تفسير سورة البقرة الآية ١٨٧ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآية ١٨٧

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌۭ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌۭ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٔـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَـٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ١٨٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 10 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

بعد هذا عاد إلى سرد بقية أحكام الصيام فقال ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ  ﴾ .

روي في سبب نزول هذه الآية أن الصحابة كانوا إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويتغشون النساء إلى وقت النوم فإذا نام أحدهم ثم استيقظ من الليل صام ولو كان في أول الليل، وروي أن أهل الكتاب كانوا يصومون كذلك، وأن الصحابة فهموا من قوله تعالى ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ  ﴾ أن التشبيه يتناول كيفية الصوم فوقع لبعضهم أن وقع على امرأته في الليل بعد النوم فشكا ذلك للنبي  ولبعضهم أن نام قبل أن يفطر ثم استيقظ فواصل الصوم إلى اليوم الثاني وكان عاملًا فأضواه الجوع حتى غشي عليه فذكر خبره للنبي  فنزلت، قال بعض المفسرين هذه الآية ناسخة لقوله ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ  ﴾ ، وقال بعضهم لا نسخ هنا فإن التشبيه ليس من كل وجه وإنما هو في الفرضية لا في الكيفية، وهذه الآية متصلة بما قبلها متممة لأحكام الصوم مبينة لما امتاز به صومنا من الرخصة التي لم تكن لمن قبلنا، وإذا صح ما ورد في سبب النزول فهو يدل على أنه عندما فرض الصيام كان كل إنسان يذهب في فهمه مذهبًا كما يؤديه إليه اجتهاده ويراه أحوط وأقرب إلى التقوى، ولذلك قالوا فيما رووه من إتيان عمر أهله بعد النوم إن النبي  قال له:"لم تكن حقيقًا بذلك يا عمر".

وقوله ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ  ﴾ لا يقتضي أنه كان محرمًا بل يكفي فيه أن يتوهم أن من كمال الصيام أو من شروطه عدم الأكل بعد النوم وعدم مقاربة النساء بعده أو مطلقًا.

وهو كقوله تعالى ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ  ﴾ ولم يكن قد سبق نصه في تحريمه.

﴿ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ  ﴾ ..

وقال الزهري: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة.

وقد علمنا القرآن النزاهة في التعبير عن هذا الأمر عند الحاجة إلى الكلام فيه بما ذكره من الكنايات اللطيفة، كقوله: ﴿ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ  ﴾ ، ﴿ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ  ﴾ ، ﴿ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ  ﴾ ، ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ  ﴾ .

وقال المفسرون: قد ذكر هنا اللفظ الصريح، والسبب في ذلك استهجان ما وقع منهم.

والصواب أنه جيء باللفظ على خلاف ما جرت عليه سنة الكتاب للإشارة إلى استهجانه في شهر الصوم وإن حل فهو من الحلال المكروه على الجملة.

وقوله ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ  ﴾ ، قول مستأنف سيق لبيان سبب الحكم، أي إذا كان بينكم وبينهن هذه الملابسة والمخالطة فإن اجتنابهن عسر عليكم، فلهذا رخص لكم في مباشرتهن ليلة الصيام.

قاله صاحب الكشاف، فهو يرى أن لفظ لباس هنا مصدر لابسه بمعنى خالطه وعرف دخائله، لا بمعنى ما ورد من إطلاق اللباس والإزرار على المرأة، وهذا هو الرأي الذي أختار.

ثم قال ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ أي تنقصونها بعض ما أحل الله لها من اللذات توهمًا أن من قَبْلكم كان كذلك، فيكون بمعنى التخون أي النقص من الشيء أو معناه تخونون أنفسكم إذ تعتقدون شيئًا ثم لا تلتزمون العمل به، فهو مبالغة من الخيانة، التي هي مخالفة مقتضي الأمانة ولم يقل تختانون الله كما قال ﴿ لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ  ﴾ للإشعار بأن الله تعالى لم يحرم عليهم بعد النوم في الليل ما حرمه على الصائم في النهار، وإنما ذهب بهم اجتهادهم إلى ذلك فهم قد خانوا أنفسهم في اعتقادهم فكانوا كمن يتغشى امرأته ظانًا أنها أجنبية، فعصيانه بحسب اعتقاده لا بحسب الواقع، فهم على أي حال كانوا عاصين بما فعلوا محتاجين إلى التوبة والعفو ولذلك قال ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ  ﴾ فإن كان ذنبهم تحريم ما أباح الله لهم في ليالي الصوم أو التورع عنه ليوافق صيامهم صيام أهل الكتاب من كل وجه فتفسر التوبة بالرجوع عليهم ببيان الرخصة بعد ذكر فرض الصيام مجملًا، والتشبيه فيه مبهمًا، ويكون العفو عن الخطأ في الاجتهاد الذي أدى إلى التضييق على النفس وإيقاعها في الحرج، وإن كان الذنب هو مخالفة الاعتقاد بأن كانوا فهموا من النبي  أو من قوله تعالى ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ  ﴾ تحريم ملامسة النساء ليلًا مطلقًا أو تحريمه كالأكل والشرب بعد النوم في الليل، فالتوبة على ظاهر معناها، أي أن الله قبل توبتكم، وعفا عن خيانتكم أنفسكم ﴿ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُم  ﴾ المباشرة هنا كناية عن المباضعة الزوجية وحقيقتها مس كل بشرة الآخر أي ظاهر جلده، فهي كالملامسة في حقيقتها وكنايتها وهي من نزاهة القرآن، والمعنى فالآن باشروهن إذا أحل لكم الرفث إليهن بالنص الصريح النافي لما فهمتم من الإجمالي في كتابة الصيام عليكم، فالأمر بالمباشرة للإباحة الناسخة أو النافية لذلك الحظر فهي كالأمر بالشيء بعد النهي عنه، واطلبوا بمباشرتهن ما قدره لجنسكم في نظام الفطرة من جعل المباشرة سببًا للنسل، أو ما عسى أن يكون كتبه لكل منكم، بأن تكون مباشرتكم بقصد إحياء سنة الله تعالى في الخليقة.

وزاد بعضهم: لا لمحض شهوة النفس واللذة التي يشارككم فيها البهائم، وهو يشعر أن التمتع باللذة الزوجية مذموم إذا لم يكن لأجل النسل، وليس بصحيح على إطلاقه فإن الزوجين المحرومين من الأولاد أو اللذين رزقا بعض الأولاد ثم انقطع نتاجهما لا يذم ولا يكره لهما الاستمتاع بالمباشرة الزوجية بغير إفراط بل هو مطلوب لإحصان كل منهما للآخر وصده عن الحرام.

ولما قال  للفقراء: "وفي بضع أحدكم صدقة" قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟

قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟

"قالوا نعم، قال: "فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر".

وقيل إن العبارة تتضمن النهي عن المباشرة المحرمة فإنها لا يقصد بها الولد سواء كانت بالزنا أو غيره، وليس ببعيد.

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ  ﴾ أي ويباح لكم الأكل والشرب كالمباشرة عامة الليل حتى يتبين لكم بياض الفجر، فمتى تبين وجب الصيام.

وما أحسن التعبير عن أول طلوع الفجر بالخيطين، والخيط الأبيض هو أول ما يبدو من الفجر الصادق، فمتى أسفر لا يظهر وجه لتسميته خيطًا، فما ذهب إليه بعض السلف كالأعمش من ابتداء الصوم من وقت الإسفار تنافيه عبارة القرآن.

﴿ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ  ﴾ فهم من غاية وقت الأكل والشرب في الجملة السابقة مبدأ الصيام، وذكر في هذه غايته وهي ابتداء الليل بغروب قرص الشمس وما يلزمه من ذهاب شعاعها عن جدران البيوت والمآذن، ولا يلزم أهل الأغوار والقيعان ذهاب شعاعها عن شناخيب الجبال العالية بعيدة كانت أو قريبة، وإنما العبرة بمغيب الشمس في أفقهم الذي يتلوه إقبال الليل.

قال  :"إذا أدبر النهار، وأقبل الليل، وغابت الشمس فقد أفطر الصائم" متفق عليه وزاد فيه البخاري "من ههنا" عند ذكر الليل والنهار، والإشارة إلى المغرب والمشرق.

وللمباني العصرية الشامخة في بلاد أمريكا حكمها في ذلك.

وأنت ترى أن هذا التحديد جاء بأسلوب الإطناب لأنه بيان للإجمال بعد وقوع الخطأ فيه، وإنما أخر البيان إلى وقت الحاجة إليه ليكون أوقع في النفس وأظهر في رحمة الشارع الحكيم ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ  ﴾ هذا استثناء من عموم إباحة المباشرة.

والمقام مقام بيان وإيضاح لا يبقى معه للإبهام ولا للإيهام مجال، أي ولا تباشروا النساء حال عكوفكم في المساجد للعبادة، فالمباشرة تبطل الاعتكاف ولو ليلًا كما تبطل الصيام نهارًا.

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ  ﴾ الإشارة إلى الأحكام التي تقدمت كلها، وسميت حدودًا لأنها حددت الأعمال وبينت أطرافها وغاياتها حتى إذا تجاوزها العامل خرج عن حد الصحة وكان عمله باطلًا.

والحد طرف الشيء وما يفصل بين شيئين، أو حدود الله محارمه المبينة بالنهي عنها أو بتحديد الحلال المقابل لها، وقيل إنها خاصة هنا بمباشرة النساء في نهار رمضان أو في حال الاعتكاف في المساجد ولو ليلًا وقوله ﴿ فَلَا تَقْرَبُوهَا  ﴾ هو أبلغ في التحذير من قوله في آية أخرى ﴿ فَلا تَعْتَدُوهَا  ﴾ لأنه يرشد إلى الاحتياط، فمن قرب من الحد أوشك أن يعتديه.

كالشاب يداعب امرأته في النهار، يوشك أن لا يملك أربه فيقع في المباشرة المحرمة أو يفسد صومه بالإنزال فالقرب من الحد يتحقق باستباحة أقصى ما دونه كالاستمتاع من الزوج بما دون الوقاع وكالمبالغة في المضمضة للصائم، وتعديه يتحقق بالوقوع فيما بعده، فالنهي عن الأول يفيد كراهته وشدة تحريم ما بعده، ولم ينهنا الله في كتابه عن قرب حدوده إلا في هذه الآية، وفي الزنا ومال اليتيم، وقد تعدد فيه الوعيد على تعديها، وهذان من كبائر الإثم التي قلما يسلم من قربها من الوقوع فيها.

وفي معنى الأول النهي عن قرب النساء في الصيام والاعتكاف، فتخصيص النهي بها ظاهر، فإن حمل على عموم أحكام الصيام كان فيه دليل على استحباب الإمساك الاحتياطي قبل الفجر وبعد الغروب ولكن هذا قد يعارض الأمر بتعجيل كل منهما وسيأتي بيانه.

وقال بعضهم: معناه لا تقربوها بالتأويل والتحريف ولا بالهوى والرأي بل اقبلوها كما هي، وهذا يشير إلى تخطئة أولئك الصحابة بما كان من اجتهادهم واتباع آراء أنفسهم في أمر ديني يجب فيه الاتباع المحض، كأنه قال لا ينبغي لكم أن تتجاوزوا المنصوص في العبادات لأنها مما لا مجال للرأي فيه بل عليكم فيها بالاتباع المحض، فما أمرتم به فخذوا، وما سكت عنه فذروا، وفي هذا المعنى حديث: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنه".

﴿ كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون  ﴾ أي على هذا النحو من بيان أحكام الصيام في أوله وآخره وحقيقته وعزيمته ورخصته وفائدته وحكمته، يبين الله آياته للناس أتم البيان وأكمله، ليعدهم للتقوى والتباعد عن الوهم والهوى.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله