تفسير سورة البقرة الآيات ١٠٤-١٠٥ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ١٠٤-١٠٥

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١٠٤ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ١٠٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

إن هذا النهي له صلة وارتباط بشأن اليهود لا محالة، لأن الكلام لا يزال في شؤونهم مع النبي  والمؤمنين، ولكن هذا لا يستلزم أن يكون سبب النهي هو كون الكلمة تستعمل للشتم في العبرانية، ولا أقول بهذا إلا بنقل صحيح عمن يعرف هذه اللغة، وللمفسرين وجوه أخرى في تعليل النهي، فعن مجاهد وغيره أن معنى الكلمة (خلاف) والمراد لا تخالفوه كما يفعل أهل الكتاب، ولكن اعترض على هذا الوجه بأن ليس له شاهد من اللغة.

والمعروف في اللغة أن ﴿ رَاعِنَا  ﴾ من المراعاة وهي تقتضي المشاركة في الرعاية أي ارعنا نرعك، وفي خطاب النبي بذلك من سوء الأدب ما هو ظاهر، فالنهي عنه تأديب كقوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ  ﴾ كأنه يقول لا تكونوا كهؤلاء الغلاظ القلوب الذين قصصنا عليكم خبرهم أو الذين عرفتم سوء أدبهم الأنبياء بل اجمعوا بين الطاعة والأدب.

..

وههنا وجه آخر وهو أنه يقال في اللغة: راعى الحمار الحمر إذا رعى معها، فيجوز أن اليهود كانوا يحرفون الكلمة بصرفها إلى هذا المعنى فنهى الله المسلمين عن هذه الكلمة وشنع على اليهود بإظهار سوء قصدهم فيها.

وقد رضوا بصرف اللفظ إلى هذا المعنى وإن كان يتضمن أنهم حمر لأن السَّبَّاب يسب نفسه كما يسب غيره فهو على حد قول القائل: اقتلوني ومالكا واقتلوا مالكا معي قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا  ﴾ نهاهم تعالى عن كلمة كانوا يقولونها وأمرهم بكلمة خير منها تفيد ما كانوا يريدونه منها.

فكلمة ﴿ انظُرْنَا  ﴾ تفيد معنى كلمة ﴿ رَاعِنَا  ﴾ فإن فيها معنى الإنظار والإمهال ويؤيد هذا المعنى قراءة ﴿ انظُرْنَا  ﴾ من الأنظار وفيها معنى المراقبة وهو ما يستفاد من النظر بالعين.

تقول: نظرت الشيء ونظرت إليه، إذا وجهت إليه بصرك ورأيته وتقول نظرته بمعنى انتظرته ومنه ﴿ مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً  ﴾ .

أذن الله تعالى لهم بهذه الكلمة ﴿ انظُرْنَا  ﴾ وأمرهم بالسماع للنبي ليعوا عنه ما يقول من الدين.

وهو أمر يتضمن الطاعة والاستجابة.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ لبيان أن ما صدر عن اليهود من سوء الأدب في خطاب الرسول هو أثر من آثار الكفر الذي يعذبون عليه العذاب الموجع أشد الإيجاع، وللتنبيه على أن التقصير في الأدب معه  ذنب مجاور للكفر يوشك أن يجر إليه فيجب الاحتراس منه بترك الألفاظ الموهمة للمساواة، بله الألفاظ المنافية للآداب.

وإنما كان عدم الإصغاء لما يقول الرسول  وخطابه خطاب الأكفاء والنظراء مجاورًا للكفر لأنه يتكلم على الله  لسعادة من يسمع ويعقل ويأخذ ما يؤمر به بالأدب ويسأل عما لا يفهمه بالأدب، ومن فاتته هذه السعادة فهو الشقي الذي لا يعدل بشقائه شقاء.

ومعنى هذه المجاورة أن سوء الأدب بنحو ما حكي عن اليهود في سورة النساء هو من الكفر الصريح ولذلك قال بعده ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا  ﴾ فالألفاظ التي تحاكي الألفاظ التي تُوُعَّدوا عليها بهذا الوعيد على أنها كفر إذا صدرت من المؤمن غير محرفة ولا مقصودًا بها ما كانوا يقصدون تسمى مجاورة لألفاظ الكفر لأنها موهمة وخارجة عن حدود الأدب اللائق بالمؤمنين.

وإن لمن جاء بعد الرسول حظًا من هذا التأديب وليس هو خاصًا بمن كان في عصره من المؤمنين، فهذا كتاب الله الذي كان يتلوه عليهم وكان يجب الاستماع له والإنصات لأجل تدبره، هو الذي يتلى علينا بعينه لم يذهب منه شيء، وهو كلام الله الذي به كان الرسول رسولًا تجب طاعته والاهتداء بهديه، فيا هذا الأدب الذي يقابله به الأكثرون؟

إنهم يلغطون في مجلس القرآن فلا يستمعون ولا ينصتون، ومن أنصت فإنما ينصت طربًا بالصوت واستلذاذًا بتوقيع نغمات القارئ، وإنهم ليقولون في استحسان ذلك واستجادته ما يقولونه في مجالس الغناء، ويهتزون للتلاوة ويصوتون بأصوات مخصوصة كما يفعلون عند سماع الغناء بلا فرق، ولا يلتفتون إلى شيء من معانيه إلا ما يرونه مدعاة لسرورهم في مثل قصة يوسف  مع الغفلة عما فيها من العبرة وإعلاء شأن الفضيلة ولا سيما العفة والأمانة.

أليس هذا أقرب إلى الاستهانة بالقرآن منه بالأدب اللائق الذي ترشد إليه هذه الآية الكريمة وأمثالها، وتتوعد على تركه بجعله مجاورًا للكفر الذي يسوق صاحبه إلى العذاب الأليم ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ  أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ  ﴾ .

ثم قال تعالى ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ  ﴾ يقول تعالى للمؤمنين إن هؤلاء الذين علمتم شأنهم مع أنبيائهم حسدة لا بلتفت إلى تكذيبهم ولا يبالي بعداوتهم، ولا يضركم كفرهم وعنادهم، فهم لحسدهم لا يودون أن ينزل عليكم أدنى خير من ربكم، والقرآن أعظم الخيرات لأنه النظام الكامل، والفضل الشامل، والهداية العظمى، والآية الكبرى، جمع به شملكم، ووصل حبلكم، ووحد شعوبكم وقبائلكم، وطهر عقولكم من نزعات الوثنية، وزكى نفوسكم من أدران الجاهلية، وأقامكم على سنن الفطرة وشرع لكم الحنيفية السمحة، فكيف لا بحرق الحسد عليه أكبادهم، ويخرق أضغانهم عليكم وأحقادهم؟.

و ﴿ مَنْ  ﴾ الأولى من الصلة كالتي تقدمت.

وإنما جعلت للاستغراق لأنها تدل على البعضية وزيادة لوقوعها في خبر النفي فهي هنا بمعنى: أي شيء من الخير، أي فما بالكم بهذا الخير العظيم، أليس هو أولى بأن يكون أكبر مثير لحسدهم، ومغر بعنادهم؟

ثم إن الله تعالى رد عليهم بما بين جهلهم وجهل جميع الحاسدين فقال ﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ  ﴾ أي أن الحاسد لغباوته وفساد طويته يكون ساخطًا على الله تعالى ومعترضًا عليه أن أنعم على المحسود بما أنعم، ولا يضر الله تعالى سخط الساخطين، ولا يحول مجاري نعمه حسد الحاسدين، فالله يختص برحمته من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم.

أسند كلا من هذين الأمرين إلى اسم الذات الأعظم البيان أنهما حقه لذاته فليس لأحد من عبيده أدنى تأثير في منحهما ولا في منعهما.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل