، فجهلوا الأرض التي هم عليها، وضعفوا عن استخراج منافعها، فجاء الأجنبي يتخطفها من بين أيديهم وهم ينظرون وكتابهم قائم على صراطه يصيح بهم ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ .
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾ ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ الآية وأمثال ذلك ولكنهم ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴾ ..
إلا من رحم الله، ولو عقلوا لعادوا، ولو عادوا لاستفادوا، وبلغوا ما أرادوا، وها نحن أولاء نذكرهم بكلام الله لعلهم يرجعون، ولا نيأس من روح الله ﴿ إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ ﴾ .
ثم ختم الآية بقوله ﴿ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ أي فهو المحيط بكيفية التكوين وحكمته، وبما ينفع الناس بيانه، وإذا كان العاقل يدرك أن هذا النظام المحكم لا يكون إلا من عليم حكيم فكيف يصح له أن ينكر عليه أن يرسل من يشاء من خلقه لهداية من شاء من عباده؟
فهذا الآخر يتصل بأول الآية في تقرير رسالة النبي وإبطال شبه الذين أنكروا أن يكون البشر رسولًا، والذين أنكروا أن يكون من العرب رسول، لأن قصارى ذلك كله اعتراض الجاهلين، على من هو بكل شيء عليم.
<div class="verse-tafsir"
أجمعت الأمة الإسلامية على أن الله تعالى منزه عن مشابهة المخلوقات، وقد قام البرهان العقلي والبرهان النقلي على هذه العقيدة فكانت هي الأصل المحكم في الاعتقاد الذي يجب أن يرد إلى غيره، وهو التنزيه، فإذا جاء في نصوص الكتاب أو السنة شيء ينافي ظاهره التنزيه، فللمسلمين فيه طريقتان.
إحداهما: طريقة السلف وهي التنزيه الذي أيد العقل فيه النقل كقوله تعالى ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ وقوله ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ وتفويض الأمر إلى الله تعالى في فهم حقيقة ذلك، مع العلم بأن الله يعلمنا بمضمون كلامه ما نستفيد به في أخلاقنا وأعمالنا وأحوالنا، ويأتينا في ذلك بما يقرب المعاني من عقولنا ويصورها لمخيلاتنا.
والثانية:طريقة الخلف وهي التأويل، يقولون: إن قواعد الدين الإسلامي وضعت على أساس العقل فلا يخرج شيء منها عن المعقول، فإذا جزم العقل بشيء وورد في النقل خلافه يكون الحكم العقلي القاطع قرينة على أن النقل لا يراد به ظاهره ولا بد له من معنى موافق يحمل عليه فينبغي طلبه بالتأويل.
وأنا على طريقة السلف في وجوب التسليم والتفويض فيما يتعلق بالله تعالى وصفاته وعالم الغيب.
وإننا نسير في فهم الآيات على كلا الطريقتين لأنه لا بد للكلام من فائدة يحمل عليها لأن الله لم يخاطبنا بما لا نستفيد منه معنى.
أما الملائكة فيقول السلف فيهم إنهم خلق أخبرنا الله تعالى بوجودهم وببعض عملهم، فيجب علينا الإيمان بهم، ولا يتوقف ذلك على معرفة حقيقتهم، فنفوض علمها إلى الله تعالى، فإذا ورد أن لهم أجنحة نؤمن بذلك ولكننا نقول إنها ليست أجنحة من الريش ونحوه كأجنحة الطيور، إذ لو كانت كذلك لرأيناها، وإذا ورد أنهم موكلون بالعوالم الجسمانية كالنبات والبحار فإننا نستدل بذلك على أن في الكون عالمًا آخر ألطف من هذا العالم المحسوس وأن له علاقة بنظامه وأحكامه، والعقل لا يحكم باستحالة هذا بل يحكم بإمكانه لذاته، ويحكم بصدق الوحي الذي أخبر به.
وقد بحث أناس في جوهر الملائكة وحاولوا معرفتهم ولكن من وقفهم الله تعالى على هذا السر قليلون، والدين وإنما شرع للناس كافة، فكان الصواب الاكتفاء بالإيمان بعالم الغيب من غير بحث عن حقيقته لأن تكليف الناس هذا البحث أو العلم به كاد يكون من تكليف ما لا يطاق، ومن خصه الله تعالى بزيادة في العلم فذلك فضله يؤتيه من يشاء، فقد ورد في الصحيح عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه في هذا العلم الديني الخاص، وقد سئل هل خصكم رسول الله بشيء من العلم فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا أن يؤتي الله عبدًا فهمًا في القرآن إلخ..
وأما ذلك الحوار في الآيات فهو شأن من شؤون الله تعالى مع ملائكته صوره لنا في هذه القصة بالقول والمراجعة والسؤال والجواب، ونحن لا نعرف حقيقة ذلك القول ولكننا نعلم أنه ليس كما يكون منا، وإن هناك معاني قصدت إفادتها بهذه العبارات، وهي عبارة عن شأن من شؤونه تعالى قبل خلق آدم وأنه كان يعد له الكون، وشأن من الملائكة يتعلق بخلق نوع الإنسان، وشأن آخر في بيان كرامة هذا النوع وفضله.
وأما الفائدة فيما وراء البحث في حقيقة لملائكة وكيفية الخطاب بينهم وبين الله تعالى فهي من وجوه.
أحدها-أن الله تعالى في عظمته وجلاله يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته في صنعه، وما يخفى عليهم من أسراره في خلقه، ولا سيما عند الحيرة، والسؤال يكون بالمقال ويكون بالحال والتوجه إلى الله تعالى في استفاضة العلم بالمطلوب من ينابيعه التي جرت سنته تعالى بأن يفيض منها، كالبحث العملي والإلهام الإلهي وربما كان للملائكة طريق آخر لاستفاضة العلم غير معروفة لأحد من البشر فيمكننا أن نحمل سؤال الملائكة على ذلك.
ثانيها-إذا كان من أسرار الله تعالى وحكمه ما يخفى على الملائكة فنحن أولى بأن يخفى علينا، فلا مطمع لإنسان في معرفة جميع أسرار الخليقة وحكمها لأنه لم يؤت من العلم إلا قليلًا.
ثالثها-إن الله تعالى هدى الملائكة في حيرتهم، وأجابهم عن سؤالهم لإقامة الدليل، بعد الإرشاد إلى الخضوع والتسليم، وذلك أنه بعد أن أخبرهم بأنه يعلم ما لا يعلمون علم آدم الأسماء ثم عرضهم على الملائكة كما سيأتي بيانه.
رابعها-تسلية النبي عن تكذيب الناس، ومحتاجهم في النبوة بغير برهان على إنكار ما أنكروا وبطلان ما جحدوا، فإذا كان الملأ الأعلى قد مثلوا على أنهم يختصمون ويطلبون البيان والبرهان فيما لا يعلمون، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين، وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين، أي فعليك أيها الرسول أن تصبر على هؤلاء المكذبين، وترشد المسترشدين، وتأتي أهل الدعوة بسلطان مبين، وهذا الوجه هو الذي يبين اتصال هذه الآيات بما قبلها.
وكون الكلام لا يزال في موضوع الكتاب وكونه لا ريب فيه وفي الرسول وكونه يبلغ وحي الله تعالى ويهدي به عباده وفي اختلاف الناس فيهما، ومن خواص القرآن الحكيم الانتقال من مسألة إلى أخرى مباينة لها أو قريبة منها مع كون الجميع في سياق موضوع واحد.
وأما الخلف فمنهم من تكلم في حقيقة الملائكة ووضع لهم تعريفًا ومنهم من أمسك عن ذلك، وقد اتفقوا على أنهم يدركون ويعلمون.
والقصة على مذهبهم وردت مورد التمثيل لتقرب من أفهام الخلق ما تفيدهم معرفته من حال النشأة الآدمية، وما لها من المكانة والخصوصية: أخبر الله الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة، ففهموا من ذلك أن الله يودع في فطرة هذا النوع الذي يجعله خليفة أن يكون ذا إرادة مطلقة واختيار في عمله غير محدود، وأن الترجيح بين ما يتعارض من الأعمال التي تعن له يكون بحسب علمه، وأن العلم إذا لم يكن محيطًا بوجوه المصالح والمنافع يوجه الإرادة إلى خلاف المصلحة والحكمة وذلك هو الفساد، وهو متعين لازم الوقوع، لأن العلم المحيط لا يكون إلا لله تعالى، فعجبوا كيف يخرق الله هذا النوع من الخلق وسألوا الله تعالى بلسان المقال إن كانوا ينطقون، أو بلسان الحال والتوجه إليه لاستفاضة المعرفة بذلك وطلب البيان والحكمة، وعبر الله عن ذلك بالقول لأنه هو المعهود بالاستعلام والاستفهام عند البشر الذين أنزل القرآن لهدايتهم، كما نسب القول إلى السموات والأرض في قوله ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ .
فأول ما ألقى إليهم من الإلهام أو غيره من طرق الإعلام وهو وجوب الخضوع والتسليم، لمن هو بكل شيء عليم، لأن ما يضيق عنه علم أحد ويحار في كيفيته يتسع له علم من هو أعلم منه، ومن شأن الإنسان أن يسلم لمن يعتقد أنه فوقه في العلم ما يتصدى له مهما يكن بعيد الوقوع في اعتقاده، كما هو حال مشايخ الصوفية مع مريديهم.
ومن ذلك اعتقاد جماهير الناس في بلاد الحضارة والصناعات في هذا العصر إمكان أمور وأعمال لم يكن أحد يتصور إمكانها من قبل إلا بعض كبار علماء النظر، فإذا قيل إنهم يحاولون عمل كذا فإنهم يصدقونهم، وإن لم يعقلوا كيف يعملونه.
فإن الذين يصنعون سلكًا لنقل الأخبار بالكهرباء إلى الأماكن البعيدة في دقيقة أو دقائق قليلة يصدقون بأنهم يوصلون تلك الأخبار من غير سلك، وقد كان، ويصدقون بإمكان إيجاد آلة تجمع بين نقل الصوت ورؤية المتكلم وهو ما يحاولون الآن، وإذا قال لنا أهل هذه الصناعة إن ذلك ممكن الحصول صدقناهم فيما يقولون من غير تردد، وليس تصديقنا تقليدًا ولا تسليمًا أعمى كما يقال، بل هو تصديق عن دليل ركنه قياس ما يكون على ما قد كان بعد العلم بوحدة الوسائل.
والملائكة أعلم منا بشأن الله في أفعاله وأنه العليم الحكيم، فهم وإن فاجأهم العجب من خلق الخليفة يردهم إلى اليقين أدنى التنبيه، ولذلك كان قوله تعالى ﴿ إنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ جوابًا مقنعًا أي إقناع.
على أن هذا النوع من التسليم للعالم القادر ربما لا يذهب بالحيرة ولا يزيل الاضطراب من نفس المتعجب وإنما تسكن النفس ببروز ذلك الأمر الذي كانت تعجب من بروزه إلى عالم الوجود ووقوفها على أسراره وحكمه بالفعل، ولذلك تفضل الله تعالى على الملائكة بإكمال علمهم بحكمته في خلق هذا الخليفة الإنساني وسره عند طلوع فجره فعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة كما سيأتي، فعلموا أن في فطرة هذا الخليفة واستعداده علم ما لم يعلموا، وتبين لهم وجه استحقاقه لمقام الخلافة في الأرض، وأن كل ما يتوقع من الفساد وسفك الدماء لا يذهب بحكمة الاستخلاف وفائدته ومقامه، وناهيك بمقام العلم وفائدته، وسر العالم وحكمته.
فعلمنا أن السلف والخلف متفقون على تنزيه الله تعالى عما لا يليق به من شؤون المخلوقين، وعصمة ملائكته عما لا يليق بهم من الاعتراض أو الإنكار، فلا فرق في هذه النتيجة بين تفويض وتسليم وتأويل وتفهيم، والله بكل شيء عليم، وهناك تفسير الآيات بالتفصيل.
قد علمت مما تقدم أن الآيات متصلة بما قبلها من الكلام في الكتاب ومن جاء به ومن دعا إليه، فهي تجلي حجة الرسول ودعوته من حيث إن الملائكة إذا كانوا محتاجين إلى العلم ويستفيدونه بالتعلم من الله تعالى بالطريقة التي تناسب حالهم فالبشر أولى بالحاجة إلى ذلك منهم، لأن طبيعة البشر جبلت على أن يكتسبوا كل شيء اكتسابًا، وهي من جهة أخرى تسلية له ببيان أن البشر أولى من الملائكة بإنكار ما لم يحيطوا بعلمه حتى يعلموا، وأنهم جبلوا على أن يتوبوا ويرجعوا بعد أن يخطئوا ويذنبوا، وأن الإفساد في الأرض وجحود الحق ومناصبة الداعي إليه ليس بدعًا من قومه، وإنما هو جبلة أهل الفكر وطبيعة البشر.
ثم إن المفسرين في "الخليفة" مذهبين: ذهب بعضهم إلى أن هذا اللفظ يشعر بأنه كان في الأرض صنف أو أكثر من نوع الحيوان الناطق، وأنه انقرض، وأن هذا الصنف الذي أخبر الله الملائكة بأن سيجعله خليفة في الأرض سيحل محله ويخلفه، كما قال بعد ذكر إهلاك القرون ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ وقالوا: إن ذلك الصنف البائد قد أفسد في الأرض وسفك الدماء، وإن الملائكة استنبطوا سؤالهم بالقياس عليه، لأن الخليفة لا بد أن يناسب من يخلفه ويكون من قبيله كما يتبادر إلى الفهم، ولكن لما لم يكن دليل على أنه يكون مثله من كل وجه، وليس ذلك من مقتضى الخلافة، أجاب الله الملائكة بأنه يعلم ما لا يعلمون مما يمتاز به هذا الخليفة على من قبله، وما له سبحانه في ذلك من الحكمة البالغة..
وإذا صح هذا القول فليس آدم أول الصنف العاقل من الحيوان على هذه الأرض، وإنما كان أول طائفة جديدة من الحيوان الناطق تماثل الطائفة أو الطوائف البائدة منه في الذات والمادة وتخالفها في بعض الأخلاق والسجايا.
هذا أحسن ما يجلى فيه هذا المذهب، وأكثر ما قالوه فيه قد سرى إلى المسلمين من أساطير الفرس وخرافاتهم، ومنه أنه كان في الأرض قبل آدم خلق يسمون بالحِنّ والبِنّ، أو الطم والرم، والأكثرون على أن الخلق الذين كانوا في الأرض قبل آدم مباشرةً كانوا يسمون الجن، والقائلون منهم بالحن (بالمهملة) والبن قالوا إن هؤلاء عاثوا في الأرض فسادًا فأبادهم الله (كما تقدم آنفًا) وقالوا إن الله تعالى أرسل إليهم إبليس في جند من الملائكة فحارب الجن فدمرهم وفرقهم في الجزائر والبحار.
وليس لهم في الإسلام سند يحتج به على هذه القصص، ولكن تقاليد الأمم الموروثة في هذه المسألة تنبئ بأمر ذي بال، وهي متفقة فيها بالإجمال، ألا وهو ما قلناه من أن آدم ليس أول الأحياء العاقلة التي سكنت الأرض.
هذا هو المذهب الأول في تفسير الخليفة.
وذهب الآخرون إلى أن المراد أني جاعل في الأرض خليفة عني، ولهذا شاع أن الإنسان خليفة الله في أرضه، وقال تعالى ﴿ يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ ﴾ والظاهر والله أعلم أن المراد بالخليفة آدم ومجموع ذريته ولكن ما معنى هذه الخلافة وما المراد من هذا الاستخلاف؟
هل هو استخلاف بعض الإنسان على بعض أم استخلاف النوع على غيره؟
جرت سنة الله في خلقه بأن تعلم أحكامه للناس وتنفذ فيهم على ألسنة أناس منهم يصطفيهم ليكونوا خلفاء عنه في ذلك وكما أن الإنسان أظهر أحكام الله وسننه، الوضعية، أي الشرعية لأن الشرع وضع إلهي، كذلك أظهر حكمه وسننه الخلقية الطبيعية فيصح أن يكون معنى الخلافة عامًا في كل ما ميز الله به الإنسان على سائر المخلوقات: نطق الوحي ودل العيان والاختبار على أن الله تعالى خلق العالم أنواعًا مختلفة، وخص كل نوع غير نوع الإنسان بشيء محدود معين لا يتعداه، فأما ما لا نعرفه إلا من طريق الوحي كالملائكة فقد ورد في الآيات والأحاديث ما يدل على أن وظائفه محدود قال تعالى ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ ﴾ .
﴿ وإنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وإنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ ﴾ .
﴿ وَالصَّافَّاتِ صَفًا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ﴾ .
﴿ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا والنَّاشِطَاتِ نَشْطًا والسَّابِحَاتِ سَبْحًا فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ﴾ على قول من قال إن المراد بها الملائكة، إلى غير ذلك مما يدل على أنهم طوائف لكل طائفة وظيفة محدودة، ورد في الأحاديث أن منهم الساجد دائمًا والراكع دائمًا إلى يوم القيامة.
وأما ما نعرفه بالنظر والاختبار فهو حال المعدن والجماد ولا علم له ولا عمل، وحال النبات وإنما تأثير حياته في نفسه، فلو فرض أن له علمًا وإرادة فهما لا أثر لهما في جعل عمل النبات مبينًا لحكم الله وسننه في الخلق، ولا وسيلة لبيان أحكامه وتنفيذها، فكل حي من الأحياء المحسوسة والغيبية فإن له استعدادًا محدودًا، وعلمًا إلهاميًا محدودًا، وعملًا محدودًا، وما كان كذلك لا يصلح أن يكون خليفة عن الذي لا حد لعلمه وإرادته، ولا حصر لأحكامه وسننه، ولا نهاية لأعماله وتصرفه.
وأما الإنسان فقد خلقه الله ضعيفًا كما قال في كتابه ﴿ وخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا ﴾ وخلقه جاهلًا كم قال ﴿ واللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ ولكنه على ضعفه عبرة لمن يعتبر، وموضع لعجب المتعجب، لأنه مع ضعفه يتصرف في الأقوياء، ومع جهله في نشأته يعلم جميع الأسماء، يولد الحيوان عالمًا بالإلهام ما ينفعه وما يضره، وتكمل له قواه في زمن قليل، ويولد الإنسان وليس له من الإلهام إلا الصراخ بالبكاء، ثم يحس ويشعر بالتدريج البطيء بالنسبة إلى غيره من الحيوان، ويعطي قوة أخرى تتصرف بشعوره وإحساسه تصرفًا يكون له به السلطان على هذه الكائنات، فيسخرها ويذللها بعد ذلك كما تشاء تلك القوة الغريبة، وهي التي يسمونها العقل ولا يعقلون سرها، ولا يدركون حقيقتها وكنهها، فهي التي تغني الإنسان عن كل ما وهب للحيوان في أصل الفطرة من الكساء الذي يقيه البرد والحر، والأعضاء التي يتناول بها غذاءه والتي يدافع بها عن نفسه ويسطو بها على عدوه، وغير ذلك من المواهب التي يعطاها الحيوان بلا كسب، حتى كان له بها من الاختراعات العجيبة ما كان وسيكون له من ذلك ما لا يصل إليه التقدير والحسبان.
فالإنسان بهذه القوة غير محدود الاستعداد ولا محدود الرغائب ولا محدود العلم ولا محدود العمل، فهو على ضعف أفراده يتصرف بمجموعه في الكون تصرفًا لا حد له بإذن الله وتصريفه، وكما أعطاه الله تعالى هذه المواهب والأحكام الطبيعية ليظهر بها أسرار خليفته، وملكه الأرض وسخر له عوالمها - أعطاه أحكامًا وشرائع حد فيها لأعماله وأخلاقه حدًا يحول دون بغي أفراده وطوائفه بعضهم على بعض، فهي تساعده على بلوغ كماله لأنها مرشد ومربٍ للعقل الذي كان له كل تلك المزايا فلهذا كله جعله خليفته في الأرض وهو أخلق المخلوقات بهذه الخلافة.
ظهرت آثار الإنسان في هذه الخلافة على الأرض، ونحن نشاهد عجائب صنعه في المعدن والنبات، وفي البر والبحر والهواء، فهو يتفنن ويبتدع، ويكتشف ويخترع، ويجد ويعمل، حتى غير شكل الأرض فجعل الحزن سهلًا، والماحل خصبًا، والخراب عمرانًا، والبراري بحارًا أو خلجانًا، وولد بالتلقيح أزواجًا من النبات لم تكن كالليمون المسمى "يوسف أفندي"، فإن الله تعالى خلقه بيد الإنسان وأنشأه بكسبه، وقد تصرف في أبناء جنسه من أنواع الحيوان كما يشاء بضروب التربية والتغذية والتوليد، حتى ظهر التغير في خلقتها وخلائقها وأصنافها، فصار منها الكبير والصغير، ومنها الأهلي والوحشي، وهو ينتفع بكل نوع منها ويسخره لخدمته كما سخر القوى الطبيعية وسائر المخلوقات.
أليس من حكمة الله، الذي أعطی کل شيء، خلقه ثم هدی، أن جعل الإنسان بهذه المواهب خليفته في الأرض، يقيم سننه: ويظهر عجائب صنعه، وأسرار خليقته و بدائع حكمه ومنافع أحكامه؟
وهل وجدت آية على كمال الله تعالى وسعة علمه أظهر من هذا الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم؟
وإذا كان الإنسان خليفة بهذا المعنى فكيف تعجب الملائكة منه؟.
﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ بادروا إلى السؤال واستفهام الاستغراب ﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ﴾ فيغفل بذلك عن تسبيحك وتقديسك ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ بلا غفلة ولا فتور؟
لا شك أن هذا السؤال نشأ من فهم المعنى المراد من الخليفة وما يقتضيه من العلم غير المحدود والإرادة المطلقة، وكون هذا العلم المصرف للإرادة لا يحصل إلا بالتدريج ، وكون عدم الإحاطة مدعاة للفساد، والتنازع المفضي إلى سفك الدماء كما تقدم.
نعم إن هذا العلم الواسع لا يعطاه فرد من أفراد الإنسان ولا مجموع النوع دفعة واحدة فيشابه علمه الله تعالى، وكلها أوتي نصيبًا منه ظهر له من جهله ما لم يكن يعلم، وكلما أعطي حظًا من الأدب والعقل ظهر له ضعف عقله، ولله در الشافعي حيث قال: کلما أدبني الــدهـ ـر أراني نقص عقلي وإذا ما ازددت علمًا زادني علمًا بجهلي فهو على سعة علمه لم يؤت من العلم الإلهي إلا قليلًا، وهو مع ذلك أوسع مظاهر العلم الإلهي، ولذلك أجاب الله الملائكة بالعلم ﴿ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ فأثبت لذاته العلم بحكمة هذه الخلافة ونفاه عنهم، ثم أظهر لهم أن الإنسان يكون خليفة بالعلم وما يتبعه فقال: <div class="verse-tafsir"
تقدم في بيان الخليفة أن علم الملائكة وعملهم محدودان، وأن علم الإنسان وعمله غير محدودين، وبهذه الخاصة التي فطر الله الناس عليها كان الإنسان أجدر بالخلافة من الملائكة، وهذه هي حجة الله البالغة على الملائكة التي بينها لهم بعدما نبههم إلى علمه المحيط بما لا يعلمون فقال ﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ﴾ أي أودع في نفسه علم جميع الأشياء من غير تحديد ولا تعيين، فالمراد بالأسماء المسميات عبر عن المدلول بالدليل لشدة الصلة بين المعنى واللفظ الموضوع له وسرعة الانتقال من أحدهما إلى الآخر.
والعلم الحقيقي إنما هو إدراك المعلومات أنفسها والألفاظ الدالة عليها تختلف باختلاف اللغات التي تجري بالمواضعة والاصطلاح، فهي تتغير وتختلف والمعنى لا تغيير فيه ولا اختلاف.
ثم إن الاسم قد يطلق إطلاقًا صحيحًا على ما يصل إلى الذهن من المعلوم أي صورة المعلوم في الذهن، وبعبارة أخرى ما به يعلم الشيء عند العالم، فاسم الله مثلًا هو ما به عرفناه في أذهاننا بحيث يقال إننا نؤمن بوجوده ، نسند إليه صفاته، فالأسماء هي ما به نعلم الأشياء وهي العلوم المطابقة للحقائق.
والاسم بهذا الإطلاق هو الذي جرى الخلاف في أنه عين المسمى أو غيره، وقد كان اليونانيون يطلقون على ما في الذهن من المعلوم لفظ الاسم، والخلاف في أن ما في الذهن من الحقائق هو عينها أو صورتها مشهور كالخلاف في أن العلم عين المعلوم أو غير المعلوم، وأما الخلاف في أن الاسم الذي هو اللفظ عين المسمى أو غيره فهو ما أخطأ فيه الناظرون لعدم الدقة في التمييز بين الاطلاقات لبداهة أن اللفظ غير معناه بالضرورة، والاسم بذلك الاطلاق الذي ذكرناه يتقدس ويتبارك ويتعالى ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ فاسمه جل شأنه ما يمكننا أن نعلم منه ما نعلم من صفاته، وما يشرق في أنفسنا من بهائه وجلاله، ولا مانع من أن نريد من الأسماء هذا المعنى وهو لا يختلف في التأويل عما قالوه من إرادة المسميات ولكنه على ما نقول أطهر وأبين.
علَّم الله آدم كل شيء ولا فرق في ذلك بين أن يكون له هذا العلم في آن واحد أو في آنات متعددة، والله قادر على كل شيء، ثم إن هذه القوة العلمية عامة للنوع الآدمي كله، ولا يلزم من ذلك أن يعرف أبناؤه الأسماء من أول يوم فيكفي في ثبوت هذه القوة لهم معرفة الأشياء بالبحث والاستدلال، علم الله آدم الأسماء على نحو ما بينا ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ ﴾ أي أطلعهم اطلاعًا إجماليًا بالإلهام الذي يليق بحالهم على مجموع تلك الأشياء، ولو عرضت على نفوسهم عرضًا تفصيليًا لعلموها ولم يكن علمهم محدودًا، والحال أنه عرضهم عليهم وسألهم عنها سؤال تعجيز ﴿ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ ﴾ المسميات، والغرض من الإنباء بأسمائها الإبانة عن معرفتها ومعنى ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي إن كان هناك موقع للدهشة والاستغراب من جعل الخليفة في الأرض من البشر، وكان ما طرق نفوسكم وطرأ على أذهانكم أولًا حالًا محله، ومصيبًا غرضه، ولمّا تعرفوا حقيقة ما يمتاز به الخليفة، فأنبئوني بأسماء ما عرضته عليكم ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ ﴾ أي تنزيهًا لك، فلفظ سبحان مصدر قلما يستعمل إلا مضافًا كمعاذ الله، وهو منصوب بفعل مقدر، والمعنى نقدسك وننزهك أن يكون علمك قاصرًا فتخلق الخليفة عبثًا، أو تسألنا شيئًا نفيده وأنت تعلم أننا لا تحيط بعلمه، ولا نقدر على الإنباء به، وكلمة ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ تهدي إلى هذا فكأنها جملة وحدها، وهذه هي البلاغة مضروب سرادقها، مثمرة حدائقها، متجلية حقائقها، على أن القصة وردت مورد التمثيل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وبعد تنزيه الباري تبرؤا من علمهم إلى علمه تعالى وحكمته، فقالوا ﴿ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ﴾ وهو محدود لا يتناول جميع الأسماء ولا يحيط بكل المسميات، ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ ﴾ بخلقك ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ في صنعك.
..
إن هذه التأكيدات تشعر بأن سؤال الاستغراب الأول كان يتنسم منه شيء وكذلك الجواب عن ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ بقولهم ﴿ لَا عِلْمَ لَنَا ﴾ ولذلك ختموا الجواب بالتبرؤ من كل شيء، والثناء على الله تعالى بالعلم الثابت الواجب لذاته العلية، و الحكمة البالغة اللازمة له، فقد تقدم في تفسير الفاتحة أن صيغة "فعيل" تدل غالبًا على الصفات الراسخة اللازمة، فكان جواب الملائكة بهذا مؤذنًا بأنهم رجعوا إلى ما كان يجب أن لا يغفل مثلهم عنه، وهو التسليم لسعة علم الله و حكمته حتی بلغ الكتاب أجله.
﴿ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ﴾ فكان الإنباء كما أراد الله تعالى وذكره لأجل ترتيب الحكم عليه بقوله ﴿ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ ﴾ تعالى للملائكة ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ ومن كان هذا شأنه فلا يخلق شيئًا سدى، ولا يجعل الخليفة في الأرض عبثًا ﴿ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ والذي يبدونه هو ما يظهر أثره في نفوسهم، وأما ما يكتمون فهو ما يوجد في غرائزهم وتنطوي عليه طبائعهم.
وقد علم مما تقدم أن كل هذه الأقوال والمراجعات والمناظرات يفوض السلف الأمر إلى الله تعالى في معرفة حقيقتها، ويكتفون بمعرفة فائدتها وحكمتها، وقد تقدم بيان ذلك.
وأما الخلف فيلجأون إلى التأويل، وأمثل طرقه في هذا المقام التمثيل، وقد مضت سنة الله في كتابه بأن يبرز لنا الأشياء المعنوية، في قوالب العبارة اللفظية، ويجلي لنا المعارف المعقولة، بالصور المحسوسة، تقريبًا للأفهام، وتسهيلًا للإعلام، ومن ذلك أنه عرفنا بهذه القصة قيمة أنفسنا، وما أودعته فطرتنا، مما نمتاز به على غيرنا من المخلوقات، فعلينا أن نجتهد في تكميل أنفسنا بالعلوم التي خلقنا مستعدين لها من دون الملائكة وسائر الخلق لتظهر حكمة الله فينا، ولعلنا نشرف على معنى إعلام الله الملائكة بفضلنا، ومعنى سجودهم لأصلنا ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
بعدما عرف الله الملائكة بمكانة آدم، ووجه جعله خليفة في الأرض، أمرهم بالخضوع له وعبر عن ذلك بالسجود فقال ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ ﴾ وهو سجود لا نعرف صفته ولكن أصول الدين تعلمنا أنه ليس سجود عبادة إذ لا يعبد إلا الله تعالى، والسجود في اللغة التطامن والخضوع والانقياد، وأعظم مظاهره الخرور نحو الأرض للأذقان ووضع الجبهة على التراب، وكان عند بعض القدماء من تحية الناس للملوك والعظماء، ومنه سجود يعقوب وأولاده ليوسف عليهم السلام.
والسجود لله تعالى قسمان سجود العقلاء المكلفين له تعبدًا على الوجه المشروع، وسجود المخلوقات كلها لمقتضى إرادته فيها، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ﴾ ، الآية وقال ﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَ ﴾ وفي معناهما آيات ﴿ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ ﴾ أي سجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس وهو فرد من أفراد الملائكة كما يفهم من الآية وأمثالها في القصة إلا آية الكهف فإنها ناطقة بأنه كان من الجن ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ وليس عندنا دليل على أن بين الملائكة والجن فصلًا جوهريًا يميز أحدهما عن الآخر وإنما هو اختلاف أصناف، عندما تختلف أوصاف، كما ترشد إليه الآيات.
فالظاهر أن الجن صنف من الملائكة وقد أطلق في القرآن لفظ الجنة على الملائكة على رأي جمهور المفسرين في قوله تعالى ﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ﴾ وعلى الشياطين في آخر سورة الناس، وعلى كل حال فجميع هؤلاء المسميات بهذه الأسماء من عالم الغيب لا تعلم حقائقها ولا نبحث عنها ولا نقول بنسبة شيء إليها ما لم يرد لنا فيه نص قطعي عن المعصوم .
وصف الله تعالى إبليس بأنه ﴿ أَبَى ﴾ السجود والانقياد ﴿ وَاسْتَكْبَرَ ﴾ فلم يمتثل أمر الحق ترفعًا عنه، وزعمًا بأنه خير من الخليفة عنصرًا، وأزكى جوهرًا، كما حكى الله تعالى عنه في غير هذه السورة ﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾ والاستكبار يعني التكبر وهو الظهور بصفة الكبرياء التي من آثارها الترفع عن الحق، وكان السين والتاء للإشعار بأن الكبر ليس من طبيعة إبليس ولكنه مستعد له، ثم قال تعالى بعد و صفه بالإباء والاستكبار ﴿ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ ﴾ قال بعض المفسرين كان من حق الترتيب أن يقال كان من الكافرين واستكبر و أبى لأن الكفر عنده سبب الاستكبار والاستكبار سبب الإباء، ومثل هذا المفسر يعلل مخالفة الترتيب الطبيعي في النظم برعاية الفاصلة.
.
ولكن نظم الآية جاء على مقتضى الطبيعة في الذكر فإنه يفيد أن الله تعالى أراد أن يبين الفعل أولًا لأنه المقصود بالذات وهو الإباء ثم يذكر سببه وعلته وهو الاستكبار ثم يأتي بالأصل في العلة والمعلول والسبب والمسبب وهو الكفر.
تقدم أن الملائكة خلق غيبي لا نعرف حقيقته، وإنما نؤمن به بإخبار الله تعالى الذي نقف عنده ولا نزيد عليه، وتقدم أن القرآن ناطق بأن الملائكة أصناف لكل صنف وظيفة وعمل، ونقول الآن إن إلهام الخير والوسوسة بالشر مما جاء في لسان صاحب الوحي ، وقد أسندا إلى هذه العوالم الغيبية، وخواطر الخير التي تسمى إلهامًا وخواطر الشر التي تسمى وسوسة كل منهما محله الروح، فالملائكة والشياطين إذن أرواح تتصل بأرواح الناس فلا يصح أن تمثل الملائكة بالتماثيل الجثمانية المعروفة لنا، لأن هذه لو اتصلت بأرواحنا، فإنما تتصل بها من طرق أجسامنا، ونحن لا تحس بشيء يتصل بأبداننا لا عند الوسوسة ولا عند الشعور بداعي الخير من النفس، فإذن هي من عالم غير عالم الأبدان قطعًا، والواجب على المسلم في مثل الآية الإيمان بمضمونها مع التفويض أو الحمل على أنها حكاية تمثيل ثم الاعتبار بها بالنظر في الحكم التي سيقت لها القصة.
وذهب بعض المفسرين مذهبًا آخر في فهم معنى الملائكة وهو أن مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال من إنماء نبات وخلقة حيوان وحفظ إنسان وغير ذلك فيه إيماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة، وهو أن هذا النمو في النبات لم يكن إلا بروح خاص نفخه الله في البذرة فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة وكذلك يقال في الحيوان والإنسان، فكل أمر كلي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده فإنما قوامه بروح إلهي سمي في لسان الشرع ملكًا، ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمي هذه المعاني القوى الطبيعية إذا كان لا يعرف من عالم الإمكان إلا ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها في الطبيعة.
والأمر الثابت الذي لا نزاع فيه هو أن في باطن الخلقة أمرًا هو مناطها، وبه قوامها ونظامها، لا يمكن لعاقل أن ينكره، وإن أنكر غير المؤمن بالوحي تسميته ملكًا وزعم أنه دليل على وجود الملائكة، أو أنكر بعض المؤمنين بالوحي تسميته قوة طبيعية أو ناموسًا طبيعيًا لأن هذه الأسماء لم ترد في الشرع، فالحقيقة واحدة والعاقل من لا تحجبه الأسماء عن المسميات، وإن كان المؤمن بالغيب يرى للأرواح وجودًا لا يدرك كنهه، والذي لا يؤمن بالغيب يقول لا أعرف الروح ولكن أعرف قوة لا أفهم حقيقتها، ولا يعلم إلا الله علام يختلف الناس وكل يقر بوجود شيء غير ما يرى ويحس ويعترف بأنه لا يفهمه حق الفهم، ولا يصل بعقله إلى إدراك كنهه، وماذا على هذا الذي يزعم أنه لا يؤمن بالغيب وقد اعترف بما غيب عنه لو قال أصدق بغيب أعرف أثره، وإن كنت لا أقدره قدره، فيتفق مع المؤمنين بالغيب، ويفهم بذلك ما يرد على لسان صاحب الوحي ، ويحظى بما يحظى به المؤمنون ؟!.
يشعر كل من فكر في نفسه ووازن بين خواطره عندما يهم بأمر فيه وجه للحق أو للخير، ووجه للباطل أو للشر، بأن في نفسه تنازعًا كأن الأمر قد عرض فيها على مجلس شورى، فهذا يورد وذاك يدفع، واحد يقول افعل وآخر يقول لا تفعل، حتى ينتصر أحد الطرفين، ويترجح أحد الخاطرين، فهذا الشيء الذي أودع في أنفسنا ونسميه قوة وفكرًا -وهو في الحقيقة معنى لا يدرك كنهه، وروح لا نكتنه حقيقتها- لا يبعد أن يسميه الله تعالى ملكًا، أو يسمي أسبابه ملائكة، أو ما شاء من الأسماء فإن التسمية لا حجر فيها على الناس فكيف يحجر فيها على صاحب الإرادة المطلقة والسلطان النافذ والعلم والواسع ؟
فإذا صح الجري على هذا التفسير فلا يستبعد أن تكون الإشارة في الآية إلى أن الله تعالى لما خلق الأرض ودبرها بما شاء من القوى الروحانية التي بها قوامها ونظامها، وجعل كل صنف من القوى مخصصًا بنوع من أنواع المخلوقات لا يتعداه ولا يتعدى ما حدد له من الأثر الذي خص به، خلق بعد ذلك الإنسان وأعطاه قوة يكون بها مستعدًا للتصرف بجميع هذه القوى وتسخيرها في عمارة الأرض، وعبر عن تسخير هذه القوى له بالسجود الذي يفيد الخضوع والتسخير، وجعله بهذا الاستعداد الذي لا حد له والتصرف الذي لم يعط لغيره خليفة الله في أرضه، لأنه أكمل الموجودات في هذه الأرض، واستثنى من هذه القوى قوة واحدة عبر عنها بإبليس وهي القوة التي، لزها الله بهذا العالم لزًا، وهي التي تميل بالمستعد للكمال أو بالكمال أو بالكامل إلى النقص، وتعارض مد الوجود لترده إلى العدم، أو تقطع سبيل البقاء، وتعود بالموجود إلى الفناء أو التي تعارض في اتباع الحق، وتصد عن عمل الخير، وتنازع الإنسان في صرف قواه إلى المنافع والمصالح التي تتم بها خلافته، فيصل إلى مراتب الكمال الوجودي التي خلق مستعدًا للوصول إليها، تلك القوة التي ضللت آثارها قومًا فزعموا أن في العالم إلهًا يسمى إله الشر وما هي بإله ولكنها محنة إله لا يعلم أسرار حكمته إلا هو.
ولو أن نفسًا مالت إلى قبول هذا التأويل لم تجد في الدين ما يمنعها من ذلك والعمدة على اطمئنان القلب، وركون النفس إلى ما أبصرت من الحق.
ولست أحيط علمًا بما فعلت العادة والتقاليد في أنفس بعض من يظنون أنهم من المتشددين في الدين إذ ينفرون من هذه المعاني كما ينفر المرضى أو المخدجون من جيد الأطعمة التي لا تضرهم، وقد يتوقف عليها قوام بنيتهم، ويتشبثون بأوهام مألوفة لهم تشبث أولئك المرضى والمخدجين بأضر طعام يفسد الأجسام، ويزيد السقام.
لا أعرف ما الذي فهموه من لفظ روح أو ملك، وما الذي يتخيلونه من مفهوم لفظ قوة، أليس الروح في الآدمي مثلًا هذا الذي يظهر لنا في أفراد هذا النوع بالعقل والحس والوجدان والإرادة والعمل، وإذا سلبوه سلبوا ما يسمى بالحياة؟
أو ليست القوة هي ما تصدر عنه الآثار فيمن وهبت له، فإذا سمي الروح لظهور أثره قوة، أو سميت القوة لخفاء حقيقتها روحًا، فهل يضر ذلك بالدين، أو ينقص معتقده شيئًا من اليقين؟
ألا لا يسمى الإيمان إيمانًا، حتى يكون إذعانًا، ولا يكون كذلك حتى يستسلم الوجدان وتخشع الأركان لذلك السلطان الذي تعلق به الإيمان، ولا يكون كذلك حتى يلقي الوهم سلاحه، ويبلغ العقل فلاحه، وهل يستكمل ذلك لمن لا يفهم ما يمكنه فهمه، ولا يعلم ما يتيسر له عمله؟
كلا إنما يعرف الحق أهله، ولا يضل سبله، ولا يعرف أهل الغفلة، لو أن مسكينًا من عبدة الألفاظ من أشدهم ذكاء وأذربهم لسانًا أخذ بما قيل له إن الملائكة أجسام نورانية قابلة للتشكل ثم تطلع عقله إلى أن يفهم معنى نورانية الأجسام، وهل النور وحده له قوام يكون به شخصًا ممتازًا بدون أن يقوم بجرم آخر كثيف ثم ينعكس عنه كذبابة المصباح أو سلك الكهرباء؟
ومعنى قابلية التشكل وهل يمكن للشيء الواحد أن يتقلب في أشكال من الصور مختلفة حسبما يريد وكيف يكون ذلك؟
ألا يقع في حيرة، ولو سئل عما يعتقده من ذلك ألا يحدث في لسانه من العقد ما لا يستطيع حله؟
أليست مثل هذه الحيرة تعد شكًا؟
نعم ليست هذه الحيرة حيرة من وقف دون أبواب الغيب يطرف لما لا يستطيع النظر إليه، لكنها حيرة من أخذ بقول لا يفهمه، وكلف نفسه علم ما لا تعلمه.
فلا يعد مثله ممن آمن بالملائكة إيمانًا صحيحًا، واطمأنت بإيمانه نفسه، وأذعن له قلبه، ولم يبق لوهمه سلاح ينازع به عقله، كما هو شأن صاحب الإيمان الصحيح.
فليرجع هؤلاء إلى أنفسهم ليعلموا أن الذي وقر فيها تقاليد حفت بالمخاوف، ولا علوم حفت بالسكينة والطمأنينة، هؤلاء لم يشرق في نفوسهم ذلك السر الذي يعبر عنه بالنور الإلهي، والضياء الملكوتي، واللألاء القدسي، أو ما يماثل ذلك من العبارات.
لم يسبق لنفوسهم عهد بملاحظة جانب الحق، ولم تكتحل أعين بصائرهم بنظرة إلى مطلع الوجود منه على الخلق، ولو علموا أن العالم بأسره فانٍ في نفسه، وأن ليس في الكون باقٍ كان أو يكون إلا بوجهه الكريم، وأن ما كشف من الكون وما لطف، وما ظهر منه وما بطن، إنما هو فيض من جوده ونسبة إلى وجوده، وليس الشريف منه إلا ما أعلى بذكره منزلته، ولا الخسيس إلا ما بين لنا بالنظر إلى الأول نسبته، فإن كل مظهر من مظاهر الوجود في نفسه واقع موقعه، ليس شيء أعلى ولا أحط منه، فإن كان كذلك -ولا بد أن يكون كما قدره- لو عرفوا ذلك كله لأطلقوا لأنفسهم أن تجول في تلك الشؤون حتى تصل إلى مستقر الطمأنينة حيث لا ينازع العقل شيء من وساوس الوهم، ولا تجد طائفًا من الخوف، ثم لا يتحرجون من إطلاق لفظ مكان لفظ.
هذه القوى التي نرى آثارها في كل شيء يقع تحت حواسنا، وقد خفيت حقائقها عنا، ولم يصل أدق الباحثين في بحثه عنها إلا إلى آثار تجل إذا كشفت، وتقل بل تضمحل إذا حجبت، وهي التي يدور عليها كمال الوجود، وبها ينشأ الناشئ، وبها ينتهي إلى غايته الكامل، كما لا يخفى على نبيه ولا خامل، أليست أشعة من ضياء الحق؟
أليست أجل مظهر من مظاهر سلطانه؟
ألا تعد بنفسها من عالم الغيب وإن كانت آثارها من عالم الشهادة؟
ألا يجوز أن يشعر الشاعر منها بضرب من الحياة والاختيار خاص بها لا ندرك كنهه لاحتجابه بما نتصوره من حياتنا واختيارنا؟
ألا تراها توافي بأسرارها، من ينظر في آثارها، ويوفيها حق النظر في نظامها؟
يستكثر من الخير بما يقف عليه من شؤونها، ومعرفة الطريق إلى استدرار منافعها؟
أليس الوجود الإلهي الأعلى من عالم الغيب وآثاره في خلقه من عالم الشهادة؟
أليس هو الذي وهب تلك القوى خواصها، وقدر لها آثارها؟
لما لا تقول أيها الغافل: إنه بذلك وهبها حياتها الخاصة؟
ولم قصرت معنى الحياة على ما تراه فيك وفي حيوان مثلك؟
مع أنك سئلت عن هذا الذي تزعم أنك فهمته وسميته حياة لم تستطع له تعريفًا، ولا لفعله تصريفًا؟
ثم لا تقول كما قال الله وبه نقول ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ .
أفلا تزعم أن لله ملائكة في السماء؟
هل عرفت أين تسكن ملائكة الأرض؟
وهل حددت أمكنتها، ورسمت مساكنها؟
و هل عرفت أين يجلس من يكون منهم عن يمينك؟
ومن يكون عن يسارك؟
وهل ترى أجسامهم النورانية تضيء لك في الظلام، أو تؤنسك إذا هجمت عليك الأوهام؟
فلو ركنت إلى أنها قوى أو أرواح منبثة فيما حولك، وما بين يديك وما خلفك، وأن الله ذكرها لك بما كان يعرفها سلفك، والعبارة التي تلقفتها عنهم، كيلا يوحشك بما يدهشك، وترك لك النظر فيما تطمئن إليه نفسك من وجوه تعرفها، أفلا يكون ذلك أروح لنفسك، وأدعى إلى طمأنينة عقلك؟
أفلا تكون قد أبصرت شيئًا من وراء حجاب، ووقفت على سر من أسرار الكتاب، فإن لم تجد في نفسك استعدادًا لقبول أشعة هذه الحقائق وكنت ممن يؤمن بالغيب ويفوض في إدراك الحقيقة ويقول ﴿ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾ فلا ترم طلاب العرفان بالريب ما داموا يصدقون بالكتاب الذي آمنت به، ويؤمنون بالرسول الذي صدقت برسالته، وهم في إيمانهم أعلى منك كعبًا، وأرضى منك بربهم نفسًا، ألا إن مؤمنًا لو مالت نفسه إلى فهم ما أنزل إليه من ربه على النحو الذي يطمئن إليه قلبه كما قلنا كان من دينه في ثقة، ومن فضل ربه في سعة.
أما سلطان تلك القوة في الفناء وقطع حركة الوجود إلى الصعود فلا يستطيع إخضاعه لقدرته من البشر كامل، ولا يقاول نفوذه عامل، وإنما ذلك الله وحده.
وهذا حكمها في الكائنات، إلى أن تبدل الأرض والسموات، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل التقوى والبصيرة وأن يعيذنا من الشيطان الرجيم.
<div class="verse-tafsir"
مجمل الآيات السابقة أن هذا العالم لما استعد لوجود هذا النوع الإنساني واقتضت الحكمة الإلهية إيجاده واستخلافه في الأرض، آذن الله تعالى الأرواح المنبثة في الأشياء لتدبيرها ونظامها بذلك، وأن تلك الأرواح فهمت من معنى كون الإنسان خليفة أنه يفسد النظام ويسفك الدماء، حتى أعلمها الله تعالى بأن علمها لم يحط بمواقع حكمته، ولا يصل إلى حيث يصل علمه تعالى.
ثم أوجد آدم وفضله بتعليمه الأسماء كلها، على أن کل صنف من تلك الأرواح لا يعلم إلا طائفة منها، ولذلك أخضع له تلك الأرواح إلا روحًا واحدًا هو مبعث الشر ومصدر الإغواء فقد أبى الخضوع، واستكبر عن السجود، لما كان في طبيعته من الاستعداد لذلك، والاستعداد في الشيء إنما يظهر بظهور متعلقة، فلا يقال: إذا كان لكل روح من هذه الأرواح والقوى الغيبية علم محدود فكيف ظهر من الروح الإبليسي ما لم يسبق له وهو مخالفة الأمر بالسجود لآدم والتصدي لإغوائه؟
لا يقال ذلك لأنه كان مستعدًا لهذا العصيان والإباء فلما أمر عصى، ولا وجد خلقًا مستعدًا للوسوسة اتصل به ووسوس إليه، كما أن ألوان ورق الشجر والزهور موجود كامنة في البذرة ولكنها لا تظهر إلا عند الاستعداد لها ببلوغ الطور المحدود من النمو.
ومجمل الآيات اللاحقة أن الله تعالى أمر آدم وزوجه بسكنى الجنة والتمتع بها، ونهاهما عن الأكل من شجرة مخصوصة وأخبرهما أن قربها ظلم، وأن الشيطان أزلهما عنها فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم إلى ضده، ثم إن آدم تاب إلى الله من معصيته فقبله، ثم جعل سعادة هذا النوع باتباع هدى الله وشقاءه بتركه.
وقد تقدم أن الآيات كلها قد سيقت للاعتبار ببيان الفطرة الإلهية التي فطر عليها الملائكة والبشر، وتسلية النبي عما يلاقي من الإنكار، وتقدم وجه ذلك في الآيات السابقة، وأما وجهه في هذه الآيات فظاهر وهو أن المعصية من شأن البشر، كأنه يقول: فلا تأس يا محمد على القوم الكافرين ولا تبخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا، فقد كان الضعف في طباعهم ينتهي إليهم من أول سلف لهم، تغلب عليهم الوساوس وتذهب بصبرهم الدسائس، انظر ما وقع لآدم وما كان منه، وسنة الله مع ذلك لا تتبدل، فقد عوقب آدم علی خطيئته بإهباطه مما كان فيه ، وإن کان قد قبل توبته، و غفر هفوته، فالمعصية دائمًا مجلبة الشقاء، وقد استقر أمر البشر على أن سعادتهم في اتباع الهداية الإلهية وشقاءهم في الانحراف عن سبلها.
وأما تفسير هذه الآيات فقد أختلف علماء من أهل السنة وغيرهم في "الجنة" هل هي البستان أو المكان الذي تظلله الأشجار بحيث يستتر الداخل فيه كما يفهمه أهل اللغة، أم هي الدار الموعود بها في الآخرة؟
والمحققون من أهل السنة على الأول .
قال الإمام أبو منصور الماتريدي في تفسيره المسمى بالتأويلات: نعتقد أن هذه الجنة بستان من البساتين أو غيضة من الغياض كان آدم وزوجه منعمين فيها، وليس علينا تعيينها ولا البحث عن مكانها، وهذا هو مذهب السلف ولا دليل لمن خاض في تعيين مكانها من أهل السنة وغيرهم.
وبهذا التفسير تنحل إشكالات كثيرة وهي: أن الله خلق آدم في الأرض ليكون هو ونسله خليقة فيها فالخلافة مقصودة منهم بالذات فلا يصح أن تكون عقوبة عارضة.
أنه لم يذكر أنه بعد خلقه في الأرض عرج به إلى السماء ولو حصل لذكر لأنه أمر عظيم.
أن الجنة الموعود بها لا يدخلها إلا المؤمنون المتقون فكيف دخلها الشيطان الكافر الملعون.
أنها ليست محلًا للتكليف.
أنه لا يمنع من فيها من التمتع بما يريد منها.
أنه لا يقع فيها العصيان.
وبالجملة إن الأوصاف التي وصفت بها الجنة الموعود بها لا تنطبق على ما كان في جنة آدم، ومنه كون عطائها غير مجذوذ ولا مقطوع وغير ذلك.
قال تعالى ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ﴾ ولم يقل (ادخل) ولو انتقل من الأرض التي خلق فيها إلى الجنة لقال هذا أو ما بمعناه مما يشير إلى الانتقال، فقوله ﴿ اسْكُنْ ﴾ يشير إلى أن الخلقة كانت في تلك الجنة أو بالقرب منها، وقوله ﴿ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا ﴾ إباحة للتمتع بتلك الجنة والتنعم بما فيها أي كلا منها أَكلًا رغدًا واسعًا هنيئًا من أي مكان منها إلا شيئًا واحدًا نهاهما عنه بقوله ﴿ وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ ﴾ لأنفسكما بالوقوع فيما يترتب على الأكل منها، ولم يعين الله تعالى لنا هذه الشجرة فلا نقول في تعيينها شيئًا، وإنما نعلم أن ذلك لحكمة اقتضته، ولعل في خاصية تلك الشجرة ما هو سبب خروجهما من حال إلى حال، وربما كان في الأكل منها ضرر، أو كان النهي ابتلاء وامتحانًا منه تعالى ليظهر به ما في استعداد الإنسان من الميل إلى الإشراف على كل شيء واختباره، وإن كان في ذلك معصية يترتب عليها ضرر.
قال تعالى ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ أي حولها وزحزحهما عن الجنة، أو حملهما على الزلة بسبب الشجرة وقرأ حمزة (فأزالهما) والشيطان إبليس الذي لم يسجد ولم يخضع وقد وسوس لهما بما ذكر في سورتي الأعراف وطه حتى أوقعهما في الزلل وحملهما على الأكل من الشجرة فأكلا ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ أي من ذلك المكان أو النعيم الذي كانا فيه فكان الذنب متصلًا بالعقوبة اتصال السبب بالمسبب ثم بين الله تعالى كيفية الإخراج بقوله ﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا ﴾ ، يعني آدم وزوجه وإبليس فلا حاجة لتقدير إرادة ذرية آدم بالجمع كما فعل مفسرنا (الجلال)، فإن العداوة في قوله ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ تنافي هذا التقدير فإن العداوة بين الإنسان والشيطان لا بين الإنسان وذريته.
والأصل في الهبوط أن يكون من مكان عالٍ إلى أسفل منه، ولذلك احتج به من قال إن آدم كان في السماء، وقد يستعمل في مطلق الانتقال أو مع اعتبار العلو والسفل في المعنى، وقال الراغب: الهبوط الانحدار على سبيل القهر ولا يبعد أن تكون تلك الجنة في ربوة فسمي الخروج منها هبوطًا أو سمي بذلك لأن ما انتقلوا إليه دون ما كانوا فيه أو هو كما يقال هبط من بلد إلى بلد كقوله تعالى لبني إسرائيل ﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا ﴾ .
ثم قال تعالى ﴿ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ أي أن استقراركم في الأرض وتمتعكم فيها ينتهيان إلى زمن محدود وليسا بدائمين ففي الكلام فائدتان: إحداهما- أن الأرض ممهدة ومهيأة للمعيشة فيها والتمتع بها.
والثانية - أن طبيعة الحياة فيها تنافي الخلود والدوام، فليس الهبوط لأجل الإبادة ومحو الآثار، وليس للخلود كما زعم إبليس بوسوسته إذ سمى الشجرة المنهي عنها (شجرة الخلد وملك لا يبلى) يعني أن الله أخرجهم من جنة الراحة إلى أرض العمل لا ليفنيهم، وعبر عن ذلك بالاستقرار في الأرض، ولا ليعاقبهم بالحرمان من التمتع بخيرات الأرض، وعبر عن ذلك بالمتاع، ولا ليمتعهم بالخلود وعبر عن ذلك بكون الاستقرار والمتاع إلى حين.
ثم قال ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ﴾ أي ألهمه الله إياها فأناب إليه بها وهي كما في سورة الأعراف ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ ﴾ تاب آدم بذلك وأناب إلى ربه ﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ أي قبل توبته، وعاد عليه بفضله ورحمته، وبين سبب ذلك بأنه تعالى هو التواب أي الذي يقبل التوبة كثيرًا فمهما يذنب العبد ويندم ويتب يتب الرب عليه، وبأنه هو الرحيم بعباده مهما يسيء أحدهم بما هو سبب لغضبه تعالى ويرجع إليه فإنه يحفه برحمته.
وكل ما ورد في هبوط آدم وحواء من تعيين الأمكنة فهو من الإسرائيليات الباطلة .
وأما قوله تعالى في سورة النساء ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ وفي سورة الأعراف ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾ فقد قال غير واحد من المفسرين إن المعنى من جنسها كما قال في سورة الروم ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ فإن المعنى هناك على أنه خلق أزواجًا من جنسنا ولا يصح أن يراد أنه خلق كل زوجة من بدن زوجها كما هو ظاهر، فليس في القرآن نص يلزمنا حمل قوله تعالى ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ على ذلك، لأجل مطابقة سفر التكوين، فإن القصة لم ترد في القرآن كما وردت في التوراة التي في أيدي أهل الكتاب حكاية تاريخية، وإنما جاء القرآن بموضع العبرة فی خلق آدم واستعداد الكون لأن يتكمل به، و كونه قد أعطي استعدادًا في العلم والعمل لا نهاية لهما، ليظهر حكم الله ويقيم سننه في الأرض فيكون خليفة له، وكونه لا يسلم من داعية الشر والتأثر بالوسوسة التي تحمل على المعصية، ولكون التاريخ غير مقصود له لأن مسائله من حيث هي تاريخ ليست من مهمات الدين من حيث هو دين، وإنما ينظر الدين من التاريخ إلى وجه العبرة لا غير، لذلك لم يبين الزمان والمكان كما جاء في سفر التكوين، وكان سببًا لرفض الباحثين في الكون وتاريخ الخليقة دين النصرانية، لأن العلم المبني على الاختبار والمشاهدة أظهر خطأ ما جاء من التاريخ في التوراة، ووجدت للإنسان آثار في الأرض تدل على أنه أقدم مما حددته التوراة في تاريخ تكوينه، فقام فريق من أهل الكتاب يركب التعاسيف في التأويل، وفريق يكفر بالكتاب والتنزيل.
وأما مسألة عصمة آدم فالجري على طريقة السلف يذهب بنا إلى أن العصيان والتوبة من المتشابه كسائر ما ورد في القصة مما لا يركن العقل إلى ظاهره، ولنا أن نقول إن تلك مخالفة صدرت منه قبل أن يدركه عزم النبوة كما قال جل شأنه ﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ ، إنما هو على العصمة عن مخالفة الأوامر بعد النبوة.
وقد يكون الذي وقع من آدم نسيانًا، فسمي تفخيمًا لأمره، عصيانًا، والنسيان والسهو مما لا ينافي العصمة، فإن جعلنا الكلام كله تمثيلًا فحديث الإخلال بالعصمة مما لا يمر بذهن العاقل.
وأما تفسير الآيات على طريق الخلف في التمثيل فيقال فيه: إن القرآن كثيرًا ما يصور المعاني بالتعبير عنها بصيغة السؤال والجواب، أو بأسلوب الحكاية لما في ذلك من البيان، والتأثير، فهو يدعو بها الأذهان إلى ما وراءها من المعاني، كقوله تعالى ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ﴾ فليس المراد أن الله تعالى يستفهم منها وهي تجاوبه، وإنما هو تمثيل لسعتها وكونها لا تضيق بالمجرمين مهما كثروا، ونحوه قوله بعد ذكر الاستواء إلى خلق السماء ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ والمعنى في التمثيل الظاهر.
وتقرير التمثيل في القصة على هذا المذهب، هكذا: إن إخبار الله الملائكة بجعل الإنسان خليفة في الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العالم وأرواحه التي بها قوامه ونظامه لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض.
وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض لأنه يعمل باختياره ويعطى استعدادًا في العلم والعمل لا حد لهما هو تصوير لما في استعداد الإنسان لذلك وتمهيد لبيان أنه لا ينافي خلافته في الأرض.
وتعليم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شيء في هذه الأرض وانتفاعه به في استعمارها.
وعرض الأسماء على الملائكة وسؤالهم عنها وتنصلهم في الجواب تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودًا لا يتعدى وظيفته.
وسجود الملائكة لآدم عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقوى له ينتفع بها في ترقية الكون بمعرفة سنن الله تعالى في ذلك، وإباء إبليس واستكباره عن السجود تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر وإبطال داعية خواطر السوء التي هي مثار التنازع والتخاصم، والتعدي والإفساد في الأرض، ولولا ذلك لجاء على الإنسان زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم، أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشري.
هذا ملخص ما تقدم في سابق آيات القصة.
وأما التمثيل فيما نحن فيه منها فيصح عليه أن يراد بالجنة الراحة والنعيم، فإن من شأن الإنسان أن يجد في الجنة التي هي الحديقة ذات الشجر الملتف ما يلذ له من مرأى ومأكول ومشروب ومشموم ومسموع، في ظل ظليل، وهواء عليل، وماء سلسبيل، كما قال تعالى في القصة من سورة طه ﴿ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى ﴾ ويصح أن يعبر عن السعادة بالكون في الجنة وهو مستعمل، ويصح أن يراد بآدم نوع الإنسان كما يطلق اسم أبي القبيلة الأكبر على القبيلة فيقال كلب فعلت كذا ويراد قبيلة كلب، وكان من قريش كذا يعني القبيلة التي أبوها قريش، وفي كلام العرب كثير من هذا.
ويصح أن يراد بالشجرة معنى الشر والمخالفة كما عبر الله تعالى في مقام التمثيل عن الكلمة الطيبة بالشجرة وفسرت بكلمة التوحيد، وعن الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة وفسرت بكلمة الكفر.
وفي الحديث تشبيه المزمن بشجرة النخل، ويصح أن يكون المراد بالأمر بسكنى الجنة وبالهبوط منها أمر التكوين، فقد تقدم أن الأمر الإلهي قسمان: أمر تكوين وأمر تكليف، والتكوين هو المراد بقوله تعالى ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .
والمعنى على هذا أن الله تعالى كون النوع البشري على ما نشاهد في الأطوار التدريجية التي قال فيها سبحانه ﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ﴾ .
فأولها طور الطفولية: وهي لا هم فيها ولا كدر، وإنما هي لعب ولهو، كأن الطفل دائمًا في جنة ملتفة الأشجار، يانعة الثمار، جارية الأنهار، متناغية الأطيار، وهذا معنى ﴿ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ﴾ وذكر الزوجة مع أن المراد بآدم النوع الآدمي للتنبيه على الشمول وعلى أن استعداد المرأة كاستعداد الرجل في جميع الشؤون البشرية، فأمر آدم وحواء بالسكنى أمر تكوين، أي أنه تعالى خلق البشر ذكورًا وإناثًا هكذا -وأمرهما بالأكل حيث شاءا عبارة عن إباحة الطيبات وإلهام معرفة الخير- والنهي عن الشجرة عبارة عن إلهام معرفة الشر، وإن الفطرة تهدي إلى قبحه ووجوب اجتنابه، وهذان الإلهامان اللذان يكونان للإنسان في الطور الثاني وهو طور التمييز هما المراد بقوله تعالى ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ ووسوسة الشيطان وإزلاله لهما عبارة عن وظيفة تلك الروح الخبيثة التي تلابس النفوس البشرية فتقوي فيها داعية الشر، أي أن إلهام التقوى والخير أقوى في قطرة الإنسان أو هو الأصل، ولذلك لا يفعل الشر إلا بملابسة الشيطان له ووسوسته إليه - والخروج من الجنة مثال لما يلاقيه الإنسان من البلاء والعناء بالخروج عن الاعتدال الفطري.
وأما تلقي آدم الكلمات وتوبته فهو بيان لما عرف في الفطرة السليمة من الاعتبار بالعقوبات التي تعقب الأفعال السيئة ورجوعه إلى الله تعالى عند الضيق والتجائه إليه في الشدة.
وتوبة الله تعالى عليه عبارة عن هدايته إياه إلى المخرج من الضيق، والتفلت من شرك البلاء، بعد ذلك الاعتبار والالتجاء، وذكر توبة الله على الإنسان ترد ما عليه النصارى من اعتقاد أن الله تعالى قد سجل معصية آدم عليه وعلى بنيه إلى أن يأتي عيسى ويخلصهم منها وهو اعتقاد تنبذه القطرة ويرده الوحي المحكم المتواتر.
فحاصل القول أن الأطوار الفطرية للبشر ثلاثة: طور الطفولية وهو طور نعيم وراحة، وطور التمييز الناقص وفيه يكون الإنسان عرضة لاتباع الهوى بوسوسة الشيطان، وطور الرشد والاستواء وهو الذي يعتبر فيه بنتائج الحوادث، ويلتجئ فيه عند الشدة إلى القوة الغيبية العليا التي منها كل شيء وإليها يرجع الأمر كله، فالإنسان في أفراده مثال للإنسان في مجموعه.
كان تدرج الإنسان في حياته الاجتماعية ابتداء ساذجًا سليم الفطرة، قويم الوجهة، مقتصرًا في طلب حاجاته على القصد والعدل، متعاونًا على دفع ما عساه يصيبه من مزعجات الكون وهذا هو العصر الذي يذكره جميع طوائف البشر ويسمونه بالذهبي.
ثم لم يكفه هذا النعيم المرفه فمد بعض أفراده أيديهم إلى تناول ما ليس لهم طاعة للشهوة، وميلًا مع خيال اللذة، وتنبه من ذلك ما كان نائمًا في نفوس سائرهم فثار النزاع، وعظم الخلاف واستنزل الشقاء، وهذا هو الطور الثاني وهو معروف في تاريخ الأمم.
ثم جاء الطور الثالث وهو طور العقل والتدبر، ووزن الحرير والشر بميزان النظر والفكر، وتحديد حدود للأعمال تنتهي إليها نزعات الشهوات، ويقف عندها سير الرغبات، وهو طور التوبة والهداية إن شاء الله.
وبقي طور آخر أعلى من هذه الأطوار، وهو منتهى الكيل وأعني به طور الدين الإلهي والوحي السماوي الذي به كمال البداية الإنسانية، وبيانه في قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
أمرهم الله تعالى بالهبوط مرتين فالأولى بيان حالهم في أنفسهم بعد الهبوط من تلك الجنة أو الخروج من ذلك الطور وهو أن حالهم تقتضي العداوة والاستقرار في الأرض والتمتع بها، وعدم الخلود فيها، والثانية بيان لحالهم من حيث الطاعة والمعصية وآثارها، وهي أن حالة الإنسان في هذا الطور لا تكون عصيانًا مستمرًا شاملًا، ولا تكون هدى واجتباء عامًا -كما كان يفهم لو اقتصر على ذكر توبة الله على آدم وهدايته واجتبائه- وإنما الأمر موكول إلى اجتهاد الإنسان وسعيه، ومن رحمة الله تعالى به أن يجعل في بعض أفراده الوحي ويعلمهم طرق الهداية، فمن سلكها فاز وسعد، و من تنكبها خسر وشقي، هذا هو السر في إعادة ذكر الهبوط لا أنه أعيد التأكيد كما زعموا.
قال تعالى ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ﴾ أي فقد انتهى طور النعيم الخالص والراحة العامة وادخلوا في طور لكم فيه طريقان: هدى وضلال، إيمان وكفران، فلاح وخسران ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ﴾ من رسول مرشد و کتاب مبين ﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ ﴾ الذي أشرعه، وسلك صراطي المستقيم الذي أحدده ﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ من وسوسة الشيطان، ولا مما يعقبها من الشقاء و الخسران، ﴿ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ علی فوت مطلوب، أو فقد محبوب، لأنهم يعلمون بهذه الهداية أن الصبر والتسليم مما يرضي الله تعالى ويوجب مثوبته، ويفتح للإنسان باب الاعتبار بالحوادث، ويقويه على مصارعة الكوارث، فيكون له من ذلك خير عوض عما فاته، وأفضل تعزية عما فقده.
والخوف عبارة عن تألم الإنسان من توقع مكروه يصيبه، آو توقع حرمان من محبوب يتمتع به أو يطلبه، والحزن ألم يلم بالإنسان إذا فقد ما يحب، وقد أعطانا الله جل ثناؤه الطمأنينة التامة في مقابلة ما تحدثه كلمة ﴿ اهْبِطُوا ﴾ من الخوف من سوء المنقلب، وما تثيره من كوامن الرعب، فالمهتدون بهداية الله تعالى لا يخافون مما هو آتٍ، ولا يحزنون على ما فات، لأن اتباع الهدى يسهل عليهم طريق اكتساب الخيرات، و يعدهم لسعادة الدنيا والآخرة، ومن كانت هذه وجهته، يسهل عليه كل ما يستقبله، ويهون عليه كل ما أصابه أو فقده، لأنه موقن بأن الله يخلفه، فيكون كالتعب في الكسب، لا يلبث أن يزول بلذة الربح الذي يقع أو يتوقع.
إذا قال قائل إن الدين يقيد حرية الإنسان ويمنعه بعض اللذات التي يقدر على التمتع بها، ويحزنه الحرمان منها فكيف يكون هو المأمن من الأحزان، ويكون باتباعه الفوز وبتركه الخسـران؟
فجوابه أن الدين لا يمنع من لذة إلا إذا كان في إصابتها ضرر على مصيبها، أو على أحد إخوانه من أبناء جنسه الذين يفوته من منافع تعاونهم إذا آذاهم أكثر مما يناله بالتلذذ بإيذائهم، ولو تمثلت لمستحل اللذة المحرمة مضارها التي تعقبها في نفسه وفي الناس، وتصور ما لها من التأثير في فساد العمران لو كانت عامة، وكان صحيح العقل معتدل الفطرة، ترجع عنها متمثلًا بقول الشاعر: "لا خير في لذة من بعدها كدر" فكيف إذا كان مع ذلك يؤمن باليوم الآخر ويعلم أن هذه المحرمات تدنس الروح فلا تكون أهلًا لدار الكرامة في يوم القيامة.
..
وليست سعادة الإنسان في حرية البهائم بل في الحرية التي تكون في دائرة الشرع ومحيطه، فمن اتبع هداية الله فلا شك أنه يتمتع تمتعًا حسنًا ويتلقى بالصبر كل ما أصابه، وبالطمأنينة ما يتوقع أن يصيبه، فلا يخاف ولا بحزن.
يريد أن رجاء الإنسان فيما وراء الطبيعة هو الذي يقيه من تحكم عوادي الطبيعة فيه، وبدون ذلك الرجاء تتحكم فيه أشد مما تتحكم في البهائم التي هي أقوى منه طبيعة و ﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾ فالتماس السعادة بحرية البهائم، هو الشقاء اللازم، وقد صرح بلفظ التمتع الحسن أخذًا من قوله تعالى ﴿ وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ الآية فالآيات الدالة على أن سعادة الدنيا معلولة للاهتداء بالدين كثيرة جدًا وقد حجبها عن كثير من المسلمين قولهم في الكافرين: لهم الدنيا ولنا الآخرة، يغالطون بحجة القرآن عليهم.
وآيات سورة طه في قصة آدم أوضح في المراد من آيات البقرة وهي قوله ﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ .
قال تعالى ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾ .
واشتقاق الآية إما من أي فإنها هي التي تبين أيًّا من أي، والصحيح أنها مشتقة من التأنِّي الذي هو التثبت والإقامة على الشيء.
والذين كفروا وكذبوا بآياتنا التي نجعلها دلائل الهداية وحجج الإرشاد بأن جحدوا بها وأنكروها، ولم يذعنوا لصدقها، اتباعًا لخطوات الشيطان وعملًا بوسوسته، وذهابًا مع إغوائه ﴿ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ تقدم تفسير الخلود في آخر الآية٢٥.
بعد تفسير الكفر بالجحود، والتكذيب بالإنكار: وکل منهما يأتي في فرق من الناس، فمنهم من لا تقوى ولا إيمان له وهم الذين لا يؤمنون بالغيب لأنه ليس عندهم أصل للنظر فيما جاءهم، فهؤلاء منكرون، وهم مكذبون لأن التكذيب يشمل عدم الاعتقاد بصدق الدعوة التي جاء بها الرسول واعتقاد كذبها، والجحود قد يأتي من المعتقد قال تعالى ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ .
فهذا هو الطور الأخير للإنسان بعدما وكل إلى كسبه، وجعل فلاحه وخسرانه بعمله، فمن لطف الله به أن أيده بهداية الدين بعد هداية الحس والوجدان والعقل، فبهذه الهدايات يرتقي بالتدريج ما شاء الله تعالى..
<div class="verse-tafsir"
لا يزال الكلام في الكتاب وكونه لا ريب فيه وبيان أحوال الناس وأصنافهم في أمره وقد قلنا إن التفنن في مسائل مختلفة منتظمة في سلك موضوع واحد هو من أنواع بلاغة القرآن وخصائصه المدهشة التي لم تسبق لبليغ، ولن يبلغ شأوه فيها بليغ: ذكر الكتاب وأنه لا ريب فيه، ثم ذكر اختلاف الناس فيه فابتدأ بالمستعدين للإيمان به المنتظرين للهدى الذي يضيء نوره منه، وثنى بالمؤمنين، وثلث بالكافرين، وقفى عليهم بالمنافقين.
ثم ضرب الأمثال لفرق الصنف الرابع، ثم طالب الناس کلهم بعبادته، ثم أقام البرهان علی كون الكتاب منزلًا من الله علی عبده محمد ، و تحدی المرتابين بما أعجزهم، ثم حذر وأنذر، وبشر ووعد، ثم ذكر المثل والقدوة وهو الرسول، وذكر اختلاف الناس فيه كما ذكر اختلافهم في الكتاب، ثم حاج الكافرين، وجاءهم بأنصع البراهين، وهو إحياؤهم مرتين وإماتتهم مرتين ، وحلق السموات والأرض لمنافعهم، ثم ذكر خلق الإنسان وبين أطواره، ثم طفق يخاطب الأمم والشعوب الموجودة في البلاد التي ظهرت فيها النبوة تفصيلًا، فبدأ في هذه الآيات بذكر اليهود للمعنى الذي نذكره.
والكلام لم يخرج بهذا التنويع عن انتطامه في سلكه، و حسن اتساقه في سبكه، فهو دائر على قطب واحد في فلكه، وهو الكتاب، والمرسل به، وحاله مع المرسل إليهم.
قال تعالى: ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ اختص بني إسرائيل بالخطاب اهتمامًا بهم لأنهم أقدم الشعوب الحاملة للكتب السماوية والمزمنة بالأنبياء المعروفين، ولأنهم كانوا أشد الناس على المؤمنين، ولأن في دخولهم في الإسلام من الحجة على النصارى وغيرهم أقوى مما في دخول النصارى من الحجة عليهم، وهذه النعمة التي أطلقها في التذكير العظم شأنها هي نعمة جعل النبوة فيهم زمنًا طويلًا (أو أعم)، ولذلك كانوا يسمون شعب الله كما في كتبهم، وفي القرآن أن الله اصطفاهم وفضلهم، ولا شك أن هذه المنقبة نعمة عظيمة من الله منحهم إياها بفضله ورحمته فكانوا بها مفضلين على العالمين من الأمم والشعوب وكان الواجب عليهم أن يكونوا أكثر الناس لله شكرًا وأشدهم لنعمته ذكرًا، وذلك بأن يؤمنوا بكل نبي يرسله لهدايتهم، ولكنهم جعلوا النعمة حجة الإعراض عن الإيمان، وسبب إيذاء النبي ، لأنهم زعموا أن فضل الله تعالى محصور فيهم، وأنه لا يبعث نبيًا إلا منهم، ولذلك بدأ الله تعالى خطابهم بالتذكير بنعمته، وقفى عليه بالأمر بالوفاء بعهده فقال: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ عهد الله تعالى إليهم يعرف من الكتاب الذي نزله إليهم، فقد عهد إليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وأن يؤمنوا برسله متى قامت الأدلة على صدقهم، وأن يخضعوا لأحكامه وشرائعه، وعهد إليهم أن يرسل إليهم نبيًا من بين إخوتهم أي بني إسماعيل يقيم شعبًا جديدًا.
هذا هو العهد الخاص المنصوص، ويدخل في عموم العهد عهد الله الأكبر الذي أخذه على جميع البشر بمقتضى الفطرة وهو التدبر والتروي، ووزن كل شيء بميزان العقل والنظر الصحيح، لا بميزان الهوى والغرور، ولو التفت بنو إسرائيل إلى هذا العهد الإلهي العام، أو إلى تلك العهود الخاصة المنصوصة في كتابهم، لآمنوا بالنبي واتبعوا النور الذي أنزل معه وكانوا من المفلحين، ولا حاجة إلى تخصيص العهد بالإيمان بالنبي كما فعل مفسرنا (الجلال) فإن الإيمان داخل في العهد العام وهو من أفراد العهد الخاص فلا دليل على قصر عموم العهد المضاف عليه.
هذا هو عهد الله، وأما عهدهم فهو التمكين في الأرض المقدسة، والنصر على الأمم الكافرة، والرفعة في الدنيا وخفض العيش فيها.
هذا هو الشائع في التوراة التي بين أيديهم، ولا شك أن الله تعالى قد وعدهم أيضًا بسعادة الآخرة، ولكن لا دليل على هذا في التوراة إلا الإشارات ولذلك ظن بعض الباحثين أن اليهود لا يؤمنون بالبعث، ومع هذا يقول (الجلال) كغيره إن هذا العهد هو دخول الجنة ويقتصر عليه.
ولما كان من موانع الوفاء بالعهد الذي فشا تركه في شعب إسرائيل خوف بعضهم من بعض لما بين الرؤساء والمرؤوسين من المنافع المشتركة عقب الأمر بالوفاء بقوله ﴿ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ أي إن کنتم تخافون فوت بعض المنافع، ونزول بعض المضار بكم إذا خالفتم الجماهير واتبعتم الحق، فالأولى أن لا تخافوا ولا ترهبوا إلا من بيده أزمة المنافع كلها، وهو الله الذي أنعم عليكم بتلك النعمة الكبرى أو النعم كلها، وهو وحده القادر على سلبها، وعلى العقوبة على ترك الشكر عليها، فأرهبوه وحده لا ترهبوا سواه.
ثم انتقل من الأمر بالوفاء بعموم العهد إلى العهد الخاص المقصود من السياق فقال تعالى جل شأنه ﴿ وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ﴾ من تعاليم التوراة وکتب الأنبياء كالتوحيد والنهي عن الفواحش والمنكرات والأمر بالمعروف وما يتصل بهذا من الإرشاد الموصل إلى السعادة فإذا نظرتم في القرآن ووجدتموه مصدقًا لما معكم من مقاصد الدين الإلهي وأصوله ووعود الأنبياء وعهودهم، تعلمون أن الروح الذي نزل به هو عين الروح الذي نزل بما سبقه، وتعلمون أنه لا غرض لهذا النبي الذي يدعوكم إلى مثل ما دعاكم إليه موسى والأنبياء إلا تقرير الحق، وهداية الخلق، بعد ما طرأ من ضلالة التأويل، وجهالة التقليد، فبادروا إلى الإيمان بهذا الكتاب الذي قامت به الحجة عليكم من وجهين: أحدهما - إعجازه.
وثانيهما - كونه مصدقًا لما معكم ﴿ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ أي ولا تبادروا إلى الكفر به والجحود له مع جدارتكم بالسبق إليه، وهذا الاستعمال معروف في الكلام البليغ لهذا المعنى لا يقصد بالأولية فيه حقيقتها.
والخطاب عام لليهود في كل عصر وزمان.
ثم قال ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ الآيات هي الدلائل التي أيد بها النبي وأعظمها القرآن فهو كقوله تعالى ﴿ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ﴾ أي لا تعرضوا عن الإيمان بهذا النبي وما جاء به وتستبدلوا بهدايته هذا الثمن القليل، وهو ما يستفيده رؤساؤكم من المرؤوسين من مال وجاء أوقعاهم في الكبير والغرور، وما يتوقعه المرؤوسون من الزلفى والحظوة بتقليد الرؤساء وأتباعهم، وما يخشونه إذا خالفوهم من المهانة والذلة، وإنما سمي هذا الجزاء قليلًا لأن كل ما عدا الحق قليل وحقير بالنسبة إليه، وكيف لا يكون قليلًا وصاحبه يخسر عقله وروحه قبل كل شيء لإعراضه عن الآيات البينات، والبراهين الواضحات، ثم إنه يخسر مرضاة الله تعال وتحل به نقمة في الدنيا وعقوبته في الآخرة، وختم هذه الآية بشبه ما ختم به ما قبلها وذلك قوله: ﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ وليس في هذه مع سابقاتها تكرار ولا شبه تكرار كما يتوهم، فقد حل كل من القولين محله، ولا مندوحة عن واحد منها لأن استبدال الباطل بالحق إنما كان منهم لاتقاء الرئيس فوت المنفعة من المرؤوس، واتقاء المرؤوس غضب الرئيس، فدحض هذه الشبهة بالأمر بتقوى الله وحده الذي بيده قلوب العباد وجوارحهم، وهو المسخر لهم في أعمالهم، وبيده الخير كله، وهو على كل شيء قدير.
ثم قال ﴿ وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ بينت هذه الآية مسلكهم في الغواية والإغواء في سياق النهي عنه فقد جاء في كتبهم التحذير من أنبياء كذبة يبعثون فيهم ويعملون العجائب، وجاء فيها أيضًا أنه تعالى يبعث فيهم نبيًا من ولد إسماعيل يقيم به أمة، وأنه يكون من ولد الجارية "هاجر" وبين علاماته بما لا لبس فيه ولا اشتباه، ولكن الأحبار والرؤساء كانوا يلبسون على العامة الحق بالباطل فيوهمونهم أن النبي من الأنبياء الذين نعتهم الكتب بالكذبة -(حاشاه)- ويكتمون ما يعرفون من نعوته التي لا تنطبق على سواه، وما يعلمون من صفات الأنبياء الصادقين وما يدعون إليه، وكله ظاهر فيه بأكمل المظاهر.
ومن اللبس أيضًا ما يفتريه الرؤساء والأحبار فيكون صادًا لهم عن سبيل الله وعن الإيمان بنبيه عن ضلال وجهل، وهو لبس أصول الدين بالمُحْدَثات والتقاليد التي زادها على الكتب المنزلة بضروب من التأويل والاستنباط من كلام بعض المتقدمين وأفعالهم، فكانوا يحكمون هذه الزيادات في الدين حتى في كتب الأنبياء ويعتذرون بأن الأقدمين أعلم بكلام الأنبياء وأشد اتباعًا لهم فهم الواسطة بينهم وبين الأنبياء، وعلى من بعدهم الأخذ بما يقولون دون ما يقول الأنبياء الذين يصعب عليهم فهم كلامهم بزعمهم، ولكن الله لم يقبل هذا العذر منهم فأسند إليهم ذلك اللبس وكتمان الحق الموجود في التوراة إلى اليوم، وكذلك لا يقبل الله ممن بعدهم ترك كتابه لكلام الرؤساء بحجة أنهم أكثر علمًا وفهمًا، فكل ما يعلم من كتاب الله تعالى يجب العمل به، وإنما يسأل الإنسان أهل الفهم عما لا يعلم منه ليعلم فيعمل.
ثم قال جل ثناؤه ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ فبعد الدعوة إلى الإيمان اليقيني دعاهم إلى العمل الصالح على الوجه النافع المرضي لله تعالى وكانوا ضلوا عنه بالتمسك بالظواهر والوقوف عند الرسوم فقد كانوا يصلون ولكنهم ما كانوا يقيمون الصلاة لأن الإقامة هي الإتيان بالشيء مقومًا كاملًا وهي في الصلاة التوجه إلى الله تعالى بالقلب والخشوع بين يديه والإخلاص له في الذكر والدعاء والثناء، فهذا هو روح الصلاة الذي شرعت لأجله ولم تشرع لهذه الصورة، فإن الصورة تتغير في حكم الله تعالى على ألسنة أنبيائه لأنها رابطة مذكِّرة، فلم تكن للأنبياء صورة واحدة للصلاة، ولكن هذا الروح لا يتغير، فهو واحد لم يختلف فيه نبي ولم ينسخ في دين.
ثم أمر بعد الصلاة التي تطهر الروح وتقربها من الله تعالى بالزكاة التي هي عنوان الإيمان، ومظهر شكر الله على نعمه، والصلة العظيمة بين الناس.
وقد عهد في القرآن قرن الأمر بإتيان الزكاة بالأمر بإقامة الصلاة، ومن أقام الصلاة لا ينسي الله تعالى ولا يغفل عن فضله، ومن كان كذلك فهو جدير ببذل المال في سبيله، مواساة لعياله ومساعدة على مصالحهم التي هي ملاك مصلحته، فإن الإنسان إنما يكتسب المال من الناس بحذقه وعمله معهم فهو لم يكن غنيًا إلا بهم ومنهم، فإذا عجز بعضهم عن الكسب بآفة في فكره ونفسه أو علة في بدنه، فيجب على الآخرين الأخذ بيده، وأن يكونوا عونًا له حفظًا للمجموع الذي ترتبط مصالح بعضه بمصالح البعض الآخر، وشكرًا لله على ما ميزهم به من النعمة، وظاهر أن الغني في حاجة دائمة إلى الفقير كما أن الفقيرة في حاجة إليه، ولكن النفوس تمرض فتغفل عن المصلحة في بذل المال ومساعدة الفقير والضعيف مبالغة وغلوًا في حب المال الذي هو شقيق الروح كما يقولون، لهذا جعل الله بذل المال والإنفاق في سبل الخير علامة من علامات الإيمان، وجعل البخل من آيات النفاق والكفر كما سيأتي في بعض الآيات.
إن البخل- ومنبعه القسوة على عباد الله تعالى، والحرص على المال استرسالًا في الشهوات وميلًا مع الأهواء - لا يجتمع مع الإيمان الصحيح في قلب واحد قط.
وليس لأحد أن يزعم أنه يؤمن بالله وبما أنزل على رسله من الأوامر والنواهي حتى يقوم بما أمر الله فيما طلب منه على ما يحب الله ويرضى.
ثم أمر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بالركوع مع الراكعين، والركوع صورة الصلاة أو جزء من أجزائها، وقد أخره ولم يصله بالصلاة لحكمة جليلة، لا رعاية للفاصلة كما زعم بعض المفسرين، فليس من الجائز أن يكون في القرآن ما يعرض فيه إخلال بالمعنى لأجل رعاية الفاصلة، بل هذا لا يرتضيه البلغاء من الناس فكيف يقع في كلام الله تعالى؟
وإنما وردت هذه الأوامر الثلاثة مرتبة كما يحب الله تعالى فإقامة الصلاة في المرتبة الأولى من عبادة الله تعالى لأنها روح العبادة والإخلاص له، ويليها إيتاء الزكاة لأنها تدل أيضًا على زكاة الروح وقوة الإيمان، وأما الركوع وهو صورة الصلاة البدنية أو بعض صورتها أشير به إليها فهو في المرتبة الثالثة، فرض للتذكير بسابقيه وما هو بعباده لذاته، وإنما كان عبادة لأنه يؤدَّى امتثالًا لأمر الله تعالى وإظهارًا لخشيته، والخشوع لعظمته، ولكنه قد يصير عادة لا يلاحظ فيها امتثال ولا إخلاص فلا يعد عند الله شيئًا، وإن عده أهل الرسوم كل شيء، بخلاف إقامة الصلاة بالمعنى الذي ذكرناه وإيتاء الزكاة، ولا يخفى أن الفصل بين معنى الصلاة وصورتها بالزكاة فيه تعظيم لشأن الزكاة وسنتكلم على الزكاة والإنفاق في سبيل الله بالتفصيل في تفسير آية أخرى إن شاء الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
الكلام موجه إلى بني إسرائيل وقد تقدم في الآيات السابقة أن الله ذكرهم بنعمته، وأمرهم بالوفاء بعهده، وأن يرهبوه ويتقوه وحده، وأن يؤمنوا بالقرآن، ونهاهم أن يكونوا أول كافر به، وأن يشتروا بآياته ثمنًا قليلًا، وأن يلبسوا الحق بالباطل ويكتموه عمدًا.
ثم أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وطفق في هذه الآيات يوبخهم على سيرتهم المعوجة في الدين، ويهديهم إلى طريق الخروج منها.
اليهود كسائر الملل يدعون الإيمان بكتابهم والعمل به، والمحافظة على أحكامه والقيام بما يوجبه، ولكن الله تعالى علمنا أن من الإيمان-بل مما يسمى في العرف إيمانًا- ما لا يعبأ به، فيكون وجوده كعدمه، وهو الإيمان الذي لا سلطان له على القلب، ولا تأثير له في إصلاح العمل، كما قال ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ وكانت اليهود في عهد بعثته قد وصلوا في البعد عن جوهر الدين إلى هذا الحد.
كانوا -ولا يزالون- يتلون الكتاب تلاوة يفهمون بها معاني الألفاظ، ويجلون أوراقه وجلده، ولكنهم ما كانوا يتلونه حق تلاوته، لأن الذين يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به كما قال تعالى وعلى الوجه الذي يرضاه تعالى: يتلون ألفاظه وفيها البشارة بالنبي ويأمرون بالعمل بأحكامه وآدابه من البر والتقوى، ولكن الأحبار القارئين الآمرين الناهين ما كانوا يبينون من الحق إلا ما يوافق أهواءهم وتقاليدهم، ولا يعملون بما فيه من الأحكام إلا إذا لم يعارض حظوظهم وشهواتهم فقد عهد الله إليهم في الكتاب أنه يقيم من إخوتهم نبيًا يقيم الحق، وفرض عليهم الزكاة، ولكنهم كانوا يحرفون البشارة بالنبي ويؤولونها، ويحتالون لمنع الزكاة فيمنعونها، وجعلت لهم مواسم واحتفالات دينية تذكرهم بما آتى الله أنبياءهم من الآيات وما منحهم من النعم لينشطوا إلى إقامة الدين والعمل بالكتاب، ولكن القلوب قست بطول الأمد ففسقت النفوس عن أمر ربها.
وهذه التوراة التي بين أيديهم لا تزال حجة عليهم، فلو سألتهم عما فيها من الأمر بالبر والحث على الخير لاعترفوا وما أنكروا، ولكن أين العمل الذي يهدي إليه الإيمان، فيكون عليه أقوى حجة وبرهان؟!.
كذلك كان شأن أحبار اليهود وعلمائهم في معرفة ظواهر الدين بالتفصيل وكان عامتهم يعرفون من الدين العبادات العامة والاحتفالات الدينية وبعض الأمور الأخرى بالإجمال، ويرجع المستمسك منهم بدينه في سائر أموره إلى الأحبار فيقلدهم فيما يأمرونه به، وكانوا يأمرون بما يرونه صوابًا فيما ليس لهم فيه هوى، وإلا لجأوا إلى التأويل والتحريف والحيلة ليأخذوا من الألفاظ ما يوافق الهوى ويصيب الغرض، فإذا وجه الخطاب في قوله تعالى ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ إلى حملة الكتاب فذاك لأن الأمر والنهي وظيفتهم، وإذا كان عامًا فذاك لأن شأن العامة فيما يعرفون من الدين بالإجمال كشأن الرؤساء فيما يعرفون بالتفصيل، ولا يكاد يوجد أحد لا يأمر بخير ولا يحث على بر فإذا كان الأمر لا يأتمر بما يأمر به فالحجة قائمة عليه بلسانه.
وبخ الله هؤلاء القوم على أنهم كانوا يأمرون الناس بالبر كالأخذ بالحق ومعرفته لأهله وعمل الخير والوعد عليه بالسعادة مع الغفلة عن أنفسهم وعدم تذكيرها بذلك، وما أجمل التعبير عن هذه الحالة بنسيان الأنفس، فإن من شأن الإنسان أن لا ينسى نفسه من الخير ولا يجب أن يسبقه أحد إلى السعادة، كأنه يقول: إذا كنتم موقنين بوعد الكتاب على البر ووعيده على تركه فكيف نسيتم أنفسكم ﴿ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ﴾ وتأمرون الناس باتباعه وتعرفون منه ما لا يعرفه المأمورن؟
أفتعلمون مع نقص العلم بفائدة العمل، ولا تعملون على كمال العلم وسعته؟!.
ولما كان هذا غير معقول قفى على استفهام التوبيخ بقوله ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ ؟.
يعني ألا يوجد فيكم عقل يحبسكم عن هذا السفه، فإن من له مسكة من العقل لا يدعي كمال العلم بالكتاب والإيمان اليقيني به والقيام بالإرشاد إليه: هذا كتاب الله، هذه وصايا الله، هذا أمر الله، قد وعد العامل به السعادة في الدنيا أو الآخرة أو كليهما، فخذوا به واستمسكوا بعراه، وحافظوا عليه- ثم هو لا يعمل ولا يستمسك؟!.
مثل من كانت هذه حاله كمثل رجل أمامه طريق مضيء نصت فيه الأعلام والصوى بحيث لا يضل سالكه، ثم هو يسلك طريقًا آخر مظلمًا طامس الأعلام، وكلما لقي في طريقه شخصًا نصح له أن لا يمشي معه، وأن يرجع إلى طريق الهدى الذي تركه، أو مثل ساغب يدعو الناس إلى المائدة الشهية، ويبيت على الجوع والطوى، أو صاد يدل العطاش على مورد الماء ولا يرد معهم.
إذا كان هذا لا يقع من صحيح العقل فكذلك أمر المؤمن بشعب الإيمان وعدم الائتمار بها، مع تذكرها وتلاوة كلام الله فيها.
فلا بد لتعقل هذا من القول بأن الإيمان بالوعد على البر والوعيد على الفجور غير يقيني عند الآمر المخالف.
ويؤيده أن القوم كانوا عقلاء في كسب المال وحفظ الجاه الدنيوي وإنما ضلوا من جهة الدين بأخذه على غير وجهه.
الخطاب عام لليهود الذين كان هذا حالهم وعبرة لغيرهم لأنه منبئ عن حال طبيعية للأمم في مثل ذلك الطور الذي كانوا فيه، ولذلك كان القرآن هداية للعالمين إلى يوم الدين، لا حكاية تاريخ يقصد بها هجاء الإسرائيليين، فلتحاسب أمة نفسها في أفرادها ومجموعها لئلا يكون حالها كحال من ورد النص فيهم فيكون حكمها عند الله كحكمهم، لأن الجزاء على أعمال القلوب والجوارح، لا لمحاباة الأشخاص والأقوام أو معاداتهم.
"فإن قيل" إن من يأمر غيره بالبر وينسى نفسه قد يكون متكلًا في ترك العمل على الشفاعات والمكفرات، كالأذكار والصدقات، لا أنه يترك لعدم اليقين في الإيمان، وإذا أمر غيره بالبر مع هذا فذاك لأنه يلاحظ المكفرات في شأن نفسه ولا يلاحظها في شأن غيره.
نقول:إن العالم بالدين لا يخفى عليه أن حكم الله تعالى واحد عام، فكيف يحتم البر على غيره ويوهمه أنه لا يقربه من رضوان الله ويبعده من سخطه إلا هو، وينسى نفسه فلا يحتم عليها ذلك؟!
ثم كيف يجهل أن الشفاعات والأعمال الصالحة التي ورد أنها تكفر السيئات لا يصح أن تكون مثبطة عن عمل البر أو سببًا لتركه لأنه المقصود من الدين، فهل يكون فرع من فروع الدين هادمًا لأصوله وسائر فروعه؟!
كل ذلك كان ينبغي أن يكون بعيدًا عن العالم بالدين الذي يتلو كتاب الله تعالى، ولكن هذا الضرب من الخذلان يعرض لأرباب الأديان عند فساد حال الأمم، فنبه الله تعالى عليه بهذا التعبير اللطيف وهو نسيان النفس مع تلاوة الكتاب، فكأن الزاعم أنه مؤمن ولا يعمل عمل الإيمان، نسي أنه هو الذي يزعم الإيمان، وصاحب هذا النسيان يمضي في العمل القبيح من غير فكر ولا رؤية بل انبعاثًا مع الحظوظ والشهوات التي حكمها في نفسه، وملكها زمام عقله وحسه، ولكنه لا يلاحظها في غيره عندما يعرض عليه عمله الشيء أو يراه معرضًا عن عمل البر ولذلك يعظه ويذمه.
بعدما بين سوء حالهم وأن عقلهم لم ينفعهم والكتاب لم يذكرهم، أرشدهم إلى الطريقة المثلي للانتفاع بالكتاب والعقل والعمل بالعلم النافع، فإن العمل السيئ الذي سببه نسيان النفس ليس طبيعيًا كالنفس لا يمكن دفعه ومقاومته بل هو اختياري وسببه عارض تمكن إزالته بما أرشد الله إليه في قوله ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ ...
أمر بالصبر وهو كما قال المفسر حبس النفس على ما تكره.
ونقول بعبارة أوضح هو احتمال المكروه بنوع من الرضى والاختيار والتسليم، لأنه لو لم يكن كذلك لكان كما يقول العامة في أمثالهم ...
وذكر مثلًا بمعني قول الشاعر: صبرت ولا والله مالي طاقة على الصبر ولكني صبرت على الرغم والصبر الحقيقي المبني على التسليم يحصل بتذكر وعد الله تعالى بالجزاء الحسن للصابرين على أعمال البر التي تشق على النفس وعن الشهوات المحرمة التي تصبو إليها، ويتذكر أن المصائب من فعل الله وتصرفه في خلقه فيجب الخضوع له والتسليم لأمره، ومن عجيب أمر هذا الصبر أنه يقي الإنسان من الخسران متى حسن في كل شيء كما تفيده سورة (العصر) ويؤيده الاختبار، وقد اشتهر أن "من صبر ظفر" وربما أتينا على شيء من معنى الصبر-وأنه قوة من قوى النفس تدخل النظام في كل عمل من أعمالها- في موضع آخر.
والاستعانة بالصبر تكون بالالتفات إلى الأسباب التي تأفك الناس وتصرفهم عن صراط الشريعة كاتباع الشهوات، والولوع باللذات، والبعد عن المؤلمات، ثم بالقياس بينها وبين ما رغب الله فيه، أو أوعد بالعقاب على فعله، ثم بملاحظة أن ما أوعد الله تعالى به أولى بأن يتقى، وما وعد به أولى بأن يرجى ويطلب.
ومثل الذين يفقدون الصبر فيقعون في الخسران كمثل صاحب الحاجة يهزه الطيش والتسرع إلى قضاء حاجته ويفقد الصبر على مرارتها، فيكذب لاعتقاد أن حاجته تقضى، فيدفع المضرة أو يجلب المنفعة بالكذب، وأنه بالصدق يفوته هذا، فيقترف جريمة الكذب لهذا الاعتقاد، وهو ظان بل واهم، ومتى اقترفه مرة هان عليه فيعود إليه فيكون كذابًا، ومتى عرف بذلك ضاعت الثقة به وفسد حاله وأصبح يجد الحاجة إلى الصدق أشد مما كان منها إلى الكذب.
وإذا ذُكِّر مثل هذا الرجل أو تذكر من تلقاء نفسه الوعيد على الكذب وما ورد في ذلك من آيات في كتاب الله وآثار عن رسول وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وما يجلبه لصاحبه من مقت الله وغضبه، ويسبق إلى ذهنه المكفرات، ومثلها الشفاعات وسعة العفو والمغفرة، كالاستغفار قبل النوم مائة مرة، وقول كذا من الذكر بعد صلاة الصبح كذا وكذا مرة، فلا يبقى للوعيد معها أثر، إذ يذعن بأن ذنبه يغفر لا محالة، وينسى سبب المغفرة الحقيقي وهو التوبة النصوح والرجوع إلى الله تعالى، وأن العفو عن غير التائب الأواب إلى الله تعالى مجهول بالنسبة إلى علمنا وإن كان جائزًا عقلًا، فإننا لم نطلع على ما في علم الله تعالى فنعلم أننا ممن يعفو عنهم.
وكيف نترك ما جاء عن الله في كتابه وعلى لسان نبيه من النصوص القاطعة الدالة على أن لعنة الله مسجلة على الكاذبين، وهي بعمومها لا تدع لوهم مجالًا في نزول سخط الله بالكاذب، ثم نخترع لأنفسنا تعلة نتوكأ عليها في ارتكاب هذه الجريرة ونسندها إلى سعة عفو الله، أو إلى مجمل من القول لا يبينه إلا تلك النصوص القاطعة؟
إن هذا إلا خبال، أو تصوير خيال، أو فقد للإيمان بصحة تلك النصوص القاطعة، نعوذ بالله.
ومن الناس من يكتفي بالاعتذار عن ذنوبه وجرائمه بأنه غير معصوم، وذكر بعض الشواهد عمن يطن أن لهم في الدين قدم صدق..
ومن هذا رأيه يتصور أن الصدق واتباع الحق إنما هو شأن طائفة معدودة من البشر وهم الأنبياء عليهم السلام، وكل من عداهم فليس من شأنه أن يثبت على عمل صالح، ويكتفي بهذه التكأة في تسلية نفسه وتجريئها على الجرائم، وكفي بهذا حمقًا، فليس يلزم من كون غير النبي ليس معصومًا أن يكون إلف مآثم، وحلف جرائم، وخدن عظائم، ولو لزم أن يكون الناس هكذا لكانت الشرائع عبثًا، والتهذيب لغوًا، ولفسدت الأرض وخرب العمران.
وهل يصح في حكم العقل أن يقال إن الشرائع والحدود وضروب الوعد والوعيد لم ينعم الله بتشريعها إلا لأجل المعصومين؟
وهل يحتاج المعصوم إلى وعد أو وعيد، وما فائدتهما بالنسبة إليه، وقد أيقن بتوفيق الله له وأنه لا يأتي أمرًا يخالف ما أمر به، ولا يقترف شيئًَا مما نهى عنه؟!
ثم كيف لا يكون لغير المعصومين نصيب في الوعيد ولا الزجر مع أنهم أحق الناس بالردع وأحوجهم إلى التخويف من سوء العاقبة؟.
وأما الاستعانة بالصلاة فهي أقرب إلى حصول المأمول وإرجاع النفس إلى الله تعالى لما لها من التأثير في الروح ولكنها أشق على النفس الأمارة بالسوء، ولذلك قال تعالى ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ أي لثقيلة شديدة الوقع كقوله تعالى ﴿ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ﴾ إلا على المخبتين المتطامنة قلوبهم وجوارحهم لله تعالى فهؤلاء هم الذين يستفيدون بالصلاة الصبر وكل الخلائق الحسنة لما تعطيه الصلاة من مراقبة الله تعالى كما قال ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾ فمن خواص الصلاة الصبر ونفي الجزع، ومن خواصها النهي عن الفحشاء والمنكر، ومن خواصها الجود والسخاء، فالمصلي الحقيقي هو البار الحقيقي الذي لا يترك الحق لأجل شهوة، ولا لما يعرض له في معاملاته مع الخلق من خوف وخشية.
وهذا أثر صلاة الخاشعين بالإجمال ولذلك قال تعالى ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ .
ثم وصف الخاشعين وصفًا يناسب المقام ويظهر وجه الاستعانة به فقال ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ أي الذين يتوقعون لقاء الله تعالى يوم الحساب والجزاء وأنهم إليه راجعون بعد البعث، لا مرجع لهم إلى غيره.
فالإيمان بلقاء الله تعالى هو الذي يوقف المعتقد عند حدوده، ولو لم يكن الاعتقاد يقينيًا، فإن الذي يغلب على ظنه أن هذا الشيء ضار يجتنبه أو أنه نافع يطلبه، ولذلك أكتفي هنا بذكر الظن، وقد فسر الظن مفسرنا (الجلال) باليقين لأنه الاعتقاد المنجي في الآخرة وفاته أن الاكتفاء بالظن أبلغ في التقريع والتوبيخ كأن هؤلاء الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يقرأون الكتاب لا يصل إيمانهم بالله وبكتابه إلى درجة الظن الذي يأخذ صاحبه بالاحتياط.
<div class="verse-tafsir"
تقدم تذكير بني إسرائيل بالنعمة في آية قبل هذه الآية، مقرونًا بالأمر بالوفاء بعهد الله، وبالوعد بالجزاء عليه والأمر بالخشية منه والرهبة له وحده، (وهي آية ٤٠) وتلاها آيات أمرهم فيها بالإيمان بالقرآن ونهاهم عن لبس الحق بالباطل وكتمانه.
ثم أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم وبخهم على نسيان أنفسهم من البر مع أمرهم للناس به وتلاوتهم الكتاب الداعي إليه، ودلهم على الطريق التي لو سلكوها عوفوا من هذا النسيان، تلك الطريق هي الاستعانة بالصبر والصبر التي فقدوها بفقد روحها وهو الإخلاص والخشوع.
وبعد هذا عاد إلى التذكير بالنعمة بنوع من التفصيل فإن النعمة في الآية الأولى مجملة والإجمال ينبه الفكر إلى الذكر في الجملة، فإذا تلاه التفصيل والبيان كان على استعداد تام لكمال الفهم، فيكون التذكر أتم والتأثر أقوى، والشكر على النعمة أرجى.
ثم طلب منهم أن يذكروا نعمته عليهم وتفضيله إياهم على الناس إحياء لشعور الكرامة في نفوسهم، ووصله بالأمر باتقاء يوم الدين والجزاء.
وهذا أسلوب حكيم في الوعظ فينبغي لكل واعظ أن يبدأ وعظه بأحياء إحساس الشرف وشعور الكرامة في نفوس الموعوظين لتستعد بذلك لقبول الموعظة، وتجد من ذلك الإحساس معونة من العزيمة الصادقة التي هي من خصائص النفوس الكريمة على عوامل الهوى والشهوة، فإن النفس إذا استشعرت كرامتها وعلوها ونظرت إلى ما في الرذائل من الخسة أبى لها ذلك الشعور، شعور العلو والرفعة، أن تنحط إلى تعاطي تلك الخسائس، وكان ذلك من أقوى الوسائل لمساعدة الواعظ على بلوغ قصده من نفس من يوجه إليه وعظه ثم إن في الوعظ مسًا يؤلم نفس الموعوظ وجرحًا يكاد يحملها على النفرة من تلقينه والاستنكاف من سماعه، فذكر الواعظ لما يشعر بكرامة المخاطب ورفعة شأنه، وإباء ما ينمى إليه من الشرف أن يدوم على مثل يقترف، يقبل بالنفس على القبول كما يقبل الجريح على من يضمد جراحة ويسكن آلامه.
ألا وإن هذا الشعور، شعور الشرف والرفعة، ملازم للإنسان لا يفارقه، ولكنه قد يضعف حتى لا يظهر له أثر، وفي تحريك الواعظ له اعتراف ضمني بكرامة وفضل للموعوظ يشفعان له بما يستلزمه الوعظ من مظنة الإهانة فيسهل احتماله ويقرب قبوله.
شعور العزة والكرامة أمر شريف يحييه الإيمان في نفوس المؤمنين الصادقين، بل يستلزمه على وجه أكمل، لأن صاحب الإيمان الصحيح يرى أن له نسبة إلى الرب العظيم خالق السموات والأرض، وأنه سنده وممده، وعند ذلك تعلو نفسه وترتفع كما قيل: قوم يخالجهم زهو بسيدهم والعبد يزهو على مقدار مولاه من كان يشعر لنفسه بقيمة أو يجد لها حقًا في أن تعز وتكرم تراه إذا خلا بنفسه وتذكر أنه ألم بنقيصة يتألم ويتململ ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
وإذا تذكر المؤمن أن قلبه الذي تشرف بمعرفة الله تعالى، وأن شرف تلك المعرفة خلصه من العبودية لغيره وصيره مربوبًا لرب العالمين وحده، فهو في ذلك مع أرفع رفيع وأكرم كريم سواء، إذا ذكر ذلك لم ير من اللائق بمثل هذا الاختصاص أن يجاوره ما يدنسه من الاستعباد لما يذله، بل يرى أن ذلك الشعور الطاهر والعرفان الهادي إلى مقامات الكرامة لا ينبغي أن يزاحمه في موطنه من القلب دنس من رجس الرذائل.
فينفر من هذه المزاحمة، وتثقل عليه، ويسهل عليه التزكي مما ألم به، والإنابة إلى الله تعالى.
لهذا بدأ الله تعالى تذكير بني إسرائيل بما بدأ وثنى بما ثنى، وهو يتضمن من التقريع والتوبيخ ما يشعر بغلظ طباعهم وفساد قلوبهم فإن من لا يتأدب بإحياء إحساس الكرامة، يؤدب بالتأنيب والإهانة.
العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الإشارة فقوله تعالى ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ مؤكد لمثله في الآية:"٤٠"وتمهيد لما عطفه عليه من تفصيل الإجمال في الآية وما بعدها من الآيات، وما اقترن به من بيان كفرهم للنعم، وما تخللها من المواعظ والحجج، وأوله وأعلاه قوله ﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ أي أعطيتكم من الفضل -وهو الزيادة فيما يحسن- ما لم أعط غيركم من الشعوب حتى ذات المزايا الدنيوية كالمصريين وسكان البلاد المقدسة.
ناداهم باسم أبيهم الذي هو أصل عزهم وسؤددهم ومنشأ تفضيلهم، وأسند النعمة إليهم جميعًا لا إليه وحده، لأن النعمة عمتهم والتفضيل شملهم، ثم طفق يفصل النعمة التي ذكرها مجملة فيما سبق بذكر أمهات أنواعها، فذكر تفضيلهم على العالمين بمحض كرمه وفضله، فإن بني إسرائيل كغيرهم من البشر.
والتفضيل هو مناط الأخذ بالفضائل وترك الرذائل، لأن الذي يرى نفسه رذلًا خسيسًا لا يبالي ما يفعل، ومن يرى نفسه مفضلًا مكرمًا فإنه يترفع عن الدنايا والخسائس التي تدنس شرفه وتذهب بفضله.
والحكمة في التذكير بالتفصيل أن يتذكروا أن الذي فضلهم له أن يفضل غيرهم كمحمد وأمته، وتنبيههم إلى عدم الذهول عن أنفسهم ليذكروها عند أمر الناس بالبر، ويعلموا أنهم أولي بأن يبروا ممن يأمرونهم بالبر، لأنهم يتلون الكتاب الداعي إليه وهو آية تفضيلهم.
وإلى أنهم أحق باستعمال الفكر في الآيات التي أوتيها النبي وأجدر من جميع الشعوب بالإيمان به، فإن المفضل أولى بالسبق إلى الفضائل ممن فضل هو عليه.
ثم إن الفضل على العالمين إن كان بكثرة الأنبياء فيهم فهو ظاهر على عمومه لأنه لا يعرف شعب من الشعوب يزاحمهم في هذه المزية.
ولا تقضي هذه الفضيلة بأن يكون كل فرد منهم أفضل من كل فرد من غيرهم، ولا تنافي أن يفضلهم أخس الشعوب -بله غيره- إذا هم انحرفوا عن هدى أنبيائهم وتركوا سنتهم واهتدى إليها ذلك الشعب الذي كان مفضولًا.
وإن كان المراد من التفضيل هو القرب من الله تعالى بمرضاته فلا بد من تخصيصه بأولئك الأنبياء والمهتدين بهم من أهل زمانهم والتابعين لهم فيه، ومن تقييده بمدة الاستقامة على العمل الذي استحقوا به التفضيل.
ثم قال تعالى ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ﴾ أي واحذروا يومًا عظيمًا أمامكم سيقع فيه من الحساب والجزاء ما لا منجاة من هوله إلا بتقوى الله في جميع الأحوال، ومراقبته في جميع الأعمال، فهو يوم لا تغني فيه نفس مهما يكن قدرها عظيمًا عن نفس مهما يكن ذنبها صغيرًا شيئًا ما كحمل وزرها، أو تكفير ذنبها، ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾ .
وصف اليوم بهذا الوصف ولم يقل يوم القيامة مثلًا للإشعار بأن التصرف في ذلك اليوم والأمر كله لله، فليس فيه ما اعتاد الناس في هذه الدنيا من دفاع بعضهم عن بعض.
وعبر عن هذا المعنى في أول سورة بقوله ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ ثم وصفه هنا بوصف آخر يناسب الأول فقال ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ﴾ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (ولا تقبل) بالتاء، والمعنى لا يقبل منها أن تأتي بشفيع يشفع لها ولا يؤخذ منها فداء أو بدل إن هي استطاعت أن تأتي بذلك كما يظن أكثر الكفار ولن تستطيع.
قال البيضاوي وكأنه أريد بالآية نفي أن يدفع أحد عن أحد العذاب من كل وجه محتمل، وفصل هذه الوجوه بما يشمل الثلاث المنفية، وجملة المعنى أنه يوم لا تأثير لأحد فيه ولا كسب، ولا ينطق فيه أحد إلا بإذن الله تعالى.
وقال (الجلال) أي ليس لها شفاعة، واستدل بقوله تعالى حكاية عن المجرمين في الآخرة ﴿ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ﴾ الآية وفسر العدل بالفداء قال ﴿ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ أي يمنعون من عذاب الله.
ولا دليل في هذا على أن المراد ما ذكره في مسألة الشفاعة وإنما السياق في الآية وأمثالها يدل على أن المراد بيان أن ذلك اليوم يوم تنقطع فيه الأسباب، وتبطل منفعة الأنساب، وتتحول فيه سنة هذه الحياة من انطلاق الإنسان في اختياره يدفع عن نفسه بالعدل والفداء ويستعين على المدافعة بالشفاعة عند السلاطين والأمراء، وقد يوجد له فيها أنصار ينصرونه بالحق وبالباطل على سواء.
بل يكون له في ذلك اليوم شأن آخر مع ربه تضمحل فيه جميع الوسائل إلا ما كان من إخلاصه في عمله، قبل حلول أجله، ورحمة الله العلي الكبير له، لضعف حوله، وضيق طوله، وأنه يوم لا يتحرك فيه عضو إلا بإذن الله، ولا يقدر أحد أن ينبس بكلمة إلا بإذن الله ﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ .
كان اليهود المخاطبون ببيان هذه الحقيقة كغيرهم من أمم الجاهلية وأهل الملل الوثنية كقدماء المصريين واليونان يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا فيتوهمون أنه يمكن تخلص المجرمين من العقاب بفداء يدفع بدلًا وجزاء عنه -كما يستبدل بعض حكامهم منفعة مالية بعقوبة بدنية- أو بشفاعة من بعض المقربين إلى الحاكم يغير بها رأيه ويفسخ إرادته.
ولقد اكتسح الإسلام هذه العقائد وآثارها العملية بالتوحيد الخالص، وأتى بنيانها من القواعد، ولكن المسلمين لم يسلموا منها فقد دخل في الإسلام أقوام يحملون أوزارًا مما كانوا عليه من الوثنية، ولم يلقنوا الدين من القرآن ولا كما أرشد القرآن، ولكنهم تقلدوه ممن لا يعرفه حق المعرفة، ولقنوه كما ترشد إليه كتب التقليد من مصطلحات مبتدعة، فكانوا على بقية مما كان عندهم وعلى جهل بالإسلام، وجاء قوم آخرون تعمدوا الإفساد فجعلوا التأويل الباطل حقًا، والكذب صدقًا.
ومن ذلك بعض العادات المصرية التي لا تزال يعمل بها باسم الدين، وهي من إرث قدماء الوثنيين، كإعطائهم لغاسل الميت شيئًا من النقد يسمونه "أجرة المعدية" أي أجرة نقله إلى الجنة.
وغير ذلك مما يعملونه للأموات، ولمن يعتقدون فيهم الولاية والقرب من الله، ومثله أكثر تقاليدهم في بناء المقابر واحتفالاتها.
وأيضًا تلك المكفرات التي يعتقدها اليهود كقربان الإثم وقربان الخطيئة وقربان السلامة والمحرقة والاكتفاء ممن لم يجد القربان بحمامتين يكفر بهما عن ذنبه..
وكانوا يفهمون أن هذه الأشياء تكفر الذنوب بذاتها، والحق أنها عقوبات لا مكفرات، فإن فهم التوراة حق فهمها يعلم أن المكفر الحقيقي هو التوبة والإقلاع عن الذنب ثم تقديم القربان يكون تربية وعقوبة.
وقد أخبرهم الله تعالى في هذه الآية بأن يوم القيامة لا يقبل فيه عدل يفتدى الإنسان به.
وكانوا يعتقدون أنهم بانتسابهم للأنبياء لا يدخلون النار أو لا تمسهم إلا أيامًا معدودة، لأن لهم الجاه والتأثير يوم القيامة، ولا يرضون أن يتركوا أبناءهم في العذاب، ثم زادوا على ذلك شفاعة الأحبار لمن ينتسب إليهم.
ومتى ضعف الدين يوجد من رؤسائه من يروج هذه العقائد في العامة لما تسوق إليهم من المنافع.
وكذلك كان اليهود حتى جاء الإسلام بهذه الآية وأمثالها فمحا هذه العقيدة ليعلم المؤمنون به أنه لا ينفع الإنسان يوم القيامة إلا مرضاة الله تعالى بالإيمان الخالص والعمل الصالح.
في القرآن آيات ناطقة بنفي الشفاعة مطلقًا كقوله تعالى في وصف يوم القيامة ﴿ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ﴾ وأخرى ناطقة بنفي منفعة الشفاعة كقوله ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ ﴾ وآيات تقيد النفي بمثل قوله تعالى ﴿ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ وقوله ﴿ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ﴾ فمن الناس من يحكم الثاني بالأول ومنهم من يرى أنه لا منافاة بينهما فنحتاج إلى حمل أحدهما على الآخر لأن مثل هذا الاستثناء (أي الاستثناء بالإذن والمشيئة) معهود في أسلوب القرآن في مقام النفي القطعي للإشعار بأن ذلك بإذنه ومشيئته كقوله تعالى ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ وقوله ﴿ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ فليس في القرآن نص قطعي في وقوع الشفاعة ولكن ورد الحديث بإثباتها فما معناها؟
الشفاعة المعروفة عند الناس هي أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك كان أراد غيره -حكم به أم لا- فلا تتحقق الشفاعة إلا بترك الإرادة وفسخها لأجل الشفيع.
فأما الحاكم العادل فإنه لا يقبل الشفاعة إلا إذا تغير علمه بما كان أراده أو حكم به كأن كان أخطأ ثم عرف الصواب ورأى أن المصلحة أو العدل في خلاف ما كان يريده أو حكم به.
وأما الحاكم المستبد الظالم فإنه يقبل شفاعة المقربين عنده في الشيء وهو عالم بأنه ظلم وأن العدل في خلافه، ولكنه يفضل مصلحة ارتباطه بالشافع المقرب منه على العدالة.
وكل من النوعين محال على الله تعالى لأن إرادته تعالى على حسب علمه وعلمه أزلي لا يتغير.
فما ورد في إثبات الشفاعة يكون على هذا من المتشابهات وفيه يقضي مذهب السلف بالتفويض والتسليم، وأنها مزية يختص الله بها من يشاء يوم القيامة، عبر عنها بهذه العبارة "الشفاعة" ولا نحيط بحقيقيها، مع تنزيه الله عن المعروف من معنى الشفاعة في لسان التخاطب العرفي.
وأما مذهب الخلف في التأويل فلنا أن نحمل الشفاعة فيه على أنها دعاء يستجيبه الله تعالى.
والأحاديث الواردة في الشفاعة تدل على هذا، ففي رواية الصحيحين وغيرهما أن النبي يسجد يوم القيامة ويثني على الله تعالى بثناء يلهمه يومئذ فيقال له "ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع".
وليس في الشفاعة بهذا المعنى أن الله سبحانه يرجع عن إرادة كان أرادها لأجل الشافع وإنما هي إظهار كرامة للشافع بتنفيذ الإرادة الأزلية عقيب دعائه، وليس فيها أيضًا ما يقوي غرور المغرورين الذين يتهاونون بأوامر الدين ونواهيه اعتمادًا على شفاعة الشافعين، بل فيه أن الأمر كله لله، وأنه لا ينفع أحدًا في الآخرة إلا طاعته ورضاه ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴾ ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
هذه الآية كالتي قبلها واللواتي بعدها تفصيل لنعمة الله على شعب إسرائيل التي ذكرت من قبل مجملة وابتدئ التفصيل بذكر التفضيل لما تقدم من الحكمة في ذكره وهو نهوض الهمة إلى التخلق بالأخلاق الفاضلة والترفع عن الرضا بما دون المقام الذي رفعهم الله إليه، وتوطين النفس لقبول الموعظة الخ ما تقدم.
ثم ذكرهم بما حل بهم من البلاء والعقوبات جزاء على جرائمهم وبلطف الله تعالى بهم وإنجائهم من البلاء وتوبته عليهم المرة بعد المرة ليعرفهم مقدار فضله وعقوبته معًا.
والآية معطوفة على ما قبلها من سلسلة الذكريات فقوله ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ ﴾ عطف تفصيل على الإجمال في قوله ﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ ﴾ أي نعمي الكثيرة لأن المفرد المضاف يفيد العموم، أي واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون، وفرعون لقب لمن تولى ملك مصر قبل البطالسة، وإله خاصته وقد يطلق على قومه قدماء المصريين.
ولما كانت التنجية لا تكون إلا من ظلم أو شر بين ما نجاهم منه بقوله ﴿ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ﴾ أي يكلفونكم ويبغونكم ما يسوؤكم ويذلكم من العذاب، ثم بين ذلك بقوله ﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ﴾ أي يقتلون ذكران نسلكم ويستبقون إناثه أحياء لإضعافكم وإذلالكم المفضي إلى قطع نسلكم وإبادتكم ﴿ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ أي وفي ذلكم العذاب وفي النتيجة منه -في كل منهما- بلاء وامتحان عظيم لكم من ربكم كما قال في آية أخرى ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ .
خاطب الذين كانوا في زمن النبي بما كان لآبائهم لأن الإنعام على أمة بعنوان أنها أمة كذا هو إنعام شامل للأمة، مَنْ أصابه ذلك الإنعام من أفرادها ومن لم يصبه، ويصح الامتنان به على اللاحقين منهم والسابقين كما يصح الفخر به منهم أجمعين، كما أن الإنعام على شخص بشيء يختص بعضو من أعضائه كلبوس يلبسه، أو لذيذ طعام يطعمه، يكون إنعامًا على الشخص، ولا يقال إنه إنعام على لسان فلان ولا على رأسه، أو يده أو رجله.
ولأن ما وصل إلى مجتمع بعنوان ذلك الاجتماع والرابطة التي ربطت أفراده بعضهم ببعض يكون له أثر في مجموع الأفراد، لا سيما إذا كان الواصل من نقمة أو نعمة مسببًا عن عمل الأمة شرًا أو خيرًا، ويكون لذلك أثر في الأمة يورثه السلف الخلف ما بقيت الأمة.
وأنواع البلاء التي ذكر بها اليهود في القرآن كانت لشعب إسرائيل من حيث هو شعب إسرائيل لأن الجرائم التي كان البلاء عقوبة عليها إنما كانت من مجموع الشعب من حيث هو شعب إسرائيل، ثم إن الله تعالى كان يتوب على الشعب بعد كل بلاء ويفيض عليه النعم فتكون العقوبة تربية وتعليمًا تفيد المعتبرين بها نعمة وسعادة.
لا أقول إن هذا الخطاب إيماء أو إشارة للمخاطبين بأن يستحضروا تاريخ أمتهم الماضي ليتذكروا صنع الله تعالى فيهم فيعتبروا بما أصابهم من نعماء وضراء، وسعادة وشقاء، ويتفكروا فيما حل بهم من بعدهم، وما ينتظر أن يحل بهم، وإنما الكلام نص صريح لا يحتاج إلى التأويل.
فالروابط الاجتماعية بين أفراد الأمم وجماعاتها كالروابط الحيوية بين أعضاء الشخص الواحد بلا فرق.
تعثر الرجل فتخدش أو توثأ والألم يلم بالشخص كله من حيث هو شخص حي بحياة واحدة تستوي فيها رجله وسائر أعضائه، ولذلك يسعى بجملته لإزالة ألم الرجل ويتوقى أسباب العثار بعد ذلك مستعينًا بكل أعضائه وقواه.
علمنا الله تعالى هذا بما قص علينا من أخبار الأمم وأنعم على أمتنا، التي لا تختص بشعب ولا جنس، بهذا القرآن الكريم فكان لهم به نعم لا تحصي تعرف من الكتاب والسنة، منها: أنهم كانوا أعداء فألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانًا، ومنها أنهم كانوا مستضعفين فمكن لهم في الأرض وأورثهم أرض الشعوب القوية وديارهم وجعل لهم السلطان عليهم، ومنها أنه جعلهم أمة وسطًا لا تفريط عندها ولا إفراط، ليكونوا شهداء على الناس الذين غلوا وأفرطوا، والذين قصروا وفرطوا، ثم لما كفرت بأنعم الله أنزل بها ألوانًا من البلاء والنقم بعنوان الأمة، فإن التتار إنما نكلوا بها وتبَّروا ما علوا تتبيرًا لأنها الأمة الإسلامية، ثم زحف عليها الغربيون أيام حروب الصليب وجاسوا خلال الديار لأنها الأمة الإسلامية، ثم إن الفتن لا تزال تحل بديارها، وتنقصها من أطرافها، وسوط عذاب الله يصب عليها بعنوان الأمة الإسلامية، وقد مرت عليها قرون وهي لا تعتبر بما مضى، ولا تتربى بما حضر، بل جهلت الماضي فحارت في الحاضر، لا تعرف سببه ولا المخرج منه.
أليس من العجب أن الجمهور الأعظم من المشتغلين بالعلم منها هم أجهلها بتاريخها، لا يعرفون شيئًا من ماضيها ولا حاضرها؟
ولكنهم يعترفون بأن الأمة في بلاء كبير، ويعتذرون بالقضاء والقدرة عن معرفة الأسباب، ويكلون إلى القضاء والقدر النجاة منه أو البقاء فيه؟.
إن هذه الأمة أمة واحدة وإن اختلفت ديارها وتعددت أجناسها، ولا يمكن أن تعرف حقيقتها إلا بعد معرفة تاريخها الماضي، فلا بد من تتبع السواقي والجداول إلى الينبوع الأول الذي هو الأصل.
كان سلفنا يضبطون أحوال من قبلهم من أمور الدين والدنيا بكل اعتناء ودقة حتى كانوا يروون البيت من الشعر أو النكتة بين العاشق ومعشوقته بالأسانيد المتصلة، وليست هذه المبالغة مما يؤخذ عليهم فإن الأمة إنما تكون أمة بدينها ولغتها وأخلاقها وعاداتها فإذا لم يحفظ خلفها عن سلفها هذه المقومات بحفظ تاريخها تكون عرضة للتغير بتأثير حوادث الزمان وتقلبات شؤون الاجتماع مع جهل المتأخر بما كان عليه المتقدم وبكيفية حدوث التغيير الضار للجهل بالتاريخ.
بهذا تفعل فواعل الكون بالأمة الجاهلية أفاعيلها حتى تقلب كيانها، وتقوض بنيانها، وتقطع عرى الربط العامة بين أفرادها، فلا يكون لهم عمل إلا للمصلحة الشخصية وهي لا حفاظ لها في مجموع الأمة إلا بالمصلحة العامة فإذا أهملت تكون الأمة من الهالكين.
عنيت أمتنا بالتاريخ عناية لم تسبقها به أمة فلم تكتف بضبط الوقائع وتلقيها بالرواية كالسنة النبوية بل تفننت فيها فصنفت في تاريخ الأشخاص كما صنفت في تاريخ البلاد والشعوب، ثم نوعت تاريخ الأشخاص فجعلت لكل طبقة تاريخًا فترى في المكاتب طبقات المفسرين وطبقات المحدثين وطبقات النحويين وطبقات الأطباء وطبقات الشعراء إلى غير ذلك.
ثم اهتدى بعضهم إلى استنباط قواعد العمران وأصول الاجتماع من التاريخ فصنف ابن خلدون في ذلك مقدمة تاريخية.
ولو لم تنقطع بنا سلسلة العلم من ذلك العهد لكنا أتممنا ما بدأ به سلفنا، ولكننا تركناه وسبقنا غيرنا إلى إتمامه واستثماره.
فالتاريخ هو المرشد الأكبر للأمم العزيزة اليوم إلى ما هي فيه من سعة العمران، وعزة السلطان، وكان القرآن هو المرشد الأول للمسلمين إلى العناية بالتاريخ ومعرفة سنن الله في الأمم منه وكان الاعتقاد بوجوب حفظ السنة وسيرة السلف هو المرشد الثاني إلى ذلك، فلما صار الدين يؤخذ من غير الكتاب والسنة أهمل التاريخ، بل صار ممقوتًا عند أكثر المشتغلين بعلم الدين، فإن وجد من يلتفت إليه فإنما يكون متبعًا في ذلك سنة قوم آخرين.
نكتفي الآن بهذا التنبيه ونعود إلى إتمام تفسير الآية التي صرفتنا إليه بمخاطبة بني إسرائيل في زمن تنزيل القرآن بما كان من تعذيب آل فرعون لسلفهم وإنعام الله عليهم بالإنجاء من ذلك العذاب: أول من دخل مصر من بني إسرائيل هو يوسف ، وانضم إليه بعد ذلك إخوته، ونما نسله ونسلهم فيها وكثر حتى قيل إنهم كانوا يوم خرجوا من مصر ستمائة ألف، وهذا النمو كان في مدة أربعمائة سنة.
وكان المصريون من آل فرعون لا يحبون مساكنة الغرباء، فلما رأي فرعون نمو شعب إسرائيل خاف مغبة الأمر لأنه كان يعلم أنهم إذا كثروا يتبسطون في الأرض ويزاحمون المصريين، فطفق يستذلهم ويكلفهم الأعمال الشاقة كصنع الطوب لبناء الهياكل والبرابي لعلمه بأن الذل يقلل النسل ويفضي بالأمة إلى الانقراض، ولكنهم ظلوا مع الاستذلال يتناسلون ويكثرون.
فلما رآهم الحكام المصريون يزداودن نسلًا وأنهم مع هذا محافظون على عاداتهم وتقاليدهم ولا يمازجون المصريين وعندهم الأثرة والإباء لاعتقادهم أنهم شعب الله وأفضل خلقه، خافوا أن يقووا بالكثرة فيعدوا عليهم ويغلبوهم على بلادهم كلها أو بعضها، وإنما كانوا يزدادون على الذل نسلًا لأن الذل لا يؤثر إلا في الزمن الطويل، ذلك بأن الذليل الذي لا تطلق إرادته في أعماله هو بمنزلة الشخص الذي يضعف عن تناول الغذاء الذي يمد حياته فهو يذبل رويدًا رويدًا حتى ينحل ويموت.
والقوة المعنوية التي تحفظ حياة الأمم هي قوة الأرواح والإرادات لأن الجسم محمول بالروح.
والعمل النافع إنما يكون بالإرادة فمتى خذلت النفوس بالتسلط على إرادتها تبعها الجسم فيضعف بضعفها.
والضعيف يأتي بنتاج ضعيف ويكون نسل نتاجه أضعف من نسله ويتسلسل هكذا حتى يكون من لوازم ضعف النسل إسراع الموت إلى صغاره قبل بلوغ سن الرشد.
وبهذا ينقرض النسل كما حصل لهنود أمريكا وسكان شمالي أستراليا.
استبطأ المصريون أثر الاستذلال في الإسرائيليين فعملوا على انقراضهم بقتل ذكرانهم واستحياء إناثهم، فأمر فرعون القوابل بأن يقتلن كل ذكر لبني إسرائيل عند ولادته، لأن من سنة الله في الخلق أن قوام الشعوب والقبائل وحفظ الأجناس إنما يكون بالذكور.
وقال مفسرنا (الجلال)- تبعًا لغيره..
إن سبب العذاب وتقتيل الأبناء دون البنات هو أن بعض الكهنة أخبر فرعون بأن سيولد من بني إسرائيل ولد ينزع منه ملكه ويكون على يديه هلكه.
وليس لهذا القول سند صحيح، ولا يعرف في التاريخ، وما قلناه هو الذي يعرفه بنو إسرائيل ويتناقلونه في كتبهم المعروفة بالمقدسة وغير المقدسة وهو المعقول في نفسه أيضًا: <div class="verse-tafsir"
جاء في الآية السابقة ذكر تنجية بني إسرائيل من آل فرعون وهو على كونه تفصيلًا لما قبله من حيث التذكير بالنعم، مجمل من حيث الإنجاء فإنه يشمل النجاة بجميع أنواعها من ذلك العذاب.
وذكر في هذه الآية نعمته في طريق الإنجاء بالتفصيل بعد الإجمال لبيان عناية الله تعالى بهم فيها إذ جعل وسيلته من خوارق العادات وجعل في طريقه هلاك عدوهم.
وقد يقال إن هذه نعمة مستقلة من نعمه تعالى عليهم لا أنها بيان لإجمال في التي قبلها.
لما أرسل الله تعالى موسي إلى فرعون وملئه يدعوهم إلى توحيد الله وإلى أن يخلى بينه وبين شعب إسرائيل بعد إطلاقهم من ذلك الاستعباد والتعذيب لم يزدهم فرعون إلا تعذيبًا وتعبيدًا.
وفي "سفر الخروج" من تاريخ التوراة أن الله تعالى أنبأ موسي بأنه يقسي قلب فرعون فلا يخفف العذاب عن بني إسرائيل ولا يرسلهم مع موسي حتى يريه آياته.
وأنه بعد الدعوة زاد ظلمًا وعتوًا فأمر الذين كانوا يسخرون بني إسرائيل في الأعمال الشاقة بأن يزيدوا في القسوة عليهم وأن يمنعوهم التبن الذي كانوا يعطونهم إياه لعمل اللَّبِن (الطوب) ويكلفوهم أن يجمعوا التبن ويعملوا كل ما كانوا يعملونه من اللبن، لا يخفف عنهم منه شيء.
فأعطى الله تعالى موسى وأخاه هارون الآيات البينات، فحاول فرعون معارضتها بسحر السحرة، فلما آمن السحرة برب العالمين رب موسى وهارون لعلمهم أن ما جاء به ليس من السحر وإنما هو تأييد من الله تعالى، ورأى ما رأى بعد ذلك من آيات الله لموسى سمح بخروج بني إسرائيل بل طردهم طردًا.
وفي "سفر الخروج" أنهم خرجوا في شهر "أبيب" وكانت إقامتهم في مصر ٤٣٠ سنة.
ثم أتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأنجى الله بني إسرائيل وأغرق فرعون ومن معه، وذلك قوله : ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ ﴾ أي واذكروا من نعمنا عليكم إذ فرقنا بكم البحر فجعلنا لكم فيه طريقًا يبسًا سلكتموه في هربكم من فرعون ﴿ فَأَنْجَيْنَاكُمْ ﴾ بعبوره من جانب إلى آخر ﴿ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ ﴾ إذ عبروا وراءكم ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ ذلك بأعينكم، ولولاه لعظم عليكم خبر غرقهم ولم تصدقوه.
فلق البحر كان من معجزات موسى، وقد قلنا في رسالة التوحيد: إن الخوارق الجائزة عقلًا، أي التي ليس فيها اجتماع النقيضين ولا ارتفاعهما، لا مانع من وقوعها بقدرة الله تعالى على يد نبي من الأنبياء، ويجب أن نؤمن بها على ظاهرها ولا يمنعنا هذا الإيمان من الاهتداء بسنن الله تعالى في الخلق واعتقاد أنها لا تتبدل ولا تتحول كما قال الله تعالى في كتابه الذي ختم به الوحي، على لسان نبيه الذي ختم به النبيين، فانتهي بذلك زمن المعجزات، ودخل الإنسان بدين الإسلام في سن الرشد، فلم تعد مدهشات الخوارق هي الجاذبة له إلى الإيمان وتقويم ما يعرض للفطرة من الميل عن الاعتدال في الفكر والأخلاق والأعمال كما كان في سن الطفولية النوعية، بل أرشده تعالى بالوحي الأخير-"القرآن"- إلى استعمال عقله في تحصيل الإيمان بالله وبالوحي ثم جعل له كل إرشادات الوحي مبينة معللة مدللة حتى في مقام الأدب- كما أوضحنا ذلك في رسالة التوحيد- فإيماننا بما أيد الله تعالى به الأنبياء من الآيات لجذب قلوب أقوامهم الذين لم ترتق عقولهم إلى البرهان، لا ينافي كون ديننا هو دين العقل والفطرة وكونه حتم علينا الإيمان بما يشهد له العيان، من أن سننه تعالى في الخلق لا تبديل لها ولا تحويل.
وزعم الذين لا يحبون المعجزات من المتهورين أن عبور بني إسرائيل البحر كان في إبان الجزر فإن في البحر الأحمر زقاقًا إذا كان الجزر الذي عهد هناك شديدًا يتيسر للإنسان أن يعبر ماشيًا، ولما أتبعهم فرعون بجنوده، ورآهم قد عبروا البحر تأثرهم وكان المد تفيض ثوائبه -وهي المياه التي تجئ عقيب الجزر- فلما نجا بنو إسرائيل كان المد قد طغى وعلا حتى أغرق المصريين.
تحقق إنعام الله على بني إسرائيل يتم بهذا التوفيق لهم والخذلان لعدوهم ولا ينافي الامتنان به عليهم كونه ليس آية لموسى ، فإن نعم الله بغير طريق المعجزات أعم وأكثر- كذا قالوا..
ولكن يدل على كونه آية له وصف كل فرق منه بالطود العظيم.
وإذا تيسر تأويل كل آيات القصة من القرآن فإنه يتعسر تأويل قوله تعالى في سورة الشعراء، ﴿ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴾ وهو الموافق لما في التوراة.
بعد أن قرر نعمة الإنجاء من استعباد الظالمين، والبعد من فتنة القوم الضالين، ذكر النعمة التي وليتها، وذكرهم بما كان من كفرهم إياها، فقال ﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ وقد كانت هذه المواعدة لإعطائه التوراة.
ولما ذهب لميقات ربه استبطأوه فاتخذوا عجلًا من ذهب فعبدوه، كما هو مفصل في غير هذه السورة.
والمراد هنا التذكير بالنعمة وبيان كفرها ليظهر أن تكذيبهم بمحمد ومعاندته ليس ببدع من أمرهم، وإنما هو معهود منهم مع رؤية الآيات وبعد إغداق النعم عليهم، ولذلك اكتفى بالإشارة إليه بقوله ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴾ أي اتخذتموه إلهًا ومعبودًا، وبعد أن ذكرهم بذلك الظلم ذكرهم بتفضله عليهم بالتوبة ثم بالعفو الذي هو جزاء التوبة فقال ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ هذه النعمة بدوام التوحيد والطاعة.
ثم قفى على هذا بذكر إيتائهم الكتاب وهو المنة الكبرى فقال ﴿ وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ قال المفسر (الجلال) - كغيره- إن الفرقان هو التوراة وقال بعض المفسرين إن الفرقان هو ما أوتيه موسى من الآيات والمعجزاتولكن ذكره بعد الكتاب معطوفًا عليه دليل على أن المراد به ما في الكتاب من الشرائع والأحكام المفرقة بين الحق والباطل والحلال والحرام، ومعنى قوله ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ لعلكم تهتدون، أي ليعدكم بهذا العفو للاستمرار على الشكر ويعدكم بهذه الأحكام والشرائع للاهتداء ويهيئكم للاسترشاد فلا تقعوا في وثنية أخرى.
وإن من كمال الاستعداد للهداية بفهم الكتاب أن يعرفوا أن ما جاء به محمد هو هدى ونور يرجعهم إلى الأصل الذي تفرقوا عنه واختلفوا فيه، وكذلك اهتدى به منهم المستبصرون، وجاحده الرؤساء المستكبرون والمقلدون الذين لا يعقلون.
<div class="verse-tafsir"
في هذه الآيات ضرب من ضروب التذكير غير ما سبقه، ومن البلاغة والحكمة أن يجيء تاليًا له ومتأخرًا عنه: مهد أولًا للتذكير تمهيدًا يسترعي السمع، ويوجه الفكر ويستميل القلب، وهو الابتداء بذكر النعمة مجملة والتفضيل على العالمين ولا يرتاح الإنسان لحديث كحديث مناقب قومه ومفاخرهم.
ثم طفق يفصل النعمة ويشرحها، فبدأ بذكر فرد من أفرادها لا يقترن به ذكر سيئة من سيئاتهم وهو تنجيتهم من ظلم آل فرعون، ولكن ذكر معه أكبر ضروب ذلك الظلم وهو قتل الأبناء، يخفض من عتو تلك النفوس المعجبة المتكبرة التي تعتقد أن الله لا يسود عليهم شعبًا آخر، وهو مع هذا لا ينفر بها عن الإصغاء والتدبر، لأنه لم يفاجئها بشيء فيه نسبة التقصير وعمل السوء إليها.
ثم ثنى بذكر نعمة خاصة خالصة تسكن النفس إلى ذكرها، إذ لا يشوب الفخر بها تنغيص من تذكر غضاضة تتصل بواقعتها، وهي فرق البحر بهم، وإنجاؤهم، وإغراق عدوهم.
لا جرم أن نفوس الإسرائيليين كانت تهتز وتأخذها الأريحية عندما تلا عليهم النبي هذه الآية لما فيها من الشهادة بعناية الله تعالى بهم، ولاسيما إذا قارنوا بين هذا التذكير وبين تذكير مشركي العرب بتلك القوارع الشديدة.
لم يتركها بعد هذه الهزة تجمح في عجبها وفخرها، وتتمادى في إبائها وزهوها، بل عقب فذكر بعد هذه النعمة سيئة لهم هي كبرى السيئات التي ظلموا بها أنفسهم وكفروا نعمة ربهم وهي اتخاذ العجل إلهًا، وقدم على ذكرها خبر مواعدة موسى وهي من النعم، وختمها بذكر العفو، ثم قفى عليها بذكر نعمة إيتائهم الكتاب والفرقان، وهذا ما يجعل أنفس السامعين الواعين قلقة يتنازعها شعور اعتراف المذكر الواعظ لها بالشرف، وشعور رميه إياها بالظلم والسرف.
بعد هذا كله استعدت تلك النفوس لأن تسمع آيات مبدوءة بذكر سيئاتها من غير تمهيد ولا توطئة فانتقل الكلام إلى هذا الضرب من التذكير مبدوءًا بقوله تعالى ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ﴾ أي واذكر أيها الرسول فيما تلقيه على بني إسرائيل وغيرهم إذ قال موسى لقومه الذين اتخذوا من حليهم عجلًا عبدوه إذ كان يناجي ربه في الميقاتين الزماني والمكاني ﴿ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ ﴾ إلهًا عبدتموه.
والقصة مفصلة في سورتي الأعراف وطه المكيتين لأن قصة موسى فيهما مقصودة بالذات، وأما ما هنا فهو تذكير لبني إسرائيل بما تقدم وجهه في سياق دعوتهم إلى الإسلام ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ أي فتوبوا إلى خالقكم الذي لا يجوز أن تعبدوا معه إلهًا آخر هو أدنى منكم، وهو من خلقكم، أن تقديركم وصنعكم، وذلك بأن يقتل بعضكم بعضًا، فإن قتل المرء لأخيه كقتله لنفسه، ويحتمل اللفظ أن يكون معناه ليبخع كل من عبد العجل نفسه انتحارًا.
والتوبة هي محو أثر الرغبة في الذنب من لوح القلب، والباعث عليها هو شعور التائب بعظمة من عصاه وما له من السلطان عليه في الحال، وكون مصيره إليه في المآل، لا جرم أن الشعور بهذا السلطان الإلهي بعد مقارفة الذنب يبعث في قلب المؤمن الهيبة والخشية ويحدث في روحه انفعالًا مما فعل وندمًا على صدوره عنه، ويزيد هذا الحال في النفس تذكر الوعيد على ذلك الذنب، وما رتبه الله عليه من العقوبة في الدنيا والآخرة.
هذا أثر التوبة في النفس، وهذا الأثر يزعج التائب إلى القيام بأعمال تضاد ذلك الذنب الذي تاب منه وتمحو أثره السيئ ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ .
فمن علامة التوبة النصوح الإتيان بأعمال تشق على النفس، وما كانت لتأتيها لولا ذلك الشعور الذي يحدثه الذنب.
وهذه العلامة لا تتخلف عن التوبة سواء كان الذنب مع الله تعالى أو مع الناس.
ألا ترى أن أهون ما يكون من إنسان يذنب مع آخر يباهي به أن يجيء معترفًا بالذنب معتذرًا عنه؟
وهذا ذل يشق على النفس لا محالة، وقد أمر بنو إسرائيل بأشق الأعمال في تحقيق التوبة من أكبر الذنوب وهو الرغبة عن عبادة من خلقهم وبرأهم إلى عبادة ما عملوا بأيديهم.
وقد قال ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ ﴾ لينبههم إلى أن الإله الحقيقي هو الخالق البارئ ليتضمن الأمر الاحتجاج عليهم والبرهان على جهلهم.
ذلك العمل الذي أمرهم به موسى هو قتل أنفسهم، والقصة في التوراة التي بين أيديهم إلى اليوم: دعا موسى إليه من يرجع إلى الرب، فأجابه "بنو لاوي" فأمرهم بأن يأخذوا السيوف ويقتل بعضهم بعضًا ففعلوا، وقتل في ذلك اليوم "نحو ثلاثة آلاف "وقال مفسرنا" الجلال"- كغيره- الذين قتلوا سبعون ألفًا، والقرآن لم يعين العدد، والعبرة المقصودة من القصة لا تتوقف على تعيينه فنمسك عنه.
قال تعالى ﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ﴾ لأنه يطهركم من رجس الشرك الذي دنستم به أنفسكم ويجعلكم أهلًا لما وعدكم به في الدنيا ولمثوبته في الآخرة وقوله ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ من كلام الله تعالى لا تتمة لكلام موسى في الظاهر وهو معطوف على محذوف تقديره ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم ﴿ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ أي إنه هو وحده الكثير التوبة على عباده بتوفيقهم لها وقبولها منهم، وإن تعددت قبلها جرائمهم، الرحيم بهم، ولولا رحمته لعجل بإهلاكهم ببعض ذنوبهم الكبرى ولاسيما الشرك به.
﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ أي واذكروا إذ قلتم لنبيكم: يا موسى لن نصدق بما جئت به تصديق إذعان واتباع حتى نرى الله عيانًا جهرة فيأمرنا بالإيمان لك، ﴿ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ أي فأخذت القائلين ذلك منكم الصاعقة وأنتم تنظرون ذلك بأعينكم، وسيأتي بيان هذا التفصيل في سورة الأعراف، فالقصة هنالك مقصودة بكل ما فيها من فائدة وعبرة، وإنما المراد بها هنا التذكير كما تقدم.
سؤال بني إسرائيل رؤية الله تعالى واقعة مستقلة لا تتصل بمسألة عبادة العجل، وهي معروفة عند بني إسرائيل ومنصوصة في كتابهم، وذلك أن طائفة منهم قالوا لماذا اختص موسى وهارون بكلام الله تعالى من دوننا؟!
وانتشر هذا القول في بني إسرائيل وتجرأ جماعة منهم بعد موت هارون وهاجوا على موسى وبني هارون وقالوا لهم إن نعمة الله على شعب إسرائيل هي لأجل إبراهيم وإسحاق فتشمل جميع الشعب، وقالوا لموسى لست أفضل منا فلا يحق لك أن تترفع وتسود علينا بلا مزية، وإننا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهوة.
فأخذهم إلى خيمة العهد فانشقت الأرض وابتلعت طائفة منهم وجاءت نار من الجانب الآخر فأخذت الباقين، وهذه النار هي المعبر عنها بالصاعقة، وهل ثمة من نار غير الاشتغال بالكهرباء وهو ما تحدثه الصاعقة التي تحدث الانشقاق في الأرض أيضًا؟
وقد أخذ هذا العذاب تلك الطائفة والآخرون ينظرون، وهكذا كان بنو إسرائيل يتمردون ويعاندون موسى وكان سوط عذاب الله يصب عليهم، فرموا بالأمراض والأوبئة وسلطت عليهم الهوام وغيرها حتى أماتت منهم خلقًا كثيرًا.
فمجاحدتهم ومعاندتهم للنبي لم تكن بدعًا من أعمالهم.
قال تعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدَ مَوتِكُم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونُ ﴾ إن المراد بالبعث هو كثرة النسل، أي أنه بعدما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها وظن أن سينقرضوا بارك الله في نسلهم ليعد الشعب بالبلاء السابق للقيام بحق الشكر على النعم التي تمتع بها الآباء الذين حل بهم العذاب بكفرهم لها.
والعبرة الاجتماعية في الآيات أن الخطاب في كل ما تقدم كان موجهًا إلى الذين في عصر التنزيل، وأن الكلام عن الأبناء والآباء واحد لم تختلف فيه الضمائر حتى كأن الذين قتلوا أنفسهم بالتوبة والذين صعقوا بعد ذلك هم المطالبون بالاعتبار وبالشكر، وما جاء الخطاب بهذا الأسلوب ألا لبيان معنى وحدة الأمة واعتبار أن كل ما يبلوها الله به من الحسنات والسيئات وما يجازيها من النعم والنقم إنما يكون لمعنى موجود فيها يصح أن يخاطب اللاحق منها بما كان للسابق كأنه وقع به، ليعلم الناس أن سنة الله تعالى في الاجتماع الإنساني أن تكون الأمم متكافلة يعتبر كل فرد منها سعادته بسعادة سائر الأفراد وشقاءه بشقائهم، ويتوقع نزول العقوبة به إذا فشت الذنوب في الأمة وإن لم يواقعها هو ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَةً ﴾ وهذا التكافل في الأمم هو المعراج الأعظم لترقيها لأنه يحمل الأمة التي تعرفه على التعاون على الخير والمقاومة للشر فتكون من المفلحين.
بعد هذا ذكر الله تعالى نعمة أخرى بل نعمتين من النعم التي مَنَّ بها على بني إسرائيل فكفروا بها ولكنه لم يذكر ما كان به الكفران، بل طواه وأشار إليه بما ختم به الآية من أنهم لم يظلموا الله تعالى بذلك الذنب المطوي وإنما ظلموا أنفسهم، وهذا أسلوب آخر من أساليب البيان في التذكير، وضرب من ضروب الإيجاز التي هي أقوى دعائم الإعجاز.
أما النعمة الأولى فقوله تعالى: ﴿ وَظَلَّلنَا عَلَيكُمْ الغَمَامَ ﴾ هذه نعمة مستقلة متصلة بما قبلها في سياق الذكرى، منفصلة عنها في الوقوع، فإن التظليل استمر إلى دخولهم أرض الميعاد، ولولا أن ساق الله إليهم الغمام يظللهم في التيه لسفعتهم الشموس ولفحت وجوههم.
ولا معنى لوصف الغمام بالرقيق كما قال المفسر "الجلال" وغيره: بل السياق يقتضي كثافته إذ لا يحصل الظل الظليل، الذي يفيده حرف التظليل، إلا بسحاب كثيف بمنع حر الشمس ووهجها.
وكذلك لا تتم النعمة التي بها المنة إلا بالكثيف وهو المنقول المعروف عند الإسرائيليين أنفسهم.
وأما النعمة الثانية ففي قوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمْ المَنَّ وَالسَّلْوَى ﴾ ما منح الله تعالى يسمى إيجاده إنزالًا ومنه ﴿ وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ ﴾ على أن المن ينزل كالندى وهو مادة لزجة حلوة تشبه العسل تقع على الحجر وورق الشجر مائعة ثم تجمد وتجف فيجمعها الناس، ومنها الترنجين وبه فسر المن مفسرنا وغيره.
وأما السلوى فقد فسروها بالسماني وهو الطائر المعروف، فمعنى النزول يصح فيه على حقيقته أيضًا.
وظاهر أن قوله تعالى: ﴿ كَلَوا مِنْ طَيِبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ مقدر فيه القول.
وفي "سفر الخروج" أن بني إسرائيل أكلوا المن أربعين سنة وأن طعمه كالرقاق بالعسل وكان لهم بدلًا من الخبز وليس المراد أنه لم يكن لهم أكل سواه إلا السلوى، فقد كان معهم المواشي ولكنهم كانوا محرومين من النبات والبقول كما يعلم مما يأتي.
وفي قوله تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ تقرير لقاعدة مهمة وهي أن كل ما يطلبه الدين من العبد فهو لمنفعته، وكل ما ينهاه عنه فإنما يقصد به دفع الضرر عنه، ولن يبلغ أحد نفع الله فينفعه، ولن يبلغ أحد ضره فيضره، كما ثبت في الحديث القدسي.
فكل عمل ابن آدم له أو عليه (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).
<div class="verse-tafsir"
المراد بالقرية ما هو أوسع من البلدة، وهي في الأصل اسم لمجتمع الناس ومسكن النمل الذي يبنيه، ومادتها تدل على الاجتماع، ومنها قريت الماء في الحوض إذا جمعته.
وأطلقت على الأمة نفسها.
ثم غلب استعمالها في البلاد الصغيرة، ولا يصح هنا، فإن الرغد لا يتيسر للإنسان كما يشاء إلا في المدن الواسعة الحضارة.
ونحن نسكت عن تعيين القرية كما سكت القرآن، فقد أمر بنو إسرائيل بدخول بلاد كثيرة وكانوا يؤمرون بدخولها خاشعين لله خاضعين لأمره مستشعرين عظمته وجلاله ونعمه وأفضاله وهو معنى السجود وروحه المراد هنا.
وأما صورة السجود من وضع الجباه على الأرض فلا يصح أن تكون مرادة لأنها سكون، والدخول حركة، وهما لا يجتمعان.
والمراد بالحطة الدعاء بأن تحط عنهم خطايا التقصير وكفر النعم.
وتبديل القول بغيره عبارة عن المخالفة كأن الذي يؤمر بالشيء فيخالف قد أنكر أنه أمر به وادعى أنه أمر بخلافه، يقال بدلت قولًا غير الذي قيل، أي جئت بذلك القول مكان القول الأول.
وهذا التعبير أدل على المخالفة والعصيان من كل تعبير خلافًا لما يتراءى لغير البلغ من أن الظاهر أن يقال: بدلوا القول بغيره دون أن يقال: غير الذي قيل لهم، فإن مخالف أمر سيده قد يخالفه على سبيل التأويل مع الاعتراف به، فكأنه يقول في الآية خالفوا الأمر خلافًا لا يقبل التأويل، حتى كأنه قيل لهم غير الذي قيل.
وليس المعنى أنهم أمروا بحركة يأتونها، وكلمة يقولونها، وتعبدوا بذلك وجعل سببًا لغفران الخطايا عنهم فقالوا غيره وخالفوا الأمر، وكانوا من الفاسقين.
وأي شيء أسهل على المكلف من الكلام يحرك به لسانه، وقد اخترع أهل الأديان من ذلك ما لم يكلفوا قوله لسهولة القول على ألسنتهم، فكيف يقال أمر هؤلاء بكلمة يقولونها فعصوا بتركها؟
إنما يعصي العاصي إذا كلف ما يثقل على نفسه ويحملها على غير ما اعتادت، وأشق التكاليف حمل العقول على أن تفكر في غير ما عرفت، وحث النفوس على أن تتكيف بغير ما تكيفت.
وذهب المفسر (الجلال) إلى ترجيح اللفظ على المعنى والصورة على الروح ففسر السجود ككثيرين غيره بالانحناء، وقال إنهم أمروا بأن يقولوا ﴿ حِطَّةٌ ﴾ فدخلوا زحفًا على أستاهم وقالوا: حبة في شعيرة: أي إننا نحتاج إلى الأكل.
ومنشأ هذه الأقوال الروايات الإسرائيلية، ولليهود في هذا المقام كلام كثير وتأويلات خدع بها المفسرون ولا نجيز حشوها في تفسير كلام الله تعالى.
ويدل قوله تعالى: ﴿ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ ﴾ على أن هذا العصيان لم يكن من كل بني إسرائيل، وأن هذا الرجز كان خاصًا بالظالمين منهم الذين فسقوا عن الأمر ولم يمتثلوه.
وقد أكد هذا المعنى أشد التأكيد بوضع المُظهر موضع المُضمر فقال: ﴿ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ولم يقل فأنزلنا عليهم، ولعل وجه الحاجة إلى التأكيد الاحتراس من إبهام كون الرجز كان عامًا كما هو الغالب فيه، ثم أكده بتأكيده آخر وهو قوله : ﴿ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ وفي هذا الضرب من المقابلة من تعظيم شأن المحسنين ما فيه.
ونسكت عن تعيين نوع ذلك الرجز كما هو شأننا في كل ما أبهمه القرآن.
وقال المفسر وغيره إنه الطاعون، واحتج بعضهن عليه بقوله تعالى: ﴿ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ وهو كما تراه.
والرجز هو العذاب وكل نوع منه رجز.
وقد ابتلى الله بني إسرائيل بالطاعون غير مرة، وابتلاهم بضروب أخرى من النقم في إثر كل ضرب من ضروب ظلمهم وفسوقهم، ومن أشد ذلك تسليط الأمم عليهم، وحسبنا ما جاء في القرآن عبرة وتبصرة فنعين ما عينه، ونبهم ما أبهمه ﴿ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُم لَا تَعْلَمُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
هذا بيان لحال آخر من أحوال بني إسرائيل في هجرتهم وعناية الله تعالى بهم فيها.
أصابهم الظمأ فعادوا على موسى باللائمة أن أخرجهم من أرض مصر الخصبة المتدفقة بالأمواه، وكانوا عند كل ضيق يمنون عليه أن خرجوا معه من مصر ويجهرون بالندم، فاستغاث موسى بربه واستسقاه لقومه كما قصه الله علينا بقوله: ﴿ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ ﴾ أي طلب السقيا لهم من الله تعالى ﴿ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ﴾ أمره أن يضرب بعصاه حجرًا من حجارة تلك الصحراء بتلك العصا التي ضرب بها البحر، فضربه ﴿ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ﴾ بعدد أسباطهم وذلك قوله ﴿ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ﴾ .
وكون هذا الحجر هو الذي روي أنه تدحرج بثوب موسى يوم كان يغتسل كما قال المفسر "الجلال" لا دليل عليه، وقصة الثوب ليست في القرآن فيحمل تعريف الحجر على أنه المعهود في القصة، وإنما يفهم التعريف أن الحجر الذي ضرب فتفجرت منه المياه حجر مخصوص له صفات تميزه عندهم ككونه صلبًا أو عظيمًا تتسع مساحته لتلك العيون ويصلح أن تكون منه موارد لتلك الأمم، أو كونه يقع تحت أعينهم منفردًا عن غيره ليس في محلتهم سواه، وقد يكون التعريف للدلالة على الجنس ليفيدنا بعد المرغوب عن التناول، وعظمة القدرة الإلهية وأثرها الجليل في تقريبه وتحصيله، وعبر عنه في سفر الخروج بالصخرة.
ولو علم الله تعالى أن لنا فائدة في أكثر مما دل عليه هذا الخطاب من التعيين لما تركه.
ثم أراد أن يصور حال بني إسرائيل في هذه النعمة واغتباطهم بما منحهم من العيش الرغد في مهاجرهم فقال ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ ﴾ فعبر عن الحال الماضية بالأمر، ليستحضر سامع الخطاب أولئك القوم في ذهنه ويتصور اغتباطهم بما هم فيه حتى كأنهم حاضرون الآن والخطاب يوجه إليهم.
وهذا ضرب من ضروب إيجاز القرآن التي لا تجارى ولا تمارى ثم قال ﴿ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ أي لا تنشروا فسادكم في الأرض وتكونوا في الشرور قدوة سيئة للناس.
يقال عثا إذا نشر الشر والفساد وأثار الخبث فهو أخص من مطلق الإفساد، ولذلك مع كون ﴿ مُفْسِدِينَ ﴾ حالًا من ضمير ﴿ تَعْثَوْا ﴾ .
إن كثيرًا من أعداء القرآن يأخذون عليه عدم الترتيب في القصص ويقولون هنا إن الاستسقاء وضرب الحجر كان قبل التيه وقبل الأمر بدخول تلك القرية فذكر هنا بعد تلك الوقائع.
والجواب عن هذه الشبهة يفهم مما قلناه مرارًا في قصص الأنبياء والأمم الواردة في القرآن، وهو أنه لم يقصد بها التاريخ وسرد الوقائع مرتبة بحسب أزمنة وقوعها وإنما المراد بها الاعتبار والعظة ببيان النعم متصلة بأسبابها لتطلب بها، وبيان النقم بعللها لتتقى من جهتها.
ومتى كان هذا هو الغرض من السياق فالواجب أن يكون ترتيب الوقائع في الذكر على الوجه الذي يكون أبلغ في التذكير وأدعى إلى التأثير.
إن الباحثين في التاريخ لهذا العهد قد رجعوا إلى هذا الأسلوب في التقديم والتأخير وقالوا ستأتي أيام يستحيل فيها ترتيب الحوادث والقصص بحسب تواريخها لطول الزمن وكثرة النقل مع حاجة الناس إلى معرفة سير الماضين، وما كان لها من النتائج والآثار في حال الحاضرين.
وقالوا إن الطريق إلى ذلك هو أن ننظر في كل حادثة من حوادث الكون كالثورات والحروب وغيرها ونبين أسبابها ونتائجها من غير تفصيل ولا تحديد لجزئيات الوقائع بالتاريخ، فإن ترتيب الوقائع هو من الزينة في وضع التأليف فلا يتوقف عليها الاعتبار، بل ربما يصد عنه بما يكلف الذهن من ملاحظته وحفظه.
فهذا ضرب من ضروب الإصلاح العلمي جاء به القرآن وأيده سير الاجتماع في الإنسان.
هذا نقوله إذا سلمنا إلى الاستسقاء كان قبل التيه لا فيه، ولنا أن نقول إن أرض التيه هي الأرض الممتدة على ساحل البحر الأحمر من بيداء فلسطين مما يلي حدود مصر وفيها كان الاستسقاء بلا خوف، وفي سفر الخروج أنه كان في "رفيديم" التي انتقل إليها بنو إسرائيل من "سين" التي بين "إيليم" و "سيناء".
ويطلق التيه على ضلال بني إسرائيل أربعين سنة في الأرض والعبرة في القصة على ما يظهر من التوراة أن موسى كان يحاول نزع ما في قلوب قومه من الشرك الذي أشربوا عقائده في مصر، وما في نفوسهم من الذل الذي طبعه فيها استبداد المصريين وتعبيدهم إياهم، ليكونوا أعلياء أعزاء بعبادة الله تعالى وحده، وأن يدخل بهم أرض الميعاد وهي بلاد الشام التي وعد بها آباءهم.
وكانوا لطول الإقامة في مصر قد ألفوا الذل وأنسوا بالشعائر والعادات الوثنية، فكانوا لا يخطون خطوة إلا ويتبعونها بخطيئة، وكلما عرض لهم شيء من مشقات السفر يتبرمون بموسى ويتحسرون على مصر ويتمنون الرجوع إليها -كما سبق القول- ويستبطئون وعد الله، فتارة يطلبون منه أن يجعل لهم إلهًا غير الله، وتارة يصنعون عجلًا ويعبدونه، وتارة يفسقون عن أمر ربهم ويكفرون نعمه.
ولما أمرهم بدخول البلاد المقدسة التي وعدهم الله أبوا واعتذروا بالخوف من أهلها الجبارين لما استحوذ عليهم من الجبن الذي هو حليف الذل.
وكان موسى أرسل "كالبًا" و"يوشع بن نون" رائدين لينظرا حال البلاد في القوة والضعف وأرسل غيرهما عشرة من بقية أسباط بني إسرائيل فأخبر هؤلاء بأن في تلك الأرض قومًا جبارين فقال بنو إسرائيل: إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها.
وأخبر "يوشع" و "كالب" بأن الأرض كما وعد الله وأن دخولها سهل والظفر مضمون بالاعتماد على الله تعالى والتوكل عليه، فلم يسمعوا لهما بل "قالوا إنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها" فضرب الله عليهم التيه أربعين سنة لحكمة بالغة وهي إرادة انقراض أولئك القوم الذين تأشبت في نفوسهم عقائد الوثنية، وزايلتها صفات الرجولية، حتى فسد مزاجها وتعذر علاجها، وخروج نشء جديد يتربى على العقائد الصحيحة، وأخلاق الشهامة والرجولية، فتاهوا حتى انقرض أولئك المصابون باعتلال الفطرة، وبقي النشء الجديد وبعض الذين كانوا عند الخروج من مصر صغارًا لا يقدرون على حمل السلاح، وقضى الله أمرًا كان مفعولًا.
<div class="verse-tafsir"
هذا ضرب آخر مما ذكر الله تعالى به بني إسرائيل في سياق دعوتهم إلى الإسلام.
قال صاحب الكشاف: "كانوا قومًا فلاحة فنزعوا إلى عكرهم فأجموا ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم الشقاء"ا هـ.
وفلاحة بتشديد اللام جمع فلاح بمعنى الزراع، وعكرهم بكسر العين أصلهم، وأجم الطعام من باب ضرب وعلم كرهه من المداومة عليه وهو بيان لما بعثهم على أن يسألوا موسى أن يدعو ربه ليخرج لهم تلك الأشياء التي طلبوها والسبب في جهرهم بذلك وثورتهم عليه كأنه يقول: إن الحامل على ذلك هو تمكن العادة من نفوسهم فلما خرجوا منها وجاءهم ما لم يكونوا يألفون نزعوا إلى ما كانوا قد عودوه من قبل.
ولو كان الأمر كما قال "الزمخشري" لكان في ذلك التماس عذر لهم، ولما وعد الله هذا القول في خطاياهم، بل إن السآمة من تناول طعام واحد قد تكون من لوازم الطباع البشرية، إلا ما شذ منها لعادة أو ضرورة، ولا يعد ما هو من منازع الطباع جرمًا إذا لم يسقط ذلك في محظور.
وسياق الآيات قبلها وما يلحق بعد ذلك من قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ﴾ إلخ كل ذلك يدل على أن ما عدد من أفاعيلهم مع تضافر الآيات بين أيديهم وتوارد نعم الله عليهم كله من خطاياهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ﴾ ويؤكد ذلك إيراد تلك العقوبة الشديدة من ضرب الذلة والمسكنة واستحقاق غضب الله تعالى عقب مقالهم هذا.
ولكن الذي يقع عليه الفهم من الآية: أن النزق قد استولى على طباعهم وملك البطر أهواءهم حتى كانوا يستخفون بذلك الأمر العظيم الذي هيأهم الله له من التمكن في الأرض الموعودة والخروج من الخسف الذي كانوا فيه.
ومع كثرة ما شاهدوا من آيات الله القائمة على صدق وعده لهم لم تستيقنه أنفسهم، بل كانوا على ريب منه، وكانوا يظنون أن موسى خدعهم بإخراجهم من مصر وجاء بهم في البرية ليهلكهم، فلذلك دأبوا على إعناته والإكثار من الطلب فيما يستطاع وما لا يستطاع، حتى ييأس منهم فيرتد بهم إلى مصر حيث ألفوا الذلة، ولهم مطمع في العيش وأمل في الخلاص من الهلكة، فما ذكره الله عنهم في هذه الآية على حد قولهم: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ ، ويرشد إلى ما فيه من الإعنات قولهم: لن نصبر على طعام واحد.
فقد عبر عن مسألتهم بما فيه حرف النفي الذي يأتي لسلب الفعل في مستقبل الزمان مع تأكيده فكأنهم قالوا: اعلم أنه لم يبق لك أمل في بقائنا معك على هذه الحالة من التزام طعام واحد، فإن كانت لك منزلة عند الله كما تزعم فادعه يخرج لنا ما يمكن معه أن نبقى معك إلى أن يتم الوعد الذي وعدك ووعدتنا.
وهم يعلمون أنهم كانوا في برية غير منبتة، وربما لم يكن قولهم هذا عن سآمة ولا أجم من وحدة الطعام، ولكنه نزق وبطر، كما بينا، وطلب للخلاص مما يخشون على أنفسهم.
ويؤيد ذلك ما هو معروف في أخبارهم.
ووصفوا الطعام بالواحد مع أنه نوعان: المن والسلوى.
لأنهما طعام كل يوم، والعرب تقول لمن يأكل كل يوم عدة ألوان لا تتغير: إنه يأكل من طعام واحد.
كأنهم ينظرون إلى أن مجموع الألوان هي غذاؤه الذي لا يتغير فهي غذاء واحد فإذا تغيرت الألوان تغير نوع الغذاء فكان طعامًا متعددًا.
والبقل من النبات ما ليس بشجر دِقٍّ ولا جِلٍّ كما ذكره "ابن سيده".
وقال أبو حنيفة ما ينبت في بزرة ولا ينبت في أورمة ثابتة.
وفرق ما بين البقل ودق الشجر أن البقل إذا رعي لم يبق له ساق، والشجر تبقى له سوق وإن دقت.
وأرادوا من البقل ما يطعمه الإنسان من أطايب الخضر كالكرفس والنعناع ونحوهما مما يغري بالقضم، ويعين على الهضم، والقثاء هي أخت الخيار تسميها العامة "القثة" والعدس والبصل معروفان، والفوم هو الحنطة.
وقال الكسائي وجماعة: هو الثوم أبدلت الثاء فاء كما في جدث وجدف.
وطلبهم للحنطة هو طلبهم للخبز الذي يصنع منها.
ولقد قال موسى تقريعًا لهم على أشرهم وإنكارًا لتبرمهم ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ﴾ ؟
أي أتطلبون هذه الأنواع الخسيسة بدل ما هو خير منها وهو المن والسلوى؟
والمن فيه الحلاوة التي تألفها أغلب الطباع البشرية والسلوى من أطيب لحوم الطير وفي مجموعها غذاء تقوم به البنية وليس فيما طلبوه ما يساويهما لذة وتغذية.
ثم قال: ﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا ﴾ من الأمصار ﴿ فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ﴾ أي فإنكم إن هبطتموه ونزلتموه وجدتم فيه ما سألتم.
أما هذه الأرض التي قضى الله أن تقيموا فيها إلى أجل محدود فليس من شأنها أن تنبت هذه البقول وإن الله جل شأنه لم يقض عليكم بالتيه في هذه البرية إلا لجبنكم وضعف عزائمكم عن مغالبة من دونكم من أهل الأمصار، فلو صح ما تزعمون من كراهتكم للطعام الواحد فأنتم الذين قضيتم به على أنفسكم بما فرط منكم، فإن أردتم الخلاص مما كرهتم فأقدموا على محاربة من يليكم من سكان الأرض الموعودة، فإن الله كافل لكم النصر عليهم، وعند ذلك تجدون طلبتكم فالتمسوا الخير في أنفسكم وفي أفعالكم فإن الله لا يضيع أجر العاملين.
قال تعالى ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ﴾ الذلة والذل خلق خبيث من أخلاق نفس الإنسان يضاد الإباء والعزة، وأصل المادة فيه معنى اللين فالذل بالكسر اللين وبالضم والكسر ضد الصعوبة، وإذا تتبعت المادة وجدتها لا تخلو من هذا المعنى.
صاحب هذا الخلق ليِّن ينفعل لكل فاعل، ولا يأبى ضيم ضائم، غير أن هذا الخلق الذي يهوِّن على النفس قبول كل شيء لا يظهر أثره غالبًا على البدن وفي القول إلا عند الاستذلال والقهر، وكثيرًا ما ترى الأذلاء تحسبهم أعزاء، يختالون في مشيتهم من الكبرياء، ويباهون بما لهم من سلف وآباء، وربما فاخروا من لا يخشون سطوته من الكبراء.
وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا ولكن متى شعر الذليل بنية من نفس القاهر، أو طاف بذهنه خيال يد تمتد إليه استخذى واستكان، وظهر السكون على بدنه، واشتمل الخشوع على قوله وفعله، وهذا الأثر الذي يسطع من النفس على البدن هو الذي يسمى المسكنة، وإنما سمي الفقر مسكنة لأن العائل المحتاج تضعف حركته ويذهب نشاطه فهو بعدم ما يسد عوزه كأنه يقرب من عالم الجماد، فلا تظهر فيه حاجة الأحياء فيسكن.
والمشاهدة ترشدنا إلى تحقيق ما عليه أهل المسكنة في أوضاع أعضائهم وما يبدو على وجوههم، وما طبع في أقوالهم وأعمالهم.
فضرب الذلة والمسكنة على اليهود هو جعل الذل وضعف العزيمة محيطين بهم كما تحيط القبة المضروبة بمن فيها، أو إلصاقها بطباعهم كما تطبع الطُّغْرَى على السَّكة ﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ الَّلهِ ﴾ أي رجعوا به كما يقال رجع أو عاد بصفقة المغبون، إذا كان ذلك آخر شوطه ومنتهى سعيه.
وكذلك كان آخر أطوار اليهود في بغيهم أيام ملكهم، والمراد به فقد الملك وما يتبعه.
لقد استحقوا غضبه ومن استحقه فقد أصابه، فقد غضب الله عليهم، وتنكير الغضب دلالة على أنه نوع عظيم من سخطه جل شأنه ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ﴾ .
فإنهم بإحراجهم لموسى وإعناتهم المطالب مع كثرة ما شاهدوا من العجائب وما أظهر الله لهم من الغرائب قد دلوا على أن لا أثر للآيات في نفوسهم، فهم كافرون في الحقيقة.
ونسيان الآيات وعدها كأن لم تكن يعده الكتاب العزيز كفرًا.
ثم توالي العقوبات عليهم ثم تواتر إحسان الله إليهم ثم عدم اعتبارهم بجميع ذلك وجرأتهم على الأنبياء يقتلونهم.
﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ مع أن الكتاب يحرم عليهم قتل غير الأنبياء فضلًا عنهم إلا بحقه المبين فيه، كل ذلك دل فيهم على طباع بعيدة عن الكرم، وقلوب غلف دون الفهم، ومن كان هذا شأنه فالأجدر به أن يكون ذليلًا مقهورًا، ثم هو مهبط غضب الله ومحط نقمه، لأنه أشد الناس كفرًا لنعمه، وقوله ﴿ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ مع أن قتل النبيين لا يكون إلا كذلك يزيد في شناعة حالهم، ويصرح بأنهم لم يكونوا مخطئين في الفهم، ولا متأولين للحكم، بل ارتكبوا هذا الجرم العظيم عامدين، وهم يعلمون أنهم بارتكابه مخالفون لما شرع الله تعالى لهم في دينهم ﴿ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ ذلك الذل وتلك الخلافة بالغضب إنما لزماهم لأنهم عصوا الله فيما أمرهم أن يأخذوا به من الأحكام، ولأنهم اعتدوا تلك الحدود التي حدها الله لهم في شرائع أنبيائهم، وقد كانت تلك الأحكام والحدود هي الوسيلة لإخراجهم من الذل وتمكين العز والسلطان لهم في الأرض الموعودة لأنها كانت الكافلة بنظامهم، الحافظة لبناء جماعتهم، فإذا أهملوها فسدت ألفتهم، وانهدم بناؤهم، وأسرعت إليهم الذلة التي لم تكن فارقتهم، إلا منهزمة من يدي سلطان الشريعة، ولم يكن يصدها عنهم إلا معاقل النظام تحت رعايته ولزمتهم الذلة والمسكنة بعد هذا لزوم الطابع للمطبوع.
ويمكن أن ترجع الإشارة في "ذلك" إلى الثاني، أي إلى الكفر بآيات الله وقتل النبيين، أي أن كفرهم وجرأتهم على النبيين بالقتل إنما منشأهما عصيانهم واعتداؤهم حدود دينهم، لأن المعتقد بدين وشريعة أيًا كانت يتهيب لأول الأمر مخالفتها، فإذا خالفها لأول مرة تركت المخالفة أثرًا في نفسه وضعفت هيبة الشريعة في نظره، فإذا عاد زاد ضعف سلطة الشريعة على إرادته، ولا يزال كذلك حتى تصير المخالفة طبعًا ودينًا وينسى ما قام على الشريعة من دليل وما كان لها من سيطرة، وضَرِي بالعدوان كما يضرى بالافتراس، وكل عمل يسترسل فيه العامل تقوى ملكته فيه، خصوصًا ما اتبع فيه الهوى.
<div class="verse-tafsir"
أحاط القضاء في الآية السابقة باليهود فلم يدع منهم حاضرًا ولا غائبًا فألزم الذل باطنهم، وكسا بالمسكنة ظاهرهم، وبوأهم منازل غضبه، وجعل أرواحهم مساقط نقمه، فذلك الله الذي يقول ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ سجلت الآية عليهم هذا العذاب الشديد بما كسبت أيديهم واستشعرت قلوبهم من كفر بآيات الله، وانصراف عن العبرة، واستعصاء على الموعظة.
وخروج عن حدود الشريعة، واعتداء على أحكامها.
اقترف ذلك سلفهم، وتبعهم عليه خلفهم فحقت عليهم كلمة ربك، فلو قر الخطاب عندها، ولم يتلها من رحمته ما بعدها، لحق على كل يهودي على وجه الأرض أن ييأس، وأن لا يبقى عنده للأمل في عفو الله متنفس، بل كان ذلك القنوط لازمًا لكل عاصٍ، قابضًا على نفس كل معتدٍ، لا فرق بين اليهود وغيرهم، فإن سبب ما نزل باليهود هو عصيانهم واعتداؤهم حدود ما شرع الله لهم، وسنن الله في خلقه لا تتغير، وأحكامه العادلة فيهم لا تتبدل، لهذا جاء قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ إلخ بمنزلة الاستثناء من حكم الآية السابقة وإنما ورد على هذا الأسلوب البديع متضمنًا لجميع من تمسك بهدى نبي سابق وانتسب إلى شريعة سماوية ماضية، ليدل على أن الجزاء السابق وإن حكي على أنه من خطأ اليهود خاصة -لم يصبهم إلا لجريمة قد تشمل الشعوب عامة، وهي الفسوق عن أوامر الله وانتهاك حرماته، فكل من أجرم كما أجرموا سقط عليه من غضب الله ما سقط عليهم، وعلى أن الله جل شأنه لم يأخذهم بما أخذهم لأمر يختص بهم على أنهم من شعب إسرائيل أو من ملة يهود بل ﴿ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ .
وأما أنساب الشعوب وما تدين به من دين وما تتخذه من ملة فكل ذلك لا أثر له في رضاء الله ولا غضبه، ولا يتعلق به رفعة شأن قوم ولا ضعتهم، بل عماد الفلاح ووسيلة الفوز بخيري الدنيا والآخرة إنما هو صدق الإيمان بالله تعالى، بأن يكون التصديق به سطوعًا على النفس من مشرق البرهان، أو جيشانًا في القلب من عين الوجدان، فيكون الاعتقاد بوجوده وصفاته خاليًا من شوب التشبيه والتمثيل، واليقين في نسبة الأفعال إليه خالصًا من وساوس الوهم والتخييل، ويكون المؤمن قد ارتقى بإيمانه مرتقى يشعر فيه بالجلال الإلهي.
فإذا رفع بصره إلى الجناب الارفع أغضى هيبة وأطرق إلى الأرض العبودية خشوعًا، وإذا أطلق نظره فيما بين يديه، مما سلطه الله عليه، شعر في نفسه عزة بالله، ووجد فيها قوة تصرفه بالحق فيما يقع تحت قواه، لا يعدو حدًا ضرب له، ولا يقف دون غاية قدر له أن يصل إليها، فيكون عبدًا لله وحده، سيدًا لكل شيء بعده.
أما مسألة أهل الفترة، والخلاف المشهور فيها فإن جمهور أهل السنة يقول أنهم ناجون لأنه لا تكليف إلا بشرع، وهؤلاء لم تبلغهم دعوة.
ومن قال إن بالعقل يدرك الواجب والمحرم والاعتقاد الصحيح والباطل عدهم غير ناجين وهذا رأي المعتزلة وجماعة من الحنفية.
وجمهور الأشاعرة على أنه لا يمكن إدراك ذلك إلا بالشرع، ثم إن محل النظر في أهل الفترة من كان منهم كالعرب الذين كانوا يعتقدون نبوة أنبياء ولا يجدون لديهم شيئًا من أحكام دينهم خالصًا من الشوائب سالمًا من النزعات الفاسدة.
وأما مثل اليهود فلا يصح أن يسموا أهل فترة فإنهم على نسيانهم حظًا مما ذكروا به وتحريفهم بعض ما حفظوا قد بقي جوهر دينهم معروفًا لم يغش أحكامه ما يمنع الاهتداء بها، والله تعالى يقول: ﴿ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ﴾ وكذلك المسيحيون لا يسمون أهل فترة لأن في التوراة ووصايا الأنبياء ما عند اليهود وزيادة مما حفظوا من وصايا المسيح وروح الدعوة موجود عندهم، ولكنهم لا يعملون بهذه الوصايا ولا يأخذون بتلك الأحكام، ولا عذر لهم يحول دون العقوبة، وأما الصابئون فإن كانوا فرقة من النصارى كما يظهر من الوفاق بينهما في كثير من التقاليد كالعمودية والاعتراف وتعظيم يوم الأحد فالأمر ظاهر أن حكمهم كحكمهم، وإن كان الخلط عندهم أكثر، والبعد عن الأصل أشد، حتى أنهم اعتقدوا تأثير الكواكب، وأحاطت بهم البدع من كل جانب، على أنهم أقرب إلى روح المسيحية من النصارى فإن عندهم الزهد والتواضع اللذين يفيضان من كل كلمة تؤثر عن المسيح ، والنصارى صاروا أشد أمم الأرض عتوًا وطمعًا وإسرافًا في حظوظ الدنيا، ويقال إن الصابئة ملة مستقلة يؤمنون بكثير من الأنبياء المعروفين، ولكن قد اختلط عليهم الأمر كما اختلط على الحنفاء العرب، إلا أن عندهم من التقاليد والأحكام ما لم يكن عند العرب، فإن كانوا أقرب إليهم فلهم حكمهم وإلا فهم كاليهود والنصارى يسألون عن العمل بدينهم بعد فهمه كما يجب حتى يأتيهم هدى آخر كأن تبلعهم دعوة الإسلام فإن لم يفعلوا فهم مؤاخذون.
علمنا أن أهل الفترة هم الذين لم تبلغهم دعوة صحيحة تحرك إلى النظر، أو بلغهم أن بعض الأنبياء بعثوا ولكن لم يصل إليهم شيء صحيح من شرائعهم، فهم يؤمنون بهم إيمانًا إجماليًا كالحنفاء من العرب الذين كانوا يؤمنون بإبراهيم وإسماعيل ولا يعرفون من دينهما شيئًا خالصًا كما تقدم آنفًا.
وحجة الأشاعرة على معدم مؤاخذتهم آيات كقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ وقوله ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ وذهب كثير منهم إلى الاكتفاء ببلوغ دعوة أي نبي في ركني الدين الركينين وهما الإيمان بالله وباليوم الآخر، فمن بلغته وجب عليه الإيمان بهذين الأصلين، وإن لم يكن النبي مرسلًا إليه.
وذهب جمهور الحنفية وكذلك المعتزلة إلى أن أصول الاعتقاد تدرك بالعقل فلا تتوقف المؤاخذة عليها على بلوغ دعوة رسول، وإنما يجيء الرسل مؤكدين لما يفهم العقل موضحين له ومبينين أمورًا لا يستقل بإدراكها كأحوال الآخرة وكيفيات العبادة التي ترضي الله تعالى.
وأولوا آية ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ بأن المراد بالتعذيب هو الاستئصال في الدنيا بإفناء الأمة أو استذلالها، والذهاب باستقلالها، وينافيه ما يدل عليه استعمال ﴿ وَمَا كُنَّا ﴾ من إرادة نفي الشأن الدال على عموم السلب، ولهم في كتبهم أدلة ومناقشات ليس هذا من مواضعها.
وعن الإمام الغزالي أن الناس في شأن بعثة النبي أصناف ثلاثة -من لم يعلم بها بالمرة- أي كأهل أمريكا لذلك العهد- وهؤلاء ناجحون حتمًا" أي إن لم تكن بلغتهم دعوة أخرى صحيحة "ومن بلغته الدعوة على وجهها ولم ينظر في أدلتها إهمالًا أو عنادًا واستكبارًا، وهؤلاء مؤاخذون حتمًا.
ومن بلغته على غير وجهها أو مع فقد شرطها وهو أن تكون على وجه يحرك داعية النظر، وهؤلاء في معنى الصنف الأول.
هذا معنى عبارته المطابقة لأصول الكلام.
<div class="verse-tafsir"
أطمع الله تعالى بالآية السابقة بني إسرائيل في رحمته بعد ما قرعهم بالنذر التي تكاد توقع اليأس في قلوبهم، وبين لهم ولسائر الناس أن المنفذ إلى هذا الطمع، بل الباب الذي يؤدي إلى هذا الرجاء، هو الجمع بين الأمرين اللذين بعث لتقريرهما الأنبياء عليهم السلام وهما الإيمان الصحيح اليقيني والعمل الصالح.
وإشراك غير بني إسرائيل في هذا الحكم لا يقضي بانتهاء السياق، بل لا يزال الكلام في بني إسرائيل، ولذلك عقب ذلك الإطماع بالتذكير ببعض الوقائع التي استحقوا فيها العقوبة فحالت دون وقوعها الرحمة فقال: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ﴾ وهو العهد الذي أخذه عليهم وتقدم الكلام فيه.
وأما قوله ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ﴾ فقد ذكر المفسرون فيه قصة وهي أن الله تعالى ظلل بني إسرائيل بالطور وهو الجبل المعروف وخوفهم برفعه فوقهم ليذعنوا ويؤمنوا.
ثم اعترض عليه بعضهم بأنه إكراه على الإيمان وإلجاء إليه وذلك ينافي التكليف، وأجيب بأجوبة منها أن ما يفعل بالإكراه يعود اختياريًا بعد زوال ما به الإكراه، ومنها أن مثل هذا الإلجاء والإكراه كان جائزًا في الأمم السابقة، ويزيد من قال هذا أن نفي الإكراه في الدين خاص بالإسلام لقوله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ وقوله ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ .
ولا حاجة لنا في فهم كتاب الله إلى غير ما يدل عليه بأسلوبه الفصيح، فهو لا يحتاج في فهمه إلى إضافات ولا ملحقات، وقد ذكر لنا مسألة رفع الطور فوق بني إسرائيل ولم يقل إنه أراد بذلك الإكراه على الإيمان، وإنما حكي عنهم في آية أخرى أنهم ظنوا أنه واقع بهم فقد قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ والنتق الزعزعة والهز والجذب والنقض ونتق الشيء ينتقه وينتقه -من بأبي ضرب ونصر- نتقًا جذبه واقتلعه وقد يكون ذلك في الآية بضرب من الزلزال كما يدل عليه التعبير بالنتق وهو في الأصل بمعنى الزعزعة والنقض، والمفهوم من أخذ الميثاق أنهم قبلوا الإيمان وعاهدوا موسى عليه.
فرفع الطور وظنهم أنه واقع بهم من الآيات التي رأوها بعد أخذ الميثاق كل لأجل أخذ ما أوتوه من الكتاب بقوة واجتهاد لأن رؤية الآيات تقوي الإيمان، وتحرك الشعور والوجدان، ولذلك خاطبهم عند رؤية تلك الآية بقوله ﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾ أي تمسكوا به واعملوا بجد ونشاط، لا يلابس نفوسكم فيه ضعف، ولا يصحبها وهن ولا هم، ثم قال ﴿ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ﴾ أي بالمحافظة على العمل به، فإن العمل هو الذي يجعل العلم راسخًا في النفس مستقرًا عندها، ويؤثر عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه أنه قال: يهتف العلم بالعمل.
فإن أجابه وإلا ارتحل.
وذلك أن العلم إنما يحضر في النفس مجملًا غير سالم من إبهام وغموض، فإذا برز للوجود بالعمل صار تفصيليًا جليًا، ثم ينقلب النظري منه بالتكرار والمواظبة بديهيًا ضروريًا، وبذلك يثبت فلا ينسى.
وأما النسيان فإنه حليف الكفر وإنه ليصل بالإنسان إلى حد يساوي فيه من لم تسبق له معرفة بالشيء قط لأنه لا أثر له في النفس ولا في الظاهر.
ولا فرق بين من بلغته دعوة الهداية فسلم بها وقبلها ثم ترك العمل بها حتى نسيها، وبين من لم تبلغه البتة ومن بلغته على وجه غير مقنع فلم يؤمن، إلا بما تكون الحجة به على الأول أظهر، وكونه بالمؤاخذة أجدر، والثاني معذور عند الجماهير، وكذلك الثالث إذا استمر على النظر من غير تقصير، فعلى هذا تكون منزلة الناسي هي التي تلي منزلة الجاحد المعاند، وهو خليق بأن يحشر يوم القيامة أعمى عن طريق النجاة والسعادة، حتى إذا لقي ربه قال (رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا؟
قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى).
إن في هذا لعبرة لقراء القرآن الذين ليس لهم منه إلا التغني بألفاظه وأفئدتهم هواء لا أثر فيه للقرآن وأعمالهم لا تنطبق على ما جاء به القرآن وهذا شر نوعي النسيان.
وقد ضرب له الإمام الغزالي مثل عبيد قطعهم سيدهم بستانًا وكلفهم بإصلاحه وعمارته وكتب لهم كتابًا يبين لهم كيف يسيرون في هذا الإصلاح وكيف تكون حياتهم فيه ووعدهم بمكافأة أجر فوق ما يستفيدونه من ثمرات البستان وغلاته وتوعدهم على الإساءة في العمل بالعقوبة الشديدة وراء ما يفوتهم من خيرات البستان وما يذوقون من مرارة سوء المعاملة فيما بينهم، فكان حظهم من الكتاب تعظيم رقه وورقه والتغني بلفظه وتكرار تلاوته بدون مبالاة بالأمر والنهي ولا اعتبار بالوعد والوعيد، بل عاثوا في أرض البستان مفسدين فأهلكوا الحرث والنسل.
فهل يكون حظ هؤلاء من الكتاب غير أنه حجة عليهم وقاطع لألسنة العند منهم؟؟
أمرهم بالذكر الذي يثبت بالعمل، ووصله بذكر فائدته وهي إعداده النفس لتقوى الله ، فقال ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ فإن المواظبة على العمل بما يرشد إليه الكتاب تطبع في النفس ملكة مراقبة الله تعالى فتكون بها تقية نقية، راضية مرضية ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ .
وبعد أن ذكر لهم تلك الآية، وما اتصل بها من هداية، ذكرهم بما كان منهم من التولي عن الطاعة والإعراض عن القبول، ثم امتن عليهم بما عاملهم به من الفضل والرحمة والصفح عما يستحقونه من المؤاخذة والعقوبة، فقال ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ أي ثم أعرضتم وانصرفتم عن الطاعة من بعد أخذ الميثاق ومشاهدة الآيات التي تؤثر في القلوب وتستكين لها النفوس ﴿ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ أي إنكم بتوليكم استحققتم العقاب، ولكن حال دون نزوله بكم فضل الله عليكم ورحمته بكم، ولولا ذلك لخسرتم سعادة الدنيا وهي التمكن في الأرض المقدسة التي تفيض لبنًا وعسلًا، ثم خسرتم سعادة الآخرة وهي خير ثوابًا وخير أملًا، فمن فضله وإحسانه أن وفقكم للعمل بالميثاق بعد ذلك.
<div class="verse-tafsir"
أباح الله تعالى لبني إسرائيل العمل في ستة أيام من الأسبوع وحظر عليهم العمل في يوم واحد وهو يوم السبت، وفرض عليهم في هذا اليوم الاجتهاد في الأعمال الدينية إحياء للشعور الديني في قلوبهم، وإضعافًا لشرههم في جمع الحطام وحبهم للدنيا، فتجاوز طائفة منهم حدود الله في السبت واعتدوها، فكان جزاؤهم على ذلك جزاء من لم يرض نفسه بآداب الدين، وجزاء مثله هو الخروج من محيط الكمال الإنساني، والرتوع في مراتع البهيمية، كالقرد في نزواته، والخنزير في شهواته، وقد سجل الله تعالى عليهم ذلك بحكم سنة الفطرة، والنواميس التي أقام بها نظام الخليقة، وذلك قوله ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ﴾ أي وأقسم أنكم لقد علمتم نبأ الذين تجاوزوا حدود حكم الكتاب في ترك العمل الدنيوي يوم السبت -وسيأتي نبؤهم مفصلًا في سورة الأعراف- ﴿ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد أنه قال: ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار في قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾ ومثل هذا قوله تعالى ﴿ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ﴾ والخسوء هو الطرد والصغار، وإنما يكون للعقلاء.
والأمر للتكوين، أي فكانوا بحسب سنة الله في طبع الإنسان وأخلاقه كالقردة المستذلة المطرودة من حضرة الناس.
والمعنى أن هذا الاعتداء الصريح لحدود هذه الفريضة قد جرأهم على المعاصي والمنكرات بلا خجل ولا حياء حتى صار كرام الناس يحتقرونهم ولا يرونهم أهلًا لمجالستهم ومعاملتهم.
وفي كتب التفسير أن هؤلاء هم أهل القرية التي كانت حاضرة البحر، كما في سورة الأعراف.
وذهب جمهور المفسرين إلى أن تلك القرية "أيلة" وقيل "طبرية" أو "مدين" وقالوا إن ذلك كان في زمن داود ، والقرآن لم يعين المكان ولا الزمان، والعبرة المقصودة لا تتوقف على تعيين هذه الجزئيات، فالحجة فيما ذكر قائمة على بني إسرائيل ومبينة أن مجاحدتهم ومعاندتهم للنبي ليست بدعًا من أمرهم.
ثم إنها عبرة بينة لكل من يفسق عن أمر ربه فيتخذ إلهه هواه ويعيش عيشة بهيمية.
وذهب الجمهور أيضًا إلى أن معنى "كونوا قردة أن صورهم مسخت فكانوا قردة حقيقيين، والآية ليست نصًا فيه ولم يبق إلا النقل ولو صح لما كان في الآية عبرة ولا موعظة للعصاة لأنهم يعلمون بالمشاهدة أن الله لا يمسخ كل عاص فيخرجه عن نوع الإنسان، إذ ليس ذلك من سنته في خلقه، وإنما العبرة الكبرى في العلم بأن من سنن الله تعالى في الذين خلوا من قبل أن من يفسق عن أمر ربه، وتنكب الصراط الذي شرعه له، ينزل عن مرتبة الإنسان، ويلتحق بعجماوات الحيوان.
وسنة الله تعالى واحدة، فهو يعامل القرون الحاضرة بمثل ما عامل به القرون الخالية، ولذلك قال: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي جعلنا هذه العقوبة نكالًا وهو ما يفعل بشخص من إيذاء وإهانة ليعتبر غيره، أي عبرة ينكل من يعلم بها أي يمتنع من اعتداء الحدود، ومن هذه المادة (النكل) للقيد أو هو أصلها ومنها النكول عن اليمين في الشرع وهو الامتناع، وما بين يديها يراد به من وقعت في زمنهم كما يراد بما خلفها من بعدهم إلى ما شاء الله تعالى.
وأما كونها موعظة للمتقين فهو أن المتقي يتعظ بها في نفسه بالتباعد عن الحدود التي يخشى اعتداؤها ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا ﴾ ويعظ بها غيره أيضًا.
ولا يتم كون تلك العقوبة نكالًا للمتقدمين والمتأخرين وموعظة للمتقين، إلا إذا كانت جارية على السنة المطردة في تربية الأمم وتهذيب الطباع، وذلك ما هو معروف لأهل البصائر ومشهور عند عرفاء الأوائل والأواخر، وحديث المسخ والتحويل وأن أولئك قد تحولوا من أناس إلى قردة وخنازير إنما قصد به التهويل والإغراب، فاختيار ما قاله مجاهد هو الأوفق بالعبرة والأجدر بتحريك الفكرة.
<div class="verse-tafsir"
هذه القصة مما أراد الله تعالى أن يقصه علينا من أخبار بني إسرائيل في قسوتهم وفسوقهم للاعتبار بها..
من وجوه الاعتبار أن التنطع في الدين والإحفاء في السؤال، مما يقتضي التشديد في الأحكام، فمن شَدَّد شُدِّد عليه، ولذلك نهى الله تعالى هذه الأمة عن كثرة السؤال بقوله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ ﴾ وفي الحديث الصحيح "ويكره لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال".
وقد امتثل سفلنا الأمر فلم يشددوا على أنفسهم فكان الدين عندهم فطريًا ساذجًا وحنيفيًا سمحًا، ولكم مِن خَلَفِنا من عمد إلى ما عفا الله عنه فاستخرج له أحكامًا استنبطها باجتهاده، وأكثروا منها حتى صار الدين حملًا ثقيلًا على الأمة فسئمته وملت، وألقته وتخلت.
جاءت هذه الآيات على أسلوب القرآن الخاص الذي لم يسبق إليه ولم يلحق فيه، فهو في هذه القصص ولم يلتزم ترتيب المؤرخين ولا طريقة الكتاب في تنسيق الكلام وترتيبه على حسب الوقائع حتى في القصة الواحدة.
وإنما ينسق الكلام فيه بأسلوب يأخذ بمجامع القلوب، ويحرك الفكر إلى النظر تحريكًا، ويهز النفس للاعتبار هزًا.
وقد راعى في قصص بني إسرائيل أنواع المنن التي منحهم الله تعالى إياها، وضروب الكفران والفسوق التي قابلوها بها، وما كان في أثر كل من ذلك تأديبهم بالعقوبات، وابتلائهم بالحسنات والسيئات، وكيف كانوا يحدثون في أثر كل عقوبة توبة، ويحدث لهم في أثر كل توبة نعمة، ثم يعودون إلى بطرهم وينقلبون إلى كفرهم.
كان في الآيات السابقة يذكر النعمة فالمخالفة فالعقوبة فالتوبة فالرحمة كالتفضيل على العالمين، وأخذ الميثاق، والإنجاء من آل فرعون، وما كان في أثر ذلك على ما أشرنا الآن وأجملنا، وأوضحنا من قبل وفصلنا.
وفي هذه القصة اختلف النسق فذكر المخالفة بعد في قوله ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ﴾ ثم المنة في الخلاص منها في قوله ﴿ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ﴾ إلخ وقدم على ذلك وسيلة الخلاص وهي ذبح البقرة بما يعجب السامع ويشوقه إلى معرفة ما وراءها، حيث لم يسبق في الكلام عهد لسبب أمر موسى لقومه أي يذبحوا بقرة، فالمفاجأة بحكاية ما كان من ذلك الأمر والجدال الذي وقع فيه يثير الشوق في الأنفس إلى معرفة السبب فتتوجه الفكرة بأجمعها إلى تلقيه، إذ الحكمة في أمر الله أمة من الأمم بذبح بقرة خفية وجديرة بأن يعجب منها السامع ويحرص على طلبها، لا سيما إذا لم يعتد فهم الأساليب الأخاذة بالنفوس الهازة للقلوب.
يقول أهل الشبهات في القرآن: إن بنيب إسرائيل لا يعرفون هذه القصة إذ لا وجود لها في التوراة، فمن أين جاء بها القرآن؟
ونقول إن القرآن جاء بها من عند الله الذي يقول في بني إسرائيل المتأخرين إنهم نسوا حظًا مما ذكروا به، وإنهم لم يؤتوا إلا نصيبًا من الكتاب.
على أن هذا الحكم منصوص في التوراة وهو أنه إذا قتل قتيل لم يعرف قاتله فالواجب أن تذبح بقرة غير ذلول في وادٍ دائم السيلان ويغسل جميع شيوخ المدينة القريبة من المقتل أيديهم على العجلة التي كسر عنقها في الوادي، ثم يقولون إن أيدينا لم تسفك هذا الدم، اغفر لشعبك إسرائيل: ويتمون دعوات يبرأ بها من يدخل في هذا العمل من دم القتيل، ومن لم يفعل يتبين أنه القاتل، ويراد بذلك حقن الدماء، فيحتمل أن يكون هذا الحكم هو من بقايا تلك القصة أو كانت هي السبب فيه.
وما هذه بالقصة الوحيدة التي صححها القرآن، ولا هذا الحكم بالحكم الأول الذي حرفوه أو أضاعوه وأظهره الله تعالى..
وقد قلت لكم غير مرة إنه يجب الاحتراس في قصص بني إسرائيل وغيرهم من الأنبياء وعدم الثقة بما زاد على القرآن من أقوال المؤرخين والمفسرين فالمشتغلون بتحرير التاريخ والعلم اليوم يقولون معنا إنه لا يوثق بشيء من تاريخ تلك الأزمنة التي يسمونها أزمنة الظلمات إلا بعد التحري والبحث واستخراج الآثار، فنحن نعذر المفسرين الذين حشوا كتب التفسير بالقصص التي لا يوثق بها لحسن قصدهم، ولكننا لا نعول على ذلك بل ننهى عنه ونقف عند نصوص القرآن لا نتعداها، وإنما نوضحها بما يوافقها إذا صحت روايته.
فالأمر بذبح البقرة كان لفصل النزاع في واقعة قتل.
ويروون في قصته روايات منها: أن القاتل كان أخ المقتول، لأجل الإرث، وأنه اتهم أهل الحي بالدم وطالبهم به.
ومنها أنه كان ابن أخيه، وغير ذلك مما لا حاجة إليه.
وكانوا طلبوا من موسى الفصل في المسألة وبيان القاتل، ولما أمرهم بذبح البقرة استغربوا لما فيه من المباينة لما يطلبون، والبعد بينه وبين ما يريدون، فذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾ أي سخرية يهزأ بنا، وهذا القول من سفههم وخفة أحلامهم وجهلهم بعظمة الله تعالى وما يجب أن يقابل به أمره من الاحترام والامتثال، وإن لم تظهر حكمته بادي الرأي، ولولا ذلك لامتثلوا وانتظروا النتيجة بعد ذلك.
ولما كان في جوابهم هذا رمي لموسى بالسفه والجهالة ﴿ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ أي ألتجئ إلى الله وأعتصم بتأديبه إياي من الجهالة والهزء بالناس.
﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ ﴾ أي ما الصفات المميزة لها؟
إن السؤال"بما هي"ليس جاريًا هنا على اصطلاح علماء المنطق من جعله سؤالًا عن حقيقة الماهية، وإنما هو على حسب أسلوب اللغة، والعرب يسألون بما عن الصفات التي تميز الشيء في الجملة، كالذي ذكره في الجواب ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ ﴾ أي غير مسنة انقطعت ولادتها ﴿ وَلَا بِكْرٌ ﴾ لم تلد بالمرة، والمراد بها التي لم تلد كثيرًا ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ العوان النَّصَف في السن من النساء والبهائم أي هي بين ما ذكر من السنين الفارض والبكر فالمشار إليه بكلمة ذلك متعدد في المعنى، وإن كان لفظه مفردًا.
و"بين" من الكلم التي تختص بالمتعدد تقول جلست بينهم أو بينهما ولا تقول جلست بينه.
واستعمال الإشارة والضمير المفردين فيما هو بمعنى الجمع على تقدير التعبير عنه بالمذكور أو"ما ذكر"كثير في كلامهم ومنه قول رؤبة: فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجسم توليع البهق ذكر هذا الوصف المميز للبقرة في الجملة وقال ﴿ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ﴾ وكان يجب عليهم الاكتفاء به والمبادرة بعده للامتثال ولكنهم أبوا إلا تنطعًا واستقصاء في السؤال ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ﴾ الفاقع الشديد الصفرة في صفاء بحيث لا يخالطه لون آخر، وبعض أهل اللغة لا يخصه بالأصفر بل يجعله وصفًا لكل لون صاف.
وكان يجب أن يكتفوا بهذه المميزات ولمنهم زادوا تنطعًا إذ ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾ وقد أرادوا بهذا السؤال زيادة التمييز ككونها عاملة أو سائمة ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ ﴾ سائمة ﴿ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ ﴾ أي غير مذللة بالعمل في الحراثة ولا في السقي ﴿ مُسَلَّمَةٌ ﴾ من العيوب أو من سائر الأعمال ﴿ لَا شِيَةَ فِيهَا ﴾ أي ليس فيها لون آخر غير الصفرة الفاقعة.
والشية مصدر كالعِدَة من وشى الثوب يشيه إذا جعل فيه خطوطًا من غير لونه بنحو تطريز.
ولما استوفى جميع المميزات والشخصيات ولم يروا سبيلًا إلى سؤال آخر ﴿ قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ أي وما قاربوا أن يذبحوها إلا بعد أن انتهت أسئلتهم، وانقطع ما كان من تنطعهم وتعنتهم.
روى ابن جرير في التفسير بسند صحيح عن ابن عباس موقوفًا" لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم" وأخرجه سعيد بن منصور في سننه عن عكرمة مرفوعًا مرسلًا: وههنا يذكر المفسرون قصة في حكمة هذا التشديد وهو المصير إلى بقرة معينة لشخص معين كان بارًا بوالدته.
وقد يكون هذا صحيحًا غير أنه لا داعي إليه في التفسير وبيان المعنى.
وقد يشتبه بعض الناس فيما ذكر بأن أحكام الله تعالى لا تكون تابعة لأفعال الناس العارضة ويرد هذه الشبهة أن التكليف كثيرًا ما يكون عقوبة لأنه تربية للناس وقد وردت الأسئلة والأجوبة في هذه القصة مفصولة غير موصولة بالفاء وذلك ما يقتضيه الأسلوب البليغ فقد تقرر في البلاغة أن القول إذا أشعر بسؤال كان ما يأتي بعده مما يصح أن يكون جوابًا للسؤال المقدر مفصولة عما قبله لا يقرن جوابه بالفاء إلا إذا كان للفاء معنى خاص يقتضيه المقام كالتعقيب والجزاء، وليس ذلك موجودًا هنا.
فقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ﴾ يشعر بسؤال كأنه قيل ماذا كان منهم بعد الأمر فأجيب عنه بقوله ﴿ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾ وهذا يشعر بسؤال أيضًا كأنه قيل ماذا قال موسى إذ قالوا ذلك فأجاب ﴿ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ ﴾ إلخ وهكذا ورد غيرها من المراجعات في التنزيل كما ترى في قصة موسى وفرعون.
<div class="verse-tafsir"
هذا هو أول القصة المحتوية على المخالفة، على ما أشرنا إليه، وهي القتل ثم التنازع في القاتل ثم تشريع الحكم لكشف الحقيقة بذبح البقرة وما كان من إلحاحهم في السؤال على ما سبق.
فقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ﴾ أسند فيه القتل إلى الأمة وإن كان القاتل واحدًا باعتبار ما تقدم من كونها في مجموعها وتكافلها كالشخص الواحد.
والتدارؤ تفاعل من الدرء وهو الدفع فمعناه التدافع وهو يدل على أنه كان خصام واتهام، وكان كل يدرأ عن نفسه ويدعي البراءة ويتهم غيره، وكان للقاتلين والعارفين بهم حظوظ وأهواء كتموا فيها الحقيقة ولذلك قال تعالى بعد التذكير بالجريمة ﴿ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ من الإيقاع بقوم براء تتهمونهم بالقتل لإخفاء القاتل لأنه لا يخفى عليه مكركم.
وأما قوله ﴿ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى ﴾ فهو بيان لإخراج ما يكتمون.
﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أي تفقهون أسرار الأحكام وفائدة الخضوع للشريعة، فلا تتوهمون أن ما وقع مختص بهذه الواقعة في هذا الوقت، بل يجب أن تتلقوا أمر الله في كل وقت بالقبول من غير تعنت.
<div class="verse-tafsir"
القسوة: الصلابة، وهي من صفات الأجسام.
ووصف القلوب والنفوس بالقسوة مجاز.
وهو هنا استعارة بالكتابة.
ويصح في ﴿ أو ﴾ الترديد والتشكيك، وهو بالنسبة للمخاطبين لا إلى المتكلم، أو باعتبار ما يعهد في التخاطب العربي، كأن عربيًا يحدث آخر ويقول له: إن هذه القلوب في قسوتها تشبه الحجارة أو تزيد عليها.
ويصح فيها التقسيم أي أن القسوة عمت قلوبكم، فأقلها قسوة تشبه الحجر الصلد، ومنها ما هو أشد منه قسوة.
وأظهر منهما أن تكون للإضراب على طريقة المبالغة، أي بل هي أشد قسوة من الحجارة، إذ لا شعور فيها يأتي بخير ولا عاطفة تفيض منها بعبرة والحجارة ليست كذلك لأن منها ما يفيض بالخيرات ومنها ما يكون موضع ظهور آثار القدرة الإلهية.
وصف الحجارة بالثلاث الصفات الآتية بعد أن شبه القلوب بها في الصلابة المطلقة، وفرق بين القلوب وبينها بالإضراب والانتقال إلى أن القلوب أشد صلابة، وأراد أن يبين بهذه الصفات وجه ضعف الصلابة في الحجارة وشدتها في القلوب فكأن الكلام يشبه أن يكون عذرًا عن الحجارة دون القلوب، والمراد بالقلوب ما اعتبرت عنوانًا له وهو الوجدان والعقل وأكثر ما تستعمل في الأول لأنه سائق الإقناع والإذعان، ويطلق لفظ القلب على النفس الناطقة لأن من شأن القلب أن يتأثر مما يتأثر منه الوجدان أو العقل أو الروح مطلقًا.
وفي الكلام من المبالغة أن هذه القلوب فقدت خاصة التأثر والانفعال بما يرد عليها من المواعظ والآيات التي هي من خواص الروح الإنساني حتى كأن أصحابها هبطوا من درجة الحيوان إلى دركة الجماد كالحجارة، بل نزلوا عن درجة الحجارة أيضًا، وذلك ما أفاده قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ التفجر تفعل من الفجر وهو الشق الواسع يكون للمطاوعة كفجرته فتفجر "بالتشديد فيهما" ويكون لتكرر الفعل وحصوله مرة أخرى، ومثله التشقق إلا أنه أعم، ولما في التفجر من معنى السعة عبر به عن خروج الأنهار من الصخور الكبار وهو معهود في الجبال، وعبر بالتشقق لخروج الماء الذي يصدق بالقليل منه.
والمعنى أن هذه الحجارة على صلابتها وقسوتها تتأثر بالماء الرقيق اللطيف فيشقها وينفذ منها بقلة أو كثرة فيحيي الأرض وينفع النبات والحيوان.
وأما هذه القلوب فلم تعد تتأثر بالحكم والنذر ولا بالعظات والعبر، فالحكم لا تقوى على شقها والنفوذ منها إلى أعماق الوجدان، وأنوار الفطرة قد انطفأت فيها فلا يظهر شعاعها على إنسان -ومن الحجارة ما يشقه الماء القليل كماء العيون والينابيع الحجرية، ومنها ما لا يفجره إلا الماء القوي الغمر الذي يسمى نهرًا ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ وهو ما ينحط من أعلى الجبل ومن أثنائه بسبب أثر من آثار القهر الإلهي كالبراكين والصواعق التي تهبط بها الصخور وتندك الجبال، وقد جعل هذا شبهًا للآيات الإلهية التي أظهرها على يد عبده ونبيه موسى ، فهي حوادث عظيمة في الكون تفزع بها نفوس المؤمنين إلى الله، وتخشع لأمره ونهيه، لعظمتها وخفاء سر إيجادها، كما تفزع النفوس من حوادث البراكين والصواعق التي تدك الصخور وتدمر الحصون، وقد أصبحت تلك القلوب بعد مشاهدة الآيات لا تتأثر بها ولا تزداد إيمانًا.
فملخص التشبيه أن قلوبكم تشبه الحجارة في القسوة بل تزيد في القساوة عنها، فإن الحجارة الصم تتأثر في باطنها بالماء اللطيف النافع بعضها بالقوي منه وبعضها بالضعيف، ولكن قلوبكم لا تتأثر بالحكم والمواعظ التي من شأنها التأثير في الوجدان، والنفوذ إلى الجنان، والحجارة تتأثر بالحوادث الهائلة التي يحدثها الله في الكون كالصواعق والزلازل، ولكن قلوبكم لم تتأثر بتلك الآيات الإلهية التي تشبهها، فلا أفادت فيها المؤثرات الداخلية ولا المؤثرات الخارجية كما أفادت في الأحجار، فبذلك كانت قلوبكم أشد قسوة.
ثم هددهم بقوله ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ أي فهو سيربيكم بضروب النقم، إذا لم تتربوا بصنوف النعم.
<div class="verse-tafsir"
كان النبي وأصحابه يرون أن أولى الناس بالإيمان وأقربهم منه اليهود، لأنهم موحدون ومصدقون بالوحي والبعث في الجملة، ولذلك كانوا يطمعون بدخولهم في الإسلام أفواجًا، لأنه مصدق لما معهم في الجملة، ومجل لجميع شبهات الدين، وحال لجميع إشكالاته بالتفصيل، وواضع له على قواعد لا ترهق الناس عسرًا ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ .
كان هذا الطمع في إيمانهم مبنيًا على وجه نظري معقول لولا أنهم اكتفوا بجعل الدين رابطة جسدية جنسية، ولم يجعلوه هداية روحية، ولذلك كانوا يتصرفون فيه باختلاف المذاهب والآراء، ويحرفون كلمه عن مواضعها بحسب الأهواء، وما أعذر الله المؤمنين في طمعهم هذا إلا بعد ما قص عليهم من نبأ بني إسرائيل الذين كانوا على عهد التشريع وشاهدوا من الآيات ما علم به أنهم في المجاحدة والمعاندة على عرق راسخ ونحيزة موروثة لا يكفي في زلزالها كون القرآن مبينًا في نفسه لا يتطرق إليه شك، ولذلك بدأ السورة بوصف الكتاب بهذا وكونه هدى للمتقين من أهل الكتاب وغيرهم.
وثنى ببيان أن من الناس من يعانده ويباهته، ومنهم المذبذب الذي يميل مع الريحين، فلا يثبت مع أحد الفريقين، ثم أفاض في شرح حال بني إسرائيل الذين لم يؤمن منهم إلا قليل من أهل العلم والتقوى، وكان الأكثرون أشد الناس استكبارًا عن الإيمان وإيذاء للرسول ولمن اتبعه من المؤمنين.
و بعد هذا كله أنكر علی المؤمنين ذلك الطمع بدخول اليهود في دين الله أفواجًا، ووصل الإنكار بحجة واقعة ناهضة، تجعل تلك الحجة النظرية داحضة فعلم بهذا أن الكلام لا يزال متصلًا في موضوع الكتاب وأصناف الناس بالنسبة إلى الإيمان به وعدم الإيمان.
كلما بعد العهد جاء ما يذكر به تذكيرًا.
قال تعالى ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ كان الظاهر أن يكون الخطاب للنبي خاصة ولكن خاطب المؤمنين معه لأنهم كانوا يشاركونه في الألم من إيذائهم والطمع بهدايتهم فأشركهم بالتسلية كما سبق، ولأن طمع بعض المؤمنين بإيمانهم كان يحملهم على الانبساط معهم في المعاشرة إلى حد الإفضاء إليهم ببعض الشؤون الملية المحضة واتخاذهم بطانة، وكان يعقب ذلك من الضرر ما يعقب حتى نهاهم الله تعالى عن اتخاذ البطانة من دون المؤمنين إذا كانوا موصوفين بأوصاف هؤلاء، وذلك قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ والآية الآتية تدل على هذا الإفضاء أيضًا.
أما الحجة التي وصلها بإنكار الطمع بإيمانهم للدلالة على أنه طمع في غير مطمع فهي تعمد تحريف كلام الله ممن سمعه منهم.
وذلك أن موسى اختار بأمر الله سبعين رجلًا من قومه لسماع الوحي ومشاهدة الحال التي يكلمه الله تعالى بها وقد سمعوا كلام الله تعالى على الوجه الذي لا نعرفه، وإنما نعرف أنهم صحبوه إلى حيث كان يناجي الله تعالى، وكان من شأن الله تعالى معهم أن صدقوا بأن ما جاء به موسى هو وحي من الله تعالى.
والتصديق بذلك لا يتوقف على معرفة كيفيته وكنهه فإن أكثر ما نصدق به تصديق يقين لا نعرف حقيقته و كنهه ولا كيفية تكوينه و إيجاده، وقد كان من أولئك المختارين أنهم لما رجعوا إلى قومهم حرفوا كلام الله الذي حضروا وحيه وأذعنوا له بأن صرفوه عن وجهه بالتأويل -كما حققه ابن جرير الطبري وغيره- وهذا التحريف ثابت عندهم منصوص في التوراة والتاريخ الديني الذي يسمی التاريخ المقدس.
فدل هذا وما سبقه على أن القسوة المانعة من التأثر والتدبر، ومكابرة الحق والتفصي من عقال الشريعة، كان شنشنة قديمة فيهم، ثم تأصل فصار غريزة مطبوعة، فإعراضهم عن القرآن لا يستلزم الطعن عليه، ولا القول بجواز تسلق شيء من الريب إليه، فإنهم قد حرفوا وبدلوا، وعاندوا وجحدوا، وهم يشاهدون الآيات الحسية، ويؤخذون بالعقوبات المعاشية، فكيف يستنكر بعد هذا أن يعرضوا عن دين دلائله عقلية، وآيته الكبرى معنوية، وهي القرآن المعجز بما فيه من علوم الهداية، ودقائق البلاغة، وأنباء الغيب على أنه من أمي عاش أربعين سنة لم يؤثر عنه فيها شيء من العلم، ولم يزاحم فحول البلاغة في نثر ولا نظم، وفهم تلك الدلائل إنما يكون من ذوي العقول الحرة والقلوب السليمة، الذين لطف شعورهم، ورق وجدانهم وصحت أذواقهم.
قال ابن جرير: لو كان المراد بما هنا تحريف كلام التوراة المكتوب لما قال ﴿ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ﴾ فزيادة ﴿ يَسْمَعُون ﴾ هنا لا بد لها من حكمة ولولا ذلك لجاء الكلام علی نسق الآيات الأخرى التي ذكر فيها التحريف كأن يكون"وقد كان فريق منهم يحرف كلام الله".
وقوله تعالى ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ ﴾ نص في التعمد وسوء القصد، وإبطال لما عساه يعتذر لهم به من سوء الفهم ثم قال ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أي كانوا يفعلون فعلتهم الشنعاء في حال العلم بالصواب واستحضاره لا أنهم كانوا على نسيان أو ذهول.
وفي هذين القيدين من النهي والتشنيع عليهم ما لا مزيد عليه.
وكيف وقد بطل بهما عذر الخطأ والنسيان، وسجل عليهم تعمد الفسوق والعصيان.
ثم بعد هذا الاحتجاج انتقل إلى بيان بعض أحوال الذين كانوا في زمن التنزيل، وقد غير الأسلوب هنا فإنه كان يحكي سيئاتهم مبتدئًا بكلمة ﴿ وَإِذَا ﴾ لأنه تذكير بما كان في الزمان الماضي.
والابتداء بكلمة ﴿ وَإِذَا ﴾ هنا هو المناسب في الحكاية عن حال واقعة في الحال، مستمرة في الاستقبال والمراد من حكاية أحوال الحاضرين بيان أنها مساوية لأحوال سلفهم الغابرين، وأنه لا يرجى من هؤلاء أفضل مما كان من أولئك.
قال: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ أفلا تعقلون.
ترشد هذه الآية إلى طور من أطوار البشر في زمن الإصلاح، وهي أن جماهير الناس يقعون في الحيرة بين الهداية الجديدة والتقاليد القديمة.
لا ينظرون إلى الحق فيتحروا اتباعه أين كان ولكنهم يفكرون في منفعتهم الخاصة.
يقولون: نخشى أن نجهر بالجديد فيخذل حزبه، ويتفرق شمله، فنكون من الخاسرين، ولا نأمن إن بقينا على القديم أن يتقلص ظله، ويذل أهله، فنكون مع الضالين.
فالحزم أن نوافق كل حزب نخلو به ونعتذر إلى الآخر إذا هو علم بما كان منا إلى أن نتبين الفوز في أحد الفريقين: فيكونون هكذا مذبذبين كما قال تعالى ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ إلخ الضمير في قالوا الثانية غير الضمير في قالوا الأولى كما هو ظاهر من السياق، ولا لبس فيه ولا اشتباه، ومثله مستفيض في كلام البلغاء وفي التنزيل أيضًا كقوله تعالى ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ فإن المنهى عن العضل الأولياء لا المطلقون.
والكلام في القرآن للمكلفين كافة فيوجه كل كلام إلى صاحبه الذي يتعين أن يكون له بقرينة الحال أو المقال.
فإذا وجه الخطاب بالطلاق إلى الأزواج لأنه لا يكون إلا منهم فكذلك يوجه الخطاب بالنهي عن العضل -وهو منع المرأة من التزوج- إلى الأولياء لأنه لا يكون إلا منهم.
وعلى هذه الطريقة يتخرج قوله ﴿ قَالُوا آمَنَّا ﴾ وقوله ﴿ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ ﴾ فالكلام في مجموع اليهود، ويوجه الأول إلى الذين يلاقون المؤمنين (والثاني) إلى الذين يلاقيهم هؤلاء من قومهم ويعذلونهم على الإفضاء إلى المؤمنين بما فتح الله عليهم.
المراد بالفتح هنا الإنعام بالشريعة والأحكام، والبشارة بالنبي ، شبه الذي يعطي الشريعة بالمحصور يفتح عليه فيخرج من الضيق.
أو معنى ﴿ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ بما حكم به وأخذ به الميثاق عليكم من الإيمان بالنبي الذي يجيئكم مصدقًا لما معكم ونصره.
وقوله ﴿ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ معناه يقيمون به عليكم الحجة من كتاب ربكم وهو التوراة من حيث أن ما تحدثونهم به موافق لما في القرآن فلهم أن يقولوا: لولا أن محمدًا نبي لما علم بهذا الذي حكاه عنكم وقد كان مثلنا لا يعرف من أمر الكتاب شيئًا: هذا ما جرى عليه المحققون في تفسير ﴿ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ وهو أنه بمعنى في كتابه فهو كقوله في أهل الإفك ﴿ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴾ أي في حكمه المبين في كتابه.
وذهب مفسرنا "الجلال" إلى أن معناه المحاجة في الأخرة.
والنظم لا يأباه، ولكن فيه اعترافًا من اللائمين المؤنبين بأن المسلمين على الحق الذي لا ينجي عند الله سواه.
ومن اعتقد هذا لا يجعله تعليلًا للإنكار على من يراه من قومه يحدث المؤمنين بما يوافقهم ويقوي حجتهم، بل فيه أيضًا أن ترك تحديثهم لا يمنعها في الآخرة.
مثل هذه الذبذبة تكون من الأمم في طور الضعف ولا سيما ضعف الإرادة والعلم، ولو كان لأولئك القوم إرادة قوية لثبتوا ظاهرًا على ما يعتقدونه باطلًا ولم يصانعوا مخالفيهم من أهل الملة الأولى أو الملة الآخرة، وقد وبخهم الله تعالى وأنكر عليهم هذا التلون والدهان في الدين ولقاء كل فريق بوجه يظهرون له ما يسرون من أمر الآخر فقال ﴿ أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ يعني أيقول اللائمون أو المنافقون كلهم ما قالوا، ويكتمون من صفات النبي ما كتموا، ويحرفون من كتابهم ما حرفوا، ولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون من كفر وكيد، وما يعلنون من إظهار إيمان وود، فإن كانوا مؤمنين بإحاطة علمه تعالى فلم لا يحفلون باطلاعه على ظواهرهم، وإحاطته بما يجول في أطواء ضمائرهم، وبما يترتب على علمه من خزي في الدنيا وعذاب في الأخرة.
وهو الذي يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، وإنما بقاء الباطل في غفلة الحق عنه، فإذا هو صارعه صرعه، والعاقبة للتقوى.
قال تعالى ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴾ .
ذلك الذي تقدم هو شأن علمائهم: يحرفون كتاب الله ويخرجون من حكمه بالتأويل، وهذا هو شأن عامتهم: لا علم لهم بشيء من الكتاب، ولا معرفة لهم بالأحكام، وما عندهم من الدين فهو أماني يتمنونها وتجول صورها في خيالاتهم، وهذه الصور هي كل ما عندهم من العلم بدينهم، وما هم على بينة منها، وإنما هي ظنون يلهون بها.
وهذا هو محل الذم لا مجرد كونهم أميين، فإن الأمي قد يتلقى العلم من العلماء الثقات ويعقله عنهم بدليله فيكون علمه صحيحًا وهؤلاء لم يكونوا كذلك.
فإن قيل: لم سمي ما كانوا عليه من الأماني ظنًا مع أنهم أخذوه عن رؤساء دينهم الموثوق بهم عندهم وسلموه تسليمًا فلم يكن في نفوسهم ما يخالفه ومثل هذا يسمى اعتقادًا وعلمًا؟
نقول: إنما العلم بالدليل، ولا يسمى مثل ذلك علمًا إلا من لا يعرف معنى العلم.
على أنه لم يكن راجحًا ومسلمًا إلا لأن مقابله لم يخطر ببالهم، ولو أورد عليهم لتزلزل ما عندهم ثم زال، أو ظهر فيه الشك وتطرق إليه الاحتمال، ويصح أن يقال في مثل هؤلاء إن الظن أو التردد كان نائمًا في نفوسهم وهو عرضة لأن يوقظه نقيضه ويذهب به متى طرأ.
ونوم الظن لا يصح أن يسمى اعتقادًا.
هذه الأماني توجد في كل الأمم في حال الضعف والانحطاط، يفتخرون بما بين أيديهم من الشريعة وبسلفهم الذين كانوا مهتدين بها وبما لهم من الآثار التي كانت ثمرة تلك الهداية، وتسول لهم الأماني أن ذلك كافٍ في نجاتهم وسعادتهم وفضلهم على سائر الناس.
هكذا كان اليهود في زمن التنزيل، و قد اتبعنا سننهم وتلونا تلوهم فظهر فينا تأويل الحديث الصحيح "لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع".
وإننا نقرأ أخبارهم فنسخر منهم ولا نسخر من أنفسنا، ونعجب لهم كيف رضوا بالأماني ونحن غارقون فيها.
ثم إن الآية تدل على بطلان التقليد وعدم الاعتداد بإيمان صاحبه وقد مضى على هذا إجماع الصدر الأول وأهل القرون الثلاثة، وإنما كان الجاهل يأخذ عن العالم العقيدة ببرهانها والأحكام بروايتها، ولا يتقلد رأيه كيفما كان، من غير بينة ولا برهان.
وفسر بعضهم الأماني بالأكاذيب ابتداء ومنهم من فسرها بالقراءات أي أنهم لاحظ لهم من الكتاب إلا قراءة ألفاظه من غير فهم ولا اعتبار يظهر أثرهما في العمل.
فهو على حد ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾ وقد ورد التمني بمعنى القراءة ومنه قول الشاعر: تمني كتاب الله أول ليله تمني داود الزبور علی رسل وهذا النوع من التمني قد برز فيه المسلمون حتى سبقوا من قبلهم فقد أمسوا أكثر الأمم تلاوة لكتابهم وأقلهم فهمًا له واهتداء به.
إنما يحسن تفسير هذه الآيات من كان على علم بتاريخ اليهود في ذلك العصر ووقوف على حالهم، وإن كانت إلا نسخة من حال بعض الشعوب الموجودين الآن..
كانوا أكثر الناس مراء وجدالًا في الحق وإن كان بينًا باهرًا، وأشد الناس كذبًا وغرورًا وأكلًا لأموال الناس بالباطل كالربا الفاحش وغشًا وتدليسًا وتلبيسًا، وكانوا مع ذلك يعتقدون أنهم شعب الله الخاص وأفضل الناس كما يعتقد أشباههم في هذا الزمان.
فهذه هي الأماني التي صدتهم عن قبول الإسلام.
وأما اللفظ والنظم ففيه أن قوله تعالى ﴿ إِلاَّ أَمَانِيَّ ﴾ استثناء منقطع والعلم المنفي قاصر لا يشمل الأماني.
ويصح أن يكون متعديًا والآية على حد قولهم "ما علمت فلانًا إلا فاضلًا" ويكون المعنى أنهم إنما يعلمون من الكتاب أنه مجموعة أماني يمنونها أنفسهم، فهم لا يأخذون منه إلا ما هو لهم ويمدهم في غرورهم، وأما ما ينبههم على سيئات أعمالهم فكأنه غير معروف لهم من الكتاب .
ثم قال جل ثناؤه: <div class="verse-tafsir"
قال المفسر "الجلال" إنهم كانوا يكتبون الأحكام على خلاف ما هي عليه في الكتاب كآية الرجم ووصف النبي .
ولو كان هذا هو المراد من هذه الآية لما بدئ الكلام بالفاء، وإنما الآية وعيد على أن لبسوا على الناس بالكتابة وتأليف الكتب الدينية وإيهام العامة أن كل ما كتبوه فيها مأخوذ من كتاب الله، كما يعتقد المقلدون من كل ملة بكتب الدين التي يؤلفها علماؤهم في الأصول والفروع حتى إن بعضهم يقول إن اختلافها لا ينافي كونها من عند الله خلافًا لقوله تعالى ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾ .
فهذه الكتب هي مثار الأماني والغرور ولذلك أنذر على أصحابها الهلاك بعدما ذكر أصناف اليهود من منافقين ومحرفين وأميين فقال: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ .
من شاء أن يرى نسخة مما كان عليه أولئك اليهود فلينظر فيما بين يديه فإنه يراها واضحة جلية.
يرى كتبًا ألفت في عقائد الدين وأحكامه حرفوا فيها مقاصده وحولوها إلى ما يغر الناس ويمنيهم ويفسد عليهم دينهم، ويقولون هي من عند الله وما هي من عند الله، وإنما هي صادة عن النظر في كتاب الله والاهتداء به.
ولا يعمل هذا إلا أحد رجلين: رجل مارق من الدين يتعمد إفساده ويتوخى إضلال أهله فيلبس لباس الدين ويظهر بمظهر أهل الصلاح يخادع بذلك الناس ليقبلوا ما يكتب ويقول.
ورجل يتحرى التأويل ويستنبط الحيل ليسهل على الناس مخالفة الشريعة ابتغاء المال والجاه.
وفي هذا المقام نستطيع ذكر وقائع كثيرة للقضاة والمأذونين، وللعلماء والواعظين، فسقوا فيها عن أمر ربهم، فمنهم من يتأول ويغتر بأنه يقصد نفع أمته كما كان أحبار اليهود يفتون بأكل الربا أضعافًا مضاعفة ليستغني شعب إسرائيل، ومنهم من يفعل ما يفعل عامدًا عالمًا أنه مبطل ولكن تغره أماني الشفاعات والمكفرات.
<div class="verse-tafsir"
هذا ضرب من ضروب غرورهم عطفه على ما قبله فقال ﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ﴾ قيل هي أربعون يومًا مدة عبادتهم العجل، والذي عليه أكثر اليهود أنها سبعة أيام لأن عمر الدنيا عندهم سبعة آلاف سنة فالإسرائيلي الذي لا تدركه الشفاعة يمكث في النار سبعة أيام عن كل ألف سنة يوم.
ومثل هذا الحكم لا يمكن القول به إلا بعهد من الله تعالى مالك يوم الدين والجزاء وإلا كان افتئاتًا عليه سبحانه وقولًا عليه بغير علم وهذا ما رد به عليهم ولله الحجة البالغة وأمر رسوله أن يخاطبهم به بقوله ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ﴾ أي هل عهد الله إليكم ذلك ووعد به فكان حقًا لكم عنده، لأن الله لا يخلف عهده؟
وقال ابن جرير وبعض المفسرين معناه هل اتخذتم عند الله عهدًا باتباع شريعته اعتقادًا أو ائتمارًا وانتهاء وتخلفًا فأنتم واثقون بعهد الله في كتابه لمن كان كذلك بالنجاة من النار ودخول الجنة ومغفرة ما عساه يفرط منه من السيئات أو العقوبة عليه مدة قصيرة؟؟
والاستفهام للإنكار أي لستم على عهد من الله تعالى ولذلك كذبهم بقوله ﴿ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ أي أم تقولون على الله شيئا ليس لكم به علم، إذ العلم بمثله لا يكون إلا وحيًا منه يبلغه عنه رسله، والقول على الله بغير علم جرأة وافتيات عليه وكفر به.
والمعنى أنه لا بد من أحد الأمرين إذ لا واسطة بينهما: إما اتخاذ عهد عند الله، وإما القول على الله بغير علم، وإذا كان اتخاذ العهد لم يحصل تعين أنكم تكذبون على الله بجهلكم وغروركم، ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ الآية.
بلى مبطلة لدعواهم، وللسيئة هنا إطلاقها وخصها مفسرنا "الجلال" وبعض المفسرين بالشرك.
ولو صح هذا لما كان لقوله تعالى ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ معنى فإن الشرك أكبر السيئات وهو يستحق هذا الوعيد لذاته كيفما كان.
ومعنى إحاطة الخطيئة هو حصرها لصاحبها وأخذها بجوانب إحساسه ووجدانه كأنه محبوس فيها لا يجد لنفسه مخرجًا منها، يرى نفسه حرًا مطلقًا وهو أسير الشهوات، وسجين الموبقات، ورهين الظلمات؟
وإنما تكون الإحاطة بالاسترسال في الذنوب، والتمادي على الإصرار، قال تعالى ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ أي من الخطايا والسيئات ففي كلمة ﴿ يَكْسِبُونَ ﴾ معنى الاسترسال والاستمرار، وران عليه غطاه وستره أي أن قلوبهم قد أصبحت في غلف من ظلمات المعاصي حتى لم يبت منفذ للنور يدخل إليها منه.
ومن أحدث لكل سيئة يقع فيها توبة نصوحًا وإقلاعًا صحيحًا لا تحيط به الخطايا ولا ترين على قلبه السيئات.
ومن المفسرين من ترك السيئة في الآية على إطلاقها فلم يؤولها بالشرك ولكنهم أولوا جزاءها فقالوا إن المراد بالخلود طول مدة المكث لأن المؤمن لا يخلد في النار وإن استغرقت المعاصي عمره وأحاطت الخطايا بنفسه فانهمك فيها طول حياته.
أولوا هذا التأويل هروبًا من قول المعتزلة: إن أصحاب الكبائر يخلدون في النار، وتأييدًا لمذهبهم أنفسهم المخالف للمعتزلة، والقرآن فوق المذاهب يرشد إلى أن من تحيط به خطيئته لا يكون أو لا يبقى مؤمنًا.
<div class="verse-tafsir"
الآيات السابقة كانت تذكيرًا بالنعم التاريخية الملية وبالتقصير في الشكر وعواقبه.
وذلك كالتفضيل على العالمين الذي يرفع النفس، والإنجاء من آل فرعون ومن الغرق، وإيتاء موسى الكتاب والآيات البينات، وتسهيل المعيشة عليهم في التيه بما ساق الله إليهم من المن والسلوى، ثم ما كان منهم في أثر كل نعمة وما أعقبه كفر النعم من النقم.
ولم يذكر فيما سبق من الاحكام العملية إلا ما جاء على سبيل التبع لهذه الأصول.
وفي هذه الآية وما بعدها التذكير بأمهات الأحكام في العبادات والمعاملات وما كان من إهمالها وترك العمل بها.
هذا هو المراد أولًا وبالذات، على أن فيما يأتي إعادة الإشارة إلى بعض ما مضى، قضى بها ما كان عليه اليهود من سوء الفهم وغلظ القلوب وكثرة المشاغبات والمماراة فالخطاب معهم دائمًا في باب الإطناب.
ولقد لاحظ بعض البلغاء والمفسرين أن القرآن يطنب ويبدئ ويعيد في خطاب اليهود خاصة وذلك لما كانت شحنت به أذهانهم مما يسمى علمًا أو فقهًا فأبعدهم عن أن يصل شعاع الحق إلى ما وراء ذلك من نفوسهم، ويكتفي بالإيجاز بل بالإشارة الدقيقة في خطاب العرب لما كانوا عليه من سرعة الفهم ورقة الإحساس لقربهم من السذاجة الفطرية، فالإشارة إلى البرهان، في ضمن تمثيل، يغني عند عن الإسهاب والتطويل، ولذلك خاطبهم بمثل قوله في الأصنام ﴿ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ .
قوله تعالى ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ أي واذكر أيها الرسول إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل، وقد تقدم ذكر أخذ الميثاق عليهم في سياق خطابهم ولم يبينه لعلمهم به وقوله هنا ﴿ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ .
إلخ بيان له أي للميثاق ولا مقول قول محذوف كما قال المفسر.
يقال: أخذت عليك عهدًا تفعل كذا: كما تقول: أن تفعل كذا: سواء.
وهو خبر بمعنی النهي للمبالغة والتأكيد، يلاحظ فيه أن الأمر والنهي قد امتثل فيخبر بوقوعه، أو أنه لتوثيقه والتشديد في تأكيده سيمتثل حتمًا فيخبر بأنه كائن لا محالة.
قال تعالى ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ أي وتحسنون بالوالدين إحسانًا.
والإحسان نهاية البر فيدخل فيه جميع ما يجب من الرعاية والعناية، وقد أكد الله الأمر بإكرام الوالدين في التوراة حتى أنه يوجد فيها الآن أن من يسب والديه يقتل.
وقد قرن الأمر بالإحسان بالوالدين إلى الأمر بالتوحيد أو النهي عن الشرك فهو كقوله تعالى ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ وليست هذه العناية بأمر الوالدين في الكتب السماوية لكونهما سبب وجود الولد كما يقول الناس، فإنه لا منة لهما على الولد بهذه السببية لأنها لم تكن إكرامًا له ولا عناية به، كيف وهو لم يكن معروفًا أو موجودًا فيكرم، وإنما كانت بباعث الشهوة وإرضاء النفس، ومنهم من لم يكن يخطر بباله الولد إلا بعد الزواج بزمن طويل، ومنهم من كان يود أن لا يولد له، أو أن يكون له ولد واحد أو ولدان فقط، فيكون له أكثر.
فإذا كان وجوب الإحسان بالوالدين معلولًا لإرادتهما الولد فينبغي أن يخص هذا الإحسان بولد لم يكن لهما من الزوجية حظ سواه بعينه، وهو مالا وجود له.
ذلك كلام شعري، والعلة الصحيحة في وجوب هذا الإحسان على الولد هي العناية الصادقة التي بذلاها في تربيته والقيام بشؤونه أيام كان ضعيفًا عاجزًا جاهلًا لا يملك لنفسه نفعًا، ولا يقدر أن يدفع عنها ضررًا، إذ كانا يحوطانه بالعناية والرعاية، ويكفلانه حتى يقدر على الاستقلال والقيام بشأن نفسه، فهذا هو الإحسان الذي يكون منهما عن علم واختيار، بل مع الشغف الصحيح والحنان العظيم وما جزاء الإحسان إلا الإحسان، وإذا وجب على الإنسان أن يشكر لكل من يساعده على أمر عسير فضله، ويكافئه بما يليق به على حسب الحال في المساعد وما كانت به المساعدة، فكيف لا يجب أن يكون الشكر للوالدين بعد الشكر الله تعالى وهما اللذان كانا يساعدانه على كل شيء، أيام كان يتعذر عليه كل شيء؟؟.
وكذلك حب الوالدين للولد ليست علته كما يقول الناس كونه جزءًا منهما وفلذة كبدهما، هذا كلام شعري لا حقيقي أيضًا، فإن جسم الإنسان مركب من الأغذية النباتية والحيوانية، فلو كانت العلة صحيحة لكان ينبغي أن يحب الحنطة والغنم أكثر مما يحب والديه.
وإنما لحب الوالدين الولد منبعان: أحدهما: حنان فطري أودعه الله تعالى فيها لإتمام حكمته.
وثانيهما: ما جرت به سنة البشر من التفاخر بالأولاد ومن الأمل بالاستفادة منهم في المستقبل، وليست الفائدة محصورة في المال والعون على المعيشة، وإنما تتناول الشرف والجاه أيضًا.
وكم أب قد علا بابن له شرفا كما علا برسول الله عدنان ولما كان حب الوالدين للأولاد بمكانة من القوة لا يخشى زوالها ترك النص على الإحسان بهم وثنى بالإحسان بمن دونهم في النسب فقال ﴿ وَذِي الْقُرْبَى ﴾ .
الإحسان هو الذي يقوي غرائز الفطرة ويوثق الروابط الطبيعية بين الأقربين حتى تبلغ البيوت في وحدة المصلحة درجة الكمال.
والأمة تتألف من البيوت "العائلات" فصلاحها صلاحها، و من لم يكن له بيت لا تكون له أمة..
وذلك أن عاطفة التراحم وداعية التعاون إنما تكونان على أشدهما وأكملهما في الفطرة بين الوالدين والأولاد، ثم بين سائر الأقربين، فمن فسدت فطرته حتى لا خير فيه لأهله فأي خير يرجى منه للبعداء والأبعدين؟
ومن لا خير فيه للناس لا يصلح أن يكون جزءًا من بنية أمة، لأنه لم تنفع فيه اللحمة النسبية التي هي أقوى لحمة طبيعية تصل بين الناس، فأي لحمة بعدها تصله بغير الأهل فتجعله جزءًا منهم يسره ما يسرهم، ويؤلمه ما يؤلمهم، ويرى منفعتهم عين منفعته، ومضرتهم عين مضرته، وهو ما يجب على كل شخص لأمته.
قضى نظام الفطرة بأن تكون نعرة القرابة أقوى من كل نعرة وصلتها أمتن من كل صلة، فجاء الدين يقدم حقوق الأقربين على سائر الحقوق وجعل حقوقهم على حسب قربهم من الشخص.
ثم ذكر حقوق أهل الحاجة من سائر الناس فقال ﴿ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ﴾ واليتيم هو من مات أبوه وهو صغير، وقد قدم الوصية به على الوصية بالمسكين، ولم يقيدها بفقر ولا مسكنة، فعلم أنها مقصودة لذاتها.
أكد الله تعالى الوصية باليتيم، وفي القرآن والسنة كثير من هذه الوصايا، وحسبك أن القرآن نهى عن قهر اليتيم، وشدد الوعيد على أكل ماله تشديدًا خاصًا، ولو كان السر في ذلك غلبة المسكنة على اليتامى لاكتفى هنا بذكر المساكين.
كلا...
إن السر في ذلك هو كون اليتيم لا يجد في الغالب من تبعثه عاطفة الرحمة الفطرية على العناية بتربيته والقيام بحفظ حقوقه، والعناية بأموره الدينية والدنيوية، فإن الأم إن وجدت تكون في الأغلب عاجزة ولا سيما إذا تزوجت بعد أبيه، فأراد الله تعالى وهو أرحم الراحمين- بما أكد من الوصية بالأيتام أن يكونوا من الناس بمنزلة أبنائهم يربونهم تربية دينية دنيوية لئلا يفسدوا ويفسد بهم غيرهم فينتشر الفساد في الأمة فتنحل انحلالًا.
فالعناية بتربية اليتامى هي الذريعة لمنع كونهم قدوة سيئة لسائر الأولاد، والتربية لا تتيسر مع وجود هذه القدوة، فإهمال اليتامى إهمال لسائر أولاد الأمة.
وأما المساكين فلا يراد بهم هؤلاء السائلون الشحاذون الملحفون الذين يقدرون على كسب ما يفي بحاجاتهم، أو يجدون ما ينفقون ولو لم يكتسبوا إلا أنهم اتخذوا السؤال حرفة يبتغون بها الثروة من حيث لا يعملون عملًا ينفع الناس، ولكن المسكين من يعجز عن كسب يكفيه.
وأما قوله ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ فهو كلام جديد له شأن مخصوص ولذلك تغير فيه الأسلوب فلم يرد على النسق الذي قبله مع دخوله في الميثاق، فإنه بين فيما سبق الحقوق العملية وعبر عنها بالإحسان، ويستحيل أن يحسن الإنسان بالفعل إلى جميع الناس لأنه لا يمكن أن يعامل جميع الناس، فالذين لا بد له من معاملتهم هم أهل بيته وأقاربه الذين ينشأ فيهم ويتربى بينهم فجاء النص بوجوب الإحسان في معاملتهم لتصلح بذلك حال البيوت.
ثم أن اليتامى والمساكين من قومه هم الذين لا يستغنون عن إحسانه وإحسان أمثاله بالفعل، لأنه لا قيم للأولين، ولا غناء عند الآخرين، ففرض عليه أن يحمل لهم حظًا منه.
ثم بعد بيان ما به إصلاح البيوت من إعانة الأقربين وما به صلاح بعض العامة من معونة اليتامى والمساكين على إصلاح بيوتهم بقي بيان حقوق سائر الأمة، وهي النصيحة لهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم، فهذا هو معنى قوله تعالى ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ وليس معناه مجرد التلطف بالقول والمجاملة في الخطاب، فالحسن هو النافع في الدين أو الدنيا، وهو لا يخرج عما ذكرنا، فلما كان هذا النوع من الحقوق مستقلًا بذاته جاء بأسلوب آخر، ولا شك أن في القيام بهذه الفرائض إصلاح الأمة كلها.
جاء الأمر بالعبادة مجملًا ليعلم الإنسان أنه مكلف بكل فرد من أفرادها بحسب الطاقة، ولكن من العبادة ما لا يهتدي إليه الإنسان إلا بهداية إلهية، وأكبر ذلك النوع إقامة الصلاة لإصلاح نفوس الأفراد، وإيتاء الزكاة لإصلاح شؤون الاجتماع، لذلك قال تعالى بعد ما تقدم ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ وإنما إقامة الصلاة بالإخلاص لله والصدق في التوجه إليه والخشوع لعظمته وجلاله والاستكانة لعز سلطانه، ولا تكون بمجرد الإتيان بصورة الصلاة ورسومها الظاهرة، ولو كان هذا هو المراد لما وصفهم بالتولي والإعراض عنه، فإنهم ما أعرضوا عن صورة الصلاة إلى ذلك اليوم الذي ذكرهم فيه بهذه الآيات، وإلى هذا اليوم أيضًا.
وأما الزكاة فقد كان بعض أحبارهم يزعم أنها تلك المحرقات والقرابين المفروضة لتكفير الخطايا أو شكر الله تعالى على إخراجهم من مصر وغير ذلك من النعم، وليس الأمر كذلك فإن لهم زكوات مالية منها مال مخصوص يؤدى لآل هارون، وهو إلى الآن في "اللاويين"، ومنها مال المساكين، ومنها ما يؤخذ من ثمرات الأرض، ومنها سبت الأرض وهو تركها في كل سبع سنين مرة بلا حرث ولا زرع، وكل ما يخرج منها في تلك السنة فهو صدقة.
قال تعالى ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ أي ثم كان أمركم بعد هذا الميثاق الذي فيه سعادتكم أن توليتم عن العمل به وأنتم في حالة الإعراض عنه وعدم الاكتراث له.
وقد يتولى الإنسان منصرفًا عن شيء وهو عازم على أن يعود إليه ويوفيه حقه فليس كل متول عن شيء معرضًا عنه و مهملًا له على الدوام، لذلك كان ذكر هذا القيد ﴿ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ لازمًا لا بد منه وليس تكرارًا كما يتوهم وإنما هو متمم للمعنى ومؤكد للمبالغة في الترك المستفاد من التولي.
ولا حاجة إلى ما زاده المفسر من قوله: فقبلتم ذلك: ليعطف عليه ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ فالمقام مقام وعيد وزجر وتوبيخ وفي كلمة ﴿ ثُمَّ ﴾ نفسها ما يفيد أن التولي لم يكن عقيب أخذ الميثاق.
وقد كان سبب ذلك التولي مع الإعراض أن الله أمرهم أن لا يأخذوا الدين إلا من كتابه فاتخذوا أحبارهم أربابًا من دون الله يحلون برأيهم و يحرمون، ويبيحون باجتهادهم ويحظرون، ويزيدون في الأحكام والشرائع، ويضعون ما شاءوا من الاحتفالات والشعائر، فصدق عليهم أنهم اتخذوا من دونه شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله.
فإن الله هو الذي يضع الدين وحده وإنما العلماء أدلاء يستعان بهم على فهم كتابه وما شرع على ألسنة رسله.
وقد اتبع سنن اليهود في هذا التشريع جميع من بعدهم من أهل الملل، وحكم الجميع عند الله تعالى واحد لا يختلف، فهو لا يحابي أحدًا ﴿ وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ ، وكذلك كانوا قد قطعوا صلات القرابة، وبخلوا بالنفقة الواجبة، وتركوا النهي عن المنكر، وفقدوا روح الصلاة، ومنعوا الزكاة، ولكنهم الآن عادوا إلى بعض ما تركوا، ولم يعد الذين تشبهوا بهم، أو اتبعوا بغير شعور سنتهم، والأمر لله العلي الكبير.
وأما قوله ﴿ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ ﴾ فهو استثناء لبعض من كانوا في زمن سيدنا موسى ، أو في كل زمن، فإنه لا تخلو أمة من الأمم من المخلصين الذين يحافظون على الحق بحسب معرفتهم وقدر طاقتهم.
والحكمة في ذكر هذا الاستثناء عدم بخس المحسنين حقهم وبيان أن وجود قليل من الصالحين في الأمة لا يمنع عنها العقاب الإلهي إذا فشا فيها المنكر وقل المعروف.
لو تدبر جهالنا هذه الآية لعلموا أنهم مغرورن بالاعتماد على الأقطاب والأوتاد والأبدال في تحمل البلاء عنهم، ومنع العذاب أن ينزل بالأمة ببركتهم، فلو فرض أن هؤلاء الأقطاب موجودون حقيقة فإن وجودهم لا يغني عن الأمة شيئا، وقد عصى الله جماهيرها ونقضوا ميثاقه الذي واثقهم به.
فقد جرت سنته تعالى في خلقه بأن بقاء الأمم عزيزة إنما يكون بمحافظة الجماهير فيها على الأخلاق والأعمال التي تكون بها العزة ويحفظ بها المجد والشرف، ومن لم يعتبر بآيات الله في كتابه، لا يعتبر بآياته وسننه في خلقه، فقد فتن المسلمون في دينهم ودنياهم وحل بجميع بلادهم ما حل من البلاء وهم لا يعتبرون، ﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ ؟
﴿ أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ ؟.
<div class="verse-tafsir"
كان التذكير في الآية السابقة بأهم المأمورات التي أخذ الله تعالى الميثاق على بني إسرائيل بها بعد توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة وبيان أنهم نقضوا ميثاق الله تعالى ولم يأتمروا بها، وفي هاتين الآيتين التذكير بأهم المنهيات التي أخذ الله تعالى الميثاق عليهم باجتنابها، وبيان أنهم نقضوا ميثاقه ولم ينتهوا عنها، وقد قال هناك ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ أي الذين نزلت عليهم التوراة، ثم التفت إلى خطاب الحاضرين في زمن التنزيل فقال ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ ، وقال هنا ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُم ﴾ تماديًا في سياق الالتفات وتذكيرًا بوحدة الأمة واعتبارها كالشخص الواحد يصيب الخلف أثر ما كان عليه السلف من خير وشر ما استنوا بسنتهم، وجروا على طريقتهم، كما تؤثر أعمال الشخص السابقة في قواه النفسية وطبع ملكاته بعد انحلال مادة تلك الأعضاء التي ابتدأت العمل وحلول مواد أخرى في محلها تتمرن على مثل ذلك العمل، فما يفعله الشخص في صغره، يبقى أثره في قواه في كبره، فكذلك الأمم.
وقد أورد النهي عن سفك بعضهم دم بعض وإخراج بعضهم بعضًا من ديارهم وأوطانهم بعبارة تؤكد معنى وحدة الأمة وتحدث في النفس أثرًا شريفا يبعثها على الامتثال إن كان هناك قلب يشعر، ووجدان يتأثر، فقال ﴿ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ ﴾ فجعل دم كل فرد من أفراد الأمة كأنه دم الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه بخع نفسه وانتحر بيده.
وقال ﴿ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ﴾ على هذا النسق.
وهذا التعبير المعجز ببلاغته خاص بالقرآن.
فهذه الأحكام لا تزال محفوظة عند الإسرائيليين في الكتاب وإن لم يجروا عليها في العمل، ولكن العبارة عنها عندهم لا تطاول هذه العبارة التي تدهش صاحب الذوق السليم، والوجدان الرقيق، فهذا إرشاد حكيم طلع من ثنايا الأحكام يهدي إلى أسرارها، ويومئ إلى مشرق أنوارها، من تدبره علم أنه لا قوام للأمم إلا بالتحقق بما تضمنه هذه الحكم، وشعور كل فرد من أفرادها بأن نفسه نفس الآخرين ودمه دمهم، لا فرق في الاحترام بين الروح التي تجول في بدنه والدم الذي يجري في عروقه، وبين الأرواح والدماء التي يحيا بها إخوانه الذين وحدت بينه وبينهم الشريعة العادلة والمصالح العامة، هذا هو الوجه الوجيه في الآية.
وقيل معناها لا ترتكبوا من الجرائم ما تجازون عليه بالقتل والإخراج من الديار.
ويقال في قوله ﴿ لا تَسْفِكُونَ ﴾ كما قيل قبله في قوله ﴿ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ من تضمن صيغة الخبر للتأكيد.
وقوله تعالى ﴿ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ فيه وجهان: (أحدهما): أنه يخاطبهم بما كان من اعتراف سلفهم بالميثاق وقبوله وشهودهم الوحي الذي نزل به على موسى .
و(ثانيهما): أن المراد الحاضرون أنفسهم، أي أنكم أيها المخاطبون بالقرآن قد أقررتم بهذا الميثاق وتعتقدونه في قلوبكم، ولا تنكرونه بألسنتكم، بل تشهدون به و تعلنونه، فالحجة ناهضة عليكم به.
ثم بعد بيان هذا الميثاق وتسجيله عليهم بأنهم يعرفونه لا ينكرون منه شيئًا ذكر نقضهم إياه فقال ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ ﴾ الحاضرون الشاهدون المشاهدون ﴿ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ أي يقتل بعضكم بعضًا كما كان يفعل من قبلكم مع اعترافكم بأن الميثاق مأخوذ عليكم كما كان مأخوذًا عليهم: كان بنو قينقاع من اليهود أعداء بني قريظة، إخوانهم في الدين، وكان الأولون حلفاء الأوس، والآخرون منع بني النضير حلفاء الخزرج ثم افترقوا فبقي بنو النضير مع الخزرج وحالف بنو قريظة الأوس، وكان الأوس والخزرج قبل الإسلام أعداء، وكانوا يقتتلون ومع كل حلفاؤه، فهذا ما احتج الله تعالى على بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم في عصر التنزيل.
ويتبع هذا القتال الأسر، ومن لوازمه الإخراج من الديار ولذلك قال ﴿ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ والتظاهر التعاون وتظاهرون أصله تتظاهرون كما قرأ الجمهور، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بحذف إحدى التائين للتخفيف وهو مقيس مشهور.
كان كل فريق من اليهود يظاهر حلفاءه من العرب ويعاونهم على إخوانه من اليهود بالإثم كالقتل والسلب، وبالعدوان كالإخراج من الديار.
ومن مثارات العجب أنهم كانوا إذا اتفقوا على فداء الأسرى يفدي كل فريق من اليهود أسرى أبناء جنسه وإن كانوا من أعدائه ويعتذرون عن هذا بأنهم مأمورون في الكتاب بفداء أسرى شعب إسرائيل.
فإن كانوا مستمسكين بالكتاب فلم قاتلوا شعب إسرائيل وأخرجوهم من ديارهم وهم منهيون عن ذلك في الكتاب؟
هذا لعب بالكتاب واستهزاء بالدين ولذلك قال تعالى ﴿ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ ﴾ بعد أن كنتم أسرتموهم وأخرجتموهم بالتظاهر عليهم مع العرب ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ بميثاق أغلظ من طلب مفاداتهم ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ ﴾ وهو فداء الأسرى ﴿ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ آخر منه وهو النهي عن القتل والإخراج؟
أليس من الحماقة والهزء والسخرية أن يدعي مدع مثل هذا الإيمان بأهون الأمور مع الكفر بأعظمها؟
والإيمان لا يتجزأ فالكفر بالبعض كالكفر بالكل.
وفي التعبير عن المخالفة والمعصية بالكفر دليل على ما سبق بيانه في معنى قوله تعالى ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ فالقرآن يصرح هنا وفي آيات كثيرة بأن من يقدم على الذنب لا تضطرب نفسه قبل إصابته، ولا يتألم ويندم بعد وقوعه فيرجع إلى الله تعالى تائبًا، بل يسترسل فيه بلا مبالاة بنهي الله تعالى عنه وتحريمه له، فهو كافر به، لأن المؤمن بان هذا شيء حرمه الله تعالى، المصدق بأنه من أسباب سخطه وموجبات عقوبته، لا يمكن أن لا يكون لإيمان قلبه أثر في نفسه، فإن من الضروريات أن لكل اعتقاد أثرًا في النفس، ولكل أثر في النفس تأثيرًا في الأعمال.
وهذا هو الوجه في الأحاديث الصحيحة الناطقة بأنه "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر شاربها وهو مؤمن".
سمى الله الذنب ههنا كفرًا لما تقدم وتوعد عليه بوعيد الكفر فقال ﴿ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ إلخ أوعدهم الله تعالى كما أوعد من قبلهم ومن بعدهم بأنهم يعاقبون على نقض ميثاق الدين الذي يجمعهم، والشريعة التي هي مناط وحدتهم، ورباط جنسيتهم، بالخزي العاجل، والعذاب الآجل، وقد دل المعقول، وشهد الوجود، بأنه ما من أمة فسقت عن أمر ربها، واعتدت حدود شريعتها، إلا وانتكث فتلها، وتفرق شملها، ونزل بها الذل والهوان، وهو الخزي المراد في القرآن، وهذه هي سنة الخليقة ذكرها ليعتبر بها من صرفته الغفلة عنها.
وأما العذاب الأجل الذي عبر عنه بقوله ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ َ ﴾ فهو على كونه من عالم الغيب معقول المعنى، وهاد إلى حكمة عليا، ذلك أن النفوس البشرية إذا سحل مريرها، واختلت بفساد الأخلاق أمورها، وكثرت في هذا العالم شرورها، حتى سلبت ما أعده الله تعالى لمن حافظوا على الحقيقة، واستقاموا على الطريقة، تكون جديرة بأن تسلب في الآخرة ما أعده الله تعالى للأرواح العالية، وما وعد به أصحاب النفوس الزاكية، فإن سعادة الدار الدنيا لم تكن أجرًا على أعمال بدنية، لا تتعلق بصلاح النفس في خلق ولا نية، وإنما هي ثمرة تزكية النفس، التي يتوسل إليها بعمل الحس، فلذا كان هذا شأن سعادة الدنيا فكيف يكون نعيم الآخرة جزاء حركات جسدية، وهي الدار التي تغلب فيها الروحانية ؟؟؟
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ .
ثم أكد الله تعالى ذلك الوعيد الشديد وبين سببه بقوله ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ ﴾ أي جعلوا حظوظهم من الحياة الدنيا بدلًا من الآخرة بما فرطوا في جنب الله وأهملوا من شريعته حتى لم يتبعوا منها إلا ما يوافق أهواءهم ولا يعارض شهواتهم كالحمية التي حملت كل حليف على الانتصار لمحالفه المشرك ومظاهرته إياه على قومه الذين تجمعه بهم رابطة الدين والنسب ﴿ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ ﴾ لأن علته ذاتية فيهم وهي ظلمة أرواحهم وفساد أخلاقهم ﴿ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ بشفاعة شافع أو ولاية ولي من دون الله ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ ؟
وأنى يأذن بالشفاعة لمن سجلت عليهم الشقاء أعمالهم بإحاطة الخطايا بهم من كل جانب، حتى أخذت عليهم طريق الرحمة، وقطعت عليهم باختيارهم سبيل الرضوان الإلهي؟
فمن الجهل إهمالهم الأمر والنهي، ونقضهم ميثاق الله تعالى في أهم ما واثقهم به، واعتمادهم مع هذا كله على الشفعاء ﴿ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ .
ومن مباحث الألفاظ في قوله ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أن الضمير للشأن عند المفسر والجماهير.
وإن المعهود في كلام العرب أن الجملة التي تقضي الحال فيها بتقدم الاسم وتأخر الفعل أو ما يشتق منه لا بد أن تصدر بضمير تعتمد عليه ولهذا شواهد في كلام البلغاء يتفق فيها ذوقهم وإن اختلف النحاة في إعرابها.
<div class="verse-tafsir"
عهد في سيرة البشر أن الأمة توعظ وتنذر، فتتعظ وتتدبر، فإذا طال عليها الأمد بعد النذير تقسو القلوب، ويذهب أثر الموعظة من الصدور، وتفسق عن أمر ربها، وتنسى ما لم تعمل به مما أُنذرت به، أو تحرفه عن موضعه بضروب التأويل، وزخرف القال والقيل، ولقد يكون للمتأخرين منها بعض العذر لجهله بما فعل المتقدم وأخذه ما يؤثر عنه بالتسليم لكمال الثقة وحسن الظن.
بين الله تعالى هذه السنة الاجتماعية في سورة الحديد بقوله ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ولهذا كان تعالى يرسل الرسل بعضهم في إثر بعض حتى لا يطول أمد الإنذار على الناس فيفسقوا ويضلوا.
ولا يعرف التاريخ شعبًا جاءت فيه الرسل تترى كشعب إسرائيل، لذلك كانوا بمعزل عن صحة العذر بطول الأمد على الإنذار.
وفي ناحية عما يرجى قبوله من التعلل والاعتذار، لهذا قال تعالى بعد كل ما تقدم ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ﴾ فلم يمر زمن بين موسى وعيسى آخر أنبيائهم إلا وكان فيه نبي مرسل أو أنبياء متعددون يأمرون وينهون.
كأنه يقول: اعلموا يا بني إسرائيل أنه إن كان لطول الأمد على النبوة وبعد العهد بالرسل يد في تغيير الأوضاع ونسيان الشرائع، وكان في ذلك وجه لاعتذار بعض المتأخرين، فإن ذلك لا يتناولكم، فإن الرسل قد جاءتكم تترى ثم كان من أمركم معهم ما كان.
ذكر رسل بني إسرائيل بالإجمال لبيان ما ذكر، ثم خص بالذكر المسيح فقال: ﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ فأما البينات فهي ما يتبين به الحق من الحجج القيمة والآيات الباهرة، والمراد بها ما دعا إليه من أحكام التوراة.
وأما روح القدس فهو روح الوحي الذي يؤيد الله تعالى به أنبياءه في عقولهم ومعارفهم، وهو هو المراد بقوله تعالى ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ ﴾ الآية.
ويطلق عليه روح القدس لأن التعليم الذي يكون به مقدس أو لأنه يقدس النفوس كما يطلق عليه ﴿ الرُّوحُ الأَمِينُ ﴾ لأن النبي الموحى إليه يكون على بينة من ربه فيه يأمن معه التلبيس فيما يلقى إليه، قال تعالى في القرآن ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ ﴾ .
ذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد بروح القدس الملك المسمى بجبريل الذي ينزل على الأنبياء ومنه يستمدون الشرائع عن الله تعالى وهو على حد قولهم "حاتم الجود"، وذكر بعضهم وجهًا آخر وهو أن المراد بها روح عيسى نفسه ووصفها بالقداسة والطهارة بمعنى إعاذته من الشيطان أن يكون له حظ فيه، أو لأنه أنزل عليه الإنجيل بالتعاليم التي تقدس النفوس، بل قال بعضهم إن روح القدس هو الإنجيل، والمراد من الكل واحد وهو أن الله تعالى ارسل إليهم عيسی بعد ظهور رسل كثيرين فيهم بعد موسى وأعطاه ما لم يعط كل رسول من أولئك الرسل أو من قوة الروح، وزكاء النفس، ومكارم الأخلاق، ونسخ بعض الأحكام، وقد كان حظه مع ذلك منهم كحظ سابقيه الذين لم يؤتوا من المواهب مثلما أوتي.
ماذا كان حظ أولئك الرسل من بني إسرائيل؟
كان حظهم منهم ما أفاده الاستفهام التوبيخي في قوله ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ فاتبعتم الهوى وأطعتم الشهوات، وعصيتم الرسل واحتميتم عليهم أن أنذروكم و دعوكم إلى أحكام كتابكم ﴿ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ كان المعهود فی التخاطب وكلام الناس أن تذكر هذه المساوئ ثم يوبخون عليها، ولكن طواها في الخطاب وأدمجها في الاستفهام لتفاجئ النفوس بقوة التشنيع والتقبيح، وتبرز لها في ثوب الإنكار والتوبيخ، وفي ذلك الإيماء إلى أن هذه المعاملة السؤى مما لا يخفى خبرها، ولا تغيب عن الأفكار صورها، فلا ينبغي الإلماع إليها إلا في سياق تقريع مجترحيها، وهذا من إيجاز القرآن الذي لا يعرج إليه فكر الإنسان، وانظر كيف أورد خبر القتل بصيغة المضارع التي تدل على الحال لاستحضار تلك الصورة الفظيعة وتمثيلها للسامع حتى يمثلها في الخيال، وإن مرت عليها القرون والأحوال، لأنها أفاعيل لا تخلق جدتها، ودماء لا تطير رغوتها، وإن مثل هذا التعبير ليمثل تلك الصورة المشوهة لأن الألفاظ إذا قرعت الذهن بمفهومها يتناول الخيال ذلك المفهوم ويصوره بالصورة اللائقة به، فيكون له من التأثير ما يناسبه.
قتلوا من الأنبياء المرسلين زكريا و يحيى عليهما السلام، ويروى أنهم قتلوا في يوم واحد مئة وخمسين نبيًا، فإن صح هذا فالمراد بأولئك الأنبياء من كانت نبوتهم محصورة في الدعوة إلى إقامة التوراة، ودليلها محصورًا في الإنباء بعض المغيبات، وكان هذا الفريق منتشرًا في أسباط بني إسرائيل وكثيرًا بكثرتهم.
وفي هذه الآية حجتان للنبي .
حجة على بني إسرائيل وحجة على الذين يعجبون لعدم إيمانهم به وإجابتهم دعوته، وبيان أن المجاحدة والمعاندة من شأنهم ومما عرف من شنشنتهم، وناسب بعد هذا أن يذكر ما كانوا يعتذرون به عن الإيمان به، والاهتداء بكتابه، بعد تقرير الدعوة، وإقامة الحجة، فقال ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ الغلف بضم وسكون وبضمتين جمع أغلف، وهو ما يحيط به غلاف يمنع أن يصيبه شيء.
والمراد أننا لا نعقل قولك ولا ينفذ إلى قلوبنا مفهوم دعوتك، فهو بمعنى قوله تعالى ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ﴾ .
وقد رد الله تعالى عليهم بما يشعر بكذبهم وعنادهم فقال ﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ أي أن قلوبهم ليست غلفًا لا تفهم الحق بطبعها، وإنما أبعدهم الله تعالى من رحمته بسبب كفرهم بالأنبياء السابقين وبالكتاب الذي تركوا العمل به وحرفوه اتباعًا لأهوائهم، فهم قد أنسوا بالكفر وانطبعوا عليه، فكان ذلك سببًا في حرمانهم من قبول الرحمة الكبرى بإجابة دعوة خاتم النبيين، هذا هو معنى اللعن وقد ذكرت معه علته ليعلم أنه جرى على سنة الله تعالى في الأسباب والمسببات وأن الله لم يظلمهم بهذا، وإنما ظلموا أنفسهم بالكفر الذي يستتبع الكفر، والعصيان الذي يجر إلى التمادي في العصيان، كما هي السنة في أخلاق الإنسان.
ولما كان ذكر اللعن معللًا بالكفر الذي هو نتيجة تأثير أعمالهم السابقة في أنفسهم، وكان مما يخطر بالبال أن أولئك القوم لم يكونوا كافرين، بل مؤمنين بالله وكتابه ورسله إليهم، استدرك فقال ﴿ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ﴾ وإنما القلة في الإيمان باعتبار ما يؤمن به من أصول الدين وأحكام الشريعة، وبالنسبة إلى اليقين في الإيمان، و تحكيمه فی الفكر والوجدان.
ولقد كان القوم يؤمنون بالشريعة في الجملة وكما تعطيه ظواهر الألفاظ، ولكنهم لم يلبسوها مفصلة تفصيلًا، ولم يفقهوا حكمها وأسرارها، فلم يكن لها سلطان على قلوبهم، ولم تكن هي المحركة لإرادتهم في أعمالهم، وإنما كان يحركها الهوى والشهوة، ويصرفها عامل اللذة، فالإيمان إنما كان عندهم قوة باللسان، ورسمًا يلوح في الخيال، تكذبه الأعمال، وتطمسه السجايا الراسخة والخلال، وهذا هو الإيمان الذي لا قيمة له عند الله تعالی.
ومن العجب أن نرى آيات القرآن تبطله بالحجج القيمة، والأساليب المؤثرة، وأهل القرآن عن ذلك غافلون فقليلًا ما يعتبرون ويتذكرون.
ومن مباحث اللفظ في الآية أن كثيرًا من المفسرين يزعمون أن ﴿ مَا ﴾ زائدة وما هي بزائدة وفاقًا لابن جرير الطبري، وجل القرآن أن يكون فيه كلمة زائدة وإنما تأتي ﴿ مَا ﴾ هذه لإفادة العموم تارة ولتفخيم الشيء تارة، ويقول ابن جرير إنما يؤتى بها في مثل هذا المقام كمبتدأ كلام جديد يفيد العموم كأنه قال: فإيمانًا قليلًا ذلك الذي يؤمنون به: وأما التي لتفخيم الشيء فقوله تعالى ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ أي فبسبب رحمة عظيمة الشأن خصك الله بها لنت لهم على ما لقيت منهم، وقد بين تعالى هذه الرحمة بقوله في وصفه ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ، وقوله ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
إن قوله تعالى ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ ﴾ إلخ متصل بقوله قبله ﴿ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ﴾ والمعنى أن إيمانهم كان قليلًا حال كونهم كانوا ينتظرون نبيًا وكتابًا مصدقًا لما معهم وكانوا يستفتحون به على المشركين فكيف لا يكون قليلًا، أو أقل بعد ما جاء ما كانوا ينتظرون وعرفوا أنه الحق ثم كفروا؟
فالجملة حالية، وقوله ﴿ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ﴾ معناه أنه موافق له في التوحيد وأصول الدين ومقاصده، والاستفتاح في قوله ﴿ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ معناه طلب الفتح وهو الفصل في الشيء والحكم ويستعمل بمعنى النصر لأنه فصل بين المتحاربين، وكانت اليهود تستفتح على مشركي العرب بالنبي المنتظر يقولون إنه سيظهر فينصر كتابه التوحيد الذي نحن عليه ويخذل الوثنية التي تنتحلونها ويبطلها، فيكون مؤيدًا لدين موسى.
﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ﴾ أعاد فلما جاءهم وهي عين الأولى لطول الفصل ووصل به الجواب وهو ﴿ كَفَرُوا بِهِ ﴾ وذلك أنه راعهم كونه بعث في العرب فحسدوه فحملهم الحسد على الكفر به جحودًا وبغيًا، فسجلت عليهم اللعنة التي أصابتهم بكفرهم الأول بأن الكفر صار وصفًا لازمًا لهم ولذلك قال ﴿ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ ولم يقل عليهم لأن المظهر أبلغ وأهم وأشمل.
ثم ذكر علة هذا الكفر وسببه وبين فساد رأيهم فيه بقوله ﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ﴾ أي بئس شيئًا اشتروا به أنفسهم هو كفرهم بما أنزل الله مصدقًا لما معهم كما كانوا ينتظرون.
شرى الشيء واشتراه يستعمل كل منهما بمعنى باع الشيء وبمعنى ابتاعه لأن الحرف يدل على المعارضة.
وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن اشتروا هنا بمعنى باعوا أي أنهم بذلوا أنفسهم وباعوها بما حرصوا عليه من الكفر بغيًا وحسدًا للنبي، وحبًا في الرياسة واعتزازًا بالجنسية، وبما كان لكل من الرؤساء والمرؤوسين من المنافع المتبادلة في المحافظة عليها، فهذا كله يعد ثمنًا لأنفسهم التي خسروها بالكفر حتى كأنهم فقدوها كما يفقد البائع المبيع.
وذكر ابن جرير وجهًا آخر وهو أن اشتروا هنا بمعنى ابتاعوا أي أنهم جعلوا أنفسهم ثمنًا للكفر الذي ذكرت علته آنفًا.
وفيه من الزيادة على معنى المعاوضة في الوجه الأول أنهم قد أنقذوا أنفسهم بذلك الكفر، أي أنهم يزعمون ذلك ويدعونه في الظاهر، وإن كانوا في الباطن قد عرفوا أن ما جاءهم هو الحق الذي كانوا ينتظرون، وأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ولكنهم يكتمون.
وفي فهم مما تقدم معنى قوله تعالى ﴿ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ فهو تعليل لكفرهم لا لشرائهم، أي كفروا به لمحض البغي الذي آثاره الحسد كراهة أن ينزل الله الوحي من فضله بمقتضى مشيئته، وأي بغي أقبح من بغي من يريد أن يحجر على فضل الله ويقيد رحمته فلا يرضى منه أن يجعل الوحي في آل إسماعيل كما جعله في آل أخيه إسحاق؟
قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يُنَزِّلَ ﴾ بالتخفيف من الإنزال والباقون بالتشديد من التنزيل.
وأما قوله ﴿ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ﴾ فهو الغضب الذي استوجبوه حديثًا بالكفر بالنبي فوق ذلك الغضب الذي لحقهم من قبل بإعنات موسی والكفر به، وقد ذكر في قوله ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ ثم توعدهم بعد الغضب المزدوج فقال ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ أي مقرون بالإهانة والإذلال، وبذلك صار بمعنى الآية السابقة، فكأن الجزاء واحد تكرر بتكرر الذنب.
وقال ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ ﴾ ولم يقل ﴿ وَلَهُم ﴾ لما في المظهر من بيان التعليل بالوصف الذي سجله عليهم كما تقدم آنفًا وهذا العذاب مطلق يشمل عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وقد تقدم أن ذنوب الأمم تتبعها عقوبتها في الدنيا لأنها أثر طبيعي لها، وإنما جعلها الله كذلك لتكون عبرة يتأدب المتأخرون بما أصاب منها المتقدمين.
وكذلك الحال في عقوبة الآخرة بالنسبة إلى الأفراد فإن عذاب كل شخص إنما يكون بحسب تأثير الجهل في عقله، وفساد الأخلاق وسوء الأعمال في نفسه.
اعتذر بعض اليهود في عصر التنزيل عن عدم الإيمان به بأن قلوبهم غلف لم تفهم الدعوة ولم تعقل الخطاب فرد الله تعالى عليهم ببيان السبب الحقيقي في ترك الإيمان، وما استحقوه عليه من الغضب والهوان.
ثم ذكر اعتذارًا آخر لهم مقرونًا بالرد والإبطال، وإقامة الحجة عليهم به فقال ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا ﴾ صيغة الدعوة تشعر بوجوب الإيمان بما أنزل على محمد.
فإن ما أنزل عليه لو أنزل على غيره لوجب الإيمان به فإن الوحي هو المقصود بالذات والأنبياء إنما هم مبلغون، فتقييد الخضوع لوحي الله بكونه لا بد أن يكون منزلًا على شخص من شعب كذا بعينه تحكم على الله تعالى وقضاء عليه بأن تكون رحمته مقيدة بأهواء فريق من خلقه.
فإيراد الدعوة بما ذكر من الإطلاق مع إيراد الجواب مقيدًا بقيد ﴿ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا ﴾ يشعر بقوة حجة الدعوة، ووهن ما بني عليه الجواب من الشبهة.
ثم صرح بالحقيقة وهي أنهم إنما يدعون هذا الإيمان بألسنتهم ﴿ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ﴾ من مدلول ولازم لا ينفك عنه كالبشارة برسول من بني إخوتهم أي ولد إسماعيل، وكون ما تثبت به نبوة محمد بمساواته لما تثبت به نبوة موسى يستلزم وجوب اتباع محمد كما اتبع موسى لأن المدلول يتبع دليله في كل زمن وكل موضوع.
قال إنهم يكفرون بما وراء المنزل إليهم ﴿ وَهُوَ الْحَقُّ ﴾ أي والحال أنه الحق الثابت في نفسه بالدليل حال كونه ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ﴾ فهو مؤيد عندهم بالعقل والنقل وقد كان من مكابرتهم وعنادهم ما كان فلم يبق إلا إلزامهم الحجة بما اقترفوا من فحش المخالفة لما أنزل إليهم والفسوق عنه ليعلم أنهم إنما يتبعون أهواءهم ويحكمون شهواتهم بما أنزل إليهم وما أنزل على محمد ، ولذلك قال ﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ بما أنزل إليكم وليس فيه الأمر بقتل الأنبياء بل فيه النهي الشديد عن قتل أنفسكم.
ومن مباحث اللفظ قوله: ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُم ﴾ حال مفردة مؤكدة والأصل فيها المقارنة لما هي قيد له، وهو يتضمن إثبات كفرهم بالتوراة بالتبع لكفرهم بالقرآن المصدق لها ولو فيما صدقها فيه والكفر ببعضه كالكفر به كله كما تقدم بيانه قريبًا.
ومن مباحث اللفظ أيضًا وضع المضارع ﴿ تَقْتُلُونَ ﴾ موضع الماضي (قتلتم) لما سبق بيانه في مثل هذا التعبير من إرادة استحضار صورة هذا الجرم الفظيع مبالغة في التقريع، وإغراقا في التشنيع، ولما كانت هذه الصيغة تدل على الحال فتوهم أن الذين في زمن التنزيل كانوا لا يزالون يقترفون هذه الجريمة على أنه لم يكن في ذلك العهد أنبياء إلا من يبكتهم ويحتج عليهم - وصلها بقوله ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾ دفعًا لذلك الوهم.
والفاء في قوله ﴿ فَلِمَ ﴾ واقعة في جواب شرط دل عليه ما بعده.
وقد سبق القول غير مرة بأن خطاب الخلف بإسناد ما كان من سلفهم إليهم مقصود لبيان وحدة الأمة وتكافلها وكونها في الأخلاق والسجايا المشتركة بين أفرادها كالشخص الواحد وبيان أن ما تبلى به الأمم من الحسنات والسيئات إنما هو أثر الأخلاق الغالبة والأعمال الفاشية فيها منبعثة عن تلك الأخلاق فيا جرى من بني إسرائيل من المنكرات لم يكن من قذفات المصادفة، وإنما كان عن أخلاق راسخة في الشعب تبع الآخرون فيها الأولين، إما بالعمل وإما بالإقرار وترك الإنكار.
ولو أنكر المجموع ما كان من بعض الأفراد لما تفاقم الأمر، ولما تمادى واستمر.
فالحجة تقوم على الحاضرين بأن الغابرين قتلوا الأنبياء فأقرهم من كان معهم ولم يعدوا ذلك خروجًا من الدين ولا رفضًا للشريعة، وتبعهم من بعدهم على ذلك، وفاعل الكفر ومجيزه واحد، وقد سبق تقرير هذا غير مرة.
<div class="verse-tafsir"
سبق التذكير باتخاذ العجل في قوله تعالى ﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ ثم أعاده هنا بعبارة وأسلوب آخرين في سياق آخر.
أما اختلاف العبارة والأسلوب فظاهر وأما السياق فقد كان أولًا في تعداد النعم على بني إسرائيل وبيان ما قابلوها به من الكفران وهو هنا في ذكر الآيات ورد شبهاتهم المانعة بزعمهم من الإيمان بالنبي ، فهناك يقول إن النعم التي أسبغها الله عليكم لم يكن لها من شكر عندكم إلا اتخاذ عجل تعبدونه من دونه.
وههنا يقول إن الآيات البينات على النبوة والوحدانية، لم تزدكم إلا إيغالًا في الشرك وانهماكًا في الوثنية، فكيف تعتذرون عن الإيمان بمحمد بأنكم لا تؤمنون إلا بما أنزل إليكم وهذا شأنكم فيه؟
ومجموع الآيتين ينبئ بفساد قلوب القوم وفساد عقولهم حتى لا مطمع في هداية أكثرهم من جهة الوجدان، ولا من ناحية العقل والجنان.
وهذه البينات التي ذكرها ههنا قد كانت في مصر قبل الميعاد الذي نزلت فيه التوراة وأما النعم التي ذكرها هناك فقد كانت في أرض الميعاد كما تقدم.
ووجه الاتصال بين هذه الآية وما قبلها قد علم مما قلناه في السياق، وفيه المقابلة بين معاملتهم لموسى ومعاملتهم للنبي إذ قالوا: قلوبنا غلف: وادعوا أنهم مأمورون بأن لا يؤمنوا إلا بما أنزل عليهم خاصة.
وقد علم من هذه الحجج كلها بطلان شبههم وكذبهم في دعواهم وأنه لا عذر لهم في ترك الإيمان.
﴿ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ أي من بعد هذا المجيء لا من بعد موسى، والمراد أنه لم يكن لهم عذر في ذلك الاتخاذ فإنه بعد بلوغ الدعوة وقيام الحجة، ولذلك قال ﴿ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴾ وأي ظلم أعظم من الشرك بالله تعالى؟
ولا تغفل عن الإيجاز في قوله ﴿ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ وحذف مفعول ﴿ اتَّخَذْتُمْ ﴾ أي اتخذتموه إلهًا.
ثم ذكرهم هنا أيضًا بأخذ الميثاق ورفع الطور كما ذكرهم به في آية تقدمت، وقد قال هناك ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ﴾ وقال هنا ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ﴾ وأمرهم في تلك بالحفظ وأمرهم في هذه بالفهم والطاعة.
وقلنا في تفسير ﴿ وَاذْكُرُوا ﴾ أن المراد الحث به على العمل فالعبارتان تتلاقيان في المعنى والمراد.
وفي اختلاف النظم والأسلوب حجة على الذين توهموا أن إعجاز القرآن في البلاغة إنما هو في السبق إلى العبارة التي يتأدى بها المعنى على أكمل الوجوه الممكنة في نظم الكلمات العربية.
رأى هؤلاء أن المعنى الذي يفيد علمًا بشيء ما له كلمات في اللغة تؤديه بوجوه من النظم وأن الكلمات والوجوه محدودة فمن سبق إلى أتمها أداء وأبلغها تأثيرًا كان كالسابق إلى انتقاء أكرم جوهرة من طائفة من الجواهر أمامه أو إلى أنفس عقد وأحسنه نظمًا من عقود عرضت عليه.
مثال ذلك قوله تعالى ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ ﴾ قال علماء هذا الشأن إنه يتألف من هذه الكلمات عشرة ضروب من النظم بالتقديم والتأخير ما من ضرب منها إلا وهو منتقد بالخطل أو إيهام خلاف المراد أو الخطأ في الإعراب إلا نظم الآية فهو الذي يؤدي المعنى على أكمل الوجوه ولا يتأتى نظم آخر يؤدي مؤداه.
وزعم بعض الناس أن هذا الإعجاز ليس إلهيًا.
لو أخذ ما قالوه مسلمًا على إطلاقه لكان لنا أن نقول إنه ليس في قدرة أحد من البشر أن يأتي بكلام طويل يتجلى له في كل جملة منه جميع الكليات التي تدخل في تأدية المعنى المراد له وجميع ضروب النظم ووجوه الأساليب الممكنة في ترتيب تلك الكلمات وتأليفها فيختار الأحسن الأبلغ منها.
وإذا لم يكن هذا في قدرة البشر كما هو ظاهر فلا بد أن يكون من جاء به مؤيدًا بعناية من الله تعالى.
على أننا لا نسلم بما قالوه على إطلاقه فإنه لا يتجه إلا في ألفاظ معينة كألفاظ آية ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ إلخ وإذا نظرنا إلى المعاني، لا سيما الكلية، نراها تتجلى في صور كثيرة من النظم الذي تختلف ألفاظه.
وأمامنا الآن معنى الآية التي نفسرها وهو أن الله أخذ هذا العهد على بنى إسرائيل بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا وأن يعملوا بشريعته ووصاياه، وكان أخذ هذا العهد في موقف رهبة وخشوع يعين على أخذه بالجد والعزيمة، إذ كان الجبل مرفوعًا فوقهم بصفة لم يعهدوها حتى ظنوا أنه يريد أن يقع بهم، ولكنهم لم يلبثوا أن نقضوا هذا الميثاق وتركوا العمل به وعبدوا العجل الذي صاغوه من حليهم بأيديهم عن حب متمكن من النفس، وغالب على العقل والحس، وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في كتابه غير مرة ولكن بعبارات مختلفة كالآية التي تقدمت وذكر هناك أنهم تولوا عن الميثاق بعد الأمر بحفظه والعمل به رجاء التقوى، وكآية الأعراف ﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ﴾ وتقدمت الإشارة إليها هناك وكلاهما غاية في البلاغة .
وذكره هنا بنظم آخر تنتهي إليه البلاغة في سياق آخر فقال ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ﴾ ثم التفت عن خطاب الحاضرين إلى الحكاية عن الغابرين فقال ﴿ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ أي أنهم قبلوا الميثاق وفهموه ولكنهم لم يعملوا به بل خالفوه تعنتًا وتأولًا، وليس المراد أنهم نطقوا بهاتين الكلمتين ﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ بل المراد أنهم بمثابة من قال ذلك، ومثل هذا التجوز معروف في عهد العرب، وفي هذا العهد، يعبرون عن حال الإنسان وغيره بقول يحيكه عن نفسه حتى حكي مثل ذلك عن الحيوانات والطيور وعن الجمادات أيضًا، وهو أسلوب أظن أنه يوجد في كل لغة أو في اللغات الراقية فقط.
ثم ذكر أقبح أمثلة هذا العصيان بعبارة مدهشة في بلاغتها فقال ﴿ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ﴾ هذه الاستعارة من فرائد الاستعارات يتمثل بها عند ذكر بلاغة القرآن.
وإشراب الشيء الشيء مخالطته إياه وامتزاجه به، يقال بياض مشرب بحمرة، أو هو من الشرب كان الشيء المحبوب شراب يساغ فهو يسري في قلب المحب ويمازجه كما يسري الشراب العذب البارد في لهاته.
وقد قدر الأكثرون هنا مضافًا محذوفًا فقالوا المراد"حب العجل" وذهب بعض الجامدين على الظواهر إلى أن المراد بالشرب هنا حقيقته وزعموا أن موسى لما سحق العجل وذراه في اليم طفقوا يشربون المسحوق مع الماء.
وغفل صاحب هذا الزعم عن قوله تعالى ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ والشراب الحقيقي لا يكون في القلب.
والشرب غير الإشراب.
ولبعض المفسرين مزاعم وقصص في العجل لا يدل عليها وحي منزل، ولا تاريخ صحيح ينقل، والباء في قوله ﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ للسببية أي سبب هذا الحب الشديد لعبادة العجل هو ما كانوا عليه من الوثنية في مصر فقد رسخ الكفر في قلوبهم بطول الزمن وورثه الأبناء عن الآباء.
وأما السياق الذي وردت فيه هذه الآية بهذا النظم والأسلوب المخالفين لأسلوب تلك الآية مع الاتحاد في المعنى فهو إقامة الحجة على اليهود الذين لم يؤمنوا بالنبي ورد زعمهم أنهم مؤمنون بشريعة لا يطالبهم الله بالإيمان بغيرها، كما قلنا في التي قبلها، ولذلك ختم الآية بقوله تعالى مخاطبا للنبي ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي إن صح زعمكم أنكم مؤمنون بشريعة -والإيمان الحقيقي يقتضي العمل بما له من السلطان على الإرادة- فبئسما يأمركم به ذلك الإيمان من الأعمال التي منها عبادة العجل وقتل الأنبياء ونقض الميثاق.
لكن هذا الزعم مشكوك فيه بل يصح القطع بعدمه، بدليل الأعمال التي يستحيل أن تكون أثرًا له.
هذه حجة عليهم بطبيعة الإيمان وأثره في عمل المؤمن.
وتليها حجة أخرى تتعلق بفائدة الإيمان ومثوبته في الحياة الأخرى وهي قوله : ﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ المراد من الدار الآخرة ثوابها ونعيمها لأن حال الإنسان فيها لا يخلو من أحد الأمرين -المثوبة بالنعيم المقيم، والعقوبة بالعذاب الأليم، واستغنى عن التصريح بالنعيم أو الثواب بقوله ﴿ لكم ﴾ فإنه يشعر بالمحذوف.
وإنما أوجز هنا في خطاب اليهود لأنه يحكي عن شيء يعرفونه في أنفسهم وقد أوضح المراد بقوله ﴿ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ ﴾ والخالصة هي السالمة من الشوائب.
فسر مفسرنا "الجلال" الخالصة بالخاصة.
وقالوا إنه استعمال لم يعهد في الكلام الفصيح، والتخصيص مفهوم من قوله ﴿ مِنْ دُونِ النَّاسِ ﴾ يقول إن صحت دعواكم وصدق قولكم إنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا وأنكم شعب الله المختار فلن تمسكم النار إلا أيامًا معدودات لا تزيد على أيام عبادة العجل ولا تتجاوز عابديه فتمنوا الموت الذي يوصلكم إلى ذلك النعيم الخالص الدائم، الذي لا منازع لكم فيه ولا مزاحم، وإن لم تتمنوا الموت فما أنتم بصادقين، إذ لا يعقل أن يرغب الإنسان عن السعادة ويختار الشقاء عليها.
والتمني هو ارتياح النفس وتشوفها إلى الشيء توده وتحب المصير إليه، وروي عن ابن عباس تفسير التمني بالسؤال والطلب، وهو غير معروف عن غيره من العرب، ولعله فسره باللازم فإن من تمنى شيئًا طلبه بالقول أو الفعل أو بها.
وقد روي عن كثير من الصحابة تمني الموت عند القتال وبعد القتال يعبرون بألسنتهم عما في نفوسهم، وما هو إلا صدق الإيمان بما أعد الله للمؤمنين في الدار الأخرة.
إن الكلام حجة على مدعي الإيمان واستحقاق ما أعده الله لأهله في الآخرة تقنعم في أنفسهم بأنهم إما صادقون في دعواهم وذلك إذا كانوا يتمنون في أنفسهم الموت والوصول إلى الدار الآخرة، ويبذلون أرواحهم في سبيل الله بارتياح إذا كان حفظ الحق يقتضي بذلها، وإما كاذبون فيها وذلك إذا كانوا شديدي الحرص على هذه الحياة.
وليس المراد به الحجة الإلزامية أمام الناس.
ولذلك كانت العبرة في الآية عامة، فهي واردة في سياق الاحتجاج على اليهود ويجب على المسلمين أن يتخذوها ميزانًا يزنون به دعواهم اليقين في الإيمان والقيام بحقوقه لأن الله أنزلها لذلك.
لو كان المراد بقوله ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾ أنهم لن يقولوا: يا ليتنا نموت: أو كلمة هذا معناها، لكان الاحتجاج عليهم إنما هو بالتعجيز عن لفظ يحركون به ألسنتهم ولكان ذلك من الخوارق الكونية ولما صح تعليل نفي التمني يقوله ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ فإن هذا التعليل صريح بأن المانع لهم من تمني الموت هو أنهم يعرفون من أنفسهم أنهم عاصون مقترفون للذنوب التي يستحقون عليها العقوبة لا أن ألسنتهم عاجزة عن النطق بكلمة تدل على تمني الموت وإن كذبًا، وكثيرًا ما كانوا يكذبون، وقد أسند الفعل إلى الأيدي لأن أكثر الأعمال تزاول بها ولذلك جرى عرف اللغة على جعلها كناية عن الشخص باعتبار أنه عامل مطلقًا.
وقد ختم الآية بقوله ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ ليبين أنهم ظالمون في حكمهم بأن الدار الآخرة خالصة لهم وأن غيرهم من الشعوب محروم منها وأن كل من كان مثلهم مفتاتًا على الله تعالى فهو ظالم مثلهم.
ثم بين حقيقة حالهم في الإخلاد إلى الأرض، والفناء في حب البقاء، وأنهم ليسوا على بينة مما يدعون، ولا ثقة لهم بأنفسهم فيما يزعمون، فقال ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ﴾ كذلك كانوا، وكذلك هم الآن، والظاهر من سيرتهم ونظام معيشتهم أنهم كذلك يكونون إلى ما شاء الله وإن كان الظاهر أن الكلام خاص بمن كانوا في عصر التنزيل يحاجهم النبي ويشاغبونه ويجاحدونه معتزين بشعبهم، مغترين بكتابهم، بل ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد علماؤهم فقط.
ونكر الحياة للتحقير كأنه يقول إنهم شديدو الحرص على الحياة وإن كانت في بؤس وشقاء.
ثم خص طائفة من الناس بالذكر عرفوا بشدة الحرص على الحياة وتمني طول البقاء في الدنيا لأنهم لا يؤمنون بحياة بعدها فقال ﴿ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ أي أنهم أحرص الناس من جميع الناس حتى من الذين أشركوا، ثم بين مثالًا من هذا الحرص مستأنفًا فقال ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ أي يتمنى لو يعمره الله ويبقيه ألف سنة، أو أكثر فإن لفظ الألف عند العرب منتهى أسماء العدد فيعبر به عن المبالغة في الكثرة لأنه يعرف من نفسه أنه مخالف لكتابه ويتوقع سخط الله وعقابه فيرى أن الدنيا على ما فيها من المنغصات خير له من الآخرة وما يتوقعه فيها.
قال تعالى ﴿ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ﴾ أي وما تعميره الطويل بمزحزحه أي منحيه ومبعده عن العذاب المعد له ولأمثاله فإنه ميت مهما طال عمره وكل ما له حد فهو منته إليه ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ لا تخفى عليه خافية من أمرهم ولو عرفوه حق معرفته لعلموا أن طول العمر لا يخرجهم من قبضته، ولا ينجيهم من عقوبته، فإن المرجع إليه، والأمر كله بيديه.
ومن مباحث اللفظ أن الضمير في قوله ﴿ وَمَا هُوَ ﴾ مبهم يفسره ما بعده، وأكثر المفسرين على أن ما حجازية والضمير العائد على ﴿ أَحَدُهُمْ ﴾ اسمها وبمزحزحه خبرها والباء زائدة في الإعراب ﴿ أَنْ يُعَمَّرَ ﴾ فاعل مزحزحه.
الكلام متصل بما قبله من ذكر تعلات اليهود واعتذارهم عن الإيمان بالنبي وبما جاء به من البينات والهدى.
زعموا أنهم مؤمنون بكتاب لا حاجة لهم بهداية في غيره، فاحتج عليهم بما ينقض دعواهم، وزعموا أنهم ناجون في الأخرة على كل حال لأنهم شعب الله وأبناؤه فأبطل زعمهم، ثم ذكر تعلة أخرى أغرب مما سبقها، وفندها كما فند ما قبلها، وهي أن جبريل الذي ينزل بالوحي على النبي عدوهم فلا يؤمنون بوحي يجئ هو به.
وقد جاء في أسباب النزول روايات عنهم في ذلك منها أن عبد الله بن صوريا، من علمائهم، سأل النبي عن الملك الذي ينزل عليه بالوحي فقال هو جبريل فزعم أنه عدو اليهود وذكر من عداوته أنه أنذرهم خراب بيت المقدس فكان.
ومنها أن عمر بن الخطاب دخل مدارسهم فذكر جبريل فقالوا: ذاك عدونا، يطلع محمدًا على أسرارنا وأنه صاحب كل خسف وعذاب، وميكائيل صاحب الخصب والسلم: إلخ وهذا القول هراء وخطله بين، وإنما عني القرآن بذكره ورده لأنه مؤذن بتعنتهم وعنادهم، وشاهد على فساد تصورهم وعدم تدبرهم، ليعلم الذين كانوا ينتظرون ما يقول أهل الكتاب فيه أنه لا قيمة لأقوالهم، ولا اعتداد بمرائهم وجدالهم.
قال تعالى ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ أي قل لهم أيها الرسول حكاية عن الله تعالى: من كان عدوًا لجبريل فإن شأن جبريل كذا -فهو إذًا عدو لوحي الله الذي يشمل التوراة وغيرها ولهداية الله تعالى لخلقه وبشراه للمؤمنين على ما يأتي في بيان ذلك- وإذا كان يناجي روحك ويخاطب قلبك بإذن الله لا افتياتًا من نفسه فعداوته لا يصح أن تصد عن الإيمان بك، وليس للعاقل أن يتخذها تعلة وينتحلها عذرًا، فإن القرآن من عند الله لا من عنده.
فقوله ﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ حجة أولى عليهم ثم قال ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أي حال كونه موافقًا للكتب التي تقدمته في الأصول التي تدعو إليها من التوحيد واتباع الحق والعمل الصالح ومطابقًا لما فيها من البشارات بالنبي الذي يجئ من أبناء إسماعيل، كأنه يقول فآمنوا به لهذه المطابقة والموافقة لا لأن جبريل واسطة في تبليغه وتنزيله، وهذه حجة ثانية، ثم عززهما بثالثة وهي قوله ﴿ وَهُدًى ﴾ أي نزله هاديًا من الضلالات والبدع التي طرأت على الأديان، فألقت أهلها في حضيض الهوان، والعاقل لا يرفض الهداية التي تأتيه، وتنقذه من ضلال هو فيه، لأن الواسطة في مجيئها كان عدوًا له من قبل، فإن هذا الرفض من عمل الغبي الجاهل الذي لا يعرف الخير بذاته وإنما يعرفه بمن كان سببًا في حصوله : ثم أيد الحجج الثلاث برابعة فقال ﴿ وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي إذا كنتم تعادون جبريل لأنه أنذر بخراب بيت المقدس فهو إنما أنذر المفسدين، وقد أنزل هذا القرآن عَلَيَّ بشرى للمؤمنين فما لكم أن تتركوا هذه البشرى إن كنتم من أهل الإيمان، لأن الذي نزل فيها قد نزل بإنذار أهل الفساد والطغيان.
ومن مباحث اللفظ في الآية أن جبريل اسم أعجمي مركب من "جبر" ومعناه بالعبرانية أو السريانية القوة ومن "ايل" ومعناه الإله أي قوة الله وقيل معناه عبد الله وفيه ١٣ لغة منها ثمان لغات قرئ بهن أربع في المشهورات: جبرئيل كسلسبيل قرأ بها حمزة والكسائي وجبريل بفتح الراء وحذف الهمزة قرأ بها ابن كثير والحسن وابن محيصن وجبرئل كجحمرش قرأ بها عاصم برواية أبي بكر، وجبريل كقنديل قرأ بها الباقون.
وأربع في الشواذ جبرال وجبرائيل وجبرئل وجبرين.
ومنها أن قوله ﴿ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ ﴾ ورد على طريق الالتفات عن التكلم إلى الخطاب اذ كان مقتضى السباق أن يقول"نزله على قلبي"وقد قالوا في نكتته إنها حكاية ما خاطبه الله تعالى به.
ولا أرى صاحب الذوق السليم إلا مستنكرًا صيغة التكلم في هذا المقام، والعلة في ذلك لا تبعد عن الأفهام، ومنها أن الضمير المنصوب البارز في ﴿ نَزَّلَهُ ﴾ للقرآن وهو لم يذكر فيها قبلها وإنما عينته قرينة الحال، وذلك يدل على فخامة شأنه، كأنه لشهرته قد استغني عن ذكره.
أقام الحجج على حماقتهم وسخفهم في دعوى عداوة جبريل وبيان أنها لا يصح أن تكون مانعة من الإيمان بكتاب أنزله الله بتلك الصفات التي طويت فيها الحجج، ثم بين في آية أخرى حقيقة حالهم في هذه العداوة فقال ﴿ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّه ﴾ بكفره بما ينزله من الهداية ﴿ وَمَلائِكَتِهِ ﴾ برفض الحق والخير الذي فطروا عليه وكراهة القيام بما يعهد به إليهم ربهم ، لأنهم ﴿ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ﴿ وَرُسُلِهِ ﴾ به بتكذيب بعض و قتل بعض ﴿ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ﴾ بأن الأول ينزل بالآيات والنذر، ومن كان عدوًا لجبريل فهو عدو لميكال لأن فطرتهما واحدة وحقيقتهما واحدة من مقتها وعاداها في أحدهما فقد عاداها في الآخر ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ أي من عادى الله وعادى هؤلاء المقربين من الله الذين جعلهم رحمة لخلقه فإن الله عدو له لأنه كافر بالله ومعاد له والله عدو للكافرين أن يعاملهم معاملة الأعداء للأعداء، وهم الظالمون لأنفسهم إذ دعاهم فلم يقبلوا أن يكونوا مع الأولياء ﴿ مِيكَالَ ﴾ بوزن ميعاد قراءة أبي عمرو ويعقوب وعاصم برواية حفص، وقرأ نافع ميكائيل وحمزة والكسائي وابن عامر ميكائيل وفي الشواذ ميكئل وميكئيل ميكائل.
هذا وعيد لهم بعد بيان فساد العلة التي جاءوا بها وهم لم يدَّعوا عداوة هؤلاء كلهم ولكنهم كذلك في نفس الأمر، فأراد أن يبين حقيقة حالهم في الواقع، وهي أنهم أعداء الحق وأعداء كل من يمثله وينقله ويدعو إليه، فالتصريح بعداوة جبريل كالتصريح بعداوة ميكال الذي يزعمون أنهم يحبونه وأنهم كانوا يؤمنون بالنبي لو كان هو الذي ينزل بالوحي عليه.
ومعاداة القرآن كمعاداة سائر الكتب الإلهية لأن الغرض من الجميع واحد.
ومعاداة محمد كمعاداة سائر رسل الله لأن وظيفتهم واحدة.
فقولهم السابق وحالهم يدلان على معاداة كل من ذكر وهذا من ضروب إيجاز القرآن التي انفرد بها.
وفي قوله تعالى ﴿ لِلْكَافِرِينَ ﴾ وضع للمظهر في موضع المضمر لبيان أن سبب عداوته تعالى لهم هو الكفر فإن الله لا يعادي قومًا لذواتهم ولا لأنسابهم، وإنما يكره لهم الكفر ويعاقبهم عليه معاقبة العدو للعدو.
وقد بينا غير مرة أن عذاب الله وانتقامه من الكفرة والفجرة لا يشبه انتقام ملوك الدنيا وزعمائها، وإنما قضت سنته تعالى بأن يكون لكل عمل يعمله الانسان في ظاهره أو في نفسه وضميره أثر في نفس العامل يزكيها ويدسيها، وسعادة الإنسان في الآخر أو شقاؤه تابع لآثار اعتقاداته وأعماله في نفسه، ولذلك قال تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمْ الظَّالِمِينَ ﴾ .
ثم صرح بأن القرآن منزل من عند الله وحده، وأنه في نفسه آيات بينات لا يحتاج إلى آية أخرى تبينه وتشهد له، فإن ما كان بينا في نفسه أولى بالقبول مما يحتاج في بيانه إلى غيره، فقال ﴿ وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ وقد تقدم أن الوحي من الله للنبي يسمى تنزيلًا وإنزالًا ونزولًا لبيان علو مرتبة الربوبية لا أن هناك نزولًا حسيًا من مكان مرتفع إلى مكان منخفض.
وأما كون آيات القرآن بينات فهي أنها بإعجازها البشر وبقرن المسائل الاعتقادية فيها ببراهينها والأحكام الأدبية والعملية بوجوه منافعها، لا تحتاج إلى دليل آخر يدل على أنها هداية من الله تعالى وأنها جديرة بالاتباع، بل هي دليل على نفسها عند صاحب الفطرة السليمة كالنور يظهر الأشياء وهو ظاهر بنفسه لا يحتاج إلى شيء آخر يظهره ﴿ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ ﴾ الذين خرجوا من نور الفطرة وانغمسوا في ظلمة التقليد فتركوا طلب الحق بذاته لاعتقادهم أن فطرتهم ناقصة لا استعداد فيها لإدراكه بذاته على شدة ظهوره، وإنما يطلبونه من كلام مقلديهم.
وكذلك الذين ظهر لهم الحق فاستحبوا العمى على الهدى حسدًا لمن ظهر الحق على يديه وعنادًا له.
بعد هذا كله بين الله تعالى شأنين من شؤون أهل الكتاب وهما: أنه لا ثقة بهم في شيء، لما عرف عنهم من نقض العهود وأنه لا رجاء في إيمان أكثرهم لأن الضلالة قد ملكت عليهم أمرهم، إلا قليلًا منهم، فإن كل ما تقدم من الأعمال والأقوال قد صدر عن بعضهم، وإن كان نقض العهود قد وقع في كل زمن من فريق منهم دون فريق، فلا يتوهمن أحد أن أولئك هم الأقلون، كلا بل هم الأكثرون، ولذلك قال ﴿ أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ﴾ همزة الاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف أي أكفروا بالآيات وقالوا ما قالوا وكلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم؟.
النبذ طرح الشيء وإلقاؤه والمراد بالعهود هنا عهودهم للنبي ، ولما كان لفظ فريق وهم العدد القليل، وكان الواقع أن الذين كانوا يرون الوفاء له قليلون، والناقضين هم الأكثرون، أضرب عنه وقال ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ فهم لا إيمان لهم لأنهم لا أيمان لهم، أي لا عهود لهم.
وفيه من خبر الغيب أن أكثر اليهود لا يؤمنون بالنبي ، وكذلك كان، وصدق الله العظيم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ﴾ تقدم معناه في تفسير الآية ٤١ والآية ٨٩ وقوله ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ بيان لحال جديدة من أحوال أهل الكتاب يصح أن تكون علة لجميع ما صدر عنهم من الشناعات في معاداة النبي ومجاحدته، وهي أن فريقًا منهم قد نبذوا كتاب الله الذي يفاخرون به ويحتجون بأنهم اكتفوا بالهداية به، وأنه لا حاجة لهم بسواه.
نبذوه أن جاءهم رسول مصدق له بحاله وصفاته، لأن البشارات التي فيه بالنبي الذي يجئ من آل إسماعيل لا تنطبق إلا على هذا الرسول، ومصدق له بمقاله باعترافه بنبوة موسى وصدقه فيما جاء به من الهدى والشريعة، وتوبيخه اليهود على تحريف بعضها ونسيان بعض وترك العمل بما بقي لهم منها.
وليس المراد بنبذ الكتاب وراء ظهورهم أنهم طرحوه برمته، وتركوا التصديق به في جملته وتفصيله، وإنما المراد أنهم طرحوا جزءًا منه وهو ما يبشر بالنبي ويبين صفاته ويأمرهم بالإيمان به واتباعه، أي فهو تشبيه لتركهم إياه وإنكاره بمن يلقي الشيء وراء ظهره حتى لا يراه فيتذكره.
وترك الجزء منه كتركه كله لأن ترك البعض يذهب بحرمة الوحي من النفس ويجرئ على ترك الباقي ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ ..
ولا فرق في هذا الحكم بين اليهود والنصارى فكل منها مبشَّر بالنبي في كتابه، وكل منها قد نبذ الكتاب فلم يعمل به.
ولم يضر النبي هذا الجحود من الفريق الجاحد لأن دعوته قد قبلها الآخرون واهتدى بها من لا يحصى من الأمتين ومن سائر الأمم، وإنما يضر الجاحدين لأنهم تركوا كتابهم الذي يزعمون أنه المنجي والمخلص لهم وحرموا من هداية خاتم النبيين، التي هي أكمل هداية أنعم الله بها على العالمين.
قال تعالى بعدما ذكر نبذهم الكتاب ﴿ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أي نبذوه نبذ من لا يعلم أنه كتاب الله، يريد أنهم بالغوا في تركه وإهماله، ومن ترك شيئًا من أمر الله وهو يعلم أنه أمره ولكن طاف به طائف من الشيطان فغلب على أمره فإنه لا يلبث أن يعود، ولكن هذا الفريق النابذ لكتاب الله تعالى من حيث هو مبشِّر بالنبي وآمر باتباعه يتمادى بهم الزمان ولا يتوبون ولا يرجعون، وما أحسن التعبير عن ذلك بنفي الحال والاستقبال دون نفي الماضي.
ثم ذكر تعالى أن أولئك الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم مجاحدة للنبي وحسدًا له قد تبدلوا الكفر بالإيمان واشتروا الضلالة بالهدى ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ ﴾ من الإنس في قصصها وأساطيرها، أو من الجن في وسوستها أو منهما جميعًا، على حد قوله تعالى ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾ ﴿ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ﴾ أي ما كانت تتلو على عهده وفي أيام ملكه إذ زعموا أن ملكه قام على أساس السحر والطلسمات، وأنه ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام مرضاة لنسائه الوثنيات ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾ وما سحر ﴿ وَلَكِنَّ ﴾ أولئك ﴿ الشَّيَاطِينَ ﴾ الذين يسندون إليه ما انتحلوه من السحر، وما تلبسوا به من الكفر، هم الذين ﴿ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ ليفتنوا به العامة ويضلونهم عن طلب الأشياء من أسبابها الظاهرة ومناهجها المشروعة.
بينا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار لا لبيان التاريخ ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين، وإنه ليحكي من عقائدهم الحق والباطل، ومن تقاليدهم الصادق والكاذب، ومن عاداتهم النافع والضار، لأجل الموعظة والاعتبار، فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة ولا تتجاوز موطن الهداية، ولا بد أن يأتي في العبارة أو السياق وأسلوب النظم ما يدل على استحسان الحسن واستهجان القبيح.
وقد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعملة عند المخاطبين أو المحكي عنهم وإن لم تكن صحيحة في نفسها كقوله ﴿ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ﴾ وكقوله ﴿ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ ﴾ وهذا الأسلوب مألوف فإننا نرى كثيرًا من كتاب العربية وكتاب الإفرنج يذكرون آلهة الخير والشر في خطبهم ومقالاتهم لا سيما في سياق كلامهم عن اليونان والمصريين القدماء ولا يعتقد أحد منهم شيئا من تلك الخرافات الوثنية.
ويقول أهل السواحل غربت الشمس أو سقط قرص الشمس في البحر أو في الماء، ولا يعتقدون ذلك وإنما يعبرون به عن المرئي.
جاء ذكر السحر في مواضع متعددة في القرآن وأكثره في قصة موسى وفرعون وذكر هنا في الكلام عن اليهود.
وإذا أردنا فهمه من عرف اللغة وجدنا أن السحر عند العرب كل ما لطف مأخذه ودق وخفي، وقالوا سحره وسحَّره بمعنى خدعه وعلله، وقالوا عين ساحرة وعيون سواحر، وفي الحديث الصحيح "إن من البيان لسحرًا" والسحر بالفتح وبالتحريك الرئة وهي أصل هذه المادة والرئة في الباطن فيا لطف مأخذه ودق صنعه حتى لا يهتدي إليه غير أهله فهو باطن خفي، ومنه الخداع وهو أن يظهر لك شيئًا غير الواقع في نفس الأمر، فالواقع باطن خفي، وتأثير العيون في عشاق الحسان، والكلام البليغ في عشاق البيان، مما يخفى مسلكه ويدق سببه، حتى يعسر على أكثر الناس الوقوف على العلة في تأثيره.
وقد وصف الله السحر في القرآن بأنه تخييل يخدع الأعين فيريها ما ليس بكائن كائنًا فقال ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴾ والكلام في حبال السحرة وعصيهم وفي آية أخرى ﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ ﴾ وفي هذه الآية التي نفسرها أن السحر كان يؤخذ بالتعليم، والتاريخ يشهد بهذا، وقد كان المصريون يطلقون لقب الساحر على العالم كما يؤخذ من قوله تعالى ﴿ وَقَالُوا يَٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ ﴾ ومجموع هذه النصوص يدل على أن السحر إما حيلة وشعوذة، وإما صناعة علمية خفية يعرفها بعض الناس ويجهلها الأكثرون فيسمون العمل بها سحرًا لخفاء سببه، و لطف مأخذه، ويمكن أن يعد منه تأثير النفس الإنسانية في نفس أخرى لمثل هذه العلة .
وقد قال المؤرخون إن سحرة فرعون قد استعانوا بالزئبق على إظهار الحبال والعصي بصور الحيات والثعابين وتخييل أنها تسعى.
وقد اعتاد الذين اتخذوا التأثيرات النفسية صناعة ووسيلة للمعاش أن يستعينوا بكلام مبهم وأسماء غريبة اشتهر عند الناس أنها من أسماء الشياطين وملوك الجان وأنهم يحضرون إذا دعوا بها ويكونون مسخرين للداعي.
ولمثل هذا الكلام تأثير في إثارة الوهم عرف بالتجربة، وسببه اعتقاد الواهم أن الشياطين يستجيبون لقارئه ويطيعون أمره، ومنهم من يعتقد أن فيه خاصية التأثير، وليس فيه خاصية وإنما تلك العقيدة الفاسدة تفعل في النفس الواهمة ما يغني منتحل السحر عن توجيه همته وتأثير إرادته.
وهذا هو السبب في اعتقاد الدهماء أن السحر عمل يستعان عليه بالشياطين وأرواح الكواكب.
وقد اختلف المتكلمون والمفسرون والفقهاء في حقيقة السحر وفي أحكامه وعده بعضهم من خوارق العادات، وفرقوا بينه وبين المعجزة، ولم يذكروا في فروقهم أن السحر يتلقى بالتعليم ويتكرر بالعمل فهو أمر عادي قطعًا بخلاف المعجزة.
وفي قوله تعالى ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ وجهان: (أحدهما): أنه متصل بقوله ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ أي أن الشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر.
(وثانيهما): وهو الأظهر، أنه متصل بالكلام عن اليهود، وأن الكلام في الشياطين قد انتهى عند القول بكفرهم.
وانتحال اليهود لتعليم السحر أمر كان مشهورًا في زمن التنزيل، ولا يزالون ينتحلون ذلك إلى اليوم.
أي إن فريقًا من اليهود نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان.
وههنا يقول القائل بماذا اتبعوا أولئك الشياطين الذين كذبوا على سليمان في رميه بالكفر وزعمهم أن السحر استخرج من كتبه التي كانت تحت كرسيه؟
فأجاب على طريق الاستئناف البياني ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ إلخ، ونفي الكفر عن سليمان وإلصاقه بالشياطين الكاذبين ذكر بطريق الاعتراض فعلم أيضًا أنهم اتبعوا الشياطين بهذه الفرية أيضًا.
وإنما كان القصد إلى وصف اليهود بتعليم السحر لأنه من السيئات التي كانوا متلبسين بها ويضرون بها الناس خداعًا وتمويهًا وتلبيسًا.
ثم قال ﴿ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾ فأجمل بهذه العبارة الوجيزة خبر قصة كانوا يتحدثون بها، كما أجمل في ذكر تعليم السحر فلم يذكر ما هو؟
أشعوذة وتخييل، أم خواص طبيعية، وتأثيرات نفسية؟
وهذا ضرب من الإعجاز في الإيجاز انفرد به القرآن.
يذكر الأمر المشهور بين الناس في وقت من الأوقات لأجل الاعتبار به فينظمه في أسلوب يمكن لكل أحد أن يقبله فيه مهما يكن اعتقاده لذلك الشيء في تفصيله.
ألا ترى كيف ذكر السحر هنا وفي مواضع أخرى وبأساليب لا يستطيع أن ينكرها من يدعي أن السحر حيلة وشعوذة أو غير ذلك مما ذكرناه، ولا يستطيع أن يردها من يدعي أنه من خوارق العادات.
والحكمة في ذلك أن الله قد وكل معرفة هذه الحقائق الكونية إلى بحث الإنسان واشتغاله بالعلم لأنه من الأمور الكسبية، ولو بين مسائلها بالنص القاطع لجاءت مخالفة لعلم الناس واختبارهم في كل جيل لم يرتق العلم فيه إلى أعلى درجة، ولكانت تلك المخالفة من أسباب الشك أو التكذيب فإننا نرى من الناس من يطعن في كتب الوحي لتفسير بعض تلك الأمور المجملة بما يتراءى لهم وإن لم تكن نصًا ولا ظاهرًا فيه، ويزعمون أن كتاب الدين جاء مخالفًا للعلم وإن كان ذلك الذي يطلقون عليه اسم العلم ظنيًا أو فرضيًا.
في ﴿ الْمَلَكَيْنِ ﴾ قراءتان: فتح اللام وكسرها فالأولى قراءة الجمهور والثانية قراءة ابن عباس والحسن وأبي الأسود والضحاك.
وحمل بعضهم قراءة الفتح على قراءة الكسر ويؤيده ما قيل إن المراد بهما داود وسليمان عليهما السلام.
وقيل بل هما رجلان صاحبا وقار وسمت فشبها بالملائكة، وكان يؤمهما الناس بالحوائج الأهلية ويجلونهما أشد الإجلال فشبها بالملوك، وتلك عادة الناس فيمن ينفرد بالصفات المحمودة يقولون: هذا ملَك وليس بإنسان: كما يقولون فيمن كان سيدًا عزيزًا يظهر الغنى عن الناس من حيث يحتاجون إليه: هذا سلطان زمانه: جلت حكمة الله في خلقه فقد قَدَّ هؤلاء الآدميين من أديم واحد، كان الناس على عهد"هاروت"و"ماروت"-اللذين كان يتحدث بخبرهما ولا يحدد تاريخهما- على مثالهم اليوم لا يقصدون للفصل في شؤونهم الأهلية من الجهة الروحانية إلا إلى أهل السمت والوقار اللابسين لباس أهل التقوى والصلاح، هذا ما نشاهدهم عليه في زماننا وهذا ما حكى الله تعالى عنهم في الزمن القديم، ولعل الله تعالى سماهم ملكين (بفتح اللام) حكاية لاعتقاد الناس فيهما، أو على سبيل المجاز كما قال بعض المفسرين.
قال تعالى في اليهود ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ ﴾ والظاهر هو العطف أن ما أنزل عليهما هو غير السحر ضم إليه لأنه من جنسه في كون تعليمه سيئة مذمومة أو هو لتغاير الاعتبار أو النوع.
وليس معنى الإنزال عليهما أنه وحي من الله كوحيه للأنبياء فيشكل عده من الشر والباطل الذي يذم تعلمه، فإن كلمة أنزل تستعمل في مواضع لا صلة بينها وبين وحي الأنبياء قالوا: أنزلت حاجتي على كريم، وأنزل لي عن هذه الأبيات: ويقال: قد أنزل الصبر على قلب فلان: وقال تعالى ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ﴾ وقال ﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
ولعل التعبير عما أوتياه من العلم بالإنزال لأنه لم يكن يعرف له مأخذ غيرهما يراد أنهما ألهماه إلهامًا واهتديا إليه من غير أستاذ ولا معلم.
ويصح أن يسمى مثل هذا وحيًا لخفاء منبعه وليس الوحي وإلهام الخواطر خاصًا في عرف اللغة ولا عرف القرآن بالأنبياء ولا بما يكون موضوعه خيرًا أو حقًا فقد قال تعالى ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ﴾ وقال ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾ وقال ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾ وقال الشاعر: رأس الغواية في العقل السقيم فما فيه فأكثره وحي الشياطين وذكر ابن جرير الطبري وجهًا آخر في تفسير ﴿ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ﴾ ونقله كثير من المفسرين وهو أن ﴿ وَمَا ﴾ نافية أي أن اليهود يعلمون الناس السحر ويرتقون بسنده إلى الملكين ببابل وما أنزل السحر على الملكين فكيف كانوا يعلمونه بني إسرائيل؟.
وقد ضعفوه بأن الثابت في الواقع أن بني إسرائيل كانوا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين.
ثم قال ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ﴾ أي أن ما عندنا هو أمر يبتلي به الله الناس ويختبرهم فلا تتعلم ما هو كفر.
فإن أصر علَّماه.
قال تعالى ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ صيغة المضارع في هذه الجملة وما قبلها لتصوير ما كان كأنه كائن فالكلام تصوير للقصة لا حكم بمضمونها أي أنهم كانوا يتعلمون منهم ما وضع لأجل التفريق بين الزوجين وهو نحو ما يسميه الدجاجلة الآن "كتاب البغضة".
وليس في العبارة ما يدل على أن ما يتعلمونه لهذا الغرض هو مؤثر فيه بطبعه أو بسبب خفي أو بخارقة لا تعقل لها علة ولا أنه غير مؤثر، وليس فيها بيان لما يتعلمونه هل هو كتابة تمائم، أو تلاوة رقي وعزائم، أو أساليب سعاية، أو دسائس تنفير ونكاية، أو تأثير نفساني، أو وسواس شيطاني، وأي شيء من ذلك ثبت علمًا كان تفصيلًا لما أجمله القرآن في الواقع.
ولا يجوز لنا أن نتحكم بتفصيل ما أجمله القرآن فنحمله على أحد ما ذكر أو على غيره.
ولو علم الله أن الخير لنا في بيان ذلك لبينه كما قلنا في مثله مرار.
لم يبين القرآن ذلك الإجمال ولا حقيقة ذلك العلم لأنه موكول إلى بحث البشر وارتقائهم في العلم كما تقدم، ولكنه لم يهمل ما يتعلق بالعقائد وبيان الحق فيها ولذلك قال بعد حكاية السحر عنهم ﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ أي أنهم ليس لهم قوة غيبية وراء الأسباب التي ربط الله بها المسببات فهم يفعلون بها ما يوهمون الناس أنه فوق استعداد البشر، وفوق ما منحوا من القوى والقدر، فإذا اتفق أن أصيب أحد بضرر من أعمالهم فإنما ذلك بإذن الله أي بسبب من الأسباب التي جرت العادة بأن تحصل المسببات من ضـر ونفع عند حصولها بإذن الله تعالى.
وهذا الحكم التوحيدي هو المقصد الأول من مقاصد الدين، فالقرآن لا يترك بيانه عند الحاجة، بل عند كل مناسبة، وربما ترد في القرآن قصة مثل هذه القصة لأجل بيان الحق في مسألة اعتقادية كهذه المسألة لأن إيراد الأحكام في سياق الوقائع أوقع في النفس وأعصى على التأويل والتحريف.
ثم قال بعد نفي القوة التي وراء الأسباب عنهم ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ ﴾ يضرهم لأنه سبب في الإضرار بالناس وهو محرم يعاقب الله تعالى عليه في الأخرة ومن عرف بإيذاء الناس يمقته الناس ويكونون عليه.
ولما كان بعض الضار من جهة نافعًا من جهة أخرى وربما كانت منفعته أكبر من إثمه نفى المنفعة بعد إثبات المضرة، فهذا النفي واجب في قانون البلاغة لا بد منه.
وقد صدق الله تعالى، فإننا نرى منتحلي السحر وما في معناه أفقر الناس وأحقرهم، ولو عقل السفهاء الذين يختلفون إليهم يلتمسون المنافع لأنفسهم والإيقاع بأعدائهم لعلموا أن الشقي في نفسه لا يمكن أن يهب السعادة لغيره، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
هذه حالهم في الدنيا فكيف يكونون في الآخرة يوم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون؟
لا جرم أنها تكون حالًا سوءى، واليهود يعلمون ذلك كما قال ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ﴾ أي أنهم يعلمون أن من اختار هذا واستبدله بما آتاه الله من أصول الدين الحق وأحكام الشريعة العادلة الموصلين إلى سعادة الدنيا والآخرة فليس له نصيب في نعيم الآخرة، وذلك أن التوراة قد حظرت تعليم السحر وجعلته كعبادة الأوثان وشددت العقوبة على فاعله وعلى أتباع الجن والشياطين والكهان، ولا ينافي هذا العلم قوله ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ فإن العلم علمان: علم تفصيلي متمكن من النفس متسلط على إرادتها يحركها إلى العمل، وعلم إجمالي خيالي يلوح في الذهن مبهمًا عندما يعرض ما يذكر به ككتاب وإلقاء سؤال، وهو يقبل التحريف والتأويل، وليس له منفذ إلى الإرادة ولا سبيل، فقد كانوا يستحلون أكل السحت كالرشوة والربا بالتأويل كما يفعل غيرهم اليوم وقبل اليوم.
ولو كانوا يعلمون حرمة ما ذكر علمًا تفصيليًا يستغرق جميع جزئيات المحرم ويفقهون علة التحريم وسره ويصدقون بما توعد الله مرتكبه من العقوبة في الآخرة تصديقًا جازمًا ويتذكرونه وقت العمل بما للعقيدة من السلطان على الإرادة لما ارتكبوا ما ارتكبوه مع الإصرار عليه، ولكنهم فقدوا هذا النوع من العلم ولم يغن عنهم تصور أن السحر والخداع كلاهما حرام كالربا والرشوة لأن في الكتاب عبارة تدل على ذلك فإن العبارة تحتمل ضروبًا من التأويل ككون النهي خاصًا بمعاملة شعب إسرائيل وكانوا يقولون ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ إذا أكلنا أموالهم بالباطل، و كاشتراط الضرر في السحر مع ادعاء أن ما يأتونه منه نافع غير ضار وغير ذلك.
وإننا نرى كثيرًا من الحرمات قد انتهكت في المسلمين بمثل تلك التأويلات حتى جوز بعض المشتغلين بالفقه هدم ركن من أعظم أركان الإسلام بالحيلة وهو ركن الزكاة الذي يحارب تاركوه شرعًا، ونرى هذه الحيل قد أثرت في الأمة أسوأ التأثير فقلما يوجد فيها غني يؤدي الزكاة.
ولا يعتقد المتمسك بالدين من هؤلاء الأغنياء أنه متعرض لمقت الله وعقوبته، وأنه قد فسق عن أمر ربه، لأنه يمنع الزكاة بحيلة يسميها شرعية، وقد أخذها عمن يسمون فقهاء، ويفتخرون بأنهم ورثة الأنبياء، ثم إن الحيل على التزوير وأكل أموال الناس بالباطل لها في بعض الكتب وعلى ألسنة كثيرين من أصحاب العمائم مجال واسع و ميدان فسيح ، ولها أقبح التأثير في إفساد العامة واستباحتهم المحظورات ولقد صارت هذه الحيل على الله والتأويلات الباطلة الهادمة لدينه معدودة من علم الدين حتى أنه ليأتيها من لا منفعة له في إتيانها ممن يعدون صالحين، ومن أعجب ذلك أن بعض أهل العلم الصالحين يشهد الزور بمثل هذه التأويلات وقد نقل الثقات أن طالب الشهادة يستعطفه ويستميل قلبه بالشكوى من الظلم وإرادة الاستعانة بشهادته على دفع المظلمة والتخلص من الأذى فيأمر الشيخ بأن تطوى الورقة المشتملة على قول الزور بحيث يحجب سواد الكتابة فلا يراه ويضع توقيعه وختمه في ذيلها كأنه وضعهما على ورقة خالية، وهو يعلم أنها ليست خالية من الكتابة، ويعرف ما فيها من الكذب.
فهل نقول إنه غير عالم بقوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ وقوله ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ وبما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي بكرة أن النبي قال وكان متكئًا: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟
الإشراك بالله وعقوق الوالدين - ثم قعد فقال- ألا وقول الزور وشهادة الزور" فمازال يكررها حتى قلنا ليته سكت.
وبما روياه من حديث أبي هريرة مرفوعًا أيضًا" آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان" وفي رواية لغيرهما" ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال إني مسلم" وذكرهن - بل إنه عالم بكل ذلك ولكنه التأويل أفسد على كل اهل دين دينهم.
ولقد صار العالم المسلم عاجزًا في أكثر بلاد المسلمين عن إنكار ما يخالف هدى الكتاب والسنة من كتب الميتين، لا سيما إذا اشتهروا باختبار كتبهم للتدريس.
وحجة هؤلاء المقلدين على نصر كتب الميتين وترجيحها على كتاب الله وسنة رسوله هي أن القادرين على الاهتداء بهما قد انقرضوا فوجب على المسلمين ترك العمل بهما والاعتماد على كتب العلماء المتأخرين الذين استنبطوا من قواعد أئمتهم جميع مسائل الدين، فعلينا أن نأخذ بكل ما قالوا، وأن لا ننظر في الكتاب والسنة إلا للتبرك بهما، فإن رأينا خلافًا بين قول الله ورسوله وقول الفقيه لا يحتمل التأويل فعلينا أن نتهم عقولنا وأفهامنا وننزه فهم الفقيه الميت وعقله ونعمل بقوله مكابرين أنفسنا التي سجل عليها الحرمان من فهم الكتاب المبين والسنة البيضاء التي وصفها صاحبها بأن ليلها كنهارها أي لا يشتبه فيها أحد!!!
هذا ما عليه جماهير المسلمين، ولم يبعد من قبلهم عن كتاب ربهم أشد من هذا البعد، وسيعودون إليه بعد حين، فقد أخذهم العذاب على تركه ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
ثم قال تعالى ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ ﴾ أي لو أنهم استبدلوا الإيمان بما جاء به النبي بهذا السحر الخادع واتباع نزعات الشياطين أو لو آمنوا بكتابهم إيمانا حقيقيًا ومنه البشارة بالنبي والأمر باتباعه واتقوا بالعمل به والمحافظة على حدوده مغبة ما ينتظره المجرمون من العقوبة على العصيان، لكان ثواب الله لهم على الإيمان الصحيح والعمل الصالح خيرًا لهم من جميع ما توهموه في المخالفة من المنافع، ثم قال ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ أي أنهم في كل ما هم عليه من الأباطيل، ومن زعمهم أنها ترجع إلى الكتاب بضروب من التأويل، يتبعون الظنون ويعتمدون على التقليد، وليسوا على شيء من العالم الصحيح، ولو كانوا يعلمون علمًا صحيحًا لظهر أثره في أعمالهم ولآمنوا بالنبي واتبعوه فكانوا من المفلحين.
ومن مباحث اللفظ في الآيات أن ﴿ بَابِلَ ﴾ بلدة قديمة كانت في سواد الكوفة -قبل الكوفة- في أشهر أقوال المفسرين، ويؤخذ من بعض كتب التاريخ أنها كانت في الجانب الشرقي من نهر الفرات بعيدة عنه، ويقال إن أصل اشتقاقها في العبرانية يدل على الخلط إشارة إلى ما يرويه العبرانيون من اختلاط الألسنة هناك.
و ﴿ هَارُوتَ ﴾ و ﴿ مَارُوتَ ﴾ اسمان أعجميان ولو كانا مشتقين من الهرت والمرت كما زعم بعضهم لا منعا من الصرف.
و ﴿ مِنْ ﴾ في قوله تعالى ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ ﴾ لاستغراق النفي وتأكيده، وهي ليست بزائدة، وإنما الزائد ما يذكر للتحلية ولا يكون له معنى ما وفاقًا لكثير من المفسرين.
والمثوبة الثواب و ﴿ لَمَثُوبَةٌ ﴾ خبر (لو) أي لكانت مثوبة من الله خيرًا.
وقد قدروا لها فعلًا فقالوا: الأصل لأثيبوا مثوبة فحذف الفعل وركب الباقي جملة اسمية ليدل على ثبات المثوبة ونكرت لبيان أنها مهما قلت فهي خير لهم وأصلها الثوب بمعنى الرجوع كأن المحسن يثوب إلى من أحسن إليه بعد الإعراض.
<div class="verse-tafsir"
إن هذا النهي له صلة وارتباط بشأن اليهود لا محالة، لأن الكلام لا يزال في شؤونهم مع النبي والمؤمنين، ولكن هذا لا يستلزم أن يكون سبب النهي هو كون الكلمة تستعمل للشتم في العبرانية، ولا أقول بهذا إلا بنقل صحيح عمن يعرف هذه اللغة، وللمفسرين وجوه أخرى في تعليل النهي، فعن مجاهد وغيره أن معنى الكلمة (خلاف) والمراد لا تخالفوه كما يفعل أهل الكتاب، ولكن اعترض على هذا الوجه بأن ليس له شاهد من اللغة.
والمعروف في اللغة أن ﴿ رَاعِنَا ﴾ من المراعاة وهي تقتضي المشاركة في الرعاية أي ارعنا نرعك، وفي خطاب النبي بذلك من سوء الأدب ما هو ظاهر، فالنهي عنه تأديب كقوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ﴾ كأنه يقول لا تكونوا كهؤلاء الغلاظ القلوب الذين قصصنا عليكم خبرهم أو الذين عرفتم سوء أدبهم الأنبياء بل اجمعوا بين الطاعة والأدب.
..
وههنا وجه آخر وهو أنه يقال في اللغة: راعى الحمار الحمر إذا رعى معها، فيجوز أن اليهود كانوا يحرفون الكلمة بصرفها إلى هذا المعنى فنهى الله المسلمين عن هذه الكلمة وشنع على اليهود بإظهار سوء قصدهم فيها.
وقد رضوا بصرف اللفظ إلى هذا المعنى وإن كان يتضمن أنهم حمر لأن السَّبَّاب يسب نفسه كما يسب غيره فهو على حد قول القائل: اقتلوني ومالكا واقتلوا مالكا معي قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ﴾ نهاهم تعالى عن كلمة كانوا يقولونها وأمرهم بكلمة خير منها تفيد ما كانوا يريدونه منها.
فكلمة ﴿ انظُرْنَا ﴾ تفيد معنى كلمة ﴿ رَاعِنَا ﴾ فإن فيها معنى الإنظار والإمهال ويؤيد هذا المعنى قراءة ﴿ انظُرْنَا ﴾ من الأنظار وفيها معنى المراقبة وهو ما يستفاد من النظر بالعين.
تقول: نظرت الشيء ونظرت إليه، إذا وجهت إليه بصرك ورأيته وتقول نظرته بمعنى انتظرته ومنه ﴿ مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ .
أذن الله تعالى لهم بهذه الكلمة ﴿ انظُرْنَا ﴾ وأمرهم بالسماع للنبي ليعوا عنه ما يقول من الدين.
وهو أمر يتضمن الطاعة والاستجابة.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ لبيان أن ما صدر عن اليهود من سوء الأدب في خطاب الرسول هو أثر من آثار الكفر الذي يعذبون عليه العذاب الموجع أشد الإيجاع، وللتنبيه على أن التقصير في الأدب معه ذنب مجاور للكفر يوشك أن يجر إليه فيجب الاحتراس منه بترك الألفاظ الموهمة للمساواة، بله الألفاظ المنافية للآداب.
وإنما كان عدم الإصغاء لما يقول الرسول وخطابه خطاب الأكفاء والنظراء مجاورًا للكفر لأنه يتكلم على الله لسعادة من يسمع ويعقل ويأخذ ما يؤمر به بالأدب ويسأل عما لا يفهمه بالأدب، ومن فاتته هذه السعادة فهو الشقي الذي لا يعدل بشقائه شقاء.
ومعنى هذه المجاورة أن سوء الأدب بنحو ما حكي عن اليهود في سورة النساء هو من الكفر الصريح ولذلك قال بعده ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا ﴾ فالألفاظ التي تحاكي الألفاظ التي تُوُعَّدوا عليها بهذا الوعيد على أنها كفر إذا صدرت من المؤمن غير محرفة ولا مقصودًا بها ما كانوا يقصدون تسمى مجاورة لألفاظ الكفر لأنها موهمة وخارجة عن حدود الأدب اللائق بالمؤمنين.
وإن لمن جاء بعد الرسول حظًا من هذا التأديب وليس هو خاصًا بمن كان في عصره من المؤمنين، فهذا كتاب الله الذي كان يتلوه عليهم وكان يجب الاستماع له والإنصات لأجل تدبره، هو الذي يتلى علينا بعينه لم يذهب منه شيء، وهو كلام الله الذي به كان الرسول رسولًا تجب طاعته والاهتداء بهديه، فيا هذا الأدب الذي يقابله به الأكثرون؟
إنهم يلغطون في مجلس القرآن فلا يستمعون ولا ينصتون، ومن أنصت فإنما ينصت طربًا بالصوت واستلذاذًا بتوقيع نغمات القارئ، وإنهم ليقولون في استحسان ذلك واستجادته ما يقولونه في مجالس الغناء، ويهتزون للتلاوة ويصوتون بأصوات مخصوصة كما يفعلون عند سماع الغناء بلا فرق، ولا يلتفتون إلى شيء من معانيه إلا ما يرونه مدعاة لسرورهم في مثل قصة يوسف مع الغفلة عما فيها من العبرة وإعلاء شأن الفضيلة ولا سيما العفة والأمانة.
أليس هذا أقرب إلى الاستهانة بالقرآن منه بالأدب اللائق الذي ترشد إليه هذه الآية الكريمة وأمثالها، وتتوعد على تركه بجعله مجاورًا للكفر الذي يسوق صاحبه إلى العذاب الأليم ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ﴾ .
ثم قال تعالى ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ يقول تعالى للمؤمنين إن هؤلاء الذين علمتم شأنهم مع أنبيائهم حسدة لا بلتفت إلى تكذيبهم ولا يبالي بعداوتهم، ولا يضركم كفرهم وعنادهم، فهم لحسدهم لا يودون أن ينزل عليكم أدنى خير من ربكم، والقرآن أعظم الخيرات لأنه النظام الكامل، والفضل الشامل، والهداية العظمى، والآية الكبرى، جمع به شملكم، ووصل حبلكم، ووحد شعوبكم وقبائلكم، وطهر عقولكم من نزعات الوثنية، وزكى نفوسكم من أدران الجاهلية، وأقامكم على سنن الفطرة وشرع لكم الحنيفية السمحة، فكيف لا بحرق الحسد عليه أكبادهم، ويخرق أضغانهم عليكم وأحقادهم؟.
و ﴿ مَنْ ﴾ الأولى من الصلة كالتي تقدمت.
وإنما جعلت للاستغراق لأنها تدل على البعضية وزيادة لوقوعها في خبر النفي فهي هنا بمعنى: أي شيء من الخير، أي فما بالكم بهذا الخير العظيم، أليس هو أولى بأن يكون أكبر مثير لحسدهم، ومغر بعنادهم؟
ثم إن الله تعالى رد عليهم بما بين جهلهم وجهل جميع الحاسدين فقال ﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ أي أن الحاسد لغباوته وفساد طويته يكون ساخطًا على الله تعالى ومعترضًا عليه أن أنعم على المحسود بما أنعم، ولا يضر الله تعالى سخط الساخطين، ولا يحول مجاري نعمه حسد الحاسدين، فالله يختص برحمته من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.
أسند كلا من هذين الأمرين إلى اسم الذات الأعظم البيان أنهما حقه لذاته فليس لأحد من عبيده أدنى تأثير في منحهما ولا في منعهما.
<div class="verse-tafsir"
قال أئمة اللغة إن أصل النسخ النقل سواء كان نقل الشيء بذاته كما يقال: نسخت الشمس الظل: أي نقلته من مكان إلى مكان، أو نقل صورته كما يقال: نسخت الكتاب: إذا نقلت عنه صورة مثل الأولى.
وورد: نسخت الريح الأثر: إزالته.
وأصل النسيان الترك أو هو غايته اللازمة له، ومنه قوله تعالى ﴿ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ﴾ أي تركتها بترك العمل بها فجزاؤك أن تترك في العذاب فاحفظ المعنى اللغوي.
وللمفسرين في تفسير هذه الآية طريقان: أحدهما أنها على حد قوله تعالى ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ فالنسخ هنا بمعنى التبديل، أي إذا جعلنا آية بدلًا من آية فإننا نجعل هذا البدل خيرًا من المبدل منه أو مثله على الأقل، فالآية عند هؤلاء في نسخ التلاوة، وقالوا إن المراد بالنسيان هو أن يأمر الله تعالى بعدم تلاوة الآية فتنسى بالمرة...
وهذا بمعنى التبديل فما هي الفائدة في عطفه عليه بأو؟
وهل هو إلا تكرار يجل كلام الله عنه؟.
وثانيهما أن المراد نسخ حكم الآية، وهو عام يشمل نسخ الحكم وحده ونسخه مع التلاوة، وهذا هو القول المختار للجمهور، وقالوا في توجيهه إنه لا معنى لنسخ الآية في ذاتها ولا حاجة إليه وإنما الأحكام تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال، فإذا شرع حكم في وقت لشدة الحاجة إليه ثم زالت الحاجة في وقت آخر فمن الحكمة أن ينسخ الحكم ويبدل بما يوافق الوقت الآخر فيكون خيرًا من الأول أو مثله في فائدته من حيث قيام المصلحة به.
وقالوا إن المراد بالإنساء إزالة الآية من ذاكرة النبي ، وقد اختلف في هذا أيكون بعد التبليغ أم قبله، فقيل بعده كما ورد في أصحاب بئر معونة وقيل قبله حتى أن السيوطي روى في أسباب النزول أن الآية كانت تنزل على النبي ، ليلًا فينساها نهارًا فحزن لذلك فنزلت الآية.
ولا شك عندي في أن هذه الرواية مكذوبة وأن مثل هذا النسيان محال على الأنبياء عليهم السلام لأنهم معصومون في التبليغ والآيات الكريمة ناطقة بذلك كقوله تعالى ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ وقوله ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .
وقد قال المحدثون والأصوليون إن من علامة وضع الحديث مخالفته للدليل القاطع عقليًا كان أو نقليًا كأصول الاعتقاد وهذه المسألة منها فإن هذا النسيان ينافي العصمة المجمع عليها.
وقالوا في تفسير قوله تعالى بعد ما ذكر ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ إنه ورد مورد الاستدلال على القدرة على النسخ بالمعنى الذي قالوه أي أنه لا يستنكر على الله كما زعم اليهود لأنه مما تناله قدرته ثم استدل على ذلك بقوله ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ الآية.
والخطاب في ﴿ تَعْلَمْ ﴾ للنبي والمراد به غيره من المؤمنين الذين ربما كانوا يمتعضون من كلام اليهود وغيرهم من المعترضين على النسخ، وضعيف الإيمان يؤثر في نفسه أن يعاب ما يأخذ به فيخشى عليه من الركون إلى الشبهة أو الحيرة فيها، ففي الكلام تثبيت لمن كان كذلك من الضعفاء ودعم لإيمانهم، وتوجبه الكلام إلى شخص يراد غيره شائع في كلام العرب والمولدين، ولذلك قال بعض العلماء: نزل القرآن على طريق قولهم "إياك أعني واسمعي يا جاره".
وإذا كان هذا الملك العظيم لله وحده فلا شك أنه لا يعجزه أن ينسخ حكمًا من الأحكام.
ومن آية إرادة الأمة بالخطاب الالتفات عن الأفراد إلى الجمع بقوله ﴿ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ﴾ أي أن وليكم وناصركم هو الله تعالى وحده فلا تبالوا بمن ينكر النسخ أو يعيبكم به، ولا ينبغي أن يستهويكم إنكارهم فيميلكم عن دينكم فإنه لا قيمة له ولا للمنكرين إذ ليس في استطاعتكم أن يضروكم أو ينفعوكم إذا كان الله هو مولاكم وناصركم.
وإذا أراد الله بكم سوءًا فلا يملكون أن يدفعوه عنكم.
ثم قال تعالى ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ﴾ ؟
وهذا كلام جديد منقطع عما قبله وقالوا إن ﴿ أَمْ ﴾ هنا للاستفهام لا للإضراب لأن ﴿ أَمْ ﴾ التي تستعمل بمعنى (بل) يقصد بها الإضراب عن الكلام السابق ولا يظهر الإضراب هنا.
واستشهدوا لأم الاستفهامية بقول الشاعر: فوالله لا أدري أهند تقولت أم القوم أم كل إلي حبيب وأنا مع القائلين بأنها للاستفهام: وبعض المفسرين يقولون إن ﴿ أَمْ ﴾ هذه منقطعة للإضراب عن عدم علمهم بالسابق إلى الاستفهام عن اقتراحهم، فهي تتضمن الإضراب والاستفهام معًا، وتجد الجلالين يقدران ذلك في تفسيرهما وقد قدرا فيه بعض هنا"بل أتريدون".
والحاصل أن المعنى هنا أتريدون أن تسألوا رسولكم كما سأل موسى قومه تبرمًا وإعناتًا؟
يحذر المسلمين ما فعل أولئك، وقد أتبع التحذير بالوعيد فقال ﴿ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ أي أن ترك الآيات الموجودة والإعراض عنها لإعنات النبي بسؤال غيرها لتكون بدلًا منها هو من اختيار الكفر على الإيمان واستحباب العمى على الهدى.
وبدل وتبدل واستبدل يدل على جعل شيء في موضع آخر بدلًا منه، والباء تقرن بالمبدل منه لا بالبدل كما أشرنا إليه في تفسير ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ﴾ .
هذا تقرير ما جرى عليه المفسرون في الآيات.
وإذا وازنا بين سياق آية ﴿ مَا نَنْسَخْ ﴾ وآية ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ ﴾ نجد أن الأولى ختمت بقوله تعالى ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ والثانية بقوله ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ ونحن نعلم شدة العناية في أسلوب القرآن بمراعاة هذه المناسبات.
فذكر العلم والتنزيل ودعوى الافتراء في الآية الثانية يقتضي أن يراد بالآيات فيها آيات الأحكام.
وأما ذكر القدرة والتقرير بها في الآية فلا يناسب موضوع الأحكام ونسخها، وإنما يناسب هذا ذكر العلم والحكمة فلو قال ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ لكان لنا أن نقول إنه أراد نسخ آيات الأحكام لما اقتضته الحكمة من انتهاء الزمن أو الحال التي كانت فيها تلك الأحكام موافقة للمصلحة.
وقد تحير العلماء في فهم الإنساء على الوجه الذي ذكروه حتى قال بعضهم إن معنى ﴿ نُنسِهَا ﴾ نتركها على ما هي عليه من غير نسخ، وأنت ترى أن هذا وإن صح لغة لا يلتئم مع تفسيرهم، إذ لا معنى للإتيان بخير منها مع تركها على حالها غير منسوخة.
والمعنى الصحيح الذي يلتئم مع السياق إلى آخره إن الآية هنا هي ما يؤيد الله تعالى به الأنبياء من الدلائل على نبوتهم أي ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ ﴾ نقيمها دليلًا على نبوة نبي من الأنبياء أي نزيلها ونترك تأييد نبي آخر بها أو ننسها الناس لطول العهد بمن جاء بها فإننا بما لنا من القدرة الكاملة والتصرف في الملك نأتي بخير منها في قوة الإقناع وإثبات النبوة أو مثلها في ذلك.
ومن كان هذا شأنه في قدرته وسعة ملكه فلا يتقيد بآية مخصوصة يمنحها جميع أبنائه.
والآية في أصل اللغة هي الدليل والحجة والعلامة على صحة الشيء، وسميت جمل القرآن آيات لأنها بإعجازها حجج على صدق النبي ودلائل على أنه مؤيد فيها بالوحي من الله ، من قبيل تسمية الخاص باسم العام.
ولقد كان من يهود من يشكك في رسالته بزعمهم أن النبوة محتكرة لشعب إسرائيل، وقد تقدمت الآيات في تفنيد زعمهم هذا وقالوا ﴿ لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى ﴾ أي من الآيات؟
فرد الله تعالى عليهم في مواضع منها قوله بعد حكاية قولهم هذا ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ﴾ إلخ ومنها هذه الآية والخطاب فيها للمؤمنين الذين كان اليهود يريدون تشكيكهم، كأنه يقول إن قدرة الله تعالى ليست محدودة ولا مقيدة بنوع مخصوص من الآيات أو بآحاد منها لا تتناول غيرها، وليست الحجة محصورة في الآيات السابقة لا تتعداها، بل الله قادر على أن يأتي بخير من الآيات التي أعطاها موسى وبمثلها، فإنه لا يعجز قدرته شيء، ولا يخرج عن ملكه شيء، كما أن رحمته ليست محصورة في شعب واحد فيخصه بالنبوة، ويحصر فيه هداية الرسالة، كلا إن رحمته وسعت كل شيء، كما أن قدرته تتصرف بكل شيء من ملك السموات والأرض الذي لا يشاركه فيه مشارك، ولا ينازعه فيه منازع، فيكون وليًا ونصيرًا لمن كفر بنعمه وانحرف عن سننه.
انظر كيف أسفرت البلاغة عن وجهها في هذا المقام فظهر أن ذكر القدرة وسعة الملك إنما يناسب الآيات بمعنى الدلائل دون معنى الأحكام الشرعية والأقوال الدالة عليها من حيث هي دالة عليها لا حيث هي دالة على النبوة.
ويزيد هذا سفورًا ووضوحًا قوله عقبه ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ﴾ ؟
فقد كان بنو إسرائيل لم يكتفوا بما أعطى موسى من الآيات وتجرءوا على طلب غيرها ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ وكذلك كان فرعون وقومه كلما رأوا آية طلبوا غيرها حتى رأوا تسع آيات بينات، ولم يؤمنوا.
قوله تعالى: ﴿ كَمَا سُئِلَ مُوسَى ﴾ يشمل كل ذلك.
قد أرشدنا الله تعالى بهذا إلى أن التفنن في طلب الآيات وعدم الإذعان لما يجيء به النبي منها والاكتفاء به بعد العجز عن معارضته هو دأب المطبوعين على الكفر الجامدين على المعاندة والمجاحدة، فإنه قال بعد إنكار هذا الطلب ﴿ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ ويوضح هذا قوله تعالى في آية أخرى ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ﴾ والمراد الآيات المقترحة بدليل السياق وهو اتفاق بين المفسرين.
ولو كان الموضوع موضوع طلب استبدال أحكام بأحكام تنسخها لما كان للتوعد بالكفر وجه وجيه، وقوله تعالى ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ معناه أنه أخطاء وسط الجادة ومال أحد الجانبين، ومتى انحرف السائر في سيره عن الوسط يخرج عن المنهج ويبعد عنه كلما أوغل في السيرة فيهلك دون الوصول إلى المقصد.
والمراد بسواء السبيل الحق والخير اللذان تكمل الفطرة بالاستقامة على السيرة في طريقهما، ومن مال عن الحق وقع في الباطل لا محالة ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾ .
هذا هو التفسير الذي تتصل به الآيات ويلتئم بعضها مع بعض على وجه يتدفق بالبلاغة، وهو الذي يتقبله العقل ويستحليه الذوق إذ لا يحتاج إلى شيء من التكلف في فهم نظمه ولا في توجيه مفرداته "كالإنساء" و "القدرة" و "الملك" وقد اضطر القائلون بأن المراد بالنسخ نسخ الأحكام - مع ما علمت من التكلف - إلى القول بجواز نسيان الوحي، وطفقوا يتلمسون الدلائل على ذلك حتى أوردوا قوله ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ وليس من هذا الموضوع ولا المخاطب به النبي وإنما جاء على طريق الحكاية، وأما قوله تعالى ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ فهو يؤكد عدم النسيان لأن الأستثناء بالمشيئة قد استعمل في أسلوب القرآن للدلالة على الثبوت والاستمرار كما في قوله تعالى ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ أي غير مقطوع.
وقوله ﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ والنكتة في الاستثناء بيان أن هذه الأمور الثابتة الدائمة إنما كانت كذلك بمشيئة الله تعالى لا بطبيعتها في نفسها ولو شاء الله تعالى أن يغيرها لفعل، وهذا الاعتقاد من مهمات الدين فلا غرو أن تزاح عنه الأوهام في كل مقام يمكن أن تعرض فيه.
فليس امتناع نسيان الوحي طبيعة لازمة للنبي، وإنما هو تأييد ومنحة من الله تعالى، وليس خلود أهل الجنة في الجنة واجبًا عقليًا أو طبيعيًا وإنما هو بإرادة الله تعالى ومشيئته.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "أو ننسأها" أي نؤخرها ولا يظهر هذا المعنى في مقام نسخ الأحكام كما يظهر في نسخ الآيات والمعجزات المقترحة على الأنبياء فإن الآية التي تقترح على نبي لأنها كانت لنبي قبله قد تنسخ بآيات جديدة خير منها أو مثلها وقد تؤخر بالآية الجديدة ثم تعطى في وقت آخر بعد الاقتراح ولكن تأخير آيات الأحكام ليس له معنى ظاهر.
<div class="verse-tafsir"
بين الله تعالى في الآية الأولى من هاتين الآيتين أن أهل الكتاب المتعصبين لدينهم من حيث هو جنسية لهم تقوم بها منافع جنسهم لم يكتفوا بكفرهم بالنبي والكيد له ونقض ما عاهدهم عليه حسدًا له ولقومه على نعمة النبوة، بل هم يزيدون على ذلك ما قصه تعالى بقوله ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ فهو بيان لما يضمرونه وما تكنه صدورهم للمسلمين من الحسد على نعمة الإسلام التي عرفوا أنها الحق وأن وراءها السعادة في الدارين، ولكنهم شق عليهم أن يتبعوهم فتمنوا أن يُحْرَموا هذه النعمة ويرجعوا كفارًا كما كانوا، وذلك شأن الحاسد يتمنى أن يسلب محسوده النعمة ولو لم تكن ضارة به فكيف إذا كان يعلم أن تلك النعمة إذا تمت وثبتت يكون من أثرها سيادة المحسود عليه وإدخاله تحت سلطانه، كما كان يتوقع علماء يهود في عصر التنزيل، وقد جاء هذا التنبيه تتمة لقوله تعالى قبل آيات ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ وقد بين الله لنا ما كان من محاولة أهل الكتاب وتحيلهم على تشكيك المسلمين في دينهم كقول بعضهم لبعض بأن يؤمنوا أول النهار ويكفروا آخره لعل ضعفاء الإيمان يرجعون عن الإسلام اقتداء بهم كما سيأتي في سورة آل عمران، وفي هذه الآية وما بعدها إشارة إلى أن لذلك بعض الأثر في نفوس بعض المسلمين.
وفائدة هذا التنبيه أو التنبيهات أن يعلم المسلمون أن ما يبدو من أهل الكتاب أحيانًا من إلقاء التبعة على الإسلام وتشكيك المسلمين فيه إنما هو مكر السوء يبعث عليه الحسد لا النصح الذي يبعث عليه الاعتقاد.
وقال ﴿ حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ليبين أن حسدهم لم يكن عن شبهة دينية أو غيره على حق يعتقدونه، وإنما هو خبث النفوس وفساد الأخلاق والجمود على الباطل وإن ظهر لصاحبه الحق، ولذلك قفاه بقوله ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾ أي بالآيات التي جاء بها النبي وبانطباق ما يحفظون من بشارات كتبهم بنبي آخر الزمان .
ثم أمر الله تعالى المؤمنين بأن يقابلوا هذا الحسد وما ينبعث عنه بما يليق بهم من محاسن الأخلاق فقال: ﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا ﴾ ولم يقل فاعفوا واصفحوا عنهم لإرادة العموم، أي عاملوا جميع الناس بالصفح والعفو فإن هذا هو اللائق بشأن المؤمنين المتقين ﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ .
وفي أمره تعالى لهم بالعفو والصفح إشارة إلى أن المؤمنين على قتلهم هم أصحاب القدرة والشوكة، لأن الصفح إنما يطلب من القادر على خلافه كأنه يقول: لا يغرنكم أيها المؤمنون كثرة أهل الكتاب مع باطلهم فإنكم على قلتكم أقوى منهم بما أنتم عليه من الحق، فعاملوهم معاملة القوي العادل، للقوي الجاهل.
وفي إنزال المؤمنين، على ضعفهم، منزل الأقوياء، ووضع أهل الكتاب على كثرتهم موضع الضعفاء، إيذان بأن أهل الحق هم المؤيدون بالعناية الإلهية، وأن العزة لهم ما يثبتوا على حقهم، ومهما يتصارع الحق والباطل فإن الحق هو الذي يصرع الباطل كما قلنا غير مرة، وإنما بقاء الباطل في غفلة الحق عنه.
ثم قال تعالى ﴿ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ فوعدهم بأن سيمدهم بمعونته، ويؤيدهم بنصره، ثم أحالهم بقوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ على قدرته النافذة التي لا يشذ عنها في العالمين تأييدًا للوعد وكشفًا لشبهة من عساه يقول: أَنَّى لهذه الشرذمة القليلة العدد، الضعيفة القوى، أن تنتحل لنفسها وصف الملوك العالين وتقف مع الأمم القوية موقف العافين القادرين؟
فجاء الجواب يقول لمثل هذا المشتبه: إن الذي أوقفها هذا الموقف، ومنحها هذا الوصف، هو القادر على أن يهبها من القوة ما تتضاءل دونه جميع القوى، وهو ما يؤيد به سبحانه من يقوم بالحق ويثبت عليه ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ وقد فعل.
ثم بعد الوعد بالنصر والإرشاد إلى الاعتماد فيه على القدرة دلهم على بعض وسائل تحققه وهي الصلاة التي توثق عروة الإيمان وتعلي الهمة وترفع النفس بمناجاة الله العلي الكبير، وتؤلف بين القلوب بالاجتماع لها، والتعارف في مساجدها، والزكاة التي تصل بين الأغنياء والفقراء فتتكون باتصالهم وحدة الأمة حتى تكون كجسم واحد، فقال ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ﴾ ولم تذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في موضع من الكتاب الحكيم إلا والمقام يقتضي الذكر لبيان فائدة خاصة لهذا الأمر لا يمكن أن تستفاد من ذكرهما في موضع آخر.
وقد تقدم أن إقامة الصلاة ليست عبارة عن أدائها مطلقًا، وإنما هي عبارة عن القيام بحقوقها الروحية في صورتها العملية وذلك بالتوجه إلى الله تعالى ومناجاته والانقطاع إليه عما عداه وإشعار القلب عظمته وكبرياءه فبهذا الشعور ينمو الإيمان وتقوي الثقة بالله، وتتنزه النفس أن تأتي الفواحش والمنكرات، وتستنير البصيرة فتكون أقوى نفاذًا في الحق وأشد بعدًا عن الأهواء، فنفوس المصلين جديرة بالنصر لما تعطيها الصلاة من القوة المعنوية ومن الثقة بقدرة الله تعالى، فإذا كان قوله تعالى بعد الوعد بالنصر ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ دليلًا أيد به الوعد فقوله ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ هداية إلى طريق الاقتناع التام بهذا الدليل حتى يكون وجدانًا للنفس لا تزلزله الشبهات، ولا تؤثر فيه المشاغبات والمجادلات.
وقد مضت سنة القرآن بقرن الزكاة بالصلاة لأن الصلاة لإصلاح نفوس الأفراد، والزكاة لإصلاح شؤون الاجتماع.
ثم إن فيها من معنى العباد ما في الصلاة فإن المال -كما يقولون- شقيق الروح فمن جاد به ابتغاء مرضاة الله تعالى كان بذله مزيدًا في إيمانه فهي إصلاح روحي أيضًا.
وبعد أن أمر الصلاة والزكاة في سياق كشف شبهة من يشتبه من ضعفاء الإيمان في نصر الله المؤمنين، وجعل السلطان لهم على الكافرين، وبيان أن إقامة هذين الركنين من وسائل النصر والسلطان في الدنيا بَيّنَ لهم أنها من أسباب السعادة في الآخرة فقال ﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ ولكن البيان جاء في صورة عامة وهذا من الأسباب التي لا نكاد نجد لها في غير القرآن نظيرًا.
ينتقل من بيان حكم إلى آخر فيكون الثاني قائمًا بنفسه وشاملًا للأول بعمومه وتكون صلة العموم والخصوص هي الرابط في النظم.
وقوله تعالى ﴿ تَجِدُوهُ ﴾ هو كقوله ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ وقالوا إن المراد بأنه يرى ويجد جزاءه، ولكن لما كان الجزاء مبنيًا على أثر العمل في نفس العامل وارتقائها به كان الجزاء بمثابة العمل نفسه، ووصل الوعد بالجزاء على العمل بما يبعث المؤمن على الإحسان فيه ويدل على تحققه فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ فلا يخفى عليه منه شيء فتخافوا أن ينقصكم من أجوركم شيئًا.
هذه الآيات هي آخر ما أدب الله تعالى به المؤمنين في هذا المقام على ما يخامر البعض منهم وما يعن له من الشبه في مستقبل الإسلام وتأييده تعالى لنبيه وإعزازه لحزبه، وكان أولها قوله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا ﴾ وكان منشأ تلك الخواطر هو ما يرونه في التنزيل المرة بعد المرة وما يشاهدونه من عمل النبي من الجزم بأن الأسباب مقرونة بمسبباتها وأن حوادث الكون جارية على سنن مطردة، وما كان هذا الفريق من المؤمنين يعلم قبل إعلام الله تعالى إياهم بأن الإيمان الصحيح الذي يتوكل صاحبه بعد اتخاذ الأسباب والوسائل على القدرة الإلهية والعناية الغيبية، وعمل الصالحات الذي يصلح النفوس، ويؤلف مع الاعتقاد بين القلوب، هما أكبر أسباب القوة، وأقرب وسائل السيادة والسعادة، وقد جاء هذا الإرشاد والتأديب في سياق الكلام على أهل الكتاب لأن مكرهم السيء كان مثارًا لبعض الخواطر في المسلمين، فالكلام تأديب للمؤمنين ورد على اليهود.
ثم انتقل إلى الكلام على أهل الكتاب عامة وما يلام عليه الفريقان منهم -اليهود والنصارى- فقال: <div class="verse-tafsir"
هذا بيان لحالين آخرين من أحوال أهل الكتاب في غرورهم بدينهم ما كان المسلمون قبل نزول الآيات يعرفونها.
أما الأولى فيما بينه تعالى بقوله ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ وهو عطف على قوله ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ أي قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، وقالت النصارى كذلك في أنفسهم، وهو اختصار بديع غير مخل.
وهذه عقيدة الفريقين إلى اليوم ولا ينافي انسحاب حكمها على الآخرين أن نفرًا من الأولين قالوا ذلك بين يدي النبي كما يروى.
وقد بين لنا تعالى أن هذا القول لا حجة له في كتبهم المنزلة فقال ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ والأماني جمع أمنية وهي ما يتمناه المرء ولا يدركه.
وهذا القول ناطق بأمنية واحدة ولكنها تتضمن أماني متعددة هي لوازم لها كنجاتهم من العذاب وكوقوع أعدائهم فيه وحرمانهم من النعيم، ولهذا ذكر الأماني بالجمع ولم يقل تلك أمنيتهم.
ثم طالبهم تعالى بالبرهان على دعواهم فقرر لنا قاعدة لا توجد في غير القرآن من الكتب السماوية وهي أنه لا يُقْبَل من أحد قول لا دليل عليه، ولا يحكم لأحد بدعوى ينتحلها بغير برهان يؤيدها ذلك أن الأمم التي خوطبت بالكتب السالفة لم تكن مستعدة لاستقلال الفكر ومعرفة الأمور بأدلتها وبراهينها ولذلك اكتفى منهم بتقليد الأنبياء فيما يبلغونهم وإن لم يعرفوا برهانه، فهم مكلفون أن يفعلوا ما يؤمرون سواء عرفوا لماذا أمروا أم لم يعرفوا، ولكن القرآن يخاطب من أنزل عليه بمثل قوله ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ وقد فسروا البصيرة بالحجة الواضحة، ويستدل على قدرة الله وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيته بالآيات الكونية وهي كثيرة جدًا في القرآن، وبالأدلة النظرية والعقلية كقوله ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ وغير ذلك، ويستدل على الأحكام بما يترتب عليها من نفي المضرات والإفضاء إلى المنافع.
علم القرآن أهله أن يطالبوا الناس بالحجة، لأنه أقامهم على سواء المحجة، وجدير بصاحب اليقين أن يطالب خصمه به ويدعوه إليه.
وعلى هذا درج سلف هذه الأمة الصالح، قالوا بالدليل وطالبوا بالدليل ونهوا عن الأخذ بشيء من غير دليل، ثم جاء الخلف الطالح فحكم بالتقليد، وأمر بالتقليد، ونهى عن الاستدلال على غير صحة التقليد، حتى كأن الإسلام خرج عن حده، أو انقلب إلى ضده، وصار الذين يعلمون أن الإسلام امتاز عن سائر الأديان بإبطال التقليد، وبالمطالبة بالبرهان والدليل، وعلم الناس استقلال الفكر، مع المشاورة في الأمر، يطالبون المسلمين بالرجوع إلى الدليل، ويعيبون عليهم الأخذ بقال وقيل، ويا ليته كان الأخذ بقال الله، وقيل فيما يروى عن رسول الله، ولكنه الأخذ بقال فلان وقيل عن علان ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾ .
قال تعالى ردًا عليهم ﴿ بَلَى ﴾ وهي كلمة تذكر في الجواب لإثبات نفي سابق فهي مبطلة لقولهم ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ ﴾ إلخ، أي بلى إنه يدخلها من لم يكون هودًا ولا نصارى لأن رحمة الله ليست خاصة بشعب دون شعب، وإنما هي مبذولة لكل من يطلبها ويعمل لها عملها، وهو ما بينه بقوله ﴿ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ إسلام الوجه لله هو التوجه إليه وحده وتخصيصه بالعبادة دون سواه كما أشار إلى ذلك في قوله ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ وغيرها من الآيات.
وقد عبر هنا عن إسلام القلب وصحة القصد إلى الشيء بإسلام الوجه كما عبر عنه بتوجيه الوجه في قوله تعالى حكاية إبراهيم ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ لأن قاصد الشيء يقبل عليه بوجهه لا يوليه دبره، فلما كان توجيه الوجه إلى شيء له جهة تابعًا لقصده واشتغال القلب به عبر عنه به وجعل التوجه بالوجه إلى جهة مخصوصة "وهي القبلة" بأمر الله مذكرًا بإقبال القلب على الله الذي لا تحدده الجهات، فالإنسان يتضرع ويسجد لله تعالى بوجهه وعلى الوجه يظهر أثر الخشوع.
وظاهر أن المراد من إسلام الوجه لله توحيده بالعبادة والإخلاص له في العمل، بأن لا يجعل العبد بينه وبينه وسطاء يقربونه إليه زلفى، فإنه أقرب إليه من حبل الوريد.
ومن هنا يفهم معنى الإسلام الذي يكون به المرء مسلمًا.
ذكر التوحيد والإيمان الخالص ولم يحمل عليه الوعد بالأجر عند الله تعالى واستحقاق الكرامة في دار المقامة إلا بعد أن قيده بإحسان العمل فقال ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ وتلك سنة القرآن تقرن الإيمان بعمل الصالحات كقوله ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ .
وهذا في معنى الآيات التي نفسرها.
نفى أماني المسلمين كما نفى أماني أهل الكتاب، وجعل أمر سعادة منوطًا بالإيمان والعمل الصالح معًا.
وكقوله ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ﴾ الآية.
ثم بعد أن أثبت للمسلم وجهه إلى الله والمحسن في عمله الأجر عند الله نفى عنه الخوف الذي يرهق الكافرين والمسيئين في هذه الدنيا وفي تلك الدار الآخرة والحزن الذي يصيبهم فقال ﴿ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ولاشك أن المخاوف والأحزان تساور الذين لبسوا إيمانهم بظلم الوثنية وأساءوا أعمالهم بالإعراض عن الهداية الدينية.
ترى أصحاب النزغات الوثنية في خوف دائم مما لا يخيف لأنهم يعتقدون بثبوت السلطة الغيبية القاهرة لكل ما يظهر لهم منه عمل لا يهتدون إلى سببه ولا يعرفون تأويله، يستخذون للدجالين والمشعوذين من حوادث الطبيعة الغريبة، إذا لاح لهم نجم مذنب تخيلوا أنه منذر يهددهم بالهلاك، وإذا أصابتهم مصيبة بما كسبت أيديهم من الفساد توهموا أنها من تصرف بعض العباد، وتراهم في جزع وهلع من حدوث الحوادث، ونزول الكوارث، لا يصبرون في البأساء والضراء، ولا ينفقون في الرخاء والسراء ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾ هذه حال من فقد التوجيه الخالص وحرم من العمل الصالح في هذه الحياة الدنيا ﴿ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ وإنما كان صاحب النزعات الوثنية في خوف مما يستقبله، وحزن مما ينزل به، لأن ما اخترعه له وهمه من السلطة الغيبية لغير الله التي يحكمها في نفسه، ويجعلها حجابًا بينه وبين ربه، لا يمكنه أن يعتمد في الشدائد عليها، ولا يجد عندها غناء إذا هو لجأ إليها، وما هو من سلطتها على يقين، وإنما هو من الظانين أو الواهمين.
وأما ذو التوحيد الخالص فهو يعلم أنه لا فاعل إلا الله تعالى وأنه من رحمته قد هدى الإنسان إلى السنن الحكيمة التي يجري عليها في أفعاله، فإذا أصابه ما يكره بحث في سببه واجتهد في تلافيه من السنة التي سنها الله تعالى لذلك، فإن كان أمرًا لا مرد له سلم أمره فيه إلى الفاعل الحكيم، فلا يحار ولا يضطرب لأن سنده قوي عزيز، والقوة التي يلجأ إليها كبيرة لا يعجزها شيء، فإذا نزل به سبب الحزن أو عرض له مقتضى الخوف لا يكون أثرهما إلا كما يطيف الخاطر بالبال، ولا يلبث أن يعرض له الزوال ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ فكأنه تعالى يقول لأهل الكتاب: لا تغرنكم الأماني ولا يخدعنكم الانتساب الباطل إلى الأنبياء، فهذه هي طريق الجنة، أسلموا وجوهكم لله تسلموا، واعملوا الصالحات تؤجروا، وقد أفرد الضمير في قوله ﴿ فَلَهُ أَجْرُهُ ﴾ مراعاة للفظ (من) وجمعه في قوله ﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ إلخ مراعاة لمعناها.
بعد أن ذكر تزكية كل فريق من أهل الكتاب نفسه وحكمه بحرمان غيره من رحمة الله كيفما كانت حاله ذكر طعن كل فريق منهما بالآخر خاصة فقال ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ ﴾ من الدين حقيقي يعتد به، فالشيء في اللغة هو الموجود المتحقق والاعتقادات الخيالية التي لا تنطبق على موجود في الخارج لا تسمى شيئًا، فكفروا بعيسى وهم يتلون التوراة التي تبشر به وتذكر من العلامات ما ينطبق عليه، ولا تزال اليهود إلى اليوم تدعي أن المسيح المبشر به في التوراة لما يأت وتنتظر ظهوره وإعادته الملك إلى شعب إسرائيل ﴿ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ﴾ من الدين حقيقي يعتد به لإنكارهم المسيح المتمم لشريعتهم، يقول كل فريق منهم ما يقول ﴿ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ﴾ أي يتلو كل منهم كتابه، فكتابه الأولين (التوراة) يبشر برسول منهم ظهر ولم يؤمنوا به فهم مخالفون لكتابهم، وكتاب الآخرين (الإنجيل) يقول بلسان المسيح إنه جاء متممًا لناموس موسى لا ناقضًا له وهم قد نقضوه، فدينهم واحد ترك بعضهم أوله وبعضهم آخره فلم يؤمن به كله أحد منهم، والكتاب الذي يقرأون حجة عليهم.
ثم قال تعالى ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أي نحو ذلك السخف والجزاف ﴿ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ من مشركي العرب وغيرهم من أهل الملل ﴿ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴾ تعصب كل لملته التي جعلها جنسية وزعم أنها هي المنجية لكل من وسم بها، ورضي باسمها ولقبها، والحق وراء جميع المزاعم لا يتقيد بأسماء ولا بألقاب، وإنما هو إيمان خالص وعمل صالح، ولو اهتدى الناس إلى هذا لما تفرقوا في الدين واختلفوا في أصوله ولكنهم تعصبوا وتحزبوا لأهوائهم، فتفرقوا واختلفوا في آرائهم ﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ فإنه هو العليم بما عليه كل فريق من حق وباطل.
ولم يبين لنا تعالى هنا بماذا يحكم.
وقال بعض المفسرين إنه يكذبهم جميعًا ثم يلقيهم في النار، ولكن الذي يدل عليه القرآن أنه يحق الحق ويجعل أهله في النعيم، ويبطل الباطل ويلقي بأهله في الجحيم.
هذا هو معنى الآية ويروى في سبب نزولها أن يهود المدينة تماروا مع وفد نصارى نجران عند النبي فقال كل فريق منهم ما قال في إنكار حقيقة دين الآخر.
ولكن فهم الآية لا يتوقف على هذه الرواية فالآية تحكي لنا اعتقاد كل طائفة بالأخرى سواء قال ذلك من ذكر أو لم يقله.
على أن ما يروى في أسباب النزول من مثل ذلك هو من تاريخ الآيات وما فيها من الوقائع، وما روي في أسباب النزول عندنا غير كاف في ذلك فلا بد لنا من البحث والاطلاع على تاريخ الملل والأمم التي تكلم عنها القرآن لأجل أن نفهمه تمام الفهم ونعرف ما يحكيه عنهم من العقائد والشؤون والأعمال هل كان عامًا فيهم أو كان في طائفة منهم وأسند إلى الأمة لما نبهنا عليه مرارًا من إرادة تكافلها ومؤاخذة الجميع بما يصدر عن بعض الأفراد لأنهم كلفوا إزالة المنكر والتناهي عنه؟
والعبرة في الآية أن أهل الكتاب في تضليل بعضهم بعضًا واعتقاد كل واحد في الآخر أنه ليس على شيء حقيقي من أمر الدين، مع أن كتاب اليهود أصل لكتاب النصارى، وكتاب النصارى متمم لكتاب اليهود، قد صاروا إلى حال من التهافت واتباع الأهواء، لا يعتقد معها بقول أحد منهم في نفسه ولا في غيره، فطعنهم في النبي وإعراضهم عن الإيمان به لا ينهض حجة على كونهم علموا أنه مخالف للحق، بل لا يصلح شبهة على ذلك لأنهم أهل أهواء، وتعصب للمذاهب المبتدعة والآراء، فإذا كانت اليهود كفرت بعيسى وأنكرته وهو منهم وهم ينتظرونه لإعادة مجدهم وتجديد عزهم، وإذا كانت النصارى قد رفضت التوراة وكفرت أهلها وهي حجتهم على دينهم، فكيف يعتد بكفر هؤلاء وهؤلاء بمحمد وهو من شعب غير شعبهم، وقد جاء بشريعة ناسخة لشرائعهم، وهم لا يفهمون من الدين إلا أنه جنسية دنيوية لهم؟
وفي الآية إرشاد إلى بطلان التقليد مؤيد لما في الآية التي تطالب المدعي بالبرهان وإلى النعي على المقلدين المتعصبين لآرائهم، المتبعين لأهوائهم، وإلى التحري في الحكم على الشيء يعتقد الحاكم بطلانه لأنه مخالف لما يعتقده، فلا ينبغي للعاقل أن يحكم على شيء إلا بعد البحث والتحري ومعرفة مكان الخطأ والتنزيل بينه وبين ما عساه يكون معه صوابًا.
ألم تر أن سياق الآيات ناطق بإنكار حكم كل من الفريقين على الآخر من غير بينة ولا برهان، ولا فصل ولا فرقان، مع أن كل واحد منهم على شيء من الحق وشيء من الباطل لأن أصل دينه حق ثم طرأت عليه نزعات الوثنية والبدع وعرض له التحريف والتأويل، فتجريده من كل حق لم يكن إلا تعصبًا للتقاليد من غير بينة ولا تمحيص، وأنَّى للمقلدين بذلك؟
وانظر كيف ألحق التقليد أهل الكتاب الذين كانوا على علم بالدين الإلهي بالمشركين الذين لا يعلمون منه شيئًا، هذا ما فعله التقليد بهم وبمن بعدهم لأنه عدو للعلم في كل زمان وكل مكان.
<div class="verse-tafsir"
الكلام في أهل الكتاب عامة ومن على شاكلتهم، فقوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ﴾ الآية فيه وجوه: (أحدها): أنه يشير إلى حادثة وقعت بعد المسيح بسبعين سنة وهي دخول "تيطس" الروماني بيت المقدس وتخريبها حتى صارت المدينة تلا من التراب، وهدمه هيكل سليمان حتى لم يبق منه إلا بعض الجدر المدعثرة، وإحراقه ما كان عند اليهود من نسخ التوراة، وكان المسيح قد أوعد اليهود بذلك.
وقال بعض المفسرين إن أتباع المسيح هم الذين هيجوا الرومانيين وأغروهم بهذا العمل.
ولا أدري هل يصح هذا الخبر أم لا، فإن قائليه لم يأتوا عليه بأدلة ولا بنقول تاريخية ولكنني أعلم أن المسيحيين على قتلهم وتشتتهم واستخفائهم من اضطهاد اليهود كانوا قد وصلوا إلى "رومية" وكانوا يودون الإيقاع باليهود الذين اضطروهم إلى الخروج من بلادهم انتقامًا منهم وتحقيقًا لوعيد المسيح، وأن الرومانيين -وإن كانوا وثنيين يرون أن اليهود ليسوا على شيء- لم تكن حروبهم دينية وإنما كانوا يحاربون اليهود وغيرهم لشغبهم وفتنهم أو للطمع في بلادهم وذلك لا يقضي بهدم المعبد وإحراق كتب الدين.
فهذه قرائن ترجع أنه كان للمسيحيين يد في إغارة تيطس، ولكن لا يجزم به إلا إذا وجد نقل تاريخي صحيح يؤيد الخبر.
ومن الغريب أن ابن جرير قال في تفسيره إن الآية في اتحاد المسيحيين مع "بختنصر" البابلي على تخريب بيت المقدس مع أن حادثة بختنصر كانت قبل وجود المسيح والمسيحية بست مئة وثلاث وثلاثين سنة.
ولو لم يكن مؤرخًا من أكبر المؤرخين لالتمس له العذر بحمل قوله على حادثة "أردينال" الروماني الذي جاء بعد المسيح بمئة وثلاثين سنة، وبنى مدينة على أطلال أورشليم وزينها وجعل فيها الحمامات، وبنى هيكلًا للمشترى على أطلال هيكل سليمان، وحرم على اليهود دخول هذه المدينة وجعل جزاء من يدخلها القتل، فلذلك كان اليهود يسمونه "بختنصر الثاني" لشدة ما قاسوا من ظلمه واضطهاده.
ولكن هذا لا يصح أن يكون عذرًا للمؤرخ.
(الثاني): ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴾ نزل في منع مشركي العرب النبي وأصحابه من دخول مكة في قصة عمرة الحديبية، وقالوا إن حادثة الرومانيين كانت قد طال عليها الأمد فلا مناسبة لإرادتها بالآية.
واعترض هذا القول بأن مشركي العرب ما سعوا في خراب الكعبة، بل كانوا عمروها في الجاهلية وكانوا يعظمونها ويرونها مناط عزهم ومحل شرفهم وفخرهم..
ويصح أن تكون الآية في الأمرين على التوزيع فالذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه هم مشركو مكة والذين سعوا في خرابها هم مشركو الرومانيين.
ويكون قرن ما عمل المشركون من منع البيت الحرام أن يذكر فيه اسم الله بزيارة النبي وأصحابه بما عمل من قبلهم من مشركي الرومانيين من التخريب من قبيل الإشارة إلى تساوي الفعلين في القبح.
(الثالث): إن الكلام في أهل الكتاب وأن الآية ليست منبئة بأمر وقع، ولكن بأمر سيقع، وهو ما كان بعد ذلك من إغارة الصليبين على بيت المقدس وغيره من بلاد المسلمين وصدهم إياهم عن المسجد الأقصى وتخريبهم كثيرًا من المساجد.
(الرابع): وهو مبني أيضًا على أن الآية منبئة عن أمر سيقع أن المراد بها حادثة القرامطة الذين هدموا الكعبة ومنعوا المسلمين منها وهدموا كثيرًا من المساجد.
كأنه بعد أن ذكر حال أهل الكتاب في طعن اليهود منهم بالنصارى وقولهم فيهم إنهم ليسوا على شيء من الدين وطعن النصارى في اليهود كذلك وبعد قوله في المشركين الذين لا يعلمون الكتاب إنهم قالوا مثل قولهم لم يبق إلا ما سيقع للمسلمين وفي المسلمين فأنبأ الله تعالى بهذه الحادثة من الإخبار بالغيب فوقعت وكانت حادثتهم من أكبر الأحداث في المسلمين فإنهم استولوا على جزء كبير من ممالك الإسلام وهدموا المساجد وعاثوا في الأرض فسادًا ولم يكن في أيام الحروب الصليبية على طولها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة مثلما كان على عهد القرامطة فالآيات على هذا مبينة لأحوال جميع الملل.
وسواء كانت الآية في حادثة واقعة أو منتظرة أم كانت وعيدًا للذين لا يحترمون المعابد على الإطلاق، هي على كل حال ناطقة بوجوب احترام كل معبد يذكر فيه اسم الله تعالى بالصلاة والتسبيح وبتحريم السعي في خراب المعابد، وبالحكم على الذين يصدون الناس عنها ويسعون في خرابها -أي هدمها أو تعطيل شعائرها ومنع عبادة الله فيها- بكونهم أظلم الناس كما يستفاد من استفهام الإنكار، لأن المنع من ذكر الله تعالى وإبطال شعائر المعابد التي تذكر به وتشعر القلوب عظمته انتهاك لحرمة الدين يفضي إلى نسيان الناس الرقيب المهيمن عليهم فيمسون كالهمل وتفشو فيهم المنكرات والفواحش، وانتهاك الحرمات، وهضم الحقوق، وسفك الدماء، وعبادة الله تعالى بذكره والصلاة له تنهى بطبيعتها عن الفحشاء والمنكر، ولا ينافي ذلك ما عساه يطرأ على العبادة أو يوجد في المساجد من الأشياء المبتدعة التي لم يأمر بها الكتاب.
فمن علم بهذه البدع فعليه أن ينكرها ويسعى في إزالتها ولا يجوز له السعي في إزالة المعابد من الأرض لما في ذلك من الفساد الذي أشرنا إليه.
وهذا هو السر في حكم الشريعة الإسلامية باحترام كنائس أهل الكتاب وبيعهم وصوامعهم وعبادهم واحترام معابد الذين لهم شبهة كتاب أيضًا كالمجوس، أما الصابئون فهم من أهل الكتاب.
وأما الوثنيون الخلص الذين اختاروا من دون الله أولياء ويبنون المساجد لذكر غيره والتقرب إلى سواه فهؤلاء لم يتعرض لذكرهم ولم يتوعد من يمنعهم من سخفهم.
ثم قال تعالى في شأن المعتدين على المساجد ﴿ أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ﴾ أي فكيف يدخلونها مفسدين ومخربين، ولا ينبغي للعاقل أن يقدم على أمر إلا بعد النظر فيه والعلم بدرجة نفعه أو ضره.
وما كانت عبادة الله تعالى إلا نافعة وما كان تركها إلا ضارًا.
وما عساه يوجد في عبادات الأمم من الخرافات الضارة فإنما المكروه منه ما فيه مما يبعد عن عبادة الله تعالى ويوقع في إشراك غيره فيها.
على أن العبادة الممزوجة بنزغات الوثنية، أهون من التعطيل القاضي بالجحود المطلق، ولذلك توعد الله تعالى أولئك المعتدين الظالمين بقوله ﴿ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ فأما خزي الدنيا فهو ما يعقبه الظلم من فساد العمران، المفضي إلى الذل والهوان وناهيك بظلم يحل القيود، ويهدم الحدود، ويغري الناس بالفواحش والمنكرات، ويسهل عليهم سبل الشرور والموبقات، وهو ظلم إبطال العبادة من المساجد، والسعي في خراب المعابد، إذا وقع هذا الظلم كان الحاكم الظالم مخذولًا في حكمه، والفاتح الظالم غير أمين في فتحه، وإذا أردت تطبيق ذلك على من نسب إليهم هذا الظلم فانظر ماذا حل بالرومانيين، وماذا كانت عاقبة العرب المشركين، وبماذا انتهى عدوان الصليبيين، وكيف انقرض حزب القرامطة المجرمين، وأما عذاب الآخرة فالله أعلم به ونحن بوعده ووعيده من المؤمنين.
ثم قال تعالى ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾ ذهب المفسر (الجلال) إلى أن المراد بالمشرق والمغرب الأرض كلها لأنهما ناحيتاها وقال في قوله ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ أي أي مكان تستقبلونه في صلاتكم فهناك وجه القبلة التي أمر الله بأن يتوجه إليها.
ووجه هذا الرأي أن من شأن العابد أن يستقبل وجه المعبود ولما كان سبحانه منزهًا عن المادة والجهة استقباله بهذا المعنى مستحيلًا شرع للناس مكانًا مخصوصًا يستقبلونه في عباداتهم إياه وجعل استقبال ذلك المكان كاستقبال وجهه تعالى.
وهذه الآية متصلة بما قبلها وهو قوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ ﴾ إلخ وأكثر المفسرين على خلاف ما قال (الجلال) في تفسير المشرق والمغرب: قالوا إن المراد بهما الجهتان المعلومتان لكل أحد ولذلك خصهما بالذكر فهو كقوله تعالى ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ﴾ وهو يستلزم ما قاله"الجلال"فإن المراد على كل حال: أية جهة استقبلت وتوجهت إليها في صلاتك فأنت متوجه إلى الله تعالى لأن كل الجهات له ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ ﴾ لا يتحدد ولا يحصر فيصح أن يتوجه إليه في كل مكان ﴿ عَلِيمُ ﴾ بالمتوجه إليه أينما كان أي فاعبد الله حيثما كنت، وتوجه إليه أينما حللت، ولا تتقيد بالأمكنة فإن معبودك غير مقيد.
ووجه المناسبة والاتصال بين هذه الآية وما قبلها ظاهر على هذا التفسير فإن فيها إبطال ما كان عليه أهل الملل السابقة من اعتقاد أن العبادة لله تعالى لا يصح أن تكون إلا في الهيكل والمعبد المخصوص، وفي إبطال هذا إزالة ما عساه يتوهم من وعيد من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه من أنه وعيد على إبطال العبادة في المواضع المخصوصة لأنه إبطال لها بالمرة إذ لا تصح إلا في تلك المواضع، فهذه الآية تنفي ذلك التوهم من حيث تثبت لنا قاعدة من أهم قواعد الاعتقاد وهي أن الله تعالى لا تحدده الجهات، ولا تحصره الأمكنة، ولا يتقرب إليه بالبقاع والمعابد، ولا تنحصر عبادته في الهياكل والمساجد، وإنما ذلك الوعيد لانتهاك حرمات الله وإبطال نوع من أنواع عبادته وهو العبادة الاجتماعية التي يجتمع لها الناس في أشرف المعابد على خير الأعمال التي تطهر نفوسهم وتهذب أخلاقهم.
وهذا الضرب من البيان مما امتاز به القرآن على سائر الكلام فإنك لترى فيه فنونًا من الاستدراك والاحتراس قد جاءت في خلال القصص وسياق الأحكام، تقرأ الآية في حكم من الأحكام، أو عظة من المواعظ، أو واقعة تاريخية فيها عبرة من العبر، فتراها مستقلة بالبيان، ولكنها باتصالها بما قبلها قد أزالت وهمًا، أو تممت حكمًا، وكان ينبغي لأهل العربية أن يقتبسوا هذه الضروب من البيان، ويتوسعوا بها في أساليب الكلام، فإن القرآن قد أطلق لهم اللغة من عقالها، وعلمهم من الأساليب الرفيعة ما كانت تستحليه أذواقهم، وتنفعل له قلوبهم، وتهتز له نفوسهم، وتتحرك به أريحتهم، ولكنهم لم يوفقوا لاقتباس هذه الأساليب الجديدة، على أن ملكتهم في حسن البيان، قد ارتقت بعد نزول القرآن.
وسنعطي هذا الموضوع حقه من البيان في موضع تكون مناسبته أقوى من هذه المناسبة.
ثم عاد الكتاب إلى النسق السابق في تعداد مخازي أهل الكتاب والمشركين بعد ما ذكر من وعيد من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ما ذكر وبين أن يعبد في كل مكان فقال ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ﴾ فهذا عطف على قوله تعالى ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ قوله ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ ﴾ إلخ ويصح أن ينسب هذا إلى اليهود والنصارى والذين لا يعلمون جميعًا وإلى فرقة واحدة منهم.
ووجه العموم أن الله تعالى أخبرنا في مواضع من كتابه بأن اليهود قالت: عزير ابن الله: وأن النصارى قالت: المسيح ابن الله: وأن المشركين قالوا: إن الملائكة بنات الله.
ولا فرق في الأحكام التي تسند إلى الأمم بين كونها صدرت من جميع أفراد الأمة أو صدرت من بعضهم فإن مثل هذا الإسناد منبئ بتكافل الأمم كما تقدم غير مرة.
وقد نقل أن كلمة: عزير ابن الله: قالها بعض اليهود لا كلهم، وكذلك اعتقاد كون الملائكة بنات الله لم يكن عامًا في مشركي العرب وإنما عرف عن بعضهم.
ثم رد على مدعي اتخاذ الولد بقوله ﴿ سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾ نزه تعالى نفسه بكلمة ﴿ سُبْحَانَهُ ﴾ التي تفيد التنزيه، مع التعجب مما ينافيه، كأن الذي يعرفه تعالى لا ينبغي أن يصدر عنه مثل هذا القول الذي يشعر بأن له تعالى جنسًا يماثله، فإن قائل ذلك لا يكون على علم بالله تعالى وإنما يكون زاعمًا فيه المزاعم وظانًا فيه الظنون، أي تنزيهًا له أن يكون له ولد كما زعم هؤلاء الجاهلون الظانون بالله غير الحق، فإنه لا جنس له فيكون له ولد منه، وهذا الولد الذي نسبوه إليه تعالى لا بد أن يكون من العالم العلوي وهو السماء أو من العالم السفلي وهو الأرض، ولا يصلح شيء منهما أن يكون متجانسًا له ، لأن جميع ما في السموات والأرض ملك له قانت لعزته وجلاله، أي خاضع لقهره مسخر لمشيئته، فإذا كانوا سواء في كونهم مسخرين له بفطرتهم، منقادين لإرادته بطبيعتهم واستعدادهم، فلا معنى حينئذ لتخصيص واحد منهم بالانتساب إليه وجعله ولدًا مجانسًا له ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ نعم إن له سبحانه أن يختص من شاء بما شاء كما اختص الأنبياء بالوحي، ولكن هذا التخصيص لا يرتقي بالمخلوق إلى مرتبة الخالق، ولا يعرج بالموجود الممكن إلى درجة الوجود الواجب، وإنما يودع سبحانه في فطرة من شاء ما يؤهله لمن شاء منه ﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ ، وليست شبهة الذين اتخذوا بعض البشر آلهة بأمثل من شبهة الذين اتخذوا بعض الكواكب آلهة، إذ التفاوت بين الشمس والقمر أظهر مثلًا من التفاوت بين المسيح وبين سائر الناس الذين عبدوه وقالوا هو ابن الله أو هو الله.
وقد غَلَّب في المِلْكِيَّة ما لا يَعْقِل فقال ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ إلخ لأن المراد بتسخيرها له التسخير الطبيعي الذي لا يشترط فيه الاختيار لا التسخير الشرعي المعبر عنه بالتكليف الذي يفعله الكاسب باختياره.
ويستوي في التسخير الطبيعي العاقل وغيره ولكنه في غير العاقل أظهر، ولما ذكر القنوت له تعالى جمعه بضمير العاقل فغَلِّب فيه العقلاء لأن من شأن القنوت أن يكون من العاقل الذي يشعر بموجبه ويفعله باختياره، وإن كان لغير العاقل قنوت يليق به.
وجملة القول أن الآية ناطقة بأن ما في السموات والأرض ملك لله تعالى ومسخر لإرادته ومشيئته لا فرق بين العاقل وغيره، فقد حكم على الجميع بالملكية وبالقنوت الذي يراد به التسخير وقبول تعلق الإرادة والقدرة، ولكنه عند ذكر الملك عبر عنه بالكلمة التي تستعمل غالبًا في غير العاقل وهي كلمة ﴿ مَا ﴾ لأن المعهود في ذوق اللغة وعرف أهلها أن الملك يتعلق بما لا يعقل، وعند ذكر القنوت عبر عنه بضمير العقلاء لأنه من أعمالهم ومما يعهد منهم ويسند إليهم لغة وعرفًا.
وهذا كما ترى من أدق التعبير وألطفه، وأعلى البيان وأشرفه.
ثم زاد هذين الحكمين بيانًا وتأكيدًا فقال ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قال المفسرون إن البديع بمعنى المبدع فهو مشتق من الرباعي "أبدع"، واستشهدوا ببيت من كلام عمرو بن معدي كرب جاء فيه (سميع) بمعنى مسمع، وقالوا قد تعاقب فعيل ومفعل في حروف كثيرة كحكيم ومحكم وقعيد ومقعد وسخين ومسخن.
وقالوا إن الإبداع هو إيجاد الشيء بصورة مخترعة على غير مثال سبق وهو لا يقتضي سبق المادة، وأما الخلق فمعناه التقدير وهو يقتضي شيئًا موجودًا يقع فيه التقدير.
وإذا كان هو المبدع للسموات والأرض والمخترع لهما والموجد لجميع ما فيهما فكيف يصح أن ينسب إليه شيء منهما على أنه جنس له، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وكان الأصمعي ينكر فعيلًا بمعنى مفعل لأن القياس بناؤه من الثلاثي ويقول إن بديعًا صفة مشبهة بمعنى لا نظير له، وبديع السموات معناه البديعة سمواته وفي هذا الترك ترك للقياس الذي قضى في الصفة المشبهة التي تضاف إلى الفاعل أن تكون متضمنة ضميرًا يعود على الموصوف، والحق أن تحكيم القياس فيما يثبت من كلام العرب تحكيم جائر، فما كان للدخيل في القوم أن يعمد إلى طائفة من كلامهم فيضع لها قانونًا يبطل به كلامًا آخر ثبت عنهم ويعده خارجًا عن لغتهم بعد ثبوت نطقهم به.
فإذا كان كل واحد من الوجهين صحيح المعنى، حكمنا بصحة كل منهما، والأول أظهر، وشواهده المسموعة أكثر.
وأما قوله: ﴿ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ فمعناه أنه إذا أراد إيجاد أمر وإحداثه فإنما يأمره أن يكون موجودًا، فكن ويكون من كان التامة.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا ضرب من التمثيل أي أن تعلق إرادته تعالى بإيجاد الشيء يعقبه وجوده كأمر يصدر فيعقبه الامتثال فليس بعد الإرادة إلا حصول المراد.
وقال بعضهم بل هو قول حقيقي.
وقد وقع هذا الخلاف من أهل السنة وغيرهم، وعجيب وقوعه منهم، فإن عندهم مذهبين في المتشابهات التي يستحيل حملها على ظاهرها وهما مذهب السلف في التفويض، ومذهب الخلف في التأويل، وظاهر أن هذا من المتشابه، والقاعدة في تأويل مثله معروفة ومتفق عليها وهي إرجاع النقلي إلى العقلي لأنه الأصل وههنا يقولون إن الأمر بمعنى تعلق الإرادة وأن معنى ﴿ يَكُونُ ﴾ يوجد.
ذلك شأنه تعالى في الإيجاد والتكوين، وهو أغمض أسرار الألوهية، فمن عرف حقيقته فقد عرف حقيقة المبدع الأول، وذلك ما لا مطمع فيه.
وقد عبر عن هذا السر بهذا التعبير الذي يقربه من الفهم، بما لا يتشعب فيه الوهم، ولا يوجد في الكلام تعبير آخر أليق من هذا التعبير يقول للشيء: ﴿ كُنْ ﴾ فيكون، فالتوالد محال في جانبه تعالى، لأن ما يعهد في حدوث بعض الأشياء وتولدها من بعض فهو لا يعدو طريقتين: الاستعداد القهري الذي لا مجال للاختيار فيه، كحدوث الحرارة من النور وتولد العفونة من الماء يتحد بغيره، والسعي الاختياري كتولد الناس بالازدواج الذي يساقون إليه مع اختياره والقصد إليه.
وإذا كان كل واحد من الأمرين محالًا على الله تعالى، وكان تعالى هو المبدع لجميع الكائنات وهي بأسرها ملكة مسخرة لإرادته، فلا معنى لإضافة الولد إليه، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
<div class="verse-tafsir"
الكلام لا يزال في القرآن، وما كان من أمر الناس في الإيمان به وعد الإيمان، ذكر في الآيات المتقدمة آنفًا من شأن أهل الكتاب ما تبين به أن عدم إيمانهم بالنبي وما جاء به غير قادح فيه، ولا ينهض شبهة عليه، وأن مطاعنهم فيه متهافتة منقوضة بطعنهم في أنفسهم، وتخبطهم في أمر كتبهم، ثم انتقل إلى ذكر شبهة مشركي العرب وبين أنهم جروا فيها على الأصل المعهود من أمثالهم المشركين الذين سبقوهم بالضلال فقال ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ أي الجاهلون بالكتاب والشرائع من مشركي العرب.
وقال (الجلال) إن المراد بالذين لا يعلمون كفار مكة خاصة، ولا دليل على التخصيص، ويرجح العموم كون الآية مدنية ﴿ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ ﴾ كما كلم هذا الرسول مع أنه بشر مثلنا ﴿ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ ﴾ من الآيات التي اقترحناها، يعنون ما حكاه الله تعالى عنهم بمثل قوله ﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴾ الآيات ﴿ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴾ أي مثل هذا القول قال الكفار الذين أرسل إليهم الرسل من قبلهم في معناه وهو أنهم أنكروا على الرسل الاختصاص بالوحي من دونهم واقترحوا عليهم الآيات تعنتًا وعنادًا ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ لأن الطغيان قد ساوى بينهم حتى كأنهم تواصلوا بما يقولون كما قال في سورة الطور ﴿ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ .
ويشبه هذا ما ورد من أن الكفر ملة واحدة، وذلك أن الحق واحد ومخالفته هي الباطل أو الضلال وهو واحد وإن تعددت طرقه واختلفت وجوهه.
وآثار الشيء الواحد الكلي تتشابه فيمن تصدر عنهم وإن اختلفت الجزئيات.
والتشابه هنا إنما هو مكابرة الحق واستبعاد كون واحد من البشر رسولًا يوحى إليه اقتراح الآيات تعنتًا وعنادًا.
ومثال الاختلاف في الجزئيات طلب موسى رؤية الله جهرة، وطلب قوم محمد أن يرقى في السماء أمامهم فيأتي بكتاب يقرأونه.
والطلب الذي مصدره العناد والتعنت لا تفيد إجابته لأن صاحبه لا يقصد به معرفة الحق ولذلك قال تعالى ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ .
والدليل المعقول على هذا أنه ما من نبي إلا وقد جاء بآية أو آيات كونية أو عقلية وكانوا مع ذلك يصفونهم بالسحر ثم يقترحون عليهم الآيات، ولذلك قال تعالى بعد حكاية شبهة هؤلاء الجاهلين ﴿ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ أي إننا لم ندعك يا محمد بغير آية بل بينا الآيات على يديك بيانًا لا يدع للريب طريقًا إلى نفس من يعقلها.
وقد قال ﴿ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ ﴾ ولم يقل أعطيناك الآية للتفرقة والفصل بين آيات القرآن التي هي من علم الله وكلامه يظهر بها الحق بطريق معقول بيِّن لا يشتبه فيه الفهم، ولا يحار فيه الذهن، وبين الآيات الكونية التي هي من صنعه يستخذي لها العقل ويخضع لها لشعوره بأنها من قوة فوق قوته.
وللناس فيما يرونه فوق ما يعقلون طريقان معهودان: منهم من يسنده إلى القوة الغيبية العليا سواء كان له سبب خفي في الواقع أم لا ومنهم من يسنده إلى الأسباب الخفية التي يسمونها السحر، وإن كان فوق قدرة البشر، ولذلك ضلت الأمم في آيات الأنبياء السابقين وليس لأحد أن يضل في آيات القرآن لأنها بينة معقولة ولذلك قال ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ .
نعم إن الآيات العلمية لا يعقلها إلا أهل الاستعداد للعلم اليقين.
ولذلك قال ﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ والذين يوقنون هم الذين خلصت نفوسهم من كل رأي وتقليد وتوجهوا إلى طلب الحق في الأمور الاعتقادية، وأخذوا على أنفسهم العهد أن يطلبوه بدليله وبرهانه، فهم إذا قام عندهم البرهان اعتقدوا وأيقنوا إيقانًا، وإنما يتوقع اليقين من مثلهم لا من قوم يعتقدون الشيء أولًا بلا دليل ولا برهان، ثم يلتمسون له الدليل لأن مقلديهم قالوا بوجوب معرفة الدليل فإذا أصابوه موافقًا لما اعتقدوا رضوا به وإن كان ظنيًا، وإذا نهض لهم مخالفًا لتقاليدهم رفضوه وتعللوا بالتعلات المنتحلة، وهؤلاء هم الجماهير من الناس الذين وصفوا في الأثر بأنهم أتباع كل ناعق: والعبرة في خطاب الشرع بأهل اليقين الذين صفت نفوسهم، ومحصت أفكارهم: فسلموا من علة العناد والمكابرة لا المانعين لشعاع الحق أن ينفذ إلى القول، ولحرارته أن تخترق الصدور إلى القلوب، هؤلاء هم أنصار الحق لأنهم بيقينهم لا يستطيعون المروق منه، ولا السكوت عن الانتصار له، ألم تر أن كبار الصحابة كانوا يراجعون النبي فيما لم يظهر لهم دليله لأنهم طبعوا على معرفة الحق بالدليل.
هؤلاء من الناس الذين تنزل الشرائع لأجلهم، ولولا استعدادهم لها لما شرعت أو لما نجحت، وأما سائر الناس فتبع لهم وعيال عليهم.
ثم قال تعالى ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ ﴾ أي بالشيء الثابت المتحقق الذي لا يضل من يأخذ به ولا تعبث به رياح الأباطيل والأوهام، بل يكون الآخذ به سعيدًا بالطمأنينة واليقين.
الحق في هذا المقام يشمل العلوم الاعتقادية وغيرها فهو يقول: إنا أرسلنا بالعقائد الحقة المطابقة للواقع، والشرائع الصحيحة الموصلة إلى سعادة الدنيا والآخرة ﴿ بَشِيرًا ﴾ لمن يتبع الحق بالسعادتين ﴿ وَنَذِيرًا ﴾ لمن لا يأخذ به بشقاء الدنيا وخزي الآخرة ﴿ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ﴾ أي فلا يضرك تكذيب المكذبين الذين يساقون بجحودهم إلى الجحيم لأنك لم تبعث ملزمًا لهم ولا جبارًا عليهم فيعد عدم إيمانهم تقصيرًا منك تسأل عنه، بل بعثت معلمًا وهاديًا بالبيان والدعوة وحسن الأسوة، لا هاديًا بالفعل ولا ملزمًا بالقوة، ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ .
وفي الآية تسلية للنبي لئلا يضيق صدره كما تدل على ذلك آيات أخرى.
وفي الآية من العبرة إن الأنبياء بعثوا معلمين لا مسيطرين، ولا متصرفين في الأنفس ولا مكرهين، فإذا جاهدوا فإنما يجاهدون دفاعًا عن الحق لا إكراهًا عليه.
وفيها أن الله تعالى لا يطالب الناس بأن يأخذوا عنهم إلا العلم الذي يهديهم إلى معرفة حقوق الله وحقوق العباد.
وفي قراءة نافع ويعقوب ﴿ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ﴾ بالنهي، أي لا تسأل عما سيلاقون من الانتقام فإنه عظيم، فمثل هذا النهي مستعمل في التهويل لا في حقيقته وهو استعمال معروف بين الناس حتى اليوم: وزعم بعض المفسرين أن النهي على حقيقته وأنه خاص بنهي النبي عن السؤال عن أبويه ورووا في ذلك أنه سأل جبريل عن قبريهما فدله عليهما فزارهما ودعا لهما وتمنى ولو يعرف حالهما في الآخرة وقال"ليت شعري ما فعل أبواي" فنزلت الآية في ذلك.
والحديث قال الحافظ العراقي إنه لم يقف عليه، وقال السيوطي لم يرد في ذلك إلا أثر معضل ضعيف الإسناد.
وقد فشا هذا القول ولولا ذلك لم نذكره، وإنما نريد بذكره التنبيه على أن الباطل صار يفشو في المسلمين بضعف العلم والصحيح يهجر وينسى.
ولاشك أن مقام النبي في معرفة أسرار الدين، وحكم الله في الأولين والآخرين، ينافي صدور مثل هذا السؤال عنه، كما أن أسلوب القرآن يأبي أن يكون هو المراد منه.
ثم قال ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ فعاد إلى ذكر أهل الكتاب على ما عهدنا في أساليب القرآن من ضروب الانتقال بالمناسبات الدقيقة.
فالقرآن لم يأت على طريقة المنشئين والمؤلفين الذين يخصون كل طائفة من الكلام بموضوع معين ويسمونها فضلًا أو بابًا، ولكن للقرآن أغراضًا يبرزها بصور مختلفة، فكلما لاحت المناسبة لذكر شيء منها أو الاحتجاج عليه أو الدفاع عنه، جاء به يجذب إليه الأذهان، ويساوق به خطرات القلوب، مع مراعاة التناسق، وحفظ الأسلوب البليغ، لهذا يتكرر فيه المعنى الواحد بعبارات متعددة، ويتجلى الروح الواحد في أشكال متنوعة، فلم يذكر ههنا المشركين إلا لما بينهم وبين أهل الكتاب من التناسب والتقارب في المجاحدة والمعاندة، فكان ذكرهم من متممات الحجة على أهل الكتاب من حيث أدى غرضًا مقصودًا في ذاته.
ولما كان ذكرهم في عرض الكلام كالجملة الاعتراضية كان الرجوع إلى سرد شؤون أهل الكتاب مع النبي رجوعًا إلى أصل الموضوع.
إن من شأن الإنسان أن يتألم من القبيح أشد التألم إذا وقع ممن لا يتوقع منه، فكان النبي يرجو أن يبادر أهل الكتاب إلى الإيمان به، وأن لا يرى منهم المكابرة والمجاحدة والعناد، ولهذا كبر عليه أن رأى من إعراض اليهود والنصارى عن إجابة دعوته، وإسرافهم في مجاحدته، أشد مما رأى من مشركي العرب الذين جاء لمحو دينهم من الأرض، مع موافقته لأهل الكتاب في أصل دينهم ومقصده من توحيد الله تعالى والإخلاص له وتقويم عوج الفطرة الإنسانية الذي طرأ عليها بسبب التقاليد، وترقية المعارف الدينية إلى أعلى ما استعد له الإنسان من الارتقاء العقلي والأدبي، ولذلك كان يخاطبهم بمثل قوله تعالى ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ .
الآية وغيرها من الآيات.
ولقد كان من الصعب لولا إعلام الله تعالى أن تعرف درجة فتك التقليد بعقول أهل الكتاب وإفساد الأهواء لقلوبهم، لذلك سلى الله تعالى نبيه عما كان يجده من عنادهم وإيذائهم بآيات كثيرة عرفه فيها حقيقة حالهم، منها هذه الآية الناطقة بأن كلا من اليهود والنصارى على اتحادهم في أصل الدين قد تعصب لتقاليده واتخذ الدين جنسية لا يرضيه من أحد شيء إلا الدخول فيها وقبول لقبها فقوله تعالى ﴿ حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ مراد به ما هم عليه من التقاليد والأهواء التي غيروا بها وجه الدين الواحد حتى صار بعضهم يحكم بكفر بعض كما تقدم في الآيات السابقة.
ثم أمره تعالى في مقابلة ذلك بقوله ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ﴾ أي أجهر بقول الحق وهو أن الهدى الصحيح هو هدى الله الذي أنزل على أنبيائه دون ما أضافه إليه اليهود والنصارى بآرائهم وأهوائهم ففرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل شيعة تكفر الأخرى وتقول إنها ليست على شيء، أي فإن أردت استرضاءهم، فلن يرضوا عنك إلا أن تتبع أهوائهم، ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ التي أضافوها على كتبهم، وجعلوها أصولًا وفروعًا لدينهم ﴿ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ اليقين، وبالوحي الإلهي المبين، الذي بين ما كان منهم من تحويل القول عن معناه بالـتأويل، وتحريفهم الكلم عن مواضعه، ونسيانهم حظًا مما ذكروا به، ﴿ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ أي فإنك لن تنجح ولن تصل إلى حقك بمجاراتهم على باطلهم، لأن الله لا ينصرك على ذلك إذ لا يرضيه أن يكون اتباع الهوى طريقًا إلى الهدى، والضال لا يرضيه إلا موافقته على ضلاله، ومجاراته على فساده، وإذا لم يكن الله هو الذي يتولى شؤونك وينصرك بمعونته فمن ذا الذي ينصرك ويتولاك من بعده؟.
من تدبر هذا الإنذار الموجه من الله تعالى إلى نبي الرحمة، المؤيد منه بالكرامة والعصمة، علم أن المراد به الوعيد والتشديد على الأمة، على حد "إياك أعني واسمعي يا جارة".
فإن الله تعالى يخاطب الناس كافة في شخص النبي كما جرى عرف التخاطب مع الرؤساء والزعماء فقد يقال لذلك: إذا فَعَلتَ هذا كانت عاقبته كذا: والمراد إذا فَعَلَته دولتك أو أمتك، وقد تقدم غير مرة إسناد عمل بعض الأفراد إلى الأمة كلها ولكن قوله ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ وهو يعلم جل شأنه أنه لا يتبع أهوائهم في حال من الأحوال، وقد عصمه من الزيغ والضلال، وإنما جاء على هذا الأسلوب ليرشد من يأتي بعده ممن يتبع سنته ويأخذ بهديه.
فهو يرشدنا بهذا التهديد العظيم إلى الصدع بالحق والانتصار له وعدم المبالاة بمن يخالفه مهما قوي حزبهم، واشتد أمرهم، وإنه لتهديد ترتعد منه فرائص الذين يخشون ربهم، ولا سيما إذا آنسوا من أنفسهم ضعفًا في الحق كأن تركوا الجهر به أو الدفاع عنه خوفًا من إنكار العامة عليهم، ولغط الناس بهم، فمن عرف الحق وعرف أن الله تعالى وليّ أهله وناصرهم لا يخاف في تأييده لومة لائم، ولا يغترن أحد بمن يسميهم الناس علماء وعارفين في سكوتهم عن الحق، ومجاراتهم لأهل الباطل، فإنهم ليسوا على شيء من العلم الحقيقي، وإن هي إلا كلمات يتلقفونها، وعادات يتقلدونها، لا حجة للأحياء فيها، سوى قولهم إن الميتين درجوا عليها!.
وليس هذا هو العلم الذي جاء به النبي وإنما هو شيء كان يلقب بالعلم عند الضالين من أهل الكتاب والمشركين كذلك، وقد نفى عنه كونه علمًا على الحقيقة بمثل قوله ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾ وبقوله ﴿ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴾ فمن أخذ بقول القائلين، واتبع ما وجد عليه السابقين بدون بينة يعرف بها وجه الحق من ذلك -وكتاب الله بين يديه لا ينظر فيه ولا يرجع إليه- فقد اتبع الهوى بعد الذي جاء من العلم إلى النبي وباء بالخزي في الدنيا وبالنكال في الآخرة، ولم يكن ولن يكون له من الله ولي ولا نصير، اللهم أعنا على الجهر بالحق بعد ما عرفناه، واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا.
<div class="verse-tafsir"
الصلة بين قوله تعالى ﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ﴾ الآية وبين ما قبلها واضحة جلية وهي أن هذه جاءت في موضع الاستدراك على ما سبقها من إيناس النبي والمؤمنين من أهل الكتاب، فقد علمنا أن آية ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى ﴾ قد سلت ما كان يخالج النفوس من الرجاء بإيمان أهل الكتاب كلهم، وهذه الآية تنطق بأن منهم من يرجى إيمانه وهم الذين وصفهم بما هو علة الرجاء ومناط الأمل وهو تلاوة كتابهم، حق تلاوته، وعدم الجمود على الظواهر والتقاليد، والاكتفاء بالأماني والظنون، كأنه يقول: إن كانت نفسك تحدثك بأن أهل الكتاب أقرب إلى الإيمان بما جئت به لأنه يشبه ما عندهم ويصدق أنبياءهم وأصول شرائعهم من حيث يقتلع جذور دين الوثنيين ويمحوه محوًا فيكون الوثنيون أجدر من أهل الكتاب بمعاندتك ومجاحدتك -فأعلم أن هؤلاء قد ألحقوا بدينهم من التقاليد والمخترعات، وألصقوا به من البدع والعادات، ما غرهم في دينهم بغير فهم، وجعلهم يتعصبون له بغير عقل، فكانوا بذلك أبعد عن حقيقة الإيمان من أولئك الذين يعبدون الأوثان، وذلك أنهم اتخذوا الدين جنسية فليس لهم منه إلا الجمود على عادات صارت مميزة للمنتسبين إليه، ولكن لا يزال فيهم نفر يرجى منهم تدبر الشيء والتمييز بين الحق والباطل هم ﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ﴾ وهم ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾ أي يفهمون أسراره ويفقهون حكمة تشريعه، وفائدة التكليف به، لا يتقيدون في ذلك بآراء من سبقهم فيه، ولا بتحريفهم كلمة عن مواضعه، ﴿ أُولَئِكَ ﴾ هم الذين يقدرون ما جئت به من الترقي في الدين، وإقامة قواعده على الأساس المتين، ﴿ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ بعد العلم بأنه الحق الذي يزيل ما بينهم من الخلاف ويهديهم إلى طريق السعادة ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ ﴾ من الرؤساء المعاندين والمقلدين الجاهلين، وهم الأكثرون، ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ لهذه السعادة، المحرومون مما يكون للمؤمنين من المجد والسيادة، سواء كان كفرهم بتحريفه ليوافق مذاهبهم التقليدية، أم بإهماله اكتفاء بقول علمائهم، ويجوز أن يكون الضمير في قوله ﴿ بِهَ ﴾ للهدى الذي ذكر في الآيات السابقة.
عبر عن التدبر والفهم بالتلاوة حق التلاوة ليرشدنا إلى أن ذلك هو المقصود من التلاوة التي يشترك فيها أهل الأهواء والبدع مع أهل العلم والفهم.
والتعبير يشعر بأن أولئك الذين حكم بنفي رضاهم عن النبي نفيًا مؤكدًا لا حظ لهم من الكتاب إلا مجرد التلاوة وتحريك اللسان بالألفاظ، لا يعقلون عقائده، ولا يتدبرون حكمه ومواعظه، ولا يفقهون أحكامه وشرائعه، لأنهم استغنوا عنه بتقليد بعض الرؤساء والاكتفاء بما يقولون، فلا عجب إذا أعرضوا عما جاء به النبي ولا ضرر في إعراضهم.
وأما الآخرون فإنهم لتدبرهم وفهمهم أسرار الدين، وعلمهم بوجوب مطابقتها لمصالح العالمين، يعقلون أن ما جاء به هو الحق الذي يتفق مع مصلحة البشر في ترقية أرواحهم، وفي نظام معايشهم، فيؤمنون به، وإنما ينتفع بإيمان أمثالهم.
وجملة القول أن هذا التعبير أفاد حكمًا جديدًا وإرشادًا عظيمًا وهو أن الذي يتلو الكتاب لمجرد التلاوة مثله كمثل الحمار يحمل أسفارًا فلا حظ له من الإيمان بالكتاب لأنه لا يفهم أسراره، ولا يعرف هداية الله فيه.
وقراءة الألفاظ لا تفيد الهداية وإن كان القارئ يفهم مداولاتها كما يقول المفسر والمعلم لها لأن هذا الفهم من قبيل التصور وما التصور إلا خيال يلوح ويتراءى، ثم يغيب ويتنائ، وإنما الفهم فهم التصديق والإذغان ممن يتدبر الكتاب مستهديًا مسترشدًا ملاحظًا أنه مخاطب به من الله تعالى ليأخذ به فيهتدي ويرشد، والمقلدون محرومون من هذا فلا يخطر لهم ببال أنهم مطالبون بالاهتداء بكتاب الله تعالى وإنما الهداية عندهم محصورة في كلام رؤسائهم الدينيين، ولاسيما إذا كانوا ميتين.
وإذا كنا نعتبر بما قص الله تعالى علينا من خبر أهل الكتاب، كما قال ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ ، فإننا نعرف حكم أهل القرآن عنده تعالى مما ذكره عن أهل التوراة والإنجيل كما نعرفه من مثل قوله ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ وقوله ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ فكل هذه الآيات والعبر لم تحل دون اتباع هذه الأمة سنن من قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع كما أنبئت للتحذير، والقرآن حجة عليها كما ورد في الحديث: "والقرآن حجة لك أو عليك".
ولا شك أن من يتلو ألفاظ القرآن وهو معرض عن هدايته غير معتبر بوعده ووعيده فهو كالمستهزئ بربه.
وإذا سأل سائل عن قول العلماء: إن القرآن يتعبد بتلاوته.فالجواب: نعم، ولكنهم لم يقولوا إنه أنزل لذلك، وكيف يقولون ذلك والله الذي أنزله يقول إنه أنزله ﴿ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ فالقرآن وكذلك السنة يصرحان في مواضع كثيرة بخلاف هذا القول إذا أخذ على إطلاقه وجعل معناه أو من معناه أن الله تعالى يطالب عباده بقراءة القرآن بدون تدبر ولا تذكر.
وقد جاء من الأحاديث ما يصف حال قوم يأتون بعد"يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم"، وقد سماهم شرار الخلق، فهؤلاء الأشرار قد اتخذوا القرآن من الأغاني والمطربات، وإذا طالبت أحدهم بالفهم والتدبر أخذته العزة بالإثم واحتج عليك بكلمة قالها فلان أو حلم رآه فلان، وهكذا انقلب على المسلمين وضع الدين، ثم هم يتعجبون مع ذلك كيف حرموا من وعد الله في قوله ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾ .
أرأيتم، مثلًا، رجلًا يرسل كتابًا آخر فيقرأه المرسل إليه هَذْرَمةً أو يترنم به ولا يلتفت إلى معناه ولا يكلف نفسه إجابة ما طلب فيه ثم يسأل الرسول أو غيره: ماذا قال صاحب الكتاب فيه وماذا يريد منه؟
أيرضى المرسل من المرسل إليه بهذا، أم يراه استهزاءً به؟
فالمثل ظاهر وإن كان الحق لا يقاس على الخلق، فإن الكتاب لا يرسل لأجل ورقة، ولا لأجل نقوشه ولا لأجل أن تكيف الأصوات حروفه وكلمه، ولكن ليعلم مراد المرسل منه ويعمل به.
إن الاستهداء بالقرآن، واجب على كل مكلف في زمان ومكان، فعلى كل قارئ أن يتلو القرآن بالتدبر وأن يطالب نفسه بفهمه والعمل به، ولا شك أن من له معرفة ولو قليلة باللغة العربية فإنه يفهم من القرآن ما يهتدي به، ومن كان أميًا أو عجميًا فإنه ينبغي له أن يسأل القارئين أن يقرؤوا له القرآن ويفهموه معناه، وقد تقدم التنبيه على هذا في مقدمة تفسير سورة الفاتحة.
وأنا أعتقد أنه يجب على كل مسلم أن يقرأ القرآن أو يسمعه كله ولو مرة واحدة في عمره، ومن فوائد ذلك أن يأمن من إنكار شيء منه إذا عرض عليه أو سمعه مع التشكيك فيه.
أقام الله تعالى الحجج الدامغة على أهل الكتاب ثم ناداهم ودعاهم إلى ترك أسباب الغرور المانع من الإيمان فقال ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ وقد سبق التذكير بهذه النعمة في أول المحاجة، ثم أعيد هنا للمناسبة الظاهرة، وهي أنه بعد ما ذكر أن الإعراض عن تدبر الكتاب والتفقه فيه هو كفر به، وذكرهم بأنه لا يليق بم كرمه ربه وفضله على غيره من الشعوب بإيتائه الكتاب أن يكون حظه منه كحظ الحمار يحمل أسفارًا.
فإذا كان ابتدأ العظة والدعوة بذكر هذا التفضيل لتتوجه إليه الأنظار وتصغي إليها الأسماع كما تقدم في تفسير الآية الأولى"٤٧"فلا غرو أن يذكر هذا التفضيل ثانيًا بعد التوبيخ والتقريع، لإزالة ما ربما يحدثه ذلك من الاستياء الذي يتوقع أن يكون من أسباب التنفير عما في الآية التالية، وليس هذا من التكرار الذي يتحاماه البلغاء وإنما هو من إعادة الشيء لإفادة ما لا يستفاد بدونه.
كأن هذه الآية تمهيدًا لما بعدها وهو فذلكة القصة، والمقصود إقامة الحجة.
ذلك قوله تعالى ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ﴾ فلا ينفعكم يوم القيامة أن تعتذروا عن الإعراض عن فهم كتاب الله بأن بعض سلفكم كانوا يفهمونه ويتدبرونه، وأنكم استغنيتم بتدبرهم وفهمهم عن أن تفهموا وتتدبروا، فإنه يوم لا يغني فيه أحد عن أحد شيئًا.
ويؤيد الآية حديث الصحيحين "يا فاطمة يا بنت محمد سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا "إلخ وإذا كان لا يجزي فهم سلفكم عنكم أنكم أعرضتم عن هداية كتابه فلا تنفعكم شفاعتهم أيضًا، كما أنه لا يقبل منكم عدل وفداء تفتدون به وتجعلونه معادلًا لما فرطتم فيه كما قال ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ ﴾ وكانوا يعتقدون بالمكفرات تؤخذ عدلًا عما فرطوا فيه وبشفاعة أنبيائهم فأخبرهم الله تعالى أنه لا يقوم مقام الاهتداء بكتابه شيء آخر، ثم قطع حبل رجائه من كل ناصر ينصرهم فقال ﴿ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ ، أي أنه لا يأتيهم نصر من هاتين الجهتين ولا من غيرهما.
وقد تقدم في تفسير الآيات الأولى ما يغني عن الإطالة هنا وليس في هذه زيادة في المعنى إلا أن التعبير قد اختلف تفننًا، ففي الآية الأولى تقدم ذكر الشفاعة منفية القبول، وتأخر ذكر العدل غير مأخوذ، وفي هذه الآية نفى قبول العدل أولًا ثم نفى نفع الشفاعة ثانيًا.
وكأنه يشير بهذا التفنن إلى أنه لا فرق بين الفداء والشفاعة في الجواز والمنع فمن منع العوض في الآخرة لزمه منع الشفاعة فإن جوزها جوزه.
<div class="verse-tafsir"
كان الكلام من أول السورة إلى هذه الآية بأسلوب واحد في سياق واحد: ذكر حقية الكتاب وكونه من نصوع البرهان بحيث يدفع ريب المرتابين أن يدنو منه أو يتسامى إليه، ثم ذكر أصناف الناس في أمر الإيمان به، وأطال الحجج والمناظرة في خطاب أهل الكتاب خاصة لما تقدم من أنهم كانوا موضع الرجاء في المبادرة إلى الإيمان بالنبي وما جاء به لأنه وافقهم في أصل الدين وصدق أنبياءهم وكتبهم، وذكرهم بما نسوا، وعلمهم ما جهلوا، وأصلح لهم ما حرفوا، وزادهم معرفة بأسرار الدين وحكمته، كما أنهم كانوا في موضع الشبهة عند المشركين، والمنافقين بما كفروا، وفي موضع الحجة عليهم بما آمنوا، قال تعالى في الاحتجاج على المشركين ﴿ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ ؟
وقد جاءت محاجة أهل الكتاب على طريقة الإطناب لما كانوا عليه من جمود القرائح والبعد عن البلاغة كما حكى عنهم أنهم قالوا ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ ومن فساد الإذغان بالتعود على التأويل والتحريف، فكان يبدأ لهم المعنى ويعاد، ويساق إليهم القول بطرق بينة، ويؤكد بضروب من التأكيد، تبعد به عن قبول التأويل والتحويل، وكان مما حجوا به التذكير بحال سلفهم الأنبياء وبحالهم معهم من عصيانهم وإيذائهم بل قتلهم على عهدهم، والغرور بانتظار شفاعتهم والاستغناء بها من بعدهم.
ثم إن الكلام في هذه الآية ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ ﴾ وما بعدها موجه إلى مشركي العرب، ووجه الاتصال بينها وبين ما قبلها أن ذلك كان يتضمن الاحتجاج على أهل الكتاب بسلفهم الصالح، وهذا يتضمن الاحتجاج على مشركي قريش وأمثالهم بسلفهم الصالح، فإنهم ينتسبون إلى إسماعيل وإبراهيم ويفتخرون بأنهما بنيا لهم الكعبة معبدهم الأكبر، وكانوا في عهد التنزيل قد اختلطوا بالأمم المجاورة التي تعرف لهم هذا النسب.
وإنك لترى الكلام هنا جاريًا على طريقة الإيجاز والإشارة لما كان عليه العرب من حدة الفكر وصفاء الأذهان، ودقة الفهم ورقة الوجدان على أن هذه الآيات تصلح حجة على الفريقين، لأن أهل الكتاب كافة يجلون إبراهيم ويعتقدون نبوته، والإسرائيليون منهم ينتسبون إليه، ولكن الخطاب في قصته موجه إلى العرب أولًا وبالذات، فتلك حجج القرآن على أهل الكتاب الذي جاء لإصلاح دينهم وترقيتهم فيه ودين الله واحد في جوهره، وهذه حججه على أهل الشرك والوثنية الخالصة التي جاء لمحوها من الأرض وإثبات نقيضها وهو التوحيد والتنزيه وإثبات البعث والنشور، وقد أقام الحجج على هذين الأصلين من الطرق العقلية والكونية في مواضع كثيرة ولا سيما في السور المكية.
قال تبارك اسمه ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ أقول أشهر الأقوال وأظهرها في متعلق ﴿ إِذ ﴾ هنا قولان: أنه مقدر معلوم من السياق ومن أمثاله وهو "اذكر" وإذا جعل الخطاب للرسول أي "واذكر" لأهل الكتاب ولقومك وغيرهم ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّه ﴾ إلخ وإذا جعل الخطاب للمكلفين ﴿ وَاذْكُرُوا ﴾ وتقدم نظيره في خطاب بني إسرائيل.
أنه متعلق ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ والكلمات جمع كلمة وتطلق على اللفظ المفرد وعلى الجمل المفيدة من الكلام.
والمراد منها هنا مضمونها من أمر ونهي، روى عكرمة عن ابن عباس قال: لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه كله إلا إبراهيم ابتلاه الله بثلاثين خصلة من خصال الإسلام، واستنبطها ابن عباس بالعدد من أربع سور ليس فيها خطاب له .
جعل التكليف بالكلمات لأنها تدل عليها وتعرف بها عادة ولم يذكر الكلمات ما هي ولا الإتمام كيف كان لأن العرب تفهم المراد بهذا الإبهام والإجمال، وإن المقام مقام إثبات أن الله تعالى عامل إبراهيم معاملة المبتلي أي المختبر له لتظهر حقيقة حاله ويترتب عليها ما هو أثر لها، فظهر بهذا الابتلاء والاختبار فضله بإتمامه ما كلفه الله تعالى إياه وإتيانه به على وجه الكمال.
هذا هو المبادر ولكن المفسرين لم يألوا في تفسير الكلمات والخبط في تعيينها فقال بعضهم إنها مناسك الحج، وقال آخرون إنها خصال الإيمان واستخرجوها من آيات من القرآن، وذهب بعضهم إلى أن الإشارة بالكلمات إلى الكواكب والقمر والشمس التي رآها واستدل بأفولها على وحدانية الله تعالى، وكأن قائل هذا يعتقد أن إبراهيم كان يظن أن هذه الكواكب أرباب، وحاش الله ما كان منه إلا أن قال (هذا ربي) تمهيدًا للحجة والبرهان، ولذلك قال تعالى بعد حكاية ذلك عنه ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾ وذهب قوم إلى أن المراد بها جعل الله إياه إمامًا وتكليفه بإقامة البيت وتطهيره وأن بقية الآية مفسر للإبهام فيها.
وادعى بعضهم أن المراد أمره في المنام بذبح ولده وإنما هذا الأمر كلمة واحدة فكيف جعلوها عشرًا؟
وزعم آخرون أن الكلمات هي الخصال العشر التي تسمى خصال الفطرة وهي قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس وتقليم الأظافر وحلق العانة والختان ونتف الإبط والاستنجاء.
وقيل غير ذلك.
ومن الذين قالوا الخصال العشر المفسر (الجلال)، وهذا من الجراءة الغريبة على القرآن، ولا شك عندي في أن هذا مما أدخله اليهود على المسلمين ليتخذوا دينهم هزوًا، وأي سخافة أشد من سخافة من يقول إن الله تعالى ابتلى نبيًا من أَجَل الأنبياء بمثل هذه الأمور، وأثنى عليه بإتمامها، وجعل ذلك كالتمهيد لجعله إمامًا للناس وأصلًا لشجرة النبوة؟!
وإن هذه الخصال لو كلف بها صبي مميز لسهل عليه إتمامها ولم يُعَد ذلك منه أمرًا عظيمًا؟!
والحق أن مثل هذا يؤخذ كما أخبر الله تعالى به ولا ينبغي تعيين المراد به إلا بنص عن المعصوم.
ذكر تعالى أن إبراهيم أتم الكلمات وأنه تعالى قال له ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ ، وقد فصلت الجملة عما قبلها لأنها جواب عن سؤال مقدر تدل عليه القرينة، ولم يقل: فقال إني جاعلك، للإشعار بأن هذه الإمامة بمحض فضل الله تعالى واصطفائه لا بسبب إتمام الكلمات فإن الإمامة هنا عبارة عن الرسالة وهي لا تنال بكسب الكاسب.
وليس في الكلام دليل على أن الابتلاء كان قبل النبوة.
وأما فائدة الابتلاء فهي تعريف إبراهيم بنفسه وأنه جدير بما اختصه الله به، وتقوية له على القيام بما يوجه إليه، وقد تحققت إمامته للناس بدعوته إياهم إلى التوحيد الخالص - وكانت الوثنية قد عمتهم وأحاطت بهم- فقام على عهده بالحنيفية وهي الإيمان بتوحيد الله والبراءة من الشرك وإثبات الرسالة، وتسلسل ذلك في ذريته خاصة فلم ينقطع منها دين التوحيد، ولذلك وصف الله الإسلام بأنه ملة إبراهيم.
وماذا قال إبراهيم لما بشره الله تعالى بجعله إمامًا للناس ﴿ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ﴾ أي قال واجعل من ذريتي أئمة للناس، وهو إيجاز في الحكاية عنه لا يعهد مثله إلا في القرآن.
وقد جرى إبراهيم على سنة الفطرة في دعائه هذا فإن الإنسان لما يعلم من أن بقاء ولده بقاء له يحب أن تكون ذريته على أحسن حال يكون هو عليها ليكون له حظ من البقاء جسدًا وروحًا.
ومن دعاء إبراهيم الذي حكاه الله عنه في السورة المسماة باسمه ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ﴾ وقد راعى الأدب في طلبه فلم يطلب الإمامة لجميع ذريته بل لبعضها لأنه الممكن وفي هذا مراعاة لسنن الفطرة أيضًا وذلك من شروط الدعاء وآدابه فمن خالف في دعائه سنن الله في خليقته أو في شريعته فهو غير جدير بالإجابة بل هو سيء الأدب مع الله تعالى لأنه يدعوه لأن يبطل لأجله سنته التي لا تتبدل ولا تتحول أو ينسخ شريعته بعد ختم النبوة وإتمام الدين.
وبماذا أجاب الله إبراهيم حين دعاه هذا الدعاء؟
﴿ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ أي أنني أعطيك ما طلبت وسأجعل من ذريتك أئمة للناس ولكن عهدي بالإمامة لا ينال الظالمين لأنهم ليسوا بأهل لأن يقتدي بهم، ففي العبارة من الإيجاز ما يناسب ما قبلها.
وإنما اكتفى في الجواب بذكر المانع من منصب الإمامة مطلقًا وهو الظلم لتنفير ذرية إبراهيم من الظلم وتبغيضه إليهم ليتحاموه وينشئوا أولادهم على كراهته، ويربوهم على التباعد عنه لكيلا يقعوا فيه فيحرموا من هذا المنصب العظيم الذي هو أعلى المناصب وأشرفها، ولتنفير سائر الناس من الظالمين وترغيبهم عن الاقتداء بهم، فإن الناس قد اعتادوا الاقتداء بالرؤساء والملوك الظالمين لأنفسهم ولغيرهم بالخروج عن الشريعة إلا ما يوافق أهواءهم، ويحرفون أو يؤولون الأحكام لتطابق شهواتهم، وقد درجوا على ذلك في كل عصر ما عدا عصر النبوة وما قاربه كعصر خلافة النبوة كما يعلم من شهادة التاريخ التي لا ترد.
والإمامة الصحيحة والأسوة الحسنة هي فيما تكون عليه الأرواح من الصفات الفاضلة والملكات العلمية التي تملك على صاحبها طرق العمل فتسوقه إلى خيرها وتنزعه عن شرها، ولا حظ للظالمين في شيء منها، وإنما هم أصحاب الرسم وأهل الخداع والانخداع بالظاهر، ولذلك يصفون أعمالهم وأحكامهم بالرسمية.
وقد جعل الله إبراهيم إمامًا للناس وذكر لنا في كتابه كثيرًا من صفاته الجليلة كقوله تعالى ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ﴾ الآيات وقوله ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ﴾ ولم يذكر لنا شيئًا من زيه وصفة ثيابه، ولا وصف أنواع طعامه وشرابه، بل أرشدنا إلى أن دعوته الصالحة لا يدخل فيها ولا ينتفع بها أحد من ذريته إلا من اجتنب الظلم لنفسه وللناس.
وقد أخذوا من هذه الآية حكمًا أصوليًا وهو أن الظالم لا يجوز أن يولي منصب الإمامة العظمى، واشترطوا لصحة الخلافة فيما اشترطوا العلم والعدل، ونقل أن أبا حنيفة رحمه الله كان يفتي سرًا بجواز الخروج على المنصور ويساعد عليًا بن الحسن على ما كان ينزع إليه من الخروج عليه.
ولكن الناس لم يرعووا عن الاقتداء بالظالمين حتى بعد هذا التحذير الذي أوحاه الله إلى إبراهيم ثم أعلم به محمدًا عليهما الصلاة والسلام، فإنهم ظلوا على دين ملوكهم، وهم اليوم وقبل اليوم يدعون الاقتداء بالأئمة الأربعة وهم كاذبون في هذه الدعوى فإنهم ليسوا على شيء من سيرتهم في التخلق بأخلاق القرآن، وتحري إتباع الكتاب والسنة في جميع الأعمال.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ﴾ معطوف على ما قبله والمعنى واذكر أيها الرسول -أو أيها الناس- إذ جعلنا البيت الحرام مثابة للناس وأمنا أي ذا أمن، بأن خلقنا بما لنا من القدرة في قلوب الناس من الميل إلى حجه والرحلة إليه المرة بعد المرة من كل فج وصوب ما كان به مثابة لهم، ومن احترامه وتعظيمه وعدم سفك دم فيه ما كان به أمنًا، ولفظ البيت من الأعلام الغالبة على بيت الله تعالى الحرام بمكة كالنجم على الثريا، كان كل عربي يفهم هذا من إطلاق الكلمة.
يذكر الله تعالى العرب بهذه النعمة أو النعم العظيمة وهي جعل البيت الحرام مرجعًا للناس يقصدونه ثم يثوبون إليه، ومأمنًا لهم في تلك البلاد، بلاد المخاوف التي يتخطف الناس فيها من كل جانب، وبدعوة إبراهيم للبيت وأهله المؤمنين، وفي هذا التذكير ما فيه من الفائدة في تقرير دعوة النبي وبيان بنائها على أصول ملة إبراهيم الذي تحترمه قريش وغيرها من العرب.
وقد اختار المثابة على نحو المقصد والمزار لأن لفظ المثابة يتضمن هذا وزيادة، فإنه لا يقال ثاب المرء إلى الشيء إلا إذا كان قصده أولًا ثم رجع إليه.
ولما كان البيت معبدًا وشعارًا عامًا كان الناس الذين يدينون بزيارته والقصد إليه للعبادة يشتاقون الرجوع إليه، فمن سهل عليه أن يثوب إليه فعل، ومن لم يتمكن من الرجوع إليه بجثمانه، رجع إليه بقلبه ووجدانه، وكونه مثابة للناس أمر معروف في الجاهلية والإسلام، وهو يصدق برجوع بعض زائريه إليه، وحنين غيرهم وتمنيهم له عند عجزهم عنه.
وكذلك جعله أمنًا معروف عندهم فقد كان الرجل يرى قاتل أبيه في الحرم فلا يزعجه على ما هو معروف عندهم من حب الانتقام والتفاخر بأخذ الثأر.
قد يقال: ما وجه المنة على العرب عامةً بكون البيت أمنًا للناس، والفائدة فيه إنما هي للجناة والضعفاء الذين لا يقدرون على المدافعة عن أنفسهم؟
والجواب عن هذا: أنه ما من قوي غلا ويوشك أن يضطر في يوم من الأيام إلى مفزع يلجأ إليه لدفع عدو أقوى منه أو لهدنة يصطلح في غضونها مع خصم يرى سلمه خيرًا من حربه، وولاءه أولى من عدائه، فبلاد كلها أخطار ومخاوف لا راحة فيها لأحد.
وقد بيّن الله المنة على العرب إذ جعل لهم مكانًا آمنًا بقوله في سورة العنكبوت ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ .
قال تعالى ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ قرأ نافع وابن عامر ﴿ وَاتَّخِذُوا ﴾ بفتح الخاء على أنه فعل ماضٍ معطوف على جعلنا، والباقون بكسرها على أنه أمر، أي وقلنا اتخذوا أو قائلين اتخذوا من مقام إبراهيم مصلي.
فحذف القول للإيجار، وفائدته أن يستحضر ذهن التالي أو السامع المأمورين حاضرين والأمر يوجه إليهم، فهو تصوير للماضي بصورة الحاضر ليقع في نفوس المخاطبين بالقرآن أن الأمر يتناولهم، وأنه موجه إليهم كما وجه إلى سلفهم في عهد أبيهم إبراهيم، وهم ولده إسماعيل وآل بيته ومن أجاب دعوتهما إلى حج البيت، لا أنه حكاية تاريخية سيقت للفكاهة والتسلية بل شريعة ودين.
وهذا القول أحسن من قول بعضهم: إن ﴿ وَاتَّخِذُوا ﴾ أمر لأمة محمد لأن ذلك القول يقتصر على معنى الأمر وما قلنا يتضمن مع ذلك معنى القراءة بصيغة الماضي الدالة على أن إبراهيم ومن آمن معه قد اتخذوا مقامه مصلى، لأنه أبلغ لما فيه من تحريك شعور الخلف بشرف عمل السلف وبعثهم على الإقتداء بهم.
ومقام اسم مكان من القيام، وقد اختلف المفسرون في مقام إبراهيم فقال بعضهم أنه الحِجْر الذي كان يقوم عليه عند بناء الكعبة قاله ابن عباس وجابر وقتادة وغيرهم ورواه البخاري وعليه مفسرنا (الجلال).
وقال آخرون إنه الحرم كله وهو مروي عن النخعي ومجاهد.
وروي عن ابن عباس وعطاء، أنه مواقف الحج كلها، وقال الشعبي إنه عرفة ومزدلفة والجمار.
واختلفوا أيضًا في تفسير المصلى فقال من فسر المقام بالحجر إنه مكان الصلاة أي صلاتنا المخصوصة وعليه (الجلال) واستدلوا له بحديث جابر عند مسلم قال: إن رسول الله لما فرغ من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ الآية: وذهب الآخرون إلى أن المراد بالمصلى موضع الصلاة بمعناها اللغوي العام وهو الدعاء والتوجه إلى الله تعالى وعبادته مطلقًا.
وهذا هو الأرجح لأن الحِجْر لا يسع الصلاة المخصوصة، ولذلك قال جابر إن النبي صلى خلفه فكيف يتخذ منه محلًا للصلاة؟
أما حديث مسلم المتقدم وحديث أبي نعيم: "هذا مقام إبراهيم" فإنه ليس فيهما ما يدل على أن الحِجْر هو المراد بمقام إبراهيم في الآية دون غيره، وإنما صلاته تدل على أن الصلاة هناك مشروعة.
على أن في سند حديث أبي نعيم مقالًا والخطاب في الأصل للمؤمنين في زمن إبراهيم ولم تكن صلاتنا هذه صلاتهم فحمل المقام على جميع شعائر الحج التي قام فيها إبراهيم والصلاة على معناها اللغوي الذي يشمل صلاة إبراهيم ومن كان معه على عبادته كما يشمل صلاتنا ومناسكنا أظهر.
قال تعالى: ﴿ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾ إلخ عهد إليه بالشيء وصاه به والمراد أن الله كلفهما أن يطهر ذلك المكان الذي نسبه إليه وسماه بيته لأنه جعله معبدًا يعبد فيه العبادة الصحيحة.
ولم يذكر ما يجب أن يطهراه منه ليشمل جميع الرجس الحسي والمعنوي كالشرك وأصنامه واللغو والرفث والتنازع.
وتخصيص الله تعالى ذلك البيت بالنسبة إلى ذاته المنزهة عن صفات الأجسام ليس لخصوصية في موقعه ولا في أحجاره وإنما كان بيتًا لله تعالى سماه بيته وأمر بأن يتوجه إليه المصلون وبأن يعبد فيه عبادة خاصة.
والحكمة في ذلك أن البشر يعجزون عن التوجه إلى موجود غيبي مطلق لا يتقيد بمكان ولا ينحصر في جهة وهم في حاجة إلى التوجه إلى خالقهم وشكره والتوسل إليه والثناء عليه واستمداد رحمته ومعونته لما في ذلك من الفائدة لهم لأنه يعلي مداركهم عن التقيد في دائرة الأسباب المعروفة على ضيقها وعن الاستخذاء لما لا يعرفون له سببًا، ويرفع نفوسهم عن الرضي بالحياة الحيوانية.
فله الحمد والمنة أن عين لهم مكانًا نسبه إليه فسماه بيته رمزًا إلى أن ذاته المقدسة تحضره، فإذا كان الحضور الحقيقي محالًا عليها، فإنها تحضره رحمته الإلهية، ولذلك كان التوجه إليه بمنزلة التوجه إلى تلك الذات العلية، لو وجد العبد إلى ذلك سبيلًا.
ولو كلف الله عباده بعبادته مطلقًا -وقد علمهم بنظر العقل وإرشاد الشرع أنه ليس كمثله شيء- لوقعوا في الحيرة والاضطراب لا يدرون كيف يتوجهون إلى ذات غيبية مطلقة.
ولو اختار بعضهم لنفسه عبادة تليق بهذا التنزيه الذي أرشد إليه الكتاب وصدقه العقل لما اهتدى إليه الآخرون وبذلك يفقد المؤمنون الجامعة التي تجمعهم على أفضل الأعمال التي تؤلف بين قلوبهم، لذلك قلنا إن الله رحمهم إذ جعل لنفسه بيتًا يقصدونه ويثوبون إليه عند الإمكان، ويتوجهون إليه في صلاتهم وإن بَعُدَ المكان، ولا يخشى على المؤمن توهم الحلول في ذات الله بنسبة البيت إليه بعدما ...
سبحانه كل إيهام بقوله ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ يؤيد ما رجحناه من جعل المصلى بالمعنى العام، أي المعبد، فإنه بعد أمر الناس باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، بيّن لنا أن إبراهيم وإسماعيل طهراه بأمره لأداء أنواع من العبادات فيه كالطواف وفي معناه السعي بين الصفا والمروة والعكوف في المسجد والركوع والسجود وهما من أعمال الصلاة.
والركع السجود جمع الراكع والساجد، والآية تدل على أن إبراهيم كان مأمورًا هو ومن آمن بهذه العبادات، ولكن لا دليل فيها على أنهم كانوا يؤدونها على الوجه المشروع عندنا.
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا ﴾ هذه الآية معطوفة على ما قبلها مسوقة لبيان منة أو منن أخرى على أهل الحرم وهي ما تضمنه دعاء إبراهيم من جعل البلد آمنًا في نفسه، وغير ما سبقت به المنة من جعل البيت آمنًا.
وقد فسر الجلال ﴿ آَمِنًا ﴾ بقوله ذا أمن: مع أن المعنى ظاهر وهو أن يكون محفوظًا من الأعداء الذين يقصدونه بالسوء، وهو غير معنى كونه ذا أمن، أي من يكون فيه يكون آمنًا ممن يسطو عليه فيظلمه أو ينتقم منه.
وقد استجاب الله دعاء إبراهيم في ذلك، ومن تعدى على البيت لم يطل زمن تعديه بحيث يقال إنه قد مر زمن طويل لم يكن البيت فيه آمنًا، بل لم ينجح أحد تعدى عليه لذاته، وإنما كان التعدي القصير هو التعدي العارض على بعض من اعتصم فيه.
﴿ وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾ فسر ( الجلال) الرزق من الثمرات بنقل جبريل (الطائف) من حوران في بلاد الشام أو من فلسطين إلى مكانه الآن في أرض الحجاز.
مع أن الكلام في البيت وبلده "مكة" لا في "الطائف".
ورزق أهل هذا البلد الأمين من الثمرات ظاهر معروف بالمشاهدة والاختبار المصدقين لما جاء به الكتاب في سورة القصص بقوله ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ فالثمرات تجبى وتجمع من حيث تكون وتساق إلى مكة، ولا فرق في ذلك بين كونها من "الطائف" أو من الشام أو مصر أو الروم مثلًا، وكونها تجمع من أقطار متفرقة أظهر الآية وأدل على التسخير.
وحديث نقل الطائف لا يصح ولكنهم ألصقوه بكتاب الله وجعلوه تفسيرًا له وهو بريء منه وغير محتاج في صدقة إليه.
وقد خص إبراهيم بدعائه المؤمنين كما هو اللائق به، ولكن الله واسع الرحمة وقد جعل رزق الدنيا عامًا للمؤمن والكافر ﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ ولكن تمتيع الكافر محدود بهذا العمر القصير، ومصيره في الآخرة إلى شر مصير، وذلك جواب الله تعالى لإبراهيم قال ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ أي وأرزق من كفر أيضًا فأمتعه بهذا الرزق قليلًا وهو مدة وجوده في الدنيا ثم أسوقه إلى عذاب النار سوقًا اضطراريًا لا يقصده هو ولا يعلم أن كفره ينتهي به إليه، وذلك أن لجميع أعمال البشر الاختيارية غايات وآثارًا اضطرارية تفضي وتنتهي إليها بطبيعتها بحسب نظام الأسباب المسببات، كما يفضي الإسراف في الشهوات أو التعب أو الراحة إلى بعض الأمراض في الدنيا.
فالكفار والفساق مختارون في كفرهم وفسقهم فعاقبهم عليها إنما هو عقاب على أعمال اختيارية، وهو أن كفرهم بآيات الله سيسوقهم إلى عذاب الله بما أقام الله تعالى عليه الإنسان من السنن الحكيمة، وأساسها أن علم الإنسان وأعماله النفسية والبدنية لها الأثر الذي يفضي به إلى سعادته أو شقائه اضطرارًا، ولما كانت هذه السنة بقضاء الله وتقديره صح أن يقال إن الله قد اضطر الكافر إلى العذاب وألجأه إليه إذ جعل الأرواح المدنسة بالعقائد الفاسدة والأخلاق المذمومة محل سخطه وموضع انتقامه في الآخرة كما جعل أصحاب الأجساد القذرة عرضة للأمراض في الدنيا.
ولما كانت هذه العقائد والمعارف والأخلاق والأعمال كسبية وكان الإنسان متمكنًا من اختيار الحق على الباطل والطيب على الخبيث وقد هداه الله إلى ذلك بما أعطاه من العقل، وما نزله من الوحي، صح أن يقال إنه ظلم نفسه وعرضها للعذاب والشقاء بأعماله التي مبدأها كسبي، وأثرها ضروري.
وفي قوله تعالى ﴿ وَمَنْ كَفَرَ ﴾ إلخ إيجاز بالعطف على محذوف علم منه أنه تعالى استجاب دعاء إبراهيم في المؤمنين فجعل لهم هذا الخير في الدنيا وأعد لهم ما هو أفضل منه في الآخرة.
وهو إيجاز لم يكن يعهد في غير القرآن، جار على الأصل الذي تقدم بيانه في خطاب القرآن للعرب خاصة دون ما كان يخاطب به بني إسرائيل، وإن كان كل ما في القرآن عبرة عامة لجميع المعتبرين.
<div class="verse-tafsir"
ذكر الله تعالى العرب أولًا بنعمته عليهم بهذا ﴿ الْبَيْتَ ﴾ أن جعله مثابة للناس وأمنًا، وبدعاء إبراهيم لبلد البيت واستجابة الله تعالى دعاءه إذ جعله بلدًا آمنًا تجبى إليه الثمرات من البلاد البعيدة فيتمتع أهله بها، وهي نعم يعرفونها لا ينكرها أحد، وانتقل منها إلى التذكير بالنعم المعنوية فذكر عهده إلى إبراهيم وإسماعيل بأن يطهرا بيته للطائفين والعاكفين والركع السجود لينبههم بإضافة البيت إلى نفسه أنه لا يليق أن يعبد فيه غيره وبتطهيره لأجل الطواف والاعتكاف والصلاة أنه يجب تنزيهه عن الأصنام والتماثيل وعبادتها الفاسدة وعن سائر الأعمال الذميمة كطواف العريان، وكانوا يفعلونه.
ثم ذكرهم بعد هذا بأن إبراهيم هو الذي بنى هذا البيت بمساعدة ابنه إسماعيل، وذكر لهم من دعائهما هنالك ما يرشدهم إلى العبادة الصحيحة والدين الحق ويجذبهم إلى الاقتداء بذلك السلف الصالح الذين ينتمون إليه ويفاخرون به، فإن قريشًا كانت تنتسب إلى إبراهيم وإسماعيل بحق وتدعي على أنها على ملة إبراهيم، ولذلك كانت ترى أنها أهدى من الفرس والروم.
وسائر العرب تبع لقريش.
قوله تعالى ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ ﴾ ظاهر في أنهما هما اللذان بنيا هذا البيت لعبادة الله تعالى في تلك البلاد الوثنية، ولكن القصاصين ومن تبعهم من المفسرين جاءونا من ذلك بغير ما قصه الله تعالى علينا وتفننوا في رواياتهم عن قدم البيت وعن حج آدم ومن بعده من الأنبياء إليه وعن ارتفاعه إلى السماء في وقت الطوفان ثم نزوله مرة أخرى، وهذه الروايات يناقض أو يعارض بعضها بعضًا فهي فاسدة في تناقضها، وفاسدة في عدم صحة أسانيدها، وفاسدة في مخالفتها لظاهر القرآن ولم يستح بعض الناس من إدخالها في تفسير القرآن وإلصاقها به وهو بريء منها.
ومن ذلك زعمهم أن الكعبة نزلت من السماء في زمن آدم ووصفهم حج آدم إليها وتعارفه بحواء في عرفة بعد أن كانت قد ضلت عنه بعد هبوطهما من الجنة، وحاولوا تأكيد ذلك بتزوير قبر لها في جدة، وزعمهم أنها هبطت مرة أخرى إلى الأرض بعد ارتفاعها بسبب الطوفان وحليت بالحجر الأسود، وأن هذا الحجر كان ياقوتة بيضاء -وقيل زمردة- من يواقيت الجنة أو زمردها وأنها كانت مودعة في باطن جبل أبي قبيس فتمخض الجبل فولدها، وأن الحجر إنما أسود لملامسة النساء الحِيض له وقيل لاستلام المذنبين إياه، وكل هذه الروايات خرافات إسرائيلية بثها زنادقة اليهود في المسلمين ليشوهوا عليهم دينهم وينفروا أهل الكتاب منه.
لو كان أولئك القصاصون يعرفون "الألماس" لقالوا إن الحجر الأسود منه، لأنه أبهج الجواهر منظرًا وأكثرها بهاء، وقد أراد هؤلاء أن يزينوا الدين ويرقشوه برواياتهم هذه ولكنها إذا راقت للبله من العامة فإنها لا تروق لأهل العقل والعلم الذين يعلمون أن الشريف هذا الضرب من الشرف المعنوي هو ما شرفه الله تعالى، فشرف هذا البيت إنما هو بتسمية الله تعالى إياه بيته، وجعله موضعًا لضروب من عبادته لا تكون في غيره كما تقدم، لا بكون أحجاره تفضل سائر الأحجار، ولا بكون موقعه يفضل سائر المواقع، ولا بكونه من السماء، ولا بأنه من عالم الضياء، وكذلك شرف الأنبياء على غيرهم من البشر ليس لمزية في أجسامهم ولا في ملابسهم، وإنما هو لاصطفاء الله تعالى إياهم، وتخصيصهم بالنبوة التي هي أمر معنوي، وقد كان أهل الدنيا أحسن زينة وأكثر نعمة منهم.
ومن مباحث اللفظ في الجملة أن القواعد جمع قاعدة وهي ما يقعد ويقوم عليه البناء من الأساس أو من الساقات، ورفعها إعلاء البناء عليها أو إعلاؤها نفسها على الخلاف و ﴿ مِنَ الْبَيْتِ ﴾ قال (الجلال) إنه متعلق بيرفع.
وهذا إنما يصح إذا أريد بالبيت العرصة أو البقعة التي وقع فيها البناء، والأكثرون على أن ﴿ مِنَ ﴾ للبيان وعليه يكون البيت بمعنى نفس البناء والجدران، وهناك قول ثالث وهو أن ﴿ مِنَ ﴾ للتبعيض بناء على أن البيت مجموع العرصة والبناء.
وفي الكلام نكتة لطيفة وهي أن ذكر القواعد أولًا ينبه الذهن ويحركه إلى طلب معرفة القواعد ما هي وقواعد أي شيء هي؟
فإذا جاء البيان بعد ذلك كان أحسن وقعًا في النفس، وأشد تمكنًا في الذهن، وأما النكتة في تأخير ذكر إسماعيل عن المفعول مع أن الظاهر أن يقال: وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت: في الإلماع إلى كون المأمور من الله ببناء البيت هو إبراهيم وإنما كان إسماعيل مساعدًا له وقد ورد أنه كان يناوله الحجارة.
وقوله تعالى ﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ﴾ إلخ حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل عند البناء وهو أنهما كانا يقون ذلك، حذف القول للإيجار الذي عهد من القرآن في خطاب العرب كما تقدم، وجملة القول بيان لحالهم وقتئذٍ.
وتقبل الله العمل قبله ورضي به ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ ﴾ لأقوالنا ﴿ الْعَلِيمُ ﴾ بأعمالنا وبنيتنا فيها.
﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ المُسْلم والمسلِّم والمُسْتَسْلِم واحد، وهو المنقاد الخاضع، والمراد بالكلمة ما يشمل التوحيد والإخلاص لله تعالى في الاعتقاد والعمل جميعًا.
ومعنى الأول-أي الإخلاص في الاعتقاد- أن لا يتوجه المسلم بقلبه إلا إلى الله ولا يستعين بأحد فيما وراء الأسباب الظاهرة إلا بالله، ومعنى الثاني أن يقصد بعمله مرضاة الله تعالى لا اتباع الهوى وإرضاء الشهوة، وإنما يرضيه تعالى منا أن نزكي نفوسنا بمكارم الأخلاق، ونرقي عقولنا بالاعتقاد الصحيح المؤيد بالبرهان، فبذلك نكون محل عنايته تعالى ومستودع معرفته وموضع كرامته، ومن يقصد بأعماله إرضاء شهوته واتباع هواه لا يزيد نفسه إلا خبثًا، وبذلك يكون بعيدًا عن الإسلام ويصدق عليه قوله تعالى ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ﴾ .
وقد يقال: إن الإنسان يندفع لمعظم الأعمال بسائق طلب المنفعة واللذة، وهو سائق فطري، فكيف ينافيه الإسلام وهو دين الفطرة؟.
ومثاله طلب الغذاء لقوام الجسم يسوق إليه التلذذ بالطعام، ومثل ذلك طلب اللذات العقلية والأدبية فكيف يمكن أن يكون ما يطلب للذة خالصًا لله وحده؟؟
والجواب إن الإسلام قد حل هذه المسألة حلًا لا يجده الإنسان في ديانة أخرى، ذلك أن لم يحرم علينا إلا ما هو ضار بنا، ولم يوجب علينا إلا ما هو نافع لنا، وقد أباح لنا ما لا ضرر في فعله ولا في تركه من ضروب الزينة واللذة إذا قصد بها مجرد اللذة، وأما إذا قصد بها مع اللذة غرض صحيح وفعلت بنية صالحة فهي في حكم الطاعات التي يثاب عليها، ومن نية المرء الصالحة في الزينة والطيب أن يسر إخوانه بلقائه، وأن يظهر نعم الله عليه، وأن يتقرب إلى امرأته ويدخل السرور عليها، وإنما الهوى المذموم في الإسلام هو الهوى الباطل كأن يتزين الرجل ويتطيب للمفاخرة والمباهاة أو ليستميل إليه النساء الأجنبيات عنه، وبذلك تكون الزينة مذمومة شرعًا"وإنما الأعمال بالنيات".
دعا هذان النبيان العظيمان لأنفسهما بحقيقة الإسلام ثم دعوا بذلك لذريتهما فقالا ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ أي واجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك كإسلامنا ليستمر الإسلام لك بقوة الأمة وتعاون الجماعة.
وأضافا الذرية إلى ضمير الاثنين للدلالة على أن المراد الذرية التي تنسب إليهما معًا وهي ما يكون من ولد إسماعيل، فاللفظ ظاهر في هذا المعنى، ويرجحه الحال والمحل الذي كانا فيه، وعزم إبراهيم على أن يدع إسماعيل في بلاد العرب داعيًا إلى توحيد الله، وإسلام القلب إليه، ويرجع هو إلى بلاد الشام، وكذلك الدعاء لهذه الذرية بأن يبعث الله فيهم رسولًا منهم كما سيأتي.
وقد استجاب الله تعالى دعاء إبراهيم وولده عليهما السلام، وجعل في ذريتهما أمة الإسلام، وبعث فيها منها خاتم النبيين ، وإلى هذا الدعاء الإشارة بقوله تعالى في سورة الحج ﴿ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ ﴾ وعلم مما تقدم أن المراد بالإسلام معناه الذي شرحناه، فمن قام به هذا المعنى فهو المسلم في عرف القرآن، وليس المراد به اسم في حكم الجامد يطلق على أمة مخصوصة حتى يكون كل من يولد فيها أوي يقبل لقبها مسلمًا ذلك الذي نطق به القرآن، ويكون من الذين تنالهم دعوة إبراهيم ، وقد جرى إبراهيم وولده على سنة الفطرة في هذا الدعاء أيضًا فخصاه ببعض الذرية لأنه قد يكون منها من لا يتناول الإسلام.
﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ أي علمنا إياها علمًا يكون كالرؤية البصرية في الجلاء والوضوح، والمناسك جمع منسك بفتح السين في الأفصح من النسك "بضمتين" ومعناه غاية العبادة، وغلب استعمال النسك في عبادة الحج خاصة، والمناسك في معاملته أو أعماله ﴿ وَتُبْ عَلَيْنَا ﴾ أي وفقنا للتوبة لنتوب ونرجع إليك من كل حال أو عمل يشغلنا عنك.
ويدل عليه قوله تعالى ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾ أو المعنى اقبل توبتنا، ومنه الحديث: "ويتوب الله على من تاب"، وتاب "بالمثناة" كثاب "بالمثلثة" ومعناه رجع ويقال: تاب العبد إلى ربه أي رجع إليه لأن اقتراف الذنب إعراض عن الله أي عن طريق دينه وموجبات رضوانه، ويقال: تاب الله على العبد: لأن التوبة من الله تتضمن معنى الرحمة والعطف كأن الرحمة الإلهية تنحرف عن المذنب باقترافه أسباب العقوبة فإذا تاب عادت إليه، وعطف ربه عليه، والتوبة تختلف باختلاف درجات الناس فعبدك يتوب إليك من ترك ما أمرته بفعله، أو فعل ما أمرته بتركه، وصديقك يتوب إليك ويعتذر إذا هو قصر في عمل لك فيه فائدة عما في إمكانه واستطاعته، وولدك يتوب إذا قصر في أدب من الآداب التي ترشده إليها ليكون في نفسه عزيزًا كريمًا.
وكذلك تختلف توبات التائبين إلى الله تعالى باختلاف درجاتهم في معرفته، وفهم أسرار شريعته، فعامة المؤمنين لا يعرفون من موجبات سخط الله تعالى وأسباب عقوبته إلا المعاصي التي شددت الشريعة في النهي عنها، وإذا تابوا من عمل سيء فإنما يتوبون منها وخواص المؤمنين يعرفون أن لكل عمل سيء لوثة في النفس تبعد بها عن الكمال، ولكل عمل صالح أثرًا فيها يقربها من الله وصفاته، فالتقصير في الصالحات يعد عند هؤلاء من الذنوب التي تهبط بالنفس وتبعدها عن الله تعالى، فهي إذا قصرت فيها تتوب، وإذا شمرت لا تأمن النقائص والعيوب، ويختلف اتهام هؤلاء الأبرار لأنفسهم باختلاف معرفتهم بكمال الله ومعنى القرب منه واستحقاق رضوانه ولذلك قال بعض العارفين: حسنات الأبرار سيئات المقربين، ومن هنا نفهم معنى التوبة التي طلبها إبراهيم وإسماعيل، عليهما وعلى آلهما الصلاة والتسليم ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ أي إنك أنت وحدك الكثير التوب على عبادك وإن كثر تحولهم عن سبيلك بتوفيقهم للتوبة وقبول توبتهم منهم أيها الرحيم بالتائبين.
﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ ﴾ أي من أنفسهم، ويتضمن هذا الدعاء لهم بالارتقاء الذي يؤهلهم ويعدهم لظهور النبي منهم.
وقد أجاب الله تعالى هذه الدعوة بخاتم النبيين والمرسلين كما ورد في حديث أحمد: "أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى .."إلخ، ثم وصف هذا الرسول بقوله ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ ﴾ الدالة على وحدانيتك وتنزيهك وعظمة شأنك، والدالة على صدق رسلك إلى خلقك، فالمراد بالآيات الآيات الكونية والعقلية، أو المراد آيات الوحي التي تنزلها عليه فتكون دليلًا على صدقه، ومشتملة على تفصيل آيات الله في خلقه، كبراهين التوحيد والتنويه، ودلائل النبوة والبعث وتلاوتها ذكرها المرة بعد المرة لترسخ في النفس، وتؤثر في القلب.
﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ فسّروا الكتاب بالقرآن والحكمة بالسنة، والثاني غير مسلم على عمومه، أما الأول فله وجه، وعليه يكون المراد بالآيات فيما سبق دلائل العقائد وبراهينها، كما تقدم قيما سبق، دون الوحي وإلا كان مكررًا.
وفيه وجه ثان وهو أن المراد بالكتاب مصدر كتب يقال: كتب كتابًا وكتابة: وإنما الدعاء لأمة أمية لا بد في إصلاحها وتهذيبها من تعليمها الكتابة، وقد كانت الأمم المجاورة لها من أهل الكتاب فلا يتيسر لها اللحاق بها أو سبقها حتى تكون من الكاتبين مثلها.
وأما الحكمة فهي في كل شيء معرفة سره وفائدته والمراد بها أسرار الأحكام الدينية والشرائع ومقاصدها، وقد بيّن النبي ذلك بسيرته في المسلمين، وما فيها من الفقه في الدين، فإن أرادوا من السنة هذا المعنى في تفسير الحكمة فهو مسلم، وهو الذي كان يفهم من اسمها في الصدر الأول، وإن أرادوا بالسنة ما يفسرها به أهل الأصول والمحدثون فلا تصح على إطلاقها فالحكمة مأخوذة من الحَكمَة "بالتحريك" وهي ما أحاط بحنكي الفرس من اللجام وفيها العذاران، وفي ذلك معنى ما يضبط به الشيء، ومن ذلك إحكام الأمر وإتقانه.
وما كل من يروي الأحاديث يحقق له هذا المعنى، ولكن الذي يتفقه في الدين ويفهم أسراره ومقاصده، يصح أن يقال إنه قد أوتي الحكمة التي قال الله فيها ﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ ولن يكون أحد داخلًا في دعوة إبراهيم حتى يقبل تعليم الحكمة من هذا النبي الكريم.
علم إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أن تعليم الكتاب والحكمة لا يكفي في إصلاح الأمم وإسعادها، بل لابد أن يقرن التعليم بالتربية على الفضائل والحمل على الأعمال الصالحة بحسن الأسوة والسياسة فقالا ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ أي يطهر نفوسهم من الأخلاق الذميمة، وينزع منها تلك العادات الرديئة، ويعودها الأعمال الحسنة التي تطبع في النفوس ملكات الخير، ويبغض إليها الأعمال القبيحة التي تغريها بالشر ثم ختما الدعاء بهذا الثناء ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ العزيز هو القوي الغالب على أمره فلا ينال بضيم، ولا يغلب على أمر، والحكيم هو الذي يضع الأشياء أحسن وضع، ويتقن العمل ويحسن الصنع، والسر في ذكر هذين الوصفين هنا إزالة ما ربما يعلق بالذهن، أو يسبق إلى الوهم، من أن هذه الأمور التي دعي بها للعرب منافية لطبائعهم، بعيدة عن أحوالهم ومعايشهم، فإنهم جمدوا على بداوتهم، وألفوا غلظتهم وخشونتهم، فهم أعداء العلم والحكمة، خصماء التهذيب والتربية، لا يخضعون لنظام ولا يؤخذون بالأحكام، ولا استعداد فيهم للمدينة والحضارة، التي هي أثر تعليم الكتاب والحكمة وتزكية أفراد الأمة، فكان يتوقع أن يقول قائل: من يقدر أن يغير طباع هذه الأمة المعروفة بالخشونة والقسوة، فيجعلها من أهل العلم والمدنية والحكمة؟
لولا أن علم أن المدعو المسؤول هو العزيز لا مرد لأمره، والحكيم الذي لا معقب لحكمته.
<div class="verse-tafsir"
الكلام في هذه الآيات متصل بما سبقه من ابتداء قوله ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ﴾ فقد ذكر أنه تعالى ابتلى إبراهيم بكلمات فأتمهن وأنه جعله إمامًا للناس وجعل من ذريته أئمة وأنه عهد إليه ببناء بيته وتطهيره لعبادته ففعل، وكان يومئذٍ يدعو بما علم منه ما هي ملته، وإن هي إلا توحيد الله وإسلام القلب إليه والإخلاص له بالأعمال، وتعظيم البيت بتطهيره وإقامة المناسك فيه عن بصيرة بأسرارها تجعل المعنى المتصور كالمحسوس المبصر.
ثم قال بعد هذا ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ أي امتهنها واستخف بها.
كأنه تعالى يقول: هذه هي ملة أبيكم إبراهيم الذي تنسبون إليه وتفخرون به، فكيف ترغبون عنها وتنتحلون لأنفسكم أولياء لا يملكون نفعًا ولا ضرًا ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا لا بالذات ولا بالوساطة.
قال ﴿ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ﴾ بهذه الملة فجعلناه إمامًا للناس وجعلنا في ذريته الكتاب والنبوة ﴿ وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ لجوار الله بعمله بهذه الملة ودعوته إليها وإرشاده الناس بها.
فملة جعلت لإبراهيم هذه المكانة عند الله تعالى في الدنيا والآخرة لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه، وجنى على إدراك عقله، فاستحب العمى على الهدى، وإن خسر الآخرة والأولى.
ومن مباحث اللفظ في الآية قول الجلال في تفسير آية ﴿ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ أي جهل أنها مخلوقة لله.
ولم يقل بهذا أحد من المفسرين الذين يعتد بهم، والسياق لا يقتضيه، وسفه يستعمل لازمًا ومتعديًا ومعنى المعتدي استخف وامتهن وأخره "الجلال" وهو الراجح.
وفي الكشاف أن "نفسه" تمييز لفاعل "سفه" ولا يمنع من ذلك الإضافة إلى الضمير لأنه تعريف لفظي والمعنى أنه لا يرغب عن ذلك إلا من سفهت نفسه أي حمقت.
وقدم هذا القول كأنه رجحه على ما قبله.
﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ﴾ أي اصطفاه إذ دعاه إلى الإسلام بما أراه من آياته، ونصب له من بيناته، فأجاب الدعوة و ﴿ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ و"الجلال" قدر كلمة "اذكر" متعلقًا للظرف "إذا" كما هي عادته في مثله وإن وجد في الكلام ما يتعلق به كقوله هنا ﴿ اصْطَفَيْنَاهُ ﴾ وقد نشأ إبراهيم في قوم يعبدون الكواكب ويتخذون الأصنام، فأراه الله حجته، وأنار بصيرته فنفذت أشعتها من العالم الشمسي، وأدركت أن لجميع العالمين ربًا واحدًا منفردًا بالخلق والتدبير، وحاجه قومه فبهرهم ببرهانه، وأفحمهم ببيانه، وقد قص الله تعالى خبره معهم في سورة الأنعام وسيأتي تفسير الآيات إن شاء الله تعالى.
﴿ وَوَصَّى بِهَا ﴾ أي بالملة أو الخصلة التي ذكرت أخيرًا ﴿ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ﴾ بنيه أيضًا إذ قال كل منهما لولده ﴿ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ ﴾ أي اختاره لكم بهدايتكم إليه وجعل الوحي فيكم ﴿ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ أي فحافظوا على الإسلام لله والإخلاص في الانقياد إليه بحيث لا تتركون ذلك لحظة واحدة لئلا تموتوا فيها فتموتوا غير مسلمين، فإن الإنسان لا يضمن حياته بين الشهيق والزفير.
ويتضمن هذا النهي إرشاد من كان منحرفًا عن الإسلام إلى عدم اليأس، وأن يبادر بالرجوع إليه والاعتصام بحبله لئلا يموت على غيره.
وفي هذه الآية انتقال إلى إشراك أهل الكتاب وغيرهم من العالمين مع العرب في التذكير والإرشاد إلى الإسلام ولذلك ذكرت وصية يعقوب، واختلف الأسلوب، فقد كان جاريًا على طريقة الإيجاز، فانتقل إلى طريقة الإطناب والإلحاح، لما تقدم الإلماع إليه من مراعاة "الأولى" في خطاب العرب و"الثانية" في خطاب أهل الكتاب، الذين لا يكتفون بالإشارة والعبارة المختصرة لجمود أذهانهم واعتيادهم على التأويل والتحريف.
وفصل بين العاطف والمعطوف بالمفعول ولم يقل: ووصى بها إبراهيم ويعقوب بنيهما، لئلا يتوهم أن الوصية كانت منهما في وقت واحد أو أنها خاصة بأبنائها معًا وهم أولاد يعقوب على نحو ما تقدم في تفسير ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ .
ذكر ملة إبراهيم وحُكْم الراغب عنها ووصيته بنيه بها ووصية حفيده يعقوب بنيه أيضًا، وذلك يشعر بأن بني إبراهيم كانوا يوصون بما أوصاهم أبوهم، فإن يعقوب أخذ الوصية عن أبيه إسحاق.
وذلك من ضروب الإيجاز الدقيقة.
ثم أراد أن يقرر أمر هذه الوصية ويؤكدها ويقيم الحجة بها على أهل الكتاب فقال ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﴾ عرفوا الإله بالإضافة إلى آبائه لأنهم هم الذين انفردوا بعبادة رب العالمين خالق السموات والأرض وحده، ودعوا الأمم إلى ذلك في وقت فشت فيه عبادة آلهة كثيرين من الكواكب والأصنام والحيوانات وغيرها، ولذلك قال سحرة موسى عندما آمنوا ﴿ آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ﴾ وإسماعيل عم يعقوب ذكر مع آبائه للتغليب أو لتشبيه العم بالأب كما في حديث "عم الرجل صنو أبيه".
والجمع بين الحقيقة والمجاز جائز يكثر في القرآن وفاقًا للشافعي وابن جرير الطبري وخلافًا لجمهور الأصوليين ﴿ إِلَهًا وَاحِدًا ﴾ أي نعبده حال كونه إلهًا واحدًا، أو نخص بالعبادة إلهًا واحدًا لا نشرك معه أحدًا بدعاء ولا توجه في قضاء حاجة ولا غير ذلك من العبادات ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ أي والحال أننا نحن منقادون مذعنون مستسلمون له وحده دون غيره كما يدل عليه تقديم الظرف "له".
خلاصة هذه الوصية عقيدة الوحدانية في العبادة وإسلام القلب لله تعالى والإخلاص له.
وتكرار لفظ ﴿ الإِسْلامُ ﴾ في هذه الآيات يراد به تقرير حقيقة الدين، ذلك أن العرب كانت تدعي لها دينًا خاصًا بها وأنه الحق، وإن اختلفت فيه القبائل والشعوب، ومنهم من كان ينتمي إلى إبراهيم، على وثنيتهم، وكذلك اليهود والنصارى كل يدعي دينًا خاصًا به وأنه الحق، فبينت هذه الآيات أن هذه الدعاوى من التعصب للتقاليد وأن دين الله تعالى واحد في حقيقته، وروحه التوحيد والاستسلام لله تعالى والخضوع والإذعان لهداية الأنبياء، وبهذا كان يوصي أولئك النبيون أبناءهم وأممهم.
فتبين أن دين الله تعالى واحد في كل أمة وعلى لسان كل نبي، ولذلك قال في آية أخرى ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ فالتفرق في الدين ما جاء إلا من الجهل والتعصب للأهواء، والمحافظة على الحظوظ والمنافع المتبادلة بين المرؤوسين والرؤساء، فالقرآن يطالب الجميع بالاتفاق في الدين والاجتماع على أصليه العقلي وهو التوحيد والبراءة من الشرك بأنواعه، والقلبي وهو الإسلام والإخلاص لله في جميع الأعمال.
وعلم من هذا أن لفظ الإسلام والمسلمين في كلام إبراهيم وإسماعيل ويعقوب يراد به معناه الذي تقدم، فمن لم يكن متحققًا بهذا المعنى فليس بمسلم، أي ليس على دين الله القيم الذي كان عليه جميع أنبياء الله.
وأما لفظ الإسلام في عرفنا اليوم فهو لقب يطلق على طوائف من الناس لهم مميزات دينية وعادية تميزهم عن سائر طوائف الناس الذين يلقبون بألقاب دينية أخرى.
ولا يشترط في إطلاق هذا اللقب العرفي عند أهله أن يكون المسلم خاضعًا مستسلمًا لدين الله مخلصًا له أعماله، بل يطلقونه أيضًا على من ابتدع فيه ما ليس منه أو ما ينافيه، ومن فسق عنه واتخذ إلهه هواه.
ومعنى الإسلام الذي دعا إليه القرآن تقوم به الحجة على المشركين، ويعترف به اليهود والنصارى لأنه روح كل دين، وهو الذي دعا إليه النبي ، والدعوة إلى اللقب لا معنى لها.
وبهذا يظهر خطأ من خصص الرغبة عن ملة إبراهيم بالميل إلى اليهودية أو النصرانية.
ومن مباحث اللفظ في الآية أن ﴿ أَمْ ﴾ تستعمل في الاستفهام إذا كان مبنيًا على كلام سابق كما هنا لما فيها من الإشعار بالانتقال، ففيها معنى الإضراب.
﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .جاءت هذه الآية الكريمة بعد الكلام عن وصية إبراهيم لبنيه وإسماعيل وإسحاق ويعقوب لبنيهم استدراكًا على ما عساه يقع في أذهان ذراري هؤلاء الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام من أن هذا السلف الذي له عند الله هذه المكانة يشفع لهم فينجون ويسعدون يوم القيامة بمجرد الانتساب إليهم.
فبين الله في هذه الآيات أن سنته في عباده أن لا يجزي أحد إلا بكسبه وعمله، ولا يسأل إلا عن كسبه وعمله.
وقد بيّن في سورة النجم أن هذه القضية من أصول الدين العامة التي جاء بها الأنبياء من قبل ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ إلخ، وبيّن في آيات متعددة، في سور متفرقة أن المرسلين لم يرسلوا إلا مبشرين ومنذرين، فمن آمن بهم وعمل بما يرشدون إليه كان ناجيًا وإن بعد عنهم في النسب، ومن أعرض عن هديهم كان هالكًا وإن أدلى إليهم بأقرب سبب، ﴿ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ وإذا لم تنتفع بهم ذرياتهم الذين لم يقتدوا بهم فكيف ينتفع بهم أولئك البعداء الذين ليس بينهم وبينهم صلة إلا الأقوال الكاذبة التي يعبر عنها أهل هذا العصر "بالمحسوبية" ويقولون في مخاطبة أصحاب القبور عند الاستغاثة بهم: "المحسوب كالمنسوب" وما أحسن قول الإمام الغزالي: "إذا كان الجائع يشبع إذا أكل والده دونه، والظمآن يروى بشرب والده وإن لم يشرب، فالعاصي ينجو بصلاح والده "والآيات التي تؤيد هذه الآية كثيرة جدًا فهي أصل من أصول الدين الإلهي لا يفيد معها تأويل المغرورين، ولا غرور الجاهلين.
<div class="verse-tafsir"
بيّن في الآيات السابقة حقيقة ملة إبراهيم في سياق دعوة العرب إلى الإسلام ثم أشرك معهم أهل الكتاب لأنهم أقرب إلى الإيمان بإبراهيم وأجدر بإجلاله واتباعه، وانتقل الكلام بهذه المناسبة إلى بيان وحدة الدين الإلهي واتفاق النبيين في جوهره وبيان جهل أهل الكتاب بهذه الوحدة وقصر نظرهم على ما يمتاز به كل دين من الفروع والجزئيات أو التقاليد التي أضافوها على التوراة والإنجيل فبعد بها كل فريق من الآخر أشد البعد، وصار الدين الواحد كفرًا وإيمانًا، كل فريق من أهله يحتكر الإيمان لنفسه ويرمي الآخر بالكفر والإلحاد، وإن كان نبيهم واحدًا وكتابهم واحدًا.
فقوله تعالى ﴿ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ﴾ بيان لعقيدة الفريقين في التفرق في الدين والضمير في ﴿ وَقَالُوا ﴾ لأهل الكتاب و ﴿ أَوْ ﴾ للتوزيع أو التنويع أي أن اليهود يدعون إلى اليهودية التي هم عليها ويحصرون الهداية فيها والنصارى يدعون إلى النصرانية التي هم عليها ويحصرون الهداية فيها -وهذا الأسلوب معهود في اللغة- ولو صدق أي واحد منهما لما كان إبراهيم مهتديًا لأنه لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا، وكيف وهم متفقون على كونه إمام الهدى والمهتدين، لذلك قال تعالى ملقنًا لنبيه البرهان الأقوى في محاجتهم ﴿ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾ أي بل نتبع أو اتبعوا ملة إبراهيم الذي لا نزاع في هداه ولا في هديه فهي الملة الحنيفية القائمة على الجادة بلا انحراف ولا زيغ، العريقة في التوحيد والإخلاص بلا وثنية ولا شرك.
والحنيف في اللغة المائل وإنما أطلق على إبراهيم لأن الناس في عصره كانوا على طريقة واحدة وهي الكفر فخالفهم كلهم وتنكب طريقتهم، ولت يسمى المائل حنيفًا إلا إذا كان الميل عن الجادة المعبدة وفي الأساس: من مال عن كل دين أعوج ويطلق على المستقيم وبه فسر الكلمة بعضهم وأورد له شاهدًا من اللغة وهو أقرب.
ومن التأويلات البعيدة ما روي من تفسير الحنيف بالحاج ووجه القول به أنه مما حفظ من دين إبراهيم.
قال بعض المشتغلين بالعربية من الإفرنج إن الحنيفية هي ما كان عليه العرب من الشر واحتجوا على ذلك بقول بعض النصارى في زمن الجاهلية: "إن فعلت هذا أكون حنيفيًا".
وإنها لفلسفة جاءت من الجهل باللغة.
وقد ناظرت بعض الإفرنج في هذا فلم يجد ما يحتج به إلا عبارة ذلك النصراني، وهو الآن يجمع كل ما نقل عن العرب من هذه المادة لينظر كيف كانوا يستعملونها، ولا دليل في كلمة النصراني العربي على أن الكلمة تدل لغة على الشرك وإنما مراده بكلمته البراءة من دين العرب مطلقًا.
ذلك أن بعض العرب كانوا يسمون أنفسهم الحنفاء وينتسبون إلى إبراهيم ويزعمون أنهم على دينه، وكان الناس يسمونهم الحنفاء أيضًا والسبب في التسمية والدعوى أن سلفهم كانوا على ملة إبراهيم حقيقة ثم طرأت عليهم الوثنية فأخذتهم عن عقيدتهم وأنستهم أحكام ملتهم وأعمالها- نسوا بعضها بالمرة وخرجوا ببعض آخر عن أصله ووصفه كالحج- ونفي الشرك عن إبراهيم في آخر الآية احتراس من وهم الواهمين، وتكذيب لدعوى المدعين.
وقد توهم بعض العلماء أن هذا الجواب ﴿ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ﴾ إلخ جاء على طريقة الإقناع، وليس حجة حقيقية ووجهوه بقولهم إن أهل الكتاب يعاندون الحق ويكابرون في معجزة النبي فأمر الله نبيه بأن يلزمهم بالدلائل الإقناعية التي لا يقدرون على مكابرتها والمراء فيها.
والحق أن هذا الجواب حجة حقيقية وقد أشرنا إلى وجهها الوجيه أول لكلام في تفسير الآية.
وقد تجرأ كثير من العلماء على مثل هذا الكلام في كثير من الآيات التي احتج بها القرآن حتى في إثبات الوحدانية، والسبب في ذلك افتتانهم بالطريقة النظرية التي أخذوها عن كتب اليونان، ولقد اهتدى بحجج القرآن الألوف وألوف الألوف وقلما اهتدى بتلك الأدلة النظرية المحضة أحد من الناس، وإنما تفيد في دفع شبهاتهم التي يوردونها على العقائد ولا فائدة فيها سوى المراء والجدل، وقد محيت في عصرنا تلك الشبهات، ورغب الناس عن هاتيك النظريات، وقام بناء العلم على أسس الوقائع والحوادث والمجريات.
وقال (الجلال) إن الآية نزلت في يهود المدينة ونصارى نجران فهم القائلون ما ذكر.
والتحقيق أن الآية في بيان طبيعة أهل الملتين كما تقدم، وقول يهود المدينة ونصارى نجران ما ذكر-إن صح- لا يقتضي التخصيص، فإنهم ما قالوا إلا ما هو لسان حال ملتهم، وغيرهم يقول مثل قولهم، أو يصدق القائلين باعتقاده وسيرته.
أمر الله النبي بأن يدعو إلى اتباع ملة إبراهيم ثم أمر المؤمنين بمثل ذلك فقال ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ ﴾ أي لا تكن دعوتكم إلى شيء خاص بكم يفصل بينكم وبين سائر أهل الأديان السماوية، بل انظروا إلى جهة الجمع والاتفاق، وادعوا إلى أصل الدين وروحه الذي لا خلاف فيه ولا نزاع، وهو التسليم بنبوة جميع الأنبياء والمرسلين، مع الإسلام لرب العالمين، لا نعبد إلا الله، ولا نفرق بين أحد من رسل الله.
والأسباط أولاد يعقوب والفرق أو الشعوب الاثنا عشر المتشعبة منهم.
قال تعالى: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ﴾ وقد ورد أن أولاد يعقوب كانوا أنبياء ولم يرد أنهم كانوا مرسلين، فالمراد بالأسباط الإطلاق الأول وإلا كان في الكلام تقدير مصاف أي أنبياء الأسباط كأنه قال وسائر أنبياء بني إسرائيل وهو المختار، ولم يصح في نبوة غير يوسف من أبناء يعقوب شيء.
﴿ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ ههنا نكتة دقيقة في اختلاف التعبير عن الوحي الذي منحه الله الأنبياء، إذ عبر بأنزل تارة وبأوتي تارة أخرى، وهي أن التعبير بأنزل ذكر هنا في جانب الأنبياء الذين ليس لهم كتب تؤثر ولا صحف تنقل، وذلك أن إنزال الوحي على نبي لا يستلزم إعطاءه كتابًا يؤثر عنه، وهذا ظاهر إذا كان النبي غير مرسل، فإن الوحي إليه يكون خاصًا به ويكون إرشاده للناس أن يعملوا بشرع رسول آخر إن كان بعث فيهم رسول وإلا كان قدوة في الخير ومعدًا للنفوس لبعثة نبي مرسل، وأما النبي المرسل فقد يؤمر بالتبليغ الشفاهي ولا يعطى كتابًا باقيًا وقد يكتب ما يوحى إليه في عصره فيضيع من بعده، فهؤلاء الرسل الكرام الذين عبر عنهم بقوله ﴿ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ ﴾ لا يؤثر عن أحد منهم كتاب بسند صحيح ولا غير صحيح، وإننا نؤمن بأنهم كانوا أنبياء وأن ما نزل عليهم هو دين الله الحق، وأنه موافق في جوهره وأصوله لما أنزل على من بعدهم.
وما ذكر الله من ملة إبراهيم بالنص هو روح ذلك الوحي كله.
وقد جاء في سورة النجم وسورة الأعلى ذكر صحف لإبراهيم.
قال (الجلال) هنا إنها عشر.
فنؤمن أنه كان له صحف ولا نزيد على ما ورد شيئًا، وأما إسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط فلم يثبت أن لهم صحفًا ولا كتبًا، فنؤمن بما أنزل إليهم بالإجمال، ونعتقد أنه عين ملة إبراهيم، وجاء التعبير عن وحي الذين كان لهم كتب تؤثر بقوله ﴿ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ فهو يشير بالإيتاء إلى أن ما أوحي إليهم له وجود يمكن الرجوع إليه والنظر فيه فإن أقوامهم يأثرون عنهم كتبًا.
وقال بعد ما ذكر الفريقين ﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ أي سواء منهم من له كتاب يؤثر ومن ليس له ذلك، نؤمن بالجميع إجمالًا ونأخذ بالتفصيل عن خاتمهم الذي بين لنا أصل ملتهم التي كانوا عليها وزادنا من الحكم والأحكام ما يناسب هذا الزمان وما بعده من الأزمان، والعمدة في الدين على إسلام القلب لله تعالى ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ أي مذعنون منقادون كما يقتضي الإيمان الصحيح، ولستم كذلك أهل الكتاب وإنما أنتم مبعوثون لأهوائكم وتقاليدكم لا تحولون عنها.
﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ﴾ قال صاحب (الكشاف): إن الآية تعريض بأهل الكتاب وتبكيت لهم، وقال (الجلال) إن لفظ "مثل" زائد.
وليس كذلك، فإن "لمثل" هنا معنى لطيفًا ونكتة دقيقة، وذلك أن أهل الكتاب يؤمنون بالله وبما أنزل على الأنبياء ولكن طرأت على إيمانهم بالله نزغات الوثنية وأضاعوا لباب ما أنزل على الأنبياء وهو الإخلاص والتوحيد وتزكية النفس والتأليف بين الناس وتمسكوا بالقشور وهي رسوم العبادات الظاهرة ونقصوا منها وزادوا عليها ما يبعد كلًا منهم عن الآخر ويزيد في عداوته وبغضائه له، ففسقوا عن مقصد الدين من حيث يدعون العمل بالدين.
فلما بيّن الله لنا حقيقة دين الأنبياء وأنه واحد لا خلاف فيه ولا تفريق، وأن هؤلاء الذين يدعون اتباع الأنبياء قد ضلوا عنه فوقعوا في الخلاف والشقاق، أمرنا سبحانه وتعالى أن ندعوهم إلى الإيمان الصحيح بالله وبما أنزل على النبيين والمرسلين بأن يؤمنوا بمثل ما نؤمن نحن به لا بما هم عليه من ادعاء حلول الله في بعض البشر، وكون رسولهم إلهًا أو ابن الله، ومن التفرق والشقاق لأجل الخلاف في بعض الرسوم والتقاليد.
فالذي يؤمنون به في الله ليس مثل الذي نؤمن به، فنحن نؤمن بالتنزيه، وهم يؤمنون بالتشبيه، وعلى ذلك القياس، فلو قال: فإن آمنوا بالله وبما أنزل على أولئك النبيين وما أوتوه فقد اهتدوا.
لكان لهم أن يجادلونا بقولهم إننا نحن المؤمنين بذلك دونكم، ولفظ"مثل"هو الذي يقطع عرق الجدل.
على أن المساواة في الإيمان بين شخصين بحيث يكون إيمان أحدهما كإيمان الآخر في صفته وقوته وانطباقه على المؤمن به وما يكون في نفس كل منهما من متعلق الإيمان يكاد يكون محالًا فكيف يتساوى إيمان أمم وشعوب كثيرة مع الخلاف العظيم في طرق التعليم والتربية والفهم والإدراك ولو كانت القراءة: فإن آمنوا بما آمنتم به.
كما روي عن ابن عباس في الشواذ لكان الأولى أن يقدر المثل فكيف نقول- وقد ورد لفظ"مثل"متواترًا- إنه زائد؟
﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾ أي أعرضوا عما تدعوهم إليه من الرجوع إلى أصل دين الأنبياء ولبابه بإيمان كإيمانكم ﴿ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ﴾ أي أن أمرهم محصور في العداوة والمشاقة أي الإيذاء والإيقاع في المشقة أو شق العصا بتحري الخلاف والتعصب لما يفصلهم ويبينهم منكم ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ أي يكفيك إيذاءهم ومكرهم السيء ويؤيد دعوتك، وينصر أمتك، فهذا الوعد بالكفاية عام للمؤمنين وإن كان الخطاب خاصًا فإن أهل الكتاب وغيرهم ما شاقوا النبي لذاته وما كان لهم حظ في مقاومة شخصه، فالإيذاء كان متوجهًا إليه من حيث هو نبي يدعو إلى دين غير ما كانوا عليه.
وقد أنجز الله وعده للنبي والمؤمنين عندما كانوا على ذلك الإيمان وكان الناس يقاومونهم لأجله، فلما انحرفوا من بعدهم عنه خرجوا عن الوعد، ولو عادوا لعاد الله عليهم بالكفاية والنصر ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ .
﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾ أي صبغنا بما ذكر من ملة إبراهيم صبغة الله، وفطرته فطرنا عليها وهي ما صبغ الله به أنبياءه ورسله والمؤمنين من عباده على سنة الفطرة فلا دخل فيه للتقاليد الوضعية ولا لآراء الرؤساء وأهواء الزعماء، وإنما هو من الله تعالى بلا واسطة متوسط ولا صنع صانع.
والصبغة في أصل اللغة صيغة للهيئة من صبغ الثوب إذا لونه بلون خاص ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾ ، أي لا أحسن من صبغته فهي جُماع الخير الذي يؤلف بين الشعوب والقبائل، ويزكي النفوس ويطهر العقول والقلوب، وأما ما أضافه أهل الكتاب إلى الدين من آراء أحبارهم ورهبانهم فهو من الصنعة الإنسانية، والصبغة البشرية، قد جعل الدين الواحد مذاهب متفرقة مفرقة، والأمة الواحدة شيعًا متنافرة متمزقة ﴿ وَنَحْنُ لَهُ ﴾ وحده ﴿ عَابِدُونَ ﴾ فلا نتخذ أحبارنا وعلماءنا أربابًا يزيدون في ديننا وينقصون، ويحلون لنا بآرائهم ويحرمون، ويمحون من نفوسنا صبغة الله الموجبة للتوحيد، ويثبتون مكانها صبغة البشر القاضية بالخلاف والتفريق.
والآية تشير إلى أنه لا حاجة في الإسلام إلى تمييز المسلم من غيره بأعمال صناعية كالمعمودية عند النصارى مثلًا، وإنما المدار فيه على ما صبغ الله به الفطرة السليمة من الإخلاص وحب الخير والاعتدال والقصد في الأمور ﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
هذا ضرب آخر من محاجة أهل الكتاب جار على نسق سابقه مؤتلف معه متصل به غير منقطع ولا نازل في واقعة خاصة للرد على كلمات قالها اليهود كما ذهب إليه (الجلال) وغيره، إذ قالوا: إن اليهود قالوا يجب أن يكون جميع الناس تابعين لنا في الدين لأن الأنبياء منا والشريعة نزلت علينا ولم يعهد في العرب أنبياء ولا شرائع.
نعم لا ننكر صدور هذا القول من اليهود فإنهم كانوا يقولون مثله دائمًا، وإنما نقول إن الآيات متناسقة مع ما قبلها متممة له مزيلة لشبهات كانت فاشية في القوم في كل مكان، لا خاصة برد قول لأحد يهود الحجاز.
الآيات السابقة بيّنت أن الملة الصحيحة هي ملة إبراهيم وهي لم تكن يهودية ولا نصرانية، وإنما هي صبغة الله التي لا صنع لأحد فيها، بل هي بريئة من اصطلاحات الناس وتقاليد الرؤساء، فهي الجديرة بالاتباع، ولكن التقاليد والأوضاع قد طمستها بعد ما جرى الأنبياء عليها، وحلت تلك التقاليد محلها، حتى ذابت هي فيها وخفيت فلم تعد تعرف، ولذلك جاء محمد ببيانها، ودعوة الناس إلى الرجوع إليها، فبيّن تعالى بتلك المحاجة الحق الذي يجب التعويل عليه، ثم أخذ في هذه الآيات يزيل الموانع ويبطل الشبهات المعترضة في طريق ذلك الحق، فأمر نبيه بما ترى من الحجة في قوله: ﴿ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ ﴾ بدعواكم الاختصاص بالقرب منه وزعمكم أنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، ومن أين جاءكم هذا القرب والاختصاص بالله دوننا ﴿ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ﴾ ورب العالمين فنسبة الجميع إليه واحدة: هو الخالق وهم المخلوقون، وهو الرب وهم المربوبون، وإنما يتفاضلون بالأعمال البدنية والنفسية ﴿ وَلَنَا أَعْمَالُنَا ﴾ التي تختص آثارها بنا إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر ﴿ وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾ كذلك، روح الأعمال كلها الإخلاص، فهو وحده الذي يجعلها مقربة لصاحبها من الله تعالى ووسيلة لمرضاته ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴾ من دونكم فإنكم اتكلتم على أنسابكم وأحسابكم، واغتررتم بما كان من صلاح آبائكم وأجدادكم، واتخذتم لكم وسطاء وشفعاء منهم تعتمدون على جاههم، مع انحرافكم عن صراطهم، وما هو إلا التقرب إلى الله تعالى بإحسان الأعمال، مع الإخلاص المبني على صدق الإيمان، وهو ما ندعوكم إليه الآن، فكيف تزعمون أن الإدلاء إلى ذلك السلف الصالح بالنسب، والتوسل إليهم بالقول هو الذي ينفع عند الله تعالى، وإن الاستقامة على صراطهم المستقيم والتوسل إلى الله تعالى بما كانوا يتوسلون إليه به من صالح الأعمال والإخلاص في القلب لا ينفع ولا يفيد، وما كان سلفكم مرضيًا عند الله تعالى إلا به؟
هل كان إبراهيم مقربًا من الله تعالى بأبيه"آزر"المشرك أم كان قربه وفضله بإخلاصه وإسلام قلبه إلى ربه؟
فكما جعل الله النبوة في إبراهيم وجعله إمامًا للناس في الإسلام والإخلاص جعلها كذلك في محمد، فإذا صح لكم إنكار نبوة محمد لأنه لم يكن في سلفه العرب أنبياء فأنكروا نبوة إبراهيم، فإن العلة واحدة فكيف لا يتحد المعلول؟
وحاصل معنى الآية إبطال معنى شبهة أهل الكتاب أنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لا ينجو من كان على غير طريقتهم وإن أحسن في عمله وأخلص في قصده، وأنهم هم الناجون الفائزون وإن أساءوا عملًا ونيةً، لأن أنبياءهم هم الذين ينجونهم ويخلصونهم بجاههم، فالفوز عندهم بعمل سلفهم، لا بصلاح أنفسهم ولا أعمالهم.
وهذا الاعتقاد هدم لدين الله الذي بعث به جميع أنبيائه ودرج عليه من اتبع سبيلهم، فإن روح الدين الإلهي وملاكه هو التوحيد والإخلاص المعبر عنه بالإسلام.
وكل عمل أمر به الدين فإنما الغرض منه إصلاح القلب والعقل بسلامة الاعتقاد وحسن القصد، فإذا زال هذا المعنى وحفظت جميع الأعمال الصورية فإنها لا تفيد شيئًا، بل إنها تضر بدونه لأنها تشغل الإنسان بما لا يفيد وتصده عن المفيد.
ولا شك أن أهل الكتاب كانوا قد أزهقوا هذا الروح الإلهي من دينهم فسواء كان ما حفظوه من التقاليد، والأعمال مأثورًا عن أنبيائهم أم غير مأثور، إنهم ليسوا على دين الله، ومن كان على بصيرة منهم عرف أن ما جاء به محمد هو إحياء لروح الدين، الذي كان عليه جميع الأنبياء والمرسلين.
وتكميل لشرائعه وآدابه بما يصلح لجميع البشر في كل زمان ومكان.
ثم إن من تأمل هذا وتأمل حال المسلمين يظهر له أنهم قد اتبعوا سنن من قبلهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، وسيرجع من يريد الله بهم الخير إلى دين الله تعالى بالرجوع إلى كتابه الذي حرم عليهم تقليد آراء الناس فجاوزوه بأن حرموا العمل به، كما رجع الألوف وألوف الألوف من أهل الكتاب إلى ذلك في القرون الأولى من ظهور الإسلام وسيرجع غيرهم من سائر البشر إليه فيعم العالمين ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾ .
﴿ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ إن ﴿ أَمْ ﴾ هنا معادلة لما قبلها خلافًا (للجلال) ومن على رأيه القائلين إنها بمعنى بل- كأنه قال: أتقولون إن هذا الامتياز لكم علينا والاختصاص بالقرب من الله والحال أنه ربنا وربكم إلخ؟
أم تقولون إن امتياز اليهودية أو النصرانية التي أنتم عليها بأن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا عليها؟
إن كنتم تقولون هذا فإن الله يكذبكم فيه وأنتم تعلمون أيضًا أن اسمي اليهودية والنصرانية حدثا بعد هؤلاء، بل حدث اسم اليهودية بعد موسى واسم النصرانية بعد عيسى كما حدث لليهود تقاليد كثيرة صار مجموعها مميزًا لهم.
وأما النصارى فجميع تقاليدهم الخاصة بهم المميزة للنصرانية حادثة، فإن عيسى كان عدو التقاليد، ولهذا كان النصارى على كثرة ما أحدثوا أقرب إلى الإسلام لأنهم لم ينسوا جميعًا كيف زلزل روح الله تقاليد اليهود الظاهرة ما كان منها في التوراة وما لم يكن، ولكن الذي ادعوا اتباعه زادوا عليهم من بعده في ابتداع التقاليد والرسوم.
وزعم بعض المفسرين أن هذه الآية نزلت في الرد على اليهود إذ كانوا يقولون إن إبراهيم كان يهوديًا وعلى النصارى إذ كان يقولون إنه كان نصرانيًا.
وهذا غير صحيح فإن الآية نزلت في إقامة الحجة عليهم بأنهم يعتقدون أن إبراهيم كان على الحق وأن ملته هي الملة الإلهية المرضية عند الله تعالى وإذا كان الأمر كذلك وكانت هذه التقاليد التي تقلدوها غير معروفة على عهد إبراهيم فما بالهم صاروا ينوطون النجاة بها ويزعمون أن ما عداها كفر وضلال فهو لا يثبت لهم القول بأن إبراهيم كان يهوديًا أو نصرانيًا وإنما يقول إنهم لا يقدرون على القول بذلك لأن البداهة قاضية بكذبهم فيه ولذلك قال لنبيه ﴿ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ﴾ أي إذا كان الله قد ارتضى للناس ملة إبراهيم باعترافكم وتصديق كتبكم وذلك قبل وجود اليهودية والنصرانية فلماذا لا ترضون أنتم تلك الملة لأنفسكم؟
أأنتم أعلم بالمَرْضيّ عند الله أم الله أعلم بما يرضيه وما لا يرضيه؟
لا شك أن الله يعلم وأنتم لا تعلمون، وقد صرح ابن جرير الطبري بأن قراءة ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ﴾ بالتحتية شاذة وعلى القول بأنها سبعية يكون في الكلام التفات.
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ﴾ في هذا الاستفهام وجهان: أحدهما: أنه متمم لما قبله من إقامة الحجة بملة إبراهيم، يقول إن عندكم شهادة من الله بأن إبراهيم كان على الحق وكان مرضيًا عند الله تعالى فإذا كتمتم ذلك لأجل الطعن بالإسلام فقد كتمتم شهادة الله وكنتم أظلم الظالمين، وإذا اعترفتم به فإما أن تقولوا إنكم أنتم أعلم من الله بما يرضيه، وإما أن تقوم عليكم الحجة وتحق عليكم الكلمة إن لم تؤمنوا بما تدعون إليه من ملة إبراهيم، وأحد الأمرين ثابت، لا يقبل مراوغة مباهت.
والوجه الثاني: -وهو أظهر- أن الشهادة المكتومة هي شهادة الكتاب المبشرة بأن الله يبعث فيهم نبيًا من بني إخوتهم وهم العرب أبناء إسماعيل وكانوا لا يزالون يكتمونها بالإنكار على غير المطلع على التوراة وبالتحريف على المطلع، فهو يبيّن هنا -بعد إقامة الحجة بإبراهيم على أن زعمهم حصر الوحي في بني إسرائيل باطل- أن هناك شهادة صريحة بأن الله سيبعث فيهم نبيًا من العرب فكان هذا دليلًا ثالثًا وراء الدليل العقلي المشار إليه بقوله ﴿ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ﴾ .
والدليل الإلزامي المشار إليه بقوله ﴿ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﴾ إلخ فكأنه يقول: إن هؤلاء إلا مجادلون في الحق بعد ما تبين، مباهتون للنبي مع العلم بأنه بني، إذ ما كان لهم أن يشتبهوا في أمره بعد شهادة كتابهم له، فإذا كان ظلمهم أنفسهم قد انتهى بهم إلى آخر حدود الظلم وهو كتمان شهادة الله تعالى تعصبًا لجنسيتهم الدينية التي ارتبط بها الرؤساء بالمرؤوسين بروابط المنافع الدنيوية من مال وجاه فكيف ينتظر منهم أن يصغوا إلى بيان، أو يخضعوا لبرهان؟
والاستفهام هنا يتضمن التوبيخ والتقريع المؤكدين بالوعيد في قوله ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ وإنما الجزاء على الأعمال.
ثم ختم المحاجة بتأكيد أمر العمل وعدم فائدة النسبة فقال: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وإنما تسألون عن أعمالكم وتجازون عليها، فلا ينفعكم ولا يضركم سواها.
وهذه قاعدة يثبتها كل دين قويم، وكل عقل سليم، ولكن قاعدة الوثنية القاضية باعتماد الناس في طلب سعادة الآخرة وبعض مصالح الدنيا على كرامات الصالحين تغلب مع الجهل كل دين وكل عقل، ومنبع الجهل التقليد المانع من النظر في الأدلة العقلية والدينية جميعًا، اللهم إلا مكابرة الحس والعقل وتأويل نصوص الشرع، تطبيقًا لهما على ما يقول المقلَّدون المتبَّعون "بفتح اللام والباء "وقد أوّل المُأوِّلون نصوص أديانهم تقريرًا لاتباع رؤسائهم والاعتماد على جاههم في الآخرة لذلك جاء القرآن يبالغ في تقرير قاعدة ارتباط السعادة بالعمل والكسب وتبيينها ونفي الانتفاع بالأنبياء والصالحين لمن لم يتأس بهم في العمل الصالح، ولذلك أعاد هذه الآية بنصها في مقام محاجة أهل الكتاب المفتخرين بسلفهم من الأنبياء العظام، المعتمدين على شفاعتهم وجاههم وإن قصروا عن غيرهم في الأعمال.
وفائدة الإعادة تأكيد تقرير قاعدة بناء السعادة على العمل دون الآباء والشفعاء.
بحيث لا يطمع في تأويل القول طامع، والإشعار بمعنى يعطيه السياق هنا وهو أن أعمال هؤلاء المجادلين المشاغبين من أهل الكتاب مخالفة لأعمال سلفهم من الأنبياء فهم في الحقيقة على غير دينهم.
وقد سبق القول بأن الآية أفادت في وضعها الأول أن إبراهيم وبنيه وحفدته قد مضوا إلى ربهم بسلامة قلوبهم وإخلاصهم في أعمالهم، وانقطعت النسبة بينهم وبين من جاء بعدهم، فتنكب طريقهم وانحرف عن صراطهم، وإن أدلى إليهم بالنسب، فكل واحد من السلف والخلف مجزي بعمله لا ينفع أحدًا منهم عمل غيره من حيث هو عمل ذلك الغير، ولا شخصه بالأولى، وذلك أنها جاءت عقب بيان ملة إبراهيم وإيصاء بعضهم بعضًا بها وبيان دروجهم عليها.
ثم جاء بعد ذلك الاحتجاج على القوم بمن يعتقدون فيهم الخير والكمال وكونهم لم يكونوا على هذه اليهودية ولا هذه النصرانية اللتين حدثتا بعدهم، فجاءت قاعدة الأعمال في هذا الموضع تبين أن المتخالفين في الأعمال والمقاصد لا يكونون متحدين في الدين ولا متساوين في الجزاء، فأفادت هنا ما لم تفده هناك.
وللمسلمين أن يحاسبوا أنفسهم، ويحكموا قاعدة العمل والجزاء بينهم وبين سلفهم ولا يغتروا بالتسمية إن كانوا يعقلون.
<div class="verse-tafsir"
كان أنبياء بني إسرائيل يصلون إلى بيت المقدس، وكانت صخرة المسجد الأقصى المعروفة هي قبلتهم، وقد صلى النبي والمسلمون إليها زمنًا، وكان النبي يتشوف لاستقبال الكعبة، ويتمنى لو حول الله القبلة إليها، بل كان يجمع بين استقبالها واستقبال الصخرة في مكة فيصلي في جهة الجنوب مستقبلًا للشمال فلما هاجر منها إلى المدينة تعذر هذا الجمع فتوجه إلى الله تعالى بجعل الكعبة هي القبلة فأمره الله بذلك كما يأتي تفصيله في الآيات الآتية، وقد ابتدأ الكلام في هذه المسألة ببيان ما يقع من اعتراض اليهود وغيرهم على التحويل، وإخبار الله نبيه والمؤمنين به قبل وقوعه، وتلقينهم الحجة البالغة عليه، والحكمة السديدة فيه، ويتضمن هذا بيان سر من أسرار الدين وقاعدة عظيمة من قواعد الإيمان كان أهل الكتاب في غفلة عنها وجهل بها، فهذه الآيات متصلة بما قبلها في كونها محاجة لأهل الكتاب في أمر الدين لإمالتهم عن التقليد الأعمى فيه، والجمود على ظواهره من غير تفقه فيه ولا نفوذ إلى أسراره وحكمه التي لم تشرع الأحكام إلا لأجلها.
قال : ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾ السفه والسفاهة الاضطراب في الرأي والفكر أو الأخلاق يقال: سفه حلمه ورأيه ونفسه، ومنه: زمام سفيه، أي مضطرب لمرح الناقة ومنازعتها إياه.
واضطراب الحلم -العقل- والرأي جهل وطيش، واضطراب الأخلاق فساد فيها لعدم رسوخ ملكة الفضيلة.
قال البيضاوي في تفسير السفهاء، "هم الذين خفت أحلامهم واستمهنوها بالتقليد والإعراض عن النظر، يريد المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين.
وفائدة تقديم الإخبار توطين النفس وإعداد الجواب".
وولاه عن الشيء صرفه عنه، والاستفهام للإنكار والتعجب.
والمعنى: سيقول سفهاء الأحلام السخفاء: أي شيء جرى لهؤلاء المسلمين فحولهم وصرفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها وهي قبلة النبيين من قبلهم؟
وهاك تفصيل الجواب: ليست صخرة بيت المقدس بأفضل من سائر الصخور في مادتها وجوهرها، وليس لها منافع وخواص لا توجد في غيرها، ولا هيكل سليمان في نفسه من حيث هو حجر وطين أفضل من سائر الأبنية، وكذلك يقال في الكعبة والبيت الحرام كما تقدم في تفسير ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ﴾ وإنما يجعل الله للناس قبلة لتكون جامعة لهم في عبادتهم، إلى آخر ما تقدم شرحه في تفسير ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ في الكلام على الكعبة والحج.
ولكن سفهاء الأحلام من أهل الجمود والمقلدين لهم يظنون أن القبلة أصل في الدين من حيث هي الصخرة المعينة أو البناء المعين، ولذلك كانت الحجة التي لقنها الله لنبيه في الرد على السفهاء الجاهلين لهذه الحكمة ﴿ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾ أي أن الجهات كلها لله تعالى لا فضل لجهة منها بذاتها على جهة، وأن الله يخصص منها ما شاء فيجعله قبلة لمن يشاء، وهو الذي ﴿ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ وهو صراط الاعتدال في الأفكار والأخلاق والأعمال كما يبين في الآية الآتية.
فعلم أن نسبة الجهات كلها إلى الله تعالى واحدة وأن العبرة في التوجه إليه سبحانه بالقلوب، وإتباع وحيه لا في التوجه بالوجوه.
قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ وهو تصريح بما فهم من قوله ﴿ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ إلخ أي على هذا النحو من الهداية جعلناكم أمة وسطًا.
قالوا إن الوسط هو العدل والخيار وذلك أن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنقص عنه تفريط وتقصير، وكل من الإفراط والتفريط ميل عن الجادة القويمة فهو شر ومذموم، فالخيار هو الوسط بين طرفي الأمر أي المتوسط بينهما.
ولكن يقال: لم اختير لفظ الوسط على لفظ الخيار مع أن هذا هو المقصود، والأول إنما يدل عليه بالالتزام؟
والجواب من وجهين: أحدهما: أن وجه الاختيار هو التمهيد للتعليل الآتي فإن الشاهد على الشيء لا بد أن يكون عارفًا به، ومن كان في أحد الطرفين فلا يعرف حقيقة حال الطرف الآخر ولا حال الوسط أيضًا.
وثانيهما: أن في لفظ الوسط إشعارًا بالسببية فكأنه دليل على نفسه، أي أن المسلمين خيار وعدول لأنهم وسط، ليسوا من أرباب الغلو في الدين المفرطين، ولا من أرباب التعطيل المفرطين، فهم كذلك في العقائد والأخلاق والأعمال.
ذلك أن الناس كانوا قبل ظهور الإسلام على قسمين: قسم تقضي عليه تقاليده بالمادية المحضة فلا هَمَّ له إلا الحظوظ الجسدية كاليهود والمشركين، وقسم تحكم عليه تقاليده بالروحانية الخالصة، وترك الدنيا وما فيها من اللذات الجسمانية، كالنصارى والصبائين وطوائف من وثنيي الهند أصحاب الرياضيات.
وأما الأمة الإسلامية فقد جمع الله لها في دينها بين الحقين حق الروح وحق الجسد، فهي روحانية جسمانية، وإن شئت قلت إنه أعطاها جميع حقوق الإنسانية، فإن الإنسان جسم وروح، حيوان ومَلَك.
فكأنه قال: جعلناكم أمة وسطًا تعرفون الحقين، وتبلغون الكمالين ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ ﴾ بالحق ﴿ عَلَى النَّاسِ ﴾ الجسمانيين بما فرطوا في جنب الدين، والروحانيين إذ أفرطوا وكانوا من الغالين، تشهدون على المفرطين بالتعطيل القائلين: ﴿ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ﴾ بأنهم أخلدوا إلى البهيمية، وقضوا على استعدادهم بالحرمان من المزايا الروحانية، وتشهدون على المفرطين بالغلو في الدين القائلين: إن هذا الوجود حبس للأرواح وعقوبة لها، فعلينا أن نتخلص منه بالتخلي عن جميع اللذات الجسمانية وتعذيب الجسد وهضم حقوق النفس، وحرمانها من جميع ما أعده الله لها في هذه الحياة.
تشهدون عليهم بأنهم خرجوا عن جادة الاعتدال، وجنوا على أرواحهم بجنايتهم على أجسادهم وقواها الحيوية، تشهدون على هؤلاء وهؤلاء، وتسبقون الأمم كلها باعتدالكم وتوسطكم في الأمور كلها، ذلك بأن ما هديتم إليه هو الكمال الإنساني الي ليس بعده كمال، لأن صاحبه يعطي كل ذي حق حقه، يؤدي حقوق ربه، وحقوق نفسه، وحقوق جسمه، وحقوق ذوي القربى، وحقوق سائر الناس، ﴿ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ أي أن الرسول هو المثال الأكمل لمرتبة الوسط، وإنما تكون هذه الأمة وسطًا باتباعها له في سيرته وشريعته، وهو القاضي بين الناس فيمن اتبع سنته ومن ابتدع لنفسه تقاليد أخرى أو حذا حذو المبتدعين، فكما تشهد هذه الأمة على الناس بسيرتها وارتقائها الجسدي والروحي بأنهم قد ضلوا عن القصد، يشهد لها الرسول بما وافقت فيه سنته وما كان لها من الأسوة الحسنة فيه، بأنها استقامت على صراط الهداية المستقيم، فكأنه قال: إنما يتحقق لكم وصف الوسط إذا حافظتم على العمل بهدى الرسول واستقمتم على سنته، وأما إذا انحرفتم عن هذه الجادة فالرسول بنفسه ودينه وسيرته حجة عليكم بأنكم لستم من أمته التي وصفها الله في كتابه بهذه الآية وبقوله ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾ إلخ، بل تخرجون بالابتداع من الوسط وتكونون في أحد الطرفين كما قال الشاعر- وقد استشهد به الزمخشري في تفسير الآية:- كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفًا يقال إن هذا خبر عظيم بمنحة جليلة، ومنة بنعمة كبيرة، فلم جيء به معترضًا في أطواء الكلام عن القبلة، ولم يجيء ابتداء أو في سياق تعداد الآلاء والنعم؟
والجواب: أن الله تعالى علم أن الفتنة بمسألة القبلة ستكون عظيمة، وأن سيقول أهل الكتاب أن محمدًا ليس على بينة من ربه لأنه غيَّر قبلته، ولو كان الله هو الذي أمره بالصلاة إلى بيت المقدس لما نهاه عنه ثانيًا وصرفه عن قبلة الأنبياء.
ويقول المنافقون إنه صلى أولًا إلى بيت المقدس استمالة لأهل الكتاب ودهانًا لهم، ثم غلب عليه حب وطنه وتعظيمه، فعاد إلى استقبال الكعبة، فهو مضطرب في دينه.
وأمثال هذه الشبهات على كونها تدل على عدم الاعتدال في أفكار قائليها تؤثر في نفوس المسلمين، فالمطمئن الراسخ في الإيمان يحزن لشكوك الناس وتشكيكهم في الدين، والضعيف غير المتمكن ربما يضطرب ويتزلزل، لذلك بدأ الله بإخبار المسلمين بما سيكون بعد تحويل القبلة من إثارة رياح الشبه والتشكيك، ولقنهم الحجة، وبين لهم ما فيها من الحكمة، وبين لهم منزلتهم من سائر الأمم وهي أنهم أمة وسط لا تغلو في شيء، ولا تقف عند الظواهر، وأنهم شهداء على الناس وحجة عليهم باعتدالهم في الأمور كلها، وفهمهم لحقائق الدين وأسراره، ومن أهمها أن القبلة التي يتوجه إليها لا شأن لها في ذاتها، وإنما العبرة فيها باجتماع أهل الملة على جهة واحدة وصفة واحدة عند التوجه إلى الله تعالى.
ولما كانت نسبة الجهات إليه واحدة إذ لا تحصره ولا تحدده جهة كان التزام الجهة المعينة منها لغير مجرد الاتباع لأمر الرسول عن الله تعالى ميلًا مع الهوى أو تخصيصًا بغير مخصص، وكلاهما مما لا يرضاه لنفسه العاقل المعتدل في أمره.
نعم إن له أن يسأل عن حكمة التحول والانتقال لا سيما بعد ما ثبت بالواقع أن الرسول الذي أمر به لم يأمر إلا بما ظهرت فائدته ومنفعته للممتثلين له من إصلاح النفوس وحملها على الخير وتوجيهها إلى البر مما دل عليه أنه مؤيد من الله تعالى.
وجملة القول إن إعلام الله رسوله والمؤمنين بما سيكون من الكافرين والمنافقين، وتلقينه إياهم الحجة، وإنزالهم منزلة الشهداء والمحكمين، ثم تبيينه لهم حكمة التحويل، كان مؤيدًا ومسددًا لهم ونورًا يسعى بين أيديهم في ظلمة تلك الفتنة المدلهمة، ولعمري إن هذه هي البلاغة التي لا غاية وراءها.
إعلام بما سيكون من اضطراب السفهاء في أقوالهم أشير إليه بالاستفهام مجملًا، ولم يذكر معه وجه الشبهة حتى لا تسبق إلى النفوس، والغرض إقامة الموانع من تأثيرها عند ورودها من أربابها، واختصار للبرهان ببيان أن المشرق والمغرب كسائر الجهات لله تعالى، أي يخصص منها ما يشاء فيجعله قبلة لمن يشاء، وبيان لمكانة الأمة المحمدية التي أعطيت كل أصل ديني بدليله وحكمته، وكلفت العدل والاعتدال في الأمر كله، أي فلا يليق بها أن تبالي بانتقاد السفهاء المذبذبين بين الإفراط والتفريط ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ أي وما جعلنا القبلة فيما مضى هي الجهة التي كنت عليها إلى اليوم ثم أمرناك بالتحول عنها إلى الكعبة إلا ليتبين لك وللمؤمنين الثابت على إيمانه ممن لا ثبات له، فتعلموا المتبع للرسول من المنقلب على عقبيه، برجوعه إلى الكفر الذي كان عليه، أو إلا ليكون علمنا الغيبي بحقيقة أمرهما وما لهما علم شهادة بوقوع متعلقه وهو الذي يترتب عليه الجزاء.
أي أن الله تعالى يختبر المؤمنين بما يظهر به صدق الصادقين، وريب المرتابين، وعاقبة المنافقين، ليرتب عليه الجزاء.
وإنما يثبت من فقه في الشيء فعرف سره وحكمته، وأما المقلد الآخذ بالظواهر من غير فقه ولا عرفان والمنافق غير المطمئن بالإيمان فلا يثبتان في مهاب عواصف الشكوك والشبهات.
وقال مفسرنا (الجلال): وما صيرنا القبلة لك الآن الجهة التي كنت عليها أولًا وهي الكعبة إلخ- وهو مبني على قول أن النبي كان يصلي أولًا إلى الكعبة ثم أُمر بالصلاة إلى بيت المقدس، فيكون النسخ قد حصل مرتين، والأكثرون على أن المراد بالقبلة التي كان عليها بيت المقدس.
قال بعض المحققين: إن هذه الجمل من قبيل ﴿ جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾ فالرؤيا لم تكن بنفسها فتنة وإنما افتتن الناس إذ أُخبروا بها ولم يفقهوا المراد منها.
كذلك القبلة ليس في جعل جهة كذا قبلة فتنة واختبار للناس، وإنما الفتنة فيما ترتب على ذلك من حيث كونه صرفًا عن قبلة إلى غيرها، فالسفهاء والجهال الذين لا يفقهون ينكرون هذا التحويل ويرونه أمرًا إدًّا، والذين هداهم الله إلى فقه ذلك يرونه أمرًا حكيمًا جدًا، ولذلك قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ﴾ فمنحهم الاعتدال في الفكر والإدراك وفي الميل والرغبة.
وقوله تعالى ﴿ لِنَعْلَمَ ﴾ معهود في القرآن كثيرًا، ومثله ﴿ لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ ﴾ وقوله ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ ﴾ والعقل والنقل متفقان على أن علمه تعالى قديم لا يتجدد، وللمفسرين في هذه الألفاظ أقوال نذكر أظهرها: جرت عادة العرب في لغتها أن تنسب إلى الرئيس والكبير ما يحدث بأمره وتدبيره، يقولون فتح الأمير البلد وقاتل الجيش.
وكثيرًا ما يقولون هذا والأمير ليس واحدًا من العاملين، فهو أسلوب معهود، إذا أريد إسناد الفعل إلى الجمهور أسندوه إلى المقدم فيهم.
ولما كان الله تعالى وليّ الذين آمنوا، وخاطبهم خطاب السيد صح بحسب هذا الأسلوب العربي أن يذكر الفعل بصيغة الجمع التي تشمل المتكلم وغيره وإن كان غيره هو المقصود بالفعل، فمعنى ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ ﴾ : إلا ليعلم عبادي المؤمنون بإعلامي إياهم.
وقد علم المؤمنون في هذه الفتنة من هو الثابت على اتباع الرسول ومن هو المنافق الذي قبلته ريح الشبهة على عقبيه، وكان المنافقون مع المؤمنين بحيث لا يماز أحدهم من الآخر لقيامهم جميعًا بأداء الأعمال الظاهرة المطلوبة.
وهكذا كان يمحص ما في القلوب بما يبتلي به الناس من الفتن ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ وعلى هذا الأسلوب جاء ما روي في الحديث القدسي:"يا عبدي مرضت فلم تعدني، وجعت فلم تطعمني، وعطشت فلم تسقني".
خرجوه على أن المراد مرض عبادي الفقراء الذين هم عيال الله فلم تعدهم إلخ ..
نعم إن الرواية غير صحيحة ولكن لم يفهم أحد منها أنها على ظاهرها لقطع العقل بأن هذا محال ولقوله تعالى ﴿ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴾ وقالت العرب: إني جائع في بطن غيري وعريان في ظهر غيري!
ويدخل في هذا الأسلوب أيضًا مثل قوله تعالى ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ أي يعطي عباده المحتاجين، والله يكافئه عنهم إذ كانوا عاجزين.
ثم وجه آخر في تفسير ﴿ لِنَعْلَمَ ﴾ وهو أدق من هذا -جرى عليه مفسرنا (الجلال) وغيره- وهو أن المراد بالعلم في مثل هذا علم الظهور والوقوع.
ذلك أن الله تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها أنها ستقع لا أنها واقعة، ويعلمها بعد وقوعها أنها وقعت، والجزاء يترتب علي ما وقع بالفعل فقوله ﴿ لِنَعْلَمَ ﴾ يراد به الثاني أي لنعلم علم وقوع ووجود يترتب عليه الثواب والعقاب، وليس معناه أنه تجدد له علم لم يكن وإنما التجدد في المعلوم لا في نفس العلم، أي أن المعلوم لم يكن موجودًا ثم وجد وظهر، كأنه قال: وما جعلنا القبلة جهة بيت المقدس إلا لنحولها ونمتحن المؤمنين بالتحويل ليظهر ما ثبت في العلم القديم من اتباع بعض الناس للرسول، واستقامتهم على هدايته، وانقلاب بعضهم على عقبيه وإظهاره ما أكَنَّه في نفسه من الريب، وبذلك يمتاز المهتدون من الضالين، وتقوم الحجة للمؤمنين على الكافرين.
ومعنى الانقلاب على العقبين هو الانصراف عن الشيء بالرجوع إلى الوراء وهو طريق العقبين، فالمنقلبون قد خرجوا من عداد المؤمنين وعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر.
ويقال رجع على عقبيه ونكص على عقبيه وأبلغها انقلب على عقبيه لما فيها من الإشعار بأنه رجع عن خير إلى شر أو من سوء إلى أسوأ.
ومن قبيل استعمال العلم في متعلقه وما يصدق عليه قوله تعالى ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ﴾ الآية وقوله ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ﴾ فالمراد من الكلمات هنا الموجودات كلها عبر عنها بذلك لأن كل موجود منها وجد بكلمة الله ﴿ كُنْ ﴾ .
ثم قال جل شأنه ﴿ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً ﴾ أي وأن القبلة أو قصتها في نسخها والتحول عنها لكبيرة الشأن شديدة الوقع فيما كان من أمر الناس.
أو ما كانت إلا كبيرة يشق التحول عنها ﴿ إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ﴾ أي هداهم إلى المعرفة به والعلم بحكم شرعه، فعقلوا أن التعبد بها إنما يكون بطاعة الله بها لا بسر في ذاتها أو مكانها، وأن حكمتها اجتماع الأمة عليها، الذي هو من أسباب اتحادهم وجمع كلمتهم.
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ .
إن سياق الآية بل الآيات يدل على أن الإيمان هنا مستعمل في معناه، فإنه لما بيّن أمر الفتنة في تحويل القبلة وبين أن من الناس من ينقلب إلى الكفر ويترك الإيمان، ومنهم من يثبت على إيمانه عالمًا أن الاعتماد في مثل مسألة القبلة على اتباع الرسول، لأن الجهات في نفسها متساوية لا فضل لجهة منها على جهة، بشر هؤلاء المؤمنين المتبعين بأنهم يجزون على إيمانهم الجزاء الأوفى فلا يضيع الله أجرهم، ولا يليتهم من ثباتهم على اتباع الرسول شيئًا.
﴿ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ هذه الجملة استئناف لبيان علة النفي في التي قبلها، وأن توفية المؤمن المخلص أجره هي من آثار رأفته ورحمته سبحانه فلا يخشى أن تتخلف وأن يضيع أجر المؤمنين الصادقين.
قال (الجلال): والرأفة شدة الرحمة وقدم الأبلغ للفاصلة.
ولا يصح هذا القول لأن كل كلمة في القرآن موضوعة في موضعها اللائق بها فليس فيه كلمة تقدمت ولا كلمة تأخرت لأجل الفاصلة، لأن القول برعاية الفواصل إثبات للضرورة كما قالوا في كثير من السجع والشعر أنه قدم كذا وأخّر كذا لأجل السجع ولأجل القافية.
والقرآن ليس بشعر، ولا التزام فيه للسجع، وهو من الله الذي لا تعرض له الضرورة بل هو على كل شيء قدير، وهو العليم الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه.
وما قال بعض المفسرين مثل هذا القول إلا لتأثرهم بقوانين فنون البلاغة وغلبتها عليهم في توجيه الكلام، مع الغفلة في هذه النقطة عن مكانة القرآن في ذاته، وعدم الالتفات إلى ما لكل كلمة في مكانها من التأثير الخاص عند أهل الذوق العربي.
وعندي أن الرأفة من آثار الرحمة والرحمة أعم، فإن الرأفة لا تستعمل إلا في حق من وقع في بلاء والرحمة تشمل دفع الألم والضر وتشمل الإحسان وزيادة الإحسان، فذكر الرحمة هنا فيه معنى التعليل والسببية وهو من قبيل الدليل بعد الدعوى، فهو واقع في موقعه كما تحب البلاغة وترضى، كأنه قال إن الله رؤوف بالناس لأنه ذو الرحمة الواسعة فلا يضيع عمل عامل منهم، ولا يبتليهم بما يظهر صدق إيمانهم وإخلاصهم في اتباع رسوله ليضيع عليهم هذا الإيمان والإخلاص، بل ليجزيهم عليه أحسن الجزاء.
<div class="verse-tafsir"
قالوا كان النبي يتشوف لتحويل القبلة من بيت المقدس ويرجوه، بل قال (الجلال) إنه كان ينتظره، لأن الكعبة قبلة أبيه إبراهيم والتوجه إليها أدعى إلى إيمان العرب، أي وعلى العرب المعول في ظهور هذا الدين العام، لأنهم كانوا أكمل استعدادًا له من جميع الأنام ..
ولا يعد في تشوفه إلى قبلة إبراهيم، وقد جاء بإحياء ملته، وتجديد دعوته، لا يعد هذا من الرغبة عن أمر الله تعالى إلى هوى نفسه، كلا إن هوى الأنبياء لا يعدو أمر الله تعالى وموافقة رضوانه.
ولو كان لأحد منهم هوى ورغبة في أمر مباح مثلًا وأمره الله بخلافه لانقلبت رغبته فيه إلى الرغبة عنه إلى ما أمر الله تعالى به ورضيه، بل المقام أدق، والسر أخفى، إن روح النبي منطوية على الدين في جملته من قبل أن ينزل عليه الوحي بتفصيل مسائله، فهي تشعر بصفائها وإشراقها بحاجة الأمة التي بعث فيها شعورًا إجماليًا كليًا لا يكاد يتجلى في جزئيات المسائل وآحاد الأحكام إلا عند شدة الحاجة إليها، والاستعداد لتشريعها، عند ذلك يتوجه قلب النبي إلى ربه طالبًا بلسان استعداده بيان ما يشعر به مجملًا، وإيضاح ما يلوح له مبهمًا، فينزل الروح الأمين على قلبه، ويخاطبه بلسان قومه عن ربه، وهكذا الوحي إمداد، في موطن استعداد، لا كسب فيه للعباد، وإذا كان حكم شرع لسبب مؤقت، وزمن في علم الله معين، فإن روح النبي تشعر بذلك في الجملة، فإذا تم الميقات، وأزف وقت الرقي إلى ما هو آت، وجدت من الشعور بالحاجة إلى النسخ ما يوجهها إلى الشارع العليم، والديان الحكيم، كما كان يتقلب وجه نبينا في السماء تشوقًا إلى تحويل القبلة فذلك قوله تعالى ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ﴾ أي أننا نرى تقلب وجهك أيها الرسول وتردده المرة بعد المرة في السماء، مصدر الوحي وقبلة الدعاء، انتظارًا لما ترجوه من نزول الأمر بتحويل القبلة.
فسّر بعضهم تقلب الوجه بالدعاء، وحقيقة الدعاء هي شعور القلب بالحاجة إلى عناية الله تعالى فيما يطلب، وصدق التوجه إليه فيما يرغب، ولا يتوقف على تحريك اللسان بالألفاظ، فإن الله ينظر إلى القلوب وما أسرت فإن وافقتها الألسنة فهي تبع لها، وإلا كان الدعاء لغوًا يبغضه الله تعالى، فالدعاء الديني لا يتحقق إلا بإحساس الداعي بالحاجة إلى عناية الله تعالى، وعن هذا الإحساس يعبر اللسان بالضراعة والابتهال، فهذا التفسير ليس بأجنبي من سابقه.
فتقلب الوجه في السماء عبارة عن التوجه إلى الله تعالى انتظارًا لما كانت تشعر به روح النبي وترجوه من نزول الوحي بتحويل القبلة.
ولا تدل الآية على أنه كان يدعو بلسانه طالبًا هذا التحويل ولا تنفي ذلك.
وقال بعض المحققين: من كمال أدبه أنه انتظر ولم يسأل، وهذا التوجه هو الذي يحبه الله تعالى ويهدي قلب صاحبه إلى ما يرجوه ويطلبه لذلك قال ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ﴾ أي فلنجعلنك متوليًا قبلة تحبها وترضاها، وقرن الوعد بالأمر فقال ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ .
تولية الوجه المكان أو الشيء هي جعله قبالته وأمامه، والتولي عنه جعله وراءه.
والشطر في الأصل القسم المنفصل من الشيء تقول جعله شطرين ومنه شطر البيت من الشعر وهو المصراع منه، وكذا المتصل كشطري الناقة وأشطرها وهي أخلافها: شطران أماميان وشطران خلفيان.
ويطلق على النحو والجهة وهو المراد هنا، فالواجب استقبال جهة الكعبة في حال البعد عنها وعدم رؤيتها ولا يجب استقبال عينها إلا على من يراها بعينه، أو يلمسها بيده أو بدنه.
فإن صح إطلاق الشطر على عين الشيء في اللغة فلا يصح أن يراد هنا لما فيه من الحرج الشديد لا سيما على الأمة الأمية.
ثم أمر بذلك المؤمنين عامة فقال ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ أي وفي أي مكان كنتم فاستقبلوا جهته بوجوهكم في صلاتكم، وهذا يقتضي أن يصلي المسلمون في بقاع الأرض إلى جميع الجهات لا كالنصارى الذين يلتزمون جهة المشرق، ويقتضي أن يعرفوا موقع البيت الحرام وجهته حيثما كانوا ولذلك وضعوا علم سمت القبلة وتقويم البلدان (الجغرافية الفلكية والأرضية).
وقد عهد من أسلوب القرآن أن يكون الأمر يؤمر به النبي، أمرًا له وللمؤمنين به، فإذا أريد التخصيص جيء بما يدل عليه كقوله تعالى ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ ﴾ وقوله ﴿ خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، وإنما أمر الله المؤمنين في هذه الآية بما أمر به النبي فيها نصًا صريحًا للتأكيد الذي اقتضته الحال في حادثة القبلة، فإنها كانت حادثة كبيرة استتبعت فتنة عظيمة، فأراد الله أن يعلم المؤمنين بعنايته بها ويقررها في أنفسهم، فأكد الأمر بها وشرفهم بالخطاب مع خطاب الرسول لتشتد قلوبهم وتطمئن نفوسهم، ويتلقوا تلك الفتنة التي أثارها المنافقون والكافرون بالحزم والثبات على الاتباع ولئلا يتوهم من سابق الكلام أنه خاص به .
بعد هذا عاد إلى بيان حال السفهاء مثيري الفتنة في مسألة تحويل القبلة فقال ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ أي أن تولي المسجد الحرام هو الحق المنزل من الله على نبيه.
وجمهور المفسرين على أن أكثر أولئك الفاتنين كانوا من أهل الكتاب المقيمين في الحجاز، ولولا ذلك لم تكن الفتنة عظيمة، لأن كلام المشركين في مسائل الوحي والتشريع قلما يلتفت إليه، وأما أهل الكتاب فقد كانوا معروفين بين العرب بالعلم، ومن كان كذلك فإن عامة الناس تتقبل كلامه، ولو نطق بالمحال، لأن الثقة بمظهره تصد عن تمحيص خبره، فهو في حاله الظاهرة شبهة إذا أنكر وحجة إذا اعترف، ولأن الجماهير من الناس قد اعتادوا تقليد مثله من غير بحث ولا دليل.
وقد جرى أصحاب المظاهر العلمية والدينية على الانتفاع بغرور الناس بهم، فصار الغرض لهم من أقوالهم التأثير في نفوس الناس، فهو يقولون ما لا يعتقدون لأجل ذلك ويسندون ما يقولون إلى كتبهم كذبًا صريحًا أو تأويلًا بعيدًا، كما كان أحبار اليهود يطعنون في النبي وما جاء به ويذكرون للناس أقوالًا على أنها من كتبهم وما هي من كتبهم، إن يريدون إلا خداعًا، وقد كذب الله هؤلاء الخادعين، وبيّن أنهم يقولون غير ما يعتقدون، كأنه يقول إن هؤلاء قد قام عندهم الدليل على ما سبقت به بشارة أنبيائهم من صحة نبوة الرسول ويعلمون أن أمر القبلة كغيرها من أمور الدين ما جاء به الوحي عن الله تعالى وأنه الحق لا محيص عنه، لا مكان معين بذاته، لذاته، ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ فهو المطلع على الظواهر والضمائر، الحسيب على ما في السرائر، الرقيب على الأعمال، فيخبر نبيه بما شاء أن يخبره وإليه المرجع والمصير وعليه الحساب والجزاء، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ بالتاء للخطاب: سبق القول بأن النبي كان حريصًا على هداية أهل الكتاب راجيًا بإيمانهم ما لا يرجوه من إيمان المشركين، فبمقدار حرصه ورجائه كان يحزنه عروض الشُّبه لهم في الدين، ويتمنى لو أعطي من الآيات والدلائل ما يمحو كل شبهة لهم، فلما كانت فتنة تحويل القبلة بمخادعتهم الناس أخبره الله تعالى بأنهم غير مشتبهين في الحق فتزال شبهتهم، وإنما هم قوم معاندون جاحدون على علم، ثم أعلمه بأن الآيات لا تؤثر في المعاند ولا ترجع الجاحد عن غيه، فقال: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴾ أي وتالله لئن جئتهم بكل آية على نبوتك وكل حجة على صدقك، ما تبعوا قبلتك فضلًا عن ملتك فلا يحزنك قولهم ولا إعراضهم، ولا تحسبن الآيات والدلائل مقنعة أو صارفة لهم عن عنادهم، فهم قوم مقلدون لا نظر لهم ولا استدلال، وكما أيأسه من اتباعهم قبلته أيأسهم من اتباعه قبلتهم فقال ﴿ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ فإنك الآن على قبلة إبراهيم الَذي يجلونه جميعًا ولا يختلف في حقيقة ملته أحد منهم، فهي الأجدر بالاجتماع عليها، وترك الخلاف إليها، فإذا كان أتباع إبراهيم لا يزحزحهم عن تعصبهم لما ألفوا، وعنادهم فيما اختلفوا، وإذا كان التقليد يحول بينهم وبين النظر في حقيقة معنى القبلة، وكون الجهات كلها لله تعالى، وأن الفائدة فيها الاجتماع دون الافتراق، فأي دليل أم آية ترجعهم عن قبلتهم؟
وأي فائدة ترجى من موافقتك إياهم عليها؟
ألم تر كيف اختلفوا هم في القبلة فجعل النصارى لهم قبلة غير قبلة اليهود التي كان عليها عيسى بعد موسى ﴿ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ لأن كلًا منهم قد جمد بالتقليد على ما هو عليه، والمقلد لا ينظر في آية ولا دليل، ولا في فائدة ما هو فيه والمقارنة بينه وبين غيره، فهو أعمى لا يبصر، أصم لا يسمع، أغلف القلب لا يعقل ﴿ وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ ﴾ .
هذا الخطاب بهذا الوعيد لأعلى الناس مقامًا عند الله تعالى هو أشد وعيد لغيره ممن يتبع الهوى ويحاول استرضاء الناس بمجاراتهم على ما هم عليه من الباطل، فإنه أفرده بالخطاب مع أن المراد به أمته، إذ يستحيل أن يتبع هو أهواءهم أو أن يجاريهم على شيء نهاه الله تعالى عنه، لينتبه الغافل ويعلم المؤمنون أن اتباع أهواء الناس في مهاوي الباطل، كأنه يقول إن هذا ذنب عظيم لا يتسامح فيه مع أحد حتى لو فرض وقوعه من أكرم الناس على الله تعالى لسجل عليه الظلم، وجعله من أهله الذين صار وصفًا لازمًا لهم ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾ فكيف حال من ليس له ما يقارب من مكانته عند ربه ؟
نقرأ هذا التشديد والوعيد، ونسمعه من القارئين، ولا نزدجر عن اتباع أهواء الناس ومجاراتهم على بدعهم وضلالاتهم، حتى إنك ترى الذين يشكون من هذه البدع والأهواء ويعترفون ببعدها عن الدين يجارون أهلها عليها، ويمازحونهم فيها، وإذا قيل لهم في ذلك قالوا ماذا نعمل؟
ما في اليد حيلة.
العامة عمي.
آخر زمان.
وأمثال هذه الكلمات هي جيوش الباطل تؤيده وتمكنه في الأرض، حتى يحل بأهله البلاء ويكونوا من الهالكين.
﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ ذكر في الآية السابقة أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن ما جاء به النبي في أمر القبلة هو الحق من ربهم ولكنهم ينكرون ويمكرون، وذكر في هذه ما هو الأصل والعلة في ذلك العلم، وذلك الإنكار وهو أنهم يعرفون النبي بما في كتبهم من البشارة به ومن نعوته وصفاته التي لا تنطبق على غيره، وبما ظهر من آياته وآثار هدايته، كما يعرفون أبناءهم الذين يتولون تربيتهم وحياطتهم حتى لا يفوتهم من أمرهم شيء.
قال عبد الله بن سلام وكان من علماء اليهود وأحبارهم: أنا أعلم به مني بابني؟
فقال له عمر : لم؟
قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته خانت.
فقد اعترف من هداه الله من أحبارهم كهذا العالم الجليل وتميم الداري من علماء النصارى أنهم عرفوه معرفة لا يتطرق إليها الشك ﴿ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أنه الحق الذي لا مرية فيه، فماذا يرجى منهم بعد هذا؟
وذهب بعض المفسرين إلى أن الضمير في ﴿ يعْرِفُونَهُ ﴾ لما ذكر من أمر القبلة، واستبعدوا عوده إلى الرسول مع تقدم ذكره في الآيات، ومع ما يعهد من الاكتفاء بالقرائن في مثل هذا التعبير.
وقد أسند هذا الكتمان إلى فريق منهم إذا لم يكونوا كلهم كذلك، فإن منهم من اعترف بالحق وآمن واهتدى به، ومنهم من كان يجحده عن جهل ولو علم به لجاز أن يقبله، وهذا من دقة حكم القرآن على الأمم بالعدل.
ثم قال عز شأنه: ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ المُمْتَرِينَ ﴾ الامتراء الشك والتردد وإنما يعرض لمن لا يعرفون الحق.
والمعنى أن هذا الذي أنت عليه أيها الرسول هو الحق -أو أن جنس الحق في الدين هو الوحي- من عند ربك المعتني بسأنك، فلا تلتفت إلى أوهام هؤلاء الجاحدين، فإنها لا تصلح شبهة على الحق الصريح الذي علمك الله فتمتري به والنهي في هذه الآية كالوعيد في الآية السابقة وجه الخطاب به إلى النبي والمراد أمته من كان منهم غير راسخ في الإيمان، وخشي عليه الاغترار بمظاهر أولئك المخادعين الذين يغتر بأمثالهم الأغرار في كل زمان ومكان، ولذلك ارتد بفتنة القبلة بعض ضعفاء الإيمان.
<div class="verse-tafsir"
احتج تعالى على أهل الكتاب بقوله ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾ وقوله: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ أي وإذا كان الأمر كذلك فكل ما يأتي به عن الله فهو حق فما بالهم يشاغبون في مسألة القبلة من الأحكام الفرعية خاصة؟
فالكلام من قبيل إقامة الدليل بعد إيراد الدعوى وليس اعتراضًا كما توهم بعضهم، ثم جاء بحجة أخرى على أهل الكتاب وغيرهم ترغم أنوف المعارضين، وختم بعدها الأمر بتولية الوجوه نحو المسجد الحرام وتأكيده فقال ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ وقرأ ابن عامر"مولاها" أي لكل أمة من الأمم وجهة توليها في صلاتها فلم تكن جهة من الجهات قبلة في كل ملة بحيث تعد ركنًا ثابتًا في الدين المطلق كتوحيد الله تعالى والإيمان بالبعث والجزاء.
فإبراهيم وإسماعيل كانا يوليان الكعبة، وكان بنو إسرائيل يستقبلون صخرة بيت المقدس، وترك النصارى ذلك إلى استقبال المشرق، وكان الأنبياء المتقدمون يستقبلون جهات أخرى، فإذا كان الأمر كذلك ولم تكن جهة معينة ركنًا ثابتًا في الأديان، فأي شبهة من العقل أو من تقاليد الملل على فتنة المشاغبين في أمر القبلة؟
وأي وجه لما أظهروه من الشبهة والحيرة، وزجوا أنفسهم فيه من الغمة، حتى جعلوه مسوغًا للطعن في النبوة والتشريع؟
وسيأتي إيضاح لهذه الحجة في تفسير قوله تعالي ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ﴾ إلخ.
وإذا لم تكن مسألة القبلة المعينة من أصول الدين ولا من مخه وجوهره الذي لا يتغير، بل كانت ولا تزال من الفروع التي تختلف باختلاف حال الأمم فالواجب فيها الاتباع المحض، والتسليم لأمر الوحي، وإن لم تظهر حكمة التخصيص للناس كما هو الشأن في أمثالها من الفروع المأخوذة بالتسليم كعدد الركعات وكون الركوع مرة والسجود مرتين في كل ركعة فكيف وقد ظهرت؟
﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ أي ابتدروا كل نوع من أنواع الخير بالعمل وليحرص كل منكم على سبق غيره إليه باتباع الإمام المرشد لا باتباع الهوى.
وهذا الأمر عام موجه إلى أمة الدعوة لا خاص بالمؤمنين المستجيبين لله والرسول.
﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا ﴾ ذكر الجزاء يوم البعث بعد الأمر باستباق الخيرات ليفيد أن الجزاء إنما يكون على فعل الخيرات أو تركها، لا على الكون في بلد كذا أو جهة كذا، أي ففي أي جهة وأي مكان تقيمون فالله تعالى يأتي بكم ويجمعكم ليوم الحساب، إذ البلاد والجهات لا شأن لها في أمر الدين لذاتها وإنما الشأن لعمل البر واستباق الخيرات ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، فلا يعجزه الإتيان بالناس مهما بعدت بينهم المسافات، وتناءت بهم الديار والجهات، فالتصريح بالقدرة تذكر بالدليل على الدعوى، والأمر بالخيرات هنا بعد بيان اختلاف الملل في القبلة إجمال يفصله ذكر أنواع البر في آية ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ﴾ المشار إليها آنفًا وستأتي، كأنه يقول للفاتنين والمفتونين في مسألة القبلة إن مخ الدين وجوهره هو في المسارعة إلى الخيرات فهل رأيتم محمدًا وأتباعه قصروا عن غيرهم في ذلك أم هم السابقون إلى كل مكرمة، المسارعون إلى كل مبرة، المتصفون بكل فضيلة؟
ففي الكلام، مع بيان روح الدين ومقصده، تعريض بأهل الكتاب الذين تركوا فضائل الدين وقصروا في عمل الخير والبر، واكتفوا من علم الدين بالجدال والمراء، واستنباط الشبه للطعن في العاملين، إذ لم يكونوا من المجادلين المشاغبين، ثم ترك المسلمون فضائل سلفهم، واتبعوا سنتهم في بدعهم وجدلهم، حتى صاروا حجة على دينهم.
﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ أي ومن أي مكان خرجت وفي أي بقعة حللت فول وجهك في صلاتك شطر المسجد الحرام، فهو حكم عام...
أعاد الأمر في صورة أخرى ليبيّن أنه شريعة عامة في كل زمان ومكان لا يختص ببلاد دون أخرى ولا بحضر دون سفر.
وقد كان الأمر بالتحويل نزل على النبي وهو في الصلاة فأعلمه بصيغة الأمر أنه ليس خاصًا بتلك الصلاة ولا بذلك المكان بل عليه أن يفعل ذلك من حيث خرج وأين توجه.
ومن مزايا هذه القبلة أن أصاحبها يصلون إلى جميع الجهات بتوليهم إياها من أقطار الأرض المختلفة، وقد وثق الأمر وأكده بقوله ﴿ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾ أي وإن توليك إياه لهو الحق المحكم بوحي ربك فلا ينسخ ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ أي إنكم أيها المخاطبون باتباع النبي في كل ما يجيء به من أمر الدين تحت نظر الحق دائمًا فهو لا يغفل عن أعمالكم ﴿ فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ وفي الكلام التفات عن خطاب النبي إلى خطاب جميع المكلفين، بما فيه من التعريض والتهديد للمنافقين -وقرأ أبو عمرو"يعملون"بالياء، وهو يعود إلى أولئك المجادلين في القبلة- يقول لنبيه لا يحزنك أمرهم، فإن الله تعالى هو الذي يتولى جزاءهم، وما هو بغافل عم فسادهم وفتنتهم.
﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ ابتدأ هذه الآية بصيغة الأمر الواردة في الآية قبلها وقرن بها صيغة الأمر السابقة وجمع فيها بين خطاب النبي وخطاب الأمة ليرتب على ذلك التعليل وبيان الحكم له وهي ثلاث: الأولى: قوله ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ﴾ ليس هذا الجمع والإعادة لمجرد التأكيد كما قال مفسرنا (الجلال) وغيره، وإنما هو تمهيد للعلة وتوطئة لبيان الحكم الموصولة به.
وهو أسلوب معهود عند البلغاء -والمتأخرون الذين لا يذوقون طعم الأساليب البليغة يكتفون في مثل هذا المقام بقولهم: كل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة: وهو نظم غير معهود الكلام البليغ ولا سيما مقام الإطناب والتأكيد والاحتجاج وإزالة الشبه.
والمراد بالناس المحاجون في القبلة المعروفون وهم أهل الكتاب والمشركون، وتبعهما المنافقون.
ووجه انتفاء حجتهم على الطعن في النبوة بتحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة هو أن أهل الكتاب كانوا يعرفون من كتبهم أن النبي الذي يبعث من ولد إسماعيل يكون على قبلته وهي الكعبة، فجعل بيت المقدس قبلة دائمة له حجة على أنه ليس هو النبي المبشر به، فلما كان التحويل عرفوا أنه الحق من ربهم، وأن المشركين كانوا يرون أن نبيًا من ولد إبراهيم جاء لإحياء ملته لا ينبغي له أن يستقبل غير بيت ربه الذي بناه وكان يصلي هو وإسماعيل إليه، فدحضت حجة الفريقين وكبت المنافقون من ورائهم.
﴿ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ أي لكن الذين ظلموا منهم يظلون يلغطون بالاحتجاج جهلًا أو عنادًا للإضلال، كقول اليهود رجع إلى قبلة قومه لإرضائهم وسيرجع إلى دينهم، وقول المشركين رجع إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا، وقول المنافقين إنه مضطرب متردد لا يثبت على قبلة، وأمثال هذه الآراء، التي يزينها الهوى للأعداء، فهم لا يهتدون بكتاب ولا يعتبرون ببرهان، ولا ينظرون إلى حكم الأمور وأسرارها، بل يجادلون في الله وشرعه بلا هدى ولا كتاب منير، وهم الذين أثاروا الفتنة وحركوا رياح الشبه في مسألة القبلة.
ولا قيمة لما يقول هؤلاء الظالمون فإنهم هم السفهاء كما وصفوا في الآية الأولى ﴿ فَلا تَخْشَوْهُمْ ﴾ إذ لا مرجع لكلامهم من الحق، ولا تمكن له في النفس، لأنه لا يستند إلى برهان عقلي ولا إلى هدي سماوي ﴿ وَاخْشَوْنِي ﴾ أنا فلا تعصوني بمخالفة ما جاءكم به رسولي عني فإنني القدير على جزائكم بما وعدتكم وأوعدتكم وقد وعدت الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأن أُمكن لهم دينهم الذي ارتضيت لهم، وأبدلهم من بعد خوفهم أمنًا، وإنني لا أخلف الميعاد.
والآية ترشدنا إلى أن صاحب الحق هو الذي يخشى جانبه وأن المبطل لا ينبغي أن يخشى، فإن الحق يعلو ولا يعلى، وما آفة الحق إلا ترك أهله له، وخوفهم من أهل الباطل فيه، أما من له شبهة حق كصاحب النية السليمة يشتبه عليه الأمر فيترك الحق لأنه عمي عليه، ولو ظهر له لأخذ به، فهو أيضًا لا يخشى جانبه.
وقوله ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ يعم اليهود ومشركي العرب والمنافقين خلافًا لمن قالوا إنهم المشركون خاصة، مع أنهم فسروا السفهاء بما يعم الفريقين أو الثلاثة، وما هؤلاء الذين ظلموا إلا أولئك السفهاء الذين اعترضوا.
ثم ذكر العلة أو الحكمة الثانية فقال: ﴿ وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ ﴾ باستقبال قبلتكم في بيت ربكم الذي بناه جدكم، وجعل الأمم فيها تبعًا لكم.
وبيانه أن هذا النبي عربي من ولد إبراهيم، وبلسان العرب نزل عليه الكتاب، وهم قومه الذين بعث فيهم أولًا وظهرت دعوته فيهم وامتدت منهم وبهم إلى سائر الأمم، وكانوا، إذا آمنوا يحبون أن تكون وجهتهم في عبادتهم بيتهم الحرام، وأن يحيوا سنة إبراهيم بتطهيره من عبادة الأصنام، لأنه معبدهم، وأشرف أثر عندهم، ينسب إلى أبيهم إبراهيم الذي بناه ورفع قواعده لعبادة الله تعالى، وهو شرفهم ومجدهم، وموطن عزهم وفخرهم، فأتم الله عليهم النعمة بإعطائهم ما يحبون، وتوجيه جميع شعوب الإسلام إلى بلادهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وفي ذلك من الفوائد المادية والمعنوية ما لا يحصى من النعم.
نعم إن كل أمر من الله تعالى فامتثاله نعمة ولكنه إذا كان فيه حكمة ظاهرة وشرف للأمة يتعلق بتاريخها الماضي، وبمجدها الآتي، وكان أثره حميدًا نافعًا فيها، تكون النعمة به أتم والمنة أكمل، ولذلك عبر بالإتمام.
ومن الحكمة في جعل القبلة في أول الأمر بيت المقدس أن الكعبة كانت في أول الإسلام مشغولة بالأصنام والأوثان، وكان سلطان أهل الشرك متمكنًا فيها والأمل في انكشافه عنها بعيدًا فصرفه الله أولًا عن استقبال بيت مدنس بعبادة الشرك -وقد كان الله أمر إبراهيم بتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود- إلى بيت المقدس قبلة اليهود الذين هم أقرب من المشركين إلى ما جاء به من التوحيد والتنزيه.
ولما قرب زمن تطهير البيت الحرام من الأصنام والأوثان وعبادتها وإزالة سلطة الوثنيين عنه، جعله الله تعالى قبلة للموحدين ليوجه النفوس إليه فيكون ذلك مقدمة لتطهيره وإتمام النعمة بالاستيلاء عليه، والسير فيه على ملة إبراهيم من التوحيد والعبادة الصحيحة لله تعالى وحده.
ثم ذكر الحكمة الثالثة لتحويل القبلة فقال: ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ أي وليعدكم بذلك إلى الاهتداء بالثبات على الحق والرسوخ فيه، فإن المعارضات والمحاجات تظهر ضعف الباطل وزهوقه، وتبين قوة الحق وثبوته، فالحجة تتبختر اتضاحًا، والشبهة تتضاءل افتضاحًا، وقد خلت سنة الكون بأن الفتن تنير الطريق لأهل الحق، وترخي سدول ظلمته على أهل الباطل، وتمحص المؤمنين، وتمحق الكافرين.
كل إنسان يرى نفسه على الحق في الجملة، ولكن التمكن في المعرفة والثبات على الحق لا يعرف في الغالب إلا إذا وجد للمحق خصم ينازعه ويعارضه في الحق، هنالك تتوجه قواه إلى تأييد حقه وتمكينه، ويحس بحاجته إلى المناضلة دونه والثبات عليه، كثيرًا ما يظهر الباطل الحق بعد خفائه، فإن المعارضة في الحق تحمل صاحبه على تنقيحه وتحريره وتنقيته مما عساه يلتصق به أو يجاوره من غواشي الباطل، وتجعل علمه به مفصلًا بعد أن كان مجملًا، ومبرهنًا عليه بعد أن كان مسلمًا، فهي مدرجة الكمال لأهل اليقين، ومزلة الريب للمقلدين، قال بعض الصوفية: جزى الله أعداءنا عنا خيرًا إذ لولاهم ما وصلنا إلى شيء من مقامات القرب: وقال الشاعر: عداتي لهم فضل عليّ ومنة فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا ذلك بأن العدو ينقب عن الزلات، ويبحث في الهفوات، وطالب الحق يتوجه دائمًا إلى الاستفادة من كل شيء، والنظر من كل أمر إلى موضع العبرة، وطريق الحقيقة، فإذا وجد في كلام العدو مغمزًا صحيحًا توقاه، أو عثارًا في طريقه نحاه، وإن ظهر له أنه باطل ثبت على حقه، وعرف منافذ الطعن فيه فسدها، فكان بذلك من الكملة الراسخين.
لهذا كله كانت الفتنة التي أثارها السفهاء على المؤمنين في مسألة القبلة مُعِدَّة للاهتداء ووسيلة إلى الثبات على الحق بعد نزول هذه الآيات البينات والحجج الناهضات في بيانه وحكمة الله تعالى فيه.
ثم قال تعالى ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ ﴾ أي يتم نعمته عليكم باستيلائكم على بيته الذي جعله قبلة لكم، وتطهيركم إياه من عبادة الأصنام والأوثان، وهو البيت الذي في بلادكم، وموضع شرفكم وفخركم، كما أتمها عليكم بإرساله رسولًا منكم، فالقبلة في بلادكم، والرسول من أمتكم.
والخطاب للعرب كما هو ظاهر.
ثم وصف هذا الرسول بالأوصاف التي كان بها نعمة تامة، ورحمة شاملة، فقال ﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا ﴾ الدالة على أن ما جاء به من التوحيد والهداية هو الحق من عند الله، وهذه الآيات أعم من أن تكون آيات القرآن أو غيرها من الدلائل والبراهين على أصول الدين، وقد تقدم في تفسير الآيات في دعوة إبراهيم بأن الآيات يصح أن يراد بها الآيات الكونية والعقلية، وأن يراد بها آيات الوحي، والتعميم أولى، وإنما خصها بعض المفسرين بآيات القرآن بقرينة ﴿ يتلو ﴾ على أن التلاوة أعم، فكل برهان يقيمه فقد تلا عليهم عبارته، وذكر لهم فيه آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم، ووجه المنة أنه يقودهم إلى الحق بالدليل والبرهان، دون التقليد والتسليم بغير فهم ولا إذعان، والطريقة الأولى يكون بها العقل مستقلًا، والدين مؤيدًا له هاديًا، لا مرغمًا ولا معطلًا.
الآيات تتعلق بإثبات العقائد وأصول الدين وهي المقصد الأول، ويليها تهذيب الأخلاق ولذلك قال ﴿ ويزكيكم ﴾ أي يطهر نفوسكم من الأخلاق السافلة، والرذائل الممقوتة، ويخلقها بالأخلاق الحميدة بما لكم فيه من حسن الأسوة، لا بالقهر والسطوة، وخص المفسر (الجلال) التزكية بالتطهير من الشرك.
وهذا لا يصح فإن الإسلام كما جاء بالتوحيد الماحي للشرك، جاء بالتهذيب المطهر من سَفْسَاف الأخلاق وقبائح العادات والمعاصي التي كانت فاشية في العرب، فقد كانوا يئدون بناتهم -يدفنونهن حيات- ويقتلون أولادهم للتخلص من النفقة عليهم، وذلك نهاية القسوة والشح، وكانوا يسفكون الدماء فيما بينهم لأهون سبب يثير حميتهم الجاهلية، لما اعتادوه من البغي في الثارات ومن شن الغارات ونهب بعضهم بعضًا، وكان عندهم من التسفل أن أحدهم يتزوج زوج أبيه أو يعضلها حتى تفتدي منه، إلى غير ذلك.
وقد زكاهم النبي من ذلك كله باقتدائهم بأخلاقه العظيمة في عباداته الكاملة وآدابه العالية، وجمعهم بعد تلك الفرقة، وألف الله بينهم على يديه حتى صاروا كرجل واحد.
وجعلت شريعته ذمتهم واحدة يسعى بها أدناهم، فإذا أعطى مولى أو رقيق لهم أمانًا لأي إنسان محارب كان ذلك كتأمين أمير المؤمنين له، فأي تزكية أعلى من هذه التزكية؟
وبعد ذكر التربية العملية بالأسوة الحسنة ذكر أمر التعليم فقال ﴿ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ أي الكتاب الإلهي أو الكتابة التي تخرجون بها من ظلمة الأمية والجهل إلى نور العلم والحضارة.
ويجوز الجمع بين المعنيين على القول الصحيح باستعمال المشترك في معنييه أو فيما يقتضيه المقام من معانيه.
وأما الحكمة فهي العلم المقترن بأسرار الأحكام ومنافعها الباعث على العمل.
وفسرنا بعضهم بالسنة.
دعا القرآن إلى التوحيد، وأمهات الفضائل، وبين أصول الأحكام، ولكنه لم يفصل سيرة الملوك والرؤساء مع السوقة والمرؤوسين، ولم يفصل سيرة الرجل مع أهل بيته في الجزئيات، وهو ما يسمونه نظام البيوت -العائلات- ولم يفصل طرق الأحكام القضائية والمدنية والحربية، وذلك أن هذه الأمور ينبغي أن تؤخذ بالأسوة والعمل بعد معرفة القواعد العامة التي جاءت في الكتاب، لذلك كانت السنة هي المبينة لذلك بالتفصيل بسيرة النبي في بيوته ومع أصحابه في السلم والحرب والسفر والإقامة، وفي حال الضعف والقوة والقلة والكثرة، فالسنة العملية المتواترة هي المبينة للقرآن بتفصيل مجمله وبيان مبهمه، وإظهار ما في أحكامه من الأسرار والمنافع، ولهذا أطلق عليها لفظ الحكمة فإنها كانت كالحَكَمة (بالتحريك) لتأديب الفرس، ولولا هذه التربية بالعمل لما كان الإرشاد القولي كافيًا في انتقال الأمة العربية من طور الشتات والفرقة والعداء والجهل والأمية إلى الائتلاف والاتحاد والتآخي والعلم وسياسة الأمم.
فالسنة هي التي علمتهم كيف يهتدون بالقرآن، ومرنتهم على العدل والاعتدال في جميع الأحوال.
كلنا يعرف الحلال والحرام والفضيلة والرذيلة، وقلما ترى أحدًا عاملًا بعلمه، وإنما السبب في ذلك أن الأكثرين يعرفون الحكم دون حكمته، ودون الأسوة الحسنة في العمل به، فهم لا يفقهون لم كان هذا حرامًا، ولا تنفذ أفهامهم في أعماق الحكم فتصل إلى فقهه وسره، فتعلم علمًا تفصيليًا ما وراء المحرم من الضرر لمرتكبه وللناس، وما وراء الواجبات والمندوبات من المنافع العامة والخاصة ولو علموا ذلك وفقهوه بالتربية عليه وملاحظة آثاره والاقتداء بالمعلمين والمربين في العمل به -كما أخذ الصحابة عن الرسول - لخرجوا من ظلمة الإجمال والإبهام في المعرفة إلى نور التجلي والتفصيل، حتى تكون الجزئيات مشرقة واضحة، ولكان هذا العلم معينًا لهم على إحلال الحلال..
ربما فقدت بعض الأسطر .
ليحكم المملكة العظيمة فيقيم فيها العدل ويحسن السياسة وهو لم يحفظ من القرآن إلا بعضه، ولكنه فقهه حق فقهه.
هذا المعنى -فقه الدين ومعرفة أسرار الأحكام- غير التزكية، بيد أنه يتصل بها ويعين عليها، حتى يطابق العلم العمل، فهذه الآية نبأ عن استجابة دعوة إبراهيم ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ ﴾ الآية.
وقد تقدم هناك ذكر تعليم الكتاب والحكمة على التزكية، وقدم هنا ذكر التزكية على تعليم الكتاب والحكمة.
والنكتة في ذلك أن إبراهيم لاحظ في دعوته الطريق الطبيعي وهى أن التعليم يكون أولًا ثم تكون التزكية ثمرة له ونتيجة، وههنا ذكر الترتيب بحسب الوجود والوقوع، وذلك أن أول شيء فعله النبي هو أن دعا الناس إلى الإيمان بما تلا عليهم من آيات الله تعالى ودلائل توحيده، وإلى الاعتقاد بإعادة الناس ليوم لا ريب فيه يحاسب فيه كل نفس ويجزيها بعملها وصفاتها فأجاب الناس دعوته بالتدريج، وكل من آمن له كان يقتدي به في أخلاقه وأعماله ولم تكن هنالك أحكام ولا شرائع، ثم شرعت الأحكام بالتدريج، فالتزكية بالتأسي به كانت متأخرة عن إقامة الآيات والدلائل على أصول الإيمان، ومقدمة على تلقي الشرائع والتفقه في الأحكام.
ثم قال تعالى ﴿ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ أي ويعلمكم مع الكتاب والحكمة ما لم يسبق لكم به علم من شؤون العالم ونظام البيوت والمعاشرة الزوجية وسياسة الحروب والأمم.
وقال البيضاوي وغيره"ما لم تكونوا تعلمونه بالنظر والفكر، إذ لا سبيل لمعرفته سوى الوحي، وكرر الفعل ليدل على أنه جس آخر" يعني كأخبار عالم الغيب وسيرة الأنبياء، وأحوال الأمم التي كانت مجهولة عندكم وكثير منها كان مجهولًا عند أهل الكتاب أيضًا.
فإنه صحح أغلاطهم، وبين سقاطهم.
وخص هذا بالذكر وإن كان مما اشتمل عليه الكتاب اهتمامًا به، وتنويهًا بشأنه، فكأنه قال: ويعلمكم في الكتاب ما لم تكونوا تعلمونه..
هذا ما قالوه..
ويصح أن يراد ما لم تكونوا تعلمون من شؤون أنفسكم، والسنن الإلهية الحاكمة فيكم، وقد بلغوا بتعليمة وإرشاده مبلغًا فاقوا فيه سائر الأمم، أي فالتعليم ليس محصورًا في الكتاب بل هناك زيادة أعد الله تعالى نبيه لتبيينها، والمقابلة بين هذا التعليم وتعليم الكتاب مبينة على أن المراد بالكتاب القرآن وبالآيات الدلائل.
وقد تقدم فيه وجه آخر وهو أنه مصدر كتب أي ويعلمكم الكتابة بعد أن كنتم أميين.
﴿ فاذكروني ﴾ في قلوبكم بما شرعت من أمر القبلة للفوائد الثلاث التي تقدم شرحها، وبما أتممت عليكم من النعمة بإرسال رسول منكم يعلمكم ويزكيكم، وبكل ما أنعمت عليكم من ثمرات ذلك، ولا تنسوا أنني أنا المتفضل بإضافة هذه النعم عليكم ﴿ أذكركم ﴾ بإدامتها وتمكينها والزيادة عليها من النصر والسلطان وغير ذلك من أسباب السعادة -واذكروني بألسنتكم بأسمائي الحسنى، والتحدث بنعمي التي لا تحصى، والثناء علي بها سرًا وجهرًا، أذكركم في الملأ الأعلى برضائي عنكم وقربي منكم.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال رسول الله "يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه، إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلى شبرًا تقربت إليه ذراعًا"إلخ الحديث.
هذه الكلمات من الله تعالى كبيرة جدًا كأنه يقول.
إنني أعاملكم بما تعاملونني به، وهو الرب ونحن العبيد، وهو الغني عنا ونحن الفقراء إليه.
أي وهذه أفضل تربية من الله تعالى لعباده: إذا ذكروه ذكرهم بإدامة النعمة والفضل وإذا نسوه نسيهم وعاقبهم بمقتضى العدل.
ثم بعد أن علمهم ما يحفظ النعم أرشدهم إلى ما يوجب المزيد بمقتضى الجود والكرم فقال: ﴿ واشكروا لي ﴾ هذه النعم بالعمل بها وتوجيهها إلى ما وجدت لأجله ﴿ ولا تكفرون ﴾ أي لا تكفروا نعمي بإهمالها أو صرفها إلى غير ما وجدت لأجله بحسب الشرع والسنن الإلهية.
وهذا تحذير لهذه الأمة مما وقعت فيه الأمم السالفة إذ كفرت بنعم الله تعالى فحولت الدين عن قطبه الذي يدور عليه وهو الإخلاص وإسلام الوجه لله وحده والعمل الصالح المصلح للأفراد والاجتماع، وعطلت ما أعطاها الله من مواهب المشاعر والعقل والملك فلم تستعملها فيما خلقت له، وهكذا انحرفوا بكل شيء عن أصله، فسلبهم الله ما كان وهبهم تأديبًا لهم ولغيرهم، ثم رحمهم بأن أرسل إليهم خاتم النبيين بهداية عامة تعرفهم وجه تلك العقوبات الإلهية وتحذرهم العود إلى أسبابها، وقد امتثل المسلمون هذه الأوامر زمنًا قصيرًا فسعدوا، ثم تركوها بالتدريج فحل بهم ما نرى كما قال ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ فإذا عادوا عاد الله عليهم بما كان أعطى سلفهم وإلا كانوا من الهالكين.
<div class="verse-tafsir"
ذهب الذين ينظرون من القرآن في جمله وآياته مفككة منفصلًا بعضها عن بعض التماسًا لسبب النزول في كل آية أو جملة أو كلمة ولا ينظرون إليه في سياق جمله وكمال نظمه، إلى أن الأمر بالاستعانة في قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ﴾ هو للاستعانة على أمر الآخرة واستعداد لها، وأن المراد بالصبر فيه الصبر عن المعاصي وحظوظ النفس، واعتمده البيضاوي وغيره ، أو على الطاعات وبهذا صرح (الجلال).
ونحن نسأل الله تعالى الصبر على احتمال مثل هذا الكلام!!.
والتحقيق أنه عام في كل عمل نفسي أو بدني أو ترك يشق على النفس، كما يدل عليه حذف متعلقه، والمعنى استعينوا على إقامة دينكم والدفاع عنه وعلى سائر ما يشق عليكم من مصائب الحياة بالصبر وتوطين النفس على احتمال المكارة وبالصلاة التي تكبر بها الثقة بالله وتصغر بمناجاته فيها كل المشاق وأعمها المصائب المذكورة في الآيات بعده ولا سيما الأعمال العامة النفع كالجهاد المشار إليه في الآية التالية.
ذكر الله تعالي افتتان الناس بتحويل القبلة، وتقدم شرح ما دلت عليه الآيات من عظم أمر تلك الفتنة، وإزالة شبه الفاتنين والمفتونين، وإقامة الحجج علي المشاغبين، وحكم التحويل وفوائده للمؤمنين، ومنها إتمام النعمة، والبشارة بالاستيلاء علي مكة، وكون ذلك طريقًا للهداية، لما في الفتن من التمحيص الذي يتميز به المؤمن الصادق، من المسلم المنافق، فهي تظهر الثابت علي الحق المطمئن به، وتفضح المنافق المرائي فيه بما تظهر من زلزاله واضطرابه فيما لديه، أو انقلابه ناكصًا علي عقبيه، ثم شبه هذه النعمة التامة بالنعمة الكبرى وهي إرسال الرسول فيهم، يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وفي ذلك من التثبيت في مقاومة الفتنة، وتأكيد أمر القبلة، ما يليق بتلك الحالة.
وقفى ذلك بالأمر بذكره وشكره على هذه النعم للإيذان بأن تحويل القبلة الذي صوره السفهاء من الناس بصورة النقمة، هو في نفسه أجل منه وأكبر نعمة.
لا جرم أن تلك النعم التي يجب ذكرها وشكرها للمنعم جل شأنه كانت تقرن بضروب من البلاء وأنواع من المصائب، أكبرها ما يلاقيه أهل الحق من مقاومة الباطل وأحزابه، وأصغرها ما لا يسلم منه أحد في ماله وأهله وأحبابه، أليس من النسب القريب بين الكلام، ومن كمال الإرشاد في هذا المقام، أن يرد بعد الأمر بالشكر، أمر آخر بالصبر، وأن يعد الله المؤمنين بالجزاء على هذا كما وعدهم بالجزاء على ذاك؟
بلي.
.
إن هذه الآيات متصلة بما قبلها، متممة للإرشاد فيها، وقد هدي سبحانه بلطفه إلى علاج الداء قبل بيانه، فأمر بالاستعانة على ما يلاقيه المؤمنون بالصبر والصلاة، ووعد على ذلك بمعونته الإلهية، ثم أشعرهم بما يلاقونه في سبيل الحق والدعوة إلي الدين والمدافعة عنه وعن أنفسهم.
فهو يأمرهم بالصبر على ذلك كله، لا أن الآية في الانقطاع إلى العبادة والصبر على الطاعة مطلقًا بحيث يكون القاعد عن الجهاد بنفسه وماله، أو السعي لعياله -اعتكافًا في مسجد أو انزواء في خلوة- عاملًا بها.
كان المؤمنون في قلة من العَدد والعُدد، وكانت الأمم كلها مناوئة لهم، فالمشركون أخرجوهم من ديارهم وأموالهم وما فتئوا يغيرون عليهم، ويصدون الناس عنهم، ثم كانوا يلاقون في مهاجرهم وأموالهم وما فتئوا يغيرون عليهم، ويصدون الناس عنهم، ثم كانوا يلاقون في مهاجرهم ما يلاقون من عداوة أهل الكتاب ومكرهم، ومن مراوغة المنافقين وكيدهم، فأمرهم الله تعالى أن يستعينوا في مقاومة ذلك كله وفي سائر ما يعرض لهم من المصائب بالصبر والصلاة.
أما الصبر فقد ذكر في القرآن سبعين مرة ولم تذكر فضيلة أخري فيه بهذا المقدار، وهذا يدل على عظم أمره، وقد جعل التواصي به في سورة العصر مقرونًا بالتواصي بالحق، إذ لا بد للداعي إلي الحق منه.
والمراد بالصبر في هذه الآيات كلها ملكة الثبات والاحتمال التي تهون علي صاحبها كل ما يلاقيه في سبيل تأييد الحق ونصر الفضيلة.
فضيلة هي أم الفضائل التي تربي ملكات الخير في النفس، فما من فضيلة إلا وهي محتاجة إليها.
وإنما يظهر الصبر في ثبات الإنسان على عمل اختياري يقصد به إثبات حق أو إزالة باطل أو الدعوة إلى عقيدة، أو تأييد فضيلة، أو إيجاد وسيلة إلي عمل عظيم، لأن أمثال هذه الكليات التي تتعلق بالمصالح العامة هي التي تقابل من الناس بالمقاومة والمحادة التي يعوز فيها الصبر، ويعز معها الثبات على احتمال المكاره، ومصارعة الشدائد، فالثابت على العمل في مثل هذه الحال هو الصابر وإن كان في أول الأمر متكلفًا، ومتي رسخت الملكة يسمي صاحبها صبورًا وصبارًا.
وليس كل محتمل للمكروه من الصابرين الذين أخبر الله في هذه الآية أنه معهم وبشرهم في الآية الآتية، وأثنى عليهم في آيات كثيرة، بل لا بد من العمل للحق والثبات فيه كما قدمناه لأن الفضائل لا تتحقق إلا بما يصدر عنها من الأعمال الاختيارية التي هي مناط الجزاء، بل الصبر نفسه ملكة اكتسابية ولذلك أمر الله تعالي به، وإنما يكون الامتثال بتعويد النفس احتمال المكاره والشدائد في سبيل الحق.
وعلى ذلك جري النبي وأصحابه عليهم الرضوان، حتى فازوا بعاقبة الصبر المحمودة ونصرهم الله تعالي مع قلتهم وضعفهم على جميع الأمم مع قوتها وكثرتها، وإنما كان ذلك بالصبر، لأن الله تعالي جعله سببًا للنجاة من الخسر، كما جاء في سورة العصر.
المتحمل للمكروه مع السآمة والضجر لا يعد صابرًا، وهذا هو شأن منتحلي العلم ومدعي الصلاح في هذا الزمان، تراهم أضعف الناس قلوبًا وأشدهم اضطرابًا إذا عرض لهم شيء علي غير ما يهوون، علي أن عنوان صلاحهم واستمساكهم بعروة الدين هو جرس الذكر وحركات الأعضاء في الصلاة، وما كان للمصلي ولا للذاكر أن يكون ضعيف القلب عادم الثقة بالله تعالي وهو جل ثناؤه يبرئ المصلين من الجزع الذي هو ضد الصبر بقوله ﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلاَّ الْمُصَلِّينَ ﴾ إلخ وقد جعل ذكره مع الثبات في البأساء في قرن إذ قال ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ وقد قرن في الآية التي نفسرها الصلاة بالصبر وجعل الأمرين معًا ذريعة الاستعانة علي ما يلاقي المؤمنون في طريق الحق من الشدائد.
ولو كان هؤلاء الأدعياء مصلين لكانوا من الصابرين، وإنما تلك حركات تعودوها فهم يكررونها ساهين عنها، أو يقصدون بها قلوب الناس يبتغون عندها المكانة الرفيعة بالدين، لما يترتب على ذلك من المنافع والفوائد الدنيوية التي لا يعقلون سواها.
فيجب على كل مؤمن أن يعود نفسه احتمال المكاره، ويحاول تحصيل ملكة الصبر عندما تعرض له أسبابه، فمن لم يستعن على عمله بالصبر، لا يتم له أمر، ولا يثبت على عمل، ولا سيما الأعمال العظيمة كتربية الأمم والانتقال بها من حال إلى حال، لذلك تري كثيرين يشرعون في الأعمال العظيمة فيعوزهم الصبر فيقفون عند الخطوة الثانية.
ومن يزعم أنه عاجز عن تحصيل هذه الملكة فهو خائن لنفسه جاهل بما أودع الله فيه من الاستعداد، فهو باحتقاره لنفسه محتقر نعمة الله تعالي عليه، وهو بهذا الإحساس بالعجز قد سجل علي نفسه الحرمان من جميع الفضائل.
وجه الحاجة إلى الاستعانة بالصبر على تأييد الحق والقيام بأعبائه ظاهر جلي.
وأما الحاجة إلى الاستعانة بالصلاة فوجهها محجوب لا يكاد ينكشف إلا للمصلين الذين هم في صلاتهم خاشعون.
تلك الصلاة التي أكثر من ذكرها الكتاب العزيز ووصف ذويها بفضلى الصفات وهي التوجه إلي الله تعالي ومناجاته وحضور القلب معه سبحانه واستغراقه في الشعور بهيبته وجلاله وكمال سلطانه.
تلك الصلاة التي قال فيها جل ذكره ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ وقال فيها ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ وليست هي الصورة المعهودة من القيام والركوع والسجود والتلاوة باللسان خاصة، التي يسهل علي كل صبي مميز أن يتعودها، والتي نشاهد من المعتادين لها الإصرار على الفواحش والمنكرات، واجتراح الآثام والسيئات، وأي قيمة لتلك الحركات الخفيفة في نفسها حتي يصفها رب العزة والجلال بالكبر إلا علي الخاشعين؟
إنما جعلت تلك الحركات والأقوال صورة للصلاة لتكون وسيلة لتذكير الغافلين، وتنبيه الذاهلين، ودافعًا يدفع المصلي إلى ذلك التوجه المقصود الذي يملأ القلب بعظمة الله وسلطانه حتى يستسهل في سبيله كل صعب، ويستخف بكل كرب، ويسهل عليه عند ذلك احتمال كل بلاء، ومقاومة كل عناء، فإنه لا يتصور شيئًا يعترض في سبيله إلا ويري سيده ومولاه أكبر منه، فهو لا يزال يقول: الله أكبر.
حتى لا يبقى في نفسه شيء كبير إلا ما كان مرضيًا لله العلي الكبير، الذي يلجأ إليه في الحوادث، ويفزع إليه عند الكوارث.
ثم قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ ولم يقل معكم ليفيد أن معونته إنما تمدهم إذا صار الصبر وصفًا لازمًا لهم، وقالوا إن المعية هنا معية المعونة.
فالصابرون موعودون من الله تعالي بالمعونة والظفر، ومن كان الله معينه وناصره فلا يغلبه شيء.
إن من سنة الله تعالي أن الأعمال العظيمة لا تتم ولا ينجح صاحبها إلا بالثبات والاستمرار، وهذا إنما يكون بالصبر، فمن صبر فهو على سنة الله والله معه بما جعل الصبر سببًا للظفر، لأنه يولد الثبات والاستمرار الذي هو شرط النجاح، ومن لم يصبر فليس الله معه، لأنه تنكب سنته، ولن يثبت فيبلغ غايته.
علم الله تعالي ما سيلاقيه المؤمنون في الدعوة إلي دينه وتقريره وإقامته من المقاومات وتثبيط الهمم وما يقوله لهم الناس في ذلك وما يقول الضعفاء في أنفسهم: كيف تبذل هذه النفوس وتستهدف للقتل بمخالفة الأمم كلها؟
وما الغاية من قتل الإنسان نفسه لأجل تعزيز رجل في دعوته؟
وغير ذلك مما كانوا يسمعونه من المنافقين والكافرين، وربما أثر في نفوس بعض الضعفاء فاستبطأوا النصر، فعلَّمهم الله ما يستعينون به على مجاهدة الخواطر والهواجس، ومقاومة الشبهات والوساوس، فأمر أولًا بالاستعانة بالصبر والصلاة.
ثم ذكر أعظم شيء يستعان عليه بذلك وهو القتل في سبيل دعوة الحق وحمايته -ذكره مدرجًا في سياق تقرير حقيقة ودفع شبهة- فقال ﴿ وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ﴾ أي لا تقولوا في شأنهم: هم أموات.
وقالوا إن اللام في ﴿ لِمَنْ ﴾ للتعليل لا للتبليغ والمعني ظاهر والتركيب مألوف ﴿ بَلْ ﴾ هم ﴿ أَحْيَاءٌ ﴾ في عالم غير عالمكم ﴿ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ بحياتهم إذ ليست في عالم الحس الذي يدرك بالمشاعر، ثم لا بد أن تكون هذه الحياة حياة خاصة غير التي يعتقدها جميع المليين في جميع الموتى من بقاء أرواحهم بعد مفارقة أشباحهم، ولذلك ذهب بعض الناس إلي أن حياة الشهداء تتعلق بهذه الأجساد وإن فنيت أو احترقت أو أكلتها السباع أو الحيتان، وقالوا إنها حياة لا نعرفها، ونحن نقول مثلهم إننا لا نعرفها ونزيد إننا لا نثبت ما لا نعرف.
وقال بعضهم إنها حياة يجعل الله بها الروح في جسم آخر يتمتع به ويرزق.
ورووا في هذا روايات منها الحديث الذي أشار إليه المفسر (الجلال) وهو"إن أرواح الشهداء عند الله في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة"وقيل إنها حياة الذكر الحسن والثناء بعد الموت.
وقيل إن المراد بالموت والحياة الضلال والهدي.
روي هذا الأصم أي لا تقولوا إن باذل روحه في سبيل الله ضال بل هو مهتد.
وقيل إنها حياة روحانية محضة.
وقيل إن المراد أنهم سيحيون في الآخرة وأن الموت ليس عدمًا كما يزعم بعض المشركين.
فالآية عند هؤلاء على حد ﴿ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ أي أن مصيرهم إلي ذلك.
وقال بعض العلماء الباحثين في الروح: إن الروح إنما تقوم بجسم لطيف "أثيري" في صورة هذا الجسم المركب الذي يكون عليه الإنسان في الدنيا، وبواسطة ذلك الجسم الأثيري تجول الروح في هذا الجسم المادي، فإذا مات المرء وخرجت روحه فإنما تخرج بالجسم الأثيري وتبقي معه، وهو جسم لا يتغير ولا يتبدل ولا يتحلل.
وأما هذا الجسم المحسوس فإنه يتحلل ويتبدل في كل بضع سنين ..
ويقرب هذا القول من مذهب المالكية، فقد روي عن مالك رحمه الله تعالي أنه قال: إن الروح صورة كالجسد.
أي لها صورة، وما الصورة إلا عرض، وجوهر هذا العرض هو الذي سماه العلماء بالأثير.
وإذا كان من خواص الأثير النفوذ في الأجسام اللطيفة والكثيفة كما يقولون حتى إنه هو الذي ينقل النور من الشمس إلي طبقة الهواء فلا مانع أن تتعلق به الروح المطلقة في الآخرة ثم هو يحل بها جسمًا آخر تنعم به وترزق سواء كان جسم طير أو غيره.
وقد قال تعالي في آية أخري ﴿ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ وهذا القول يقرب معني الآية من العلم.
والمعتقد عندي في هذه الحياة هو أنها حياة غيبية تمتاز بها أرواح الشهداء على سائر أرواح الناس، بها يرزقون وينعمون، ولكننا لا نعرف حقيقتها ولا حقيقة الرزق الذي يكون بها، ولا نبحث عن ذلك لأنه من عالم الغيب الذي نؤمن به ونفوض الأمر فيه إلي الله تعالي.
ذكر الله تعالي فضل الشهادة التي استهدف لها المؤمنون في سبيل الدعوة إلي الحق والدفاع عنه، ثم ذكر مجموع المصائب التي يبلوهم ويمتحنهم بها والتي لا تنافي ما وعدهم به من نعم الدنيا فقال ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ﴾ أي ولنمتحننكم ببعض ضروب الخوف من الأعداء وغيره من المصائب البشرية المعتادة في المعايش، وأكد هذا بصيغة القسم لتوطين الأنفس عليه فعلمهم به أن مجرد الانتساب إلي الإيمان، لا يقتضي سعة الرزق وقوة السلطان، وانتفاء المخاوف والأحزان، بل يجري ذلك بسنن الله تعالي في الخلق كما أن من سنن الخلق وقوع المصائب بأسبابها.
وإنما المؤمن الموفق من يستفيد من مجاري الأقدار، إذ يتربى ويتأدب بمقاومة الشدائد والأخطار، ومن لم تعلمه الحوادث، وتهذبه الكوارث، فهو جاهل بهدي الدين، متبع غير سبيل المؤمنين، غير معتبر بقوله تعالى بعد ذكر هذا البلاء المبين ﴿ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ ﴾ فإنه تعالى أراد أن ينبهنا بهذا إلى أن هذه العقيدة هي التي تكتسب بها ملكة الصبر التي يقرن بها الظفر ويكون صاحبها أهلًا لأن يبشر باحتمال البلاء والاستفادة بحسن العاقبة في الأمور كلها.
فالبشارة في الآية عامة ولم يذكر المبشر به إيذانًا بذلك وهو إيجاز لا يعهد مثله في غير القرآن الحكيم، فأنت ترى أنه لو أريد ذكر ما يبشرون به لخرج الكلام إلي تطويل لا حاجة إليه كبيان عاقبة من يقع في كل نوع من أنواع المخاوف فيصابرها وينجح في أعقابها وهي كثيرة، وهكذا الخوف المشار إليه في الآية -وأعداء الإسلام علي ما كانوا عليه من الكثرة والقوة- ظاهر لا يخفى، علي أن بعضهم فسره بالخوف من الله تعالي وهو باطل لأن هذا من أعظم ثمرات الإيمان، لا من مصائب الامتحان، فهو نعمة تعين على الصبر لا مصيبة يطلب الصبر عليها أو فيها لأجل تهوين خطبها.
وأما الجوع فقد قالوا إنه ما يكون من الجدب والقحط.
وليس هذا هو المراد في الآية المسوقة لبيان ما يلاقي المؤمنون في سبيل الإيمان ولا وقع للصحابة في ذلك العهد، وإنما هو أحدهم فيفصل من أهله وعشيرته ويخرج في الغالب صفر اليدين، ولذلك كان الفقر عامًا في المسلمين من أول عهدهم إلى ما بعد فتح مكة، ومن هذا التفسير يفهم المراد من نقص الأموال وهي الأنعام التي كانت معظم ما يتموله العرب.
وأما الثمرات فهي على أصلها، وكان معظمها ثمرات النخيل.
وقيل هي الولد ثمر القلب كما يقولون في المجاز المشهور.
وقد بلغ من جوع المسلمين أن كانوا يتبلغون بثمرات يسيرة ولا سيما في غزوتي الأحزاب وتبوك.
وأما نقص الأنفس فهو ما كان من القتل والموتان من اجتواء المدينة، فقد كانت عند هجرتهم إليها بلد وباء وحُمّى ثم حسن مناخها.
ثم وصف الصابرين المستحقين للبشارة بقوله ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ أي قالوا معبرين به عن حالهم ومقتضى إيمانهم، وليس المراد بالقول مجرد النطق بهذه الكلمة علي أن يحفظوها حفظًا، ويلفظوها لفظًا، وإن كانوا لا يعقلون لها معني وإنما المراد التلبس بمعناها والتحقق في الإيمان بأنهم من خلق الله وملك الله وإلي الله يرجعون، فهو الذي بيده ملكوت كل شيء، ولا يفعل إلا ما سبقت به الحكمة، وارتضاه النظام الإلهي المعبر عنه بالسنة.
بحيث ينطلق اللسان بالكلمة بدافع الشعور بهذا المعنى وتمكنه من النفس، فأصحاب هذا الاعتقاد والشعور هم الجديرون بالصبر إيمانًا وتسليمًا بحيث لا يملك الجزع نفوسهم ولا تقعد المصائب هممهم، بل تزيدهم ثباتًا ومثابرة فيكونون هم الفائزين.
ولا ينافي الصبر والتثبيت ما يكون من حزن الإنسان عند نزول المصيبة بل ذلك من الرحمة ورقة القلب، ولو فقد الإنسان هذه الرحمة لكان قاسيًا لا يرجى خيره ولا يؤمن شره، وإنما الجزع المذموم هو الذي يحمل صاحبه علي ترك الأعمال المشروعة لأجل المصيبة، والأخذ بعادات وأعمال مذمومة ضارة ينهى عنها الشرع، ويستقبحها العقل، كما نشاهد من جماهير الناس في المصائب والنوائب.
وقد ورد في الصحيحين أن النبي بكى عندما حضر ولده إبراهيم الموت وقيل له أليس: قد نهيتنا عن ذلك؟
فأخبر أنها الرحمة وقال: "إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".
وفائدة الإخبار بالبلاء قبل وقوعه توطين النفس عليه واستعدادها لتحمله والاستفادة منه.
"ما مَنْ دهي بالأمر كالمعتد" هذا إن لم يقترن بالخبر إرشاد وتعليم، فكيف إذا اقترنت به هداية العزيز العليم؟
ذكر البلاء وبشر الصابرين عليه وذكر الوصف الذي يستحقون به البشارة وختم القول ببيان الجزاء المبشر به بالإجمال فقال ﴿ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ أي أولئك الصابرون المحتسبون عليهم من ربهم الرؤوف الرحيم ما يحول دون تبريح المصائب بهم من أنواع صلواته العامة ورحمته الخاصة، فأما الصلوات فالمراد بها أنواع التكريم والنجاح، وإعلاء المنزلة عند الله والناس، وعن ابن عباس: إنها المغفرة لذنوبهم.
وأما الرحمة فهي ما يكون لهم في نفس المصيبة من حسن العزاء، وبرد الرضى والتسليم للقضاء.
فهي رحمة خاصة يحسد الملحدون عليها المؤمنين، فإن الكافر المحروم من هذه الرحمة في المصيبة تضيق عليه الدنيا بما رحبت، حتى أنه ليبخع نفسه إذ لم يعد له رجاء في الأسباب التي يعرفها، وينتحر بيده ويكون من الهالكين.
﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ ﴾ أي إلى ما ينبغي عمله في أوقات المصائب والشدائد، إذ لا يستحوذ الجزع علي نفوسهم، ولا يذهب البلاء بالأمل من قلوبهم، فيكونون هم الفائزين بخير الدنيا والراحة فيها، المستعدين لسعادة الآخرة بعلو النفس وتزكيتها بمكارم الأخلاق وصالح الأعمال، دون أهل الجزع وضعف الإيمان، كما تدل عليه الجملة الاسمية المعرفة الطرفين المؤكدة بضمير الفصل.
<div class="verse-tafsir"
علم مما تقدم أن مسألة تحويل القبلة جاءت في معرض الكلام عن معاندة المشركين وأهل الكتاب للنبي ، فكان التحويل شبهة من شبهاتهم، وتقدم أن من لوازم حكم تحويل القبلة إلي البيت الحرام، توجيه قلوب المؤمنين إلي الاستيلاء عليه -كما يوجهون إليه وجوههم- لأجل تطهيره من الشرك والآثام، كما عهد الله إلي أبويهم إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وإلا كانوا راضين باستقبال الأصنام، وأن في طي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُم]] بشارة بهذا الاستيلاء، مفيدة للأمل والرجاء وقد علم الله المؤمنين بعد هذه البشارة ما يستعينون به علي الوصول إليها هي وسائر مقاصد الدين من الصبر والصلاة، وأشعرهم بما يلاقون في سبيل الحق من المصائب والشدائد، فكان من المناسب بعد هذا أن يذكر شيئًا يؤكد تلك البشارة ويقوي ذلك الأمل فذكر شعيرة من شعائر الحج هي السعي بين الصفا والمروة.
فكان ذكرها تصريحًا ضمنيًا بأن سيأخذون مكة ويقيمون مناسك إبراهيم فيها، وتتم بذلك لهم النعمة والهداية، وهو قوله إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ]] فهذه الآية ليست منقطعة عن السياق السابق لإفادة حكم جديد لا علاقة له بما قبله كما توهم، بل هي من تتمة الموضوع ومرتبطة به أشد الارتباط، من حيث هي تأكيد للبشارة، ومن حيث إن الحكم الذي فيها من مناسك الحج التي كان عليها إبراهيم الذي أحيا النبي ملته وجعلت الصلاة إلي قبلته.
كأنه قال: لا تلوينكم قوة المشركين في مكة، وكثرة الأصنام على الكعبة، والصفا والمروة، عن القصد إلى تطهير البيت الحرام، وإحياء تلك الشعائر العظام، كما لا يلوينكم عن استقبال البيت تَقَوُّل أهل الكتاب والمشركين ولا زلزال مرضى القلوب من المنافقين، بل ثقوا بوعد الله، واستعينوا بالصبر والصلاة.
الصفا والمروة جبلان أو علما جبلين بمكة والمسافة بينهما ٧٦٠ ذراعًا ونصف، والصفا تجاه البيت الحرام.
وقد علتهما المباني وصار ما بينهما سوقًا.
والشعيرة والشعار والشعارة تطلق على المكان أو الشيء الذي يشعر بأمر له شأن.
وأطلق على معالم الحج ومواضع النسك وتسمي مشاعر -جمع مشعر- وعلى العمل الاجتماعي المخصوص الذي هو عبادة ونسك، ففي آية أخري لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ]] وهي مناسك الحج ومعالمه.
ومنه إشعار الهدي وهو جرح ما يهدى إلى الحرم من الإبل في صفحه سنامه ليعلم أنه نسك.
ويشعر البقر أيضًا دون الغنم.
ومن شواهده في اللغة شعار الحرب وهو ما يتعارف به الجيش.
ولقد رمى رجل جمرة فأصابت جبهة عمر فقال رجل شعرت جبهة أمير المؤمنين يريد جرحت، سمي الجرح بذلك لأنه علامة.
وقال عند ذلك رجل لهبي: سيقتل أمير المؤمنين.
وكان ما قال.
فأما كون المواضع كالصفا والمروة من علامات دين الله أو أعلام دينه فظاهر وأما كون المناسك والأعمال شعائر وعلامات فوجهه أن القيام بها علامة علي الخضوع لله تعالي وعبادته إيمانًا وتسليمًا.
فالشعائر إذن لا تطلق إلا علي الأعمال المشروعة التي فيها تعبد لله تعالى، ولذلك غلب استعمال الشعائر في أعمال الحج لأنها تعبدية، قال في الصحاح: الشعائر أعمال الحج وكل ما جعل علمًا لطاعة الله .
وقال الزجاج في قوله تعالي لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ]] أي جميع متعبداته التي أشعرها الله أي جعلها أعلامًا لنا: إلخ فهو يريد أن الشعائر من أشعره بالشيء أعلمه به.
وقد صرح بذلك، ولكنه لا يدل بهذا علي معنى التعبد إذ قد أعلمنا الله تعالى بالأحكام التي لا تعبد فيها أيضًا، والشعائر لم تطلق في القرآن إلا على مناسك الحج الاجتماعية، وألحق بها بعضهم ما في معناها من عبادات الإسلام الاجتماعية كالأذان وصلاة الجمعة والعيدين.
في الأحكام التي شرعها الله تعالي نوع يسمى بالشعائر ومنها ما لا يسمى بذلك كأحكام المعاملات كافة، لأنها شرعت لمصالح البشر فلها علل وأسباب يسهل على كل إنسان أن يفهمها، فهذا أحد أقسام الشرائع.
والقسم الثاني هو ما تعبدنا الله تعالي به كالصلاة على وجه مخصوص، وكالتوجه فيها إلى مكان مخصوص سماه الله بيته مع أنه من خلقه كسائر العالم.
فهذا شيء شرعه الله وتعبدنا به لعلمه بأن فيه مصلحة لنا ولكننا نحن لا نفهم سر ذلك تمام الفهم من كل وجه.
والسعي بين الصفا والمروة من هذا النوع التعبدي، فهو مطلوب بقوله تعالى فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا]] حج البيت قصده للنسك والإتيان بالمناسك المعروفة هنالك، والاعتمار مناسك العمرة وهي دون مناسك الحج فليس في العمرة وقوف بعرفة ولا مبيت بمزدلفة ولا رمي جمار في منى.
والجُناح بالضم الميل إلى الإثم كجنوح السفينة إلى وحل ترتطم فيه، والإثم نفسه.
وأصله من جناح الطائر.
ويطوف بتشديد الواو من التطوف وهو تكرار الطواف أو تكلفه.
والمعني فليس عليه شيء من جنس الجناح -وهو الميل والانحراف عن جادة النسك- في التطوف بهما.
وهذا التطوف هو الذي عرف في الاصطلاح بالسعي بين الصفا والمروة وفسرته السنة بالعمل، وهو من مناسك الحج بالإجماع والعمل المتواتر، وإذ كان مشروعًا فسواء كان ركنًا كما يقول مالك والشافعي وغيرهما أو واجبًا كما يقول الحنفية، أو مندوبًا كما روي عن أحمد.
وقالوا في حكمة التعبير عنه بنفي الجناح الذي يصدق بالمباح: إنه للإشارة إلى تخطئة المشركين الذي كانوا ينكرون كون الصفا والمروة من الشعائر، وأن السعي بينها من مناسك إبراهيم، فهو لا ينافي الطلب جزمًا.
وكذلك قول تعالي وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا]] في هذا التطوف أو غيره أو كرر الحج أو العمرة فزاد علي الفريضة، أي تحمله طوعًا -كما قال الراغب- فإن التطوع في اللغة الإتيان بما في الطوع أو بالطاعة أو تكلفها أو الإكثار منها.
وأطلق على التبرع بالخير لأنه طوع لا كره ولا إكراه فيه، وعلي الإكثار من الطاعة بالزيادة علي الواجب، ومنه قوله في حديث الأعرابي "إلا أَن تطوع"، أي تزيد علي الفريضة فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ]] أي فإن الله يثيبه لأنه شاكر يجزي علي الإحسان، عليهم بمن يستحق الجزاء.
وصف الباري تعالى بالشاكر لا يظهر على حقيقته فلا بد من حمله على المجاز.
فالشكر في اللغة مقابلة النعمة والإحسان، بالثناء والعرفان، وشكر الناس لله في اصطلاح الشرع عبارة عن صرف نعمه فيما خلقت لأجله، وكلاهما لا يظهر بالنسبة إلي الله تعالى إذ لا يمكن لأحد عنده يد أو يناله من أحد نعمة يشكرها له بهذا المعنى.
فالمعنى إذًا أن الله تعالى قادر علي إثابة المحسنين وأنه لا يضيع أجر العاملين، فبهذا المعنى سميت مقابلة العامل بالجزاء الذي يستحقه شكرًا، وسمى الله تعالى نفسه شاكرًا.
والنكتة في اختيار هذا التعبير تعليمنا الأدب فقد علمنا بهذا أدبًا من أكمل الآداب بما سمى إحسانه وإنعامه علي العاملين شكرًا مع أن عملهم لا ينفعه ولا يدفع عنه ضرًا فيكون إنعامًا عليه ويدًا عنده، وإنما منفعته لهم فهو في الحقيقة من نعمه عليهم إذ هداهم إليه، وأقدرهم عليه، فهل يليق بمن يفهم هذا الخطاب الأعلى، أن يرى نعم الله عليه لا تعد ولا تحصى، وهو لا يشكره ولا يستعمل نعمه فيما سيقت لأجله؟
ثم هل يليق به أن يرى بعض الناس يسدي إليه معروفًا ثم لا يشكره له ولا يكافئه عليه، وإن كان هو فوق صاحب المعروف رتبة وأعلى منه طبقة؟
كيف وقد سمي الله تعالي جَدُّه وجل ثناؤه إنعامه على من يحسنون إلى أنفسهم وإلى الناس شكرًا، والله الخالق وهم المخلوقون، وهو الغني الحميد وهم الفقراء المعوزون؟
شكر النعمة والمكافأة على المعروف من أركان العمران، وترك الشكر والمكافأة مفسدة لا تضاهيها مفسدة، إذ هي مدعاة ترك المعروف كما أن الشكر مدعاة المزيد، ولذلك أوجب الله تعالى علينا شكره، وجعل في ذلك مصلحتنا ومنفعتنا، لأن كفران نعمه بإهمالها أو بعدم استعمالها فيما خلقت لأجله أو بعدم ملاحظة أنها من فضله وكرمه تعالى، كل ذلك من أسباب الشقاء والبلاء.
وأما تركنا شكر الناس وتقدير أعمالهم قدرها سواء كان عملهم النافع موجهًا إلينا أو إلى غيرنا من الخلق، فهو جناية منا على الناس وعلى أنفسنا، لأن صانع المعروف إذا لم يلق إلا الكفران فإن الناس يتركون عمل المعروف في الغالب، فنحرم منه ونقع مع الأكثرين في ضده فنكون من الخاسرين.
وإنما قلنا "في الغالب" لأن في الناس من يصنع المعروف ويسعى في الخير رغبة في الخير والمعروف وطلبًا للكمال، ولكن أصحاب هذه النفوس الكبيرة والأخلاق العالية التي لا ينظر ذووها إلى مقابلة الناس لأعمالهم بالشكر، ولا يصدهم عن الصنيعة جهل الناس بقيمة صنيعتهم، قلما تلد القرون واحدًا منهم، ثم إن كفران النعم لا بد أن يؤثر في نفس من عساه يوجد منهم فإن لم يكن أثره ترك السعي والعمل، كان الفتور والوني فيه، وإذا لم يدع المعروف فاعله لكفران الناس لسعيه تركه لليأس من فائدته، أو للحذر من سوء مغبته، إذ الحاسدون من الأشرار، يسعون دائمًا في إيذاء الأخيار، كذلك الشكر يؤثر في إنهاض همة أعلياء الهمة من المخلصين في أعمالهم الذين لا يريدون عليها جزاء ولا شكورًا، ذلك أنهم يرون عملهم الخير نافعًا فيزيدون منه كما أنهم إذا رأوه ضائعًا يكفون عنه.
ويروون في هذا حديثًا ارتقى به بعضهم إلى درجة الحسن وهو: "عجبت لمحمد كيف يسمن من أذنيه".
أي كان إذا ذكرت أعماله الشريفة وسعيه في الخير المطلق يسر ويسمن -هذا هو أخلص المخلصين، الفاني في الله تعالى لا يبتغي بعمله غير مرضاته، فكيف لا يكون غيره أجدر بذلك ممن إذا سلم من الانبعاث إلى الخير بباعث الشكر والثناء فلا يكاد يسلم من حب الثناء لذاته فضلًا عن مقت الكفران والكنود؟
<div class="verse-tafsir"
كان علماء أهل الكتاب يكتمون بعض ما في كتبهم بعدم ذكر نصوصه للناس عند الحاجة إليه أو السؤال عنه كالبشارات بالنبي وصفاته، وكحكم رجم الزاني الذي ورد ذكره في سورة المائدة، ويكتمون بعضه بتحريف الكلم عن مواضعه بالترجمة أو النطق أو حمله على غير معاينه بالتأويل إتباعًا لأهوائهم، كما فعلوا بلفظ "الفارقليط"، ففضحهم الله تعالى بهذه الآيات التي سجلت عليهم وعلى أمثالهم اللعنة العامة الدائمة، قال ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ﴾ .
هذه الآية عود إلى أصل السياق وهو معاداة النبي ومعاندته من الكفار عامة ومن اليهود خاصة، والكلام في القبلة إنما كان في معرض جحودهم وعداوتهم أيضًا، وجاء فيه أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وأن فريقًا منهم يكتمون الحق وهم يعلمون، ولم يذكر هناك وعيد هؤلاء الكاتمين لان ذكر الكتمان ورد مورد الاحتجاج عليهم، وتسلية للنبي والمؤمنين على إيذائهم، ثم عاد هنا فذكره، وهو عبارة عن إنكارهم إخبار أنبيائهم عنه وبشارتهم به ، وجعلهم ذلك حجة سلبية على إنكار نبوته، إذ كانوا يقولون: إن الأنبياء يبشر بعضهم ببعض ولم يبشروا بأن سيبعث نبي من العرب أبناء إسماعيل، ولم يجيء بيان في كتبهم عن دينه وكتابه.
فالله تعالى يقول: إنهم يكتمون ما أنزل الله في شأن محمد من بعد ما بينه لهم في الكتاب، وهو اسم جنس يشمل جميع كتب الأنبياء عندهم.
وقد اختلف الناس في صفة هذا الكتمان فقال بعضهم أنهم كانوا يحذفون أوصافه والبشارات فيه من كتبهم، وهو غير معقول، إذ لا يمكن أن يتواطأ أهل الكتاب على ذلك في جميع الأقطار، ولو فعله الذين كانوا في بلاد العرب لظهر اختلاف كتبهم مع كتب إخوانهم في الشام وأوروبة مثلًا.
ويذهب آخرون إلى أن الإنكار كان بالتحريف والتأويل وحمل الأوصاف التي وردت فيه والدلائل التي تثبت نبوته على غيره حتى إذا سئلوا: هل لهذا النبي ذكر في كتبكم؟
قالوا: لا.
على أن في كتبهم أوصافًا لا تنطبق إلا على نبي في بلاد العرب وأظهرها ما في التوراة وكتاب"أشعيا"فإنه لا يقبل التأويل إلا بغاية التحمل والتعسف.
وكذلك فعلوا بالدلائل على نبوة المسيح فإنهم أنكروا انطباقها عليه وزعموا إنها لغيره، ولا يزالون ينتظرون ذلك الغير.
وقد بيّن الله تعالى في هذه الآية أنهم لم يقتصروا على كتمان الشهادة للنبي بالتأويل بل كتموا ما في الكتاب من الهدى والإرشاد بضروب التأويل أيضًا حتى أفسدوا الدين وانحرفوا بالناس عن صراطه وذكر جزاءهم فقال ﴿ أُولَٰئِكَ ﴾ أي الذين كتموا البيانات والهدى فحرموا النور السابق والنور اللاحق، أو الذين شانهم هذا الكتمان في الحال والاستقبال ﴿ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ أما لعن الله لهم فهو حرمانهم من رحمته الخاصة بالمؤمنين في الدنيا والآخرة.
وأما لعن اللاعنين لهم فليس معناه أنه ينبغي أن يطلب لعنهم، وإنما معناه أنهم بفعلتهم هذه موضع لعنة اللاعنين الآتي ذكرهم في الآية الآتية ﴿ إِلا الَّذِينَ تَابُوا ﴾ عن الكتمان ﴿ وَأَصْلَحُوا ﴾ عملهم بالأخذ بتلك البيانات عن النبي ودينه والهدى الذي جاء به ﴿ وَبَيَّنُوا ﴾ ما كانوا يكتمونه أو بينوا إصلاحهم، وجاهروا بعملهم الصالح وأظهروه للناس، فان بعض الناس يعرف الحق، ويعمل به ولكنه يكتم عمله ويسره موافقة للناس فيما هم لئلا يعيبوه، وهذا ضرب من الشرك الخفي وإيثار الخلق على الحق، لذلك اشترط في توبتهم إظهار إصلاحهم والمجاهرة بأعمالهم ليكونوا حجة على المنكرين، وقدوة صالحة لضعفاء التائبين.
﴿ فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ أي أرجع وأعود عليهم بالرحمة والرأفة، بعد الحرمان المعبر عنه باللعنة.
وهذا من ألطف أنواع التأديب الإلهي، فإنه لم يذكر أنه يقبل توبتهم كما هو الواقع، بل أسند إلى ذاته العلية فعل التوبة الذي أسنده إليهم، وزاد على ذلك من تأنيسهم وترغيبهم أن قال ﴿ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ يصف نفسه سبحانه بكثرة الرجوع والتوبة، للإيذان بالتكرار، كلما أذنب العبد وتاب، حتى لا ييأس من رحمة ربه، إذا هو عاد إلى ذنبه.
فأي ترغيب في ذلك أبلغ من هذا وأشد تأثيرًا منه لمن يشعر ويعقل؟
ثم إن العبرة في الآية هي إن حكمها عام وإن كان سببها خاصًا، فكل من يكتم آيات الله وهدايته عن الناس فهو مستحق لهذه اللعنة.
ولما كان هذا الوعيد وأشباهه حجة على الذين لبسوا لباس الدين من المسلمين وانتحلوا الرئاسة لأنفسهم بعلمه، حاولوا التفصي منه، فقال بعضهم: إن الكتمان لا يتحقق إلا إذا سئل العالم عن حكم الله تعالى فكتمه، وأخذوا من هذا التأويل قاعدة هي أن العلماء لا يجب عليهم نشر ما أنزل الله تعالى ودعوة الناس إليه وبيانه لهم، وإنما يجب على العالم إن يجيب إذا سئل عما يعلمه، وزاد بعضهم إذا لم يكن هناك عالم غيره وإلا كان له أن يحيل على غيره.
وهذه القاعدة مسلمة عند أكثر المنتسبين إلى العلم اليوم وقبل اليوم بقرون، وقد ردها أهل العلم الصحيح فقالوا: إن القرآن الكريم لم يكتف بالوعيد على الكتمان، بل أمر ببيان هداه للناس، وبالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأوعد من يترك هذه الفريضة وذكر لهم العبر فيما حكاه عن الذين قصروا فيها من قبل كقوله تعالى ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ﴾ إلخ وقوله ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾ -إلى قوله في المتفرقين عن الحق- ﴿ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ وقوله ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﴾ -إلى قوله في عصيانهم الذي هو سبب لعنتهم- ﴿ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ إلخ فأخبر تعالى أنه لعن الأمة كلها لتركهم التناهي عن المنكر.
نعم إن هذا فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولكن لا يكفي في كل قطر واحدٌ كما قال بعض الفقهاء، بل لا بد أن تقوم به أمة من الناس كما قال الله تعالى، لتكون لهم قوة ولنهيهم وأمرهم تأثير.
وذهب بعض المؤولين مذهبًا آخر هو أن هذا الوعيد مخصوص بالكافرين، فترك المؤمن فريضة من الفرائض كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكسر لا يستحق به وعيد الكافرين فليحقه بالكفار.
وهذا كلام قد ألفته الأسماع، وأُخذ بالتسليم واستعمل في الإفحام والإقناع، فإن الذي يسمعه على علاته يرى نفسه ملزمًا برمي تاركي الأمر بالمعروف والدعوة إلى الخير والنهي عن المنكر بالكفر، وذلك مخالف للقواعد التي وضعوها للعقائد فلا يستطيع أن يقول ذلك.
ولكنه إذا عرض على الله في الآخرة وعلى كتابه في الدنيا يظهر أنه لا قيمة له، وإذا بحثت فيه يظهر له أن الذي يرى حرمات الله تنتهك أمام عينيه، ودين الله يداس جهارًا بين يديه، ويرى البدع تمحو السنن، والضلال يغشي الهدى، ولا ينبض له عرق ولا ينفعل له وجدان، ولا يندفع لنصرته بيد ولا بلسان، هو هذا الذي إذا قيل له إن فلانًا يريد أن يصادرك في شيء من رزقك "كالجراية مثلًا" أو يحاول أن يتقدم عليك عند الأمراء والحكام، تجيش في صدره المراجل، ويضطرب باله، ويتألم قلبه، وربما تجافى جنبه عن مضجعه، وهجر الرقادُ عينيه، ثم إنه يجد ويجتهد ويعمل الفكر في استنباط الحيل وإحكام التدبير لمدافعة ذلك الخصم أو الإيقاع به، فهل يكون لدين الله تعالى في نفس مثل هذا قيمته؟
وهل يصدق أن الإيمان قد تمكن من قلبه، البرهان عليه قد حكم عقله، والإذعان إليه قد أثلج صدره؟
يسهل على من نظر في بعض كتب العقائد التي بنيت على أساس الجدل أن يجادل نفسه ويغشها بما يسليها به من الأماني التي يسميها إيمانًا، ولكنه لو حاسبها فناقشها الحساب ورجع إلى عقله ووجدانه لعلم أنه اتخذ إلهه هواه، وأنه يعبد شهوته من دون الله، وأن صفات المؤمنين التي سردها الكتاب سردًا، وأحصاها عدًا، -وأظهرها بذل المال والنفس في سبيل الله ونشر الدعوة وتأييد الحق- كلها بريئة منه، وأن صفات المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم كلها راسخة فيه.
فليحاسب امرؤ نفسه قبل أن يحاسب، وليتب إلى الله قبل حلول الأجل، لعله يتوب عليه وهو التواب الرحيم.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ تقدم في الآية السابقة استحقاق اللعن للكافرين بكتمان الحق، واستثنى منهم الذين يتوبون، ثم ذكر في هذه الآية وما بعدها بيان أولئك الملعونين وشرط استحقاق اللعن الأبدي الذي يلزمه الخلود في دار الهوان وهو أن يموتوا على كفرهم فأولئك تسجل عليهم اللعنة ويخلدون فيها لا تنفعهم معها شفاعة ولا وسيلة.
قال بعض المفسرين: إن المراد بالناس هنا المؤمنون كأن غيرهم ليسوا من الناس، وحجتهم أن حمله على ظاهره وهو العموم لا يصدق على أهل دين أولئك الكفار ومذاهبهم فإنهم لا يلعنونهم...
وهو احتجاج ضعيف، فإن أهل مذاهبهم إذا كانوا لا يلعنون الأشخاص الذين يعرفونهم منهم، فهم إذا شرحت لهم أحوالهم في كفرهم وإصرارهم على غيهم، وإعراضهم عن سعادتهم، وحال الداعي إلى الحق معهم، وذكر لهم كيف يشاقونه ويعاندونه، فهم يلعنونهم أو يرونهم محلًا للعنة ومستحقين لأشد العقوبة، فإن المراد أن هؤلاء الكافرين المصرين على كفرهم إلى الموت أهل اللعنة وموضوع لها من الله ومن عالم الملائكة الروحانيين، ومن الناس أجمعين، فإن الكافر من الناس إذا ذكر له الكفر وأهله وعنادهم واستكبارهم عن الحق لعنهم، ولكنه قد يخطئ في حمل صفات الكفر على أصحابها.
والنكتة في ذكر لعنة الملائكة والناس مع أن لعنة الله وحده كافية في خزيهم ونكالهم، هي بيان إن جميع من يعلم حالهم من العوالم العلوية والسفلية يراهم محلًا للعنة الله ومقته، فلا يرجى أن يرأف بهم رائف، ولا إن يشفع لهم شافع، لان اللعنة صبت عليهم باستحقاق عند جميع من يعقل ويعلم.
ومن حرمه سوء سعيه من رحمة الرؤوف الرحيم فماذا يرجو من سواه؟
﴿ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ أي ماكثين في هذه اللعنة وما تقتضيه من شدة العذاب، لا يخرجون منها ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا هم ينظرون أي يمهلون من"الإنظار"ليتوبوا ويصلحوا، أو لا ينظر إليهم نظر مغفرة ورحمة، وقالوا إن الخلود في اللعنة عبارة عن الخلود في أثرها وهو النار بقرينة ﴿ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ]] لأن اللعنة تعمهم في الآخرة من جميع الملائكة والناس بحيث يظهر للعوالم أنهم لا يستحقون الرحمة حتى إن المرؤوسين يتبرأون من الرؤساء الذين كانوا يتبعونهم في الضلال ويتخذون كلامهم دينًا من دون كتاب الله كما سيأتي، فناسب بعد هذا أن يبين الله تعالى أن شارع الدين ومحق الحق هو واحد لا يعبد غيره، ولا تكتم هدايته، ولا يجعل كلام البشر معيارًا على كلامه، وهو مفيض الرحمة والإحسان، إذ الرحمة من صفاته الكاملة اللازمة، ليتذكر أولئك الضالون الكاتمون لبينات الله، المؤثرون عليها آراء رؤسائهم وأئمتهم ثقة بهم، واعتمادًا على شفاعتهم، أنهم لن يغنوا عنهم من الله شيئًا، ويعلموا وجه خطأهم في كتمان الحق ومعاداة أهله عنادًا من الرؤساء، وتقليًدا من المرؤوسين.
فقال: ﴿ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ ﴾ أي وإلهكم الحق الحقيق بالعبادة إله واحد لا إله مستحق لها إلا هو، فلا تشركوا به أحدًا.
والشرك به نوعان: (أحدهما): يتعلق بالألوهية والعبادة وهو أن يعتقد المرء أن في الخلق من يشاركه تعالى أو يعينه في أفعاله، ويحمله على بعضها ويصده عن بعض بشفاعته عنده لأجل قربه منه، كما يكون من بطانة الملوك المستبدين، وحواشيهم وحجابهم وأعوانهم، فهو يتوجه إلى هذا المؤثر عند الله بزعمه عندما يتوجه إليه تعالى في الدعاء فيدعوه معه، وقد يدعوه من دونه عند شدة الحاجة لكشف ضر أو جلب نفع أعيته أسبابهما، وهذا مخ العبادة.
(وثانيهما): يتعلق بالربوبية وهو إسناد الخلق والتدبير إلى غيره معه، أو أن تؤخذ أحكام الدين في عبادة الله تعالى والتحليل والتحريم عن غيره، أي غير كتابه ووحيه الذي بلّغه عنه رسله بحجة أن من يؤخذ عنهم الدين من غير بيان الوحي أعلم بمراد الله فيترك الأخذ من الكتاب لرأيهم وقولهم، وهو المراد بقوله تعالى ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ ﴾ كما سيأتي في موضعه إن شاء كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، وظاهر أن الواجب على العلماء بالدين إن يبينوا للناس ما نزله الله ولا يكتموه لا أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه كما زاد أهل الكتب المنزلة كلهم عبادات وأحكامًا كثيرة زائدة على الوحي أو مخالفة له يتأولونه لأجلها دون العكس، وإذا كان الله تعالى واحدًا لا إله إلا هو فلا ينبغي أن يشرك معه غيره فهو كذلك ﴿ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ أي الكامل الرحمة فلا ينبغي أن يعرض العبد أن يعرض العبد عن أسباب رحمته اعتمادًا على سواه ممن يظن أنهم مقربون عنده، فحسب المؤمن من رحمة الله التي وسعت كل شيء أن يستغني بالتصدي لها عن رجاء سواها وإلا كان من الخائبين.
نبههم إلى أن المنافع التي يرقبونها من شركهم إنما هي بيده الكريمة وحده، كأنه يقول إذا انتم تركتم ما أنتم فيه لأجله تعالى فهو بتفرده بالألوهية يكفيكم كل ضرر تخافونه، ويعطيكم برحمته الواسعة كل ما ترجونه، فان بيده ملكوت كل شيء، وكل ما تعتمدون عليه من دونه فليس محلًا للاعتماد، بل اعتمادكم عليه من قبيل الشرك فيجب أن تطرحوه جانبًا، وتعتقدوا أن الإله الذي بيده أزمة المنافع والقادر على دفع المضار وإيقاعها هو واحد لا سلطان لأحد على إرادته ولا مبدل لكلمته، ولا أوسع من رحمته، وإنما أكد أمر الوحدة هذا التأكيد تحذيرًا من طرق الشرك الخفية على أنها أساس الدين وأصله.
وقد فصلنا معاني التوحيد والشرك واسمي الرحمن والرحيم في تفسير الفاتحة.
أرأيت هذا الاتصال المحكم بين الآية وما قلبها؟
إن بعض المفسرين قد قطع عراه وفصمها، وجعل الآية جوابًا لقوم قالوا للنبي : انسب لنا ربك، قاله (الجلال) ..
والذي أراه أن سبب النزول إنما يحتاج إليه في آيات الأحكام لان معرفة الوقائع والحوادث التي نزل فيها الحكم تعين على فهمه وفقه حكمته وسره، ومثلها ما فيه إشارة إلى بعض الوقائع كغزوة بدر والنصر فيها ومصيبة المؤمنين في أُحد.
وأما الآيات المقررة للتوحيد وهو المقصود الأول من الدين فلا حاجة إلى التماس أسباب لنزولها بل هي لا تتوقف على انتظار السؤال، وإنما كان يبين عند كل مناسبة.
وما عساه يكون قد قارن نزولها من حادثة أو سؤال مثل هذا الذي ذكر آنفًا فهو إن صح رواية لا يزيدنا بيانًا في فهم الآية، ولا يصح أن يجعل سببًا لنزولها لا سيما بعد الذي علم من اتصالها بما قبلها كما يليق ببلاغة القرآن.
ومثل هذا السبب يجعل القرآن مبددًا متفرقًا لا ترتبط أجزاؤه، ولا تتصل أنحاؤه، ومثله ما قالوه في سبب الآية التي بعد هذه الآية، فإنها جاءت على سنة القرآن من وصل الدليل بالدعوى، ولكنهم رووا في سببها روايات منها أن آية ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ نزلت بالمدينة ثم سمع بها مشركو مكة فقالوا ما قالوا وعجبوا كيف يسع الخلق إله واحد وطلبوا الدليل على ذلك، كأنهم لم يكونوا قد سمعوا عليه دليلًا، وكأن هذه الدعوي لم تكن طرأت على أذهانهم ولا طرقت أبواب مسامعهم -على أن النبي كان قد أقام فيهم يدعوهم إلى هذا التوحيد عشر سنين ونيفًا، وسبق لهم التعجب منه ﴿ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ ومعظم ما نزل بمكة آيات وبراهين عليه، فكيف نسلم أن ما نراه في التنزيل المدني من آيتين متصلتين إحداهما في التوحيد والأخرى في دليله قد كان من الفصل بينهما أن نزل الدليل بعد المدلول بزمن طويل وسبب متأخر؟
ومن هنا يظهر أنها لا يصح أن تكون جوابًا للذين قالوا: انسب لنا ربك، أو: صف لنا ربك.
لان هذا السؤال إنما عمن لا يعرف شيئًا من صفات الرب العظيم -أو ممن يبغي أن يعرف مقدار علم المسؤول بهذه الصفات - ويجب أن يكون جوابه بذكر جميع ما يجب اعتقاده من التنزيه والصفات الثبوتية، ولم يذكر في الآية إلا الوحدة والرحمة، وترك ذكر العلم والحكمة والإرادة والقدرة، وهي صفات لا تعقل الألوهية إلا بها وسببه أن أولئك الكفار لم يكونوا يكتمونها ولا يشركون مع الله أحدًا فيها وإنما أشركوا في الألوهية بعبادة غير الله تعالى بالدعاء والنذور والقرابين ويستلزم هذا عدم اكتفائهم برحمته.
الَّذِينَ تَابُوا]] إلخ.
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ إلخ هذه آية قرآنية تشرح لنا بعض الآيات الكونية الدالة على وحدانية الله تعالى ورحمته الواسعة إثباتًا لما ورد في الآية قبلها من هذين الوصفين له تعالى على طريقة القرآن في قرن المسائل الاعتقادية بدلائلها وبراهينها كما ألمعنا.
وهذه الآيات أجناس: الأول والثاني - منها خلق السموات والأرض، ففيه آيات بينات كثيرة الأنواع يدهش المتأملين بعض ظواهرها، فكيف حال من اطلع على ما اكتشف العلماء من عجائبها، الدال على أن ما لم يعرفوه أعظم مما عرفوه منها.
تتألف هذه الأجرام السماوية من طوائف يبعد بعضها عن بعض بما يقدر بالملايين وألوف الملايين من سني سرعة النور، ولكل طائفة منها نظام كافل محكم، لا يبطل نظام بعضها نظام الآخر، لأن للمجموع نظامًا عامًا واحدًا يدل على أنه صادر عن إله واحد لا شريك له في خلقه وتقديره، وحكمته وتدبيره، وأقرب تلك الطوائف إلينا ما يسمونه النظام الشمسي، نسبة إلى شمسنا هذه التي تفيض أنوراها على أرضنا فتكون سببًا للحياة النباتية والحيوانية فيها.
والكواكب التابعة لهذه الشمس مختلفة في المقادير والأبعاد، وقد استقر كل منها في مداره، وحفظت النسبة بينه وبين الآخر بسنّة إلهية منتظمة حكيمة يعبرون عنها بالجاذبية العامة.
ولولا هذا النظام لانفلتت هذه الكواكب السابحة في أفلاكها فصدم بعضها بعضًا وهلكت العوالم بذلك، فهذا النظام آية على الرحمة الإلهية، ما أنه آية على الوحدانية.
هذه هي السموات تشير إلى آياتها عن بعد ﴿ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾ في جرمها ومادتها وشكلها وعوالمها المختلفة من جماد ونبات وحيوان، فلكل منها نظام عجيب وسنن إلهية مطردة في تكوينها، وتوالد ما يتولد من أحيائها، وغير ذلك حتى لو دققت النظر في أنواع الجمادات من الصخور المختلفة الأنواع، والجواهر المتعددة الخواص والألوان، لشاهدت من النظام فيها ومن أنواع المنافع في اختلافها وتنوعها ما تعلم به علم اليقين، أنها ترجع في ذلك إلى إبداع إله حكيم، رؤوف رحيم، لا شريك له في الخلق والتدبير.
يضاف إلى ذلك أن في الجماد حياة خاصة به دون الحياة النباتية.
فهذان جنسان من آياته تعالى يشملان أنواعًا وأفرادًا منها يتعذر إحصاؤها.
الجنس الثالث - قوله ﴿ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ وهو إن يجيء أحدهما فيذهب الآخر، ويطول هذا فيقصر ذاك، وكل ذلك بحسبان، مطرد في جميع الأقطار والبلدان، ومثله اختلاف الفصول باختلاف مواقع العرض والطول، وقد ذكر هذه الآية بعد خلق السموات والأرض لأن هذا الاختلاف هو أثر مقابلة الأرض للشمس وحركتها بإزائها، وتفصيل ذلك مشروح في محله من العلم الخاص بهذه المسائل.
وفي المشاهد من اختلاف الليل والنهار والفصول وما للناس في ذلك من المنافع والمصالح آيات بينات على وحدة مبدع هذا النظام المطرد ورحمته بعباده يسهل على كل أحد أن يفهمها وإن لم يعرف أسباب ذلك الاختلاف وتقديره.
وفي القرآن بيان لذلك في مواضع كثيرة كقوله تعالى ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا ﴾ فهذه الآية تهدي إلى ما في اختلاف الليل والنهار من المنافع العامة وفي معناه آيات أخرى.
وقال تعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ .
وهذه هداية إلى المنافع الدينية.
وهناك آيات تشير إلى أسباب هذا الاختلاف كقوله تعالى ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ﴾ وقوله ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ﴾ .
وصفوة القول في هذا المقام أن اختلاف الليل والنهار أثر من آثار النظام الشمسي وقلنا إن ذلك يدل على وحدة واهبة ومقدرة ونقول إن آثاره تدل على ذلك أيضًا، وأما دلالتها على رحمته تعالى فظاهرة مما تقدم الاستشهاد به من الآيات آنفًا.
الجنس الرابع - قوله ﴿ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ ﴾ الفلك "بالضم" اسم للسفينة ولجمعها.
وكان الظاهر أن تأتي هذه الآية في آخر الآيات ليكون ما للإنسان فيه صنع على حدة وما ليس له فيه صنع على حدة.
والنكتة في ذكرها عقيب آية الليل والنهار هي أن المسافرين في البر والبحر هم أشد الناس حاجة إلى تحديد اختلاف الليل والنهار ومراقبته على الوجه الذي ينتفع به، والمسافرون في البحر أحوج إلى معرفة الأوقات، وتحديد الجهات، لأن خطر الجهل عليهم أشد، وفائدة المعرفة لهم أعظم، ولذلك كان من ضروريات رباني السفن معرفة علم النجوم (الهيأة الفلكية) وعلم الليل والنهار من فروع هذا العلم قال تعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ فهذا وجه الترتيب بين ذكر الفلك وما قبله.
وأما كون الفلك آية فلا يظهر بادي الرأي كما يظهر كونها رحمة من قوله ﴿ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ ﴾ أي في أسفارهم وتجاراتهم، وما يعرف في هذا العصر بالمشاهدة والاختبار أكثر مما كان يعرف في العصور السالفة إذ كانت الفلك شراعية فلم يكن البخار يسير أمثال هذه البواخر والبوارج العظيمة التي تحكي مدنًا كبيرة فيها جميع المرافق التي يتمتع بها المترفون والملوك في البر من الأرائك والسرر والحمامات وغير ذلك أو قلاعًا وحصونًا فيها أقتل آلات الحرب.
وكل ذلك من رحمة الإله الذي خلق هذه الأشياء وهدى إليها الإنسان، فلا بد لفهم كونها آية على وحدانيته من فهم طبيعة الماء وطبيعة قانون الثقل في الأجسام وطبيعة الهواء والريح وزد على ذلك معرفة طبيعة البخار والكهرباء التي هي العمدة في سير الفلك الكبرى في زماننا فكل ذلك يجري على سنن إلهية مطردة منتظمة، تدل على أنها صادرة عن قوة واحدة هي مصدر الإبداع والنظام وهي قوة الإله الواحد الحكيم، الرحمن الرحيم.
الجنس الخامس- قوله ﴿ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ ﴾ المراد بالسماء هنا جهة العلو أو السحاب، لا ما قاله المخذولون الذين تجرأوا على الكذب على الله ورسوله فزعموا أن بين السماء والأرض بحرًا قالوا إنه موج مكفوف وأن المطر ينزل منه على قدر الحاجة في تفصيل اخترعوه ما أنزل الله به من سلطان، وتبعهم فيه أسرى النقل ولو خالف الحس والبرهان، ونزول المطر من الأمور المحسوسة التي لا تحتاج إلى نقل، ولا نظر عقل، وقد شرح كيفية تكوينه ونزوله العلماء الذين تكلموا في الكائنات، ووصفوا بالتدقيق الآيات المشاهدات، ولم يخرج شرحهم الطويل عن الكلمة الوجيزة في بعض الآيات التي ذكر فيها المطر وهو قوله تعالى ﴿ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ ﴾ فحرارة الهواء هي التي تبخر المياه والرطوبات وتثيرها الرياح في الجو حتى تتكاثف ببرودتها وتكون كسفًا من السحاب يتحلل منه الماء ويخرج من خلاله وينزل بثقله إلى الأرض وكثيرًا ما شاهدنا في جبال سورية كما يشاهد الناس في غيرها أن ينعقد السحاب في أثناء الجبل وينزل منه المطر والشمس طالعة فوقه حيث لا مطر، وقد يخترق الناس منطقة المطر إلى ما فوقها.
وقد وصف الله تعالى هذا الجنس من آياته بأعظم آثاره فقال ﴿ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ﴾ أي أوجد بسببه الحياة في الأرض الميتة بخلوها من صفات الأحياء كالنمو والتغذي والنتاج، وبث أي نشر وفرق في أرجائها من جميع أنواع الأحياء التي تدب عليها وهي لا تعد ولا تحصى، فبالماء حدثت حياة الأرض بالنبات، وبه استعدت لظهور أنواع الحيوان فيها.
وهل المراد الإحياء الأول وما تلاه من تولد الحيوانات المعبر عنها بكل دابة، أو ما يشاهد من آحاد الإحياء التي تتولد دائمًا في جميع بقاع الأرض؟
الظاهر أن المراد أولًا وبالذات الإحياء الأول المشار إليه بقوله تعالى في آية أخرى ﴿ أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ فهو يذكر جعل كل شيء حيًا بالماء، في إثر ذكر انفصال الأرض من السماء، وذلك أن مجموع السموات والأرض كان رتقًا أي مادة واحدة متصلًا بعض أجزائها ببعض على كونه ذرات غازية كالدخان كما قال في آية التكوين ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴾ .
ولما كان ذلك الفتق في الإجرام انفصل جرم الأرض عن جرم الشمس وصارت الأرض قطعة مستقلة مائرة ملتهبة وكانت مادة الماء -وهي ما يسميه علماء التحليل والتركيب (علم الكيمياء) بالأكسجين والهيدروجين- تتبخر من الأرض بما فيها من الحرارة فتلاقي في الجو برودة تجعلها ماء فينزل على الأرض كما وصفنا آنفًا فيبرد من حرارتها، وما زال كذلك حتى صارت الأرض كلها ماء وتكونت بعد ذلك اليابسة فيه وخرج النبات والحيوان وكل حي من الماء، فهذا هو الإحياء الأول.
وأما الإحياء المستمر المشاهد في كل بقاع الأرض دائمًا فهو المشار إليه بمثل قوله تعالى ﴿ وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ وذلك أننا نري كل أرض لا ينزل فيها المطر ولا تجري فيها المياه من الأراضي الممطورة لا في ظاهرها ولا في باطنها خالية من البنات والحيوان إلا أن يدخلها من أرض مجاورة لها ثم يعود منها.
فحياة الأحياء في الأرض إنما هي بالماء سواء في ذلك الإحياء الأول عند تكوين العوالم الحية وإيجاد أصول الأنواع، والإحياء المتجدد في أشخاص هذه الأنواع وجزئياتها التي تتولد وتنمو كل يوم.
وهذه المياه التي يتغذى بها النبات والحيوان على سطح هذه اليابسة كلها من المطر، ولا يستثني من ذلك أرض مصر فيقال إن حياتها بماء النيل دون المطر فإن مياه الأنهار والعيون التي تنبع من الأرض كلها من المطر فهو يتخلل الأرض فيجتمع فيندفع.
وقد امتن الله تعالى بذلك علينا وأرشدنا إلى آيته فيه فيقوله ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ﴾ الآية.
فالبحيرات التي هي ينابيع النيل من ماء المطر والزيادة التي تكون فيه أيام الفيضان هي من المطر الذي يمد هذه الينابيع ويمد النهر نفسه في مجراه من بلاد السودان، وكثرة الفيضان وقلته تابعة لكثرة المطر السنوي وقلته هناك.
هذا هو الماء في كونه مطرًا وفي كونه سببًا للحياة وهو آية في كيفية وجوده وتكونه فإنه يجري في ذلك على سنة إلهية حكيمة تدل على الوحدة والرحمة، ثم إنه آية في تأثيره في العوالم الحية أيضًا، فإن هذا النبات يسقى بماء واحد هو مصدر حياته، ثم هو مختلف في ألوانه، وطعومه وروائحه، فتجد في الأرض الواحدة نبتة الحنظل مع نبتة البطيخ، متشابهتين في الصورة متضادتين في الطعم، وتجد النخلة وتمرها ما تذوق حلاوة ولذة، وتجد في جانبها شجرة الليمون الحامض والنارنج وثمرها ما تعرف حموضة وملوحة، وتجد بالقرب منها شجرة الورد لها من الرائحة ما ليس للنخلة وما يخالف في أريجه زهر النارنج، بل يوجد في الشجر ما له زهر زكي الرائحة، فإذا قطعت الغصن الذي فيه هذا الزهر تنبعث منه رائحة خبيثة.
فتلك السنن التي يتكون بها المطر وينزل جارية بنظام واحد دقيق، وكذلك طرق تغذي النبات بالماء هي جارية بنظام واحد، فوحدة النظام وعدم الخلل فيه تدل على أن مصدره واحد، فهو من هذه الجهة يدل على الوحدانية الكاملة، ومن جهة ما للخلق فيه من المنافع والمرافق يدل على الرحمة الإلهية الشاملة.
وقل مثل هذا فيما بث الله تعالى في الأرض من كل دابة، فإنها آيات على الوحدة، ودلائل وجودية على عموم الرحمة.
الجنس السادس: قوله تعالى ﴿ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ﴾ ذكر آية الرياح بعد آية المطر للتناسب بينهما وتذكيرًا بالسبب، فان الرياح هي التي تثير السحاب وتسوقه في الجو إلى حيث يتحلل بخاره فيكون مطرا كما تقدم آنفًا في آية ﴿ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ ﴾ وتصريف الرياح تدبيرها وتوجيهها على حسب الإرادة ووفق الحكمة والنظام، فهي تهب في الأغلب من إحدى الجهات الأربع وتارة تأتي نكباء بين بين، وقد تكون متناوحة، أي تهب من كل ناحية، ومنها المقيم، ومنها الملقحة للنبات وللسحاب، وإذا هبت حارة في بعض الأماكن والأوقات فهي تهب عقب ذلك لطيفة الحرارة أو باردة، وكل ذلك يجري على سنة حكيمة تدل على وحدة مصدرها، ورحمة مدبرها.
الجنس السابع: قوله تعالى ﴿ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ﴾ أي الغيم المذلل المسحوب في الجواء لإنزال المطر في البلاد المختلفة.
ذكر السحاب هنا بعد ذكر تصريف الرياح لأنها هي التي تثيره وتجمعه وهي التي تسوقه إلى حيث يمطر وتفرق شمله أحيانًا فيمتنع المطر، ولم يذكره عند ذكر الماء مع أنه سببه المباشر ليرشدنا إلى أنه في نفسه آية، فإنه يتكون بنظام ويعترض بين السماء والأرض بنظام، فهو في ظاهره آية تدهش الناظر الجاهل بالسبب لو لم يألف ذلك ويأنس به، وإنما يعرفها معرفتها من وقف على السنن الإلهية في اجتماع الأجسام اللطيفة وافتراقها، وعلوها وهبوطها وهو ما يعبر عنه علماء هذا الشأن بالجاذبية، وهي أنواع منها جاذبية الثقل والجاذبية العامة وجاذبية الملاصقة وغيرها، ومن لا يعرف أسرار هذه الكائنات، وإنما ينظر إلى ظواهر فيراها كما تراها العجماوات، فهو لا يفهم معنى كونها آيات، لأنه أهمل آلة الفهم التي امتاز بها وهي العقل، ولذلك أخبر الله تعالى عن هذه الأجناس كلها إن فيها ﴿ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ فإنهم هم الذين ينظرون في أسبابها، ويدركون حكمها وأسرارها، ويميزون بين منافعها ومضارها، ويستدلون بما فيها من الإتقان والأحكام، والسنن التي قام بها النظام، على قدرة مبدعها وحكمته، وفضله ورحمته، وعلى استحقاقه للعبادة دون غيره من بريته، وبقدر ارتقاء العقل في العلم والعرفان، يكمل التوحيد في الإيمان، وإنما يشرك بالله أقل الناس عقلًا، وأكثرهم جهلًا.
أليس أكبر خذلان للدين وجناية عليه أن لا ينظر المنتسبون إليه في آياته التي يوجههم كتابه إلى النظر فيها، ويرشدهم إلى استخراج العبر منها؟
أليس من أشد المصائب على الملة إن يهجر رؤساء دين كهذا الدين العلوم التي تشرح حكم الله وآياته في خلقه ويعدوها مضعفة للدين أو ماحية له، خلافًا لكتاب الله الذي يستدل لهم بها ويعظم شأن النظر فيها؟
بلى..
وإنهم ليصرون على تقاليدهم هذه وليس عليها حجة وإنما اتبعوا فيها سنن قوم ممن قبلهم.
وكان بعض الحكماء المتأخرين يقول كلمة في أهل دينه الذين خذلوه: هكذا شان أهل الأديان كافة كأنهم تعاهدوا جميعًا على أن يكون سيرهم واحدًا.
وهذا المعنى مأخوذ من قول الله تعالى في الكافرين يتفقون في كل أمة على الطعن في نبيها ﴿ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ .
وقد يزعم بعض هؤلاء الذين يعادون علم الكون باسم الدين أن النظر في ظواهر هذه الأشياء كافٍ للاستدلال بها ومعرفة آيات صانعها وحكمته ورحمته.
فمثلهم كمثل من يكتفي من الكتاب برؤية جلده الظاهر وشكله من غير معرفة ما أودعه من العلم والحكمة.
نعم إن هذا الكون هو كتاب الإبداع الإلهي المفصح عن وجود الله وكماله، وجلاله وجماله، وإلى هذا الكتاب الإشارة بقوله تعالى ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾ وبقوله ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ﴾ .
فكلمات الله في التكوين باعتبار آثارها ومصداقها هي آحاد المخلوقات والمبدعات الإلهية، فإنها تنطق بلسان أفصح من لسان المقال، لكن لا يفهمه الذين هم عن السمع معزولون، وللعلم معادون، الواهمون أن معرفة الله تقتبس من الجدليات النظرية، والأقيسة المنطقية دون الدلائل الوجودية الحقيقية، ولو كان زعمهم حقيقة لا وهمًا، لكان الله سبحانه استدل في كتابه بالأدلة النظرية الفكرية، وذكر "الدور""والتسلسل" وغير ذلك من الاصطلاحات الكلامية، ولم يستدل بالسماء والأرض والليل والنهار والفلك والمطر وتأثيره في الحياة وغير ذلك من المخلوقات التي أرشدنا القرآن إلى النظر فيها، واستخراج الدلائل والعبر منها.
ألا إن لله كتابين: كتابًا مخلوقًا وهو الكون، وكتابًا منزلًا وهو القرآن، وإنما يرشدنا هذا إلى طرق العلم بذلك، بما أوتينا من العقل، فمن أطاع فهو من الفائزين، ومن أعرض فأولئك هم الخاسرون.
<div class="verse-tafsir"
هذه الآيات مبينة لحال الذين لا يعقلون تلك الآيات التي أقامتها الآية السابقة على توحيد الله تعالى ورحمته، ولذلك جعلوا له أندادًا يلتمسون منهم الخير والرحمة، ويدفعون ببركتهم البلاء والنقمة، ويأخذون عنهم الدين والشرعة.
قال المفسرون: إن الند هو المماثل، وزاد بعض اللغويين فيه قيدًا فقال: إنه المماثل الذي يعارض مثله ويقاومه.
ويفهم من هذا أن متخذي الأنداد يزعمون أنهم مماثلون لله تعالى في قدرته وعلمه وسلطانه يعارضونه في الحق ويقاومونه في التدبير، وهذا غير صحيح لأن القرآن قص علينا خبر متخذي الأنداد في آيات كثيرة صريحة في أنهم لا يعتقدون شيئا من هذا الذي يفهم أو يتوهم من عبارة المفسرين، بل يعتقدون غالبًا أن الله تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير وأن الأنداد وسطاء بينه وبين عباده يقربونهم إليه ويشفعون لهم عنده، ويقضون حاجاتهم بخوارق العادات أو يقضيها هو لأجلهم، ويحتجون لهذه العقيدة بأن المذنبين المقصرين لا يستطيعون الوصول إلى الله تعالى بأنفسهم، فلا بد لهم من واسطة بينهم وبينه وتعالى، كما هو المعهود من الرعايا الضعفاء، مع الملوك والأمراء، والوثنيون يقيسون الله تعالى على من يعظمونه من الرؤساء وعظماء الخلق، ولا سيما المستبدين منهم، الذين استعبدوا الناس استعبادًا بل تعبدوهم فعبدوهم.
فالآيات الناطقة بأنهم إذا سئلوا: من خلق كذا وكذا؟
يقولون: الله، كثيرة، وقال فيهم مع ذلك ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ وقال أيضًا ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ أي يقولون ما نعبدهم إلخ.
والأنداد عند جمهور المفسرين أعم من الأصنام والأوثان، فيشمل الرؤساء الذين خضع لهم بعض الناس خضوعًا دينيًا، ويدل عليه الآيات الآتية ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ﴾ إلخ فالمراد إذًا من الند من يطلب منه ما لا يطلب إلا من الله ، أو يؤخذ عنه ما لا يؤخذ إلا عن الله تعالى، وبيان الأول على ما قررناه مرارًا أن للأسباب مسببات لا تعدوها بحكمة الله في نظام الخلق، وأن لله تعالى أفعالا خاصة به، فطُلب المسببات من أسبابها ليس من اتخاذ الأنداد في شيء، وأن هناك أمورًا تخفى علينا أسبابها، ويعمى علينا طريق طِلابها، فيجب علينا، بإرشاد الدين والفطرة، أن نلجأ فيها إلى ذي القوة الغيبية ونطلبها من مسبب الأسباب لعله بعنايته ورحمته يهدينا إلى طريقها أو يبدلنا خيرًا منها، ويجب مع هذا بذل الجهد والطاقة في العمل بما نستطيع من الأسباب حتى لا يبقى في الإمكان شيء مع اعتقادنا بأن الأسباب كلها من فضل الله تعالى علينا ورحمته بنا، إذ هو الذي جعلها طرقًا للمقاصد وهدانا إليها بما وهبنا من العقل والمشاعر.
لا يسمح الدين للناس بأن يتركوا الحرث والزرع ويدعوا الله تعالى أن يخرج لهم الحب من الأرض بغير عمل منهم أخذًا بظاهر قوله ﴿ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ﴾ .
وإنما يهديهم إلى القيام بجميع الأعمال الممكنة لإنجاح الزراعة من الحرث والتسميد والبذر والسقي وغير ذلك، وأن يتكلوا على الله تعالى بعد ذلك فيما ليس بأيديهم ولم يهدهم لسببه بكسبهم كإنزال الأمطار، وإفاضة الأنهار، ودفع الجوائح، فإن استطاعوا شيئًا من ذلك فعليهم أن يطلبوه بعملهم لا بألسنتهم وقلوبهم، مع شكر الله تعالى على هدايتهم إليه، وأقدارهم عليه.
كذلك يحظر الدين عليهم أن ينفروا إلى الحرب والمدافعة عن الملة والبلاد عزلًا، أو حاملي سلاح دون سلاح العدو المعتدي عليهم اتكالًا على الله تعالى واعتمادًا على أن النصر بيده، بل يأمرهم بأن يعدوا للأعداء ما استطاعوا من قوة ويتكلوا بعد ذلك في الهجوم والأقدام، على عناية الله تعالى بتثبيت القلوب والأقدام، وغير ذلك من ضروب التوفيق والإلهام، فمن قصر في اتخاذ الأسباب اعتمادًا على الله فهو جاهل بالله، ومن التجأ إلى ما ليس بسبب من دون الله فهو مشرك بالله.
وهذا الذي يلجأ إليه من إنسان مكرم -كالأنبياء والصالحين، أو ملك من الملائكة المقربين، أو ما دون ذلك من مظاهر الخليقة، أو صنم أو تمثال جعل تذكارًا لشيء من هذه- يسمى ندًا لله وشريكًا له ووليًا من دونه، وقد نطق القرآن بجميع هذه الأسماء التي سماها المشركون ولم ينزل الله بها من سلطان.
قسم المفسرون الأنداد إلى قسمين: قسم يعمل بالاستقلال أي يقضي حاجة من يلجأ إليه بنفسه، يشفع عند الله تعالى ويتوسط لصاحب الحاجة فتقضى، وإنما كان الشفيع ندًا لأنه يستنزل من يشفع عنده عن رأيه ويحول من إرادته، وتحويل الإرادة لا بد أن يكون مسبوقًا بتغيير العلم بالمصلحة والحكمة إذ الإرادة تابعة للعلم دائمًا، وهذا هو المعروف من معنى الشفاعة عند السلاطين والحكام وهو محال على الله تعالى.
وأقل تغيير في علم المشفوع عنده هو أن يعلم إن الشفيع يهمه أمر من يشفع له ويتمنى لو تقضى حاجته.
ولا يرغب عن الأسباب إلى التعلق بالأنداد والشفعاء إلا من كان قليل الثقة بالسبب أو طالبًا ما هو أعجل منه، كالمريض يعالجه الأطباء فيتراءى له أو لأحد أقاربه أن يلجأ إلى من يعتقد تأثيرهم في السلطة الغيبية الخارجة عن الأسباب طلبًا للتعجيل بالشفاء ومثله سائر أصحاب الحاجات الذين يلجأون إلى من اتخذهم أولياء ليكفوهم عناء اتخاذ الأسباب.
ومنهم طلاب خدمة الحكومة.
وأما القسم الآخر من الأنداد فهو من يُتبع في الدين من غير أن يكون مبينًا للناس ما جاء عن الله تعالى ورسوله، فيُعمل بقوله وإن لم يعرف دليله ويُتخذ رأيه دينًا واجب الأتباع وإن ظهر أنه مخالف لما جاء عن الله ورسوله، اعتمادًا على أنه أعلم بالوحي ممن قلدوه دينهم وأوسع منهم فهمًا فيما نزل الله، وفي هؤلاء نزل قوله تعالى ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ كما ورد في التفسير المأثور عن رسول الله .
قد عظمت فتنة متخذي الأنداد بهم حتى كان حبهم إياهم من نوع حبهم ولذلك قال: ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ أي يجعلون من بعض خلق الله نظراء له فيما هو خاص به يحبونهم كحبه.
ذلك أن الحب ضروب شتي تختلف باختلاف أسبابها وعللها، وكلها ترجع إلى الأنس بالمحبوب أو الركون والالتجاء إليه عند الحاجة، فقد يحب الإنسان شخصًا لأنه يأنس به ويرتاح إلى لقائه لمشاكله بينهما ولا مشاكلة بين الله تعالى وبين الناس فيظهر فيهم هذا النوع من الحب.
ومن أسباب الحب اعتقاد المحب إن في المحبوب قدرة فوق قدرته، ونفوذًا يعلو نفوذه، مع ثقته بأنه يهتم لأمره ويعطف عليه، بحيث يمكنه اللجأ إليه عند الحاجة فيستعين به على ما سبيل له إليه بدونه.
فهذا الاعتقاد يحدث انجذابًا من المعتقد يصحبه شعور خفي بأن له قوة عالية مستمدة ممن يحب، ويعظم هذا النوع من الحب بمقدار ما يعتقد في المحبوب من الصفات والمزايا التي بها كان مصدر المنافع وركن اللاجئ، وكل ما للمخلوق من ذلك فهو ادخل في دائرة الأسباب والمسببات والأعمال الكسبية.
وأما قوة الخالق وقدرته وما يعتقده المؤمنون فيه من الرحمة الشاملة، والصفات الكاملة، والمشيئة النافذة، والتصرف المطلق في تسخير الأسباب والمسببات، والسلطان المطاع في الأرض والسموات فذلك مما يجعل حبه تعالى أعلى من كل ما يحب للرجاء فيه وانتظار الاستفادة منه ولغير ذلك.
وهذا الحب لا ينبغي إن يكون لغير الله تعالى إذ لا يُلجأ إلى غيره في كل شيء كما يُلجأ إليه.
ولكن متخذي الأنداد قد أشركوا أندادهم معه في هذا الحب، فحبهم إياهم من نوع حبهم إياه جل ثناؤه، لا يخصونه بنوع من الحب إذ لا يرجون منه إلا وقد جعلوا لأندادهم مثله أو ضربًا من التوسط الغيبي فيه، فهم كفار مشركون بهذا الحب الذي لا يصدر من مؤمن موحد، ولذلك قال تعالى بعد بيان شركهم هذا ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ من كل ما سواه، لأن حبهم له خاص به سبحانه لا يشركون فيه غيره، فحبهم ثابت كامل لأن متعلقه هو الكمال المطلق الذي يستمد منه كل كمال.
وأما متخذو الأنداد فإن حبهم متزعزع لا ثبات له ولا استقرار.
للمؤمن محبوب واحد يعتقد أن منه كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء، وله القدرة والسلطان، على جميع الأكوان، فما ناله من خير كسبي فهو بتوفيقه وهدايته وما جاء بغير حساب فهو بتسخيره وعنايته، وما توجه إليه من أمر فتعذر عليه، فهو يكله إليه، ويعول فيه عليه.
وللمشرك أنداد متعددون، وأرباب متفرقون، فإذا حزبه أمر، أو نزل به ضر، لجأ إلى بشر أو صخر، أو توسل بحيوان أو قبر، أو استشفع بزيد وعمرو، لا يدري أيهم يَسْمَع ويُسَمِّع، ويُشْفَع فَيُشَفَّع، فهو دائمًا مبلبل البال، لا يستقر من القلق على حال.
هذا هو حب المشركين للقسم الأول من الأنداد، ومن الحب نوع سببه الإحسان السابق، كما أن سبب الأول الرجاء بالإحسان اللاحق، ومن الإحسان ما تتمتع به ساعة أو يومًا أو أيامًا متاعًا قليلًا أو كثيرًا، ومنه ما تكون به سعيدًا في حياتك كلها كالتربية الصحيحة والتعليم النافع، والإرشاد إلى ما خفي من المنافع، وكل هذا مما يكون من الناس بكسبهم.
وليس في طاقة البشر أن يحسن بعضهم إلى بعض بإحسان إذا قبله المحسن إليه وعمل به يكون سعيدًا في الدنيا والآخرة بحيث تكون سعادته به غير متناهية وهذا الإحسان الذي يعجز عنه البشر هو هداية الدين التي تعلم الناس العقائد الصحيحة التي ترتقي بها العقول وتخرج بها من ظلمات الوثنية، والتعاليم التي تتهذب بها النفوس وتتزكى من الصفات البهيمية وقوانين العبادة التي تغذي العقائد والأخلاق، حتى لا يعتريها كسوف ولا محاق.
فالدين وضع إلهي يحسن الله تعالى به إلى البشر على لسان واحد منهم لا كسب له فيه ولا صنع، ولا يصل إليه بتلق ولا تعلم ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ﴾ فيجب أن يُحَب صاحب هذا الإحسان حبًا لا يُشْرَك به معه أحد، ولكن متخذي الأنداد بالمعنى الثاني في كلامنا قد أشركوا أندادهم مع الله تعالى في هذا الحب إذ جعلوا لهم شركة في هذا الإحسان بسوء التأويل كما تقدم فكما يأخذون بآرائهم على أنها دين من غير أن يعلموا من أين أخذوها، وإن لم يأمروهم بذلك بل وإن نهوهم عنه، يتمسكون كذلك بتأويلهم لما أنزل الله كأن التأويل أنزل معه بدون استعمال العقل ولأدلة اللغة وبقية نصوص الدين للعلم بصحته وانطباقه على الحق.
وأما المؤمنون حقًا فإنهم يوحدون الله تعالى ويخصونه بهذا الحب كما يوحدونه بالتشريع بمعنى أنهم لا يأخذون الدين إلا عن الوحي، ولا يفهمونه إلا بقرائن ما جاء به الوحي، وإنما الأئمة والعلماء ناقلون للنصوص ومبينون لها، بل قال الله تعالى للنبي نفسه ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ فهؤلاء المؤمنون يسترشدون بنقلهم وبيانهم، ولكنهم لا يقلدونهم في عقائدهم ولا عبادتهم، ولا يأخذون بآرائهم في الدين الذي هو عبارة عن سير الأرواح من عالم إلى عالم، بل يجوزون كل عقبة ويدوسون كل رئاسة في سبيل الله تعالى ومحبته وابتغاء رضوانه، فهم متعلقون بالله ومخلصون له ﴿ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ ﴿ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ فالمؤمنون هم المخلصون لله في دينهم الذين لا يأخذون أحكامه إلا عن وحيه، وأما متخذو الأنداد ومحبوهم بهذا المعني فهم الذين ورد في بعضهم ﴿ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ فهم لا يقبلون حكم الله في كتابه ولكن إذا دعوا ليحكم بينهم بآراء رؤسائهم اقبلوا مذعنين.
بعد هذا ذكر الله وعيد متخذي الأنداد على سنة القرآن فقال ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾ .
قرأ ابن عامر ونافع ويعقوب (ولو ترى) بالتاء على إن الخطاب للنبي ، وخبره لرأيت أمرًا عظيمًا وخطبًا فظيعًا وقرأها الباقون بالياء.
وقرأ يعقوب"إن"في الموضعين بالكسر على الاستئناف أو على إضمار القول.
أي لو يشاهد الذين ظلموا أنفسهم بتدنيسها بالشرك، وظلموا الناس بما غشوهم به من أقوالهم وأفعالهم فحملوهم على أن يتلو تلوهم، ويتخذوا الأنداد مثلهم، حين يرون العذاب في الآخرة فتنقطع بهم الأسباب، ولا تغني عنهم الأنداد والأرباب، أن القوة لله جميعًا يظهر تصرفها المطلق في كل موجود، ويتمثل لهم سلطانها تمثل المشهود، فلا تحجبهم عنها أسباب ظاهرة، ولا تخدعهم عنها قوى تُتوهم كامنة، لعلموا أن هذه القوة التي تدير عالم الآخرة هي عين القوة التي كانت تدير عالم الدنيا، وأنها قوة واحدة لا تأثير لغيرها فيها ولا في شيء من العالم بدونها، وأنهم كانوا ضالين في اللجأ إلى سواها، وإشراك غيرها معها، وأن هذا الضلال هبط بعقولهم وأرواحهم، وكان منشأ عقابهم وعذابهم، ولو رأوا مع هذا أن الله شديد العذاب لرأوا أمرًا هائلًا عظيمًا يندمون معه حيث لا ينفع الندم.
وأمثال هذا الوعيد على من يشوب إيمانه بأدنى شائبة من الشرك كثيرة في القرآن ثم هي تُتْرَك كلها ويُترَك معها ما يؤيده من السنة الصحيحة وسيرة السلف الصالحين، والأئمة المجتهدين، ويؤخذ بالشرك الصريح عملًا بأقوال أناس من الميتين، منهم من لا يعرف مطلقًا، وإنما سمي وليًا عملًا ببعض الرؤى والأحلام أو لاختراع بعض الطغاة، ومنهم من يُعْرَف في الجملة ولكن لا يعرف له تاريخ يوثق به، ولا رواية يصح الاعتماد عليها.
وإنما قدم الخلف الطالح كلام هؤلاء على كلام الله ورسوله وكلام أئمة السلف لأن العامة اعتقدت صلاحهم وولايتهم، والعامة قوة تخضع لها الخاصة في أكثر الأزمان.
ومن مباحث اللفظ في الآية قول (الجلال) إن الرؤية فيها علمية.
والرأي عندي أنها بصرية وإنما سلطت على المعقول لإنزاله منزلة المحسوس، كأنه قال: لو يتمثل لهم الأمر ويتشخص لرأوا أمرًا هائلًا عظيمًا لا يتصور نظيره وهو مجاز لا ألطف منه ولا أبدع، ويجوز أن يراد بالعذاب مظاهره، فتكون مسلطة على محسوس.
وقراءة "ولو ترى" أي لو رأيت حال هؤلاء الظالمين يومئذ لرأيت كذا وكذا.
وحذف جواب "لو" معهود في كلام العرب وفي كلام الناس اليوم وذلك عند قيام القرينة على مراد المتكلم ولو إجمالًا.
يقولون في شخص تغير حاله وانتقل إلى طور أعلى أو أدنى: لو رأيت فلانا اليوم -ويسكتون- والمراد معلوم والإجمال فيه مقصود، لتذهب النفس في تصويره كل مذهب، ويخترع له الخيال ما يمكن من الصور، و (لو) على كل حال هي التي لمجرد الشرط لا يراعى فيها امتناع لامتناع.
إننا قد اشترطنا في ابتداء قراءة التفسير أن نتكلم عن معنى القرآن من حيث هو دين جاء مكملًا للأرواح وسائقًا لها إلى سعادتها في طورها الدنيوي وطورها الأخروي.
ولا يتم لنا هذا إلا بالاعتبار وهو أن ننظر في الحسن الذي يمدحه الله تعالى ويأمر به ونرجع إلى أنفسنا لنري هل نحن متصفون به؟
وننظر في القبيح الذي يذمه وينهى عنه كذلك، ثم نجتهد في تزكية أنفسنا من القبيح وتحليتها بالحسن.
وههنا يجب علينا أن نبحث وننظر هل اتخذ المسلمون أندادًا كما اتخذ الذين من قبلهم أندادًا أم لا؟
فان هذا أهم ما يبحث فيه قارئ القرآن: اشتبه على بعض الباحثين السبب في سقوط المسلمين في الجهل العميم -إلا أفرادًا في بعض شعوبهم لا يكاد يظهر لهم أثر- وبحثوا في تاريخ الإسلام وما حدث فيه فكان له الأثر العظيم في الانقلاب، وكان من أهم المسائل التي عرضت لهم في ذلك مسألة التصوف وظنوا أن التصوف من أعظم الأسباب لسقوط المسلمين في الجهل بدينهم وبعدهم عن التوحيد الذي هو أساس عقائدهم، وليس الأمر عندنا كما ظنوا، وليس من غرضنا هنا ذكر تاريخه وبيان أحكامه وطرقه، وإنما نذكر الغرض منه بالإجمال، وما كان له بعد ذلك من الآثار.
ظهر التصوف في القرون الأولى للإسلام فكان له شأن كبير، وكان الغرض منه في أول الأمر تهذيب الأخلاق وترويض النفس بأعمال الدين، وجذبها إليه، وجعله وجدانًا لها، وتعريفها بأسراره وحكمه بالتدريج.
ابتلي الصوفية في أول أمرهم بالفقهاء الذين جمدوا على ظواهر الأحكام المتعلقة بالجوارح والتعامل، فكان هؤلاء ينكرون عليهم معرفة أسرار الدين ويرمونهم بالكفر، وكانت الدولة والسلطة للفقهاء لحاجة الأمراء والسلاطين إليهم، فاضطر الصوفية إلى إخفاء أمرهم، ووضع الرموز والاصطلاحات الخاصة بهم، وعدم قبول أحد معهم إلا بشروط واختبار طويل، فقالوا لا بد فيمن يكون منا أن يكون أولًا "طالبًا" "فمريدًا" فسالكًا.
وبعد السلوك إما أن "يصل" وإما أن "ينقطع"، فكانوا يختبرون أخلاق "الطالب" وأطواره زمنًا طويلًا ليعلموا أنه صحيح الإرادة صادق العزيمة لا يقصد مجرد الاطلاع على حالهم، والوقوف على أسرارهم، وبعد الثقة يأخذونه بالتدريج رويدًا رويدًا، ثم إنهم جعلوا للشيخ "المُسَلَّك" سلطة خاصة على مريديه حتى قالوا يجب أن يكون "المريد" مع الشيخ كالميت بين يدي الغاسل، لأن الشيخ يعرف أمراضه الروحية وعلاجها، فإذا أبيح له مناقشته ومطالبته بالدليل تتعسر معالجته أو تتعذر، فلا بد من التسليم له في كل شيء من غير منازعة، حتى لو أمره بمعصية لكان عليه أن يعتقد أنها لخيره، وأن فعلها نافع له ومتعين عليه، فكان من قواعدهم التسليم المحض والطاعة العمياء، وقالوا إن الوصول إلى العرفان المطلق لا يكون إلا بهذا.
ثم أحدثوا إظهار قبور من يموت من شيوخهم والعناية بزيارتها لأجل تذكر سلوكهم ومجاهدتهم، وأحوالهم ومشاهدتهم، لأن التذكر من أسباب القدوة والتأسي هو طريق التربية القويم عندهم وعند غيرهم.
فظهر من هذا الإجمال أن قصدهم في هذه الأمور كان صحيحًا، وأنهم ما كانوا يريدون إلا الخير المحض، لأن صحة القصد وحسن النية أساس طريقهم، ولكن ماذا كان أثر ذلك في المسلمين؟
كان منه أن مقاصد الصوفية الحسنة قد انقلبت ولم يبق من رسومهم الظاهرة إلا أصوات وحركات يسمونها ذكرًا يتبرأ منها كل صوفي، وإلا تعظيم قبور المشايخ تعظيمًا دينيًا مع الاعتقاد بان لهم سلطة غيبية تعلو الأسباب التي ارتبطت بها المسببات بحكمة الله تعالى، بها يديرون الكون ويتصرفون فيه كما يشاءون، وأنهم قد تكفلوا بقضاء حاج مريديهم والمستغيثين بهم أينما كانوا، وهذا الاعتقاد، هو عين اتخاذ الأنداد وهو مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف من الصحابة وأئمة التابعين والمجتهدين.
وزادوا على هذا شيئا آخر هو أظهر من قبحًا وهدمًا للدين وهو زعمهم أن "الشريعة" شيء" والحقيقة" شيء آخر، فإذا اقترف أحدهم ذنبًا فأنكر عليه منكر قالوا في المجرم إنه من أهل الحقيقة فلا اعتراض عليه، وفي المنكر انه من أهل الشريعة فلا التفات إليه!!
كأنهم يرون أن الله تعالى أنزل للناس دينين، وأنه يحاسبهم بوجهين، ويعاملهم معاملتين -حاش لله- نعم جاء في كلام بعض الصوفية ذكر الحقيقة مع الشريعة، ومرادهم به أن في كلام الله ورسوله ما يعلو أفهام العامة بما يشير إليه من دقائق الحكم والمعارف التي لا يعرفها إلا الراسخون في العلم، فحسب العامة من هذا الوقوف عند ظاهره، ومن آتاه الله بسطة في العلم ففهم منه شيئًا أعلى مما تصل إليه أفهام العامة فذلك فصل الله يؤتيه من يشاء ممن يجد ويجتهد للتزيد من العلم بالله وسنته في خلقه فهذا ما يسمونه على الحقيقة لا سواه، وليس فيه شيء يخالف الشريعة أو ينافيها، ومن أتاه الله نصيبًا من هذا العلم كان أَتقى لله من سواه ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ .
هكذا كان القوم -الصوفية الحقيقيون في طرف، والفقهاء في طرف آخر- وبعد ما فسد التصوف وانقلب من حال إلى حال مناقضة لها، وضعف الفقه فصار مناقشة لفظية في عبارات كتب المتأخرين، اتفق المتفقهة الجامدون، والمتصوفة الجاهلون، وأذعن أُولئك إلى هؤلاء واعترفوا لهم بالسر والكرامة، وسلموا لهم ما يخالف الشرع والعقل على أنه من علم الحقيقة، فصرت ترى العالم الذي قرأ الكتاب والسنة والفقه يأخذ العهد من رجل جاهل أُمي ويرى أنه يوصله إلى الله تعالى.
فإن كان كتاب الله وسنة رسوله وما فهم الأئمة واستنبط الفقهاء منهما، كل ذلك لا يفيد معرفة الله تعالى المعبر عنها بالوصول إليه، فلماذا شرع الله هذا الدين، والناس أغنياء عنه بأمثال هؤلاء الأميين، وهل القصور إذًا فيما نزل الله تعالى أم في بيان الرسول له وبيان الأئمة لما جاء عن الله تعالى والرسول؟!
حاش لله ولكتابه ورسوله، فلا طريق لمعرفته والوصول إلى رضوانه غير ما نزله من البينات والهدى، وإنما كان غرض الصوفية الصادقين فهم الكتاب والسنة مع التحقيق بمعارفهما، والتخلق والتأدب بآدابهما وأخذ النفوس بالعمل بهما، من غير تقليد لأهل الظاهر، ولا جمود على الظواهر.
ولقد تشوهت سيرة مدعي التصوف في هذا الزمان، وصارت رسومهم أشبه بالمعاصي والأهواء من رسوم الذين أفسدوا التصوف من قبلهم، وأظهرها في هذه البلاد الاحتفالات التي يسمونها "الموالد"، ومن العجيب أن تبع الفقهاء في استحسانها الأغنياء فصاروا يبذلون فيها الأموال العظيمة زاعمين أنهم يتقربون بها إلى الله تعالى، ولو طلب منهم بعض هذا المال لنشر علم أو إزالة منكر أو إعانة منكوب لضنوا به وبخلوا، ولا يرون ما يكون فيها من المنكرات منافيًا للتقرب إلى الله تعالى، كأن كرامة الشيخ الذي يحتفلون بمولده تبيح المحظورات، وتحل للناس التعاون على المنكرات.
فالموالد أسواق الفسوق، فيها خيام للعواهر، وحانات للخمور، ومراقص يجتمع فيها الرجال لمشاهدة الراقصات المتهتكات، الكاسيات العاريات، ومواضع أخرى لضروب من الفحش في القول والفعل يقصد بها إضحاك الناس وبعض هذه الموالد يكون في المقابر، ويرى كبار مشايخ الأزهر يتخطون هذا كله لحضور موائد الأغنياء في السرادقات والقباب العظيمة التي يضربونها وينصبون فيها الموائد المرفوعة، ويوقدون الشموع الكثيرة، احتفالًا باسم صاحب المولد، ويهنئ بعضهم بعضًا بهذا العمل الشريف في عرفهم.
لقد حدث أن بعض كبار الشيوخ في الأزهر دعوني للعشاء عند أحد المحتفلين فأبيت إجابة الدعوة فقيل لي في ذلك فقلت: إنني لا أحب أن أُكثر سواد الفاسقين، فإن هذه الموالد كلها منكرات.
ثم قلت لشيخ صديق لصاحب الدعوة: كم ينفق صاحبك في احتفاله بالمولد؟
قال: أربعمائة جنيه.
قلت لا شك أن هذا في سبيل الشيطان فلو كلَّمت صاحبك في أن يجعل ذلك لجماعة من "المجاورين" يذكرونه بخير ويدعون له.
فأجاب ذلك الشيخ قائلًا: إن الكون يلزم أن يكون فيه من هذا وهذا.
فقلت: هذا الذي أريد، فإن كوننا ليس فيه إلا هذه النفقات في الطرق المذمونة، فأحب أن ينفق صاحبك على نشر علم الدين ليكون بعض الإنفاق عندنا في الخير ويبقى للموالد أغنياء كثيرون.
فقال الشيخ حينئذ: أما قرأت حكاية الشعراني مع "الزمار" إذ رأى شيخًا كبيرًا ينفخ في مزمار والناس يتفرجون عليه فاعترض عليه في سره فما كان من الشيخ إلا أن قال: ياعبد الوهاب أتريد أن ينقص ملك ربك مزمار؟
فعلم الشعراني أنه من أولياء الله تعالى.
ثم تركني المشايخ بعد سرد الحكاية وذهبوا إلى المولد؟!!.
فلينظر الناظرون إلى أين وصل المسلمون ببركة التصوف واعتقاد أهله بغير فهم ولا مراعاة شرع.
اتخذوا الشيوخ أندادًا، وصار يقصد بزيارة القبور والأضرحة قضاء الحوائج وشفاء المرضى وسعة الرزق، بعد أن كانت للعبرة وتذكر القدوة، وصارت الحكايات الملفقة ناسخة فعلًا لما ورد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على الخير، ونتيجة ذلك كله أن المسلمين رغبوا عما شرع الله إلى ما توهموا أنه يرضي غيره ممن اتخذوهم أندادًا له وصاروا كالإباحيين في الغالب، فلا عجب إذا عم فيهم الجهل، واستحوذ عليهم الضعف، وحرموا ما وعد الله المؤمنين من النصر، لأنهم انسلخوا من مجموع ما وصف الله به المؤمنين.
ولم يكن في القرن الأول شيء من هذه التقاليد والأعمال التي نحن عليها، بل ولا في الثاني، ولا يشهد لهذه البدع كتاب ولا سنة، وإنما سرت إلينا بالتقليد أو العدوى من الأمم الأخرى، إذ رأى قومنا عندهم أمثال هذه الاحتفالات فظنوا أنهم إذا عملوا مثلها يكون لدينهم عظمة وشأن في نفوس تلك الأمم.
فهذا النوع من اتخاذ الأنداد كان من أهم أسباب تأخر المسلمين وسقوطهم فيما سقطوا فيه.
وهناك نوع آخر لم يكن أثره في الفتك بهم بأضعف من أثر الأول، وهو ترك الاهتداء بالكتاب والسنة واستبدال أقوال الناس بهما.
فلو دخل في الإسلام رجل عاقل أو شعب مرتق لحار لا يدري بم يأخذ؟
ولا على أي المذاهب والكتب في الأصول والفروع يعتمد، ولصعب علينا إقناعه بأن هذا هو الدين القيم دون سواه، أو بأن هذه المذاهب كلها على اختلافها شيء واحد.
ولو وقفنا عند حدود القرآن وما بينه من الهدى النبوي لسهل علينا أن نفهم ما الحنيفية السمحة التي لا حرج فيها ولا عسر؟
وما الدين الخالص الذي لا عوج فيه ولا خلف؟
ولكننا إذا نظرنا في أقوال الفقهاء وتشعبها، وخلافاتهم وعللها، فإننا نحار في ترجيح بعضها على بعض إذ نجد بعضها يحتج عليه بحديث صحيح وهو ظاهر الحكمة معقول المعنى ولكنه غير معتمد عندهم، بل يقولون فيه: المدرك قوي ولكنه لا يفتى به.
ولماذا؟
لأن فلانًا قال.
فقول رجل من رجال كثيرين جدًا نجهل تاريخ أكثرهم يكفي لترك السنة الصحيحة وإن ظهر أن المصلحة فيما جاءت به السنة، وبهذا قطعت الصلة بين ما نحن فيه وبين أصل الدين وينبوعه.
ونحن لا نطعن في أولئك القائلين أو المرجحين، سواء منهم من كان تاريخه معروفًا لنا ومن كان غير معروف، بل نحسن فيهم الظن ونقول: إنهم قالوا بما وصل إليه علمهم، ولم يجعلوا أنفسهم شارعين بل باحثين، وإنا نسترشد بكلامهم على أنهم دالون ومبينون لا على أنهم شارعون، بل نقول: إنه يجب على ذي الدين أن ينظر دائمًا إلى كتابه حتى لا يختلط ولا يشتبه عليه شيء من أحكامه، ولا يجوز لأحد أن يرجع في عقائده وعبادته إلا إلى الله تعالى، فإن كانت هناك واسطة الدلالة والتبليغ والتبيين لما نزل الله، وتطبيقه على ما نزل لأجله من حياة الروح والكمال الإنساني.
فيجب علينا أن نعتقد بأن الحكم لله تعالى وحده لا يؤخذ الدين عن غيره، كما يجب علينا أن نعتقد بأن لا فعل لغيره تعالى، فلا نطلب شيئًا إلا منه، وطلبنا منه يكون بالأخذ بالأسباب التي وضعها وهدانا إليها، فإن جهلنا أو عجزنا فإننا نلجأ إلى قدرته، ونستمد عنايته وحده، وبهذا نكون موحدين مخلصين له الدين كما أمرنا في كتابه المبين، ومن خرج عن هذا كان من متخذي الأنداد ﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ .
وبقي صنف آخر يشبه أن يكون من الأنداد وهم العامة، والذين اتخذوهم أندادًا هم علماء الدين، فإنهم يحلون لمرضاتهم ويحرمون، ويخالفون النصوص الصريحة بضروب سخيفة من التأويل لموافقة أهوائهم، فإن لم يفتوهم بخلاف النص التماسًا لخيرهم أو هربًا من سخطهم كتموا حكم الله من أجل ذلك، فترى أحدهم إذا سئل: أهذا حق أم باطل وحلال أم حرام؟
يغض من صوته بالجواب، ولا يجهر بالقول مداراة للعوام إذا كان الجواب على غير ما هم عليه، ولا سيما إذا كان هؤلاء العامة من الأغنياء وأصحاب السلطة.
ونقول: مداراة للعوام، حكاية لقولهم إذ يسمون النفاق والمحاباة في الدين مداراة لما كانت المداراة محمودة، وكذلك كان الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى ممن قبلهم يسمون كتمانهم بأسماء محمودة، ولكن الله تعالى لعنهم على ذلك وسجل لهم الكفر والفسوق والعصيان.
فهل يختلف حكمه فيرضى لهؤلاء بأن يؤثروا العامة على ربهم ويجعلونهم أندادًا له يحبونهم كحبه أو أشد؟
ترى العالم من هؤلاء ينتسب إلى الشرع ويحترم لأجله وهو مع ذلك يتبع هوى من لا يعرف الشرع، فهو من الذين إذا أوذوا في الله جعلوا فتنة الناس كعذاب الله، فلا يتخذون الله وليًا ولا نصيرًا.
فهل يكون المرء مؤمنًا إذا كان يترك دينه لأجل الناس؟
أم شرط الإيمان أن يصبر في سبيله على إيذاء الناس؟
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴾ ؟
إلخ كلا إن هؤلاء المتبوعين والتابعين بعضهم فتنة لبعض وسيتبرأ بعضهم من بعض كما أخبرنا تعالى في قوله: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ﴾ التبرؤ المبالغة في البراءة وهي التفصي ممن يكره قربه وجواره تنزهًا عنه.
و"إذ" ظرف متعلق بـ ﴿ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ﴾ في الآية السابقة، والكلام متصل لاحقه بسابقه في موضوع اتخاذ الأنداد.
وقد نطقت الآية السابقة أن عذاب الله تعالى سيحل بمتخذي الأنداد من دونه، وهو عام في التابع في الاتخاذ والمتبوع فيه، وفي أنواع الاتباع المذموم من التشريع بالرأي والهوى والتقليد فيه وغير ذلك من الضلال.
وبين في هاتين الآيتين تفصيل حال التابعين والمتبوعين في ذلك، وأورده بصيغة الماضي تمثيلًا لحال الفريقين في ذلك اليوم الذي ينكشف فيه الغطاء ويرى الناس فيه العذاب بعينهم، ويعرفون أسبابه من تأثير العقائد الباطلة والأعمال السيئة في أنفسهم، كأن الأمر قد وقع، والبلاء قد نزل، ورأى الرؤساء المضلون الذين اتُّبعوا أن إغواءهم للناس الذين اتَّبعوا رأيهم، وقلدوهم دينهم، قد ضاعف عذابهم، وحملهم مثل أوزار الذين أضلوهم فوق أوزارهم، فتبرأوا منهم، وتنصلوا من ضلالتهم ﴿ وَرَأَوْا الْعَذَابَ ﴾ أي والحال أنهم قد رأوا العذاب الذي هو جزاؤهم ماثلًا لهم يوم الحساب فأنى ينفعهم التبرؤ ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ﴾ أي الروابط التي كانت بينهم وبين التابعين وإنما كان ينفعهم في الدنيا لو أنهم آثروا به الحق على الرياسة والجاه والمنافع التي يستفيدها الرئيس باستهواء المرؤوس وإخضاعه له وحمله على اتباعه، أما وقد صدر عن نفوس ترتعد من رؤية العذاب الذي أشرفت عليه بما جنت واقترفت، بعد ما تقطعت الروابط والصلات بينها وبين المتبوعين واصطدمت، فلا منفعة للمتبرّىء تُرِكَت فيحمد تركها، ولا هدية للمتبرَّأ منه تُرْجَى فيحمد أثرها، وأسباب جمع سبب وهو في أصل اللغة الحبل الذي يُصْعَد به النخل وأمثاله من الشجر ثم غلب في كل ما يتوصل به إلى مقصد من المقاصد المعنوية.
لولا أن حيل بين المقلدين وهداية القرآن لكان لهم في هذه الآية أشد زلزال لجمودهم على أقوال الناس وآرائهم في الدين، سواء كانوا من الأحياء أم الميتين، وسواء كان التقليد في العقائد والعبادات أم في أحكام الحلال والحرام، إذ كل هذا مما يؤخذ عن الله ورسوله ليس لأحد فيه رأي ولا قول، إلا ما كان من الأحكام متعلقًا بالقضاء وما يتنازع فيه الناس فلأولي الأمر فيه الاجتهاد بشرطه: إقامة للعدل، وحفظًا للمصالح العامة والخاصة.
وإنما العلماء نقلة وأدلاء لا أنداد ولا أنبياء، فلا عصمة تحوط أحدهم فيعتمد على فهمه، وقصارى العدالة أن يُوثَق بنقله، ويستعان بعمله، وما تنازعوا فيه يرد إلى كتاب الله وسنة رسوله، فهناك القول الفصل والحكم العدل والله يحكم لا معقب لحكمه، ولا مرد لأمره.
في مثل هؤلاء المتبوعين والتابعين نزل قوله تعالى في سورة الأعراف ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنْ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ فكل يؤاخذ بعمله، فإذا حمل الأول الآخر على رأيه ودعاه إلى اتباعه فيه أو في رأي غيره الذي يقلده هو فيه فهو من الأئمة المضلين، وعليه إثمه ومثل إثم من أضلهم من غير أن ينقص من إثمهم شيء، إذ حرم الله عليهم اتخاذ الأنداد من دون الله فاتخذوهم.
وأما من يبدي في الدين فهمًا، ويقرر بحسب ما ظهر له من الدليل حكمًا، يريد أن يفتح به للناس أبواب الفقه، ويسهل لهم طريق العلم، ثم هو يأمر الناس بأن يعرضوا قوله على كتاب الله وسنة رسوله وينهاهم أن يأخذوا به إلا أن يقتنعوا بدليله، فهو من أئمة الهدى، وأعلام التقى، وليس يضره أن يقلد فيه بغير علمه، ويجعل ندًا لله من بعد موته، فإنه إذا كان مخطئًا وجاء ذلك المقلد له على غير بصيرة يوم القيامة ينسب ضلاله إليه، فإنه يتبرأ منه بحق ويقول ما أمرتك أن تأخذ بقولي على علاته ولا أعرفك.
فالذين يتخذون أندادًا يتبرأون كلهم يوم القيامة ممن اتخذوهم، ولكنهم يكونون على قسمين: قسم عبدهم الناس كالمسيح وبعض أولي العلم والتقوى من هذه الأمة ومن الأمم قبلها أو قلدوهم وأخذوا بأقوالهم في الدين من غير دليل شرعي كبعض الأئمة المهتدين من غير أن يأمرهم هؤلاء بعبادتهم أو تقليدهم، بل مع نهيهم إياهم عن عبادة غير الله تعالى وعن الاعتماد على غير وحيه في الدين-فهذا القسم غير مراد هنا لأن الذين عبدوا أولئك الأخيار أو قلدوهم دينهم لم يتبعوهم في الحقيقة إذ اتباعهم هو اتباع طريقتهم في الدين وما كانوا يشركون بالله أحدًا ولا شيئًا، ولا يقلدون في دينه أحدًا وإنما كانوا يأخذون دينه عن وحيه فقط.
وقسم أضلوا الناس بأحوالهم وأقوالهم فاتبعوهم على غير بصيرة ولا هدى فهؤلاء هم الذين يتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضًا، إذ تنقطع بهم أسباب الأهواء والمنافع الدنيوية التي تربط هنا بعضهم ببعض.
قال تعالى ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ ﴾ أي نتمنى لو أن لنا رجعة إلى الدنيا لنتبرأ من اتباع هؤلاء المضلين ونتنصل من رياستهم، أو لنتبع سبيل الحق ونأخذ بالتوحيد الخالص ونهتدي بكتاب الله وسنة رسوله، ثم نعود إلى هنا."الآخرة"- فنتبرأ من هؤلاء الضالين كما تبرأوا منا إذا نسعد بعملنا من حيث هم أشقياء بأعمالهم ﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ﴾ أي أن الله تعالى يظهر لهم كيف أن أعمالهم قد كان لها أسوأ الأثر في نفوسهم إذ جعلتها مستذلة مستعبدة لغير الله تعالى فأورثها ذلك من الظلمة والصغار ما كان حسرة وشقاء عليها.
فالأعمال هي التي كونت هذه الحسرات في النفس، ولكن لا يظهر ذلك إلا في الدار الآخرة التي تسعد فيها كل نفس بتزكيتها، وتشقى بتدسيتها ﴿ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ ﴾ إلى الدنيا صحيحي العقيدة ليصلحوا أعمالهم، فيشفوا غيظهم من رؤسائهم وأندادهم، ولا إلى الجنة لأن علة دخولهم في النار هي ذواتهم بما طبعتها عليه خرافات الشرط وحب الأنداد.
يقول المفسرون في مثل هذه الآيات إن هذا الكلام خاص بالكفار.
نعم إنه خاص بالكفار كما قالوا، ولكن من الخطأ أن يفهم من هذا الكلام ما يفصل بين المسلمين والقرآن إذ يصرفون كل وعيد فيه إلى المشركين واليهود والنصارى فينصرفون عن الاعتبار المقصود.
لهذا ترى المسلمين لا يتعظون بالقرآن، ويحسبون أن كلمة "لا إله إلا الله" يتحرك بها اللسان من غير قيام بحقوقها كافية للنجاة في الآخرة، على أن كثيرًا من الكافرين يقولها، ومنهم من يهز جسده، عند ذكر الله كما يهزه جماهيرهم، فهل هذا كل ما أراده الله من إنزال القرآن، وبعثة محمد ؟.
ليس هذا الذي يتوهمه الجاهلون من مراد المفسرين، فما بَيَّن الله تعالى ضروب الشرك وصفات الكافرين وأحوالهم إلا عبرة لمن يؤمن بكتابه حتى لا يقع فيما وقعوا فيه فيكون من الهالكين، ولكن رؤساء التقليد حالوا بين المسلمين وبين كتاب ربهم، بزعمهم أن المستعدين للاهتداء به قد انقرضوا ولا يمكن أن يخلفهم الزمان لما يشترط فيهم من الصفات والنعوت التي لا تتيسر لغيرهم، كمعرفة كذا وكذا من الفنون الصناعية والإحاطة بخلاف العلماء في الأحكام.
والذي يعرفه كل واقف على تاريخ الصدر الأول من المسلمين هو أن أهل القرنين الأول والثاني لم يكونوا يقلدون أحدًا، أي لم يكونوا يأخذون بآراء الناس وأقوال العلماء، بل كان العامي منهم على بينة من دينه يعرف من أين جاءت كل مسألة يعمل بها من مسائله، إذ كان علماء الصدر الأول يلقنون الناس الدين ببيان كتاب الله تعالى وسنة رسوله .
وكان الجاهل بالشئ يسأل عن حكم الله فيه فيجاب بأن الله تعالى قال كذا أو جرت سنة نبيه على كذا، فإن لم يكن عند المسؤول فيه هدى من كتاب أو سنة ذكر ما جرى عليه الصالحون وما يراه أشبه بما جاء في هذا الهدى أو أحال على غيره.
ولما تصدى بعض العلماء في القرن الثاني والثالث لاستنباط الأحكام واستخراج الفروع من أصولها -ومنهم الأئمة الأربعة- كانوا يذكرون الحكم بدليله على هذا النمط، فهم متفقون مع الصحابة والتابعين، عليهم الرضوان، على أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ بقول أحد في الدين ما لم يعرف دليله ويقتنع به.
ثم جاء من العماء المقلدين في القرون الوسطى من جعل قول المفتي للعامة بمنزلة الدليل، مع قولهم بأنه لو بلغه الحديث فعمل به كان كذلك أو أولى.
ثم خلف خلق أعرق منهم في التقليد فمنعوا كل الناس أخذ أي حكم من الكتاب أو السنة، وعدوا من يحاول فهمها والعمل بهما زائغًا.
وهذا غاية الخذلان وعداوة الدين، وقد تبعهم الناس في ذلك فكانوا لهم أندادًا من دون الله، وسيتبرأ بعضهم من بعض كما أخبر الله.
إنه نقل عن الأئمة الأربعة النهي عن الأخذ بقولهم من غير معرفة دليلهم، والأمر بترك أقوالهم لكتاب الله أو سنة رسوله إذا ظهرت مخالفة لهما أو لأحدهما.
وهناك قول آخر للمتأخرين مبني على أن الأمة جاهلة لا تعرف من الدين شيئًا لا من أصوله ولا من فروعه، ولا سبيل إلى تكفير هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام ولا إلى إلزامهم معرفة العقائد الدينية من دلائلها والأحكام الشرعية بأدلتها وعللها، فلا مندوحة إذن عن القول بجواز التقليد في الأصول -وهي ما يجب اعتقاده في الله وصفاته، وفي الرسالة والرسل وفي الإيمان بالغيب وهو ما فصله النص القطعي منه- والتقليد في الفروع العملية بالأولى.
وهذا القول مخالف لإجماع سلف الأمة، وما قاله إلا الذين يحبون إرضاء الناس بإقرارهم على ما هم عليه من الجهل، وإهمال ما وهبهم الله من العقل لينطبق عليهم قوله تعالى ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ ﴾ والمراد أن قلوبهم أي عقولهم لا تفقه الدلائل على الحق، وأعينهم لا تنظر الآيات نظر استدلال، وأسماعهم لا تفهم النصوص فهم تدبر واعتبار، فهذه صفات المقلدين .
والقول الوسط بين القولين هو أنه يجب النظر في إثبات العقائد بقدر الإمكان، ولا يشترط فيه تأليف الأدلة على قوانين المنطق ولا التزام طريق المتكلمين في مثل بناء الدليل على فرض انتفاء المطلوب، ولا إيراد الشكوك والأجوبة عنها، بل أفضل الطرق فيه وأمثلها طريق القرآن الحكيم في عرض الكائنات على الأنظار وإرشادها إلى وجه الدلالة فيها على وحدانية مبدعها وقدرته وحكمته.
وهذا هو حكم الله الصريح في المسألة فإنه أمر بالعلم بالتوحيد فقال ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ﴾ وقال ﴿ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ وطالب بالبرهان وجعله آية الصدق ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ وجعل سبيله الذي أمر باتباعه ونهى عن سواه الدعوة إلى الدين على بصيرة ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي ﴾ ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ .
وأما فرض الأمة جاهلة وإقرارها على ذلك اكتفاء باسم الإسلام، وما يقلد به الجاهلون أمثالهم من الأحكام، فهو من القول على الله بغير علم ولا سلطان، وقد قرنه تعالى مع الشرك في التحريم بقوله ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ .
وأما الأحكام ومسائل الحلال والحرام فمنها ما لا يسع أحدًا التقليد فيه وهي ما علم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وما أجمع عليه من كيفياتها وفروضها فإن أدلتها وأعمالها متواترة.
وتلقينها مع ما ورد في فوائدها من الآيات والهدى النبوي يجعل المسلم على بصيرة فيها وفقه يبعث على العمل ولا أسهل منه.
ومنها فروع دقيقة مستنبطة من أحاديث غير متواترة لم يطلع عليها جميع المسلمين، وقد مضت سنة السلف الصالح في مثلها بأن من بلغه حديث منها بطريق يعتقد به ثبوته عمل به، ولم يوجبوا على أحد -ولو منقطعًا لتحصيل العلم- أن يبحث عن جميع ما روي من هذه الآحاد ويعمل بها، كيف والصحابة عليهم الرضوان لم يكتبوا الحديث ولم يتصدوا لجمعه وتلقينه للناس، بل منهم من نهى عن كتابته، ومن حدث فإنما كان يقول ما يعلم إذا عرض له سبب مع المخاطبين.
فمثل هذه الفروع يعذر العامي بجهلها بالأولى، ويجب عليه التحري في قبول ما يبلغه منها.
فلا يقبل رواية كل أحد ولا يسلم كل ما في الكتب لكثرة الموضوعات والضعاف فيها.
ولا مشقة ولا حرج على المسلمين في التزام هذه الطريقة إلا إذا كانوا يريدون ترك دينهم برمته اكتفاء ببعذ العادات والأعمال التي يكاد يسهل عليهم تمييز السنة فيها من البدعة تقليدًا لآبائهم ومعاشريهم.
فتبين مما شرحناه أن لا عذر لأحد في التقليد المحض وأن حكم الآية يستغرق جميع المقلدين فهم اتخذوا مقلديهم أندادًا وسيتبرأ التابع من المتبوع إذ يرون العذاب، وتتقطع بهم الأسباب.
ومن مباحث اللفظ في الآيتين أن التشبيه في قوله تعالى ﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ هو تشبيه حالة بحالة ذكرت في الكلام السابق أي كذلك النحو الذي ذكر من إراءتهم العذاء سيريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، والذين تنطعوا في إعرابها من المفسرين صرفتهم قواعد النحو عن ملاحظة الأسلوب العربي في مثل هذا، على أن له نظائر في كلام العامة في كل زمان هي مما بقي لهم من الأساليب العربية الفصيحة لم تفسدها العجمة إذ لا تمجها أذواق الأعجميين.
ومنها قوله تعالى ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ﴾ جاءت فيه الباء لمعنى خاص لا يظهر فيما ذكروه هنا من معانيها، وإنما يفهمه العربي من الأسلوب، فإنك إذا قلت هنا كما قال (الجلال) تقطعت عنهم الأسباب لا ترى في نفسك الأثر الذي تراه عند تلاوة العبارة الأولى التي تمثل لك التابعين والمتبوعين كعقد انفرط بانقطاع سلكه فذهبت كل حبة منه في ناحية.
ومن هذه الأساليب الخاصة قوله تعالى ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ و ﴿ سُبْحَانَ اللَّهِ ﴾ فإذا فسرت ذلك بالتحليل والإرجاع إلى القواعد العامة فقلت في الأول كفى الله شهيدًا أو كفت شهادته، وفي الثاني تسبيحًا لله: لم يكن له تأثير الأول وموقعه من النفس.
ومثل هذه الأساليب الخاصة توجد فى كل لغة.
<div class="verse-tafsir"
ذكر (الجلال) أن الآية الأولى نزلت فيمن حرم السوائب ونحوها، ولكنه لم يذكر ذلك في أسباب النزول، وقد كان هذا في طوائف من العرب كمدلج وبني صعصعة.
ولو صح أن الآية نزلت في ذلك لما كان مقتضيًا فصل الآية مما قبلها وجعلها كلامًا مستأنفًا، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، على أن الظاهر من السياق أن الكلام متصل بما قبله أتم الاتصال، فإن الآيات الأولى بينت حال متخذي الأنداد وما سيلاقون من عذاب الله تعالى، وقد قلنا في تفسيرها إن الأنداد قسمان: قسم يتخذ شارعًا يؤخذ برأيه في التحليل والتحريم من غير أن يكون بلاغًا عن الله ورسوله، بل يجعل قوله وفعله حجة بذاته لا يسأل من أين أخذه وهل هو فيه على هدى من ربه أم لا.
وقسم يعتمد عليه ويُدعى في دفع المضار وجلب المنافع من طريق السلطة الغيبية لا من الأسباب، حتى إنهم ليعتمدون على إغاثة هؤلاء الأنداد للناس بعد موتهم وخروجهم من عالم الأسباب، ثم بينت أن الناس يتبع بعضهم بعضًا في ذلك، وأن سيتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتَّبعوا عند رؤية العذاب وتقطع الأسباب بينهم، وقلنا في تفسيرها إن الأسباب هي المنافع التي يجنيها الرؤساء من المرؤوسين والمصالح الدنيوية التي تصل بعضهم ببعض.
وفي هذه الآيات يبين تعالى أن تلك الأسباب محرمة لأنها ترجع إلى أكل الخبائث واتباع خطوات الشيطان، ونهى عنها، وبيَّن سبب جمودهم على الباطل والضلال وهو الثقة بما كان عليه الآباء من غير عقل ولا هدى، فالكلام متمم لما قبله قطعًا.
قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا ﴾ هو غير الحرام الذي نص عليه في قوله تعالى ﴿ قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ فما عدا هذا فكله مباح بشرط أن يكون طيبًا أي غير خبيث.
وفسر (الجلال) الطيب بالحلال على أنه تأكيد أو بالمستلذ، والأول لا محل له والتأسيس مقدم على التأكيد، والثاني لا يُظْهِر تقييد الإباحة العامة لما في الأرض به.
وعندي أن الطيب هو ما لا يتعلق به حق الغير، وهو الظاهر، لأن المراد بحصر المحرم فيما ذكر المحرم لذاته الذي لا يحل إلا للمضطر، بقي المحرم لعارض فتعين بيانه وهو ما يتعلق به حق الغير ويؤخذ بغير وجه صحيح، كما يكون في أكل الرؤساء من المرؤوسين بلا مقابل إلا أنهم رؤساؤهم المسيطرون عليهم، وكذلك أكل المرؤوسين بجاه الرؤساء، فإن كلًا منهما يمد الآخر ليستمد منه فى غير الوجوه المشروعة التي يتساوى فيها جميع الناس ويخرج بذلك الربا والرشوة والسحت والغصب والغش والسرقة فكل ذلك خبيث، وكذا ما عرض له الخبث بتغيره كالعام المنتن، وبهذا التفسير يتحرر ما أباحه الدين وتلتئم الآية مع ما قبلها.
أتبع الأمر النهي فقال: ﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ قرأ الأئمة: خُطُوات بضمتين جمع خطوة بالضم وهي ما بين القدمين، وبفتحتين جمع خَطْوة وهي المرة من خطا يخطو في مشيه، والمعنى لا تتبعوا سيرته في الإغواء، ووسوسته في الأمر بالسوء والفحشاء، وهو ما يبينه في الآية التالية.
وعلل النهي بكونه عدوًا للناس بَيِّن العداوة.
والعلم بعداوته لنا لا يتوقف على معرفة ذاته، وإنما يعرف الشيطان بهذا الأثر الذي ينسب إليه وهو وحي الشر، وخواطر الباطل والسوء في النفس فهو منشأ هذا الوحي والخواطر الرديئة، قال تعالى ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾ ولا أبين وأظهر من عداوة داعية الشر والضلال، فعلى الإنسان أن يلتفت إلى خواطره ويضع لها ميزانًا، فإذا مالت نفسه إلى بذل المال لمصلحة عامة، أو عرض له سبب معاونة عامل على خير، أو صدقة على بائس فقير، فعارضه خاطر التوفير والاقتصاد، فليعلم أنه من وحي الشيطان، ولا ينخدع لما يسوله من إرجاء هذا العطاء لأجل وضعه في موضع أنفع، أو بذله لفقير أحوج، وإذا هم بدفاع عن حق أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر فخطر له ما يثبط عزمه أو يمسك لسانه، فليعلم أنه من وسواس الشيطان.
وأظهر وحي الشياطين ما يجري على التحريم والتحليل لأجل المنافع التي تلبس على المتجرئ عليها بالمصلحة وسياسة الناس، كأنه قال: لا تتبعوا وحي الباطل والشر وخواطرهما تلم بكم وتطوف بنفوسكم، فإنها من إغواء الشيطان عدوكم.
ثم بين ذلك بما يفيد إثبات العداوة من تعليل النهي فقال: ﴿ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ ﴾ دون غيرهما من الحق والخير، فأما السوء فهو كل ما يسوؤك وقوعه أو عاقبته، فمن الشرور ما يقدم عليه المرء مندفعًا بتزيين الشيطان له، حتى إذا فعل الشر فاجأه السوء وعاجله الضرر، ومن الأعمال ما لا يظهر السوء في بدايته، ولكنه يتصل بنهايته، كمن يصده عن طلب العلم أن بعض المتعلمين أضاع وقته وبذل كثيرًا من ماله ثم لم يستفد من التعلم شيئًا، فهذا قياس شيطاني يصرف بعض الناس عن طلب العلم بأنفسهم، وبعض الآباء عن تعليم أولادهم، فتكون عاقبتهم السوءى ذات ناحيتين: سلبية وهي الحرمان من فوائد العلم، وإيجابية وهي مصائب الجهل، وكل منهما ديني ودنيوي.
فلا بد من البصيرة والتأمل في تمييز بعض الخواطر من بعض، فإن الشيطانية منها ربما لا تظهر بادي الرأي.
وأما الفحشاء فكل ما يفحش قبحه في أعين الناس من المعاصي والآثام، ولا يختص بنحو الزنا كما قال بعضهم، والفحشاء في الغالب أقبح وأشد من السوء وأسوأ السوء مبدأ وعاقبة ترك الأسباب الطبيعة التي قضت حكمة الباري بربط المسببات بها اعتمادًا على أشخاص من الموتى أو الأحياء يظن بل يتوهم أن لهم نصيبًا من السلطة الغيبية والتصرف في الأكوان بدون اتخاذ الأسباب، ومثله اتخاذ رؤساء في الدين يؤخذ بقولهم ويعتمد على فعلهم، من غير أن يكون بيانًا وتبليغًا لما جاء عن الله ورسوله فإن في هذين النوعين من السوء إهمالًا لنعمة العقل وكفرًا بالمنعم بها، وإعراضًا عن سنن الله تعالى وجهلًا باطرادها، وصاحبه كمن يطلب من السراب الماء، أو ينعق بما لا يسمع غير الدعاء والنداء، وهذا شأن متخذي الأنداد ﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ وأما الرؤساء الذين يحملون العامة على هذا التقليد في الأمرين فقد بين تعالى اتباعهم لوحي الشيطان بقوله ﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ أي ويأمركم أن تقولوا على الله في دينه الذي دان به عباده ما لا تعلمون علم اليقين أن الله شرعه لهم من عقائد وأوراد وأعمال تعبدية، وشعائر دينية، أو تحليل ما الأصل فيه التحريم، وتحريم ما الأصل فيه الإباحة، ولا يثبت شيء من ذلك بالرأي والاجتهاد من قياس واستحسان، لأنهما ظن لا علم، فالقول على الله بغير علم اعتداء على حق الربوبية بالتشريع، وهو شرك صريح، وهذا أقبح ما يأمر به الشيطان فإنه الأصل في إفساد العقائد، وتحريف الشرائع، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.
أليس من القول على الله بغير علم زعم هؤلاء الرؤساء أن لله وسطاء بينه وبين خلقه لا يفعل سبحانه شيئًا بدون وساطتهم، فحولوا بذلك قلوب عباده عنه وعن سنته في خلقه ووجهوها إلى قبور لا تعد ولا تحصى، وإلى عبيد ضعفاء لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا؟
وقد يسمون هذا توسلًا إليه أي يتقربون إليه بالشرك به، ودعاء غيره من دونه أو معه، وهو يقول ﴿ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ ويقول ﴿ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ ﴾ أي دون غيره.
أليس من القول على الله بغير علم ما اختلقوه من الحيل لهدم ركن الزكاة وهو من أعظم أركان الإسلام؟
أليس من القول على الله بغير علم ما زادوه في العبادة وأحكام الحلال والحرام عما ورد في الكتاب والسنة المبينة له، والنبي يقول عن الله تعالى: "وسكت عن أشياء رحمة بكم، غير نسيان، فلا تبحثوا عنها"؟.
كل من يزيد في الدين عقيدة أو حكمًا من غير استناد إلى كتاب الله أو كلام المعصوم فهو من الذين يقولون على الله ما لا يعلمون.
ومن ذلك الزائرات للقبور وما يأتينه هناك من البدع والمنكرات باسم الدين.
وتشييع الجنائز بقراءة البردة ونحوها بالنغمة المعروفة، وبحمل المباخر الفضية والاعلام أمامها.
والاجتماع لقراءة الدلائل ونحوها من الأرواد بالصياح الخاص.
إن كل هذا جاء من استحسان ما عند الطوائف الأخر، وليس في الإسلام صيحة غير صيحة الأذان، وقد قال تعالى في الصلاة ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا ﴾ ، وأما التلبية فلم يشرع فيها رفع الصوت والصياح الشديد وإنما يكون العجيج من كثرة الناس واختلاف أصواتهم، وإن لم يرفعوا عقيرتهم جهد المستطاع كما يفعل مقلدة التصوف.
وإن كثيرًا من البدع في العقائد والأحكام قد دخلت على المسلمين بتساهل رؤساء الدين وتوهمهم أنها تقوي أصل العقيدة وتخضع العامة لسلطان الدين -أو لسلطانهم المستند إلى الدين- ولقد دخلت كنيسة "بيت لحم" فسمعت هناك أصواتًا خيل إلي أنها أصوات طائفة من أهل الطريق يقرأون "حزب البر" مثلًا ثم علمت أنهم قسيسون.
فهذه البدع قد سرت إلينا منهم كما سرت إليهم من الوثنيين، استحسنا منهم ما استحسنوه من أولئك توهمًا أنه يفيد الدين أبهة وفخامة، ويزيد الناس به استمساكًا فكان أن ترك الناس مهمات الدين اكتفاء بهذه البدع، فإن أكثر الصائحين في الأضرحة وقباب الأولياء وفي الطرق والأسواق بالأوراد والأحزاب لا يقيمون الصلاة، ومن عساه يصلي منهم فإنه لا يحرص على الجماعة بعض حرصه على الاجتماع للصياح بقراءة الحزب في ليلة الولي فلان.
ولقد أنس الناس بهذه البدع، واستوحشوا من شعائر الدين والسنن، حتى ظهر فيهم تأويل قوله : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾ أي وإذا قيل لمتبعي خطوات الشيطان، الذين يقولون على الله بغير علم ولا برهان، ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ قالوا: لا، نحن لا نعرف ما أنزل الله، بل نتبع ما ألفينا أي وجدنا عليه آباءنا وهو ما تقلدوه من سادتنا وكبرائنا، وشيوخ علمائنا.
لم يخاطب هؤلاء ببطلان ما هم عليه وتشنيعه خطابًا لهم بل حكى عنهم حكاية بَيَّن فساد مذهبهم فيها، كأنه أنزلهم منزلة من لا يفهم الخطاب، ولا يعقل الحجج والدلائل كما بين ذلك بالتمثل الآتي.
ولو كان للمقلدين قلوب يفقهون بها لكانت هذه الحكاية كافية بأسلوبها لتنفيرهم من التقليد، فإنهم في كل ملة وجيل يرغبون عن اتباع ما أنزل الله استئناسًا بما ألفوه مما ألفوا آباءهم عليه، وحسبك بهذا شناعة، إذ العاقل لا يؤثر على ما أنزل الله تقليد أحد من الناس وإن كبر عقله وحسن سيره، إذ ما من عاقل إلا وهو عرضة للخطأ في فكره، وما من مهتد إلا ويحتمل أن يضل في بعض سيره، فلا ثقة في الدين إلا بما أنزل الله، ولا معصوم إلا من عصم الله، فكيف يرغب العاقل عما أنزل الله إلى اتباع الآباء مع دعواه الإيمان بالتنزيل، على أنه لو لم يكن مؤمنًا بالوحي لوجب أن ينفره عن التقليد قوله تعالى ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ﴾ فإن هذا حجة عقلية لا تنقض.
وقال (الجلال) وغيره: لا يعقلون شيئًا من أمر الدين.
وعقل الشيء معرفته بدلائله، وفهمه بأسبابه ونتائجه، وأقرب الناس إلى معرفة الحق الباحثون الذين ينظرون في الدلائل بقصد صحيح ولو في غير الحق، لأن الباحث المستدل إذا أخطأ يومًا في طريق الاستدلال أو في موضوع البحث فقد يصيب في يوم آخر، لأن عقله يتعود الفكر الصحيح، واستفادة المطالب من الدلائل، وأبعد الناس عن معرفة الحق المقلدون، الذين لا يبحثون ولا يستدلون، لأنهم قطعوا على أنفسهم طريق العلم، وسجلوا على عقولهم الحرمان من الفهم، فهم لا يوصفون بإصابة، لأن المصيب هو من يعرف أن هذا هو الحق، والمقلد إنما يعرف أن فلانًا يقول إن هذا هو الحق، فهو عارف بالقول فقط، ولذلك ضرب لهم المثل في الآية الآتية بعد ما سجل عليهم الضلالة بعدم استعمال عقولهم.
(فإن قيل) إن الآية إنما تمنع اتباع غير من يعقل الحق، ويهتدي إلى حسن العمل والصواب في الحكم، ولكنها لا تمنع من تقليد العاقل المهتدي "نقول": ومن أين يعرف المقلد أن متبوعه يعقل ويهتدي إذا هو لم يقف على دليله ؟
فإن هو اتبعه في طريقة الاستدلال حتى وصل إلى ما وصل على بصيرة فإن الآية لا تنعى عليه هذا، إذ هو استفادة للعلم محمودة لا تقليد في المعلوم أو المظنون لغيره.
رأيت لبعض السلف أنه قال: لو أن شخصًا رأى النبي في حياته وسمع قوله واقتدى به من غير نظر في نبوته يؤدى إلى الوصول إلى اعتقاد صحتها بالدليل لعد مقلدًا، ولم يكن على بصيرة كما أمر الله المؤمن أن يكون.
هذا وإن في قوله تعالى ﴿ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ﴾ بحثًا فقد يشكل هذا العموم فيه على بعض الأفهام، وهو عندنا على ثلاثة أوجه: أحدها: أن معناه لا يستعملون عقولهم في شيء مما يجب العلم به بل يكتفون فيه كله بالتسليم من غير نظر ولا بحث وهو ما مر.
وثانيها: أنه جار على طريقة البلغاء في المبالغة بجعل الغالب أمرًا كليًا عامًا.
يقولون في الضال في عامة شؤونه: إنه لا يعقل شيئًا ولا يهتدي إلى الصواب.
ويقولون في البليد: إنه لا يفهم شيئًا، وهذا لا ينافي أن يعقل الأول بعض الأشياء ويفهم الثاني بعض المسائل.
وثالثها: أنه ليس الغرض من العبارة نفي العقل عن آبائهم بالفعل، وإنما المراد منها: أيتبعون آباءهم لذواتهم كيفما كان حالهم حتى لو كانوا لا يعقلون ولا يهتدون؟
كأنه يقول إن اتباع الشخص لذاته منكر لا ينبغي، وهذا قول مألوف، فمن يقول أنا أتبع فلانًا في كل ما يعمل، يقال له أتتبعه ولو كان لا يعمل خيرًا؟
أي أن من شأن من يتبع آخر لذاته لا لكونه محسنًا ومصيبًا أن يتبعه في كل شيء وإن كان كل عمله باطلًا، لأنه لا يفرق بين الحق والباطل والخير والشر إلا من ينظر ويميز، وهذا لا يتبع أحدًا لذاته كيفما كان حاله.
<div class="verse-tafsir"
بعد ما بين تعالى فساد ما عليه المقلدون من ابتاع ما وجدوا عليه آباءهم من غير نظر ولا استدلال، ضرب لهم مثلًا زيادة في تقبيح شأنهم، والزراية عليهم، بقوله ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي صفتهم في تقليدهم لآبائهم ورؤسائهم ﴿ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً ﴾ أي كصفة الراعي للبهائم السائمة ينعق ويصيح بها في سوقها إلى المرعى ودعوتها إلى الماء وزجرها عن الحمى فتجيب دعوته وتنزجز بزجزه بما أَلفت من نعاقه بالتكرار.
شبه حالهم بحال الغنم مع الراعي يدعوها فتقبل؟، ويزجرها فتنزجر، وهي لا تعقل مما يقول شيئًا، ولا تفهم له معنى، وإنما تسمع أصواتًا تقبل لبعضها وتدبر للآخر بالتعويد، ولا تعقل سببًا للإقبال ولا للإدبار.
ومعنى المثل هنا كما قال سيبويه أن صفة الكفار وشأنهم كشأن الناعق بالغنم.
ولا يقتضي هذا أن يكون كل جزء من المشبه كمقابله من المشبه به، وهو ما سماه علماء البيان بعد سيبويه بالتمثيل، وفرقوا بينه وبين تشبيه متعدد بمتعدد.
والكفر جحود الحق والإعراض عن النظر في الدليل عليه عند الدعوة إليه وفرق بينه وبين الضلال، فإن الضال من أخطأ طريق الحق مع طلبه، أو جهله فلم يعرفه بنفسه ولا بدلالة غيره.
وأما الكافر فهو يرى الحق ويعرض عنه، ويصرف نفسه عن دلائله وآياته فلا ينظر فيها كالحيوان يرضى بأن لا يكون له فهم ولا علم، بل يقوده غيره ويصرفه كيف شاء، فهو مع من قلدهم من الرؤساء كالغنم مع الراعي تقبل بدعائه وتنزجر بندائه، ومسخرة لإرادته وقضائه، ولا تفهم لماذا دعا ولماذا زجر، فدعوتها إلى الرعي وإلى الذبح سواء.
وكذلك شأن كل من يسلم اعتقادًا بلا دليل، ويقبل تكليفًا بغير فقه ولا تعليل.
والآية صريحة في أن التقليد بغير عقل ولا هداية هو شأن الكافرين، وأن المرء لا يكون مؤمنًا إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به.
فمن ربي على التسليم بغير عقل، والعمل -ولو صالحًا- بغير فقه، فهو غير مؤمن، لأنه ليس القصد من الإيمان أن يذلل الإنسان للخير كما يذلل الحيوان، بل القصد منه أن يرتقي عقله وتتزكى نفسه بالعلم بالله والعرفان في دينه، فيعمل الخير لأنه يفقه أنه الخير النافع المرضي لله، ويترك الشر لأنه يفهم سوء عاقبته ودرجة مضرته في دينه ودنياه، ويكون فوق هذا على بصيرة وعقل في اعتقاده، فلا يأخذه بالتسليم لأجل آبائه وأجداده، ولذلك وصف الله الكافرين بعد تقرير المثل بأنهم ﴿ صُمٌّ ﴾ لا يسمعون الحق سماع تدبر وفهم ﴿ بُكْمٌ ﴾ لا ينطقون به عن اعتقاد وعلم ﴿ عُمْي ﴾ لا ينظرون في آيات الله في أنفسهم وفي الآفاق حتى يتبين لهم أنه الحق ﴿ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴾ مبدأ ما هم فيه ولا غايته كما يطلب من الإنسان، وإنما ينقادون لغيرهم كما هو شأن الحيوان ولذلك اتبعوا من لا يعقلون ولا يهتدون، فالعاقل لا يقلد عاقلًا مثله، فأجدر به أن لا يقلد جاهلًا ضالًا هو دونه.
<div class="verse-tafsir"
بين الله تعالى حال الذين يتخذون الأنداد من دونه، وأشار إلى أن سبب ذلك حب الحطام، وارتباط مصالح المرؤوسين بمصالح الرؤساء في الرزق والجاه، وخاطب الناس كلهم بأن يأكلوا مما في الأرض إذ أباح لهم جميع خيراتها وبركاتها بشرط أن تكون حلالًا طيبًا.
وبين سوء حال الكافرين المقلدين الذين يقودهم الرؤساء كما يقوم الراعي الغنم لأنهم لا استقلال لهم في عقل ولا فهم -ثم وجه الخطاب إلى المؤمنين خاصة لأنهم أحق بالفهم، وأجدر بالعلم، وأحرى بالاهتداء، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ الأمر هنا للوجوب لا للإباحة، والطيبات ما طاب كسبه من الحلال، ويستلزم عدم تحريم شيء منها والامتناع عنها تدينًا لتعذيب النفس، وهذا تنبيه بعد ما تقدم إلى عدم الالتفات إلى أولئك الحمقى الذين أبيحت لهم خيرات الأرض، فطفقوا يحلون بعضها ويحرمون بعضًا بوساوس شيطانهم وتقليد رؤسائهم، وأُعطوا ميزانًا يميزون به الخواطر الشيطانية الضارة من غيرها، فما أقاموا به ولا له وزنًا، وبين لهم الحرام من الحلال، ولكنهم نفضوا أيديهم من عز الاستقلال بالاستدلال، وهون عليهم التقليد ذل القيود والأغلال، فهو يقول كلوا من هذه الطيبات ولا تضيقوا على أنفسكم مثلهم ﴿ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ ﴾ الذى خلقها لكم وسهل عليكم أسبابها، بأن تتبعوا سنته الحكيمة في طلب هذه الطيبات واستخراجها، وفي استعمالها فيما خلقت لأجله، وبالثناء عليه وعم نواله، واعتقاد أن هذه الطيبات من فضله وإحسانه، ليس لمن اتخذوا أندادًا له تأثير فيها، ولذلك قال ﴿ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ أي إن كنتم تحصونه بالعبادة، وتؤمنون بانفراده بالسلطة والتدبير، فاشكروا له خلق هذه النعم وإباحتها لكم، ولا تجعلوا له أندادًا تطلبون منهم الرزق أو ترجعون إليهم بالتحليل والتحريم، فإن ذلك له وحده، وإلا كنتم مشركين به، كافرين لنعمه، كالذين من قبلكم جهلوا معنى عبادة الله تعالى فاتخذوا بينهم وبينه وسطاء في طلب الرزق، ورؤساء يشرعون لهم من الدين ما لم يشرعه، ويحلون لهم ويحرمون عليهم ما لم يشرعه لهم.
ومن الشكر له تعالى استعمال القوى التي غذيت بتلك الطيبات في نفع أنفسكم وأمتكم وجنسكم.
وليس من الطيبات ما يأخذه شيوخ الطريق من مريديهم بل هو من الخبائث والسحت.
لا يفهم هذه الآية حق فهمها إلا من كان عارفًا بتاريخ الملل عند ظهور الإسلام وقبله، فإن المشركين وأهل الكتاب كانوا فرقًا وأصنافًا، منهم من حرم على نفسه أشياء معينة بأجناسها أو أصنافها كالبَحِيرة والسَّائبة عند العرب، وكبعض الحيوانات عند غيرهم، وكان المذهب الشائع في النصارى أن أقرب ما يتقرب به إلى الله تعالى تعذيب النفس واحتقارها وحرمانها من جميع الطيبات المستلذة، واحتقار الجسد ولوازمه، واعتقاد أن لا حياة للروح إلا بذلك، وأن الله تعالى لا يرضى منا إلا إحياء الروح.
وكان الحرمان من الطيبات على أنواع، منها ما هو خاص بالقديسين، أو بالرهبان والقسيسين، ومنها ما هو عام كأنواع الصوم الكثيرة كصوم العذراء وصوم القديسين، وفي بعضها يحرمون اللحم والسمن دون السمك، وفي بعضها يحرمون السمك واللبن والبيض أيضًا.
وكل هذه الأحكام والشرائع قد وضعها الرؤساء وليس لها أثر ينقل عن التوراة أو عن المسيح ، وبذلك كانوا أندادًا، ونزل في شأنهم ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ وتقدم بيان ذلك، وقد سرت إليهم هذه الأحكام بالوراثة عن آبائهم الوثنيين الذين كانوا يحرمون كثيرًا من الطيبات ويرون أن التقرب إلى الله محصور في تعذيب النفس وترك حظوظ الجسد، إذ رأوا في دينهم وفي سيرة المسيح وحواريه من طلب المبالغة في الزهد ما يؤيدها.
وقد تفضل الله تعالى على هذه الأمة بجعلها أمة وسطًا تعطي الجسد حقه والروح حقها كما تقدم في تفسير ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ فأحل لنا الطيبات لتتسع دائرة نعمه الجسدية علينا، وأمرنا بالشكر عليها ليكون لنا منها فوائد روحانية عقلية، فلم نكن جسمانيين محضًا كالأنعام ولا روحانيين خلصًا كالملائكة، وإنما جعلنا أناسي كملة، بهذه الشريعة المعتدلة، فله الحمد والشكر والثناء الحسن.
ظهر بهذا التقرير أن الآية متصلة بما قبلها ومتممة له.
وقال بعض المفسرين -وله وجه فيما قال-: إن ما تقدم من أول السورة إلى ما قبل هذه الآية كله في القرآن والرسالة وأحوال المنكرين للداعي، وما جاء فيها من الأحكام فإنما جاء بطريق العرض والاستطراد، وهذه الآية ابتداء قسم جديد من الكلام، وهو سرد الأحكام، فإنه يذكر بعدها أحكام محرمات الطعام وأحكام الصوم والحج والقصاص والوصية والنكاح والطلاق والرجعة والعدة والإيلاء والرضاع وغير ذلك وينتهي هذا القسم بما قبل قوله تعالى ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَٰرِهِمْ ﴾ الآية.
ولا غرو فإن بين كل قسم وآخر في القرآن من التناسب مثل ما بين كل آية وأخرى في القسم الواحد ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ .
بعد ذكر إباحة الطيبات ذكر المحرمات فقال تبارك اسمه ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ ﴾ هذا حصر لمحرمات الطعام من الحيوان بصيغة ﴿ إِنَّمَا ﴾ الدالة على ما سبق الإعلام به وهو آية سورة الأنعام التي ورد فيها حصر التحريم في هذه الأربعة بصيغة الإثبات بعد النفي.
وإنما حرم الميتة لما في الطباع السليمة من استقذارها، ولما يتوقع من ضررها، فإنها إما أن تكون ماتت بمرض سابق أو بعلة عارضة، وكلاهما لا يؤمن ضرره، لأن المرض قد يكون معديًا، والموت الفجائي يقتضي بقاء بعض الأشياء الضارة في الجسم كالكربون الذي يكون سبب الاختناق.
﴿ وَالدَّمَ ﴾ أي المسفوح كما في آية الأنعام، فإنه قذر لا طيب وضار كالميتة ﴿ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ﴾ فإنه قذر، لأن أشهى غذاء الخنزير إليه القاذورات والنجاسات، وهو ضار في جميع الأقاليم ولا سيما الحارة كما ثبت بالتجربة، وأكل لحمه من أسباب الدودة الوحيدة القتالة ويقال إن له تأثيرًا سيئًا في العفة والغيرة ﴿ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾ وهو ما يذبح ويقدم للأصنام أو غيرها مما يعبد.
والمنع من هذا ديني محض لحماية التوحيد، لأنه من أعمال الوثنية، فكل من أَهَلَّ لغير الله على ذبيحة، فإنه يتقرب إلى من أهَلَّ باسمه تقرب عبادة، وذلك من الإشراك والاعتماد على غير الله تعالى.
وقد ذكر الفقهاء أن كل ما ذكر عليه اسم غير الله ولو مع اسم الله فهو محرم، ومنه ما يجري في الأرياف كثيرًا من قولهم عند الذبح -لا سيما ذبح المندور- بسم الله، الله أكبر، يا سيد.
يدعون السيد البدوي أن يلتفت إليهم ويتقبل النذر ويقضي حاجة صاحبه.
وكيفما أَوَّلْتَه فهو محرم.
ومثل ذكر السيد ذكر الرسول أو المسيح إذ لا يجوز أن يذكر عند الذبح غير اسم المنعم بالبهيمة المبيح لها، فهي تذبح وتؤكل باسمه لا يشاركه في ذلك سواه، ولا يتقرب بها إلى من عداه، ممن لم يخلق ولم ينعم ولم يبح ذلك لأنه غير واضع للدين ﴿ فَمَنْ اضْطُرَّ ﴾ إلى الأكل مما ذكر بأن لم يجد ما يسد به رمقه سواه ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ له أي غير طالب له، راغب فيه لذاته ﴿ وَلا عَادٍ ﴾ متجاوز قدر الضرورة ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ لأن الإلقاء بنفسه إلى التهلكة بالموت جوعًا أشد ضررًا من أكل الميتة أو الدم أو لحم الخنزير، بل الضرر في ترك الأكل محقق، وهو في فعله مظنون، وربما كانت شدة الحاجة إلى الأكل مع الاكتفاء بسد الرمق مانعة من الضرر.
وأما ما أُهِلّ به لغير الله فمن أكل منه مضطرًا فهو لا يقصد إجازة عمل الوثنية ولا استحسانه ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ إذ حرم على عباده الضار، وجعل الضرورات بقدرها، لينتفي الحرج والعسر عنهم، ووكل تحديدها إلى اجتهادهم، فهو يغفر لهم خطأهم فيه لتعذر ضبطه.
وفسر (الجلال) كلمة ﴿ بَاغٍ ﴾ بالخارج على المسلمين، و ﴿ عَادٍ ﴾ بالمعتدي عليهم بقطع الطريق، ويلحق بهم كل عاص بسفره كالآبق والمكاس، وعليه الشافعي.
ولا خلاف بين المسلمين في أن العاصي كغيره يحرم عليه إلقاء نفسه في التهلكة، ويجب عليه توقي الضرر ويجب علينا دفعه عنه إن استطعنا، فكيف لا تتناوله إباحة الرخص؟!
ثم إن المناسب للسياق أن تحدد الضرورة التي تجيز أكل المحرم وتفسير الباغي والعادي بما ذكرنا هو المحدد لها، وهو موافق للغة كقوله تعالى حكاية عن أخوة يوسف ﴿ مَا نَبْغِي ﴾ وفى الحديث الصحيح :"يا باغي الخير هلم"، وفي التنزيل ﴿ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾ أي لا تتجاوزهم إلى غيرهم.
فالكلام في تحديد الضرورة وتمام بيان حكم ما يحل ويحرم من الأكل، لا في السياسة وعقوبة الخارجين على الدولة والمؤذين للأمة، وإنما كان هذا التحديد لازمًا لئلا يتبع الناس أهواءهم في تفسير الاضطرار إذا هو وكل إليهم بلا حد ولا قيد، فيزعم هذا أنه مضطر وليس بمضطر، ويذهب ذلك بشهوته إلى ما وراء حد الضرورة فعلم من قوله ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ ﴾ كيف تقدر الضرورة بقدرها، والأحكام عامة يخاطب بها كل مكلف لا يصح استثناء أحد إلا بنص صريح من الشارع.
ويذكر بعض المفسرين في هذا المقام مسائل خلافية في الميتة كحل الانتفاع بجلدها وغير ذلك مما ليس بأكل، وقد قلنا إننا لا نتعرض في بيان القرآن إلى المسائل الخلافية التي لا تدل عليها عبارته إذ يجب أن يبقى دائمًا فوق كل خلاف.
ومن مباحث البلاغة في الآية أن ذكر ﴿ غَفُورٌ ﴾ له فيها نكتة دقيقة لا تظهر إلا لصاحب الذوق الصحيح في اللغة، فقد يقال إن ذكر وصف الرحيم ينبئ بأن هذا التشريع والتخفيف بالرخصة من آثار الرحمة الإلهية.
وأما الغفور فإنما يناسب أن يذكر في مقام العفو عن الزلات والتوبة عن السيئات.
والجواب عن هذا أن ما ذكر في تحديد الاضطرار دقيق جدًا ومرجعه إلى اجتهاد المضطر ويصعب على من خارت قواه من الجوع أن يعرف القدر الذي يمسك الرمق ويقي من الهلاك بالتدقيق وأن يقف عنده، والصادق الإيمان يخشى أن يقع في وصف الباغي والعادي بغير اختياره، فالله تعالى يبشره بأن الخطأ المتوقع في الاجتهاد في ذلك مغفور له ما لم يتعمد تجاوز الحدود.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
هذه الآيات متصلة بما قبلها على كلا الوجهين السابقين : فإذا كان الكلام لا يزال في محاجة اليهود وأمثالهم فالأمر ظاهر، وإذا قلنا إن الكلام قد دخل في سرد الأحكام، تكون مقررة لحكم منها وهو ظاهر أيضًا، فقد تقدم أن قول تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ ﴾ تقرير لحكم في الأكل على خلاف ما عليه أهل الملل، وبينا ما كان عليه أهل الكتاب والمشركون في الأكل، ونقض القرآن لما وضعوه لأنفسهم من الأحكام، وإباحته الطيبات للناس بشرط أن يشكروه عليها، وعلى هذا تكون هذه الآيات جارية على الرؤساء الذين يحرمون على الناس ما لم يحرم الله ويشرعون لهم ما لم يشرعه، من حيث يكتمون ما شرعه بالتأويل أو الترك، فيدخل فيه اليهود والنصارى ومن حذا حذوهم في شرع ما لم يأذن به الله وإظهار خلافه، سواء كان ذلك في أمر العقائد ككتمان اليهود أوصاف النبي أو الأكل والتقشف وغير ذلك من الأحكام التى كانوا يكتمونها إذا كان لهم منفعة في ذلك كما قال تعالى ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ﴾ وفى حكمهم كل من يبدي بعض العلم ويكتم بعضه لمنفعته، لا لإظهار الحق وتأييده، وهذا هو ما عبر عنه بقوله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ أي الذين يخفون شيئًا مما أنزل الله من كتابه فلا يبلغونه للناس مهما يكن موضوعه، أو يخفون معناه عنهم بتأويله أو تحريفه أو وضع غيره في موضعه برأيهم واجتهادهم، ويستبدلون بما يكتمونه ثمنًا قليلًا من متاع الدنيا الفاني كالرشوة والحمل على الفتاوى الباطلة أو قضاء الحاجات عند الله تعالى وغير ذلك من المنافع الموقتة إذا اتخذوا الدين تجارة.
والثمن القليل منه ما قاله المفسرمن استفادة الرؤساء من المرؤوسين ومنه عكسه كما تقدم غير مرة.
هذا النوع من البيع والشراء في الدين عام في الرؤساء الضالين من جميع الأمم.
ومنه ما كان رؤساء اليهود يلاحظونه زمن التنزيل وهو حفظ ما بيدهم الذي يتوهمون أنه يفوتهم بترك ما هم عليه من التقاليد واتباع ما أنزل الله بدلًا منها، وهذا هو شأن الناس في كل دعوة إلى إصلاح جديد غير ما هم فيه، وإن كان يعدهم بخير منه في الدنيا والآخرة، وكان ما هم فيه هو الفقر والذل والخذلان حاضرة أو منتظرة.
ماذا كان شأن النصارى في زمن البعثة؟
فقر حاضر، وذل غالب، وحجر على العقول، ومنع للحرية في الرأي والعلم، وتحكم في الإرادة، وسيطرة على خطرات القلوب وأهواء النفوس، كان هذا عامًا في كل قطر وكل مملكة، وكان بين الطوائف بعضها مع بعض حروب تشب، وغارات تشن، ودماء تسفك، وحقوق تنتهك، وكانوا على هذا كله يتوهمون أن الإسلام سيخرجهم من سعادة إلى شقاء، ومن نعمة إلى بلاء، هب أن بعضهم كان له شيء من المال، وبقية من الجاه، أليس هو من فخفخة الدنيا الزائلة، ألم يكن منغصًا بالخوف عليه؟
هب أنه كان لبعض شعوبهم طائفة من القوة، ألم تكن تشبه الزوبعة تعصف ولا تلبث أن تزول؟
نعم إن ما كان يغر هؤلاء وهؤلاء لم يكن موضعًا للغرور، لأنه متاع حقير، وثمن قليل، وهو غير قائم على أساس ثابت.
ولذلك زال بظهور الإسلام وانتشاره، وتقوضت تلك السلطة، واندكت صروح تلك العظمة، وأجلي اليهود من جزيرة العرب، وزال ملك غيرهم من كل بلاد رفضوا فيها دعوة الإسلام.
وهذا شأن الباطل لا يثبت أمام الحق، فإن أحكام الباطل مؤقتة لا ثبات لها في ذاتها، وإنما بقاؤها في نوم الحق عنها، وحكم الحق هو الثابت بذاته، فلا يغلب أنصاره ما داموا معتصمين به، مجتمعين عليه.
وقال المفسرون إن هذا الحكم يصدق على المسلمين كما يصدق على أهل الكتاب لأن الغرض تقرير الحكم وهو عام كما يدل لفظه، وكما يليق بعدل الله تعالى رب العالمين، وكما هو ظاهر معقول من اطراد سنة الله تعالى في تأييد أنصار الحق وخذل أهل الباطل فإنها واضحة جلية للمتأملين.
كل ثمن يؤخذ عوضًا عن الحق فهو قليل، إن لم يكن قليلًا في ذاته فهو قليل في جنب ما يفوت آخذه من سعادة الحق الثابتة بذاتها، والدائمة بدوام المحافظة على الحق.
ولو دام للمبطل ما يتمتع به من ثمن الباطل إلى نهاية الأجل -وما هو إلا قصير- فماذا يفعل وقد فاتته بذلك سعادة الروح ونعيم الآخرة باختياره الباطل على الحق ﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ .
﴿ أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ ﴾ أي أولئك الكاتمون لكتاب الله والمتجرون به ما يأكلون في بطونهم من ثمنه إلا ما يكون سببًا لدخول النار وانتهاء مطامعهم بعذابها، وهذا أظهر من القول بأنهم لا يأكلون في دار الجزاء إلا النار أو طعام النار من الضريع والزقوم، وعبر عن المنافع بالأكل لأنه أعمها، والمعنى لا تملأ بطونها إلا النار، فإن الأكل لما كان لا يكون إلا في البطن كان لا بد من نكتة لذكر البطن إذا قيل أكل في بطنه، ورأيناهم يعبرون بذلك عن الامتلاء، يقولون أكل في بطنه يريدون ملأ بطنه، والأصل أن يأكل الإنسان دون امتلاء بطنه.
والمراد أنه لا يشبع جشعهم ولا يذهب بطمعهم إلا النار التي يصيرون إليها، على حد ما ورد في الحديث:"ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب".
واستشهدوا للتعبير بأكل النار عن سبب عذابها بقول القائل في زوجه: دمشق خذيها لا تفتك قليلة تمر بعودي نعشها ليلة القدر أكلت دما إن لم أرعك بضرة بعيدة مهوى القرط طيبة النشر فإنه يريد بالدم الدية التي هو سببها -وأكلها عار عندهم- فهو يدعو على نفسه بأن يبتلى بأكل الدية إن لم يرع زوجه ويزعجها بضرة هي من الجمال بالصفة التي ذكرها، وأكل الدية يتوقف على أن يقتل بعض أهله الذين له الولاية عليهم.
قال تعالى ﴿ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَة ﴾ قالوا إن الكلام كناية عن الإعراض عنهم والغضب عليهم وهي كناية مشهورة شائعة إلى اليوم.
وجمعوا بهذا بين الآية وبين قوله تعالى ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ وقوله ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ - وقيل لا يكلمهم بما يحبونه ﴿ وَلا يُزَكِّيهِمْ ﴾ أي لا يطهرهم من ذنوبهم بالمغفرة والعفو وقد ماتوا وهم مصرون على كفرهم ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي شديد الألم.
ثم قال فيهم ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ﴾ أي أولئك الذين يكتمون ما أنزل الله الخ، أو المجزيون عليه بما ذكرهم الذين اشتروا الضلالة بالهدى في الدنيا.
فأما الهدى فهو كتاب الله وشرعه ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .
وأما الضلالة فهي العماية التي يهتدي بها الإنسان لمقصده، وتكون باتباع الهوى وآراء الناس في الدين، وليس لأحد أن يقول في الدين برأيه.
وهذه الآراء لا ضابط لها ولا حد، فأهلها في خلاف وشقاق دائم كما سيأتي فمن أجاز لنفسه اتباع أقوال الناس في الاعتقاد والعبادة وأحكام الحلال والحرام فقد ترك الهدى الواضح المبين الذي لا خلاف فيه، وصار إلى تيه من الآراء مشتبه الأعلام، يضل به الفهم، ولا يهتدي فيه الوهم، وذلك عين اتباع الهوى، وشراء الضلالة بالهدى، فإن الله وحده هو الذي يبين حدود العبودية، وحقوق الربوبية، فلا هداية إلا بفهم ما جاء به رسله عنه ﴿ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ﴾ أي واشتروا العذاب بالمغفرة في الآخرة، وهذا أثر ما قبله فإن متبع الهدى هو الذي يستحق المغفرة لما يفرط منه وما يلم هو به من السوء ومتبع الضلالة هو المستحق للعذاب، ومن دعي إلى الحق يعرف هذا، فإذا هو اختار الضلالة بعد صحة الدعوة وقيام الحجة فقد اشترى العذاب بالمغفرة، وكان هو الجاني على نفسه، إذ استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، غرورًا بالعاجل، واستهانة بالآجل ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾ أي أن صبرهم على عذاب النار الذي تعرضوا له مثار العجب، ذلك بأن عملهم الموصوف في الآيتين هو العمل الذي يسوقهم إلى عذاب النار.
فتهوكهم فيه إنما هو تهوك من لا يبالي به، كأنه مما يطيقه ويمكنه الصبر عليه، فلا يترك ضلالته اتقاء له.
وصيغة التعجب قالوا يراد بها تعجيب الناس من شأنهم إذ لا نتصور حقيقة التعجب من الله تعالى إذ لا شيء غريب عنده ولا مجهول سببه، وهو العالم بظواهر الأشياء وخوافيها، وحاضرها عنده كماضيها وآتيها ﴿ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ ﴾ والصبر على النار غير واقع منهم فيتعجب منه حالًا، ولا متوقع فيتعجب منه مآلا، فلا صبر هنالك يتعجب منه وإنما حالهم في تهوكهم وانهماكهم في العبث بدين الله هو الذي جعل موضع التعجب للتنفير والتشنيع عليهم.
ولكن صح في الحديث إسناد العجب إلى الله تعالى وطريقة السلف في مثله أن يقال عجب يليق به ليس كعجب البشر مما يكبرون أمره ويجهلون سببه، ويتأوله الأكثرون بالرضى من المتعجب منه.
إن الكلام في أكلهم النار والتعجب من صبرهم على النار هو تصوير لحالهم وتمثيل لمآلهم.
أما الثاني فظاهر.
وأما الأول فيتجلى لك إذا تمثلت حال قوم عندهم كتاب يؤمنون أنه من الله، ويؤمنون بلقاء الله، وقد كتموا ما أنزل الله فيه بالتحريف والتأويل كما فعل اليهود بكتمان وصف الرسول، وهم يقارعون بالدلائل العقلية، ويذكرون بآيات الله وأيامه، فيشعرون بجاذبين متعاكسين: جاذب الحق الذي عرفوه، وجاذب الباطل الذي ألفوه، ذاك يحدث لهم هزة وتأثيرًا، وهذا يحدث لهم استكبارًا ونفورًا، وقد غلب عقولهم ما عرفوا، وغلب قلوبهم ما ألفوا، فثبتوا على ما حرفوا وانحرفوا، وصاروا إلى حرب عوان، بين العقل والوجدان، يتصورون الخطر الآجل، فيتنغص عليهم التلذذ بالعاجل، ويتذوقون حلاوة ما هم فيه، فيؤثرونه على ما سيصيرون إليه.
أليس هذا الشعور بخذل الحق ونصر الباطل، واختيار ما يفنى على ما يبقى، نارًا تشب في الضلوع؟
أليس ما يأكلونه من ثمن الحق ضريعًا لا يسمن ولا يغني من جوع؟
بلى فإن عذاب الباطن أشد من عذاب الظاهر، كما يومئ إليه قول الشاعر: دخول النار للمهجور خير من الهجر الذي هو يتقيه لأن دخوله في النار أدنى عذابًا -من دخول النار فيه فهذا تأويل وجيه لأكلهم النار وللتعجب من صبرهم على النار، نزل به الوحي الإلهي وظهر على لسان الرسول ، وإن أرباب الأرواح العالية، والمرائي الصافية، تتمثل لهم المعاني بأتم ما تتمثل به لسائر الأرواح المحجوبة بالظواهر، المخدوعة بالمظاهر، التي يصرفها الاشتغال بالحس عن معرفة مراتب النفس.
فلا غرو إذا تمثلت للنبي حال أولئك الجاحدين المعاندين الذين اشتروا الضلالة بالهدى، واتخذوا آلهتهم الهوى وواثبوا الحق يقارعهم ويقارعونه، وناصبوا الدليل ينازعهم وينازعونه، بحال الذي يتقحم في النار، ويكره نفسه على الاصطبار، كما يتمثل ذلك الثمن القليل الذي باعوا به الحق نارًا يزدردونها، إذ كان آلامًا يتحملونها، مكابرة البرهان أشد العذاب عند العقلاء، ومحاربة القلب -الضمير والوجدان- أوجع الآلام عند الفضلاء، فالعاقل يستطيع أن يمنع نفسه من أكثر اللذات الحسية، ولكنه لا يستطيع أن يمنع عقله العلم وذهنه الفهم، فقد قيل"لديوجين" لا تسمع، فسد أذنيه، فقيل له: لا تبصر، فأغمض عينيه، فقيل له: لا تذق فقبل، فقيل له لا تفهم فقال لا أقدر.
فلا غرو إذا مثلت للنبي حال أولئك المكابرين للحق بما ذكر وأظهرته البلاغة بصيغة التعجب تارة وبصورة أكل النار تارة.
قال تعالى في تعليل ما ذكر ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ أي ذلك الحكم الذي تقرر في شأنهم هو بسبب أن الكتاب جاء بالحق والحق لا يغالب ولا يقاوى، فمن غالبه غُلِب، ومن خذله خُذِل.
ثم قال ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ أي وإن الذين اختلفوا في الكتاب الذي نزله الله للحكم في الخلاف وجمع الكلمة على اتباع الحق، لفي شقاق وعداء بعيد عن سبيل الحق، فأنى يهتدون إليه، وكل منهم يخالف الآخر بما ابتدعه من مذهب أو رأي فيه.
حتى صار -(أي الكتاب)- وهو مزيل الاختلاف أعظم أسبابه، يطرق لأجل إزالته والحكم فيه كل باب غير بابه؟!
والشقاق: الخلاف والتعادي، وحقيقته أن يكون كل واحد من الخصمين في شق أي في جانب غير الذي فيه الآخر، والمختلفون في الدين ينأى كل بجانبه عن الآخر فيكون الشقاق بينهما بعيدًا كما نرى.
هذا حكم آخر في الكتاب غير حكم كتمانه، فهو يفهمنا أن الاختلاف فيه بعد عن الحق ككتمانه، لأن الحق واحد وهو ما يدعو إليه الكتاب، والمختلفون لا يدعون إلى شيء واحد ولا يسلكون سبيلًا واحدة ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ وهذا دليل على أنه لا يجوز لأهل الكتاب الإلهي أن يقيموا على خلاف في الدين، ولا أن يكونوا شيعًا كل يذهب إلى مذهب ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ ولما كان اختلاف الفهم ضروريًا لأنه من طباع البشر وجب عليهم ان يتحاكموا فيه إلى الكتاب والسنة حتى يزول ولا يجوز أن يقيموا عليه ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ فلا عذر للمسلمين في الاختلاف في دينهم بعد هذا البيان الذي جعل لكل مشكل مخرجًا.
الشقاق أثر طبيعي للاختلاف، والاختلاف في الأمة أثر طبيعي للتقليد والانتصار للرؤساء الذين اتخذوا أندادًا -ولو بدون رضاهم ولا إذنهم- إذ لولا التقليد لسهل على الأمة أن تُرْجِع في كل عصر أقوال المجتهدين والمستتنبطين إلى قول واحد بعرضه على كتاب الله وسنة ورسوله.
مثال ذلك أن الكتاب والسنة صريحان في أن النكاح لا يصح إلا إذا كان تولى العقد ولي المرأة برضاها أو غيره بإذنه، وقد أجمع الصحابة على هذا عملًا، ونقل عن أعلمهم قولًا، ولم ينقل أحد فيه خلافًا صحيحًا، فإذا وجد للحنفية في المسألة قولان: أحدهما - مخالف للنصوص وهو أن للبالغة الراشدة أن تزوج نفسها.
وثانيهما - أنه ليس لها ذلك، وهو الموافق للنصوص، أفلم يكن من الواجب على المسلمين - وقد اختلف علماؤهم في هذه المسألة- أن يعرضوها على الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وسائر المجتهدين، ويردوا الرواية المخالفة ويعملوا بالموافقة؟
بلى.
ولكن التقليد هو الذي أوقعهم في الشقاق البعيد.
ويتوهم بعضهم أن ترك أقوال بعض الأئمة إهانة لهم، وهذا غير صحيح بل هو عين التعظيم لهم، والاتباع لسيرتهم الحسنة.
ولو فرضنا أنه إهانة -وكان يتوقف عليها اتباع هدى كتاب الله وسنة رسوله- أفلا تكون واجبة ويكون تعظيم الكتاب والسنة مقدمًا عليه لأن إهانتهما كفر وترك للدين؟
على أن ترك أقوال الأئمة واقع ماله من دافع، فإن أتباع كل إمامٍ تاركون لأقوال غيره المخالفة لمذهبهم، بل ما من مذهب إلا وقد رجح بعض علمائه أقوالًا مخالفة لنص الإمام، ولا سيما الحنفية.
هذا..
وإن الكتاب لا مثار فيه للخلاف والنزاع إذا صحت النية، فكل من يتعلم العربية تعلمًا صحيحًا وينظر في سنة النبي وسيرته وما جرى عليه السلف من أصحابه والتابعين لهم يسهل عليه أن يفهمه وما تختلف فيه الأفهام ولا يقتضي الشقاق، بل يسهل على جماعة المسلمين من أهل العلم والفهم أن ينظروا في الفهمين المختلفين وطرق الترجيح بينهما، وما ظهر لكلهم أو أكثرهم أنه الراجح يعتمدونه إذا كان يتعلق بمصلحة الأمة والأحكام المشتركة بينها، وما عساه ينفرد به بعض الأفراد من فهم خاص بمعارفه يكون حجة عليه دون غيره، فهو لا يقتضي شقاقًا، لأن الشقاق فيه معنى المشاركة.
والله أعلم وأحكم.
ادعى (الجلال) أن هذه الآية نزلت للرد على النصارى الذين يولون وجوههم في صلاتهم قبل المشرق واليهود الذين يولونها قبل بيت المقدس.
وهذا ادعاء لم يثبت، والصحيح قريب منه، وهو أن أهل الكتاب أكبروا أمر تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة كما تقدم في آيات التحويل وحكمه، وطال خوضهم فيها حتى شغلوا المسلمين بها، وغلا كل فريق في التمسك بما هو عليه وتنقيص مقابله كما هو شأن البشر في كل خلاف يثير الجدل والنزاع، فكان أهل الكتاب يرون أن الصلاة إلى غير قبلتهم لا تقبل عند الله تعالى، ولا يكون صاحبها على دين الأنبياء، والمسلمون يرون أن الصلاة إلى المسجد الحرام هو كل شيء لأنه قبلة إبراهيم وأول بيت وضع لعبادة الله تعالى وحده.
فأراد الله تعالى أن يبين للناس كافة أن مجرد تولية الوجه قبلة مخصوصة ليس هو البر المقصود من الدين، ذلك أن استقبال الجهة المعينة إنما شرع لأجل تذكير المصلي بالإعراض عن كل ما سوى الله تعالى في صلاته والإقبال على مناجاته ودعائه وحده، وليكون شعارًا لاجتماع الأمة فتولية الوجه وسيلة للتذكير بتولية القلب، وليس ركنًا من العبادة بنفسه، وأن يبين لهم أصول البر ومقاصد الدين فقال: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ﴾ قرأ "حمزة" و"حفص" بنصب البر والباقون برفعه وكلاهما ظاهر.
والبر بكسر الباء لغة التوسع في الخير، مشتق من البر بالفتح وهو مقابل البحر في تصور سمته كما قال الراغب، وشرعًا ما يتقرب به إلى الله تعالى من الإيمان والأخلاق والأعمال الصالحة.
وتوجيه الوجوه إلى المشرق أو المغرب ليس هو البر ولا منه بل ليس في نفسه عملًا صالحًا كما تقدم شرحه في آيات تحويل القبلة وأحلنا فيه على هذه الآية التي بين الله فيها مجامع البر ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾ قرأ الجمهور لكن بالتشديد ونافع وابن عامر بالتخفيف، أي ولكن جملة البر هو من آمن بالله إلخ، وفيه الإخبار عن المعنى بالذات وهو معهود في الكلام العربي الفصيح، والقرآن جار على الأساليب العربية الفصحى، لا على فلسفة النحاة وقوانينهم الصناعية، وبلاغة هذه الأساليب إنما هي في إيصال المعاني المقصودة إلى الذهن على أجلى وجه يريده المتكلم وأحسن تأثير يقصده، ومثل هذا التعبير لا يزال مألوفًا عند أهل العربية على فساد ألسنتهم في اللغة، يقولون: ليس الكرم أن تدعو الأغنياء والأصدقاء إلى طعامك ولكن الكرم من يعطي الفقراء العاجزين عن الكسب.
فالكلام مفهوم بدون أن نقول إن معناه، ولكن ذا الكرم من يعطي أو لكن الكرم عطاء من يعطي.
وإنما نحن في حاجة إلى بيان النكتة في اختيار ذلك على قول: ولكن البر هو الإيمان بالله إلخ.
وهذه النكتة مفهومة من العبارة فإنها تمثل لك المعنى في نفس الموصوف به فتفيدك أن البر هو الإيمان وما يتبعه من الأعمال باعتبار اتحادهما وتلبس المؤمن البار بهما معًا من حيث أن الإيمان باعث على الأعمال وهي منبعثة عنه وأثر له تستمد منه وتمده وتغذيه، أي إنها تمثل لك المعنى في الشخص، أو الشخص عاملًا بالبر، وهذا أبلغ في النفس هنا من إسناد المعنى إلى المعنى ومن إسناد الذات إلى الذات كما هو مذوق ومفهوم.
ابتدأ بذكر الإيمان بالله واليوم الآخر لأنه أساس كل بر، ومبدأ كل خير، ولا يكون الإيمان أصلًا للبر إلا إذا كان متمكنًا من النفس بالبرهان، مصحوبًا بالخضوع والإذعان، فمن نشأ بين قوم وسمع منهم اسم الله في حلفهم واسم الآخرة في حوارهم وقبل منهم بالتسليم أن له إلهًا وأن هناك يومًا آخر يسمى يوم القيامة وأن أهل دينه هم خير من أهل سائر الأديان، فإن ذلك لا يكون باعثًا له على البر وإن زادت معارفه بهذه الألفاظ المسلمة، فحفظ الصفات العشرين التي حدد بعض المتكلمين بها ما يجب إثباته لله تعالى عقلًا، وأضدادها التي تستحيل عليه عقلًا، وإن حفظ العقيدة السنوسية المسماة بأم البراهين أيضًا.
ولقد كان أهل الكتاب الذين تبين لهم الآية خطأهم في فهم مقاصد الدين يؤمنون بالله واليوم الآخر، ولكنهم كانوا بمعزل عن الإذعان والقيام بحقوق هذا الإيمان من الأعمال والأوصاف المذكورة في الآية.
الإيمان المطلوب معرفة حقيقة تملك العقل بالبرهان، والنفس بالإذعان، حتى يكون الله ورسوله أحب إلى المؤمن من كل شيء، ويؤثر أمرهما على كل شيء ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ وإيمان التقليد قد يفضل صاحبه حب كل واحد من هذه الأمور على حب الله ورسوله.
الإيمان المطلوب معرفة تطمئن بها القلوب، وتحيا بها النفوس، وتخنس معها الوساوس، وتبعد بها عن النفس الهواجس، فلا تبطر صاحبها النعمة، ولا تؤيسه النقمة ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ ﴿ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ﴾ ، وإيمان التقليد لا يفتأ صاحبه مضطرب القلب، ميت النفس، إذا مسه الخير فهو فرح فخور، وإذا مسه الشر فهو يؤوس كفور.
الإيمان المطلوب معرفة تتمثل للمؤمن إذا عرضت له دواعي الشر وأسباب المعاصي فتحول دونها، فإذا نسي فأصاب الذنب بادر إلى التوبة والإنابة.
فالمؤمنون هم الذين وصفوا بقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ وهم ﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ ، وإيمان التقليد يصر صاحبه على العصيان، ويقترف الفواحش عامدًا عالمًا، لا يستحي من الله ولا يوجل قلبه إذا ذكره، ولا يخالفه إذا عصاه.
الإيمان المطلوب هو الذي إذا علم صاحبه بأن الإيمان أصيب بمصيبة كانت مصيبته في دينه أشد عليه من المصيبة في نفسه وماله وولده، وكان انبعاثه إلى تلافيها أعظم من انبعاثه إلى دفع الأذى عن حقيقته، وجلب الرزق إلى نفسه وأهله وعشيرته، وإيمان المقلد لا غيرة معه على الدين ولا على الإيمان ﴿ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ ، ﴿ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾ الآيات.
يذكر القرآن الإيمان بالله واليوم الآخر كثيرًا، وإنما المراد به ما له مثل هذه الآثار التي شرحها في آيات كثيرة، ومن أجمعها هذه الآية التي نفسرها الآن، ولكن أهل التقليد الذين لا أثر للإيمان في قلوبهم ولا في أعمالهم إلا ما جرت به عادة قومهم من الإتيان ببعض الرسوم يؤولون كل هذه الآيات بجعلهم الإيمان قسمين: قسمًا كاملًا، وهو الذي يصف القرآن أهله بما يصفهم به.
قسمًا ناقصًا وهو إيمانهم الذي يجامع ما وصف الله تعالى به الكافرين والمنافقين، ويرون أن الإيمان الناقص كاف لنيل سعادة الآخرة ولا سيما إذا صحبه بعض الرسوم الدينية ولكن الله تعالى يرشدنا في مثل هذه الآية إلى أن الرسوم ليست من البر في شيء، وإنما البر هو الإيمان وما يظهر من آثاره في النفس والعمل كما ترى في الآية.
وأساس ذلك الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين.
فالإيمان بالله يرفع النفوس عن الخضوع والاستعباد للرؤساء الذين استذلوا البشر بالسلطة الدينية وهي دعوى القداسة والوساطة عند الله، ودعوى التشريع والقول على الله بدون إذن الله.
أو السلطة الدنيوية وهي سلطة الملك والاستبداد، فإن العبودية لغير الله تعالى تهبط بالبشر إلى دركة الحيوان المسخر أو الزرع المستنبت والإيمان باليوم الآخر والملائكة يعلم الإنسان أن له حياة في عالم غيبي أعلى من هذا العالم، فلا يرضى لنفسه أن يكون سعيه وعلمه لأجل خدمة هذا الجسد خاصة، لأن ذلك يجعله لا يبالي إلا بالأمور البهيمية، ولا يرضى لنفسه بالأولى أن يكون عبدًا ذليلًا لبشر مثله للقب ديني أو دنيوي وقد أعزه الله بالإيمان، وإنما أئمة الدين عنده مبلغون لما شرع الله، وأئمة الدنيا منفذون لأحكام الله.
وإنما الخضوع الديني لله ولشرعه لا لشخوصهم وألقابهم.
ثم إن الإيمان بالملائكة أصل للإيمان بالوحي، لأن مَلَك الوحي روح عاقل عالم يفيض العلم بإذن الله على روح النبي بما هو موضوع الدين، ولذلك قدم ذكر الملائكة على ذكر الكتاب والنبيين، فهم الذين يؤتون النبيين الكتاب ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴾ ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ فيلزم من إنكار الملائكة إنكار الوحي والنبوة وإنكار الأرواح، وذلك يستلزم إنكار اليوم الآخر، ومن أنكر اليوم الآخر يكون أكبر همه لذات الدنيا وشهواتها وحظوظها، وذلك أصل لشقاء الدنيا قبل الآخرة.
والملائكة خلق روحاني عاقل قائم بنفسه وهم من عالم الغيب فلا نبحث عن حقيقتهم كما تقدم غير مرة.
واختير لفظ الكتاب على الكتب للإيماء إلى أن كلا من اليهود والنصارى لو صح إيمانهم بكتابهم وأذعنوا له لكان في ذلك هداية لهم، وإن جهلوا وحدة الدين فلم يعرفوا حقية جميع الكتب الإلهية، على أن المقصود لازمه وهو أنهم لم يؤمنوا حق الإيمان بكتابهم إذ لا يعملون بما يرشد إليه، ولو كان إيمانهم صحيحًا لقارنه الإذعان، الباعث على العمل بقدر الإمكان، فإن كثيرًا من المؤمنين بالتسليم والتقليد كانوا كمن نزل فيهم ﴿ قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ ﴾ فهذا الإيمان الذي حصر الله الصدق في أصحابه كان قد فقد من أكثر أهل الكتاب كما هو حال مجموع المسلمين في هذا العصر، فإن الذي تصدق عليه هذه الأوصاف صار نادرًا جدًا.
ولذلك حرم المسلمون ما وعد الله المؤمنين من العزة والنصر، والاستخلاف في الأرض ولن يعود لهم شيء من ذلك حتى يعودوا إلى التحقق بما ميز الله به المؤمنين من النعوت والأوصاف.
فالإيمان بالكتاب يستلزم العمل به، فإن المؤمن الموقن بأن هذا الشيء حسن نافع لا بد أن تتوجه إليه نفسه عند عدم المانع.
فما بال مدعى الإيمان بالكتاب قد أعرضوا عن امتثال أمره ونهيه حتى صاروا يعدون حفظه وقراءته من موانع الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، فكان من قوانينهم أن حافظ القرآن لا يطالب بتعلم فنون الحرب والجهاد لأنه حافظ، وصار حملة الكتاب لا يطالبون ببذل شيء من مالهم في سبيل الله، حتى إذا ما طولب أحدهم ببذل شيء لإعانة المنكوبين أو لبناء مسجد ونحو ذلك اعتذر بأنه من العلماء أو الحفاظ لكتاب الله تعالى، بخل القراء والمتفقهة بفضل الله تعالى فجازاهم تعالى على بخلهم، ووفاهم ما يستحقون على سوء ظنهم بربهم، حتى صاروا في الغالب أذل الناس، لأنهم عالة على جميع الناس.
والإيمان بالنبيين يقتضي الاهتداء بهديهم، والتخلق بأخلاقهم، والتأدب بآدابهم، ويتوقف هذا على معرفة سيرتهم والعلم بسنتهم.
وأبعد الناس عن الإيمان بهم من رغبوا عن معرفة ما ذكر والاهتداء به، ولا عذر لهم بما يزعمون من الاستغناء عن السنة بالاقتداء بالأئمة والفقهاء فإنه لا معنى للاقتداء بشخص إلا الاستقامة على طريقته، وإنما طريقة الأئمة المهتدين البحث عن السنة وتقديمها بعد كتاب الله تعالى على كل هداية وإرشاد، ولا يغني عن كتاب الله وسنة رسوله شيء أبدًا، فإن الله يقول ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِر ﴾ فمن استغنى عن التأسي بالرسول فقد استغنى عن الإيمان بالله واليوم الآخر، إذ لا ينفعه هذا الإيمان إلا بهذا التأسي، على أن الاقتداء بالأئمة يقضي على صاحبه بأن يعرف سيرتهم وطريقة أخذهم عن ربهم ونبيهم وأصول استدلالهم، وهؤلاء المقلدون لا يعرفون ذلك، بل يندر أن يعرف أحد منهم كلام من يدعي اتباعه وتقليده، بل جعلوا بينهم وبين أئمتهم عدة وسائط من المقلدين فهم يقلدونهم دونه، بناء على أنهم أعلم منهم بمراده، كما أنه أعلم بمراد الله ورسوله.
وهناك قوم غشيهم الجهل فغشهم بأنهم من أشد الناس إيمانًا بالرسول وحبًا له بما يصيحون به في قراءة كتب الصلاة عليه كالدلائل وأمثالها، أو المدائح الشعرية وهم أجهل الناس بأخلاقه العظيمة، وسنته السنية، وسيرته الشريفة، وأشدهم نفورًا عن التأسي به إذا دُعوا إليه، أو نُهوا عن البدع في دينه والزيادة في شريعته.
وأمثال هؤلاء من الذين ورد الحديث في الصحيحين، وغيرهما بأنهم يَردُون عليه الحوض يوم القيامة فيذادون أي يطردون دونه فيقول: "أمتي" فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: "سحقًا سحقًا لمن بَدَّل بعدي".
ثم ذكر تعالى بعد بيان أصول الإيمان أصول الأعمال الصالحة التي هي ثمرته وبدأ بأقواها دلالة عليه فقال ﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾ -أي وأعطى المال لأجل حبه تعالى أو حبه إياه أي المال.
وهذا الإيتاء غير إيتاء الزكاة الآتي وهو ركن من أركان البر وواجب كالزكاة.
وذلك حيث تعرض الحاجة إلى البذل في غير وقت أداء الزكاة، بأن يرى الواجد مضطرًا بعد أداء الزكاة أو قبل تمام الحول، وهو لا يشترط فيه نصاب معين بل هو على حسب الاستطاعة، فإذا كان لا يملك إلا رغيفًا ورأى مضطرًا إليه في حال استغنائه عنه بأن لم يكن محتاجًا إليه لنفسه أو لمن تجب عليه نفقته وجب عليه بذله.
وليس المضطر وحده هو الذي له الحق في ذلك بل أمر الله تعالى المؤمن أن يعطي من غير الزكاة ﴿ ذَوِي الْقُرْبَى ﴾ وهم أحق الناس بالبر والصلة، فإن الإنسان إذا احتاج وفي أقاربه غني فإن نفسه تتوجه إليه بعاطفة الرحم، ومن المغروز في الفطرة أن الإنسان يألم لفاقة ذوي رحمه وعدمهم أشد مما يألم لفاقة غيرهم، فإنه يهون بهوانهم ويعتز بعزتهم.
فمن قطع الرحم ورضي بأن ينعم وذوو قرباه بائسون فهو بريء من الفطرة والدين، وبعيد من الخير والبر، ومن كان أقرب رحمًا كان حقه آكد وصلته أفضل، ﴿ وَالْيَتَامَى ﴾ فإنهم لموت كافلهم تتعلق كفالتهم وكفايتهم بأهل الوجد واليسار من المسلمين كيلا تسوء حالهم، وتفسد تربيتهم فيكونوا مصائب على أنفسهم وعلى الناس، ﴿ وَالْمَسَاكِينَ ﴾ أهل السكون والعفة من الفقراء، فإنهم لما قعد بهم العجز عن كسب ما يكفيهم، وسكنت نفوسهم للرضى بالقليل عن مد كف الذليل، وجبت مساعدتهم ومواساتهم على المستطيع، ﴿ وَابْنَ السَّبِيلِ ﴾ المنقطع في السفر لا يتصل بأهل ولا قرابة حتى كأن السبيل أبوه وأمه ورحمه وأهله، وهذا التعبير بمكان من اللطف لا يرتقي إليه سواه.
وفي الأمر بمواساته وإعانته في سفره ترغيب من الشرع في السياحة والضرب في الأرض، ﴿ وَالسَّائِلِينَ ﴾ الذين تدفعهم الحاجة العارضة إلى تكفف الناس.
وأخرهم لأنهم يسألون فيعطيهم هذا وهذا، وقد يسأل الإنسان لمواساة غيره، والسؤال محرم شرعًا إلا لضرورة يجب على السائل أن لا يتعداها، ﴿ وَفِي الرِّقَابِ ﴾ أي تحريرها وعتقها وهو يشمل ابتياع الأرقاء وعتقهم وإعانة المكاتبين على أداء نجومهم ومساعدة الأسرى على الافتداء.
وفي جعل هذا النوع من البذل حقًا واجبًا في أموال المسلمين دليل على رغبة الشريعة في فك الرقاب واعتبارها أن الإنسان خلق ليكون حرًا إلا في أحوال عارضة تقضي المصلحة العامة فيها أن يكون الأسير رقيقًا.
وأخر هذا عن كل ما سبقه لأن الحاجة في تلك الأصناف قد تكون لحفظ الحياة وحاجة الرقيق إلى الحرية حاجة إلى الكمال.
ومشروعية البذل لهذه الأصناف من غير مال الزكاة لا تتقيد بزمن ولا بامتلاك نصاب محدود، ولا يكون المبذول مقدارًا معينًا بالنسبة إلى ما يملك ككونه عشرًا أو ربع العشر أو عشر العشر مثلًا، وإنما هو أمر مطلق بالإحسان موكول إلى أريحية المعطي وحالة المعطى.
ووقاية الإنسان المحترم من الهلاك والتلف واجبة على من قدر عليها، وما زاد على ذلك فلا تقدير له.
وقد أغفل أكثر الناس هذه الحقوق العامة التي حث عليها الكتاب العزيز لما فيها من الحياة الاشتراكية المعتدلة الشريفة، فلا يكادون يبذلون شيئًا لهؤلاء المحتاجين إلا القليل النادر لبعض السائلين، وهم في هذا الزمان أقل الناس استحقاقًا لأنهم اتخذوا السؤال حرفة وأكثرهم واجدون، ولو أقاموها لكان حال المسلمين في معايشهم خيرًا من سائر الأمم ولكان هذا من أسباب دخول الناس في الإسلام، وتفضيله على جميع ما يتصور الباحثون من مذاهب الاشتراكيين والماليين.
ثم قال ﴿ وَأَقَامَ الصَّلاةَ ﴾ أي أداها على أكمل وجه وأقومه وأدامها، وهذا هو الركن الروحاني الركين للبر.
وإقامة الصلاة التي يكرر القرآن المطالبة بها لا تتحقق بأداء أفعال الصلاة وأقوالها فقط وإن جاء بها المصلي تامة على الوجه الذي يذكره الفقهاء، لأن ما يذكرونه هو صورة الصلاة وهيأتها، وإنما البر والتقوى في سر الصلاة وروحها الذي تصدر عنه آثارها من النهي عن الفحشاء والمنكر، وقلب الطباع السقيمة، والاستعاضة عنها بالغرائز المستقيمة، فقد قال تعالى: ﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلاَّ الْمُصَلِّينَ ﴾ فمن حافظ على الصلاة الحقيقية تطهرت نفسه من الهلع والجزع إذا مسه الشر، ومن البخل والمنع إذا مسه الخير، وكان شجاعًا كريمًا قوي العزيمة شديد الشكيمة لا يرضى بالضيم، ولا يخشى في الحق العذل واللوم، لأنه بمراقبته لله تعالى في صلاته، واستشعاره عظمته وسلطانه الأعلى في ركوعه وسجوده، يكون الله تعالى غالبًا على أمره، فلا يبالي من الشدائد في سبيله، وما أنفق من فضله ابتغاء مرضاته.
وصورة الصلاة لا تعطي صاحبها شيئًا من هذه المعاني، فليست بمجردها من البر في شيء، وإنما شرعت للتذكير بذلك السناء الإلهي، والاستعانة بها على توجه القلب إليه، واستغراقه في ذكره ومناجاته ودعائه، وهو روحها وسرها الذي يستعان به وبالصبر على جميع المقاصد العالية والمجاهدات، فهذا هو البر وقد تقدم القول في معنى الصلاة وإقامتها والاستعانة بها، وإنما نعيد التذكير، كلما أعاده الكتاب العزيز.
﴿ وَآتَى الزَّكَاةَ ﴾ المفروضة أي أعطاها مستحقيها.
قلما تذكر إقامة الصلاة في القرآن ألا ويقرن بها إيتاء الزكاة، فالصلاة مهذبة للروح، والمال كما يقولون قرين الروح، فبذله في سبيل الحق ركن عظيم من أركان البر، وآية من أظهر آيات الإيمان، ولذلك أجمع الصحابة عليهم الرضوان على محاربة مانعي الزكاة، ولكن الذين لا يعرفون من الدين والإيمان إلا تقليد بعض الكتب التي ألفها الميتون، ونشرها الرؤساء والحاكمون، يمنعون الزكاة عمدًا باسم الدين، بما تعلمهم هذه الكتب من الحيل التي تمنع بها الحقوق الثابتة، وآكدها الزكاة التي ذكر الكتاب مصارفها الثمانية، وقضى بأن تبقى ببقائها كلها او بعضها -ويسمونها حيلًا شرعية، وما نسبتها إلى الشرع إلا كنسبة منجل الحاصد إلى الزرع، أو العاصفة في القلع.
فمانع الزكاة يهدم في الظاهر ركنًا من أعظم أركان الإسلام، وينقض في الباطن من تحته أساس الإيمان، لأنه يحتال على الله تعالى في إبطال فريضته، وإزالة حكمته، فهو لم يرض بحكمه ولم يذعن لأمره، بل فسق عن أمر مولاه، واتخذ إلهه هواه، وتجرأ على تبديل كلمات الله، فنسخ الآيات الكثيرة من كتابه الآمرة بإيتاء الزكاة على أنها آية الإيمان، وصلاح العمران، ثم هو يسمي هذا الحنث العظيم، والجرم الكبير، حكمًا مشروعًا، ودينًا متبوعًا، ووالله إن نسبة هذا السفه إلى الشرع لأدل على الكفر من ذلك المنع، إذ لا يعقل أن يشرع الله لنا شيئًا ويؤكده علينا سبعين مرة ثم يرضى بأن نحتال عليه ونخادعه في تركه، ونزعم أنه تقدس وتعالى أذن لنا بهذه المخادعة والمخاتلة!!
إذًا لماذا فرض وأوجب، ورغب ورهب، ووعد وأوعد، وحكم وأحكم؟!
هل كان ذلك لغوًا من الكلام، وجهلًا بحكمة وضع الأحكام؟!
على أن تلك الحيل الشيطانية لم يجد لها واضعوها شبهة من تحريف كتاب الله وتأويل آياته كما هي طريقتهم في اتباع أهوائهم، وتأييد آرائهم، فإن الله تعالى لم يذكر في كتابه الحول والنصاب، وإنما ذكر ما هو روح الدين ومقصده وهو إيتاء الزكاة وكونه آية الإيمان، وتركه آية النفاق والكفران.
وقد بينت السنة بالهدى والعمل كيفية الأخذ، وقدر المأخوذ، وسائر الأحكام، وليس فيها شيء يصح أن يكون شبهة لإبطال الكتاب والهروب من الاهتداء به، ولكن المخذولين لما تركوا الاهتداء بالكتاب والسنة، وجعلوا عبارات الكتب التي صنفوها هي مآخذ الدين وينابيعه، صاروا يحتالون في تطبيق أعمالهم في تلك العبارات المخلوقة، فيكتب أحدهم مثلًا: تجب الزكاة على مالك النصاب إذا تم الحول وهو مالك له.
ثم يعمد هو وغيره إلى تطبيق دينه على هذه العبارات فيهب ماله قبل انقضاء الحول بيوم أو يومين إلى امرأته ولو مع الاشتراط عليها أن تعيده له بعد يوم أو يومين، ويقول إنه لم تجب عليه الزكاة بحسب نص الكتاب الذي سماه فقهًا، وبدل بكلمة كتابه المخلوق كتاب الله القديم، وسنة رسوله الحكيم، وحكمة دينه القويم، ويزعم مع هذا كله أنه مسلم مؤمن بالله وكتابه ورسوله، بل يزعم انه عالم فقيه في الدين، يجب تقليده واتباعه على المؤمنين، وربما يتبجح إذا سمع أو قرأ قوله :"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"؛ لأنه يزعم أن الله أراد به خيرًا ففقهه في الدين.
فيا أهل الفطرة السليمة التي لم يفسدها فقه هؤلاء المحتالين على الله لهدم دينه افتونا، هل العلم بمثل هذه الحيلة ينطبق على أصول البر التي ذكرها الله في هذه الآية، وعلى الفقه والرشد الذي ذكره النبي في حديثه هذا؟
أم هذه فتنة من فتن التقليد، وأخذ الدين من الكتب المحدثة دون كتاب الله المجيد؟
ثم قال تعالى ﴿ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ﴾ وهذا انتقال من البر في الأعمال إلى البر في الأخلاق والأعمال الاجتماعية، فذكر منها ما هو أهم أصول البر وهو الوفاء والصبر بضروبه المبينة بعد.
وقد ذكر الأعمال بصيغة الفعل والأخلاق بصيغة الوصف؛ لأن الأعمال أفعال، والأخلاق صفات.
وفيه تنبيه على أن من أوفى وصبر تكلفًا لا يكون بارًا حتى يصير الوفاء والصبر من أخلاقه ولو بتكرار التكلف والتعمل، فقد ورد "الحلم بالتحلم".
وقدم ما ذكر من الأعمال على هذه الأخلاق لأن الأعمال هي التي تطبع الأخلاق في النفوس، ولا سيما الصلاة وبذل المال فلا أعون منهما على الوفاء والصبر وذلك ظاهر لقوم يفقهون.
والعهد عبارة عما يلتزم به المرء لآخر، وهو بعمومه يشمل ما عاهد المؤمنون عليه الله يإيمانهم من السمع والطاعة والإذعان لكل ما جاء به دينه، ويذكر العهد في القرآن والسنة كثيرًا ويراد به الغالب ما يعاهد به الناس بعضهم بعضًا عليه.
ويشترط في وجوب الوفاء بهذا العهد أن لا يكون في معصية، وفي معنى العهود العقود، وقد أمرنا بالوفاء بها، فيجب على المسلم أن يلتزم الوفاء بما يتعاقد عليه مع الناس ما لم يكن مخالفًا لأمر الله ورسوله الثابت عنده ولقواعد الدين العامة.
وهذا أمر لا مندوحة عنه وهو معقول الفائدة، ولذلك قال أهل القوانين الوضعية: إن كل التزام يخالف أصول القوانين فهو باطل، ولكن لا يجوز أن يعاهد الإنسان أحدًا أو يعاقده على أمر يعلم أنه مخالف للدين لا بنية الوفاء ولا بنية الغدر، والنقض الأول معصية والثاني معصيتان أو أكثر، لما يتضمنه من الغدر والغش ولا يتحقق البر في الإيفاء إلا إذا كان المرء يوفي من نفسه بدون إلزام حاكم يقع أو يتوقع إذا هو لم يوف، أو خوف أي جزاء ولو من غير الحكام فمن أوفى خوفًا من إهانة تصيبه أو ذم يلحق به فهو غير بار، ولا هو من الموفين بالعهود.
إن الإيفاء بالعهود والعقود من أهم الفرائض التي فرضها الله تعالى لنظام المعيشة والعمران، وإنما الصلاة والزكاة من وسائله -والزكاة فرع منه في وجه آخر- فإن الله تعالى فرض علينا الصلاة وهو غني عن العالمين لنؤدب بها نفوسنا فنعيش في الدنيا عيشة راضية، ونستحق بذلك عيشة الآخرة المرضية، إذ المصلي أجدر الناس بالقيام بحقوق عباد الله الذين هم عيال الله بما يستولي على قلبه فيها من الشعور بسلطان الله تعالى وقدرته وفضله وإحسانه، وعموم هذا السلطان والإحسان له وللناس كافة.
والغدر والإخلاف من الذنوب الهادمة للنظام، المفسدة للعمران، المفنية للأمم.
وما فقدت أمة الوفاء الذي هو ركن الأمانة وقوام الصدق إلا وحل بها العقاب الإلهي، ولا يجعل الله الانتقام من الأمم لذنب من الذنوب يفشو فيها كذنب الإخلال بالعهد والإخلاف بالوعد، وانظر حال أمة استهانت بالإيفاء بالعهود ولم تبال بالتزام العقود تر كيف حل بها عذاب الله تعالى بالإذلال، وفقد الاستدلال، وضياع الثقة بينها حتى في الأهل والعيال، فهم يعيشون عيشة الأفراد لا عيشة الأمم، صور متحركة، ووحوش مفترسة، ينتظر كل واحد وثبة الآخر عليه، إذا أمكن ليده أن تصل إليه، ولذلك يضطر كل واحد إذا عاقد أي إنسان من أمته أن يستوثق منه بكل ما يقدر، ويحترس من غدره بكل ما يمكن، فلا تعاون ولا تناصر، ولا تعاضد ولا تآزر، بل استبدلوا بهذه المزايا التحاسد والتباغض، والتعادي والتعاوض ﴿ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ﴾ ولكنهم أذلاء للعبيد.
وقد أحصيت في سنة قضايا التخاصم في محكمة "بنها" فألفيت أن خمسة وسبعين قضية في المئة منها بين الأقارب، والباقي بين سائر الناس، ولو كان في الناس وفاء، لسلموا من كل هذا البلاء.
﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ﴾ قالوا: إن البأساء اسم من البؤس وهو الشدة والفقر، والضراء ما يضر الإنسان من نحو مرض أو جرح، أو فقد محبوب من مال وأهل، وفسروا البأس باشتداد الحرب.
والصبر يحمد في هذه المواطن وفي غيرها، خص هذه الثلاث بالذكر لأن من صبر فيها كان في غيرها أصبر، لما في احتمالها من المشقة على النفس، والاضطراب في القلب، فإن الفقر إذا اشتدت وطأته يضيق له الذرع، ويكاد يفضي إلى الكفر، والضر إذا برح بالبدن يضعف الأخلاق حتى لا يكاد المرء يحتمل ما كان يسر به في حال الصحة، فما بالك بالمرض، وآلامه وما يطرأ في أثنائه من الأمور التي تسوء النفس، وأما حالة اشتداد الحرب فهي على ما فيها من الشدة والتعرض للهلكة بخوض غمرات المنية يطلب فيها من الصبر ما لا يطلب في غيرها، لأن الظفر مقرون بالصبر، وبالظفر حفظ الحق الذي يناضل من يجاهد في سبيل الله دونه ويدافع عنه، ويحاول إظهاره، ويبغي انتشاره، وهذا هو المأمور من الله تعالى بالصبر حين البأس، لا المحارب لطمع الدنيا وأهواء الملوك.
وقد ورد في الأحاديث الصحيحة أن الفرار من الزحف من أكبر الكبائر-وعبر عنه في بعضها بالكفر- فلا غرو أن يجعل الصبر في حين البأس أصلًا من أصول البر.
وقد كان المسلمون بإرشاد هذه النصوص اعظم أمة حربية في العالم، فما زال استبداد الحكام يفسد من بأسهم، وترك الاهتداء بالكتاب والسنة يفل غربهم، حتى سبقتهم الأمم كلها في ميادين الكفاح، وحتى صرنا نسمع من امثالهم: فر لعنه الله، خير من مات رحمه الله.
وأبعد الناس عندنا عن الصبر أودناهم من الجزع والهلع والفزع المشتغلون بالعلوم الدينية، فإن الشجاعة والفروسية والرماية عندهم من المعايب التي تزري بالعلم وتحط من قدره، وهم مع هذا يقرأون في كتبهم أن الشرع أباح المراهنة -وهي من القمار الذي هو من كبائر الإثم- في السباقة والرماية خاصة، عناية بهما وترغيبًا للأمة فيهما.
فهذا البعد عن الدين ممن يسمون أنفسهم ورثة الأنبياء هو الذي قال الجاحظ: إنه لا يصل إليه أحد إلا بخذلان من الله.
وانظر بعد هذا حكم الله تعالى على البررة الذين يقيمون ما تقدم ذكره من أركان البر، قال: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ أي أولئك الأبرار الراسخون في أصول الإيمان الخمس والمنفقون للمال في مواضعه الستة، والمقيمون للصلاة الروحية الاجتماعية، والمؤتون للزكاة التي عليها مدار أمور الملة المالية والسياسية، والموفون بعهودهم الثلاثة الدينية والمالية والحربية، والصابرون في مواقف الشدة الثلاثة، هم الذين صدقوا الله في دعوى الإيمان دون الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ ﴾ الذين تشهد لهم بالتقوى أعمالهم وأحوالهم، والتقوى أن تجعل بينك وبين سخط الله وقاية بأن تتحامى أسباب خذلانه في الدنيا وعذابه في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
ذكر المفسر وغيره أن القصاص على القتل كان محتمًا عند اليهود وأن الدية كانت محتمة عند النصارى وأن القرآن جاء وسطًا يفرض القصاص إذا أصر عليه أولياء المقتول ويجيز الدية إذا عفوا، وحق قولهم إن القتل قصاصًا كان حتمًا عند اليهود، كما في الفصل التاسع عشر من سفر الخروج والعشرين من التثنية.
أما قولهم إن الدية كانت حتمًا عند النصارى فإنه ليس في كتب النصارى شيء يحتم عليهم ذلك إلا أن يقال إن ذلك مأخوذ من وصايا التساهل والعفو وجزاء الإساءة بالإحسان في الإنجيل ولكن أخذ الدية ضرب من ضروب الجزاء ينافي هذه الوصايا.
وإذا نظرنا في أعمال الأولين والآخرين وشرائعهم في القتل نجد القرآن وسطًا حقيقيًا لا بين ما نقل عن اليهود والنصارى فقط بل بين مجموع آراء البشر من أهل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، فقد كانت العرب تتحكم في ذلك على قدر قوة القبائل وضعفها، فرب حر كان يقتل من قبيلة فلا ترضي قبيلته بأخذ القاتل به بل تطلب به رئيسها، وأحيانًا كانوا يطلبون بالواحد عشرة وبالأنثى ذكرًا، وبالعبد حرًا، فإن أجيبوا وإلا قاتلوا قبيلة القاتل وسفكوا دماء كثيرة، وهذا إفراط وظلم عظيم تقتضيه طبيعة البداوة الخشنة.
وفرض التوراة قتل القاتل إصلاح في هذا الظلم، ولكن يوجد في الناس لا سيما أهل القوانين في زماننا هذا من ينكر المعاقبة بالقتل ويقولون إنه من القسوة وحب الانتقام في البشر، ويرون أن المجرم الذي يسفك الدم يجب أن تكون عقوبته تربية لا انتقامًا، وذلك يكون بما دون القتل، ويشددون النكير على من يحكم بالقتل إذا لم تثبت الجريمة على القاتل بالإقرار، بأن ثبتت بالقرائن أو بشهادة شهود يجوز عليهم الكذب، ويرون أن الحكومة إذا علَّمت الناس التراحم في العقوبات فذلك أحسن تربية لهم، ومنهم من يقول إن المجرمين لا يكونون إلا مرضى العقول فالواجب أن يوضعوا في مستشفيات الأمراض العقلية ويعالجوا فيها إلى أن يبرأوا.
وإذا دققنا النظر في أقوال هؤلاء نرى أنهم يريدون أن يشرعوا أحكامًا خاصة بقوم تعلموا وتربوا على الطرق الحديثة وسيسوا بالنظام والحكم، حتى لا سبيل لأولياء المقتول أن يثأروا له من القاتل ولا أن يسفكوا لأجله دماء بريئة، وحتى يؤمن من استمرار العداوة والبغضاء بين بيوت القاتلين وبيوت المقتولين، ووجدت عندهم جميع وسائل التربية والمعالجة، لا أحكامًا عامة لجميع البشر، في البدو والحضر، ومع هذا نرى كثيرًا من الناس حتى المنتسبين إلى الإسلام يغترون بآرائهم ويرونها شبهة على الإسلام، وأما النافذ البصيرة العارف بمصالح الأمم الذي يزن الأمور العامة بميزان المصلحة العامة لا بميزان الوجدان الشخصي الخاص بنفسه أو ببلده فإنه يرى أن القصاص بالعدل والمساواة هو الأصل الذي يربي الأمم والشعوب والقبائل كلها، وأن تركه بالمرة يغري الأشقياء بالجراءة على سفك الدماء، وأن الخوف من الحبس والأشغال الشاقة إذا أمكن أن يكون مانعًا من الإقدام على الانتقام بالقتل في البلاد التي غلب على أهلها التراحم أو الترف والانغماس في النعيم كبعض بلاد أوربة، فإنه لا يكون كذلك في كل البلاد وكل الشعوب، بل إن من الناس في هذه البلاد وفي غيرها من يحبب إليه الجرائم أو يسهلها عليه كون عقوبتها السجن الذي يراه خيرًا من بيته، وإن في مصر من الأشقياء من يسمي السجن "نزلًا" أو "فندقًا"، وسمعت أنا غير واحد في سورية يقول: إذا فعل فلان كذا فإنني أقتله وأقيم في القلعة عشر سنين.
وذلك أن القاتل هناك محكوم عليه غالبًا بالسجن خمس عشرة سنة في قلعة طرابلس الشام، ويعفو السلطان في عيد جلوسه عمن تم له ثلثا المدة المحكوم بها عليه في السجن.
واشتهر عن بعض المجرمين في مصر أنهم يسمون بعض السجون العصرية "لوكاندة كوكس" بالإضافة إلى "كوكس باشا" مدير السجون الذي أنشئت في عهده.
ويقول بعضهم: أسرق كذا أو أضرب فلانًا وأشتو في لوكاندة "كوكس" فإن الشتاء فيها أرحم وأنعم من الشتاء في بيتنا أو في الشوارع، ولا يبعد على المجرم من هؤلاء أن يقتل لأن عقاب القتل في هذه السجون، إن ثبت عليه، أهون من عيشته الشقية، فما القول في أهل البوادي أصحاب الثارات التي لا تموت؟.
فقتل القاتل هو الذي يربي الناس في كل زمان ومكان ويمنعهم من القتل.
وقد بالغ في الاعتراف بذلك معدل القانون المصري حيث أجاز الحكم بالإعدام إذا وجدت القرائن القاطعة على ثبوت التهمة، بعد أن كان لا يجوزه إلا بالاعتراف أو شهادة شهود الرؤية.
وقد تقع في كل بلاد صُوَر من جرائم القتل يكون فيها بقتل القاتل ضارًا وتركه لا مفسدة فيه، كأن يقتل الإنسان أخاه أو أحد أقاربه لعارض دفعه إلى ذلك، ويكون هذا القاتل هو العائل لذلك البيت، وإذ قتل يفقدون بقتله المعين والظهير، بل قد يكون في قتل القاتل أحيانًا مفاسد ومضار وإن كان أجنبيًا من المقتول، ويكون الخير لأولياء المقتول عدم قتله لدفع المفسدة، أو لأن الدية أنفع لهم، فأمثال هذه الصور توجب أن لا يكون الحكم بقتل القاتل حتمًا لازمًا في كل حال، بل يكون هو الأصل، ويكون تركه جائزًا برضاء أولياء المقتول وعفوهم، فإذا ارتقت عاطفة الرحمة في شعب أو قبيل أو بلد إلى أن صار أولياء القاتل منهم يستنكرون القتل ويرون العفو أفضل وأنفع فذلك إليهم، والشريعة لا تمنعهم منه بل ترغبهم فيه، وهذا الإصلاح الكامل في القصاص هو ما جاء به القرآن، وما كان ليرتقي إليه بنفسه علم الإنسان، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ﴾ القصاص في أصل اللغة يفيد المساواة، فمعنى القصاص هنا أن يُقْتَل القاتل لأنه في نظر الشريعة مساوٍ للمقتول فيؤخذ به، فالغرض من الآية شرعية القصاص بالعدل والمساواة وإبطال ذلك الامتياز الذي للأقوياء على الضعفاء، ولذلك قال ﴿ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى ﴾ أي أن هذا القصاص لا هوادة فيه ولا جور، فإذا قتل حر حرًا يقتل هو به لا غيره من سادات القبيلة ولا أكثر من واحد، وإذا قتل عبد عبدًا يقتل هو به لا سيده، ولا أحد الأحرار من قبيلته، وكذلك المرأة إذا قتلت تقتل هي ولا يقتل أحد فداء عنها، خلافًا لما كانت عليه الجاهلية في ذلك كله.
فالقصاص على القاتل نفسه أيًا كان لا على أحد من قبيلته، فما كانت عليه العرب في الثأر يبين هذا المعنى من الآية، ولكن مفهوم اللفظ بحد ذاته وسياق مقابلة الأصناف بالأصناف يفهم أنه لا يقتل فريق بفريق آخر، وهو غير مراد على إطلاقه، فقد جرى العمل من زمن الرسول إلى الآن على قتل الرجل بالمرأة، واختلفوا في قتل الحر بالعبد فذهب أبو حنيفة وابن أبي ليلى وداوود إلى أنه يقتل به إذا لم يكن سيده.
وذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل به مطلقًا، والاختلاف في قتل الرجل بالمرأة أضعف ولهذه الخلافات زعم بعضهم أن في الآية نسخًا.
وإنما منشأ الخلاف أدلة أخرى من السنة وغيرها، والاعتبار بمفهوم المخالفة في الآية وعدمه، والقرآن فوق كل خلاف.
فمنطوق الآية لا مجال للخلاف فيه وهو أن الحر يقتل بالحر إلخ، وأما كون الحر يقتل بالعبد والرجل بالمرأة فهذا يؤخذ من لفظ القصاص ولا يعارضه مفهوم التفصيل، فإن بعض أهل الفصول لا يعتبر المفهوم المخالف للمنطوق، وبعضهم يعتبره بشرط لا يتحقق هنا لما ذكروه في سبب النزول منطبقًا على ما ذكرناه عن العرب.
قال البيضاوي في تفسير الآية: "كان في الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دماء، وكان لأحدهما طَوْل على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى، فلما جاء الإسلام تحاكموا إلى الرسول فنزلت وأمرهم أن يتبارءوا.
ولا تدل على أن يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى كما لا تدل على عكسه، فإن المفهوم يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى الحكم" والبيضاوي من الشافعية القائلين بمفهوم المخالفة.
وما ذكره في سبب النزول أخرجه ابن أبي حاتم.
ويدخل في عموم الآية الكافر وبه قال الكوفيون والثوري وقال الجمهور لا يقتل به المسلم لما ورد في ذلك من الحديث الصحيح المبين لإجمال الآية، واستثنى من عمومها السيد يقتل عبده قالوا لا يقتل به ولكن يعزر، ولا يعرف في ذلك خلاف إلا عن النخعي.
وللحاكم أن يقرر هذا التعزيز بشدة تمنع الاعتداء والاستهانة بالدم، ولا يخفى أن التعزيز قد يكون بالقتل، فإذا عهد في قوم من القسوة ما يقتلون به عبيدهم فللإمام أن يقتل السيد بعبده تعزيزًا لا حدًا إذا رأى المصلحة العامة في ذلك.
واستثنوا أيضًا الوالدين فقالوا لا يقتل الوالد بولده لأن الحدود توضع حيث تتحرك للنفوس للجناية لتكون رادعة عن الاستمرار فيها، وقد مضت السنة الإلهية في الفطرة بأن قلوب الأصول مجبولة من طينة الشفقة والحنو على الفروع حتى ليبذلون أموالهم وأرواحهم في سبيلهم، وكثيرًا ما يقسو الولد على والده، وقلما يقسو والد على ولده إلا لسبب قوي كعقوق شديد، أو فساد في أخلاق الولد جنى على أصل الفطرة كالإفراط في حب الذات، ولكن هذه القسوة لا تفضي إلى القتل إلا لأمر يكاد يكون فوق الطبيعة كعارض جنون من الوالد، أو إيذاء لا يطاق من الولد.
ولما كان هذا شاذًا نادرًا جعل كالعدم فلم يلاحظ في وضع الحد، لأن الأحكام تتناول بالمظنة لا بالشواذ الذي يندر أن تقع، ومع هذا يعزز من يقتل ولده بما يراه الحاكم لائقًا بحاله ومربيًا لأمثاله.
وقد اضطرب العلماء في تعيين المخاطب بهذا القصاص إذ لا يصح أن يكون القاتل ولا المقتول ولا ولي الدم ولا عصبة القاتل ولا سائر الناس الأجانب، ولا يظهر أيضًا أن المخاطب بقوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ ﴾ الحكام خاصة..
وهذه مشاغبة وتشكيك كمشاغبات الرازي وشكوكه، والخطاب مفهوم بالبداهة، والآية جارية على أسلوب القرآن في مخاطبة جماعة المؤمنين في الشئون العامة والمصالح لاعتبار الأمة متكافلة ومطالبة بتنفيذ الشريعة وحفظها، وبالخضوع لأحكامها كما تقدم بيانه في مخاطبة اليهود بإسناد ما كان من آبائهم إليهم إذا قلنا أن الأمة في هدى القرآن كالشخص الواحد يخاطب البعض منها بالكل والكل بالبعض، كما يقال للشخص جنيت وجنت يدك وأخطأت وأخطأ سمعك أو رأيك، ففي هذا الخطاب بالقصاص يدخل القاتل لأنه مأمور بالخضوع لحكم الله، ويدخل الحاكم لأنه مأمور بالتنفيذ، ويدخل سائر المسلمين لأنهم مأمورون بمساعدة الشرع وتأييده، ومراقبة من يختارونه للحكم به وتنفيذه.
بعد أن بين تعالى وجوب القصاص وهو أصل العدل، ذكر أمر العفو وهو مقتضى التراحم والفضل، فقال ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ الخ، أي فمن عفا له أخوه في الدين من أولياء الدم عن شيء من حقهم في القصاص ولو واحدًا منهم إن تعددوا وجب اتباعه وسقط القصاص كما يأتي، وإنما يعفو من له حق طلب القصاص، وقد جعل الله هذا الحق لأولياء المقتول وهم عصبته الذين يعتزون بوجوده ويهانون بفقده، ويحرمون من عونه ورفده، فمن أزهق روحه كان لهم أن يطلبوا إزهاق روحه، لما تستفزهم إليه نعرة القرابة وطبيعة المصلحة، فإذا لم يجب طلبهم، ولم يقتص الحاكم لهم، فإنهم ربما يحتالون للانتقام، ويفشو بينهم وبين القاتل وقومه التشاحن والخصام، وإذا جاء العفو من جانبهم أُمن المحذور والفتنة، ولا سيما إذا كان من أسباب العفو استعطاف القاتل وقومه لهم، واستعتابهم إياهم، بإثارة عاطفة الأخوة الدينية، وأريحية المروءة الإنسانية، ففي مثل هذه الحالة يوجب الله تعالى حجب الدم، وليس للحكومة أن تمتنع من العفو إذا رضوا به، ولا أن تستقل بالعفو إذا طلبوا القصاص فَتُحْفِظ قلوبهم، وتخرج أضغانهم، وتحملهم على محاولة الانتقام بأيديهم إذا قدروا، فيزيد البلاء، ويكثر الاعتداء، أو يعيش الناس في تباغض وعداء، وفوضى تستباح فيها الدماء.
وعبارة الآية تشعر بأن الله تعالى يحب من عباده العفو ولذلك فرض اتباع العفو وإن لم يكن تامًا متفقًا عليه من جميع أولياء الدم كالآباء والأبناء والإخوة، فإن عفا بعضهم يرجح جانبه على الآخرين كما يدل عليه تنكير شيء في قوله ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ فقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن "شيء" هنا نائب عن المصدر أي عفا له شيء من العفو بأن ناله بعضه ممن لهم المطالبة، ويؤيد هذا ويؤكده التعبير عن العافي بلفظ الأخ الذي يحرك عاطفة الرحمة والحنان، وهو كما قال المفسرون يؤذن بأن القتل لا يقتضي الارتداد عن الإسلام وقطع أخوة الإيمان، إلا إذا استحله فاعله.
ومن مباحث اللفظ هنا أن بعض المفسرين أشكل عليهم استعمال عفى متعدية باللام وزعموا أنها بمعنى ترك قال البيضاوي تبعًا للكشاف: وهو ضعيف إذ لم يثبت عفا الشيء بمعنى تركه بل أعفاه، وعفا يعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب قال الله تعالى ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ ﴾ وقال: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ﴾ فإذا عدي به إلى الذنب عدي إلى الجاني باللام وعليه ما في الآية كأنه قيل: فمن عفى له عن جنايته من جهة أخيه يعني ولي الدم.
ولما كان العفو عن القصاص يتضمن الرضى بأخذ الدية قال تعالى ﴿ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾ أي من ناله شيء من هذا العفو فالواجب في شأنه أو قضيته تنفيذ العفو وثبوت الدية، وعبر عن الأول باتباع العفو بالمعروف، وهو واجب على الإمام الحاكم وعلى العافي وغيره من الأولياء، وإن لم يعفوا فعليهم أن لا يرهقوا القاتل من أمره عسرًا، بل يطلبون منه الدية بالرفق والمعروف الذي لا يستنكره الناس، وعبر عن الثاني بالأداء إليه بإحسان، وهو واجب على القاتل بأن لا يمطل ولا ينقص ولا يسيء فيه صفة الأداء.
ويجوز العفو عن الدية أيضًا كما في قوله تعالى في سورة النساء ﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا ﴾ هذا هو الظاهر في الآية فلا حاجة إلى ذكر ما قالوه من احتمال غيره.
ويؤكد رغبة الشارع في العفو امتنانه علينا بإجازته ووعيده لمن اعتدى، أما الامتنان به فقوله ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ وأي تخفيف ورخصة أفضل من حجب الدم بتجويز العفو والاكتفاء عنه بقدر معلوم من المال؟
فهذه رحمة منه سبحانه بهذه الأمة إذ رغبها في التراحم والتعاطف والعفو والإحسان، وأما الوعيد على الاعتداء بعده فقوله ﴿ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أي بعد العفو عن الدم والرضى بالدية بأن انتقم من القاتل ﴿ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قيل معناه أن يتحتم قتل الولي العافي أو غيره إذا قتل القاتل بعده العفو ولا يجوز العفو عنه، بل يقتله الحاكم وإن عفا عنه ولي المقتول، وبه قال جماعة من المفسرين كعكرمة والسدي، وقال عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإمام يفعل فيه ما يراه، والجمهور على أن حكمه حكم القاتل ابتداء، وعليه مالك والشافعي، وهو الصحيح، والمراد بالعذاب الأليم عذاب الآخرة.
ثم قال تعالى ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾ وهو تعليل لشرعية القصاص وبيان لحكمته، وقدم عليه تعليل العفو والترغيب فيه والوعيد على الغدر بعده عناية به، وإيذانًا بأن الترغيب في العفو لا يستلزم تصغير شأنه، وبيان الأسباب والحكم لوضع الأحكام العملية، كإقامة البراهين والدلائل للمطالب العقلية، بهذه يعرف الحق من الباطل، وبتلك يعرف العدل وما يتفق مع المصالح، وبذلك يكون الحكم أوقع في النفس وأبعث على المحافظة عليه، وأدعى إلى الرغبة في العمل به -وقد بينت هذه الآية حكمة القصاص بأسلوب لا يسامى، وعبارة لا تحاكى، واشتهر أنها من أبلغ آي القرآن، التي تعجز في التحدي فرسان البيان، ومن دقائق البلاغة فيها أن جعل فيها الضد متضمنًا لضده وهو الحياة في الإماتة التي هي القصاص، وعرّف القصاص ونكَّر الحياة للإشعار بأن في هذا الجنس من الحكم نوعًا من الحياة عظيمًا لا يقدر قدره، ولا يجهل سره.
ثم إنها في إيجازها قد ارتقت أعلى سماء للإعجاز، وكانوا ينقلون كلمة في معناها عن بعض بلغاء العرب يعجبون من إيجازها في بلاغتها، ويحسبون أن الطاقة لا تصل إلى أبعد من غايتها، وهي قولهم: القتل أنفى للقتل، وإنما فتنوا بهذه الكلمة وظنوا أنها نهاية ما يمكن أن يبلغه البيان، ويفصح به اللسان، لأنها قيلت قبلها كلمات أخرى في معناها لبلغائهم كقولهم: قتل البعض إحياء للجميع، وقولهم أكثروا القتل ليقل القتل ..
وأجمعوا على أن كلمة القتل أنفى للقتل أبلغها، وأين هي من كلمة الله العليا، وحكمته المثلى؟
قال تعالى -بعد هذا البيان المتضمن للحكمة والبرهان-: ﴿ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾ فخص بالنداء أصحاب العقول الكاملة، مع أن الخطاب عام للتنبيه على أن ذا اللب هو الذي يعرف قيمة الحياة والمحافظة عليها، ويعرف ما تقوم به المصلحة العامة وما يتوسل به إليها، وهو مرتبتان: القصاص وهو العدل، والعفو وهو الفضل.
كأنه يقول: إن ذا اللب هو الذي يفقه سر هذا الحكم وما اشتمل عليه من الحكمة والمصلحة، فعلى كل مكلف أن يستعمل عقله في فهم دقائق الأحكام، وما فيها من المنفعة للأنام، وهو يفيد أن من ينكر منفعة القصاص بعد هذا البيان، فهو بلا لب ولا جنان، ولا رحمة ولا حنان، وقوله ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ جعله (الجلال) تعليلًا لشرع القصاص وقدر له (شرع) أي لما كان في القصاص حياة لكم كتبناه عليكم وشرعناه لكم، لعلكم تتقون الاعتداء، وتكفون عن سفك الدماء، والشرعية مفهومة من الآية، وإيجاز القرآن يقتضي عدم التصريح بها لأجل التعليل كما صرح به في الآية التي قبلها ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ ﴾ ويمكن أن يستغنى عن تقدير (شرع) ويتعلق الرجاء بالظرف في قوله ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾ أي ثبتت لكم الحياة في القصاص لتُعِدَّكم وتهيئكم للتقوى والاحتراس من سفك الدماء وسائر ضروب الاعتداء، إذ العاقل حريص على الحياة ولوع بالأخذ بوسائلها، والاحتراس من غوائلها.
<div class="verse-tafsir"
وجه التناسب والاتصال بين هذه الآيات وما قبلها هو أن القصاص في القتل ضرب من ضروب الموت يذكر بما يطلب ممن يحضره الموت وهو الوصية.
والخطاب فيه موجه إلى الناس كلهم بأن يوصوا بشيء من الخير ولا سيما في حال حضور أسباب الموت وظهور أماراته لتكون خاتمة أعمالهم خيرًا، وهو على نسق ما تقدم في الخطاب بالقصاص من اعتبار الأمة متكافلة يخاطب المجموع منها بما يطلب من الأفراد، وقيام الأفراد بحقوق الشريعة لا يتم إلا بالتعاون والتكافل والائتمار والتناهي؛ فلو لم يأتمر البعض وجب على الباقين حمله على الائتمار - ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ ﴾ أي فرض عليكم يا معشر المؤمنين إذا حضرت الواحد منكم أسباب الموت وعلاماته ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ أي إن كان له مال كثير يتركه لورثته ﴿ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي كتب عليكم في هذه الحالة أن توصوا للوالدين والأقربين بشيء من هذا الخير بالوجه المعروف الذي لا يستنكر لقلته بالنسبة إلى ذلك الخير ولا بكثرته الضارة بالورثة بأن لا يزيد الموصي به لهم ولغيرهم من الأجانب عن ثلث المتروك الوارثين.
والوصية الاسم من الإيصاء والتوصية، وتطلق على الموصي به من عين أو عمل، وهي مندوبة في حال الصحة وتتأكد في المرض، وظاهر الآية أنها تجب عند حضور أمارات الموت للوالدين والأقربين، وفيه الخلاف الآتي.
يقال أوصى ووصى فلانًا بكذا من العمل أو المال، ووصى بفلان، وأوصى له بكذا من مال أو منفعة.
وأوصاه فيه - أي في شأنه.
وإيصاء الله بالشيء وفيه أمره وفسروا الخير بالمال وقيده الأكثرون بالكثير أخذًا من التنكير، ولم يقيده (الجلال) بذلك.
ولم يقتصر أحد من المفسرين على ذكر المال فقط إلا مفسرنا وقوله صادق فيما ذكروه وجهًا وذكروا معه قول من قيده بالكثير كالبيضاوي، وجزم المفسر بأن الآية منسوخة بآية المواريث وحديث الترمذي "لا وصية لوارث" ورده بعضهم، فكلام الجلالين في المسألتين غير مسلم.
أما الأولى فقد قالوا إن المال لا يسمى في العرف خيرًا إلا إذا كان كثيرًا كما لا يقال فلان ذو مال إلا إذا كان كثيرًا، وإن تناول اللفظ صاحب المال القليل، وأيدوا هذا بما رواه ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها قال لها رجل أريد أن أوصي، قالت كم مالك؟
قال ثلاثة آلاف.
قالت كم عيالك؟
قال أربعة، قالت قال الله تعالى ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل.
وروى البهيقي وغيره أن عليًا دخل على مولى له في الموت وله سبعمائة درهم أو ستمائة درهم فقال ألا أوصي؟
قال لا، إنما قال الله تعالى ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ وليس لك كثير مال فدع مالك لورثتك - فعبارتهما تدل على أنهم ما كانوا يفهمون من الخير إلا المال الكثير، واختلفوا في تقدير الكثير فروى عبد بن حميد عن ابن عباس أنه قال: من لم يترك ستين دينارًا لم يترك خيرًا.
وأنا أختار عدم التقدير، لاختلافه باختلاف العرف، فهو موكول إلى اعتقاد الشخص وحاله.
ولا يخفى أن العرف يختلف باختلاف الزمان والأشخاص والبيوت، فمن يترك سبعين دينارًا في منزل قفر، وبلد فقر، وهو من الدهماء فقد ترك خيرًا.
ولكن الأمير أو الوزير، إذا تركا مثل ذلك في المصر الكبير، فهما لم يتركا إلا العدم والفقر، وما لا يفي بتجهيزهما إلى القبر.
وأما الثانية فهي خلافية، والجمهور على أن الآية منسوخة بآية المواريث أو بحديث: "لا وصية لوارث" أو بهما جميعًا، على أن الحديث مبين للآية.
قال البيضاوي: "وكان هذا الحكم في بدء الإسلام فنسخ بآية المواريث وبقوله "إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث".
وفيه نظر لأن آية المواريث لا تعارضه بل تؤكده من حيث إنها تدل على تقديم الوصية مطلقًا، والحديث من الآحاد، وتلقي الأمة له بالقبول لا يلحقه بالمتواتر".
وبأنه لا دليل على أن آية المواريث نزلت بعد آية الوصية هنا، وبأن السياق ينافي النسخ، فإن الله تعالى إذا شرع للناس حكمًا وعلم أنه مؤقت وأنه سينسخه بعد زمن قريب فإنه لا يؤكده ويوثقه بمثل ما أكد به أمر الوصية هنا من كونه حقًا على المتقين، ومن وعيد من بدله، وبإمكان الجمع بين الآيتين إذا قلنا إن الوصية في آية المواريث مخصوصة بغير الوارث، بأن يخص القريب هنا بالممنوع من الإرث ولو بسبب اختلاف الدين، فإذا أسلم الكافر وحضرته الوفاة ووالداه كافران فله أن يوصي لهما بما يؤلف به قلوبهما، وقد أوصى الله تعالى بحسن معاملة الوالدين وإن كانا كافرين ﴿ وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا ﴾ الآية، وفي آية لقمان بعد الأمر بالشكر لله ولهما ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾ الآية.
أفلا يحسن أن يختم هذه المصاحبة بالمعروف بالوصية لهما بشيء من ماله الكثير؟..
وجوز بعض السلف الوصية للوارث نفسه بأن يخص بها من يراه أحوج من الورثة كأن يكون بعضهم غنيًا والبعض الآخر فقيرًا: مثال ذلك أن يُطلِّق أبوه أمه وهو غني وهي لا عائل لها إلا ولدها ويرى أن ما يصيبها من التركة لا يكفيها.
ومثله أن يكون بعض ولده أو إخوته -إن لم يكن له ولد- عاجزًا عن الكسب فنحن نرى أن الحكيم الخبير اللطيف بعباده، الذي وضع الشريعة والأحكام لمصلحة خلقه، لا يحتم أن يساوي الغني الفقير، والقادر على الكسب من يعجز عنه، فإذا كان قد وضع أحكام المواريث العادلة على أساس التساوي بين الطبقات باعتبار أنهم سواسية في الحاجة، كما أنهم سواء في القرابة، فلا غرو أن يجعل أمر الوصية مقدمًا على أمر الإرث، أو يجعل نفاذ هذا مشروطًا بنفاذ ذلك قبله، ويجعل الوالدين والأقربين في آية أخرى أولى بالوصية لهم من غيرهم لعلمه ٠ بما يكون من التفاوت بينهم في الحاجة أحيانًا، فقد قال في آيات الإرث من سورة النساء ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ فأطلق أمر الوصية وقال في آية الوصية هنا ما هو تفصيل لتلك.
فقد علم مما تقدم أن آية المواريث لا تعارض آية الوصية فيقال بأنها ناسخة لها إذا علم أنها بعدها، وأما الحديث فقد أرادوا أن يجعلوا له حكم المتواتر أو يلصقوه به بتلقي الأمة له بالقبول ليصلح ناسخًا، على أنه لم يصل إلى درجة ثقة الشيخين به فلم يروه أحد منهما مسندًا، ورواية أصحاب السنن محصورة في عمرو بن خارجة وأبي أمامة وابن عباس وفي إسناد الثاني إسماعيل بن عياش تكلموا فيه، وإنما حسنه الترمذي لأن إسماعيل يرويه عن الشاميين، وقد قوى بعض الأئمة روايته عنهم خاصة.
وحديث ابن عباس معلول إذ هو من رواية عطاء عنه وقد قيل إنه عطاء الخراساني، وهو لم يسمع من ابن عباس، وقيل عطاء بن أبي رباح، فإن أبا داود أخرجه في مراسيله عنه، وما أخرجه البخاري من طريق عطاء بن أبي رباح موقوف على ابن عباس، وما روي غير ذلك فلا نزاع في ضعفه، فعلم أنه ليس لنا رواية للحديث صححت إلا رواية عمرو بن خارجة، والذي صححها هو الترمذي وهو من المتساهلين في التصحيح، وقد علمت أن البخاري ومسلم لم يرضياها، فهل يقال إن حديثًا كهذا تلقته الأمة بالقبول؟
إن النسخ في الشرائع جائز موافق للحكمة وواقع، فإن شرع موسى نسخ بعض الأحكام التي كان عليها إبراهيم، وشرع عيسى نسخ بعض أحكام التوراة، وشريعة الإسلام نسخت جميع الشرائع السابقة، لأن الأحكام العملية التي تقبل النسخ إنما تشرع لمصلحة البشر، والمصلحة تختلف باختلاف الزمان.
فالحكيم العليم يشرع لكل زمن ما يناسبه، وكما تنسخ شريعة بأخرى يجوز أن تنسخ بعض أحكام شريعة بأحكام أخرى في تلك الشريعة، فالمسلمون كانوا يتوجهون إلى بيت المقدس في صلاتهم فنسخ ذلك بالتوجه إلى الكعبة وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين.
ولكن هناك خلافًا في نسخ أحكام القرآن ولو بالقرآن، فقد قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني المفسر الشهير ليس في القرآن آية منسوخة، وهو يخرج كل ما قالوا إنه منسوخ على وجه صحيح بضرب من التخصيص أو التأويل، وظاهر أن مسألة القبلة ليس فيها نسخ القرآن، وإنما هي نسخ لحكم لا ندري هل فعله النبي باجتهاده أم بأمر من الله تعالى غير القرآن؟
فإن الوحي غير محصور في القرآن.
ولكن الجمهور على أن القرآن ينسخ بالقرآن بناء على أنه لا مانع من نسخ حكم آية مع بقائها في الكتاب يعبد الله تعالى بتلاوتها ويتذكر نعمته بالانتقال من حكم كان موافقًا للمصلحة ولحال المسلمين في أول الإسلام إلى حكم يوافق المصلحة في كل زمان ومكان.
فإنه لا ينسخ حكم إلا بأمثل منه كالتخفيف في تكليف المؤمنين قتال عشر أمثالهم بالاكتفاء بمقاتلة الضعف بأن تقاتل المئة مئتين.
واتفقوا على أنه لا يقال بالنسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الآيتين من آيات الأحكام العملية، وعلم تاريخهما، فعند ذلك يقال إن الثانية ناسخة للأولى.
وأما آيات العقائد والفضائل والأخبار فلا نسخ فيها.
ونسخ السنة بالسنة كنسخ الكتاب بالكتاب، بل هو أولى وأظهر وكذلك نسخ السنة بالكتاب كما في مسألة القبلة ولا خلاف فيهما.
ومن قبيل هذا نسخ الحديث المتواتر لحديث الآحاد.
وأما الخلاف القوي فهو في نسخ القرآن بالحديث ولو متواترًا، أو الحديث المتواتر بأخبار الآحاد، والذي عليه المحققون الأولون أن الظني (وهو خبر الآحاد) لا ينسخ القطعي كالقرآن والحديث المتواتر.
والحنفية وكثير من محققي الشافعية صرحوا بجواز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، لأن النبي معصوم في تبليغ الأحكام، فمتى أيقنا بالرواية عنه واستوفت شروط النسخ تعتبر ناسخة للكتاب كما إذا نسخت آية آية.
وذهب آخرون ومنهم الإمام الشافعي كما في رسالته المشهورة في الأصول بأنه لا يجوز نسخ حكم من كتاب الله بحديث مهما تكن درجته لأن للقرآن مزايا لا يشاركه فيها غيره.
وقد أورد الشافعي كثيرًا من الأحاديث التي زعموا أنها ناسخة لأحكام القرآن وبين أنها غير ناسخة بل بين أنها مفسرة ومبينة..
ولا أعرف لأبي حنيفة قولًا في هذه المسائل، والأصوليون المتقدمون من الحنفية والشافعية لا يقولون بنسخ القرآن بغير المتواتر من الأحاديث وإن اشتهر بنحو رواية الشيخين وأصحاب السنن له، والدليل ظاهر فإن القرآن منقول بالتواتر فهو قطعي وأحاديث الآحاد ظنية يحتمل أن تكون مكذوبة من بعض رجال السند المتظاهرين بالصلاح لخداع الناس.
وقال بعضهم: بنسخ الكتاب بالسنة ولو خبر آحاد لأن دلالة الآية على الحكم ظنية فكأن الحديث لم ينسخ إلا حكمًا ظنيًا، وفاتهم أن دلالة الحديث أيضًا ظنية فكأننا ننسخ حكمًا ظنيًا إسناده إلى الشارع قطعي بحكم ظني إسناده إليه غير قطعي، بل يحتمل أنه لم يقل به أو قاله رأيًا لا تشريعًا.
ولما كان الخلاف هنا ضعيفًا جدًا احتاج القائلون بنسخ حديث "لا وصية لوارث" لآية الوصية إلى زعم تواتره بتلقي الأمة له بالقبول، وقد علمت أن هذا غير صحيح.
وقد صرح بعض الشافعية بأن الخلاف في نسخ الكتاب بالسنة إنما هو في الجواز وأنه غير واقع قطعًا.
وقالوا أيضًا إن السنة لا تنسخ الكتاب إلا ومعها كتاب يؤيدها، والظاهر في مثل هذه الحال أن يقال إن الكتاب نسخ الكتاب لأنه الأصل، وكأنهم أرادو تصحيح قول من قال بالنسخ تعظيمًا له أن يرد قوله، وتعظيم الله تعالى أولى، ثم تعظيم رسوله يتلو تعظيمه ولا يبلغه، وإنما يطاع الرسول ويتبع بإذن الله تعالى.
ومن أغرب مباحث النسخ أن الشافعية -الذين يبالغ إمامهم في الاتباع فيمنع نسخ الكتاب بالسنة، ثم هو يبالغ في تعظيم السنة واتباعها ولا يبالي برأي أحد يخالفها، ثم هو يقول إن القياس لا يصار إليه إلا عند الضرورة كأكل الميتة كما رواه عنه الإمام أحمد- يقول بعضهم إن القياس الجلي ينسخ السنة، مع أن البحث في العلة أمر عقلي يجوز أن يخطئ فيه كل أحد، ويجوز أن يكون ما فهمناه من عموم العلة غير مراد للشارع، فإذا جاء حديث ينافي هذا العموم وصح عندنا فالواجب أن نجعله مخصصًا لعلة عموم الحكم، ولا نقول رجمًا بالغيب إنه منسوخ لمخالفته للعلة التي ظنناها.
فإذا كانت المجازفة في القياس قد وصلت إلى هذا الحد وقد تجرأ الناس على القول بنسخ مئات من الآيات، وإلى إبطال اليقين بالظن، وترجيح الاجتهاد على النص، فعلينا أن لا نحفل بكل ما قيل، وأن نعتصم بكتاب الله قبل كل شيء، ثم بسنة رسوله التي جرى عليها أصحابه والسلف الصالحون، وليس في ذلك شيء يخالف الكتاب العزيز.
وصفوة القول أن الآية غير منسوخة بآية المواريث لأنها لا تعارضها بل تؤيدها، ولا دليل على أنها بعدها، ولا بالحديث لأنه لا يصلح لنسخ الكتاب، فهي محكمة وحكمها باق، ولك أن تجعله خاصًا بمن لا يرث من الوالدين والأقربين كما روي عن بعض الصحابة وأن تجعله على إطلاقه، ولا تكن من المجازفين الذين يخاطرون بدعوى النسخ فتنبذ ما كتبه الله عليه بغير عذر، ولا سيما بعد ما أكده بقوله ﴿ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ أي حق ذلك الذي كتب عليك من الوصية أو حققته حقًا على المتقين لي، المطيعين لكتابي.
والمتبادر أن معنى المكتوب المفروض وبه قال بعضهم هنا، وقال أخرون إنه للندب، ويؤيد الفرضية قوله تعالى في وعيد المبدلين له ﴿ فَمَنْ بَدَّلَهُ ﴾ أي بدل ما أوصى به الموصي ﴿ بَعْدَمَا سَمِعَهُ ﴾ من الموصي أو علم به علمًا صحيحًا، من كتابة الوصية، وهو مشروع كما سيأتي، ومن الحكم بها ﴿ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ﴾ من ولي ووصي وشاهد وقد برئت منه ذمة الموصي وثبت أجره عند الله تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لما يقوله المبدلون في ذلك ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بأعمالهم فيه فيجازيهم عليها، وهو يتضمن تأكيد الوعيد، والضمير في المواضع الثلاثة راجع إلى الحق أو الإيصاء أي أثره ومتعلقة.
وقد قال بوجوب الوصية بعض علماء السلف واستدلوا عليه بالآية وبحديث "ما حق أمرئ مسلم بيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي به إلا ووصيته عند رأسه".
وقال الجمهور: مندوبة وتقدم قولهم في الآية.
ثم قال ﴿ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ الجنف بالتحريك الخطأ، والإثم يراد به تعمد الإجحاف والظلم، والموصي فاعل الإيصاء.
وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب ﴿ مُوصّ ﴾ بالتشديد من التوصية.
والمعنى إن خرج الموصي في وصيته عن المعروف والعدل خطأ أو عمدًا فتنازع الموصى لهم فيه أو تنازعوا مع الورثة فينبغي أن يتوسط بينهم من يعلم بذلك ويصلح بينهم، ولا إثم عليه في هذا الإصلاح إذا وجد فيه شيء من تبديل الجنف والحيف لأنه تبديل باطل إلى حق وإزالة مفسدة بمصلحة، فقلما يكون إصلاح إلا بترك بعض الخصوم شيئًا مما يراه حقًا له للآخر.
والآية استثناء مما قبلها أي أن المبدل للوصية آثم إلا من رأى إجحافًا أو جنفًا في الوصية فبدل فيها لأجل الإصلاح وإزالة التخاصم والتنازع والتعادي بين الموصي لهم، فعبر بخاف بدلًا عن رأى أو علم تبرئة للموصي من القطع بجنفه وإثمه واحتماء من تقييد التصدي للإصلاح بالعلم بذلك يقينًا، يعني أن من يتوقع النزاع للجنف أو الإثم فله أن يتصدى للإصلاح وإن لم يكن موقنًا بذلك، والتعبير عن مثل هذا العلم بالخوف شواهد في كلام العرب.
والمصلح مثاب مأجور، ونفي الإثم عن تبديل الوصية المحرم تبديلها يشعر بذلك إذ لو لم يكن التبديل للإصلاح مطلوبًا لم ينف الإثم عنه.
وختم الكلام بقوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ للإشعار بما في هذه الأحكام من المصلحة والمنفعة وبأن من خالف لأجل المصلحة مع الإخلاص فهو مغفور له.
<div class="verse-tafsir"
الكلام في سرد الأحكام فلا حاجة إلى التناسب بين كل حكم وما يليه، والصيام في اللغة الإمساك والكف عن الشيء، وفي الشرع الإمساك عن الأكل والشرب وغشيان النساء من الفجر إلى المغرب احتسابًا لله وإعدادًا للنفس وتهيئة لها لتقوى الله بالمراقبة له، وتربية الإرادة على كبح جماح الشهوات ليقوى صاحبها على ترك المضار والمحرمات.
وقد كتب على أهل الملل السابقة فكان ركنًا من كل دين، لأنه من أقوى العبادات وأعظم ذرائع التهذيب، وفي إعلام الله تعالى لنا بأنه فرضه علينا كما فرضه على الذين من قبلنا إشعار بوحدة الدين في أصوله ومقصده، وتأكيد لأمر هذه الفرضية وترغيب فيها.
ولقد أبهم الله هؤلاء الذين من قبلنا، والمعروف أن الصوم مشروع في جميع الملل حتى الوثنية، فهو معروف عن قدماء المصريين في أيام وثنيتهم، وانتقل منهم إلى اليونان فكانوا يفرضونه لا سيما على النساء، وكذلك الرومانيون كانوا يعنون بالصيام، ولا يزال وثنيو الهند وغيرهم يصومون إلى الآن، وليس في أسفار التوراة التي بين أيدينا ما يدل على فرضية الصيام، وإنما فيها مدحه ومدح الصائمين، وثبت أن موسى صام أربعين يومًا، وهو يدل على أن الصوم كان معروفًا مشروعًا ومعدودًا من العبادات، واليهود في هذه الأزمنة يصومون أسبوعًا تذكارًا لخراب أورشليم وأخذها.
ويصومون يومًا من شهر آب.
وأما النصارى فليس في أناجيلهم المعروفة نص في فريضة الصوم وإنما فيها ذكره ومدحه واعتباره عبادة كالنهي عن الرياء وإظهار الكآبة فيه، بل تأمر الصائم بدهن الرأس وغسل الوجه حتى لا تظهر عليه أمارة الصيام فيكون مرائيًا كالفريسيين، وأشهر صومهم وأقدمه الصوم الكبير الذي قبل عيد الفصح، وهو الذي صامه موسى وكان يصومه عيسى عليهما السلام، والحواريون ، ثم وضع رؤساء الكنيسة ضروبًا أخرى من الصيام، وفيها خلاف بين المذاهب والطوائف، ومنها صوم عن اللحم وصوم عن السمك وصوم عن البيض واللبن، وكان الصوم المشروع عند الأولين منهم كصوم اليهود يأكلون في اليوم والليلة مرة واحدة، فغيروه وصاروا يصومون من نصف الليل إلى نصف النهار، ولا نطيل في تفصيل صيامهم، بل نكتفي بهذا في فهم قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ أي فرض عليكم كما فرض على المؤمنين من أهل الملل قبلكم، فهو تشبيه الفرضية بالفرضية ولا تدخل فيه صفته ولا عدة أيامه، وفي قصتي زكريا ومريم عليهما السلام أنهم كانوا يصومون عن الكلام، أي مع الصيام عن شهوات الزوجية والشراب والطعام، قال البيضاوي: إن الصوم في اللغة الإمساك عما تنازع إليه النفس، لا مطلق الإمساك كما يقول الجمهور، وقال أبو عبيدة من رواة اللغة:"كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم"، ثم قال: "خيل صيام وخيل غير صائمة" أي قيام بلا اعتلاف.
﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ هذا تعليل لكتابة الصيام ببيان فائدته الكبرى وحكمته العليا، وهو أنه يعد نفس الصائم لتقوى الله تعالى بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة امتثالًا لأمره واحتسابًا للأجر عنده، فتتربى بذلك إرادته على ملكة ترك الشهوات المحرمة والصبر عنها فيكون اجتنابها أيسر عليه، وتقوى على النهوض بالطاعات والمصالح والاصطبار عليها فيكون الثبات عليها أهون عليه، ولذلك قال "الصيام نصف الصبر".
وهذا معنى دلالة ﴿ لَعَلّ ﴾ على الترجي فالرجاء إنما يكون فيما وقعت أسبابه، وموضعه هنا المخاطبون لا المتكلم، ومن لم يصم بالنية وقصد القربة لا ترجى له هذه الملكة في التقوى.
فليس الصيام في الإسلام لتعذيب النفس لذاته بل لتربيتها وتزكيتها.
إن الوثنين كانوا يصومون لتسكين غضب آلهتهم إذا عملوا ما يغضبهم، أو لإرضائها واستمالتها إلى مساعدتهم في بعض الشؤون والأغراض، وكانوا يعتقدون أن إرضاء الآلهة والتزلف إليها يكون بتعذيب النفس وإماتة حظوظ الجسد، وانتشر هذا الاعتقاد في أهل الكتاب، حتى جاء الإسلام يعلمنا أن الصوم ونحوه إنما فرض لأنه يعدنا للسعادة بالتقوى، وأن الله غني عنا وعن عملنا، وما كتب علينا الصيام إلا لمنفعتنا.
قلنا إن معنى "لعل" الإعداد والتهيئة، وإعداد الصيام نفوس الصائمين لتقوى الله تعالى يظهر من وجوه كثيرة أعظمها شأنًا، وأنصعها برهانًا، وأظهرها أثرًا، وأعلاها خطرًا -(شرفًا)- أنه أمر موكول إلى نفس الصائم لا رقيب عليه فيه إلا الله تعالى، وسر بين العبد وربه لا يشرف عليه أحد غيره سبحانه، فإذا ترك الإنسان شهواته ولذاته التي تعرض له في عامة الأوقات لمجرد الامتثال لأمر ربه والخضوع لإرشاد دينه مدة شهر كامل في السنة، ملاحظًا عند عروض كل رغيبة له -من أكل نفيس، وشراب عذب، وفاكهة يانعة، وغير ذلك كزينة زوجه أو جمالها الداعي إلى ملابستها- أنه لولا اطلاع الله تعالى عليه ومراقبته له لما صبر عن تناولها وهو في أشد التوق لها، لا جرم أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة للعمل ملكة المراقبة لله تعالى والحياء منه سبحانه أن يراه حيث نهاه، وفي هذه المراقبة من كمال الإيمان بالله تعالى والاستغراق في تعظيمه وتقديسه أكبر معد للنفوس ومؤهل لها لضبط النفس ونزاهتها في الدنيا، ولسعادتها في الآخرة.
كما تؤهل هذه المراقبة النفوس المتحلية بها لسعادة الآخرة تؤهلها لسعادة الدنيا أيضًا.
انظر هل يُقْدِم مَن تُلَابس هذه المراقبة قلبه على غش الناس ومخادعتهم؟
هل يسهل عليه أن يراه الله آكلًا لأموالهم بالباطل؟
هل يحتال على الله تعالى في منع الزكاة وهدم هذا الركن الركين من أركان دينه؟
هل يحتال على أكل الربا؟
هل يقترف المنكرات جهارًا؟
هل يجترح السيئات ويسدل بينه وبين الله ستارًا؟
كلا؟
إن صاحب هذه المراقبة لا يسترسل في المعاصي إذ لا يطول أمد غفلته عن الله تعالى، وإذا نسي وألم بشيء منها يكون سريع التذكر قريب الفيء والرجوع بالتوبة الصحيحة ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ فالصيام أعظم مرب للإرادة، وكابح لجماح الأهواء، فأجدر بالصائم أن يكون حرًا يعمل ما يعتقد أنه خير، لا عبدًا للشهوات.
إنما روح الصوم وسره في هذا القصد والملاحظة التي تحدث هذه المراقبة وهذا هو معنى كون العمل لوجه الله تعالى.
وقد لاحظه من أوجب من الأئمة تبييت النية في كل ليلة، ويؤيد هذا ما ورد من الأحاديث المتفق عليها كقوله :"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
قالوا أي من الصغائر، وقد يكون الغفران للكبائر مع التوبة منها لأن الصائم احتسابًا وإيمانًا على ما بينا يكون من التائبين عما اقترفه فيها قبل الصوم، وقوله في الحديث القدسي "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" وفي حديث آخر" يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي".
فأين هذا من حال أولئك الغافلين عن الله وعن أنفسهم الذين يفطرون في رمضان عمدًا، أو الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، كالأدنياء الذين يأكلون ولو في بيوت الأخلية حيث تأكل الجرذ، والذين يغطسون في الجداول والأنهار ويشربون في أثناء ذلك.
وما قذف بهؤلاء وأمثالهم -ومن هم شر منهم كالمجاهرين بالفطر- إلا تلقينهم العبادة جافة خالية من الروح الذي ذكرناه، والسر الذي أفشيناه، فحسبوها عقوبة كما كان يحسبها الوثنيون من قبل، وما كل إنسان يتحمل العقوبة راضيًا مختارًا.
وههنا شيء ذكره بعضهم ويشمئز الإنسان من شرحه وبيانه وهو أن الصوم يكسر الشهوة بطبعه فتضعف النفوس ويعجز الإنسان عن الشهوات والمعاصي، وفيه من معنى العقوبة والإعنات ما كان يفهمه الكثير من جميع مطالب الدين وراثة عن آبائهم الأولين من أهل الديانات الأخرى، وإذا طبقنا هذا القول على ما نعهده وجودًا ووقوعًا لا نجده موافقًا.
لأن المعروف أن الإنسان إذا جاع يضرى بالشهوات وتقوى نهمته ويشتد قرمه، وآثار هذا ظاهر في صوم أكثر المسلمين فإنهم في رمضان أكثر تمتعًا بالشهوات منهم في عامة السنة، فما سبب هذا وما مثاره؟
أليس هو الضراوة بالشهوات؟
بلى.
ومن وجوه إعداد الصوم للتقوى أن الصائم عندما يجوع يتذكر من لا يجد قوتًا فيحمله التذكر على الرأفة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة، وقد وصف الله تعالى نبيه بأنه رؤوف رحيم، ويرتضي لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه ولذلك أمرهم بالتأسي به ووصفهم بقوله (رحماء بينهم).
ومن فوائد عبادة الصيام الاجتماعية المساواة فيه بين الأغنياء والفقراء والملوك والسوقة، ومنها تعليم الأمة النظام في المعيشة فجميع المسلمين يفطرون في وقت واحد لا يتقدم أحد على آخر دقيقة واحدة وقلما يتأخر عنه دقيقة واحدة.
ومن فوائده الصحية إنه يفني المواد الراسبة في البدن ولا سيما أبدان المترفين أُولي النهم وقليلي العمل، ويجفف الرطوبات الضارة، ويطهر الأمعاء من فساد الذِّرْب والسموم التي تحدثها البطنة، ويذيب الشحم أو يحول دون كثرته في الجوف وهي شديدة الخطر على القلب، فهو كتضمير الخيل الذي يزيدها قوة على الكر والفر.
قال "صوموا تصحوا"، ويؤيده: "اغزوا تغتنموا وصوموا تصحوا وسافروا تستغنوا".
وقال بعض أطباء الإفرنج إن صيام شهر واحد في السنة يذهب بالفضلات الميتة في البدن مدة سنة.
وأعظم فوائده كلها الفائدة الروحية التعبدية المقصودة بالذات وهي أن يصوم لوجه الله تعالى كما هو الملاحظ في النية على ما قدمنا، ومن صام لأجل الصحة فقط فهو غير عابد لله في صيامه، فإذا نوى الصحة مع التعبد كان مثابًا كمن ينوى التجارة مع الحج، فإنه لولا العبادة لاكتفى بالجوع والحمية، وآية الصيام بهذه النية والملاحظة التحلي بتقوى الله تعالى وما يتبعها من أحاسن الصفات والخلال وفضائل الأعمال.
ولا أشك في أن من يصوم على هذا الوجه يكون راضيًا مرضيًا مطمئنًا بحيث لا يجد في نفسه اضطرابًا ولا انزعاجًا.
نعم ربما يوجد عنده شيء من الفتور الجسماني وأما الروحاني فلا، وأعرف رجلًا لا يغضب في رمضان مما يغضب له في غيره، ولا يمل من حديث الناس ما كان يمله في أيام الفطر، وذلك لأنه صائم لوجه الله تعالى.
أين هذا كله من الصوم الذي عليه أكثر الناس وهو ما تراهم متفقين عليه من إثارته لسرعة السخط والحمق، وشدة الغضب لأدنى سبب، واشتهر هذا بينهم وأخذوه بالتسليم حتي صاروا يعتقدون أنه أثر طبيعي للصوم، فهم إذا أفحش أحدهم قال الآخر: لا عتب عليه فإنه صائم.
وهو وهم استحوذ على النفوس فحل منهم محل الحقيقة وكان له أثرها، ومتى رسخ الوهم في النفس يصعب انتزاعه على العقلاء الذين يتعاهدون أنفسهم بالتربية الحقيقية دائمًا، فكيف حال الغافلين عن أنفسهم المنحدرين في تيار العادات والتقاليد الشائعة، لا يتفكرون في مصيرهم، ولا يشعرون في أي لجة يقذفون، فتأثير الصوم في أنفسهم مناف للتقوى التي شرع لأجلها، ومخالف للأحاديث النبوية التي وصف بها أهلها، ومن أشهرها حديث "الصيام جنة" وهي بضم الجيم الوقاية والستر فهو يقي صاحبه من المعاصي والآثام، ومن عقابها، وغايته دخول النار.
إن أكثر الناس يلاحظون في صومهم حفظ رسم الدين الظاهر، وموافقة الناس فيما هم فيه، حتى إن الحائض تصوم وترى الفطر في نهار رمضان عارًا ومأثمًا، ولا بأس بهذا الصوم من غير الحائض لحفظ ظاهر الإسلام وإقامة هيكل شعائره، ولكنه لا يفيد الأفراد شيئًا في دينهم ولا في دنياهم لخلوه من الروح الذي يُعِدُّهم للتوقي، ويؤهلهم لسعادة الآخرة والدنيا.
فأين هذا مما عليه الناس من الاستعداد لمآكل رمضان وشرابه بحيث ينفقون فيه على ذلك ما يكاد يساوي نفقة سائر السنة، حتى كأن الإمساك عن الطعام في النهار إنما هو لأجل الإستكثار منه في الليل!!، وهذا هو الصوم المراد بقوله "كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش".
ولا نطيل بشرح ما عليه الناس فهم يعلمونه علمًا تامًا وفيما كتب كفاية لمن يريد معرفة حقه من باطله.
ثم بيّن تعالى أن الصيام الذي كتبه علينا معين محدود فقال ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾ أي معينات بالعدد أو قليلات وهي أيام رمضان كما سيأتي، وروي عن ابن عباس وغيره، قال المفسرون وعليه أكثر المحققين، وزعم بعض الناس أن هذه الأيام غير رمضان وهي يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، وعينها بعضهم بأنها الأيام البيض أي الثالث عشر وما بعده ثم نسخت بآية "شهر رمضان" الآتية، ولم يثبت في السنة أن الصوم كان واجبًا على المسلمين قبل فرض رمضان، ولو وقع لنقل بالتواتر لأنه من العبادات العملية العامة.
نعم ورد في الصحيح الأحادي أحاديث متعارضة في صوم يوم عاشوراء في الجاهلية وبعد الإسلام بعضها بالأمر به في المدينة وبعضها بالتخيير، ولكن لا دليل على أنه فرضًا عامًا في المسلمين، ولا على أنه نسخ، فهم لا يزالون يصومونه استحبابًا من شاء منهم، بل يدل حديث "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" مع ما ورد من أنه مات من سنته تلك على أن الأمر بصوم عاشوراء كان في آخر زمن البعثة، وليس هذا محل تمحيص هذه الروايات والجمع بينها ولكن كان لبعض العلماء ولع بتكثير استخراج الناسخ والمنسوخ من القرآن لما فيه من الدلالة على سعة العلم بالقرآن وإن كان علمًا بإبطال القرآن بادي الرأي، من غير حجة تضاهي حجة القرآن في القطع والقوة.
ولا ينبغي للمؤمن أن يحسب هذا هينًا وهو عند الله عظيم.
﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ أي من كان كذلك فأفطر فعليه صيام عدة من أيام أخر غير تلك الأيام المعدودات، أي فالواجب عليه القضاء إذا أفطر بعدد الأيام التي لم يصمها، وكل من المريض والمسافر عرضة لاحتمال المشقة بالصيام، وإطلاق كلمة "مريضًا" يدل على أن الرخصة لا تتقيد بالمرض الشديد الذي يعسر معه الصوم، وروي هذا عن عطاء وابن سيرين وعليه البخاري لأن أمثال هذه الأحكام تقرن بمظنة المشقة تحقيقًا للرخصة، فرب مرض لا يشق معه الصوم ولكنه يكون ضارًا بالمريض وسببًا في زيادة مرضه وطول مدته، وتحقيق المشقة عسر، وعرفان الضرر أعسر.
واستدل الجمهور على تقييده بالمرض الذي يعسر الصوم معه بقوله في الآية الأخرى ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ﴾ ولا دليل، فإنه تعليل لأصل الرخصة، وكمالها أن لا يكون فيها تضييق.
وكذلك السفر يشمل إطلاقُه وتنكيرُه الطويل والقصير وسفر المعصية.
فالعمدة فيه ما يسمى في العرف سفرًا كسائر الألفاظ المطلقة في الشرع.
والعرف يختلف باختلاف أسباب المعيشة ووسائل النقل فالذي يركب في هذا الزمن سيارة بخارية أو طيارة هوائية مسافة ثلاثة أميال أو فراسخ أو مسافة يوم أو يومين بتقدير سير الأثقال ليمكث مدة قصيرة ثم يعود إلى بلده وداره، لا يسمى في العرف مسافرًا بل متنزهًا.
﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ هذا هو القسم الثاني من المستثنى وهو من لا يستطيع الصوم إلا بمشقة شديدة، أي وعلى الذين يشق عليهم الصيام فعلًا فدية طعام مسكين عن كل يوم يفطرون فيه من أوسط ما يطعمون منه أهليهم في العادة الغالبة لا أعلاه ولا أدناه، ويطعم بقدر كفايته أكلة واحدة أو بقدر شبع المعتدل الأكلة وكانوا يقدرونها بمد وهو بالضم ربع الصاع وقدروه بالحفنة وهي ملء الكفين من القمح أو التمر، وترتيب الفدية على الإفطار لأجل المشقة الشديدة يعرف بالقرينة كقوله ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ يعني إذا أفطر.
والإطاقة أدنى درجات المكنة والقدرة على الشيء فلا تقول العرب أطاق الشيء إلا إذا كانت قدرته عليه في نهاية الضعف بحيث يتحمل به مشقة شديدة.
فالمراد بالذين يطيقونه هنا الشيوخ والضعفاء والزمني الذين لا يرجى برء أمراضهم ونحوهم كالفعلة الذين جعل الله معاشهم الدائم بالأشغال الشاقة كاستخراج الفحم الحجري من مناجمه ومنهم المجرمون الذين يحكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة إذا كان الصيام يشق عليهم بالفعل وكانوا يملكون الفدية.
ذهب كثيرون إلى أن الآية منسوخة إذ فهموا أن الإطاقة بمعنى الاستطاعة، وقدر بعض المفسرين (كالجلال) حرف نفي فقال : وعلى الذين لا يطيقونه فدية، ليوافق مذهبه والآية موافقة له من غير حاجة إلى جعل الإثبات نفيًا كما قلنا آنفًا، وقال بعضهم إن الهمزة في الإطاقة للسلب فمعناها الذين لا يطيقونه من غير تقدير حرف النفي.
وهو قول منقول معقول، ويظهر بإرادة سلب الطاقة أي القوة به لا قبله.
والقاعدة أنه لا يحكم بالنسخ إذا أمكن حمل القول على الأحكام.
ثم قال تعالى بعد بيان الواجب الحتم والرخص فيه ﴿ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا ﴾ بأن زاد على تلك الأيام المعدودات ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ﴾ لأن فائدته وثوابه له، والفاء في قوله فمن تطوع تدل على هذا لأنها تفريغ على حصر الفرضية في الأيام المعدودات ولا يصلح تفريعًا على حكم الفدية لأن من سقط عنه الفرض دائمًا مع الفدية عنه لا يعقل أن يندب للتطوع الذي هو الزيادة على الفرض.
وجعل (الجلال) التطوع متعلقًا بالكفارة بأن يزيد على إطعام المسكين وهو بعيد، والأقرب منه شموله لهما.
﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ أي والصيام خير لكم كما قرأها أبي بن كعب ، وإنما هي تفسير.
أي خير عظيم لما فيه من رياضة الجسد والنفس وتربية الإرادة وتغذية الإيمان بالتقوى وتقويته بمراقبة الله تعالى.
قال أبو أمام للنبي مرني بأمر أخذه عنك قال "عليك بالصوم فإنه لا مثيل له" رواه النسائي بسند صحيح ﴿ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ وجه الخيرية فيه لا إن كنتم تصومون تقليدًا من غير فقه، ولا علم بسر الحكم وحكمة الشريع، وكونه لمصلحة المكلفين، لأن الله غني عن العالمين، أو اتباعًا لعادات الخلطاء والمعاشرين.
هذا ما يظهر من الآية، وقد ذكر بعض المفسرين أن الخطاب فيها لأهل الرخص وأن الصيام في رمضان خير لهم من الترخص بالإفطار، وهذا غير مطرد ولا متفق عليه، وتنافيه أحاديث وردت ويبعده التفريع بالفاء كما قدمناه، وبيّنا ما هو الأفضل منه ومن الفطر.
﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ هذه الآية مستأنفة لبيان تلك الأيام المعدودات التي كتب علينا وأنها أيام شهر رمضان، وأن الحكمة في تخصيص هذا الشهر بهذه العبادة هي أنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن، وأفيضت على البشر فيه هداية الرحمن، ببعثة محمد خاتم النبيين ، بالرسالة العامة للأنام، الدائمة إلى آخر الزمان، فالمراد بإنزال القرآن فيه بدؤه وأوله ﴿ هُدًى لِلنَّاسِ ﴾ أي أنزل حال كونه هدى كاملًا للناس كافة ﴿ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى ﴾ أي وآيات بينات واضحات لا لبس في حقيقتها، ولا خفاء في حكمها وأحكامها، من جنس الهدى الذي جاء به الرسل من قبل، ولكنه أبينه وأكمله ﴿ وَالْفُرْقَانِ ﴾ الذي يفرق للمهتدي به بين الحق والباطل، ويفصل بين الفضائل والرزائل، فحق أن يعبد الله تعالى فيه ما لا يعبد في غيره، تذكرًا لإنعامه بهذه الهداية وشكرًا عليها.
والحكمة في ذكر الأيام مبهمة أولًا وتعيينها بعد ذلك أن ذلك الإيهام الذي يشعر بالقلة يخفف وقع التكليف بالصيام الشاق على النفوس وهو الأصل إذ ليس رمضان عامًا في الأرض كما سيأتي بيانه قريبًا.
ثم إن هذا التعين والبيان جاء بعد ذكر حكمة الصيام وفائدته وذكر الرخص لمن يشق عليه، وذكر خيرية الصيام في نفسه واستحباب التطوع فيه وكل ذلك مما يعد النفس لأن تتلقى بالقبول والرضى جعل تلك الأيام شهرًا كاملًا.
وانظر كيف ابتدأ هنا بذكر شهر رمضان وإنزال القرآن فيه ووصف القرآن بما وصفه به حتى كأنه يحكي عنه لذاته بعد الانتهاء من حكم الصوم ثم ثنى بالأمر بصومه فلم يفاجئ النفوس به مع ذلك التمهيد له حتى قدم العلة على المعول، ولعل هذا من حكمة حذف خبر المبتدأ إذا قلنا إن كلمة "شهر رمضان" مبتدأ أو حذف المبتدأ إذا قلنا إنها خبر لمحذوف.
إن حذف الخبر جار على ما نعهده من إيجاز القرآن بحذف ما لا يقع الاشتباه بحذفه، وإن البيان بعد الإبهام جاء على أسلوبه في ذكر الأشياء ثم ذكر علتها وحكمتها، وهي هنا إنزال القرآن الذي هدانا الله تعالى به وجعله آيات بينات من الهدى أي من الكتب المنزلة، والفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل، فوصفه بأنه هدى في نفسه لجميع الناس، وأنه من جنس الكتب الإلهية ولكنه الجنس العالي على جميع الأجناس، فإنه آيات بينات من ذلك الهدى السماوي، وكتب الله كلها هدى ولكنها ليست في بيانها كالقرآن، وأضرب مثلًا : كتاب "دانيال" النبي، فإن الله ما أنزله عليه إلا ليتهدي به من يقرأه عليهم ولكنه لم يكن آيات بينات، بل هو كالألغاز والرموز لا يفهم إلا بعناء، وكذلك التوراة التي سماها الله تعالى نورًا وهدى وفيها غوامض ومشكلات وقع الاشتباه فيها، فلم يكن ضياء الحق والهداية متبلجًا وساطعًا من سطورها سطوعه من القرآن.
والذي نراه في هذه الأناجيل أن تلاميذ المسيح أنفسهم ما كانوا يفهمون كل ما يخاطبهم به من المواعظ والأحكام والبشائر وهي الإنجيل الحقيقي في اعتقادنا.
ولم ينقل إلينا أن الصحابة عمي عليهم شيء من آيات القرآن فلم يفهموها، فالقرآن يمتاز على سائر الكتب السماوية بأنه بينات من الهدى الذي توصف به كلها وآيات بينات من الأمر الإلهي الفارق بين الحق والباطل، ولكن المسلمين لم يرضوا كافة بأن يمتاز القرآن بالبيان الذي ليس بعده بيان والهدى لجميع الناس، كما وصف نفسه، فحاولوا تغميضه، والتسليم بأنه غامض لا يفهمه إلا أفراد من الناس أوتوا علمًا جمًا وفاقوا سائر البشر بعقولهم وأفهامهم كما فاقوهم بعلومهم ومعارفهم.
ثم زعموا أن هؤلاء الأفراد كانوا في بعض القرون الأولى، وهم المجتهدون، وأنهم قد انقرضوا، ولم يأت بعدهم ولن يأتي من يسهل عليه أن يفهم القرآن ولو أحكامه فقط.
وتجد هذا القول المناقض للقرآن له مسلمًا بين جماهير المسلمين، حتى الذين يدعون بأنهم علماء الدين، ومن نبذه اهتداء بالقرآن، ربما نبذوه بالكفر والطغيان فأي الفريقين أحق بصدق الإيمان؟!
أما وسر الحق لولا أن المسلمين ألبسوا القرآن ثوبًا غير الثوب الذي ينبغي أن يلبس لكان نور بيانه مشرقًا عليهم وعلى سائر الناس كالشمس ليس دونها سحاب، ولكنهم أبوا إلا أن يتبعوا سنن من قبلهم شبرًا بشبر وذراعًا بذارع، ويصنعوا كتبًا في الدين يزعمون أن بيانها أجلى والاهتداء بها أولى، لأنها بزعمهم أبين حكمًا وأقرب إلى الأذهان فهمًا.
قلنا إن الله تعالى فرض علينا صيام هذا الشهر بخصوصه تذكيرًا بنعمته علينا بإنزال القرآن فيه لنصومه شكرًا له عليها، ومن الشكر أن تكون هدايتنا بالقرآن في مثل وقت نزوله أكمل، ومنها أن يكون الصيام موصلًا إلى حقيقة التقوى، فإذا لم ننتفع بالصيام في أخلاقنا وأعمالنا، ولم نهتد بالقرآن في عامة أحوالنا، فأين الانتفاع بالنعمة وأين الشكر عليها؟
كان جبريل يدارس النبي القرآن في رمضان، ولذلك كان السلف يتدارسونه فيه ويقومون ليله به لزيادة الاهتداء والاعتبار، فماذا كان من اقتداء الخلف بهم؟
كان أن بعض الوجهاء والأغنياء يستحضرون في رمضان من القراء من كان حسن الصوت يتغنى لهم بالقرآن في حجرات الخدم وهم في الغرفات مع أمثالهم وأَقْتَالهم لاهون لاعبون، ومن عساه يصغي منهم أحيانًا إلى القارئ فإنما يريد التلذذ بسماع صوته الحسن وتوقيعه الغنائي، فقد جعلوا القرآن إما مهجورًا وإما لذة نفسية فصدق عليهم قوله ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهمْ هُزُوًا وَلَعِبًا ﴾ .
وأما معنى إنزال القرآن في رمضان مع أن المعروف باليقين أن القرآن نزل منجمًا متفرقًا في مدة البعثة كلها فهو أن ابتداء نزوله كان في رمضان وذلك في ليلة منه سميت ليلة القدر أي الشرف، والليلة المباركة كما في آيات أخرى، وهذا المعنى ظاهر لا إشكال فيه، على أن لفظ القرآن يطلق على هذا الكتاب كله، ويطلق على بعضه.
وقد ظن الذين تصدوا للتفسير منذ عصر الرواية أن الآية مشكلة، ورووا في حل الإشكال أن القرآن نزل في ليلة القدر من رمضان إلى سماء الدنيا وكان في اللوح المحفوظ فوق سبع سموات ثم نزل على النبي منجمًا بالتدريج، وظاهر قولهم هذا أنه لم ينزل على النبي في رمضان منه شيء خلافًا لظاهر الآيات، ولا تظهر المنة علينا ولا الحكمة في جعل رمضان شهر الصوم على قولهم هذا لأن وجود القرآن في سماء الدنيا كوجوده في غيرها من السموات أو اللوح المحفوظ من حيث إنه لم يكن هداية لنا، ولا تظهر لنا فائدة في هذا الإنزال ولا في الإخبار به، وقد زادو على هذا روايات في كون جميع الكتب السماوية أنزلت في رمضان، كما قالوا إن الأمم السابقة كلفت صيام رمضان.
ولم يصح من هذه الأقوال والروايات شيء وإنما هي حواش أضافوها لتعظيم رمضان، ولا حاجة لنا بها إذ يكفينا أن الله تعالى أنزل فيه هدايتنا وجعله من شعائر ديننا ومواسم عبادتنا، ولم يقل إنه أنزل القرآن جملة واحدة في رمضان، ولا أنه أنزله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، بل قال بعد إنزاله ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾ فهو محفوظ في لوح بعد نزوله قطعًا -وأما اللوح المحفوظ الذي ذكروا أنه فوق السموات السبع وأن مساحته كذا، وأنه كتب فيه كل ما علم الله تعالى فلا ذكر له في القرآن وهو من عالم الغيب فالإيمان به إيمان بالغيب يجب أن يوقف فيه عند النصوص الثابتة بلا زيادة ولا نقص ولا تفصيل، وليس عندنا في هذا المقام نص يجب الإيمان به.
﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ أي فمن حضر منكم دخول الشهر أو حلوله بأن لم يكن مسافرًا فليصمه، وإنما يكون ذلك في أكثر البلاد التي تتألف السنة فيها من اثني عشر شهرًا.
وشهوده فيها يكون برؤية هلاله، فعلى كل من رآه أو ثبتت عنده رؤية غيره له أن يصوم.
وإذا لم يره أحد في الليلة الثلاثين من شعبان وجب صيام يومها وكان أول رمضان ما بعده.
والأحاديث في هذا ثابتة في الصحاح والسنن، وجرى عليها العمل من الصدر الأول إلى اليوم.
وقال بعض المفسرين : إن المراد بالشهر هنا الهلال، وكانت العرب تعبر عن الهلال بالشهر، ويرده أنهم لا يقولون : شهد الهلال، وإنما يقولون رآه، ومعنى شهد حضر، وقال بعضهم إن المعنى : فمن كان حاضرًا منكم حلول الشهر فليصمه.
وإنما عبر بهذه العبارة ولم يقل "فصوموه" لمثل الحكمة التي لم يحدد القرآن مواقيت الصلاة لأجلها، وذلك أن القرآن خطاب الله العام لجميع البشر وهو يعلم أن من المواقع ما لا شهور فيها ولا أيام معتدلة بل السنة كلها قد تكون فيها يومًا وليلة تقريبًا كالجهات القطبية فالمدة التي يكون فيها القطب الشمالي في ليل وهي نصف السنة يكون القطب الجنوبي في نهار بالعكس، ويقصر الليل والنهار ويطولان على نسبة القرب والبعد عن القطبين ويستويان في خط الاستواء وهو وسط الأرض.
أرأيت هل يكلف الله تعالى من يقيم في جهة القطبين منهما أن يصلي في يومه، (وهو سنة أو مقدار عدة أشهر) خمس صلوات إحداها حين يطلع الفجر والثانية بعد زوال الشمس إلخ ويكلفه أن يصوم شهر رمضان بالتعيين ولا رمضان ولا شهور؟
كلا إن من الآيات الكبرى على كون هذا القرآن من عند الله المحيط علمه بكل شيء لا من تأليف البشر ما نراه فيه من الاكتفاء بالخطاب العام الذي لا يتقيد بزمان من جاء به ولا مكانه، ولو كان من عند النبي لكان كل ما فيه مناسبًا لحال زمانه وبلاده وما يليها من البلاد التي يعرفها، ولم تكن العرب تعرف أن في الأرض بلادًا نهارها كعدة أنهر أو أشهر من أنهرنا وأشهرنا ولياليها كذلك.
فمنزل القرآن، وهو علام الغيوب وخالق الأرض والأفلاك، خاطب الناس كافة بما يمكن أن يمتثلوه فأطلق الأمر بالصلاة، والرسول بيّن أوقاتها بما يناسب حال البلاد المعتدلة التي هي القسم الأعظم من الأرض، حتى إذا وصل الإسلام إلى أهل البلاد التي أشرنا إليها يمكنهم أن يقدروا للصلوات باجتهادهم والقياس على ما بينه النبي من أمر الله المطلق.
وكذلك الصيام، ما أوجب رمضان إلا على من شهد الشهر وحضره، والذين ليس لهم شهر مثله يسهل عليهم أن يقدروا له قدره.
وقد ذكر الفقهاء مسألة التقدير بعدما عرفوا بعض البلاد التي يطول ليلها ويقصر نهارها والبلاد التي يطول نهارها ويقصر ليلها، واختلفوا في التقدير على أي البلاد يكون؟
فقيل على البلاد المعتدلة التي وقع فيها التشريع كمكة والمدينة وقيل على أقرب بلاد معتدلة إليهم وكل منهما جائز فإنه اجتهادي لا نص فيه.
﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ أعيد ذكر الرخصة لئلا يتوهم -بعد تعظيم أمر الصوم في نفسه وأنه خير ويندب التطوع به وبعد تحديده بشهر رمضان الذي له من الفضل والشرف ما له- أن صوم هذا الشهر حتم لا تتناوله الرخصة أو تتناوله ولكن لا تحمد فيه، ولعمري إن تأكيد الصوم بمثل ما أكده الله تعالى به يقتضي تأكيد أمر الرخصة أيضًا، ولولا ذلك ما أتاها متق لله في صيامه، بل روى المحدثون أن بعض الصحابة عليهم الرضوان كانوا على تأكيد أمر الرخصة في القرآن يتحامون الفطر في السفر أولًا حتى إن النبي أمرهم به في بعض الأسفار فلم يمتثلوا حتى أفطر هو بالفعل وسمى الممتنع عن الفطر عاصيًا.
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ﴾ هذا تعليل لما قبله، أي يريد فيما شرعه من هذه الرخصة في الصيام، وسائر ما يشرعه لكم من الأحكام أن يكون دينكم يسرًا تامًا لا عسر فيه، وفي هذا التعبير ضرب من التحريض والترغيب في إتيان الرخصة، ولا غرو فالله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه.
وقد اختلف العلماء في الأفضل للمريض والمسافر على أقوال ثالثها التخيير.
ثم قال ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ﴾ قرأ الجمهور لتكملوا بالتخفيف من الإكمال، وأبو بكر عن عاصم بالتشديد من التكميل، واللام للتعليل وهي معطوفة على التعليل المستفاد من قوله ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ ﴾ كأنه قال: رخص لكم في حالي المرض والسفر لأنه يريد بكم اليسر وأن تكملوا العدة فمن لم يكملها أداء لعذر المرض أو السفر أكملها قضاء بعده.
وقيل إنها لتقوية الفعل كما في قوله ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ ﴾ أي يريد الله بكم اليسر وأن تكملوا العدة، وهو يجري في كلام البلغاء كثيرًا، وهو الراجح عندي ﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾ من الأحكام النافعة لكم بأن تذكروا عظمته وكبرياءه وحكمته في إصلاح عباده وأنه يربيهم بما يشاء من الأحكام، ويؤديهم بما يختار من التكاليف، ويتفضل عليهم عند ضعفهم بالرخص اللائقة بحالهم ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ له هذه النعم كلها، بالقيام بها على وجهها، وإعطاء كل من العزيمة والرخصة حقها، فتكونوا من الكاملين.
<div class="verse-tafsir"
روى ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما في سبب نزول هذه الآية أن أعرابيًا جاء إلى النبي فقال: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟
فسكت عنه فأنزل الله الآية.
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال : سأل أصحاب رسول الله النبي أين ربنا؟
فنزلت.
ورووا في سببه غير ذلك مما هو أضعف سندًا، وأقل ناصرًا وعددًا.
وفيما يتعلق بالسبب الأول فإن هذا السؤال ليس ببعيد من العرب أو الأعراب الذين اعتادوا أن يتخذوا وسائل بينهم وبين إلههم يقربونهم إلى الله خالق السموات والأرض، وهؤلاء الوسائل والوسائط إما أشخاص وإما أمثلة أشخاص كالتماثيل والأصنام، ولم يهتدوا بأنفسهم إلى التجدد لمعرفة ذلك الإله الواحد العظيم بأنه لا يتقيد بشيء حتى هداهم إليه القرآن بآياته البينات فكانوا أهل التوحيد الخالص.
ولكن الآية جاءت بين آيات الصيام، فهي ليست بأجنبية منها، وإنما هي متصلة بما قبلها من الأحكام، فقد طالبنا في الآية السابقة بإكمال عدة الصيام وبتكبير الله تعالى، وذكر أن ذلك يعدنا لشكره تعالى، والتكبير والشكر يكونان بالقول، نحو: الحمد لله والله أكبر، كما يكونان بالعمل، وما كان بالقول يأتي فيه السؤال : هل يكون برفع الصوت والمناداة، أم بالمخافتة والمناجاة؟
فجاءت هذه الآية جوابًا عن هذا السؤال الذي يُتوقع إن لم يقع، فهي في محلها سواء صح ما رووه في سببها أم لا.
ويروى في سبب نزولها سبب آخر وهو أن النبي سمع المسلمين يدعون الله تعالى بصوت رفيع في غزوة خيبر فقال لهم :"أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا"، وعلى كل حال تفيدنا الآية حكمًا شرعيًا وهو أنه لا ينبغي رفع الصوت في عبادة من العبادات إلا بالمقدار الذي حدده الشرع في الصلاة الجهرية وهو أن يسمع من بالقرب منه، ومن بالغ في رفع صوته ربما بطلت صلاته، ومن تعمد المبالغة في دعائه أو الصلاة على نبيه كان إلى عبادة الشيطان، أقرب منه إلى عبادة الرحمن.
قال تعالى ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ هذا التفات عن خطاب المؤمنين كافة بأحكام الصيام، إلى خطاب الرسول ، بأن يذكرهم ويعلمهم ما يراعونه في هذه العبادة وغيرها من الطاعة والإخلاص والتوجه إليه وحده بالدعاء، الذي يعدهم للهدى والرشاد، وجعلت بأسلوب الفتوى على تقدير السؤال لتنبيه الأذهان، والمراد أن يؤمنوا بأن الله تعالى قريب منهم ليس بينه وبينهم حجاب ولا ولي ولا شفيع يبلغه دعاءهم وعبادتهم، أو يشاركه في إجابتهم أو إثابتهم، ليتوجهوا إليه وحده حنفاء مخلصين له الدين.
وقال البيضاوي في وجه الاتصال :"واعلم أنه تعالى لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم، مجيب لدعائهم، مجاز على أعمالهم، تأكيدًا له وحثًا عليه".
ونحن نعلم أن الأحكام العملية إنما تشرع لتقوية الإيمان وإصلاح النفس، ولذلك كان من سنة القرآن الحكيم أن يبين مع كل حكم حكمة تشريعه وفائدته في تقوية الإيمان، ويمزج الكلام فيه بما يُذكِّر بعظمة الله تعالى، ويعين على مراقبته والتوجه إليه ويثبت الإيمان به كهذه الآية.
ويا ليت فقهاءنا اقتدوا بهدى القرآن فلم يجعلوا كتب الأحكام جافة قاصرة على ذكر الأعمال البدنية كأن الدين دين مادي جسماني لا غرض للقلوب والأرواح فيه.
وأما معنى قرب الله تعالى فقد قالوا : إنه القرب بالعلم بمعنى أن علمه محيط بكل شيء فهو يسمع أقوال العباد ويرى أعمالهم.
وعبارة البيضاوي :"وهو تمثيل لكمال علمه تعالى بأفعال العباد وأقوالهم وإطلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم" وإنما جعلوا الكلام تمثيلًا لأن القرب والبعد الحقيقي إنما يكونان باعتبار المكان وهو منزه عن الانحصار في المكان.
ويصح أن يكون من قرب الوجود فإن الذي لا يتحيز ولا يتحدد تكون نسب الأمكنة وما فيها إليه واحدة، فهو تعالى قريب بذاته من كل شيء، إذ منه كل شيء إيجادًا وإمدادًا وإليه المصير.
﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي ﴾ منهم بنفسي من غير واسطة ﴿ إِذَا دَعَانِ ﴾ وتوجه إلي وحدي في طلب حاجته.
أي يجب أن يدعى وحده بدون واسطة لأنه هو الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه بدون واسطة، وهو الذي يجيب دعوته وحده بدون واسطة تعينه أو تساعده أو تنوب عنه في الإجابة وقضاء الحاجة أو تؤثر في إرادته.
وقد فسروا الدعوة بطلب الحاجات وقالوا إن ظاهر الآية أن الإجابة وصف لازم لله تعالى وأنه يجيب كل داع، وليس الأمر كذلك كما هو ثابت بالمشاهدة، وأجابوا بأن المراد أن من شأنه الإجابة فهو يجيب إن شاء كما قال في آية أخرى ﴿ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ ﴾ فهو على حد قولك فلان يعطي الكثير فاطلب منه، أي أن من شأنه ذلك ولا يلزم منه أن يعطي كل طالب عين ما طلبه.
وأجاب بعضهم بأن الإجابة أعم من إعطاء السؤال، وقد ورد في الحديث الصحيح أن الإجابة تكون بإحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له، وإما أن يكف عنه من السوء مثلها.
ولا حاجة إلى التأويل إذ لا محل للإشكال فإن الآية سيقت لبيان أن الله تعالى قريب من عباده المتوجهين إليه فلا حاجة بهم إلى الصياح بتكبيره ودعائه، ولا إلى أن يتخذوا وسطاء بينهم وبينه في التوجه إليه وسؤال رحمته وفضله، بل يجب أن يصمدوا إليه وحده فإنه هو الذي يجيب دعاءهم وحده.
وانظر كيف لم يقل إنه يجيب دعوة الداعي حتى قيدها بقوله إن الداعي شخص يطلب شيئًا، وهو يصدق على أكثر الناس الذين يطلبون كل يوم أشياء كثيرة وليس كل واحد منهم متحققًا بدعاء الله تعالى وحده كما يحب أن يدعي، فهو يقول أجيب دعوة الداعي إذا خصني بالدعاء والتجأ إلي التجاء حقيقيًا بحيث ذهب عن نفسه إلي، وشعر قلبه بأنه لا ملجأ له إلا إلي، ومثل هذا لا يطمع في غير مطمع، ولا يطلب ما لا يصح أن يطلب، وإنما يمتثل أمر الله تعالى باتخاذ جميع الوسائل من طرقها الصحيحة المعروفة وهي لا تتحقق إلا بالعلم والعزيمة والعمل، فإن تم للعبد ما يريد بذلك فقد أعطاه الله تعالى من خزائنه التي يفيض منها على جميع متبعي سننه في الخلق، وإن بذل جهده ولم يظفر بسؤاله فما عليه إلا أن يلجأ إلى مسبب الأسباب وهادي القلوب إلى ما غاب عنها وخفي عليها، ويطلب المعونة والتوفيق ممن بيده ملكوت كل شيء، وقد قال بعض السلف إن مثل هذا يجاب لا محالة.
وقالت الصوفية الدعاء المجاب هو الدعاء بلسان الاستعداد، وقد استعاذ النبي من الطمع في غير مطمع فمن يترك السعي والكسب ويقول: يا رب ألف جنيه، فهو غير داع، وإنما هو جاهل، ومثل ذلك المريض لا يراعي الحمية ولا يتخذ الدواء، ويقول: رب اشفني وعافني، كأنه يقول اللهم أبطل سننك التي قلت إنها لا تبدل ولا تحول لأجلي وكم استجاب الله لنا من دعاء، وكشف عنا من بلاء، ورزقنا من حيث لا نحتسب ولا نتخذ الأسباب، ولكن بتسخيره هو للأسباب.
فإذا سأل سائل إذا كان الرزق مقدرًا فعلام السؤال؟
فالجواب: إذا كانت إجابتي أو عدمها مقدرًا فلم السؤال؟!!
هذا لا يقال، وإنما ينبغي أن يقال: ما الحكمة في طلب الدعاء منا في هذه الآية وغيرها من الآيات والأحاديث كحديث "الدعاء مخ العبادة"، والله تعالى يعلم ما في أنفسنا وما تنطوي عليه سرائرنا؟
قالت الصوفية: إن المراد بالدعاء فزع القلب إلى الله وشعوره بالحاجة إلى معونته والتجاؤه إليه، ويحتجون بما روي في قصة إبراهيم من أن جبريل سأله قبل أن يلقي في النار ألك حاجة؟
قال أما إليك فلا، قال فادع الله، قال حسبي من سؤالي علمه بحالي.
﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي ﴾ .
قال المفسرون في الأمر بالإيمان هنا إنه أمر بالمداومة عليه لأن الخطاب للمؤمنين، والذي أراه أن الخطاب عام، وأن حظ من استجاب لله وللرسول منه أن يحاسب نفسه ويطالبها بأن تكون أعماله الظاهرة التي عد بها مسلمًا صادرة عن الإيمان اليقيني والاحتساب والإخلاص لله تعالى، ففي ذكر الإيمان بعد الاستجابة إشارة إلى أن من الناس من يستجيب إلى الأعمال ويقوم بها وهو خلو من روح الإيمان ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ ، ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ أي بالجمع بين الإيمان والإذعان للأمر والنهي، والرشد والرشاد، ضد الغي والفساد، فعلمنا أن الأعمال إذا لم تكن صادرة بروح الإيمان لا يرجي أن يكون صاحبها راشدًا مهديًا، فمن يصوم اتباعًا للعادة وموافقة للمعاشرين فإن الصيام لا يعده للتقوى ولا للرشاد، وربما زاده فسادًا في الأخلاق وضراوة بالشهوات، لذلك يذكرنا تعال في أثناء سرد الأحكام بأن الإيمان هو المقصود الأول في إصلاح النفوس وإنما نفع الأعمال في صدورها عنه وتمكينها إياه.
<div class="verse-tafsir"
بعد هذا عاد إلى سرد بقية أحكام الصيام فقال ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ﴾ .
روي في سبب نزول هذه الآية أن الصحابة كانوا إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويتغشون النساء إلى وقت النوم فإذا نام أحدهم ثم استيقظ من الليل صام ولو كان في أول الليل، وروي أن أهل الكتاب كانوا يصومون كذلك، وأن الصحابة فهموا من قوله تعالى ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ أن التشبيه يتناول كيفية الصوم فوقع لبعضهم أن وقع على امرأته في الليل بعد النوم فشكا ذلك للنبي ولبعضهم أن نام قبل أن يفطر ثم استيقظ فواصل الصوم إلى اليوم الثاني وكان عاملًا فأضواه الجوع حتى غشي عليه فذكر خبره للنبي فنزلت، قال بعض المفسرين هذه الآية ناسخة لقوله ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ ، وقال بعضهم لا نسخ هنا فإن التشبيه ليس من كل وجه وإنما هو في الفرضية لا في الكيفية، وهذه الآية متصلة بما قبلها متممة لأحكام الصوم مبينة لما امتاز به صومنا من الرخصة التي لم تكن لمن قبلنا، وإذا صح ما ورد في سبب النزول فهو يدل على أنه عندما فرض الصيام كان كل إنسان يذهب في فهمه مذهبًا كما يؤديه إليه اجتهاده ويراه أحوط وأقرب إلى التقوى، ولذلك قالوا فيما رووه من إتيان عمر أهله بعد النوم إن النبي قال له:"لم تكن حقيقًا بذلك يا عمر".
وقوله ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ ﴾ لا يقتضي أنه كان محرمًا بل يكفي فيه أن يتوهم أن من كمال الصيام أو من شروطه عدم الأكل بعد النوم وعدم مقاربة النساء بعده أو مطلقًا.
وهو كقوله تعالى ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ﴾ ولم يكن قد سبق نصه في تحريمه.
﴿ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ﴾ ..
وقال الزهري: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة.
وقد علمنا القرآن النزاهة في التعبير عن هذا الأمر عند الحاجة إلى الكلام فيه بما ذكره من الكنايات اللطيفة، كقوله: ﴿ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ ، ﴿ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ ، ﴿ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ ، ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ ﴾ .
وقال المفسرون: قد ذكر هنا اللفظ الصريح، والسبب في ذلك استهجان ما وقع منهم.
والصواب أنه جيء باللفظ على خلاف ما جرت عليه سنة الكتاب للإشارة إلى استهجانه في شهر الصوم وإن حل فهو من الحلال المكروه على الجملة.
وقوله ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ﴾ ، قول مستأنف سيق لبيان سبب الحكم، أي إذا كان بينكم وبينهن هذه الملابسة والمخالطة فإن اجتنابهن عسر عليكم، فلهذا رخص لكم في مباشرتهن ليلة الصيام.
قاله صاحب الكشاف، فهو يرى أن لفظ لباس هنا مصدر لابسه بمعنى خالطه وعرف دخائله، لا بمعنى ما ورد من إطلاق اللباس والإزرار على المرأة، وهذا هو الرأي الذي أختار.
ثم قال ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ أي تنقصونها بعض ما أحل الله لها من اللذات توهمًا أن من قَبْلكم كان كذلك، فيكون بمعنى التخون أي النقص من الشيء أو معناه تخونون أنفسكم إذ تعتقدون شيئًا ثم لا تلتزمون العمل به، فهو مبالغة من الخيانة، التي هي مخالفة مقتضي الأمانة ولم يقل تختانون الله كما قال ﴿ لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ ﴾ للإشعار بأن الله تعالى لم يحرم عليهم بعد النوم في الليل ما حرمه على الصائم في النهار، وإنما ذهب بهم اجتهادهم إلى ذلك فهم قد خانوا أنفسهم في اعتقادهم فكانوا كمن يتغشى امرأته ظانًا أنها أجنبية، فعصيانه بحسب اعتقاده لا بحسب الواقع، فهم على أي حال كانوا عاصين بما فعلوا محتاجين إلى التوبة والعفو ولذلك قال ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ﴾ فإن كان ذنبهم تحريم ما أباح الله لهم في ليالي الصوم أو التورع عنه ليوافق صيامهم صيام أهل الكتاب من كل وجه فتفسر التوبة بالرجوع عليهم ببيان الرخصة بعد ذكر فرض الصيام مجملًا، والتشبيه فيه مبهمًا، ويكون العفو عن الخطأ في الاجتهاد الذي أدى إلى التضييق على النفس وإيقاعها في الحرج، وإن كان الذنب هو مخالفة الاعتقاد بأن كانوا فهموا من النبي أو من قوله تعالى ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ تحريم ملامسة النساء ليلًا مطلقًا أو تحريمه كالأكل والشرب بعد النوم في الليل، فالتوبة على ظاهر معناها، أي أن الله قبل توبتكم، وعفا عن خيانتكم أنفسكم ﴿ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُم ﴾ المباشرة هنا كناية عن المباضعة الزوجية وحقيقتها مس كل بشرة الآخر أي ظاهر جلده، فهي كالملامسة في حقيقتها وكنايتها وهي من نزاهة القرآن، والمعنى فالآن باشروهن إذا أحل لكم الرفث إليهن بالنص الصريح النافي لما فهمتم من الإجمالي في كتابة الصيام عليكم، فالأمر بالمباشرة للإباحة الناسخة أو النافية لذلك الحظر فهي كالأمر بالشيء بعد النهي عنه، واطلبوا بمباشرتهن ما قدره لجنسكم في نظام الفطرة من جعل المباشرة سببًا للنسل، أو ما عسى أن يكون كتبه لكل منكم، بأن تكون مباشرتكم بقصد إحياء سنة الله تعالى في الخليقة.
وزاد بعضهم: لا لمحض شهوة النفس واللذة التي يشارككم فيها البهائم، وهو يشعر أن التمتع باللذة الزوجية مذموم إذا لم يكن لأجل النسل، وليس بصحيح على إطلاقه فإن الزوجين المحرومين من الأولاد أو اللذين رزقا بعض الأولاد ثم انقطع نتاجهما لا يذم ولا يكره لهما الاستمتاع بالمباشرة الزوجية بغير إفراط بل هو مطلوب لإحصان كل منهما للآخر وصده عن الحرام.
ولما قال للفقراء: "وفي بضع أحدكم صدقة" قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟
قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟
"قالوا نعم، قال: "فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر".
وقيل إن العبارة تتضمن النهي عن المباشرة المحرمة فإنها لا يقصد بها الولد سواء كانت بالزنا أو غيره، وليس ببعيد.
﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾ أي ويباح لكم الأكل والشرب كالمباشرة عامة الليل حتى يتبين لكم بياض الفجر، فمتى تبين وجب الصيام.
وما أحسن التعبير عن أول طلوع الفجر بالخيطين، والخيط الأبيض هو أول ما يبدو من الفجر الصادق، فمتى أسفر لا يظهر وجه لتسميته خيطًا، فما ذهب إليه بعض السلف كالأعمش من ابتداء الصوم من وقت الإسفار تنافيه عبارة القرآن.
﴿ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ﴾ فهم من غاية وقت الأكل والشرب في الجملة السابقة مبدأ الصيام، وذكر في هذه غايته وهي ابتداء الليل بغروب قرص الشمس وما يلزمه من ذهاب شعاعها عن جدران البيوت والمآذن، ولا يلزم أهل الأغوار والقيعان ذهاب شعاعها عن شناخيب الجبال العالية بعيدة كانت أو قريبة، وإنما العبرة بمغيب الشمس في أفقهم الذي يتلوه إقبال الليل.
قال :"إذا أدبر النهار، وأقبل الليل، وغابت الشمس فقد أفطر الصائم" متفق عليه وزاد فيه البخاري "من ههنا" عند ذكر الليل والنهار، والإشارة إلى المغرب والمشرق.
وللمباني العصرية الشامخة في بلاد أمريكا حكمها في ذلك.
وأنت ترى أن هذا التحديد جاء بأسلوب الإطناب لأنه بيان للإجمال بعد وقوع الخطأ فيه، وإنما أخر البيان إلى وقت الحاجة إليه ليكون أوقع في النفس وأظهر في رحمة الشارع الحكيم ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ هذا استثناء من عموم إباحة المباشرة.
والمقام مقام بيان وإيضاح لا يبقى معه للإبهام ولا للإيهام مجال، أي ولا تباشروا النساء حال عكوفكم في المساجد للعبادة، فالمباشرة تبطل الاعتكاف ولو ليلًا كما تبطل الصيام نهارًا.
﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ الإشارة إلى الأحكام التي تقدمت كلها، وسميت حدودًا لأنها حددت الأعمال وبينت أطرافها وغاياتها حتى إذا تجاوزها العامل خرج عن حد الصحة وكان عمله باطلًا.
والحد طرف الشيء وما يفصل بين شيئين، أو حدود الله محارمه المبينة بالنهي عنها أو بتحديد الحلال المقابل لها، وقيل إنها خاصة هنا بمباشرة النساء في نهار رمضان أو في حال الاعتكاف في المساجد ولو ليلًا وقوله ﴿ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾ هو أبلغ في التحذير من قوله في آية أخرى ﴿ فَلا تَعْتَدُوهَا ﴾ لأنه يرشد إلى الاحتياط، فمن قرب من الحد أوشك أن يعتديه.
كالشاب يداعب امرأته في النهار، يوشك أن لا يملك أربه فيقع في المباشرة المحرمة أو يفسد صومه بالإنزال فالقرب من الحد يتحقق باستباحة أقصى ما دونه كالاستمتاع من الزوج بما دون الوقاع وكالمبالغة في المضمضة للصائم، وتعديه يتحقق بالوقوع فيما بعده، فالنهي عن الأول يفيد كراهته وشدة تحريم ما بعده، ولم ينهنا الله في كتابه عن قرب حدوده إلا في هذه الآية، وفي الزنا ومال اليتيم، وقد تعدد فيه الوعيد على تعديها، وهذان من كبائر الإثم التي قلما يسلم من قربها من الوقوع فيها.
وفي معنى الأول النهي عن قرب النساء في الصيام والاعتكاف، فتخصيص النهي بها ظاهر، فإن حمل على عموم أحكام الصيام كان فيه دليل على استحباب الإمساك الاحتياطي قبل الفجر وبعد الغروب ولكن هذا قد يعارض الأمر بتعجيل كل منهما وسيأتي بيانه.
وقال بعضهم: معناه لا تقربوها بالتأويل والتحريف ولا بالهوى والرأي بل اقبلوها كما هي، وهذا يشير إلى تخطئة أولئك الصحابة بما كان من اجتهادهم واتباع آراء أنفسهم في أمر ديني يجب فيه الاتباع المحض، كأنه قال لا ينبغي لكم أن تتجاوزوا المنصوص في العبادات لأنها مما لا مجال للرأي فيه بل عليكم فيها بالاتباع المحض، فما أمرتم به فخذوا، وما سكت عنه فذروا، وفي هذا المعنى حديث: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنه".
﴿ كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ﴾ أي على هذا النحو من بيان أحكام الصيام في أوله وآخره وحقيقته وعزيمته ورخصته وفائدته وحكمته، يبين الله آياته للناس أتم البيان وأكمله، ليعدهم للتقوى والتباعد عن الوهم والهوى.
<div class="verse-tafsir"
الكلام كما تقدم في سرد الأحكام العملية، ولما فرغ من أحكام الصيام، وفيها حكم أكل الإنسان مال نفسه في وقت دون وقت، مهَّد لحكم أكل مال غيره بذكر الحدود العامة والنهي عن قربها ثم قال: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ الخطاب لعامة المكلفين، والمراد لا يأكل بعضكم مال بعض، واختار لفظ أموالكم وهو يصدق بأكل الإنسان مال نفسه للإشعار بوحدة الأمة وتكافلها، وللتنبيه على أن احترام مال غيرك وحفظه هو عين الاحترام والحفظ لمالك، لأن استحلال التعدي وأخذ المال بغير حق يعرض كل مال للضياع والذهاب، ففي هذه الإضافة البليغة تعليل للنهي، وبيان لحكمة الحكم، كأنه قال لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، لأن ذلك جناية على نفس الأكل، من حيث هو جناية على الأمة التي هو أحد أعضائها، لا بد أن يصيبه سهم من كل جناية تقع عليها، فهو باستحلاله مال غيره يجرئ غيره على استحلال أكل ماله عند الاستطاعة، فما أبلغ هذا الإيجاز!
وما أجدر هذه الكلمة بوصف الإعجاز.
وفي الإضافة معنى آخر قال بعضهم وهو التنبيه على أنه يجب على الإنسان أن ينفق مال نفسه في سبيل الحق وأن لا يضيعه في سبل الباطل المحرمة، وهذا المعنى صحيح في ذاته، ولكن فهمه من الآية بعيد لقوله ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ فهو صريح في أن المراد ما يقع به التعامل بين اثنين فأكثر.
والمراد بالأكل مطلق الأخذ والتعبير عن الأخذ بالأكل معروف باللغة تجوزوا فيه قبل نزول القرآن، ومنشأه أن الأكل أعم الحاجات من المال وأكثرها، وإن كان بعض الناس يفضل غير الأكل من الأهواء ينفق فيه المال، فإن هذا لا ينفي أن الحاجة إلى الأكل وتقويم البنية أعظم وأعم.
وأكثر ما يستعمل أكل المال في مقام أخذه بالباطل وقد يستعمل في غيره.
وأما الباطل فهو ما لم يكن في مقابلة شيء حقيقي، وهو من البطل والبطلان، أي الضياع والخسار، فقد حرمت الشريعة أخذ المال بدون مقابلة حقيقية يعتد بها، ورضاء من يؤخذ بها، وكذلك إنفاقه في غير وجه حقيقي نافع.
ومن ذلك تحريم الصدقة على القادر على كسب يكفيه وإن تركه حتى نزل به الفقر اعتمادًا على السؤال.
ومنه تحريم الربا لأنه أكل لأموال الناس بدون مقابل من صاحب المال المعطي، كما يقع في الناس كثيرًا من أكل الربا أضعافًا مضاعفة، وفَرقٌ بينه وبين السلم.
إن روح الشريعة تعلمنا بمثل هذه الآية أنه يُطلب من الإنسان أن يكتسب المال من الطرق الصحيحة والمشروعة التي لا تضر أحدًا، وإنما أجمل وأوجز القرآن في الباطل لأنه من الأمور المعروفة للناس بوجوهه الكثيرة، وحسب المسلم أن يكف عن كل ما يعتقد أنه باطل، على أنه بين هذا الإجمال في أمور قد تخفي على الناس كالإدلاء إلى الحكام الآتي وكتحريم الربا أي ربا الفضل المنهي عنه في الحديث عنه دون ربا النسيئة المحرم بنص القرآن فهو لا خفاء في بطلانه لأنه زيادة في المال لأجل التأخير في أجَل الدين الذي استهلك لا لمنفعة جديدة.
ويدخل في هذا الباب التعدي على الناس بغصب المنفعة بأن يسخر بعضهم بعضًا في عمل لا يعطيه عليه أجرًا، أو ينقصه من الأجر المسمى أو أجر المثل، ويدخل فيخ سائر ضروب التعدي والغش والاحتيال كما يقع من السماسرة فيما يذهبون فيه من مذاهب التلبيس والتدليس، إذ يزينون للناس السلع الرديئة، والبضائع المزجاة، ويسولون لهم فيورطونهم، وكل من باع أو اشترى مستعينًا بإيهام الآخر ما لا حقيقة له ولا صحة بحيث لو عرف الخفايا والقلب وهمه علمًا لما باع أو لما اشترى فهو آكل لماله بالباطل.
ومن هؤلاء الموهمين باعة "التولات" و "التناجيس" و "التمائم"، وكذا العزائم وختمات القرآن والعدد المعلوم من سورة ﴿ يس ﴾ أو بعض الأذكار، وقد بلغ من هزؤ هؤلاء بالدين أن كان بعض المشهورين منهم يبيع ﴿ يس ﴾ لقضاء الحاجات أو لرحمة الأموات، يقرأها مرات كثيرة، ويعقد لكل مرة عقدة في خيط يحمله حتى إذا ما جاءه طالب ابتياع القراءة وأخذ منه الثمن بعد المساومة يحل له من تلك العقد، بقدر ما يطلب من العدد!!.
إن كل أجر يؤخذ على عبادة فهو أكل لأموال الناس بالباطل، وقد مضى الصدر الأول ولم يكن أخذ الأجر على عبادة ما معروفًا، ولا يوجد في كلام أهل القرن الأول والثاني كلمة تشعر بذلك، ثم لا يعقل أن تحقق العبادة وتحصل بالأجرة، لأن تحققها إنما يكون بالنية وإرادة وجه الله تعالى وابتغاء مرضاته بامتثال أمره، ومتى شاب هذه النية شائبة من حظ الدنيا خرج العمل عن كونه عبادة خالصة لله، والله تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصًا من الحظوظ والشوائب.
من علم العلم والدين بالأجرة فهو كسائر الصناع والأجراء لا ثواب له على أصل العمل بل على اتقانه والإخلاص فيه والنصح لمن يعلمهم، وينبغي للمعلم الذي يعطي راتبًا من الأوقاف الخيرية أن يأخذه إذا كان محتاجًا لأجل سد الحاجة لا بفصد الأجرة على التعليم، وبذلك يكون عابدًا لله تعالى بالتعليم نفسه، وعلامته أن يستعفف إذا هو استغنى، فلا يأخذ من الوقف شيئًا.
وقالوا في المؤذن مثل ما قالوا في معلم القرآن، ويأتي فيه من القصد والنية ما ذكر في المعلم.
ولا خلاف في عدم جواز أخذ الأجرة على جواب السائل عن مسألة دينية تعرض له إذ الإجابة فريضة على العارفين وكتمان العلم محرم عليهم.
وجملة القول أن أكل أموال الناس بالباطل يتحقق في كل أخذ للمال بغير رضى من المأخوذ منه لا شائبة للجهل أو الوهم أو الغش أو الضرر فيه، كالغش بإيهام أن قراءة القرآن بالأجرة تنفع المقروء لأجله حيًا أو ميتًا، مع أنها معصية كما تقدم، وكالضرر العام في الأخلاق والمعاوضات كضرر الربا.
ذكر الأكل مجملًا عامًا ثم بيّن نوعًا منه خصه بالنهي عنه مع دخوله في العام لما يقع من الشبهة فيه لبعض الناس إذ يعتقد بعضهم أن الحاكم الذي هو نائب الشارع في بيان الحق ومنفذ الشرع إذ حكم لإنسان بشيء ولو بغير حق فإنه محل له ولا يكون من الباطل فقال تعالى ﴿ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ﴾ أي ولا تلقوا بها إلى الحكام رشوة لهم ﴿ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ إبطالًا لهذا الاعتقاد ليعلم أن الحق لا يتغير بحكم الحاكم بل هو ثابت في نفسه وليس على الحاكم إلا بيانه وإيصاله إلى مستحقه بالعدل.
إن الحاكم عبارة عن شخص العدل الناطق بما لكل أحد منه.
نعم، إن كان المحكوم له بالباطل في الواقع يعتقد أنه صاحب الحق لشبهة عرضت له وحكم له الحاكم يكون معذورًا فيما يأكله بحكمه، ولا يعذر إذا كان عالمًا بأنه غير محق لأن حكم القاضي على الظاهر فقط.
قد نفت الآية الاشتباه وبينت أن الاستعانة بالحكام على أكل المال بالباطل محرم لأن الحكم لا يغير الحق في نفسه ولا يحله للمحكوم له به، ومع هذا قد اختلف علماؤنا في حكم القاضي هل هو على الظاهر فقط أم ينفذ ظاهرًا وباطنًا ويكون الإثم على القاضي وحده إن تعمد الجور دون المحكوم له، فالجمهور على أن حكم القاضي ينفذ ظاهرًا فقط، وأبو حنيفة على أن حكم القاضي بنحو الطلاق وعقد النكاح أو فسخه ينفذ ظاهرًا وباطنًا وإن كان الشهود زورًا، وأن حكمه بالمال لا ينفذ إلا ظاهرًا فلا يحل للمحكوم له تناوله إذا لم يكن له.
ومن مباحث اللفظ في الآية أن الإدلاء بمعنى الإلقاء وقالوا إنه في الأصل إلقاء الدلو واختير هذا التعبير لأنه يشعر بعدم الروية.
والضمير في قوله تعالى ﴿ بِهَا ﴾ قيل إنه يرجع إلى الأموال والمعنى لا تلقوها إليهم بالرشوة وقالوا إن الرشوة رشاء الحكم، وقيل إن المراد ولا تلقوا بحكومة الأموال إلى الحكام، والفريق من الشيء الجملة والطائفة منه، والإثم فسره بعضهم بشهادة الزور، وبعضهم باليمين الفاجرة وهو أعم من ذلك، وإن صح ما ذكروه في سبب نزول الآية وهو؛ ما أخرجه ابن أبي حاتم من مراسيل سعيد بن جبير أن عبد الله بن أشوع الخضرمي وامرؤ القيس بن عابس اختصما في أرض ولم تكن بينة فحكم رسول الله بأن يحلف امرؤ القيس، فهم به، فنزلت، والمراد بالعلم في قوله ﴿ تَعْلَمُونَ ﴾ ما يشمل الظن وهو احتراس عمن يأكل معتقدًا أنه حقه، ولذلك أمثلة وفروع لا تحصى، مثل ما إذا علم زيد أن أباه أودع له وديعة كذا عند فلان الذي مات فطالب ولد الميت بذلك وكان هذا يعتقد أن أباه تركه تراثًا فمن حكم له به منهما لا يقال إنه أكله بالإثم.
ونحن نرى ونسمع ونعلم ما عليه المسلمون في هذا العصر، ولا سيما في بلاد مصر، من كثرة التقاضي والخصام، والإدلاء إلى الحكام، حتى إن منهم من لا يطالب غريمه بحقه إلا بواسطة المحكمة، ولعله لو طالبه لما احتاج إلى التقاضي، ومنهم من يحاكم الآخر لمحض الانتقام والإيذاء، وإن أضر بنفسه.
<div class="verse-tafsir"
ذكر الله تعالى حكم الأموال عقب ذكر أحكام الصيام لما تقدم من المناسبة، والصيام عبادة موقوته لا يتعدى فرضها شهر رمضان، والأموال وسيلة لعبادة الحج، وهو يكون في الأشهر الحرم، ولعبادة القتال مدافعة عن الملة والأمة، وهي قد كانت ممنوعة في هذه الأشهر، فناسب أن يعقب بعد أحكام الصيام والأموال بذكر ما يشرع في الأشهر الحرم من الحج ومن القتال عند الاعتداء على المسلمين، ويبدأ ذلك بذكر حكمة اختلاف الأهلة، قال ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾ أي مواقيت لهم في صيامهم وحجهم من العبادات، وفي نحو عدة النساء وآجال العقود من المعاملات، فإن التوقيت بها يسهل على العالم بالحساب والجاهل به، وعلى أهل البدو والحضر، فهي مواقيت لجميع الناس، وأما السنة الشمسية فإن شهورها تعرف بالحساب فهي لا تصلح إلا للحاسبين، ولم يقدروا على ضبطها إلا بعد ارتقاء العلوم الرياضية بزمن طويل وقد ورد في أسباب نزول الآية أن بعضهم سأل النبي عن الأهلة مطلقًا، وأن بعضهم سأل لم خلقت؟
والروايتان عن ابن أبي حاتم.
وأخرج أبو نعيم وابن عساكر من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن معاذ بن جبل وثعلبه بن غنيمة قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقًا مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان لا يكون على حال واحد؟
فنزلت وقد اشتهر هذا السبب لأن علماء البلاغة يذكرونه في مطابقة الجواب للسؤال وعدمها، وزعموا أن مراد السائلين بيان السبب الطبيعي لهذا الاختلاف، وأن الجواب إنما جاء ببيان الحكمة دون بيان العلة لأنه موضوع الدين، جريًا على ما يسمى في البلاغة أسلوب الحكيم أو الأسلوب الحكيم، كأنه قال: كان عليكم أن تسألوا عن الحكمة والفائدة في اختلاف الأهلة إن لم تكونوا تعرفونها، وإلا فعليكم الاكتفاء بها وعدم مطالبة الشارع بما ليس من الشرع.
ففي الكلام تعريض بأن سؤالهم في غير محله، ولن توجه هذا السؤال ممن يتعلم علم الفلك إلى أستاذه فيه لما عد قبيحًا ولا قيل إنه في غير محله، ولكنه موجه من أمي إلى نبي لا إلى فلكي، فهو قبيح من هذا الوجه، لا لذاته، وإلا لكان النظر في السموات والأرض لأجل الوقوف على أسرار الخليقة وأسباب ما فيها من الآيات والعبر مذمومًا، وكيف يذم وقد أرشدنا الله تعالى إليه، وحثنا في كتابه عليه ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة.
العلوم التي نحتاج إليها في حياتنا على أقسام منها: ما لا نحتاج فيه إلى أستاذ كالمحسوسات والوجدانات فهذا هو القسم الأول.
ومنها ما لا نجد له أستاذًا لأنه مما لا مطمع للبشر في الوصول إليه البتة وهو كيفية التكوين والإيجاد الأول المعبر عنه بسر القدر.
يمكن للنباتي أن يعرف ما يتكون منه النبات وكيف ينبت وينمو ويتغذى، وللطبيب أن يعرف كيف الحيوان والأطوار التي يندرج فيها منذ يكون نطفة إلى أن يكون إنسانًا مستقلًا عاقلًا، ولكن لا يعرف نباتي ولا طبيب كيف وجدت أنواع النبات وأنواع الحيوان أو مادتهما لأول مرة، ولا كيف وجد غيرهما من المخلوقات، ومن هنا تعلمون أن العلاقة بين الخالق والمخلوق من هذه الجهة -جهة الإيجاد والخلق- لا يمكن اكتناهها، وكذلك لا يمكن اكتناه ذات الله تعالى وصفاته، وهذا هو القسم الثاني: ومنها ما يتيسر للناس أن يعرفوه بالنظر والاستدلال والتجربة والبحث كالعلوم الرياضية والطبيعية والزراعية والصناعات والهيئة الفلكية، ومنها أسباب أطوار الهلال، وتنقله من حال إلى حال، أي المعبر عنه بقوله تعالى ﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴾ .
وهذا هو القسم الثالث.
القسم الرابع: ما يجب علينا للخالق العظيم الذي أودع في فطرنا الشعور بسلطانه وهدى عقولنا إلى الإيمان به بما نراه من آياته في الآفاق وفي أنفسنا، فإن هذا الشعور وهذه الهداية مبهمان لا سبيل لنا إلى تحديدهما، من حيث ما يجب اعتقاده في الله تعالى، وفي حكمة خلقنا ومراده منا، وما يتبع ذلك من أمر مصيرنا، ومن حيث ما يجب له الشكر والعبادة.
وهذا مما لا سبيل إلى معرفته بطريق صناعي أو كسب بشري، فقد وقعت الأمم في الحيرة والخطأ في مسائله لجهلهم بالصلة والنسبة بين المخلوق والخالق، فمنهم من وصفه تعالى بما لا يصح أن يوصف به، ومنهم من توهم أن أعمالنا تفيده أو تؤلمه، وأنه ينعم علينا أو ينتقم منا بالمصائب لأجل ذلك، ومنهم من توهم أن الحياة الأخرى تكون بهذه الأجساد والجزاء فيها يكون بهذا المتاع، فاخترعوا الأدوية لحفظ أجسادهم ومتاعهم، ولذا كان الإنسان عاجزًا عن تحديد ما يجب عليه ويحتاج إليه من الإيمان بالله وبالحياة الأخرى وما يجب عليه في الحياة الأولى شكرًا لله واستعدادًا لتلك الحياة لأن الحواس والعقل لا يدركان ذلك، فلا شك أنه محتاج إلى عقل آخر يدرك به ما يعوز أفراده من هذه الأمور، وهذا العقل هو النبي المرسل.
وبقى قسم خامس: وهو ما يستطيع العقل البشري إدراك الفائدة منه، ولكنه عرضة للخطأ فيه دائمًا لما يعرض له من الأهواء والشهوات التي تلقي الغشاوة على الأبصار والبصائر، فتحول دون الوصول إلى الحقيقة، أو تشبه النافع بالضار، وتلبس الحق بالباطل، مثال ذلك السعاية والمحل يدرك العقل ما فيه من الضرر والقبح ولكنه إذا رأى لنفسه فائدة من السعاية بشخص زينها له هواه فيراها حسنة من حيث يخفي عليه ضررها لذاتها، وكذلك شرب الخمر والحشيش قد يعرف الإنسان مضرتهما في غيره، ولكن الشهوة تحجبه عن إدراك ذلك في نفسه فيؤثر حكم لذته على حكم عقله الذي ينهاه عن كل ضار فصار محتاجًا إلى معلم آخر ينصر العقل على الهوى، ووازع يكبح من جماع الشهوة ليكون على هدى.
فما يمكن للإنسان أن يصل إليه بنفسه، لا يطالب الأنبياء ببيانه، ومطالبتهم به جهل بوظيفتهم وإهمال للمواهب والقوى التي وهبه الله إياها ليصل بها إلى ذلك، وكذلك لا يطالبون بما يستحيل على البشر الوصول إليه كقول بعض بني إسرائيل لموسى ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ وأما ما كان إدراكه ممكنًا، وكسبه بالحس والعقل متعذرًا أو تحديده متعسرًا، فهو الذي نحتاج فيه إلى هاد يخبر عن الله تعالى لنأخذه عنه بالإيمان والتسليم، ولذلك قلنا إن الرسول عقل للأمة وهداية وراء هداية الحواس والوجدان والعقل.
لو كان من وظيفة النبي أن يبين العلوم الطبيعية والفلكية لكان يجب أن تعطل مواهب الحس والعقل، وينزع الاستقلال من الإنسان، ويلزم بأن يتلقى كل فرد من أفراده كل شيء بالتسليم، ولوجب أن يكون عدد الرسل في كل أمة كافيًا لتعليم أفرادها في كل زمن كل ما يحتاجون إليه من أمور معاشهم ومعادهم، وإن شئت فقل: لوجب أن لا يكون الإنسان هذا النوع الذي نعرفه، نعم إن الأنبياء ينبهون الناس بالإجمال إلى استعمال حواسهم وعقولهم في كل ما يزيد منافعهم ومعارفهم التي ترتقي بها نفوسهم، ولكن مع وصلها بالتنبيه على ما يقوي الإيمان ويزيد في العبرة.
وقد أرشدنا نبينا إلى وجوب استقلالنا دونه في مسائل دنيانا في واقعة تأبير النخل إذ قال "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، ومن ههنا كان السؤال عن حقيقة الروح خطأ وقد أمر الله نبيه أن يجيب السائلين بقوله ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ أي أنها من المخلوقات التي لا يُسأل النبي عنها، كما كان السؤال عن علة الاختلاف أطوار الأهلة خطأ لا تصبح مجاراة السائل عليها، بل عده القرآن من قبيل إتيان البيوت من ظهورها، كما في تتمة الآية.
فإن قيل: إن التاريخ من العلوم التي يسهل على البشر تدوينها والاستغناء بها عن الوحي، فلماذا أكثر سرد الأخبار التاريخية في القرآن وكانت في التوراة أكثر؟
والجواب ليس في القرآن شيء من التاريخ من حيث هو قصص وأخبار للأمم أو البلاد لمعرفة أحوالها، وإنما هي الآيات والعبر تجلت في سياق الوقائع بين الرسل وأقوامهم، لبيان سنن الله تعالى فيهم، إنذارًا للكافرين بما جاء به محمد وتثبيتًا لقلبه وقلوب المؤمنين به، ولذلك لم تذكر قصة بترتيبها وتفاصيلها، وإنما يذكر موضع العبرة فيها.
﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ وكل ما تراه في هذه التوراة التي عند القوم من القصص المسهبة، والتاريخ المتصل من ذكر خلق آدم وما بعده فهي مما ألحق بالتوراة بعد موسى بقرون، بل كتب أكثر تواريخ العهد القديم بعد السبي ورجوع بني إسرائيل من بابل.
وإذا كان ما ورد في السؤال عن الأهلة لم يصح سندًا كما تقدم فلا ينفي ذلك أن السؤال قد وقع بالفعل، ولا أن الرواية التي قالوها هي في نفسها صحيحة، فما كل ما لم يصح سنده باطل، ولا كل ما صح سنده واقع، فرب سند قالوا إنه صحيح لأنهم لا يعرفون جارحًا في أحد من رجاله وهو غير صحيح لأن فيهم من خفي كذبه واستتر أمره.
يدل على السؤال في الجملة قوله ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ ويستأنس لقول من قال إن السؤال كان على العلة والسبب قوله تعالى ﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا ﴾ فإن فيه تعريضًا بأن من يسأل النبي عما لم يبعث النبي لبيانه ولا يتوقف عرفانه على الوحي فهو في طلبه الشيء من غير مطلبه كمن يطلب دخول البيت من ظهره دون بابه، وبهذا التقرير يكون الاتصال والالتحام بين أجزاء الآية أحكم وأقوى، ولولا أن هذا مفيد لحكم من أحكام الحج الذي يعرف ميقاته بالأهلة لكان لا معنى له إلا تأديب السائلين بتمثيل ذلك السؤال بمثال لا يرتضيه عاقل، وهو إتيان البيوت من ظهورها، وإرشادهم إلى ما ينبغي أن يستفيدوه، وتحسينه لهم بجعله كإتيان البيوت من أبوابها.
روى البخاري وابن جرير عن البراء قالوا كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره فأنزل الله الآية، وبعد أن أعلمهم الله تعالى بخطئهم في ذلك بيّن لهم البر الحقيقي فقال ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ أي أن البر هو تقوى الله تعالى بالتخلي عن المعاطي والرذائل، وعمل الخير والتحلي بالفضائل، واتباع الحق واجتناب الباطل، فأوا البيوت من أبوابها، وليكن باطنكم عنوانًا لظاهركم بطلب الأمور كلها من مواضعها، واتقوا الله رجاء أن تفلحوا في أعمالكم، وتبلغوا غاية آمالكم، فمن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا.
ومن مباحث اللفظ أن الأهلة جمع هلال وهو القمر في ليلتين أو ثلاث من أول الشهر على الأشْهَر، وقيل حتى يحجر أي يستدير بخط دقيق، وقيل حتى يبهر ضؤوه سواد الليل، وقدروا ذلك بسبع، وقالوا إنه مأخوذ من استهل الصبي إذا صرخ حين الولادة، وذلك أنهم كانوا يرفعون أصواتهم عند رؤيته للإعلام بها يقولون الهلال والله، وأهَلَّ الرجل رفع صوته عند رؤيته، وأهَلَّ بالحج رفع صوته بالتلبية وأهَلَّ بذكر الله وباسم الله، وأهَل القوم واستهلوا رأوا الهلال، ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"
وردت هذه الآيات في الإذن بالقتال للمحرمين في الأشهر الحرم إذا فوجئوا بالقتال بغيًا وعدوانًا.
فهي متصلة بما قبلها أتم الاتصال لأن الآية السابقة بينت أن الأهلة مواقيت للناس في عباداتهم ومعاملاتهم عامة وفي الحج خاصة، وهو في أشهر هلالية مخصوصة كان القتال فيها محرمًا في الجاهلية.
وأخرج الواحدي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله صُدَّ عن البيت ثم صالحه المشركون فرضى على أن يرجع عامه القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام يطوف ويفعل ما يشاء، فلما كان العام القابل تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي لهم قريش وأن يصدوهم عن المسجد الحرام بالقوة ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الحرم والشهر الحرام، فأنزل الله تعالى ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾ يقول أيها المؤمنون الذين تخافون أن يمنعكم مشركو مكة عن زيارة بيت الله والاعتمار فيه نكثًا منهم للعهد وفتنة لكم في الدين، وتكرهون أن تدافعوا عن أنفسكم بقتالهم في الإحرام والشهر الحرام، إنني أذنت لكم في القتال على أنه دفاع في سبيل الله للتمكن من عبادته في بيته، وتربية لمن يفتنكم عن دينكم وينكث عهدكم، لا لحظوظ النفس وأهوائها، والضراوة بحب التسافك، فقاتلوا في هذه السبيل الشريفة من يقاتلكم ﴿ وَلَا تَعْتَدُوا ﴾ بالقتال فتبدأوهم -ولا في القتال فتقتلوا من لا يقاتل كالنساء والصبيان والشيوخ والمرضى أو من ألقى إليكم السلم وكف عن حربكم- ولا بغير ذلك من أنواع الاعتداء كالتخريب وقطع الأشجار، وقد قالوا إن الفعل المنفي يفيد العموم.
علل الإذن بأن مدافعة في سبيل الله وسيأتي تفصيله في الآية التالية، وعلل النهي بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ أي أن الاعتداء من السيئات المكروهة عند الله تعالى لذاتها فكيف إذا كان في حال الإحرام، وفي أرض الحرم والشهر الحرام؟
ثم قال: ﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ أي إذا نشب القتال فاقتلوهم أينما أدركتموهم وصادفتموهم، ولا يصدنكم عنهم أنكم في أرض الحرام إلا ما يستثنى في الآية بشرطه ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ أي من المكان الذي أخرجوكم منه وهو مكة فقد كان المشركون أخرجوا النبي وأصحابه المهاجرين منها بما كانوا يفتنونهم في دينهم، ثم صدوهم عن دخولها لأجل العبادة، فرضي النبي والمؤمنون على شرط أن يسمحوا لهم في العام القابل بدخولها لأجل النسك والإقامة فيها ثلاثة أيام كما تقدم، فلم يكن من المشركين إلا أن نقضوا العهد أليس من رحمة الله تعالى بعباده أن يقوي هؤلاء المؤمنين ويأذن لهم بأن يعودوا إلى وطنهم ناسكين مسالمين، وأن يقاوموا من يصدهم عنه من أولئك المشركين الخائنين؟
وهل يصح أن يقال فيهم إنهم أقاموا دينهم بالسيف والقوة دون الإرشاد والدعوة؟
كلا لا يقول هذا إلا غر جاهل، أو عدو متجاهل.
ثم زاد التعليل بيانًا فقال ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ أي أن فتنتهم إياكم في الحرم عن دينكم بالإيذاء والتعذيب، والإخراج من الوطن، والمصادرة في المال، أشد قبحًا من القتل، إذ لا بلاء على الإنسان أشد من إيذائه واضطهاده وتعذيبه على اعتقاده الذي تمكن من عقله ونفسه، ورآه سعادة له في عاقبة أمره.
والفتنة في الأصل مصدر فتن الصائغ الذهب والفضة إذا أذابهما بالنار ليستخرج الزَّغل منهما، ويسمى الحجر الذي يختبرهما به أيضًا فتانة (كجبانة) ثم استعملت الفتنة في كل اختبار شاق، وأشده الفتنة في الدين وعن الدين ومنه قوله تعالى ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ وغير ذلك من الآيات.
وما تقرر في هذه الآيات على هذا الوجه مطابق لقوله تعالى في سورة الحج ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ﴾ الآيات.
وهي أول ما نزل من القرآن في شرع القتال معللًا بسببه مقيدًا بشروطه العادلة.
وفسر بعضهم الفتنة هنا وفي الآية الآتية بالشرك وجرى عليه "الجلال" وهو مردود لأنه يخرج الآيات عن سياقها، وذكره البيضاوي هنا بصيغة التضعيف (قيل).
ومردود قولهم أيضًا إن هذه الآية ناسخة لما قبلها، وذلك أنه كبر على هؤلاء القائلين بالنسخ أن يكون الإذن بالقتال مشروطًا باعتداء المشركين، ولأجل أمن المؤمنين في الدين فأرادوا أن يجعلوه مطلوبًا لذاته.
ونحن نرى أن هذه الآيات نزلت مرة واحدة في نسق واحد وقصة واحدة فلا معنى لكون بعضها ناسخًا للآخر، وأما ما يؤخذ من العمومات فيها بحكم أن القرآن شرع ثابت عام فذلك شيء آخر.
ثم استثنى من الأمر بقتل هؤلاء المحاربين في كل مكان أدركوا فيه المسجد الحرام فقال ﴿ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ﴾ أي أن من دخل منهم المسجد الحرام يكون آمنًا إلا أن يقاتل هو فيه وينتهك حرمته فلا أمان له حينئذٍ.
ولما كان القتل في المسجد الحرام أمرًا عظيمًا يتحرج منه أكد الإذن فيه بشرطه ولم يكتف بما فهم من الغاية فقال ﴿ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ﴾ ولا تستسلموا لهم، فالبادئ هو الظالم، والمدافع غير آثم ﴿ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾ أي إن من سنة اله تعالى أن يجازي الكافرين مثل هذا الجزاء فيعذبهم في مقابلة تعرضهم للعذاب بتعدي حدوده فيكونوا هم الظالمين لأنفسهم.
وقرأ حمزة والكسائي: ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم، فإن قتلوكم فاقتلوهم.
من قتل الثلاثي ويخرج على أن قتل بعض الأمة كقتل جميعها لتكافلها.
والمراد حتى لا يقتلوا أحدًا منكم فإن قتلوا أحدًا فاقتلوهم وهو أسلوب عربي بليغ.
ثم قال: ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا ﴾ عن القتال فكفوا عنهم، أو عن الكفر فإن الله يقبل منهم ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يمحو عن العبد ما سلف إذا هو تاب عما اقترف، ويرحمه فيما بقى إذا هو أحسن وأتقى، ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ .
﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ عطف على ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ ﴾ في الآية الأولى فتلك بينت بداية القتال، وهذه بينت غايته وهي ألا يوجد شيء من الفتنة في الدين، أي حتى لا تكون لهم قوة يفتنوكم بها ويؤذونكم لأجل الدين ويمنعونكم من إظهاره أو الدعوة إليه ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾ وفي آية سورة الأنفال ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾ أي يكون دين كل شخص خالصًا لله لا أثر لخشية غيره فيه، فلا يفتن لصده عنه ولا يؤذي فيه، ولا يحتاج فيه إلى الدهان والمداراة، أو الاستخفاء أو المحاباة، وقد كانت مكة إلى هذا العهد قرار الشرك، والكعبة مستودع الأصنام، فالمشرك فيها حر في ضلالته، والمؤمن مغلوب على هدايته، قال ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا ﴾ أي في هذه المرة عما كانوا عليه ﴿ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ أي فلا عدوان عليهم لأن العدوان إنما يكون على الظالمين تأديبًا لهم ليرجعوا عن ظلمهم، ففي الكلام إيجاز بالحذف واستغناء عن المحذوف بالتعليل الدال عليه، ويجوز أن يكون المعنى فإن انتهوا عما كانوا عليه من القتال والفتنة فلا عدوان بعد ذلك إلا على من كان منهم ظالمًا بارتكابه ما يوجب القصاص.
أي فلا يُحَاربَون عامة وإنما يؤخذ المجرم بجريمته، ثم زاد تعليل الإذن بالقتال بيانًا ببنائه على قاعدة عادلة معقوله فقال تعالى: <div class="verse-tafsir"
لما خرج المؤمنون مع النبي للنسك عام الحديبية صدهم المشركون وقاتلوهم رميًا بالسهام والحجارة، وكان ذلك في ذي القعدة من الأشهر الحرام سنة ست، ولو قابلهم المسلمون عامئذٍ بالمثل ولم يرض النبي بالصلح لاحتدام القتال، ولما خرجوا في العام الآخر لعمرة القضاء، وكرهوا قتال المشركين وإن اعتدوا ونكثوا العهد في الشهر الحرام، بين لهم أن المحظور في الأشهر الحرم إنما هو الاعتداء بالقتال دون المدافعة، وأن ما عليه المشركون من الإصرار على الفتنة وإيذاء المؤمنين لأنهم مؤمنون هو أشد قبحًا من القتل لإزالة الضرر العام وهو منعهم الحق وتأييدهم الشرك.
ثم بيّن قاعدة عظيمة معقولة وهي أن الحرمات أي ما يجب احترامه والمحافظة عليه يجب أن يجري فيه القصاص والمساواة فقال ﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾ ذكر هذه القاعدة حجة لوجوب مقاصة المشركين على انتهاك الشهر الحرام بمقابلتهم بالمثل، ليكون شهر بشهر جزاء وفاقًا.
وفي جملة والحرمات قصاص من الإيجاز ما ترى حسنه وإبداعه.
ثم صرح بالأمر بالاعتداء على المعتدي مع مراعاة المماثلة وإن كان يفهم مما قبله لمكان كراهتهم للقتال في الحرم والشهر الحرام فقال تفريعًا على القاعدة وتأييدًا للحكم ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ وإنما يتحقق هذا فيما تتأتى فيه المماثلة، وسمي الجزاء اعتداء للمشاكلة ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ فلا تعتدوا على أحد ولا تبغوا ولا تظلموا في القصاص بأن تزيدوا في الإيذاء، وأكد الأمر بالتقوى بما بين من مزيتها وفائدتها فقال ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ بالمعونة والتأييد، فإن المتقي هو صاحب الحق وبقاؤه هو الأصلح، والعاقبة له في كل ما ينازعه به الباطل، لأن من أصول التقوى اتقاء جميع أسباب الفشل والخذلان.
ولما كان الجهاد بالنفس وهو القتال، يتوقف على الجهاد بالمال، أمرهم به فقال ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّه ﴾ وهو عطف على قاتلوا رابط لأحكام القتال والحج بحكم الأموال السابق، فهناك ذكر ما يحرم من أكل المال مجملًا، وههنا ذكر ما يجب من إنفاقه منه كذلك، وسبيل الله هو طريق الخير والبر والدفاع عن الحق ثم ذكر علة هذا الأمر وحكمته على ما هو سنته في ضمن حكم آخر فقال: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ بالإمساك عن الإنفاق في الاستعداد للقتال، فإن ذلك يضعفكم ويمكن الأعداء من نواصيكم فتهلكون.
ويدخل في النهي التطوح في الحرب بغير علم بالطريق الحربية التي يعرفها العدو كما يدخل فيه كل مخاطرة غير مشروعة بأن تكون لأتباع الهوى لا لنصر الحق وتأييد حزبه.
وقال بعضهم يدخل فيه الإسراف الذي يوقع صاحبه في الفقر المدقع فهو من قبيل ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ .
وفسر (الجلال) سبيل الله "بطاعته" الجهاد وغيره "والتهلكة" بالإمساك عن النفقة وترك الجهاد.
قال: لأنه يقوي العدو عليكم.
ولقد أصاب مفسرنا وأجاد في تفسير هذه الآية، وقال بعضهم في تفسير النهي عن التهلكة أي لا تقاتلوا إلا حيث يغلب على ظنكم النصر وعدم الهزيمة، وهذا لا معنى له إذ لا يلتئم مع ما سبقه، وقال بعضهم إنه نهى عن الإسراف ولا يلتئم مع الأسلوب قبله وبعده، وإنما الذي يلتئم ويناسب هو ما قاله الجلال وآخرون، فالمعنى إذا لم تبذلوا في سبيل الله وتأييد دينه كل ما تستطيعون من مال واستعداد فقد أهلكتم أنفسكم.
وفي أسباب النزول عن أبي أيوب الأنصاري قال نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرًا إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام فلو أقمنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله يرد علينا ما قلنا ﴿ وَأَنْفِقُوا ﴾ الآية فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو.
ثم قال تعالى ﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ الأمر بالإحسان على عمومه أي أحسنوا أعمالكم وأتقنوها فلا تهملوا إتقان شيء منها، ويدخل فيه التطوع بالإنفاق.
وقد زعم بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بآية سورة ﴿ التَّوْبَةُ ﴾ التي يسمونها آية السيف.
وعندي أن محصل تفسير الآيات ينطبق على ما ورد من سبب نزولها وهو إباحة القتال للمسلمين في الإحرام بالبلد الحرام والشهر الحرام إذا بدأهم المشركون بذلك وأن لا يبقوا عليهم إذا نكثوا عهدهم واعتدوا في هذه المرة، وحكمها باق مستمر لا ناسخ ولا منسوخ، فالكلام فيها متصل بعضه ببعض في واقعة واحدة فلا حاجة إلى تمزيقه، ولا إدخال آية براءة فيه، وقد نقل عن ابن عباس أنه لا نسخ فيها، ومن حمل الأمر بالقتال فيها على عمومه ولو مع انتفاء الشرط فقد أخرجها عن أسلوبها وحملها ما لا تحمل.
وآيات سورة آل عمران نزلت في غزوة أحد.
وكان المشركون هم المعتدين.
وآيات الأنفال نزلت في غزوة بدر الكبرى وكان المشركون عم المعتدين أيضًا، وكذلك آيات سورة براءة نزلت في ناكثي العهد من المشركين ولذلك قال: ﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾ وقال بعد ذكر نكثهم: ﴿ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ الآيات.
كان المشركون يبدأون المسلمين بالقتال لأجل إرجاعهم عن دينهم ولو لم يبدأوا في كل واقعة لكان اعتداؤهم بإخراج الرسول من بلده وفتنة المؤمنين وإيذائهم ومنع الدعوة، كل ذلك كافيًا في اعتبارهم معتدين.
فقتال النبي كله كان مدافعة عن الحق وأهله وحماية لدعوة الحق ولذلك كان تقديم الدعوة شرطًا لجواز القتال، وإنما تكون الدعوة بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان، فإذا منعنا من الدعوة بالقوة بأن هدد الداعي أو قتل فعلينا أن نقاتل لحماية الدعاة ونشر الدعوة لا للإكراه على الدين فالله تعالى يقول ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ ويقول ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ وإذا لم يوجد من يمنع الدعوة ويؤذي الدعاة أو يقتلهم أو يهدد الأمن ويعتدي على المؤمنين فالله تعالى لا يفرض علينا القتال لأجل سفك الدماء وإرهاق الأرواح ولا لأجل الطمع في الكسب.
ولقد كانت حروب الصحابة في الصدر الأول لأجل حماية الدعوة، ومنع المسلمين من تغلب الظالمين لا لأجل العدوان.
فالروم كانوا يعتدون على حدود البلاد العربية التي دخلت حوزة الإسلام ويؤذونهم وأولياءهم من العرب المنتصرة ومن يظفرون به من المسلمين، وكان الفرس أشد إيذاء للمؤمنين منهم فقد مزقوا كتاب النبي ورفضوا دعوته وهددوا رسوله وكذلك كانوا يفعلون.
وما كان بعد ذلك من الفتوحات الإسلامية اقتضته طبيعة الملك ولم يكن كله موافقًا لأحكام الدين، فإن من طبيعة الكون أن يبسط القوى يده على جاره الضعيف، ولم تعرف أمة أرحم في فتوحاتها بالضعفاء من الأمة العربية شهد لها علماء الإفرنج بذلك.
وجملة القول في القتال أنه شرع للدفاع عن الحق وأهلة وحماية الدعوة ونشرها، فعلى من يدعي من الملوك والأمراء أنه يحارب للدين أن يحيي الدعوة الإسلامية، ويعد لها عدتها من العلم والحجة بحسب حال العصر وعلومه، ويقرب ذلك بالاستعداد التام لحمايتها من العدوان ومن عرف حال الدعاة إلى الدين عند الأمم الحية وطرق الاستعداد لحمايتهم يعرف ما يجب في ذلك وما ينبغي له في هذا العصر.
وبما قررناه بطل ما يهذي به أعداء الإسلام -حتى من المنتمين إليه- من زعمهم أن الإسلام قام بالسيف، وقول الجاهلين المتعصبين إنه ليس دينًا إلهيًا لأن الإله الرحيم لا يأمر بسفك الدماء وإن العقائد الإسلامية خطر على المدنية- كل ذلك باطل، والإسلام هو الرحمة العامة للعالمين.
<div class="verse-tafsir"
اتصال هذه الآيات بما قبلها جلي جدًا، لا سيما لمن قرأ ما تقدم من التفسير، فإن آيات القتال السابقة نزلت في بيان أحكام الأشهر الحرم والإحرام والمسجد الحرام، فكان الغرض الأول من السياق بيان أحكام الحج بعد بيان أحكام الصيام لأن شهوره بعد شهره الذي هو رمضان.
ولما أراد النبي العمرة وصده المشركون أول مرة بالحديبية وأراد القضاء في العام القابل وخاف أصحابه غدر المشركين بهم واضطرارهم إلى قتالهم إذا هم نقضوا العهد وبدأوا بالقتال أنزل الله تعالى أحكام القتال بعد ذكر الحج في الجواب عن حكمة اختلاف الأهلة ثم عاد إلى إتمام أحكام الحج فقال: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ فالعطف والتعبير بالإتمام ظاهران في أن السياق في الكلام عن الحج، ولذلك لم يقل هنا كتب عليكم الحج كما قال في الصيام.
وقد كان الحج معروفًا في الجاهلية لأنه فرض على عهد إبراهيم وإسماعيل فأقره الإسلام في الجملة، ولكنه أزال ما أحدثوا فيه من الشرك والمنكرات، وزاد ما فيه من المناسك والعبادات، فالآية ليست في فرضيته وفرضية العمرة بل هي في واقعة تتعلق بهما وبقاصديهما وقد كانوا توجهوا إلى ذلك قبل نزولها بعام كما تقدم، فدل ذلك على أن المشروعية سابقة لنزول هذه الآيات.
والمراد بإتمام الحج والعمرة الإتيان بهما تامين ظاهرًا بأداء المناسك على وجهها، وباطنًا بالإخلاص لله تعالى وحده دون قصد الكسب والتجارة أو الرياء والسمعة فيهما، ولا ينافي الإخلاص البيع والشراء في أثناء الحج إذا لم تكن التجارة هي المقصود في الأصل.
وأما الرياء وحب السمعة فإذا كان هو الباعث على الحج فالحج ذنب للمرائي لا طاعة، وإذا عرض الرياء في أثنائه فقيل إنه لا يقبل منه شيء لما ورد من أن الله تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصًا لوجهه، والأحاديث في ذلك كثيرة، وإذا كان هذا قد بدأ بالنسك لوجه الله فإنه لم يتمه لله كما أمر، وقيل بل يؤاخذ بقدر قصده الطاعة والإخلاص وقدر قصده الرياء، وكل شيء عنده تعالى بمقدار ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ .
أما الحال بالنسبة لعامة الحجاج في هذا الزمان فإن أكثرهم لا يخطر في بالهم مناسك الحج وأركانه وواجباته ولا يقصدونها للجهل بها، وإنما يقصدون زيارة"أبو إبراهيم"، يعني النبي ، ومنهم من لا يعرف للحج معنى سوى هذه الزيارة، وهؤلاء هم الهائمون المغرمون بالحج، ومن الناس من يحج ليقال له الحاج فلان أو ليحتفل بقدومه، وهذا أخس ضروب الرياء، وكثير منهم يقترض بالربا ويحج فيريد أن يعبد الله بأنكر المنكرات.
وقد استدل بالآية القائلون بوجوب العمرة كالحج وهو المروي عن علي وابن عمر وابن عباس وجماعة من كبار التابعين وعليه الشافعي وأحمد.
وقيل إنها سنة ويروي عن ابن مسعود وجابر بن عبد الله وعليه مالك والحنفية وعن أبي حنيفة قول بالوجوب، وقد تقدم أن الآية ليست في وجوب الحج والعمرة فلا تصلح حجة على القائلين بالسنية، لأن الأمر بإتمام الحج والعمرة خطاب لمن شرع فيهما، وهو يصدق وإن كانت العمرة سنة.
ويدل على فرضية الحج قوله تعال ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ والأحاديث الصحيحة الصريحة.
وأما الأحاديث في العمرة فمتعارضة والصواب أن الأحاديث الناطقة بأن العمرة غير واجبة وبأنها تطوع ضعيفة، وأقواها حديث الأعرابي الذي سأل النبي أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟
فقال"لا وأن تعتمر خير لك"وهو عند أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وصححه الترمذي وفي إسناده الحجاج بن أرطأة وقد ضعفه الأكثرون وبالغ ابن حزم فقال إن هذا الحديث مكذوب وباطل، والصواب ما قاله النووي من اتفاق الحفاظ على تضعيفه.
وأقوى أحاديث القائلين بوجوب العمرة حديث أبي رزين العقيلي قال يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن فقال:"حج عن أبيك واعتمر"رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي بلا نكير بل قال الإمام أحمد لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أوجب من هذا ولا أصح منه.
فهو حجة عند القائلين بأن الأمر للوجوب ما لم يصرفه صارف، وقد يقال إن هذا السائل لم يقصد السؤال عن مشروعية أصل الحج والعمرة فإنه كان يعلم حكمها وإنما سأل هل يصح أن يأتي بهما عن أبيه الذي يقعده عنهما العجز، ولا ينافي هذا كون العمرة سنة متبعة لا فرضًا لازمًا، ويؤيد هذا عدم ذكرها في الآية الناطقة بالوجوب ولا في حديث أركان الإسلام فهي تطوع النسك وإن لم يصح الحديث الذي فيه لفظ التطوع، وقال بعضهم إن العمرة سنة فمتى شرع فيها كان إتمامها واجبًا.
وما تقدم في معنى الإتمام هو المتبادر والجامع بين الأقوال المختلفة وما رواه ابن أبي حاتم عن صفوان بن أمية في سبب نزولها إن صح لا ينافيه، وهو أن رجلًا جاء النبي متضخمًا بالزعفران علية جبة فقال كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟
فأنزل الله الآية فقال: "أين السائل عن العمرة؟
"قال ها أنا ذا فقال له: "ألق عنك ثيابك ثم اغتسل واستنشق ما استطعت ثم ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك".
وأركان الحج خمسة: (١) الإحرام من الميقات وهو في الأصل الوقت المضروب للشيء والمراد به هنا المكان الذي عينه الشارع لإحرام أهل كل قطر، وسيأتي تفسير الإحرام.
(٢) الوقوف بعرفة (٣ و٤) الطواف بالكعبة والسعي بين الصفا والمروة (٥) الحلق أو التقصير للشعر فمن أدى هذه الأعمال فقد أدى الفريضة التي هي ركن من أركان الإسلام.
وله أعمال أخرى واجبة من قصر في شيء منها كان عليه فدية.
وأركان العمرة هي ما عدا الوقوف من أركان الحج.
وفرضية الحج مجمع عليها معلومة من الدين بالضرورة من أنكرها كان مرتدًا.
والراجح أنه فرض سنة تسع من الهجرة وعليه الجمهور وهذه الآية نزلت سنة ست ولكن ليس فيها أن الحج فرض على كل مستطيع من المؤمنين رجالًا ونساءً.
أمر بالإتمام ثم ذكر حكم ما عساه يحول دونه فقال ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ ﴾ الحصر والإحصار في اللغة الحبس والتضييق، يقال حصره عن السفر وأحصره عنه إذا حبسه ومنعه، وقال بعض أئمة اللغة إن الإحصار هو المنع بسبب المرض وقال بعضهم بالعكس، وقوله تعالى الآتي بعد ﴿ فَإِذَا أَمِنتُمْ ﴾ يرجع أن المراد بالإحصار منع العدو أي إن منعتم من إتمام النسك فعليكم ما تيسر لكم وتسهل حصوله وثمنه من الهدْي وهو ما يهديه الحاج والمعتمر إلى البيت الحرام من النعم ليذبح ويفرق على فقرائه، وذهب الجمهور إلى أن المراد بما استيسر الشاة وهي أدناه وقال ابن عمر وعائشة وابن الزبير: جمل أو بقرة، والمتبادر من الآية على أن يذبحه حيث أحصر ولو في الحل ويتحلل لأنه ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل على الأرجح.
وقالت الحنفية يبعث به إلى الحرم ويجعل للمبعوث بيده يوم أمارة فإذا جاء اليوم وغلب على ظنه أنه ذبح تحلل.
ثم قال: ﴿ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ الدخول في الحج أو العمرة يكون بالإحرام وهو نية النسك عند الابتداء به بالتلبية ولبس غير الخيط من إزار ورداء مع كشف الرأس للرجل ولبس النعلين العربيين.
والخروج منهما ويعبر عنه بالإحلال والتحلل.
يكون بحلق الرأس أو تقصير شعره، فالنهي هنا عبارة عن النهي عن الإحلال قبل بلوغ الهدْي إلى المكان الذي يحل ذبحه وهو في حال الإحصار حيث يحصر الحاج وإلا فالكعبة لقوله تعالى ﴿ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ﴾ وقوله ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ واستدل الحنفية بهذا على عدم جواز نحر الهْدي في محل الإحصار، وحجة الجمهور فعل النبي في الحديبية وأن الأصل في الهدي أن يبلغ الكعبة لأنه مهدي إليها، وحال الإحصار حال ضرورة ولا سيما إحصار السنة التي أنزلت فيها الآية، فقد كانت الكعبة في أيدي المشركين، فلا يعقل أن يأمر الله تعالى بإرسال الهدي إليها فيكون غنيمة لهم، على أن إبلاغه محله في حال الإحصار يكون متعذرًا أو متعسرًا فكيف يتوقف الإحلال عليه؟
ثم إن اكتفاءهم بذبحه في أدنى مكان من أرض الحرم لا ينطبق على الآيتين الناطقتين ببلوغه الكعبة والبيت العتيق، وقولهم إنه ذبح عام الحديبية في أول الحرم غير مسلم فجمهور أهل النقل على خلافه.
ثم إنهم احتاجوا في تصحيح قولهم إلى تقدير العلم أي حتى تعلموا أن الهدي بلغ محله ولا حاجة إلى تقدير على رأي الجمهور.
واستدل الجمهور بالاقتصار على الهدي في مقام البيان أن القضاء غير واجب على المحصر، وقالت الحنفية يجب قضاء العمرة لأن النبي قضاها بأصحابه وسميت عمرة القضاء، وقال الشافعي سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة التي وقعت بين النبي وبين قريش لا على أنه أوجب عليهم قضاء تلك العمرة.
والهدي جمع هدية كجدي وجدية والمحل بكسر الحاء اسم مكان من حل يحل حلًا أي صار حلالًا ضد حرم يحرم إذا صار حرامًا.
ثم ذكر حكم من يؤذيه عدم الحلق فقال ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا ﴾ مرضًا ينفعه فيه الحلق ويضره عدمه ﴿ أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ ﴾ كقمل أو جرح ﴿ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ أي فعليه إن حلق فدية من هذه الأجناس الثلاثة على التخيير.
أخرج البخاري من حديث كعب بن عجرة قال وقف على رسول الله بالحديبية ورأسي يتهافت قملًا فقال"يؤذيك هوامك؟"قلت نعم قال:"فاحلق رأسك"، قال فنزلت هذه الآية وذكرها فقال النبي :"صم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق بين ستة أو إنسك بما تيسر".
قال البخاري وعنه أنه قال: نزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة.
والفرق بالتحريك قيل وبالفتح مكيال بالمدينة يسع ستة عشر رطلًا والمراد هنا ما يكال فيه من تمر وغيره من الأقوات.
وقوله بين ستة أي من المساكين، والنسك ههنا قال ابن عبد البر لا خلاف بين العلماء في أنه شاة.
ثم قال تعالى ﴿ فَإِذَا أَمِنتُمْ ﴾ الإحصار وذهب خوف العدو.
وقال بعض الفقهاء ومثله المرض أو كنتم في حال أمن وسعة ﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ ﴾ أي فمن تمتع بمحظورات الإحرام بسبب العمرة أي أدائها بأن أتمها وتحلل وبقي متمتعًا إلى زمن الحج ليحج من مكة فعليه ما استيسر له من الهدي أي فعليه دم جبر أقله شاة لأنه أحرم بالحج من غير الميقات يذبحه يوم النحر أو قبله جوازًا عند بعضهم، أو المعنى فمن قام بأعمال العمرة قبل الحج منتهيًا إليه فعليه ذلك ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ﴾ الهدي لعدمه أو عدم المال ﴿ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ﴾ أي فعليه صيامها في أيام الإحرام بالحج وتمتد إلى يوم النحر، وقال أبو حنيفة في أشهره بين الإحرامين وهذا أوسع ﴿ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ﴾ من الحج إلى بلادكم، ويصدق بالشروع في الرجوع، وعليه الائمة الثلاثة وغيرهم من السلف قالوا يجزئه الصوم في الطريق ولا يتضيق عليه إلا إذا وصل إلى وطنه، وقال مالك إذا رجع من منى فلا بأس أن يصوم، وقال أبو حنيفة معناه: إذا فرغتم من أعمال الحج، فيجوز الصوم عنده قبل الشروع بالرجوع إلى الوطن، وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث ابن عمر في حجة الوداع أنه قال: "فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله "ولهذا الحديث قال بعض العلماء إنه لا يجوز صيامها قبل الوصول إلى أهله، لأنه تقديم للعبادة البدنية على وقتها، ويجاب عنه بأن لفظ الرجوع يصدق بالشروع فيه، ولا يخفى أن الاحتياط أن يصومها بعد الوصول إلى أهله لأنه المتبادر من العبارة، ولأن الصيام في السفر خلاف الاصل في هذه القرية.
وقوله تعالى ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ إشارة إلى الثلاثة والسبعة مبين لجملة العدد الواجب كما بين تفصيله ومزيل لوهم من عساه يتوهم أن الواو العاطفة للسبعة للتخيير كما عليه بعض العرب في مثل: جالس الحسن وابن سيرين.
وروي أن بعض العرب كانوا يستعملونه عدد السبعة للكثرة في الآحاد كما يستعملون عدد السبعين لغاية الكثرة فالفذلكة تزيل وهم هؤلاء أيضًا ولذلك أكدها بقوله كاملة.
إن الله تعالى إذا أراد أن يقرر حكمًا وكان في التعبير المألوف عنه ما يوهم خلاف المقصود ولو لبعض المخاطبين يأتي بما يؤكد الحكم وينفي أدنى وهم يعرض فيه ولذلك وصف كتابه بالمبين والتبيان.
وإذا كان هذا شأنه فيستحيل أن يطلق في مقام بيان الأحكام القول في نفس شيء بصيغة الإثبات كما قدر بعضهم النفي في قوله ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ﴾ .
ثم بيّن تعالى أن التمتع بالعمرة مضمومة إلى الحج أو إلى وقت الإحرام بالحج وما يتبعه من الأحكام خاص بالآفاقيين دون أهل الحرم فقال ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ وذلك من أهل الآفاق هم الذين يحتاجون إلى هذا التمتع لما يلحقهم من المشقة بالسفر إلى الحج وحده ثم السفر إلى العمرة وحدها، هذا ما أختاره، وعليه الحنفية، فلا متعة ولا قران عندهم لحاضري المسجد الحرام.
وقال غيرهم كالشافعية إن الإشارة إلى أقرب مذكور وهو الجزاء على التمتع من الهدي أو بدله لأن الآفاقي إذا تمتع يحرم بالحج من مكة لا من الميقات فيكون حجه ناقصًا يجبر بالهدي أو بدله إذا لم يجده، ولعل وجه الاختيار التعبير باللام المفيدة أن التمع رخصة دون "على" المفيدة للجزاء، وحضور الأهل المسجد الحرام كناية عن الإقامة في أرض الحرم وقال (الجلال): والأهل كناية عن النفس وما قلناه في الكناية أظهر والعبارة تشمل من لا أهل له على كل حال، والمتبادر أن أهل المسجد الحرام وهم أهل مكة ومن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام غيرهم وعليه مالك، وقال طاوس هم أهل الحل، وأبو حنيفة هم مَنْ وراء الميقات والشافعي هم من كان على مرحلتين من مكة أي مسافة القصر عنده.
ثم ختم الآية بالأمر بتقوى الله المقصودة من كل أمر ونهي والإعلام بشدة عقوبته لمن لم يتقه فقال ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ بالمحافظة على امتثال هذه الأوامر والنواهي وغيرها من ضروب الهداية التي فيها سعادتكم ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ بما جعل عاقبة التفريط والإضاعة شديدة على المفرطين في الدنيا والآخرة، فإذا علمتم ذلك علمًا صحيحًا رجي لكم الاستمساك بحبل التقوى وكنتم من المفلحين، وأما من لم يكن على صحة علم بسر وعيد الله تعالى بأن ظن أنه تعالى يخلفه وإن لم يتب ويتق صاحبه فهو من الخاسرين.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾ معناه أن الوقت الذي يؤدي فيه الحج أشهر يعلمها الناس وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة أي أنه يؤدي في هذه الأشهر ولا يلزم أن يكون من أول يوم معها إلى آخر يوم بل معناه أنه يصح الإحرام به من غرة أولها تنتهي أركانه وواجباته في أثناء آخرها، فالوقوف في التاسع من ذي الحجة وبقية المناسك في أيام العيد وهي يوم النحر الذي فسر به قوله تعالى ﴿ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ ﴾ وأيام التشريق، وجوز بعض السلف تأخير طواف الإفاضة إلى آخر ذي الحجة.
وقد اختلف العلماء في ذلك فقال بعضهم إنها الأشهر الثلاثة من أولها إلى آخرها ويروي عن ابن مسعود وابن عمر وعليه مالك، وقال بعضهم إنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة يروي عن ابن عباس وعليه أبو حنيفة والشافعي وأحمد، ولا حجة في الآية لأحد على تحديده والمتبادر منها ما ذكرناه.
وقوله تعالى معلومات إقرار لما كان عليه العرب في الجاهلية من أشهر الحج لأنه منقول بالتواتر العملي من عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وهو يتضمن بطلان النسيء فيها لأنه جاهلي معروف.
وقد استدل بالآية على أنه يجوز الإحرام بالحج في غير هذه الأشهر لأنه شروع في العبادة في غير وقتها كمن يصلي قبل دخول الوقت، ويروى عن بعض علماء التابعين وعليه الشافعي والأوزاعي وأبو ثور من أئمة الفقه، وقال أبو حنيفة وأحمد أنه جائز مع الكراهة، ومالك بلا كراهة.
﴿ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ﴾ أي أوجبه وألزمه نفسه بالشروع فيه وقد مر بيان كيفيته ﴿ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ .
إن تفسير الكلمات الثلاث ينبغي أن يكون متناسبًا وبحسب حال القوم في زمن التشريع، فأما الرفث فهو كما قيل الجماع، وأما الفسوق فهو الخروج عما يجب على المحرم إلى الأشياء التي كانت مباحة في الحل كالصيد والطيب والزينة باللباس المخيط، والجدال هو ما كان يجري بين القبائل من التنازع والتفاخر في الموسم، فبهذا يكون التناسب بين الكلمات وإلا حملت كلها على مدلولها اللغوي فجعل الرفث قول الفحش، والفسوق التنابز بالألقاب على حد ﴿ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ ﴾ والجدال المراء والخصام، فتكون هذه المناهي كلها آدابًا لسانية.
والنكتة في منع هذه الأشياء" على أنها آداب لسانية" تعظيم شأن الحرم وتغليظ أمر الإثم فيه، إذ الأعمال تختلف باختلاف الزمان والمكان، فللملأ آداب غير آداب الخلوة مع الأهل، ويقال في مجلس الإخوان ما لا يقال في مجلس السلطان، ويجب أن يكون المرء في أوقات العبادة والحضور مع الله تعالى على أكمل الآداب وأفضل الأحوال، وناهيك بالحضور في البيت الذي نسبه الله سبحانه إليه، وقد بينا معنى هذه النسبة في تفسير ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ ﴾ الآيات.
وأما السر فيها "على أنها من محرمات الإحرام" فهو أن يتمثل الحاج أنه بزيارته لبيت الله تعالى مقبل على الله تعالى قاصد له، فيتجرد من عاداته ونعيمه، وينسلخ من مفاخره ومميزاته على غيره، بحيث يساوي الغني الفقير، ويماثل الصعلوك الأمير، فيكون الناس من جميع الطبقات في زي كزي الاموات، وفي ذلك من تصفية النفس وتهذيبها وإشعارها من حقيقة العبودية لله والأخوة للناس ما لا يقدر قدره، وإن كان لا يخفى أمره، وفي حديث أبي هريرة: "من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"وذلك أن الإقبال على الله تعالى بتلك الهيئة والتقلب في تلك المناسك على الوجه المشروع يمحو من النفوس آثار الذنوب وظلمتها ويدخلها في حياة جديدة، لها فيها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.
ثم قال تعالى بعد النهي عن هذه المحظورات ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ وفيه التفات إلى الخطاب ويشعر العطف بمحذوف تقديره أن اتركوا هذه الأمور الممنوعة في الحج لتخلية نفوسكم وتصفيتها، وحلوها بعد ذلك بفعل الخير لتتم لكم تزكيتها، فإن النفوس بعد ذلك تكون أشد استعدادًا للاتصاف بالخير، والله لا يضيع عليكم أقل شيء منه، لأنه عالم به وأنكم وافقتم فيه سنته وشريعته ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ قالوا إن هذا نزل في ردع أهل اليمن عن ترك التزود زعمًا أنه من مقتضى التوكل على الله فقد أخرج البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن عباس أنه قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن متوكلون، ثم يقدمون فيسألون الناس فنزلت.
فالمراد بالتقوى على هذا اتقاء السؤال وبذل ماء الوجه.
ولكن هذا المعنى غير ظاهر من العبارة، بل المتبادر منها أن الزاد هو زاد الأعمال الصالحة وما تدخر من الخير والبر كما يرشد إليه التعليل في قوله ﴿ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ والمعنى من التقوى معروف وهو ما به يتقى سخط الله، وليس ذلك إلا البر والتنزه عن المنكر ولا يعلل بأن التقوى خير زاد إلا وهو يريد التزود منها، أما المعنى الذي ذكروه فلا يصلح مرادًا من الآية لأنه لولا ما أوردوا من السبب لم يخطر ببال سامع اللفظ، والسبب ليس مذكورًا في الآية ولا مشارًا إليه فيها فلا يصلح قرينة على المراد من ألفاظها، نعم إن السبب قد ينير السبيل في فهم الآية، ولكن يجب أن تكون مفهومة بنفسها لأن السبب ليس من القرآن ولذلك أتمها بقوله ﴿ وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾ يعني من كان له لب وعقل فليتقي فإنه يكون على نور من فائدة التقوى وأهلًا للانتفاع بها.
<div class="verse-tafsir"
قوله ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ متصل بما قبله واقع موقع الاستدراك والاحتراس مما عساه يسبق إلى الفهم من الأمر بالتزود من التقوى وعمل البر والخير وهو خير الزاد، ثم من مخاطبة أولي الألباب بالأمر بالتقوى تعريضًا بأن غير المتقي لا لب له ولا عقل، وهو أن أيام الحج لا يباح فيها غير أعمال البر والخير، فيحرم فيها ما كانت عليه العرب في الجاهلية من التجارة والكسب في الموسم، كما يحرم الرفث والفسوق والجدال الذي هو من لوازم التجارة غالبًا، والترفه بزينة اللباس المخيط والحلق والافضاء إلى النساء، فأزال هذا الوهم من الفهم وعلمنا أن الكسب في أيام الحج مع ملاحظة أنه فضل من الله غير محظور لأنه لا ينافي الإخلاص له في العبادة، إنما الذي ينافي الإخلاص هو أن يكون القصد إلى التجارة، بحيث لو لم ير الكسب لم يسافر لأجل الحج.
وهذا ما عليه الجمهور.
كان بعض المشركين وبعض المسلمين في أول الإسلام يتأثمون في أيام الحج من كل عمل حتى كانوا يقفلون حوانيتهم، فعلمهم الله تعالى أن الكسب طلب فضل من الله لا جناح فيه مع الإخلاص، وإن قوله تعالى ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ يشعر بأن ابتغاء الرزق مع ملاحظة أنه فضل من الله تعالى نوع من أنواع العبادة، ويروى أن سيدنا عمر قال في هذا المقام لسائل: وهل كنا نعيش إلا بالتجارة.
ثم قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ الإفاضة من المكان الدفع منه، مستعار من إفاضة الماء وأصله أفضتم أنفسكم، ويقال أيضًا أفاض في الكلام إذا انطلق فيه كما يفيض الماء ويتدفق، وعرفات معروفة وهي موقف الحاج في النسك يجتمع فيها كل عام ألوف كثيرة من الناس، وقد جاء هذا الاسم بصيغة الجمع وقيل إنه جمع وضع لمفرد كأذرعات وهو مرتجل، وذكروا وجوهًا للتسمية أحسنها أنه يتعرف فيه الناس إلى ربهم بالعبادة، أو أنه يشعر بتعارف الناس فيه، وعرفة اسم لليوم الذي يقف فيه الحجاج بعرفات وهو تاسع ذي الحجة، وأطلق أيضًا على المكان في كلامهم ولعرفات أربعة حدود حد إلى جادة طريقة المشرق، والثاني إلى حافات الجبل الذي وراء أرضها، والثالث إلى البساتين التي تلي قرنيها على يسار مستقبل الكعبة، والرابع وادي عرنة (بضم ففتح)، وليس عرنة ولا نمرة (بفتح فكسر) من عرفات.
والوقوف بعرفات أعظم أركان الحج وكلها موقف.
والمشعر الحرام جبل المزدلفة يقف عليه الإمام ويسمى قزح (بضم ففتح) وسمى مشعرًا لأنه معلم للعبادة، ووصف بالحرام لحرمته وقيل هو المزدلفة كلها من مأزمي عرفات إلى وادي محسر (بكسر السين المهملة المشددة) وليس هو من مزدلفة ولا من منى بل هو من مسيل ماء بينهما في الأصل، وقد استوت أرضه الآن أو هو من منى.
والمعنى أنه يطلب من الحاج إذا دفع من عرفات إلى المزدلفة أن يذكر الله عند المشعر الحرام فيها بالدعاء والتكبير والتهليل والتلبية، وقيل بصلاة العشائين جمعًا، وليس هو المتبادل بل قالوه لينطبق على قولهم الأمر للوجوب مع قولهم إن الذكر هنا غير واجب.
ولقد أمر بالذكر عند المشعر الحرام للاهتمام به، لأنهم ربما تركوه بعد المبيت، ولم يذكر المبيت لأنه كان معروفًا لا يخشى التهاون فيه.
والقرآن لم يبين كل المناسك، بل المهم وبيَّن النبي الباقي بالعمل.
ثم قال ﴿ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ أي ذكروه ذكرًا حسنًا كما هداكم هداية حسنة إذ أنجاكم من الشرك واتخاذ الوسطاء كما كنتم في الجاهلية تذكرونه مع ملاحظة غيره بينكم وبينه لا يفرغ قلبكم له.
وكانوا يولون في التلبية: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك.
فالكاف للتشبيه لا للتعليل كما قيل ﴿ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ ﴾ أي من قبل الله الذي آمنتم به إيمانًا صحيحًا بهداية الإسلام دون الخيال الذي كنتم تدعونه إلهًا، وتجعلون له وسطاء شركاء يقربون إليه ويشفعون عنده فإن ذلك الخيال لا حقيقة له، وبهذا التقرير يستغنى عن تقدير المضاف ولا بأس بجعل ضمير "قبله" للهدى كما قال (الجلال)وغيره لسبق فعله، ويمكن أن يراد به القرآن كما قال بعضهم اكتفاء بدلالة المقام كقوله تعالى ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ ﴾ .
﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾ جعل المفسر (الجلال) كغيره الخطاب هنا لقريش خاصة ، إذ ورد في حديث عائشة عند الشيخين أن قريشًا ومن دان دينهم وهم الحمس كانوا يقفون في الجاهلية بمزدلفة ترفعًا عن الوقوف مع العرب في عرفات، فأمر الله نبيه أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها أي إبطالًا لما كانت عليه قريش فالمراد بهذه الإفاضة الدفع عن عرفات كالأولى قال: "وثم للترتيب في الذكر".
وهذا القول مردود، لأن الأسلوب ينافيه، ذلك أن الخطاب في الآيات كلها عام.
وهم يذكرون هذا كثيرًا و يكرون له نكتة تزيل التفاوت من النظم.
وقوله ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ﴾ يراد به الاستغفار مما أحدثوا بعد إبراهيم من تغيير المناسك وإدخال الشرك وأعماله فيها، وإلا فهو استغفار من الضلال الذي ذكرهم به في الآية قبلها، ومن عامة الذنوب في الحج وغيره، وهذا هو الذي يوجه إلى من بعد أولئك الذين أسلموا في الصدر الأول بعد أن كانوا مشركين ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أي واسع المغفرة والرحمة لمن استغفره تائبًا منيبًا..
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ كان للعرب في الجاهلية مجامع في الموسم يفاخرون فيها بآبائهم ويذكرون أنسابهم وفعالهم، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم يقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات ويحمل الديات.
ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله هذه الآية.
ولابن جرير عن مجاهد كانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا عند الجمرة وذكروا آباءهم إلخ وروي أنهم كانوا يقفون بمنى بين المسجد والجبل يتفاخرون ويتعاكظون ويتناشدون، فأمرهم الله تعالى بأن يذكروا الله تعالى بعد قضاء المناسك وهي أعمال الحج كما كانوا يذكرون آبائهم في الجاهلية أو أشد من ذكرهم إياهم.
وقد كان في حجة الوداع أن خطب النبي في اليوم الثاني من أيام التشريق فأرشدهم إلى ترك تلك المفاخرات.
وقوله تعالى ﴿ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ معناه ظاهر وهو بل اذكروه أشد من ذكركم آباءكم وفيه من الإيجاز ما ترى حسنه.
وقد تعسف في إعرابه الذين حكموا النحو الذي وضعوه في القرآن، ويعجبني قول بعض الأئمة وأظن أنه أبو بكر بن العربي: من العجيب أن النحويين إذا ظفر أحدهم ببيت شعر لأحد أجلاف الأعراب يطير فرحًا به ويجعله قاعدة، ثم يشكل عليه إعراب آية من القرآن فلا يتخذها قاعدة بل يتكلف في إرجاعها إلى كلام أولئك الأجلاف وتصحيحاته كأن كلامهم هو الأصل الثابت.
ويعجبني أيضًا ما قاله أبو البقاء وهو: إن للقرآن إنجازًا واختصارًا في بعض المواضع المفهومة من المقام وهو أن المعنى هنا أو كونوا أشد ذكرًا، ومثل هذا شائع في اللغة.
وكان واجبًا أن يكون القرآن مبدأ إصلاح في اللغة العربية.
ثم بيّن تعالى أن الذين يذكرونه فيدعونه على قسمين ﴿ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ﴾ الخلاق النصيب والحظ، ذكر تعالى أن هذا الفريق يطلب حظ الدنيا مطلقًا، ولم يقل إنه يطلب حسنة فيها، لأن من كانت الدنيا كل همه لا يبالي أكانت شهواته وحظوظه حسنة أم سيئة، فهو يطلب الدنيا من كل باب، ويسلك إليها كل طريق، لا يميز بين نافع لغيره ولا ضار، فباستيلاء حب الدنيا عليه لم يكن للآخرة وما أعده الله فيها للمتقين من الرضوان موضع من نفسه يرجوه ويدعو الله فيه، كما أنه لا يخاف ما توعد الله به المجرمين فيها فيلجأ إليه تعالى بأن يقيه شره.
فحرمان هذا الفريق من خلاق الآخرة هو أثر كسبه وسوء اختياره، وتفضيله حظوظ الدنيا الفانية على سعادة الآخرة الباقية، لأنه يعمل للأولى كل ما يستطيع من أسباب الحلال والحرام، حتى إنه لا يسأل ربه إلا المزيد من حظوظها وشهواتها، وقد ينالها كثير من الناس بدون هم كبير في العمل لها، ولا يعمل للآخرة وقد اشترط لسعادتها خير العمل، فقال تعالى ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ الآيات.
ويا لله ما أبلغ حذف مفعول ﴿ آتِنَا ﴾ في هذا المقام فهو من دقائق الإيجاز التي تحار فيها الأفهام، وتعجز عنها قرائح الأنام، فإنه بدلالته على العموم يشمل كل ما يعني به أفراد هؤلاء الناس المتفاوتي الهمم المختلفي الأهواء، من الحظوظ والشهوات، حسنها وقبيحها، خيرها وشرها، كبيرها وخسيسها، وما لا يليق ذكره منها.
وقد اختلف المفسرون في تعيين هذا الفريق فقيل هم الكفار الذين لا يؤمنون بالآخرة واستدلوا بما روى عن ابن عباس وأَنس من دعاء المشركين في ذلك المقام بحظوظ الدنيا، وقيل هم المسلمون الذين لم تمس أسرار الدين وحكمه قلوبهم ولم تشرق أنوار هدايته على أرواحهم بل اكتفوا بالتقليد في رسومه الظاهرة، فكان همهم في الدنيا دون الآخرة، وذكروا هنا ما روي في المرفوع من أن الله تعالى يؤيد هذا الدين بمن لا خلاق لهم.
واستدلوا على صحة رأيهم بالسياق.
ولا شك أن هذا القسم موجود في المسلمين كما وجد في كل أمة، ومن بلا الناس وفلاهم عرف ذلك.
﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ أي ومنهم من طلب خير الدنيا والآخرة جميعًا، لا حظوظ الدنيا وحدها كيفما كانت كالفريق الأول، وقد اختلف المفسرون في تعيين الحسنة هل هي العافية أو الكفاف أو المرأة الصالحة أو الأولاد أو الأبرار أو المال الصالح أو العلم والمعرفة أو العبادة والطاعة، وروي بعض هذه الأقوال عن بعض السلف، ولعل كل ذي قول يطلقها على المهم عنده، والظاهر أن حسنة وصف لمحذوف أي حياة حسنة وانظر بم تكون حياة المرء حسنة فيكون سعيدًا في الدنيا.
فمن دعا الله تعالى إجماليًا فليدعه بسعادة الدنيا والآخرة والحياة الطيبة فيهما يكن مهتديًا بالآية، ومن كانت له حاجة خاصة فدعاه لها من حيث هي حسنة مهتد بها، على أنهم اختلفوا في حسنة الآخرة أيضًا فقيل الجنة، وقيل الرؤية، واختلفوا في عذاب النار ورووا عن علي كرم الله وجهه أنه المرأة السوء.
وقد علم مما تقدم في تفسير ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ ﴾ أن الطلب من الله تعالى إنما يكون باتباع سنته في الأسباب والمسببات، والتوجه إليه تعالى واستمداد المعونة والتوفيق منه، للهداية إلى ما يعجز العبد عنه، وعلى هذا يتخرج تفسير الحسن لقوله تعالى ﴿ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ بقوله أي حفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إليها، فطلب الحياة الحسنة في الدنيا يكون بالأخذ بأسبابها المجربة في الكسب والنظام في المعيشة، وحسن معاشرة الناس بآداب الشريعة والعرف، وقصد الخير في الأعمال كلها، وتوقي الشرور كلها، وطلب الحياة الحسنة في الآخرة يكون بالإيمان الخالص ومكارم الأخلاق والعمل الصالح بقدر الاستطاعة، وطلب الوقاية من النار يكون بترك المعاصي واجتناب الرذائل والشهوات المحرمة، مع القيام بالفرائض المحتمة.
هذا هو الطلب بلسان القلب والعمل، وأما الطلب بلسان المقال فهو يصدق بما يذكر القلب بأن هذه الأسباب من الله فالسعي لها مع الإيمان هو عين الطلب من فيضه وإحسانه.
مضت سنته بأن يعطي بها فضلًا منه ورحمة، لا بخوارق العادات التي لا يعلم محلها وحكمتها غيره، وأنه لا يُرْجَع إلى سواه في الهداية إلى ما خفي، والمعونة على ما خسر.
ولم يذكر في التقسيم من لا يطلب إلا حسنة الآخرة، لأن التقسيم لبيان ما عليه الناس في الواقع ونفس الأمر بحسب داعي الجبلة وتأثير التربية وهدى الدين، ولا يكاد يوجد في البشر من لا تتوجه نفسه إلى الحال في الدنيا مهما يكن غالبًا في العمل للآخرة، لأن الإحساس بالجوع والبرد والتعب يحمله كرهًا على التماس تخفيف ألم ذلك الإحساس، والشرع يكلفه ذلك بما يقدر عليه من أسبابه، وقد جعل عليه حقوقًا لبدنه ولأهله وولده ولرحمه ولزائريه وإخوانه وأمته لا تصبح عبوديته إلا بدعاء الله تعالى فيها.
وفي الآية إشعار بأن هذا الغلو مذموم خارج من سنن الفطرة وصراط الدين معًا، وما نهى الله أهل الكتاب عن الغلو في الدين وذمهم على التشدد فيه إلا عبرة لنا، وقد نهانا عنه نبينا ، وفي حديث أنس عند البخاري ومسلم أن رسول الله دعا رجلًا من المسلمين قد صار مثل الفرخ المنتوف فقال له:"هل كنت تدعو الله بشيء؟"قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا.
فقال رسول الله :"سبحان الله إذا لا تطيق ذلك ولا تستطيعه فهلا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
ودعا له فشفاه الله تعالى.
وأبعد من هذا في الغلو أن بعض الصوفية سمع قارئًا يتلو قوله تعالى ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ فصاح أواه فأين من يريد الله؟
وهو قول حسن الظاهر قبيح الباطن، فالآية خطاب لخيار الصحابة، وهو وشيخه من الصوفية لم يبلغوا مد أحدهم ولا نصيفه، فإرادة الدنيا والآخرة بالحق إرادة لمرضاة الله وعمل بسنته وشرعه، والمراد بالدنيا فيها الغنيمة في الحرب، وبالآخرة الشهادة في سبيل الله، فهل يظن بجهله أن من شهد الله تعالى لهم بأنهم بذلوا أنفسهم في سبيله ونصر رسوله وآثروا الشهادة في القتال على الغنيمة أنهم لا يريدون الله؟.
وقد ورد في الصحيح أن الآية كانت أكثر دعاء النبي فهل يدعي ذلك الصوفي وأمثاله من الغلاة أنهم أشد حبًا منه لله وطلبًا له ؟
ثم قال تعالى بيانًا لمن يسأل عن حظ ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ﴾ الإشارة بأولئك إلى الذين يطلبون سعادة الدارين، والحسنة في المنزلتين، لأن حكم الفريق الذي يطلب الدنيا وحدها قد علم من قوله تعالى ﴿ وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ﴾ فإن العطف يشعر بمحذوف كأنه قال: هذا الفريق له حظه في الدنيا وما له في الآخرة من حظ سواه، ومجموع الكلام في الفريقين بمعنى قوله تعالى ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾ وقد بينت الآية صريحًا أنهم يعطون ما دعوا الله تعالى فيه بكسبهم، وهذا نص فيما تقدم من معنى الدعاء وأنه لا بد أن يكون طلب اللسان مطابقًا لما في النفس من الشعور بالحاجة إلى الله تعالى بعد الأخذ بالأسباب والسعي في الطرق التي مضت بها سنة الله تعالى، ولهذا قال ﴿ مِمَّا كَسَبُوا ﴾ ولم يقل لهم مما طلبوا.
والمعنى أنهم لما كانوا يطلبون الدنيا بأسبابها ويسعون للآخرة سعيها، كان لهم حظ من كسبهم هذا في الدارين على قدره ﴿ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ يوفي كل كاسب أجره عقب عمله بحسبه لأن سنته مضت بأن تكون الرغائب آثار الأعمال، فهو يوفي كل عامل عمله بلا إبطاء، وكما يكون الجزاء سريعًا في الدنيا كذلك يكون في الآخرة، فإن أثر الأعمال الصالحة يظهر للمرء عقب الموت وهو أول قدم يضعها في باب عالم الآخرة.
وهذا أحسن بيان لما قالوه في تفسير ﴿ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ من أنه إجابة الدعاء.
والأكثرون على أن المراد حساب الآخرة، واختلفوا في كيفية ذلك على أقوال أقربها إلى التصور أن سرعة الحساب عبارة عن اطلاع كل عامل على عمله أو إعلامه بما له مما كسب، وما عليه مما اكتسب وذلك يتم في لحظة، وقد ورد أن الله تعالى يحاسب الخلائق كلهم في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا، وورد في قدر فواق الناقة، وورد بمقدار لمحة البصر.
ثم قال تعالى بعد أن أمر بذكره عند المشعر الحرام وكانوا لا يذكرونه هناك، ويذكره عند قضاء المناسك بعد أيام منى حيث كانوا يذكرون مفاخر آبائهم ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ حكى القرطبي عن الحافظ ابن عبد البر وغيره الإجماع على أن الأيام المعدودات هي أيام منى وهي أيام التشريق الثلاثة من حادي عشر ذي الحجة إلى ثالث عشر.
وإنما أمر سبحانه بالذكر في هذه الأيام ولم يأمر برمي الجمار لأنه من الأعمال التي كانوا يعرفونها ويعملون بها وقد أقرهم عليها وذكر المهم الذي هو روح الدين وهو ذكر الله تعالى عند كل عمل من تلك الأعمال، وتلك سنة القرآن يذكر إقامة الصلاة والخشوع فيها وذكر الله تعالى ودعاءه وتأثير ذلك في إصلاح النفوس، ولا يذكر صفة القيام والركوع والسجود، وكون الركوع يفعل مرة في كل ركعة، والسجود يفعل مرتين، وإنما يترك ذلك لبيان النبي له بالعمل.
وبينت السنة أيضًا أن ذكر الله تعالى في هذه الأيام هو التكبير أدبار الصلوات وعند ذبح القرابين وعند رمي الجمار وغير ذلك من الأعمال.
وقد جعل الله تعالى التخيير في التعجيل والتأخير مشروطًا بالتقوى فقال ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنْ اتَّقَى ﴾ أي من استعجل في تأدية الذكر عند هذه الأعمال التعبدية المعلومة وهي رمي الجمرات في يومين من تلك الأيام المعدودات فلا حرج عليه، ومن أتمها كذلك إذا اتقى كل منهما الله تعالى ووقف عند حدوده، فإن تحصيل ملكة التقوى هي الغرض من الحج ومن كل عبادة، والوسيلة الكبرى إليها كثرة ذكر الله تعالى بالقلب مع اللسان، حتى يغلب على مراقبته في جميع الأحوال، فيكون عبدًا له لا للأهواء والشهوات، وإنما تلك الأعمال مذكرات للناس.
والجمار ثلاث وهي كالجمرات جمع جمرة ومعناها هنا مجتمع الحصى جَمَره بمعنى جمعه، ورميها من ذكريات النسك المأثورة عن سيدنا إبراهيم كذبح القرابين هنالك، وعامة أعمال الحج ذكريات نشأة الإسلام الأولى في عهد الخليل وكل جمرة ترمى بسبع حصيات صغيرة كل يوم من الأيام الثلاثة أو الاثنين وتمتاز جمرة العقبة منها أنها ترمى قبل ذلك يوم النحر أيضًا.
ثم أمر بالتقوى بعد الإعلام بمكانها فقال ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ أي اتقوه في حال أداء المناسك وفي جميع أحوالكم وكونوا على علم يقين بأنكم تجمعون وتساقون إليه في يوم القيامة فيريكم جزاء أعمالكم والعاقبة للمتقين ﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ﴾ فإن العلم بذلك هو الذي يؤثر في النفس فيبعثها على العمل، وأما من كان على ظن أوشك فإنه يعمل تارة ويترك أخرى لتنازع الشكوك قلبه.
ومن فوائد هذا الأسلوب أن تكرار الأمر بالذكر وبيان مكانة التقوى، ثم الأمر بها تصريحًا في هذه الآيات التي فيها من الإيجاز، ما هو أعلى درجات الإعجاز، حتى سكت عن بعض المناسك الواجبة للعلم بها - كل ذلك يدلنا على أن المهم في العبادة ذكر الله تعالى الذي يصلح النفوس وينير الأرواح، حتى تتوجه إلى الخير وتتقي الشرور والمعاصي فيكون صاحبها من المتقين.
ثم يرتقي في فوائد الذكر وثمراته فيكون من الربانيين.
<div class="verse-tafsir"
أرشدتنا آيات المناسك السابقة إلى أن المراد منها ومن كل العبادات هو تقوى الله تعالى بإصلاح القلوب، وإنارة الأرواح بنور ذكر الله تعالى واستشعار عظمته وفضله.
وإلى أن طلب الدنيا من الوجوه الحسنة لا ينافي التقوى بل يعين عليها، بل هو مما يهدي إليه الدين، خلافًا لأهل الملل السابقة الذين ذهبوا إلى أن تعذيب الأجساد وحرمانها من طيبات الدنيا هو أصل الدين وأساسه.
وإلى أن من يطلب الدنيا بكل وجه ويجعل لذاتها أكبر همه ليس له في الآخرة من خلاق، لأنه مُخْلِد إلى حضيض البهيمية لم تستنر روحه بنور الإيمان، ولم يرتق عقله في معارج العرفان.
ولما كان محل التقوى ومنزلها القلوب دون الألسنة، وكان الشاهد والدليل على ما في القلوب والأعمال، دون مجرد الأقوال، ذكر في هذه الآيات أن الناس في دلالة أعمالهم على حقائق أحوالهم ومكنونات قلوبهم قسمان، فكانت هذه متصلة بتلك في بيان مقصد القرآن العزيز وهو إصلاح القلوب، واختلاف أحوال الناس فيها، وما ينبغي أن يعلموه منها، ولذلك عطفها عليها فقال: ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ يقال أعجبه الشيء إذا راقه واستحسنه ورآه عجبًا أي طريفًا غير مبتذل، والخطاب عام وفي قوله ﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ وجهان: (أحدهما): أن من الناس فريقًا يعجبك قوله وأنت في هذه الحياة، لأنك تأخذ بالظواهر، وهو منافق اللسان يظهر خلاف ما يضمر، ويقول ما لا يفعل، فهو يعتمد على خلابة لسانه، في غش معاشريه وأقرانه، يوهمهم أنه مؤمن صادق، نصير للحق والفضيلة، خاذل للباطل والرذيلة، متق لله في السر والعلن متجنب للفواحش ما ظهر منها وبطن، لا يريد للناس إلا الخير، ولا يسعى إلا في سبيل النفع ﴿ وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ﴾ أي يحلف بالله أن ما في قلبه موافق لما يقول ويدعي.
﴿ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾ أي وهو في نفسه أشد الناس مخاصمة وعداوة لمن يتودد إليهم، أو هو أشد خصمائهم على أن الخصام جمع خصم ككعاب جمع كعب وهو المختار، واللدد هو شدة الخصومة ولد (كتعب) الرجل لازم ولد خصمه (كنصر) شدد خصومته ولاده للمشاركة.
وفيه وجه آخر قاله بعضهم وهو أن الخصام بمعنى الجدال أي وهو قوي العارضة في الجدل لا يعجزه أن يختلب الناس ويغشهم بما يظهر من الميل إليهم وإسعادهم في شؤونهم ومصالحهم.
قال صاحب هذا القول فالأوصاف المحمودة التي يعتمد عليها ثلاثة: حسن القول بحيث يعجب السامع، وإشهاد الله تعالى على صدقه وحسن قصده، وفي معناه ما هو دونه من ضروب التأكيد الذي يقبله خالي الذهن، وقوة العارضة في الجدل التي يحاج بها المنكر أو المعارض وأما بيان سوء حاله، وفساد أعماله، فهو في الآيتين التاليتين وقد مهد لهما بقوله تعالى ﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ والتمهيد في بداية الكلام للمراد منه في غاية من ضروب البلاغة وأفنانها.
هذا الفريق من الناس يوجد في كل أمة وتختلف الخلابة اللسانية في الأمم باختلاف الأعصار، ففي بعض الأزمنة لا يتيسر للواحد أن يغش بزخرف القول إلا الفرد أو الأفراد المعدودين، وفي بعضها يتيسر له أن يغش الأمة في مجموعها حتى ينكل بها تنكيلًا، وإن الجرائد في عصرنا هذا قد تكون طريقًا للغش العام، كما تكون طريقًا للنصح العام وإنما يكون تلبيسها سهلًا على من يعجب العامة قولهم في الأمم التي يغلب فيها الجهل ولا سيما في طور الانتقال من حال إذ تختلف ضروب الدعوة وطرق الإرشاد.
وفي الآية: (وجه آخر): ذهب إليه بعض المفسرين وهو أن الظرف ﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ متعلق بالقول قبله، أي يعجبك قوله إذا تكلم في شؤون الحياة الدنيا وأحوالها، وطرق جمع المال وإحراز الجاه فيها، لأن حبها قد ملك عليه أمره، والميل إلى لذاتها وشهواتها قد استحوذ في قلبه، وصار هو المصرف لشعوره ولبه، فينطلق لسانه -ومثله قلمه- في كل ما يستهوي أصحاب الجاه والمال، ويستميل أهل السيادة والسلطان، ولكنه إذا تكلم في أمر الدين جاء بالخطل والحشو، ووقع في العسلطة واللغو، فلا يحسن وقع قوله في السمع، ولا يكون له تأثير في النفس وذلك أن روح المتكلم تتجلى في قوله، وضميره المكنون يظهر في لحنه ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُم ﴾ وفي الحكم: كل كلام يبرز وعليه كسوة من القلب الذي عنه صدر، ولهذا كان إرشاد المخلصين نافعًا، وخداع المنافقين صادعًا.
وعلى هذا الوجه في التفسير تكون جملة ﴿ وَيُشْهِدُ اللَّهَ ﴾ وصفًا مستقلًا غير حال مما قبله، أي إنه لا يحسن إلا الكلام في الدنيا ليعجب السامع ويخدعه، ولكنه يزعم أن قلبه مع الله، وأنه حسن السريرة، وإنك لترى هذا في سيرة المجرمين ظاهرًا جليًا كما وصف الله تعالى.
يتركون الصلاة، ويمنعون الزكاة، ويشربون الخمور، ويتسابقون إلى الفجور، ويأكلون أموال الناس بالباطل ثم يفضلون أنفسهم في الدين على أهل النزاهة والتقوى، زاعمين أن هؤلاء المتقين قد عمرت ظواهرهم بالعمل والإرشاد، ولكن بواطنهم خربة بسوء الاعتقاد، ويقولون نعم نحن نأكل الربا أو القمار ولكنا نحرمه، ونأتي في نادينا وخلوتنا المنكر ولكنا لا نستحسنه، وإن ما نبتزه من جيوب الأغنياء بخلابتنا ليس المقصود به ترفيه معيشتنا، وإنما هو أجر على السعي في إعلاء شأنهم ومكافأة على خدمة أوطانهم.
فهم بهذه الدعاوي ألد الخصماء، ألا إنهم هم السفهاء، فقد جرت سنة الله تعالى في خلقه، ودلت هدايته في كتابه، على أن سلامة الاعتقاد وإخلاص السريرة هما ينبوع الأعمال الصالحة، والأقوال النافعة ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا ﴾ .
وانظر ما قاله عز شأنه في وصف فريق هذه الدعاوي العريضة، والقلوب المريضة، قال: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ﴾ في تفسير التولي هنا قولان: (أحدهما): أن صاحب الدعوى القولية إذا أعرض عن مخاطبه وذهب إلى شأنه فإن سعيه يكون على ضد ما قال.
يدعي الصلاح والإصلاح وحب الخير، ثم هو يسعى في الأرض بالفساد، ذلك أنه لا هم له إلا في الشهوات واللذات والحظوظ الخسيسة.
فهو يعادي لأجلها أهل الحق والفضيلة ويؤذيهم، لأنه ألد خصم لهم للتناقض والتضاد في الغرائز والسجايا، ويعادي أيضًا المزاحمين له فيها من أمثاله المفسدين، فلا يكون له هم وراء التمتع وأسبابه إلا الكيد للناس ومحاولة الإيقاع بهم فهو يفسد باعتدائه على الأموال والأعراض ﴿ وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ﴾ بما يكون من آثر إفساده في اعتدائه وهو ذهاب ثمرات الحرث وهو الزرع، والنسل وهو ما تناسل من الحيوان، وكأنه إشارة إلى مكاسب أهل الحضارة وأهل البادية، وفي هذا عبرة كبرى للذين يقطعون الزرع ويقتلون البهائم بالسم وغيره انتقامًا ممن يكرهونهم وهي جرائم فاشية في أرياف مصر لهذا العهد، فأين الإسلام وأين هداية القرآن؟
إن إهلاك الحرث والنسل عبارة عن الإيذاء الشديد، وقد صار التعبير عن ذلك من قبيل المثل، فالمعنى أنه يؤذي مسترسلًا في إفساده ولو أدى إلى هلاك الحرث والنسل، وكذلك شأن المفسدين يؤذون إرضاء لشهواتهم ولو خرب الملك بإرضائها.
(والقول الآخر): إن المراد بتولى صار واليًا له حكم ينفذ وعمل يستبد به، وإفساده حينئذٍ يكون بالظلم مخرب العمران وآفة البلاد والعباد، وإهلاكه الحرث والنسل يكون إما بسفك الدماء والمصادرة في الأموال، وإما بقطع آمال العاملين من ثمرات أعمالهم، وفوائد مكاسبهم، ومن انقطع أمله انقطع عمله إلا الضروري الذي به حفظ الدماء، ولا حرث ولا نسل إلا بالعمل، وقد شرحت لنا حوادث الزمان وسير الظالمين هذه الآية فقرأنا وشاهدنا أن البلاد التي يفشو فيها الظلم تهلك زراعتها، وتتبعها ماشيتها، وتقل ذريتها، وهذا هو الفساد والهلاك الصوريان.
ويفشو فيها الجهل.
وتفسد الأخلاق، وتسوء الأعمال حتى لا يثق الأخ بأخيه، ولا يثق الابن بأبيه فيكون بأس الأمة بينها شديدًا ولكنها تذل وتخنع للمستعبدين لها.
وهذا هو الفساد والهلاك المعنويان.
وفي التاريخ الغابر والحاضر من الآيات والعبر، ما فيه ذكرى ومزدجر.
ولما كان هذا المفسد يُشْهِد الله على هداية قلبه، عند من يظن أنه يجهل حقيقة أمره، قال تعالى بعد بيان عمله في الإفساد ﴿ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ أي أن إفساد هذا المنافق ظاهر في الوجود، والظاهر عنوان الباطن، فإفساده في عمله دليل على فساد قلبه وكذبه في إشهاد الله عليه ﴿ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ لأنه لا يحب الفساد.
وفي الآية دليل على أن تلك الصفات الظاهرة المحمودة لا تكون محمودة مرضية عند الله تعالى إلا إذا أصلح صاحبها عمله، فإن الله تعالى لا ينظر إلى الصور والأقوال، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال، وهي ترشدنا إلى التمييز بين الناس بأعمالهم وسيرتهم وعدم الاغترار بزخرف القول، فإن الناس إذا انصرفوا من مجالس القول لم يكن لهم بد من سعي وعمل، والعمل إما خير وإصلاح، وإما شر وإفساد، وكل إناء ينضح بما فيه.
ولما كان الإفساد يصدر تارةً عن الجهل وسوء الفهم، وأحيانًا عن فساد الفطرة وسوء القصد، وكان من يعمل السوء بجهالة سريع التوبة، مبادرًا إلى قبول النصيحة، وكان شأن الآخر الإصرار على ذنبه، كالمستهزئ بربه، ذكر من صفة المفسد ما يميز بينه وبين المخطئ فقال ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ ﴾ أي أنه إذا أُمر بمعروف أو نُهي عن منكر يسرع إليه الغضب، ويعظم عليه الأمر، فتأخذه الكبرياء والأنفة، وتخطفه الحمية وطيش السفه، فيكون كالمأخوذ بالسحر، لا يستقيم له فكر، لأنه مصر على إفساده لا يبغي عنه حولًا، وعبر عن الكبرياء والحمية بالعزة، للإشعار بوجه الشبهة للنفس الأمارة بالسوء وهو تخيلها النصح والإرشاد ذلة تنافي العزة المطلوبة.
وهذا الوصف ظاهر جدًا في تفسير التولي بالولاية والسلطة، فإن الحاكم الظالم المستبد يكبر عليه أن يُرْشَد إلى مصلحة، أو يُحَذَّر من مفسدة، لأنه يرى أن هذا المقام الذي ركبه وعلاه يجعله أعلى الناس رأيًا وأرجحهم عقلًا، بل الحاكم المستبد الذي لا يخاف الله تعالى يرى نفسه فوق الحق كما أنه فوق أهله في السلطة، فيجب أن يكون أفن رأيه خيرًا من جودة آرائهم، وإفساده نافذًا مقبولًا دون إصلاحهم، فكيف يجوز لأحد منهم أن يقول له: اتق الله في كذا؟
وإن الأمير منهم ليأتي أمرًا فيظهر له ضرره في شخصه أو في ملكه، ويود لو يهتدي السبيل إلى الخروج منه، فيعرض له ناصح يشرع له السبيل فيأبى سلوكها، وهو يعلم أن فيها النجاة والفوز، إلا أن يحتال الناصح في إشراعها فيجعله بصيغة لا تشعر بالإرشاد والتعليم، ولا بأن السيد المطاع في حاجة إليه.
وقد عُرِضَتْ نصيحة على بعضهم، مع ذكر لفظ النصيحة، بعد تمهيد له بالحديث: "الدين النصيحة لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم "وبيان معناه، فعظم عليه أن يقول أحد إنني أنصح إليك لأنك إمامي، وكان ذلك آخر عهد الناصح به.
فانظر كيف لم يرض حاكم مسلم بأن ما يبذل له ما يجب أن يبذله لله ورسوله وللأئمة؟!، وقد كان العلماء ينصحون للخلفاء والملوك المسلمين، فيأخذون بالنصح بحسب مكانهم من الدين، وأما الطغاة البغاة الذين ليس لهم من الإسلام إلا ما يخدعون به العامة من إتيان المساجد في الجمع والأعياد والمواسم المبتدعة، فإنهم يؤذون من يشير إشارة ما إلى أنهم في حاجة إلى تقوى الله في أنفسهم، أو في عيال الله الذين سلطوا عليهم، وإن لم يبق لهم من السلطان والحكم ما يمكنهم من كل ما يهوون من الإفساد والظلم، وإذا كان هذا شأن أكثر الملوك والأمراء الذين ينسبون إلى الدين ويدعون اتباعه فهل تجد دعوى فرعون الألوهية غريبًا عجيبًا؟
وحمل التولي على الوجه الآخر لا يتنافى مع أخذ العزة بالإثم من جراء الأمر بالتقوى، فإن في طبع كل مفسد النفور ممن يأمره بالصلاح والاحتماء عليه، لأنه يرى أمره بالتقوى والخير تشهيرًا به، وصرفًا لعيون الناس إلى مفاسده التي يسترها بزخرف القول وخلابته، ولكن التعبير أظهر في إرادة الولاة والسلاطين.
وقد يبلغ نفور المفسدين في الأرض من الحق والداعين إلى الخير إلى حد استثقالهم والحقد عليهم، والسعي في إيذائهم وإن لم يأمروهم بذلك، إذ يرون أن الدعوة إلى الخير والنهي عن المنكر على إطلاقها كافيان في فضيحتهم، وذاهبان بخلابتهم، فلا يطيقون رؤية دعاة الخير ولا يرتاحون إلى ذكرهم، بل يتتبعون عوراتهم وعثراتهم ليوقعوا بهم وينفروا الناس عن دعوتهم، فإن لم يظفروا بزلة ظاهرة التمسوها بالتحريف والتأول، أو الاختراع والتقول، ولذلك تجد طعن المفسدين في الأئمة المصلحين من قبيل طعن الكافرين في الأنبياء والمرسلين: إن فلانًا مغرور، لا يعجبه أحد، خَطَّأ جميع الناس، وصفهم بالضلال، سفه أحلامهم، شنع على أعمالهم، فرق بينهم، وما أشبه هذا.
هذه آثار المفسدين في الأرض عند العجز عن الإيقاع بالأمر بالتقوى، وإن قدروا حبسوا وضربوا، ونفوا وقتلوا، ولذلك قال فيمن يأنف من الأمر بالتقوى ﴿ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ﴾ أي هي مصيره وكفاه عذابها جزاء على كبريائه وحميته الجاهلية.
ثم وصف جهنم وهي دار العذاب في الآخرة بقوله ﴿ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ المهاد الفراش يأوي إليه المرء للراحة، واللام واقعة في جواب قسم محذوف، فالله تعالى يقسم تأكيدًا للوعيد بأن الذي يرى عزته مانعة له عن الإذعان للأمر بتقوى الله سيكون مهاده ومأواه النار، وهي بئس المهاد وشره، لا راحة فيها، ولا اطمئنان لأهلها.
وقال بعض المفسرين إنه عبر بالمهاد الذي هو مظنة الراحة للتهكم.
وأنت ترى من هذا التقرير ومن كون التقسيم حقيقيًا في نفسه شارحًا لما عليه البشر في حياتهم متصلًا بما قبله ملتئمًا معه في السياق أن الكلام عام، وما روي من أن له سببًا خاصًا لا ينافي عمومه.
وقد اختلفوا في السبب للآيات فروى ابن أبي حاتم من طريق سعيد أو عكرمة ابن عباس أنها نزلت في رجلين من المنافقين قالا لما هلكت سرية للمسلمين: يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا هكذا، لا هم قعدوا في أهليهم، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم.
وروى ابن جرير عن السدي أنها نزلت في الأخنس بن شريق أقبل إلى النبي وأظهر له الإسلام فأعجبه ذلك منه ثم خرج فمر بزرع لقوم من المسلمين وحمر فأحرق الزرع وعقر الحمر.
فإن صحت الروايتان فالظاهر أن من جعلهما سببًا حمل الآيات عليهما في الجملة، وإلا فأنت ترى أن الآيات ليست مطابقة للحادثتين، اللتين إن صحتا كانتا في وقتين متباعدين، فإن الأخنس من مشركي مكة.
ثم ذكر الفريق الآخر المقابل لمن تأخذه العزة إذا ذُكر بالله تعالى فقال ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّه ﴾ وكان مقتضى المقابلة أن يوصف هذا الفريق بالعمل الصالح مع عدم الدعوى والتبجح بالقول، أو مع مطابقة قوله لعمله، وموافقة لسانه لما في قلبه، والآية تضمنت هذا الوصف وإن لم تنطق به، فإن من يشري أي يبيع نفسه الله لا يبغي ثمنًا لها غير مرضاته، لا يتحرى إلا العمل الصالح وقول الحق، مع الإخلاص في القلب، فلا يتكلم بلسانين، ولا يقابل الناس بوجهين، ولا يؤثر على ما عند الله عرض الحياة الدنيا وما عند كبرائها ومترفيها من القصور، ومتاع الزينة والغرور، وهذا هو المؤمن الذي يعتد القرآن بإيمانه.
وأما الإيمان القولي الذي يظهر على الألسنة ولا يمس سواد القلوب، ولا تظهر آثاره في الأعمال، ولا يحمل صاحبه شيئًا من الحقوق لدينه وملته، ولا لقومه وأمته، فلا قيمة له في كتاب الله، ولا يقام لصاحبه وزن في يوم الله، بل يخشى أن يقال لذويه يومئذٍ: ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ .
ذكر الله تعالى هذا الشراء في آيات أخرى تشرح هذه الآية وتفسرها وتبين أن المؤمنين باعوا وأن اله قد اشترى كقوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ ﴾ إلى قوله ﴿ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ ﴾ وقد وصف هؤلاء المؤمنين في الآية التي بعدها بما يجب على المؤمن أن يجعله معها ميزانًا للإيمان وأهله.
فنفس المؤمن لله لا للشهوة واللذة البهيمية والمكر الشيطاني، فمن آثر شهوته على مرضاة ربه، والتزام حدوده، والمحافظة على هدى دينه، فلا وزن له في سوق هذا البيع ولا قيمة.
ولقد نعلم أنه ليكبر هذا القول على المفتونين بزينة الحياة الدنيا، ولذاتها وقصورها، وخمورها وحورها، وإن كانوا يزعمون أنهم من زعماء الدين، وخدمته المخلصين لأن الحق مر في مذاق المبطلين.
والآية لا تنافي ما دلت عليه آية الدعاء من أن الإسلام شرع لنا طلب الدنيا من الوجوه الحسنة كما شرع لنا طلب الآخرة، بل هي مؤيدة لها، فإن طلبها من الطرق الحسنة أي المشروعة النافعة لا ينافي مرضاة الله تعالى ببيع النفس له، ولذلك لم يُحْرِّم سبحانه علينا إلا ما هو ضار بفاعله أو غيره، فلنا أن نتمتع بها حلالًا ونكون مثابين مرضيين عند الله تعالى: قال بعض الصحابة لما قال :"وفي بضع أحدكم صدقة".
يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟
قال "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟" قالوا نعم، قال" فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر".
ولكن الذي ينافي مرضاة الله تعالى وينافي سعادة الدنيا قبل الآخرة هو أن يسترسل المرء في سبيل حظوظه وشهواته خارج الحدود المشروعة فيفسد في الأرض، ولا يبالي أن يهلك بإفساده الحرث والنسل.
ثم إن هذا البيع لا يتحقق إلا إذا كان المؤمن يجود بنفسه وماله في سبيل الله إذا مست الحاجة لذلك، فكيف إذا ألجأت إليه الضرورة كجهاد أعداء الملة والأمة عند الاعتداء عليهما أو الاستيلاء على شيء من دار الإسلام، وحينئذٍ يكون فرضًا عينيًا على جميع الأفراد، فمن قدر على الجهاد بنفسه وجب عليه، ومن قدر عليه بماله وجب عليه، ومن قدر عليه بهما معًا وجب عليه، وسبيل الله هي الطريق الموصلة إلى مرضاته، وهي التي يحفظ بها دينه ويصلح بها حال عباده.
ومعنى هذا أنه لا يكتفي من المؤمن أن يكتسب بالحلال، ويتمتع بالحلال وينفع نفسه ولا يضر غيره، وأن يصلي ويصوم، لأن كل هذا يعمله لنفسه خاصة، بل يجب أن يكون وجوده أوسع، وعمله أشمل وأنفع، فيساعد على نفع الناس ودرء الضرر عنهم، بحفظ الشريعة وتعزيز الأمة بالمال والأعمال، والدعوة إلى الخير، ومقاومة الشر، ولو أفضى ذلك إلى بذل روحه، فإن قصر في واجب يتعلق بحفظ الملة وعزة الأمة من غير عذر شرعي فقد آثر نفسه على مرضاة الله تعالى، وخرج من زمرة كملة المؤمنين الذين باعوا أنفسهم لله تعالى، وكان أكبر إجرامًا ممن يقصر في واجب لا يضر تقصيره فيه إلا بنفسه، ذلك أن الحكمة في تربية النفس بالأعمال الحسنة والأخلاق الفاضلة، هي أن ترتقي ويتسع وجودها في الدنيا فيعظم خيرها وينفع الناس بها.
وتكون في الآخرة أهلًا لجوار الله تعالى مع النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، الذين بذلوا أنفسهم وأموالهم وجعلوا أكثر أعمالهم خدمة للناس وسعيًا في خيرهم.
فإن الله تعالى لم يشتر أنفس المؤمنين من الحظوظ والشهوات الشخصية الخسيسة لأجل نفعه سبحانه أو دفع الضرر عنه جل شأنه، فهو غني عن العالمين، وإنما شرع هذا ليكون المؤمن باتساع وجوده وعموم نفعه سيد الناس.
فليعرض مدعو الإيمان أنفسهم على الآية وأمثالها، فمن ادعى أنه من الذين باعوا أنفسهم لله، وآثروا مرضاته على ما سواه، فليعرضه غيره من المنصفين عليها، ولا سيما إذا ادعى أنه واسع الجود خادم للأمة والملة، لا جرم أن كثيرًا منهم لا يصدق عليهم شيء من ذلك، ولا قوله تعالى: ﴿ قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ فإن معنى أسلمنا انقدنا لأحكام الدين الظاهرة وأخذنا بأعماله البدنية.
وكثير ممن تعجبك أقوالهم من صنف المسلمين لا يصلون ولا يصومون، ولا يزكون ولا يحجون، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون، ويأتون كثيرًا من الكبائر جهارًا، ويصرون عليها إصرارًا.
ذكر تعالى أن من الناس من يشري أي يبيع نفسه، وهم المؤمنون الخلص كما في الآيات الأخرى، والإخبار بذلك أقوى في طلبه من الأمر به وأدل على تقريره، لأن الأمر به لا يدل على امتثال المأمورين، والإخبار هو الذي يدل على الوقوع، فالقرآن يصور المؤمنين عاملين بمقتضى الإيمان.
ثم بيّن أن ما شرع هذا إلا رأفة بعباده فقال ﴿ والله رَؤوفٌ بِالعِبَاد ﴾ إذ يرفع همم بعضهم، ويعلي نفوسهم، حتى يبذلوها في سبيله لدفع الشر والفساد عن عباده، وتقرير الحق والعدل والخير فيهم، ولولا ذلك لغلب شر أولئك المفسدين في الأرض حتى لا يبقى فيها صلاح ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ ﴾ وإن هذا يؤيد ما قلناه في إزالة وهم من يتوهم أن بيع النفس يؤذن بترك الدنيا، وأن لا يمتع المؤمن نفسه بلذاتها، ولو كان كذلك، وهو من تكليف ما لا يطاق، لما قرنه الله تعالى باسمه الرؤوف الدال على سعة رحمته بعباده، فيا لله ما أعجب بلاغة كلام الله، وما أعظم خذلان المعرضين عن هداه.
ومن الدقة الغريبة في هذا التعبير الموجز بيان حقيقة عظيمة وهي أن وجود هذه الأمة في الناس رحمة عامة للعباد لا خاصة بهم، والأمر كذلك، بل كثيرًا ما ينتفع الناس بعمل المصلحين من دونهم، إذ تظهر ثمرات إصلاحهم من بعدهم.
وإن على من يبذل نفسه ابتغاء مرضاة الله تعالى في نفع عباده أن لا يتهور ويلقي بنفسه في التهلكة، بل عليه أن يكون حيكمًا يقدر الأمور بقدرها، إذ ليس المقصود بهذا الشراء إهانة النفس ولا إذلالها، وإنما المراد دفع الشر وتقرير الخير العام رأفة بالعباد، وإيثارًا للمصلحة العامة.
وإن أمة يتصف جميع أفرادها أو أكثرهم بهذا الوصف لجديرة بأن تسود العالمين، وكذلك ساد سلفنا الصالحون، وإن أمة تحرم من هذا الصنف لخليقة بأن تكون مستعبدة لجميع المتغلبين، وكذلك استعبد خلفنا الطالحون، فهل نحن معتبرون؟
<div class="verse-tafsir"
بعدما بين اختلاف الناس في الصلاح والفساد والإصلاح والإفساد أراد أن يهدينا إلى ما يجمع البشر كافة على الصلاح والسلام، والوفاق الذي قرره الإسلام، وهو ما يقتضيه الإيمان بالله واليوم الآخر، وجعل هذه الهداية بصيغة الأمر، وشرف أهل الإيمان به فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾ إلخ السلم المسالمة والانقياد والتسليم، فيطلق على الصلح والسلام، وعلى دين الإسلام.
قرأ ابن كثير ونافع والكسائي السلم بفتح السين والباقون بكسرها وهما لغتان.
وقد فسره بعض المفسرين بالصلح وبعضهم بالإسلام وعليه (الجلال).
وقال في تفسير "كافة" حال من السلم أي في جميع شرائعه.
واللفظ يشمل جميع معانيه التي يقتضيها المقام، والأمر بالدخول فيه يشعر بأنه حصن منيع للداخلين في كنفه، وهو للكاملين منهم أمر بالثبات والدوام كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ ولمن دونهم أمر بالتمكن منه وتحري الكمال فيه، وعلى القول بأن الخطاب فيه لأهل الكتاب أو كل من يؤمن بالله فالدخول على حقيقته.
يقول لهم إذا ام تدخلوا في دين الإسلام الذي أكمله لخلقه كافة ببعثة خاتم النبيين، فلا ينفعكم إيمانكم به مع بقائكم على تعاديكم وتفرقكم ودين الله جامع لا تفرق فيه.
هذه كلمة عظيمة، وقاعدة لو بنى جميع علماء الدين مذاهبهم عليها لما تفاقم أمر الخلاف في الأمة، ذلك أنها تفيد وجوب أخد الإسلام بجملته، بأن ننظر في جميع ما جاء به الشارع في كل مسألة من نص قولي وسنة متبعة ونفهم المراد من ذلك كله ونعمل به، لا أن يأخذ كل واحد بكلمة أو سنة ويجعلها حجة على الآخر، وإن أدت إلى ترك ما يخالفها من النصوص والسنن وحملها على النسخ أو المسخ بالتأويل، أو تحكيم الاحتمال بلا حجة ولا دليل، ولو أنك دعوت العلماء إلى العمل بالآية على هذا الوجه -الذي عرفوه ولم ينكره على قائليه أحد منهم، وإن رجح بعضهم في التفسير غيره عليه- لولوا منك فرارًا، وأعرضوا عنك استكبارًا، وقالوا مكر مكرًا كبارًا إذ دعا إلى ترك المذاهب، وحاول إقامة المسلمين على منهج واحد.
ومن آيات العبرة في هذا المقام أننا نجد في كلام كثير من علمائنا هدى ونورًا لو اتبعته الأمة في أزمنتهم لاستقامت على الطريقة، ووصلت إلى الحقيقة، بعد الخروج من مضيق الخلاف والشقاق، إلى بحبوحة الوحدة والاتفاق، والسبب في بقاء الغلب لسلطان الخلاف والنزاع، فشو الجهل وتعصب أهل الجاه من العلماء لمذاهبهم التي إليها ينتسبون، وبجاهها يعيشون ويكرمون، وتأييد الأمراء والسلاطين لهم استعانة بهم على إخضاع العامة، وقطع طريق الاستقلال العقلي والنفسي على الأمة، لأن هذا أعون لهم على الاستبداد، وأشد تمكينًا لهم مما يهوون من الفساد والإفساد، إذ اتفاق كلمة علماء الأمة واجتماعها على أن الحق كذا بدليل كذا، ملزم للحاكم باتباعهم فيه، لأن الخواص ٍإذا اتحدوا تبعهم العوام، وهذه هي الوسيلة الفردة لإبطال استبداد الحكام، وهذا التفسير مؤيد بالنعي على الذين جعلوا القرآن عضين، والإنكار على الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، أي يعملون ببعضه على أنه دين، ويتركون بعضًا بتأويل أو غير تأويل، كشأن من لم يصدق بأنه من الله، فوجوب أخذ القرآن والدين بجملته، وفهم هدايته من مجموع ما ثبت عمن جاء به، أمر مقرر في ذاته سواء فسرت به الآية أم لا.
لأن الآيتين اللتين أشرنا إليهما آنفًا في جعل القرآن عضين، وفي الإيمان ببعضه والكفر ببعض وما في معناهما من النصوص تثبته.
وذهب بعض المفسرين إلى أن ﴿ كافةَّ ﴾ ترجع إلى الذين آمنوا، أي ادخلوا في الإسلام جميعًا لا يتخلف منكم أحد، وصاحب هذا القول يصرف نداء ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ إلى أهل الكتاب أي آمنوا بالأنبياء السابقين والوحي، حتى لا يرد عليه أن الإيمان يستلزم الدخول في الإسلام فيكون أمر المؤمن بالإسلام من تحصيل الحاصل، ووجه اللزوم أن الإيمان هو التصديق الجازم مع إذعان النفس، فمن صدق بالشيء وأذعن له فقد دخل في أعماله وانقاد لأحكامه لا محالة.
وأما قول الجمهور إن العلم لا يوجب العمل فهو على إطلاقه خطأ، فالعلم التصديقي الإذعاني المتعلق بالمنافع والمضار يوجب العمل به ما لم يعارضه في موضوعه علم أقوى منه، وأما العلم التصوري والعلم النظري المعارض بعلم ضروري أو نظري أقوى منه فلا يوجبان العمل.
وقد صرح حجة الإسلام الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة الشاطبي صاحب الموافقات بأن العلم الصحيح يستلزم العمل.
والحق التفصيل الذي أشرنا إليه آنفًا، وآيات الكتاب العزيز دالة عليه ومعززة له، ويدل لمن قال إن الآية نزلت في أهل الكتاب ما رواه ابن جرير عن عكرمة قال قال عبد الله بن سلام وثعلبة وابن يامين وأسد وأسيد ابنا كعب وسعيد بن عمر وقيس بن يزيد، كلهم من يهود: يا رسول الله، يوم السبت نعظمه فدعنا فلنسبت فيه، وإن التوراة كتاب الله فدعنا فلنقم بها بالليل.
فنزلت.
فالخطاب على هذا لليهود خاصة، لا لأهل الكتاب عامة، ولكن الرواية غير صحيحة وهي تنم على نفسها فهي موضوعة للآية.
وهناك رواية أخرى بمعناها.
والوجه الثاني في تفسير السلم وهو المسالمة والوفاق يتوقف على الوجه الأول -أخذ الدين بجملته- لأنه أمر برفع الشقاق والتنازع وبالاعتصام بحبل الوحدة، وشد أواخي الإخاء، ولا يرتفع الشيء إلا برفع أسبابه، ولا يستقر إلا بتحقق وسائله، وهو بمعنى قوله : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ ولا تنازعوا فتفشلوا ﴾ وقوله :"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم أعناق بعض".
وقد خالفنا كل هذه النصوص فتفرقنا وتنازعنا وشاق بعضنا بعضًا بشبهة الدين، إذ اتخذنا مذاهب متفرقة كل فريق يتعصب لمذهب ويعادي سائر إخوانه المسلمين لأجله زاعمًا أنه ينصر الدين، وهو يخذله بتفريق كلمة المسلمين، هذا سني يقاتل شيعيًا، وهذا شيعي ينازل أباضيًا، وهذا شافعي يغري التتار بالحنفية، وهذا حنفي يقيس الشافعية على الذمية، وهؤلاء مقلدة الخلف، يحادون من اتبع طريقة السلف ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ﴾ أم أُمروا بهذا من الله ورسوله ومن الأئمة المجتهدين؟
كلا بل كان التعادي والتنازع انحرافًا عن الصراط المستقيم، واتباعًا لخطوات الشيطان الرجيم، فكما خالف المفرقون المتنازعون ربهم في ذلك الأمر، خالفوا ما أتْبَعَه به من هذا النهي، إذ قال: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ الخطوات جمع خطوة بالضم وبالفتح، وهما ما بين قدمي من يخطو بنقلهما في المشي، أي لا تسيروا سيره وتتبعوا سبله في التفرق في الدين أو الخلاف والتنازع مطلقًا.
وسبل الشيطان وخطواته هي كل أمر يخالف سبيل الحق والخير والمصلحة، وهي ما عبر عنه بالسبل في قوله: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ فذكر تعالى أن له سبيلًا واحدة سماها صراطًا مستقيمًا، لأنها أقرب طريق إلى الحق والخير والسلام، وأن هناك سبلًا متعددة يتفرق متبعوها عن ذلك الصراط وهي طرق الشيطان، وقد عُلِم من جَعل التفرق تابعًا لاتباع سبل هي غير صراط الله أن الذين يتبعون سبيل الله لا يتفرقون ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ نعم قد يطرأ عليهم سبب الخلاف والتنازع ولكنهم متى شعروا بأن التنازع قد دب إليهم في أمر فزعوا إلى تحكيم الله ورسوله فيه برده إلى حكمهما، كما أمرهم بقوله: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ أي مالًا وعاقبة.
فالآيات يفسر بعضها بعضًا إذا نحن أخذنا القرآن بجملته كما أمرنا.
هذه الآيات حجة لعلماء الأصول القائلين بأن الحق واحد لا يتعدد.
ويا ليت أصحاب هذا الأصل فرضوا على أنفسهم الاجتماع لكل خلاف يعرض لهم والبحث عن وجه الحق فيه بلا تعصب ولا مراء، حتى إذا ما ظهر لهم أجمعوا عليه، وإذا هو لم يظهر لبعضهم ثابر من لم يظهر له على تِطْلَابه بإخلاص لا يعادي فيه أحدًا، ولا يجعله ذريعة لتفريق الكلمة.
طريق الحق هو الوحدة والإسلام، وطرق الشيطان هي مثارات التفرق والخصام، وهي معروفة في كل الأمم، ولكن الشيطان يزين طرقه ويسول للناس المنافع والمصالح في التفرق والخلاف، فقد كانت يهود أمة واحدة مجتمعة على كتاب واحد هو صراط الله فسول لهم الشيطان فتفرقوا وجعلوا لهم مذاهب وطرقًا، وأضافوا إلى الكتاب ما أضافوا، وحرفوا من كلمه ما حرفوا، واتبعوا السبل فتفرقت بهم عن سبيل الله، حتى حل بهم الهلاك والدمار، ومزقوا كل ممزق.
وكذلك فعل غيرهم، كأنهم رأوا دينهم ناقصًا فكملوه، وقليلًا فكثروه، وواحدًا فعددوه، وسهلًا فصعبوه، فثقل عليهم بذلك فوضعوه!!
فذهب الله بوحدتهم، حتى لم تغن عنهم كثرتهم، وسلط عليهم الأعداء، وأنزل بهم البلاء، ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ﴾ هذا هو المتبادر من خطوات الشيطان في هذا المقام.
ومن خطواته طرق الفواحش والمنكرات كلها ولذلك قال تعالى في سورة النور ﴿ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ وأما كون الشيطان عدوًا مبينًا فذاك أن جميع ما يدعو إليه ظاهر البطلان بين الضرر لمن تأمل وعقل، فمن لم يدرك ذلك في مبدأ الخطوات أدركه في غايتها، عندما يذوق مرارة مغبتها، لا سيما بعد تذكير الله تعالى وهدايته عباده إلى ذلك، فلا عذر لمن بلغته هذه الهداية إذا بقي على ضلالته واستحب العمى على الهدى، ولذلك قال عز وشأنه: ﴿ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ أي فإن زللتم وحِدْتم عن صراط الله، وهو السلم، إلى خطوات الشيطان، وهي طرق الخلاف والافتراق والباطل والشر، من بعد أن بيّن الله تعالى لكم أن سبيله واحدة وهي السلم، وأن الشيطان لكم عدو مبين، وأمركم أن تتخذوه عدوًا وتجتنبوا طرقه وخطواته، ثم فصل لكم من ذلك ما اضطررتم إليه، وأكد النهي عن شر تلك الطرق وأشأمها، وهي طرق التفرق والخلاف، فاعلموا أن أمامكم أمرًا جليلًا، وأخذًا وبيلًا، ذلك أن الله تعالى لعزته لا ينسى من ينسى سننه ويزل عن شريعته، بل يأخذه أخذ عزيز مقتدر، ولحكمته قد وضع تلك السنن في الخليقة، وهدى إليها الناس بما أنزل من الشريعة، ومن ذلك أن جعل لكل ذنب عقوبة، وجعل العقوبة على ذنوب الأمم أثرًا من آثارها لازمًا لها حتمًا.
فكأنه تعالى قال فاعلموا أنه يُحل بكم العقاب لأنه عزيز لا يغلب على أمره، وحكيم لا يهمل أمر خلقه، ولكن هذا التعبير أبلغ لأنه بيان للحجة، وتقرير للبرهان بالإشارة على مقدماته، اكتفاء به عن ذكر النتيجة، وهو من ضروب إيجاز القرآن، التي لم تعهد في كلام إنسان.
لقد ذكر من صفاته تعالى ما هو دليل العقاب وهو ما لا مطمع في زواله، ولا هزء في الدين أكبر من ظن المغرور أنه ينال جنة عرضها السموات والأرض وفيها من النعيم والرضوان ما لم يخطر على قلب بشر، بغير الأعمال التي أرشدت إليها آيات الله تعالى: مبينة أن العقوبات على تركها من آثار صفاته القديمة التي لا يلحقها تغيير، ولا تؤثر فيها الحوادث بتبديل ولا تحويل.
ثم بيّن تعالى غاية الوعيد المشار إليه في الاسمين الكريمين فقال ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ ﴾ وقد غير الأسلوب بالتفات عن الخطاب والأمر إلى الحكاية عن الزّالين عن صراط الله بضمير الغائب.
والحكمة في الالتفات تناول هذا الوعيد لجميع من زل من المؤمنين المخاطبين في الدخول في السلم والمنهيين عن ضده، ومن زل من غيرهم، أو هي الإيذان بأن الزالين لا يستحقون شرف الخطاب الإلهي.
الاستفهام في الآية بمعنى النفي، وينظرون بمعنى ينتظرون، وهي كثيرة الاستعمال بهذا المعنى في الكتاب العزيز ولا سيما في أمور الآخرة كقوله تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ﴾ ، ﴿ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ وإيتان الله تعالى فسره (الجلال) وآخرون بإتيان أمره أي عذابه كقوله في آية أخرى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ أي فهو بمعنى ما جاء من التخويف بعذاب الآخرة في الآيات الكثيرة الموافقة لهذه الآيات في أسلوبها.
وحق ما ذهب إليه (الجلال) في تفسيره، فإن هذا الاستعمال من أساليب العرب المعروفة من حذف المضاف وإسناد الفعل إلى المضاف إليه مجازًا.
فهو على حد ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ﴾ .
ومن المفسرين من قال إن الإسناد حقيقي وإنما حذف المفعول للعلم به من الوعيد السابق، أي هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم به من الساعة والعذاب؟
وعَدَّه آخرون من المتشابهات فقالوا إن الله تعالى يأتي بذاته ولكن لا كإتيان البشر بل إتيانه من صفاته التي لا نبحث عن كيفيتها اتباعًا للسلف.
وأما تأويل الإتيان بما نقله البيهقي عن الأشعري فلا نذكره لأنه مما يزيد المعنى بعدًا عن الفهم.
وقد يقال إنه ليس من مقتضى مذهب السلف أن يجعل كل ما يسند إلى الله تعالى من المتشابهات التي لا تفهم بحال، ولا تفسر ولو بإجمال، فحسبنا أن نقول على رأي من فسر إتيان الله هنا بإتيان أمره وما وعد به من العذاب، أو إتيانه بما وعد به إننا نفوض إليه تعالى كيفية ذلك وبذلك نكون على طريقة السلف في التفويض، مع العلم بأن الله تعالى ينذر الذين زلوا عن صراطه وفرقوا دينه بأمر معروف في الجملة لا بشيء مجهول مطلق.
ومما يدلنا على أن المراد بالآية ما ذكرنا قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا ﴾ مع الآيات الكثيرة الناطقة بأن قيام الساعة وخراب العالم يكون ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ﴾ وانتشرت كواكبها إلخ، وإنما يأتي بذلك الله تعالى بتغيير هذا النظام الذي وضعه لارتباط الكواكب وحفظ كل كوكب في فلكه.
وأما ظلل الغمام فهي قطع السحاب الأول وهي جمع ظلة بالضم كغرف جمع غرفة وهي ما أظلك، والثاني جمع غمامة كسحاب وسحابة وزنًا ومعنى، سمي بذلك لأنه يغم السماء أي يسترها وخص بعضهم الغمام بالسحاب الأبيض، وزاد بعض آخر الرقيق، وفيه أن الأبيض الرقيق لا يمطر والعرب تسمي البرد حب الغمام.
وذكر المفسرون أن إتيان أمر الله أو عذابه في الغمام عبارة عن مجيئه من حيث ترجى الرحمة بالمطر، وذلك أبلغ في تمثيل هول العذاب وفظاعته لأن الخوف إذا جاء من موضع الأمن كان خطبه أعظم، والعذاب إذا فاجأ من حيث ترجى الرحمة كان وقعه آلم، كما وقع لعاد قوم هود ﴿ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ وهو مبني على أن الغمام مظنة المطر، والظاهر أن من قال إن الغمام هو السحاب الأبيض لا يعني به تلك السحائب البيض الرقاق المرتفعة التي تظهر في أيام الصيف وإنما أراد به ذلك السحاب المسف لثقله بالمطر الذي هو أقرب إلى البياض منه إلى السواد.
إن الحكمة في نزول العذاب في الغمام إنزاله فجأة من غير تمهيد ينذر به، ولا توطئة توطن النفوس على احتماله، وذلك أبلغ في هوله -"ما من دهي بالأمر كالمعتد"- وهو ذلك الغمام الذي يحدث عن تخريب العامل فجأة، فيأتيهم العذاب قبل أن يتبدد الغمام الناشئ عن الخراب.
وهذا القول يتفق مع الأول وهو أقرب إلى معنى قوله تعالى ﴿ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ﴾ .
ويجب أن تكون هذه الآيات عبرة للمؤمن ترغبه في المبادرة إلى التوبة، لئلا يفاجئه وعد الله تعالى وهو غافل، فإن لم يفاجئه قيام الساعة العامة التي بها يهلك هذا العالم كله، فاجأه قيام قيامته بموته بغتة، فإن لم يمت بغتة جاءه مرض الموت بغتة، حتى لا يقدر على العمل، وتدارك الزلل.
وإذا جرينا على هذه الطريقة التي أرشدتنا إليها الآية السابقة على الوجه الأول في تفسيرها فحملنا بعض الآيات على بعض واستخرجنا المعنى من مجموعها كان لنا أن نقول: إذا وقعت الواقعة، وقرعت القارعة، وكورت الشمس، وتناثرت الكواكب، وانشقت السماء شقًا، ورجت الأرض رجًا، وبست الجبال بسًا فكانت أولًا كالعهن المنفوش ثم صارت هباء منبثًا، فإن مادة هذا الكون تعود كما كانت قبل التكوين أي مادة سديمية وهي ما عبر عنه في بدء التكوين بالدخان، وفي الحكاية عن الخراب بالغمام.
وإن كثيرًا من علماء الهيئة الغربيين ليتوقعون خراب هذا العالم بقارعة تحدث من اصطدام بض الكواكب ببعض بحيث تبطل الجذب العام، الذي به قام هذا النظام، وهو في معنى ما ورد من تشقق السماء بالغمام، وهذا المعنى لم يكن يخطر ببال أحد على عهد نزول القرآن.
وأما إتيان الملائكة هنا فهو بمعنى نزولهم في قوله: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا ﴾ أي وتأتيهم الملائكة الموكلة بكل ما قضاه الله يومئذٍ.
وقوله ﴿ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ﴾ جملة حالية أي كيف ينتظرون غير ذلك وهو أمر قضاه الله وأبرمه فلا مفر منه ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ فيضع كل شيء في موضعه الذي قضاه، فهو الأول ومنه بدأت الأشياء، وهو الآخر وإليه ترجع وتصير، وهو بكل شيء محيط ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ .
وإذا كان كل ما سنه الله تعالى من النظام لخلقه حتمًا مقضيًا لا يضل واضعه ولا ينسى، فعلى من زل عن صراطه واتبع خطوات الشيطان أن يبادر بالتوبة والرجوع إلى الحق قبل أن يحيق به زلله، ويبسله عمله، وقبل أن تقوم قيامته أو قيامة الناس أجمعين، فيجازى على زلله ﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ وأجدر الناس بالمبادرة إلى هذه التوبة علماء الأمة الذين أبسلوها بخلافهم وتفرقهم، فعليهم أن يحكموا كتاب الله وسنة رسوله فيما شجر بينهم من غير تعصب ويسلموا تسليمًا.
ووجه آخر في تفسير الإتيان..
ذلك أن من الناس من يؤمن بالله تعالى وصحة دينه إيمانًا موافقًا لما جاء في كتابه ويكون في إيمانه على حق اليقين، والاطمئنان الذي لا زلزال فيه ولا اضطراب، وأهل هذا اليقين هم الذين يقال إن الله حاضر عندهم وإنه معهم أينما كانوا، لأن معرفته ثبتت في عقولهم، والتوكل عليه قد لابس قلوبهم، وهم الذين قال قائلهم: لو كشف الحجاب ما ازددت يقينًا.
ومنهم من ليس له تلك المعرفة وهذا اليقين، فلا يقال إن الله عندهم لأن ما حضر في عقله هو غير ما وصف الله تعالى به نفسه، وشهدت به آياته في كتابه وآياته في خلقه، ثم هو ليس على يقين مما عنده، أولئك أصحاب الظنون وأرباب الشكوك، وحملة التقاليد الذين زلوا من بعد ما جاءتهم البينات، فاتخذوا بينهم وبين الله حجابًا ووسطاء، وشبهوه بخلقه في كثير من الشؤون، فهم غائبون عن الله تعالى ومحجوبون عن ربهم، بحيث لا تطوف معرفته الحقيقية بعقولهم، ولا تلابس عظمته وكماله قلوبهم، فإذا كان يوم القيامة وكشف الحجاب عرفوا الله ربهم الحق، وتبين لهم ما كانوا عليه من الباطل، فذلك إتيان الله لهم، أي يأتيهم من معرفته ما كانوا غائبين عنه ومحرومين منه في الدنيا.
والإتيان يكون في المعقولات كما يكون في المحسوسات، فلا حاجة إلى التأويل.
إن هؤلاء الزالين عن صراط الله تعالى صنفان: صنف اعتقدوا الباطل حقًا فلم يعرفوا حقيقة التوحيد ورجوع كل أمر إلى من أعطى كل شيء خلقه على سنن ثابتة، ولا غير التوحيد من أصول الإيمان، وصنف اتبعوا الظن، وهاموا في أدوية الوهم، فلم يكونوا على بينة من هذا الأمر، فإذا ما تجلى الله تعالى في ذلك اليوم على الأرواح، وزالت الحجب التي كانت دونها في سجن الأشباح زال جهل الجاهلين، وانكشف ظن الظانين، وبطل وهم الواهمين، وعرف الجميع رب العالمين بما جاءهم من الحق اليقين، فذلك مجيء الله تعالى وإتيانه في يوم الدين، هذا ما تجلى به مسألة الإتيان على مذهب السلف.
وأما كون هذا الإتيان في ظلل من الغمام فهو من الأمور الأخروية الغيبية التي قلنا مرارًا إننا لا نبحث عن حقيقتها، فكون معرفة الله تعالى واليقين به مما يحصل للجاهلين والغافلين بحصول ظلل من الغمام نفوض سره إلى الله تعالى، وما يدرينا أن في ذلك الغمام آيات بينات، وحججًا باهرات، وإتيان الملائكة على هذا التأويل أظهر منه في التأويل الأول، لأن المقام مقام تمثيل ظهور سلطان الله تعالى وعظمته، واستغراق القلوب في الخضوع لجلاله عندما يغشاها نور معرفته، ولا ريب أن حضور الملك في جنده الأكبر، هو أبين لكمال العظمة وأظهر، ولذلك قال في سورة الفجر: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ وقال في سورة النبأ ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
تقدم أن قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾ وجهين: (أحدهما): أن المراد بالذين آمنوا أهل الكتاب.
(وثانيهما): أن المخاطب بها المؤمنون من المسلمين.
وقوله ﴿ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾ ظاهر على كلا الوجهين فهو على الأول بيان لحقيقة حالهم، وأن الآيات والنذر لا ترجعهم عن ضلالهم، فإذا استمروا على الجحود والخصام، وأعرضوا عن الدعوة إلى الدخول في الإسلام، فليس ذلك بدعًا منهم، ولا دليلًا على أن الإسلام غير بَيِّن لهم، فكم جاءهم أنبياؤهم بالآيات البينات، وكم بلاهم الله تعالى بالحسنات والسيئات، ولم يغن ذلك عنهم، ولا صدهم عن خلافهم وشقاقهم، بل بدل الذين كفروا منهم قولًا غير الذي قيل لهم، وبدلوا نعمة الله كفرًا، ﴿ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ ﴾ عليه بالآيات الدالة على الحق، والوحدة الداعية إلى الشكر ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ ﴾ بالبيان، وأبرأت بالبرهان، يجعلها مثارًا للتفرق والاختلاف وجعل الأمة الواحدة شيعًا وأحزابًا ومذاهب وفرقًا بسوء التأويل وعصبيات الرياسة والسياسة ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ لمن تنكب سنته، وخالف شرعته، وهؤلاء المبدلون منهم، فالعقاب الشديد نازل لا محالة بهم، ولم يقل فإن الله يعاقبهم ليشعرنا بأن هذا من سنته العامة، فحذرنا أن نكون من المخالفين المبدلين، توهمًا أن العقاب خاص ببعض الغابرين، كما يلغو كثير من الجاهلين، فأنت ترى أن هذه الجملة في معنى قوله ﴿ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ والتقييد بمجيء البينات والآيات دليل على أن من لم تبلغه الدعوة الصحيحة بالبينة والدليل لا يخاطب بهذا الوعيد، فحسبه حرمانه من هداية الأنبياء عليهم السلام، فكيف يطالب مع ذلك بما لا يعلم، ويجعل مع من عاند الحق من بعد ظهوره له في قرن.
وفي هذه من الهداية أيضًا بيان أمر عظيم يغفل عنه العلماء والأذكياء، وهو أن الآيات والبينات إنما تفيد النفوس الخيرة المستعدة لقبول الحق المتوجهة إلى طلبه، وأما النفوس الخبيثة التي يفضحها الحق ويظهر باطلها الذي تحب ستره، والاسترسال فيما هي فيه من اللذة الحسية والجاه الباطل، فإن الآيات والبينات لا تزيدها إلا مماراة وجدلًا في القول وجحودًا وعنادًا بالفعل، هذه سنة الله تعالى في البشر عامة، لا في بني إسرائيل خاصة كذلك كان وكذلك يكون وسيكون وسوف يكون إلى ما شاء الله.
وأما تفسير الآية على الوجه الآخر المختار في المخاطبين بالدخول في السلم فهو أنها هادية إلى الاعتبار بسنة الله تعالى في الأمم الماضية على ما بينا آنفًا، كأنه يقول يا أيها المؤمنون بمحمد ، عليكم بالدخول في السلم والاتفاق، والاعتصام بالإسلام في جملته، لا تفرقوه ولا تتفرقوا فيه وتكونوا شيعًا، كيلا يصيبكم ما أصاب أولئك الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات من قبلكم، وهؤلاء بنو إسرائيل بين أيديكم، وحالهم لا تخفى عليكم، فسلوهم حالهم، واستنطقوا آثارهم، واقرؤوا تاريخهم، تروا أنهم أوتوا نحوًا مما أوتيتم من البينات، وأمروا كما أمرتم بالاتحاد والاجتماع، فتفرقوا إلى مذاهب وشيع، وزلوا عن صراط الله فتفرقت بهم السبل فأخذهم الله بعزته ونفذ فيهم حكم سنته، وزال سلطانهم، ولفظتهم أوطانهم وضربت عليهم الذلة والمسكنة ومزقوا في الأرض كل ممزق.
والآية على كلا الوجهين عبرة للمخاطبين بالقرآن من المؤمنين به لا حكاية تاريخية عن بني إسرائيل.
ولكن هل يعتبر بها المنتسبون إلى القرآن؟
وهل يفهمون منها أن ملكهم الذي يتقلص ظله عن رؤوسهم عامًا بعد عام، وعزهم الذي تتخطفه منهم حوادث الأيام ما بدلهما الله تعالى إلا بعد ما بدلوا نعمته عليهم في قولهم: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ ؟؟
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ كلا إنهم لم يفهموا هذا ولو تغنوا وترنموا بهذه الآيات في كل مأتم وكل موسم، وإن رؤساءهم لا يمقتون أحدًا مقتهم لمن يذكرهم به، وإن أكثر عامتهم تبع لهؤلاء الرؤساء كما كان بنو إسرائيل على عهد نزول القرآن، وإنا لنعلم أن الساكتين منهم على جميع ما مني به المسلمون من البدع والخرافات والفسوق والعصيان، يتفقون مع المدافعين عن الفاسقين والمبتدعين على إيذاء الواعظين الناصحين، باسم المدافعة عن الدين، والسبب في هذا وأمثاله لم يفرط فيه الكتاب المبين، بل هو ما هدانا الله تعالى إليه بقوله: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ هذا بيان معلل لما قبله من الوعيد لمن يبدل نعمة الله كفرًا، ولا سيما نعمة الله تعالى في هداية الملة إلى وحدة الأمة، فالكفر فيها هو كفر النعمة لا إنكار وجود الله تعالى ولا الشرك به كما زعم (الجلال) وغيره، وسببه الافتتان بزينة الحياة الدنيا الزائلة وإيثارها على حياة الآخرة الباقية، والمقام مقام الأمر بالاتفاق في الدين والأخذ بجميع أحكامه وشرائعه والنهي عن التفرق فيها، والمسلمون هم المخاطبون بالوعيد على التفرق واتباع خطوات الشيطان على رأيه وتفسيره وهو المختار.
فبعد أن أمرنا تعالى ونهانا وتوعد من يزل عن سبيله منا بعد ما جاءنا من البينات، ذكرنا بحال من سبقنا من أهل الكتاب الذين نزل بهم عذاب التفرق والخلاف في الدنيا ولم يمنعه عنهم أنهم أهل الكتاب وأنهم منتمون إلى نبي مرسل وعندهم شريعة إلهية، وذلك أنهم لم يجتمعوا على الكتاب لاختلاف أئمتهم وأحبارهم في التأويل والتأليف، وكان كل فريق منهم يعتذر عن تركه العمل بالتوراة بأنه متبع لبعض الأحبار الذين هم أعلم منه بها.
بعد هذا كله يسأل سائل كيف يختلف الناس في دينهم ويتفرقون شيعًا بعد مجيء البيانات المانعة من ذلك؟
فهذه الآية جواب لهذا السؤال، وحل لما فيه من الإشكال، ملخصه أن حب الدنيا والغرور بزينتها، يصرفان جميع قوى النفس إلى التفاني في طلبها، وبذلك تنصرف عن النظر الصحيح في آيات الحق وبيناته: أما الرؤساء فإنهم ينصرفون إلى حب الامتياز والشهرة والاستعلاء على الأقران، ولا يكون ذلك إلا بالخلاف، وانتصار كل رئيس لمذهب والذب عنه بالجدل والتأويل، وأما المرؤوسون فإن كل فريق منهم ينتمي إلى رئيس يعتز به ويقلده دينه، ولا يستمع قولًا لمخالفه، ويربط كلًا منهما بالآخر الاشتراك في المصالح الدنيوية، فحب الدنيا هو علة العلل ورأس كل خطيئة.
وقد تقدم شرح ارتباط الرؤساء بالمرؤوسين في تفسير ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ﴾ الآيات.
وما ذكرناه هنا قاض بأن يختص الذين كفروا بمن أوتوا كتابًا وجاءتهم بينات تجمع كلمتهم وتحقق وحدتهم، ففصموا بالخلاف عروتها، ومزقوا بالتفرق نسيج وحدتها، وذلك كفر بهذه النعمة، وتبديل لها بالنقمة، ويدلك على أن الكلام لا يزال في مسالة الخلاف والوفاق في الدين الآية التالية لهذه فإنها مبنية لأصل الخلاف في الدين، منذ بعث الله النبيين.
جملة ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلخ في معنى قوله تعالى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ ابتلاهم فغرت أقوامًا زينتها، وفتنتهم بهجتها، فانصرفت همتهم إلى الاستمتاع بلذاتها، وانحصرت أفكارهم في استنباط الوسائل لشهواتها، ومسابقة طلاب المال والجاه عند أربابها، ومزاحمة الطارقين لأبوابها، فلم يبق فيها سعة لطلب شيء آخر وإن لم يكن معارضًا لهم فيما يرغبون، وحائلًا بينهم وبين ما يشتهون، فما بالك بطلب الحق، والتطلع إلى حياة بعد هذه الحياة، والحق ينعي عليهم إسرافهم في أمرهم، ويطالبهم بحقوق عليهم لغيرهم، والتطلع إلى حياة أخرى يزعزع من سكونهم إلى لهوهم، ويغض شيئًا من تعاليهم في زهوهم، بل يكدر عليهم بعض صفوفهم، ويقف بهم دون شأوهم، ومن لم يطلب الحق من طريقه بإخلاص وإنصاف لا يجده ولا يتفق مع أهله، وأنى للمفتونين بالزينة الإخلاص والإنصاف؟.
والمراد بالذين كفروا هنا من لا يؤمنون بالحقوق المشروعة لله وللناس إيمان إذعان وانقياد، بل يؤثرون الحياة الدنيا على ما عند الله تعالى من النعيم المقيم، لا المشركون أو الكافرون في عرف بعض الناس كالذين لا يسمون مسلمين، كما أن القرآن لا يعني بالمؤمنين الناجين طائفة يسمون أنفسهم أو يصفونها بالإيمان أو الإسلام، وإنما يعني بهم أولئك الموقنين بما عند الله، الذين يؤثرون الحق على كل ما يعارضه من شهواتهم ولذاتهم، وإذا عثر أحدهم فعمل السوء بجهالة يتوب من قريب.
وانظر سائر ما عرف الله تعالى به المؤمنين والكافرين من النعوت والأوصاف يظهر لك هذا.
وأظهر أوصاف الكافر أن تكون زينة الدنيا أكبر همه يؤثرها على كل شيء حتى إن أمر الدين لا يزحزحه عن شيء يقدر عليه من هذه الزينة ومتاعها بلا معارض من الدنيا، كحاكم يزع، أو إهانة تتوقع، لأنه لا يقين له في الآخرة.
فإن كان منتسبًا إلى دين فما دينه إلا تقاليد وعادات، وخواطر تتنازعها الشبهات، وتتجاذبها الشكوك والتأويلات، ومنهم من يسلم تقليدًا بأن هنالك آخرة فيها نعيم خاص بأهل ملته، وإن كانوا على ما وصف الله الكافرين، وضد ما نعت المؤمنين، كما كان اليهود في زمن التنزيل وقد أطلق القرآن عليهم اسم الإيمان في مواضع منها الآية السابقة قريبًا على قول بعض المفسرين وفي غيرها أيضًا كقوله في أهل الكتاب عامة من آخر سورة الحديد ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾ إلخ وأطلق عليهم اسم الكفر في مواضع كثيرة.
وذلك أن للإيمان -كما ذكرنا قبل- إطلاقين فيطلق على المؤمن الموقن المذعن للعمل والاتباع، ويطلق على من يصدق تقليدًا بأن للعالم إلهًا أرسل رسلًا وينتسب إلى بعضهم وإن لم يكن على يقين في إيمانه، وبصيرة في دينه، وحسن اتباع لنبيه، بل هو على خلاف ذلك كما تقدم، وهؤلاء قد يكونون في عرف القرآن كافرين وذكر من علامتهم الافتتان بزينة الحياة الدنيا فهم يعدون الكياسة الانغماس في نعيمها ويرون الفضل في الاستكثار من فضولها ﴿ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ إيمانًا حقيقيًا يحمل على العمل، يسخرون من فقرائهم لأنهم محرومون من زينتهم وإن كانوا راضين من الله مغبوطين بما منحهم من الإيمان والرجاء بالآخرة، ومن أغنيائهم لأنهم لا يتنوقونفي النعيم، بل يرون الكياسة في الاستعداد لما بعد الموت بترقية النفس بالاعتقاد الصحيح المؤيد بالبينات والتحلي بالفضائل وأحاسن الأخلاق، ويعدون الفضل في القيام بحقوق الناس وخدمة الأمة، والإفاضة من فضل المال على العاجزين والبائسين.
وكلما أنفقوا في سبيل الله درهمًا، عده أولئك المستهزئون مغرمًا.
قال تعالى ردًا على هؤلاء الساخرين يرون أنهم، في زينتهم ولذاتهم، خير من أهل اليقين في نزاهتهم وتُقَاتهم ﴿ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ فإذا استعلى بعضهم على بعض المؤمنين طائفة من الزمن في هذه الحياة القصيرة الفانية، مما يكون لهم من الاتباع والأنصار والمال والسلطان، فإن المؤمنين المتقين يكونون أعلى منهم مقامًا يوم القيامة في تلك الحياة العلية الأبدية، ولم يقل: والذين آمنوا فوقهم.
لأن هؤلاء المفتونين بزينة الحياة الدنيا يدعون الإيمان، لأنهم ولدوا ونشأوا بين قوم يدعون بأهل الإيمان وأهل الكتاب، فالله يرشدنا إلى أنه لا اعتداد بالإيمان في الآخرة إلا إذا صحبته التقوى، وكانت أثرًا له في النفس والعمل الصالح ﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ﴾ ، ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ﴾ ، والآيات في هذا كثيرة جدًا ولكن الذين يزعمون أن النجاة في الآخرة والدرجات العلى فيها تحصل بمجرد اللقب والجنسية، أو بعض التقاليد التي لا أثر لها في النفس، لا يلتفتون إلى مثلها، وإذا قيل لعظمائهم فيها، واحتج عليهم بها، طفقوا يحرفون ويؤولون، ويدعون أنها نزلت في الكافرين وهم مسلمون.
أو يقولون هكذا قال شيوخنا وإنما نحن مقلدون.
وهؤلاء الداعون إلى الكتاب ضالون مضلون، لأنهم يدعون لاجتهاد في الدين.
وقد أقفل علماؤنا بابه منذ مئين من السنين.
ذكر تعالى ما يمتاز به المؤمن المتقي على الكافر بتبديل النعمة وتفريق الكلمة، وهو العلو في دار الكرامة، ثم أخبرنا أن رزق الدنيا ونعيمها ليس خاصًا فيها بتقي ولا شقي بل هو مبذول لكل أحد وأنه قد يأتي من حيث لا يظن المرء ولا يحتسب فقال ﴿ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ الحساب التقدير أي من غير تقدير له على حسب الإيمان والتقوى والكفر والفجور.
وفيه وجه آخر وهو أنه كناية عن السعة وعدم التقتير والتضييق كقولهم: ينفق فلان بغير حساب.
أي ينفق كثيرًا.
والمعنى أنه بذل العطاء في الدنيا لكل أحد بخلق الأرزاق وإقدار الناس على الكسب: وقيل إن المعنى بغير حساب عليه من أحد، فهو الذي خلق ورزق وهو الذي قدر فهدى من غير محاسبة أحد ولا مراجعته، وقد بسط معنى هذا الكلام في آيات أخرى قال تعالى في سورة الإسراء ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾ .
فأنت ترى أنه لم يشترط السعي لرزق الدنيا لأنه قد يأتي بلا سعي كإرث وهبة ووصية وكنز، أو ارتفاع لأثمان ما يملك من عقار وعروض بأسباب عامة.
واشترط للآخرة السعي مع الإيمان كما خصها هنا بالذين اتقوا من المؤمنين لأن الكلام فيهم.
ثم ذكر أن عطاءه واسع مبذول لكل أحد ليس فيه حظر من الله تعالى فللمشمر تشميره، وعلى المقصر تقصيره، وفي الحساب هنا وجه آخر وهو الاحتساب والتقدير من جانب العبد فيكون بمعنى قوله تعالى في سورة الطلاق ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ .
إن الرزق بغير حساب ولا سعي في الدنيا إنما بالنسبة إلى الأفراد فإنك ترى كثيرًا من الأبرار وكثيرًا من الفجار أغنياء وموسرين متمتعين بسعة الرزق، وكثيرًا من الفريقين فقراء معسرين، والمتقي يكون دائمًا أحسن حالًا وأكثر احتمالًا ومحلًا لعناية الله تعالى به فلا يؤلمه الفقر كما يؤلم الفاجر، فهو يجد بالتقوى مخرجًا من كل ضيق، ويجد من عناية الله رزقًا غير محتسب وأما الأمم فأمرها على غير هذا، فإن الأمة التي ترونها فقيرة ذليلة معدمة مهينة لا يمكن أن تكون متقية لأسباب نقم الله وسخطه بالجري على سنته الحكيمة وشريعته العادلة، ولم يكن من سنة الله تعالى أن يرزق الأمة العزة والثروة والقوة والسلطة من حيث لا تحتسب ولا تقدر، ولا تعمل ولا تدبر، بل يعطيها بعملها، ويسلبها بزللها.
ولذلك أمرنا تعالى بالدخول في السلم كافة، ومنحنا على ذلك البينات الكافية.
وضرب لنا الأمثال.
وتوعدنا بالوعيد بعد الوعيد.
ثم بيّن لنا منشأ الاختلاف في البشر لنكون على بصيرة فقال: <div class="verse-tafsir"
تطلق الأمة في كتاب الله تعالى بمعنى الملة أي العقائد وأصول الشريعة كما في قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ .
بعد ما ذكر من شأن جماعة الأنبياء صلوات الله عليهم وكما قال في سورة المؤمنين: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴾ رجح كثير من المفسرين أن المراد من الأمة في الآيتين الملة، أي العقائد وأصول الشرائع، أي أن جميع الأنبياء ورسل الله على ملة واحدة ودين واحد كما قال: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ وقال كثير منهم إن الأمة في هذه الآية بمعنى الجماعة كما هي في قوله تعالى: ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ ، أي جماعة وكما في قوله: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ ولا تكون بمعنى الجماعة مطلقًا وإنما هي بمعنى الجماعة الذين تربطهم رابطة اجتماع يعتبرون بها واحدًا، وتسوغ أن يطلق عليهم اسم واحد كاسم الأمة، وتكون بمعنى السنين كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ ﴾ وفي قوله: ﴿ وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ ، وبمعنى الإمام الذي يقتدى به كما في قوله: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ ﴾ وبمعنى إحدى الأمم المعروفة كما في قوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ وهذا المعنى الأخير لا يخرج عن معنى الجماعة على ما ذكرنا وإنما خصصه العرف تخصيصًا.
وقد حمل جمهور من المفسرين لفظ الأمة في هذه الآية على الملة، ثم اختلفوا فيما كانت الملة فقال جمهورهم إنها ملة الهدى والدين القويم، فيكون معنى الآية في رأيهم (كان الناس أمة) أي ملة (واحدة) قيمة الدين صحيحة العقائد جارية في أعمالها على أحكام الشرائع ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ ولما وجدوا أن المعنى لا يكون قويمًا لأنه لا معنى لإرسال الرسل إلى الأمم الصالحة المهتدية ليحكموا بينهم فيما يختلفون فيه، إذ لا يتأتى الاختلاف الذي يحتاج في رفعه إلى رسالة الرسل مع استقامة العمل والوقوف عند حدود الشرائع، قالوا لابد من تقدير في العبارة فيكون الكلام: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، والقرينة على هذه القضية المقدرة قوله فيما بعد ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ وأنت ترى أن هذا بمنزلة أن تقول: كان زيد عالمًا فبعثت إليه من يعلمه ما كان نسيه من معلوماته، أو كان عاملًا فأرسلت إليه من يعظه في العَوْد إلى ما ترك من عمله، وتقول إن كلامي على تقدير كان عالمًا فنسي أو كان عاملًا فترك العمل فبعثت إليه أو أرسلت إليه إلخ وهو مما لا يقبله ذوق عربي، فإذا كنت لا تراه لائقًا بكلامك فكيف تجده لائقًا بكلام الله، أبلغ الكلام، وأولى قول بملك العقول والأفهام، ومما استدلوا به على صحة قولهم أن آدم كان نبيًا وكان أولاده على ملته هادين مهتدين إلى أن وقع التحاسد بين ولديه وكان من قتل أحدهما للآخر ما هو معروف، وأن الإنسان يولد على الفطرة السليمة والدين الحق، وإنما يعرض له ما ينحرف به عن الفطرة من تحكم الأهواء، وإغواء الشهوات، ورين الشبهات، ونحو ذلك، فلا ريب يكون للإنسان طور أول كانَ خيِّرًا عادلًا واقفًا عند الحق فيما يعتقدون وما يعمل، ثم يعرض عليه ما يعرض من الميل إلى الشر والقبيح من الأعمال، ولكن هذه الأدلة لا تغير شيئًا مما ذكرناه مختصًا بتأليف الكلام، على أنه قد عرض على أولاد آدم من بعده أطوار كثيرة بلغ بهم الجهل في بعضها أن كانوا ملة واحدة في الكفر وفساد الأعمال، كما كانت الحال لعهد نوح وعهد إبراهيم من بعده، والآية لم تحدد زمن كان الناس أمة واحدة، وغاية ما في الأمر أن يكون النبيون المبعوثون مخصوصين بغير آدم أو نوح مثلًا إذا حملت الأمة الواحدة على أمة الضلال، وملة الفساد والاعتلال.
ولذلك ذهبت طائفة أخرى وفي مقدمتهم ابن عباس وعطاء والحسن إلى أن الأمة الواحدة أمة الضلال، التي لا تهتدي بحق ولا تقف في أعمالها عند حد شريعة، واحتجوا على قولهم بهذا التعقيب في الآية فإنه جعل بعثه الرسل تابعة لوحدة الأمة، ولا تكون كذلك حتى تلك الوحدة قاضية بالحاجة إلى إرسالهم ليحكموا بينهم في الاختلاف الذي يقع فيهم بسبب الفساد في العقائد والذهاب مع الأهواء الضالة في الأعمال، واعتداء بعضهم على بعض لذلك، وانتهاكهم حرمة ما أمر الله برعاية حرمته، فيجب أن تكون وحدة الأمة وحدة في الباطل حتى يرد الحق عليه فيزهقه، وأما لو كانت الأمة واحدة في الهدي واتباع الحق فلا معنى لجعل بعثة الرسل مترتبة عليها كما هو ظاهر.
ودفعوا ما يقال: من أن آدم كان نبيًا وكان من أولاده من بقي على شريعته فكيف يقال: إن الناس كانوا أمة واحدة على الباطل، بأن الحكم على الغالب، فقد كان الناس لعهد نوح كفارًا إلا القليل منهم، ومن المعروف أنه يقال دار كفر لمن كان أغلب سكانها كفارًا وإن كان فيها مسلمون.
وقد يجاب بما تقدم ذكره من تخصيص النبيين بما بعد آدم ونوح من إبراهيم ومن بعده، ولكن المعنى كما تراه ليس مما تطمئن إليه النفس بعد النظر إلى آدم ورسالته، ومن بقي من أولاده على ملته.
وقال أبو مسلم والقاضي أبو بكر إن وحدة الأمة كانت فيما هو من مقتضى أصل الفطرة من الأخذ بما يرشد إليه العقل في الاعتقاد والعمل، فكان الناس يهتدون بعقولهم، والنظر المحض في الآيات الدالة على وجود الصانع ووجوب شكره، ثم كانوا يميزون الحسن من القبيح، والباطل من الصحيح، بالنظر في المنافع والمضار، أو الاتفاق مع ما يليق بالله على حسب ما يرشد إليه العقل أو ما لا يليق، ولا ريب أن استسلام الناس إلى عقولهم بدون هداية إلهية مما يدعو إلى الاختلاف، بل كثيرًا ما حالت الأوهام، دون الوصول إلى المراد من العقائد والأحكام، فيكون الاختلاف مفهومًا من معنى الوحدة على هذا التأويل وما سبقه ولهذا رتب عليها بعثة الأنبياء ليحكموا بما أنزل الله فيما اختلف فيه الناس.
وقد أورد القاضي على نفسه مسألة آدم ورسالته وأجاب عنها بأنه من الجائز أن يكون آدم وأولاده قد بدأ أمرهم على سنة الفطرة فكانوا من أهل النظر، ثم بعد أن كثر أولاده وظهر أن هداية العقل وحده لا تكفي في حفظ سلامة القلوب ولإصلاح الأعمال، أرسله الله إليهم بهداية إلهية من عنده، وأنه من المحتمل بل يكاد يكون من المحقق أنه طرأ على نسل آدم ما أنساهم شرعه فعادوا إلى استعمال عقولهم وحدها فعادت إليهم الوحدة فيما يؤدي إلى الاختلاف فبعث الله النبيين إلخ.
وتوقف قوم في معنى الأمة وقالوا لا حاجة إلى البحث في أنها كانت أمة هداية أو أمة ضلال أو أمة عقل، وهو قول غاية في الغرابة لأنه ذهاب إلى ترك فهم الآية الكريمة ومعنى ترتيب الأنبياء على وحدة الأمة، اللهم إلا أن يكون القائل قد أراد ما سيأتي لنا ذكره إن شاء الله تعالى.
وأغرب من هذا القول قول بعض المفسرين -ونقل عن مجاهد- أن الناس هم آدم وحده وأنه كان أمة يقتدى به، ولا ندري ماذا يقول أصحاب هذا القول في تفسير بقية الآية؟
نعوذ بالله من الخذلان.
ويزعم آخرون أن المراد من الآية أهل الكتاب الذين آمنوا بموسى ثم اختلفوا بغيًا بينهم فأرسلت إليهم الرسل بكتب تهذبهم كما أرسل داود بزبوره وعيسى بإنجيله ليردوهم إلى الحق فيما اختلفوا فيه، وهو تخصيص للناس وللنبيين بما لا دليل عليه البتة كما لا يخفى.
قال ابن العادل نقلًا عن القرطبي: ولفظة "كان" على هذه الأقوال على بابها من المضي ويحتمل أن تكون للثبوت، والمراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع وجهلهم بالحقائق لولا أن الله مَنَّ عليهم بالرسل تفضلًا منه فلا منه تختص بالمضي فقط بل يكون معناها كقوله ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ .
وقد قارب الصواب في هذا الاحتمال الثاني وهو الذي كان يذهب الذهن إليه لأول الأمر لولا ما يشتغل به من النظر في تلك الضروب من التأويل، فتفرق به السبل ويكاد يضل السبيل، ونحن ذاكرون لك إن شاء الله ما يجلي المعنى في الآية مقتفين أثر ابن العادل والقرطبي فيما قالاه في معنى ﴿ كَانَ ﴾ وأنها للثبوت لا للمضي، غير أنا نقدم لك ما جاء في كتاب الله من وصف الأمة بالواحدة، والمعنى من ذلك الوصف في مواضعه المختلفة، ليكون في ذلك توضيح لما نقصد، وسند لنا فيما إليه نعمد، والله الموفق.
ورد وصف الأمة بالواحدة في قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ﴾ جاءت هذه الآية الكريمة ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ ﴾ إلخ بعد ذكر جمع من الأنبياء صلوات الله عليهم وذكر ما كان من شأنهم مع قومهم والخطاب فيها للأنبياء كما يفسره قوله تعالى في سورة المؤمنون بعد ما ذكر من أحوال الأنبياء والمرسلين وما كان من أقوامهم معهم: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ وقد جاء لفظ ﴿ أُمَّةً ﴾ بالنصب في الآيتين على الحال، والخبر قد تم في قوله ﴿ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ ﴾ أي هذا الجمع من الأنبياء والمرسلين أمتكم أي جماعتكم حال أنها أمة واحدة، أي ليس جمعًا تربطه الروابط البعيدة كما يقال أمة الهند على اختلاف مللها وتفرق كلمتها، بل هي أمة تربطها رابطة قريبة هي رابطة الاهتداء بنور الله والدعوة إلى توحيده، والقيام على شرعه وحمل الناس على اتباع أحكامه، فهي مجتمعة على أمر واحد لا تعدد فيه هو الحق والعدل فهي جديرة بأن تكون أمة واحدة، وإن شئت قلت كما قالوا إن الأمة بمعنى الملة في الآيتين، يراد بذلك أن الله يخبر المرسلين بأن الذي سبق في الكلام من السير في الناس بهداية الله والمثابرة على ذلك وعدم المبالاة بما يكون منهم من تكذيب أو تثريب أو تعذيب، هذه هي ملتكم ودينكم وهو أمر واحد لا تعدد فيه، يأتي به السابق، ويتبعه عليه اللاحق، لا يختلف فيه نبي عن نبي ولا يناكر فيه مرسل مرسلًا.
هذا المعنى من الوحدة هو الذي جاء في قوله تعالى في سورة هود: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ وفي قوله في سورة الشورى ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ أي لو شاء ربك لخلق الناس على غريزة تميل إلى الحق، وفطرة يسطع فيها نور الهداية إليه بدون حجاب من الهوى والشهوة أو ظلمة الفكر وستر الغواية، فكانوا جميعًا على مثال الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم بإحسان، وكانوا بذلك من أهل السعادة وسكان دار النعيم، ولكن قضى ربك أن يخلق الإنسان إنسانًا يكله إلى فكره، ويدعه إلى سعيه وكسبه، فلا يزال يتخبط في الاختلاف، وسيجرهم الاختلاف إلى دار الشقاء، بعد الخزي في دار الفناء، إلا أولئك الذين رحمهم ربك من هداة العالمين، وقادة الناس إلى خير الدارين، ومن وفقه الله لاستجابة دعوتهم والاهتداء بسنتهم، فأدخلهم في رحمته، بعد ما شمل الظالمين بسخطه ونقمته.
ويفهم من هاتين الآيتين الكريمتين أن الناس لم يكونوا أمة واحدة قط لا بمعنى أنهم كانوا جميعًا على الخير والهدى، لأن الله خلق الإنسان على غريزة تبعد به عن الاتحاد على الحق والاتفاق على العدل، ولا بمعنى أنهم كانوا جميعًا على الضلال كما تراه من صريح النسق الشريف، فكان الناس ولا يزالون منهم المحسن والمسيء، والمهتدي والضال، سنة الله في هذا الخلق.
لكنك تجد في سورة يونس نصًا صريحًا في أن الله تعالى شاء أن يكون الناس أمة واحدة قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ولا يمكنك أن تحمل ﴿ كَانَ ﴾ على معناها من المضي لأن الحصر يبعد ذلك بالمرة، فالمراد منه أن الناس كانوا ولا يزالون أمة واحدة ونشأ عن هذه الوحدة نفسها اختلافهم، وكان الله سبحانه يقضي في الخلاف بإهلاك من ينحرف منهم عن سبيل الفطرة السليمة فلا يبقي من الناس إلا من استقام عليها، ولكن سبقت كلمته وثبت في علمه وتم في مشيئته أن يكون الناس في أمرهم كاسبين لسعيهم، مكلفين بالنظر فيما بين أيديهم من الآيات، وأن يكون منهم الضال والمهتدي والعادل والمعتدي حتى يوفي كلا جزاءه في الدار الأخرى.
ولهذا بعث فيهم الرسل عليهم الصلاة والسلام ليكونوا لهم أئمة في الإيمان وأسوة في العمل الصالح.
فهل يمكنك مع هذا أن تحمل وحدة الأمة على وحدة العقيدة والعمل كما حملتها على ذلك في الآيات الأخر؟
ليس ذلك بممكن لأن الناس ليسوا أمة واحدة بذلك المعنى بل هم مختلفون فلا ريب أنه يجب حمل وحدة الأمة على معنى آخر، وهو ذلك الذي نختاره في الآية التي نحن بصدد تفسيرها: خلق الله الإنسان أمة واحدة أي مرتبطًا بعضه ببعض في المعاش لا يسهل على أفراده أن يعيشوا في هذه الحياة الدنيا إلى الأجل الذي قدره الله لهم إلا مجتمعين يعاون بعضهم بعضًا، ولا يمكن أن يستغنى بعضهم عن بعض، فكل واحد منهم يعيش ويحيا بشيء من عمله، لكن قواه النفسية والبدنية قاصرة عن توفيته جميع ما يحتاج إليه، فلا بد من انضمام قوى الآخرين إلى قوته فيستعين بهم بعض شأنه كما يستعينون به في بعض شأنهم، وهذا الذي يعبرون عنه بقولهم"إنسان مدني بالطبع"، يريدون بذلك أنه لم يوهب من القوى ما يكفي للوصول إلى جميع حاجاته، بل قدر له أن تكون منزلة أفراده من الجماعة منزلة العضو من البدن، لا يقوم البدن إلا بعمل الأعضاء كما لا تؤدي الأعضاء وظائفها إلا بسلامة البدن.
فلما كان الناس أمة واحدة، ولا يمكن أن يكونوا بمقتضى فطرهم إلا كذلك، وهم إنما يعملون بمقتضى آرائهم، وينحون في أعمالهم نحو المنافع التي يرونها لازمة لقوام معيشتهم، ولم يمنحوا من قوة الإلهام ما يعرف كل منهم وجه المصلحة في حفظ حق غيره، لتوفير المنفعة بذلك لنفسه، لما كانوا كذلك كان لابد لهم من الاختلاف، وكان من رحمة الله بهم أن يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، وترتيب بعثة الرسل على وحدة الأمة في الآية التي نفسرها يكون على هذا المعنى: إن الناس أمة واحدة لابد لهم أن يعيشوا تحت نظام واحد يكفل لهم ما يحتاجون إليه مدة بقائهم في هذه الحياة الدنيا، ويضمن لهم ما به يسعدون في الحياة الأخرى، ولا يمكنهم في هذه الوحدة ومع تلك الوصلة اللازمة بمقتضى الضرورة أن يتقفوا على تحديد ذلك النظام مع اختلاف الفطر وتفاوت العقول وحرمانهم من الإلهام الهادي لكل منهم إلى ما يجب عليه لصاحبه، لما كانوا كذلك كان من لطف الله ورحمته بهم أن يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، يبشرونهم بالخير والسعادة في الدنيا والآخرة إذا لزم كل واحد منهم ما حدد له واكتفى بما له من الحق، ولم يعتد على حق غيره وينذرونهم بخيبة الأمل وحبوط العمل وعذاب الآخرة إذا اتبعوا شهواتهم الحاضرة ولم ينظروا في العاقبة.
هذه الآية الكريمة جاءت بمنزلة بيان الحكمة فيما سبقها من الأوامر الإلهية والأخبار السماوية.
أمر الله الذين آمنوا بنبيه وكتابه بأن يدخلوا في السلم كافة، وهو على أحد الوجوه السلام وعلى أحدهما الإسلام، والسلام هو الوفاق الذي ليس معه نزاع، ولا يليق بمن جاءته الهداية من ربه تبين له الطريق الذي يسلكه في معاملة إخوانه ومن يرتبط معه برابطة بعيدة أو قريبة من الناس أن ينحو في عمله نحو ما يدعو إلى الخلاف ويثير النزاع، بل الواجب عليه أن يقف عند ما حددته هداية الكتاب الإلهي والسنن النبوي والإسلام كذلك يدعوا إلى السلام - ثم بيّن سبب ما يقع من الاختلاف ويحرمهم حيطة النظام فقال ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ أي أن جاحد الحق والمعرض عن هداية الله له التي يسوقها إليه على أيدي رسله إنما ينظر في عمله إلى ما يوفر عليه لذاته في هذه الحياة الدنيا، فهو لا يسعى إلا إلى لذة عاجلة، ولا ينظر إلى عاقبة آجلة، ومن كان هذا شأنه كان أمره اختلافًا وشقاقًا، ورياء ونفاقًا.
ثم أراد الله تعالى أن يقيم الدليل على أن الاهتداء بهدي الأنبياء ضروري للبشر، وأنه لا غنى عنه مهما بلغوا من كمال العقل، فقال إن الله قضى أن يكون الناس أمة واحدة يرتبط بعضهم ببعض، ولا سبيل لعقولهم وحدها إلى الوصول إلى ما يلزم لهم في توفير مصالحهم ودفع المضار عنهم، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأيدهم بالدلائل القاطعة على صدقهم وعلى أن ما يأتون به إنما هو من عند الله تعالى القادر على إثابتهم وعقوبتهم، العالم بما يخطر في ضمائرهم، الذي لا تخفى عليه خافية من سرائرهم.
قال تعالى ﴿ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ الإتيان بهذه القضية بعد وصف الأنبياء بالمبشرين المنذرين يدل على أن التبشير والإنذار عمل سبق إنزال الكتب، وهو حق، لأن الأنبياء أول ما يبعثون ينبهون قومهم إلى ما غفلوا عنه، ويحذرونهم عاقبة ما يكونون فيه، من عادة سيئة أو خلق قبيح أو عمل غير صالح، فإذا تهيأت الأذهان لقبول ما بعد ذلك من تشريع الأحكام وتحديد الحدود، أنزل الله الكتب، لبيان ما يريد حمل الناس عليه مما هو صالح لهم على حسب استعدادهم، ثم في قوله ﴿ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ ﴾ وعود الضمير على جميع النبيين ما يفيد أن الله أنزل مع كل نبي كتابًا، معجزًا كان أو غير معجز، طويلًا كان أم قصيرًا، دوّن وحفظ أم لم يدون ولم يحفظ، ليؤدي من سلف إلى من خلف، وقوله ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ﴾ قرأ يزيد بضم الياء وفتح الكاف والباقون بفتح الياء وضم الكاف، وهي الرواية المشهورة المعروفة.
أما على رواية يزيد فالمعنى أن الله أنزل الكتب مع النبيين بالحق، أي بيان ما يجب أن يعتقد به مما هو منطبق على الواقع، وبيان ما يجب أن يعمل به مما هو صالح لا مفسدة فيه، ليقع الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه من الأمرين، والحاكم هو المتولي للفصل بين الناس في الخصومات بالنسبة إلى الأعمال، والمرشد إلى الصحيح العقائد على مقتضى ما جاء في الكتاب النازل بالحق، والمبين لما ينطبق على نصوصه من الأعمال التي يحكم فيها الحاكمون.
أما على القراءة المعروفة فالحكم مسند إلى الكتاب نفسه، فالكتاب ذاته هو الذي يفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، وفيه نداء على الحاكمين بالكتاب أن يلزموا حكمه، وأن لا يعدلوا عنه إلى ما تسوله الأنفس وتزينه الأهواء، فإن الكتاب نفسه هو الحاكم وليس الحاكم في الحقيقة سواه، ولو ساغ للناس أن يؤولوا نصًا من نصوص الكتب على حسب ما تنزع إليه عقولهم بدون رجوع إلى بقية النصوص وبناء التأويل على ما يؤخذ من جميعها جملة لما كان لإنزال الكتب فائدة، ولما كانت الكتب في الحقيقة حاكمة، بل تتحكم الأهواء وتذهب النفوس منازع شتى فينضم إلى الاختلاف في المنافع اختلاف آخر جديد وهو الاختلاف في ضروب التأويل، وبناء كل واحد حكمًا على ما نزع إليه، فتعود المصلحة مفسدة، وينقلب الدواء علة، ولِهذا رد الله تعالى الحكم إلى الكتاب نفسه لا إلى هوى الحاكم به وقال ﴿ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ لأن الاختلاف كان تابعًا لتلك الوحدة التي بيناها فكان كأنه لازم لها، وهو كذلك كما يبينه تاريخ البشر وما توارثوه عن أسلافهم.
وكما يقضي فيما اختلفوا فيه يقضي فيما يختلفون به من بعد، ونسبة الحكم إلى الكتاب هي كنسبة النطق والهدى والتبشير إليه في قوله: ﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ وكنسبة القضاء إليه في قول الشاعر: ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزل والسر في التجوز هو ما ذكرت لك.
وقد يعود الضمير على الله أي أنزل الله معهم الكتاب بالحق ليحكم سبحانه بين الناس فيم اختلفوا فيه، وهو يشعر كذلك بأن الحاكم يجب أن يكون هو الله دون آراء البشر وظنونهم التي لا ترد إليه جل شأنه.
﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ وقد عرفت فيما سبق أن الناس بحكم اشتراكهم في الأعمال وضرورة اشتباكهم في المعاملات عرضة للاختلاف في الحق، لأن عقولهم وحدها ليست كافية في الهداية إليه على الوجه الذي يحفظ جامعتهم من الاضطراب، ويؤدي بهم إلى السعادة العظمى في المآب، فلا يصح بعد ذلك أن يعود الضمير في ﴿ فِيهِ ﴾ إلى الحق فلا يقال وما اختلف في الحق إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات، فإن الحق يختلف فيه الناس قبل مجيء البينات الأولى، ولا أعجب مما ذكره بعض المفسرين من أن النص في الآية دليل على أن الناس لم يكن منهم اختلاف في الحق إلا بعد بعثة الأنبياء، وإرسال الرسل وإنزال الكتب.
أما فيما قبل ذلك فكانوا متفقين على الحق فكأن رذيلة الاختلاف والتفرق لم تقع في العالم الإنساني إلا ببعثة الرسل، والقول بمثله من أغرب ما ينسب إلى صاحب دين، فما بالك به إذا صدر عن مسلم؟!!.
والحق أن الضمير في قوله ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ ﴾ يعود إلى الكتاب وهو استدراك على ما عساه يقال: إذا كان الناس في جامعتهم مستعدين للتخالف بمقتضى فطرتهم إذا تركت وحدها، ولا غنى لهم عن هداية تعليمية تأتيهم من الله تعالى، ولهذا بعث الأنبياء ليكونوا قوادًا للفطرة إلى ما هو خير الدنيا والآخرة، فما بال الناس بعد إنزال الكتب لا يزالون مختلفين ولا يرتفع من بينهم ذلك الخلاف الذي كان يخشى منه إفساد جماعتهم وهلاك خاصتهم؟
فقد كانوا يختلفون على جلب المنافع والتوسع في مطالب الشهوات، ولم تكن لديهم في ذلك آلة يستعملها كل منهم في نيل مطلبه من صاحبه سوى القوة أو الحيلة، وبعد إنزال الكتب قد انضم إلى تلك الآلات آلة أخرى ربما كانت أقوى من سواها وهي آلة الإقناع بالكتاب، فيتخذ الواحد منهم كلمة من الكتاب أو أثرًا مما جاء به وسيلة إلى تسخير غيره لما يريد، وذلك بقطع الكلمة أو الأثر عن بقية ما جاء بالكتاب والآثار الأخر، ولَيِّ اللسان به وتأويله بغير ما قصد منه، وما هَمُّ المؤوِّل أن يعمل بالكتاب، وإنما كل ما يقصد هو أن يصل إلى مطلب لشهوته، أو عضد لسطوته، سواء عليه هدمت أحكام الله أم قامت، واعوجت السبيل أم استقامت، ثم يأتي ضال آخر يريد أن ينال من هذا ما نال هذا من غيره، فيحرف ويؤول حتى يجد المخدوعين بقوله ويتخذهم عونًا على ذلك الخادع الأول، فيقع الخلاف والاضطراب، وآلة المختلفين في ذلك هي الكتاب، وقد شوهد ذلك في الأزمان الغابرة بين اليهود وبين من سبقهم وبين النصارى، ولا يزال الأمر على ما كان عليه عند هاتين الطائفتين إلى اليوم، وكم حروب وقعت بين المسلمين أنفسهم حتى قصمت ظهورهم، ودمرت ما كان من قواهم وما كان آلة المبطلين في تلك المشاغب إلا دعوى الدين، وحمل الناس على الحق المبين.
والله يعلم أنهم لكاذبون فيما يقولون، وإنهم لخاطئون فيما يفعلون، وما كلمة الدين ودعوى تأييد الكتاب إلا وسائل لإرضاء الشهوة، وتمكين الظالم من السطوة.
ثم هناك داعٍ آخر للخلاف وهو اختلاف القوم في فهم ما جاء في الكتاب فكل يذهب إلى أن الواجب أن يعتقد كذا وربما كان حسن النية فيما يقول، ويعد المخالف مخطئًا فيما يزعم، وقد يعرض لكل منهم التعصب لرأيه فيذهب حُسْن النية ولا يبقى إلا الميل إلى تأييد المذهب، وتقرير المشرب، بدون رعاية للدليل ولا نظر إلى البرهان، فلم يستفد النوع الإنساني من إرسال الرسل ونزول الكتب إلا حدوث سبب جديد للخلاف لم يكن، وإلا موضوعًا للشقاق كان العالم في سلامة منه، فما فائدة إرسال الرسل وكيف يمن الله على الناس بأمر لم يزدهم إلا شقاء، ولم يكسب بصائرهم إلا عماء؟
أراد الله جل شأنه أن يستدرك على هذا الظن ويبين وجه الخطأ فيه فقال ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ ﴾ إلخ...
وحاصل الاستدراك أن غرائز البشر وحدها ليست كافية في توجيه أعمالهم إلى ما فيه صلاحهم، فلا بد لهم من هداية أخرى تعليمية تتفق مع القوة المميزة لنوعهم، وهي قوة الفكر والنظر، تلك الهداية التعليمية هي هداية الرسل منهم، والكتب التي ينزلها الله عليهم، مع الأدلة القائمة على عصمة الرسل من الكذب، وعصمة الكتب من الخطأ، فعلى الناس أن يستعملوا عقولهم في فهم الأدلة على الرسالة والعصمة أولًا، وسطوع الأدلة يحمل المستعدين منهم على التصديق حتمًا، فإذا عقلوا ما جاءت به الرسل وجب عليهم أن يقوموا عليه، ولا يعدلوا بعمل من أعمالهم عنه، ذلك كما وهب لهم السمع والبصر ليهتدوا بهما إلى ما يوفر لهم الفوائد، ويدفع عنهم الغوائل، ويتقوا بهما الوقوع في المكاره، وكما وهب لهم العقل ليهتدوا به فيما يتبع الأعمال من العواقب، وإنما عليهم أن ينظروا في فهم الأحكام الإلهية إلى جملتها ومجموع ما تفرق منها، لا يقصرون نظرهم على بعض ويغضون بصرهم عن بعض آخر، ثم عليهم أن يقفوا على حكمة الله في تشريع شريعته، ووضع ما قرره من الأحكام فيها بحيث لا يحيدون عن تلك الحكمة التي أشارت إليها كتبه، بل صرحت بها نصوصها لا يمنة ولا يسرة، حتى يتم لهم الاهتداء بها، فإن الغفلة عن حكمة العمل غفلة عن فائدته، والغفلة عن فائدته انصراف عن روحه التي لا يقوم إلا بها، غير أن عامة الخاطئين لا يمكنهم أن يصلوا إلى كل ذلك بأفهامهم على قصرها، وإنما ذلك فرض على الخاصة الذين قدمهم الرسل للنيابة عنهم، وهؤلاء هم الذين أُوتوه، وأعطاهم الله الكتاب على أن يقرروا ما فيه، ويراقبوا انطباق سير العامة عليه، ولذلك قال ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ ﴾ وفي آيات أخرى أن اختلافهم من بعد ما جاءهم العلم، والبينات هي الدلائل القائمة على عصمة الكتاب من وصمة إثارة الخلاف، وعلى أنه ما جاء إلا لإسعاد الناس والتوفيق بينهم، لا لإشقائهم وتمزيق شملهم، وعلى أن الحكمة الإلهية فيه راجعة إلى جميع ما جاء به، فلا بد أن يكون فهم كل جزء منه مرتبطًا بفهم بقية أجزائه، وعلى أن دعوة الرسول الذي جاء به إنما كانت إلى جملته، لا إلى الأنقاض المتفرقة منه، وقال إن هذا الاختلاف الذي وقع منهم لم يكن إلا بغيًا بينهم، وتعديًا لحدود الشريعة التي أقامها حواجز بين الناس والخلاف داعية البغي.
إن الحَبْر أو الكاهن أو العالم أو الرئيس أو أي واحد ممن تسميه من أهل النظر في الدين القائمين عليه الذين ينوبون عن الرسل في حفظه والدعوة إلى صيانته الواحد من هؤلاء يرى الرأي ويفهم الفهم ويأخذ الحكم من نص يقف عنده ذهنه، أو أثر يصل إليه، وربما لم يكن وصل إليه ما هو أصح منه، وآخر يرى غير ما يرى، ويزعم وصول أثر غير الذي وصل إلى صاحبه، فكان اتباع الكتاب يقضي عليهما بالاجتماع والتمحيص وتخليص النفس من كل هوى سوى الميل إلى تقرير الحق وتطبيق الواقعة عليه، ولو لم يتيسر لهما ذلك وجب على من يأتي بعدهما ما كان يجب عليهما، حتى يستمر الاتفاق بين هؤلاء الخاصة ويسود بهم بين العامة.
لكن قد يشوب طلب الحق شيء من الرغبة في عزة الرئاسة أو ميل مع أربابها أو خوف منهم أو شهوة خفية في منفعة أخرى فيلج ذلك بصاحب الرأي حتى يكون شقاق، ويحدث افتراق، ولا ريب أن هذا الشوب وإن كان قد يكون غير ملحوظ لصاحبه، بل دخل على نفسه من حيث لا يشعر، فهو من البغي على حق الله في عباده أولًا، والبغي على حقوق العباد الذين جاء الكتاب لتعزيز الوفاق بينهم ثانيًا، وأما العامة من الناس فلا جريمة لهم في هذا، ولذلك جاء بالحصر في قوله: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ فإذا كان الرؤساء قد جنوا هذه الجناية على أنفسهم وعلى الناس بسبب البغي الخاص بهم فهل هذا يقدح في هداية الكتاب إلى ما يتفق الناس عليه من الحق ويرتفع به النزاع فيما بينهم؟
كلا..
فقد رأينا كل دين في بدء نشأته يقرب البعيد، ويجمع المتشتت، ويلم الشعث، ويمحق أسباب الخلاف من النفوس، ويقرر بين الآخذين به أخوة لا تدانيها أخوة النسب في شيء.
وهل يؤثر الأخ في النسب أخاه بماله على نفسه وهو في أشد الحاجة إليه كما كان يفعل أولئك الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؟
وهل يبذل الأخ النسبي روحه دون أخيه ويؤثره بالحياة على نفسه كما آثره بالمال، كما كان يقع من أولئك الأبطال؟
هذا شأن الدين وهو باق على أصله، معروف بحقيقته لأهله، تبينه للناس رؤساؤه، ويمشي بنوره فيهم علماؤه، لا خلاف ولا اعتساف، ولا طرق، ولا مشارب، ولا منازعات في الدين ولا مشاغب.
هذا هو الدين الإلهي الذي قدر الله أن يكون هداية للبشر فوق الهدايات التي وهبها لهم من الحواس والعقول، فإذا لم يهتد بها الذين أوتوها وهم علماء الدين، وبغوا بالتأويل وكثرة القال والقيل، فهل يمس ذلك جانبها بعيب؟
ماذا يقول القائل في أولئك الذين يؤتيهم الله العقل ثم لا يستعملونه فيما أوتي لأجله؟
هل تنقص حالهم هذه من منزلة العقل وتدل على أن العقل ليس من نعم الله على الإنسان؟
ماذا يقول القائل في أولئك الذين لهم أبصار وأسماع ولكن يخبط الواحد منهم في سيره فلا يستعمل بصره في معرفة الطريق التي يسير فيها، أو في وقاية رجليه من الشوك الواقع عليها، أو التباعد عن حفرة يتردى فيها، وربما كانت نظرة واحدة تقيه من التهلكة لو وجهها نحوها.
وقد يسمع من الأصوات التي تنذره بالخطر القريب منه ثم لا يبالي بما يسمع، حتى يصيبه ما ليس له مدفع.
فهل تحط حال هؤلاء الناس من قيمة السمع والبصر؟
هذه الآية الكريمة ترفع من شأن الدين وتعلو به إلى أرفع مقام من مقامات الهدايات الإلهية، وتدفع عنه مطاعن أولئك السفهاء الذين تغشى أعينهم حجب الظواهر، فتقف بهم دون معرفة السرائر، يناديهم الحق، فلا يصل إليهم إلا صدى صوت الباطل، ثم يرفع النص الكريم مقام المؤمنين الصادقين، ويحلهم من الكرامة أعلى عليين، إذ يقول بعد ما ذكر جناية أهل الخلاف، ﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ الإذن هنا التيسير والتوفيق، والذين آمنوا هم أهل الإيمان الصادق في كل دين أو هم المؤمنون بمحمد ، وعلى كل فالله جل شأنه يخبرنا وهو أصدق القائلين بأن المؤمنين هم الذين يهتدون لما اختلف الناس فيه من الحق، أي يصلون إلى الحق الذي تختلف مزاعم الناس فيه، فيزعم كل واحد أنه عليه، وهو إما بعيد عنه بُعْد الباطل عن الحق، وإما على شيء منه غير أنه على حكم المصادفة والاتفاق، والذي حمله على زعمه إنما هو الهوى والميل إلى الشقاق، وهو في الحالتين على الباطل لأن موافقة الحق على غير بصيرة لا تعد هداية إليه.
الإيمان الصحيح له نور يسطع في العقول فيهديها في ظلمات الشبه ويضيء لها السبيل إلى الحق الذي لا يخالطه باطل، فيسهل عليها أن تميط كل أذى يتعثر فيه السالك، وقد يسقط به في مهاو من المهالك.
الإيمان الصحيح لا يسمح لصاحبه أن يأخذ بأمر قبل أن يتبصر فيه، ويمحص الدليل على أنه نافع له في دينه أو دنياه، ولا يدعي أمرًا حتى يشهد عنده البرهان أو العيان بأنه ليس مما يجب عليه أن يأتيه بحكم إيمانه.
الإيمان الصحيح يجعل من نفس صاحبه رقيبًا عليها في كل خطوة تمر بباله، وكل نظرة تقع منه على ما بين يديه من آيات الله في خلقه، ولا يطير الخيال بصاحب الإيمان الصحيح إلا إلى صور من الحق تنزل منه منزلة العبارة من معناها، فهو إذ اعتقد فإنما يعتقد ما هو مطابق للواقع، وإذا تخيل فإنما يتخيل صورًا تمثل ذلك الواقع وتجليه في أقوى مظاهره، بهذا يكون تيسير الله له الهداية إلى الحق الذي يختلف فيه الناس، فهو مطمئن ساكن القلب، وهم في اضطراب وحرب، تولوا عن هداية الله فحرموا توفيقه، وكفروا بنعمة العقل والدين، فعوقبوا عليها بفشو الشر، وفساد الأمر، والله لا يصلح عمل المفسدين، ولا فساد أعظم من الاختلاف في الدين ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ ، ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ﴾ ، ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ﴾ .
هذه آيات الله لا يعرض عنها إلا بعيد عن الله، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
هذه ما اخترنا من التأويل.
وهناك ما رمى إليه قول أبي مسلم الأصفهاني والقاضي أبي بكر، فيما نقلناه عنهما سابقًا، وهو أن الناس كانوا أمة واحدة على سنة الفطرة والتمسك بالشرائع العقلية فيما يعتقدون وما يعملون وما يتركون، والدليل على ذلك أن الفاء توجب التعقيب فيعلم من ذلك أن تلك الوحدة كانت متقدمة على جميع الشرائع الإلهية فلا تكون إلا الاستفادة من العقل، ولا بد لبيان ما رمى إليه قول الشيخين من بيان يطمئن إليه الجنان: ما جاءنا من أنباء الأمم وما رأيناه من آثارهم وما عرفناه من حال بعضهم اليوم يشهد شهادة لا يرتاب فيها من أُدِّيَتْ إليه أن العناية الإلهية سارت بالإنسان في جماعته كما سارت به في أفراده..
يخلق الله الفرد من البشر ضعيف القوة فاقد العلم لا يعرف شيئًا من أمره كما جاء في التنزيل: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ ثم أبواه أو من يكلفه سواهما يقوم عليه يقوي بنيته ويدفع عنه ما عساه يهدمها، ويعلمه كيف يسمع وكيف ينظر وكيف يتقي ببصره وسمعه ما تخشى عاقبة وقعه، إلى أن يبلغ من السن حدًا معلومًا يكون فيه الحس قد أعده لاستعمال قوة أخرى كانت لا تزال قاصرة فيه وهي قوة العقل، ويسهل عليه أن يفكر فيما مضى وينظر فيما حضر، ليعرف منها كيف يسلك في عمله لما يستقبل، فكمال استعداد العقل للنظر في شؤون الشخص هو منتهى نمو البدن، تلك السن هي المعروفة بسن الرشد.
لم يكن من متناول قوة الصبي في زمن الصبا الإحاطة بكنه الجمعية البشرية وما وضع الله فيها من الروابط المعنوية والمعاني الروحية التي تقوم بها بنية الاجتماع، ولم يكن من طوق مداركه أن تخترق هذا الكون المحسوس لتصل إلى معرفة مكنونه، ويشرق عليها نور وجوده الباهر، وإنما كان كل هم الصبي منصرفًا إلى تغذية جسمه ورياضة قواه البدنية، ولا يبالي بما وراء ذلك، وإذا ذكر له شيء من تلك المعاني العالية لم يتمثلها ذهنه إلا في صور من الخيال هي إلى الباطل أقرب منها إلى الحق.
كل ذلك معروف لكل من كان طفلًا ثم صار صبيًا ثم بلغ سنًا عرف نفسه فيها رجلًا عاقلًا، فلا حاجة بنا إلى الإطالة فيه.
على هذه السنة قادت العناية الإلهية جماعة البشر، لأن الحكمة قد قضت بأن يحيا الإنسان إلى أجله المحدود في جماعة من نوعه كما قدمنا لا مناص له عن ذلك.
هذه الجماعة هي التي تسمى أمة كما عرفت، ويمكنك أن تسميها بنية الاجتماع وتسمي كل فرد منها عضوًا من تلك البنية فكما ينشأ الفرد قاصرًا في جميع قواه ضعيفًا في جميع أعضائه، كذلك نشأت الجمعية البشرية على ضرب من السذاجة لا تبلغ بها إلى تناول الشؤون الرفيعة والمعاني العالية والمعارف السامية، غير أن الذي يربي الفرد ويسوس قواه إلى أن يبلغ رشده هو الأبوان أو من يقوم مقامهما، والذي يكفل الجمعية ويربي قواها، ويشد بناها، إنما هو الكون وما يمسها من حوادثه، والحاجات ووقعها، والضرورات ولذعها، وكما يؤدب الصبي أبواه يؤدب الجماعة شدة وقع الحوادث الكونية منها، وهي في هذا الطور لا هم لها إلا المحافظة على بنيتها الجسمية، وحاجتها البدنية، وليس عندها من الزمن ما تتفرغ فيه لأدنى من ذلك كما هو شأن الطفل في صباه.
والآثار التي عثر عليها الباحثون في مبادئ ظهور الصناعة عند البشر وارتقائها من أدنى الأعمال إلى ما يظنه الناظر أعلاها اليوم تشهد شهادة كافية بأن البشر كانوا في بدء أمرهم من قصور القوى على حالة تشبه حالة الصبيان في الأفراد فقد كانوا في بعض أطوارهم لا يهتدون إلى اصطناع المعادن القابلة للطرق كالنحاس والحديد، وأن آلاتهم للدفاع ونحوه كانت من الحجارة، ثم ارتقوا إلى استعمال النحاس، ثم ارتقوا بعد ذلك إلى استعمال الحديد، وعلى هذا النحو كان رقي معارفهم في جميع أبواب الصنعة وما عليك إلا أن تنظر كيف ابتدأوا وضع حروف الكتابة من الخط المسماري ثم لم يزالوا يرتقون فيه إلى أن وصلوا إلى ما تعرف اليوم..
كل ذلك يدل على أن سنة الله في الجماعة هي بعينها سنته في الفرد منها، من التدرج به من ضعف إلى قوة، ومن قصور إلى كمال.
كانوا في طور القصور منغمسين في الحس والمحسوس، فإذا تخلصوا منه إلى شيء تخلصوا إلى وهم يثيره الحس، وإنما هو ظل له يُظَن شيئًا وليس بشيء.
إذا عجبوا كيف يموت الميت ولم يهتدوا إلى فهم معنى الموت ظنوا أنه يغيب عنهم غيبة ولكن لا يزال يتعهدهم بما يؤذيهم، كأن الموت يحدث بينه وبينهم عداوة، فظنوا أن أرواح الأموات من جملة العاديات الضارات، المعينات النافعات، ولذلك كانوا يعدون لها ما يرضيها، وكانوا يخافون أن يذكروا أسماءها، وإذا سمعوا رعدًا أو رأوا برقًا أو أمطرتهم السماء أو ذعرتهم الأعاصير، تخيلوا أشباحًا مثلهم ترسل ذلك كله عليهم، ويذهب بهم الخيال فيها إلى ما شاء من صور وتماثيل، وهكذا كان شأنهم في كثير من الحيوان والنبات والنجوم إذا استعظموا منها شيئًا لعظم مضرته أو لكثرة منفعته، توهموا فيه ما شاءوا من قدرة تفوق قدرتهم، وإرادة تقهر إرادتهم.
ولم يزالوا كذلك والتجارب تكشف لهم خطأهم فيما يتوهمون، والحوادث تأتيهم بعلم ما لم يكونوا يعلمون، حتى عقلوا كثيرًا من أصول اجتماعهم وكشفوا شيئًا من عناصر بنيته المعنوية، ووصلوا إلى منزلة الاستعداد لأن يفهموا باطن ما عقلوا وسر ما عرفوا، ولأن يخلصوا من هذا العالم الجسماني الذي كانوا فيه إلى عالم روحاني كانوا يسيرون في طلبه من حيث لا يشعرون.
هنالك تهيأ لهم أن ينتقلوا من طور قصور الصبي إلى أول سن الرشد، فجاءتهم النبوة تهديهم إلى ما يستقبلونه في ذلك الطور الجديد..
طور يكون واضع النظام لاجتماعهم فيه هو الله جل شأنه، ويكون المحدد لصلتهم بربهم تعالت أسماؤه هو الرحيم بهم العليم بمصالحهم، وهو مع ذلك مما لا تحدده عقولهم، ولا تسمو إلى اكتناه ذاته معارفهم، هذه هي الغاية التي لم يكن لهم أن يدركوها وهم في قصور الطور الأول قد انتهوا إليها عند دخولهم في الطور الثاني.
فهذا هو قول الشيخين: أن الأمة الواحدة هي الأمة الآخذة في اعتقادها وعملها بالعقل ومقتضى الفطرة قبل النبوات جميعها، لأن ظهور النبوة والاستعداد لقبولها طور من الأطوار البشرية لا يصل إليه النوع الإنساني إلا بعد التدرج في طريق طويلة تنتهي غايتها إلى هذا النوع من الكمال الإنساني.
الاستعداد لظهور النبوة وقبول دعوتها مرحلة من المراحل التي تسير فيها الجمعية البشرية عندما تبلغ العقول منزلة من القوة ومقامًا من السلطة، وتبلغ النفوس من قوة التصرف في المنافع والمضار ما يخشى معه من ضلالها أن يوقعها في خيالها، عندما تعظم مطامع العقول والشهوات وتتسع مجالاتها وتبعد مطامحها، هنالك يخشى على الجمعية البشرية من بعض أفرادها أو من كل واحد منهم على بقية أركانها، كما يخشى من قوى الشاب أن تهلكه عندما تبلغ البنية حد النمو وتبدو له الشهوات في أجلى صورها، فكما كان من حكمة الله أن يهب الشاب قوة العقل عند بلوغ السن التي تعظم فيها الشهوة، ويقوى فيها الإحساس بالحاجة إلى توفير الرغائب، حتى يقوده في تلك الغمار، كذلك فعل الله بالجمعية البشرية عندما بلغت بمعارف أفرادها ذلك الحد الذي ذكرنا..
وهبها تلك الهداية الجديدة، وأيدها بالدلائل التي بلغ من قوة العقول أن تدركها، وأن تصل من مقدماتها إلى نتائجها، تلك الآيات البينات التي جاء بها الأنبياء على اختلاف أزمانهم وأممهم جاءت إلى كل أمة بما يلائم حالتها النفسية ومكانتها العقلية، فكان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأمم بمنزلة الرأس من البدن.
جاؤوهم يبينون لهم الخير، ويبشرونهم بحسن الجزاء لكاسبه، ويكشفون لهم مسالك السوء، وينذرونهم بسوء المصير لصاحبه.
ولما كان الاستعداد يتفاوت في الأمم كانت أمة أولى من أمة بتقدم عهد النبوات فيها، وكانت تلك الأمة المتقدمة جديرة بأن تكون إمامًا للأمة المتأخرة، سنة الله في الخلق.
هذا الطور النوراني الجديد طور ظهور النبوة هو طور خير وسعادة، طور هداية ورشاد، وأخوة بين المهتدين فيه وسداد في أعمالهم، ونزوع إلى تكميل غيرهم بمثل ما كملت به أنفسهم، وإضاءة ما أظلم من جو غيرهم بمثل ما أضاء به جوهم، ولا يزالون كذلك ما قاموا على فهم ما جاء إليهم، وما قيدوا عقولهم ونفوسهم بالحدود التي وضعها لهم، وما وقفوا على سر ما حُملوا عليه، ولزموا روح ما دعوا إليه، وما حدب كل واحد منهم على الآخر ليرده إذا زاغ عن الطريق المعبدة، ويقيمه على السنة المعروفة، فهذا قوله تعالى ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ فقد قطع الإنسان في سيره إلى الكمال مرحلة أولى انتهت إلى ظهور النبوات، ثم هو يسير في هذه مرحلة أخرى إلى أن يصل إلى منزل آخر، ولكنه يا للأسف ليس بالمنزل المرتضى.
ذلك أنه إذا طال الأمد على عهد النبوة وبعد الناس عن مبعث نورها، وينبوع نميرها، قست القلوب، وأظلمت الأنفس، وغلبت الشهوات، فضعف العلم بسر الدعوة، وأهملت الجمعية تقويم الطريقة، واستعمل أهل العلم بالدين، نصوص الدين فيما يضيع حكمة الدين، ويذهب بأثره في الناس، فيقع الاختلاف والاضطراب، وينقلب سبب السعادة الأولى، عاملًا للشقاء في الأخرى، وذلك باتباع خطوات شيطان الرئاسة، والانقياد لغوايات السياسة، فهذا قوله تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ .
هذا طور ثالث للجمعية البشرية، ومرحلة تسير فيها ما شاء الله أن تسير حتى تذوق وبال أمرها، وحتى تبصر عواقب الخلاف بما كان من فوائد الألفة، وحتى تردها الضرورات إلى النظر فيما أغمضت عنه، وإلى الرجوع إلى ما خرجت منه، فتعود إلى محو ما عرض من العادات، وتنقية القلوب من فاسد الاعتقادات، وتطهير النفس من رديء الملكات، فتشرق لها شمس الحق الأول، وتقوم على الطريق الأمثل، وتعود الطمأنينة إلى النفوس، ويتساوى في الحق الرئيس والمرؤوس، ويجتمع الناس على التنزيل، ويتحدون على صحيح التأويل، وهذا قوله تعالى ﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ﴾ .
تلك الأطوار التي لا بد للبشرية أن تمر فيها حتى تبلغ كمالها، وتنال تفصيلها وإجمالها، وتأويل الآية على طريقة الشيخين المذكورين لا يضايق ما اخترناه، ولا يبعد عما قررناه، ومكانة آدم من الرسالة لا تزعج صاحب هذا التأويل، ولا تلصق به شذوذًا أبعد من شذوذ من قال كان الناس على الحق متفقين، ثم كان الخلاف أثر بعثة النبيين، ولا شذوذ من قال إن الناس هم آدم كما علمت، فإنه يقول إن رسالة آدم لم تعلم بم كانت وإلى من كانت، فيجوز أن تكون بأمور تتفق مع تلك السذاجة الأولى إلى واحد أو أكثر من أبنائه، ثم نسي ما كان من ذلك عند من بلغه، وجهل عند من لم يبلغه على أن ما سبق في تأويل قوله تعالى ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ﴾ من رأي ابن عباس وأناس معه من أن الأرض كان فيها عُمّار يعملون فيها ما يعمل بنو آدم، يسمح لصاحب التأويل أن يقول إن آدم مع بنيه كانوا في عمارة الأرض كولد نوح، وأن الأرض كانت معمورة من قبله بأقوام فيهم تلك الصفات البشرية ثم انقرضوا وخلفهم آدم، كما تنقرض أمة وتخلفها أمة، يهلك الله صنفًا وينشئ آخر، والنوع واحد، ولا يزال الهالك يترك أثرًا للباقي يحدث فيه فكرة، ويثير في نفسه عبرة، ويكون ذلك سلمًا له إلى رقي كان من قبل دونه، وإن مثال هذه الاعتراضات التي تكاد تكون ضروبًا من إنكار المشهود لقول قائل إنه غير موجود، لا تقف دون العقلاء من أهل الدين خصوصًا علماء الدين الإسلامي الذي لم يحدد تاريخًا خاصًا يبتدئ منه الوجود الإنساني في هذه الأرض.
فهم أحرار فيما ينظرون ما داموا لم يخالفوا نصًا قاطعًا من نصوص الكتاب، ولا سنة خلا نقلها من الريب والاضطراب.
والله أعلم بما أودع كتابه من أسرار وحكمة، نسأله سبحانه أن يتم علينا هذه النعمة، فهو حسبنا ونعم الوكيل، وهو يقول الحق ويهدي السبيل.
<div class="verse-tafsir"
الآية متصلة بما قبلها فقد أمر الله تعالى بالوفاق والسلام، وبين سبب التنازع والخصام، وأرشد إلى ما فطر عليه البشر من حاجة بعضهم إلى التعاون مع بعض عندما كثروا واجتمعوا وكثرت مطالبهم وتعددت رغائبهم، ومن إفضاء ذلك إلى التنازع والتعادي، ومن حاجتهم إلى نظام جامع وشرع يحدد الحقوق ويهدي القلوب، لا مجال فيه للنزاع والاختلاف لوجوب أخذه بالتسليم لما معه أو لما فيه من البينات على أنه من عند الله، وذكر إحسان الله تعالى إليهم إذ بعث فيهم الأنبياء، وأنزل عليهم الكتاب ليحكم في الاختلاف.
ثم ذكر اختلاف الدين أوتوا الكتاب في الكتاب نفسه وتحويلهم الدواء داء، واتخاذهم الرابطة الجامعة آلة مفرقة، ثم هداية الله تعالى أهل الإيمان الصحيح لما وقع الاختلاف فيه من الحق برجوعهم إلى الأصل وهو الكتاب، وتحكيمه في كل خلاف، وقبول حكمه في كل نزاع، والاعتماد في فهمه على ما يؤخذ من جملته، وما علم علمًا صحيحًا من سنة من جاء به، ومن صدقوه واتبعوه قبل الخلاف.
بين الله تعالى هذه الأطوار في البشر فأنار لنا الطريق التي اهتدت فيها الأمم بعد ضلال ثم ضلت بعد هداية، لنكون على بصيرة فيما نعمله للخروج من الخلاف بعد وقوعه، ولكن الذي يحاول الخروج من الخلاف يكون عرضة لبغي المختلفين وإيذائهم، وهكذا أهل الضلالة يبغون على أهل الهداية وإن كان هؤلاء يريدون خيرهم، سواء كان ما يحاولون هدايتهم فيه هو الضلال في طريق الفطرة والعقل، أم الضلال في تأويل الكتاب والتصرف في الشرع، ولذلك قفى على ذلك البيان كله بتمثيل حال الأولين الذين سلكوا سبيل الهداية في أنفسهم وتصدوا لهداية الناس وإرشادهم إلى السلم والوفاق فقال: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ إلخ الخطاب موجه إلى الذين هداهم الله تعالى إلى السلم والخروج من ظلمة الخلاف إلى نور الكتاب الذي أنزل لإزالته في زمن النزول وفي كل زمن يأتي بعده.
وتوجيهه أولًا وبالذات إلى أهل الصدر الأول من المسلمين الذين كانوا خير أمة أخرجت للناس أكبر عبرة وموعظة لمن يأتي بعدهم ويحسبون أنهم بمجرد الانتماء إلى الإسلام يكونون أهلًا لدخول الجنة، جاهلين سنة الله تعالى في أهل الهدى منذ خلقهم، وهي تحمل الشدائد والمصائب والضرر والإيذاء في طريق الحق وهداية الخلق.
وعجيب من أمة ينطق كتابها بالآيات البينات على أن سنة الله في خلقه واحدة لا تحويل لها ولا تبديل، ويحثها دائمًا على الاعتبار بها والسير في الأرض لمعرفة آثارها في الأمم البائدة والأمم الحاضرة، ثم هم يحولون هذه السنة عنهم، ويفشو فيهم الإنكار على من يعظهم، بما حكى الله تعالى عن تلك الأمم التي كفرت بنعمة الله تعالى عليها بالسلم والهداية قائلين إنه يقيس المسلمين على الكافرين!!.
﴿ أَمْ ﴾ ههنا هي الواقعة في طريق الاستفهام وهي تشعر بمحذوف دل عليه الكلام في وصف الذين خلوا من قبلنا وما نالوا من البأساء والضراء، كأنه يقول قد خلت من قبلكم أمم أوتوا الكتاب ودعوا إلى الحق فآذاهم الناس في ذلك فصبروا وثبتوا.
أفتصبرون مثلهم على المكاره، وتثبتون ثباتهم على الشدائد؟
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة وتنالوا رضوان الله تعالى من غير أن تفتنوا في سبيل الحق فتصبروا على ألم الفتنة وتؤذوا في الله فتصبروا على الإيذاء كما هي سنة الله تعالى في أنصار الحق وأهل الهداية في كل زمان؟..
إنه معنى ظاهر من الآية يسبق إلى ذهن كل قارئ، وإن لم يستطع كل أحد التعبير عنه وإذا جعلت ﴿ أَمْ ﴾ بمعنى الإضراب والاستفهام معًا كما قال المفسر (الجلال) بطل هذا المعنى الذي يملك النفس ويؤثر في الوجدان.
وقيل إن الآية نزلت في غزوة أُحد حين غلب المشركون المؤمنين وشجوا رأس النبي وكسروا رباعيته.
وقيل إنها نزلت في غزوة الأحزاب إذ اجتمع المشركون مع أهل الكتاب وتحالفوا على الإيقاع بالمسلمين وقطع دابرهم، وأصاب المؤمنين يومئذ ما أصابهم من الجهد والشدة والجوع والحاجة وضروب الأذى، وإذ انتقض المنافقون على المؤمنين الصادقين، وقالوا كما قال الذين في قلوبهم مرض: ﴿ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا ﴾ ، وإذ جاءهم الأعداء من فوقهم ومن أسفل منهم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وظنوا بالله الظنون، وإذ ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا، وإذ رأى المؤمنون الصادقون الأحزاب متحزبة عليهم فقالوا على قلتهم وضعفهم وجوعهم وعريهم: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾ .
أمثال هؤلاء يخاطبهم الله تعالى بقوله ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ أي وإلى الآن لم يصبكم ما أصاب الذين سبقوكم بالإيمان والهدى والدعوة إلى الحق من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فالمراد بالمثل الوصف العظيم والحالة التي لها شأن بحيث يضرب بها المثل أي لم تكن لكم هذه الحال الشديدة إلى الآن.
وهذا النفي المستغرق مما يوجه الأذهان إلى طلب العلم بما أصاب أولئك الأقوام، ولذلك وصله بالبيان فقال ﴿ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ البأساء الشدة تصيب الإنسان في غير نفسه وبدنه، كأخذ المال والإخراج من الديار وتهديد الأمن ومقاومة الدعوة، وفسره (الجلال) بالفقر، وهو من أثره، والضراء ما يصيب الإنسان في نفسه كالجرح والقتل، وفسره (الجلال) بالمرض، وهو بعضه، وأما الزلزال فهو الاضطراب في الأمر يتكرر حتى يكاد يزل صاحبه عنه، وهذا الحرف فيه لفظ زل مكررًا ومعناه زلق وانحرف، فزلزله بمعنى هزه ودعاه ليزله عما هو عليه، أي أنهم وصلوا إلى درجة حدوث الاضطراب والإشراف على الزلل في مجموعهم، كما قال تعالى في المؤمنين يوم الأحزاب: ﴿ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾ والآية التي نفسرها تصرح بأن بعض السابقين كانوا أشد زلزالًا من هذا الذي وقع للمسلمين في يوم الأحزاب.
ولعل الغاية التي وصلوا إليها ولم يصل إليها سلفنا هي قوله تعالى ﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ أي حتى وصولوا إلى غاية من الشدائد والأهوال لم يروا فيها منفذًا لسبب من أسباب الفوز لأن قوة أعداء الحق أحاطت بهم من كل جانب ودنت حتى أخذت بأكظامهم، فاعتقدوا أن وقت العناية الإلهية والنصر الذي وعد الله به من ينصر الحق قد حان وقته أو أبطأ فاستعجلوه بقولهم: متى نصر الله؟
فأجابهم تعالى ﴿ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ بأن نصرهم وكف عنهم شر أهل البغي وأيد دعوتهم وجعل كلمتهم العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى وكان الله قويًا عزيزًا ومثل هذه بل أشد قوله تعالى ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ﴾ الآية.
فالرسول هنا للجنس وقد ذكرت هذه الغاية في الشدة بصيغة المضارع تصويرًا لها كأنها حاضرة، ليتمثل المخاطب هولها وشدتها فيخف عنده ما يجده مما هو دونها.
وما من شدة تصيب الأمم إلا وهي دون الشدة التي يستعجل بها رسل الله تعالى نصر الله استبطاء له وهم أعلم الناس بالله تعالى وأشدهم اتكالًا عليه وتسليمًا له.
ولعمري إن المسلمين لم يصلوا في تلك الشدة التي حملت عليها الآية إلى تلك النهاية التي قال فيها أولئك الرسل ما قالوا ولقد قتل بعض النبيين ضروبًا من القتل حتى ورد أن منهم من نشر بالمنشار حيًا، وناهيك بأصحاب الأخدود الذين أحرقوا المؤمنين فيه بالنار.
﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ .
وحاصل معنى الآية لوم المؤمنين على ذلك الحسبان، وبيان أن ما كانوا فيه من الشدة والألم في وقعة الأحزاب أو وقعة أُحد -إن صح أن الآية نزلت في ذلك الوقت- أو في عامة أحوالهم قبل فتح مكة إذ كانوا يألمون من منازعة المشركين واليهود والمنافقين ويقاسون من جحودهم وكيدهم ما يقاسون..
كل ذلك قليل في جنب ما قاسى غيرهم ممن سبقهم بالإيمان والهدى إذ كان استعداد البشر أضعف وقسوتهم أشد وعنادهم أقوى.
جاء في معنى هذه الآية آيات أقربها منها لفظًا ومعنى قوله تعالى في سورة آل عمران ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ وهذه نزلت في غزوة أحد لا محالة، وأما قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ ، فقد قيل إنه خطاب للمؤمنين وقيل للمنافقين.
ومن خطاب المؤمنين في مثل هذا المقام قوله في أول سورة ألم العنكبوت: ﴿ الٓمٓ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓا أَن يَقُولُوٓا ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَٰذِبِينَ إلى قوله وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ ﴾ .
فهذه الآيات وأمثالها تؤيد الآية التي نفسرها في ابتلاء الله المؤمنين الصادقين الداعين إلى الحق، ولكنك تجد أكثر المسلمين الذين تتلى عليهم دائمًا في غفلة عنها، فمن لم يغفل عن تصور المعنى في ذهنه يغفل عن انطباقه على الواقع، ولذلك تجد الكثيرين منهم يذهبون إلى أن من يؤذى في سبيل الحق بالقول أو بالفعل، كان وقوع الأذى عليهم دليلًا على أنه مبطل لا يطلب الحق!!
فما أجهلهم بكتاب الله؟
وما أبعدهم عن العلم بسنن الله؟
وما أغفلهم عن تأويلهما في خلق الله؟
اتخذ المسلمون هذا القرآن مهجورًا إلا ما يتغنون به من بعض سوره في المحافل الجامعة، ففقدوا روح الدين، وتبع الروح الجثمان، إلا قليلًا من الرسوم المائلة في جانب بروج البدع المشيدة، وإنما أبقى على تلك الرسوم تمسك العوام بها، فلولاهم لما بالى بها الأمراء والرؤساء الذين لا قوام لعظمتهم إلا خضوع العامة لهم، لذلك جعلوا الدين رابطة سياسية وآلة لإخضاع العامة، ولذلك يحاربون من يدعو الأمة إلى الكتاب العزيز، ويستعينون عليه بعلماء الرسوم الذين يستمدون سلطتهم ورزقهم وجاههم منهم، لئلا تتوجه نفوس الجمهور إلى الكتاب، فيعرو رياستهم الزلزال والاضطراب.
هذا هو الحجاب بين الأمة وبين الاعتبار بالقرآن والاهتداء بهديه.
المسلم العارف بتاريخ دينه يعرف قيمة أصحاب الرسول ، والمسلم العامي المقلد يعظمهم في خياله وشعوره أشد مما يعظمهم العارف في فكره وقلبه، حتى إن الكثيرين أو الأكثرين من المسلمين يكادون يرفعونهم عن مرتبة البشر، ويكاد تعظيمهم إياهم يشبه العبادة، ولكن ما بال هؤلاء وأولئك لا يعتبرون بما خاطبهم الله تعالى به في مثل هذه الآية، ولا يتأملون كيف عاتبهم الله تعالى هذا العتاب الشديد على ظنهم وحسبانهم أنهم يدخلون الجنة وهم لم يقاسوا من البأساء والضراء واحتمال الشدائد في سبيله ما قاسى الذين سبقوهم بالإيمان، حتى استحقوا الجنة؟
فكيف لا ينكر مسلم على نفسه مثل هذا وهو يعلم أنه دون الصحابة الكرام إيمانًا وإسلامًا ودعوة إلى الحق وصبرًا على المكاره في سبيله؟
لماذا لا ينكر على نفسه وعلى من يراه من أمثاله الذين يقولون آمنا بالله فإذا أوذي أحدهم في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله، وآثر ما عند الناس على ما عند الله؟
بل لماذا لا ينكر على نفسه وعلى من يراهم لا هم لهم إلا زينة هذه الحياة الدنيا والاستكثار من المال ولو من غير حله، والانبساط في الأرض ولو بالبغي في الأرض والاعتداء على حقوق الجيران وغيرهم.
أم حسبت أن هؤلاء الذين يغشون أنفسهم ويغشون الناس بدعواهم الإيمان، وغرورهم بالانتساب إلى الإسلام، كانوا بدعًا من الناس بجهلهم وأمانيهم؟
كلا إن هذه كانت حال كل أمة طال عليها الأمد بعد زمن البعثة، فقست من أفرادها القلوب، وفسقوا عن أمر ربهم فلم يزنوا إيمانهم ولا إسلامهم بالميزان الذي وضعه الله تعالى في كتابه ليميز به الراجح والطائش وبه حكم على أصحاب النبيين وأتباعهم بما قرأت في الآية الكريمة وما ذكرنا في تفسيرها مما في معناها.
وإنما البدع الغريب، والأمر العجيب، الذي لم يعرف له نظير في أمة من الأمم، وهو ما نراه في هذا العصر من تصدي أناس لدعوى نصر الدين والزعامة فيه وحفظه على أهله، وهم لم يقرأوا كتابه ولو قرأوه لما فهموه، ولم يتلقوا سنته ولو سمعوها لما وعوها، ولم ينظروا في عقائده ولو نظروا فيها لما عقلوها، ولم يعرفوا معظم أحكامه وما يعرفونه منها لا يعملون به.
وأعجب من هذا وأغرب أنهم بلغوا من الوقاحة والتهجم أن صاروا يعارضون حملة القرآن، وأنصار السنة، وعرفاء الشريعة، وحجج العقائد، وحكماء الأحكام، ويجادلونهم في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وقد حلوا رابطة الدين ودعوا إلى رابطة أخرى يسمونها الوطنية يفرقون بها بين المؤمنين.
وما جرأهم على ذلك كله إلا جهل العامة وقلة الذين يميزون بين العلماء العاملين والأدعياء الجاهلين، ولو كان هؤلاء على شيء من الإيمان لاستحيوا من الله تعالى أن يدعو هذه الدعاوى التي يكذبهم بها كتابه كما تكذبهم سيرة السابقين الأولين، لكنهم لا هم لهم إلا العامة التي يبتغون عندها الرزق والاستعلاء في الأرض، وهم في مأمن من فهمها معنى الإيمان وصفات أهله، لأنهم يحولون بينها وبين كل من يوجه وجهها إلى كتاب الله تعالى الهادي إلى ذلك.
جعل الله تعالى للمؤمنين آيات ووصفهم في كتابه بصفات غيرها المحرفون واستبدلوا بها آيات الغش وصفات المخادعة التي يفتنون بها العامة.
أكبر آيات الإيمان وأظهرها الاهتداء بكتاب الله تعالى والدعوة إليه وإيثاره على كل ما يخالفه، واحتمال البأساء والضراء في سبيل الحق الذي يهدي إليه والخير الذي يحض عليه، ويدخل في ذلك بذل المال والنفس، فمن بخل بما آتاه الله من مال وقوة على تأييد كلمة الله، فلا وزن لإيمانه في كتاب الله.
فيا أيها المسلم المقلد لوالديه ومعاشريه وأقرانه، الذي يحسب أنه من أهل الجنة لأنه ولد وربي بين المسلمين، ورضي ببعض ما هم عليه من رسوم الدين، أو اتكالًا على شفاعة الأولين، اقرأ أو اسمع وتأمل ما عاتب الله تعالى به أفضل سلفك الصالحين، وما ذكره عمن سبقهم من أتباع النبيين.
ويا أيها العلماء بالرسوم والعاكفون على قراءة كتب العلوم، ليس بأمانيكم ولا أماني الكاتبين، فقد وضع كتاب الله الميزان للصادقين والمنافقين، فعليكم أن تتذكروا وتُذَكِّروا به إخوانكم المسلمين، ولا يصدنكم عن آيات الله والاهتداء بكتاب الله أنكم فَضَلْتم الناس بقراءة مطولات الكتب العربية، وصرف السنين الطوال في فهم الأحكام الفقهية، والاكتفاء من علم الإيمان بمثل"السنوسية"و"النسفية"فإن ينبوع الإيمان كتاب الله تعالى فأحصوا ما فيه من الشعب والآيات على الإيمان ﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾ .
ويا أيها الأمراء والسلاطين، الذين انتحلتم لأنفسكم الرياسة في هذا الدين، وإفاضة السلطة الدينية على العلماء والحاكمين، اعلموا أنكم مخاطبون كغيركم بهذه الآيات، بل هي موجهة إلى غيركم بالتبع وإليكم أولًا وبالذات، لأنكم سلبتم الأمة الاستطاعة على العمل للملة، ومنكم من سلبها أيضًا حرية القول والدعوة، فعليكم أن تخفضوا من هذه الكبرياء، وأن تتحملوا في سبيل الحق البأساء والضراء، وأن تبذلوا في تأييد كلمة الله قناطير الذهب التي تخزنون، وهذه المزارع والدساكر التي تتأثلون، فإن ما تستدلون به على أصل سلطتكم من القرآن، مقيد بكونكم من أهل الإيمان، وهذه آيات المؤمنين، وما أعلم الله به أهل الإيمان الصادقين، بل عليكم بعد إقامة شعب الإيمان في أنفسكم، أن تقيموها في أنفس رعيتكم، وتكونوا قدوة لعالمهم وعاملهم، وغنيهم وفقيرهم، لتكونوا أئمة هدي ونور، لا أئمة ضلالة وفجور، وإلا كان عليكم إثمكم، وإثم جميع الأمم التي منيت بكم.
وجملة القول إنه يجب على كل مكلف أن يتحقق بصفات الإيمان التي جاء بها الكتاب العزيز ويعلم أن للإيمان عليه حقوقًا عامة وواجبات خاصة، هن آيات الإيمان وثمراته في الأنفس والأعمال، وبهن يؤدي إلى غايته من سعادة الدارين، ولم يسلب الله هذه الأمة تلك النعم التي أنعم بها على سلفها بقيامهم بحقوق الإيمان إلا بعد التفريط فيها.
ثم إنهم ليمنون أنفسهم بالجنة، بدلًا عما فاتهم من السيادة والعزة، غافلين عن الآيات البينات التي تفرض عليهم من الأعمال لسعادة الآخرة أكثر مما تفرضه عليهم سعادة الدنيا، وإن في كل آية منها ما يكفي لاستئصال جراثيم الغرور والأماني فما بالك بمجموعها، فعلى المسلم المذعن أن يشغله تطبيقها على نفسه، عن اشتغاله بعيوب غيره، وأن يتعاون مع أهلها على البر والتقوى، ويهجر الراغبين عنها غرورًا تزينه الحياة الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
قلنا في تفسير قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ إلخ إن ما تقدم من أول السورة إلى تلك الآية كان في القرآن والرسالة وإن تلك الآية وما بعدها إلى قوله تعالى، ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ﴾ في سرد الأحكام العملية.
ثم أشرنا إلى هذا بعد ذلك وقلنا إنه لا حاجة إلى التناسب بين كل آية وما يتصل بها، ويظهر هذا أتم الظهور إذا كانت الأحكام المسرودة أجوبة لأسئلة وردت أو كان من شأنها أن ترد للحاجة إلى معرفة حكمها، كهذه الآية، على أن ما تقدم من بيان التحام آيات القرآن والتئامها غريب، حتى في سرد الأحكام التي يظهر بادي الرأي أن لا تناسب بينها.
فقوله تعالى ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ﴾ إلخ متصل بما قبله في المغزى، فإن الآيات السابقة دلت على أن حب الناس لزينة الحياة الدنيا هو الذي أغراهم بالشقاق والخلاف، وأن أهل الحق والدين هم الذين يتحملون البأساء والضراء في سبيل الله وابتغاء مرضاته، ومنها ما يصيبهم في أنفسهم وأموالهم، وذلك مما يرغب الإنسان في الإنفاق في سبيل الله، وبذل المال كبذل النفس كلاهما من آيات الإيمان، فكأن السامع لما تقدم تتوجه نفسه إلى البذل فيسأل عن طريقه فجاء بعده السؤال مقرونًا بالجواب.
وقد ورد في أسباب النزول أن السؤال وقع بالفعل.
أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال سأل المؤمنون رسول الله أين يضعون أموالهم فنزلت الآية.
وأخرج ابن المنذر عن أبي حيان أن عمرو بن الجموح سأل النبي ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟
فنزلت.
قال بعض المفسرين إن هذا من رواية أبي صالح عن ابن عباس وقال غيره إنها من رواية الكلبي عنه وهي واحدة، قالوا إنها أوهى الروايات عنه.
وعن عطاء عنه أنها نزلت في رجل أتى النبي فقال إن لي دينارًا فقال "أنفقه على نفسك" قال إن لي دينارين قال "أنفقهما على أهلك" قال إن لي ثلاثة قال: "أنفقها على خادمك" قال إن لي أربعة قال: "أنفقها على والديك" قال إن لي خمسة قال "أنفقها على قرابتك" قال إن لي ستة قال:" أنفقها في سبيل الله تعالى" هكذا أورد الحديث بعض المفسرين، وهو عند أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة بسياق آخر، وهو أن النبي قال "تصدقوا" فقال رجل عندي دينار قال "تصدق به على نفسك" قال عندي دينار آخر قال: "تصدق به على زوجك" قال عندي دينار آخر قال "تصدق به على ولدك" قال عندي آخر قال: "تصدق به على خادمك" قال عندي دينار آخر قال "أنت أبصر به" ورواه أبو داود، ولكنه قدم الولد على الزوجة.
ورواه أيضًا الشافعي وابن حيان والحاكم ولم يذكروا أن ذلك كان سبب نزول الآية.
وقد زعم كثير من المفسرين أن الجواب غير مطابق للسؤال لأنه بيان لمن ينفق عليه لا لما ينفق، وخرجوها على أسلوب الحكيم، كأنه قال إنه ينبغي السؤال عمن ينفق عليه لا عن جنس ما ينفق أو نوعه، وليس ما قالوا بصواب فإن جعل السؤال بما خاصًا بالسؤال عن الماهية والحقيقة من اصطلاح علماء المنطق لا من أساليب العربية.
وليس المراد السؤال عن جنس ما ينفق أو نوعه من ذهب أو فضة أو بر أو شعير وإنما السؤال عن كيفية الإنفاق وتوجيهه إلى الأحق به، وذلك مفهوم لكل عربي وليس أسلوب القرآن جاريًا على مذهب أرسطو في منطقه وإنما هو بلسان عربي مبين.
وسبق القفال إلى بيان ذلك فقال إنه وإن كان السؤال واردًا بلفظ "ما" إلا أن المقصود السؤال عن الكيفية لأنهم كانوا عالمين أن الذي أمروا به إنفاق مال يخرج قربة إلى الله تعالى، وإذا كان هذا معلومًا لم ينصرف الوهم إلى أن ذلك المال أي شيء هو؟
وإذا خرج هذا عن أن يكون مرادًا تعين أن المطلوب بالسؤال مصرفه أي شيء هو؟
حينئذ يكون الجواب مطابقًا للسؤال، ونظيره قوله تعالى: ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ ﴾ إلخ وإنما كان الجواب موافقًا لذلك السؤال لأنه كان من المعلوم أن البقرة هي البهيمة التي نشأتها وصفتها كذا فقوله: ﴿ مَا هِيَ ﴾ لا يمكن حمله على طلب الماهية فتعين أن يكون المراد منه طلب الصفة التي بها تتميز تلك البقرة عن غيرها، فبهذا الطريق قلنا إن ذلك الجواب مطابق لذلك السؤال، فكذا ههنا، لما علمنا أنهم كانوا عالمين بأن الذي أمروا بإنفاقه ما هو، وجب أن يقطع بأن مرادهم من قولهم "ماذا ينفقون" ليس هو طلب الماهية بل طلب المصرف فلهذا حسن هذا الجواب.
وقيل إن السؤال كان عن الأمرين ما ينفق وأين ينفق كما في بعض الروايات فذكر في إيراده عنهم الأول وحذف الثاني للعلم به ودلالة الجواب عليه، فإنه ذكر فيه الأمرين وهو قوله تعالى ﴿ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ ﴾ وهذا هو المنفق، والخير هو المال وتقدم في تفسير ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ ﴾ ، أن الأكثرين قيدوه بالكثير، ولكن قوله هنا من خير يعم القليل والكثير لدخول "من" التبعيضية عليه وتنكيره.
وقال بعضهم إن التعبير عن المال بالخير يتضمن كونه حلالًا فكأنه قال إن الإنفاق والتصديق يكون من فضل المال الكثير الحلال الطيب، وأما بيان المصرف فهو قوله ﴿ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ قدم الوالدين لمكانتهما، وفسروا الأقربين بالأولاد وأولادهم، ولا شك أن أقرب الناس إلى المرء أولاده إن وجدوا، وإلا كان أقربهم إليه بعد والديه إخوته، وما اختير لفظ الأقربين هنا إلا لبيان أن العلة في التقديم القرابة، فمن كان أقرب كان أحق بالتقديم.
وكأن الذين حملوا لفظ الأقربين على الأولاد خاصة أرادوا جعل الآية للنفقة الواجبة في الفقه، وهي تجب للوالدين والأولاد عند الحاجة بالإجماع، والنفقة في الآية أعم، وهؤلاء اليتامى والمساكين لا يجب على فرد معين من المكلفين الإنفاق على يتيم أو مسكين معين منهم من حيث إنه يتيم أو مسكين، ولكنهم أحق بالصدقة المفروضة والمندوبة بعد الأقربين، فالآية عامة في النفقة وأحق الناس بها.
ومن أغرب ما قيل فيها زعم بعضهم أنها منسوخة بآية المواريث كأنها اشتبهت عليهم بآية الوصية للوالدين والأقربين على أن دعوى النسخ هناك لم تسلم لهم، فكيف بها هنا وقد ردها عليهم الجمهور.
ثم قال تعالى ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ﴾ كالإنفاق في موضعه بتقديم الحق فالأحق به ممن ذكر، وهو ما يوجد في كل زمان ومكان، وممن لم يذكر في هذه الآية وذكر في غيرها، كالرجل تعرض له الحاجة فتدفعه إلى السؤال -لا من يتخذ السؤال حرفة وهو قادر على الكسب- وكالمكاتب يُسَاعَد على أداء نجومه وكغير الإنفاق من أعمال الخير ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ لا يغيب عنه فينسى الجزاء والمثوبة عليه بل يجزي به مضاعفًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والبيهقي في سننه من طريق زيد بن رومان عن عروة قال: بعث رسول الله عبد الله بن جحش -وهو ابن عمته- في ثمانية من المهاجرين في رجب مقفله من بدر الأولى وكتب له كتابًا يعلمه فيه أين يسير فقال: "أخرج أنت وأصحابك حتى إذا سرت يومين فافتح كتابك فانظر فيه فما أمرتك به فامض له، ولا تستكره أحدًا من أصحابك على الذهاب معك".
فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه أنْ أَمض حتى تنزل "نخلة" فأتنا من أخبار قريش بما اتصل إليك منهم، ولم يأمره بقتال.
فقال لأصحابه -وكانوا ثمانية- حين قرأ الكتاب: سمعًا وطاعة، من كان منكم له رغبة في الشهادة فلينطلق معي فأنا ماضٍ لأمر رسول الله ومن كره ذلك منكم فليرجع، فإن رسول الله قد نهاني أن أستكره منكم أحدًا.
فمضي القوم معه حتى كانوا بنجران أَضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا عليه يطلبانه، ومضى القوم حتى نزلوا "نخلة" فمر بهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله وأشرف لهم عكاشة بن حصن وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه حليقًا قالوا عمار ليس عليكم منهم بأس، وأتمر بهم أصحاب رسول الله وكان آخر يوم من جمادى، فقالوا لئن قتلتموهم إنكم لتقتلونهم في الشهر الحرام، ولئن تركتموهم ليدخلن في هذه الليلة الحرم فليمتنعن منكم، فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل، وأعجزهم، واستاقوا العير فقدموا بها على رسول الله فقال لهم: "والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام".
فأوقف رسول الله الأسيرين والعير فلم يأخذ منها شيئًا.
فلما قال لهم رسول الله ما قال سقط في أيديهم، وظنوا أن قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين، وقالت قريش حين بلغهم أمر هؤلاء: قد سفك محمد الدم الحرام وأخذ المال وأسر الرجال واستحل الشهر الحرام، فنزل قوله تعالى ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ ﴾ الآية فأخذ النبي العير وفدى الأسيرين.
وفي رواية الزهري عن عروة أنه لما بلغ كفار قريش تلك الفعلة ركب وفد منهم حتى قدموا على النبي فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟
فنزلت.
هكذا أورد القصة بعض المفسرين وقوله في صدرها "في رجب إلخ" يختلف مع قوله بعد "وكان آخر يوم من جمادى" وذكروا أن هذه القصة كانت قبل غزوة بدر بشهرين، وبعد الهجرة بسبعة عشر شهرًا.
وأخرجها السيوطي في أسباب النزول عمن ذكر ما عدا ابن إسحق من حديث جندب بن عبد الله مختصرة وقال إنهم قتلوا ابن الحضرمي ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى: وقال في آخرها: فقال بعضهم: إن لم يكونوا أصابوا وزرًا فليس لهم أجر، فأنزل الله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا ﴾ الآية ومشى على ذلك في التفسير.
وكلامه يفيد أن الآيات نزلت متفرقة والصواب أن الآيات الثلاث نزلت في قصة واحدة مرة واحدة.
﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ ﴾ إلخ قالوا إن هذه أول آية فرض فيها القتال وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة، وقد كان القتال ممنوعًا فأذن فيه بعد الهجرة بقوله تعالى في سورة الحج: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ﴾ الآيات ثم كتب في هذه السنة.
ونقل عن ابن عمر وعطاء أن القتال كان واجبًا في ذلك الوقت على الصحابة فقط، وأن هذا هو المراد من الآية.
وذهب السلف إلى أن القتال مندوب إليه واستدلوا بقوله تعالى في سورة النساء: ﴿ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ﴾ وهو مردود بأن القاعدين هنا هم أولو الضرر العاجزون عن القتال لما نطقت به الآية، وأما القاعدون كراهة في القتال فحكمهم في سورة براءة، وقيل إن القتال يجب في العمر مرة واحدة.
وقد انعقد الإجماع بعد هذا الخلاف الذي كان في القرن الثاني على أن الجهاد من فروض الكفاية إلا أن يدخل العدو بلاد المسلمين فاتحًا فيكون فرض عين.
أما قوله تعالى ﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ فقد عده بعضهم من المشكلات إذ كيف يكره المؤمنون ما يكلفهم الله تعالى إياه وفيه سعادتهم، وحمله جمهور المفسرين على الكره الطبيعي والمشقة، وهذا لا ينافي الرضى به والرغبة في القيام بأعبائه من حيث إنه ما أمر الله به وجعل فيه المصلحة لحفظ دينه كما قال في آيات الإذن به من سورة الحج ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ ﴾ إلخ.
وقوله ﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ﴾ معناه أن من الأشياء المكروهة طبعًا ما تأتونه وأنتم ترجون نفعه وخيره كشرب الدواء البشع المر، ومن الأشياء المستلذة طبعًا ما يتوقع فاعلها الضر والأذى في نفسه أو من جهة منازعة الناس له فيه.
هذا تقرير ما قاله المفسرون ولكن لا يظهر على هذا الذي قالوه معنى وجيه لقوله ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ لأن هذا مما يعلمه الناس ويتوقعونه لا مما هداهم الكتاب إليه بعد أن كانوا غائبين عنه، والصواب أن ﴿ عَسَى ﴾ في مثل هذا المقام تفيد أن ما دخلت عليه من شأنه أن يقع، لا أنه مرجو من المتكلم ومتوقع، وأن الكره محمول على غير ما حملوه عليه.
ذلك أن النبي بُعِثَ والعرب في قتال مستحر، ونزاع مستمر، وكان الغزو للسلب والنهب من أعظم أسباب الكسب، وكان الصحابة قد ألفوا القتال واعتادوه ومرنوا عليه فلم يكن عندهم مكروهًا بالطبع، ولكنهم كانوا يرون أنفسهم فئة قليلة حملت هذا الدين واهتدت به ويخشون أن يقاوموا المشركين بالقوة فيهلكوا ويضيع الحق الذي هدوا إليه وكلفوا إقامته والدعوة إليه.
وثم وجه آخر وهو أن كرههم للقتال لم يكن خوفًا على أنفسهم أن يبيدوا ولا على الحق الذي حملوه أن يضيع، وإنما هو حب السلام والرحمة بالناس التي أودعها القرآن في نفوسهم، وثبتها الإيمان في قلوبهم، واختيار مصابرة الكفار ومجادلتهم بالدليل والبرهان دون مجادلتهم بالسيف والسنان، رجاء أن يدخلوا في السلم كافة ويتركوا خطوات الشيطان، وعلى هذا الوجه يظهر من معنى ﴿ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ﴾ ما لا يظهر في المعنى الذي قبله ويفيد قوله ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ أن قياسكم جميع الكافرين على أنفسكم، وتوقعكم أن يزين لهم من الإيمان ما زين لكم، هو من الأقيسة الباطلة، فإن الاستعداد في الناس يتفاوت تفاوتًا عظيمًا، فمنهم من ساءت خليقته، وأحاطت به خطيئته، حتى لم يبق لروح الحق منفذ إلى عقله، ولا لحب الخير طريق إلى قلبه، فلا تنفع فيه الدعوة، ولا ترجى له الهداية، ومثل هذا الفريق في الأمة كمثل الدم الفاسد في الجسم إذا لم يخرج منه فإنه يفسده، ولم يأمر الله بقتالهم إلا رحمة بمجموع الأمة أن تفسد بهم، فلا يقاسون على من سلمت فطرتهم وحسنت سريرتهم، حتى كان وقوعهم في الباطل جهلًا منهم بالحق وإصابتهم بعض الشر لعدم التمييز بينه وبين الخير، وأنتم أيها المؤمنون لا تعلمون كنه استعداد الناس ولا ما يكون من أثره في مستقبلهم، وإنما الله هو الذي يعلم ذلك فامتثلوا أمره.
وأما معناه على الوجه الأول فهو أن سنة الله تعالى قد مضت بأن ينصر الحق وحزبه على الباطل وأحزابه ما استمسك حزب الله بحقهم فأقاموه ودعوا إليه ودافعوا عنه، وأن القعود عن المدافعة ضعف في الحق يغري به أعداءه ويطمعهم بالتنكيل بحزبه، حتى يتألبوا عليهم ويوقعوا بهم، وأنه قد سبق في علم الله تعالى أن الله لا بد أن يظهر دينه وينصر أهله على قلتهم، ويخذل أهل الباطل على كثرتهم ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ وقد علم الله كل هذا وأنتم لا تعلمون ما خبأ لكم في غيبه، وستجدونه في امتثال أمره، والعمل بما يرشدكم إليه في كتابه.
ومن عجيب ما ترى العينان نقل المفسرين بعضهم عن بعض أن المراد بقوله تعالى ﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ﴾ جميع التكاليف التي أمروا بها، وبقوله تعالى ﴿ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا ﴾ جميع ما نهوا عنه.
ولا يوجد مسلم على وجه الأرض يكره طبعه وتستثقل نفسه جميع ما أمره الله تعالى به، وتحب جميع ما نهاه عنه، ولكن التقليد يذهل المرء عن نفسه وما تحب وتكره، وعما يراه ويعرفه في الناس بالمشاهدة والاختبار.
بعد ما بين سبحانه أن القتال كتب على هذه الأمة فلا مفر منه، وإن كرهه المؤمنون خشية أن يضيع الحق بهلاك أهله، أو لما أودع القرآن قلوبهم من الرحمة، والرجاء يجذب الناس إلى الإيمان بجاذب الدليل والحجة -وهو الأرجح- بينّ سبحانه مسألة لا بد في هذا المقام من بيانها للحاجة إلى العلم بها، على أنه وقع السؤال عنها، وهي مسألة القتال في الشهر الحرام فقد كانت العرب تحرم القتال في الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وكان النبي يقر الناس على غير القبيح مما كانوا عليه، وترك القتال أربعة أشهر من السنة حسن لأنه تقليل للشر، لذلك كان لما فعله عبد الله بن جحش وأصحابه وقع سيء عند المسلمين والمشركين جميعًا على أنهم لم يكونوا يعلمون عند أخذ العير وقتل من قتلوا أن ذلك اليوم غرة رجب.
قيل إن السائلين هم المؤمنون وقيل هم المشركون وقد تقدمت الرواية في ذلك، وسياق الآية رد على المشركين، وإرشاد للمؤمنين، وهي: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ أي عن القتال فيه وقرئ ﴿ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ بتكرير العامل وقدم ذكره للعناية به، ونكر القتال في السؤال والجواب لتنويعه كأنه قيل أيصح أن يقع فيه قتال ما؟
﴿ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ أي أن أيّ قتال فيه وإن كان صغيرًا في نفسه أمر كبير مستنكر وقوعه فيه لعظم حرمته، وقال بعضهم معناه ذنب كبير وهذا تقرير لحرمة القتال في الشهر الحرام، قال ابن جريج حلف لي عطاء بالله إنه لا يحل للناس الغزو في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا على سبيل الدفع، وإن هذا حكم باقٍ إلى يوم القيامة.
وقال بعضهم إنه منسوخ بقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ وأنكر بعضهم هذا لأنه نسخ للخاص بالعام وفيه خلاف.
وقال آخرون إن الآية لا تدل.
وعبارة البيضاوي: "والأولى منع دلالة الآية على حرمة القتال في كل الشهر الحرام مطلقًا لأن لفظ ﴿ قِتَالٍ ﴾ فيها نكرة في حيز مثبت فلا يعم".
وهذا القول غير ظاهر فإن دلالة الآية على المنع المطلق لا يتوقف على كون لفظ القتال فيها عامًا، وربما كانت دلالة النكرة فيما أدل على إطلاق الحكم في كل قتال في جنس الشهر الحرام كما بيناه في معنى تنكيرها وكونه للتنويع.
ولهم في الآية كلام كثير، والظاهر المتبادر أن إثبات كون القتال في الشهر الحرام كبيرًا تمهيد للحجة على أن ما فعله عبد الله بن جحش وما عساه يفعله المسلمون من القتال فيه مبني على قاعدة لا ينكرها عقل، وهي وجوب ارتكاب أخف الضررين إذا لم يكن بد من أحدهما، ولا شك أن القتال في نفسه أمر كبير وجرم عظيم، وإنما يرتكب لإزالة ما هو أعظم منه وذلك قوله تعالى ﴿ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أي وصد الناس ومنعهم عن الطريق الموصل إليه تعالى وهو الإسلام، وهو الذي يفعله المشركون من اضطهاد المسلمين وفتنتهم عن دينهم إذ يقتلون من يسلم أو يؤذنونه في نفسه وأهله وماله، ويمنعونه من الهجرة إلى النبي ﴿ وَكُفْرٌ بِهِ ﴾ أي بالله تعالى ﴿ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ أي وصد عن المسجد الحرام، وهو منع المؤمنين من الحج والاعتمار ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ ﴾ وهو النبي والمهاجرون، وذلك كقوله في آيات الإذن بالقتال في سورة الحج ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ﴾ كل واحدة من هذه الجرائم التي عليها المشركون ﴿ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ من القتال في الشهر الحرام فكيف بها وقد اجتمعت.
ثم صرح بالعلة العامة لمشروعية القتال وهي فتنة الناس عن دينهم فقال ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ ﴾ وكان المشركون يفتنون المؤمنين عن دينهم بإلقاء الشبهات وبما علم من الإيذاء والتعذيب، كما فعلوا بعمار بن ياسر وعشيرته، وبلال، وصهيب، وخباب بن الارت، وغيرهم.
كان عمار يعذب بالنار يكوى بها ليرجع عن الإسلام، وكان النبي يمر به فيرى أثر النار به كالبرص.
وعن أم هانئ قالت إن عمار بن ياسر وأباه وأخاه عبد الله وسمية أمه كانوا يعذبون في الله فمر بهم النبي فقال: "صبرًا آل ياسر، صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة" وفي رواية: "صبرًا يا آل ياسر، اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت".
مات ياسر في العذاب وأعطيت سمية أم عمار لأبي جهل يعذبها وكانت مولاة لعمه أبي حذيفة ابن المغيرة وهو الذي عهد إليه بتعذيبها فعذبها عذابًا شديدًا رجاء أن تفتن في دينها فلم تجبه لما يسأل، ثم طعنها في فرجها بحربة فماتت رضي الله عنها وكانت عجوزًا كبيرة، وكان أبو جهل يقول لها مع ذلك: ما آمنت بمحمد إلا أنك عشقته لجماله: يؤذيها بالقول كما يؤذيها بالفعل.
وكان يلبس عمار درعًا من الحديد في اليوم الصائف يعذبه بحره.
وكان أمية بن خلف يعذب بلالًا بفتنه فكان يجيعه ويعطشه ليلة ويومًا ثم يطرحه على ظهره في الرمضاء، أي يضعه على الرمل المحمى بحرارة الشمس الذي ينضج اللحم، ويضع على ظهره صخرة عظيمة ويقول له لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد ، وتبعد اللات والعزى.
فيأبى ذلك وهانت عليه نفسه في الله ، وكانوا يعطونه للولدان فيربطونه بحبل ويطوفون به في شعاب مكة وهو يقول "أحد، أحد".
وحكى خباب عن نفسه قال لقد رأيتني يومًا وقد أوقدت لي نار وضعوها على ظهري فما أطفأها إلا ودك (دهن) ظهري!
فهذا نموذج من فتنة المشركين لضعفاء المسلمين، وما امتنع منهم إلا من له عصبة من قومه عز عليهم إبساله فمنعوه حمية وأنفة للقرابة، على أن النبي على منعة قومه وعناية الله تعالى به لم يسلم من إيذائهم فقد وضعوا سلا الجزور على ظهره وهو يصلي وخاف أصحابه تنحيته عن ظهره، حتى نحته السيدة فاطمة عليها السلام، وتعرضوا له بضروب من الإيذاء كفاه الله شرها كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ .
هذا ما كان المشركون يعاملون به المؤمنين في حال ضعفهم، ولما هاجروا وكثروا صاروا يقصدونهم بالقتال في مهجرهم لأجل الدين، ولذلك قال تعالى ﴿ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا ﴾ عاد إلى خطاب المؤمنين الذين كانوا يكرهون القتال لما تقدم، فأعلمهم أن أولئك المشركين لا هم لهم إلا منع الإسلام من الأرض، فترك قتالهم هو الذي يبيد الحق وأهله؛ وانتظار إيمانهم بمجرد الدعوة، طمع في غير مطمع، والقتال في الشهر الحرام أهون من الفتنة عن الإسلام، لو لم يحتف بها غيرها من الآثام، كيف وقد قارنها الصد عن سبيل الله والكفر به والصد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه والاعتداء بالقتال والاستمرار عليه.
وقوله ﴿ إِنْ اسْتَطَاعُوا ﴾ يفيد الشك في استطاعتهم وعدم الثقة بها لأن من عرف الإسلام معرفة صحيحة، وهو الحق الصريح، لا يرجع عنه إلى الكفر، وهو الباطل المفضوح، وهكذا يكون فلا يزال الكفار يقاتلوننا ليردونها عن ديننا إن استطاعوا، ولم يستطيعوا.
ولما ذكر الردة التي يبغونها بقتالهم بين حكمها فقال ﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ﴾ أي ومن يرجع منكم عن الإسلام إلى الكفر حتى يموت عليه فرضًا، فأولئك المرتدون هم الذين بطلت وفسدت أعمالهم في الدارين حتى كأن واحدهم لم يعمل صالحًا قط.
لأن الرجوع عن الإيمان إلى الكفر يشبه الآفة تصيب المخ والقلب فتذهب بالحياة، فإن لم يمت المصاب بعقله وقلبه، فهو في حكم الميت لا ينتفع بشيء.
وكذلك الذي يقع في ظلمات الكفر بعد أن هدي إلى نور الإيمان، تفسد روحه ويظلم قلبه، فيذهب من نفسه أثر الأعمال الصالحة الماضية، ولا يعطى شيئًا من أحكام المسلمين الظاهرة، فيخسر الدنيا والآخرة.
يقول بعض الفقهاء: إن المرتد تبطل أعماله حتى كأنه لم يعمل خيرًا قط، وحتى إنه يجب عليه إعادة نحو الحج إذا رجع إلى الإسلام، وتطلق منه امرأته طلاقًا بائنًا فلا تعود إليه إذا هو عاد إلى الإسلام إلا بعقد جديد.
ويقول غيرهم إن حبوط العمل مشروط بالموت على الكفر، فإذا ارتد المسلم مدة ثم عاد لا تجب عليه إعادة نحو الحج، وأما امرأته فإنها تكون موقوفة إلى انتهاء العدة، فإن عاد إلى الإسلام قبل انقضاء عدتها كانت على عصمته، وإن عاد بعد انقضاء العدة فإنها لا ترجع إليه إلا بعقد جديد.
وللردة أحكام أخرى عند الفقهاء تطلب من كتبهم.
ومعنى الآية ظاهر وهو أن المرتد لا ينتفع بأعمال الإسلام في دنياه ولا في أخراه، وذلك أن الرجوع عن الدين رجوع عن الدين رجوع عن أصوله الأساسية الثلاثة وهي: الإيمان بأن لهذا الكون العظيم المتقن في وحدة نظامه، وبديع أحكامه، ربا إلهًا أبدعه وأتقنه بقدرته وحكمته بغير مساعد ولا واسطة، فلا تأثير لغيره في شيء منه إلا ما هدى هو الناس إليه باطراد سننه في الأسباب والمسببات، فيجب عليهم أن يعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئًا، لا في الدعاء ولا في غيره من معاني العبادة التي بيناها في سورة الفاتحة وغيرها.
وهذا الأصل هو منتهى ما يصل إليه ارتقاء العقل البشري في الاعتقاد، وتطهير الأنفس من الخرافات والأوهام.
الإيمان بعالم الغيب والحياة الآخرة، ذلك أن العوالم الحية التي في هذا الكون لا تنعدم من الوجود ولا تنفذ من أقطار ملك الله بما نراه من فساد تركيبها وذهاب صورها، فإذا كان العدم المحض غير معقول، والتحول في الصور مألوف منظور، فلا غرو أن يكون للناس حياة أخرى في عالم آخر بعد خراب هذا العالم.
وهذا الإيمان ركن من أركان الارتقاء البشري لأنه يبعث البشر إلى الاستعداد لذلك العالم الأوسع الأكمل، ويعرفهم بأن وجودهم أكمل وأبقى مما يتوهمون.
العمل الصالح الذي ينفع صاحبه وينفع الناس.
فهذه الأصول الثلاثة التي جاء بها كل نبي مرسل لا يتركها إنسان بعد معرفتها والأخذ بها، إلا ويكون منكوسًا لاحظ له من الكمال في دنياه ولا في آخرته، بل يكون من أصحاب النفوس الخبيثة والأرواح المظلمة، التي لا مقر لها في الآخرة إلا دار الخزي والهوان كما قال تعالى ﴿ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ وقد تقدم الكلام في مثل هذا.
كأنه تعالى يقول للمؤمنين الكارهين للقتال لا سيما في الشهر الحرام: إذا كان هؤلاء المشركون على ما ذكر من الكفر والطغيان، ومن إيذائكم وفتنكم عن الإيمان، ومن منع إخوانكم عن الهجرة إليكم بعد طردكم من الأوطان، ومن القصد إلى قتالكم حتى يردوكم عن دينكم، لتخسروا دنياكم وآخرتكم، فلا ينبغي أن تحجموا عن قتالهم عند الإمكان، ولا أن تحفلوا بإنكارهم عليكم القتال في الشعر الحرام.
ولما ذكر حال المشركين وحكم المرتدين، ناسب أن يذكر جزاء المؤمنين المهاجرين والمجاهدين، لأن الذهن يتوجه إلى طلبه فقال ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ ﴾ المهاجرة مفارقة الأوطان والأهل وهي من الهجر ضد الوصل.
ولما هاجر النبي من مكة فرارًا بنفسه وبقومه من أذى قريش وفتنتهم إلى المدينة التي عاهده من آمن من أهلها على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم، وجب على كل مسلم أن يتبعه في هجرته ليعتز الإسلام بأهله، ويقدر المؤمنون باجتماعهم على الدفاع عن أنفسهم.
واستمر وجوب الهجرة على من قدر إلى فتح مكة، إذ خذل الله المشركين وجعل كلمتهم السفلى، وكلمة الله هي العليا.
وقد اختلف الفقهاء في حكم الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام في مثل عصرنا هذا، ويؤخذ من علة وجوب الهجرة في عهد التشريع أنها تجب بمثل تلك العلة في كل زمان ومكان، فلا يجوز لمؤمن أن يقيم في بلاد يفتن فيها عن دينه، بأن يؤذى إذا صرح باعتقاده أو عمل بما يجب عليه، وإن كان حكام تلك البلاد من صنف المسلمين، ومن ذلك أن لا يقدر المسلمون التصريح قولًا وكتابة بكل ما يعتقدون، ولا يمكنوا من القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجمع عليه منهما.
وأما المجاهدة فهي من الجهد وهو المشقة وليس خاصًا بالقتال.
والرجاء هو توقع المنفعة من أسبابها.
فالمؤمنون الذين هاجروا مع الرسول أو هاجروا إليه للقيام بنصرة الحق، والذين بذلوا جهدهم في مقاواة الكفار ومقاومتهم، هم الذين يرجون رحمة الله تعالى وإحسانه رجاء حقيقيًا، وهم أجدر بأن يعطوا ما يرجون، وأما طلب المنافع ودفع المضار من غير أسبابها العادية في العاديات والشرعية في الدينيات، فلا يسميان رجاء، بل تمنيًا وغرورًا: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ واسع المغفرة للتائبين المستغفرين، عظيم الرحمة بالمؤمنين المحسنين، ولا سيما المهاجرين المجاهدين، يغفر لهم ما عساه يفرط منهم من تقصير، ويتغمدهم برحمته ورضوانه ونعم المصير.
<div class="verse-tafsir"
قال السيوطي في أسباب النزول: روى أحمد من حديث أبي هريرة قال قدم رسول الله المدينة وهو يشربون الخمر ويأكلون الميسر فسألوا رسول الله عنهما فأنزل الله ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِر ﴾ الآية فقال الناس: ما حرم علينا إنما قال إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين أمَّ أصحابه في المغرب فخلط في قراءته فأنزل الله آية أغلط منها ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ الآية ثم نزلت آية أغلظ من ذلك ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ﴾ إلى قوله ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ ﴾ قالوا انتهينا ربنا.
وقال (الجلال) في تفسير آية البقرة إنها"لما نزلت شربها قوم وامتنع آخرون حتى نزلت آية المائدة" وهو مخالف للإطلاق الذي نقلناه آنفًا عن كتاب أسباب النزول له.
وروى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وغيرهم عن عمر أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا فإنها تذهب بالمال العقل.
فنزلت هذه الآية فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا.
فنزلت الآية التي في سورة النساء ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ فكان ينادي رسول الله إذا قام إلى الصلاة "أن لا يقربن الصلاة سكران".
فدعي عمر فقرئت عليه، فقال اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا.
فنزلت الآية التي في المائدة فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ ﴾ قال عمر انتهينا انتهينا.
ولا يتوقف فهم معنى الآيات على شيء من هذه الروايات، ويظهر من مجموعها أن القطع بتحريم الخمر والنهي عنها كان بعد تمهيد بالذم، والنهي عن السكر في حال قرب الصلاة، وأوقات الصلوات متقاربة فمن ينهى عن قرب الصلاة وهو سكران فلا بد أن يتجنب السكر في أكثر الأوقات لئلا تحضره الصلاة وهو سكران وهو الذي تدل عليه الجملة الحالية ﴿ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ التي قيد بها النهي، وفي هذا من الحكمة في التدريج بالتكليف ما لا يخفى.
قال القفال والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم كانوا قد ألفوا شرب والخمر وكان انتفاعهم بها كثيرًا، فعلم الله أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج وهذا الرفق.
والذي كان يتبادر لولا الروايات أن آية سورة النساء هي التي نزلت أولًا فكانوا يمتنعون عن الشرب في أكثر الأوقات لئلا تفوتهم الصلاة، وأما آية المائدة فلا شك أنها آخر ما نزل لأنها أكدت النهي، وبينت علة التحريم بالتعيين، على أن السورة برمتها من آخر السور نزولًا.
وقد ذهب بعض الأئمة إلى أن الخمر حرمت بهذه الآية، وأن ما أتى بعدها فهو من قبيل التوكيد لأن لفظ الإثم يفيد المحرم قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ .
ولكن ذهب الجمهور إلى أن التحريم كان تدريجًا كما تقدم، وهو المنقول والمعهود في حكمة التشريع.
والإثم هو الضرر، فتحريم كل ضار لا يقتضي تحريم ما فيه مضرة من جهة ومنفعة من جهة أخرى، لذلك كانت هذه الآية موضعًا لاجتهاد الصحابة فترك لها الخمر بعضهم وأصر على شربها آخرون، كأنما رأوا أنه يتيسر لهم أن ينتفعوا بها مع اجتناب ضررها، فكان ذلك تمهيدًا للقطع بتحريمها ولو فوجئوا بالتحريم مع ولوع الكثيرين بها واعتقادهم منفعتها لخشي أن يخالفوا أو يستثقلوا التكليف فكان من حكم الله أن رباهم على الاقتناع بأسرار التشريع وفوائده ليأخذوه بقوة وعقل.
لفظ الخمر منقول من مصدر خمر الشيء بمعنى ستره وغطاه، يقال خمرت الشيء إذا سترته وخمرت الجارية ألبستها الخمار وهو النصيف الذي تغطي به وجهها وتخمرت هي واختمرت.
والوجه في النقل أن هذا الشراب يستر العقل ويغطيه، أو هو من خامره بمعنى خالطه، يقال خامره الداء أي خالطه وهو ما صرح به عمر في خطبة له على منبر النبي ، أو بمعنى التغيير، يقال خمر الشيء (كعلم) إذا تغير عما كان عليه، والعصير يتغير فيكون خمرًا، أو بمعنى الإدراك من خمر العجين ونحوه فاختمر أي بلغ وقت إدراكه، وقال ابن الأعرابي إنه يقال سميت الخمر خمرًا لأنها تركت حتى اختمرت واختمارها تغير رائحتها، وجميع هذه المعاني ظاهرة في هذه الأشربة المسكرة كلها كما قال ابن عبد البر فيصح إطلاق اسم الخمر لغة على كل مسكر وهذا ما ذهب إليه أشهر علماء اللغة كالجوهري وأبو نصر القشيري وأبو حنيفة الدينوري والمجد صاحب القاموس.
والظاهر أن هذا الاطلاق حقيقي ولا وجه للعدول عنه إلا أن يصح أن العرب كانت تسمي نوعًا خاصًا من المسكرات خمرًا لا تطلق اللفظ على مسكر سواه وهو ما زعمه بعض الناس، والحنفية على أن الخمر ما اعتصر من ماء العنب إذا اشتد وقذف بالزبد، زاد بعضهم ثم سكن، وقيل إذا اشتد فقط.
ويرده أن الصحابة وهم صميم العرب فهموا من تحريم الخمر تحريم كل مسكر ولم يفرقوا بين ما كان من العنب وما كان من غيره، بل قال أهل الأثر إن الخمر حرمت بالمدينة ولم يكن شرابهم يومئذ إلا نبيذ البسر والتمر، فهو الذي تناوله نص القرآن ابتداء، وأخرج أبو داود: نزل تحريم الخمر يوم نزل وهو من خمسة من العنب والتمر والحنطة والشعير والذرة، والخمر ما خامر العقل: وكان هذا كل ما كان يعرف ولا شك أن غيره مثله.
والأحاديث الصحيحة صريحة في ذلك ومنها حديث: "كل مسكر خمر"، وروي بزيادة "وكل خمر حرام".
وكان النبي والخلفاء يجلدون كل من سكر ويعبرون عن ذلك بحد الخمر أو عقوبته، يقول المخصِّصون إن ما ورد في الحديث اصطلاح شرعي لا لغوي، ونقول: إن الذي أنزل عليه الذكر ليبين للناس ما نزل عليهم قد بين لهم أن الخمر التي نهى الله عنها في كتابه هي كل مسكر، فلا فرق في حكمها بين مسكر وآخر، وهذا البيان قطعي متواتر لأن العمل عليه وفي حديث أبي داود وغيره: "ما أسكر كثيره فقليله حرام".
وأما الميسر فهو القمار واشتقاقه من يسر إذا وجب، أو من اليسر بمعنى السهولة لأنه كسب بلا مشقة ولا كد، أو من اليسار وهو الغني لأنه سببه للرابح، أو من اليسر بمعنى التجزئة والاقتسام يقال يسروا الشيء إذا اقتسموه.
قال الأزهري الميسر الجزور (الجمل) كانوا يتقامرون عليه، سمي ميسرًا لأنه يجزأ أجزاء، فكأنه موضع التجزئة، وكل شيء جزأته فقد يسرته، والياسر الجازر أي لأنه يجزئ لحم الجزور ثم صار يقال للمتقامرين جازرون لأنهم سبب الجزر والتجزئة، هذا هو الأصل.
وأما كيفيته عند العرب فهي أنه كان لهم عشرة قداح (جمع قدح بالكسر) وتسمى الأزلام والأقلام -وهي الفذ والتوأم والرقيب والحلس (ككتف) والمسبل والمعلى والنافس والمنيح والسفيح والوغد- لكل واحد من السبعة الأولى نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزئونها عشرة أجزاء أو ثمانية وعشرين جزءًا، وليس للثلاثة الأخيرة شيء فللفذ سهم، وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة وهو أعلاها، ولذلك يضرب به المثل لمن كان أكبر حظًا أو نجاحًا من غيره في كل شيء مفيد له فيقال: صاحب القدح المعلى، وكانوا يجعلون هذه الأزلام في الربابة وهي الخريطة، ويضعونها على يد عدل يجلجلها ويدخل يده فيخرج منها واحدًا باسم رجل، ثم واحدًا باسم رجل إلخ...
فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيئًا، وغرم ثمن الجزور كله.
وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه، ويسمونه البرم (بالتحريك) وهو في الأصل ثمر العضاة لا ينتفع به، وقد نظم بعضهم هذه الأسماء فقال: كل سهام الياسرين عشرة فأودعوها صحفًا منشرة لها فروض ولها نصيب الفذ والتوأم والرقيب والحلس يتلوهن ثم النافس وبعده مسبلهن السادس ثم المعلى كاسمه المعلى صاحبه في الياسرين الأعلى والوغد والسفيح والمنيح غفل فما فيها يرى ربيح وقد اختلفوا هل الميسر ذلك النوع من القمار بعينه أم يطلق على كل مقامرة، ولكن لا خلاف بين الفقهاء في أن كل قمار محرم إلا ما أباح الشرع من الرهان في السباق والرماية ترغيبًا فيهما للاستعداد للجهاد، وليس منها سباق الخيل المعروف في عصرنا فإنه من شر القمار الذي ترجع جميع أنواعه إلى كونها من أكل أموال الناس بالباطل.
﴿ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ قرأ حمزة والكسائي "كثير" بالمثلثة من الكثرة وقرأ الباقون كبير من الكبر.
والإثم كل ما فيه ضرر وتبعة من قول وعمل، أي قل أيها الرسول إن في تعاطي الخمر والميسر إثمًا كثير المفاسد وذنبًا كبير الضرر وإنما كان إثم الخمر كبيرًا لأن مضراتها والتبعات التي تعقبها كبيرة، والضرر يكون في البدن والنفس والعقل والمال، ويكون في التعامل وارتباط الناس بعضهم ببعض.
ولا يوجد إثم من الآثام يدخل ضرره في كل شيء كالخمر من الأفعال والكذب من الأقوال، وأنواع هذا الضرر كثيرة فمن مضرات الخمر الصحية إفساد المعدة والإقهاء وتغيير الخلق، فالسكارى يسرع إليهم التشوه، فتجحظ أعينهم، وتمتقع سحنتهم، وتعظم بطونهم، بل قال أحد أطباء الألمان إن السكور (كثير السكر) ابن الأربعين يكون نسيج جسمه كنسيج جسم ابن الستين، ويكون كالهرم جسمًا وعقلًا، ومنها مرض الكبد والكلى، وداء السل الذي يفتك في البلاد الأوروبية فتكًا ذريعًا على عناية أهلها بقوانين الصحة، ولكن لا وقاية من شرور السكر إلا بتركه، وقد قيل إن نحو نصف الوفيات في بعض بلاد أوروبا بداء السل.
ولم يكن هذا الداء معروفًا أو منتشرًا في مثل هذه البلاد (مصر) قبل شيوع السكر فيها، فهو من الأدواء التي حملها إليها الأوروبيون، وقد كثر كثرة فاحشة في مصر على أن جوها لا يساعد على انتشاره.
وأما ضرر الخمر في العقل فهو مسلم عند الناس، وليس ضرره فيه خاصًا بما يكون من فساد التصور والإدراك عند السكر، بل السكر يضعف القوة العاقلة، وكثيرًا ما ينتهي بالجنون، ولأحد أطباء ألمانية كلمة اشتهرت كالأمثال وهي: "اقفلوا لي نصف الحانات، أضمن لكم الاستغناء عن نصف المستشفيات والبيمارستانات والملاجئ (التكايا) والسجون".
وقد قال الأطباء إن المسكر لا يتحول إلى دم كما تتحول سائر الأغذية بعد الهضم، بل يبقى على حاله فيزاحم الدم في مجاريه، فتسرع حركة الدم، وتختل موازنة الجسم، وتتعطل وظائف الأعضاء أو تضعف، وتخرج عن وضعها الطبيعي المعتدل، فمن تأثيره في اللسان إضعاف حاسة الذوق، وفي الحلق الالتهاب، وفي المعدة ترشيح العصارة الفاعلة في الهضم حتى يغلظ نسيجها وتضعف حركتها، وقد يحدث فيها احتقانًا والتهابًا، وفي الأمعاء التقرح، وفي الكبد تمديده وتوليد الشحم الذي يضعف عمله، وكل هذا يتعلق بما يسمونه الجهاز الهضمي.
ومن تأثيره في الدم أنه بممازجته له يعيق دورته وقد يوقفها أحيانًا فيموت السكور فجأة، ويضعف مرونة الشرايين فتتمدد وتغلظ حتى تنسد أحيانًا فيفسد الدم ولو في بعض الأعضاء فتكون "الغنغرينا" التي تقضي بقطع العضو الذي تظهر فيه لئلا يسري الفساد إلى الجسد كله فيكون هالكًا، وتصلب الشرايين يسرع الشيخوخة والهرم.
ومن تأثيره في جهاز التنفس إضعاف مرونة الحنجرة، وتهييج شعب التنفس، وأهون ضرر ذلك بحة الصوت والسعال، وأعظمها تدرن الرئة أي السل الفاتك بالشبان، والقاطع لجميع لذات الإنسان.
وأما تأثيره في المجموع العصبي فهو الذي يولد الجنون ويهلك النسل، فولد السكور لا يكون نجيبًا وولد ولده يكون شرًا من ولده وأضعف بدنًا وعقلًا، وقد يؤدي تسلسل هذا الضعف إلى انقطاع النسل البتة، ولا سيما إذا جرى الأبناء عن طريق الآباء كما هو الغالب.
ومن مضرات الخمر في التعامل وقوع النزاع في الخصام بين السكارى بعضهم مع بعضه، وبينهم وبين من يعاشرهم ويعاملهم، تثير ذلك أدنى بادرة من أحدهم، فيوغلون فيه حتى يكون عداوة وبغضاء.
وهذه العلة في التحريم من أكبر العلل في نظر الدين ولذلك ورد بها النص في سورة المائدة.
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ﴾ .
ومنها إفشاء السر وهو ضرر يتولد منه مضرات كثيرة، ولا سيما إذا كان السر يتعلق بالحكومة وسياسة الدولة ومصالحها العسكرية، وعليها يعتمد الجواسيس، ومنها الخسة والمهانة في أعين الناس فإن السكران يكون في هيأته وكلامه وحركاته بحيث يضحك منه ويستخف به كل من يراه حتى الصبيان، لأنه يكون أقل منهم عقلًا، وأبعد عن التوازن في حركاته وأعماله، والضبط في أفكاره وأقواله، وينقلون عن السكارى من النوادر الغريبة ما يكفي في ردع من له شرف وعقل عن الخمر، فيراجع ذلك في كتب الأدب والمحاضرة.
ومما ذكر عن المحدثين أن ابن أبي الدنيا مر بسكران وهو يبول في يده ويمسح وجهه كهيئة المتوضئ ويقول الحمد لله الذي جعل الإسلام نورًا والماء طهورًا.
وعرض بعضهم شرب الخمر على أحد فصحاء المجانين فقال له المجنون: أنت تشرب لتكون مثلي، فأنا أشرب لأكون مثل من؟
ومنها أن جريمة السكر تغري بجميع الجرائم التي تعرض للسكران وتجرئ عليها ولا سيما الزنا والقتل، وبلغني أن جميع الذين يختلفون إلى مواخير الزنا لا يذهبون إليها إلا وهم سكارى، لأن غير السكران تنفر نفسه من هذه القاذورات المبتذلة مهما تكن خسيسة، ولذلك سميت الخمر أم الخبائث كما ورد في الحديث.
فهذه إشارة إلى مضرتها في النفس من حيث الأخلاق والآداب.
ومن مضراتها المالية أنها تستهلك المال وتفني الثروة كما قال عنترة: فإذا شربت فإني مستهلك مالي، البيت.
ولم تكن الخمر مذهبة للثروة في زمن من الأزمنة كزماننا هذا ولا في مكان كهذه البلاد، فإن أنواع الخمر كثرت فيها، ومنها ما هو غالي الثمن جدًا، ثم إن المتجرين بها كثيرًا ما يقرنون بينها وبين القيادة إلى الزنا، وفي مصر القاهرة بيوت للفسق تجمع بين الخمر والنساء والراقصات والمغنيات، يدخلها الرجال زرافات وأفذاذًا، ويتبارون ثَمَّ في النفقة حتى ليخسر الرجل في ليلته المئين والألوف.
وإن الخمار الرومي الفقير ليفتح في أحد القرى والمزارع من هذه البلاد حانة صغيرة فلا تزال تتسع بما تبتلع من ثروة الأهالي وغلات أرضهم حتى تبتلع القرية كلها فتكون أموالها وغلاتها وقطنها وتجارتها في يد "الخواجه" صاحب الحانة.
وقد عم البلاء بالخمر هذا القطر بما لأهله من الاستعداد للتقليد حتى قيل إن ما يصرف في مصر على الخمر يعدل ما يصرف في فرنسة كلها.
ومن مضرات الخمر في الدين من حيث روحه ووجهة العبد إلى الله تعالى أن السكران لا تتأتى منه عبادة من العبادات، لا سيما الصلاة التي هي عماد الدين، ولذلك قال تعالى في آية المائدة بعد ما تقدم آنفًا ﴿ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ ﴾ .
وسيأتي إيضاح هذا المعنى في تفسير سورة المائدة إن شاء الله تعالى.
فهذا شيء من البيان لكون إثم الخمر كبيرًا، بمعنى أن كبره بكبر ضرره، أو كونه كثيرًا لكثرة أنواعه، وقد يشتبه بعض المبتلين بشرب الخمر في بعض تلك المضرات الصحية أو يتوهمون أنه يسهل عليهم التوقي منها، وهيهات هيهات لما يتوهمون فإن المزاج الذي يتحمل سم الخمر الذي يسمى الكحول أو الغول زمنًا طويلًا، بحيث يغتر الناس بحسن صحة صاحبه، قليل في الناس، ولكن هؤلاء المبتلين يقيسون على النادر، ويجهلون الأصل الغالب، وهو أنه لا يكاد يسلم مدمن السكر من ضرره في جسمه أو عقله ومداركه أو ولده وذريته بل تجتمع كلها في الغالب.
وأما المضرات المعنوية فيقل في معتادي السكر من يحفل بها، على أن منهم من يرى أنه يسهل عليه تجنبها.
﴿ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ﴾ وهذا القول إرشاد للمؤمنين إلى طريق الاستدلال، فكان عليهم أن يهتدوا منه إلى القاعدتين اللتين تقررتا بعد الإسلام: قاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، وقاعدة "ترجيح ارتكاب أخف الضررين إذا كان لا بد من أحدهما"، ولكن لم يهتد إلى ذلك جميعهم، إذ ورد أن بعضهم ترك الخمر عند نزول الآية وبعضهم لم يترك كما تقدم.
ومضرة الخمر لا يجهلها أحد ولذلك كان في الجاهلية من حرمها على نفسه ومنهم العباس بن مرداس قيل له في الجاهلية ألا تشرب الخمر فإنها تزيد في حرارتك فقال "ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله جوفي، ولا أرضى أن أصبح سيد القوم وأمسي سفيههم".
وأطباء الإفرنج وعلماؤهم مجمعون على أن ضرر الخمر -وكذلك الميسر بالأولى- أكبر من نفعها، وقد ألفت جمعيات في أوروبا وأمريكا للسعي في إبطال المسكرات، فهم يتعاهدون على عدم الشرب، وعلى الدعوة إلى ذلك، والسعي لدى الحكومات بالتشديد على بائعي الخمور، فالأيام والأجيال كلما تقدمت وارتقت تؤيد قول القرآن بأن إثم الخمر والميسر أكبر من نفعهما، فإن أطباء هذا العصر يصفون من مضرات الخمر ما لم يكن معروفًا عند الأطباء المتقدمين وهو ما أطلقه الله تعالى لعباده ليبحثوا فيه ويتبينوا صدقه بأنفسهم لتكون عقولهم مؤيدة لكتابه بوجوب اجتنابه.
ولكن لدينا من أهل الذكاء والفطنة وأدعياء العلم والمدينة من استعبدهم سلطان اللذة، فصرفهم عن النظر والبحث في هذه المضرات، كما صرفهم عن هداية الدين، وصرف آباءهم عن تربيتهم عليه فأسرفوا في معاقرة الخمر حتى غيض معين حياة بعض الشبان، وانكسفت شموس عقول آخرين قبل الاكتمال، فحرموا من سعادة الحياة، وحرمت بيوتهم وأمتهم مما كانت ترجوه من ذكائهم واستعدادهم، بدت فتنة السكر في طائفة من الكبراء والمتعلمين، وصارت تعد من علامات المتفرنجين الذين يسمون المتمدنين، وسرت عدواها إلى غيرهم من المقلدين، حتى قلد فيها شيوخ القرى وعمد البلاد فكانوا شر قدوة للفلاحين والعمال والأجراء، وعم خطر هذه الآفة التي تتبعها آفة الزنا حيث سارت، ويتبع الزنا داء الزهري الذي هو من أسباب انقطاع النسل، فأية منفعة توازي هذه الآفات القاتلة والجوائح المصطلمة؟
إنني كنت أقول إن المصريين لا يفنون في جنس آخر وإن استولى عليهم قرونًا طويلة، ولكن غيرهم قد يفنى فيهم، لأنهم يرضون بكل سلطة، ويدينون لكل قوة، فلا يؤثر فيهم الذل والفقر كما يؤثر في غيرهم، بل يظلون ما وجدوا قوتًا يتناسلون ويكثرون، والعامل لا يعدم في أرض زراعية كمصر قوتًا، ولذلك تقلبت الأمم على المصريين ثم زالت أو زال سلطانها عنهم، وبقي المصريون مصريين، لهم سحنتهم وصفاتهم وأخلاقهم وعاداتهم، ولكنني رجعت عن هذا القول بعد ما رأيت من انتشار الخمر والزنا في البلاد، ولا سيما هذه الخمور الافرنجية التي تباع للفقراء والفلاحين، وما هي بخمر جعلت للشرب وإنما هي المادة المحرقة السامة التي تسمى "السبيرتو" يضاف إليها شيء من الماء والسكر أو غير ذلك مما يمكن من تناولها.
فإذا استمر السكر والفحش على سريانهما هذا، فلا يبعد أن تنقرض الأمة المصرية بعد جيلين أو ثلاثة كما انقرض هنود أمريكا، فلا يبقى منهم إلا بقية من الخدم والأجراء عند من يخلفهم في الأرض، فإن السكر والزنا كالمقراضين يقرضان الأمم قرضًا.
وأما كون إثم الميسر أكبر من نفعه فهو أظهر مما تقدم في الخمر لا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه أنواع القمار وعم ضررها، حتى إن الحكومات الحرة التي تبيح تجارة الخمر تمنع أكثر أنواع القمار وتعاقب عليها، على احترامها للحرية الشخصية في جميع ضروب التصرف التي لا تضر بغير العامل، فمنفعة القمار وهمية، ومضراته حقيقية، فإن المقامر يبذل ماله المملوك له حقيقة على وجه اليقين لأجل ربح موهوم ليس عنده وزن ذرة لترجيحه على خطر الخسران والضياع، والمسترسل في إضاعة المُحَقَّق طلبًا للمتوَهَّم يفسد فكره ويضعف عقله، ولذلك ينتهي الأمر بكثير من المقامرين إلى بخع أنفسهم أو الرضى بعيشة الذل والمهانة.
إنني أعرف رجلًا كانت ثروته لا تقل عن ثلاثة آلاف ألف جنيه، فما زال شيطان القمار يغريه باللعب فيه حتى فقد ثروته كلها وعاش بقية حياته فقيرًا معدمًا حتى مات جائعًا.
ولقد ربح في ليلة تسع مائة ألف فرنك فقال لا أبرح حتى أتمهما مليونًا، فلم يبرح حتى خسرها إلى مليون آخر، وهكذا شأن أكثر المقامرين يغترون بالربح الذي يكون لهم أو لغيرهم أحيانًا فيسترسلون في المقامرة حتى لا يبقى لهم شيء.
ولبيوت القمار في مصر طرق في استدراج الأغنياء لا يعقلها المصريون، على ما يرون من آثارها في تخريب بيوت من اصطيدوا بأحابيلها من إخوانهم.
ويحكى أن رجلًا عاقلًا رأى من ولده ميلًا إلى المقامرة لمعاشرته بعض أهلها، فلما حانت وفاته وخاف أن يضيع ولده ما يرثه عنه، وعلم أن النهي لا يكون إلا إغراء، قال له يا بني أوصيك إذا شئت أن تقامر بأن تبحث عن أقدم مقامر في البلد وتلعب معه، فطفق الولد بعده يبحث ويسأل وكلما دل على واحد علم منه أن هناك من هو أقدم منه حتى انتهى به البحث إلى شيخ رث الثياب، ظاهر الاكتئاب، فعلم من حاله ومقاله أن مآل المقامر إلى أسوأ مآب، وأن والده قد اجتهد بنصيحته فأصاب، وأنه أوتي الحكمة وفصل الخطاب، ورجع هو إلى رشده وأناب، فلم يدخل بيت المقامرة من طاق ولا باب.
ويشترك الميسر مع الخمر في أن متعاطيهما قلما يقدر على تركهما والسلامة من بلائهما، لأن للخمر تأثيرًا في العصب يدعو إلى العَوْد إلى شربها والإكثار منها، فإن ما تحدثه من التنبيه يعقبه خمود وفتور بمقتضى سنة رد الفعل، فيشعر السكران بعد الصحو أنه مضطر إلى معاودة السكر، ليزول عنه ما حل به، فإذا هو عاد قويت الداعية.
وأما الميسر فإن صاحبه كلما ربح طمع في الزيادة، وكلما خسر طمع في تعويض الخسارة، ويضعف الإدراك حتى تعز مقاومة هذا المطمع الوهمي.
وهذا شر ما في هاتين الجريمتين.
وجملة القول أن الله تعالى قد هدانا لأن نعلم مضرات الخمر والميسر ببحثنا لنكون على بصيرة في تحريمها علينا، وأننا نرى الأمم التي لا تدين بالإسلام ولم تخاطب من الله تعالى بهذه الهداية قد اهتدت إلى ما لم نهتد إليه من تلك المضار، وأنشأت تؤلف الجمعيات للسعي في إبطال هاتين الجريمتين ونحن الذين منحنا تلك الهداية منذ ثلاثة عشر قرنًا ونيف أنشأنا نأخذ عن تلك الأمم ما أنشأت هي تقاومه وتذمه، حتى إن السكر قد غلب في رؤساء دنيانا، والميسر قد انتشر في أمرائنا وكبرائنا، ثم فشا فيمن دونهم تقليدًا لهم.
انظروا إلى من أنعم الله عليهم بهذه النعمة كيف صاروا يكفرونها، وكيف حل بهم غضب الله تعالى فسلبوا معظم ما وهبوا، ويخشى أن يمتد ذلك حتى يعز تداركه والعياذ بالله تعالى: قال تعالى ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ ﴾ - قال السيوطي في كتاب أسباب النزول: أخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد أو عكرمة عن ابن عباس أن نفرًا من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل الله أتوا النبي فقالوا إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا في أموالنا فما ننفق منها؟
فأنزل الله ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ ﴾ .
وأخرج أيضًا عن يحيى أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله فقالا يا رسول الله إن لنا أرقاء وأهلين فما ننفق من أموالنا؟
فأنزل الله هذه الآية.
وليس المعنى أن السؤال الأول عن الخمر والميسر نزل وحده ثم نزل هذا السؤال بعده، بل المراد أن هذه الأسئلة كانت مما يقع من الصحابة فأنزل الله هذه الآيات بيانًا لهذه الأحكام وإجابة للسائلين عندما استعدوا للأخذ بها، وما ورد يدل على أن المراد أي جزء من أموالهم ينفقون، وأي جزء منها يمسكون، ليكونوا ممتثلين لقوله ﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ومتحققين بقوله ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ وما في معنى ذلك من الآيات التي تنطق بأن الإنفاق في سبيل الله من آيات الإيمان وشعبه اللازمة له على الاطلاق، الذي يشعر أن على المؤمن أن ينفق كل ما يملك في سبيل الله.
وقد قضت الحكمة بهذا الاطلاق في أول الإسلام وبمدح الإيثار على النفس لأن المسلمين كانوا فئة قليلة في أمم وشعوب وقبائل تناصبهم العداوة وتبذل في ذلك الأموال والأرواح، فإذا لم يتحدوا حتى يكونوا كشخص واحد، ويبذل كل واحد ما بيده لمصلحتهم العامة، لا تستقيم لهم حال ولا تقوم لهم قائمة، وهذه هي السنة العامة في كل دين عند ابتداء ظهوره وأول نشأته، ثم بعد أن تعتز الملة وتكثر الأمة، ويصير يكفي لحفظ مصلحتها ما يبذله كل ذي غنى من بعض ماله، ويفرغ الجمهور للأعمال الخاصة بحيث يتمكن ذو العمل أن يفيض من كسبه على أهله وولده، بعد أن كان مستغرقًا في السعي لتعزيز دينه ووقايته من المحو والزوال، بعد هذا كله تختلف الحال فلا يسهل على كل واحد أن يؤثر كل محتاج على نفسه وأهله وولده، ولذلك توجهت النفوس بعد استقرار الإسلام إلى تقييد تلك الاطلاقات في الإنفاق، فسألوا ماذا ينفقون؟
فأجيبوا بأن ينفقوا العفو وهو الفضل والزيادة عن الحاجة، وعليه الأكثر، وقال بعضهم إن العفو نقيض الجهد أي ينفقون ما سهل عليهم وتيسر لهم مما يكون فاضلًا عن حاجتهم وحاجة من يعولون.
قرأ أبو عمرو (العفو) بالرفع والباقون بالنصب والإعراب ظاهر، والزيادة أمر مجمل يحتاج إلى بيان، فهل المراد حاجة اليوم أو الشهر أو السنة؟
رجح بعضهم الأخير لأن النبي ادخر لأهله قوت سنة، ونحن نرى أن القرآن أطلق العفو ليقدره كل قوم في كل عصر بحسب ما يليق بحالهم، لأنه خطاب عام ليس خاصًا بأهل جزيرة العرب، ولا بحال الناس في زمن البعثة.
والمراد بهذا الإنفاق ما وراء الزكاة المفروضة المحدودة كصدقة التطوع على الأفراد وعلى المصالح العامة، وإن كان لفظ العفو يصدق على الزكاة لأنها لا تكون إلا من الزائد على الحاجة الذي لا جهد ولا مشقة فيه.
وقد ورد في الأحاديث الصحيحة ما يؤيد هذا فقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة عن النبي أنه قال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول "وأخرج ابن خزيمة من حديثه أيضًا أن النبي قال: "خير الصدقة ما أبقت غنى واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة انفق علي أو طلقني، ويقول مملوكك أنفق علي أو بعني، ويقول ولدك إلى من تكلني".
إن الأمة المؤلفة من مليون واحد إذا كانت تبذل من فضل مالها في مصالحها العامة كإعداد القوة وتربية النابتة على ما يؤهلها لاستعمالها ويقرر الفضيلة في أنفسها تكون أعز وأقوى من أمة مؤلفة من مئة مليون لا يبذلون شيئًا من فضول أموالهم في مثل ذلك: ذلك بأن الواحد من الأمة الأولى يعد بأمة لأن أمته عون له تعده جزءًا منها ويعدها كلأ له، والأمة الثانية كلها لا تعد بواحد لأن كل جزء من أجزائها يخذل الآخر ويرى أن حياته بموته فيكون كل واحد منها في حكم الميت.
وفي الحقيقة إن مثل هذا الجمع لا يسمى أمة لأن كل واحد من أفراده يعيش وحده وإن كان في جانبه أهل الأرض، فهو لا يتصل بمن معه ليمدهم ويستمد منهم، ويتعاون الجميع على حفظ الوحدة الجامعة لهم التي تحقق معنى الأمة فيهم.
وإنه لم تنهض أمة ولا ملة إلا بمثل هذا التعاون، وهو مساعدة الغني للفقير، وإعانة القوي للضعيف، وبذل المال والعناية في حفظ المصلحة العامة.
بهذا ظهر القليل على الكثير وكانت لهم السيادة، وبترك هذا انحلت الأمم الكبيرة، وفقدت الملك والسعادة.
إن النكتة في الجمع بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن الإنفاق في آية واحدة هي المقارنة بين حال فريقين من الناس: فريق ينفق المال بغير حساب في سبيل الإثم، إما للتفاخر والتباهي فيما لا فخر فيه ولا شرف في الحقيقة، وإما لمجرد اللذة وإن ساءت عواقبها، وفريق ينفقه في سبيل الله يزيل به ضرورة إخوانه المساكين والضعفاء، ويرفع به شأن أمته بما يجعله للمصالح العامة وأعمال الخير، وأعظم المصالح والأعمال في هذا العصر هو التعليم والتربية، ولو بذل المصريون عشر ما ينفقون في الخمر والميسر -ولا سيما ما يسمونه المضاربة- على التعليم لتيسر لهم تَعَمُّم المدارس في بلادهم، وتوجيه التعليم فيها إلى ما يجدد ملتهم، ويعيد إليهم ما فقدوا من كرامتهم.
وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ ﴾ معناه: مثل هذا النحو وعلى هذه الطريقة من البيان قد قضت حكمة الله بأن يبين لكم آياته في الأحكام المتعلقة بمصالحكم ومنافعكم، وذلك بأن يوجه عقولكم إلى ما في الأشياء من المضار والمنافع ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ فيظهر لكم الضار منها أو الراجح ضرره فتعلموا أنه جدير بالترك فتتركوه على بصيرة واقتناع بأنكم فعلتم ما فيه المصلحة، كما يظهر لكم النافع فتطلبوه، فمن رحمته بكم لم يرد أن يعنتكم ويكلفكم ما لا تعقلون له فائدة إرغامًا لإرادتكم وعقلكم، بل أراد بكم اليسر فعلمكم حكم الأحكام وأسرارها، وهداكم إلى استعمال عقولكم فيها، لترتقوا بهدايته عقولًا وأرواحًا، لا لتنفعوه سبحانه أو تدفعوا عنه الضر، فإنه غني عنكم بنفسه، حميد بذاته، عزيز بقدرته.
ثم بين جل شأنه أن هذا البيان المعد للتفكر ليس خاصًا بمصالح الدنيا وحدها، ولا بطلب الآخرة على انفرادها، وإنما هو متعلق بهما جميعًا فقال ﴿ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ﴾ أي تتفكرون في أمورهما معًا، فتجتمع لكم مصالح الجسد والروح فتكونون أمة وسطًا، وأناسي كاملين، لا كالذين حسبوا أن الآخرة لا تنال إلا بترك الدنيا وإهمال منافعها ومصالحها بالمرة فخسروها وخسروا الآخرة معها، لأن الدنيا مزرعة الآخرة، ولا كالذين انصرفوا إلى اللذات الجسدية كالبهائم ففسدت أخلاقهم وأظلمت أرواحهم، وكانوا بلاء على الناس وعلى أنفسهم، فخسروا الآخرة والدنيا معها.
وهذا الإرشاد إلى التفكر في مصالح الدنيا والآخرة جميعًا -هو في معنى ما جاء في الدعاء بقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ وتقدم تفسيرها، فالله تعالى يبين في مثل هذه الآيات أن الإسلام هاد ومرشد إلى توسيع دائرة الفكر واستعمال العقل في مصالح الدارين، وقدم الدنيا في الذكر، لأنها مقدمة في الوجود بالفعل، وكل ما أمرنا الله تعالى به وهدانا إليه فهو من ديننا، ولذلك قال علماؤنا إن جميع الفنون والصناعات التي يحتاج إليها الناس في معايشهم من الفروض الدينية إذا أهملت الأمة شيئًا منها فلم يقم به من أفرادها من يكفيها أمر الحاجة إليه، كانت كلها عاصية لله تعالى مخالفة لدينه، إلا من كان عاجزًا عن دفع ضرر الحاجة وعن الأمر به للقادر عليه، فأولئك هم المعذورون بالتقصير.
على هذا قام صرح مجد الإسلام عدة قرون، كان المسلمون كلما عرض لهم شيء بسبب التوسع في العمران يتوقف عليه حفظه وتعميم دعوته النافعة قاموا به حق القيام، وعدوا القيام به من الدين عملًا بمثل هذه الآية وغيرها من الآيات، ومضوا على ذلك قرونًا كانوا فيها أبسط الأمم وأعلاها حضارة وعمرانًا، وبرًا وإحسانًا، إلى أن غلا أقوام في الدين واتبعوا سنن من قبلهم في إهمال مصالح الدنيا، زعمًا أن ذلك من الزهد المطلوب، أو التوكل المحبوب، وما هو منهما في شيء!
وكان من أثر ذلك أن أهملت الشريعة فلا توجد حكومة إسلامية على وجه الأرض تقيمها، لأنه لا يوجد من أهلها من يصلح لحكم الناس في هذه العصور التي اتسعت فيها مصالح الأمم والحكومات، بالتوسع في العلوم والصناعات وارتباط العالم بعضه ببعض، ثم صار علماء المسلمين أنفسهم يعدون الاشتغال بالعلوم والفنون التي تتوقف عليها مصالح الدنيا صادة عن الدين مبعدة عنه، بل يوجد فيهم من يقول إنها مفسدة لعقائده مفضية إلى الخروج منه.
وهذا هو دخول جحر الضب الذي دخله من قبلنا، وهو كما ترى خروج عن هدى القرآن!.
وقد يقال إذا كان المنقطع لعلوم الدين لا يأمن على عقيدته أن تذهب ودينه أن يفسد إذا هو تفكر في مصالح الدنيا وعرف العلوم التي لا تقوم هذه المصالح بدونها، فكيف يكون حال من يدرسون هذه العلوم الدنيوية من المسلمين وليسوا على شيء يعتد به من العلوم الدينية؟
لا جرم أن هذا قضاء على الإسلام بأنه آفة العمران، وعدو العلم والنظام، وهو قضاء جائر يبطله القرآن، وتنقضه سيرة السلف الصالحين الذين سبقونا بالإيمان، ولكن أين من يتبعهما الآن؟!
وقد قام فريق من الذين لم ينظروا في كتاب الله مرة نظرة معتبر، ولم يتلوا منه آية تلاوة مفكر متدبر، يقسمون المسلمين إلى قسمين: قسم لا تجب المبالاة بدينه، ولا يهتم به في شكه أو يقينه، فله أن يتعلم ما يشاء صحت عقيدته أو فسدت، صلحت أعماله أو خسرت.
وقسم آخر يجب أن يصان عقله عن كل فكر، ويحاط بجميع الوسائل التي تمنعه من النظر فيما عليه الناس من خير وشر، وما يعرض في الكون من نفع وضر، كيلا يفسد النظر عقيدته، ويضل الفكر السليم بصيرته، وهذا القسم هو الذي تفوض إليه الرياسة الدينية، ويعهد إليه بقيادة الأمة في صلاح الأعمال وانتظام الأحوال، وأعظم قسم في الأمة هو القسم الأول بحكم الضرورة، بل هو الأمة كلها بالتقريب، وقد صار بيده زمام جميع أمورها وقوة الحكم فيها، إذ لا يمكن أن يتيسر لهذا القسم الثاني وهو خلو من العلم بحالها، ودون كل واحد منها في العقل، وفوقه في الغباوة والجهل، أن يقود واحدًا منها، بله قيادتها كلها؟!
فهل يتفق مثل هذا للخلف، مع شيء من سنة السلف؟
ألا عاقل يقول لهؤلاء المشعوذين: كيف ساغ في عقولكم أن يسلم إلى الجاهل قيادة العاقل؟
وكيف يتيسر حفظ الدين بالعدول عن سنن المرسلين، ومخالفة سير السلف الصالحين؟؟!.
ثم قال تعالى ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى ﴾ إلخ...
أخرج أبو داود والنسائي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال لما نزلت ﴿ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ و ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ﴾ الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله فأنزل الله ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى ﴾ الآية.
ذكره السيوطي في أسباب النزول.
نعم إن آيات الوصية في اليتامى كثيرة ومنها ما نزل في مكة كقوله تعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ﴾ وقوله : ﴿ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾ ، جعل دع اليتيم وهو دفعه وجره بعنف أول آيات التكذيب بالدين.
وأجمع ما ورد في ذلك وأكده آيات سورة النساء وهي مدنية كسورة البقرة، ومنها قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ﴾ ولكن سورتها نزلت بعد سورة البقرة.
وقد كان السابقون الأولون من المؤمنين يحفظون حدود الله تعالى ويأخذون القرآن بقوة لأنهم لبلاغتهم يفهمون الوعيد في مثل هذه الآية فتحدث لهم من الذكرى والعظة ما لا يجد مثله من لم يؤت بلاغتهم.
وليس المراد ببلاغتهم أنهم قرأوا علم المعاني والبيان فحفظوا في أذهانهم عللًا كثيرة للتقديم والتأخير في المسند والمسند إليه ونحو ذلك، وإنما هي مقاصد الكلام ومغازيه تغوص في أعماق القلوب كما يغوص الماء في الإسفنج، فلا تدع فيها مكانًا يتعاصى على تأثيرها.
هذا الاتعاظ والاعتبار بوصايا الكتاب العزيز في اليتامى قد ملك نفوس المؤمنين فتركهم في حيرة وحرج من أمر القيام عليهم واستغلال أموالهم، خوفًا أن ينالهم شيء من الظلم المذكور في آية سورة النساء لأن الظلم يتناول كل ما نقص من الحق، وشاهده قوله تعالى ﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا ﴾ فإذا اختلط اثنان في النفقة وأكل أحدهما مما اشترى بمالهما أكثر من الآخر، تكون الزيادة من مال الآخر، فإن كان راشدًا فرضاه ولو بالعرف أو القرينة إذن يبيح هذا التناول، وأما إذا كان الخليط يتيمًا فإن الزيادة تكون مظنة الظلم أو هي منه حتمًا، ولذلك تأثم الصحابة عليهم الرضوان من مخالطة اليتامى بعد نزول آية النساء، وإن كانت العادة جارية بتسامح الناس في مؤاكلة الخلطاء والشركاء من غير تدقيق فكان بعضهم يأبى القيام على اليتيم وبعضهم يعزل اليتيم عن عياله فلا يخالطونه في شيء حتى إنهم كانوا يطبخون له وحده، ثم إنهم فطنوا إلى أن هذا على ما فيه من الحرج عليهم لا مصلحة فيه لليتيم بل هو مفسدة له في تربيته ومضيعة لماله، وفيه من القهر المنهي عنه ما لا يخفى، فإنه يكون في البيت كالكلب أو الداجن في مأكله ومشربه.
ومن هنا جاءت الحيرة واحتيج إلى السؤال عن طريق الجمع بين الأمرين، والتوحيد بين المصلحتين، بأن يعيش اليتيم في بيت كافله عزيزًا كريمًا كأحد عياله، ويسلم الكافل من أكل شيء من ماله بغير حق، وكان من فضل الله تعالى ورحمته أن أنزل الوحي في إزالة الحيرة وكشف الغمة، فقال لنبيه: ﴿ قُلْ ﴾ لهؤلاء السائلين عن القيام على اليتامى وكفالتهم، وعن المصلحة في عزلهم أو مخالطتهم ﴿ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ يعني أي إصلاح لهم خير من عدمه فلا تتركوا شيئًا مما تعلمون أن فيه صلاحًا لهم في أموالهم وأحوالهم من تربية وتهذيب، هذا ما أفاده تنكير (إصلاح) وإن تخالطوهم لرؤيتكم الخير لهم في المخالطة في المعيشة فهم إخوانكم في الدين، وإنما شأن الإخوان المخالطة في المعاشرة.
وقد أزالت الكلمة الأولى من هذا الجواب الوجيز شبهة المتأثمين من كفالتهم، وكشفت الكلمة الثانية شبهة القُوّام المتحرجين من مخالطتهم، ومن هذا الجواب عرفنا حقيقة السؤال، وهذا من ضروب الإيجاز التي لم تعرف إلا من القرآن.
أما معنى كون الإصلاح لهم خيرًا فهو أن القيام عليهم لإصلاح نفوسهم بالتهذيب والتربية، وإصلاح أموالهم بالتثمير والتنمية، هو خير من إهمال شأنهم وتركهم لأنفسهم، تفسد أخلاقهم وتضيع حقوقهم.
خير لهم لما فيه من صلاحهم، وخير للقُوَّام والكافلين لما فيه من درء مفسدة إهمالهم، ومن المصلحة العامة في صلاح حالهم، ولما في ذلك من حسن القدوة في الدنيا، وحسن المثوبة في الأخرى قال في التفسير الكبير قال القاضي: هذا الكلام يجمع النظر في صلاح مصالح اليتيم بالتقويم والتأديب وغيرها لكي ينشأ على علم وأدب وفضل، لأن هذا الصنع أعظم تأثيرًا فيه من إصلاح حاله بالتجارة، ويدخل فيه أيضًا إصلاح ماله كي لا تأكله النفقة من جهة التجارة، ويدخل فيه أيضًا معنى قوله تعالى: ﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ﴾ .
وأما قوله ﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ فمعناه أنه لا وجه للتأثم من مخالطتهم في المأكل والمشرب والمكسب، فهم إخوانكم في الدين، ومن شأن الإخوة أن يكونوا خلطاء وشركاء في المِلْك والمعاش، ولا ضرر في أحد منهم في ذلك، بل هو نافع لهم، لأن كل واحد منهم يسعى في مصلحة الجميع، والمخالطة مبنية بينهم على المسامحة لانتفاء مظنة الطمع وتحقق الإخلاص وحسن النية.
كأنه يقول: وإن تخالطوهم فعليكم أن تعاملوهم معاملة الإخوة في ذلك فيكون اليتيم في البيت كالأخ الصغير تراعى مصلحته بقدر الإمكان، ويتحرى أن يكون في كفته الرجحان، وقيل إن المراد بالمخالطة المصاهرة وأخوة الإسلام علة لحلها، وقد أطال أبو مسلم في ترجيح هذا الوجه.
وهذا الذي هدانا إليه الكتاب العزيز في شأن اليتامى من معاملتهم كالإخوان مبني على ما أودع الفطرة السليمة من الحب والإخلاص للأقربين، وقد طرأ الفساد على هذه الرابطة النسبية في بلاد كثيرة بما أفسدت السياسة في الأمة، فصار الأخ يطمع في مال أخيه، ويحفر له من المهاوي ما لعله هو يقع فيه، وأمثال هؤلاء الذين فسدت طباعهم واعتلت خلائقهم، لا يوكل إليهم الرجوع إلى الفطرة وتحكيمها في معاملة اليتامى كالإخوة، لذلك لم يكتف القرآن بذلك حتى وضع للضمير والوجدان قاعدة يرجع إليها في هذا الشأن، فقال: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ ﴾ أي أنه لم يكل أمر مخالطة اليتامى إلى حكم نزعة القرابة وعاطفة الأخوة من قلوبكم إلا وهو يعلم ما تضمر هذه القلوب من قصد الإصلاح لهم أو الإفساد، فعليكم أن تراقبوه في أعمالكم ونياتكم، وتعلموا أن سيحاسبكم على مثقال الذرة مما تعملون لهم.
والمصلح هو من يأتي بالإصلاح عملًا، والمفسد هو من يأتي بالإفساد فعلًا، وحال كل منهما ظاهرة للعيان، وإنما أيقظ الله تعالى القلوب إلى ذكر علمه بذلك لتلاحظ اطلاعه على العمل، وتتذكر جزاءه عليه فتراقبه فيما خفي منه، لعلها تأمن من مزالق الشهوة، وتسلم من مزال الشبهة، فإن شهوة الطمع تولد لصاحبها شبهة أكل مال اليتيم، كما يأكل صاحبها مال أخيه الضعيف، ولا عاصم من ذلك إلا بمراقبة الله تعالى وتقواه.
وإلا فإننا نرى أكثر الأوصياء على الأيتام في هذا الزمان يظهرون للملأ إصلاح أحوالهم، وتثمير أموالهم مع العفة والزهادة فيها، وهم في الباطن يأكلونها أكلًا لما، حتى إن واحدهم يصبح غنيًا بعد فقر ولا عمل له إلا القيام على اليتيم، والأجرة المفروضة له على الوصاية لا غناء فيها فيكون غنيًا بها.
وكل من يطلب أن يكون وصيًا على يتيم ويسعى لذلك سعيه فهو موضع للظنة، وقلما يوجد فيهم من يرضى بما يفرض له على عمله.
ثم بين لنا منته علينا ورحمته بنا بما أذن لنا من مخالطة اليتامى فقال ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ ﴾ أي أوقعكم في العنت وهو المشقة وما يصعب احتماله، بأن يكلفكم القيام بشؤون اليتامى وتربيتهم وحفظ أموالهم، ولا يأذن لكم بمخالطتهم ولا بأكل لقمة واحدة من طعامهم، ولكنه لسعة رحمته لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وما جعل عليكم في الدين من حرج، ولذلك أباح لكم مخالطة اليتامى على أن تعاملوهم معاملة الإخوة، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم، وقد عفا عما جرى العرف على التسامح فيه لعدم استغناء الخلطاء عنه، ووكل ذلك إلى ذمتكم وأمركم بمراقبته فيه، وهو الرقيب المهيمن الذي لا يخفى عليه شيء من عملكم ولا من قصدكم ونيتكم.
﴿ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ فلو شاء إعناتكم لعز على غيره منعه من ذلك، إذ لا عزة تعلو عزته، ولكن مضت حكمته بأن تكون شريعته جامعة لمصالح عباده، جارية على سنن الفطرة المعتدلة التي فطرهم عليها.
والنكتة في وصل السؤال عن اليتامى بالسؤال عن الإنفاق والسؤال عن الخمر والميسر أنه لما كان ذلك السؤالان مبينين لحال فريقين من الناس في الإنفاق وبذل المال ناسب أن يذكر بعدهما السؤال عن صنف هو من أحق أصناف الناس بالإنفاق عليه وبذل المال في سبيل تربيته وإصلاح شأنه، وهو صنف اليتامى، وليس الترغيب بالإنفاق عليهم ببعيد من هذه الآية، وقد تكرر في غير هذه السورة.
كأنه يذكرنا عند الإذن بمخالطة اليتامى والترغيب في الإصلاح لهم، بأن النفقة عليهم من أموالنا مندوب إليها، وأنهم من المستحقين لما ننفقه من العفو الزائد عن حاجاتنا، فلا يليق بنا أن نعكس القضية ونطمع في فضول أموالهم، لأنهم ضعفاء قاصرون لا يستطيعون دفاعًا عن حقوقهم، ولا ذودًا عن مصالحهم.
فجمع الأسئلة الثلاثة في الآيتين وعطف بعضها على بعض في غاية الإحكام والالتئام.
وترون من هذا السؤال وجوابه كيف كانت عناية المؤمنين في حفظ أحكام الله واتقاء اعتداء حدوده، وكيف شدد الله تعالى الأمر في شأن اليتامى؟
فلم يأذن بالقيام عليهم إلا بقصد الإصلاح، ولا بمخالطتهم إلا مخالطة أُخوة، وكيف وجه القلوب مع هذا إلى مراقبته، والتذكر لإحاطة علمه؟
ثم ترون كيف اتخذ الناس هذه الآيات وسيلة للتلذذ بنغمات قارئيها، أو للتعبد بألفاظها دون الاهتداء بمعانيها، ومن أخذته هزة عند سماع مثل قوله تعالى ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ ﴾ فإنها لا تلبث أن تزول، ثم هو لا يزول عن إفساده، ولا يرجع إلى رشاده، ومنهم من يتزيا بزي المتقين، ويظهر في صورة الصالحين، ويكثر من التسبيح والتلاوة، وحضور صلاة الجماعة، حتى إذا ما جعل وصيًا على يتيم لا ترى لذلك التحنث أثرًا في عمله، ولا ذلك السمت حائلًا دون زلله، فهو إن أصلح شيئًا يفسد أشياء، ولا يراقب الحسبة والقضاء، ذلك أن الإسلام قد صار تقاليد صورية، وحركات بدنية، ليس له منبع في القلوب، ولا أثر صالح في الأعمال، وإن الله تعالى لا ينظر إلى الصور والأبدان، ولا يعبأ بالحركات والأقوال، ولكن ينظر إلى القلوب والأرواح، وما ينشأ عن صلاحها من خير وإصلاح.
<div class="verse-tafsir"
الآيات في سرد الأحكام كما تقدم فلا حاجة لربط كل آية بما قبلها، والربط ظاهر على القول بأن المراد بالمخالطة في الآية السابقة نكاح اليتامى.
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والواحدي عن مقاتل قال نزلت هذه الآية في ابن أبي مرثد الغنوي استأذن النبي في "عناق" أن يتزوجها وهي مشركة وكانت ذات حظ من جمال فنزلت: يعني ﴿ وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ﴾ ذكر ذلك السيوطي في أسباب النزول، ثم قال: وقوله تعالى ﴿ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ ﴾ الآية أخرج الواحدي من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية في عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء وأنه غضب عليها فلطمها ثم إنه فزع فأتى النبي فأخبره وقال: لأعتقنها ولأتزوجنها: ففعل فطعن عليه ناس وقالوا ينكح أمة فأنزل الله هذه الآية.
وأخرجه ابن جرير عن السدي منقطعًا.
وظاهره أن قوله تعالى ﴿ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ ﴾ إلى ﴿ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ آية مستقلة نزلت في حادثة غير الحادثة التي نزل فيها قوله تعالى ﴿ وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ﴾ وهذا الظاهر من صنيعه، خفي في نفسه، بل هو باطل البتة.
ولا شك أن الآية واحدة نزلت مرة واحدة عن حاجة الناس إلى بيان أحكامها، ولا مانع أن يكون ذلك بعد حدوث ما روي عن ابن أبي مرثد وعن عبد الله بن رواحة.
وفي (روح المعاني) ما نصه: روى الواحدي وغيره عن ابن عباس أن رسول الله بعث رجلًا من غنى يقال له مرثد بن أبي مرثد حليفًا لبني هاشم إلى مكة ليخرج أناسًا من المسلمين بها أسرى فلما قدمها سمعت به امرأة يقال لها عناق وكانت خليلة له في الجاهلية فلما أسلم أعرض عنها فأتته فقالت ويحك يا مرثد ألا تخلو؟
فقال لها إن الإسلام قد حال بيني وبينك وحرمه علينا، ولكن إن شئت تزوجتك فقالت نعم، فقال إذا رجعت إلى رسول الله استأذنته في ذلك ثم تزوجتك، فقالت له أبى تتبرم؟
ثم استعانت عليه فضربوه ضربًا وجيعًا ثم خلوا سبيله، فلما قضى حاجته بمكة انصرف إلى رسول الله راجعًا وأعلمه الذي كان من أمره وأمر "عناق" وما لقي بسببها، فقال يا رسول الله أيحل لي أن أتزوجها؟
وفي رواية: إنها تعجبني فنزلت.
وتعقب ذلك السيوطي بأن هذا ليس سببًا لنزول هذه الآية وإنما هو سبب في نزول آية النور ﴿ الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ وروى السدي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هذه نزلت في عبد الله بن رواحة وكانت له أمة سوداء وأنه غضب عليها فلطمها ثم إنه فزع فأتى النبي فأخبره خبرها.
فقال له النبي "ما هي يا عبد الله؟" "قال هي يا رسول الله تصوم وتصلي وتحسن الوضوء وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله"، فقال "يا عبد الله هي مؤمنة" قال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين فقالوا نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين وينكحوهم رغبة في أنسابهم، فأنزل الله ﴿ وَلا تَنكِحُوا ﴾ الآية.
انتهى سياق الألوسي وهو أحسن من سياق السيوطي الذي قدمناه لأنه مفصل وذلك مختصر اختصارًا أوهم أن الذي نزل في عبد الله بن رواحة هو قوله تعالى ﴿ وَلأَمَةٌ ﴾ إلخ..
على أن السيوطي قال في مقدمة كتابه في أسباب النزول: إن الصحابة يذكرون أن الآية نزلت في كذا ولا يريدون به إلا تفسيرها أي أن معناها يتناول ذلك، وإذا ذكروا أسبابًا فقد يعنون أنها نزلت عقبها.
والألوسي يقول إن السيوطي تعقب الواحدي في السبب الأول وليس في كتابه هذا شيء من هذا التعقب، على أنه حوى كتاب الواحدي وزيادات.
وأما آية ﴿ الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ فقد ذكر لها السيوطي سببين: أحدهما: أن رجلًا أراد أن يتزوج امرأة يقال لها "أم مهزول" كانت تسافح، رواه النسائي.
والثاني: أن رجلًا يقال له "مزيد" أراد أن يتزوج امرأة بمكة صديقة له يقال لها عناق، رواه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (وفي حديثه عنهما مقال)، وقد روى الأول غير من ذكر، وقوله هنا "مزيد" مصحف والصواب "مرثد".
ونكاح البغايا كان فاشيًا، والمشهورات منهن في الجاهلية كثيرات وقد نزلت الآية في الجميع.
وجملة القول أن ما روي في الآية التي نفسرها الآن متفق على أن المراد بالمشركات فيها غير الكتابيات من نساء العرب، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالمشركين والمشركات عام يشتمل أهل الكتاب، لأن بعض ما هم عليه شرك، وقد قال تعالى بعد ذكر بعض عقائدهم: ﴿ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ واستدلوا على شركهم أيضًا بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ ولو لم يكونوا مشركين لجاز أن يغفر الله لهم.
وذهب الأكثرون إلى أن المراد بالمشركات مشركات العرب اللاتي لا كتاب لهن لأن هذا هو عرف القرآن في لقب المشرك قال تعالى: ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿ لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ ﴾ والعطف يقتضي المغايرة.
وهذا القول هو الذي يتفق مع قوله تعالى في بيان من يحل من النساء: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ وهي في سورة المائدة وقد نزلت بعد سورة البقرة ولذلك ذهب من قال بأن لفظ المشركات شامل للكتابيات إلى أن آية المائدة نسخت آية البقرة، وقال بعضهم ومنهم (الجلال) إنها خصصتها بغير الكتابيات، والمقصود واحد.
وزعم بعض المفسرين أن آية البقرة هي الناسخة لآية المائدة، وهذا لا وجه له مع الاتفاق على أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولًا.
وذهب بعض آخر إلى التأويل بأن آية المائدة مقيدة بما إذا أسلمن، وهذا ليس بشيء إذ لا دليل على القيد المحذوف، ولأن المشركات إذا أسلمن يحل نكاحهن أيضًا بالإجماع، وجرى عليه العمل في عصر التنزيل قبل نزول الآية فما فائدة ذكره؟.
وقد اختلف في المجوس فقيل يدخلون في المشركين لأنهم لا كتاب لهم وقيل بل كان لهم كتاب، وبعض الفقهاء يقول لهم شبهة كتاب، وقد يشعر بأنهم أهل كتاب قوله تعالى في سورة الحج: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ فالعطف يقتضي المغايرة، وقد فرق الفقهاء بين المشركين والمجوس في الجزية ولا حاجة للبحث في ذلك هنا.
أما ما استدل به الآخرون على شرك أهل الكتاب من قوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ وقوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآية فقد أجابوهم عن الأول بأن قوله ﴿ يُشْرِكُونَ ﴾ لا يقتضي أن من حكى عنهم ذلك الفعل يشتق لهم منه وصف يكون عنوانًا لهم فيدخلوا في صنف من يسميهم القرآن بالمشركين والذين أشركوا، فإن الأوصاف كثيرًا ما يراد بها عند أهل التخاطب صنف مخصوص لا يدخل فيه كل من يتلبس بالفعل الذي اشتق منه الوصف.
مثال ذلك لفظ (العلماء) يطلق الآن عند المسلمين على صنف من الناس لا يدخل فيه كل من يتعلم علمًا أو علومًا، ولو تعلم ما يتعلمون وفاقهم فيه ما لم يكن على زيهم ومشاركًا لهم في مجموع المزايا التي كانوا بها صنفًا مستقلًا، ويطلق هذا اللفظ عند قوم آخرين على صنف آخر، وأجابوا عن الثاني بأنه مسوق لبيان فظاعة الشرك والتغليظ فيه وكونه غاية البعد عن الله تعالى بحيث قضى بأن لا تتعلق مشيئته بغفرانه، على أنه لو شاء أن يغفر كل ذنب سواه لفعل، إذ لا مرد لمشيئته، فلا يدخل هذا فيما نحن فيه، إذ لا يدل على أن كل من ليس مشركًا يغفر الله له، فيقال إن نفي الشرك عن أهل الكتاب يستلزم مغفرة الله تعالى لهم مع قيام الأدلة على أنه لا يغفر لمن تبلغه دعوة الحق الذي جاء به الإسلام فيجحدها عنادًا واستكبارًا.
﴿ وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ﴾ هذا معطوف على مفهوم ما قبله من الأمر بالإصلاح والنهي عن الإفساد، ومعناه لا تتزوجوا النساء المشركات ما دمن على شركهن ﴿ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ أي والله إن أمة أي مملوكة مؤمنة بالله ورسوله خير من مشركة حرة ولو أعجبتكم المشركة بجمالها وبغيره.
وأصل الأمة أموة بالتحريك يقال أمت الجارية: صارت أمة، وأميتها بالتشديد جعلتها أمة وتأمت صارت أمة.
﴿ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ ﴾ أي لا تزوجوهم المؤمنات ﴿ حَتَّى يُؤْمِنُوا ﴾ فيصيروا أكفاء لهن ﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ ﴾ أي ولمملوك مؤمن خير من مشرك حر ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾ المشرك بنسبه أو قوته أو ماله.
وجملة القول أن هؤلاء الذين أشركوا وهم الذين بينكم وبينهم غاية الخلاف والتباين في الاعتقاد لا يجوز لكم أن تتصلوا بهم برابطة الصهر لا بتزويجهم ولا بالتزوج منهم، وأما الكتابيات فقد جاء في سورة المائدة أنهن حل لنا، وسكت هناك عن تزويج الكتابي بالمسلمة وقالوا إنه على أصل المنع وأيدوه بالنسبة والإجماع وهو القول الذي أرضاه.
ولكن قد يقال إن الأصل الإباحة في الجميع فجاء النص بتحريم المشركين والمشركات تغليظًا لأمر الشرك ويحل الكتابيات تألفًا لأهل الكتاب ليروا حسن معاملتنا وسهولة شريعتنا، وهذا إنما يظهر بالتزوج منهم لأن الرجل هو صاحب الولاية والسلطة على المرأة، فإذا هو أحسن معاملتها كان ذلك دليلًا على أن ما هو عليه من الدين القويم، يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم، والعدل بين المسلمين وغير المسلمين، وسعة الصدر في معاملة المخالفين، وأما تزويجهم بالمؤمنات فلا تظهر منه مثل هذه الفائدة لأن المرأة أسيرة الرجل لا سيما في ملل ليس للنساء فيها من الحقوق ما أعطاهن الإسلام -وأهل الكتاب وسائر الملل كذلك- فقد يصح أن يكون هذا هو المراد من النصين في السورتين، وإذا قامت بعد ذلك أدلة من السنة أو الإجماع أو من التعليل الآتي لمنع مناكحة أهل الشرك على تحريم تزويج الكتابي بالمسلمة فلها حكمها لا عملًا بالأصل أو نص الكتاب، بل عملًا بهذه الأدلة، والتعبير بتنكحوا وتنكحوا (بفتح التاء وضمها) يشعر بأن الرجال هم الذين يزوجون أنفسهم ويزوجون النساء اللواتي يتولون أمرهن، وأن المرأة لا تزوج نفسها بالاستقلال بل لا بد من الولي، إذ الزواج تجديد قرابة ومودة رحمية بين أسرتين وعشيرتين لا يتم وتحصل فائدته إلا بتولي أولياء المرأة له مع اشتراط رضاها وإذنها به صراحة في الثيب وسكوتًا إقراريًا في البكر التي يغلب عليها الحياء.
وقد فسر الجمهور الأمة والعبد في الآية بالرقيق أي أن الأمة المملوكة المؤمنة خير من الحرة المشركة ولو أعجبكم جمالها، وكذلك القن المؤمن خير من الحر المشرك وإن كان معجبًا، وتعلم منه خيرية الحر المؤمن والحرة المؤمنة بالأولى، وقال آخرون إن المراد أمة الله وعبد الله أي أن المؤمنة والمؤمن كل منهما عبد الله يطيعه ويخشاه ولذلك كان خيرًا ممن يشرك به، فكان في التعبير بالأمة والعبد إشعار بعلة الخيرية.
بيان ذلك أن ليس المراد بالزوجية قضاء الشهوة الحسية فقط وإنما المراد بها تعاقد الزوجين على المشاركة في شؤون الحياة والاتحاد في كل شيء، وإنما يكون ذلك بكون المرأة محل ثقة الرجل يأمنها على نفسه وولده ومتاعه، عالمًا أن حرصها على ذلك كحرصه، لأن حظها منه كحظه، وما كان الجمال الذي يروق الطرف، ليحقق في المرأة هذا الوصف، ولكن قد يمنعه التباين في الاعتقاد، الذي يتعذر معه الركون والاتحاد، والمشركة ليس لها دين يحرم الخيانة، ويوجب عليها الأمانة، ويأمرها بالخير، وينهاها عن الشر، فهي موكولة إلى طبيعتها، وما تربت عليه في عشيرتها، وهو خرافات الوثنية وأوهامها وأماني الشياطين وأحلامها، فقد تخون زوجها، وتفسد عقيدة ولدها، فإن ظل الرجل على إعجابه بجمالها، كان ذلك عونًا لها على التوغل في ضلالها وإضلالها، وإن نبا طرفه عن حسن الصورة، وغلب على قلبه استقباح تلك السريرة، فقد ينغص عليه التمتع بالجمال ما هو عليه من سوء الحال.
وأما الكتابية فليس بينها وبين المؤمن كبير مباينة فإنها تؤمن بالله وتعبده، وتؤمن بالأنبياء وبالحياة الأخرى وما فيها من الجزاء، وتدين بوجوب عمل الخير وتحريم الشر، والفرق الجوهري العظيم بينهما هو الإيمان بنبوة النبي ومزاياها في التوحيد، والتعبد والتهذيب، والذي يؤمن بالنبوة العامة لا يمنعه من الإيمان بنبوة خاتم النبيين إلا الجهل بما جاء به وكونه قد جاء بمثل ما جاء به النبيون وزيادة اقتضتها حال الزمان في ترقيه، واستعداده لأكثر مما هو فيه، أو المعاندة والجحود في الظاهر، مع الاعتقاد في الباطن، وهذا قليل والكثير هو الأول، ويوشك أن يظهر للمرأة من معاشرة الرجل حقية دينه وحسن شريعته والوقوف على سيرة من جاء بها وما أيده الله تعالى به من الآيات البينات فيكمل إيمانها، ويصح إسلامها، وتؤتي أجرها مرتين، إن كانت في المحسنات في الحالين، ومثل هذه الحكمة لا تظهر في تزويج الكتابي بالمؤمنة، فإنه بما له من السلطان عليها، وبما يغلب عليها من الجهل والضعف في بيان ما تعلم، لا يسهل عليها أن تقنعه بحقيقة ما هي عليه، بل يخشى أن يزيغها عن عقيدتها ويفسد منها دون أن تصلح منه، وهذا المعنى يفهم من تعليل النهي عن مناكحة المشركين في قوله : ﴿ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ﴾ أشار بأولئك إلى المذكورين من المشركين والمشركات أي من شأنهم الدعوة إلى أسباب دخول النار بأقوالهم وأفعالهم، وصلة الزواج أقوى مساعد على تأثير الدعوة، لأن من شأنها أن يتسامح معها في شؤون كثيرة، وكل تساهل وتسامح مع المشرك أو المشركة محظور محذور الشر، بما يخشى منه أن يسرى شيء من عقائد الشرك للمؤمن أو المؤمنة بضروب الشبه والتضليل التي جرى عليها المشركون، كقوله فيمن يتخذونهم وسطاء بينهم وبين الخالق: ﴿ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ وقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ فهذه الشبهة هي التي فتن بها أكثر البشر، ولم يسلم منها أهل شريعة سماوية خالطوا المشركين وعاشروهم، فقد دخلوا في الشرك من حيث لا يشعرون، لأنهم لم يتخذوا معبودات المشركين أنفسها شفعاء ووسطاء، بل اتخذوا أنبياءهم ورؤساءهم، وظنوا أن هذا تعظيم لهم لا ينافي التوحيد الذي أمروا به وجعل أصل دينهم، وأساس ارتقاء أرواحهم وعقولهم، وقد اغتروا بظواهر الألفاظ وجعلوا تسمية الشيء بغير اسمه إخراجًا له عن حقيقته، فهم قد عبدوا غير الله ولكنهم لم يسموا عملهم عبادة، بل أطلقوا عليه لفظًا آخر كالاستشفاع والتوسل، واتخذوا غير الله إلهًا وربًا، ومنهم من لم يسمه بذلك، بل سموه شفيعًا ووسيلة وتوهموا أن اتخاذه إلهًا أو ربًا هو تسميته بذلك أو اعتقاد أنه هو الخالق والرازق والمحيي والمميت استقلالًا، ولو رجعوا إلى عقائد الذين اتبعوا سننهم من المشركين لوجدوهم كما قال تعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ مع قوله: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ فإذا كانت مساكنة المشركين ومعاشرتهم مع الكراهة والنفور قد أفسدت جميع الأديان السماوية الأولى، فما بالك بتأثير اتخاذهم أزواجًا، وهو يدعو إلى كمال السكون إليهم والمودة لهم والرحمة بهم؟
ألا يكون ذلك دعوة إلى الناء، وسببًا للشقاء والبوار.
هذه دعوة الزوج المشرك بطبيعة دينه ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ﴾ بما اشتمل عليه دينه الذي أرسل به رسله من التوحيد الخالص الذي ينقذ العقول من أوهام الوثنية، ومنها إعطاء بعض المخلوقين شعبًا من خصائص الألوهية، وبإفراد الله سبحانه بالعبادة والسلطة الغيبية، وهذا هو السبب الأول في دخول الجنة واستحقاق المغفرة منه تعالى للمؤمن الموحد إذا ألم بمعصية أو كسب خطيئة، لأن خطيئته لا تحيط بروحه ولا ترين على قلبه فتجعله شريرًا، لأن الله غالب على أمره ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ فحاصل معنى ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ﴾ هو أن دعوة الله التي عليها المؤمنون هي الموصلة إلى الجنة والمغفرة بإذن الله وإرادته وهدايته وتوفيقه، فهي مناقضة لدعوة المشركين وهي ما هم عليه من الشرك الموصل إلى النار يسوء اختيار أصحابه له، ففيه المقابلة بين المشركين والمؤمنين وهي أنهما على غاية التباين، وفيه أن ما عليه المشركون هو من سوء اختيارهم وقبح تصريفهم في كسبهم، وأن ما عليه المؤمنون لم يكن بوضعهم وعملهم وإنما هو الدين الذي هو وضع الله بلغه عنه رسله بإذنه وهدى إليه خلقه.
وهنا وجه آخر وهو أن المراد باسم الجلالة (الله) هو ما يعتقده فيه سبحانه المؤمنون به من كونه واحدًا أحدًا صمدًا لا كفؤ له ولا مساعد ولا وزير، ولا واسطة بينه وبين خلقه يحمله على نفعهم أو ضرهم، وإنما هو فاعل بإرادته القديمة على حسب علمه القديم، ولا تأثير للحوادث فيهما ولا في غيرهما من صفاته تعالى.
فهذا الاعتقاد بالله هو الأصل الذي يدعوهم إلى الجنة، لأنه ينبوع الأعمال الحسنة النافعة، ومصدر الأخلاق الفاضلة، التي يستحق صاحبها الجنة على ما يحسن فيه، والمغفرة على ما أساء فيه، ومنعه إيمانه من الإصرار عليه، والاسترسال فيه حتى يحيط به، وإنما كان أصلًا في ذلك لأنه متى صح إيمانه صحت عزيمته في اتباع الشريعة والاهتداء بالدين القويم، وهذا التعبير مأنوس به في اللغة، يعبر بالشيء عن المصرف له والغالب على أمره، على حد الحديث القدسي "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به" إلخ..
وذلك أن اعتقاده يملك شعوره ومشاعره فيكون أصل كل عمل نفسي وبدني فيه.
وقد يقال إن هذه العلة في تحريم مناكحة المشركين متحققة في نكاح الكتابيات فالكتابية تدعو بسيرتها وعملها وقولها إلى ما هي عليه من العقيدة الفاسدة، وما يتبعها من الأعمال التي لم تكن من أصل دينها الصحيح المتفق مع الإسلام، فهي إن وافقت زوجها المسلم فيما هو إيمان صحيح كالإيمان بالله والإيمان بالأنبياء وباليوم الآخر في الجملة، فهي تخالفه بما تصف به الله أو تتخذ له من الأبناء والأنداد، وذلك من الدعوة إلى النار، وقد تغلب المرأة على أمر زوجها أو ولدها فتقوده إلى دعوتها، ولهذا ذهب بعض الشيعة إلى تحريم نكاح الكتابية.
ونقول في الجواب لو اتحدت العلة لما صرح الكتاب بجواز الزواج بالكتابية المحصنة، ولما اتفق سلف الأمة وخلفها على ذلك ما عدا هذه الشرذمة من الشيعة، وكيف يستوي الفريقان -أهل الكتاب والمشركون- وقد فرق الكتاب والسنة بينهما في كثير من المزايا والأحكام، ولم يجمع القرآن بين المشركين والمؤمنين في حكم كما جمع بين المؤمنين وأهل الكتاب في مثل قوله في سورة البقرة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ، وقوله في سورة آل عمران: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ الآية وقوله في البقرة ومثله في آل عمران: ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ وقوله فيها: ﴿ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴾ وقوله ﴿ وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ وأمثال هذه الآيات كثير جدًا وهي تصرح بأن إله المسلمين وأهل الكتاب واحد وربهم واحد والذي أنزل عليهم هو شيء واحد أي في جوهره والمراد منه وهو الإيمان بالله وتوحيده والبعث والعمل الصالح ولكنها في أواخرها تبين محل الدعوة والفرق وهو أننا مسلمون مخلصون، وأنه طرأ عليهم الانحراف فاتخذوا من أنفسهم أربابًا يحلون ويحرمون ويشرعون لهم ما لم يأذن به الله، وأنهم غير مخلصين ولا مسلمين في أعمالهم، وهذا شيء لا ينكره أهل العلم الحقيقي والتاريخ منهم، بل يقولون لولا الانحراف والشرائع التي زادوها وسموها بالطقوس وبأسماء أخرى لما ضعفت أخلاقهم، ومرضت قلوبهم، وانحلت جامعتهم، حتى كان من أمر الإسلام فيها ما كان، وقد طرأ شيء من ذلك على من اتبعوا سنتهم منا شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، مع أن أصل الدين عندنا قد حفظ بعناية لم يكن لها مثلها، وصرنا في حاجة إلى من يدعونا إلى إقامة الأصل كما دعاهم داعي الإسلامي، لا فرق في ذلك إلا أن الأصل الذي يجب أن يدعى إليه الجميع موجود محفوظ كما هو لا ينقص الجميع إلا إقامته والعمل به، وهو القرآن الذي اتخذه المسلمون في عصرنا آلة لهو وسلعة تجارة، ولكنهم لا يدعون إلى إقامته والعمل به، بل منهم من يصرح بتحريم العمل به، ويسمي ذلك اجتهادًا والاجتهاد عندهم ممنوع، فقد منعوا القرآن بشبهة سخيفة وهي منع العلم الاستدلالي، ومنعه منع لحقيقة الإسلام وانصراف عن ينبوعه، وتفضيل أخذ عقائد الإسلام من كتب الكلام المبتدعة على أخذها من كتاب الله المعصوم وتفضيل أخذ أحكامه حتى التعبدية من كتب الفقهاء على أخذها منه ومن سنة الرسول ويبقى ما في الكتاب والسنة من الآداب والفضائل والحكم والمواعظ، والسياسة العليا وسنن الاجتماع المثلى مما لا يوجد في كتبهم، وقد استغنوا عنها بالتبع لاستغنائهم عن غيرها، كأنه لم يبق لهم أدنى حاجة في علوم القرآن ومعارفه، والعياذ بالله من الخذلان!.
فإذا كان الفرق بيننا وبين أهل الكتاب يشبه الفرق بين الموحدين المخلصين العاملين بالكتاب والسنة، وبين المبتدعة الذين انحرفوا عن هذين الثقلين اللذين تركهما رسول الله فينا، وأخبرنا أننا لا نضل ما تمسكنا بهما -كما في حديث الموطأ- فكيف يكون أهل الكتاب كالمشركين في حكم الله تعالى؟
والجملة أن ما عليه الكتابية من الباطل هو مخالف لأصل دينها وقد عرض لها ولقومها بشبه ضعيفة يسهل على المؤمن العالم بالحق أن يكشف لها عن وجه الحق في شبهتها، ويرجعها إلى الصواب ويعسر عليها هي أن تنتصر بالشبهة على الحجة، وتزيل السنة الأولى بما عرض من الشبهة، وأما ما نراه من التباين بين المسلمين وأهل الكتاب الآن فسببه سياسة الملوك والرؤساء، ولو أقمنا الكتاب وأقاموه لتقاربنا ورجعنا جميعًا إلى الأصل الذي أرشدنا إليه القرآن العزيز.
ولا يخفى أن هذا الأمر يختلف باختلاف الأشخاص فرب مسلم مقلد يتزوج بكتابية عالمة فتفسد عليه تقاليده ولا عوض له عنها، فينبغي أن يعرف هذا.
ثم قال تعالى ﴿ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ ﴾ أي يوضح الدلائل على أحكام شريعته للناس فلا يذكر لهم حكمًا إلا ويبين لهم حكمته وفائدته بما يظهر لهم به أن المصلحة والسعادة فيما شرعه لهم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ يتعظون فيستقيمون فإن الحكم إذا لم تعرف فائدته للعامل لا يلبث أن يمل العمل به فيتركه وينساه، وإذا عرف علته ودليله وانطباقه على مصلحته ومصلحة من يعيش معهم فأجدر به أن يحفظه ويقيمه على وجهه ويستقيم عليه، لا يكتفي بالعمل بصورته وإن لم تؤد إلى المراد منه.
ومن هنا قال الفقهاء إن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا وإن ما يشارك المنصوص في العلة يعطى حكمه، وليتنا عملنا بهذه القواعد ولم نرجع إلى التمسك بالظواهر من غير عقل، ويا ليتها ظواهر الكتاب والسنة، إن هي إلا ظواهر أقوال أقوام من المؤلفين، منهم المعروف تاريخه، ومنهم المجهول أمره، وإلى الله المشتكى، فاللهم ذكرنا ما نسينا واهدنا إلى الاعتبار بكتابك والعمل به لنكون من المفلحين.
<div class="verse-tafsir"
هذا هو السؤال الثالث من الأسئلة التي وردت معطوفة بالواو وهو يتصل بما قبله وما بعده في أن ذلك من الأحكام المتعلقة بالنساء، وأما الأسئلة التي وردت قبلها مفصولة فلم تكن في موضوع واحد فيعطف بعضها على بعض فجاءت على الأصل في سرد التعدد.
وقد كانت هذه الأسئلة في المدينة حيث الاختلاط بين العرب واليهود، وهؤلاء يشددون في مسائل الحيض والدم كما هو مذكور في الفصل الخامس عشر من سفر اللاويين من الأسفار التي يسمون جملتها التوراة.
ومنها أن كل من مس الحائض في أيام طمثها يكون نجسًا، وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسًا إلى المساء، وكل من مس متاعًا تجلس عليه يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجسًا إلى المساء، وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه يكون نجسًا سبعة أيام، وكل فراش يضطجع عليه يكون نجسًا إلخ.
وللرجل الذي يسيل منه دم نحو هذه الأحكام عندهم.
وأما النصارى فقد نقل عنهم أنهم كانوا يتساهلون في أمر المحيض وكانوا مخالطين للعرب في مواطن كثيرة، وروي أن أهل الجاهلية كانوا لا يساكنون الحيض ولا يؤاكلوهن كفعل اليهود والمجوس، ومن شأن الناس التساهل في أمور الدين التي تتعلق بالحظوظ والشهوات فلا يقفون عند الحدود المشروعة فيها لمنفعتهم ومصلحتهم، فكان اختلاف ما عرف المسلمون عن أهل الكتاب مما يحرك النفس للسؤال عن حكم المحيض في هذه الشريعة المُصْلِحة، فسألوا كما في حديث أنس الآتي قريبًا فأنزل الله تعالى على نبيه: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ ﴾ أي عن حكمته والمحيض هو الحيض المعروف، وهو الدم الذي يخرج من الرحم على وصف مخصوص في زمن معلوم، لوظيفة حيوية صحية تعد الرحم للحمل بعده إذا حصل التلقيح المقصود من الزوجية لبقاء النوع.
فالمحيض كالحيض مصدر كالمجيء والمبيت ويطلق على زمان الحيض ومكانه، والمرأة حائض بدون تاء لأنه وصف خاص وجمعه حيض بتشديد الياء (كراكع وركع) وورد حائضة وجمعه حائضات.
ولا حاجة إلى تقدير محل المحيض فإنما يسأل الشارع عن الأحكام، ﴿ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ﴾ قدم العلة على الحكم ورتبه عليها ليؤخذ بالقبول من المتساهلين الذين يرون الحجر عليهم تحكمًا، ويعلم أنه حكم للمصلحة لا للتعبد كما عليه اليهود، والمراد من النهي عن القرب النهي عن لازمه الذي يقصد منه وهو الوقاع، والمعنى أنه يجب على الرجال ترك غشيان نسائهم زمن المحيض لأن غشيانهن سبب للأذى والضرر، وإذا سلم الرجل من هذا الأذى فلا تكاد تسلم منه المرأة لأن الغشيان يزعج أعضاء النسل فيها إلى ما ليست مستعدة له ولا قادرة عليه لاشتغالها بوظيفة طبيعية أخرى وهي إفراز الدم المعروف.
وقد فسر (الجلال) الأذى بالقذر تبعًا لغيره، على أن أخذه على ظاهره وهو الضرر مقرر في الطب فلا حاجة إلى العدول عنه.
وقد جاء هذا الحكم وسطًا بين إفراط الغلاة الذين يعدون المرأة الحائض وكل من يمسها أو يمس ثيابها أو فراشها من النجاسات، وتفريط المتساهلين الذين يستحلون ملابستها في الحيض على ما فيه من الأذى والدنس.
وقد أفادت عبارة الآية الكريمة تأكيد الحكم إذ أمرت باعتزال النساء في زمن المحيض، وهو كناية عن ترك غشيانهن فيه، ثم بينت مدة هذا الاعتزال بصيغة النهي.
والحكمة في التأكيد هي مقاومة الرغبة الطبيعية في ملابسة النساء وإيقافها دون حد الإيذاء.
وكان يظن بعض الناس أن الاعتزال وترك القرب حقيقة لا كناية، وأنه يجب الابتعاد عن النساء في المحيض وعدم القرب منهن بالمرة، ولكن النبي بين لهم أن المحرم إنما هو الوقاع.
عن أنس بن مالك أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب النبي عن ذلك فأنزل الله ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى ﴾ إلى آخر الآية فقال رسول الله :"اصنعوا كل شيء إلا الجماع".
وفي حديث حزم بن حكيم عن عمه أنه سأل رسول الله : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟
قال:"لك ما فوق الإزار".
أي ما فوق السرة.
وقد حمل بعضهم النهي على من يخاف على نفسه الوقاع، وكأن السائل كان كذلك، وقال بعضهم إن هذا الحديث مخَصِّص للحديث الأول ولما في معناه فلا يجوز الاستمتاع إلا بما فوق السرة والركبة، وهو تخصيص بالمفهوم والخلاف فيه عند الأصوليين معلوم.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم (يطهرن) بتشديد الطاء وأصله يتطهرن والباقون بالتخفيف.
﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ ﴾ الطهر في قوله تعالى ﴿ حَتَّى يَطْهُرْنَ ﴾ انقطاع دم الحيض وهو ما لا يكون بفعل النساء، وأما التطهر فهو من عملهن وهو يكون عقب الطهر، واختلفوا في المراد منه فقال بعض العلماء هو غسل أثر الدم وقال مجاهد وعكرمة إن انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن تتوضأ، والجمهور على أن المراد به الاغتسال بالماء إن وجد، ولا مانع منه وإلا فالتيمم.
وقالت الحنفية إن طهرت لأقل من عشرة فلا تحل إلا إذا اغتسلت وإن لعشر حلت ولو لم تغتسل وهو تفصيل غريب.
والأمر بإتيانهن لرفع الحظر في النهي عن قربهن وبيان شرطه وقيده.
والظاهر أن المراد بلفظ الأمر في قوله ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ ﴾ الأمر التكويني أي فأتوهن من المأتى الذي برأ الله تعالى الفطرة على الميل إليه ومضت سنته بحفظ النوع به وهو موضع النسل ويحتمل أن يكون المراد بالأمر ما قضت به شريعة الله تعالى من طلب التزوج وتحريم الرهبانية فليس للمسلم أن يترك الزواج على نية العبادة والتقرب إلى الله تعالى لأنه سبحانه قد امتن علينا بأن خلق لنا من أنفسنا أزواجًا لنسكن إليها وأرشدنا إلى أن ندعوه بقوله: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ ولا يتقرب إليه تعالى بترك ما شرعه وامتن به على عباده وجعله من نعمه عليهم، فإتيان النساء بالزواج الشرعي من الجهة التي يبتغي بها النسل من أعظم العبادات، وتركه مع القدرة عليه وعدم المانع مخالفة لسنة الله تعالى في خليقته، وسنته في شريعته، ولما قال ."وفي بضع أحدكم صدقة" قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟
قال.
"أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر" الحديث.
وكأن السائلين كانوا توهموا أن الإسلام يكون كالأديان الأخرى يجعل العبادة في تعذيب النفس ومخالفة الفطرة، كلا إنه دين الفطرة يحمل الناس على إقامتها مع القصد وعدم البغي فيها.
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾ الذين إذا خالفوا سنة الفطرة بغلبة سلطان الشهوة فأتوا نساءهم في زمن المحيض أو في غير المأتى الذي أمر الله به يرجعون إليه تائبين ولا يصرون على فعلهم السيء، ﴿ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ من الأحداث والأقذار، ومن إتيان المنكر، بل هؤلاء أحب إليه من الذين يقعون في الدنس ثم يتوبون منه.
ثم قال تعالى ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾ بين في الآية السابقة حكم المحيض وأحل غشيان النساء بعده، وبين في هذه الآية حكمة هذا الغشيان التي شرع الزواج لأجلها وكان من مقتضى الفطرة، وهي الاستنتاج والاستيلاد، لأن الحرث هو الأرض التي تستنبت، والاستيلاد كالاستنبات، وهذا التعبير على لطفه ونزاهته وبلاغته وحسن استعارته تصريح بما فهم من قوله ﴿ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ ﴾ أو بيان له، فهو يقول إنه لم يأمر بإتيان النساء الأمر التكويني بما أودع في فطرة كل من الزوجين من الميل إلى الآخر، والأمر التشريعي بما جعل الزواج من أمر الدين وأسباب المثوبة والقربة، إلا لأجل حفظ النوع البشري بالاستيلاد كما يحفظ النبات بالحرث والزرع، فلا تجعلوا استلذاذ المباشرة مقصودًا لذاته فتأتوا النساء في المحيض حيث لا استعداد لقبول زراعة الولد وعلى ما في ذلك من الأذى.
وهذا يتضمن النهي عن إتيانهن في غير المأتى الذي يتحقق به معنى الحرث، وقوله تعالى ﴿ أَنَّى شِئْتُمْ ﴾ معناه كيف شئتم ﴿ وَأَنَّى ﴾ تستعمل غالبًا بمعنى "كيف" وتستعمل بمعنى "أين" قليلًا، ولا يظهر هذا لأن الحرث له مكان واحد لا يتعداه، والأمر مقيد به، ولذلك أعاذ ذكر الحرث مظهرًا ولم يقل "فأتوهن أنى شئتم" فكأنه يقول: لا حرج عليكم في إتيان النساء بأي كيفية شئتم ما دمتم تقصدون بها الحرث في موضعه الطبيعي، لأن الشارع لا يقصد إلى إعناتكم ومنعكم من لذاتكم، ولكن يريد ليوقفكم عند حدود المصلحة والمنفعة كيلا تضعوا الأشياء في غير مواضعها فتفوت المنفعة وتحل محلها المفسدة.
وهذا التفسير الذي ظهر به أن الآية متممة لمعنى ما قبلها يغنينا في فهمها عما روي في أسباب النزول.
وقد ذهب بعض المفسرين والمحدثين إلى أن ﴿ أَنَّى ﴾ في الآية بمعنى المكان لا بمعنى الكيفية والصفة، وقالوا إنها نزلت في إباحة الإتيان في غير المزدرع والحرث، فمعناها في أي النافذتين شئتم...
وإن جنون المسلمين بالرواية هو الذي حمل بعضهم على تفسير الآية بهذا المعنى الذي تتبرأ منه عبارتها العالية، ونزاهتها السامية، ولم يلتفتوا إلى ذوق التعبير ومراعاة الأدب في بيان هذه الأحكام كما رأوا في الآية، فقد فاتهم فهم حكمها، كما فاتهم فهم حكمتها ونزاهتها وأدبها.
وما روي في إباحة الخروج عن سنة الفطرة فلا يصح منه شيء، ولئن صح سندًا فهو لن يصح متنًا، ولا نخرج عن هدى القرآن ومحجته البيضاء لرواية أفراد قيل إنه لا يعرف عنهم ما يجرح روايتهم.
ويؤيد التفسير المختار قوله تعالى بعدما تقدم ﴿ وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ إلخ.
فهذه أوامر تدل على أن هنا شيئًا يرغب فيه وشيئًا يرغب عنه ويحذر منه.
أما ما يرغب فيه فهو ما يقدم للنفس وهو ما ينفعها في المستقبل، ولا أنفع للإنسان في مستقبله من الولد الصالح، فهو ينفعه في دنياه كما هو ظاهر، وفي دينه من حيث إن الوالد سبب وجوده وصلاحه، وقد ورد في الحديث إن الولد الصالح من عمل المرء الذي ينفعه دعاؤه بعد موته، ولا يكون الولد صالحًا إلا إذا أحسن والداه تربيته، فالأمر بالتقديم للنفس، يتضمن الأمر باختيار المرأة الودود الولود التي تعين الرجل على تربية ولده بحسن خلقها وعملها، كما يختار الزراعة في الأرض الصالحة، التي يرجى نماء النبات فيها وإيتاؤه الغلة الجيدة، ويتضمن الأمر بحسن تربية الولد وتهذيبه.
وأما ما يحذر منه ويتقي الله فيه فهو إخراج النساء عن كونهن حرثًا بإضاعة مادة النسل في المحيض أو بوضعها في غير موضع الحرث، وكذلك اختيار المرأة الفاسدة التربية وإهمال تربية الولد.
فإن الأمر بالتقوى ورد بعد النهي عن إتيان النساء في المحيض والأمر بإتيانهن من حيث أمر الله تعالى وهو موضع الحرث والأمر بالتقديم لأنفسنا فوجب تفسير التقوى بتجنب مخالفة هذا الهدي الإلهي.
وقوله تعالى ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ ﴾ إنذار للذين يخالفون عن أمره بأنهم يلاقون جزاء مخالفتهم في الآخرة كما يلاقونها في الدنيا، بفقد منافع الطاعة والامتثال، وتجرع مرارة عاقبة المخالفة والعصيان.
ثم قرن إنذار العاصين بتبشير المطيعين فقال ﴿ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ الذين يقفون عند الحدود ويتبعون هدى الله تعالى في أمر النساء والأولاد، وقد حذف ما به البشارة ليفيد أنه عام يشمل منافع الدنيا ونعيم الآخرة، ولا يعزب عن فكر العاقل أن من يختار لنفسه المرأة الصالحة ولا يخرج في شأن الزوجية عن سنة الفطرة والشريعة في ابتغاء الولد، ثم إنه يحسن تربية ما يرزقه الله من ولد، فإنه يكون في الدنيا قرير العين بحسن حاله وحال أهله وسعادة بيته.
وأما الذين تطغى بهم شهواتهم فتخرجهم عن الحدود والسنن فإنهم لا يسلمون من المنغصات والشقاء في حياتهم الدنيا، وهم في الآخرة أشقى وأضل سبيلًا، وإنما سعادة الدارين في تكميل النفس بالاعتقاد الصحيح والأخلاق المعتدلة، وتلك هي الفطرة السليمة.
والتعبير بالمؤمنين يشعر بأن العمل والامتثال والإذعان مما يتحقق به إيمان المؤمن وأن فائدة الإيمان بثمراته هذه، وإن شئت قلت بتمام أركانه وهي الاعتقاد والقول والفعل، كما ورد في الأحاديث الصحيحة المبينة للآيات الكريمة، الدامغة للذين يفصلون بين الاعتقاد والأعمال اللازمة له.
وإننا نعيد التنبيه للاقتداء بنزاهة القرآن في التعبير عن الأمور التي يستحيا من التصريح بها بالكنايات البعيدة التي يفهم منها المراد ولا تستحي من تلاوتها العذراء في خدرها، فإن الإتيان بمعنى المجيء فهو كناية لطيفة كقوله ﴿ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ ﴾ وتشبيه النساء بالحرث لا يخفى حسنه.
فأين هذه النزاهة مما تراه لبعضهم في تفسيرها وتفسير أمثالها من الآيات المعجزة بنزاهتها كإعجازها ببلاغتها، ومما تراه في بعض كتب الدين الأخرى من العبارات المستهجنة التي قد يستغنى عنها في بيان المراد منها.
<div class="verse-tafsir"
هذه الآيات في أحكام الأيمان وهي عامة وخاصة، والثاني هو حلف الرجل أن لا يقرب امرأته، وخص باسم الإيلاء في عرف الشرع كما سيأتي، فبين الآيات وما قبلها وما بعدها تناسب بهذا الاعتبار.
﴿ وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ﴾ العرضة بالضم كالغرفة لها معان أظهرها هنا اثنان: أحدهما: أن تكون بمعنى المانع المعترض دون الشيء، أي لا تجعلوا الله تعالى مانعًا بينكم وبين عمل الخير بأن تحلفوا به على تركه فتتركوه تعظيمًا لاسمه، ويؤيد هذا المعنى ما رواه ابن جرير في سبب نزول الآية وهو حلف أبي بكر على ترك الإنفاق على "مسطح" بعد أن خاض في قصة الإفك وفيه نزل ﴿ وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى ﴾ الآية.
ويؤيده أيضًا أحاديث في الصحيحين وغيرهما منها قوله : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" وقوله :"والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني" وفي حديث عائشة عند ابن ماجة وابن جرير قالت قال رسول الله :"من حلف على يمين قطيعة رحم أو معصية فَبِرُّه أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه" وفي هذا المعنى أحاديث أخرى.
ذلك أن الإنسان يسرع إلى لسانه الحلف أنه لا يفعل كذا وقد يكون خيرًا وليفعلن كذا وقد يكون شرًا، والله تعالى لا يرضى بأن يكون اسمه حجابًا دون الخير أو محضاء للشر، فنهى عن ذلك وأمر نبيه بوجوب تحري الخير والأحسن، وإن حلف على غيره فليكفر عن يمينه بما هو منصوص في سورة المائدة.
والمعنى الثاني: للعُرْضة ما يعرض للشيء أي ما ينصب ليعرض له الشيء كالهدف للسهام، يقال فلان عرضة للناس إذا كانوا يقعون فيه ويعرضون له بالمكروه، قال الشاعر: وإن تتركوا رهط الفدوكس عصبة يتامى أيامى عرضة للقبائل ويقال جعلته عرضة لكذا أي نصبته له فكان معروضًا له يكثر وروده عليه، وقال الشاعر: طلقتهن وما الطلاق بسبة إن النساء لعرضة التطليق والمعنى على هذا الوجه لا تكثروا الحلف بالله تعالى فالذي يجعل الله عرضة لأيمانه هو كالحلاف في قوله تعالى: ﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ ﴾ فكثير الحلف حليف المهانة وقرينها، وقد ذكر تعالى في هذه الآيات صفات أخرى ذميمة نهى عن أهلها وبدأها بالحلاف فقال بعد ما تقدم ﴿ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ فالحلاف يعد في مقدمة هؤلاء الأشرار.
ومن أكثر الحلف قلت مهابته وكثر حنثه واتهم بالكذب، ولا يكون الحلاف إلا كذابًا فهو على إهانته لاسم الله تعالى يفوته ما يريد من قبول قوله وتصديقه، فالآية الكريمة ترشدنا إلى ترك الحلف بالله تعالى إلا عند الحاجة إلى ذلك.
وهذا الوجه أظهر من الذي سبقه، والعرضة بهذا المعنى أكثر استعمالًا وكانت العرب تمتدح بقلة الحلف وحفظ الأيمان قال الشاعر: قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت و "الألايا" جمع ألية وهي اليمين كقضية وقضايا، وإنك لتجد كثيرًا من أهل الدين لا يحفظون من أيمانهم ما كان يحفظ أهل الشرك في الجاهلية فأين هم من قول الإمام الشافعي: ما حلفت بالله صادقًا ولا كاذبًا؟
ومن مذام كثرة الحلف أنه يقلل ثقة الإنسان بنفسه وثقة الناس به، فهو يشعر بأنه لا يصدق فيحلف، ولهذا وصفه الله تعالى بالمهين، وكثيرًا ما يعرض نفسه للخطأ إذا حلف على المستقبل، ثم إنه لا يكون إلا قليل الخشية والتعظيم لله تعالى لا يهمه إلا أن يرضي الناس ويكون موثوقًا به عندهم، فتعريض اسم الله تعالى للحلف بدون ضرورة ولا حاجة ينشأ عن فقد هيبة الله وإجلاله من النفس فإن الناس يتعلمون كثرة الحلف من أمهاتهم ومن الولدان الذين يتربون معهم وهم صغار فيتعودون عدم احترام اسم الله تعالى وقد نجد هذا الحلف فاشيًا حتى في المشتغلين بعلم الدين، ذلك أن علم الدين أصبح صناعة لفظين لا أثر لها في القلوب ولا في الأعمال، وقد حدثني بعضهم حديثًا أربع مرات وفي كل مرة كان يحلف عليه ويكذب فيه بما يزيد فيه وينقص منه.
وقوله تعالى ﴿ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ على الوجه الأول بيان الأيمان لأنه بمعنى المحلوف عليه، أي لا تجعلوه مانعًا لما حلفتم على تركه من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، بل إذا حلف أحدكم على ترك البر أو التقوى أو الإصلاح فليكفر عن يمينه وليفعل البر والتقوى والإصلاح، فلا عذر لأحد في ترك ذلك، ولا يرضى الله تعالى أن يكون اسمه مانعًا منه، وأما على الوجه الثاني فهو لتعليل النهي أي لا تجعلوه تعالى معرضًا لأيمانكم لأجل البر والتقوى والإصلاح فإن كثير الحلف لا يكون أهلًا لذلك لما تقدم من كونه يكون مهينًا، غير معظم لله تعالى، وعرضة للكذب والحنث، وغير موثوق بقوله، فأنَّى يرضاه الناس مصلحًا بينهم، والمصلح مرب ومؤدب وحاكم مطاع بالاختيار.
ثم قال ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي سميع لما تلفظون به من الحلف وغيره عليم بما يترتب على كثرة الحلف وبغيره من أعمالكم فعليكم أن تراقبوه وتتذكروا عند داعية كل قول وعمل أنه سميع لأقوالكم عليه بأفعالكم، لعلكم تقفون عند حدود هدايته لكم فتكونون من المفلحين، وإلا كنتم من الخاسرين.
هذا الختم للآية يتضمن الوعيد على كثرة الحلف، فإذا دخل فيه ما يجري في الكلام من قصد وروية كقول الإنسان: أي والله، لا والله: وعد هذا مما يؤاخذ عليه ويجري فيه الحكم السابق كان الحرج عظيمًا، وقد رفع الله هذا الحرج بقوله ﴿ لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ فاللغو أن يقع الكلام حشوًا غير مقصود به معناه، فهو يقول إن هذه الألفاظ التي تسبق إلى اللسان عادة ولا يقصد بها عقد اليمين لغو من القول لا تعد إيمانًا حقيقية، فلا يؤاخذكم الله تعالى بها بفرض الكفارة عليها ولا بالعقاب ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ بأن تقصدوا جعل اسمه الكريم عرضة للابتذال، أو مانعًا لصالح الأعمال، فإن الله لا ينظر إلى صوركم وأقوالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فالقول الحشو الذي لا أثر له في القلب، ولا شأن له في العمل، مما يعفو عنه، ولا يعاقب عليه، ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ يغفر لعبده ما يلم به مما لا يفسد أخلاقه وأعماله، ولا يتعجل بالعقوبة على هذا اللمم الذي يضعف العبد عن التوقي منه، ولذلك لم يكلف عباده ما يشق عليهم فيما لم تقصده قلوبهم ولم تتعمده نفوسهم، لأنه مما لا يدخل تحت سلطة الاختيار.
وقد ذكر بعض الفقهاء لليمين اللغو غير هذا المعنى المتبادر ووضعوا لذلك أحكامًا ذكرها المفسرون ولا حاجة إليها، وما قلناه هو المتبادر المأثور عن جمهور السلف.
بعد بيان هذه الأحكام في الأيمان العامة انتقل إلى حكم اليمين الخاصة فقال ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ إلخ فالإيلاء من المرأة أن يحلف الرجل أنه لا يقربها، وهو مما يكون من الرجال عند المغاضبة والغيظ، وفيه امتهان للمرأة وهضم لحقها وإظهار لعدم المبالاة بها، فترك المقاربة الخاصة المعلومة ضرارًا معصية، والحلف عليها حلف على ما لا يرضى الله تعالى به لما فيه من ترك التواد والتراحم بين الزوجين وما يترتب على ذلك من المفاسد في أنفسهما وفي عيالهما وأقاربهما، والظاهر أن حكم هذا الإيلاء "الحلف" يدخل في معنى الآية السابقة على الوجه الأول من الوجهين اللذين أوردناهما، وهو أنه يجب على المؤلي أن يحنث ويكفر عن يمينه، ولكنه إذا لم يفعل هذا الواجب لم يكن آثمًا في نفسه فقط فيقال حسبه ما يلقى من جزاء إثمه، بل يكون بإثمه هاضمًا لحق امرأته، ولا يبيح له العدل هذا الهضم والظلم، ولذلك أنزل الله فيه هذا الحكم، وهو التربص مدة أربعة أشهر، وقد قيل إن هذه هي المدة التي لا يشق على المرأة البعد فيها عن الرجل وهي كافية لتروي الرجل في أمره ورجوعه إلى رشده ﴿ فَإِنْ فَاءُوا ﴾ أي رجعوا إلى نسائهم بأن حنثوا في اليمين وقاربوهن في أثناء هذه المدة أو آخرها ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يغفر لهم منا سلف برحمته الواسعة، لأن الفيئة توبة في حقهم ﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ ﴾ أي صمموا على أن لا يعودوا إلى ملامسة نسائهم ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي فليراقبوا الله تعالى عالمين أنه سميع لإيلائهم وطلاقهم عليم بنيتهم فيه، فإن كانوا يريدون به إيذاء النساء ومضارتهن فهو يتولى عقابهم، وإن كان لهم عذر شرعي بأن كان الباعث على الإيلاء تربية النساء لأجل إقامة حدود الله، وعلى الطلاق اليأس من إمكان المعاشرة بالمعروف، فهو يغفر لهم، والمعنى أن من حلف على ترك غشيان امرأته فلا يجوز له أن يتربص أكثر من أربعة أشهر فإن تاب وعاد قبل انقضائها لم يكن عليه إثم، وإن أتمها تعين عليه أحد الأمرين الفيئة والرجوع إلى المعاشرة الزوجية أو الطلاق، وعليه أن يراقب الله تعالى فيما يختاره منهما.
فإن لم يطلق هو بالقول كان مطلقًا بالفعل، أي أنها تطلق منه بعد انتهاء المدة رغم أنفه منعًا للضرار، وقيل ترفع أمرها إلى الحاكم فيطلق عليه، والمسألة خلافية في هذا ولكن لا خلاف في عدم جواز بقائها على عصمته وعدم إباحة مضارتها.
وقد فضل الله تعالى الفيئة على الطلاق إذ جعل جزاء الفيئة المغفرة والرحمة، وهدى إلى مراقبته في العزم على الطلاق، وذَكَّر المؤلي بسمعه تعالى لما يقول وعلمه بما يسره في نفسه ويقصده من علمه.
هذا حكم الإيلاء من المرأة إذا أطلقه الزوج فلم يذكر زمنًا أو قال لا أقربك مدة كذا وذكر أكثر من أربعة أشهر، فإن ذكر مدة دون أربعة أشهر فلا يلزمه شيء إذا أتمها وفي الأربعة خلف.
وقد عَدَّى الإيلاء هنا "بمن" لما فيه من معنى المفارقة والانفصال، وهو من البلاغة والإيجاز بمكان.
وقال في غيره ألى وآلى وائتلى أن يفعل كذا أي حلف، وصار الإيلاء حقيقة شرعية في الحلف لمذكور.
لما ذكر في الآية السابقة أن للمؤلين من نسائهم حالين الفيئة بالرجوع إلى معاشرتهن، وعزم الطلاق وإمضاءه، ناسب أن يذكر بعده شيئًا من أحكام الطلاق معطوفًا على ما قبله متممًا له فقال: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ إلخ.
المراد بالمطلقات الأزواج اللواتي تحقق فيهن معنى الزوجية وعهدن أن يكن مطلقات، وأن يتزوجن بعد الطلاق، وهن الحرائر ذوات الحيض بقرينة السياق، فلا يأتي هنا ما يقوله الأصوليون في كلمة المطلقات هل اللام فيها للاستغراق أم للجنس؟
وهل هو عام مخصوص أم لا؟
لأن وصل الآية بما قبلها يمنع كل ذلك كما يمنعه التربص بالزواج، ولولا ذلك لكان البحث في موضعه، وأما حكم من لسن كذلك في الطلاق كاليائسة والتي لم تبلغ سن الحيض فمذكور في سورة الطلاق، وهن كأنهن لا يدخلن في مفهوم المطلقات فإن اليائسة من شأنها أن لا تطلق لأن من أمضى زمن الزوجية مع امرأة حتى يئست من المحيض كان من مقتضى الطبع والفطرة ومن أدب الشرع والدين أن يحفظ عهدها ويرعى ودها بإبقائها على عصمة الزوجة، وإن كان بعض السفهاء لا يحترمون تلك العشرة الطويلة، ولا يراعون ذلك الميثاق الغليظ، فيقدمون على طلاق اليائسة، ثم إن اليائسة إذا طلقت فلا تكاد تتزوج، وما خرج عن مقتضى الشرع واستقامة الطبع فلا يعتد به، والتي لم تبلغ سن المحيض قلما تكون زوجًا ومن عقد على مثلها كانت رغبته فيها عظيمة فيندر أن يتحول فيطلق.
وحاصل ما تقدم أن ما يتبادر في هذا المقام من لفظ المطلقات يفيد أنهن الزوجات المعهودات المستعدات للحمل والنسل الذي هو المقصد من الزوجية فينتظر أن يرغب الناس في التزوج بهن.
ومعنى التربص مدة ثلاثة قروء هو أن لا تتزوج المطلقة حتى يمر عليها ثلاثة قروء، وهي جمع قرء بضم القاف وفتحها وطلق في اللغة على حيض المرأة وعلى طهرها منه، والأصل فيه الانتقال من الطهر إلى الحيض كما نقل عن الشافعي في قوله له، ولذلك لا يقال للطاهر التي لم تر الدم ذات قرء أو قروء، ولا للحائض التي استمر لها الدم، فلما كان القرء وسطًا بين الدم والطهر أو عبارة عن الصلة بين هاتين الحالتين عبر به قوم من الفقهاء عن أحدهما وقوم عن الآخر، ولكل منهم شواهد في اللغة أطال المفسرون في إيرادها والترجيح بينها، فالمالكية والشافعية وآل البيت على أن القرء هو الطهر، والحنفية والحنابلة في أصح الروايتين على أن القرء هو الحيض، وأدلة الأولين أقوى والخطب في الخلاف سهل، لأن المقصود من هذا التربص العلم ببراءة الرحم من الزوج السابق وهو يحصل بثلاث حيض كما يحصل بثلاثة أطهار، ومن النادر أن يستمر الحيض إلى آخر الحمل فكل من القولين موافق لحكمة الشرع في المسألة.
وأورد الحكم بلفظ الخبر دون الأمر وغيره من ضروب الإنشاء -كقوله كتب على المطلقات كذا- لتأكيده والاهتمام به، كأنه يقول إن هذا التربص واقع كذلك لا محالة، كما يقول الشيخ عبد القاهر الجرجاني في هذا النوع من الإسناد الخبري في مقام الأمر، فعندما يقال المطلقات يلتفت ذهن السامع ويكون متهيئًا لسماع ما يقال عنهن، فإذا قيل ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ﴾ إلخ -وفيه الإسناد والحكم- يتقرر عنده أنه مأمور به أمرًا مؤكدًا كأن قال: إننا أمرناهن بذلك وفرضناه عليهن فامتثلن الأمر وجرين عليه بالاستمرار حتى صار شأنًا من شؤونهن اللازمة لهن لا ينصرفن عنه، بل لا يخطر في البال مخالفتهن له.
وليس في الأمر بصيغته ما يفيد هذا التأكيد والاهتمام، لأن المأمور بالشيء قد يمتثل وقد يخالف.
وهذا الضرب من التعبير معهود في التنزيل في مقام التأكيد والاهتمام يقع في الكتاب مواقعه لا يعدوها، ولا يخفى ذلك على من طعم البلاغة وذاقها.
وفي التعبير بقوله ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ﴾ من الإبداع في الإشارة، والنزاهة في العبارة، ما عهد في كل القرآن، ولم يبلغ مراعاة مثله إنسان، فالكلام في المطلقات وهي معرضات للزواج، وخلو من الأزواج، والأنسب فيه ترك التصريح بما يتشوفن إليه، والاكتفاء بالكناية عما يرغبن فيه، على إقرارهن عليه، وعدم إيئاسهن منه، مع اجتناب إخجالهن، وتوقي تنفيرهن أو التنفير منهن، وقد جمع هذه المعاني قوله ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ﴾ على ما فيه من الإيجاز، الذي هو من مواقع الإعجاز، فأفاد أنه يجب عليهن أن يملكن رغبتهن، ويكففن جماح أنفسهن إلى تمام المدة الممدودة، والعدة المعدودة، ولكن بطريق الرمز والتلويح، لا بطريق الإبانة والتصريح، فإن التربص في حقيقته وظاهر معناه التريث والانتظار، وهو يتعلق بشيء يتريث عنه، وينتظر زوال المدة المضروبة دونه، ولولا كلمة ﴿ بِأَنفُسِهِنَّ ﴾ لما أفادت الجملة تلك المعاني الدقيقة، والكنايات الرشيقة، وما كان ليخطر على بال إنسان يريد إفادة حكم العدة أن يزيد هذه الكلمة على قوله ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ ولو لم تزد لكان الحكم عاريًا عن تأديب النفس والحكم على شعورها ووجدانها، ولعل الإرشاد إلى ما تنطوي عليه نفوس النساء من تلك النزعة في ضمن الإخبار عنهن بأن من شأنهن امتلاكها والتربص بها اختيارًا، هو أشد فعلًا في أنفسهن وأقوى إلزامًا لهن أن يكن كذلك طائعات مختارات، كما أن فيه إكرامًا لهن ولطفًا بهن، إذ لم يؤمرن أمرًا صريحًا، وهذا من الدقائق التي نحمد الله تعالى أن هدانا إلى فهمها، فأنَّى لأمثالنا من البشر أن يأتوا بمثلها؟!.
وزعم بعض الناس أن معنى التربص بالأنفس هنا ضبطها ومنعها أن تقع في غمرة الشهوة المحرمة، وعللوا ذلك بأن النساء أشد شهوة من الرجال.
ومنهم من قدر هذه الشدة والزيادة بأضعاف كثيرة حدها وعدها عدا، وهذا من نبذ الأقوال وطرحها بغير بينة ولا علم، فإن الرجال كانوا وما زالوا هم الذين يطلبون النساء ويرغبون فيهن، ثم يظلمونهن حتى بالتحكم في طبائعهن والحكم على شعورهن، ويأخذ بعضهم ذلك من بعض بالتسليم والتقليد.
ثم بين تعالى حكمة هذا التربص بالزواج في سياق حكم آخر فقال ﴿ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ كما كن يفعلن أحيانًا في الجاهلية إذ كانت المرأة تتزوج بعد فراق رجل بآخر، ويظهر لها أنها حبلى من الأول فتلحق الولد بالثاني، فهذا محرم في الإسلام، لأنه شر ضروب الغش والزور والبهتان، ينفي عن قوم من هو منهم، ويلحق بآخرين من ليس منهم.
وفي ذلك من المضار ما لا يجهل، وقد حرمه الله في الإسلام، وأمر بأن تعتد المرأة بعد فراق زوجها ليظهر أنها بريئة من الحمل، ونهى أن تكتم الحمل إذا علمت به.
واختار كثير من المفسرين أن ما خلق الله في أرحامهن يشمل الولد والحيض وهو المروي عن ابن عمر فقد تكتم المرأة حيضتها، لتطيل أجل عدتها، وذلك محرم أيضًا، وقد فشا في مطلقات هذا الزمان اللواتي لا يطمعن في الزواج، لأن الحكام يفرضون لهن نفقة ما دمن في العدة فيرغبن في استدامة هذه النفقة بكتمان الحيض، وادعاء عدم مرور القروء الثلاثة عليهن، وما يأخذنه بعد انقضاء العدة حرام، وما هن ممن يتفكر في ذلك إذ لا علم لهن بأحكام الحلال والحرام، ولا يبالين ما عساهن يعرفنه منها، لأنهن لم يتربين على آداب الدين وأعماله، بل لم يلقن عقائده ولم يُذَكَّرن بآياته، حتى صار أكثرهن أقرب إلى أهل الإباحة منهن إلى أهل الدين، وإنما يجتنب الحرام ويتحرى الوقوف عند حدود الحلال أهل الإيمان الصحيح، ولذلك قال تعالى عقب النهي ﴿ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ وهذا وعيد شديد وتهديد عظيم، كأنه يقول إذا كن يعرفن من أنفسهن الإيمان بالله الذي أنزل الحلال والحرام لمصلحة الناس، وباليوم الآخر الذي يكون فيه الجزاء بالقسطاس، فلا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن، وإلا كن غير مؤمنات بما أنزله الله تعالى من هذه الأحكام التي هي خير لهن ولأزواجهن، وحافظة لحقوقهم وحقوقهن، إذ التصديق الجازم بأن الله تعالى أنزل هذا الحكم وجعل في اتباعه المثوبة والرضوان، وفي تركه الشقاء والخسران يكون سببًا طبيعيًا لامتثاله، مع إعظامه وإجلاله، وعلى هذا الحد ما ورد في الحديث الصحيح: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" إلخ.
فمن لنا بمن يبلغ النساء المؤمنات هذا التشديد؟
ومن لنا بمن يهتم بتلقين البنات عقائد الإيمان، وتربيتهن على الأعمال التي تمكن هذه العقائد في العقل والوجدان، وأي الرجال يفعل هذا والرجال أنفسهم لم يعد لهم هم في الدين إلا قليلًا منهم؟
وهؤلاء يرون النساء متاعًا لا أَناسيَّ مثلهم، فيدعونهن وشأنهن، لا يتفكرون في أسباب ما يلقون من عواقب إهمالهن، ورزايا جهلهن.
﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا ﴾ هذا لطف كبير من الله وحرص من الشارع على بقاء العصمة الأولى، فإن المرأة إذا طلقت لأمر من الأمور سواء كان بالإيلاء أو غيره فقلما يرغب فيها الرجال، وأما بعلها المطلق فقد يندم على طلاقها، ويرى أن ما طلقها لأجله لا يقتضي مفارقتها دائمًا، فيرغب في مراجعتها، ولا سيما إذا كانت العشرة السابقة بينهما جرت على طريقتها الفطرية، فأفضى كل منهما إلى الآخر بسره حتى عرف عجره وبجره ، وتمكنت الألفة بينهما على علاتهما.
وإذا كانا قد رزقا الولد فإن الندم على الطلاق يسرع إليهما لأن الحرص الطبيعي على العناية بتربية الولد وكفالته بالاشتراك تغلب بعد زوال أثر المغاضبة العارضة على النفس، وقد يكون أقوى إذا كان الأولاد إناثًا، لهذا حكم الله تعالى لطفًا منه بعباده بأن بعل المطلقة أي زوجها أحق بردها في ذلك أي في زمن التربص وهي العدة.
وفي هذا بيان حكمة أخرى للعدة غير تبين الحمل أو براءة الرحم، وهي إمكان المراجعة، فعلم بذلك أن تربص المطلقات بأنفسهم فيه فائدة لهن وفائدة لأزواجهن.
وإنما يكون بعل المرأة أحق بها في مدة العدة إذا قصد إصلاح ذات البين وحسن المعاشرة، وأما إذا قصد مضارتها ومنعها من التزوج بعد العدة حتى تكون كالمعلقة التي لا يعاشرها معاشرة الأزواج بالحسنى ولا يمكنها من التزوج، فهو آثم بينه وبين الله تعالى بهذه المراجعة، فلا يباح للرجل أن يرد مطلقته إلى عصمته إلا بإرادة إصلاح ذات البين ونية المعاشرة بالمعروف.
والطلاق الذي تحل فيه الرجعة قبل انقضاء العدة يسمى طلاقًا رجعيًا، وهنالك طلاق بائن لا تحل مراجعة المطلقة بعده.
ومن مباحث اللفظ أن كلمة أحق هنا بمعنى حقيقين كما قالوا.
ولما كانت إرادة الإصلاح برد الرجل امرأته إلى عصمته إنما تتحقق بأن يقوم بحقوقها كما يلزمها أن تقوم بحقوقه ذكر جل شأنه حق كل منهما على الآخر بعبارة مجملة تعد ركنًا من أركان الإصلاح في البشر وهي قوله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ هذه كلمة جليلة جدًا جمعت على إيجازها ما لا يؤدى بالتفصيل إلا في سفر كبير فهي قاعدة كلية ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل في جميع الحقوق إلا أمرًا واحدًا عبر عنه بقوله ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ وسيأتي بيانه، وقد أحال في معرفة ما لهن وما عليهن على المعروف بين الناس في معاشراتهم ومعاملاتهم في أهليهم.
وما يجري عليه عرف الناس هو تابع لشرائعهم وعقائدهم وآدابهم وعاداتهم، فهذه الجملة تعطي الرجل ميزانًا يزن به معاملته لزوجته في جميع الشؤون والأحوال، فإذا هم بمطالبتها بأمر من الأمور يتذكر أنه يجب عليه مثله بإزائه، ولهذا قال ابن عباس : إنني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي لهذه الآية.
وليس المراد بالمثل المثل بأعيان الأشياء وأشخاصها، وإنما المراد أن الحقوق بينهما متبادلة وأنهما أكفاء، فيا من عمل تعمله المرأة للرجل إلا وللرجل عمل يقابله لها، إن لم يكن مثله في شخصه، فهو مثله في جنسه، فهما متماثلان في الحقوق والأعمال، كما أنهما متماثلان في الذات والإحساس والشعور والعقل، أي أن كلًا منهما بشر تام له عقل يتفكر في مصالحه، و قلب يحب ما يلائمه ويسر به، ويكره ما لا يلائمه وينفر منه، فليس من العدل أن يتحكم أحد الصنفين بالآخر ويتخذه عبدًا يستذله ويستخدمه في مصالحه، ولا سيما بعد عقد الزوجية والدخول في الحياة المشتركة التي لا تكون سعيدة إلا باحترام كل من الزوجين الآخر والقيام بحقوقه.
هذه الدرجة التي رفع النساء إليها، لم يرفعهن إليها دين سابق ولا شريعة من الشرائع، بل لم تصل إليها أمة مل الأمم قبل الإسلام ولا بعده، وهذه الأمم الأوربية التي كان من آثار تقدمها في الحضارة والمدنية أن بالغت في تكريم النساء و احترامهن، وعنيت بتربيتهن وتعليمهن العلوم والفنون، لا تزال دون هذه الدرجة التي رفع الإسلام النساء إليها، ولا تزال قوانين بعضها تمنع المرأة من حق التصرف في مالها بدون إذن زوجها، وغير ذلك من الحقوق التي منحتها إياها الشريعة الإسلامية من نحو ثلاثة عشر قرنًا ونصف، وقد كان النساء في أوروبا منذ خمسين سنة بمنزلة الأرقاء في كل شيء كما كن في عهد الجاهلية عند العرب أو أسوأ حالًا، ونحن لا نقول إن الدين المسيحي أمرهم بذلك، لأننا نعتقد أن تعليم المسيح لم يخلص إليهم كاملًا سالمًا من الإضافات والبدع، ومن المعروف أن ما كانوا عليه من الدين لم يرق المرأة وإنما كان ارتقاؤها من أثر المدنية الجديدة في القرن الماضي.
وقد صار هؤلاء الإفرنج الذين قصرت مدنيتهم عن شريعتنا في إعلاء شأن النساء يفخرون علينا، بل يرموننا بالهمجية في معاملة النساء، ويزعم الجاهلون منهم بالإسلام أن ما نحن عليه هو أثر ديننا.
إن أحد السائحين من الإفرنج زارني في الأزهر وبينا نحن ماران في المسجد رأى الإفرنجي بنتًا مارة فيه، فبهت، وقال: ما هذا؟
أنثى تدخل الجامع!!!
فقلت له: وما وجه الغرابة في ذلك؟
قال: إننا نعتقد أن الإسلام قرر أن النساء ليس لهن أرواح، وليس عليهن عبادة!!
فبينت له غلطه وفسرت له بعض الآيات فيهن.
فانظروا كيف صرنا حجة على ديننا؟
وإلى جهل هؤلاء الناس بالإسلام حتى مثل هذا الرجل الذي هو رئيس لجمعية كبيرة فما بالكم بعامتهم؟!.
إذا كان الله قد جعل للنساء على الرجال مثل ما لهم عليهن إلا ما ميزهم به من الرياسة، فالواجب على الرجال بمقتضى كفالة الرياسة أن يعلموهن ما يمكنهن من القيام بما يجب عليهن ويجعل لهن في النفوس احترامًا يعين على القيام بحقوقهن ويسهل طريقه، فإن الإنسان بحكم الطبع يحترم من يراه مؤدبًا عالمًا بما يجب عليه عامًلا به، ولا يسهل عليه أن يمتهنه أو يهينه، وإن بدرت منه بادرة في حقه رجع على نفسه باللائمة، فكان ذلك زاجرًا له عن مثلها.
خاطب الله تعالى النساء بالإيمان والمعرفة والأعمال الصالحة في العبادات والمعاملات كما خاطب الرجال، وجعل لهن عليهم مثل ما جعله لهم عليهن، و قرن أسماءهن بأسمائهم في آيات كثيرة، وبايع النبي المؤمنات كما بايع المؤمنين، وأمرهن بتعلم الكتاب والحكمة كما أمرهم، وأجمعت الأمة على ما مضى به الكتاب والسنة من أنهن مجزيات على أعمالهن في الدنيا والآخرة، أفيجوز بعد هذا كله أن يحرمن من العلم بما عليهن من الواجبات والحقوق لربهن ولبعولتهن ولأولادهن ولذي القربى وللأمة والملة؟
العلم الإجمالي بما يطلب فعله شرط في توجه النفس إليه، إذ يستحيل أن تتوجه إلى المجهول المطلق، والعلم التفصيلي به المبين لفائدة فعله ومضرة تركه يعد سببًا للعناية بفعله والتوقي من إهماله، فكيف يمكن للنساء أن يؤدين تلك الواجبات والحقوق مع الجهل بها إجمالًا وتفصيلًا؟
وكيف تسعد في الدنيا أو الآخرة أمة نصفها كالبهائم لا يؤدي ما يجب عليه لربه ولا لنفسه ولا لأهله ولا للناس، والنصف الآخر قريب من ذلك لأنه لا يؤدي إلا قليلًا مما يجب عليه من ذلك ويترك الباقي، ومنه إعانة ذلك النصف الضعيف على القيام بما يجب عليه من علم وعمل، أو إلزامه إياه بما له عليه من السلطة والرياسة.
إن ما يجب أن تعلمه المرأة من عقائد دينها وآدابه وعباداته محدود، ولكن ما يطلب منها لنظام بيتها وتربية أولادها ونحو ذلك من أمور الدنيا كأحكام المعاملات -إن كانت في بيت غنى ونعمة- يختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال، كما يختلف بحسب ذلك الواجب على الرجال، ألا ترى الفقهاء يوجبون على الرجل النفقة والسكنى والخدمة اللائقة بحال المرأة؟
ألا ترى أن فروض الكفايات قد اتسعت دائرتها؟
فبعد أن كان اتخاذ السيوف والرماح والقسي كافيًا في الدفاع عن الحوزة صار هذا الدفاع متوقفًا على المدافع والبنادق والبوارج وعلى علوم كثيرة صارت واجبة اليوم ولم تكن واجبة ولا موجودة بالأمس، ألم تر أن تمريض المرضى ومداواة الجرحى كان يسيرًا على النساء في عصر النبي وعصر الخلفاء ، وقد صار الآن متوقفًا على تعلم فنون متعددة وتربية خاصة، أي الأمرين أفضل في نظر الإسلام؟
أتمريض المرأة لزوجها إذا هو مرض أم اتخاذ ممرضة أجنبية تطلع على عورته وتكتشف مخبآت بيته؟
وهل يتيسر للمرأة أن تمرض زوجها أو ولدها إذا كانت جاهلة بقانون الصحة وبأسماء الأدوية؟
نعم قد تيسر للكثيرات من الجاهلات قتل مرضاهن بزيادة مقادير الأدوية السامة أو بجعل دواء مكان آخر.
روی ابن النذر و الحاكم و صححه و غيرهما عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في تفسير قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم.
والمراد بالأهل النساء والأولاد ذكورًا وإناثًا، وزاد بعضهم هنا العبد والأمة، وهو من أهل المكان أُهولًا عمر، وأهل الرجل وتأهل تزوج.
وأهل الرجل زوجه وأهل بيته الذين يسكنون معه فيه والأصل فيه القرابة.
وجمع الأهل أهلون وربما قيل الأهالي.
وإذا كان الرجل يقي نفسه وأهله نار الآخرة بتعليمهم وتأديبهم، فهو كذلك يقيهم بذلك نار الدنيا وهي المعيشة المنغصة بالشقاء وعدم النظام.
والآية تدل على اعتبار العرف في حقوق كل من الزوجين على الآخر ما لم يُحِلّ العرف حرامًا أو يحرم حلالًا مما عرف بالنص، والعرف يختلف باختلاف الناس والأزمنة، ولكن أكثر فقهاء المذاهب المعروفة يقولون إن حق الرجل على المرأة أن لا تمنعه من نفسها بغير عذر شرعي، و حقها عليه النفقة والسكنى إلخ.
وقالوا لا يلزمها عجن ولا خبز ولا طبخ ولا غير ذلك من مصالح بيته أو ماله وملكه.
والأقرب إلى هداية الآية ما قاله بعض المحدثين والحنابلة: قال في حاشية المقنع بعد ذكر القول بأنه لا يجب عليها ما ذكر، وقال أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني.
عليها ذلك، واحتجا بقضية علي وفاطمة رضي الله عنهما فإن النبي قضى على ابنته بخدمة البيت، وعلى علي ما كان خارجًا من البيت من عمل.
رواه الجوزجاني: من طرق، قال وقد قال :"لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولو أن رجلًا أمر امرأته أن تنتقل من جبل أسود إلى جبل أحمر أو من جبل أحمر إلى جبل أسود لكان نولها (أي حقها) أن تفعل ذلك "ورواه بإسناده، قال: فهذا طاعة فيما لا منفعة فيه فكيف بمؤنة معاشه؟
وقال الشيخ تقي الدين يجب عليها المعروف من مثلها لمثله.
قال في (الإنصاف) والصواب أن يرجع في ذلك إلى عرف البلد.
ما قضى به النبي بين بنته و ربيبه و صهره (عليهما السلام) هو ما تقضي به فطرة الله تعالى، وهو توزيع الأعمال بين الزوجين على المرأة تدبير المنزل والقيام بالأعمال فيه، وعلى الرجل السعي والكسب خارجه.
وهذا هو المماثلة بين الزوجين في الجملة، وهو لا ينافي استعانة كل منهما بالخدم والأجراء عند الحاجة إلى ذلك مع القدرة عليه، ولا مساعدة كل منهما للآخر في عمله أحيانًا إذا كانت هناك ضرورة، وإنما ذلك هو الأصل والتقسيم الفطري الذي تقوم به مصلحة الناس وهم لا يستغنون في ذلك ولا في غيره عن التعاون ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ - ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ .
وما قاله الشيخ تقي الدين وما بينه به في (الإنصاف) من الرجوع إلى العرف لا يعدو ما في الآية قيد شعرة.
وإذا أردت أن تعرف مسافة البعد بين ما يعمل أكثر المسلمين وما يعتقدون من شريعتهم، فانظر في معاملتهم لنسائهم، تجدهم يظلمونهن بقدر الاستطاعة، لا يصد أحدهم عن ظلم امرأته إلا العجز، ويحملونهن ما لا يحملنه إلا بالتكلف والجهد، ويكثرون الشكوى من تقصيرهن، ولئن سألتهم عن اعتقادهم فيما يجب لهم عليهن ليقولن كما يقول أكثر فقهائهم: إنه لا يجب لنا عليهن خدمة ولا طبخ، ولا غسل، ولا كنس ولا قرش ، ولا إرضاع طفل ولا تربية ولد، ولا إشراف على الخدم الذين نستأجرهم لذلك، إن يجب عليهن إلا المكث في البيت والتمكين من الاستمتاع، وهذان الأمران عدميان، أي عدم الخروج من المنزل بغير إذن، وعدم المعارضة بالاستمتاع، فالمعنى أنه لا يجب عليهن للرجال عمل قط، ولا للأولاد مع وجود آبائهم أيضًا.
وأما قوله تعالى ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ فهو يوجب على المرأة شيئًا وعلى الرجل أشياء.
ذلك أن هذه الدرجة هي درجة الرياسة والقيام على المصالح المفسرة بقوله تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ فالحياة الزوجية حياة اجتماعية ولا بد لكل اجتماع من رئيس لأن المجتمعين لا بد أن تختلف آراؤهم ورغباتهم في بعض الأمور، ولا تقوم مصلحتهم إلا إذا كان لهم رئيس يرجع إلى رأيه في الخلاف لئلا يعمل كل على ضد الآخر فتفصم عروة الوحدة الجامعة ويختل النظام، والرجل أحق بالرياسة لأنه أعلم بالمصلحة، وأقدر على التنفيذ بقوته وماله، ومن ثم كان المطالب شرعًا بحماية المرأة والنفقة عليها، وكانت هي مطالبة بطاعته في المعروف، فإن نشزت عن طاعته كان له تأديبها بالوعظ والهجر والضرب غير المبرح إن تعين تأديبًا، يجوز ذلك لرئيس البيت لأجل مصلحة العشيرة وحسن العشرة، كما يجوز مثله لقائد الجيش ولرئيس الأمة لأجل مصلحة الجماعة.
وأما الاعتداء على النساء لأجل التحكم أو التشفي أو شفاء الغيظ فهو من الظلم الذي لا يجوز بحال، قال :"كلكم راعٍ و كلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤول عن رعيتها -إلى أن قال- فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته" وسيأتي تفصيل لهذه السلطة في سورة النساء إن شاء الله تعالى.
وختم الآية بقوله ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ولذكر العزة والحكمة ههنا وجهان: أحدهما - إعطاء المرأة من الحقوق على الرجل مثل ما له عليها بعد أن كانت مهضومة الحقوق عند العرب وجميع الأمم.
والثاني - جعل الرجل رئيسًا عليها، فكأن من لم يرض بهذه الأحكام الحكيمة يكون منازعًا لله تعالى في عزة سلطانه، ومنكرًا لحكمته في أحكامه، فهي تتضمن الوعيد على المخالفة كما عهدنا من سنة القرآن <div class="verse-tafsir"
كان للعرب في الجاهلية طلاق ومراجعة في العدة ولم يكن للطلاق حد ولا عدد، فإن كان لمغاضبة عارضة عاد الزوج فراجع واستقامت عشرته، وإن كان لمضارة المرأة راجع قبل انقضاء العدة واستأنف طلاقًا ثم يعود إلى ذلك المرة بعد المرة أو يفيء ويسكن غضبه، فكانت المرأة ألعوبة بيد الرجل يضارها بالطلاق ما شاء أن يضارها، فكان ذلك مما أصلحه الإسلام من أمور الاجتماع.
وكان سبب نزول الآية ما أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما عن عائشة وأورده السيوطي في أسباب النزول قالت كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة مرة وأكثر، حتى قال رجل لأمرأته والله لا أطلقك فتبيني، ولا آويك أبدًا، قالت: وكيف ذلك؟
قال: أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضى راجعتك، فذهبت المرأة فأخبرت النبي فسكت حتى نزل القرآن: ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ .
قد ذكر في الآية السابقة الطلاق على الإطلاق، وذكر العدة، والطلاق هنا هو الطلاق هناك.
وهو عبارة عن مفارقة المرأة المدخول بها بحل الرجل عقدة الزوجية التي تربطهما معًا، واللفظ دل على هذا المعنى.
فهذا بيان لأصل الشرع في الطلاق جاء في صيغة الخبر لتقريره وتوكيده كقوله ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ ﴾ أي أن حد الله الذي حده للطلاق ولم يخرج به العصمة من أيدي الرجال هو مرتان، أي طلقتان، وعبر بالمرتين ليفيد أن الطلقتين تكون كل منهما حرة تحل بها العصمة ثم تبرم، لا أنهما يكونان بلفظ واحد، ولهذا روي عن ابن عباس أنه جعل كلمة (طلقت ثلاثًا) بمثابة قرأت الفاتحة ثلاثًا، فإن كان صادقًا فالطلاق صحيح وإلا فهو لغو من القول، وقال: إن إنشاء الطلاق ثلاثًا بالقول ليس في قدرة الرجل إيقاعه مرة واحدة.
ذلك أن الأمور العملية لا تتكرر بتكرر القول المعبر عنها، بل ولا القولية أيضًا.
فمن فسخ العقد مرة وعبر عنها بقوله ثلاثًا فهو كاذب.
ولو صح ذلك لصح أن يقال الواحد ثلاثة والثلاثة واحد.
ومن سفه نفسه وجاء بهذا فقد خرج عن السنة واستحق التأديب، فقد روی النسائي من حديث محمود بن لبيد قال أخبر رسول الله عن رجل طلق امرأته، ثلاث تطليقات جميعًا فقام غضبان ثم قال:"أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم"حتى قام رجل فقال يا رسول الله ألا أقتله!
قال ابن كثير: إسناده جيد، وقال الحافظ بن حجر في (بلوغ المرام) رواته موثقون.
وقد صرح جماهير العلماء ومنهم الحنفية بأن الطلاق الشرعي هو ما كان مرة بعد مرة، وأن جمع الثنتين أو الثلاث بدعة، وأنه حرام.
قال أبو زيد الدبوسي في (الأسرار) وهذا هو قول عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعمران بن الحصين وأبي موسی الأشعري وأبي الدرداء وحذيفة وهم أعلم الصحابة .
هذا هو الطلاق المشروع في كتاب الله تعالى، وهو الطلاق الرجعي على هذه الصفة وبهذا العدد، وأما الطلاق البات البائن فلم يرد في كتاب الله تعالى، والفقهاء والمحدثون متفقون على أن حكم الطلاق البائن بلفظ الثلاث أو تكرار اللفظ لا يؤخذ من هذه الآية ولا من آية أخرى من القرآن، ولذلك وقع فيه الخلاف من الصدر الأول إلى الآن، ولم يذكر الخلاف بعد الأئمة الأربعة عن أحد من أتباعهم الا عن بعض الحنابلة، وجمهور الأمة على أن من قال لامرأته أنت طالق ثلاثًا تبين منه كما لو طلقها ثلاث مرات، فالطلاق في الآية يراد به نوع منه وهو الرجعي، وأما البائن فلم يذكر، وقد أخذوه من حديث الملاعنة، والآخرون يجيبون عنه بأن الملاعنة تقتضي التفريق .فالطلاق بعدها لغو.
وقوله تعالى ﴿ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ فيه وجهان: أحدهما - أن معناه: فالواجب عليكم إما إمساك للمرأة مع المعاشرة بالمعروف، وإما تسريحها بإمضاء الطلاق مع الإحسان إليها في المعاملة والتمتيع بمال لائق به وهو ما سيأتي بيانه قريبًا، ويستلزم اتقاء الإهانة والإساءة.
والوجه الثاني - أنه ليس لكم بعد المرتين إلا أحد الأمرين: الإمساك بالمعروف أو التسريح أي الطلاق بالإحسان، ويؤيده حديث أبي رزين الأسدي عند أبي داود وغيره أنه سأل النبى سمعت الله يقول ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتَانِ ﴾ فأين الثالثة؟
فقال :"أو تسريح بإحسان"، وعلى هذا يكون قوله ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ في الآية الآتية بمعنى فإن اختار الأمر الثاني وهو التسريح فطلقها باتت منه ولا تحل له إلخ ما سيأتي من حكمته لا أنه دليل على طلقة رابعة.
بعد أن فرض سبحانه الإحسان على من اختار التسريح حرم عليهم أخذ شيء من المرأة فقال: ﴿ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ﴾ ويدخل في ذلك المهر وغيره مما يعطيه الرجل امرأته على سبيل التمليك.
بل يجب أن يمتعها بشيء من ماله زائدًا على ذلك ﴿ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ ﴾ إن أخذ الرجل شيئًا من مال مطلقته مناف للإحسان، فالأمر بالإحسان يستلزمه، وإنما صرح به لمزيد رأفته سبحانه بالنساء، وتأكيده تحذير الرجال الأقوياء من ظلمهن وهضم حقوقهن، وقد كرر هذا النهي ومنه قوله في سورة النساء: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ﴾ إلخ الآيتين.
ومحل هذا الحكم إذا كان الزوج هو الذي اختار فراق المرأة ورغب عنها، وأما إذا كانت هي الراغبة عنه الطالبة لفراقه، وخيف أن تتوسل إليه بالنشوز وسوء العشرة لكراهتها إياه أو لسوء خلقها، لا لمضارته لها، فلا جناح عليها حينئذٍ فيما يأخذه منها لإطلاق سراحها، إذ لا يكلف خسارة امرأته وماله بغير ذنب منه، ولذلك قال تعالى: ﴿ إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾ التي حدها للزوجين من حسن المعاشرة والمماثلة في الحقوق مع ولاية الرجل، والتعاون على القيام بأمر المنزل وتربية الأولاد وعدم المضارة لقوله: ﴿ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ﴾ وغير ذلك، وذلك بأن تخاف المرأة أن تعصي الله في أمر زوجها فتكفره أو تخونه، ويخاف هو أن يخرج عن الحد المشروع في مؤاخذة الناشز، ويخافا معًا سوء العشرة ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﴾ الحرج: الإثم أي لا جناح عليها فيما تعطيه إياه ليخلعها لأن طلبها الطلاق إنما يحظر لغير هذا العذر، ولا جناح عليه فيما يأخذ لأجل ذلك لأنه برضاها واختيارها من غير إكراه منه ولا مضارة، والخوف هنا على ظاهره وهو توقع المكروه، وفسره بعضهم بالظن وبعضهم بالعلم، وتوقع الشيء لا يكون إلا بوجود ما يدل عليه، فإن كان الدليل قطعيًا فهو من العلم وإلا فهو من الظن.
وقد جعل بعض المفسرين الخطاب الأول للأزواج والثاني للحكام، وجعل بعضهم الخطاب للحكام أولًا وآخرًا لتناسق النظم بتناسق الضمائر والذي أراه أن الخطاب في مثل هذا للأمة لأنها متكافلة في المصالح العامة، وأولو الأمر هم المطالبون أولًا وبالذات بالقيام بالمصالح، والحكام منهم وسائر الناس رقباء عليهم.
وقرأ حمزة ويعقوب "يخافا" بضم الياء أي يتوقع الناس منهما ذلك لظهور أماراته وآياته.
وظاهر الآية أنه لا فرق في الخوف من عدم إقامة حدود الله بين أن يكون مثاره الرجل أو المرأة، وخصه بعض المفسرين بما إذا كان المانع من إقامتها من جانب المرأة وهو الذي يتفق مع عدل الإسلام ويدل عليه السياق، إذ جعل هذا استثناء من تحريم أخذ الرجل المطلق شيئًا ما مما كان أعطاه امرأته.
وينجلي هذا بعرض حالات الزوجين الثلاث على العقل والعدل: فهما إن أقاما حدود الله تعالى بحسن المعاشرة وأداء كل منهما حق الآخر إلا ما كان من شذوذ يتسامح فيه عادة، فلا خوف ولا فراق، وإن عرض لهما ما يمنع إقامتها، فلا بد أن يكون العارض المانع من قبل أحدهما أو كليهما، فإن كان من قبل الرجل بأن أبغض المرأة أو فتن بغيرها وأحب فراقها لغير ذنب منها أوجب ذلك وخاف أن لا يعاملها بما يجب من المعروف، وأن تقابله بمثل ذلك فله أن يسرحها بإحسان، لأن عقدة الزوجية بيده، وليس له أن يأخذ في هذه الحالة مما كان أعطاها شيئًا بالنص.
وهو ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ ﴾ الآية فإن التحريم فيها مبني على ما إذا كان الرجل هو الذي أراد الطلاق.
وإن كان المانع من قبلها كأن أبغضته بغضًا لا تستطيع الصبر عليه والقيام معه بحقوق الزوجية، وخافت أن تقع في النشوز، ويسرف هو في العقوبة، فمن العدل أن تعطيه ما كانت أخذت منه باسم الزوجية ليحل عقدتها، فلا يخسر ماله وزوجته معًا.
عملًا بالرخصة في الآية إذ تعين حمله عليها.
ونفي الجناح عنهما في هذه الحالة ظاهر في الرجل، وجعله بعضهم بمعنى الفرد لخفائه عليهم في جانب المرأة، وما هو يخفي فإن المرأة يذم منها شرعًا وعرفًا أن تطلب الطلاق، وقد رفع عنها الجناح فيه بهذا العذر، وهو علمها بتعذر إقامة حدود الله في الزوجية.
وقد يقال إن هناك حالة ثالثة وهي أن يكره كل منهما الآخر ويود فراقه: ونقول إن المطلوب في هذه الحال الصبر لقوله تعالى ﴿ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ فإن صبر أحدهما دون الآخر جاء الوجهان السابقان، وإن اتفقا على الفراق خوفًا من الشقاق، ورضيت المرأة بأن تعطيه شيئًا صدق عليها أنها هي الطالبة للفسخ.
وجملة القول أنه لا يجوز للرجل أن يأخذ منها شيئًا إلا برضاها واختيارها من غير إيذاء منه ولا مضارة، ويدل على هذا ما ورد في نزول الآية.
أخرج البخاري والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس أن جميلة بنت عبد الله بن سلول امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي فقالت: يا رسول الله: ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكن لا أطيقه بغضًا، وأكره الكفر في الإسلام (أي كفر نعمة العشير وخيانته) قال: "أتردين عليه حديقته"؟
قالت: نعم، قال: "اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة".
ولفظ ابن ماجة فأمره أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد.
وذكر السيوطي في أسباب النزول من رواية ابن جرير عن جريج أن قوله ﴿ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا ﴾ إلخ نزل في ذلك.
وقد زعم بعض العلماء أن هذه الآية منسوخة بآية النساء التي لا استثناء فيها، ولا دليل على ذلك والجمهور على خلافه.
وهذا الفراق المبني على الافتداء يسمى الخلع وقد اختلف فيه العلماء هل هو طلاق أم فسخ؟
ولكل مذهب أدلة ليس التفسير بمحل لها، ويترتب على هذا الاختلاف في عده من الطلقات الثلاث أم لا، وفي عدة المختلعة فالجمهور على أنها كعدة المطلقة، وفي حديث ابن عباس عند أبي داود والترمذي والنسائي والحاكم أن النبي أمر امرأة ثابت بن قيس أن تعتد بحيضة و مثله حديث الربيع بنت معوذ عند الترمذي.
ثم ختم الآية بوعيد من يخالف هذه الأحكام فقال ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا ﴾ أي هذه الأوامر والنواهي هي حدود الله للمعاملة الزوجية فلا تتجاوزوها بالمخالفة ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ﴾ الذين صار الظلم وصفًا لازمًا لهم متمكنًا من أنفسهم دون الملتزمين لها، والظلم آفة العمران ومهلك الأمم، وإن ظلم الأزواج للأزواج أعرق في الإفساد وأعجل في الإهلاك من ظلم الأمير للرعية، لأن رابطة الزوجيّة أمتن الروابط وأحكمها فتلًا في الفطرة، فإذا فسدت الفطرة فسادًا انتكث به هذا الفتل، وانقطع هذا الحبل، فأي رجاء في الأمة من بعده يمنع عنها غضب الله وسخطه؟
ثم إن هذا الظلم ظلم للنفس يؤدي إلى الشقاء في الآخرة كما أنه مُشْق بطبيعته في الدنيا.
وقد بلغ التراخي والانفصام في رابطة الزوجية لعهدنا هذا مبلغًا لم يعهد في عصر من العصور الإسلامية، فأسرف الرجال في الطلاق، وكثر نشوز النساء وافتداؤهن من الرجال بالخلع، لفساد الفطرة في الزوجين واعتداء حدود الله من الجانبين وقد ورد في كراهة الطلاق في الشرع ما هو مشهور وورد مثله أيضًا في طلب المرأة له كحديث ثوبان عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجة وابن جرير والحاكم والبيهقي قال: قال رسول الله : "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة" فطلب الطلاق والخلع محظور في غير حال الضرورة المنصوصة في الآية، ولكنه يقع، قال البيضاوي: "والجمهور استكرهوه ولكن نفذوه" <div class="verse-tafsir"
بعد أن بين الله أن الطلاق مرتان وأنه يكون بلا عوض وقد يكون بعوض قال: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ أي فإن طلقها بعد المرتين طلقة ثالثة -وهي التسريح بإحسان- فلا يملك مراجعتها بعد ذلك إلا إذا تزوجت بآخر زواجًا صحيحًا مقصودًا حصل به ما يراد بالزواج من الغشيان.
عبر عن الطلقة الثالثة "بإن" دون "إذا" للإشعار بأنها لا ينبغي أن تقع مطلقًا، كأنه تعالى لا يرضى أن يتجاوز الطلاق المرتين.
والنكاح له إطلاقان: العقد، وما وراء العقد، وهو المقصود منه الذي يكنى عنه بالدخول.
وقد ذهب سعيد بن المسيب إلى أن الحل يحصل بمجرد العقد، وهو خلاف ما عليه الجماهير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذ قالوا لا بد من المخالطة الزوجية أخذًا من إسناد النكاح إلى المرأة مع العلم بأن المرأة لا تتولى العقد ومن تسمية من تنكح زوجًا.
وهذا هو الموافق لحديث العسيلة الصحيح والمنطبق على الحكمة في منع المراجعة.
روى الشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وغيرهم من حديث عائشة قالت جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير وما معه إلا مثل هدبة الثوب.
فتبسم النبي وقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟
لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" والعسيلة كناية عن أقل ما يكون من تغشى الرجل للمرأة.
وذكر السيوطي في أسباب النزول أن هذه الآية نزلت في امرأة رفاعة هذه واسمها عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك، ورفاعة بن وهب بن عتيك ابن عمها.
وساق الحديث من رواية ابن المنذر عن مقاتل بن حيان وفيه أنها قالت إنه طلقني -أي عبد الرحمن زوجها الثاني- قبل أن يمسني أفأرجع إلى الأول؟
قال: "لا حتى يمس..." وقال المفسرون والفقهاء في حكمة ذلك أنه إذا علم الرجل أن المرأة لا تحل له بعد أن يطلقها ثلاث مرات إلا إذا نكحت زوجًا غيره فإنه يرتدع لأنه مما تأباه غيرة الرجال وشهامتهم، ولا سيما إذا كان الزوج الآخر عدوًا أو مناظرًا للأول، ولنا أن نزيد على ذلك أن الذي يطلق زوجته ثم يشعر بالحاجة إليها فيرتجعها نادمًا على طلاقها، ثم يمقت عشرتها بعد ذلك فيطلقها، ثم يبدو له ويترجح عنده عدم الإستغناء عنها فيرتجعها ثانية، فإنه يتم له بذلك اختبارها، لأن الطلاق الأول ربما جاء عن غير روية تامة ومعرفة صحيحة منه بمقدار حاجته إلى امرأته، ولكن الطلاق الثاني لا يكون كذلك، لأنه لا يكون إلا بعد الندم على ما كان أولًا والشعور بأنه كان خطأ، ولذلك قلنا إن الاختبار يتم به فإذا هو راجعها بعده كان ذلك ترجيحًا لإمساكها على تسريحها، ويبعد أن يعود إلى ترجيح التسريح بعد أن رآه بالاختبار التام مرجوحًا، فإن هو عاد وطلق ثالثة كان ناقص العقل والتأديب، فلا يستحق أن تجعل المرأة كرة بيده يقذفها متى شاء تقلبه ويرتجعها متى شاء هواه، بل يكون من الحكمة أن تبين منه ويخرج أمرها من يده، لأنه علم أن لا ثقة بالتئامها وإقامتهما حدود الله تعالى.
فإن اتفق بعد ذلك أن تزوجت برجل آخر عن رغبة، واتفق أن طلقها الآخر أو مات عنها، ثم رغب فيها الأول وأحب أن يتزوج بها -وقد علم أنها صارت فراشًا لغيره- ورضيت هي بالعود إليه، فإن الرجاء في التئامهما وإقامتهما حدود الله تعالى يكون حينئذ قويًا جدًا، ولذلك أحلت له بعد العدة، وقد شرحنا الحكمة بناء على ما فسرنا به كون الطلاق مرتين، و كون النكاح لزوج آخر هو ما يكون بين الزوجين بالعقد الصحيح وهو الحق.
﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾ الزوج الثاني ﴿ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ أي الزوج الثاني والمرأة ﴿ أَنْ يَتَرَاجَعَا ﴾ خلافًا (للجلال) وغيره من القائلين أن المراد الزوج الأول والمرأة .
وحكمته بعد قوله تعالى ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ هي إزالة وهم من يتوهم أن الزوج الأول يكون أحق بها، ولا تظهر لنا حكمة في قولهم إن المراد الزوج الأول والمرأة.
وعلى كل من القولين لا بد في التراجع من مراعاة شرطه وهو قوله ﴿ إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾ أي ترجح عند كل منهما أنه يقوم بحق الآخر على الوجه الذي حده ، فلا بد من حسن القصد وسلامة النية من كل من الزوجين، لأن الله تعالى ما وضع هذه الحدود للزوجين إلا ليصلح حالهما ويستقيم عملهما، فإن كانت هناك نية سوء فإن هذا التراجع لا قيمة له عند الله تعالى، وإن صح عند القاضي أو المفتي عملًا بالظاهر.
وقد فسر بعضهم الظن هنا بالعلم، ولا وجه له لغة ولا فعلًا إذ لا يعلم أحد باليقين كيف يعامل الآخر في المستقبل ويكفي أن ينوي إقامة الحدود الشرعية ويغلب على ظنه القدرة على تنفيذ ما نواه، قال ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ الإشارة بتلك إلى الأحكام في الآية أو الآيتين يبينها في كتابه لأهل العلم بفائدتها وما فيها من المصلحة، ومن علم المصلحة في شيء كان مندفعًا بطبعه إلى العمل به وإقامته على الوجه الذي تتحقق به الفائدة منه، يبينها لهؤلاء الذين يعلمون الحقائق لأنهم هم الذين يقيمونها لا من يجهل ذلك فيأخذ بظاهر قول المفتي أو القاضي ولا يجعل لحسن النية وإخلاص القلب مدخلًا في عمله، فيرجع إلى المرأة ويضمر لها السوء ويبغيها الانتقام، وقد بينا معنى هذه الحدود في تفسير ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ ﴾ إلا فليعلم كل مسلم أن الآية صريحة في أن النكاح الذي تحل به المطلقة ثلاثًا هو ما كان زواجًا صحيحًا عن رغبة، وقد حصل به مقصود النكاح لذاته، فمن تزوج بامرأة مطلقة ثلاثًا بقصد إحلالها للأول كان زواجه صوريًا غير صحيح، ولا تحل به المرأة للأول، بل هو معصية لعن الشارع فاعلها، وهو لا يلعن من فعل فعلًا مشروعًا ولا مكروهًا فقط، بل المشهور عند جمهور العلماء أن اللعن إنما يكون على كبائر المعاصي، فإن عادت إليه كانت حرامًا، ومثال ذلك مثال من طهر الدم بالبول، وهو رجس على رجس.
وبهذا قال مالك وأحمد والثوري وأهل الظاهر وخلائق غيرهم من أهل الحديث والفقه، وعندي أن نكاح التحليل شر من نكاح المتعة وأشد فسادًا وعارًا.
وقال آخرون من الفقهاء إنه جائز مع الكراهة ما لم يشترط في العقد لأن القضاء بالظواهر، لا بالمقاصد والضمائر، نقول نعم ولكن الدين القيم هو أن يكون الظاهر عنوان الباطن وإلا كان نفاقًا، على أن باغي التحليل ليس بمتزوج حقيقة الزواج الذي شرعه الله وبينه لا عند نفسه ولا عند من أراده على التحليل وتواطأ معه عليه، فإن عذر القاضى المنفذ له بجهله للواقع عملًا بالظاهر، فلا يعذر به العالم به، والمقترف له.
وقد أوضح ذلك الحافظ الفقيه ابن القيم في (إعلام الموقعين) ثم الإيضاح.
ومن غرائب الانتصار للتقليد أن استدل بعضهم (كالألوسي) على صحة نكاح المحلل بتسميته محللًا في الحديث الناطق بتحريم التحليل، وإنما سماه بذلك من أرادوه أول مرة عند حاجتهم إليه، وبعد التسمية سئل عنه الشارع فلم يجز عمله، ولا يصح أن تكون حكاية لفظ الاسم مبطلة لمضمون الحكم، فالناس هم الذين سموا، والشارع هو الذي حرم.
أخرج أحمد والنسائي وغيرهما بسند صحيح عن ابن مسعود أن رسول الله قال:"ألا أخبركم بالتيس المستعار"قالوا بلى يا رسول الله قال:"هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له"قال الترمذي والعمل على ذلك عند أهل العلم منهم عمر وابنه وعثمان وهو قول الفقهاء من التابعين.
وروى أبو إسحاق الجوزجاني عن ابن عباس رضى الله عنهما قال سئل رسول الله عن المحلل فقال:"لا، إلا نكاح رغبة لا دلسة ولا استهزاء بكتاب الله ثم تذوق العسيلة"وروى ابن المنذر وابن أبي شيبة وعبد الرزاق والأثرم عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما، فسئل ابنه عن ذلك فقال كلاهما زان، وسأل رجل ابن عمر فقال ما تقول في امرأة تزوجتها لأحلها لزوجها لم يأمرني ولم يعلم؟
فقال له ابن عمر: لا، إلا نكاح رغبة إن أعجبتك أمسكتها، وإن كرهتها فارقتها، وإن كنا لنعد هذا سفاحًا على عهد رسول الله .
وسئل عن تحليل المرأة لزوجها فقال ذلك هو السفاح.
وعن رجل طلق ابنة عمه ثم ندم ورغب فيها فأراد أن يتزوجها رجل ليحلها له فقال: كلاهما زان وإن مكثا عشرين سنة أو نحوها، إذا كان يعلم أنه يريد أن يحلها.
وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عمن طلق امرأته ثلاثًا ثم ندم فقال:"هو رجل عصى الله فأندمه وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجًا؟
فقيل له فكيف ترى في رجل يحلها له؟
فقال من يخادع الله يخدعه".
وأنت ترى مع هذا أن رذيلة التحليل قد فشت في الأشرار الذين جعلوا رخصة الطلاق عادة ومثابة، ولا سيما مع الفتوى والحكم بأن الطلاق مرة واحدة بلفظ الثلاث يقع ثلاثًا، اتخذ غوغاء المسلمين دينهم هزوًا ولعبًا، فصار الإسلام نفسه يعاب بهم وما عيبه سواهم.
وقد رأيت في لبنان رجلًا نصرانيًا ولع بشراء الكتب الإسلامية وغيرها وأكثر من النظر فيها، فاهتدى إلى حقية الإسلامية مع الميل إلى التصوف، فأسلم، وقال لي لم أجد في الإسلام غير ثلاثة عيوب لا يمكن أن تكون من الله أقبحها مسألة "التجحيش" أي التحليل، فبينت له الحق فيها فاقتنع.
<div class="verse-tafsir"
هذا حكم جديد غير ما تقدم في قوله ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ فهذه الآية بيان للواجب في معاملة المطلقات، ونهي عن ضده، ووعيد على هذا الضد، وإرشاد إلى المصلحة، والحكمة في الائتمار بذلك الأمر والانتهاء عن هذا النهي.
وتلك بيان لكيفية الطلاق المشروع وعدده، وكون الأصل فيه أن يكون بغير عوض، وكون أخذ العوض من المرأة لا يحل إلا بشرط.
ولا ينافي هذا ما ورد في سبب نزولها وذكرناه في تفسيرها وهو أليق بهذه، فإن هذه الآيات كلها نزلت في إبطال ما كان عليه الناس من سوء معاملة النساء في الطلاق، فجميع الوقائع التي كانت تقع على العادات الجاهلية كانت تعد من أسباب النزول لها، وقد ورد في أسباب نزول هذه ما نقله السيوطي في كتابه عن ابن جرير، وهو في معنى رواية الترمذي والحاكم هناك قال: أخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال إن الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها ثم يطلقها ثم يفعل ذلك يضارها ويعضلها، فأنزل الله هذه الآية.
وأخرج عن السدي قال نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته حتى انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة راجعها ثم طلقها مضارة فأنزل الله تعالى ﴿ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ﴾ ولا تحسبن أن قوله تعالى ﴿ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ﴾ نزل وحده بل القول فيه كالقول في مجموع هذه الآيات في مسائل الطلاق نزلت كلها مرة واحدة فيما يظهر من سياقها، ولكن بعد وقوع حوادث جعلت من أسبابها.
الأجل في قوله تعالى ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ هو زمن العدة ومعنى بلغن أجلهن قاربن إتمام العدة، قال القرطبي هذا إجماع لم يفهم أحد من الآية غيره، وهو مبني على قاعدة ما قارب الشيء يعطى حكمه تجوزًا قرينته العرف: يقول المسافر بلغنا البلد أو وصلنا إليه إذا دنا منه وشارفه.
وقوله ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ معناه فاعزموا أحد الأمرين: إمساك المرأة بالمراجعة، أو إطلاق سبيلها.
وليكن ما تختارونه من أحد الأمرين بالمعروف الذي شرع لكم في آية الطلاق مرتان، ﴿ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ﴾ أي ولا تراجعوهن إرادة مضارتهن وإيذائهن للاعتداء عليهن بتعمد ذلك، فالضرار بمعنى الضرر، وذكر بالصيغة التي تأتي للمشاركة للإشعار بأن ضره إياها يستلزم ضرها إياه، فالرجال يضرون أنفسهم بإيذاء النساء، ويؤيد هذا قوله ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ في الدنيا بسلوك طرق الشر والاعتداء التي لا راحة لضمير صاحبها، وبجعل المرأة وعصبتها أعداء له يناصبونه ويناوئونه، والعدو القريب أقدر على الإيذاء من العدو البعيد، وبتنفير الناس منه حتى يوشك أن لا يصاهره أحد، وظلم نفسه في الأخرى أيضًا بما خالف أمر الله وتعرض لسخطه.
ثم قال تعالى ﴿ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾ وهذا وعيد بعد وعيد، وتهديد لمن يتعدى حدود الله في هذه الأحكام أي تهديد، والسبب فيه حمل المسلمين على احترام صلة الزوجية، وتوقي ما كانوا عليه في عهد الجاهلية، فقد كانوا يتخذون النساء لعبًا، ويعبثون بطلاقهن وإمساكهن عبثًا، وفي أسباب النزول: أخرج ابن أبي عمر في مسنده وابن مردويه عن أبي الدرداء قال كان الرجل يطلق ثم يقول لعبت، ويعتق ثم يقول لعبت، فأنزل الله ﴿ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾ أي أنزله فيما أنزل من آيات أحكام الطلاق، لا أنه أنزله على حدة كما تقدم نظيره في نظيره.
والمعنى لا تتهاونوا بحدود الله تعالى التي شرعها لكم في آية جريًا على سنن الجاهلية، فإن هذا التهاون والاعتداء للحدود بعد هذا البيان والتأكيد من الله تعالى يعد استهزاء بآياته.
ومن هنا قال بعض السلف: المستغفر من الذنب وهو مصر عليه كالمستهزئ بربه.
ولاشك أن الذي يخالف أمر الله وينقض هذه العهود بعد توثيقها طلبًا لشهوة من شهواته، أو استمساكًا بعادة من عاداته، فهو جدير بأن يعد مستهزئًا بآيات الله غير مذعن لها.
بعد التحذير من التهاون بحقوق النساء وجعل العابث بأحكام الله فيها مستهزئًا بآياته -وفي ذلك من الوعيد والترهيب ما فيه- أراد تعالى أن يقرر هذه الأحكام في النفوس باعث الترغيب فيها بالتذكير بفوائدها و مزاياها، و بيان المنة في هداية الدين التي هي منها، فقال ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ أي امتثلوا ما ذكر آنفًا من أمر ونهي، و تذكروا نعمة الله تعالى عليكم بالفطرة السليمة في الرابطة الزوجية المعبر عنها بقوله تعالى.
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، وما أنزله عليكم من آيات الأحكام المكملة للفطرة في الزوجية والحكمة فيها، حال كونه يعظكم بالجمع بينهما "أي الأحكام وحكمتها" فإن معرفة الشيء مع حكمته هي التي تحدث العظة والعبرة الباعثة على الامتثال ولا يبعد أن تكون هذه الآيات النفسية هي المراد بقوله تعالى: ﴿ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾ .
وقد أفسد على الناس تلك المودة والرحمة، وحجبهم عن الموعظة بالحكمة، وأضعف في نفوس الأزواج ذلك السكون والارتياح، غرور الرجال بالقوة وطغيانهم بالغنى، و كفران النساء لنعمة الرجال وحفظ سيئاتهم، وتماديهن في الذم لها والتبرم بها، وما مضت به عادات الجاهلية في بعض المتقدمين وعادات التفرنج في المعاصرات والمعاصرين، وقلد به النساء بعضهم بعضًا، والله ذكرنا أولًا بنعمته علينا في أنفسنا لنزيح عن الفطرة السليمة ما غشيها بسوء القدوة واتباع الهوى، و نشكرها له سبحانه بالمحافظة عليها بتميكن صلة الزوجية واحترامها وتوثيقها، وثانيًا بهذا الدين القويم الذي هدانا إلى ذلك، وحد لنا كتابه الحدود ووضع الأحكام مبينًا حكمها وأسرارها، مؤيدًا لها بالوعظ السائق إلى اتباعها، وما ذكرنا بالكتاب هنا إلا لنجعله إمامًا لنا في تقويم الفطرة، على ما مضت به السنة وعززته الحكمة، ولكننا قد أعرضنا عنه، فمن نظر في شيء من هذه الأحكام فإنما ينظر فيما كتبه بعض البشر مما هو خلو من حكمة التشريع، غير مقرون بشيء من الترغيب والترهيب، فهو لا يحدث للنفوس عظة ولا ذكرى، ولا يبعث في القلوب هداية ولا تقوى، على أن أكثر المسلمين لا ينظر فيها، ولا يسأل العارفين بها عنها، إلا أن يكون لأجل الاستعانة على حقوق يهضمها، أو صلات يقطعها وعرى يفصمها، فهو يستفتي غالبًا ليأمن مؤاخذة الحكام، لا ليقيم حدود الإسلام، وإذا قام فيهم داع يدعو إلى الله، ويذكر المؤمنين بآيات الله، رماه الرؤساء بسهام الملام، وأغروا به الساسة وأهاجوا عليه العوام، خائفين أن يحيي ما أماتوه من الاجتهاد في فهم الكتاب والسنة، زاعمين أنه يبطل مذاهب الأئمة، على أن التذكير هو الذي يحيي علم المجتهدين، لأنهم كانوا مذكرين به ومبينين، لا صادين عنه ولا ناسخين، و ما كل من اهتدى بهديهم في التذكير والتبيين، يلحقهم في الاستنباط والتدوين، فيا أيها العلماء احيوا كتاب الله، فوالله إنه لا حياة لهذه الأمة بسواه، ولذلك عادت بترك هديه إلى عادات الجاهلية، وما هو شر منها من إباحة الإفرنج العصرية، ابتاعًا للهوى ونزغات البهيمة.
هذا وإن جمهور المفسرين فسروا نعمة الله هنا بالدين والرسالة، وجعلوا ما أنزل من الكتاب والحكمة تفصيلًا للنعمة المجملة.
﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ بإرسال هذا الرسول، وبيان الحدود والحقوق التي تحفظ لكم الهناء في الدنيا، وتضمن لكم السعادة في الآخرة.
وما بعد هذا تفصيل له.
والحكمة هي سر الكتاب.
وفي النعمة وجه آخر وهي هذه الرحمة التي جعلها الله بين الرجال والنساء، وامتن بها علينا في قوله ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ وإنما أوردنا هذا الوجه أولًا بالبيان والتفصيل، لأنه هو المختار عندنا، وذهب بعضهم إلى أن النعمة هنا عامة تشمل نعم الدنيا والدين.
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أمر بعد كل ما تقدم من التأكيد والتشديد والتهديد بتقواه بامتثال أمره ونهيه زيادة في العناية بأمر النساء وصلة الزوجية وهو ما تقتضيه البلاغة في هذا المقام، مقاومة لما ملك النفوس قبل ذلك من عدم المبالاة بعقد الزوجية، إذ كانوا يرونه كعقد الرق والبيع والإجازة في المتاع الخسيس والنفيس، بل كانوا يرونه دون ذلك لأن الرجل لم يكن يشتري متاعًا ثم يرمي به في الطريق زهدًا فيه، ولم يكن يمسك قنه ليعذبه وينتقم منه، ولكنهم كانوا يطلقون المرأة لأدنى سبب، كالملل والغضب، ثم يعودون إليها يفعلون ذلك المرة بعد المرة، وكانوا يمسكونها للضرار والإهانة كما تقدم آنفًا، وقد يستبدل الواحد منهم امرأة الآخر بامرأته.
فاعتياد هذه المعاملة السوء والأنس بها لا تكون مقاومته إلا بتعظيم شأن عقد الزوجية والمبالغة في تأكيده بالترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، إذ لا يسهل على الرجل الذي كان يرى المرأة مثل الأمة أو دونها أن يساويها بنفسه بمجرد الأمر، ويرى لها عليه مثل ما له عليها.
ويحظر على نفسه مضارتها وإيذاءها ويلتزم معاملتها بالمعروف في حال إمساكها عنده، وفي حال تسريحها إن اضطر إليه.
ولكن هذه العظات والتشديدات المشتملة على الإقناع وبيان المصلحة هي التي تعمل في نفسه، وتؤثر بتكرارها في قلبه، وإن كان كالحجارة في القسوة..
أما ترى الحبل بتكراره في الصخرة الصماء قد أثرا نعم إنه قد كان له أحسن التأثر في أولئك الخارجين من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، وفيمن اتبعهم بإحسان، ثم خلف من بعدهم خلف أعرضوا عن القرآن، وجهلوا ما فيه من الحكم والأحكام، حتى صاروا شرًا مما كان عليه أهل الجاهلية وسائر الأمم من ظلم النساء، فلم يتقوا الله في ذلك ولا تدبروا قوله بعد ما تقدم.
وقوله ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ هو أبلغ في موضعه من كل ما تقدم من التأكيد والتشديد في حقوق النساء، لأن الإنسان قد يراعي الأحكام الظاهرة بقدر الإمكان بغير إخلاص فيطبق العمل على الحكم على وجه يعلم أن من ورائه ضررًا.
فهذه الجملة تذكره بأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء مما يسره العبد أو يعلنه، فلا يرضيه إلا التزام حدوده والعمل بأحكامه، مع الإخلاص وحسن النية، حتى يكون ظاهره كباطنه في الخير، ولا يتم له ذلك إلا بمراقبة الله تعالى في عمله، والعلم اليقين بأنه مطلع عليه فيه: لا يبيت قولًا أو فعلًا، ولا ينوي خيرًا أو شرًا، ولا يطوف في ذهنه خاطر، ولا تختلج في قلبه خلجة، إلا وهو سبحانه عالم بذلك ومطلع عليه فلا طريق له إلى مرضاة ربه إلا بتطهير قلبه، وإخلاص نيته في معاملة زوجه، وفي سائر المعاملات.
ومن حسنت نيته حسن عمله غالبًا، بل كان موفقًا دائمًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ الأجل آخر المدة المضروبة والمراد به انقضاء العدة لا قربها كما في الآية التي قبلها.
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين ذلك أن الإمساك بمعروف والتسريح بمعروف في الآية السابقة لا يتأتى بعد انقضاء العدة، لأن انقضاءها إمضاء للتسريح، لا محل معه للتخيير، وإنما التخيير يستمر إلى قرب انقضائها، والنهي عن العضل في هذه الآية يقتضي أن المراد ببلوغ الأجل انقضاؤه إذ لا محل للعضل قبله لبقاء العصمة ﴿ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾ حكم جديد غير الأحكام السابقة هو تحريم العضل أي منع المرأة من الزواج وقد كان من عادات الجاهلية أن يتحكم الرجال في تزويج النساء إذ لم يكن يزوج المرأة إلا وليها، فقد يزوجها بمن تكره ويمنعها ممن تحب لمحض الهوى.
وقال المفسرون إن الرجال المطلقين كانوا يفعلون ذلك: يتحكم الرجل بمطلقته فيمنعها أن تتزوج أنفة وكبرًا أن يرى امرأته تحت غيره، فكان يصد عنها الأزواج بضروب من الصد والمنع، كما كان يراجعها في آخر العدة لأجل العضل، وقد أثبت الإسلام الولاية للأقربين وحرم العضل وهو المنع من الزواج، وأن يزوج الولي المرأة بدون إذنها، فجمع بين المصلحتين.
وقد اختلف المفسرون في الخطاب هنا، فقيل هو للأزواج أي لا تعضلوا مطلقاتكم أيها الأزواج بعد انقضاء العدة أن ينكحن أزواجهن، واضطر أصحاب هذا القول إلى جعل الأزواج بمعنى الرجال الذين سيكونون أزواجًا.
وقيل هو للأزواج والأولياء على التوزيع، وقالوا لا بأس بالتفكيك في الضمائر لظهور المراد وعدم الاشتباه، وقيل للأولياء واستدلوا بما ورد في سبب نزول الآية في الصحيح.
أخرج البخاري وأصحاب السنن وغيرهم بأسانيد شتى من حديث معقل بن يسار قال كان لي أُخت فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة ولم يراجعها حتى انقضت العدة فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطاب، فقلت له يا لكع أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها ثم جئت تخطبها؟
والله لا ترجع إليك أبدًا، وكان رجلًا لا بأس به وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله هذه الآية قال: "فَفِيَّ نزلت، فَكَفّرْت عن يميني وأنكحتها إياه".
وفي لفظ فلما سمعها معقل قال: سمعًا لربي وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك، وذلك أن النبي دعاه فتلا عليه الآية -ومن هنا تعرف خطأ من قال إن إسناد النكاح إلى النساء هنا يفيد أنهن هن اللواتي يعقدن النكاح، فإن هذا الإسناد يطلق في القديم والحديث على من زوجها وليها.
كانوا يقولون: نكحت فلانة فلانًا كما يقولون حتى الآن تزوجت فلانة بفلان، وإنما يكون العاقد وليها.
و تكن أُخت معقل حاولت أن تعقد على زوجها فمنعها وإنما طلبها الزوج منه فامتنع أن ينكحه إياها فصدق عليه أنه منعها أن تنكح زوجها، ونزلت فيه الآية وفهمها النبي والصحابة وغيرهم من العرب كالإمام الشافعي بهذا المعنى.
وفي الخطاب وجه ثالث رجحه الزمخشري وهو أنه للأمة لأنها متكافلة في المصالح العامة على حسب الشريعة، كأنه يقول يا أيها الذين آمنوا إذا وقع منكم تطليق للنساء وانقضت عدتهن وأراد أزواجهن أو غيرهم أن ينكحوهن وأردن هن ذلك فلا تعضلوهن أن ينكحن أي لا تمنعوهن من الزواج.
وعلى هذا الوجه يأخذ كل واحد حظه من الخطاب للمجموع، وتقدم لهذا الخطاب نظائر وما خطاب بني اسرائيل في عصر التنزيل بما كان من آبائهم في زمن موسى وما بعده مسندًا إليهم.
والحكمة في هذا الخطاب العام هنا أن يعلم المسلمون أنه يجب على من علم منهم بوقوع المنكر من أولياء النساء أو غيرهم أن ينهوه عن ذلك حتى يفيء إلى أمر الله، وأنهم إذا سكتوا على المنكر ورضوا به يأثمون.
والسر في تكافل الأمة أن الأفراد إذا وكلوا إلى أنفسهم فكثيرًا ما يرجحون أهواءهم وشهواتهم على الحق والمصلحة، ثم يقتدي بعضهم ببعض مع عدم النكير، فيكثر الشر والمنكر في الأمة فتهلك، ففي التكافل والتعاون على إزالة المنكر دفاع عن الأمة، ولكل مكلف حق في ذلك، لأن البلاء إذا وقع فإنه يصيبه سهم منه.
قال تعالى: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ .
ثم قال ﴿ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي إذ تراضى مريدو التزوج من الرجال والنساء، بأن رضي كل من الرجل والمرأة بالآخر زوجًا.
وقوله ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ يشعر بأن لا نكر في أن يخطب الرجل المرأة إلى نفسها ويتفق معها على التزوج بها ويحرم حينئذ عضلها أي امتناع الولي أن يزوجها منه إذا كان ذلك التراضي في الخطبة بالمعروف شرعًا وعادة، بأن لا يكون هناك محرم ولا شيء يخل بالمروءة ويلحق العار بالمرأة وأهلها، وقد استدل الفقهاء بهذا على أن العضل من غير الكفء غير محرم كأن تريد الشريفة في قومها أن تتزوج برجل خسيس يلحقها منه الغضاضة، ويمس ما لقومها من الشرف والكرامة، فينبغي أن تصرف عنه بالوعظ والنصيحة.
ويجوز بعض الفقهاء العضل إذا كان المهر دون مهر المثل.
وعندي أنه إذا أرادت المرأة أن تتزوج بأقل من مهر مثلها، ولم يكن الحامل على ذلك فساد الأخلاق المسقط للكرامة أو اتباع الهوى وإرضاء الشهوة بل كان ميلًا إلى رجل مستقيم يرجى منه حسن العشرة وصلاح المعيشة إلا أنه يعسر عليه دفع مهر كثير مع نفقات الزواج الأخرى، فلا يجوز حينئذ العضل بل يجب تزويجه.
﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ الوعظ النصح والتذكير بالخير والحق على الوجه الذي يرق له القلب ويبعث على العمل.
أي ذلك الذي تقدم من الأحكام والحدود المقرونة بالحكم والترغيب والترهيب يوعظ به أهل الإيمان بالله والجزاء على الأعمال في الآخرة فإن هؤلاء هم الذين يتقبلونه ويتعظون به فتخشع له قلوبهم، ويتحرون العمل به قبولًا لتأديب ربهم، وطلبًا للانتفاع به في الدنيا، ورجاء في مثوبته ورضوانه في الأخرى.
وأما الذين لا يؤمنون حق الإيمان كالمعطلين والمقلدين الذين يقولون آمنا بأفواههم لأنهم سمعوا قومهم يقولون ذلك ولم تؤمن قلوبهم لأنهم لم يتلقوا أصول الإيمان بالبرهان، الذي يملك من القلب مواقع التأثير ومسالك الوجدان، فإن وعظهم به عبث لا ينفع، وقول لا يسمع، لأنهم يتبعون في معاملة النساء أهواءهم، ويقلدون ما وجدوا عليه آباءهم وعشراءهم.
والآية تدل على أن الإيمان الصحيح يقتضي العمل وقد غفل عن هذا الأكثرون، وقرره الأئمة المحققون، كأنه يقول من كان مؤمنًا فلا شك أنه يتعظ بهذا.
يشير إلى أن من لم يتعظ ويعمل بها فليس بمؤمن.
وتدل على أن أحكام الدين حتى المعاملات منها ينبغي أن تساق إلى الناس مساق الوعظ المحرك للقلوب، لا أن تسرد سردًا جافًا كما ترى في كتب الفقه.
﴿ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾ الزكاء النماء والبركة في الشيء، والمشار إليه في ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ هو النهي عن عضل النساء بقيده وشرطه، والمراد أنه مزيد في نماء متبعيه وصلاح حالهم ما بعده مزيد يفضله، وأنه أطهر لأعراضهم وأنسابهم، وأحفظ لشرفهم وأحسابهم، لأن عضل النساء والتضييق عليهن مدعاة لفسوقهن، ومفسدة لأخلاقهن، وسبب لفساد نظام البيوت وشقاء الذراري، مثل في نفسك حال امرأة كأخت معقل بن يسار تزوجت برجل عرفها وعرفته، فأحبها وأحبته، ثم غضب مرة وطلقها، وبعد انقضاء العدة ندم على ما فعل، وأحب أن يعود إلى امرأته التي تحبه، واعتادت الأنس به والسكون إليه، فعضلها وليها اتباعًا لهواه، واعتزازًا بسلطته، ألا يكون ذلك مضيعة لولدهما ومغواة لهما؟
ومثل أيضًا وليًا يمنع موليته من الزواج بمن تحب ويزوجها بمن تكره اتباعًا لهواه أو عادة قومه، كما كانت العرب تفعل، وانظر أترجو أن يصلح حالهما، ويقيما حدود الله بينهما؟
أم يخشى أن يغويها الشيطان بالآخر ويغويه بها، ويستدرجها في الغواية فلا يقفان إلا عند نهاية حدودها؟
وهكذا مثل كل مخالفة لهذه الأحكام تجدها مفسدة.
وقد كان الناس لجهلهم بوجوه المصالح الاجتماعية على كمالها، لا يرون للنساء شأنًا في صلاح حياتهم الاجتماعية وفسادها، حتى علمهم الوحي ذلك، ولكن الناس لا يأخذون من الوحي في كل زمان إلا بقدر استعدادهم، وإن ما جاء به القرآن من الأحكام لإصلاح حال البيوت بحسن معاملة النساء لم تعمل به الأمة على وجه الكمال، بل نسيت معظمه في هذا الزمان، وعادت إلى جهالة الجاهلية.
ولهذا الجهل السابق ولتوهم الذين يسيئون معاملة النساء من الرجال أنهم يفعلون ما هو مصلحة لهم ومحافظة على شرفهم، ختم هذه المواعظ والأحكام والحكم بقوله ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ أي يعلم سبحانه ما لكم في ذلك من الزكاء والطهر وسائر المصالح ودفع المفاسد وأنتم لا تعلمون ذلك كله علمًا صحيحًا خاليًا من الأهواء والأوهام، واعتزاز الرجال بقدرتهم على التحكم في النساء، ولذلك ذكركم في إثر النهي عن عضل النساء عن الزواج بهذه الثلاث (١) أنها موعظة يتعظ بها من يؤمن بالله واليوم الأخر.
(٢) أنها أزكى لكم وأطهر لأعراضكم.
(٣) أن الله يعلم كل ذلك كغيره وأنتم لا تعلمون.
وهذه آيات علمه ظاهرة، فإن البشر من جميع الأمم، لا من العرب وحدهم، لم يهتدوا إلى هذه الأحكام المنزلة في هذه السورة النافعة باختبارهم الطويل، بل عزبت حكمتها عن نفوس الأكثرين بعد أن نزل الوحي بها فلم يعملوا بها، وكان يجب على المؤمن الذكي أن يقيمها على وجهها ملاحظًا فوائدها، وعلى المؤمن الغبي أن يسلم أمر ربه بها تسليمًا وإن لم تظهر له فائدتها في الدنيا اكتفاء بأن الله تعالى يعلم من ذلك ما لا يعلم هو.
والذين يجهلون هذه المزية لهداية الدين من غير أهله يفضلون هداية الحكمة البشرية عليها بأن متبعها يترك الشر لأنه شر ضار، ويفعل الخير لأنه خير نافع، وأن متبع الدين يفعل ما لا يعقل له فائدة.
وهذا غلط أو مغالطة، فإن الدين قد جاء بالحكمة مؤيدة للكتاب كما قال: ﴿ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ فمن جمع بين الكتاب والحكمة فهو المؤمن الكامل، ومن عجز عن فهم حكمة الأحكام والآداب فيه من عامي وبليد أو حديث عهد بالإسلام لم يفته وقد هدي إلى الإيمان أن يترك الشر ويفعل الخير لأن الذي نهاه عن الأول وأمره بالثاني هو الله، وهو أعلم منه ومن كل حكماء خلقه.
ومن دقائق البلاغة في الآية اختلاف الخطاب بالإشارة فإنه لما جعل الوعظ بما ذكر من الأحكام والحكم خاصًا بمن يؤمن بالله واليوم الآخر وجه الخطاب به إلى النبي بقوله ﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ ﴾ إلخ وأما كونه أزكى وأطهر فقد جعله عامًا وخاطب به الناس كافةً بقوله ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ إلخ وقد تقدم توجيه الأول وأما توجيه الثاني فهو أن كل من عمل بهذه الأحكام فإنها تكون زكاء له وبركة في بيته وذريته وطهرًا لعرضه وشرفه، سواء أوعظ بتلك الآيات فاتعظ لإيمانه أم عمل بها لسبب آخر بأن بلغته غفلًا من الموعظة غير مسندة إلى الوحي أو قلد بها بعض العاملين، وكون الخطاب بقوله ﴿ ذَلِكَ ﴾ للنبي هو أحد الوجوه التي ذكروها فيه، قال البيضاوي في توجيهه إنه على طريقة قوله: ﴿ يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ ﴾ للدلالة على أن حقيقة المشار إليه أمر لا يكاد يتصوره كل أحد: وقيل الخطاب للجمع على تأويل القبيل وقيل كل أحد، وقيل لمجرد الخطاب والفرق بين الحاضر والمنقضي دون تعيين المخاطبين ذكر ذلك كله في البيضاوي.
وسئل الفخر الرازي: لم وحد الكاف في قوله تعالى ﴿ ذَلِكَ ﴾ مع أنه يخاطب جماعة؟
وأجاب بأن هذا جائز، والتثنية أيضًا جائزة، والقرآن نزل باللغتين جميعًا قال تعالى: ﴿ ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ﴾ وقال: ﴿ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾ إلخ ما أورد.
وهو جواب مبهم موهم، فإن التثنية هنا واردة في خطاب الاثنين، والجمع المؤنث وارد في خطاب النسوة اللاتي قطعن أيديهن فلا يصح شيء مما ذكره في هذا المقام.
والمعروف في الاستعمال، ولَعله مراده، أن الكاف المفردة تستعمل في كل خطاب سواء كان المخاطب مفردًا أو مثنى أو جمعًا وهي لغة بعض العرب، فإذا تحول المتكلم عنها وجب أن يكون كلامه على حسب المخاطبين.
تقول للرجل "ذلك" بفتح الكاف وبكسره للمرة وذلكما للاثنين مطلقًا وذلكم للذكور وذلكن للإناث وهي لغة قريش.
<div class="verse-tafsir"
هذا انتقال من أحكام الطلاق إلى أحكام الرضاعة، وكلاهما من أحكام البيوت الهادية إلى كيفية التعامل بين الأزواج من المعاشرة بالمعروف وتربية الأطفال، فمن ثم عطف على ما قبله.
وللمفسرين في قوله ﴿ وَالْوَالِدَاتُ ﴾ ثلاثة أقوال: (القول الأول):أنه خاص بالمطلقات لوجوه: (أحدها):إن الكلام السابق في أحكامهن وهذا من تتمته.
(وثانيها): إيجاب رزقهن وكسوتهن على الوالد ولو كن أزواجًا لما كان هناك حاجة إلى هذا الإيجاب لأن النفقة على الزوج التي في العصمة واجبة للزوجية لا للرضاع.
(ثالثها):إن المطلقة عرضة لإهمال العناية بالولد وترك إرضاعه لأنه يحول دون زواجها في الغالب ولما فيه من النكاية بالرجل ولا سيما الذي لم يتيسر له استئجار ظئر( ) تقوم مقام الوالدة.
وهنا وجه (رابع): لترجيح هذا القول ظهر لي الآن وهو تعليل الحكم بالنهي عن المضارة بالولد وإنما تضار بذلك المطلقة دون التي في العصمة فبين أن للمطلقة الحق في إرضاع ولدها كسائر الوالدات وأنه ليس للمطلق منعها منه وهو عرضة لهذا المنع.
(القول الثاني): إنه خاص بالوالدات مع بقاء الزوجية.
قال الواحدي في هذا القول: هو الأولى لأن المطلقة لا تستحق الكسوة وإنما تستحق الأجرة.
(القول الثالث): إنه عام في جميع المطلقات، وقال كثيرون إنه أولى عملًا بظاهر اللفظ فهو عام ولا دليل على تخصيصه، ويكون الرزق والكسوة أي النفقة خاصًا ببعض أفراد العام وهن الوالدات المطلقات.
وقال بعضهم إن استئجار الأم للإرضاع صحيح، وعبر عن الأجرة بالرزق والكسوة، وقيل إنه ليس في الآية ما يدل على أن الرزق والكسوة لأجل الرضاع وأنت ترى أن هذا خلاف المتبادر من الآية، ونحن لا نستفيد من جعل الآية عامة، زيادة عما نستفيد بجعلها خاصة، إلا أنه يجب على غير المطلقة من إرضاع الولد مطلقًا أو بشرط، ما يجب على المطلقة بالنص، وأنه من حقوقها أيضًا، وهذا يؤخذ من الآية إذا حملت على التخصيص بالطريق الأولى، على أن القائلين بالعموم لم يقولوا بهذا الوجوب مطلقًا كما يأتي.
قوله تعالى ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ ﴾ أمر جاء بصيغة الخبر للمبالغة في تقريره على نحو ما تقدم في قوله ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ ﴾ وزعم بعضهم أنه خبر على بابه أي أن شأن الوالدات ذلك، وأنت ترى أنه لا فائدة في الإخبار عن الواقع المعلوم للناس في مقام بيان الأحكام، وكأن صاحب هذا القول أراد أن يقوي به قول الفقهاء الذين يرون أنه لا يجب على الوالدة إرضاع ولدها إذا تعينت مرضعًا بأن كان لا يقبل غير ثديها كما يعهد من بعض الأطفال، أو كان الوالد عاجزًا عن استئجار ظئر ترضعه، أو قدر ولم يجد الظئر، على أن هؤلاء الفقهاء لم يروا جعل الخبر بمعنى الأمر مانعًا من حكمهم هذا فقد حملوه على الندب في حال الاختيار، قالوا لأن لبن الأم أنفع للولد من لبن الظئر، وخاصة إذا لم يكن ولد الظئر في سنه، والظاهر أن الأمر للوجوب مطلقًا فالأصل أنه يجب على الأم إرضاع ولدها، يعني إن لم يكن هناك عذر مانع من مرض ونحوه، ولا يمنع الوجوب جواز استنابة الظئر عنها مع أمن الضرر، لأن هذا الوجوب للمصلحة لا للتعبد، فهو كالنفقة على القريب بشرطها، فإذا اتفق الوالدان على استئجار ظئر ورأيا أنها تقوم مقام الوالدة فلا بأس كما في مسألة الفصال الآتية.
وكما يجب على الأم إرضاع ولدها يجب لها ذلك بمعنى أنه ليس للوالد أن يمنعها منه.
ولأن يمنع الرجل مطلقته من إرضاع ولدها منه إن أبيح له ذلك أقرب من أن تمتنع هي عن إرضاعه، وكأن الذي يتبادر إلى فهمي أن المقصود من الجملة أولًا وبالذات هو أن من حقوق الوالدات أن يرضعن أولادهن، وما المطلقات إِلا والدات فيجب تمكينهن من إرضاع أولادهن المدة التامة للرضاع وهي كما حددها فيرضعنهم ﴿ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ والحول العام والسنة، وهو في الأصل مصدر حال يحول إذا مضى وإذا تغير وتحول فالعام والحول يطلقان على صيفة وشتوة كاملتين، وأما السنة فهي تبتدئ من أي يوم عددته من العام إلى مثله.
وقد حددت مدة الرضاعة التامة بسنتين كاملتين مراعاة للفطرة وبالنسبة إلى ضعف الأطفال في أقل البيوت أو البيئات استعدادًا للعناية بالتربية، واللبن هذا الغذاء الموافق لكل طفل في هذه المدة وهذه المدة هي التي تثبت بها حرمة الرضاعة في النكاح، ومن العجب أن ترى الفقهاء اختلفوا في مدة الرضاعة بعد تحديد الله سبحانه لها فقال بعضهم هي ثلاثون شهرًا، وقال بعضهم ثلاث سنين، ولكن الجماهير على أن مدتها التامة لا تزيد على حولين كاملين وقد تنقص إذا رأى الوالدان ذلك لأن قوله تعالى ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ ، أجاز الاقتصار على ما دون الحولين ولم يحدد أقل المدة، بل وكله إلى اجتهاد الوالدين الذي تراعى فيه صحة الطفل، فمن الأطفال السريع النمو الذي يستغني عن اللبن بالطعام اللطيف قبل تمام الحولين بعدة أشهر، ومنهم القميء البطيء النمو الذي لا يستغني عن ذلك، وقد استنبطوا من قوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾ أقل مدة الحمل بناء على أن الحولين أكثر مدة الرضاعة، فإن ما يبقى بعد طرح شهور الحولين من ثلاثين شهرًا هو ستة أشهر وهي أقل مدة الحمل.
روي هذا عن علي وابن عباس رضي الله عنهما وقالوا لعل الحكمة في تحديد المدتين -أكثر الرضاعة وأقل الحمل- هي انضباطهما دون ما يقابلهما، وقد يقال إننا نطرح مدة الحمل الغالبة وهي تسعة أشهر من مجموع مدة الحمل والفصال وهي ثلاثون شهرًا، فالباقي وهو واحد وعشرون شهرًا ينبغي أن يكون أقل مدة الرضاعة، والظاهر أن معنى قوله ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ ذلك لمن أراد إتمامها، ولذلك قلنا إن الأمر موكول إلى اجتهاد الوالدين فاللام متعلق بمحذوف، وقيل إنه متعلق بقوله ﴿ يُرْضِعْنَ ﴾ أي أنهن يرضعن هذه المدة لمن أراد إتمامها من المولود لهم وهم الآباء، فيكون الأمر لهم في ذلك خاصة، وسيأتي ترجيح الأول في قوله ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا ﴾ .
﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ المولود له هو الأب ووجه اختيار هذا التعبير على لفظ الوالد والأب هو الإشعار بأن الأولاد لآبائهم، لهم يدعون وإليهم ينسبون، وأن الأمهات أوعية مستودعه لهم كما قال المأمون: وإنما أمهات الناس أوعية مستودعات وللآباء أبناء وهذا الذي قاله المأمون لا يصح إلا على العرف الجاهلي، وهداية الإسلام أن الولد لوالديه يتقاسمان تربيته بحسب فطرة كل منهما وحقوق الزوجية التي تقدم بيان حظ كل منهما فيها، فالتعبير بالمولود له مقابل التعبير بالوالدات واختير للتنبيه على علة وجوب النفقة كأنه يقول إن هؤلاء الوالدات قد حملن وولدن لك أيها الرجل، وهذا الولد الذي يرضعنه ينسب إليك، ويحفظ سلسلة نسبك من دونهن، فعليك أن تنفق عليهن ما يكفيهن حاجات المعاش من الطعام واللباس ليقمن بذلك حق القيام، فاختيار لفظ ﴿ الْمَوْلُودِ لَهُ ﴾ هنا على لفظ الأب والوالد هو الذي تقضي به البلاغة قضاء مبرمًا، وبه يستفاد ما لا يستفاد بهما، وأين تجد هذه الدقة في غير القرآن العزيز؟
والمراد بكون هذه النفقة بالمعروف أن تكون كافية لائقة بحال المرأة في قومها وصنفها.
لا تلحقها غضاضة في نوعها ولا في كيفية أدائها إليها، وقد عبر عن النفقة هنا بالرزق والكسوة الواجبين للمرأة بمقتضى الزوجية دون الأجرة حتى لا يتوهم أن كل والدة تجب لها الأجرة على إرضاع ولدها، لأن الكلام بدئ بلفظ "الوالدات" وأما في سورة الطلاق فقد عبر بلفظ الأجرة إذ قال: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ لأن الكلام هناك في المطلقات لا يحتمل غيره، فلا إبهام في اختيار اللفظ الأخصر.
ولو توجه الذهن إلى فهم الآية غير مثقل بأقوال الفقهاء لما فهم غير هذا منها، ومن فهمها مجردة غير محمولة على مذهب معين لا يحتاج إلى الكلام في جواز استئجار الأم للرضاع مطلقًا وعدمه وهي في النكاح أو العدة إذ المتبادر من الآية أن الأم يجب عليها إرضاع ولدها عند عدم المانع الشرعي، ويجب لها ذلك أيضًا كما تقدم آنفًا، وأن المطلقات إذا كن والدات يجب أن ينفق عليهن مدة الإرضاع لما تقدم، وهن في هذه المدة إما بائنات ولعله الأكثر لندرة طلاق أم الطفل -ولا خلاف في جواز استئجارهن حينئذ- وإما معتدات تجب لهن النفقة لعدم خروجهن من عصمة النكاح وقد استشكلوا استحقاق هؤلاء الأجرة على الإرضاع، ولا إشكال في وجوب الشيء بسببين، ولا تكرار في نصي الوجوب، لأن كل واحد منهما جاء في موضعه، وله صورة ينفرد بها، إذ المعتدة قد تكون والدة وغير والدة، والمرضع تكون بائنة ومعتدة، وكل منهما مشغولة بمصلحة الرجل المطلق شغلًا يمنعها من زواج يغنيها عن نفقته، لأن المرضع قلما يرغب فيها وقلما ترغب هي في الزواج، ثم إنها لا تستحق ولدها إذا تزوجت.
ولما كان المكلفون من الرجال يتفاوتون في الإعسار والإيسار بالنفقة فمنهم من لا يقدر على اللائق بالمرأة في عرف الناس ومنهم من يقدر على أكثر من ذلك عقب تعالى هذا الأمر بقوله ﴿ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ فسر بعضهم الوسع بالطاقة وهو غلط لأن الوسع ضد الضيق وهو ما تتسع له القدرة ولا يبلغ استغراقها، وأما الطاقة فهي آخر درجات القدرة فليس بعدها إلا العجز المطلق كأنها آخر طاقة -أي فتلة من الطاقات التي يتألف منها الحبل- والمعنى أن المطلوب التوسع في النفقة من السعة أي بحيث لا ينتهي إلى الضيق.
وقد بسط هذا الإيجاز في سورة الطلاق بقوله تعالى في هذا المقام: ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ .
﴿ لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب "لا تضار" بالضم تبعًا لقوله ﴿ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ ﴾ والباقون بالفتح وكلاهما جائز في اللغة، وهو نهي عن المضارة صريح، والأول نهي في المعنى خبر في اللفظ، وقالوا إن الكلام تفصيل لما يفهم من سابقه وتقريب له إلى الفهم.
والصواب أنه يفيد مع تعليل الأحكام السابقة حكمًا جديدًا عامًا، فمنع الرجل المرأة من إرضاع ولدها وهي له أرأم، وبه أرأف، وعليه أحنى وأعطف، إضرار بها بسبب ولدها، والتضييق عليها في النفقة مع الإرضاع إضرار بها بسبب ولدها، وامتناعها هي من إرضاعه تعجيزًا للوالد بالتماس الظئر أو تكليفه من النفقة فوق وسعه إضرار به بسبب ولده فالعلة في الأحكام السابقة منع الضرار من الجانبين بإعطاء كل ذي حق حقه بالمعروف، وهو يتناول تحريم كل ما يأتي من أحد الوالدين للإضرار بالآخر، كأن تقصر هي في تربية الولد البدنية أو النفسية لتغيظ الرجل، وكأن يمنعه هو من أمه ولو بعد مدة الرضاع أو الحضانة، فالعبارة نهي عام عن المضارة بسبب الولد لا يقيد ولا يخصص بوقت دون وقت أو حال دون حال أو شخص دون شخص.
وكلمة ﴿ تُضَارَّ ﴾ تحتمل البناء للفاعل والبناء للمفعول وهي للمشاركة وإنما أسندت إلى كل واحد من الوالدين للإيذان بأن إضراره بالآخر بسبب الولد إضرار بنفسه ومنه أنه يتضمن ضر الولد أو يستلزمه، وكيف تحسن تربية ولد بين أبوين هَمُّ كل واحد منهما إيذاء الخر وضرره به.
أما قوله في ﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ فمعطوف على قوله ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ وما بينهما معترض للتعليل أو التفسير لما قبله من كون ذلك بالمعروف وإن أفاد حكمًا جديدًا.
وقد اختلفوا في الوارث هل هو وارث المولود له أي الأب لأن الكلام فيه؟
أو وارث الولد لأنه وليه تجب عليه نفقته؟
واختلف القائلون بأن المراد وارث الأب هل هو عام أو خاص بعصبته، أو بالولد نفسه؟
أي أن نفقة إرضاعه تكون من ماله إن كان له مال وإلا فهي على عصبته.
وقال بعضهم إن المراد بالوارث وارث الصبي من الوالدين أي وإذا مات أحد الوالدين فيجب على الآخر ما كان يجب عليه من إرضاعه والنفقة عليه.
وكل يحتمله اللفظ ولعل الحكمة في هذا التعبير أن يتناول كل ما يصح تناوله إياه.
﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ الفصال الفطام لأنه يفصل الولد عن أمه ويفصلها عنه فيكون مستقلًا في غذائه دونها، والمراد أنه لما كان ما ذكر من تحديد مدة الرضاعة وكون الحق فيها للوالدة، وكونها تستحق الأجرة عليها إذا كانت مطلقة، كل ذلك لدفع الضرار وتقرير المصلحة لا للتعبد، كان للوالدين صاحبي الحق المشترك في الولد والغيرة الصحيحة عليه أن يفطماه قبل هذه المدة أو بعدها إذا اتفق رأيهما على ذلك بعد التشاور فيه، بحيث يكونان راضيين غير مضارين به.
وأقول إذا كان القرآن يرشدنا إلى المشاورة في أدنى أعمال تربية الولد ولا يبيح لأحد والديه الاستبداد بذلك دون الآخر، فهل يبيح لرجل واحد أن يستبد في الأمة كلها؟!، وأمر تربيتها وإقامة العدل فيها أعسر، ورحمة الأمراء أو الملوك دون رحمة الوالدين بالولد وأنقص؟
وقال أبو مسلم يحتمل الفصال معنى آخر وهو إيقاع المفاصلة بين الأم والوالد أي بأن ترضى هي بضمه إلى أبيه يستأجر له ظئرًا ترضعه ويرضى هو بذلك لا يضار به أحدهما الآخر، وبهذه المناسبة مناسبة الحكم بأن الحقوق والواجبات المتعلقة بالولد مشتركة بين والديه ولهما الخيار في تقرير ما فيه المصلحة بالتراضي مع انتفاء الضرر، أو مناسبة جواز فصل الطفل عن أمه برضاها، ذكر حكم المسترضعات وهن الأظآر اللواتي يرضعن بالأجرة فقال : ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ ﴾ يقال استرضعت المرأة الطفل إذا اتخذتها مرضعًا له، ويحذفون أحد المفعولين للعلم به فيقولون استرضعت الطفل كما يقولون استنجحت الحاجة من غير ذكر من استنجح، والمعنى إن أردتم أن تسترضعوا أولادكم المراضع الأجنبيات ﴿ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ المراد به إِعطاء الأجرة المتعارفة وهي ما يسميه الفقهاء أجر المثل، وفي هذا الشرط مصلحة المرضع ومصلحة الولد والوالد، لأن المرضع إذا لم تعامل المعاملة الحسنة المرضية بأخذ أجرها تامًا لا تهتم بمراعاة الطفل ولا تعنى بإرضاعه في المواقيت المطلوبة وبنظافته وسائر شأنه، وإذا أوذيت يتغير لبنها فيكون ضارًا بالطفل: والقول الأول مؤيد وموافق لما علم من كون الأم أحق بإرضاع ولدها كما تقدم، والثاني لا يعارضه لأن الخطاب فيه يصح أيضًا أن يكون للآباء والأمهات جميعًا، والسكوت عن التصريح بالتراضي والتشاور بين الوالدين للعلم به، وهو يشمل ما إذا كان هناك مانع منع الأم من الإرضاع كمرض أو حبل وقرأ ابن كثير وحده "أوتيتم" مقصورة الألف من أتى إليه إحسانًا إذا فعله، وروى شيبان عن عاصم ﴿ آتَيْتُمْ ﴾ أي آتاكم الله من الخير والمراد الأجرة، كذا قالوا، والأقرب أن معناه إذا سلمتم المراضع ما أوتيتم من الولد بالمعروف، بأن يتفق الوالدان أو أحدهما إن استقل بالولد مع المرضع على أن تأخذ الولد لإرضاعه بطريقة معروفة شرعًا وعادةً مرضية لهما ولها.
ثم ختم الآية بما يبعث على التزام أحكامها والمحافظة عليها فقال: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ أي التزموا ما ذكر من الأحكام مع توخي حكمة كل منها، واتقوا الله في ذلك فلا تفرطوا في شيء منها، واعلموا علم اليقين أن الله بصير بما تعملون في هذا كله وغيره، فهو يحصي لكم عملكم ويجازيكم عليه، فإذا قمتم بحقوق الأطفال بالتراضي والتشاور واجتناب المضارة جعلهم قرة أعين لكم في الدنيا وسببًا للمثوبة في الآخرة، وإن اتبعتم أهواءكم وعمد الوالد إلى مضارة الوالدة به وعمدت هي إلى ذلك، كان الولد بلاء وفتنة لهما في الدنيا، وكانا بعملهما السيء في أنفسهما وولدهما مستحقين لعذاب الآخرة.
جاء الأمر الإلهي بإرضاع الأمهات أولادهن على مقتضى الفطرة، فأفضل اللبن للولد لبن أمه باتفاق الأطباء: أي لأنه قد تكون من دمها في أحشائها فلما برز إلى الوجود تحول اللبن الذي كان يتغذى منه في الرحم إلى لبن يتغذى منه في خارجه، فهو اللبن الذي يلائمه ويناسبه، وقد قضت الحكمة بأن تكون حالة لبن الأم في التغذية ملائمة لحال الطفل بحسب درجات سنه، ولذلك كان مما ينبغي أن يراعى في الظئر أن تكون سن ولدها كسن الطفل التي تتخذ مرضعًا له.
وإن لبن المرضع يؤثر في جسم الطفل وفي أخلاقه وسجاياه، ولذلك يحتاط في انتقاء المراضع ويجتنب استرضاع المريضة والفاسدة الأخلاق والآداب، ولكن لا يخشى من لبن الأم وإن كان بها علة في بدنها أو في أخلاقها لأن ما يأخذه من طبيعتها فإنما يأخذه وهو في الرحم، فاللبن لا يزيده شيئًا.
اللبن يخرج من دم المرضع ويمتصه فيكون دمًا له ينمو به اللحم، وينشز العظم، فهو يشرب منها كل شيء من حسن وقبيح، وقد لوحظ أن من يرضع من لبن الآتان يغلظ قلبه، وكذلك لبن كل حيوان يؤثر على حسب حاله، ولكن حياة الإنسان نفسية عقلية أكثر مما هي بدنية، فجسمه مسخر لشعوره وعقله لذلك كان تأثير الانفعالات والصفات النفسية من المرضع في الرضيع أشد من تأثير الصفات البدنية، وقد لاحظنا أن صوت المرضع قد ظهر في الولد الذي كانت ترضعه فكيف بآثار عقلها وشعورها وملكاتها النفسية.
وقد نبه الفقهاء على هذا المعنى وحكاية إمام الحرمين فيه معروفة.
<div class="verse-tafsir"
لايزال الكلام في أحكام النساء من حيث هن أزواج يمسكن ويسرحن، فيراجعن أو يبتتن، وفي حقوقهن حينئذٍ في أولادهن، وكل ما قد مر تفسيره، وقد ذكر في هاتين الآيتين أحكام من يموت بعولتهن، ماذا يجب عليهن من الحداد والاعتداد ومتى تجوز خطبتهن ومتى يتزوجن؟
قوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ﴾ أي يتوفاهم الله تعالى أي يقبض أرواحهم ويميتهم، قال تعالى في سورة الزمر: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ﴾ فإذا حذف الفاعل أسند الفعل إلى المفعول هذا هو المستعمل الفصيح.
﴿ وَيَذَرُونَ أزواجًا ﴾ أي يتركون زوجات، والفصيح استعمال لفظ الزوج في كل من الرجل وامرأته ويجمع في الاستعمال على أزواج قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ والزوج في الأصل العدد المكون من اثنين، وقد اعتبر في تسمية كل من الرجل وامرأته ﴿ زَوْجًا ﴾ أن حقيقته من حيث هو زوج مكونة من شيئين اتحدا فصارا شيئًا واحدًا في الباطن وإن كانا شيئين في الظاهر، ولذلك وضع لهما لفظ واحد ليدل على أن تعدد الصورة لا ينافي وحدة المعنى، أريد أن هذا اللفظ المشترك يشعر بأن من مقتضى الفطرة أن يتحد الرجل بامرأته والمرأة ببعلها بتمازج النفوس ووحدة المصلحة حتى يكون كل منهما كأنه عين الآخر.
وقوله تعالى ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ خبر لما قبله أي يتربصن بعد وفاتهم هذه المدة، وتقدم الكلام في مثله في تفسير قوله ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ فارجع إليه إن كنت نسيت ما في التعبير من آيات البلاغة.
والمعنى أن عدة النساء اللائي يموت أزواجهن أربعة أشهر وعشر ليال، لا يتعرضن فيها للزواج بزينة ولا خروج من المنزل بغير عذر شرعي، ولا يواعدن الرجال بالزواج، وقد يتعارض هذا مع قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ فهل يقال إن ما هنا خاص بغير الحوامل؟
أم ما هنالك خاص بالمطلقات؟
الظاهر الثاني لأن الكلام هنالك في الطلاق والسورة سورته فهو خاص، والآية التي نحن بصدد تفسيرها عامة في كل من يتوفى زوجها، لأن الله تعالى جعل عدتها طويلة، وفرض عليها الحداد على الزوج مدة العدة، مع تحريم السنة الحداد على غير الزوج أكثر من ثلاثة أيام، اهتمامًا بحقوق الزوجية وتعظيمًا لشأنها، ولكن الجمهور على القول الأول، وإن الحامل التي يموت زوجها إذا وضعت تنقضي عدتها ولو بعد الموت بيوم أو ساعة، واحتجوا بحديث سبيعة الأسلمية عند أبي داود فإنها قالت إن النبي أفتاها بأنها حلت حين وضعت حملها، وكانت ولدت بعد موت زوجها بنصف شهر، ويروي عن علي وابن عباس (رضى الله عنهما) أنها تعتد بأقصى الأجلين احتياطًا، فأي آية كانت عند الله هي المخصصة للأخرى كانت عاملة بها.
فإذا سأل سائل عن الحكمة في كون عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا؟
فالجواب: أن مثل هذا ليس علينا أن نبحث عنه، وإنما نبحث عما يشير الكتاب إلى حكمته إشارة ما.
ويقول بعض الناس إن ما يحصل من فراق الزوج من الحزن والكآبة عظيم يمتد إلى أكثر من مدة ثلاثة قروء أو ستين يومًا فبراءة الرحم إن كانت تعرف بهذه المدة فلا يكون استعراف براءته من الحمل مانعًا من الزواج فبراءة النفس من كآبة الحزن تحتاج إلى مدة أكثر منها، والتعجيل بالزواج مما يسيء أهل الزوج ويفضي إلى الخوض في المرأة بالنسبة إلى ما ينبغي أن تكون عليه من عدم التهافت على الزواج، وما يليق بها من الوفاء للزوج والحزن عليه.
﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ أي أتممن عدتهن ﴿ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ ، مما كان محظورًا عليهن في العدة من التزين، والتعرض للخطاب، والخروج من المنزل، وقيد ذلك بالمعروف أي شرعًا وأدبًا عرفيًا، لأنهن إذا أتين بالمنكر وجب منعهن.
واختلفوا في الخطاب هنا فقيل هو للأولياء لأن هذا من مقدمات الزواج الذي يتولونه، وقيل للمسلمين كافة يتولاه منهم من هو قادر عليه من العارفين به وهو المختار كما علم مما سبق له من النظائر.
لا تقل إن الآية لم تنطق بما يحظر على المرأة في هذه العدة، فنقول.
إن نفي الجناح متعلق به، لأن ما علم من الناس بالسنة المتبعة والأخبار الصحيحة في أمر نزل فيه قرآن يتعين حمل القرآن عليه.
روى الشيخان من حديث حميد بن نافع عن زينب بنت أم سلمة أنها أخبرته بهذه الأحاديث الثلاثة قالت دخلت على أم حبيبة حين توفي أبو سفيان (والدها) فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق وغيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها، ثم قالت: والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة شهر وعشرًا".
قالت زينب وسمعت أمي أم سلمة تقول جاءت امرأة إلى رسول الله فقالت يا رسول الله إن ابنتي توفي زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟
فقال رسول الله :"لا" مرتين أو ثلاثًا - كل ذلك يقول "لا" ثم قال: "إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول".
قال حميد فقلت لزينب: ما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟
فقالت زينب كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبًا حتى تمر سنة، ثم يؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتقتض به فقلما تقتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعدما شاءت من طيب أو غيره، وروى أحمد والشيخان من حديث أم سلمة أن امرأة توفي زوجها فخشوا على عينها فأتوا رسول الله فاستأذنوه في الكحل فقال: "لا تكتحل، كانت إحداكن تمكث في أحلاسها أو شر بيتها فإذا كان حول فمر كلب رمت ببعرة- فلا، حتى تمضي أربعة أشهر وعشر "وفي رواية مطرف وابن الماجشون عن مالك" ترمي ببعرة من بعر الغنم أو الإبل فترمي بها أمامها فيكون ذلك إحلالًا لها".
فأنت ترى من هذه الأحاديث الصحيحة أن العرب على غلوها في الحداد، وكثرة منكراتها في النوح والندب، كانت تعتاد أمورًا خرافية فيه، وكانت المرأة تحد على زوجها شر حداد وأقبحه، فتلزم شر أحلاسها في شر جانب من بيتها وهو الحفش سنة كاملة لا تمس طيبًا ولا زينة ولا تبدو للناس في مجتمعهم، ثم تخرج من ذلك بما علمت.
أما الأحلاس فهي جمع حلس (بكسر فسكون وبالتحريك) وهو في الأصل ما يكون على الظهر تحت القتب أو السرج أو البرذعة، ويطلق على الكساء الرقيق وعلى ما يجلس عليه من مسح ونحوه، والحفش بكسر المهملة البيت الصغير المظلم داخل البيت ويسمون مثله في الحجرات الآن "خزنة" والاقتضاض بالدابة بالقاف هو التمسح بها، قيل كانت تمسح به جلدها وقيل ما هنالك، قال ابن قتيبة سألت الحجازيين عن الاقتضاض فذكروا أن المعتدة كانت لا تمس ماء ولا تقلم ظفرًا ولا تزيل شعرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر ثم تقتض أي تكسر ما كانت فيه من العدة بطائر تمسح به قُبُلَهَا فلا يكاد يعيش ما تقتض به، والمراد أنه يموت من نتنها.
وأما عادة مرور الكلب ورمي البعرة فظاهر الرواية أن المعتدة كانت في آخر العدة تنتظر مرور الكلب لترميه بالبعرة وإن طال الزمان، وبه قال بعضهم، وقيل بل ترمي بها ما عرض من كلب أو غيره، وقالوا إن المعنى في ذلك عندهم أن ما فعلته في التربص في تلك المشقة والجهد هو عندها بمنزلة البعرة التي رمتها احتقارًا له وتعظيمًا لحق زوجها.
وقيل هو إشارة إلى رمي العدة والتفلت منها.
وقيل بل هو تفاؤل بعدم العود إلى مثلها وتمني أن تموت في كنف من عساها تتزوج به.
إذا علمت هذا وأمثاله مما كانت عليه العرب من العادات السخيفة والخرافات الشائنة المهينة للمرأة، يظهر لك شأن ما جاء به الإسلام من الإصلاح في ذلك، إذ جعل العدة على نحو الثلث مما كانت عليه، ولم يحرم فيها إلا الزينة والطيب، والتعرض لأنظار الخاطبين من مريدي التزوج، دون النظافة والجلوس في كل مكان من البيت مع النساء والمحارم من الرجال.
وهذا الذي أمر به الإسلام يليق ويحسن في كل شعب وجيل في كل زمن وعصر، لا يشق على بدو ولا حضر، وقد رأيت أن سعة الدين وتكريمه للنساء قد كادت تنسي المسلمات ما لم يبعد العهد به من عادتهن وتخرج بهن من كل قيد، حتى استأذن من استأذن منهن بالكحل بحجة الخيفة على العين من المرة أو الرمد حتى ذكرهن بذلك .
واستشكل في الحديث المنع من الكحل للتداوي كما هو ظاهر من قولها "فخشوا على عينها" مع ما علم من أصول الشريعة التي لا خلاف فيها من انتفاء العسر والحرج، ومن كون الضرورات تبيح المحظورات وكون الضرر والضرار ممنوعين، ومن الترخيص في الكحل للتداوي بالليل دون النهار -لأن الليل أبعد من مظنة الزينة- في حديث الموطأ عن أم سلمة، وفيه أن رسول الله قال: "اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار" وحديث أبي داود: "فتكتحلين بالليل وتغسلينه بالنهار".
وأجيب عن حديث النهي بأجوبة منها حمله على كحل الزينة كأنه علم بالقرينة أن السؤال كان عنه أو لأجله، ومنها غير ذلك مما لا حاجة لاستيفائه هنا، وينبغي أن نتذكر أن الليل صار كالنهار في أمصارنا أو أشد إظهارًا للزينة.
هذا ما جاء به الإسلام من الإصلاح في هذه المسألة الاجتماعية ومن أراد الاعتبار فلينظر إلى حظ المسلمين اليوم من هديه فيها.
المسلمون لا يسيرون اليوم على طريقة واحدة وإنما هم طرائق قدد، فمن نسائهم من يغلون في الحداد، ويغرقن في النوح والندب والخروج من العادات في كيفية المعيشة بالبيوت حتى يزدن في بعض ذلك على ما كان يكون من نساء الجاهلية، وليس لهن في ذلك حد ولا أجل يتساوين فيها، ولا يخصص الزوج بما خصه به الشرع، بل ربما حددن على الولد سنة أو سنين، وربما تركن الحداد على الزوج بعد الأربعين، يختلف ذلك فيهن باختلاف البلاد والطبقات والبيوت، فإياكم نسأل أبناء العصر الجديد الذين يرون أن أنفسهم ارتقت في المدنية والاجتماع إلى أفق يستغنون فيه عن هدى الدين: هل تجدون لنا سبيلًا إلى إصلاح هذه العادات الرديئة في الحداد الذي لا حد له ولا نظام، ولا فائدة فيه لأحد بل كله غوائل بما يفني من المال في تغيير اللباس والأثاث والرياش والماعون وغير ذلك، وما يفسد من آداب المعاشرة ويسلب من هناء المعيشة، وما يفعل في صحة الكثيرين ولا سيما ضعاف المزاج وأهل الأمراض؟
اصلحوا لنا بعلومكم وفلسفتكم هذه العادات الرديئة بإرجاعها إلى ما قرره الشرع من الحداد ثلاثة أيام على القريب، وأربعة أشهر وعشر على الزوج، ويجعل هذا الحداد قاصرًا على ترك الزينة والطيب وعدم الخروج من البيت، أو بما هو خير من ذلك إن أمكن، وإلا فاعلموا أن لا صلاح لنا إلا بالاعتصام بهدى الدين الذي تحاربونه كل ساعة بأعمالكم وخلالكم، وعاداتكم ولذاتكم، وما تحاربون إلا أنفسكم وما تشعرون.
﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ محيط بدقائق عملكم لا يخفى عليه منه شيء فإذا الزمتم النساء الوقوف معكم عند حدوده أصلح أحوالكم، ورفه معيشتكم في الدنيا، وأحسن جزاءكم في الآخرة، وإن لم تفعلوا أخذكم في الدارين أخذًا وبيلًا ﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ .
ومن مباحث اللفظ في الآية أن الفصيح المستعمل في التعبير عن الموت بالتوفي أن يقال توفي فلان بالبناء للمفعول وعليه القراءة المتواترة في الآية ﴿ يُتَوَفَّوْنَ ﴾ وقرئ في الشواذ عن علي ﴿ يُتَوَفَّوْنَ ﴾ بالبناء للفاعل وفسر بيستوفون آجالهم، فإن معنى التوفي أخذ الشيء وقبضه وافيًا تامًا.
وكانوا يعدون التعبير عن الميت بالتوفي بصيغة اسم الفاعل لحنًا لأنه مقبوض لا قابض، كما روي عن أبي الأسود الدؤلي أنه كان خلف جنازة فقال له رجل من المتوفي ؟
فقال "الله تعالى "وكان هذا من أسباب أمر علي كرم الله وجهه إياه بوضع بعض أحكام النحو.
ومنها مسألة المطابقة بين المبتدأ وهو ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ ﴾ والخبر وهو جملة ﴿ يَتَرَبَّصْنَ ﴾ فإنها غير جلية على قواعد النحو، وإن كان المعنى جليًا، والتأليف عربيًا، وقال قدر بعضهم لفظ زوجات مضافًا محذوفًا أي: وزوجات الذين يتوفون منكم يتربصن إلخ ولا لزوم له، لأنه لا يكون معه فائدة لقوله ﴿ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ﴾ ما فيه من التكلف، ويروون عن سيبويه أن الخبر محذوف تقديره: فيما يتلى عليكم من حكم الذين يتوفون منكم: والراجح ما قاله الكسائي ومثله الأخفش، وهو أن الرابط بين المبتدأ والخبر في مثل هذا التعبير هو الضمير العائد إلى الأزواج الذي هو من متعلقات المبتدأ فهو راجع إلى المبتدأ كأنه قال "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربص أزواجهم أربعة أشهر وعشرًا" وهو ينطبق على استعمال اللغة.
وهناك وجه آخر يرجع إليه وهو صحة الإخبار عن المبتدأ بما يرجع إليك كقول الشاعر: لعلي إن مالت بي الريح ميلة إلى ابن أبي ذبيان أن يتندما فمراد الشاعر الإخبار عن تندم ابن أبي ذبيان، والأخبار في اللغة لا يراعى بها إلا صحة المعنى وكونه مفهومًا كما تقدم في تفسير ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى ﴾ .
ولما كان من شأن الراغبين في التزوج بمن يتوفى زوجها المسارعة إلى خطبتها بَيّن للمؤمنين ما يتعلق بذلك من الأحكام والآداب اللائقة بهم وبكرامة النساء في مدة العدة فقال: ﴿ وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ﴾ فالمراد بالنساء المعتدات لوفاة أزواجهن، قالوا، ومثلهن المطلقات طلاقًا بائنًا، وأما الرجعيات فلا يجوز التعريض لهن لأنهن لم يخرجن عن عصمة بعولتهن بالمرة.
والتعريض في الأصل إمالة الكلام عن منهجه إلى عرض منه وهو الجانب، ويقابله التصريح فهو أن تفهم المخاطب ما تريد بضرب من الإشارة والتلويح يحتمله الكلام على بعد بمعونة القرينة، وفي الكشاف هو أن تذكر شيئًا تدل به على شيء لا تذكره، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم.
والخطبة بالكسر من الخطاب أو الخَطب وهو الشأن العظيم وهي طلب الرجل المرأة للزواج بالوسيلة المعروفة بين الناس، وأما الخطبة بالضم فهي ما يوعظ به من الكلام.
والإكنان في النفس هو ما يضمره مريد الزواج في نفسه ويعزم عليه من التزوج بالمرأة بعد انقضاء العدة.
أباح الله تعالى أن يعرض الرجل للمرأة في العدة بأمر الزواج تعريضًا، وقرن ذلك بما يكون من النية في القلب والعزم المستكن في الضمير كأنه مثله في تعذر الاحتراز منه أو تعسره، ولم يحرم عليهم أن يقطعوا في هذا الأمر بأنفسهم لأن الأمر أمر ديني بل راعى فيما شرعه لهم ما فطرهم عليه ولذلك ذكر وجه الرخصة فقال: ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾ في أنفسكم، وخطرات قلوبكم ليست في أيديكم، ويشق عليكم أن تكتموا رغبتكم وتصبروا عن النطق لهن بما في أنفسكم، فرخص لكم في التعريض دون التصريح، فقفوا عند حد الرخصة ﴿ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾ أي في السر فإن المواعدة السرية مدرجة الفتنة، ومظنة الظنة، والتعريض يكون في الملأ لا عار فيه ولا قبح، ولا توسل إلى ما لا يحمد، وذهب جمهور العلماء إلى أن السر هنا كناية عن النكاح أي لا تعقدوا معهن وعدًا صريحًا على التزوج بهن.
وعبر عن النكاح بالسر لأنه يكون سرًا في الغالب، وروي عن ابن عباس أنه قال المواعدة سرًا أن يقول لها: إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غير ونحو هذا: وقيل هي المواعدة على الفاحشة، والدليل على أن النهي عام يراد به تحريم الكلام الصريح معها في الخلوة قوله ﴿ إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ هو ما يعهد مثله بين الناس المهذبين بلا نكير كالتعريض.
وجملة القول أنه لا يجوز للرجال أن يتحدثوا مع النساء المعتدات عدة الوفاة في أمر الزواج بالسر ويتواعدوا معهن عليه، وكل ما رخص لهم فيه هو التعريض الذي لا ينكر الناس مثله في حضرتهن، ولا يعدونه خروجًا عن الأدب معهن، والفائدة منه التمهيد وتنبيه الذهن حتى إذا تمت العدة كانت المرأة عالمة بالراغب أو الراغبين، فإذا سبق إلى خطبتها المفضول ردته إلى أن يجيء الأفضل عندها.
وقد أوضح الأمر وسلك فيه مسلك الإطناب لأن الناس يتساهلون في مثل هذه الأمور لما لهم من دافع الهوى إليها، ولذلك صرح بما فهم من سابق القول من جواز القصد إلى العقد بعد تمام العدة فقال: ﴿ وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ ﴾ أي على عقدة النكاح على حذف "على" ويقال عزم الشيء وعزم عليه واعتزمه أي عقد ضميره على فعله، أو المعنى لا تعقدوا عقدة النكاح وهو العزم المتصل بالعمل لا ينفصل عنه ﴿ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ أي حتى ينتهي ما كتب وفرض من العدة، فالكتاب بمعنى المكتوب أي المفروض أو بمعنى الفرض قال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ وإنما عبر عن الفرضية المحتمة بلفظ الكتاب لأن ما يكتب يكون أثبت وأكد وأحفظ، وفسر بعضهم الكتاب بالقرآن، على أن المراد به العدة أيضًا، كأنه قال: حتى يتم ما نطق به القرآن من مدة العدة.
والحاصل أن التزوج بالمرأة في العدة محرم قطعًا، ولأجله حرمت خطبتها فيها والعقد باطل بإجماع المسلمين.
ثم قال ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ﴾ أي يعلم ما تضمرونه في قلوبكم من العزم فاحذروا أن تعزموا ما حظره عليكم منه من قول وعمل، وهذا التحذير راجع للأحكام التي تقدمت من التعريض وغيره جاء على أسلوب القرآن وسنته في قرن الأحكام بالموعظة ترغيبًا وترهيبًا تأكيدًا للمحافظة عليها والالتفات إليها، ولا يقال إن العلم بما بالنفس أعم من الخبر بالعمل، فيستغنى عن هذا بما ختمت به الآية السابقة، لأن لكل كلمة مما ورد في هذا الكلام أثرًا مخصوصًا في النفس، والمقصود واحد.
وما دامت الحاجة ماسة إلى شيء فلا يقال إن في الإتيان به تكرارًا مستغنى عنه وإن كثر وتعدد ولو بلغ الألوف بلفظه، فكيف به إذا تنوع بعموم أو خصوص أو غير ذلك وقوله: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ بعدما ورد من الوعيد والتشديد في الآيات السابقة يبيّن أن للإنسان مخرجًا بالتوبة إذا هو تعدى شيئًا من الحدود وأراد الرجوع إلى الله تعالى فإنه غفور له حليم لا يعجل بعقوبته، بل يمهله ليصلح بحسن العمل، ما أفسد بما سبق من الزلل..
<div class="verse-tafsir"
قالوا المراد بالجناح المنفي هنا هو التبعة من المهر ونحوه، لا الإثم والوزر، وأوردوا هذا وجهًا ضعيفًا وجهوه بأن النبي كان كثيرًا ما ينهى عن الطلاق فظن الناس أن فيه جناحًا فنفته الآية، وهو كما ترى يتبرأ منه السياق، فالمراد بنفي الجناح نفي المنع، وهو مقيد بقيدين: عدم المسيس، وعدم تسمية مهر.
والمسيس اسم مصدر لمسه مسًا.
"من باب تعب ونصر" إذا لمسه بيده من غير حائل، هكذا قيدوه كما في المصباح.
ويعبر عن إصابة كل شيء للإنسان من خير وشر ونفع وضر.
ويكنى به وبالمماسة والملامسة كالمباشرة عن الغشيان المعلوم بين الزوجين.
قرأ الجمهور ﴿ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ بالفعل الثلاثي، وقرأ حمزة والكسائي "تماسوهن" بالصيغة الدالة على المشاركة هنا وفي سورة الأحزاب، لأن كلًا منهما يشترك فيه بحسب حاله، فهذه القراءة بيان للواقع، وتلك بيان لفعل الرجل الذي يجب به ما يجب من المهر والعدة.
وآية الأحزاب التي فيها القراءتان هي: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ وأجمعوا على قراءة واحدة في قوله تعالى من سورة مريم حكاية عنها: ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ لأنه نفي لسبب الولد من قبل الرجال لا معنى للمشاركة فيه.
والمراد بفرض الفريضة تسمية المهر، والآية تدل على أن عقد النكاح يصح بغير مهر، قالوا ويجب حينئذ مهر المثل.
والفرض هنا يصدق بما يكون بعد العقد كأن يقول: أمهرتك ألفًا، مثلًا.
يقول الله تعالى ﴿ لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ ﴾ أي لا يلزمكم شيء من المال تأثمون بتركه في حال طلاقكم النساء ﴿ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ أي مدة عدم مسكم إياهن وتسمية المهر لهن، "فأو" هنا بمعني الواو، أو المعنى: إلى أن تفرضوا لهن، أو إلا أن تفرضوا لهن، أي فحينئذٍ يجب عليكم شيء وهو ما يذكر في الآية التالية لهذه.
والمعنى إذا تحقق الشرطان أو الفقيدان فلا تدفعوا لهن مهرًا ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ أي اعطوهن شيئًا يتمتعن به ولتكن هذه المتعة على حسب حالكم في الثروة ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ الموسع وصف من أوسع الرجل إذا صار ذا سعة وهي البسطة والغنى، والمقتر من أقتر الرجل إذا قل ماله وافتقر، وقتر على عياله.
"من بابي قعد وضرب"..
وأقتر ضيق عليهم في النفقة.
ولعله من القتار بالضم وهو دخان الشواء والطبيخ وبخاره ورائحته، والقتر من النفقة الرمقة من العيش، ويقال أقتر أيضًا إذا قتر عمدًا فعاش عيشة الفقير، وقرأ حمزة والكسائي وحفص وابن ذكوان "قدره" بفتح الدال والباقون بسكونها وهما لغتان بمعنى، وقيل القدر بالتسكين الطاقة وبالتحريك المقدار، والمراد لا يختلف، وهو أن المتعة تختلف باختلاف ثروة الرجل وبسطته ولذلك لم تحدد بل تركت لاجتهاد المكلف لأنه أعرف بثروة نفسه، وقد علم أن الله فرضها عليه وأكدها بقوله ﴿ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾ فأما المعروف فهو ما يتعارف الناس بينهم ويليق بهم بحسب اختلاف أصنافهم وأحوال معايشهم وشرفهم، وأما كونه حقًا على المحسنين فمعناه أنها واجبة حاقة على أنها إحسان في التعامل لا عقوبة، فإن الحكمة فيها كما قالوا جبر إيحاش الطلاق، كأن المعنى: إن كنتم مؤمنين بالله محسنين في طاعته فعليكم أن تجعلوا هذا المتاع لائقًا مؤديًا إلى الغرض منه.
إن في هذا الطلاق غضاضة وإيهامًا للناس أن الزوج ما طلقها إلا وقد رابه منها شيء، فإذا هو متعها متاعًا حسنًا تزول هذه الغضاضة ويكون هذا المتاع الحسن بمنزلة الشهادة بنزاهتها والاعتراف بأن الطلاق كان من قبله أي لعذر يختص به، لا من قبلها، أي لا لعلة فيها، لأن الله تعالى أمرنا أن نحافظ على الأعراض بقدر الطاقة.
فجعل هذا التمتيع كالمرهم لجرح القلب لكي يتسامع به الناس فيقال: إن فلانًا أعطى فلانة كذا وكذا، فهو لم يطلقها إلا لعذر، وهو آسف عليها معترف بفضلها، لا أنه رأى عيبًا فيها أو رابه شيء من أمرها، ويقال إن سيدنا الحسن السبط متع إحدى زوجاته بعشرة آلاف درهم وقال: "متاع قليل من حبيب مفارق".
لهذا وكّل الله تعالى الأمر في ذلك إلى أريحية المؤمن فلم يحدده بل وصفه بالمعروف، وذكر المطلق عند إيجابه بالإحسان هنا وبالتقوى في الآية الآتية.
هذا هو المتبادر من الآية ولكن من الفقهاء من قال إن المتعة تستحب ولا تجب لأنها جعلت حقًا على المحسنين، كأن القيام بالواجب لا يوصف بالإحسان، ويكفي في إثبات الوجوب قوله تعالى ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ وقوله ﴿ حَقًّا عَلَى ﴾ وإنما حسن ذكر الإحسان هنا لأن المفروض غير محدود، والشارع يحب بسط الكف فيه، فذكر بالإحسان لأجل ذلك، وليبيّن أن المتعة ليست من قبيل الغرامة، إذ لو كانت غرامة لا اختيار في قدرها كما أنه لا اختيار في أصلها لما تحققت بها الحكمة التي تقدم شرحها، وآية الأحزاب المتقدمة آمرة بالتمتيع أمرًا لم يذكر معه لفظ المحسنين، على أن الله تعالى ذكر الإحسان والمحسنين في مقام الأعمال الواجبة كقوله في سورة التوبة ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ﴾ والنصح لله ورسوله واجب حتم، وقوله في هذه السورة أيضًا ﴿ مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إلى قوله إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ وذكر هذا اللفظ كثيرًا بعد ذكر الصبر في مواضع اليأس وهو واجب، وبعد ذكر محاولة إبراهيم ذبح ولده وكان واجبًا عليه لولا افتداه الله تعالى.
وقال تعالى في سورة الزمر عند ذكر الجزاء: ﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾ وهل يصح أن يقال إن النفس تعذب على ترك النوافل المستحبة فتتمنى الرجعة لتؤديها؟
ومن تتبع الآيات التي ذكر فيها الإحسان يرى أن منها ما يراد به الأعمال المفروضة أولًا وبالذات، ومنها ما يراد به ما زاد عن الفرض من العمل الصالح، ومنها ما يراد به إحسان العمل وإتقانه مطلقا، وممن صرح بوجوب المتعة من علماء السلف علي وابن عمر والحسن البصري وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة والضحاك وغيرهم، واختلفوا أيضًا في مقدارها وقد علمت المختار فيه، واختلفوا أيضًا هل تشرع لغير هذه المطلقة قبل المسيس والفرض أم لا؟
وسيأتي ذلك في تفسير ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ .
ثم قال تعالى ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ الآية الماضية في حكم غير الممسوسة إذا لم يفرض لها، وهذه في حكمها وقد فرض لها المهر، وهو أن لها نصف المهر المفروض.
قال (الجلال):"فنصف ما فرضتم يجب لهن ويرجع لكم النصف"، وهذا جري على أن الذي كان عليه العمل هو سوق المهر كله للمرأة عند العقد، خلافًا لما استحدثه الناس بعد من تأخير ثلث المهر أي في الغالب، وقد يؤخرون أكثر من الثلث أو أقل حتى كأن ذلك من سنن الدين، وما هو إلا عادة من العادات، والظاهر أن سببها حب الظهور بكثرة المهر والفخر به، مع اجتناب الإرهاق بدفعه كله.
وقدر غير (الجلال) فالواجب نصف ما فرضتهم -أو- فادفعوا نصف ما فرضتم والمعنى ظاهر على كل تقدير ﴿ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ ﴾ أي النساء المطلقات عن أخذ النصف كله أو بعضه، وهو حق البالغة الرشيدة ﴿ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾ قيل هو الولي مطلقًا وعليه جماعة من المفسرين أو الولي المجبر وهو الأب أو الجد فيعفو له عن النصف الواجب كله أو بعضه، والشيعة لا تبيح له العفو عن كله وقال كثير منهم إن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج الذي بيده حلها.
عبر عنه بهذا للتنبيه على أن الذي ربط المرأة وأمسك العقدة بيده لا يليق به أن يحلها ويدعها بدون شيء، بل يستحب له العفو والسماح بكل ما كان قد أعطى وإن كان الواجب المحتم نصفه، فذلك تمهيد لقوله ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ والخطاب على هذا خاص بالرجال، وفيه وجه آخر أنه عام للنساء والرجال، أي من عفا فهو المتقي، ويروى عن جبير بن مطعم أنه تزوج بنتًا لسعد بن أبي وقاص ثم طلقها قبل الدخول وأعطاها جميع المهر، فسئل عن هذا فقال أما التزوج فلأنه عرضها علي فما رأيت أن أرده، وأما العفو فأنا أحق بالفضل.
هكذا قال من روى القصة بالمعنى، وفي التفسير الكبير أن جبيرًا قال: أنا أحق بالعفو، وإذا كان هذا لفظه فهو دليل على أن الخطاب عام على سبيل التغليب، ويرجحه اختلاف الأحوال، ففي بعض الأحوال تكون المصلحة في عفو الرجل عن النصف الآخر وفي بعضها تكون في عفو المرأة عن النصف الواجب لها، ذلك لأن الطلاق قد يكون من قبله بلا علة منها وقد يكون بالعكس، والذي تراه في عامة كتب التفسير أن المراد بالتقوى هنا تقوى الله تعالى المطلوبة في كل شيء، وذلك أن العفو أكثر ثوابًا وأجرًا، وعندي أن التقوى في هذا المقام اتقاء الريبة وما يترتب على الطلاق من التباغض وآثار التباغض، ولا يخفى ما في السماح بالمال، من التأثير في تغيير الحال، ولذلك قال بعد ذلك ﴿ وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ فسروا الفضل بالتفضيل والإحسان وجعلوه للترغيب في العفو.
والمراد به المودة والصلة، أي ينبغي لمن تزوج من بيت ثم طلق أن لا ينسى مودة أهل ذلك البيت وصلتهم.
فأين هذا مما نحن عليه اليوم من التباغض والضرار؟
وقد ختمت الآية بقوله تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ جريًا على السنة الإلهية بالتذكير والتحذير بعد تقرير الأحكام، لتكون مقرونة بالموعظة التي تغذي الإيمان وتبعث على الامتثال.
وفي التذكير باطلاع الله تعالى وإحاطة بصره بما يعامل به الأزواج بعضهم بعضًا، ترغيب في المحاسنة والفضل وترهيب لأهل المخاشنة والجهل.
من تدبر هذه الآيات وفهم هذه الأحكام يتجلى له نسبة مسلمي هذا العصر إلى القرآن، ومبلغ حظهم من الإسلام.
وأخص المصريين بالذكر، فإن الروابط الطبيعية في النكاح والصهر وسائر أنواع القرابة صارت في مصر أرَثّ وأضعف منها في سائر البلاد، فمن نظر أحوالهم وتبين ما يجري بين الأزواج من المخاصمات والمنازعات والمضارات، وما يكيد بعضهم لبعض، يخيل إليه أنهم ليسوا من أهل القرآن، بل يجدهم كلهم لا شريعة لهم ولا دين بل آلهتهم أهواؤهم، وشريعتهم شهواتهم، وأن حال المماكسة بين التجار في السلع هي أحفظ وأضبط من حال الزواج، وأقوى في الصلة من روابط الأزواج.
إن رجلًا هجر زوجته -وهي ابنة عمه وله منها بنت- بغير ذنب غير الطمع في المال، فكان كلما كلموه في شأنها قال: لتشتر عصمتها مني!!
وهناك ما هو أدهى من ذلك وأمرّ كالذين يتركون نساءهم بغير نفقات حتى قد يضطروهن إلى بيع أعراضهن، وكالمطلقات المعتدات بالقروء يزعمن أن حيضهن حبس فتمر السنون ولا تنقضي بزعمهن، وما الغرض إلا إلزام المطلق النفقة طول هذه المدة انتقامًا منه، وكالذين يذرون أزواجهم كالمعلقات، لا يمسكونهن بمعروف ولا يسرحونهن بإحسان، أو يفتدين منهم بالمال، فأين الله وأين كتاب الله وشرعه من هؤلاء وأين هم منه؟
إنهم ليسوا من كتاب الله في شيء، ولكن المسرفين أهواءهم يتبعون...
<div class="verse-tafsir"
كانت الآيات السابقة أحكامًا بعضها في العبادات، وبعضها في الحدود والمعاملات، آخرها معاملة الأزواج، ورأينا من سنة القرآن أن يختم كل حكم أو عدة أحكام بذكر الله تعالى والأمر بتقواه، والتذكير بعلمه بحال العبد وبما أعد له من الجزاء على عمله، وفي هذا ما فيه من نفخ روح الدين في الأعمال وإشرابها حقيقة الإخلاص.
ولكن هذا التذكير القولي بما يبعث على إقامة تلك الأحكام على وجهها قد يغفل المرء عن تدبره، ويغيب عن الذهن تذكره، بانهماك الناس في معايشهم واشتغالهم بما يكافحون من شدائد الدنيا، أو ما يلذ لهم من نعيمها، ولهذه الضروب من المكافحات، والفنون من التمتع باللذات، سلطان قاهر على النفس، وحاكم مسخر للعقل والحس، يتنكب بالمرء سبيل الهدى، حتى تتفرق به سبل الهوى، فمن ثم كان المكلف محتاجًا في تأديب الشهوات الحيوانية، إلى مذكر يذكره بمكانته الروحانية، التي هي كمال حقيقته الإنسانية، وهذا المذكر هو الصلاة فهي التي تخلع الإنسان من تلك الشواغل التي لا بد له منها، وتوجهه إلى ربه جل وعلا، فتكثر له مراقبته، حتى تعلو بذلك همته، وتزكو نفسه، فتترفع عن البغي والعدوان، وتتنزه عن دناءة الفسق والعصيان، ويحبب إليها العدل والإحسان، بل ترتقي في معارج الفضل إلى مستوى الامتنان، فتكون جديرة بإقامة تلك الحدود، وزيادة ما يحب الله تعالى من الكرم والجود، ذلك أن الصلاة تنهى، بإقامتها على وجهها، عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله فيها أعظم من جميع المؤثرات وأكبر، فإذا كان الإنسان قد خلق هلوعًا، إذا مسه الشر جزوعًا، وإذا مسه الخير منوعًا، فقد استثنى الله تعالى من هذا الحكم الكلي المصلين، إذا كانوا على الصلاة الحقيقية محافظين.
لهذا قال: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ قال بعض المفسرين في وجه اختيار لفظ المحافظة على الحفظ إن الصيغة على أصلها تفيد المشاركة في الحفظ وهي هنا بين العبد وربه كأنه قيل: احفظ الصلاة يحفظك الله الذي أمرك بها، كقوله ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ أو بين المصلي والصلاة نفسها أي احفظوها تحفظكم من الفحشاء والمنكر بتنزيه نفوسكم عنهما، ومن البلاء والمحن بتقوية نفوسكم عليهما كما قال ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ﴾ ، وعندي أنه قال حافظوا على الصلوات ولم يقل احفظوها، لأن المفاعلة تدل على المنازعة والمقاومة، ولا يظهر قول بعضهم إن المفاعلة للمشاركة لأن الصلاة تحفظه كما يحفظها، إلا لو كانت العبارة حافظوا الصلوات، ولكنه قال على الصلوات، أي اجتهدوا في حفظها والمداومة عليها.
والصلوات هي الخمس المعروفة ببيان من بين للناس ما نزل إليهم، ونقلت عنه بالتواتر العملي، وأجمع عليها المسلمون من جميع الفرق، فهم على تفرقهم في كثير من المسائل متفقون على أن جاحد صلاة من الخمس لا يعد مسلمًا، على أنهم استنبطوا كونها خمسًا من ذكر الوسطى في الجمع كما في تفسير الرازي.
وهو من قبيل التماس النكتة، ومن آيات أخرى كقوله تعالي: ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ ، وسيأتي بيان كل شيء في محله إن شاء الله تعالى.
وكانوا يعبرون عن الصلاة بالتسبيح، يقولون سبح الغداة مثلًا.
أي صلي الفجر.
والصلاة الوسطى هي إحدى الخمس.
والوسطى مؤنث الأوسط، ويستعمل بمعنى المتوسط بين شيئين أو أشياء لها طرفان متساويان، وبمعنى الأفضل، وبكل من المعنيين قال قائلون.
ولذلك اختلفوا في: أي الصلوات أفضل وأيتها المتوسطة.
وللعلماء في ذلك ثمانية عشر قولًا أوردها الشوكاني (في نيل الوطار) أصحها رواية ما ذهب إليه الجمهور من كونها صلاة العصر لحديث علي عند أحمد ومسلم وأبي داود مرفوعًا "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" ورواه أحمد والشيخان عنه بلفظ أن النبي قال يوم الأحزاب: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس "ولم يذكر العصر، ولذلك قال بعضهم إنها الظهر لأنه شغل يوم الأحزاب عنها وعن العصر جميعًا وهي متوسطة وكانت تشق عليهم لأنها تؤدى في وقت الحر والعمل، وفي رواية عن علي عند عبد الله بن أحمد في مسند أبيه كنا نعدها الفجر فقال رسول الله :"هي صلاة العصر".
ووجه ما رواه أولًا توسطها وقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿ أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ فقد أشار في الآية إلى الصلوات وجعل لصلاة الفجر مزية خاصة بها وهو كون قرآنها مشهودًا، وورد في معناه أنها تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار.
وفي الحديث التصريح بأن صلاة العصر تشارك صلاة الفجر بهذه المزية.
ولأصحاب الأقوال الأخرى في تعيين الصلاة الوسطى أحاديث لا تصل إلى درجة ما ورد في صلاة العصر، فقيل هي الفجر وقيل هي الظهر كما وقيل هي المغرب وقال الأخفش هي صلاة الجمعة.
وقال بعضهم إنها غير معروفة وأن الله تعالى أبهم الصلاة الفضلى التي ثوابها أكثر لنحافظ على كل صلاة.
ولولا أنهم اتفقوا على أنها إحدى الخمس لكان يتبادر إلى فهمي من قوله: ﴿ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى ﴾ أن المراد بالصلاة الفعل وبالوسطى الفضلى، أي حافظوا على أفضل أنواع الصلاة وهي التي يحضر فيها القلب، وتتوجه بها النفس إلى الله تعالى وتخشع لذكره وتدبر كلامه، لا صلاة المرائين ولا الغافلين.
ويقوي هذا قوله بعدها ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ فهو بيان لمعنى الفضل في الفضلى وتأكيد له، إذ قالوا إن في القنوت معنى المداومة على الضراعة والخشوع، أي قوموا ملتزمين لخشية الله تعالى واستشعار هيبته وعظمته، ولا تكمل الصلاة وتكون حقيقية ينشأ عنها ما ذكر الله تعالى من فائدتها إلا بهذا، وهو يتوقف على التفرغ من كل فكر وعمل يشغل عن حضور القلب في الصلاة، وخشوعه لما فيها من ذكر الله بقدر الطاقة.
وقد روى أحمد والشيخان وأصحاب السنن ما عدا ابن ماجة من حديث زيد ابن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ فأمرنا بالسكون ونهينا عن الكلام.
وذلك أن القنوت عبارة عن الانصراف عن شؤون الدنيا إلى مناجاه الله تعالى والتوجه إليه لدعائه وذكره، وحديث الناس مناف له فيلزم من القنوت تركه، ويدل على ذلك حديث ابن مسعود المتفق عليه قال: كنا نسلم على النبي وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد، فقلنا -أي بعد الصلاة- يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا فقال "إن في الصلاة شغلاً" وقال سعيد بن المسيب المراد بالقنوت هنا القنوت المعروف في صلاة الصبح وهو إن صح يرجح أنها الصلاة الوسطى.
المحافظة على الصلوات آية الإيمان الكبرى، وقد جعل الشرع الصلاة والزكاة شرطًا لصحة الإسلام وأخوة الدين وما له من الحقوق، قال تعالى في أوائل سورة التوبة في الكلام على المشركين المعتدين ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ ، والأحاديث في منطوق الآية ومفهومها كثيرة.
منها حديث ابن عمر عند أحمد والبخاري ومسلم أن النبي قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله "، والمراد بالناس هنا المشركون أهل الأوثان لا أهل الكتاب الذين تقبل مهم الجزية ومن في حكمهم كالمجوس، ذلك أنهم هم الذين كانوا يقاومون دعوة الإسلام ما لا يقاومها سواهم، وكان استقرار الدين من غير دخول مشركي جزيرة العرب في الإسلام ضربًا من المحال، والكلام هنا في مكانة الصلاة من الإسلام لا في الدعوة وحمايتها.
وروى أحمد ومسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث جابر قال، قال رسول الله :"بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة".
وروى أحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن حبان والحاكم من حديث بريدة قال سمعت رسول الله يقول: "العهد الذي بيننا وبينكم الصلاة فمن تركها فقد كفر" صححه النسائي والعراقي.
وروى أحمد والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: "من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف"، وفي الآثار ما يشعر بأن الصحابة كانوا متفقين على ذلك فقد روى الترمذي والحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين، عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: كان أصحاب رسول الله لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة.
أرأيت هذه الآيات العزيزة، والأحاديث الناطقة بالعزيمة، فقد نال التأويل منها نيله في الزمن الماضي، وأعرض جماهير المسلمين عنها في الزمن الحاضر، حتى كثر التاركون الغافلون والمارقون وقل عدد المصلين الساهين وندر المصلون المحافظون، ذلك أن الإسلام عند هؤلاء المسلمين، الذين يصفون أنفسهم بالمتمدنين، قد خرج عن كونه عقيدة دينية، إلى كونه جنسية سياسية، آية الاستمساك به والمحافظة عليه والدفاع عنه مدح كبراء حكامه وإن كانوا لا يقيمون حدوده ولا ينفذون أحكامه، بل رفعوا أنفسهم إلى مرتبة التشريع العام، واستبدال القوانين الوضعية بما نزل الله من الأحكام، فلا غرو أن يعد الذي يلغو بمدح دولته أو بذم عدو لها من أكبر أنصار الإسلام، وإن كان لا يعرف حقيقة عقيدته ولا يقيم الصلاة ولا يؤتي الزكاة، ولا يحفل بغير ذلك مما أنزل الله، ولا يشترط أن يكون مخلصًا في دفاعه يتحرى به وجه المنفعة العامة لا تَتَبُّع طرق المال والجاه، أرأيت هؤلاء المسلمين سياسة؟
إن أحدهم لتتلى عليه تلك الآيات والأحاديث فيصر مستكبرًا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرًا، فمنهم من يصده عنها عدم إيمانه بها وهو الذي قد يصف نفسه أو يصفه أقرانه "بالمتمدن والمتنور" ومنهم من يصدف به عنها الاتكال على شفاعة الشافعين، والغرور بالانتساب إلى الإسلام، والاعتقاد بأن النسبة إليه كافية في نيل سعادة الآخرة وعدم المؤاخذة فيها على شيء، ولا سيما الذي يسمي نفسه "محسوبًا على أحد الصالحين"، وهذا اعتقاد أكثر العامة، ولهم من مشايخ الطرق وغيرهم ما يمدهم في غيهم، ويستدرجهم في غرورهم، وما أعظم غرور من يأخذ منهم العهد، ويحافظ على الورد.
نعم إن للإسلام دولة وإن كان هو في نفسه دينًا لا جنسية، ووظيفته دولته أو حكومته إنما هي نشر دعوته، وحفظ عقائده وآدابه، وإقامة فرائضه وسنته، وتنفيذ أحكامه في داره فمن ينصر حكومة الإسلام فإنما ينصرها بمساعدتها على ذلك بالعمل به في نفسه، ويحمل غيره من حاكم ومحكوم عليه، لأنه هو المقوم والمعزز للأمة، وإنما الدولة بالأمة.
وإن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة هما أعظم شعائر الإسلام، فالصلاة هي الركن الركين لصلاح النفوس، والزكاة هي الركن الركين لصلاح الاجتماع، فإذا هدما فلا إسلام في الدولة.
ماذا كان من أثر ترك الصلاة والتهاون بالدين في المدن والقرى والمزارع؟
كان من أثره في المدن فشو الفواحش والمنكرات، تجد حانات الخمر ومواخير الفجور والرقص وبيوت القمار غاصة بخاصة الناس وعامتهم حتى في ليالي رمضان، ليالي الذكر والقرآن، وعبد الناس المال، لا يبالون أجاء من حرام أم من حلال، وانقبضت الأيدي عن أعمال الخير، وانبسطت في أفعال الشر، وزال التعاطف والتراحم، وقلت الثقة من أفراد الأمة بعضهم ببعض فلا يكاد يثق المسلم إلا بالأجنبي، وغير ذلك من فساد الأخلاق، وقبح الفعال من الأفراد، وأكبر من ذلك انحلال الروابط الملية بل تقطع أكثرها، حتى كادت الأمة تخرج عن كونها أمة حقيقية متكافلة بالمصالح الاجتماعية والتعاون على الأعمال المشتركة التي تحفظ وحدتها، وطفق بعض هؤلاء "المتمدنين" الذي قطعوا روابطها بأيديهم، يفكرون في جعل الرابطة الوطنية لأهل كل قطر بدلًا من الرابطة الملية الجامعة لأهل الأقطار الكثيرة، فلم يفلحوا ولكن أثر كلامهم أردأ التأثير في مصر، فالأمة الآن في دور الانسلاخ عما كانت به أمة بسيرة سلفها الصالحين، فتنكبها هؤلاء الذين قال الله فيهم ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ وهذا الانسلاخ هو الغي الذي توعدهم الله تعالى به في الدنيا.
وأما أثر ذلك في القرى والمزارع فاستحلال جماهير الفلاحين لإهلاك الحرث والنسل عملًا لا قولًا، وذلك باعتداء بعضهم على زرع البعض بالقلع قبل ظهور الثمرة وبالسرقة بعدها، وعلى بهائمه بالقتل بالسم أو السلاح، بل باعتدائهم على أنفسهم بالسلب والنهب والقتل، حتى أعيا ذلك الحكومة على اهتمامها بأمرهم، فبلاد الأرياف المصرية لا أمن فيها على النفس والمال بتأمين الحكومة لأنها صارت كالبوادي التي ليس فيها حكام، لا يعتمد أحد على غير نفسه وعصبته في حفظ نفسه وحقيقته، ولو حافظ هؤلاء وأولئك على الصلوات كما أمر الله تعالى لانتهوا عن الفحشاء والمنكر بالوازع النفسي، فإن الصلاة كما يقول مختار باشا الغازي كالبوليس -"المحتسب"- الملازم يمنع من عمل السوء.
وأنَّى يحافظون عليها ومنهم الذي كفر بالله تقليدًا، ومنهم الذي آمن تقليدًا بما وجد عليه آباءه، وهو أن مرضاة الله تعالى بالنجاة من عذابه والفوز بنعيم الآخرة عنده لا تحصل إلا بواسطة أحد الأولياء الميتين، وإنما يتوسطون لمن يحتفل بموالدهم، أو يسيب لهم السوائب من البقر وغير البقر، ويقدم لأضرحتهم الهدايا والنذور، ومنهم الذي يتعلم كيفية أقوال الصلاة وأعمالها البدنية يؤدونها وهم عن الله ساهون، يراؤون الناس ويمنعون الماعون، وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾ وإنما المحافظون على الصلاة هم الذي قال فيهم: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ إلخ الآيات.
المحافظ على هذه الصلاة الفضلى ينتهي عن الفحشاء والمنكر، فلا يرضى لنفسه أن يكون حلسًا من أحلاس بيوت القمار ومعاهد اللهو والفسق.
المحافظ على هذه الصلاة لا يمنع الماعون، بل يبذل معونته ورفده لمن يراه مستحقًا لهما.
المحافظ على هذه الصلاة لا يخلف ولا يلوي في حق غيره عليه، وإن حقًا فرضه على نفسه، أو التزمه برًا بغيره، كالاشتراك في الجمعيات الخيرية.
المحافظ على هذه الصلاة لا يضيع حقوق أهله وعياله، ولا حقوق أقاربه وجيرانه، ولا حقوق معامليه وإخوانه.
المحافظ على هذه الصلاة يعظم الحق وأهله، ويحتقر الباطل وجنده، فلا يرضى لنفسه ولا لأمته بالذل والهوان، ولا يعتز بأهل البغي والعدوان.
المحافظ على هذه الصلاة لا تجزعه النوائب، ولا تفل غرار عزمه المصائب، ولا تبطره النعم، ولا تقطع رجاءه النقم، ولا تعبث به الخرافات والأوهام، ولا تطير به رياح الأماني والأحلام، فهو الإنسان الكامل الذي يؤمن شره، ويرجى في الناس خيره، ولو أن فينا طائفة من المصلين الخاشعين، لأقمنا بهم الحجة على المارقين والمرتابين.
ولكن المحافظ على الصلوات والصلاة الوسطى مع القنوت والخشوع قد صار أندر من الكبريت الأحمر، ومن عرفه لا يصدق أن للصلاة يدًا في آدابه العالية، واستقامته في السر والعلانية.
﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ﴾ .
ثم قال تعالى ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾ أي فإن خفتم أن تقوموا لله فيها قانتين مجتمعين فيفتنكم الأعداء بهجومهم عليكم، أو إن خفتم أي خطر أو ضرر من قيامكم قانتين فصلوا كيفما تيسر لكم راجلين أو راكبين، فالرجال جمع راجل وهو الماشي والركبان جمع راكب.
هذا تأكيد للمحافظة وبيان أن الصلاة لا تسقط بحال، لأن حال الخوف على النفس، أو العرض، أو المال هو مظنة العذر في الترك، كما لا يكون السفر عذرًا في ترك الصيام، وكالأعذار الكثيرة لترك صلاة الجمعة، واستبدال صلاة الظهر بها، والسبب في عدم سقوط الصلاة عن المكلف بحال؛ أنها عمل قلبي، وإنما فرضت فيها تلك الأعمال الظاهرة لأنها مساعدة على العمل القلبي المقصود بالذات، وهو تذكر سلطان الله تعالى المستولي علينا وعلى العالم كله، ومن شأن الإنسان إذا أراد عملًا قلبيًا يجتمع فيه الفكر، ويصح فيه توجه النفس وحضور النفس، أن يستعين على ذلك ببعض ما يناسبه من قول وعمل.
ولا ريب أن هذه الهيأة التي اختارها الله تعالى للصلاة هي أفضل معين على استحضار سلطانة، وتذكر كرمه وإحسانه، فإن قولك "الله أكبر" في فاتحة الصلاة وعند الانتقال فيها من عمل إلى عمل يعطيك من الشعور بكون الله أكبر وأعظم من كل شيء تشغل به نفسك وتوجه إليه همك، ما يغمر روحك، ويستولي على قلبك وإرادتك، وفي قراءة الفاتحة من الثناء على الله تعالى وتذكر رحمته وربوبيته ومعاهدته على اختصاصك إياه بالعبادة والاستعانة، ومن دعائه لأن يهديك صراطه الذي استقام عليه من سبقت لهم منه النعمة من عباده الصالحين ما فيها مما تقدم شرحه في تفسيرها، وكل ما تقرأه من القرآن بعد الفاتحة له في نفس آثار محمودة تختلف باختلاف ما في القرآن من المعارف العالية، والحكمة البالغة، والعبر العظيمة، والهداية القويمة، وانحناؤك للركوع وللسجود بعد ذلك يقوي في النفس معنى العبودية، وتذكر عظمة الألوهية ونعم الربوبية، لما في هذين العملين من علامة الخضوع والخروج عن المألوف، وما شرع فيهما من تسبيح الله، وتذكر عظمته وعلوه جل ثناؤه.
فإذا تعذر عليك الإتيان ببعض الأعمال البدنية، فإن ذلك لا يسقط عنك هذه العبادة القلبية، التي هي روح الصلاة وغيرها وهي الإقبال على الله تعالى واستحضار سلطانه مع الإشارة إلى تلك الأعمال بقدر الإمكان، الذي لا يمنع من مدافعة الخوف الطارئ من سبع مفترس، أو عدو مغتال، أو لص محتال، وكيف يسقط طلب الصلاة القلبية في حال الخوف وهو يساعد على الخروج منه، أو تخفيف وقعه، فالآية تعلمنا أنه يجب أن لا يذهلنا عن الله شيء من الأشياء، ولا يشغلنا عنه شاغل ولا خوف في حال من الأحوال، ولذلك قال ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾ أي فصلوا مشاة أو راكبين كيفما اتفق وهذا في حال الملاحمة في القتال أو مقاومة العدو ودفع الصائل أو الفرار من الأسد، أي ممارسة ذلك بالفعل، فإن كان الوقت وقت صلاة صلى المكلف راجلًا أو راكبًا لا يمنعه من صلاته الكر والفر، ولا الطعن والضرب، ويأتي من أقوال الصلاة بما يأتي مع الحضور والذكر ويومئ بالركوع والسجود بقدر الاستطاعة، ولا يلتزم التوجه إلى القبلة.
وأما صلاة الخوف في غير هذه الحالة كصلاة الجند المعسكر بإزاء العدو جماعة فهي مذكورة في سورة النساء.
﴿ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ أي زال خوفكم وأطمأننتم فاذكروا الله لأنه علمكم كيف تعبدونه وتصلون له في حال الخوف، فيكون ذلك عونًا لكم على دفعه أي تذكروا نعمه عليكم بهذا التعليم واشكروه له، هذا إذا قيل إن الكاف للتعليل، وإذا قلنا إن الكاف للبدلية فالمعنى فاذكروه على الطريقة التي علمكم إياها من قبل، أي فصلوا على السنة المعروفة في الأمن بإتمام القيام والاستقبال والركوع والسجود.
<div class="verse-tafsir"
هذه الآيات تتمة ما في السورة من أحكام الأزواج.
وقد جاء الأمر بالمحافظة على الصلوات في أثناء هذه الأحكام -والصلاة عماد الدين- للعناية بها، فمن حافظ على الصلوات كان جديرًا بالوقوف عند حدود الله تعالى والعمل بشريعته ولذلك قال ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ﴾ وقد بيّنا وجه ذلك، وقد خطر لي وجه آخر هو الذي يطرد في أسلوب القرآن الخاص في مزج مقاصد القرآن بعضها ببعض من عقائد وحكم ومواعظ وأحكام تعبدية ومدنية وغيرها، وهو نفي السآمة عن القارىء والسامع من طول النوع الواحد منها، وتجديد نشاطهما وفهمهما واعتبارهما في الصلاة وغيرها.
قوله ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ﴾ إلخ فيه قولان: أحدهما: أن عدة الوفاة كانت في أول الإسلام سنة كاملة مجاراة لعادات العرب، ولكن مع تخيير المرأة في الاعتداد في بيت الميت فإن اعتدت فيه وجبت نفقتها من تركته وحرم على الورثة إخراجها، وإن خرجت هي سقط حقها في النفقة، وقالوا إنه لم يكن للمرأة من ميراث زوجها إلا هذا المتاع والنفقة، فقوله تعالى ﴿ وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ ﴾ معناه فليوصوا وصية لأزواجهم أو فعليهم وصية لأزواجهم إذ قرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم (وصية) بالنصب، وقرأها ابن كثير ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم بالرفع، وقوله ﴿ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ ﴾ معناه أن يمتعوا متاعًا أو متعوهن متاعًا، كأنه قال فليوصوا لهن وصية وليمتعوهن متاعًا إلى آخر الحول، وقيل إن التقدير جعل الله ذلك لهن متاعًا.
وقوله ﴿ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ معناه غير مخرجات، أي يجب ذلك لهن مقيمات في دار الميت غير مخرجات فلا يمنعن السكنى.
والأحسن ما قاله بعضهم من أن متاعًا مصدر بمعنى تمتيعًا أو معمول للمصدر الذي هو وصية ومعنى ﴿ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ غير مخرجات وهو حال من الأزواج، والنكتة في العدول عنه هي أن المراد يوصي الرجل بعدم إخراج زوجه وأن ينفذ أولياؤه وصيته فلا يخرجونهم من بيوتهن، ولو قال "غير مخرجات" لكان تحتيمًا عليهن بالبقاء ولأفاد عدم جواز إخراجهن لأحد ولو كان وليًا كأبيها، وليس هذا بمراد، فعبارة الآية تفيد المعنى المراد ولا توهم سواه - هذا ما ذهب إليه الجمهور في معنى الآية فهي عندهم توجب أن تكون عدة الوفاة سنة كاملة وأن ينفق على المعتدة من تركة زوجها مقيمة في داره لا يجوز إخراجها منه إلا أن تخرج باختيارها فتسقط نفقتها.
قالوا ثم نسخت بجعل العدة أربعة أشهر وعشرًا كما في تلك الآية التي تقدمت عليها في الذكر وهي متأخرة عنها في النزول، وبجعلها وارثة للزوج بنص القرآن مع تحريم الوصية للوارث في الحديث.
وهناك وجه آخر يتصل بقول الجمهور وهو أن الآية كانت في فرض الوصية، وطلب مع هذا الفرض من ورثة الميت أن لا يخرجن النساء في مدة الحول.
وأن الخروج الذي يبرأ به أولياء الميت من الوصية المفروضة التي هي النفقة هو الخروج الذي بعد العدة التي هي أربعة أشهر وعشر، وهو قول ضعيف.
والقول الثاني: إن هذه الآية لم يذكر فيها التربص الذي هو الاعتداد كما ذكر في غيرها من آيات العدة السابقة، وإنما ذكر الوصية والمراد بها أن يستوصي الرجال بالنساء اللواتي يتوفى أزواجهن خيرًا بأن لا يخرجوهن من بيوت أزواجهن بعدما كان من قوة علاقتهن بها إلى مدة سنة كاملة تمر فيها عليهن الفصول الأربعة التي يتذكرن أزواجهن فيها، وأن يجعل لهن في مدة السنة شيء من المال ينفقنه على أنفسهن إلا إذا خرجن وتعرضن للزواج أو تزوجن بعد العدة المفروضة في الآية السابقة.
ولكن لم يعمل أحد من الصحابة ولا من بعدهم بهذا، ولذلك قال الجمهور إنه منسوخ، وذهب بعض الصحابة والتابعين إلى أن الأمر بالوصية كان للندب وتهاون الناس به كما تهاونوا في كثير من المندوبات - أي كاستئذان الأولاد الذين لم يبلغوا عند دخول بيوتهم في الأوقات الثلاثة التي هي مظنة التهاون بالستر قبل صلاة الفجر وحين وضع الثياب من الظهيرة في أيام الحر ومن بعده صلاة العشاء- وعلى هذا فلا نسخ لأنهم مجمعون على أنه لا يصار إلى النسخ إذا أمكن الجمع بين النصين.
والتقدير على الوجه المختار: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصية من الله لأزواجهم أو فالله يوصي وصية لأزواجهم أن يمتعن متاعًا ولا يخرجن من بيوت أزواجهن إلى تمام الحول، فإن خرجن من تلقاء أنفسهن فلا جناح عليكم أيها المخاطبون بالوصية فيهم في ما فعلن من المعروف شرعًا وعادة كالتعرض للخُطّاب بعد العدة والتزوج، إذ لا ولاية لكم عليهن فهن حرائر لا يمنعن إلا من المنكر الذي يمنع منه كل مكلف.
وجعل الوصية من الله تعالى معهود في القرآن كقوله ﴿ يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ﴾ وقوله ﴿ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ ﴾ وهذا هو المتبادر من النظم الكريم.
وقد ختم الآية بقوله ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ للتذكير بأن لله العزة والغلبة فيما يريد من تحويل الأمم من عادات ضارة إلى سنن نافعة تقتضيها الحكمة، كتحويل العرب من عاداتهم في العدة والحداد بجعل المرأة أسيرة ذليلة مقهورة مدة سنة كاملة إلى ما هو خير من ذلك وهو إكرامها ما دامت في بيت زوجها بين أهله، وعدم الحجر على حريتها إذا أرادت الخروج منه ما دامت في حظيرة الشرع وآداب الأمة المعروفة.
فهذه الحكمة البالغة توافق مصلحة الأفراد والجمعيات في كل زمان ومكان.
ثم قال تعالى ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ قال (الجلال): "كرره ليعمم الممسوسة أيضًا إذ الآية السابقة في غيرها"وليس قوله بصحيح إذ كأن ما تقدم خاص وما هنا عام.
والصواب أن كل آية من الآيات التي وردت في المطلقات وردت في نوع منهن فتقدم حكم من لم تمس وقد فرض لها، وحكم المدخول بها المفروض لها، وبقي حكم الممسوسة سواء فرض لها أم لا فذكره هنا، ولم يذكر ذلك بالترتيب، لأن القرآن ليس كتابًا فنيًا فيكون لكل مقصد من مقاصده باب خاص به، وإنما هو كتاب هداية ووعظ ينتقل بالإنسان من شأن من شؤونه إلى آخر، ويعود إلى مباحث المقصد الواحد المرة بعد المرة، مع التفنن في العبارة، والتنويع في البيان، حتى لا يمل تاليه وسامعه من المواظبة على الاهتداء.
يوجز أحيانًا بما يعجز كل أحد عن الإتيان بمثله إذا كان المقام يقتضي الإيجاز، ويطنب في مقام آخر حيث ينبغي الاطناب، وهو معجز في إطنابه كإيجازه، لا لغو فيه ولا حشو، ولكل مقام فيه مقال ينطبق على الحكمة، ويعين على التدبر والتذكر.
ثم ختم الله تعالى هذه الأحكام المسرودة هنا بقوله ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ ﴾ إلخ، فزعم بعضهم أن المراد المطلقات المعهودات اللواتي سبق الأمر بتمتيعهن، واستدلوا بما رواه ابن جرير عن ابن زيد قال: لما نزلت ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾ ، قال رجل إن أحسنت فعلت وإن لم أرد ذلك لم أفعل.
فأنزل الله هذه الآية وفسروا المتقين بمتقي الكفر، وليست هذه الرواية مما يحتج به، وقد قدمنا أن ذكر المحسنين هناك لا يدل على التخيير.
وقال بعضهم إن هذا حكم عام فتجب المتعة لكل مطلقة.
ولا تكرار على هذا مع الآية الآمرة بتمتيع من لم تمس ولم يفرض لها، لأن هذه الآية مسوقة لحكم هذه المتعة من غير تخصيص ولا تقييد بكونها تختلف باختلاف حال الرجل في الإيسار.
وتلك سيقت لبيان نفي الجناح عمن طلق من لم يمسها ولم يفرض لها، وجاء في السياق أنه يجب لها تمتيع حسن بحسب وسع المطلق لما تقدم بيانه في تفسيرها.
فعلى هذا تكون المتعة مشروعة لكل مطلقة، وروي هذا عن ابن عباس وابن عمر وعطاء وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وأبي العالية والحسن البصري والشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق، واستدلوا بعموم هذه الآي وبقوله تعالى في سورة الأحزاب ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ وقد كن مدخولًا بهن مفروضًا لهن المهر.
والقائلون بهذا منهم من يقول إنها واجبة لكل مطلقة ومنهم من يقول واجبة لمن لم تمس ولم يفرض لها مندوبة لغيرها.
وحجة من قال إن التمتيع خاص بمن لم تمس ولم يفرض لها هي أنه بدل مما يجب لغيرها من نصف المهر إن فرض لها ولم تمس أو المهر المسمى أو مهر المثل إذا كانت ممسوسة.
وحسبنا أن الله تعالى جعل تمتيع المطلقات حقًا على المتقين، وقد فسروه بالذين يتقون الشرك، أو هو حق على كل مؤمن مطلقًا إلا أن يثبت أن ما تستحقه من المهر يسمى متاعًا في عرف القرآن فحينئذٍ تكون هذه الآية فذلكة لسائر الآيات، كأنه قال لكل مطلقة متاع تمتع به فمنهن من متاعها المهر المسمى أو المقدر، ومنهن من متاعها نصفه، ومنهن من لها متاع غير محدود لأنه على حسب الاستطاعة.
وأحوط الأقوال وأوسطها قول من جعل المتعة غير المهر وأوجبها لمن لا تستحق مهرًا وندبها لغيرها.
ثم ختم الله تعالى هذه الأحكام بقوله ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أي مضت سنته تعالى بأن يبيّن لكم آياته في أحكام دينه مثل هذا النحو من البيان، وهو أن يذكر الحكم وفائدته ويقرنه بذكر الله والموعظة الحسنة التي تعين على العمل به، ليعدكم بذلك لكمال العقل فتتحروا الاستفادة من كل عمل فعليكم أن تعقلوا ما تخاطبون به لتكونوا على بصيرة من دينكم، عارفين بانطباق أحكامه على مصالحكم بما فيها من تزكية نفوسكم والتأليف بين قلوبكم، فتكونوا حقيقين بإقامتها والمحافظة عليها.
وليس معنى العقل أن يجعل المعنى في حاشية من حواشي الدماغ، غير مستقر في الذهن ولا مؤثر في النفس، بل معناه أن يتدبر الشيء ويتأمله حتى تذعن نفسه لما أودع فيه إذعانًا يكون له أثر في العمل، فمن لم يعقل الكلام بهذا المعنى فهو ميت وإن كان يزعم أنه حي -ميت من عالم العقلاء، حي بالحياة الحيوانية- وقد فهمنا هذه الأحكام ولكن ما عقلناها، ولو عقلناها لما أهملناها.
<div class="verse-tafsir"
لما ذكر تعالى من الأحكام ما ذكر في الآيات السابقة قفى عليه بذكر بعض أخبار الماضين لأجل العظة والاعتبار، بما تتضمنه الوقائع والآثار، كما هي سنة القرآن، في تنويع التذكير والبيان، بل الانتقال هنا إنما هو من الأحكام مسرودة مع بيان حكمتها، والتنبيه لفائدتها إلى حكم سبقته حكمته، وتقدمته فائدته، في ضمن واقعة مضت زيادة في البصيرة ومبلغة في الحمل على الاعتبار، وهو حكم القتال في سبيل الله، ويتلوه حكم بذل المال في سبيله.
الأحكام السابقة تتعلق بالأشخاص في أنفسهم وبيوتهم، وهذان الحكمان في أمر عام يتعلق بالأمم من حيث حفظ وجودها، ودوام استقلالها، بمدافعة المعتدين عنها، وبذل الروح والمال في حفظ مصالحها، وتوفير منافعها، ولذلك كان الأسلوب أشد تأثيرًا، وأعظم تذكيرًا لأن الإشارة في سياق التذكير بمنافع الشخص ومصالحه في نفسه وفيمن يتصل به، كافية للتذكر والعمل بما يوعظ به لموافقة ذلك لهواه، فلها من النفس عون لا يغيب، ووازع لا يعصى، وأما المصالح العامة فإنه لا يفطن لها ولا يرغب فيها إلا الأقلون، فالعناية بالدعوة إليها، يجب أن تكون بمقدار بعد الجماهير عنها، فمن ثم جاءت هذه الآيات ببيان أجلى، وأسلوب أفعل وأقوى، كما ستعلم تفسيرها.
رووا في قصة - الذين خرجوا من ديارهم وهم ألف حذر الموت - روايات من الإسرائيليات التي ولع بها المفسرون وكلفوا بتطبيق كتاب الله تعالى عليها، أشهرها أبعدها عن السياق وهي رواية السدي قال: كانت قرية وقع فيها الطاعون وهرب عامة أهلها، والذين بقوا مات أكثرهم، وبقي قوم منهم في المرض والبلاء، ثم بعد ارتفاع المرض والطاعون رجع جميع الذين هربوا سالمين، فقال من بقي من المرض: هؤلاء أحرص منا لو صنعنا ما صنعوا لنجونا من الأمراض والآفات، ولئن وقع الطاعون ثانيًا لنخرجن كما خرجوا، فوقع وهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفًا، فلما خرجوا من ذلك الوادي ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه: أن موتوا، فهلكوا وبليت أجسامهم، فمر بهم نبي يقال له حزقيل فلما رآهم وقف عليهم وتفكر فيهم فأوحى الله تعالى إليه "أتريد أريك كيف أحييهم؟" فقال نعم فقيل له ناد: أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي، فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى تمت العظام.
ثم أوحى الله تعالى إليه ناد: أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحمًا ودمًا، ثم ناد: إن الله يأمرك أن تقومي: فقامت، فلما صاروا أحياء قاموا وكانوا يقولون سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت، ثم رجعوا إلى قريتهم بعد حياتهم وكانت أمارات أنهم ماتوا في وجوههم، ثم بقوا إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم.
أهـ.
على هذه الرواية اقتصر (الجلال) مع علمه بأن السدي هذا هو محمد ابن مروان الكوفي المفسر الكذاب كما قال ابن جرير وغيره وذكر في عددهم أقوالًا أربعة آلاف وأكثرها سبعون ألفًا، وأنهم عاشوًا دهرًا عليهم أثر الموت لا يلبسون ثوبًا إلا عاد كالكفن واستمرت في أسباطهم!!!
وهناك رواية أخرى وهي أن ملكًا من ملوك بني إسرائيل استنفر عسكره للقتال فأبوا؛ لأن الأرض التي دعوا إلى قتالها موبوءة، فأماتهم الله ثمانية أيام حتى انتفخوا وعجز بنو إسرائيل عن دفنهم فأحياهم الله تعالى وبقي فيهم شيء من ذلك النتن.
وفي بعض القصص أن ذلك انتقل إلى ذريتهم وسيبقى فيهم حتى ينقرضوا!
وقلما تجد في العلماء من ينبه الناس لهذه الأكاذيب.
والرواية الثالثة هي أن حزقيل النبي ندب قومه إلى القتال فكرهوا وجبنوا فأرسل الله عليهم الموت فكثر فيهم فخرجوا من ديارهم فرارًا منه، فدعا عليهم نبيهم فأرسل الله الموت على الخارجين، ثم ضاق صدره فدعا الله فأحياهم، ولكن هذا لم يذكر في نبوة حزقيال من كتب العهد العتيق، ولا في غيرها.
قال تعالى ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ﴾ والاستفهام هنا للتعجب والعبرة، والخطاب لكل من بلغه، والرؤية بمعنى العلم، والعبارة استعملت استعمال المثل فهي توجه إلى من لم ير ولم يعلم ذلك، والتقدير: ألم ينته علمك أيها المخاطب إلى حال هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم ﴿ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾ فإن حالهم عجيبة من حقها ألا تجهل، فإنهم في كثرتهم أحقاء بأن يكونوا لهم من الشجاعة ما يربأ بهم عن الخروج من وطنهم حذرًا من الموت.
وفي تفسير ابن كثير عن ابن جريج عن عطاء أن هذا مثل أي لا قصة واقعة.
أطلق القرآن القول في هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم ولم يعين عددهم ولا أمتهم ولا بلدهم ولو علم لنا خيرًا في التعيين والتفصيل لتفضل علينا بذلك في كتابه المبين، فنأخذ القرآن على ما هو عليه لا ندخل فيه شيئًا من الروايات الإسرائيلية التي ذكروها، وهي صارفة عن العبرة لا مزيد كمال فيها، والمتبادر من السياق أن أولئك القوم قد خرجوا من ديارهم بسائق الخوف من عدو مهاجم لا من قلتهم، فقد كانوا ألوفًا أي كثيرين، وإنما هو الحذر من الموت الذي يولده الجبن في أنفس الجبناء فيريهم أن الفرار من القتال هو الواقي من الموت.
وما هو إلا سبب الموت بما يمكن الأعداء من رقاب أهله، وقال أبو الطيب: يرى الجبناء أن الجبن حزم وتلك خديعة الطبع اللئيم وقال (الجلال):"إن الاستفهام بها استفهام تعجيب وتشويق".
أي أن الاستفهام الحقيقي ممتنع من الله تعالى ولذلك كان أكثر استفهام القرآن للإنكار أو للتقرير.
ولكن الاستفهام هنا لشيء آخر وهو ما يحدث العجب للنبي ويوجب الشوق له إلى ما يقص عليه، والمعنى ألم ينته علمك إلى حال هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم إلخ، والرؤية بمعنى العلم يمتنع أن تكون بصرية.
ولم يقل ألم تعلم للإشعار بأن الأمر المحكي عنه قد انتهى في الوضوح والتحقيق إلى مرتبة المرئي.
وهذا لا يمنع أن يكون بين الجملة المبدوءة بواو الاستئناف وبين ما قلبها تناسب وارتباط في المعنى غير ارتباط العطف والمشاركة في الإعراب، كما هو الشأن هنا، فإن الآية الأولى مبينة لفائدة القتال في الدفاع عن الحق أو الحقيقة، والثانية آمرة به بعد تقرير حكمته وبيان وجه الحاجة إليه، فالارتباط بينهما شديد الأواخي، لا يعتريه التراخي.
خرجوا فارين ﴿ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ﴾ أي أماتهم بإمكان العدو منهم، فالأمر أمر التكوين لا أمر التشريع أي قضيت سنته في خلقه بأن يموتوا بما أتوه من سبب الموت، وهو تمكين العدو المحارب من أقفائهم بالفرار، ففتك بهم وقتل أكثرهم، ولم يصرح بأنهم ماتوا لأن أمر التكوين عبارة عن مشيئته سبحانه فلا يمكن تخلفه وللاستغناء عن التصريح بقوله بعد ذلك ﴿ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ﴾ وإنما يكون الإحياء بعد الموت.
والكلام في القوم لا في أفراد لهم خصوصية، لأن المراد بيان سنته تعالى في الأمم التي تجبن فلا تدافع العادين عليها، ومعنى حياة الأمم وموتها في عرف الناس جميعهم معروف.
فمعنى موت أولئك القوم هو أن العدو نكل بهم فأفنى قوتهم، وأزال استقلال أُمتهم، حتى صارت لا تعد أُمة، بأن تفرق شملها، وذهبت جامعتها، فكل من بقي من أفرادها خاضعين للغالبين ضائعين فيهم، مدغمين في غمارهم، لا وجود لهم في أنفسهم، وإنما وجودهم تابع لوجود غيرهم، ومعنى حياتهم هو عود الاستقلال إليهم.
وذلك أن من رحمة الله تعالى في البلاء يصيب الناس أنه يكون تأديبًا لهم، ومطهرًا لنفوسهم مما عرض لها من دنس الأخلاق الذميمة.
أشعر الله أولئك القوم بسوء عاقبة الجبن والخوف والفشل والتخاذل بما أذاقهم من مرارتها، فجمعوا كلمتهم، ووثقوا رابطتهم، حتى عادت لهم وحدتهم قوية فاعتزوا وكثروا إلى أن خرجوا من ذل العبودية التي كانوا فيها إلى عز الاستقلال، فهذا معنى حياة الأمم وموتها.
يموت قوم منهم باحتمال الظلم، ويذل الآخرون حتى كأنهم أموات، إذ لا تصدر عنهم أعمال الأمم الحية، من حفظ سياج الوحدة، وحماية البيضة، بتكافل أفراد الأمة ومنعتهم، فيعتبر الباقون فينهضون إلى تدارك ما فات، والاستعداد لما هو آت، ويتعلمون من فعل عدوهم بهم كيف يدفعونه عنهم.
قال علي كرم الله وجهه: إن بقية السيف هي الباقية، أي التي يحيا بها أولئك الميتون، فالموت والإحياء واقعان على القوم في مجموعهم، على ما عهدنا في أسلوب القرآن إذ خاطب بني إسرائيل في زمن تنزيله بما كان من آبائهم الأولين، بمثل قوله: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ﴾ وغير ذلك، وقلنا إن الحكمة في هذا الخطاب تقرير معنى وحدة الأمة وتكافلها، وتأثير سيرة بعضها في بعض حتى كأنها شخص واحد، وكل جماعة منها كعضو منه، فإن انقطع العضو العامل لم يكن ذلك مانعًا من مخاطبة الشخص بما عمله قبل قطعه، وهذا الاستعمال معهود في سائر الكلام العربي يقال: هجمنا على بني فلان حتى أفنيناهم أو أتينا عليهم، ثم أجمعوا أمرهم وكروا علينا (مثلًا) وإنما كر عليهم من بقي منهم.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ﴾ كافًة بما جعل في موتهم من الحياة إذ جعل المصائب والعظائم محيية للهمم والعزائم، كما جعل الهلع والجبن وغيرهما من الأخلاق التي أفسدها الترف والسرف من أسباب ضعف الأمم، وجعل ضعف أمة مغزيًا لأمة قوية بالوثبان عليها، والاعتداء على استقلالها، وجعل الاعتداء منبهًا للقوى الكامنة في المعتدى عليه، وملجئًا له إلى استعمال مواهب الله فيما وهبت لأجله، حتى تحيا الأمم حياة عزيزة، ويظهر فضل الله تعالى فيها.
والمراد بالفضل هنا الفضل العام وهو أنه تعالى جعل إماتة الناس بما يسلط على الأمة من الأعداء ينكلون بها بمثابة هدم البناء القديم المتداعي، والضرورة قاضية ببناء، فلا جرم تنبعث الهمة إلى هذا البناء الجديد فيكون حياة جديدة للأمة، تفسد الأخلاق بالأمم فتسوء الأعمال، فيسلط الله على فاسدي الأخلاق النكبات ليتأدب الباقي منهم، فيجتهدوا في إزالة الفساد وإدالة الصلاح، ويكون ما هلك من الأمة بمثابة العضو الفاسد المصاب "بالغنغرينا" يبتره الطبيب ليسلم الجسد كله، ومن لا يقبل هذا التأديب الإلهي فإن عدل الله في الأرض يمحقه منها ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾ فهذه سنة من سنن الاجتماع بيّنها القرآن وكان الناس في غفلة عنها ولهذا قال: ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ﴾ أي لا يقومون بحقوق هذه النعمة، ولا يستفيدون من بيان هذه السنة، أي هذا شأن أكثر الناس في غفلتهم وجهلهم بحكمة بهم، فلا تكونوا كذلك أيها المؤمنون بل اعتبروا بما نزل عليكم وتأدبوا به لتستفيدوا من كل حوادث الكون حتى مما ينزل بكم من البلاء إذا وقع منكم تفريط في بعض الشؤون، واعملوا أن الجبن عن مدافعة الأعداء، وتسليم الديار بالهزيمة والفرار، هو الموت المحفوف بالخزي والعار، وأن الحياة العزيزة الطيبة هي الحياة الملية المحفوظة من عدوان المعتدين، فلا تقصروا في حماية جامعتكم في الملة والدين.
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ القتال في سبيل الله هو القتال لإعلاء كلمته، وتأمين دينه ونشر دعوته، والدفاع عن حزبه كي لا يغلبوا على حقهم، ولا يصدوا عن إظهار أمرهم، فهو أعم من القتال لأجل الدين، لأنه يشمل مع الدفاع عن الدين وحماية دعوته الدفاع عن الحوزة إذا هم الطامع المهاجم باغتصاب بلادنا والتمتع بخيرات أرضنا، أو أراد العدو الباغي إذلالنا، والعدوان على استقلالنا، ولو لم يكن ذلك لأجل فتنتنا في ديننا، فهذا الأمر مطلق كأنه أمر لنا بأن نتحلى بحلية الشجاعة، ونتسربل بسرابيل القوة والعزة، لتكون حقوقنا محظوظة، وحرمتنا مصونة، لا نؤخذ من جانب ديننا، ولا نغتال من جهة دنيانا، بل نبقى أعزاء الجانبين، جديرين بسعادة الدارين، ألا ترى أن من ساق الله لنا العبرة بحالهم، وذكرنا بسنته في موتهم وحياتهم، لم يذكر أنهم قوتلوا لأجل الدين، فالقتال لحماية الحقيقة كالقتال لحماية الحق كله جهاد في سبيل الله، فتفسير (الجلال) سبيل الله بإعلاء دينه تقييد لمطلق وتخصيص لقول عام من غير دليل، وقد اتفق الفقهاء على أن العدو إذا دخل دار الإسلام، يكون قتاله فرض عين.
ذكرنا الله تعالى بعد هذا الأمر بأنه سميع عليم لينبهنا على مراقبته فيما عسى أن نعتذر به عن أنفسنا في تقصيرها عن امتثال هذا الأمر في وقته، وأخذ الأهبة له قبل الاضطرار إليه، أمرنا أن نعلم أنه سميع لأقوال الجبناء في اعتذارهم عن أنفسهم، ماذا نعمل؟
ما في اليد حيلة، ليس لها من دون الله كاشفة، ليس لنا من الأمر شيء، لو كان لنا الأمر شيء ما قعدنا ههنا.
فهذه الألفاظ في هذا المقام مفتاح الجبن، وعلل الخوف والحزن، فهي عند أهلها تعلات وأعذار، وعند الله تعالى ذنوب وأوزار، وما كان منها حقًا في نفسه فهو من الحق الذي أريد به الباطل.
وأن نعلم أنه عليم بما يأتيه مرضى القلوب وضعفاء الإيمان من الحيل والمراوغة، والفرار من الاستعداد والمدافعة، فإذا علمنا هذا وحاسبنا به أنفسنا، عرفنا أن كلًا من المعتذر بلسانه، والمتعلل بفعاله، مخادع لربه ولنفسه وقومه، وكثير من الناس يهزأ بنفسه وهو لا يدري إذ يصدق ما يعتاده من التوهم، وهذه شنشنة المخذولين الذين ضربت عليهم الذلة وخيم عليهم الشقاء، تعمل فيهم هذه الوساوس ما لا تعمل الحقائق، وقد أنذرنا الله تعالى أن نكون مثلهم بتذكيرنا بأنه سميع عليم، لا يخادع ولا يخفى عليه شيء.
<div class="verse-tafsir"
القتال للدفاع عن الحق أو لحماية الحقيقة يتوقف على بذل المال لتجهيز المقاتلة ولغير ذلك، لا فصل في الحاجة إلى هذا بين البدو الحضر، فإذا كانت مقاتلة القبائل البدوية لا تكلف رئيسها أن يتولى تجهيزها بل يجهز كل واحد نفسه، فكل واحد مطالب ببذل المال لتجهيز نفسه وإعانة من يعجز عن ذلك من فقراء قومه، وأما دول الحضارة فهي تحتاج في الاستعداد للمدافعة والمهاجمة ما لا يحتاج إليه أهل البادية، وقد كثرت نفقات الدول الحربية اليوم بارتقاء الفنون العسكرية، وتوقف الحرب على علوم وفنون وصناعات كثيرة من قصر فيها كان عرضة لسقوط دولته، لهذا قرن الله تعالى الأمر بالقتال بالحث على بذل المال، فالمراد بالبذل هنا ما يعين على القتال، وما هو بمعناه من كل ما يعلي شأن الدين، ويصون الأمة ويمنعها من عدوان العادين، ويرفع مكانتها في العالمين.
وقد ذكر حكم هذا الإنفاق ف سبيل الله بعبارة تستفز النفوس، وأسلوب يحفز الهمم، ويبسط الأكف بالكر، فقال ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ فهذه العبارة أبلغ من الأمر المجرد، ومن الأمر المقرون ببيان الحكمة، والتنبيه إلى الفائدة، والوجه في اختيار هذا الأسلوب هنا أن الداعية إلى البذل في المصالح العامة ضعيفة في نفوس الأكثرين، والرغبة فيه قليلة، إذ ليس فيه من اللذة والأريحية ما في البذل للأفراد، فاحتيج فيه للمبالغة في التأثير.
يدفع الغني إلى بذل شيء من فضل ماله لأفراد ممن يعيش معهم أمور كثيرة، منها إزالة ألم النفس برؤية المعوزين والبائسين، ومنها اتقاء حسد الفقراء واكتفاء شر شرارهم والأمن من اعتدائهم، ومنها التلذذ برؤية يده العليا، وبما يتوقعه من ارتفاع المكانة في النفوس، وتعظيم من يبذل لهم وشكرهم وحبهم، فإن السخي محبب إلى جميع الناس، من ينتفع منهم بسخائه ومن لا ينتفع وإذا كان البذل إلى ذوي القربي أو الجيران فحظ النفس فيه أجلى، وشفاء ألم النفس به أقوى، فإن ألم جارك وقريبك ألم لك، ويتعذر على الإنسان أن يكون ناعمًا بين أهل البؤس والضراء، سعيدًا بين الأشقاء، فكل هذه حظوظ للنفس في البذل للأفراد تسهل عليها امتثال أمر الله فيه وإن لم يكن مؤكدًا وقد يكون فيها من الرياء وحب السمعة ما ينافي كونها قربة وتعبدًا.
وأما البذل يراد هنا - وهو البذل للدفاع عن الدين وإعلاء كلمته، وحفظ حقوق أهله- فليس فيه شيء من تلك الحظوظ التي تسهل على النفس مفارقة محبوبها (المال) إلا إذا كان تبرعًا جبريًا يتولى جمعه بعض الحكام والأمراء أو يجمع بأمر الملوك والسلاطين، ولذلك يقل في الناس من يبذل المال في المصالح العامة لوجه الله تعالى، فلهذا كان المقام يقتضي مزيد التأكيد، والمبالغة في الترغيب.
وليس في الكلام ما يدرك شأو هذه الآية في وتأثيرها ولا سيما موقعها هذا بعد بيان سنه الله تعالى في موت الأمم وحياتها.
حسبك أنه تعالى جعل هذا البذل بمثابة الإقراض له وهو الغني عن العالمين الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما - وإنما يقترض المحتاج - وأنه عبر عن طلبه بهذا الضرب من الاستفهام، المستعمل للإكبار والاستعظام، فإنه إنما يقال من ذا الذي يفعل كذا؟
في الأمر الذي يندر أن يقدم عليه أحد.
يقال من ذا الذي يتطاول إلى الملك فلان؟
أو من ذا الذي يعمل هذا العمل وله كذا؟
إذا كان عظيمًا أو شاقًا يقل من يتصدى له.
قال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ وقال: ﴿ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنْ اللَّهِ ﴾ الآية.
ولا يقال من ذا الذي يشرب هذه الكأس المثلوجة -وهجير الصيف متقد، والسموم تلفح الوجوه-؟
وأنه لم يكتف بتسميته إقراضًا وبالتعبير عنه بهذا الاستفهام حتى قال ﴿ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ ذلك أن الإقراض هو أن تعطي إنسانًا شيئًا من المال على أن يرد إليك مثله، فالتعبير بالإقراض يقتضي أن القرض لا يضيع، وليس هذا بكاف في الترغيب الذي تقتضيه الحال هنا، فصرح بأنه لا يرد مثله، بل أضعاف أضعافه من غير تحديد، وقد قال في مقام آخر: ﴿ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾ وهو كاف هناك لما علمت من الفصل بين المقامين، والتفاوت بين الناس في الحالين، وإنك لتجد الناس على هذا التأكيد في الترغيب قلما يجودون بأموالهم في المصالح العامة ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُور ﴾ .
معلوم أن الله تعالى غني عن العالمين فلا يحتاج إلى شيء لذاته، ولا هو عائل لجماعة معينين فيقترض لهم، فلا بد لهذا التعبير بالإقراض من وجه صحيح - أي غير ما يعطيه الأسلوب من الترغيب - فما هذا الوجه؟
ورد في الحديث أن الفقراء عيال الله على الأغنياء، لأن الحاجات التي تعرض لهم يقضيها الأغنياء.
ومعنى كونهم عيال الله أن ما أصابهم من الفاقة والعوز إنما كان بالجري على سنن الله في أسباب الفقر، وللفقر أسباب كثيرة منها الضعف والعجز عن الكسب، ومنها إخفاق السعي، ومنها البطالة والكسل، ومنها الجهل بالطرق الموصلة، ومنها ما تسوقه الأقدار من نحو حركات الرياح واضطراب البحار واحتباس الأمطار، وكساد التجارة ورخص الأسعار، والأغنياء متمكنون من إزالة بعض هذه الأسباب أو تدارك ضررها وإضعاف أثرها، كإزالة البطالة بإحداث أعمال ومصالح للفقراء، وإزالة الجهل بالإنفاق على التعليم والتربية -تعليم طرق الكسب والتربية على العمل والاستقامة والصدق-.
وإذا كان فقر الفقير إنما هو بالجري على سنة من سنن الله فإزالة سبب فقره أو مساعدته عليه أو فيه إنما يجري على سنة من سننه تعالى أيضًا كما أن غنى الغني كذلك، فالإنفاق لإحياء سنة الله ومساعدة من ينتسبون إلى الله تعالى على أنهم عياله إذ لا غنى لهم بكسبهم ولا حول لهم ولا قوة ينزل منزلة الإقراض له تعالى، فالفقراء عيال والله يعولهم بأيدي الأغنياء، ويعول الغنياء بتوفيقهم لأسباب الغني.
والتعبير عن الإنفاق بالإقراض الذي يشعر بحاجة المستقرض إلى المقرض عادًة جدير بأن يملك قلب المؤمن ويحيط بشعوره ويستغرق وجدانه حتى يسهل عليه الخروج من كل ما يملك ابتغاء مرضاة الله وحياء منه، فكيف وقد وعد برده مضاعفًا أضعافًا كثيرة ووعده الحق؟
هذا التعبير بمثابة الهز والزلزال لقلوب المؤمنين، فقلب لا يلين له ويندفع به إلى البذل قلب لم يمسه الإيمان، ولم تصبه نفحة من نفحات الرحمن، قلب خاو من الخير، فائض بالخبث والشر.
أي لطف من عظيم يداني هذا اللطف من الله تعالى بعباده؟
جبار السموات والأرض، رب كل شيء ومليكة، الغني عن العالمين، الفعال لما يريد، المقلب لقلوب العبيد، يرشد عباده الذين أنعم عليهم بفضل من المال، واختصهم بشيء من النعمة إلى مواساة إخوانهم بما فيه سعادة لهم أنفسهم ولمن يعيش معهم، ويهديهم إلى بذل شيء من فضول أموالهم في المصالح العامة التي فيها صلاح حالهم، وحفظ شرفهم واستقلالهم، فيبرز هذا الهدى والإرشاد في صورة الاستفهام، دون صيغة الأمر والإلزام، ويسمي نفسه مقترضًا ليشعر قلب الغني بمعنى الحاجة التي ربما تصيبه يومًا من الأيام، ثم هو يعده بمضاعفة ذلك العطاء.
أيكون هذا اللطف كله منه بعبده الذي غمره بنعمته، وفضله على كثير من خلقه، ثم يجمد قلب هذا العبد وتنقبض يده لا يستحي من ربه، ولا يثق بوعده، ويقال مع هذا إنه مؤمن به، وبأن ما أصابه من الخير فهو من عنده؟
كلا.
مثل في نفسك ملكًا من ملوك الدنيا يريد أن يجمع إعانة للفقراء أو لمصلحة من مصالح الدولة، وقد خاطبك بمثل هذا الخطاب، في التلطف والاستعطاف ومثل في خيالك موقع قوله من قلبك، وأثر كلامه في يديك.
أما كون القرض حسنًا فالمراد به ما حل محله ووافق المصلحة، لا ما وضع موضع الفخفخة وقصد به الرياء والسمعة، نعم إن ما أنفق في المصالح العامة حسن وإن أريد به الشهرة، ولكنه لا يكون دالًا على إيمان المنفق وثقته بربه، وابتغائه مرضاته.
ولا على حبه الخير لذاته، لارتقاء نفسه، وعلو همته، بما استفاد من فضائل الدين وحسن التهذيب، فلا يكون له حظ من نفقته يقربه إلى ربه زلفى، بل يكون كل جزائه تلك السمعة الحسنة "فهجرته إلى ما هاجر إليه".
ومن الناس من ينفق في المصالح بنية حسنة ولكن بغير بصيرة تريه مواطن المنفعة بنفقته، فيبني مسجدًا حيث تكثر المساجد فيكون سببًا في زيادة تفرق الجماعة وذلك مخالف لحكمة الشرع، أو يبني مدرسة ولا يحسن اختيار المعلمين لها، أو يفرض لها من النفقة ما لا يكفي لدوامها، فيسرع إليها الخراب، أو يضع فيها معلمين فاسدي الاعتقاد أو الآداب، فيفسدون ولا يصلحون، فمثل هذا كله لا يقال له قرض حسن، وإنما يكون الإنفاق قرضًا حسنًا مستحقًا للمضاعفة الكثيرة، إذا وضع موضعه مع البصيرة وحسن النية، ليكون على الوجه المشروع من إقامة الدين، وحفظ مصالح المسلمين، أو منفعة جميع الأنام، من الطريق الذي أشرعه الإسلام.
وأما هذه المضاعفة إلى أضعاف كثيرة - وسيأتي في آية أخرى بلوغها سبعمائة ضعف والمراد الكثرة - فهي تكون في الدنيا والآخرة؛ ذلك بأن المنفق لإعلاء كلمة الله ولتعزيز الأمة وللمدافعة عن الحق والحقيقة، يكون مدافعًا عن نفسه ومعززًا لها وحافظًا لحقوقها، لأن اعتداء المعتدين على الأمة إنما يكون بالاعتداء على أفرادها، فضعف الأمة وإذلالها وضياع حقوقها لا يتحقق إلا بما يقع على أفرادها وهو منهم، والبلاء يكون عامًا ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ ثم إن الأمة التي يبذل أغنياؤها المال، وتقوم بفريضة التعاون على الأعمال، فيكفل غنيها فقيرها، ويحمي قويها ضعيفها، تتسع دائرة مصالحها ومنافعها، وتكثر مرافقها وتتوفر سعادتها، وتدوم على أفرادها النعمة، ما استقاموا على البذل والتعاون في المصالح العامة، ثم إنهم يكونون بذلك مستحقين لسعادة الآخر ومضاعفة الثواب فيها.
ومن التفسير المأثور في الآية ما رواه ابن أبي حاتم عم عمر بن الخطاب : القرض الحسن المجاهدة والإنفاق في سبيل الله، وهو إجمال لما تقدم تفصيله، ومن محاسن عبارات المفسرين هنا أن لفظ المضاعفة هنا للمبالغة بما في الصيغة من معنى المبالغة.
قرأ أبو عمرو ونافع والكسائي ﴿ فَيُضَاعِفَهُ ﴾ بالضم بتقدير فهو يضاعفه، وقرأه عاصم بالنصب لوقوعه في حيز الاستفهام المعروف في قواعد النحو، وقرأ ابن كثير "فيضعفه" بالرفع والتشديد وابن عامر بالنصب، والتضعيف يدل على التكثير والتكرار.
قال تعالى ﴿ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ وقرأ نافع والكسائي والبزي وأبو بكر يبصط بالصاد وهي لغة كأن الأصل فيها تفخيم السين الجاورة الطاء، أي يقبض الرزق عن بعض الناس فيجهلون طرقة التي هي سنن الله تعالى فيه أو يضعفون في سلوكها، ويبسطه لمن يشاء بما يهديهم إلى تلك السنين ويفتح لهم الأبواب ويسهل لهم الأسباب.
ولو شاء أن يغني فقيرًا ويفقر غنيًا لفعل، فإن الأمر كله له وبيده القبض والبسط، وهو واضع السنن الهادي إليها، والموقف للسير عليها، فليس حضه الأغنياء على مواساة الفقراء والإنفاق في المنافع العامة أو الخاصة من حاجة به أو عجز منه سبحانه، كلا بل هي هدايته الإنسان إلى طرق الشكر على النعم بما يحفظها ويفضي إلى المزيد فيها، حتى يبلغ كماله الاجتماعي الذي أعده له بحكمته.
وقال بعض المفسرين يقبض بعض الأيدي عن البذل، ويبسط بعضها بالفضل، وهو لا يتفق مع ما تقدمه من الآية ولا يظهر بعده ما تضمنه قوله تعالى ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ من الوعد والوعيد، لأنه لا بد أن يكون مرتبًا على عمل لنا فيه كسب واختيار، لا على ما تصرفه الأقدار، وقد قال بعض العلماء: إن هذا التعقيب يدل على أن البذل واجب يعاقب على تركه.
الرجوع إلى الله تعالى رجوعان: رجوع في هذا العالم إلى سنته الحكيمة ونظام خليقته الثابت ككون تحصيل الغنى يكون بكذا من عمل العامل، وكذا من توفيق الله تعالى وتسخيره.
وكون الفقر يكون بكذا وكذا من نحو ذلك.
وككون البذل من فضل المال يأتي بكذا وكذا من المنافع الخاصة بالباذل والعامة لقومه الذين يعتز بعزتهم ويسعد بسعادتهم، وكون ترك البذل يأتي بكذا وكذا من المفاسد والمضار العامة والخاصة.
ولا يستقل الإنسان بعمل من ذلك تمام الاستقلال بحيث يستغني به عن الرجوع إلى الله تعالى بالحاجة إلى معونته وتوفيقه وتسخير الأسباب له.
وأما الرجوع الآخر فهو الرجوع في الدار الآخرة حيث تظهر نتائج الأعمال وآثارها ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
تقدم في تفسير ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ﴾ أن القرآن لم يعين أولئك القوم ولا الزمان ولا المكان اللذين كانوا فيهما -يعنى على القول بأنها قصة واقعة لا ضرب مثل كما قال "عطاء"- ثم ذكر ههنا قصة أخرى عن بني إسرائيل فعين القوم، وذكر أنه كان لهم نبي، ولم يذكر اسمه، ولا الزمان ولا المكان اللذين حدثت فيهما القصة، ولكنه ذكر بعد ذلك اسم "طالوت" و "جالوت" و "داود".
يظن كثير من الناس الآن -كما ظن كثير ممن قبلهم- أن القصص التي جاءت في القرآن يجب أن تتفق مع ما جاء في كتب بني إسرائيل المعروفة عند النصارى بالعهد العتيق أو كتب التاريخ القديمة، وليس القرآن تاريخًا ولا قصصًا، وإنما هو هداية وموعظة، فلا يذكر قصة لبيان تاريخ حدوثها، ولا لأجل التفكه بها أو الإحاطة بتفصيلها، وإنما يذكر ما يذكره لأجل العبرة كما قال: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾ وبيان سنن الاجتماع كما قال: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ وقال: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ﴾ وغير ذلك من الآيات.
والحوادث المتقدمة منها ما هو معروف والله تعالى يذكر من هذا وذاك ما شاء أن يذكر لأجل العبرة والموعظة، فيكتفي من القصة بموضع العبرة ومحل الفائدة، ولا يأتي بها مفصلة بجزئياتها التي لا تزيد في العبرة بل ربما تشغل عنها، فلا غرو أن يكون في هذه القصص التي يعظنا الله بها ويعلمنا سننه ما لا يعرفه الناس، لأنه لم يرو ولم يدون بالكتاب.
وقد اهتدى بعض المؤرخين الراقين في هذه الأزمنة إلى الاقتداء بهذا، فصار أهل المنزلة العالية منهم يذكرون من وقائع التاريخ ما يستنبطون منه الحكام الاجتماعية وهو المور الكلية، ولا يحفلون بالجزئيات لما يقع فيها من الخلاف الذي يذهب بالثقة، ولما في قراءتها من الإسراف في الزمن والإضاعة للعمر بغير فائدة توازنه، وبهذه الطريقة يمكن إيداع ما عرف من تاريخ العالم في مجلد واحد يوثق به ويستفاد منه، فلا يكون عرضه للتكذيب والطعن، كما هو الشأن في المصنفات التي تستقصي الوقائع الجزئية مفصلة تفصيلًا.
إن محاولة جعل قصص القرآن ككتب التاريخ بإدخال ما يروون فيها على أنه بيان لها هي مخالفة لسننه، وصرف للقلوب عن موعظته.
وإضاعة لمقصده وحكمته، فالواجب أن نفهم ما فيه، ونعمل أفكارنا في استخراج العبر منه.
ونزع نفوسنا عما ذمه وقبحه، ونحملها على التحلي بما استحسنه ومدحه، وإذا ورد في كتب أهل الملل أو المؤرخين ما يخالف بعض هذه القصص فعلينا أن نجزم بأن ما أوحاه الله إلى نبيه ونقل إلينا بالتواتر الصحيح هو الحق وخبره هو الصادق، وما خالفه هو الباطل، وناقله مخطئ أو كاذب، فلا نعده شبهة على القرآن، ولا نكلف أنفسنا الجواب عنه، فإن حال التاريخ قبل الإسلام كانت مشتبهة الأعلام، حالكة الظلام، فلا رواية يوثق بها، للمعرفة التامة بسيرة رجال سندها، ولا تواتر يعتد به بالأولى، وإنما انتقل العالم بعد نزول القرآن من حال إلى حال، فكان بداية تاريخ جديد للبشر كان يجب عليهم - لو أنصفوا - أن يؤرخوا به أجمعين.
فإن قيل: إن قصص العهدين العتيق والجديد التي يسمى مجموعها (الكتاب المقدس) هي وحي من الله شهد لها القرآن وهي تعارض بعض قصصه.
قلنا: أولًا:إن تلك الكتب ليس لها أسانيد متصلة متواترة.
وثانيًا:إن القرآن إنما أثبت أن الله تعالى أعطى موسى التوراة وهي الشريعة وأن أتباعه قد حفظوا منها نصيبًا ونسوا نصيبًا، وأنهم حرفوا النصيب الذي أوتوه، وأنه أعطى عيسى الإنجيل، وهو مواعظ وبشارة، وقال في أتباعه مثل ما قاله في اليهود ﴿ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ ويجد القارئ تفصيل هذه الحقائق في الحقائق في تفسير سورة آل عمران والمائدة والأعراف بالنقول من تاريخ الفريقين.
بعد هذا نقول: إن وجه الاتصال بين آيات هذه القصة وما قبلها هو أن الآيات التي قبلها نزلت في شرع القتال لحماية الحقيقة وإعلاء شأن الحق، وبذل المال في هذه السبيل، سبيل الله لعزة الأمم ومنعتها وحياتها الطيبة، التي يقع من ينحرف عنها من الأقوام في الهلاك والموت، كما علم من قصة الذين خرجوا من ديارهم فارين من عدوهم على كثرتهم.
وهذه القصة -قصة قوم من بني إسرائيل- تؤيد ما قبلها من حاجة الأمم إلى دفع الهلاك عنها، فهي تمثل لنا حال قوم لهم نبي يرجعون إليه، وعندهم شريعة تهديهم إذا استهدوا، وقد أخرجوا من ديارهم وأبنائهم بالقهر، كما خرج أصحاب القصة الأولى بالجبن، فعلموا أن القتال ضرورة لا بد من ارتكابها ما دام العدوان في البشر، وبعد هذا كله جبنوا وضعفوا عن القتال، فاستحقوا الخزي والنكال، فهذه القصة المفصلة فيها بيان لما في تلك القصة المجملة: فر أولئك من ديارهم فماتوا بذهاب استقلالهم، واستيلاء العدو على ديارهم.
فالآية هناك صريحة في أن موتهم هذا مسبب عن خروجهم فارين بجبنهم، ولم تصرح بسبب إحيائهم الذي تراخت مدته، ولكن ما جاء بعدها من الأمر بالقتال وبذل المال الذي يضاعفه الله تعالى أضعافًا كثيرة، قد هدانا إلى سنته في حياة الأمم، وجاءت هذه القصة الإسرائيلية تمثل العبرة فيه، وتفصل كيفية احتياج الناس إليه، إذ بينت أن هؤلاء الناس احتاجوا إلى مدافعة العادين عليهم، واسترجاع ديارهم وأبنائهم من أيديهم، واشتد الشعور بالحاجة حتى طلبوا من نبيهم الزعيم الذي يقودهم في ميدان الجلاد، وقاموا بما قاموا به من الاستعداد.
ولكن الضعف كان بلغ من نفوسهم مبلغًا لم تنفع معه تلك العدة، فتولوا وأعرضوا للأسباب التي أشير إليها، وألهم القليل منهم رشدهم واعتبروا فانتصروا.
قال تعالى ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى ﴾ تقدم الكلام على هذا الضرب من الاستفهام في تفسير القصة السابقة لهذه.
"والملأ القوم يجتمعون للتشاور لا واحد له "قال البيضاوي وغيره.
وقال غيرهم: الملأ الأشراف من الناس.
وهو اسم للجماعة كالقوم والرهط والجيش وجمعه أملاء، سموا ملأ لأنهم يملأون العيون رواء والقلوب هيبة ﴿ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وهذا النبي لم يسمه القرآن، وقال (الجلال) هو شمويل وهذا أقوى أقوال المفسرين.
وهو معرب صمويل أو صموئيل، وقيل إنه يوشع، وهذا من الجهل بالتاريخ فإن يوشع هو فتى موسى، والقصة حدثت في زمن داود والزمن بينهما بعيد، وبعث الملك عبارة عن إقامته وتوليته عليهم ﴿ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا ﴾ قرأ نافع وحده ﴿ عَسَيْتُمْ ﴾ بكسر السين وهي لغة غير مشهورة، والباقون بفتحها وهي اللغة المشهورة.
والمعنى هل قاربتم أن تحجموا عن القتال إن كتب عليكم كما أتوقع -أو- أأتوقع منكم الجبن عن القتال إن هو كتب عليكم؟
فعسى للمقاربة أو للتوقع ﴿ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ﴾ أي أي داع لنا يدعونا إلى أن لا نقاتل وقد وجد سبب القتال، وهو إخراجنا من ديارنا بإجلاء العدو إيانا عنها، وأفردنا عن أولادنا بسبيه إياهم واستعباده لهم؟
﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ ذلك أن الأمم إذا قهرها العدو ونكل بها يفسد بأسها، ويغلب عليها الجبن والمهانة.
فإذا أراد الله تعالى إحياءها بعد موتها بنفخ روح الشجاعة والإقدام في خيارها وهم الأقلون، فيعملون ما لا يعمل الأكثرون، كما علمت من تفسير قوله تعالى ﴿ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ﴾ وما هو منك ببعيد، ولم يكن هؤلاء القوم قد استعد منهم للحياة إلا القليل.
وفي الآية من الفوائد الاجتماعية أن الأمم التي تفسد أخلاقها وتضعف قد تفكر في المدافعة عند الحاجة إليها وتعزم على القيام بها إذا توفرت شرائطها التي يتخيلونها على حد قول الشاعر: وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا ثم إذا توفرت الشروط يضعفون ويجبنون، ويزعمون أنها غير كافية ليعذروا أنفسهم وما هم بمعذورين ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ الذين يظلمون أنفسهم وأمتهم بترك الجهاد دفاعًا عنها وحفاظًا لحقها، فهو يجزيهم وصفهم، فيكونون في الدنيا أذلاء مستضعفين، وفي الآخرة أشقياء معذبين.
﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ ﴾ .
طالوت هو الذي يسمونه (شاول) وقد سماه الله طالوت فهو طالوت.
أي أننا لا نعبأ بما في كتبهم لما قدمنا.
وإذا علم القارئ أن القوم لا يعرفون كاتب سفري صموئيل الأول والثاني من هو؟
ولا في أي زمن كتبا، فإنه يسهل عليه أن لا يعتد بتسميتهم.
وأما استنكارهم جعله ملكًا فقد صرحوا به وقالوا إن منهم من احتقره، ولكن أخبارهم لا تتصل بأسبابها، ولا تقرن بعللها، وقال المفسرين في استنكارهم لملكه وزعمهم أنهم أحق بالملك منه، إنه كان من أولاد بنيامين لا من بيت يهوذا، وهو بيت الملك، ولا من بيت لاوى وهو بيت النبوة، وفهم بعضهم من قوله ﴿ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ ﴾ أنه كان فقيرًا وقالوا كان راعيًا أو دباغًا أو سقاء.
ولا يصح كلامهم في بيت الملك لأنه لم يكن فيهم ملوك قبله، ونفيهم سعة المال التي تؤهله للملك في رأي القائلين لا تدل على أنه كان فقيرًا وإنما العبرة في العبارة هي ما دلت عليه من طباع الناس وهي أنهم يرون أن الملك لا بد أن يكون وراثًا للملك، أو ذا نسب عظيم يسهل على شرفاء الناس وعظمائهم الخضوع له، وذا مال عظيم يدبر به الملك، والسبب في هذا أنهم قد اعتادوا الخضوع للشرفاء والأغنياء، وإن لم يمتازوا عليهم بمعارفهم وصفاتهم الذاتية، فبيّن الله تعالى فيما حكاه عن نبيه في أولئك القوم أنهم مخطئون في زعمهم أن استحقاق الملك يكون بالنسب وسعة المال بقوله.
﴿ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ﴾ فسروا اصطفاه الله تعالى هنا بوحيه لذلك النبي أن يجعل طالوت ملكًا عليهم، ولعله لو كان هذا هو المراد لقال اصطفاه لكم كما قال: ﴿ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ ﴾ والمتبادر عندي أن معناه فضله واختاره عليكم بما أودع فيه من الاستعداد الفطري للملك، ولا ينافي هذا كون اختياره كان بوحي من الله، لأن هذه الأمور هي بيان لأسباب الاختيار وهي أربعة: الاستعداد الفطري.
السعة في العلم الذي يكون به التدبير.
بسطة الجسم المعبر بها عن صحته وكمال قواه المستلزم ذلك لصحة الفكر على قاعدة "العقل السليم في الجسم السليم" وللشجاعة والقدرة على المدافعة وللهيبة والوقار.
توفيق الله تعالى الأسباب له وهو ما عبر عنه بقوله ﴿ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ والاستعداد هو الركن الأول في المرتبة فلذلك قدمه، والعلم بحال الأمة ومواضع قوتها وضعفها، وجودة الفكر في تدبير شؤونها، هو الركن الثاني في المرتبة، فكم من عالم بحال زمانه غير مستعد للسلطة اتخذه من هو مستعد لها سراجًا يستضيء برأيه في تأسيس مملكة أو سياستها، ولم ينهض به رأيه إلى أن يكون هو السيد الزعيم فيها.
وكمال الجسم في قواه وروائه هو الركن الثالث في المرتبة وهو في الناس أكثر من سابقيه.
وأما المال فليس بركن من أركان تأسيس الملك، لأن المزايا الثلاث إذا وجدت سهل على صاحبها الإتيان بالمال.
وإنا لنعرف في الناس من أسس دولة وهو فقير أمي، ولكن استعداده ومعرفته بحال الأمة التي سادها وشجاعته كانت كافية للاستيلاء عليها والاستعانة بأهل العلم بالإدارة والشجعان على تمكين سلطته فيها.
وقد قدم الأركان الثلاثة على الرابع لأنها تتعلق بمواهب الرجل الذي اختير ملكًا فأنكر القوم اختياره فهي المقصودة بالجواب.
وأما توفيق الله تعالى بتسخير الأسباب التي لا عمل له فيها لسعيه فليس من مواهبه ومزاياه فتقدم في أسباب اختياره، وإنما تذكر تتمة للفائدة وبيانًا للحقيقة، ولذلك ذكرت قاعدة عامة لا وصفًا له.
ولله در الشاعر العربي حيث قال صفات الجدير بالاختيار لزعامة الأمة وقيادتها: فقلدوا أمركم لله دركمو رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا لا مترفًا إن رخاء العيش ساعده ولا إذا عض مكروه به خشعا وليس يشغله مال يثمره عنكم، ولا ولد يبغي له الرفعا ..."أي أن له سنة في تهيئة من يشاء للملك"...
ثم ختم بقوله تعالى ]] على طريقة القرآن في التنبيه على الدليل بعد الحكم والتذكير بأسمائه الحسنى وآثارها، أي واسع التصرف والقدرة إذا شاء أمرًا اقتضته حكمته في نظام الخليقة فإنه يقع لا محالة، عليم بوجوه الحكمة فلا يضع سننه في استحقاق الملك عبثًا، ولا يترك أمر العباد في اجتماعهم سدى، بل وضع لهم من السنن الحكمية ما هو منتهى الإبداع والإتقان، وليس في الإمكان أبدع مما كان.
هذا وقد جرى المفسرون على أن وجوه الرد على منكري جعل طالوت ملكًا أربعة وأحسن عبارة لهم على اختصارها عبارة البيضاوي قال: لما استعبدوا تملكه لفقره وسقوط نسبه رد عليهم ذلك ...
(أولًا)بأن العمدة فيه اصطفاء الله تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم.
(ثانيًا)بأن الشرط فيه وفور العلم ليتمكن من معرفة الأمور السياسية وجسامة البدن ليكون أعظم خطرًا في القلوب، وأقوى على مقاومة العدو في مكابدة الحروب، لا ما ذكرتم، وقد زاده الله فيها، وقد كان الرجل القائم يمد يده فينال رأسه.
(ثالثًا)بأنه تعالى مالك الملك على الإطلاق فله أن يؤتيه من يشاء.
(رابعًا) بأنه ]] الفضل يوسع الفضل على الفقير ويغنيه ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بمن يليق بالملك وغيره.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ ﴾ يدل على أن بني إسرائيل لم يقتنعوا بما احتج به عليهم نبيهم من استحقاق طالوت الملك بما اختاره الله وأعده له باصطفائه، وإيتائه من سعة العلم وبسطة الجسم ما يمكنه من القيام بأعبائه، حتى جعل لذلك آية تدلهم على العناية به، وهي عود التابوت إليهم، وهذا التابوت المعرف له صندوق له قصة معروفة في كتب اليهود.
ففي أول الفصل الخامس والعشرين من سفر الخروج ما نصه: "وكلم الرب موسى قائلًا كلم بني إسرائيل أن يأخذوا لي تقدمة من كل من يحثه قلبه يأخذون تقدمتي.
وهذه هي التقدمة التي يأخذونها منهم: ذهب وفضة ونحاس وأسمانجوني وأرجوان وقرمز وبوص وشعر معزى وجلود كباش محمرة وجلود نحس وخشب سنط وزيت للمنارة وأطياب لدهن المسحة وللبخور العطر وحجارة جزع وحجارة ترصيع للرداء والصدرة، فيصنعون لي مقدسًا لأسكن في وسطهم بحسب جميع ما أنا أريك عن مثال المسكن ومثال جميع آنيته، هكذا تصنعون.
فيصنعون تابوتًا من خشب السنط طوله ذراعان ونصف، وعرضه ذراع ونصف، وارتفاعه ذراع ونصف.
وتغشيه بذهب نقي، من داخل وخارج تغشيه، وتصنع عليه إكليلًا من ذهب حواليه.
وتسبك له أربع حلقات من ذهب وتجعلها على قوائمه الأربع، على جانبه الواحد حلقتان وعلى جانبه الثاني حلقتان.
وتصنيع عصوين من خشب السنط وتغشيهما بذهب، وتدخل العصوين في الحلقات على جانبي التابوت ليحمل التابوت بهما.
تبقى العصوان في حلقة التابوت لا تنزعان منها.
وتضع في التابوت الشهادة التي أعطيك.
وتصنع غطاء من ذهب نقي طوله ذراعان ونصف وعرضه ذراع ونصف.
وتصنع كروبين من ذهب صنعة خراطة تضعهما على طرفي الغطاء.
فاصنع كروبًا واحدًا على الطرف من هنا، وكروبًا آخر على الطرف من هناك، من الغطاء تصنعون الكروبين على طرفيه.
ويكون الكروبان باسطين أجنحتهما إلى فوق مظللين بأجنحتهما على الغطاء ووجهاهما كل واحد إلى الآخر.
نحو الغطاء يكون وجها الكروبين.
وتجعل الغطاء على التابوت من فوق، وفي التابوت تضع الشهادة التي أنا أعطيك".
هذا ما ورد في صفة الأمر بصنع ذلك التابوت الديني، وذكر بعده كيفية صنع المائدة الدينية، وآنيتها، والمسكن، والمذبح، وخيمة العهد، ومنارة السراج، والثياب المقدسة.
ثم فصل في الفصل ٢٧ منه كيف كان صنع هذا التابوت والمائدة والمنار ومذبح البخور.
وهي غرائب يعدها عقلاء هذه العصور ألاعيب، والحكمة فيها والله أعلم أن بني إسرائيل كانوا -وقد استعبدهم وثنيو المصرين أحقابًا- قد ملكت قلوبهم عظمة تلك الهياكل الوثنية، وما فيها من الزينة والصنعة التي تدهش الناظر، وتشغل الخاطر، فأراد الله تعالى أن يشغل قلوبهم عنها بمحسوسات من جنسها تنسب إليه وتذكر به، فالتابوت سمي أولًا تابوت الشهادة أي شهادة الله سبحانه، ثم تابوت الرب وتابوت الله، كذلك أضيف إلى الله تعالى كل شيء صنع للعبادة.
وهذا مما يدل على أن تلك الديانة ليست دائمة، فلا غرو إذا نسخ الإسلام كل هذا الزخرف والصنعة من المساجد التي يعبد فيها الله تعالى حتى لا يشتغل المصلي عن مناجاة الله بشيء منها، وما كلفه ذلك الشعب الذي وصفته كتبه المقدسة بأنه صلب الرقبة كما تقول العرب "عريض القفا" على قرب عهده بالوثنية وإحاطة الشعوب الوثنية به من كل جانب لا يليق بحال البشر في طور ارتقائهم، إذ لا يربى الرجل العاقل، بمثل ما يربى به الطفل أو اليافع، وفي سائر فصول سفر الخروج الثلاثة تفصيل لما قدمه بنو إسرائيل لصنع تلك الدار التي يقدس فيها الله، ولصنع الخيمة والتابوت وغير ذلك، وغرضنا منها معرفة حقيقة التابوت عندهم فإنك لتجد في بعض كتب التفسير وكتب القصص عندنا أقوالًا غريبة عنه منها أنه مع آدم من الجنة، ومنشأ تلك الأقوال ما كان ينبذ به الإسرائيليون من القصص بين المسلمين مخادعة لهم، ليكثر الكذب في تفسيرهم للقرآن فيضلوا به، ويجد رؤساء اليهود مجالًا واسعًا للطعن في القرآن يصدعون به قومهم عنه.
وفي آخر فصول سفر الخروج أن موسى وضع اللوحين اللذين فيهما شهادة الله، أي وصاياه لبني إسرائيل، في التابوت، وفي كتبهم الأخرى أنه كان بعده عند فتاه يشوع أي (يوشع) وأنهم كانوا يستنصرون بهذا التابوت فإذا ضعفوا في القتال وجيء به وقدموه تثوب إليهم شجاعتهم، وينصرهم الله تعالى، أي ينصرهم بتلك الشجاعة التي تتجدد لهم بإحضار التابوت لا بالتابوت نفسه، ولذلك غُلِبُوا على التابوت فأخذ منهم عندما ضعف يقينهم وفسدت أخلاقهم، فلم يغن عنهم التابوت شيئًا.
ثم كانت حرب بين الفلسطينيين وبني إسرائيل على عهد "عاليا" أو "عالي" الكاهن فانتصر الفلسطينيون وأخذوا التابوت من بني إسرائيل بعد أن نكلوا بهم تنكيلًا فمات "عالى" قهرًا، وكان صموئيل -الذي يدعى في الكتب العربية شمويل- قاضيًا لبني إسرائيل من بعده، وهو نبيهم الذي طلبوا منه أن يبعث لهم ملكًا ففعل كما تقدم، وجعل رجوع التابوت إليه آية لملك طالوت الذي أقامه لهم.
وقالوا في سبب إتيان التابوت إن أهل فلسطين ابتلوا بعد أخذ التابوت بالفيران في زرعهم والبواسير في أنفسهم، فتشاءموا منه، وظنوا أن إله إسرائيل انتقم منهم فأعادوه على عجلة تجرها بقرتان، ووضعوا فيه صور فيران وصور بواسير من الذهب جعلوا ذلك كفارة لذنبهم.
ومن المدون في التاريخ المقدس عندهم أنه لما أحرق البابليون هيكل سليمان فقدت التوراة وتابوت العهد معًا لأنها قد أحرقها فيه.
وأما قوله تعالى في التابوت ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ ﴾ فقد كثرت فيه الروايات ومنها ما لا يدل عليه نقل ولا يقبله عقل، على أنها متعارضة لا يمكن الجمع بينها كما ترى في تفسير ابن جرير، وهو أم التفاسير، وقد أوردنا ما أوردنا من كتب اليهود ليعلم أن أكثر ما ذكر عن التابوت وعما فيه من الغرائب لا أصل له في تلك الكتب.
وإنما وحي الله تعالى ناطق بأن فيه سكينة، والسكينة في اللغة ما تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب، وفي إتيان الصندوق سكينة لا تخفى لما كان له من الشأن الديني عند القوم، أو فيه ما يحدث لهم سكينة وهي الفيران والبواسير الذهب التي تدل على خوف العدو، أو الألواح أو رضاضتها وهي البقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وروي عن عطاء نحو ما قلناه.
قال ابن جرير وأولى هذه الأقوال بالحق في معنى السكينة ما قاله عطاء ابن أبي رباح من أنها الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات.
وقوله ﴿ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ ﴾ يحتمل وجهين: (أحدهما): إن المراد بالملائكة صور الكروبين وقد حمل التابوت أي وضع عليهما كما تقول في وصف القصور والتماثيل المصنوعة: فيها فلان على فرس من نحاس، تريد تمثال الملك وتمثال الفرس.
(ثانيهما): إن البقرتين اللتين حملتا التابوت من بعض بلاد الفلسطينيين إلى بني إسرائيل كانتا تسيران مسخرتين بإلهام الملائكة.
وفي كتب القوم أن البقرتين اللتين جرتا عجلة التابوت لم يكن لهما قائد ولا سائق، وما يجري بإلهام لا كسب فيه للبشر وهو من الخير يسند إلى إلهام الملائكة.
روى نحو هذا ابن جرير قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول وكل بالبقرتين اللتين سارتا بالتابوت أربعة من الملائكة يسوقونهماإلخ وختم الآية بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ قالوا يتحمل أن يكون هذا تتمة كلام نبي بني إسرائيل لهم أي إن في مجيء التابوت علامة أو حجة لكم تدل على عناية الله بكم، واصطفائه لكم هذا الملك الذي ينهض بشؤونكم وينكل بأعدائكم، فعليكم أن ترضوا بملكه ولا تفرقوا عنه.
ويحتمل أن يكون استئناف كلام منه تعالى لهذه الأمة معناه أن فيما أوحاه الله تعالى إلى نبيه من هذه القصة آية بينة على نبوته إذ لولا الوحي لما كان يعرفها وهو الأمي الذي لم يقرأ ولم يتعلم شيئًا، ولا كان يعرف ما انطوت عليه من العبرة والفائدة، ولا سيما ما يعتبر في الملوك من الصفات التي تؤهلهم للقيام بأعباء السياسة وأعمال الرياسة، وإنما يكون ذلك آية بينة وعبرة نافعة لمن يؤمن بالله وآياته التي يؤيد بها أنبياءه ورسله عليهم السلام، لذلك قيدها بالشرط الذي حذف جوابه لدلالة الكلام عليه.
علم من السياق أن الغرض الأول من طلب القوم نصب الملك عليهم هو أن يتولى قيادتهم للقتال في سبيل الله، ويثأر من أولئك الوثنيين الذين أخرجوهم من ديارهم وأبنائهم، فكان المتوقع بعد بيان نصب الملك أن يذكر ما كان من شأنه في القتال وذلك ما بينه تعالى ذكره بقوله ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ فصل بالجنود انفصل بهم من مقامهم وقادهم لقتال أعدائهم، وأصله: فصل نفسه عنه مصاحبًا لهم، والجنود جمع جند بالضم وهو العسكر وأصله الأرض الغليظة ذات الحجارة ثم قيل لكل مجتمع قوي جند.
والشرب تناول الماء بالفم وابتلاعه، وطعم الشيء من غذاء وشراب ذاقه قال الشاعر: * وإن شئت لم أطعم نقاخًا ولا بردًا * والغرفة بالفتح المرة من غرف الشيء إذا رفعه من محله وتناوله وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو والحجازيون.
والغرفة بالضم ما يغترف وبها قرأ ابن عامر والكوفيون.
لما كان بنو إسرائيل من قبل كارهين لملك طالوت عليهم ثم أذعنوا من بعد وكان إذغان الجميع ورضاهم مما لا يمكن العلم به إلا بالاختبار والابتلاء أراد الله أن يبتلي هذا القائد جنده ليعلم المطيع والعاصي والراضي والساخط، فيختار المطيع الذي يرجى بلاؤه في القتال، وثباته في معامع وينفي من يظهر عصيانه، ويخشى في الوغى خذلانه، فإن طاعة الجيش للقائد وثقته به من شروط الظفر، وأحوج القواد إلى اختبار الجيش من ولي على قوم وهم له كارهون، أو كان فيهم من يكرهه، فإذا وجد في الجيش من ليس متحدًا معه يخشى أن يوضعوا خلاله يبغونه الفتنة ويسومونه الفشل، أخبر طالوت جنوده بأن سيمرون على نهر يمتحنهم به بإذن الله، فمن شرب منه فلا يعد من أشياعه المتحدين معه في أمر القتال إلا أن يكون ما يشربه قليلًا وهو غرفة تؤخذ باليد، فإن هذا مما يتسامح فيه ولا يراه مانعًا من الاتحاد به والاعتصام بحبله، ومن لم يطعمه أي يذقه بالمرة فإنه منه وهو الذي يركن إليه ويوثق به تمام الثقة، فالابتلاء سيكون على ثلاث مراتب مرتبة من يشرب فيروى لا يبالي بالأمر وحكمه أن يتبرأ منه، ومرتبة من يأخذ بيده غرفة يبل بها ريقه وهو مقبول في الجملة، ومرتبة من لا يذوقة البتة وهو الولي النصير الذي يوثق باتحاده، ويعول على جهاده، قال تعالى ﴿ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ ذلك أن القوم كانوا قد فسد بأسهم وتنزلزل إيمانهم، واعتادوا العصيان فسهل عليهم عصيانهم، وشق عليهم مخالفة الشهوة وإن كان فيها هوانهم، ولم يبق فيهم من أهل الصدق في الإيمان والغيرة على الملة والأمة إلا نفر قليل ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ ﴾ والعدد القليل من أهل العزائم، يفعل ما لا يفعل الكثير من ذوي المآثم، كما يعلم من قوله تعالى ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ أي فلما جاوز النهر طالوت هو والذين أمنوا معه ﴿ قَالُوا ﴾ أي الجنود وهم أولئك الذين شربوا منه إلا قليلًا منهم، ﴿ لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ﴾ الطاقة أدنى درجات القوة كما تقدم في تفسير آية الصيام، وجالوت هو أشهر أبطال أعدائهم الفلسطينيين وعربه النصارى الذين ترجموا سفر صموئيل الذي فيه القصة "جليات" ولا اعتداد بتعريبهم والعبارة تشعر بأن جنود الفلسطينيين كانوا أكثر من الإسرائيليين أي قال جمهور الجنود ليس لنا أدنى شيء من جنس الطاقة بلقاء جالوت وجنوده.
﴿ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ وهؤلاء اللذين يظنون أنهم ملاقوا الله في الآخرة هم الذين آمنوا وجاوزوا النهر مع طالوت، وقد توهم بعض الناس أن الآخرين الذين شربوا من النهر لم يجاوزوه لأنه تعالى لم يذكرهم وظنوا أن القولين من المؤمنين الذين جاوزوا النهر، قال ضعافهم لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده: وقال أقوياؤهم: كم من فئة قليلة إلخ ثم اشتد بعضهم بعزيمة بعض وكان من أمر انتصارهم ما يأتي في الآية التي بعد هذه، والعبارة لا تدل على أن الذين شربوا من النهر لم يجاوزوه وإنما خص بالذكر الذين لم يشربوا لأنهم لم يتخلفوا عن طالوت لأجل الشرب، فهم الذين جاوزوه معه مقترنين وهم الذين يعتد بهم، ويتبرأ من المتخلفين العاصين كما علم من قوله في الابتلاء.
سياق الكلام فيمن فصل بهم من الجنود وابتلوا بالنهر وقد قال فيهم إنهم شربوا منه إلا قليلًا، ثم أعلمنا أن فريقًا منهم وصفهم بالمؤمنين جاوزوا النهر مع طالوت فعلمنا أنهم هو الذين أطاعوا ولم يشربوا، ثم أخبرنا بقولين يصلح أحدهما لمعارضة الآخر ورده.
(الأول) أسنده إلى ضمير الجماعة المحكي عنهم الذين قال فيهم إنهم شربوا منه إلا قليلًا منهم، ومثله يصدر ممن خالف القائد وجبن عن القتال.
(الثاني)أسنده إلى الذين يظنون أنهم ملاقو الله وهو ينطبق على الذين أطاعوا القائد واتحدوا معه فلم يعصوا ويتفق مع وصف الإيمان الذي سبقه، فعلمناه أن الجميع جاوزوا النهر وأن هذين القولين كانا بعد مجاوزته، وأن التصريح بمجاوزة المؤمنين منهم ليست للحصر وإنما هي لبيان المعية والمصاحبة فإن القوم افترقوا عند النهر فسبق من لم يشرب والتف حول القائد وجاوزوا النهر معه، وتخلف الآخرون قليلًا للشرب والارتفاق بالماء ثم جاوزوا ولحقوا بالآخرين كما علم من محاورتهم معهم بما ظهر به أثر ما في نفس كل فريق منهما على لسانه.
ومن بديع إيجاز القرآن أن يحذف الشيء ويأتي في السياق بما يدل عليه، وأن يذكر القوم بوصف غير ما دل عليه الكلام أو يجعله في مكان الضمير لإفادة أن هذا الوصف المذكور هو السبب في الفعل أو الوصف الذي سيق الكلام لتقريره، كما وصف الذين لم يشربوا بالإيمان مرة وباعتقاد لقاء الله تعالى مرة أخرى، فأعلمنا أن هذا الإيمان والاعتقاد هما سبب طاعة القائد وترك الشرب، وسبب الشجاعة والإقدام على لقاء العدو الذي يفوقهم عددًا.
هذا ما ظهر في بيان هذه العبارة ويؤيده ما رواه ابن جرير عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: لما جاوزوه هو والذين آمنوا معه قال الذين شربوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده: (قال ابن جرير) وأولى القولين في ذلك بالصواب ما روي عن ابن عباس وقاله السدي وهو أنه جاوز النهر مع طالوت المؤمن الذي لم يشرب من النهر إلا الغرفة، والكافر الذي شرب منه الكثير، ثم وقع التمييز بينهم بعد ذلك برؤية جالوت ولقائه وانخذل عنه أهل الشرك والنفاق: إلخ.
وفيه ذكر قول كل من الفريقين ووسم من يقول بأنه لم يجاوز مع طالوت النهر إلا أهل الإيمان بالغفلة ورد عليه قوله.
وفي كتب اليهود أن الابتلاء بترك شرب الماء كان على يد جدعون قبل قصة طالوت، ويوردون ذلك بما لا يليق بالله تعالى ولكنه يوافق ما بنيت عليه حوادث تاريخهم من كونها كلها عجائب وخوارق عادات لا شيء منها مبني على سنن الله تعالى في الاجتماع البشري.
ففي الفصل السابع من سفر القضاة ما نصه: "وقال الرب لجدعون إن الشعب الذي معك كثير علي لأدفع المديانيين بيدهم لئلا يفتخر على إسرائيل قائلًا يدي خلصتني والآن ناد في آذان الشعب قائلًا من كان خائفًا ومرتعدًا فليرجع وينصرف من جبل جلعاد، فرجع من الشعب اثنان وعشرون ألفًا وبقي عشرة آلاف، وقال الرب لجدعون لم يزل الشعب كثيرًا، انزل بهم إلى الماء فأنقيهم لك هناك ويكون أن الذي أقول لك عنه هذا يذهب معك فهو يذهب معك.
وكل من أقول لك عنه لا يذهب معك فهو لا يذهب، فنزل بالشعب إلى الماء، وقال الرب لجدعون كل من يلغ بلسانه من الماء كما يلغ الكلب فأوقفه وحده وكذا كل من جثا على ركبتيه للشرب.
كان عدد الذين ولغوا بيدهم إلى فمهم ثلاث مئة رجل، وأما باقي الشعب جميعًا فجثوا على ركبهم لشرب الماء.
فقال الرب لجدعون بالثلاث مئة رجل الذين ولغوا أخلصكم وأدفع المديانيين ليدك وأما سائر الشعب فليذهبوا كل واحد إلى مكانه" اهـ.
وقد علمت أن القوم خلطوا في تاريخهم: وأن أكثره لا يُعرَف كاتبوه، ومنه سفر صموئيل الذي فيه قصة طالوت، وعبارته تدل على أنه كتب بعد حدوث وقائعه، فإن الكاتب يذكر بعض الأشياء ويقول إنها لا تزال إلى الآن كأن الزمن كان كافيًا لأن تندرس فيه جميع الرسوم والمعالم التي عهدت عند وقوع تلك الوقائع وهم لا يعرفون كاتبه، وإننا نرى المؤرخين في زمامنا يغلطون بما يقع في عهدهم غلطًا أبعد من هذا الغلط في إسناد الشيء إلى غير فاعله وتقديمه أو تأخيره عن زمنه، وكما فات مؤرخي بني إسرائيل تحرير الوقائع والحوادث بالتدقيق، فاتهم ما فيها من العبر والحكم، فأين ما نقلنا في تفسير هذه القصة عنهم مما تجده في عبارة القرآن من صنوف العبرة؟
فالحق ما قاله الله تعالى في مسألة النهر وغيرها، ولا يعتبر ما خالفه من أقوال سائر الكتب معارضًا له فيحتاج إلى التوفيق أو الجواب كما تقدم في مقدمة تفسير هذه القصة والله أعلم وأحكم.
﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا ﴾ أي لما ظهر طالوت وجنوده بالبراز وهي بالفتح ما استوى من الأرض ﴿ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ﴾ وهم أعداؤهم الفلسطينيون ﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ أي لجأ قوم طالوت المؤمنون إلى الله تعالى يدعونه بأن يفرغ على قلوبهم الصبر، ويثبت أقدامهم في مواقع القتال بثبات قلوبهم واطمئنانها بالإيمان والثقة به، وينصرهم على القوم الكافرين عبدة الأوثان، الذين تعلقت قلوبهم بالأوهام، وهذه الأمور الثلاثة بعضها مرتب على بعض بحسب الأسباب الغالبة، فالصبر سبب للثبات الذي هو سبب من أسباب النصر، وأجدر الناس بالصبر المؤمنون بالله الغالب على أمره.
﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ أي فاستجاب لهم ربهم ما سألوا ببركة التوجه إليه وتذكرهم ما يؤمنون به من قوته التي لا تغالب فهزموهم أي كسروهم كسرة انتهت بدفعهم من المعركة وهربهم منها بإرادته المنفذة لسنته في نصر المؤمنين الصابرين الثابتين، على الكافرين ﴿ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ﴾ قالوا إن جالوت جبار الفلسطينيين طلب البراز فلم يجرأ أحد من بني إسرائيل على مبارزته حتى أن طالوت جعل لم يقتله أن يزوجه ابنته ويحكمه في ملكه، ثم برز له داود بن يس وكان غلامًا يرعى الغنم ولم يقبل أن يلبس درعًا ولا أن يحمل سلاحًا بل حمل مقلاعه وحجارته، فسخر منه جالوت واحتمى عليه إذا لم يستعد له، وقال هل أنا كلب فتخرج إلي بالمقلاع؟
فرماه داود بمقلاعه فأصاب الحجر راسه فصرعه فدنا منه فاحتز رأسه وجاء به فألقاه إلى طالوت فعرف داود وكان له الشأن الذي ورث به ملك إسرائيل كما قال تعالى ﴿ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ﴾ فسروا الحكمة هنا بالنبوة، والأظهر عندي بالزبور الذي أوحاه الله إليه كما قال في آية أخرى: ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾ وبه كان نبيًا، وأما تعليمه مما يشاء فهو صنعة الدروع كما قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ ﴾ .
ثم بين تعالى حكمة الإذن بالقتال الذي قررته الآيات فقال ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ قرأ نافع "دفاع الله" والباقون "دفع الله" أي لولا أن الله تعالى يدفع أهل الباطل بأهل الحق وأهل الفساد في الأرض بأهل الإصلاح فيها، لغلب أهل الباطل والإفساد في الأرض وبغوا على الصالحين وأوقعوا بهم، حتى يكون لهم السلطان وحدهم، فتفسد الأرض بفسادهم، فكان من فضل الله على العالمين وإحسانه إلى الناس أجمعين، أن أذن لأهل دينه الحق المصلحين في الأرض، بقتال المفسدين فيها من الكافرين والبغاة المعتدين، فأهل الحق حرب لأهل الباطل في كل زمان والله ناصرهم ما نصروا الحق وأرادوا الإصلاح في الأرض.
وقد سمى هذا دفعًا على قراءة الجمهور باعتبار أنه منه سبحانه، إذ كان سنة من سننه في الاجتماع البشري، وسماه دفاعًا في قراءة نافع باعتبار أن كلا من أهل الحق المصلحين وأهل الباطل المفسدين يقاوم الآخر ويقاتله.
ثم بيّن أن إيتاء النبي الأمي أمثال هذه القصص من دلائل نبوته فقال ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ ﴾ يشير إلى قصة الذين خرجوا من ديارهم وقصة بني إسرائيل التي بعدها ﴿ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ﴾ فيه تعريض بأن ما يقوله بنو إسرائيل مخالفًا لهذا فهو باطل ﴿ وَإِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ ﴾ إذ لولا الرسالة لما عرفت شيئًا من هذه القصص وأنت لم تكن في أزمنة وقوعها ولا تعلمت شيئًا من التاريخ ولو تعلمته لجئت بها على النحو الذي عند أهل الكتاب أو غيرهم من القصاصين.
وقد قرر تعالى هذه الحجة على نبوته في سورة القصص بعد ذكر قصة موسى في مدين وذكر نبوته بقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
كان الكلام إلى هنا طلب في بذل المال والنفس في سبيل الله تعالى، وقد ضرب له مثل الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف فماتوا بجبنهم ولم تغن عنهم كثرتهم ثم أحياهم الله تعالى، أي أحيا أُمتهم بنفر منهم غيروا ما بأنفسهم، ومثل الملأ من بني إسرائيل بعد أن غلب الفلسطينيون أُمتهم على أمرها وأخرجوها من ديارهم وأبنائهم ثم نصرها الله تعالى بفئة قليلة مؤمنة بلقائه صابرة في بلائه، بعد هذا أراد سبحانه أن يقوي النفوس على القيام بذلك فذكر الأنبياء المرسلين الذين كانوا أقطاب الهداية، ومحل التوفيق منه والعناية -الذين بيّن الدليل في آخر السياق الماضي على أن المخاطب بهذا القرآن الذي فيه سيرتهم منهم وكان قد ذكر قبل ذلك داود وما آتاه الله من الملك والنبوة- ذكرهم مبينًا تفضيل بعضهم على بعض، وخص بالذكر أو الوصف من بقي لهم أتباع، وذكر ما كان من أمر أتباعهم من بعدهم في الاختلاف والاقتتال، ثم عاد إلى الموضوع وهو الإنفاق وبذل المال في سبيل الله لكن بأسلوب آخر كما ترى في الآية التي تلي هذه الآية.
قال تعالى: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ ﴾ أي المشار إليهم بقوله ﴿ وَإِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ ﴾ في آخر الآية السابقة، ومنهم داود الذي ذكر في الآية التي قبلها.
وهذا أظهر من قولهم المراد بالرسل من ذكروا في هذه السورة أو من قص الله على النبي قبل هذا من أنبائهم أو المراد جماعة الرسل ﴿ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ مع استوائهم في اختيار الله تعالى إياهم للتبليغ عنه وهداية خلقه إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.
والتصريح بهذا التفضيل وذكر بعض المفضلين يشبه أن يكون استدراكًا مع ما ذكر في الآيات السابقة من إيتائه تعالى داود الملك والحكمة وتعليمه مما يشاء فهو يقول إنهم كلهم رسل الله فهم حقيقون بأن يتبعوا ويقتدى بهداهم وإن امتاز بعضهم على بعض بما شاء الله من الخصائص في أنفسهم وفي شرائعهم وأُممهم.
وقد بيّن هذا التفضيل في بعض المفضلين فقال ﴿ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ﴾ بصيغة الالتفات عن الضمير إلى التعبير بالظاهر لتفخيم شأن هذه المنقبة والغرض من هذا الإلفتات الفات الأذهان إلى هذه المنقبة تفخيمًا لها وتعظيمًا لشأنها.
وهذا التكليم كان من الله تعالى لسيدنا موسى كما قال تعالى في سورة النساء: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ وفي سورة الأعراف: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾ وفي الآية التي بعدها: ﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي ﴾ فهذه الآيات تدل على أن موسى قد خص بتكليم لم يكن لكل نبي مرسل وإن كان وحي الله تعالى عامًا لكل الرسل ويطلق عليه كلام الله تعالى.
وقد قال تعالى في سورة الشورى: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ فجعل كلامه لرسله ثلاثة أنواع، والظاهر أن تكليم موسى كان النوع الثاني في الآية، وكلها تسمى وحي الله وكلام الله.
وقال بعضهم إن هذا النوع من التكليم كان لنبينا في تجلي ليلة المعراج فهو المراد بمن كلم الله هنا والجمهور على القول الأول وإن كان لفظ "من" يتناول أكثر من واحد.
إن هذا الكلام مما لا يمكن أن يعرفه إلا النبي المُكَلَّم، فلا ينبغي لنا أن نبحث فيه ونحاول الوقوف على كنهه، حتى أن النبي المكلّم نفسه لا يستطيع أن يُفهِمَه لغيره لأنه ليس له عبارة تدل عليه: يعني أن ما كان للرسل عليهم السلام من تكليم الله وما خصهم به من وحيه هو من قبيل التصورات والخواطر.
وأما قوله تعالى ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ﴾ فذهب جماهير المفسرين إلى أن المراد به نبينا محمد وهو ما رواه ابن جرير عن مجاهد وأيده.
والأسلوب يؤيده ويقتضيه، لأن السياق في بيان العبرة للأمم التي تتبع الرسل والتشنيع على اختلافهم واقتتالهم مع أن دينهم واحد في جوهره.
والموجود من هذه الأمم واليهود والنصارى والمسلمون فالمناسب تخصيص رسلهم بالذكر ولعل ذكر آخرهم في الوسط للإشعار بكون شريعته وكذا أُمته وسطًا.
ثم قال تعالى ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ﴾ إذا جرينا في فهم الآية على تفسير مفسرنا (الجلال) وأضرابه نكون جبرية لا نقبل دينًا ولا شرعًا ولا يكون لنا في الكلام عبرة لأنهم يقولون ما قصاراه أن الله تعالى هو الذي غرس في قلب هؤلاء الذين جاؤوا من بعد الأنبياء بذور الخلاف والشقاق وقضى عليهم بما ألزمهم العدوان والاقتتال، فإنه شاء أن يكونوا هكذا فكانوا مضطرين في الباطن وإن كان لهم اختيار ما بحسب الظاهر.
فلندع هذا ولننظر ما تدل عليه هذه الكلمات القليلة من اتفاق حكمة الله تعالى مع مشيئته في خلق الإنسان وسننه في شؤونه الاجتماعية.
لم يخلق الله الناس بقوى محدودة متساوية في أفرادهم لا تتجاوز طلب ما به قوام الجسم بالإلهام الفطري والإدراك الجزئي كالأنعام السائمة والطيور الحائمة، بل خلق الإنسان كما نعرفه الآن.
جعل له عقلًا يتصرف في أنواع شعوره، وفكرًا يجول في طرق حاجاته البدنية والنفسية، وجعل ارتقاءه في إدراكه وأفكاره كسبيًا ينشأ ضعيفًا فيقوى بالتدريج حسب التربية التي يحاط بها والتعليم الذي يتلقاه وتأثير حوادث الزمان والمكان والأسوة والتجارب فيه.
وجعل هداية الدين له أمرًا اختياريًا لا وضعًا اضطراريًا، فهي معروضة أمامه يأخذ منها بقدر استعداده وفكره كما هو شأنه في الأخذ بسائر أنواع الهداية والاستفادة من منافع الكون.
هذه هي سنته تعالى في الإنسان، وهي منشأ الاختلاف، فهو يقول لو شاء الله أن لا يجعل سنته في تبليغ الدين وعرضه على الناس هكذا بأن يجعله من إلهاماتهم العامة وشعورهم الفطري كشعور الحيوان وإلهامه ما فيه منفعته لكانوا في هداية الدين سواء يسعدون به أجمعين فتمنعهم بيناته أن يختلفوا فيقتتلوا ولكنه خلق الإنسان على غير ما خلق عليه الحيوان، وكان ذلك سبب اختلاف أهل الأديان، فمنهم من آمن إيمانًا صحيحًا فأخذ الدين على وجهه، إذ فهمه حق فهمه، ومنهم من لبسه مقلوبًا وحكم هواه في تأويله فكان كافرًا به في الحقيقة، وإن كان غاليًا فيما أحدث فيه من مذهب أو طريقة، وكان ذلك مدعاة التخاصم، وسبب التنازع والتقاتل، اختلف اليهود في دينهم فاقتتلوا، وأما النصارى فلم تختلف أمة اختلافهم، ولم يقتتل أهل المذاهب في دين من الأديان اقتتالهم، بل كان المذهب الواحد من مذاهبهم يتشعب إلى شعب يقاتل بعضها بعضًا.
وكان يجب أن يحذر المسلمون من هذا الاختلاف أشد الحذر لكثرة ما نهاهم الله عن الاختلاف وأنذرهم العذاب عليه في الدنيا والآخرة وقد امتثلوا أمره تعالى بالاتحاد والاعتصام، وانتهوا عما نهاهم عنه من التفرق والاختلاف، في عصر صاحب الرسالة وطائفة من الزمن بعده فكانوا خير أمة أخرجت للناس، ثم لم يلبثوا أن ذهبوا في الدين مذاهب، وفرقوا دينهم فكانوا في شريعته مشارب، فاقتتلوا في الدين قليلًا، وفي السياسة التي صبغوها بصبغة الدين كثيرًا، وقد تمادوا في هذا الشقاق والاختلاف، فانتهوا إلى زمن صاروا فيه أبعد الأمم عن الاتفاق والائتلاف.
ثم قال تعالى ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا ﴾ يمكن تفسير هذه الجملة بمثل ما فسرت به الجملة الأولى.
والأوْلى أن تفسر بوجه آخر أخص كأن يقال: لو شاء الله تعالى أن تكون سنته في الإنسان على ما فطر عليه من الاختلاف أن يعذر المختلفون من أفراده بعضهم بعضًا ويوطن كل فريق منهم نفسه على أن ينتصر لرأيه بالحجة، ويسعى إلى مصلحته بالفطنة، لما اقتتلوا على ما يختلفون فيه ولكنه جعلهم درجات في الفهم والحزم وأودع في غرائزهم المدافعة عن حقيقتهم والنضال دون مصلحتهم بكل ما قدروا عليه من قول وعمل، فالقوي بالرأي يحارب بالرأي والقوي بالسيف يقاوم بالسيف، فكان الاختلاف في الرأي والمصالح معًا مع عدم العذر، مؤديًا إلى الاقتتال لا محالة.
هكذا خلق الإنسان فلا يقال لم خلقه هكذا، لأن هذا بحث عن أسرار الخلقة ككبر أذني الحمار وصغر أذني الجمل، ولذلك قال ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ أي أن اختصاص الناس بهذه المزايا هو أثر إرادته وتخصيصها فلا مرد له.
<div class="verse-tafsir"
بعد أن ذكرنا تعالى بالرسل وما كان من أقوامهم بعدهم من الاختلاف والاقتتال، عاد إلى أمرنا بالإنفاق بأسلوب آخر كما تقدم التنبيه في تفسير الآية السابقة.
هناك يقول ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ﴾ وقد نبهنا على ما في هذا الخطاب من اللطف والبلاغة.
وأزيد هنا أن هذا اللطف إنما يفعل فعله ويبلغ نهاية تأثيره فيمن بلغ في الإيمان إلى عين اليقين، وعرج في الكمال إلى منازل الصديقين، ولطف وجدانه وشعوره، وتألق ضياؤه ونوره، وما كل المؤمنين يدرجون في هذه المدارج، أو يرتقون على هذه المعارج، فالأكثرون منهم يفعل في نفوسهم الترهيب، ما لا يفعل الترغيب، فهم لا ينفقون في سبيل الله إلا خوفًا من عقابه، أو طمعًا في ثوابه، وقد يعرض للضعفاء من هؤلاء الغرور بشفاعة تغني هنالك عن العمل، أو فدية تقي صاحبها عاقبة ما كان عليه من الزلل، فأمثال هؤلاء يعالجون بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ ﴾ قرأ أبو عمر وابن كثير ويعقوب: لا بيع: وما عطف عليه بالفتح والباقون بالرفع.
قالوا إن المراد بالإنفاق هنا الإنفاق الواجب، لأن الكلام يتضمن الوعيد على الترك، وهو لا يكون إلا على ترك الواجب وقال بعضهم بل يشتمل المندوب.
ومن الواجب على أغنياء المسلمين إذا وقع الفساد في الأمة وتوقفت إزالته على المال أن يبذلوه لدفع المفاسد الفاشية والغوائل الغاشية وحفظ المصالح العامة.
وفي قوله تعالى ﴿ مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ إشعار بأنه لا يطلب منهم إلا بعض ما جعلهم مستخلفين فيه من رزقه ونعمه عليهم فأين هذا من الطلب بصيغة الإقراض؟.
كأنه يقول: إننا ما رزقناكم الرزق الحسن واستخلفناكم فيه إلا وقد نقلناه من أيدي قوم أساءوا التصرف فحبسوا المال وأمسكوه عن المصالح والمنافع التي يرتقي بها شأن البشر بالتعاون على البر والخير، فلا تكونوا مثلهم فإنهم ظلموا أنفسهم وقومهم ببخلهم فكانوا كافرين بنعم الله تعالى عليهم إذ لم يضعوها في مواضعها ولذلك ختم الآية بقوله ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ ﴾ وسيأتي بيانه.
أما البيع والخلة والشفاعة فللمفسرين في بيان المراد بنفيها طريقان: أحدهما:إن المراد بالبيع والكسب بأي نوع من أنواع المبادلة والمعاوضة والمراد بالخلة - وهي الصداقة والمحبة للقرابة وغيرها لازمها وهو ما يكون وراءها من الكسب كالصلة والهدية والوصية والإرث، وبالشفاعة -وهي معروفة- لازمها في الكسب وهو ما يكون في إقطاعات الملوك والأمراء لبعض الناس وإنما يكون غالبًا بالتوسل إليهم والشفاعة عندهم، فهذه الثلاث من طرائق جمع المال وسعة الرزق في الدنيا، فهو يقول: يا أيها الذين آمنوا بادروا إلى الإنفاق في سبيل الله مما تناله أيديكم وأنتم متمكنون منه ابتغاء مرضاة الله به قبل أن يأتي يوم الجزاء الذي لا تجدون فيه ما تتقربون به إليه مما يكسب ببيع وتجارة، ولا مما ينال بخلة أو شفاعة.
فإنه هو اليوم الذي يظهر فيه فقر العباد وكون الملك لله الواحد القهار.
أما الطريق الثاني:فقد فسروا فيه البيع بالافتداء وجعلوا فيه الخلة والشفاعة على ظاهرهما، أي أنفقوا فإن الإنفاق في سبيل الخير والبر -وهي سبيل الله- هو الذي ينجيكم في ذلك اليوم الذي لا ينجي الأشحة الباخلين فيه من عذاب الله تعالى فداء فيفتدوا منه أنفسهم ولا خلة يحمل فيها خليل شيئًا من أوزار خليله أو يهبه شيئًا من حسناته ولا شفاعة يؤثر بها الشفيع في إرادة الله تعالى فيحولها عن مجازاة الكافر بالنعمة الباخل بالصدقة المستحق للمقت والعقوبة بتدنيس نفسه وتدسيتها في الدنيا.
لو فتشتم عن خفايا النفس لوجدتم أن العلة الصحيحة في منع الزكاة ونحوها من النفقات الواجبة هي أن حب المال أعلى في قلب المانع من حب الله تعالى، وشأن المال أعظم في نفسه من حقوق الله ، لأن النفس تذعن دائمًا لما هو ارجح في شعورها نفعًا، وأعظم في وجدانها وقعًا، مهما تعارضت وجوه المنافع.
ولو وزنتم جميع أنواع الظلم الذي يصدر من الإنسان لوجدتم أرجحها ظلم الباخل بفضل ماله على ملهوف يغيثه ومضطر يكشف ضرورته أو على المصالح العامة التي تقي أمته مصارع الهلكات، أو ترفعها على غيرها درجات أو تسد الخروق التي حدثت في بناء الدين، أو تزيل السدود والعقبات من طريق المسلمين، فإن هذا النوع من الظلم هو الذي لا يعذر صاحبه بوجه من وجوه العذر التي يتعلل بها سواه من ظالمي أنفسهم، أو التي قد تكون أعذارًا طبيعية فيمن لم يأخذ بأدب الدين كثورة الغضب وسورة الشهوة العارضة.
ترى كثيرًا من أغنياء المسلمين عارفين بما عليه أمتهم من الجهل بأمور الدين ومصالح الدنيا وفساد الأخلاق وتقطع الروابط وتراخي الأواخي وما نشأ عن ذلك من هضم حقوقها وانتزاع منافعها من أيدي أبنائها ويعلمون أن إصلاحهم يتوقف على بذل شيء من أموالهم ينفق على التربية والتعليم ونحوهما من المنافع العامة ثم هو يُدعَون إلى بذل قليل من كثير ما خزنوه في صناديق الحديد وما ينفقونه في شهواتهم ولذاتهم وتأييد أهوائهم وحظوظهم فيبخلون بذلك ويرونه مغرمًا ثقيلًا، ولا يحفلون بوعد الله للمنافقين في سبيله ولا وعيده للباخلين بفضله.
وأمثال هؤلاء لا يستحقون أن يكونوا من المسلمين لأنه لا يوجد في نفس الواحد منهم عرق ينبض في التألم لمصائب الإسلام وأهله فمن كان يرى أن ماله أفضل من دينه في الوجدان والعمل وهواه أرجح من رضوان الله فهو كافر حقيقة وإن سمى نفسه مؤمنًا فما إيمانه إلا كإيمان من نزل فيهم: ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ فهناك يحكى عنهم دعوى الإيمان ويحكم عليهم بعدمه لأن عملهم لا يشهد لإيمانهم وههنا يعبر عنهم بالكافرين.
ومن المستبعد أن يطلق الله تعالى هذين الوصفين على من كان للإيمان في قلبه بقية تبعثه على الإنفاق في سبيله إيثارًا لرضوانه وخشيته على الشهوات والحظوظ الباطلة، وترجى على حب المال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ فسر (الجلال) الإله بالمعبود بحق والحي بالدائم البقاء والقيوم بالمبالغ بالقيام بتدبير خلقه.
وأنا أستحسن تفسيره لكلمة التوحيد أما تفسيره لكلمة إله فإنه هو الشائع، وهو إنما يصح إذا حملنا العبادة على معناها الحقيقي وهو استعباد الروح وإخضاعها لسلطان غيبي لا تحيط به علمًا ولا نعرف كنهًا، فهذا هو معنى التأليه في نفسه، وكل ما ألهه البشر من جماد ونبات وحيوان وإنسان فقد اعتقدوا فيه هذا السلطان الغيبي بالاستقلال أو بالتبع لإله آخر أقوى منه سلطانًا، ومن ثم تعددت الآلهة المنتحلة، وكل تعظيم واحترام ودعاء ونداء يصدر عن هذا الاعتقاد فهو عبادة حقيقية وإن كان المعبود غير إله حقيقة، أي ليس له هذا السلطان الذي اعتقده العابد له لا بالذات ولا بالتوسط إلى ما هو أعظم منه.
فالإله الحق هو الذي يعبد بحق وهو واحد، والآلهة التي تعبد بغير حق كثيرة جدًا وهي غير آلهة في الحقيقة ولكن في الدعوى الباطلة التي يثيرها الوهم.
ذلك أن الإنسان إذا رأى أو سمع أو توهم أن شيئًا غريبًا صدر عن موجود بغير علة معروفة ولا سبب مألوف يتوهم أنه لو لم تكن له تلك السلطة العليا والقوة الغيبية لما صدر عنه ذلك حتى إن الذين يعتقدون النفع ببعض الشجر والجماد "كشجرة الحنفي" و "نعل الكلشني" يعدون عابدين لها حقيقة.
والحاصل أن معنى ﴿ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ : ليس في الوجود صاحب سلطة حقيقة على النفوس يبعثها على تعظيمه والخضوع له قهرًا منها معتقدة أن بيده منح الخير ورفع الضر بتسخير الأسباب أو إبطال السنن الكونية إلا الله تعالى وحده.
وأما الحي فهو ذو الحياة وهي مبدأ الشعور والإدراك والحركة والنمو، وذلك كمثل النبات والحيوان فإن كلًا منهما حي وإن تفاوتت الحياة فيهما فكانت في النبات أكمل منها في الحيوان.
والحياة بهذا المعنى مما ينزه الله تعالى عنه لأنه محال عليه ولذلك فسر مفسرنا "الحي" بالدائم البقاء، وهو بعيد جدًا لا يفهم من اللفظ مطلقًا، وإنما معنى الحياة بالنسبة إليه سبحانه مبدأ العلم والقدرة، أي الوصف يعقل معه الاتصاف بالعلم والإرادة والقدرة.
وهذا الوصف يبطل قول الماديين الذين يزعمون أن مبدأ الكون علة تتحرك بطبعها ولا شعور لها بنفسها ولا بحركتها وما ينشأن عنها من الأفعال والآثار.
أي أن هذا النظام والإحكام في الخلق من آثار المادة الميتة التي لا شعور لها ولا علم.
﴿ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ﴾ : إن ما ذكر في النظم الكريم ترق في نفي هذا النقص ومن قال بعدم الترقي فقد غفل عن معنى الأخذ وهو الغلب والاستيلاء، ومن لا تغلبه السِّنة قد يغلبه النوم لأنه أقوى، فذكر النوم بعد السنة ترق من نفي الأضعف إلى نفي الأقوى: والجملة تأكيد لما قبلها مقررة لمعنى الحياة والقيومية على أكمل وجه، فإن من تأخذه السنة والنوم يكون ضعيف الحياة وضعيف القيام بنفسه أو على غيره.
﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ﴾ فهم ملكه وعبيده مقهورون لسنته خاضعون لمشيئته هو وحده المصرف لشؤونهم والحافظ لوجودهم ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ ﴾ : إن في هذا الاستثناء قطعًا لأمل الشافعين والمتكلين على الشفاعة المعروفة التي كان يقول بها المشركون وأهل الكتاب عامة ببيان انفراده تعالى بالسلطان والملك وعدم جراءة أحد من عبيده على الشفاعة أو التكلم بدون إذنه، وإذنه غير معروف لأحد من خلقه ثم قال: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ ﴾ معناه أن الشفاعة تتوقف على إذنه، وإذنه لا يعلم إلا بوحي منه تعالى، يريد أن ذلك ترق في نفيها من دليل إلى آخر أي إذا أمكن أن تكون هناك شفاعة بمعنى آخر يليق بجلال الله تعالى كالدعاء المحض فإنه لا يجرأ عليها أحد في ذلك اليوم العصيب إلا بإذن الله تعالى، وإذنه تعالى مما استأثر بعلمه فلا يعلمه غيره إلا إذا شاء إعلامه به، ثم قال وإنما يعرف إذنه تعالى بما حدده من الأحكام في كتابه، أي فمن بيَّن أنه مستحق لعقابه فهو مستحق له لا يجرأ أحد أن يدعو له بالنجاة، ومن بيَّن أنه مستحق لرضوانه على هفوات ألم بها لم تحول وجهه عن الله تعالى إلى الباطل والفساد الذي يطبع على الروح فتسترسل في الخطايا حتى تحيط بها وتملك عليها أمرها فذلك مستحق له منته إليه بوعد الله في كتابه وفضله على عباده كما سبق في علمه الأزلي.
قالوا إن الاستثناء في قوله تعالى ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ ، واقع، وهو أن نبينا يشفع في فصل القضاء فيفتح باب الشفاعة فيدخل فيه غيره من الشفعاء كالأنبياء والأصفياء كما ثبت في الأحاديث، وهي مسألة أنكرها المعتزلة وأثبتها أهل السنة.
والله تعالى يأذن لمن يشاء ويطلع على علمه باستحقاق الشفاعة من يشاء، كما علم من الاستثناء.
﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ ﴾ السياق يدل على أن الكرسي هو العلم الإلهي وبذلك قال بعض المفسرين وأهل اللغة -ويقال كرس الرجل كفرح أي كثر علمه وازدحم قلبه- أي أن علمه تعالى محيط بما يعملون مما عبر عنه بقوله ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ وبما لا يعلمون من شؤون سائر الكائنات فبماذا يمكن أن يعلمه الشفعاء.
وقيل هو العرش واختاره مفسرنا (الجلال) وهو إنما يثبت بخبر المعصوم وقيل إنه تمثيل لملك الله تعالى واختاره القفال والزمخشري والآية تدل على أنه شيء يضبط السماوات والأرض ولا يتوقف التسليم بها على تعيينه والقول بأنه علم أو ملك أو جسم كثيف أو لطيف أي فإن كان هو العلم الإلهي فالأمر ظاهر وإن كان خلقًا آخر فهو من عالم الغيب الذي نؤمن به ولا نبحث عن حقيقته ولا نتكلم فيه بالرأي كما قال كثيرون إنه هو الفلك الثامن المكوكب من الأفلاك التسعة التي يقو بها فلاسفة اليونان ومقلدوهم فذلك من القول على الله بدون علم وهو من أمهات الكبائر ﴿ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾ أي لا يثقله حفظ هذه العوالم بما فيها ولا يشق عليه ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ فيتعالى بذاته أن يكون شأنه كشأن البشر في حفظ أموالهم، ويتنزه بعظمته عن الاحتياج إلى من يعلمه بحقيقة أحوالهم، أو يستنزله إلى ما لم يكن يريد من مجازاتهم على أعمالهم.
جملة الآية وما في معناها إنذار للموسلمين أن يكونوا كأهل الكتاب الذين يتكلمون في نجاتهم على شفاعة سلفهم فأوقعهم ذلك في ترك المبالاة بالدين.
ولكن المسلمين اتبعوا بعد ذلك سننهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع وسبقوهم في الاتكال على الشفاعة وما يترتب عليه من التهاون بالدين كما نرى.
هذه القلوب التي خويت من ذكر الله وخلت من خشيته للجهل بما يجب من معرفته وهي على خطر الهلاك الأبدي.
وهذه النفوس المنغمسة في أقذار الشهوات، المسترسلة في فعل المنكرات، وهي تشعر بأنها على شفير جهنم، تريد أن تتلهى بما يصمها عن سماع نذير الشريعة للفطرة التي أفسدتها الجهالات والأهواء، لكيلا تتألم بما ينغص عليها لذاتها، أو يحتم عليها طاعة ربها، فلا ترى أُلْهِيَةً تضيفها إلى الدين، ويرتضيه لها رؤساؤه الرسميون، إلا كلمة الشفاعة التي تزعم أنها تعظم بها النبيين والصديقين، وإن جعلتها بمعنى وثني يخل بعظمة رب العالمين، وكل من اغتر بذلك فشيطانه هو الذي يوسوس له ويمده في الغي، وإنها النفس ما عرفت عظمة الله ولا شعرت بالحياء منه في حياتها ولا ظهر في أعمالها أثر محبته، ولا احترام دينه وشريعته، وما أثر الإيمان به والحب له والرجاء بفضله إلا أخذ دينه بقوة وجد، وآيته بذل المال والروح في إعلاء كلمته، وتأييد شريعته، لا الامتنان عليه وعلى رسوله بقبول لقب الإسلام، وتعظيمه بالقول والخيال، دون القلوب والأعمال والقرآن شاهد عدل ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
كان معهودًا عند بعض الملل لا سيما النصارى حمل الناس على الدخول في دينهم بالإكراه.
وهذه المسألة ألصق بالسياسة منه بالدين، لأن الإيمان، وهو أصل الدين وجوهره، عبارة عن إذعان النفس، ويستحيل أن يكون الإذعان بالإلزام والإكراه، وإنما يكون بالبيان والبرهان، ولذلك قال تعالى بعد نفي الإكراه ﴿ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ ﴾ أي قد ظهر أن في هذا الدين الرشد والهدى والفلاح والسير في الجادة على نور، وأن ما خالفه من الملل والنحل على غي وضلال.
﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ﴾ وهو كل ما تكون عبادته والإيمان به سببًا للطغيان والخروج عن الحق من مخلوق بعيد، ورئيس يقلد، وهوى يتبع، ﴿ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ﴾ فلا يعبد إلا إياه، ولا يرجو غيره ولا يخشى سواه، يرجوه ويخشاه لذاته، وبما سنه من الأسباب والسنن في عباده ﴿ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا ﴾ .
الاستمساك بالعروة الوثقى هو الاستقامة على طريق الحق القويم الذي لا يضل سالكه كما أن المتعلق بعروة هي أوثق العرى وأحكمها فتلًا لا يقع ولا يتفلت.
وقد حذف لفظ التي وذلك معروف عن العرب في مثل هذا الكلام.
﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ تذكر للترغيب والتهديد أي فهي تفسر بحسب المقام كما قلنا فهي جامعة هنا بين الأمرين.
وإنما تكف الفتن بأحد أمرين: الأول- إظهار المعاندين الإسلام ولو باللسّان، لأن من فعل ذلك لا يكون من خصومنا ولا يبارزنا بالعداء، وبذلك تكون كلمتنا بالنسبة إليه هي العليا ويكون الدين لله ولا يفتن صاحبه فيه ولا يمنع من الدعوة إليه.
والثاني- وهو أدل على عدم الإكراه قبول الجزية وهي شيء من المال يعطوننا إياه جزاء حمايتنا لهم بعد خضوعهم لنا وبهذا الخضوع نكتفي شرهم وتكون كلمة الله هي العليا فقوله تعالى ﴿ لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ قاعدة كبرى من قواعد دين الإسلام وركن عظيم من أركان سياسته، فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه، ولا يسمح لأحد أن يكره أحدًا من أهله على الخروج منه.
وإنما نكون متمكنين من إقامة هذا الركن وحفظ هذه القاعدة إذا كنا أصحاب قوة ومنعة نحمي بها ديننا وأنفسنا ممن يحاول فتنتنا في ديننا اعتداء علينا بما هو آمن أن نعتدي بمثله عليه إذ أُمرنا أن ندعو إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة وأن نجادل المخالفين بالتي هي أحسن متعمدين على أن نبين الرشد من الغي بالبرهان، هو الصراط المستقيم إلى الإيمان، مع حرية الدعوة، وأمن الفتنة، فالجهاد من الدين بهذا الاعتبار، أي أنه ليس من جوهره ومقاصده وإنما هو سياج له وجنة، فهو أمر سياسي لازم له للضرورة.
ولا التفات لما يهذي به العوام، ومعلموهم الطغام، إذ يزعمون أن الدين قام بالسيف وأن الجهاد مطلوب لذاته، فالقرآن في جملته وتفصيله حجة عليهم.
وتأمل مع ما ذكرناك به من الآيات قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ ، ذهب كثير من المفسرين في معنى الآية إلى أن الله تعالى هو متولي أمور المؤمنين يوفقهم إلى الخروج من الظلمات ويمدهم في الهداية بمحض القدرة كما أن الطاغوت يمدون الكافرين في الغواية، ويخرجونهم بالإغواء من نور الحق إلى ظلمات الضلالة، وهذا تفسير العوام الذين لا يفهمون أساليب اللغة العالية أو تفسير الأعاجم الذين هم أجدر بعدم الفهم.
ومعنى الآية الذي يلتئم مع معنى سابقتها ظاهر أتم الظهور وهو أن المؤمن لا ولي له ولا سلطان لأحد على اعتقاده إلا الله تعالى ومتى كان كذلك فإنه يهتدي إلى استعمال الهدايات التي وهبها الله له على وجهها وهي الحواس والعقل والدين.
فهؤلاء المؤمنون كلما عرضت لهم شبهة لاح لهم بسلطان الولاية الإلهية على قلوبهم شعاع من نور الحق يطرد ظلمتها فيخرجون منها بسهولة ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ جولان الحواس في رياض الأكوان وإدراكها ما فيها من بديع الصنع والإتقان يعطيهم نورًا، ونظر العقل في فنون المعقولان يعطيهم نورًا، وما جاء به الدين من الآيات البينات يتم لهم نورهم ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾ أي لا سلطان على نفوسهم إلا لتلك المعبودات الباطلة السائقة إلى الطغيان، فإذا كان الطاغوت من الأحياء الناطقة ورأى أن عابديه قد لاح لهم شعاع من نور الحق الذي ينبههم إلى فساد ما هم فيه بادر إلى إطفائه بل إلى صرفهم عنه بما يلقيه دونه من حجب الشبهات وأستار زخارف الأقوال التي تقبل منه لأجل الاعتقاد أو بنفس الاعتقاد.
وإذا كان الطاغوت من غير الأحياء فإن سدنة هيكله وزعماء حزبه لا يقصرون في تنميق هذه الشبهات، وتزيين تلك الشهوات.
الظلمات هي الضلالات التي تعرض على الإنسان في كل طور من أطوار حياته كالكفر والشبهات التي تعرض دون الدين فتصد عن النظر الصحيح فيه أو تحول دون فهمه والإذعان له وكالبدع والأهواء التي تحمل على تأويله وصرفه عن وجهه وكالشهوات والحظوظ التي تشغل عنه وتستحوذ على النفس حتى تقذفها في الكفر.
لا توجد مرآة يرى فيها عبدة الطاغوت أنفسهم كما هي أجلى من القرآن..
<div class="verse-tafsir"
الكلام متصل بما قبله وشاهد عليه كأنه يقول انظروا إلى إبراهيم كيف كان يهتدي بولاية الله له إلى الحجج القيمة والخروج من الشبهات التي تعرض عليه فيظل على نور من ربه، وإلى الذي حاجه كيف كان بولاية الطاغوت له يعمى عن نور الحجة وينتقل من ظلمة من ظلمات الشبه والشكوك إلى أخرى.
قالوا الاستفهام في قوله تعالى ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ ﴾ للتعجب من هذه المحاجة وغرور صاحبها وغباوته مع الإنكار وقوله ﴿ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ﴾ معناه أن الذي حمله على هذه المحاجة هو إيتاء الله تعالى الملك له فكان منشأ إسرافه في غروره وسبب كبريائه وإعجابه بقدرته ﴿ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ وكأنه كان قد سأله عن ربه الذي يدعو إلى عبادته وقد كسر الأصنام التي تعبد من دونه وسفه أحلام عابديها لأجله، فأجاب بهذا الجواب، فأنكره الملك الطاغية الذي حكى عنه ادعاء الألوهية لنفسه ﴿ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾ أحيي من حكم عليه بالإعدام بالعفو عنه وأميت من شئت إماتته بالأمر بقتله، فدل جوابه هذا على أنه لم يفهم قول إبراهيم .
ولم يقل "فقال أنا أحيي وأميت" لأن جوابه منقطع عن الدليل لا يتصل به بالمرة، فإنه أراد إنه يكون سببًا للإحياء والإماتة، والكلام في الإنشاء والتكوين لا في اتخاذ الأسباب والتوسل في الشيء المكون، فالمراد بالذي يحيي ويميت الذي ينشئ الحياة في جميع العوالم الحية من نبات وحيوان وغيرها ويزيل الحياة بالموت.
وعبر ﴿ بِالَّذِي ﴾ الدال على المعهود المعروفة صلته دون ﴿ مِنْ ﴾ التي فيها الإبهام، وبالمضارع الدال على التجدد والاستمرار لإفادة أن هذا شأنه دائمًا كما هو معهود معروف لمن نظر في الأكوان نظر المفكر المستدل.
ولما رأى إبراهيم أنه لم يفهم أن مراده بالذي يحيي ويميت مصدر التكوين الذي يحيا كل حي بإحيائه ويموت بقطع إمداده له بالحياة ﴿ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ ﴾ فهذا إيضاح لقوله الأول وإزالة لشبهة الخصم لا أنه جواب آخر كما فهم (الجلال) وغيره، والمعنى أن ربي الذي يعطي الحياة ويسلبها بقدرته وحكمته هو الذي يطلع الشمس من المشرق، أي هو المكون لهذه الكائنات بهذا النظام والسنن والحكمة التي نشاهدها عليها، فإن كنت تفعل كما يفعل فغير لنا نظام طلوع الشمس وأت بها من الجهة المقابلة للجهة التي جرت سنته تعالى بظهورها منها ﴿ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾ أي أدركته الحيرة وأخذه الحصر من نصوع الحجة وسطوعها فلم يحر جوابًا ﴿ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ هذا ترشيح للكلام والمراد بالظلم في هذا المقام الإعراض عن النور الإلهي وهو نور العقل الذي يسير به المرء في طريق الدين فمن ظلم نفسه بإطفاء هذا المصباح فسار يتخبط في الظلمات فإنه لا يهتدي في سيره إلى الصراط المستقيم الموصل إلى السعادة بل يضل عنه حتى يهلك دون الغاية.
من فهم الآية على الوجه الذي قررناه يعلم أن لا محل للشبهة التي يوردها بعض الناس على حجة إبراهيم ، وهي أنه كان "لنمرود" أن يقول له: إذا كان ربك هو الذي يأتي بالشمس من المشرق، وهو قادر على ما طالبني به من الإتيان بها من المغرب، فليأت بها يومًا ما.
قال بعض المقلدين: ولا يمكن أن يسأل إبراهيم ربه ذلك، لأن فيه خراب العالم وقال بعض المرتابين: إنه لو قال له "نمرود" ذلك لألزمه.
وقد فهم "نمرود" -على طغيانه وغروره - من الحجة ما لم يفهم هؤلاء القائلون، فهم أن مراد إبراهيم أن هذا النظام في سير الشمس لا بد له من فاعل حكيم، إذ لا يكون مثله بالمصادفة والاتفاق، وأن ربي الذي أعبده هو ذلك الفاعل الحكيم الذي قضت حكمته بأن تكون الشمس على ما ترى.
ومن فهم هذا لا يمكنه أن يقول: اطلب من هذا الحكيم أن يرجع عن حكمته ويبطل سنته.
كذلك لا محل لقول بعضهم: لم سكت إبراهيم عن كشف شبهته الأولى، إذ زعم أن ترك القتل إحياء؟
فقد علمت أن مسألة الشمس قد كشفت ذلك انكشافًا لا يخفى إلا على من تخفى عليه الشمس؟!.
<div class="verse-tafsir"
الكاف في قوله ﴿ أَوْ كَالَّذِي ﴾ بمعنى "مثل" فهي اسم، ومن الشواهد على ذلك قول الراجز: بيض ثلاث كنعاج جم يضحكن عن كالبرد المنهم.
أي عن ثنايا مثل حب البرد الذائب وقول الشاعر: أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل وزعم (الجلال) أنها زائدة، انتصارًا لمذهب البصريين الذي أتركوا مجيء "الكاف" بمعنى (مثل) ولكن المعنى لا يستقيم كما يليق ببلاغة القرآن إلا على الأول.
وإن تحكيم مذاهبهم النحوية في القرآن، ومحاولة تطبيقه عليها وإن أخل ذلك ببلاغته جراءة كبيرة على الله تعالى، وإذا كان النحو وجد لمثل ذلك فليته لم يوجد.
للمفسرين في الآية قولان: أحدهما- أن هذا الذي مر على القرية كان من الصديقين أو الأنبياء.
ثانيهما- أنه كان من الكافرين، وهو ضعيف، لأن الكافر لا يؤيد بآيات الله، فالكلام على الوجه الأول، وهو الصحيح، مثل لهداية الله تعالى للمؤمنين وإخراجهم من الظلمات إلى النور كما كان شأن إبراهيم مع ذلك الكافر، وقالوا إن هذا لا يصح أن يكون معطوفًا على قصة الذي حاج إبراهيم في ربه لأن ذلك منكر ورد على طريقة التعجيب والإنكار لأن من شأن مثله أن لا يقع، وهذا وإن كان عجيبًا لا يصح إنكار وقوعه لأن الشبهة قد تعرض للمؤمن وهو مؤمن فيطلب المخرج بالبرهان فيهديه الله إليه بما له من الولاية والسلطان على نفسه ويخرجه من ظلمات الشبهة والحيرة إلى نور البرهان والطمأنينة.
وقد قدروا هنا "أرأيت" لإثبات التعجيب دون الإنكار أي ﴿ أَوْ ﴾ رأيت ﴿ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ ﴾ أي مثل الذي مر على قرية في إلمام ظلمة الشبهة به وإخراج الله إياه منها إلى النور.
وقد أبهم الله تعالى هذا المار وهذه القرية فلم يذكر مكانها وأصحابها بل اقتصر على الوصف الذي به تقرر الحجة حتى لا يشغل القارئ أو السامع عنها شاغل فهو من الاختصار البليغ، ولكن المفسرين أبوا إلا أن يبحثوا عنها وعمن مر بها فقال بعضهم إنها قرية الذين خرجوا من ديارهم، وقيل غير ذلك، وقيل إن الذي مر أرمياء وقيل العزير، رجمًا بالغيب أو تسليمًا للإسرائيليات.
وقوله ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ﴾ معناه وهي خالية من السكان واقعة على عروشها فقوله ﴿ عَلَى عُرُوشِهَا ﴾ خبر بعد خبر أو متعلق بخاوية على القول الثاني أي ساقطة على عروشها.
وقيل المعنى وهي خاوية من السكان وقائمة على عروشها، ومن أمثالهم إذا نزعت القوائم سقطت العروش، والحال تأتي من النكرة خلافًا لمن منع ذلك، وأوقع المفسرين في التعسف في التأويل واختيار الجملة الحالية على الحال المفرد لتمثيل حال القرية في النفس بذكر ضميرها وإسناد خاوية إليه ولو قال: على قرية خاوية لما أفاد هذا.
﴿ قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ يتعجب من ذلك ويعده غريبًا لا يكاد يقع ﴿ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾ قالوا معناه ألبثه مئة عام ميتًا وذلك أن الموت يكون في لحظة واحدة، وفاتهم أن من الموت ما يمتد زمنًا طويلًا وهو ما يكون من فقد الحس والحركة والإدراك من غير أن تفارق الروح البدن بالمرة وهو ما كان لأهل الكهف وقد عبّر عنه تعالى بالضرب على الآذان.
﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ﴾ لنزيل تعجبك ونريك آياتنا في نفسك وطعامك وشرابك وحمارك ولنجعلك آية للناس فالعطف دلنا على المحذوف المطوي دلالة ظاهرة، وهذا من لطائف إيجاز القرآن.
أما كون ما رأى آية له فظاهر، أما كونه هو آية للناس فهو أن علمهم بموته مئة سنة ثم بحياته بعد ذلك من أكبر الآيات.
وقد قال المفسرون إنه كان عند موته لا يزال شابًا وكان له أولاد قد شابوا وهرموا وقد عرفوه وعرفهم، وبيان ذلك أن بدنه لم يعمل في هذه المدة الأعمال التي تضنيه وتذهب بماء الشباب منه فتهرمه بل حفظت له حالته التي توفيت نفسه وهو عليها.
ثم قال ﴿ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ﴾ إنه بعد أن أراه الآية التي تكون حجة خاصة لمن رآها نبهه إلى الحجة العامة والدليل الثابت الذي يمكن أن يحتج به على البعث في كل زمان ومكان وهو سنته تعالى في تكوين الحيوان وإنشاء لحمه وعظمه فالإنشاء معناه التقوية والإنشاز معناه التنمية لأن الذي ينمو يعلو ويرتفع كأنه يقول كما أطلعناك على بعض الآيات الخاصة التي تدلك على قدرتنا على البعث نهديك إلى الآية الكبرى العامة وهي كيفية التكوين.
وإنما كانت هي الآية العامة لأن القرآن يحتج بها على جميع الخلق بمثل قوله ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ وقوله ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ وقوله في آيات تبين تفصيل كيفية البدء ﴿ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ﴾ .
ثم قال: فهذه العظام توجد في أول الخلقة عارية من لباس الحياة، بل قال فقيرة من مادتها، فالقادر على أن يكسوها لحمًا بمدها بالحياة ويجعلها أصلًا لجسم حي قادر على أن يعيد الخصب والعمران للقرية، كما أن القادر على الإحياء بعد لبث مائة سنة قادر على الإحياء بعد لبث الموتى ألوفًا من السنين.
هكذا يشبه بعض أفعاله بعضًا.
﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
وإذا سأل سائل عن كيفية هذا التكلم؟
فجوابنا: أن الله تعالى لم يبينه وهو مما لا يدركه كل سامع، فكانت الحكمة في عدم بيانه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ﴾ معطوف على ما قبله والتقدير أو رأيت إذ قال إبراهيم إلخ.
﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ في قوله تعالى لإبراهيم ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ﴾ وهو أعلم بإيمانه ويقينه إرشاد إلى ما ينبغي للإنسان أن يقف عنده ويكتفي به في هذا المقام فلا يتعداه إلى ما ليس من شأنه كأنه يقول إن الإيمان بهذا السر الإلهي والتسليم فيه لخبر الوحي ودلائله وأمثاله هو منتهى ما يطلب من البشر، فلو كان وراء الإيمان والتسليم مطلع لناظر لبينه الله لك، وفي هذا الإرشاد لخليل الرحمن تأديب للمؤمنين كافة ومنع لهم عن التفكر في كيفية التكوين وإشغال نفوسهم بما استأثر الله تعالى به فلا يليق بهم البحث عنه.
وقد فهم بعض الناس من هذا السؤال أن إبراهيم كان قلقًا مضطربًا في اعتقاده بالبعث، وذلك شك فيه، وما أبلد أذهانهم وأبعد أفهامهم عن إصابة المرمى، وقد ورد في حديث الصحيحين: "نحن أولى بالشك من إبراهيم" أي إننا نقطع بعدم شكه كما نقطع بعدم شكنا أو أشد قطعًا.
نعم ليس في الكلام ما يشعر بالشك فإنه ما من أحد إلا وهو يؤمن بأمور كثيرة إيمانًا يقينيًا وهو لا يعرف كيفيتها ويود لو يعرفها، فهذا "التلغراف" الذي ينقل الخبر من المشرق إلى المغرب في دقيقة واحدة يوقن به كل الناس في كل بلد يوجد فيه، ويقل فيهم العارف بكيفية نقله للخبر بهذه السرعة، أفيقال فيمن طلب بيان هذه الكيفية إنه شاك بوجود التلغراف؟
طلب المزيد في العلم والرغبة في اسكناه الحقائق والتشوف إلى الوقوف على أسرار الخليقة مما فطر الله عليه الإنسان، وأكمل الناس علمًا وفهمًا أشدهم للعلم طلبًا وللوقوف على المجهولات تشوقًا، ولن يصل أحد من الخلق إلى الإحاطة بكل شيء علمًا وقتل كل موجود فقهًا وفهمًا، وقد كان طلب الخليل رؤية كيفية إحياء الموتى بعينيه من هذا القبيل، فهو طلب للطمأنينة فيما تنزع إليه نفسه القدسية، من معرفة خفايا أسرار الربوبية، لا طلب للطمأنينة في أصل عقد الإيمان، بالبعث الذي عرفه بالوحي والبرهان دون المشاهدة والعيان.
﴿ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ﴾ قرأ حمزة فصرهن، بكسر الصاد، والباقون بضمها مع تخفيف الراء فيهما.
ومعناه: أملهن وضمهن إليك، وقيل: معنى قراءة الكسر فقطعهن، ولكنه إذا كان بهذا المعنى لا يتعدى بإلى كما تقدم، وقرئ بتشديد الراء، وتقدم معناه، ومع هذا قالوا: إنه قطعهن، وقد تكلموا في حكمة اختيار الطير على غيره من الحيوانات، فقال الرازي ما لا يصح أن يقال، وقال غيره.
الحكمة في ذلك أن الطير أقرب إلى الإنسان وأجمع لخواص الحيوان ولسهولة تأتي ما يفعل به من التقطيع والتجزئة وهناك وجه آخر وهو أن الطير أكثر نفورًا من الإنسان في الغالب، فإتيانها بمجرد الدعوة أبلغ في المثل.
وسيأتي الوجه الوجيه في تفسير أبي مسلم للآية.
ثم تكلموا في أنواعها، ولا حاجة إليه، وتكلموا في كونها أربعة، فقالوا: إنه الموافق لعدد الطبائع أو لعدد الرياح وليس بشيء، وقال بعضهم: إنما كانت أربعة ليضع في كل جهة من الجهات الأربع بعضها.
والذي نميل إليه في ذلك هو التفويض.
﴿ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ﴾ قرأ أبو بكر في روايته عن عاصم جزؤًا، بضم الزاي، حيث وقع، والباقون بسكونها، وهما لغتان.
قالوا: والمعنى جزئهن، واجعل على كل جبل منهن جزءًا، ورووا أنه ذبح الطيور ونتفها وقطعها أجزاء وخلط بعضها ببعض.
ولا يدل الكلام على ذلك.
﴿ ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ﴾ أي ادع الطيور يأتينك مسرعات طيرانًا ومشيًا ﴿ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ فهو بعزته غالب على أمره وبحكمته قد جعل أمر الإعادة موافقًا لحكمة التكوين.
ملخص الآية عند الجمهور أن إبراهيم طلب من ربه أن يطلعه على كيفية إحياء الموتى فأمره تعالى بأن يأخذ أربعة من الطير فيقطعهن أجزاء يفرقها على عدة جبال هناك ثم يدعوها إليه فتجيئه، وقالوا: إنه فعل ذلك.
وخالفهم أبو مسلم، المفسر الشهير، فقال: ليس في الكلام ما يدل على أنه فعل ذلك، وما كل أمر يقصد به الامتثال، فإن من الخبر ما يأتي بصيغة الأمر، لا سيما إذا أريد زيادة البيان، كما إذا سألك سائل: كيف يصنع الحبر مثلًا؟
فتقول: خذ كذا وكذا، وافعل به كذا وكذا يكن حبرًا، تريد هذه كيفيته، ولا تعني تكليفه صنع الحبر بالفعل.
قال: وفي القرآن كثير من الأمر الذي يراد به الخبر، والكلام ههنا مثل لإحياء الموتى، ومعناه خذ أربعة من الطير فضمها إليك، وأنّسها بك حتى تأنس وتصير بحيث تجيب دعوتك، فإن الطيور من أشد الحيوان استعدادًا لذلك، ثم اجعل كل واحد منها على جبل، ثم ادعها فإنها تسرع إليك لا يمنعها تفرق أمكنتها وبعدها من ذلك، كذلك أمر ربك إذا أراد إحياء الموتى يدعوهم بكلمة التكوين "كونوا حياء" فيكونوا أحياء، كما كان شأنه في بدء الخلق إذ قال للسماوات والأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين.
هذا ما تجلى به تفسير أبي مسلم، وقد أورده الرازي مختصرًا قال: "والغرض منه ذكر مثال محسوس في عودة الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة، وأنكر -(يعني أبا مسلم)- القول بأن المراد منه فقطعهن، واحتج عليه بوجوه: الأول: أن المشهور في اللغة قوله ﴿ فَصُرْهُنَّ ﴾ أملهن، وأما التقطيع والذبح فليس في الآية ما يدل عليه، فكان إدراجه في الآية إلحاقًا لزيادة بالآية لم يدل الدليل عليها، وأنه لا يجوز.
والثاني: أنه لو كان المراد"بصرهن"قطعهن، لم يقل إليك، فإن ذلك لا يتعدى بإلى، وإنما يتعدى بهذا الحرف إذا كان بمعنى الإمالة.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير؟
والتقدير فخذ إليك أربعة من الطير فصرهن؟؟
قلنا.
التزام التقديم والتأخير من غير دليل ملجئ إلى التزامه خلاف الظاهر.
والثالث: إن الضمير في قوله: ﴿ ثُمَّ ادْعُهُنَّ ﴾ عائد إليها لا إلى أجزائها، وإذا كانت الأجزاء متفرقة متفاصلة وكان الموضوع على كل جبل بعض تلك الأجزاء يلزم أن يكون الضمير عائدًا إلى تلك الأجزاء لا إليها، وهو خلاف الظاهر.
وأيضًا الضمير في قوله ﴿ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ﴾ عائد إليها لا إلى أجزائها، وعلى قولكم إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض كان الضمير في يأتينك عائدًا إلى أجزائها لا إليها.
"واحتج القائلون بالقول المشهور بوجوه.
الأول: إن كل المفسرين الذين كانوا قبل أبي مسلم أجمعوا على أنه حصل ذبح تلك الطيور وتقطيع أجزائها، فيكون إنكار ذلك إنكارًا للإجماع.
الثاني: إن ما ذكره غير مختص بإبراهيم ، فلا يكون له فيه مزية على الغير.
الثالث: إن إبراهيم أراد أن يريه الله كيف يحيي الموتى، وظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ذلك.
وعلى قول أبي مسلم لا تحصل الإجابة في الحقيقة.
الرابع: إن قوله ﴿ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ﴾ يدل على أن تلك الطيور جعلت جزءًا جزءًا.
قال أبو مسلم في الجواب عن هذا الوجه: إنه أضاف الجزء إلى الأربعة فيجب أن يكون المراد بالجزء هو الواحد من تلك الأربعة.
والجواب: إن ما ذكرته وإن كان محتملًا إلا أن حمل الجزء على ما ذكرنا أظهر والتقدير: فاجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءًا أو بعضًا" اهـ.
آية فهم الرازي وغيره فيها خلاف ما فهمه جميع المفسرين من قبله، ولم يقل أحد إن فهم فئة من الناس حجة على فهم الآخرين.
على أن ما فهمه أبو مسلم هو المتبادر من عبارة الآية الكريمة، وما قالوه مأخوذ من روايات حكوها في الآية، ولآيات الله الحكم الأعلى، وعلى ما في تلك الرواية هي لا تدل.
وأما قوله إن ما ذكره أبو مسلم غير مختص بإبراهيم فلا يكون فيه مزية.
فهو مردود بأن هذا المثال لكيفية إحياء الله للموتى أو لكيفية التكوين فيه توضيح لها وتحديد لما يصل إليه علم البشر من أسرار الخليقة، ولا دليل على أن العلم بذلك كان عامًا في الناس فيقال إنه لا خصوصية فيه لإبراهيم، على أنه يرد مثل هذا الإيراد على حجة إبراهيم على الذي آتاه الله الملك وحجته على عبدة الكواكب في سورة الأنعام، فإن مثل هذه الحجج التي أيد الله تعالى بها إبراهيم مما يحتج به الرازي وغيره فهل ينفي ذلك أن تكون هداية من الله لإبراهيم وإخراجًا من ظلمات الشبه التي كانت محيطة بأهل زمنه إلى نور الحق، وقد قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ ﴾ .
وأما قوله: إن إجابة إبراهيم لما سأل لا تحصل بقول أبي مسلم، وإنما تحصل بقول الجمهور، فالأمر بعكسه، وذلك أن إتيان الطيور بعد تقطيعها وتفريق أجزائها في الجبال لا يقتضي رؤية كيفية الإحياء، إذ ليس فيها إلا رؤية الطيور كما كانت قبل التقطيع، لأن الإحياء حصل في الجبال البعيدة.
وافرض أنك رأيت رجلًا قتل وقطع إربًا إربًا، ثم رأيته حيًا، أفتقول حينئذٍ: إنك عرفت كيفية إحيائه؟
هذا ما يدل عليه قولهم وأما قول أبي مسلم فهو الذي يدل على غاية ما يمكن أن يعرف البشر من سر التكوين والإحياء، وهو توضيح معنى قوله تعالى للشيء كن فيكون.
ولولا أن الله تعالى بيّن لنا ذلك بما حكاه عن خليله لجاز أن يطمع في الوقوف على سر التكوين الطامعون.
ولو فهم الرازي هذا لما قال: إنه لا خصوصية لإبراهيم على التفسير.
وهذا النوع من الجواب قريب من جواب موسى إذ طلب رؤية الله تعالى، ومن جواب السائلين عن الأهِلَّة، وليس مثلهما من كل وجه، فإنه بيّن وأوضح ما يمكن علمه في المسألة نفسها ونهى عما زاد على ذلك.
وجملة القول أن تفسير أبي مسلم للآية هو المتبادر الذي يدل عليه النظم، وهو الذي يجلي الحقيقة في المسألة، فإن كيفية الإحياء هي عين كيفية التكوين في الابتداء، وإنما تكون بتعلق إرادة الله تعالى بالشيء المعبر عنه بكلمة التكوين ﴿ كُنْ ﴾ ، فلا يمكن أن يصل البشر إلى كيفية له إلا إذا أمكن الوقوف على كنه إرادة الله تعالى وكيفية تعلقها بالأشياء، وظاهر القرآن وما عليه المسلمون أن هذا غير ممكن، فصفات الله منزهة عن الكيفية، والعجز عن الإدراك فيها هو الإدراك، وهو ما أفاده قول أبي مسلم رحمه الله تعالى.
ومما يؤيده في النظم المحكم قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اجْعَلْ ﴾ ، فإنه يدل على التراخي الذي يقتضيه إمالة الطيور وتأنيسها، على أن لفظ ﴿ صُرْهُنَّ ﴾ يدل على التأنيس، ولولا أن هذا هو المراد لقال: فخذ أربعة من الطير فقطعهن واجعل على كل جبل منهم جزءًا ولم يذكر لفظ الإمالة إليه ويعطف جعلها على الجبال بثم.
ويدل عليه أيضًا ختم الآية باسم العزيز الحكيم دون اسم القدير، والعزيز هو الغالب الذي لا ينال.
وما صرف جمهور المتقدمين عن هذا المعنى، على وضوحه، إلا الرواية بأنه جاء بأربعة طيور من جنس كذا وكذا، وقطعها ومزقها على جبال الدنيا، ثم دعاها، فطار كل جزء إلى مناسبه حتى كانت طيورًا تسرع إليه.
فأرادوا تطبيق الكلام على هذا ولو بالتكلف.
وأما المتأخرون فهمهم أن يكون في الكلام خصائص للأنبياء من الخوارق الكونية وإن كان المقام مقام العلم والبيان والإخراج من الظلمات إلى النور، وهو أكبر الآيات.
ولكن أهل زمن غرام في شيء من الأشياء يتحكم في عقولهم وأفهامهم، والواجب على من يريد فهم كتاب الله تعالى أن يتجرد من التأثر بكل ما هو خارج عنه، فإنه الحاكم على كل شيء ولا يحكم عيه شيء.
ولله در أبي مسلم ما أدق فهمه وأشد استقلاله فيه.
<div class="verse-tafsir"
قلنا إن من سنة القرآن الحكيم مزج آيات الأحكام بآيات المواعظ والعبر والتوحيد ليقرر أمر الحكم وينصر النفوس على القيام به ولقد قلنا مرارًا إن أمر الإنفاق في سبيل الله أشق الأمور على النفوس لا سيما إذا اتسعت دائرة المنفعة فيما ينفق فيه، وبعدت نسبة من ينفق عليه عن المنفق، فإن كل إنسان يسهل عليه الإنفاق على نفسه وأهله وولده إلا أفرادًا من أهل الشح المطاع، وهذا النوع من الإنفاق لا يوصف صاحبه بالسخاء، ومن كان له نصيب من السخاء سهل عليه الإنفاق بقدر هذا النصيب، فمن كان له أدنى نصيب فإنه يرتاح إلى الإنفاق على ذوي القربى والجيران، فإن زاد أنفق على أهل بلده فأمته فالناس كلهم، وذلك منتهى الجود والسخاء.
وإنما يصعب على المرء الإنفاق على منفعة من يبعد عنه لأنه فطر على أن لا يعمل عملًا لا يتصور لنفسه فائدة منه، وأكثر النفوس جاهلة باتصال منافعها ومصالحها بالبعداء عنها فلا تشعر بأن الإنفاق في وجوه البر العامة كإزالة الجهل بنشر العلم ومساعدة العجزة والضعفاء وترقية الصنائع وإنشاء المستشفيات والملاجئ وخدمة الدين المهذب للنفوس هو الذي تقوم به المصالح العامة حتى تكون كلها سعيدة عزيزة، فعلمهم الله تعالى أن ما ينفقونه في المصالح يضاعف لهم أضعافًا كثيرة فهو مفيد لهم في دنياهم، وحثهم على أن يجعلوا الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته ليكون مفيدًا لهم في آخرتهم أيضًا، فذكر أولًا أن الإنفاق في سبيل الله بمنزلة إقراضه تعالى، ووعد بمضاعفته أضعافًا كثيرة، ثم ضرب الأمثال وذكر قصص الذين بذلوا أموالهم وأرواحهم في سبيله، ثم ذكر البعث وإحياء الموتى وانتهاءهم إلى الدار التي يوفون فيها أجورهم في يوم لا تنفع فيه فدية ولا خلة ولا شفاعة وإنما تنفعهم أعمالهم التي أهمها الإنفاق في سبيله ثم ضرب المثل للمضاعفة.
أي بعد أن قرر البعث بالدلائل والأمثال إذ كان الإيمان به أقوى البواعث على بذل المال.
والمراد بالإنفاق الإنفاق في خدمة الدين، ولكن كلمة في سبيل الله تشمل جميع المصالح العامة، وهو ما جرينا عليه آنفًا.
ثم قال تعالى ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى ﴾ الآية إن هذه الآية لبيان ثواب الإنفاق في الآخرة بعد التنويه بمنفعته في الدنيا.
وقد شرط لهذا الثواب ترك المن والأذى، فأما المن فهو أن يذكر المحسن إحسانه لمن أحسن هو إليه، يظهر به تفضله عليه، وأما الأذى فهو أعم ومنه أن يذكر المحسن إحسانه لغير من أحسن عليه بما ربما يكون أشد عليه مما لو ذكره له.
قد يشكل على بعض الناس التعبير بثم التي تفيد التراخي مع العلم بأن المن أو الأذى العاجل أضر، وأجدر بأن يجعل تركه شرطًا لتحصيل الأجر، وجوابه أن من يقرن النفقة بالمن أو الأذى أو يتبعها أحدهما أو كليهما عاجلًا لا يستحق أن يدخل في الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله أو يوصف بالسخاء المحمود عند الله.
وإذا كان من يمن أو يؤذي بعد الإنفاق بزمن بعيد لا يعتد الله بإنفاقه ولا يؤجره عليه ولا يقيه الخوف والحزن أفلا يكون المتعجل به أجدر بذلك؟
بلى وإنما الكلام في السخي الذي ينفق في سبيل الله مخلصًا متحريًا للمصلحة والمنفعة لا باغيًا جزاء مما ينفق عليه ولا مكافأة ولكنه قد يعرض له بعد ذلك ما يحمله على المن والأذى المحبطين للأجر كأن يرى ممن كان أنفق عليه غمطًا لحقه أو إعراضًا عنه وتركًا لما كان من احترامه إياه فيثير ذلك غضبه حتى يمن أو يؤذي ومثل هذا قد يقع من المخلصين فحذرهم الله تعالى منه.
ثم قال تعالى ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ﴾ : القول المعروف يتوجه تارة إلى السائل إن كانت الصدقة عليه وتارةً يتوجه إلى المصلحة العامة كما إذا هاجم البلد عدو وأرادوا جمع المال للاستعانة على دفعه فمن لم يكن له مال يمكنه أن يساعد بالقول المعروف الذي يحث على العمل وينشط العامل، ويبعث عزيمة الباذل، والمغفرة أن تغضى عن نسبة التقصير في الإنفاق إليك وأن تظهر في هيئة لا ينفر منها المحتاج ولا يتألم من فقره أمامك.
والمعنى أن مقابلة المحتاج بكلام يسر وهيئة ترضي خير من الصدقة مع الإيذاء بسوء القول أو سوء المقابلة، ولا فرق في المحتاج بين أن يكون فردًا أو جماعة فإن مساعدة الأمة ببعض المال مع سوء القول في العمل الذي ساعدها عليه وإظهار استهجانه وبيان التقصير فيه أو تشكيك الناس في فائدته لا توازي هذه المساعدة إحسان القول في ذلك العمل الذي تطلب له المساعدة والإغضاء عن التقصير الذي ربما يكون من العاملين فيه فكونك مع الأمة بقلبك ولسانك خير من شيء من المال ترضخ به مع قول السوء وفعل الأذى.
ومعنى هذه الخيرية أنه أنفع وأكثر فائدة لا أنه يقوم مقام البذل ويغني عنه فمن آذى فقد بغض نفسه إلى الناس بظهوره في مظهر البغضاء لهم.
ولا شك أن السلم والولاء، خير من العداوة والبغضاء، وأن أضمن شيء لمصلحة الأمة وأقوى معزز لها هو أن يكون واحد من أفرادها في عين الآخر وقلبه في مقام المعين له وإن لم يعنه بالفعل.
﴿ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾ : يطلق الحلم ويراد به هذا اللازم من لوازمه أي الإمهال وعدم المعالجة بالمؤاخذة وقد يراد به لازم آخر وهو الإغضاء والعفو وليس بمراد هنا، لأنه لو أريد لكان تحريضًا على الأذى، ولكل مقال مقام يعينه، فالأول يطلق في مقابل العجول الطائش والثاني في مقابل الغضوب المنتقم وفي الاسمين الكريمين تنفيس لكرب الفقراء وتعزية لهم وتعليق لقلوبهم بحبل الرجاء بالله الغني المغني وتهديد للأغنياء وإنذار لهم أن لا يغتروا بحلم الله وإمهاله إياهم وعدم معاجلتهم بالعقاب على كفرهم بنعمته عليهم بالمال فإنه يوشك أن يسلبها منهم في يوم من الأيام.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى ﴾ استدل المعتزلة بالآية على إحباط الكبائر للأعمال الصالحة كأنها لم تعمل...
وأجيب عن الآية بأن المراد بها: لا تبطلوا ثواب صدقاتكم، وبغير ذلك من التكلف الذي لا يحتاج إليه، لأن الكلام في إحباط المن والأذى للفائدة المقصودة من الصدقة، وهي التخفيف من بؤس المحتاجين وكشف أذى الفقر عنهم، إذا كانت الصدقة على الأفراد، وتنشيط القائمين بخدمة الأمة ومساعدتهم إذا كانت الصدقة في مصلحة عامة.
فإذا أتبعت الصدقة بالمن والأذى كان ذلك هدمًا لما بنته وإبطالًا لما عملته، وكل عمل لا يؤدي إلى الغاية المقصودة منه فقد حبط وبطل وكأنه لم يكن، فكيف إذا أتبع بضد الغاية ونقيضها؟!
كذلك تكون صلاة المرائي باطلة، لأن الغرض منها لم يحصل، وهو توجه القلب إلى الله تعالى واستشعار سلطانه والإذعان لعظمته والشكر لإحسانه، وقلب المرائي إنما يتوجه إلى من يرائيه.
هذا هو معنى إبطال المن والأذى للصدقة، والذي يزعمه المعتزلة هو أن ارتكاب أي كبيرة من الكبائر يبطل جميع الأعمال الصالحة السابقة ويوجب الخلود في النار، فاستدلالهم بالآية على هذا إنما يدل على أنهم لم يفهموا هدى الله تعالى في كتابه ولم يعرفوا فطرة البشر التي جاء الدين لتأديبها، وقد رأيت كلام من أيد مذهبه بهدم مذهبهم، هكذا يتجاذب القرآن أهل المذاهب، كل يجذبه إلى مذهبه الذي رضيه لنفسه، فتراهم عندما يشاغب بعضهم بعضًا يتعلقون بالكلمة المفردة إذا كانت تحتمل ما قالوا ويجعلونها حجة للمذهب ويؤولون ما عداها بالتمحل.
وأهل الخلاف ليسوا من أهل القرآن، فلا يعول على أقوالهم في بيان معانيه.
ثم شبه تعالى أصحاب المن والأذى بالمرائي أو إبطال عملهم للصدقة بإبطال ريائه لها فقال: ﴿ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ ﴾ أي لأجل ريائهم أو مرائيًا لهم أي لأجل أن يروه فيحمدوه لا ابتغاء مرضاة الله تعالى بتحري ما حث عليه من رحمة عباده الضعفاء والمعوزين وترقية شأن الملة بالقيام بمصالح الأمة، فهو إنما يحاول إرضاء الناس ﴿ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ فيتقرب إليه تعالى بالإنفاق خشية عقابه ورجاء ثوابه في ذلك اليوم ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ﴾ ، أي صفته وحاله في عدم انتفاعه بما ينفق كالحجر الأملس إذا كان عليه شيء من ذلك التراب ووجه الشبه بين المانّ والمؤذي بصدقته وبين المرائي بنفقته أن كلًا منهما غش نفسه فألبسها ثوب زور يوهم رائيه ما لا حقيقة له، كمن يلبس لبوس العلماء أو الجند وليس منهم فلا يلبث أن يظهر أمره ويفتضح سره فيكون ما تلبس به كالتراب على الصفوان يذهب به الوابل.
كذلك تكشف الحوادث وما يبتلى به المؤمنون والمنافقون حقيقة هؤلاء وتفضح سرائرهم، فهم ﴿ لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ﴾ أي لا ينتفعون بشيء من صدقاتهم ونفقاتهم ولا يجنون ثمراتها في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فلأن المن والأذى مما ينافي غاية الصدقة كما تقدم، ومن فعلهما كان أبغض إلى الناس من البخيل الممسك، والرياء لا يخفى على الناس، فهو كما قال الشاعر: ثوب الرياء يشف عما تحته فإذا اكتسيت به فإنك عار فلا تكاد تجد منانًا ولا مرائيًا غير مذموم ممقوت.
وأما الآخرة فلأن المن أو الأذى كالرياء في منافاة الإخلاص، ولا ثواب في الآخرة إلا للمخلصين في أعمالهم الذين يتحرون بها سنن الله تعالى في تزكية نفوسهم وإصلاح حال الناس ﴿ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ أي مضت سنته بأن الإيمان هو الذي يهدي قلب صاحبه إلى الإخلاص ووضع النفقات في مواضعها، والاحتراس من الإتيان بما يذهب بفائدتها بعد وجودها، فكان الكافر بمقتضى هذه السنة محرومًا من هذه الهداية التي تجمع لصاحبها بين صلاح القلب والعمل وسعادة الدنيا والآخرة.
بعد هذا ضرب الله المثل للمخلصين في الإنفاق، لأجل المقابلة بينهم وبين أولئك المرائين والمؤذين، وعقبه بمثل آخر يتبين به حال الفريقين فقال: <div class="verse-tafsir"
إن النية الصالحة في الإنفاق كالوابل للجنة فيها تكون النفقة نافعة للناس لأن أصحابها يتحرون فيضعون نفقتهم موضع الحاجة لا يبذرون بغير روية.
وأراد بالطل: أن أمثال هؤلاء المخلصين لا يخيب قاصدهم لأن رحمة قلوبهم لا يغور معينها فإن لم تصبه بوابل من عطائها لم يفته طله فهم كالجنة التي لا يخشى عليها اليبس والزوال.
﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ﴾ الآية...
الاستفهام لإنكار وقوع أن يود الإنسان لو تكون له جنة معظم شجرها الكرم والنخل اللذان هما أجمل الشجر وأنفعه، كثيرة المياه، حاوية لأنواع من الثمرات الكثيرة، قد نيطت بها آماله، ورجا أن ينتفع بها عياله، ويصيبه الكبر الذي يقعده عن الكسب في حال كثرة ذريته وضعفهم عن أن يقوموا بشأنه وشأنهم، حتى لا يبقى له ولا لهم مورد للرزق غير هذه الجنة، وبينما هو كذلك إذا بالجنة قد أصابها الاعصار، فأحرقها بما فيه من سموم النار.
وقد اختلف في تفسير ﴿ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾ مع كون الجنة من نخيل وأعناب، فقال بعضهم: إن المراد بالثمرات هنا المنافع.
وقيل: المعنى له فيها رزق من كل الثمرات، على حد: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ﴾ ، أي ما منا أحد إلا له إلخ...
وقيل: إن ﴿ مِنْ ﴾ بمعنى بعض...
والحق أننا إذا التفتنا عن قواعد النحو الوضعية، ولم نلتزم تعليلاتها وتدقيقاتها الفلسفية، وكسرنا قيود سيبويه والخليل، أمكننا أن نفهم العبارة من غير تقدير ولا تأويل، فالعربي الصريح، الذي طبع على القول الفصيح، لا يفهم من قولك: عندي من كل شيء، أو: لي في بستاني من كل ثمر، إلا أنك تريد أن لك حظًا من كل شيء وسهمًا من كل ثمر، لا يحتاج في ذلك إلى تقدر قول محذوف، ونظر غير مألوف، وهذا هو الصواب، فطبق عليه، ولا تطبقه على قواعد الإعراب.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ ﴾ معناه أنه يخيل إليكم بوسوسته أن الإنفاق يذهب بالمال، ويفضي إلى سوء الحال، فلا بد من إمساكه والحرص عليه استعدادًا لما يولده الزمن من الحاجات وهذا هو معنى قوله تعالى ﴿ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ﴾ فإن الأمر هنا عبارة عما تولده الوسوسة من الإغراء، والفحشاء البخل، وهي في الأصل كل ما فحش أي اشتد قبحه، وكان البخل عند العرب من أفحش الفحش قال طرفة: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد ﴿ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ ﴾ بما أنزله من الوحي وبما أودعه في النفوس الزكية من الإلهام الصحيح، والعقل الرجيح، وفي الفطر السليمة من حب الخير، والرغبة في البر ﴿ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ﴾ فإنه جعل الإنفاق كفارة لكثير من الخطايا وسببًا يفضل به المرء قومه ويسودهم أو يسود فيهم بما يجذب إليه من قلوب من يكون سببًا في رزقهم وهذا الفضل من الجاه بالحق.
﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ﴾ الحكمة هنا العلم الصحيح، يكون صفة محكمة في النفس حاكمة على الإرادة توجهها إلى العمل، ومتى كان العمل صادرًا عن العلم الصحيح كان هو العمل الصالح النافع المؤدي إلى السعادة.
والمراد بإتيانه الحكمة من يشاء إعطاؤه آلتها -العقل- كاملة مع توفيقه لحسن استعمال هذه الآلة في تحصيل العلوم الصحيحة فالعقل هو الميزان القسط الذي توزن به الخواطر والمدركات ويميز بين أنواع التصورات والتصديقات، فمتى رجحت فيه كفة الحقائق طاشت كفة الأوهام، وسهل التمييز بين الوسوسة والإلهام.
<div class="verse-tafsir"
أرشدنا في هذه الآية إلى أنه يجازي على كل صدقة وكل التزام لصدقة وبر لأن علمه محيط بكل عمل وكل قصد لنتذكر ذلك فنختار لأنفسنا أفضل ما نحب أن يعلمه عنا فقوله ﴿ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ ﴾ يشتمل قليلها وكثيرها، سرها وعلانيتها، ما كان منها في حق وما كان منها في شر، ما كان عن إخلاص وما كان رياء الناس، وما أتبع منها بالمن والأذى وما لم يتبع بشيء منهما، وقوله ﴿ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ ﴾ يأتي فيه مثل ذلك ويشمل ما كان نذر قربة وتبرر ونذر لجاج وغضب، فالأول ما قصد به التزام الطاعة قربة لله تعالى بلا شرط ولا قيد لئلا يتهاون فيها كأن ينذر نفقة معينة أو صلاة نافلة أو بشرط حصول نعمة أو رفع نقمة كقوله: إن شفى الله فلانًا فعلي أو لله علي أن أتصدق بكذا أو أقف على الجمعية الخيرية كذا، والثاني ما يقصد به حث النفس على شيء أو منعها عنه كقوله إن كلمت فلانًا فعلي كذا: واتفقوا على أنه يجب الوفاء بالأول وفي الثاني أقوال، منها: أنه يجب فيه كفارة يمين بشرطه، ومنها أنه يخير بين الوفاء بما التزمه وبين كفارة يمين.
ولا محل هنا لتفصيل القول فيما ورد وما قيل في النذر، وإنما نقول إنه التزام فعل الشيء بلفظ يدل عليه، كقول الناذر لله علي كذا أو علي كذا أو نذرت لله كذا، وينبغي أن يكون في طاعة، لأنه لا يتقرب إليه تعالى إلا بالطاعة، فإن نذر فعل معصية حرم عليه أن يفعلها، وإن نذر مباحًا فعله، لأن فسخ العزائم من النقص، ولذلك أمر النبي من نذرت أن تضرب بالدف وتغني يوم قدومه بالوفاء، وقد يقال إن هذا مستحب لا مباح.
وقوله تعالى ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾ جواب الشرط أي فإنه تعالى يعلم ما ذكر من النفقة أو النذر ويجازي عليه إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر فالجملة وعد ووعيد وترغيب وترهيب.
ثم أكد ما فيها من الوعيد بقوله ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾ ينصرونهم يوم الجزاء فيدفعون عنهم العذاب بجاههم أو يفتدونهم منه بمالهم كقوله ﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
إن إبداء الفريضة إشهار لشعيرة من شعائر الإسلام لو أخفيت لتوهم منعها، وذلك يؤثر في المتوهم فيسهل عليه المنع، لما للقدوة وحال البيئة من التأثير، ولا محل للرياء في الفرائض والشعائر لأن من شأنها أن تكون عامة ولأن المرائي بها لا يكون مصدقًا بفرضيتها ومن كان كذلك فهو كافر.
<div class="verse-tafsir"
إن الآية السابقة قد أطلقت إيتاء الفقراء وجعلته على عمومه الشامل للمؤمن والكافر وقد أرشد الله المسلمين في هذه الآية إلى عدم التحرج من الإنفاق على المشركين لأنهم غير مهديين، فإن الرحمة بالفقير وسد خلته لا ينبغي أن يتوقف على إيمانه، بل من شأن المؤمن أن يكون خيره عامًا وأن يكون سابقًا لسائر الناس بالكرم والفضل.
﴿ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ ﴾ أي لأن نفعه عائد عليكم في الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى ﴿ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ﴾ قد يكون خبرًا على ظاهره أي لا تنفقون لأجل جاه أو مكانة عند المنفق عليه وإنما تنفقون لوجه الله فلا فرق بين مُعْطَى ومُعْطَى إذا كان الفقير مستحقًا يتقرب بإزالة ضرورته إلى الرازق الرحيم الذي لم يحرم أحدًا من رزقه لاعتقاده.
وفي كون الإنفاق لا يكون إلا لوجه الله إشارة إلى أن الإنفاق على الكافرين إذا كان إعانة لهم على إيذاء المسلمين لا يكون جائزًا، لأنه لا يكون مرضيًا لله تعالى يبتغى به وجهه وأكثر المفسرين على أنه خبر بمعنى النهي، أي لا تنفقوا إلا لوجهه وابتغاء مرضاته .
﴿ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾ أي في الآخرة لا ينقصكم منه شيء.
وعد أولًا بأن خير الإنفاق عائد على المنفقين في الدنيا بقوله ﴿ فَلأَنفُسِكُمْ ﴾ ، ثم وعد بالجزاء عليه في الآخرة موفى تامًا.
وقال ﴿ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ﴾ أي لا تنقصون من الجزاء عليه شيئًا ولو نقيرًا أو فتيلًا.
﴿ لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ الآية...
بعد ما أمر الله تعالى بالإنفاق في سبيله وبإيتاء الفقراء عامة نبه إلى أمرين: أحدهما- عدم التحرج من الصدقة على غير المسلم وهو ما بينته الآية السابقة: وثانيهما- بيان أحق الناس بالصدقة وهم الفقراء الذي ذكرت صفاتهم في هذه الآية وهي خمس صفات من أفضل الصفات وأعلاها.
وقد ورد بأنها نزلت في أهل الصفة وهم أربعمائة أرصدوا أنفسهم لحفظ القرآن والخروج مع السرايا.
أولئك الذين نزلت فيهم الآية كانوا من الذين هاجروا بدينهم وتركوا أموالهم فحيل بينهم وبينها، فهم محصرون في سبيل الله بهذه الهجرة، ومحصرون بحبس أنفسهم على حفظ القرآن، وقد كان حفظه أفضل العبادات على الإطلاق لأنه حفظ للدين كله، وأنتم تعرفون أنهم ما كانوا يحفظونه لأجل تلاوته أمام الجنائز ولا في الأعراس والمآتم ولا لاستجداء الناس به ولا لمجرد التعبد بتلاوة ألفاظه، وإنما كانوا يحفظونه للفهم والاهتداء والعمل به ولحفظ أصل الدين بحفظه.
وكانوا أيضًا يحفظون ما يبينه به النبي من سنته.
ويحتج بأهل الصفة أكلة أموال الناس بالباطل من أهل التكايا الذين ينقطعون إليها تاركين الأعمال النافعة فلا يتعلمون العلم ولا يجاهدون في سبيل الله وليس فيهم صفة من الصفات الخمس التي وصف الله بها أهل الصفة.
وإنما قصارى أمرهم أنهم يأكلون بدينهم، يأكلون الصدقات والأوقاف لأجل أن يعبدوا الله تعالى في هذه المواضع خاصة، فهي لهم كالأديار للنصارى وهم فيها كالرهبان وإن كان بعضهم يتزوج وقد يخرج الذي يتزوج من التكية لأنه قد يكون من شروط المقيم فيها أن لا يتزوج - ومنهم من لا يلتزم الإقامة في التكية وإنما يجمعه بأصحابها اسم الطريقة كأصحاب "السيارات" الذين ينزل شيخ الطريقة منهم بزعنفة من جماعته بلدًا بعد آخر فيكلفون من يستضيفونه الذبائح والطعام الكثير، ثم لا يخرجون إلا مثقلين يسألون فيلحفون، بل يسلبون وينهبون، فإذا منعوا ما أرادوا انتقموا لأنفسهم بكل ما قدروا عليه من أنواع الانتقام.
<div class="verse-tafsir"
يقول كثير من الناس الذين تعلموا وتربوا تربية عصرية وأخذوا الشهادات من المدارس بل ومن هم أكبر من هؤلاء، إن المسلمين منوا بالفقر وذهبت أموالهم إلى أيدي الأجانب وفقدوا الثروة والقوة بسبب تحريم الربا، فإنهم لاحتياجهم للأموال يأخذونها بالربا من الأجانب، ومن كان غنيًا منهم لا يعطي بالربا، فمال الفقير يذهب ومال الغني لا ينمو.
ويجعلون هذه المسألة أهم المسائل الاجتماعية والعمرانية عند المسلمين، يعنون أنه ما جنى على المسلمين إلا دينهم.
وهذه أوهام لم تُقَل عن اختبار، فإن المسلمين في هذه الأيام لا يحكمون الدين في شيء من أعمالهم ومكاسبهم، ولو حكموه في هذه المسألة لما استدانوا بالربا وجعلوا أموالهم غنائم لغيرهم.
فإن سلمنا أنهم تركوا أكل الربا لأجل الدين فهل يقول المشتبهون إنهم تركوا الصناعة والتجارة والزراعة لأجل الدين؟
ألم تسبقنا جميع الأمم إلى اتقان ذلك فلماذا لم نتقن سائر أعمال الكسب لنعوض منها على أنفسنا ما فاتنا من كسب الربا المحرم علينا، وديننا يدعونا إلى أن نسبق الأمم في اتقان كل شيء؟
الحق أن المسلمين في الأغلب قد نبذوا الدين ظهريًا فلم يبق عندهم منه إلا تقاليد وعادات أخذوها بالوراثة عن آبائهم ومعاشريهم، فمن يدعي أن الدين عاتق لهم عن الترقي فقد عكس القضية وأضاف إلى جهالاتهم جهالة شرًا منها، وإنما يجيء هذا من عدم البصيرة والتأمل في حال الأمة من بدايتها إلى ما انتهت إليه، ولو عرفت الأمة نفسها لعرفت ماضيها كما تعرف حاضرها ولكن جهلها بنفسها وعدم قراءة ماضيها هو الذي أوقعها فيما هي فيه من البلاء العظيم، فهي لا تدري من أني أُخِذَت ولا كيف سقطت بعد ما ارتفعت.
إن أثر الربا فينا لا يمكنا أن نزيله بمئات من السنين، ولو أننا حافظنا على أمر الدين فيه لكنا بقينا لأنفسنا.
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ﴾ إلخ مسألة كبيرة اتفقت فيها الأديان ولكن اختلفت فيها الأمم، فاليهود كانوا يرابون مع غيرهم، والنصارى يرابي بعضهم بعضًا ويرابون سائر الناس، وقد كان المسلمون حفظوا أنفسهم من هذه الرذيلة زمنًا طويلًا، ثم قلدوا غيرهم، ومنذ نصف قرن فشت المراباة بينهم في أكثر الأقطار، وكانوا قبل ذلك يأكلون الربا بالحيلة التي يسمونها شرعية، وقد أباحها بعض الفقهاء في استثمار مال اليتيم وطالب العلم المنقطع، ومنها مسألة السبحة المشهورة وهي أن يتفق الدائن مع المدين على أن يعطيه مئة إلى سنة بمئة وعشرة مثلًا فيعطيه المئة نقدًا ويبيعه سبحة بعشرة في الذمة فيشتريها ثم يهديها إليه!
على أن الذين يأكلون الربا من المسلمين لا يزالون قليلين جدًا ولكن الذين يُؤكلونه غيرهم كثيرون جدًا حتى لا تكاد تجد متمولًا في هذه البلاد سالمًا من الاستدانة بالربا إلا قليلًا، والسبب في ذلك تقليد حكامهم في هذه السنة، بل كثيرًا ما كان حكام هذه البلاد يلزمون الرعية بها إلزامًا لأداء ما يفرضونه عليهم من الضرائب والمصادرات، ومن هنا نرى أن الأديان لم يمكنها أن تقاوم ميل جماهير الناس إلى أكل الربا حتى كأنه ضرورة يضطرون إليها.
ومن حجتهم عليها أن البيع مثل الربا فكما يجوز أن يبيع الإنسان السلعة التي ثمنها عشرة دراهم نقدًا بعشرين درهمًا نسيئة يجوز له أن يعطي المحتاج العشرة الدراهم على أن يرد إليه بعد سنة عشرين درهمًا لأن السبب في كل من الزيادتين الأجل.
هكذا يحتج الناس في أنفسهم كما تحتج الحكومات بأنها لو لم تأخذ المال بالربا لاضطرت إلى تعطيل مصالحها أو خراب أرضها.
والله تعالى قد أجاب عن دعوى مماثلة البيع للربا بجواب ليس على طريقة أجوبة الخطباء المؤثرين، ولا على طريقة أقيسة الفلاسفة والمنطقيين، ولكنه على سنة هداية الدين وهو أن الله أحل البيع وحرم الربا.
وقد جعل أكثر المفسرين هذا الجواب من قبيل إبطال القياس بالنص أي إنكم تقيسون في الدين والله تعالى لا يجيز هذا القياس، ولكن المعهود في القرآن مقارعة الحجة بالحجة، وقد كان الناس في زمن التنزيل يفهمون معنى الحجة في رد القرآن لذلك القول إذ لم يكن عندهم من الاصطلاحات الفقهية المسلمة ما هو أصل عندهم في المسائل لا يفهمون الآيات إلا به ولا ينظرون إليها إلا لتحويلها إليه وتطبيقها على آرائهم ومذاهبهم فيه.
والمعنى الصحيح: أن زعمهم مساواة الربا للبيع في مصلحة التعامل بين الناس إنما يصح إذا أبيح للناس أن يكونوا في تعاملهم كالذئاب كل واحد ينتظر الفرصة التي تمكنه من افتراس الآخر وكله، ولكن ههنا إله رحيم يضع لعباده من الأحكام ما يربيهم على التراحم والتعاطف وأن يكون كل منهم عونًا للآخر لا سيما عند شدة الحاجة إليه ولذلك حرم عليهم الربا الذي هو استغلال ضرورة إخوانهم وأحل البيع الذي لا يختص الربح فيه بأكل الغني الواجد مال الفقير الفاقد.
فهذا وجه للتباين بين الربا والبيع يقتضي فساد القياس.
وهناك وجه آخر وهو أن الله تعالى جعل طريق تعامل الناس في معايشتهم أن يكون استفادة كل واحد من الآخر بعمل، ولم يجعل لأحد منهم حقًا على آخر بغير عمل، لأنه باطل لا مقابل له، وبهذه السنة أحل البيع لأن فيه عوضًا يقابل عوضًا وحرم الربا لأنه زيادة لا مقابل لها والمعنى أن قياسكم فاسد لأن في البيع من الفائدة ما يقتضي حله وفي الربا من المفسدة ما يقتضي تحريمه ذلك أن البيع يلاحظ فيه دائمًا انتفاع المشتري بالسلعة انتفاعًا حقيقيًا لأن من يشتري قمحًا مثلًا فإنه يشتريه ليأكله أو ليبذره أو ليبيعه وهو في كل ذلك ينتفع به انتفاعًا حقيقيًا.
وأما الربا وهو عبارة عن إعطاء الدراهم والمثليات وأخذها مضاعفة في وقت آخر فيما يؤخذ منه زيادة عن رأس المال لا مقابل له من عين ولا عمل.
وثم وجه ثالث لتحريم الربا من دون البيع وهو أن النقدين إنما وضعا ليكونا ميزانًا لتقدير قيم الأشياء التي ينتفع بها الناس في معايشهم، فإذا تحول هذا وصار النقد مقصودًا بالاستغلال فإن هذا يؤدي إلى انتزاع الثروة من أيدي أكثر الناس وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استغلال المال بالمال فينمو المال ويربو عندهم ويخزن في الصناديق والبيوت المالية المعروفة بالبنوك ويبخس العاملون قيم أعمالهم لأن الربح يكون معظمه من المال نفسه وبذلك يهلك الفقراء.
ولو وقف الناس في استغلال المال عند حد الضرورة لما كان فيه مثل هذه المضرات، ولكن أهواء الناس ليس لها حد تقف عنده بنفسها.
لذلك حرم الله الربا، وهو لا يشرع للناس الأحكام بحسب أهوائهم وشهواتهم كأصحاب القوانين ولكن بحسب المصلحة الحقيقية العامة الشاملة.
وأما واضعوا القوانين فإنهم يضعون للناس الأحكام بحسب حالهم الحاضرة التي يرونها موافقة لما يسمونه الرأي العام، من غير نظر في عواقبها ولا في أثرها في تربية الفضائل والبعد عن الرذائل.
وإننا نرى البلاد التي أحلت قوانينها الربا قد عفت فيها رسوم الدين وقل فيها التعاطف والتراحم وحلت القسوة محل الرحمة حتى أن الفقير فيها ليموت جوعًا ولا يجد من يجود عليه بما يسد رمقه، فمنيت من جراء ذلك بمصائب أعظمها ما يسمونه المسألة الاجتماعية وهي مسألة تألب الفَعَلَة والعمال على أصحاب الأموال واعتصابهم المرة بعد المرة لترك العمل وتعطيل المعامل والمصانع لأن أصحابها لا يقدرون عملهم قدره بل يعطونهم أقل مما يستحقون، وهم يتوقعون من عاقبة ذلك انقلابًا كبيرًا في العالم، ولذلك قام كثير من فلاسفتهم وعلمائهم يكتبون الرسائل والأسفار في تلافي شر هذه المسألة، وقد صرح كثير منهم بأنه لا علاج لهذا الداء إلا رجوع الناس إلى ما دعاهم إليه الدين.
وقد ألف"تولستوي"الفيلسوف الروسي كتابًا سماه (ما العمل؟) وفيه أمُور يضطرب لفظاعتها القارئ، وقد قال في آخره: إن أوروبا نجحت في تحرير الناس من الرق ولكنها غفلت عن رفع نير الدينار (الجنيه) عن أعناق الناس الذين ربما استعبدهم المال يومًا ما.
وهذه بلادنا قد ضعف فيها التعاطف والتراحم وقل الإسعاد والتعاون منذ فشا فيها الربا، وإنني لأعي وأدرك ما مر بي منذ أربعين سنة.
كنت أرى الرجل يطلب من الآخر قرضًا فيأخذه صاحب المال إلى بيته ويوصد الباب عليه معه ويعطيه ما طلب بعد أن يستوثق منه باليمين أنه لا يحدث الناس بأنه منه لأنه يستحي أن يكون في نظرهم متفضلًا عليه.
رأيت هذا من كثيرين في بلادهم متعددة، ورأيت من وفاء من يقترض أنه يغني المقرض عن المطالبة بله المماحكة.
ثم بعد خمس وعشرين سنة رأيت بعض هؤلاء المحسنين لا يعطي ولده قرضًا طلبه إلا لسند وشهود فسألته أما أنت الذي كنت تعطي الغرباء ما يطلبون والباب مقفل وتقسم عليهم أو تحلفهم أن لا يذكروا ذلك؟!
قال: نعم.
قلت: فما بالك تستوثق من ولدك ولا تأمنه على مالك إلا بسند وشهود وما عملت عليه من سوء؟
قال: لا أعرف سبب ذلك، إلا أنني لا أجد الثقة التي كنت أعرفها في نفسي.
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾ ليس المراد بهذا المحق محق الزيادة في المال، فإن هذا مكابرة للمشاهدة والاختبار، وإنما المراد به ما يلاقي المرابي من عداوة الناس، وما يصاب به في نفسه من الوساوس وغيرها.
أما عداوة الناس فمن حيث هو عدو المحتاجين وبغيض الموزعين، وقد تفضي العداوة والبغضاء إلى مفاسد ومضرات واعتداء على الأموال والأنفس والثمرات، وقد أثر ذلك في الأمم التي نشأ فيها الربا، إذ قام الفقراء يعادون الأغنياء ويتألب العمال عليهم، حتى صارت هذه المسألة أعقد المسائل عندهم.
وأما ما يصاب به في نفسه من الوساوس والأوهام فهو ما لا يعرفه إلا من راقب هؤلاء العابدين للمال وبلا أخبارهم.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي إن كان إيمانكم تامًا شاملًا لجميع ما جاء به محمد من الأحكام فذروا بقايا الربا، وقد عهد في الأسلوب العربي أن يقال: إن كنت متصفًا بهذا الشيء فافعل كذا: ويذكر أمرًا من شأنه أن يكون أثرًا لذلك الوصف.
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ حرب الله لهم غضبه وانتقامه.
ونحن إن لم نر أثر هذا في الماضين فإننا نراه في الحاضرين ممن أصبحوا بعد الغنى يتكففون، ومن باتوا والمسألة الاجتماعية تهددهم بالويل والثبور.
وأما الحرب من رسوله لهم فهي مقاومتهم بالفعل في زمنه، واعتبارهم أعداء له في هذا الزمن الذي لا يخلفه فيه أحد يقيم شرعه.
﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾ : أما حقيقة الرجوع فلا تصح هنا لأننا ما غبنا عن الله طرفة عين ولا يمكن أن نغيب عنه فنرجع إليه، ولكن الإنسان في غفلته وشغله بشؤونه الحيوانية يتوهم أن له استقلالًا تامًا بنفسه، وأن له رؤساء وأمراء يخافهم ويرجوهم، ويرى أنه تعرض له حاجات وضرورات يجب عليه أن يستعد لها بتكثير المال وجمعه من حرام وحلال.
فأمثال هذه الخواطر تكون له شغلًا شاغلًا ربما يستغرق وقته فيصرفه عن التفكير في منافع التسامح في معاملة الناس والتصدق على المحتاج منهم، فكان أنفع دواء لمرض انصرف النفس عن التفكير في سلطان الله وقدرته، والتقرب إليه بما فيه تمام حكمته والتذكير بيوم القيامة الذي تبطل فيه هذه الشواغل، وتتلاشى هذه الصوارف حتى لا يشغل الإنسان فيه شيء ما عن الله تعالى وما أعده من الجزاء للعباد على قدر أعمالهم.
<div class="verse-tafsir"
الكلام في الأموال بدأ بالترغيب في الصدقات والإنفاق في سبيل الله وذلك محض الرحمة، وثنى بالنهي عن الربا الذي هو محض القساوة، ثم جاء بأحكام الدين والتجارة والرهن.
ولما كانت سلطة صاحب الربا قد زالت بتحريمه ولم يبق له إلا رأس المال وقد أمر بإنظار المعسر فيه، وكان لا بد لحفظه من كتابته، إذ ربما يخشى ضياعه بالإنظار إلى الأجل.
جاء بعد أحكام الربا بأحكام الدين ونحوه.
ويقول بعض المفسرين وله الحق إنه تقدم في الآيات طلب الإنفاق والتصدق ثم حكم الربا الذي يناقض الصدقة، ثم جاء هنا بما يحفظ المال الحلال، لأن الذي يؤمر بالإنفاق والصدقة وبترك الربا لا بد له من كسب ينمي ماله ويحفظه من الضياع ليتسنى له القيام بالإنفاق في سبيل الله ولا يضطر بإنفاقه إلى الوقوع فيما حرم الله.
وهذا يدل على أن المال ليس مذمومًا لذاته في دين الله ولا مبغضًا عنده تعالى على الإطلاق، كيف وقد شرع لنا الكسب الحلال وهدانا إلى حفظ المال وعدم تضييعه، وإلى اختيار الطرق النافعة في إنفاقه بأن نستعمل عقولنا في تعرفها ونوجه إرادتنا إلى العمل بخير ما نعرفه منها.
ففي آية الدين بعد ما تقدم احتراس أو استدراك يزيل ما عساه يتوهم من الكلام السابق، وهو أن المبالغة في الترغيب في الإنفاق في سبيل الله والتشديد في تحريم الربا يدلان على أن جمع المال وحفظه مذموم على الإطلاق، كما هو ظاهر نصوص بعض الأديان السابقة.
فكأنه يقول إنا لا نأمركم بإضاعة المال وإهماله، ولا بترك استثماره واستغلاله، إنما نأمركم بأن تكسبوه من طرق الحل، وتنفقوا منه في طرق الخير والبر.
إن قوله تعالى ﴿ فَاكْتُبُوهُ ﴾ أمر عام للمتعاملين وفيهم الأمي الذي لا يكتب ولذلك احتيج إلى هذه الجملة: ﴿ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ﴾ وقد ذكروا أن العدل في الكاتب يستلزم العلم بشروط المعاملات التي تحفظ الحقوق لأن الكاتب الجاهل قد يترك بعض الشروط أو يزيد فيها أو يتهم في الكتابة بجهلة فيلتبس بذلك الحق بالباطل ويضيع حق أحد المتعاملين كما يضيع بتعمد الترك أو الزيادة أو الإبهام إذا لم يكن عادلًا.
إن كاتب العقود والوثائق بمنزلة المحكمة الفاصلة بين الناس، وليس كل من يخط بالقلم أهلًا لذلك، وإنما أهله من يصح أن يكون قاضي العدل والإنصاف.
إن ما ذكر في وصف الكتاب إرشاد من الله تعالى لتلك الأمة الأمية إلى نظام معروف وهو أن يكون كاتب الديون عادلًا عارفًا بالحقوق والأحكام فيها حتى لا يقع التنازع بعد ذلك فيما يكتبه، وإرشاد للمسلمين إلى أنه ينبغي أن يكون فيهم هذا الصنف من الكتاب، فهذه قاعدة شرعية لإيجاد المقتدرين على كتابة العقود، وهو ما يسمونه اليوم العقود الرسمية، ويتحتم ذلك على القول بأن الكتابة واجبة.
وفيه أيضًا أن الكاتب ينبغي أن يكون غير المتعاقدين وإن كانا يحسنان الكتابة لئلا يغالط أحدهما الآخر أو يغشه وكأن هذا أمر حتم وعليه العمل الآن فإن للعقود الرسمية كُتّابًا يختصون بها.
﴿ فَلْيَكْتُبْ ﴾ : تأكيد لأن الموضوع غريب في نظر الأميين الذين خوطبوا به أولًا.
﴿ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ﴾ ذكر الذي عليه الحق مظهرًا في موضع الإضمار لزيادة الكشف والبيان، كما قالوا، أما السفيه فهو ضعيف الرأي أي من لا يحسن التصرف في المال لضعف عقله.
﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ﴾ قال بعضهم معناه أن تضل إحدى الشهادتين عن إحدى المرأتين فتذكّرها بها المرأة الأخرى فجعل إحدى الأولى للشهادة والثانية للمرأة وأيده الطبرسي بأن نسيان الشهادة لا يسمى ضلالًا لأن الضلال معناه الضياع والمرأة لا تضيع، واستدل على التفرقة بين الضلال والنسيان بقوله تعالى ﴿ ضَلُّوا عَنَّا ﴾ ومثله ﴿ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى ﴾ .
تكلم المفسرون في هذا وجعلوا سببه المزاج فقالوا إن مزاج المرأة يعتريه البرد فيتبعه النسيان، وهذا غير متحقق، والسبب الصحيح أن المرأة ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات، فلذلك تكون ذاكرتها فيها ضعيفة، ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها فإنها أقوى ذاكرة من الرجل، يعني أن من طبع البشر ذكرانًا وإناثًا أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويكثر اشتغالهم بها.
ولا ينافي ذلك اشتغال بعض نساء الأجانب في هذا العصر بالأعمال المالية فإنه قليل لا يعول عليه والأحكام العامة إنما تناط بالأكثر في الأشياء وبالأصل فيها.
إن الله تعالى جعل شهادة المرأتين شهادة واحدة فإذا تركت إحداهما شيئًا من الشهادة كأن نسيته أو ضل عنها تذكرها الأخرى وتتم شهادتها، وللقاضي بل عليه أن يسأل إحداهما بحضور الأخرى، ويعتد بجزء الشهادة من إحداهما وبباقيها من الأخرى.
هذا هو الواجب وإن كان القضاة لا يعملون به جهلًا منهم.
وأما الرجال فلا يجوز له أن يعاملهم بذلك بل عليه أن يفرق بينهم، فإن قصر أحد الشاهدين أو نسي فليس للآخر أن يذكره وإذا ترك شيئًا تكون الشهادة باطلة، يعني إذا ترك شيئًا مما يبين الحق فكانت شهادته وحده غير كافية لبيانه فإنها لا يعتد بها ولا بشهادة الآخر وحدها وإن بينت.
﴿ وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾ إلى تحمل الشهادة، أو إلى أداء الشهادة، وقال بعضهم بالإطلاق الشامل للتحمل والأداء، وهو رأي الجمهور، وأختاره.
﴿ وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ﴾ : وهذا دليل على أن الكتابة يعمل بها، وأنها من الأدلة التي تعتبر عند استيفاء شرطها.
﴿ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ ﴾ الخطاب للمؤمنين، والإشارة للكتاب، أي الكتابة، لأنه الأقرب في الذكر وهو رأي الجمهور.
ويعد من دلائل العمل بالكتابة.
وفيه أيضًا الدليل على أن للشاهد أن يطلب وثيقة العقد المكتوب ليتذكر ما كان على وجهه.
وقوله ﴿ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا ﴾ هذه مزية ثالثة للكاتبة تؤكد القول بالأخذ بها، والاعتماد عليها، وجعلها مذكرة للشهود، والاحتجاج بها إذا استوفيت شروطها.
﴿ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا ﴾ أي إلا أن تكون المعاملة تجارة حاضرة أو إلا أن توجد تجارة حاضرة تدار بين المتعاملين بالتعاطي بأن يأخذ المشتري المبيع والبائع الثمن فلا حرج من ترك كتابتها ولا إثم، إذ لا يترتب عليه شيء من الارتياب الذي يجر إلى التنازع والتخاصم وما رواء ذلك من المفاسد.
﴿ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ : معناه هذا التبايع المذكور هنا وهو التجارة الحاضرة، لأن البيع بالكالئ يستلزم الدين وهو الذي أمر بكتابته والاستشهاد عليه، والإشهاد لازم لما يحصل من المجاحدين في بعض العقود الحاضرة بعد العقد من التنازع والخلاف.
وكأنه يعني أن من شأن هذه المجاحدة أن تحصل عن قريب ولذلك اكتفي بالإشهاد لتلافي ما عساه يقع منها، وأما الديون المؤجلة فربما يقع التنازع فيما بعد موت الشهود لأنها مما يطول زمنها لا سيما إذا كان الأجل بعيدًا فلهذا وجبت كتابتها وشرع الاحتجاج عليها بالكتابة.
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ اشتهر على ألسنة المدعين للتصوف في معنى هاتين الجملتين ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ ﴾ أن التقوى تكون سببًا للعلم، وبنوا على ذلك أن سلوك طريقتهم وما يأتونه فيها من الرياضة وتلاوة الأوراد والأحزاب تثمر لهم العلوم الإلهية وعلم النفس وغير ذلك من العلوم بدون تعلم.
وهذا الزعم فتح للجاهلين الذين يلبسون لباس الصلاح دعوى العلم بالله وفهم القرآن والحديث ومعرفة أسرار الشريعة من غير أن يكونوا قد تعلموا من ذلك شيئًا، والعامة تسلم لهم بهذه الدعوى وتصدق قولهم أن الله هو الذي تولى تعليمهم ويسمون علمهم هذا"بالعلم اللدني".
ويرد استدلالهم بالآية على ذلك من وجهين: أحدهما:أنه لا يرضى به سيبوبه، وله الحق في ذلك، لأن عطف ﴿ يُعَلِّمُكُمْ ﴾ على ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ينافي أن يكون جزاء له ومرتبًا عليه، لأن العطف يقتضي المغايرة ولو قال ﴿ يُعَلِّمُكُمْ ﴾ بالجزم لكان مفيدًا لما قالوه، وكذلك لو كان العطف بالفاء أو اتصل بالفعل لام التعليل.
الثاني: إن قولهم هذا عبارة عن جعل المسبب سببًا والفرع أصلًا والنتيجة مقدمة، فإن المعروف المعقول أن العلم هو الذي يثمر التقوى، فلا تقوى بلا علم، فالعلم هو الأصل الأول، وعليه المعول.
فللعلم تأثير في الإدارة بتوجيهها إلى العمل الصالح وصرفها عن العمل القبيح -وتلك هي التقوى- ونحن لا ننكر العلم الذي يسمونه لدنيا، وإنما ننكر أن يكون غاية لذلك الطريق الجائر الذي يشترط فيه الجهل، ونقول: إن العلم بالله تعالى والعلم بالشرع والعمل به، مع الإخلاص، قد يصرف العالم العامل المخلص إلى الله تعالى حتى يكون كالمنفصل بقلبه وروحه عن العالم الطبيعي، وقد يحصل له عند ذلك إشراف على ما لا يشرف عليه غيره من أسرار الحكمة الإلهية والتحقق ببعض المعارف الغيبية فيعلم مما قصه الله علينا من خبر الآخرة والملائكة ما لا يعلمه كل ناظر في معاني الألفاظ والأساليب في الكتاب.
وأين هذا مما يدعيه أعوان الجهل وأعداء العلم.
ذهب الجمهور إلى الأمر بكتابة الدين للندب واستدلوا بثلاثة أمور: أحدهما: قوله تعالى ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ﴾ فإنه أجاز ذلك بإقرارهم عليه وهو يستلزم عدم الكتابة والاستشهاد.
الثاني:كون المسلمين لم يلتزموا الكتابة والاستشهاد في العصر الأول ولا فيما بعده، بل كانوا يأتونه تارة ويتركونه تارة، ولو فهموا أنه واجب لالتزموه.
الثالث:أن في الكتابة حرجًا وهو منفي بالنص.
وذهب أقوام إلى أن الأمر للوجوب، وبه قال عطاء والشعبي وابن جرير في تفسيره، وهو الأصل في الأمر عند الجمهور، وقد تتابعت الأوامر في الآية وتأكدت حتى في حال السفه والضعف والعجز فقد أمر ولي من عليه الحق من هؤلاء بأن يملي عنه للكاتب ولم يعفهم من الكتابة، ومثل هذا التأكيد لا يكون في غير الواجب، ويؤيده التعليل بكون ذلك أقسط عند الله إلخ.
قالوا أما قوله تعالى ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾ إلخ فهو محمول على حال الضرورة كالأوقات التي لا يوجد فيها كاتب ولا شهود، فإذا احتاج امرؤا إلى الاقتراض من أخيه في مثل هذه الحال فإن الله تعالى لا يحرم عليه قضاء حاجته وسد خلته إذا هو ائتمنه.
قالوا وأما دعوى تعامل أهل الصدر الأول وغيرهم من المسلمين بغير كتابة ولا إشهاد فهي على إطلاقها باطلة، فإنه لم يؤثر عن الصحابة الذين يحتج بمعاملاتهم ولا عن التابعين شيء صحيح يؤيد هذه الدعوى، وإنما اغتر هؤلاء القائلون من الفقهاء بعدم وجوب الكتاب والإشهاد بمعاملات أهل عصرهم فجعلوا ذلك عامًا ولم يرووا عن الصحابة فيه شيئًا صحيحًا واقعًا بالفعل.
وأما قولهم أن في ذلك ضيقًا وحرجًا فجوابه أن هذا الضيق والحرج في بادي الرأي هو عين السهولة والسعة واليسر في حقيقة الأمر.
إن التعامل الذي لا يكتب ولا يستشهد عليه يترتب عليه مفاسد كثيرة منها ما يكون عن عمد إذا كان أحد المتداينين ضعيف الأمانة فيدعي بعد طول الزمن خلاف الواقع، ومنها ما يكون عن خطأ ونسيان، فإذا ارتاب المتعاملان واختلفنا ولا شيء يرجع إليه في إزالة الريبة ورفع الخلاف من كتابة أو شهود أساء كل منها الظن بالآخر ولم يسهل عليه الرجوع عن اعتقاده إلى قول خصمه فلج في خصامه وعدائه وكان وراء ذلك من شرور المنازعات ما يرهقهما عسرًا ويرميهما بأشد الحرج، وربما ارتكبا في ذلك محارم كثيرة.
كيف يكون هذا حرجًا وهو مما لا يقع إلا قليلًا لبعض المكلفين ولا يكون الوضوء حرجًا وهو مما يجب على كل مكلف كل يوم يصلي فيه خمس مرات، فما كل ما يتكرر يكون حرجًا.
هبوا أن هذه الأوامر المؤكدة للندب فهل ينبغي أن يترك المسلمون جملة ما ندب إليه كتاب الله بحجة أن فيه حرجًا أو بغير ذلك من الحجج حتى صار من تراه من المسلمين يعنى بكتابة ديونه فإنما يفعل ذلك لضعف ثقته بمدينة، لا عملًا بهداية دينه، ألا إن الحرج في هذا كالحرج في تحريم جميع أنواع الشرك والمعاصي، فكما لا يجوز أن تكون مشركًا بنوع ما من أنواع الشرك، لا يجوز أن تفرط في شيء من الحق الذي لا مراء فيه أنه لا شيء من الحرج في الكتابة، فإن البلد قد يكفيه كاتب واحد للديون المؤجلة، وقد رخص الله لنا في ترك كتابة التجارة الحاضرة.
والحاصل أن ظاهر الآية وأسلوبها وطريقة تأديتها تدل على أن الأمر فيها للوجوب، وإن كان الجمهور على خلافه.
وقد اختلف الفقهاء بعد هذا في العمل بالخط، ونحمد الله أن كان المفتى به هو العمل بالخط، إذ لو كان المفتى هو خلاف ما أمر به القرآن لكان المصاب عظيمًا واستدل القائلون بعدم العمل بالخط بأنه يحتمل فيه التزوير وزعموا أن فائدة الكتابة التذكار فقط كما أن الأمر بالإشهاد لأجل التذكار، ومنشأ الشبهة في هذا قوله تعالى في المرأتين ﴿ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ﴾ والصواب أن كلا من الكتابة والاستشهاد قد شرع للاستيثاق بين الدائن والمدين لا لأجل التذكر بعد النسيان، والكتابة أقوى من الشهادة فيه، وهي عون للشهادة، وهي عون للشهادة، فهي آلة الاستيثاق للمتعاملين، فالدائن يستوثق بما له فيأمن من إنكاره كله أو بعضه، والمدين يستوثق بما عليه فلا يخاف أن يزاد فيه، والشاهد يستوثق بشهادته فإذا شك أو نسي رجع إلى الكتاب فتذكر واطمأن قلبه، ولذلك قال تعالى ﴿ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا ﴾ ونفع الكتابة الأكبر يكون بعد الموت الشهيدين أو أحدهما فلا يصح في هذه الحال أن تضيع الحقوق ولا حافظ لها حينئذ إلا الكتابة يرجع إليها فيعمل بها.
واحتجاجهم على أن الشهادة هي الأصل في إثبات الحقوق وأن الكتابة ليست إلا مذكرة بها بأن الخط يتحمل فيه التزوير منقوض بأن احتمال وقوع التزوير في الشهادة أشد بل حصوله فيها بالفعل أكثر حتى أن النسبة بينهما تكاد تكون كنسبة الخمسة إلى الألف.
ثم إن في الشهادة احتمالات أخرى تسقطها عن مرتبة الكتابة كالنسيان والذهول.
ومن محاسن الأجوبة في هذا المقام ما وقع لأحد القضاة في الوجه القبلي إذ جاءه مدع يطالب آخر بدين له كتب في صك وختم بخاتم المدعي عليه فقال القاضي للمدعي عليه: إن هذا الصك لا يعمل به لأن الختم ليس بينة فلا بد من الشهود.
قال المدعي: من قال بهذا؟
قال القاضي الإمام أبو حنيفة.
قال المدعي: هل عندك شهود سمعت منهم ذلك؟
فبهت القاضي!
فالأشياء البديهية يلهم حكمها كل الناس.
<div class="verse-tafsir"
الآية متصلة بقوله تعالى ﴿ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ ويصح أن تكون متممة لها لأن مقتضى كونه عليمًا بكل شيء أن له كل شيء فهذا كالدليل على كونه عالمًا بكل شيء أي أنه عليم به لأنه له وهو خالقه فهو كقوله ﴿ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ وبهذا الاستدلال يتقرر النهي عن كتم الشهادة وكونه إثمًا يعاقب عليه، وأكده بقوله ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾ لدخول كتمان الشهادة في عموم ما في النفس.
ويصح أن تكون الآية متصلة بآية الدين من أولها لأنه شرع لنا أحكامًا تتعلق بالدين كالكتابة والشهادة فكأنه يقول: إن تساهلتم في هذه الأحكام وأضعتم الحقوق فتظاهرتم بالأمانة مع انطواء النفس على الخيانة وغالطتم الناس وأكلتم أموالهم بذلك أو أضعتموها بكتمان الشهادة ونحو ذلك فإن الله يحاسبكم ويعاقبكم على ذلك لأن ما في السموات وما في الأرض ومنها أنتم وأعمالكم النفسية أو البدنية.
والمراد بقوله ﴿ مَا فِي أَنفُسِكُمْ ﴾ الأشياء الثابتة في أنفسكم وتصدر عنها أعمالكم كالحقد والحسد وألفة المنكرات التي يترتب عليها ترك النهي عن المنكر، فإن السكوت عن النهي أمر كبير يحل الله عقوبته في الأمة بسببه، وليس هو مجرد اتفاق السكوت وإنما هو باعتبار سببه في النفس وهو ألفة المنكر والأنس به.
وللإنسان عمل اختياري في نفسه هو الذي يحاسب عليه.
نعم إن الخواطر والهواجس قد تأتي بغير إرادة الإنسان ولا يكون له فيها تعمل ولكنه إذا مضى معها واسترسل تحسب عليه عملًا يجازى عليه لأنه سايرها مختارًا وكان يقدر على مطاردتها وجهادتها، وسواء كانت هذه الخواطر والهواجس صادرة عن مَلَكة في النفس تثيرها أو عن شيء لا يدخل في حيز الملكة.
مثال ذلك الحسود تبعث ملكة الحسد في نفسه خواطر الانتقام من المحسود والسعي في إزالة نعمته لتمكنها في نفسه وامتلاكها لمنازع فكره، وهذه الخواطر مما يحاسب عليها، أبداها أو أخفاها، إلا أن يجاهدها ويدافعها، فذلك ما يكلفه.
ومثال الثاني المظلوم يذكر ظالمه فيشتغل فكره في دفع ظلمه والهرب من أذاه وربما استرسل مع خواطره إلى أن تجره إلى تدبير الحيل للإيقاع به ومقابلة ظلمه بما هو شر منه فيكون مؤاخذًا عليها، أبداها أو أخفاها.
وقد قال تعالى ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ وذلك أن فظاعة المنكر زالت من نفوسهم بالأنس بها من أول الأمر.
وهكذا يقال في كل أعمال القلب التي أمرنا الشرع بمجاهدتها، ولا يدخل في هذا ما يمر في النفس من الخواطر والوساوس، كما قيل، وبنوا عليه أن الصحابة شق عليهم العمل بالآية وشكوا للنبي الوسوسة فنزلت الآية التي بعدها دفعًا للحرج.
ولفظ الآية يدفع هذا لأنها نص فيما هو ثابت في النفس منها كالأخلاق والملكات والعزائم القوية التي يترتب عليها العمل بأثرها فيها إذا انتفت الموانع وتركت المجاهدة وكذلك يدفعه ما كان عليه الصحابة الكرام من علو الهمة والأخذ بالعزائم وهم الذين كانوا يفهمون القرآن حق الفهم ويتأدبون به ويقيمونه كما يجب، وما أبعدهم عن الاسترسال مع الوساوس والأوهام.
﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ شأن الله تعالى في المحاسبة أن يذكر الإنسان أو يسأله لم فعلت؟
فبعد أن يرى العبد أعماله الظاهرة والباطنة يغفر أو يعذب، فمن الناس من لم تصل أعماله المنكرة إلى أن تكون ملكات له فالله سبحانه يغفرها له ومنهم من تكون ملكات له فهو يعاقبه عليها، وهو يفعل ما يشاء ويختار.
وقد يظن من لا يؤمن بالكتاب كله أن في هذا سبيلًا للمروق من التكليف لأن أمر المغفرة والتعذيب موكول للمشيئة والرجاء فيه أكبر، وهذا ضلال عن فهم الكتاب بالمرة، فالآية إنذار وتخويف ليس فيها موضع للقطع بمغفرة ذنب ما وإن كان صغيرًا.
وقد قرر ما ذكر من تعليق الأمر بالمشيئة واحتج عليه بقوله: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أي فهو بقدرته ينفذ ما تعلقت به مشيئته فنسأله العناية والتوفيق لأقوم طريق.
قيل: إن الآيتين متعلقتان بما قبلهما لما فيه من ذكر كمال الألوهية الذي يقابله من كمال الإيمان والدعاء ما يناسبه، أو لما فيه من ذكر الحساب والعلم بالخفايا المقتضي للإيمان والدعاء.
وقيل: إنه لما افتتحت هذه السورة ببيان كون القرآن لا ريب فيه وكونه هدى للمتقين، وذكر صفات هؤلاء المتقين وأصول الإيمان التي أخذوا بها، وخبر سائر الناس من الكافرين والمرتابين، ثم ذكر فيها كثيرًا من الأحكام ومحاجة من لم يهتد به من بعض الأمم، ناسب بعد هذا كله ختم السورة بالشهادة للمؤمنين مع النبي بالإيمان وهم المهتدون تمام الاهتداء، ولقنهم من الدعاء ما ستعلم حكمته.
وهذا الوجه هو الذي أختاره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ : أي كل منهم آمن بوجود الله ووحدانيته وتنزيهه وكمال صفاته وحكمته وسنته في خلقه، وبوجود الملائكة الذين هم السفراء بين الله وبين الرسل ينزلون بالوحي على قلوب الأنبياء.
والمراد بالإيمان بالكتب والرسل جنسها أي يؤمنون بذلك إيمانًا إجماليًا فيما أجمله القرآن وتفصيليًا فيما فصله لا يزيدون على ذلك شيئًا.
﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ : المعنى أن من شأن المؤمنين أن يقولوا هذا معتقدين أنهم في الرسالة والتشريع سواء، كثر قوم الرسول منهم أم قلوا وكثرت الأحكام المنزلة عليه أم قلت وتقدمت البعثة أم تأخرت، وهذا لا ينافي قوله تعالى ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ فإن التفضيل ليس في أصل الرسالة والوحي كما تقدم في تفسير الآية.
﴿ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ : وقد بينا لكم مرارًا أن فرقًا بين إيمان الإذعان وبين ما يسميه الإنسان إيمانًا واعتقادًا لأنه نشأ عليه وقلبه بالتقليد ولم يسمع له ناقضًا، فمثل هذا ليس اعتقادًا حقيقيًا وقلما ينشأ عنه عمل لأنه تقليد بقاؤه في الغفلة عن ناقضة.
والإذعان ينبه النفس دائمًا إلى ما تذعن له، ويبعثها دائمًا إلى العمل به إلا إذا عرض ما لا يسلم منه المرء من الموانع، ولهذا عطف أعطنا على سمعنا.
ولما كان العامل المذعن المخلص يراقق قلبه ويحاسب نفسه على التقصير الذي تأتي به العوارض الطارئة ويلومها على ما دون الكمال من الأعمال كان من شأن المؤمنين أن يقولوا مع السمع والطاعة.
﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ أي يسألونه تعالى أن يغفر لهم ما عساه يطرأ على أنفسهم فيعوقها عن الرقي في معارج الكمال الذي دعاها إليه الإيمان والغفران كالمغفرة: الستر، وستر الذنب يكون بعدم الفضيحة عليه في الدنيا وترك الجزاء عليه في الآخرة، وإنما يطلب هذا بالتوبة وإتباع السيئة الحسنة مع الدعاء الذي يزيد في الإيمان، وبذلك يمحي أثر الذنوب من النفس في الدنيا فيرجى أن تصير إليه تعالى في الآخرة نقية زكية، لأن هذا المصير إليه وحده هو الذي وراءه الجزاء بحسب درجات النفوس في معارج الكمال.
﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ ولا يحاسبها إلا على ما كلفها، والتكليف: هو الإلزام بما فيه كلفة، والوسع: ما تسعه قدرة الإنسان من غير حرج ولا عسر، وقال بعضهم: هو ما يسهل عليه من الأمور المقدور عليها، وهو ما دون مدى طاقته، والمعنى أن شأنه تعالى وسنته في شرع الدين ألا يكلف عباده ما لا يطيقون.
قال المفسرون: إن الآية تدل على عدم وقوع تكليف ما لا يطاق، لا على عدم جوازه، ولكن هذا لا يلتئم مع قولهم إن الكلام في شأنه وسنته تعالى في التكليف.
وسيأتي تتمة هذا البحث قريبًا.
وإذا كان هذا التكليف لم يقع، كما قالوا، امتنع أن تكون الآية ناسخة لما قبلها، لأنه لا يتضمن تكليف ما ليس في الوسع، كما تقدم، ولا لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ كما قيل.
وفي الجملة وجهان، قيل: هي ابتداء خبر من الله تعالى كأنه بشارة بغفران ما طلبوا غفرانه من التقصير وتيسير ما قد يشتم من الآية السابقة من التعسير، وقيل: إنها داخلة في قوله المؤمنين، فهم بعد السؤال الغفران قد أذنوا بأن يصغوا لله تعالى بهذا النوع من الرأفة بعباده، والحكمة في سياستهم.
﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ قيل إن الكسب والاكتساب واحد في اللغة نقل عن الواحدي، وقيل إن الاكتساب أخص واختلفوا في توجيهه.
وما قاله الزمخشري هو الصواب وهو أن الفرق بينهما كالفرق بين عمل واعتمل فكل من عمل واكتسب يفيد الاختراع والتكليف، فالآية تشير أو تدل على أن فطرة الإنسان مجبولة على الخير وأنه يتعود الشر بالتأسي، والمعنى أن لها ثواب ما كسبت من الخير وعليها عقاب ما اكتسبت من الشر.
لا شك أن الميل إلى الخير مما أودع في طبع الإنسان، والخير كل ما فيه نفع نفسك ونفع الناس، وجماع ذلك كله أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك كما ورد في الحديث والإنسان يفعل الخير بطبعه، وتكون فيه لذته، ويميل إلى عبادة الله تعالى، لأن شكر المنعم مغروس في الطبع ويظهر أثره في كل إنسان وأقله البشاشة والارتياح للمنعم، ولا يحتاج الإنسان إلى تكلف في فعل الخير لأنه يعلم أن كل أحد يرتاح إليه ويراه بعين الرضى.
وأما الشر فإنه يعرض للنفس بأسباب ليست من طبيعتها ولا مقتضى فطرتها، ومهما كان الإنسان شريرًا فإنه لا يخفى عليه أن الشر ممقوت في نظر الناس وصاحبه مهين عندهم، فإن الطفل ينشأ على الصدق حتى يسمع الكذب من الناس وإذا رأى إعجاب الناس بكلام من يصف شيئًا يزيد فيه ويبالغ كاذبًا استحب الكذب وافتراه لينال الحظوة عند الناس ويحظى بإعجابهم، وهو مع ذلك لا ينفك يشعر بقبحه حتى إذا نبز أمامه أحد بقلب الكاذب أو الكذاب أحس بمهانة نفسه وخزيها.
وهكذا شأن الإنسان عند اقتراف كل شر يشعر في نفسه بقبحه ويجد من أعماق سريرته هاتفًا يقول له: لا تفعل، ويحاسبه بعد الفعل ويوبخه إلا في النادر ومن النادر أن يصير الإنسان شرًا محضًا.
إنه لا يوجد في المليون من الناس شرير واحد يفعل الشر وهو لا يشعر بأنه شر قبيح في نفسه، والذين ذهبوا إلى أن الإنسان شرير بالطبع أرادوا من الطبع ما يرون عليه غالب الناس، ولم يلاحظوا فيه معنى الغريزة ومناشئ العمل في الفطرة.
ذلك أن الإنسان ينشأ بين منازعات الكون وفواعل الطبيعة وأحيائها ومغالبة أبناء جنسه على المنافع والمرافق، وقد يدفعه هذا الجهاد إلى الأثرة وتوفير الخير لنفسه خاصة ويلجئه الظلم إلى الظلم فيأتيه متعلمًا إياه تعلمًا متكلفًا له تكلفًا وفي نفسه ذلك الهاتف الفطري يقول له لا تفعل، وهو النبراس الالهي الذي لا ينطفئ.
فإذا رجع الإنسان إلى أصل فطرته لا يرى إلا الخير ولا يميل إلا إليه، وإذا تأمل في الشر الذي يعرض له لم يَخْف عليه أنه ليس من أصل الفطرة وإنما هو من الطوارئ التي تعرض لها، لا سيما من ينشأ من قوم فسدت فطرتهم، وأشد ما يضر الإنسان في ذلك نظره إلى حال غيره، ولذلك أمرنا في الحديث أن ننظر في شؤون الدنيا إلى من دوننا، وهذا الأمر خاص بالأفراد بعضهم مع بعض، فإن نظر الواحد إلى من دونه يجعله راضيًا بما أوتيه من النعم بعيدًا عن الحسد الذي هو منبع الشرور، وأما الأمم فينبغي أن تنظر في حال من فوقها منها لأجل مباراتها ومساماتها.
﴿ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ : ومن الناس من قال إن الخطأ والنسيان لا مؤاخذة عليهما لأن الناسي والمخطئ لا إرادة لهما فيما فعلاه نسيانًا أو خطأ، ومثل هذا الكلام يوجد في كتب الأصول والكلام، ويتبعه من المناقشات ما يبعد به عن حدود الأفهام، وإذا رجع الإنسان إلى نفسه وتأمل الأمر في ذاته علم أن الناسي يصح أن يؤاخذ فيقال له لم نسيت؟
فإن النسيان قد يكون من عدم العناية بالشيء وترك إجالة الفكر فيه وترديده في النفس ليستقر في الذاكرة فتبرزه عند الحاجة إليه، ولذلك ينسى الإنسان ما لا يهمه ويحفظ ما يهمه، فإذا كان النسيان غير اختياري فسببه الذي بيناه آنفًا اختياري، ولذلك يؤاخذ الناس بعضهم بالنسيان، لا سيما نسيان الأدنى لما يأمره به الأعلى، فإذا عهدت إلى من لك سلطان أو فضل بأن يفعل كذا أو يجيئك في يوم كذا فنسي ولم يمتثل فإنك تسأله وتؤاخذه بما ترميه به من الإهمال وعدم العناية بأمرك.
﴿ رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ : مسألة تكليف ما لا يطاق من الكلام الذي نعوذ بالله منه، والخلاف فيها لا يترتب عليه أثر ما في الشريعة، وأصل المسألة هل يجوز على الله عقلًا أن يكلف الناس ما لا يطيقون أم لا؟
والمتقدمون على أن ذلك لم يقع.
وما لا يطاق هو ما لا يدخل في مكنة الإنسان وطوقه، وما يطاق هو ما يمكن أن يأتيه ولو مع المشقة.
وقد جعلوا ما لا يطاق بمعنى المتعذر الذي يعلو القدرة كالذي يستحيل فعله عقلًا أو عادة، والواجب علينا أن نفهم القرآن بلغته التي أنزل بها لا بعرف أفلاطون وفلسفة أرسطو وقد رأينا العرب تعبر بما لا يطاق عما فيه مشقة شديدة كقول الشاعر: وليس يبين فضل المرء إلا إذا كلفته ما لا يطيق ﴿ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ : فسر (الجلال) النصر بالغلبة بالحجة وبالسيفوهو تفسير حسن والنصر بالحجة هو أعلى النصر وأفضله لأنه نصر على الروح والعقل والنصر بالسيف إنما هو نصر على الجسد.
إن الله تعالى ما علمنا هذا الدعاء لأجل أن نلوكه بألسنتنا ونحرك به شفاهنا فقط كما يفعل أهل الأوراد والأحزاب بل علمنا إياه لأجل أن ندعوه به مخلصين له لاجئين إليه بعد أخذ ما أنزله بقوة، والعمل به على قدر الطاقة، واستعمال ما يصل إليه كسبنا من الوسائل والذرائع التي هي وسائل الاستجابة في الحقيقة، فمن دعاه بلسان مقاله ولسان حاله معًا فإنه يستجيب له بلا شك، ومن لم يعرف من الدعاء إلا حركة اللسان مع مخالفة الأحكام وتنكب السنن فهو بدعائه كالساخر من ربه الذي لا يستحق إلا مقته وخذلانه.
(تم الجزء الرابع، ويليه الجزء الخامس وفيه تتمة تفسير الأستاذ الإمام لتفسير ما فسر من القرآن الكريم).