الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآية ٢٨٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةالآية متصلة بقوله تعالى ﴿ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ ويصح أن تكون متممة لها لأن مقتضى كونه عليمًا بكل شيء أن له كل شيء فهذا كالدليل على كونه عالمًا بكل شيء أي أنه عليم به لأنه له وهو خالقه فهو كقوله ﴿ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ وبهذا الاستدلال يتقرر النهي عن كتم الشهادة وكونه إثمًا يعاقب عليه، وأكده بقوله ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾ لدخول كتمان الشهادة في عموم ما في النفس.
ويصح أن تكون الآية متصلة بآية الدين من أولها لأنه شرع لنا أحكامًا تتعلق بالدين كالكتابة والشهادة فكأنه يقول: إن تساهلتم في هذه الأحكام وأضعتم الحقوق فتظاهرتم بالأمانة مع انطواء النفس على الخيانة وغالطتم الناس وأكلتم أموالهم بذلك أو أضعتموها بكتمان الشهادة ونحو ذلك فإن الله يحاسبكم ويعاقبكم على ذلك لأن ما في السموات وما في الأرض ومنها أنتم وأعمالكم النفسية أو البدنية.
والمراد بقوله ﴿ مَا فِي أَنفُسِكُمْ ﴾ الأشياء الثابتة في أنفسكم وتصدر عنها أعمالكم كالحقد والحسد وألفة المنكرات التي يترتب عليها ترك النهي عن المنكر، فإن السكوت عن النهي أمر كبير يحل الله عقوبته في الأمة بسببه، وليس هو مجرد اتفاق السكوت وإنما هو باعتبار سببه في النفس وهو ألفة المنكر والأنس به.
وللإنسان عمل اختياري في نفسه هو الذي يحاسب عليه.
نعم إن الخواطر والهواجس قد تأتي بغير إرادة الإنسان ولا يكون له فيها تعمل ولكنه إذا مضى معها واسترسل تحسب عليه عملًا يجازى عليه لأنه سايرها مختارًا وكان يقدر على مطاردتها وجهادتها، وسواء كانت هذه الخواطر والهواجس صادرة عن مَلَكة في النفس تثيرها أو عن شيء لا يدخل في حيز الملكة.
مثال ذلك الحسود تبعث ملكة الحسد في نفسه خواطر الانتقام من المحسود والسعي في إزالة نعمته لتمكنها في نفسه وامتلاكها لمنازع فكره، وهذه الخواطر مما يحاسب عليها، أبداها أو أخفاها، إلا أن يجاهدها ويدافعها، فذلك ما يكلفه.
ومثال الثاني المظلوم يذكر ظالمه فيشتغل فكره في دفع ظلمه والهرب من أذاه وربما استرسل مع خواطره إلى أن تجره إلى تدبير الحيل للإيقاع به ومقابلة ظلمه بما هو شر منه فيكون مؤاخذًا عليها، أبداها أو أخفاها.
وقد قال تعالى ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ وذلك أن فظاعة المنكر زالت من نفوسهم بالأنس بها من أول الأمر.
وهكذا يقال في كل أعمال القلب التي أمرنا الشرع بمجاهدتها، ولا يدخل في هذا ما يمر في النفس من الخواطر والوساوس، كما قيل، وبنوا عليه أن الصحابة شق عليهم العمل بالآية وشكوا للنبي الوسوسة فنزلت الآية التي بعدها دفعًا للحرج.
ولفظ الآية يدفع هذا لأنها نص فيما هو ثابت في النفس منها كالأخلاق والملكات والعزائم القوية التي يترتب عليها العمل بأثرها فيها إذا انتفت الموانع وتركت المجاهدة وكذلك يدفعه ما كان عليه الصحابة الكرام من علو الهمة والأخذ بالعزائم وهم الذين كانوا يفهمون القرآن حق الفهم ويتأدبون به ويقيمونه كما يجب، وما أبعدهم عن الاسترسال مع الوساوس والأوهام.
﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ شأن الله تعالى في المحاسبة أن يذكر الإنسان أو يسأله لم فعلت؟
فبعد أن يرى العبد أعماله الظاهرة والباطنة يغفر أو يعذب، فمن الناس من لم تصل أعماله المنكرة إلى أن تكون ملكات له فالله سبحانه يغفرها له ومنهم من تكون ملكات له فهو يعاقبه عليها، وهو يفعل ما يشاء ويختار.
وقد يظن من لا يؤمن بالكتاب كله أن في هذا سبيلًا للمروق من التكليف لأن أمر المغفرة والتعذيب موكول للمشيئة والرجاء فيه أكبر، وهذا ضلال عن فهم الكتاب بالمرة، فالآية إنذار وتخويف ليس فيها موضع للقطع بمغفرة ذنب ما وإن كان صغيرًا.
وقد قرر ما ذكر من تعليق الأمر بالمشيئة واحتج عليه بقوله: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أي فهو بقدرته ينفذ ما تعلقت به مشيئته فنسأله العناية والتوفيق لأقوم طريق.
قيل: إن الآيتين متعلقتان بما قبلهما لما فيه من ذكر كمال الألوهية الذي يقابله من كمال الإيمان والدعاء ما يناسبه، أو لما فيه من ذكر الحساب والعلم بالخفايا المقتضي للإيمان والدعاء.
وقيل: إنه لما افتتحت هذه السورة ببيان كون القرآن لا ريب فيه وكونه هدى للمتقين، وذكر صفات هؤلاء المتقين وأصول الإيمان التي أخذوا بها، وخبر سائر الناس من الكافرين والمرتابين، ثم ذكر فيها كثيرًا من الأحكام ومحاجة من لم يهتد به من بعض الأمم، ناسب بعد هذا كله ختم السورة بالشهادة للمؤمنين مع النبي بالإيمان وهم المهتدون تمام الاهتداء، ولقنهم من الدعاء ما ستعلم حكمته.
وهذا الوجه هو الذي أختاره.
<div class="verse-tafsir"