تفسير سورة البقرة الآية ٣٠ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآية ٣٠

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٣٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 17 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

أجمعت الأمة الإسلامية على أن الله تعالى منزه عن مشابهة المخلوقات، وقد قام البرهان العقلي والبرهان النقلي على هذه العقيدة فكانت هي الأصل المحكم في الاعتقاد الذي يجب أن يرد إلى غيره، وهو التنزيه، فإذا جاء في نصوص الكتاب أو السنة شيء ينافي ظاهره التنزيه، فللمسلمين فيه طريقتان.

إحداهما: طريقة السلف وهي التنزيه الذي أيد العقل فيه النقل كقوله تعالى ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ وقوله  ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ  ﴾ وتفويض الأمر إلى الله تعالى في فهم حقيقة ذلك، مع العلم بأن الله يعلمنا بمضمون كلامه ما نستفيد به في أخلاقنا وأعمالنا وأحوالنا، ويأتينا في ذلك بما يقرب المعاني من عقولنا ويصورها لمخيلاتنا.

والثانية:طريقة الخلف وهي التأويل، يقولون: إن قواعد الدين الإسلامي وضعت على أساس العقل فلا يخرج شيء منها عن المعقول، فإذا جزم العقل بشيء وورد في النقل خلافه يكون الحكم العقلي القاطع قرينة على أن النقل لا يراد به ظاهره ولا بد له من معنى موافق يحمل عليه فينبغي طلبه بالتأويل.

وأنا على طريقة السلف في وجوب التسليم والتفويض فيما يتعلق بالله تعالى وصفاته وعالم الغيب.

وإننا نسير في فهم الآيات على كلا الطريقتين لأنه لا بد للكلام من فائدة يحمل عليها لأن الله  لم يخاطبنا بما لا نستفيد منه معنى.

أما الملائكة فيقول السلف فيهم إنهم خلق أخبرنا الله تعالى بوجودهم وببعض عملهم، فيجب علينا الإيمان بهم، ولا يتوقف ذلك على معرفة حقيقتهم، فنفوض علمها إلى الله تعالى، فإذا ورد أن لهم أجنحة نؤمن بذلك ولكننا نقول إنها ليست أجنحة من الريش ونحوه كأجنحة الطيور، إذ لو كانت كذلك لرأيناها، وإذا ورد أنهم موكلون بالعوالم الجسمانية كالنبات والبحار فإننا نستدل بذلك على أن في الكون عالمًا آخر ألطف من هذا العالم المحسوس وأن له علاقة بنظامه وأحكامه، والعقل لا يحكم باستحالة هذا بل يحكم بإمكانه لذاته، ويحكم بصدق الوحي الذي أخبر به.

وقد بحث أناس في جوهر الملائكة وحاولوا معرفتهم ولكن من وقفهم الله تعالى على هذا السر قليلون، والدين وإنما شرع للناس كافة، فكان الصواب الاكتفاء بالإيمان بعالم الغيب من غير بحث عن حقيقته لأن تكليف الناس هذا البحث أو العلم به كاد يكون من تكليف ما لا يطاق، ومن خصه الله تعالى بزيادة في العلم فذلك فضله يؤتيه من يشاء، فقد ورد في الصحيح عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه في هذا العلم الديني الخاص، وقد سئل هل خصكم رسول الله  بشيء من العلم فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا أن يؤتي الله عبدًا فهمًا في القرآن إلخ..

وأما ذلك الحوار في الآيات فهو شأن من شؤون الله تعالى مع ملائكته صوره لنا في هذه القصة بالقول والمراجعة والسؤال والجواب، ونحن لا نعرف حقيقة ذلك القول ولكننا نعلم أنه ليس كما يكون منا، وإن هناك معاني قصدت إفادتها بهذه العبارات، وهي عبارة عن شأن من شؤونه تعالى قبل خلق آدم وأنه كان يعد له الكون، وشأن من الملائكة يتعلق بخلق نوع الإنسان، وشأن آخر في بيان كرامة هذا النوع وفضله.

وأما الفائدة فيما وراء البحث في حقيقة لملائكة وكيفية الخطاب بينهم وبين الله تعالى فهي من وجوه.

أحدها-أن الله تعالى في عظمته وجلاله يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته في صنعه، وما يخفى عليهم من أسراره في خلقه، ولا سيما عند الحيرة، والسؤال يكون بالمقال ويكون بالحال والتوجه إلى الله تعالى في استفاضة العلم بالمطلوب من ينابيعه التي جرت سنته تعالى بأن يفيض منها، كالبحث العملي والإلهام الإلهي وربما كان للملائكة طريق آخر لاستفاضة العلم غير معروفة لأحد من البشر فيمكننا أن نحمل سؤال الملائكة على ذلك.

ثانيها-إذا كان من أسرار الله تعالى وحكمه ما يخفى على الملائكة فنحن أولى بأن يخفى علينا، فلا مطمع لإنسان في معرفة جميع أسرار الخليقة وحكمها لأنه لم يؤت من العلم إلا قليلًا.

ثالثها-إن الله تعالى هدى الملائكة في حيرتهم، وأجابهم عن سؤالهم لإقامة الدليل، بعد الإرشاد إلى الخضوع والتسليم، وذلك أنه بعد أن أخبرهم بأنه يعلم ما لا يعلمون علم آدم الأسماء ثم عرضهم على الملائكة كما سيأتي بيانه.

رابعها-تسلية النبي  عن تكذيب الناس، ومحتاجهم في النبوة بغير برهان على إنكار ما أنكروا وبطلان ما جحدوا، فإذا كان الملأ الأعلى قد مثلوا على أنهم يختصمون ويطلبون البيان والبرهان فيما لا يعلمون، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين، وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين، أي فعليك أيها الرسول أن تصبر على هؤلاء المكذبين، وترشد المسترشدين، وتأتي أهل الدعوة بسلطان مبين، وهذا الوجه هو الذي يبين اتصال هذه الآيات بما قبلها.

وكون الكلام لا يزال في موضوع الكتاب وكونه لا ريب فيه وفي الرسول وكونه يبلغ وحي الله تعالى ويهدي به عباده وفي اختلاف الناس فيهما، ومن خواص القرآن الحكيم الانتقال من مسألة إلى أخرى مباينة لها أو قريبة منها مع كون الجميع في سياق موضوع واحد.

وأما الخلف فمنهم من تكلم في حقيقة الملائكة ووضع لهم تعريفًا ومنهم من أمسك عن ذلك، وقد اتفقوا على أنهم يدركون ويعلمون.

والقصة على مذهبهم وردت مورد التمثيل لتقرب من أفهام الخلق ما تفيدهم معرفته من حال النشأة الآدمية، وما لها من المكانة والخصوصية: أخبر الله الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة، ففهموا من ذلك أن الله يودع في فطرة هذا النوع الذي يجعله خليفة أن يكون ذا إرادة مطلقة واختيار في عمله غير محدود، وأن الترجيح بين ما يتعارض من الأعمال التي تعن له يكون بحسب علمه، وأن العلم إذا لم يكن محيطًا بوجوه المصالح والمنافع يوجه الإرادة إلى خلاف المصلحة والحكمة وذلك هو الفساد، وهو متعين لازم الوقوع، لأن العلم المحيط لا يكون إلا لله تعالى، فعجبوا كيف يخرق الله هذا النوع من الخلق وسألوا الله تعالى بلسان المقال إن كانوا ينطقون، أو بلسان الحال والتوجه إليه لاستفاضة المعرفة بذلك وطلب البيان والحكمة، وعبر الله عن ذلك بالقول لأنه هو المعهود بالاستعلام والاستفهام عند البشر الذين أنزل القرآن لهدايتهم، كما نسب القول إلى السموات والأرض في قوله ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ .

فأول ما ألقى إليهم من الإلهام أو غيره من طرق الإعلام وهو وجوب الخضوع والتسليم، لمن هو بكل شيء عليم، لأن ما يضيق عنه علم أحد ويحار في كيفيته يتسع له علم من هو أعلم منه، ومن شأن الإنسان أن يسلم لمن يعتقد أنه فوقه في العلم ما يتصدى له مهما يكن بعيد الوقوع في اعتقاده، كما هو حال مشايخ الصوفية مع مريديهم.

ومن ذلك اعتقاد جماهير الناس في بلاد الحضارة والصناعات في هذا العصر إمكان أمور وأعمال لم يكن أحد يتصور إمكانها من قبل إلا بعض كبار علماء النظر، فإذا قيل إنهم يحاولون عمل كذا فإنهم يصدقونهم، وإن لم يعقلوا كيف يعملونه.

فإن الذين يصنعون سلكًا لنقل الأخبار بالكهرباء إلى الأماكن البعيدة في دقيقة أو دقائق قليلة يصدقون بأنهم يوصلون تلك الأخبار من غير سلك، وقد كان، ويصدقون بإمكان إيجاد آلة تجمع بين نقل الصوت ورؤية المتكلم وهو ما يحاولون الآن، وإذا قال لنا أهل هذه الصناعة إن ذلك ممكن الحصول صدقناهم فيما يقولون من غير تردد، وليس تصديقنا تقليدًا ولا تسليمًا أعمى كما يقال، بل هو تصديق عن دليل ركنه قياس ما يكون على ما قد كان بعد العلم بوحدة الوسائل.

والملائكة أعلم منا بشأن الله في أفعاله وأنه العليم الحكيم، فهم وإن فاجأهم العجب من خلق الخليفة يردهم إلى اليقين أدنى التنبيه، ولذلك كان قوله تعالى ﴿ إنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ  ﴾ جوابًا مقنعًا أي إقناع.

على أن هذا النوع من التسليم للعالم القادر ربما لا يذهب بالحيرة ولا يزيل الاضطراب من نفس المتعجب وإنما تسكن النفس ببروز ذلك الأمر الذي كانت تعجب من بروزه إلى عالم الوجود ووقوفها على أسراره وحكمه بالفعل، ولذلك تفضل الله تعالى على الملائكة بإكمال علمهم بحكمته في خلق هذا الخليفة الإنساني وسره عند طلوع فجره فعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة كما سيأتي، فعلموا أن في فطرة هذا الخليفة واستعداده علم ما لم يعلموا، وتبين لهم وجه استحقاقه لمقام الخلافة في الأرض، وأن كل ما يتوقع من الفساد وسفك الدماء لا يذهب بحكمة الاستخلاف وفائدته ومقامه، وناهيك بمقام العلم وفائدته، وسر العالم وحكمته.

فعلمنا أن السلف والخلف متفقون على تنزيه الله تعالى عما لا يليق به من شؤون المخلوقين، وعصمة ملائكته عما لا يليق بهم من الاعتراض أو الإنكار، فلا فرق في هذه النتيجة بين تفويض وتسليم وتأويل وتفهيم، والله بكل شيء عليم، وهناك تفسير الآيات بالتفصيل.

قد علمت مما تقدم أن الآيات متصلة بما قبلها من الكلام في الكتاب ومن جاء به ومن دعا إليه، فهي تجلي حجة الرسول ودعوته من حيث إن الملائكة إذا كانوا محتاجين إلى العلم ويستفيدونه بالتعلم من الله تعالى بالطريقة التي تناسب حالهم فالبشر أولى بالحاجة إلى ذلك منهم، لأن طبيعة البشر جبلت على أن يكتسبوا كل شيء اكتسابًا، وهي من جهة أخرى تسلية له  ببيان أن البشر أولى من الملائكة بإنكار ما لم يحيطوا بعلمه حتى يعلموا، وأنهم جبلوا على أن يتوبوا ويرجعوا بعد أن يخطئوا ويذنبوا، وأن الإفساد في الأرض وجحود الحق ومناصبة الداعي إليه ليس بدعًا من قومه، وإنما هو جبلة أهل الفكر وطبيعة البشر.

ثم إن المفسرين في "الخليفة" مذهبين: ذهب بعضهم إلى أن هذا اللفظ يشعر بأنه كان في الأرض صنف أو أكثر من نوع الحيوان الناطق، وأنه انقرض، وأن هذا الصنف الذي أخبر الله الملائكة بأن سيجعله خليفة في الأرض سيحل محله ويخلفه، كما قال بعد ذكر إهلاك القرون ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ  ﴾ وقالوا: إن ذلك الصنف البائد قد أفسد في الأرض وسفك الدماء، وإن الملائكة استنبطوا سؤالهم بالقياس عليه، لأن الخليفة لا بد أن يناسب من يخلفه ويكون من قبيله كما يتبادر إلى الفهم، ولكن لما لم يكن دليل على أنه يكون مثله من كل وجه، وليس ذلك من مقتضى الخلافة، أجاب الله الملائكة بأنه يعلم ما لا يعلمون مما يمتاز به هذا الخليفة على من قبله، وما له سبحانه في ذلك من الحكمة البالغة..

وإذا صح هذا القول فليس آدم أول الصنف العاقل من الحيوان على هذه الأرض، وإنما كان أول طائفة جديدة من الحيوان الناطق تماثل الطائفة أو الطوائف البائدة منه في الذات والمادة وتخالفها في بعض الأخلاق والسجايا.

هذا أحسن ما يجلى فيه هذا المذهب، وأكثر ما قالوه فيه قد سرى إلى المسلمين من أساطير الفرس وخرافاتهم، ومنه أنه كان في الأرض قبل آدم خلق يسمون بالحِنّ والبِنّ، أو الطم والرم، والأكثرون على أن الخلق الذين كانوا في الأرض قبل آدم مباشرةً كانوا يسمون الجن، والقائلون منهم بالحن (بالمهملة) والبن قالوا إن هؤلاء عاثوا في الأرض فسادًا فأبادهم الله (كما تقدم آنفًا) وقالوا إن الله تعالى أرسل إليهم إبليس في جند من الملائكة فحارب الجن فدمرهم وفرقهم في الجزائر والبحار.

وليس لهم في الإسلام سند يحتج به على هذه القصص، ولكن تقاليد الأمم الموروثة في هذه المسألة تنبئ بأمر ذي بال، وهي متفقة فيها بالإجمال، ألا وهو ما قلناه من أن آدم ليس أول الأحياء العاقلة التي سكنت الأرض.

هذا هو المذهب الأول في تفسير الخليفة.

وذهب الآخرون إلى أن المراد أني جاعل في الأرض خليفة عني، ولهذا شاع أن الإنسان خليفة الله في أرضه، وقال تعالى ﴿ يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ  ﴾ والظاهر والله أعلم أن المراد بالخليفة آدم ومجموع ذريته ولكن ما معنى هذه الخلافة وما المراد من هذا الاستخلاف؟

هل هو استخلاف بعض الإنسان على بعض أم استخلاف النوع على غيره؟

جرت سنة الله في خلقه بأن تعلم أحكامه للناس وتنفذ فيهم على ألسنة أناس منهم يصطفيهم ليكونوا خلفاء عنه في ذلك وكما أن الإنسان أظهر أحكام الله وسننه، الوضعية، أي الشرعية لأن الشرع وضع إلهي، كذلك أظهر حكمه وسننه الخلقية الطبيعية فيصح أن يكون معنى الخلافة عامًا في كل ما ميز الله به الإنسان على سائر المخلوقات: نطق الوحي ودل العيان والاختبار على أن الله تعالى خلق العالم أنواعًا مختلفة، وخص كل نوع غير نوع الإنسان بشيء محدود معين لا يتعداه، فأما ما لا نعرفه إلا من طريق الوحي كالملائكة فقد ورد في الآيات والأحاديث ما يدل على أن وظائفه محدود قال تعالى ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ  ﴾ .

﴿ وإنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ  وإنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ  ﴾ .

﴿ وَالصَّافَّاتِ صَفًا  فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا  ﴾ .

﴿ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا  والنَّاشِطَاتِ نَشْطًا  والسَّابِحَاتِ سَبْحًا  فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا  فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا  ﴾ على قول من قال إن المراد بها الملائكة، إلى غير ذلك مما يدل على أنهم طوائف لكل طائفة وظيفة محدودة، ورد في الأحاديث أن منهم الساجد دائمًا والراكع دائمًا إلى يوم القيامة.

وأما ما نعرفه بالنظر والاختبار فهو حال المعدن والجماد ولا علم له ولا عمل، وحال النبات وإنما تأثير حياته في نفسه، فلو فرض أن له علمًا وإرادة فهما لا أثر لهما في جعل عمل النبات مبينًا لحكم الله وسننه في الخلق، ولا وسيلة لبيان أحكامه وتنفيذها، فكل حي من الأحياء المحسوسة والغيبية فإن له استعدادًا محدودًا، وعلمًا إلهاميًا محدودًا، وعملًا محدودًا، وما كان كذلك لا يصلح أن يكون خليفة عن الذي لا حد لعلمه وإرادته، ولا حصر لأحكامه وسننه، ولا نهاية لأعماله وتصرفه.

وأما الإنسان فقد خلقه الله ضعيفًا كما قال في كتابه ﴿ وخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا  ﴾ وخلقه جاهلًا كم قال ﴿ واللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا  ﴾ ولكنه على ضعفه عبرة لمن يعتبر، وموضع لعجب المتعجب، لأنه مع ضعفه يتصرف في الأقوياء، ومع جهله في نشأته يعلم جميع الأسماء، يولد الحيوان عالمًا بالإلهام ما ينفعه وما يضره، وتكمل له قواه في زمن قليل، ويولد الإنسان وليس له من الإلهام إلا الصراخ بالبكاء، ثم يحس ويشعر بالتدريج البطيء بالنسبة إلى غيره من الحيوان، ويعطي قوة أخرى تتصرف بشعوره وإحساسه تصرفًا يكون له به السلطان على هذه الكائنات، فيسخرها ويذللها بعد ذلك كما تشاء تلك القوة الغريبة، وهي التي يسمونها العقل ولا يعقلون سرها، ولا يدركون حقيقتها وكنهها، فهي التي تغني الإنسان عن كل ما وهب للحيوان في أصل الفطرة من الكساء الذي يقيه البرد والحر، والأعضاء التي يتناول بها غذاءه والتي يدافع بها عن نفسه ويسطو بها على عدوه، وغير ذلك من المواهب التي يعطاها الحيوان بلا كسب، حتى كان له بها من الاختراعات العجيبة ما كان وسيكون له من ذلك ما لا يصل إليه التقدير والحسبان.

فالإنسان بهذه القوة غير محدود الاستعداد ولا محدود الرغائب ولا محدود العلم ولا محدود العمل، فهو على ضعف أفراده يتصرف بمجموعه في الكون تصرفًا لا حد له بإذن الله وتصريفه، وكما أعطاه الله تعالى هذه المواهب والأحكام الطبيعية ليظهر بها أسرار خليفته، وملكه الأرض وسخر له عوالمها - أعطاه أحكامًا وشرائع حد فيها لأعماله وأخلاقه حدًا يحول دون بغي أفراده وطوائفه بعضهم على بعض، فهي تساعده على بلوغ كماله لأنها مرشد ومربٍ للعقل الذي كان له كل تلك المزايا فلهذا كله جعله خليفته في الأرض وهو أخلق المخلوقات بهذه الخلافة.

ظهرت آثار الإنسان في هذه الخلافة على الأرض، ونحن نشاهد عجائب صنعه في المعدن والنبات، وفي البر والبحر والهواء، فهو يتفنن ويبتدع، ويكتشف ويخترع، ويجد ويعمل، حتى غير شكل الأرض فجعل الحزن سهلًا، والماحل خصبًا، والخراب عمرانًا، والبراري بحارًا أو خلجانًا، وولد بالتلقيح أزواجًا من النبات لم تكن كالليمون المسمى "يوسف أفندي"، فإن الله تعالى خلقه بيد الإنسان وأنشأه بكسبه، وقد تصرف في أبناء جنسه من أنواع الحيوان كما يشاء بضروب التربية والتغذية والتوليد، حتى ظهر التغير في خلقتها وخلائقها وأصنافها، فصار منها الكبير والصغير، ومنها الأهلي والوحشي، وهو ينتفع بكل نوع منها ويسخره لخدمته كما سخر القوى الطبيعية وسائر المخلوقات.

أليس من حكمة الله، الذي أعطی کل شيء، خلقه ثم هدی، أن جعل الإنسان بهذه المواهب خليفته في الأرض، يقيم سننه: ويظهر عجائب صنعه، وأسرار خليقته و بدائع حكمه ومنافع أحكامه؟

وهل وجدت آية على كمال الله تعالى وسعة علمه أظهر من هذا الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم؟

وإذا كان الإنسان خليفة بهذا المعنى فكيف تعجب الملائكة منه؟.

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً  ﴾ بادروا إلى السؤال واستفهام الاستغراب ﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ  ﴾ فيغفل بذلك عن تسبيحك وتقديسك ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  ﴾ بلا غفلة ولا فتور؟

لا شك أن هذا السؤال نشأ من فهم المعنى المراد من الخليفة وما يقتضيه من العلم غير المحدود والإرادة المطلقة، وكون هذا العلم المصرف للإرادة لا يحصل إلا بالتدريج ، وكون عدم الإحاطة مدعاة للفساد، والتنازع المفضي إلى سفك الدماء كما تقدم.

نعم إن هذا العلم الواسع لا يعطاه فرد من أفراد الإنسان ولا مجموع النوع دفعة واحدة فيشابه علمه الله تعالى، وكلها أوتي نصيبًا منه ظهر له من جهله ما لم يكن يعلم، وكلما أعطي حظًا من الأدب والعقل ظهر له ضعف عقله، ولله در الشافعي حيث قال: کلما أدبني الــدهـ ـر أراني نقص عقلي وإذا ما ازددت علمًا زادني علمًا بجهلي فهو على سعة علمه لم يؤت من العلم الإلهي إلا قليلًا، وهو مع ذلك أوسع مظاهر العلم الإلهي، ولذلك أجاب الله الملائكة بالعلم ﴿ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ  ﴾ فأثبت لذاته العلم بحكمة هذه الخلافة ونفاه عنهم، ثم أظهر لهم أن الإنسان يكون خليفة بالعلم وما يتبعه فقال: <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر