الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ١٠٦-١٠٨
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 12 دقيقة قراءةقال أئمة اللغة إن أصل النسخ النقل سواء كان نقل الشيء بذاته كما يقال: نسخت الشمس الظل: أي نقلته من مكان إلى مكان، أو نقل صورته كما يقال: نسخت الكتاب: إذا نقلت عنه صورة مثل الأولى.
وورد: نسخت الريح الأثر: إزالته.
وأصل النسيان الترك أو هو غايته اللازمة له، ومنه قوله تعالى ﴿ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ﴾ أي تركتها بترك العمل بها فجزاؤك أن تترك في العذاب فاحفظ المعنى اللغوي.
وللمفسرين في تفسير هذه الآية طريقان: أحدهما أنها على حد قوله تعالى ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ فالنسخ هنا بمعنى التبديل، أي إذا جعلنا آية بدلًا من آية فإننا نجعل هذا البدل خيرًا من المبدل منه أو مثله على الأقل، فالآية عند هؤلاء في نسخ التلاوة، وقالوا إن المراد بالنسيان هو أن يأمر الله تعالى بعدم تلاوة الآية فتنسى بالمرة...
وهذا بمعنى التبديل فما هي الفائدة في عطفه عليه بأو؟
وهل هو إلا تكرار يجل كلام الله عنه؟.
وثانيهما أن المراد نسخ حكم الآية، وهو عام يشمل نسخ الحكم وحده ونسخه مع التلاوة، وهذا هو القول المختار للجمهور، وقالوا في توجيهه إنه لا معنى لنسخ الآية في ذاتها ولا حاجة إليه وإنما الأحكام تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال، فإذا شرع حكم في وقت لشدة الحاجة إليه ثم زالت الحاجة في وقت آخر فمن الحكمة أن ينسخ الحكم ويبدل بما يوافق الوقت الآخر فيكون خيرًا من الأول أو مثله في فائدته من حيث قيام المصلحة به.
وقالوا إن المراد بالإنساء إزالة الآية من ذاكرة النبي ، وقد اختلف في هذا أيكون بعد التبليغ أم قبله، فقيل بعده كما ورد في أصحاب بئر معونة وقيل قبله حتى أن السيوطي روى في أسباب النزول أن الآية كانت تنزل على النبي ، ليلًا فينساها نهارًا فحزن لذلك فنزلت الآية.
ولا شك عندي في أن هذه الرواية مكذوبة وأن مثل هذا النسيان محال على الأنبياء عليهم السلام لأنهم معصومون في التبليغ والآيات الكريمة ناطقة بذلك كقوله تعالى ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ وقوله ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .
وقد قال المحدثون والأصوليون إن من علامة وضع الحديث مخالفته للدليل القاطع عقليًا كان أو نقليًا كأصول الاعتقاد وهذه المسألة منها فإن هذا النسيان ينافي العصمة المجمع عليها.
وقالوا في تفسير قوله تعالى بعد ما ذكر ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ إنه ورد مورد الاستدلال على القدرة على النسخ بالمعنى الذي قالوه أي أنه لا يستنكر على الله كما زعم اليهود لأنه مما تناله قدرته ثم استدل على ذلك بقوله ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ الآية.
والخطاب في ﴿ تَعْلَمْ ﴾ للنبي والمراد به غيره من المؤمنين الذين ربما كانوا يمتعضون من كلام اليهود وغيرهم من المعترضين على النسخ، وضعيف الإيمان يؤثر في نفسه أن يعاب ما يأخذ به فيخشى عليه من الركون إلى الشبهة أو الحيرة فيها، ففي الكلام تثبيت لمن كان كذلك من الضعفاء ودعم لإيمانهم، وتوجبه الكلام إلى شخص يراد غيره شائع في كلام العرب والمولدين، ولذلك قال بعض العلماء: نزل القرآن على طريق قولهم "إياك أعني واسمعي يا جاره".
وإذا كان هذا الملك العظيم لله وحده فلا شك أنه لا يعجزه أن ينسخ حكمًا من الأحكام.
ومن آية إرادة الأمة بالخطاب الالتفات عن الأفراد إلى الجمع بقوله ﴿ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ﴾ أي أن وليكم وناصركم هو الله تعالى وحده فلا تبالوا بمن ينكر النسخ أو يعيبكم به، ولا ينبغي أن يستهويكم إنكارهم فيميلكم عن دينكم فإنه لا قيمة له ولا للمنكرين إذ ليس في استطاعتكم أن يضروكم أو ينفعوكم إذا كان الله هو مولاكم وناصركم.
وإذا أراد الله بكم سوءًا فلا يملكون أن يدفعوه عنكم.
ثم قال تعالى ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ﴾ ؟
وهذا كلام جديد منقطع عما قبله وقالوا إن ﴿ أَمْ ﴾ هنا للاستفهام لا للإضراب لأن ﴿ أَمْ ﴾ التي تستعمل بمعنى (بل) يقصد بها الإضراب عن الكلام السابق ولا يظهر الإضراب هنا.
واستشهدوا لأم الاستفهامية بقول الشاعر: فوالله لا أدري أهند تقولت أم القوم أم كل إلي حبيب وأنا مع القائلين بأنها للاستفهام: وبعض المفسرين يقولون إن ﴿ أَمْ ﴾ هذه منقطعة للإضراب عن عدم علمهم بالسابق إلى الاستفهام عن اقتراحهم، فهي تتضمن الإضراب والاستفهام معًا، وتجد الجلالين يقدران ذلك في تفسيرهما وقد قدرا فيه بعض هنا"بل أتريدون".
والحاصل أن المعنى هنا أتريدون أن تسألوا رسولكم كما سأل موسى قومه تبرمًا وإعناتًا؟
يحذر المسلمين ما فعل أولئك، وقد أتبع التحذير بالوعيد فقال ﴿ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ أي أن ترك الآيات الموجودة والإعراض عنها لإعنات النبي بسؤال غيرها لتكون بدلًا منها هو من اختيار الكفر على الإيمان واستحباب العمى على الهدى.
وبدل وتبدل واستبدل يدل على جعل شيء في موضع آخر بدلًا منه، والباء تقرن بالمبدل منه لا بالبدل كما أشرنا إليه في تفسير ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ﴾ .
هذا تقرير ما جرى عليه المفسرون في الآيات.
وإذا وازنا بين سياق آية ﴿ مَا نَنْسَخْ ﴾ وآية ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ ﴾ نجد أن الأولى ختمت بقوله تعالى ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ والثانية بقوله ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ ونحن نعلم شدة العناية في أسلوب القرآن بمراعاة هذه المناسبات.
فذكر العلم والتنزيل ودعوى الافتراء في الآية الثانية يقتضي أن يراد بالآيات فيها آيات الأحكام.
وأما ذكر القدرة والتقرير بها في الآية فلا يناسب موضوع الأحكام ونسخها، وإنما يناسب هذا ذكر العلم والحكمة فلو قال ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ لكان لنا أن نقول إنه أراد نسخ آيات الأحكام لما اقتضته الحكمة من انتهاء الزمن أو الحال التي كانت فيها تلك الأحكام موافقة للمصلحة.
وقد تحير العلماء في فهم الإنساء على الوجه الذي ذكروه حتى قال بعضهم إن معنى ﴿ نُنسِهَا ﴾ نتركها على ما هي عليه من غير نسخ، وأنت ترى أن هذا وإن صح لغة لا يلتئم مع تفسيرهم، إذ لا معنى للإتيان بخير منها مع تركها على حالها غير منسوخة.
والمعنى الصحيح الذي يلتئم مع السياق إلى آخره إن الآية هنا هي ما يؤيد الله تعالى به الأنبياء من الدلائل على نبوتهم أي ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ ﴾ نقيمها دليلًا على نبوة نبي من الأنبياء أي نزيلها ونترك تأييد نبي آخر بها أو ننسها الناس لطول العهد بمن جاء بها فإننا بما لنا من القدرة الكاملة والتصرف في الملك نأتي بخير منها في قوة الإقناع وإثبات النبوة أو مثلها في ذلك.
ومن كان هذا شأنه في قدرته وسعة ملكه فلا يتقيد بآية مخصوصة يمنحها جميع أبنائه.
والآية في أصل اللغة هي الدليل والحجة والعلامة على صحة الشيء، وسميت جمل القرآن آيات لأنها بإعجازها حجج على صدق النبي ودلائل على أنه مؤيد فيها بالوحي من الله ، من قبيل تسمية الخاص باسم العام.
ولقد كان من يهود من يشكك في رسالته بزعمهم أن النبوة محتكرة لشعب إسرائيل، وقد تقدمت الآيات في تفنيد زعمهم هذا وقالوا ﴿ لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى ﴾ أي من الآيات؟
فرد الله تعالى عليهم في مواضع منها قوله بعد حكاية قولهم هذا ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ﴾ إلخ ومنها هذه الآية والخطاب فيها للمؤمنين الذين كان اليهود يريدون تشكيكهم، كأنه يقول إن قدرة الله تعالى ليست محدودة ولا مقيدة بنوع مخصوص من الآيات أو بآحاد منها لا تتناول غيرها، وليست الحجة محصورة في الآيات السابقة لا تتعداها، بل الله قادر على أن يأتي بخير من الآيات التي أعطاها موسى وبمثلها، فإنه لا يعجز قدرته شيء، ولا يخرج عن ملكه شيء، كما أن رحمته ليست محصورة في شعب واحد فيخصه بالنبوة، ويحصر فيه هداية الرسالة، كلا إن رحمته وسعت كل شيء، كما أن قدرته تتصرف بكل شيء من ملك السموات والأرض الذي لا يشاركه فيه مشارك، ولا ينازعه فيه منازع، فيكون وليًا ونصيرًا لمن كفر بنعمه وانحرف عن سننه.
انظر كيف أسفرت البلاغة عن وجهها في هذا المقام فظهر أن ذكر القدرة وسعة الملك إنما يناسب الآيات بمعنى الدلائل دون معنى الأحكام الشرعية والأقوال الدالة عليها من حيث هي دالة عليها لا حيث هي دالة على النبوة.
ويزيد هذا سفورًا ووضوحًا قوله عقبه ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ﴾ ؟
فقد كان بنو إسرائيل لم يكتفوا بما أعطى موسى من الآيات وتجرءوا على طلب غيرها ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ وكذلك كان فرعون وقومه كلما رأوا آية طلبوا غيرها حتى رأوا تسع آيات بينات، ولم يؤمنوا.
قوله تعالى: ﴿ كَمَا سُئِلَ مُوسَى ﴾ يشمل كل ذلك.
قد أرشدنا الله تعالى بهذا إلى أن التفنن في طلب الآيات وعدم الإذعان لما يجيء به النبي منها والاكتفاء به بعد العجز عن معارضته هو دأب المطبوعين على الكفر الجامدين على المعاندة والمجاحدة، فإنه قال بعد إنكار هذا الطلب ﴿ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ ويوضح هذا قوله تعالى في آية أخرى ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ﴾ والمراد الآيات المقترحة بدليل السياق وهو اتفاق بين المفسرين.
ولو كان الموضوع موضوع طلب استبدال أحكام بأحكام تنسخها لما كان للتوعد بالكفر وجه وجيه، وقوله تعالى ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ معناه أنه أخطاء وسط الجادة ومال أحد الجانبين، ومتى انحرف السائر في سيره عن الوسط يخرج عن المنهج ويبعد عنه كلما أوغل في السيرة فيهلك دون الوصول إلى المقصد.
والمراد بسواء السبيل الحق والخير اللذان تكمل الفطرة بالاستقامة على السيرة في طريقهما، ومن مال عن الحق وقع في الباطل لا محالة ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾ .
هذا هو التفسير الذي تتصل به الآيات ويلتئم بعضها مع بعض على وجه يتدفق بالبلاغة، وهو الذي يتقبله العقل ويستحليه الذوق إذ لا يحتاج إلى شيء من التكلف في فهم نظمه ولا في توجيه مفرداته "كالإنساء" و "القدرة" و "الملك" وقد اضطر القائلون بأن المراد بالنسخ نسخ الأحكام - مع ما علمت من التكلف - إلى القول بجواز نسيان الوحي، وطفقوا يتلمسون الدلائل على ذلك حتى أوردوا قوله ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ وليس من هذا الموضوع ولا المخاطب به النبي وإنما جاء على طريق الحكاية، وأما قوله تعالى ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ فهو يؤكد عدم النسيان لأن الأستثناء بالمشيئة قد استعمل في أسلوب القرآن للدلالة على الثبوت والاستمرار كما في قوله تعالى ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ أي غير مقطوع.
وقوله ﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ والنكتة في الاستثناء بيان أن هذه الأمور الثابتة الدائمة إنما كانت كذلك بمشيئة الله تعالى لا بطبيعتها في نفسها ولو شاء الله تعالى أن يغيرها لفعل، وهذا الاعتقاد من مهمات الدين فلا غرو أن تزاح عنه الأوهام في كل مقام يمكن أن تعرض فيه.
فليس امتناع نسيان الوحي طبيعة لازمة للنبي، وإنما هو تأييد ومنحة من الله تعالى، وليس خلود أهل الجنة في الجنة واجبًا عقليًا أو طبيعيًا وإنما هو بإرادة الله تعالى ومشيئته.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "أو ننسأها" أي نؤخرها ولا يظهر هذا المعنى في مقام نسخ الأحكام كما يظهر في نسخ الآيات والمعجزات المقترحة على الأنبياء فإن الآية التي تقترح على نبي لأنها كانت لنبي قبله قد تنسخ بآيات جديدة خير منها أو مثلها وقد تؤخر بالآية الجديدة ثم تعطى في وقت آخر بعد الاقتراح ولكن تأخير آيات الأحكام ليس له معنى ظاهر.
<div class="verse-tafsir"