تفسير سورة البقرة الآيات ١٣٠-١٣٤ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ١٣٠-١٣٤

وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ١٣٠ إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٣١ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَـٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ١٣٢ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنۢ بَعْدِى قَالُوا۟ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَٰهِـۧمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ إِلَـٰهًۭا وَٰحِدًۭا وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ ١٣٣ تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٣٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 10 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

الكلام في هذه الآيات متصل بما سبقه من ابتداء قوله ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ  ﴾ فقد ذكر أنه تعالى ابتلى إبراهيم بكلمات فأتمهن وأنه جعله إمامًا للناس وجعل من ذريته أئمة وأنه عهد إليه ببناء بيته وتطهيره لعبادته ففعل، وكان يومئذٍ يدعو بما علم منه ما هي ملته، وإن هي إلا توحيد الله وإسلام القلب إليه والإخلاص له بالأعمال، وتعظيم البيت بتطهيره وإقامة المناسك فيه عن بصيرة بأسرارها تجعل المعنى المتصور كالمحسوس المبصر.

ثم قال بعد هذا ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ  ﴾ أي امتهنها واستخف بها.

كأنه تعالى يقول: هذه هي ملة أبيكم إبراهيم الذي تنسبون إليه وتفخرون به، فكيف ترغبون عنها وتنتحلون لأنفسكم أولياء لا يملكون نفعًا ولا ضرًا ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا لا بالذات ولا بالوساطة.

قال ﴿ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا  ﴾ بهذه الملة فجعلناه إمامًا للناس وجعلنا في ذريته الكتاب والنبوة ﴿ وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ  ﴾ لجوار الله بعمله بهذه الملة ودعوته إليها وإرشاده الناس بها.

فملة جعلت لإبراهيم هذه المكانة عند الله تعالى في الدنيا والآخرة لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه، وجنى على إدراك عقله، فاستحب العمى على الهدى، وإن خسر الآخرة والأولى.

ومن مباحث اللفظ في الآية قول الجلال في تفسير آية ﴿ سَفِهَ نَفْسَهُ  ﴾ أي جهل أنها مخلوقة لله.

ولم يقل بهذا أحد من المفسرين الذين يعتد بهم، والسياق لا يقتضيه، وسفه يستعمل لازمًا ومتعديًا ومعنى المعتدي استخف وامتهن وأخره "الجلال" وهو الراجح.

وفي الكشاف أن "نفسه" تمييز لفاعل "سفه" ولا يمنع من ذلك الإضافة إلى الضمير لأنه تعريف لفظي والمعنى أنه لا يرغب عن ذلك إلا من سفهت نفسه أي حمقت.

وقدم هذا القول كأنه رجحه على ما قبله.

﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ  ﴾ أي اصطفاه إذ دعاه إلى الإسلام بما أراه من آياته، ونصب له من بيناته، فأجاب الدعوة و ﴿ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ و"الجلال" قدر كلمة "اذكر" متعلقًا للظرف "إذا" كما هي عادته في مثله وإن وجد في الكلام ما يتعلق به كقوله هنا ﴿ اصْطَفَيْنَاهُ  ﴾ وقد نشأ إبراهيم  في قوم يعبدون الكواكب ويتخذون الأصنام، فأراه الله حجته، وأنار بصيرته فنفذت أشعتها من العالم الشمسي، وأدركت أن لجميع العالمين ربًا واحدًا منفردًا بالخلق والتدبير، وحاجه قومه فبهرهم ببرهانه، وأفحمهم ببيانه، وقد قص الله تعالى خبره معهم في سورة الأنعام وسيأتي تفسير الآيات إن شاء الله تعالى.

﴿ وَوَصَّى بِهَا  ﴾ أي بالملة أو الخصلة التي ذكرت أخيرًا ﴿ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ  ﴾ بنيه أيضًا إذ قال كل منهما لولده ﴿ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ  ﴾ أي اختاره لكم بهدايتكم إليه وجعل الوحي فيكم ﴿ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  ﴾ أي فحافظوا على الإسلام لله والإخلاص في الانقياد إليه بحيث لا تتركون ذلك لحظة واحدة لئلا تموتوا فيها فتموتوا غير مسلمين، فإن الإنسان لا يضمن حياته بين الشهيق والزفير.

ويتضمن هذا النهي إرشاد من كان منحرفًا عن الإسلام إلى عدم اليأس، وأن يبادر بالرجوع إليه والاعتصام بحبله لئلا يموت على غيره.

وفي هذه الآية انتقال إلى إشراك أهل الكتاب وغيرهم من العالمين مع العرب في التذكير والإرشاد إلى الإسلام ولذلك ذكرت وصية يعقوب، واختلف الأسلوب، فقد كان جاريًا على طريقة الإيجاز، فانتقل إلى طريقة الإطناب والإلحاح، لما تقدم الإلماع إليه من مراعاة "الأولى" في خطاب العرب و"الثانية" في خطاب أهل الكتاب، الذين لا يكتفون بالإشارة والعبارة المختصرة لجمود أذهانهم واعتيادهم على التأويل والتحريف.

وفصل بين العاطف والمعطوف بالمفعول ولم يقل: ووصى بها إبراهيم ويعقوب بنيهما، لئلا يتوهم أن الوصية كانت منهما في وقت واحد أو أنها خاصة بأبنائها معًا وهم أولاد يعقوب على نحو ما تقدم في تفسير ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ  ﴾ .

ذكر ملة إبراهيم وحُكْم الراغب عنها ووصيته بنيه بها ووصية حفيده يعقوب بنيه أيضًا، وذلك يشعر بأن بني إبراهيم كانوا يوصون بما أوصاهم أبوهم، فإن يعقوب أخذ الوصية عن أبيه إسحاق.

وذلك من ضروب الإيجاز الدقيقة.

ثم أراد أن يقرر أمر هذه الوصية ويؤكدها ويقيم الحجة بها على أهل الكتاب فقال ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ  ﴾ عرفوا الإله بالإضافة إلى آبائه لأنهم هم الذين انفردوا بعبادة رب العالمين خالق السموات والأرض وحده، ودعوا الأمم إلى ذلك في وقت فشت فيه عبادة آلهة كثيرين من الكواكب والأصنام والحيوانات وغيرها، ولذلك قال سحرة موسى عندما آمنوا ﴿ آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ  رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ  ﴾ وإسماعيل عم يعقوب ذكر مع آبائه للتغليب أو لتشبيه العم بالأب كما في حديث "عم الرجل صنو أبيه".

والجمع بين الحقيقة والمجاز جائز يكثر في القرآن وفاقًا للشافعي وابن جرير الطبري وخلافًا لجمهور الأصوليين ﴿ إِلَهًا وَاحِدًا  ﴾ أي نعبده حال كونه إلهًا واحدًا، أو نخص بالعبادة إلهًا واحدًا لا نشرك معه أحدًا بدعاء ولا توجه في قضاء حاجة ولا غير ذلك من العبادات ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  ﴾ أي والحال أننا نحن منقادون مذعنون مستسلمون له وحده دون غيره كما يدل عليه تقديم الظرف "له".

خلاصة هذه الوصية عقيدة الوحدانية في العبادة وإسلام القلب لله تعالى والإخلاص له.

وتكرار لفظ ﴿ الإِسْلامُ  ﴾ في هذه الآيات يراد به تقرير حقيقة الدين، ذلك أن العرب كانت تدعي لها دينًا خاصًا بها وأنه الحق، وإن اختلفت فيه القبائل والشعوب، ومنهم من كان ينتمي إلى إبراهيم، على وثنيتهم، وكذلك اليهود والنصارى كل يدعي دينًا خاصًا به وأنه الحق، فبينت هذه الآيات أن هذه الدعاوى من التعصب للتقاليد وأن دين الله تعالى واحد في حقيقته، وروحه التوحيد والاستسلام لله تعالى والخضوع والإذعان لهداية الأنبياء، وبهذا كان يوصي أولئك النبيون أبناءهم وأممهم.

فتبين أن دين الله تعالى واحد في كل أمة وعلى لسان كل نبي، ولذلك قال في آية أخرى ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فالتفرق في الدين ما جاء إلا من الجهل والتعصب للأهواء، والمحافظة على الحظوظ والمنافع المتبادلة بين المرؤوسين والرؤساء، فالقرآن يطالب الجميع بالاتفاق في الدين والاجتماع على أصليه العقلي وهو التوحيد والبراءة من الشرك بأنواعه، والقلبي وهو الإسلام والإخلاص لله في جميع الأعمال.

وعلم من هذا أن لفظ الإسلام والمسلمين في كلام إبراهيم وإسماعيل ويعقوب يراد به معناه الذي تقدم، فمن لم يكن متحققًا بهذا المعنى فليس بمسلم، أي ليس على دين الله القيم الذي كان عليه جميع أنبياء الله.

وأما لفظ الإسلام في عرفنا اليوم فهو لقب يطلق على طوائف من الناس لهم مميزات دينية وعادية تميزهم عن سائر طوائف الناس الذين يلقبون بألقاب دينية أخرى.

ولا يشترط في إطلاق هذا اللقب العرفي عند أهله أن يكون المسلم خاضعًا مستسلمًا لدين الله مخلصًا له أعماله، بل يطلقونه أيضًا على من ابتدع فيه ما ليس منه أو ما ينافيه، ومن فسق عنه واتخذ إلهه هواه.

ومعنى الإسلام الذي دعا إليه القرآن تقوم به الحجة على المشركين، ويعترف به اليهود والنصارى لأنه روح كل دين، وهو الذي دعا إليه النبي  ، والدعوة إلى اللقب لا معنى لها.

وبهذا يظهر خطأ من خصص الرغبة عن ملة إبراهيم بالميل إلى اليهودية أو النصرانية.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن ﴿ أَمْ  ﴾ تستعمل في الاستفهام إذا كان مبنيًا على كلام سابق كما هنا لما فيها من الإشعار بالانتقال، ففيها معنى الإضراب.

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ  ﴾ .جاءت هذه الآية الكريمة بعد الكلام عن وصية إبراهيم لبنيه وإسماعيل وإسحاق ويعقوب لبنيهم استدراكًا على ما عساه يقع في أذهان ذراري هؤلاء الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام من أن هذا السلف الذي له عند الله هذه المكانة يشفع لهم فينجون ويسعدون يوم القيامة بمجرد الانتساب إليهم.

فبين الله في هذه الآيات أن سنته في عباده أن لا يجزي أحد إلا بكسبه وعمله، ولا يسأل إلا عن كسبه وعمله.

وقد بيّن في سورة النجم أن هذه القضية من أصول الدين العامة التي جاء بها الأنبياء من قبل ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى  وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى  أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى  وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى  ﴾ إلخ، وبيّن في آيات متعددة، في سور متفرقة أن المرسلين لم يرسلوا إلا مبشرين ومنذرين، فمن آمن بهم وعمل بما يرشدون إليه كان ناجيًا وإن بعد عنهم في النسب، ومن أعرض عن هديهم كان هالكًا وإن أدلى إليهم بأقرب سبب، ﴿ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ  ﴾ وإذا لم تنتفع بهم ذرياتهم الذين لم يقتدوا بهم فكيف ينتفع بهم أولئك البعداء الذين ليس بينهم وبينهم صلة إلا الأقوال الكاذبة التي يعبر عنها أهل هذا العصر "بالمحسوبية" ويقولون في مخاطبة أصحاب القبور عند الاستغاثة بهم: "المحسوب كالمنسوب" وما أحسن قول الإمام الغزالي: "إذا كان الجائع يشبع إذا أكل والده دونه، والظمآن يروى بشرب والده وإن لم يشرب، فالعاصي ينجو بصلاح والده "والآيات التي تؤيد هذه الآية كثيرة جدًا فهي أصل من أصول الدين الإلهي لا يفيد معها تأويل المغرورين، ولا غرور الجاهلين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله