تفسير سورة البقرة الآية ١٨٦ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآية ١٨٦

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ١٨٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

روى ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما في سبب نزول هذه الآية أن أعرابيًا جاء إلى النبي  فقال: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟

فسكت عنه فأنزل الله الآية.

وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال : سأل أصحاب رسول الله  النبي  أين ربنا؟

فنزلت.

ورووا في سببه غير ذلك مما هو أضعف سندًا، وأقل ناصرًا وعددًا.

وفيما يتعلق بالسبب الأول فإن هذا السؤال ليس ببعيد من العرب أو الأعراب الذين اعتادوا أن يتخذوا وسائل بينهم وبين إلههم يقربونهم إلى الله خالق السموات والأرض، وهؤلاء الوسائل والوسائط إما أشخاص وإما أمثلة أشخاص كالتماثيل والأصنام، ولم يهتدوا بأنفسهم إلى التجدد لمعرفة ذلك الإله الواحد العظيم بأنه لا يتقيد بشيء حتى هداهم إليه القرآن بآياته البينات فكانوا أهل التوحيد الخالص.

ولكن الآية جاءت بين آيات الصيام، فهي ليست بأجنبية منها، وإنما هي متصلة بما قبلها من الأحكام، فقد طالبنا في الآية السابقة بإكمال عدة الصيام وبتكبير الله تعالى، وذكر أن ذلك يعدنا لشكره تعالى، والتكبير والشكر يكونان بالقول، نحو: الحمد لله والله أكبر، كما يكونان بالعمل، وما كان بالقول يأتي فيه السؤال : هل يكون برفع الصوت والمناداة، أم بالمخافتة والمناجاة؟

فجاءت هذه الآية جوابًا عن هذا السؤال الذي يُتوقع إن لم يقع، فهي في محلها سواء صح ما رووه في سببها أم لا.

ويروى في سبب نزولها سبب آخر وهو أن النبي  سمع المسلمين يدعون الله تعالى بصوت رفيع في غزوة خيبر فقال لهم :"أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا"، وعلى كل حال تفيدنا الآية حكمًا شرعيًا وهو أنه لا ينبغي رفع الصوت في عبادة من العبادات إلا بالمقدار الذي حدده الشرع في الصلاة الجهرية وهو أن يسمع من بالقرب منه، ومن بالغ في رفع صوته ربما بطلت صلاته، ومن تعمد المبالغة في دعائه أو الصلاة على نبيه كان إلى عبادة الشيطان، أقرب منه إلى عبادة الرحمن.

قال تعالى ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ  ﴾ هذا التفات عن خطاب المؤمنين كافة بأحكام الصيام، إلى خطاب الرسول  ، بأن يذكرهم ويعلمهم ما يراعونه في هذه العبادة وغيرها من الطاعة والإخلاص والتوجه إليه وحده بالدعاء، الذي يعدهم للهدى والرشاد، وجعلت بأسلوب الفتوى على تقدير السؤال لتنبيه الأذهان، والمراد أن يؤمنوا بأن الله تعالى قريب منهم ليس بينه وبينهم حجاب ولا ولي ولا شفيع يبلغه دعاءهم وعبادتهم، أو يشاركه في إجابتهم أو إثابتهم، ليتوجهوا إليه وحده حنفاء مخلصين له الدين.

وقال البيضاوي في وجه الاتصال :"واعلم أنه تعالى لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم، مجيب لدعائهم، مجاز على أعمالهم، تأكيدًا له وحثًا عليه".

ونحن نعلم أن الأحكام العملية إنما تشرع لتقوية الإيمان وإصلاح النفس، ولذلك كان من سنة القرآن الحكيم أن يبين مع كل حكم حكمة تشريعه وفائدته في تقوية الإيمان، ويمزج الكلام فيه بما يُذكِّر بعظمة الله تعالى، ويعين على مراقبته والتوجه إليه ويثبت الإيمان به كهذه الآية.

ويا ليت فقهاءنا اقتدوا بهدى القرآن فلم يجعلوا كتب الأحكام جافة قاصرة على ذكر الأعمال البدنية كأن الدين دين مادي جسماني لا غرض للقلوب والأرواح فيه.

وأما معنى قرب الله تعالى فقد قالوا : إنه القرب بالعلم بمعنى أن علمه محيط بكل شيء فهو يسمع أقوال العباد ويرى أعمالهم.

وعبارة البيضاوي :"وهو تمثيل لكمال علمه تعالى بأفعال العباد وأقوالهم وإطلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم" وإنما جعلوا الكلام تمثيلًا لأن القرب والبعد الحقيقي إنما يكونان باعتبار المكان وهو منزه عن الانحصار في المكان.

ويصح أن يكون من قرب الوجود فإن الذي لا يتحيز ولا يتحدد تكون نسب الأمكنة وما فيها إليه واحدة، فهو تعالى قريب بذاته من كل شيء، إذ منه كل شيء إيجادًا وإمدادًا وإليه المصير.

﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي  ﴾ منهم بنفسي من غير واسطة ﴿ إِذَا دَعَانِ  ﴾ وتوجه إلي وحدي في طلب حاجته.

أي يجب أن يدعى وحده بدون واسطة لأنه هو الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه بدون واسطة، وهو الذي يجيب دعوته وحده بدون واسطة تعينه أو تساعده أو تنوب عنه في الإجابة وقضاء الحاجة أو تؤثر في إرادته.

وقد فسروا الدعوة بطلب الحاجات وقالوا إن ظاهر الآية أن الإجابة وصف لازم لله تعالى وأنه يجيب كل داع، وليس الأمر كذلك كما هو ثابت بالمشاهدة، وأجابوا بأن المراد أن من شأنه الإجابة فهو يجيب إن شاء كما قال في آية أخرى ﴿ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ  ﴾ فهو على حد قولك فلان يعطي الكثير فاطلب منه، أي أن من شأنه ذلك ولا يلزم منه أن يعطي كل طالب عين ما طلبه.

وأجاب بعضهم بأن الإجابة أعم من إعطاء السؤال، وقد ورد في الحديث الصحيح أن الإجابة تكون بإحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له، وإما أن يكف عنه من السوء مثلها.

ولا حاجة إلى التأويل إذ لا محل للإشكال فإن الآية سيقت لبيان أن الله تعالى قريب من عباده المتوجهين إليه فلا حاجة بهم إلى الصياح بتكبيره ودعائه، ولا إلى أن يتخذوا وسطاء بينهم وبينه في التوجه إليه وسؤال رحمته وفضله، بل يجب أن يصمدوا إليه وحده فإنه هو الذي يجيب دعاءهم وحده.

وانظر كيف لم يقل إنه يجيب دعوة الداعي حتى قيدها بقوله إن الداعي شخص يطلب شيئًا، وهو يصدق على أكثر الناس الذين يطلبون كل يوم أشياء كثيرة وليس كل واحد منهم متحققًا بدعاء الله تعالى وحده كما يحب أن يدعي، فهو يقول أجيب دعوة الداعي إذا خصني بالدعاء والتجأ إلي التجاء حقيقيًا بحيث ذهب عن نفسه إلي، وشعر قلبه بأنه لا ملجأ له إلا إلي، ومثل هذا لا يطمع في غير مطمع، ولا يطلب ما لا يصح أن يطلب، وإنما يمتثل أمر الله تعالى باتخاذ جميع الوسائل من طرقها الصحيحة المعروفة وهي لا تتحقق إلا بالعلم والعزيمة والعمل، فإن تم للعبد ما يريد بذلك فقد أعطاه الله تعالى من خزائنه التي يفيض منها على جميع متبعي سننه في الخلق، وإن بذل جهده ولم يظفر بسؤاله فما عليه إلا أن يلجأ إلى مسبب الأسباب وهادي القلوب إلى ما غاب عنها وخفي عليها، ويطلب المعونة والتوفيق ممن بيده ملكوت كل شيء، وقد قال بعض السلف إن مثل هذا يجاب لا محالة.

وقالت الصوفية الدعاء المجاب هو الدعاء بلسان الاستعداد، وقد استعاذ النبي  من الطمع في غير مطمع فمن يترك السعي والكسب ويقول: يا رب ألف جنيه، فهو غير داع، وإنما هو جاهل، ومثل ذلك المريض لا يراعي الحمية ولا يتخذ الدواء، ويقول: رب اشفني وعافني، كأنه يقول اللهم أبطل سننك التي قلت إنها لا تبدل ولا تحول لأجلي وكم استجاب الله لنا من دعاء، وكشف عنا من بلاء، ورزقنا من حيث لا نحتسب ولا نتخذ الأسباب، ولكن بتسخيره هو للأسباب.

فإذا سأل سائل إذا كان الرزق مقدرًا فعلام السؤال؟

فالجواب: إذا كانت إجابتي أو عدمها مقدرًا فلم السؤال؟!!

هذا لا يقال، وإنما ينبغي أن يقال: ما الحكمة في طلب الدعاء منا في هذه الآية وغيرها من الآيات والأحاديث كحديث "الدعاء مخ العبادة"، والله تعالى يعلم ما في أنفسنا وما تنطوي عليه سرائرنا؟

قالت الصوفية: إن المراد بالدعاء فزع القلب إلى الله وشعوره بالحاجة إلى معونته والتجاؤه إليه، ويحتجون بما روي في قصة إبراهيم  من أن جبريل سأله قبل أن يلقي في النار ألك حاجة؟

قال أما إليك فلا، قال فادع الله، قال حسبي من سؤالي علمه بحالي.

﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي  ﴾ .

قال المفسرون في الأمر بالإيمان هنا إنه أمر بالمداومة عليه لأن الخطاب للمؤمنين، والذي أراه أن الخطاب عام، وأن حظ من استجاب لله وللرسول منه أن يحاسب نفسه ويطالبها بأن تكون أعماله الظاهرة التي عد بها مسلمًا صادرة عن الإيمان اليقيني والاحتساب والإخلاص لله تعالى، ففي ذكر الإيمان بعد الاستجابة إشارة إلى أن من الناس من يستجيب إلى الأعمال ويقوم بها وهو خلو من روح الإيمان ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ  ﴾ ، ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ  ﴾ أي بالجمع بين الإيمان والإذعان للأمر والنهي، والرشد والرشاد، ضد الغي والفساد، فعلمنا أن الأعمال إذا لم تكن صادرة بروح الإيمان لا يرجي أن يكون صاحبها راشدًا مهديًا، فمن يصوم اتباعًا للعادة وموافقة للمعاشرين فإن الصيام لا يعده للتقوى ولا للرشاد، وربما زاده فسادًا في الأخلاق وضراوة بالشهوات، لذلك يذكرنا تعال في أثناء سرد الأحكام بأن الإيمان هو المقصود الأول في إصلاح النفوس وإنما نفع الأعمال في صدورها عنه وتمكينها إياه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد