الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٠٨ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 124 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة ، عن كثرة سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الأشياء قبل كونها ، كما قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) [ المائدة : 101 ] أي : وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم ، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه ; فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة .
ولهذا جاء في الصحيح : " إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم ، فحرم من أجل مسألته " .
ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد مع امرأته رجلا فإن تكلم تكلم بأمر عظيم ، وإن سكت سكت على مثل ذلك ; فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها .
ثم أنزل الله حكم الملاعنة .
ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال وفي صحيح مسلم : " ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " .
وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج .
فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟
فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا .
ثم قال ، عليه السلام : " لا ، ولو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لما استطعتم " .
ثم قال : " ذروني ما تركتكم " الحديث .
وهكذا قال أنس بن مالك : نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع .
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده : حدثنا أبو كريب ، حدثنا إسحاق بن سليمان ، عن أبي سنان ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب ، قال : إن كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فأتهيب منه ، وإن كنا لنتمنى الأعراب .
وقال البزار : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا ابن فضيل ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، ما سألوه إلا عن ثنتي عشرة مسألة ، كلها في القرآن : ( يسألونك عن الخمر والميسر ) [ البقرة : 219 ] ، و ( يسألونك عن الشهر الحرام ) [ البقرة : 217 ] ، و ( ويسألونك عن اليتامى ) [ البقرة : 220 ] يعني : هذا وأشباهه .
وقوله تعالى : ( أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ) أي : بل تريدون .
أو هي على بابها في الاستفهام ، وهو إنكاري ، وهو يعم المؤمنين والكافرين ، فإنه ، عليه السلام ، رسول الله إلى الجميع ، كما قال تعالى : ( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ) [ النساء : 153 ] .
قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد [ بن جبير ] عن ابن عباس ، قال : قال رافع بن حريملة أو وهب بن زيد : يا محمد ، ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرأه ، وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك .
فأنزل الله من قولهم : ( أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل ) وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية في قوله تعالى : ( أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل ) قال : قال رجل : يا رسول الله ، لو كانت كفاراتنا كفارات بني إسرائيل !
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم لا نبغيها - ثلاثا - ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل ، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها ، فإن كفرها كانت له خزيا في الدنيا ، وإن لم يكفرها كانت له خزيا في الآخرة .
فما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل " .
قال : ( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ) [ النساء : 110 ] ، وقال : " الصلوات الخمس من الجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن " .
وقال : " من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه ، وإن عملها كتبت سيئة واحدة ، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة ، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها ، ولا يهلك على الله إلا هالك " .
فأنزل الله : ( أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ) وقال مجاهد : ( أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ) أن يريهم الله جهرة ، قال : سألت قريش محمدا صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا .
قال : " نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم " ، فأبوا ورجعوا .
وعن السدي وقتادة نحو هذا ، والله أعلم .
والمراد أن الله ذم من سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء ، على وجه التعنت والاقتراح ، كما سألت بنو إسرائيل موسى ، عليه السلام ، تعنتا وتكذيبا وعنادا ، قال الله تعالى : ( ومن يتبدل الكفر بالإيمان ) أي : من يشتر الكفر بالإيمان ( فقد ضل سواء السبيل ) أي : فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم والانقياد لهم ، إلى مخالفتهم وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها ، على وجه التعنت والكفر ، كما قال تعالى : ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار ) [ إبراهيم : 28 ، 29 ] .
وقال أبو العالية : يتبدل الشدة بالرخاء .
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْل } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة .
فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 1473 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْب , قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُس بْن بُكَيْر , وَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا سَلَمَة بْن الْفَضْل , قَالَا : ثنا ابْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة عَنْ ابْن عَبَّاس : قَالَ رَافِع بْن حُرَيْمِلَة وَوَهْب بْن زَيْد لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ائْتِنَا بِكِتَابِ تُنْزِلهُ عَلَيْنَا مِنْ السَّمَاء نَقْرَؤُهُ وَفَجِّرْ لَنَا أَنَهَارًا نَتَّبِعك وَنُصَدِّقك !
فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ : { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْل } الْآيَة .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 1474 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْل } وَكَانَ مُوسَى يُسْأَل فَقِيلَ لَهُ : { أَرِنَا اللَّه جَهْرَة } .
4 153 1475 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْل } أَنْ يُرِيهِمْ اللَّه جَهْرَة , فَسَأَلَتْ الْعَرَب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيهِمْ بِاَللَّهِ فَيَرَوْهُ جَهْرَة .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 1476 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْل } أَنْ يُرِيهِمْ اللَّه جَهْرَة .
فَسَأَلَتْ قُرَيْش مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَل اللَّه لَهُ الصَّفَا ذَهَبًا , قَالَ : " نَعَمْ , وَهُوَ لَكُمْ كَمَائِدَةِ بَنِي إسْرَائِيل إنْ كَفَرْتُمْ " .
فَأَبَوْا وَرَجَعُوا .
* حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد قَالَ : سَأَلَتْ قُرَيْش مُحَمَّدًا أَنْ يَجْعَل لَهُمْ الصَّفَا ذَهَبًا , فَقَالَ : " نَعَمْ , وَهُوَ لَكُمْ كَالْمَائِدَةِ لِبَنِي إسْرَائِيل إنْ كَفَرْتُمْ " .
فَأَبَوْا وَرَجَعُوا , فَأَنْزَلَ اللَّه { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْل } أَنْ يُرِيهِمْ اللَّه جَهْرَة .
* حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 1477 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , قَالَ : قَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه لَوْ كَانَتْ كَفَّارَاتنَا كَفَّارَات بَنِي إسْرَائِيل !
فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُمَّ لَا نَبْغِيهَا !
مَا أَعْطَاكُمْ اللَّه خَيْر مِمَّا أَعْطَى بَنِي إسْرَائِيل ; فَقَالَ النَّبِيّ : كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيل إذَا فَعَلَ أَحَدهمْ الْخَطِيئَة وَجَدَهَا مَكْتُوبَة عَلَى بَابه وَكَفَّارَتهَا , فَإِنْ كَفَّرَهَا كَانَتْ لَهُ خِزْيًا فِي الدُّنْيَا , وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرهَا كَانَتْ لَهُ خِزْيًا فِي الْآخِرَة .
وَقَدْ أَعْطَاكُمْ اللَّه خَيْرًا مِمَّا أَعْطَى بَنِي إسْرَائِيل , قَالَ : { وَمَنْ يَعْمَل سُوءًا أَوْ يَظْلِم نَفْسه ثُمَّ يَسْتَغْفِر اللَّه يَجِد اللَّه غَفُورًا رَحِيمًا } " 4 110 قَالَ : وَقَالَ : " الصَّلَوَات الْخَمْس وَالْجُمُعَة إلَى الْجُمُعَة كَفَّارَات لِمَا بَيْنهنَّ " .
وَقَالَ : " مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَة , فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْر أَمْثَالهَا , وَلَا يَهْلَك عَلَى اللَّه إلَّا هَالِك " .
فَأَنْزَلَ اللَّه : { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْل } .
وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَعْنَى { أَمْ } الَّتِي فِي قَوْله : { أَمْ تُرِيدُونَ } .
فَقَالَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ : هِيَ بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَام , وَتَأْوِيل الْكَلَام : أَتُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولكُمْ ؟
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : هِيَ بِمَعْنَى اسْتِفْهَام مُسْتَقْبَل مُنْقَطِع مِنْ الْكَلَام , كَأَنَّك تَمِيل بِهَا إلَى أَوَّله كَقَوْلِ الْعَرَب : إنَّهَا لَإِبِل يَا قَوْم أَمْ شَاءَ , وَلَقَدْ كَانَ كَذَا وَكَذَا أَمْ حَدْس نَفْسِيّ .
قَالَ : وَلَيْسَ قَوْله : { أَمْ تُرِيدُونَ } عَلَى الشَّكّ ; وَلَكِنَّهُ قَالَهُ لِيُقَبِّح لَهُ صَنِيعهمْ .
وَاسْتَشْهَدَ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِبَيْتِ الْأَخْطَل : كَذَبَتْك عَيْنك أَمْ رَأَيْت بِوَاسِطِ غَلَس الظَّلَام مِنْ الرَّبَاب خَيَالًا وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : إنْ شِئْت جَعَلْت قَوْله : { أَمْ تُرِيدُونَ } اسْتِفْهَامًا عَلَى كَلَام قَدْ سَبَقَهُ , كَمَا قَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { ألم تَنْزِيل الْكِتَاب لَا رَيْب فِيهِ مِنْ رَبّ الْعَالَمِينَ أُمّ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ } 32 1 - 3 فَجَاءَتْ " أَمْ " وَلَيْسَ قَبْلهَا اسْتِفْهَام .
فَكَانَ ذَلِكَ عِنْده دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ اسْتِفْهَام مُبْتَدَأ عَلَى كَلَام سَبَقَهُ .
وَقَالَ قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة : " أَمْ " فِي الْمَعْنَى تَكُون رَدًّا عَلَى الِاسْتِفْهَام عَلَى جِهَتَيْنِ , إحْدَاهُمَا : أَنْ تَعْرِف مَعْنَى " أَيْ " , وَالْأُخْرَى أَنْ يُسْتَفْهَم بِهَا , وَيَكُون عَلَى جِهَة النَّسَق , وَاَلَّذِي يَنْوِي بِهِ الِابْتِدَاء ; إلَّا أَنَّهُ ابْتِدَاء مُتَّصِل بِكَلَامِ , فَلَوْ ابْتَدَأْت كَلَامًا لَيْسَ قَبْله كَلَام ثُمَّ اسْتَفْهَمْت لَمْ يَكُنْ إلَّا بِالْأَلِفِ أَوْ ب " هَلْ " .
قَالَ : وَإِنْ شِئْت قُلْت فِي قَوْله : { أَمْ تُرِيدُونَ } قَبْله اسْتِفْهَام , فَرَدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي قَوْله : { أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } .
وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَار الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ أَهْل التَّأْوِيل أَنَّهُ اسْتِفْهَام مُبْتَدَأ بِمَعْنَى : أَتُرِيدُونَ أَيّهَا الْقَوْم أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولكُمْ ؟
وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يَسْتَفْهِم الْقَوْم ب " أَمْ " وَإِنْ كَانَتْ " أَمْ " أَحَد شُرُوطهَا أَنْ تَكُون نَسَقًا فِي الِاسْتِفْهَام لِتُقَدِّم مَا تَقَدَّمَهَا مِنْ الْكَلَام ; لِأَنَّهَا تَكُون اسْتِفْهَامًا مُبْتَدَأ إذَا تَقَدَّمَهَا سَابِق مِنْ الْكَلَام , وَلَمْ يُسْمَع مِنْ الْعَرَب اسْتِفْهَام بِهَا وَلَمْ يَتَقَدَّمهَا كَلَام .
وَنَظِيره قَوْله جَلّ ثَنَاؤُهُ : { ألم تَنْزِيل الْكِتَاب لَا رَيْب فِيهِ مِنْ رَبّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ } .
وَقَدْ تَكُون " أَمْ " بِمَعْنَى " بَلْ " إذَا سَبَقَهَا اسْتِفْهَام لَا يَصْلُح فِيهِ " أَيْ " , فَيَقُولُونَ : هَلْ لَك قِبَلنَا حَقّ , أَمْ أَنْت رَجُل مَعْرُوف بِالظُّلْمِ ؟
وَقَالَ الشَّاعِر : فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي أَسَلْمَى تَغَوَّلَتْ أَمْ الْقَوْم أَمْ كُلّ إلَيَّ حَبِيب يَعْنِي : بَلْ كُلّ إلَيَّ حَبِيب .
وَقَدْ كَانَ بَعْضهمْ يَقُول مُنْكِرًا قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ " أَمْ " فِي قَوْله : { أَمْ تُرِيدُونَ } اسْتِفْهَام مُسْتَقْبَل مُنْقَطِع مِنْ الْكَلَام يَمِيل بِهَا إلَى أَوَّله أَنَّ الْأَوَّل خَبَر وَالثَّانِي اسْتِفْهَام , وَالِاسْتِفْهَام لَا يَكُون فِي الْخَبَر , وَالْخَبَر لَا يَكُون فِي الِاسْتِفْهَام ; وَلَكِنْ أَدْرَكَهُ الشَّكّ بِزَعْمِهِ بَعْد مُضِيّ الْخَبَر , فَاسْتَفْهَمَ .
فَإِذَا كَانَ مَعْنَى " أَمْ " مَا وَصَفْنَا , فَتَأْوِيل الْكَلَام : أَتُرِيدُونَ أَيّهَا الْقَوْم أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولكُمْ مِنْ الْأَشْيَاء نَظِير مَا سَأَلَ قَوْم مُوسَى مِنْ قَبْلكُمْ , فَتَكْفُرُوا إنْ مَنَعْتُمُوهُ فِي مَسْأَلَتكُمْ مَا لَا يَجُوز فِي حِكْمَة اللَّه إِعْطَاؤُكُمُوه , أَوْ أَنْ تَهْلَكُوا , إنْ كَانَ مِمَّا يَجُوز فِي حِكْمَته عَطَاؤُكُمُوهُ فَأَعْطَاكُمُوهُ ثُمَّ كَفَرْتُمْ مِنْ بَعْد ذَلِكَ , كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ مِنْ الْأُمَم الَّتِي سَأَلَتْ أَنْبِيَاءَهَا مَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَسْأَلَتهَا إيَّاهُمْ , فَلَمَّا أُعْطِيَتْ كَفَرَتْ , فَعُوجِلَتْ بِالْعُقُوبَاتِ لِكُفْرِهَا بَعْد إعْطَاء اللَّه إيَّاهَا سُؤْلهَا .
وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَتَبَدَّل الْكُفْر بِالْإِيمَانِ } .
يَعْنِي جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَمَنْ يَتَبَدَّل } وَمَنْ يَسْتَبْدِل الْكُفْر ; وَيَعْنِي بِالْكُفْرِ : الْجُحُود بِاَللَّهِ وَبِآيَاتِهِ { بِالْإِيمَانِ } , يَعْنِي بِالتَّصْدِيقِ بِاَللَّهِ وَبِآيَاتِهِ وَالْإِقْرَار بِهِ .
وَقَدْ قِيلَ عَنِّي بِالْكُفْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِع الشِّدَّة وَبِالْإِيمَانِ الرَّخَاء .
وَلَا أَعْرِف الشِّدَّة فِي مَعَانِي الْكُفْر , وَلَا الرَّخَاء فِي مَعْنَى الْإِيمَان , إلَّا أَنْ يَكُون قَائِل ذَلِكَ أَرَادَ بِتَأْوِيلِهِ الْكُفْر بِمَعْنَى الشِّدَّة فِي هَذَا الْمَوْضِع وَبِتَأْوِيلِهِ الْإِيمَان فِي مَعْنَى الرَّخَاء مَا أَعَدَّ اللَّه لِلْكُفَّارِ فِي الْآخِرَة مِنْ الشَّدَائِد , وَمَا أَعَدَّ اللَّه لِأَهْلِ الْإِيمَان فِيهَا مِنْ النَّعِيم , فَيَكُون ذَلِكَ وَجْهًا وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ الْمَفْهُوم بِظَاهِرِ الْخِطَاب .
ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1478 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { وَمَنْ يَتَبَدَّل الْكُفْر بِالْإِيمَانِ } يَقُول : يَتَبَدَّل الشِّدَّة بِالرَّخَاءِ .
* حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة بِمِثْلِهِ .
وَفِي قَوْله : { وَمَنْ يَتَبَدَّل الْكُفْر بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيل } دَلِيل وَاضِح عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَات مِنْ قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا } خِطَاب مِنْ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِتَاب مِنْهُ لَهُمْ عَلَى أَمْر سَلَفَ مِنْهُمْ مِمَّا سَرَّ بِهِ الْيَهُود وَكَرِهَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ , فَكَرِهَهُ اللَّه لَهُمْ .
فَعَاتَبَهُمْ عَلَى ذَلِكَ , وَأَعْلَمهُمْ أَنَّ الْيَهُود أَهْل غِشّ لَهُمْ وَحَسَد وَبَغْي , وَأَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ لَهُمْ الْمَكَارِه وَيَبْغُونَهُمْ الْغَوَائِل , وَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْتَصِحُوهُمْ , وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ مَنْ ارْتَدَّ مِنْهُمْ عَنْ دِينه فَاسْتَبْدَلَ بِإِيمَانِهِ كُفْرًا فَقَدْ أَخْطَأَ قَصْد السَّبِيل .
فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيل } .
أَمَّا قَوْله : { فَقَدْ ضَلَّ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ ذَهَبَ وَحَادَ .
وَأَصْل الضَّلَال عَنْ الشَّيْء : الذَّهَاب عَنْهُ وَالْحَيْد .
ثُمَّ يُسْتَعْمَل فِي الشَّيْء الْهَالِك وَالشَّيْء الَّذِي لَا يُؤْبَه لَهُ , كَقَوْلِهِمْ لِلرَّجُلِ الْخَامِل الَّذِي لَا ذِكْر لَهُ وَلَا نَبَاهَة : ضَلّ بْن ضَلّ , وَقَلّ بْن قَلّ ; كَقَوْلِ الْأَخْطَل فِي الشَّيْء الْهَالِك : كُنْتَ الْقَذَى فِي مَوْجِ أَكَدَرَ مُزْبِدٍ قَذَفَ الْأَتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلَالًا يَعْنِي : هَلَكَ فَذَهَبَ .
وَاَلَّذِي عَنَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيل } فَقَدْ ذَهَبَ عَنْ سَوَاء السَّبِيل وَحَادَ عَنْهُ .
وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { سَوَاء السَّبِيل } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالسَّوَاءِ : الْقَصْد وَالْمَنْهَج , وَأَصْل السَّوَاء : الْوَسَط ; ذُكِرَ عَنْ عِيسَى بْن عُمَر النَّحْوِيّ أَنَّهُ قَالَ : " مَا زِلْت أَكْتُب حَتَّى انْقَطَعَ سَوَائِي " , يَعْنِي وَسَطِي .
وَقَالَ حَسَّان بْن ثَابِت : يَا وَيْح أَنْصَار النَّبِيّ وَنَسْله بَعْد الْمَغِيب فِي سَوَاء الْمُلْحِد يَعْنِي بِالسَّوَاءِ الْوَسَط .
وَالْعَرَب تَقُول : هُوَ فِي سَوَاء السَّبِيل , يَعْنِي فِي مُسْتَوَى السَّبِيل .
وَسَوَاء الْأَرْض مُسْتَوَاهَا عِنْدهمْ , وَأَمَّا السَّبِيل فَإِنَّهَا الطَّرِيق الْمَسْبُول , صُرِفَ مِنْ مَسْبُول إلَى سَبِيل .
فَتَأْوِيل الْكَلَام إذًا : وَمَنْ يَسْتَبْدِل بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ الْكُفْر فَيَرْتَدّ عَنْ دِينه , فَقَدْ حَادَ عَنْ مَنْهَج الطَّرِيق وَوَسَطه الْوَاضِح الْمَسْبُول .
وَهَذَا الْقَوْل ظَاهِره الْخَبَر عَنْ زَوَال الْمُسْتَبْدِل بِالْإِيمَانِ وَالْكُفْر عَنْ الطَّرِيق , وَالْمَعْنَى بِهِ الْخَبَر عَنْهُ أَنَّهُ تَرَكَ دِين اللَّه الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ وَجَعَلَهُ لَهُمْ طَرِيقًا يَسْلُكُونَهُ إلَى رِضَاهُ , وَسَبِيلًا يَرْكَبُونَهَا إلَى مَحَبَّته وَالْفَوْز بِجَنَّاتِهِ .
فَجَعَلَ جَلّ ثَنَاؤُهُ الطَّرِيق الَّذِي إذَا رَكِبَ مَحَجَّته السَّائِر فِيهِ وَلَزِمَ وَسَطه الْمُجْتَاز فِيهِ , نَجَا وَبَلَغَ حَاجَته وَأَدْرَكَ طِلْبَته لِدِينِهِ الَّذِي دَعَا إلَيْهِ عِبَاده مَثَلًا لِإِدْرَاكِهِمْ بِلُزُومِهِ وَاتِّبَاعه إدْرَاكهمْ طَلَبَاتهمْ فِي آخِرَتهمْ , كَاَلَّذِي يُدْرِك اللَّازِم مَحَجَّة السَّبِيل بِلُزُومِهِ إيَّاهَا طِلْبَته مِنْ النَّجَاة مِنْهَا , وَالْوُصُول إلَى الْمَوْضِع الَّذِي أَمَّهُ وَقَصَدَهُ .
وَجَعَلَ مِثْل الْحَائِد عَنْ دِينه وَالْحَائِد عَنْ اتِّبَاع مَا دَعَاهُ إلَيْهِ مِنْ عِبَادَته فِي حَيَاته مَا رَجَا أَنْ يُدْرِكهُ بِعَمَلِهِ فِي آخِرَته وَيَنَال بِهِ فِي مُعَاده وَذَهَابه عَمَّا أَمَلَ مِنْ ثَوَاب عَمَله وَبُعْده بِهِ مِنْ رَبّه , مَثَل الْحَائِد عَنْ مَنْهَج الطَّرِيق وَقَصْد السَّبِيل , الَّذِي لَا يَزْدَاد وُغُولًا فِي الْوَجْه الَّذِي سَلَكَهُ إلَّا ازْدَادَ مِنْ مَوْضِع حَاجَته بُعْدًا , وَعَنْ الْمَكَان الَّذِي أَمَّهُ وَأَرَادَهُ نَأْيًا .
وَهَذِهِ السَّبِيل الَّتِي أَخْبَرَ اللَّه عَنْهَا أَنَّ مَنْ يَتَبَدَّل الْكُفْر بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَهَا , هِيَ الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم الَّذِي أُمِرْنَا بِمَسْأَلَتِهِ الْهِدَايَة لَهُ بِقَوْلِهِ : { اهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } .
قوله تعالى : أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل قوله تعالى : أم تريدون هذه أم المنقطعة التي بمعنى بل ، أي بل تريدون ، ومعنى الكلام التوبيخ .
أن تسألوا رسولكم في موضع نصب ب تريدون .
كما سئل الكاف في موضع نصب نعت لمصدر ، أي سؤالا كما .
و موسى في موضع رفع على ما لم يسم فاعله .
من قبل : سؤالهم إياه أن يريهم الله جهرة ، وسألوا محمدا أن يأتي بالله والملائكة قبيلا .
عن ابن عباس ومجاهد : سألوا أن يجعل لهم الصفا ذهبا .
وقرأ الحسن " كما سيل " ، وهذا على لغة من قال : سلت أسأل ، ويجوز أن يكون على بدل الهمزة ياء ساكنة على غير قياس فانكسرت السين قبلها .
قال النحاس : بدل الهمزة بعيد .
والسواء من كل شيء : [ ص: 68 ] الوسط .
قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى ومنه قوله : في سواء الجحيم .
وحكى عيسى بن عمر قال : ما زلت أكتب حتى انقطع سوائي ، وأنشد قول حسان يرثي رسول الله صلى الله عليه وسلم .يا ويح أصحاب النبي ورهطه بعد المغيب في سواء الملحدوقيل : السواء القصد ، عن الفراء ، أي ذهب عن قصد الطريق وسمته ، أي طريق طاعة الله عز وجل .
وعن ابن عباس أيضا أن سبب نزول هذه الآية أن رافع بن خزيمة ووهب بن زيد قالا للنبي صلى الله عليه وسلم : ائتنا بكتاب من السماء نقرؤه ، وفجر لنا أنهارا نتبعك .
فأخبر الله تعالى عن حكمته في النسخ، وأنه ما ينسخ من آية أو ننسها أي: ننسها العباد، فنزيلها من قلوبهم، نأت بخير منها وأنفع لكم أو مثلها .
قوله: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم} نزلت في اليهود حين قالوا: يا محمد ائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة فقال الله تعالى: {أم تريدون} يعني أتريدون فالميم صلة، وقيل: بل تريدون أن تسألوا رسولكم محمداً صلى الله عليه وسلم {كما سئل موسى من قبل} سأله قومه: أرنا الله جهرة، وقيل: إنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا، كما أن موسى سأله قومه فقالوا: أرنا الله جهرة، ففيه منعهم عن السؤالات المقبوحة بعد ظهور الدلائل والبراهين.
{ومن يتبدل الكفر بالإيمان} يستبدل الكفر بالإيمان.
{فقد ضل سواء السبيل} أخطأ وسط الطريق، وقيل: قصد السبيل.
«أم» بل «تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى» أي سأله قومه «من قبل» من قولهم: أرنا الله جهرة وغير ذلك «ومن يتبدل الكفر بالإيمان» أي يأخذ بدله بترك النظر في الآيات البينات واقتراح غيرها «فقد ضل سواء السبيل» أخطأ الطريق الحق والسواءُ في الأصل الوسط.
بل أتريدون- أيها الناس- أن تطلبوا من رسولكم محمد صلى الله عليه وسلم أشياء بقصد العناد والمكابرة، كما طُلِبَ مثل ذلك من موسى.
علموا أن من يختر الكفر ويترك الإيمان فقد خرج عن صراط الله المستقيم إلى الجهل والضَّلال.
ثم حذر القرآن الكريم المؤمنين من الاستماع إلى وساوس اليهود ، تثبيتاً لقلوبهم ، وتقوية لإيمانهم ، فقال تعالى : ( أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل ) .والمعنى : لا يصح لكم أيها المؤمنون أن تقترحوا على رسولكم محمد صلى الله عليه وسلم مقترحات تتنافى مع الإِيمان الحق كأن تسألوه أسئلة لا خير من ورائها لأنكم لو فعلتم ذلك لصرتم كبني إسرائيل الذين طلبوا من نبيهم موسى - عليه السلام - بعد أن جاءهم بالبينات - مطالب تدل على تعنتهم وجهلهم فقال له : ( أَرِنَا الله جَهْرَةً ) وقالوا له : ( اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ) ولو صرتم مثلهم لكنتم ممن يختار الكفر على الإِيمان ، ولخرجتم عن الصراط المستقيم الذي يدعوكم إليه نبيكم صلى الله عليه وسلم .والاستفهام في الآية الكريمة للإِنكار ، وفي أسلوبها مبالغة في التحذير من الوقوع فيما وقع فيه اليهود من تعنت مع رسولهم ، إذ جعل محط الإِنكار إرادتهم للسؤال ، وفي النهي عن إرادة الشيء ، نهى عن فعله بأبلغ عبارة .
المسألة الأولى: أم على ضربين متصلة ومنقطعة، فالمتصلة عديلة الألف وهي مفرقة لما جمعته أي، كما أن أو مفرقة لما جمعته تقول: اضرب أيهم شئت زيداً أم عمراً، فإذا قلت: اضرب أحدهم قلت: اضرب زيداً أو عمراً، والمنقطعة لا تكون إلا بعد كلام تام، لأنها بمعنى بل والألف، كقول العرب: إنها الإبل أم شاء، كأنه قال: بل هي شاء، ومنه قوله تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افتراه ﴾ أي: بل يقولون، قال الأخطل: كذبتك عينك أم رأيت بواسط *** غلس الظلام من الرباب خيالا المسألة الثانية: اختلفوا في المخاطب به على وجوه: أحدها: أنهم المسلمون وهو قول الأصم والجبائي وأبي مسلم، واستدلوا عليه بوجوه: الأول: أنه قال في آخر الآية: ﴿ وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان ﴾ وهذا الكلام لا يصح إلا في حق المؤمنين.
الثاني: أن قوله: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ ﴾ يقتضي معطوفاً عليه وهو قوله: ﴿ لاَ تَقُولُواْ راعنا ﴾ فكأنه قال: وقولوا انظرنا واسمعوا فهل تفعلون ذلك كما أمرتم أم تريدون أن تسألوا رسولكم؟
الثالث: أن المسلمين كانوا يسألون محمداً صلى الله عليه وسلم عن أمور لا خير لهم في البحث عنها ليعلموها كما سأل اليهود موسى عليه السلام ما لم يكن لهم فيه خير عن البحث عنه.
الرابع: سأل قوم من المسلمين أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط، وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها المأكول والمشروب، كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة.
القول الثاني: أنه خطاب لأهل مكة وهو قول ابن عباس ومجاهد.
قال: إن عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من قريش فقال: يا محمد والله ما أؤمن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء بأن تصعد، ولن نؤمن لرقيك بعد ذلك حتى تنزل علينا كتاباً من الله إلى عبد الله بن أمية أن محمداً رسول الله فاتبعوه.
وقال له بقية الرهط: فإن لم تستطع ذلك فائتنا بكتاب من عند الله جملة واحدة فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند الله فيها كل ذلك، فنؤمن بك عند ذلك.
فأنزل الله تعالى: أم تريدون أن تسألوا رسولكم محمداً أن يأتيكم الآيات من عند الله كما سأل السبعون فقالوا: أرنا الله جهرة.
وعن مجاهد أن قريشاً سألت محمداً عليه السلام أن يجعل لهم الصفا ذهباً وفضة، فقال: نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا.
القول الثالث: المراد اليهود، وهذا القول أصح لأن هذه السورة من أول قوله: ﴿ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّٰىَ فَٱرْهَبُونِ وَءَامِنُوا بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ وَلَا تَشْتَرُوا بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّٰىَ فَٱتَّقُونِ وَلَا تَلْبِسُوا ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُوا ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُوا مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ وَٱسْتَعِينُوا بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ حكاية عنهم ومحاجة معهم ولأن الآية مدنية ولأنه جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأله فإذا سأله كان متبدلاً كفراً بالإيمان.
المسألة الثالثة: ليس في ظاهر قوله: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْئَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ ﴾ أنهم أتوا بالسؤال فضلاً عن كيفية السؤال، بل المرجع فيه إلى الروايات التي ذكرناها في أنهم سألوا والله أعلم.
المسألة الرابعة: اعلم أن السؤال الذي ذكروه إن كان ذلك طلباً للمعجزات فمن أين أنه كفر؟
ومعلوم أن طلب الدليل على الشيء لا يكون كفراً، وإن كان ذلك طلباً لوجه الحكمة المفصلة في نسخ الأحكام، فهذا أيضاً لا يكون كفراً؛ فإن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلقة البشر ولم يكن ذلك كفراً، فلعل الأولى حمل الآية على أنهم طلبوا منه أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة، وإن كانوا طلبوا المعجزات فإنهم يطلبونها على سبيل التعنت واللجاج فلهذا كفروا بسبب هذا السؤال.
المسألة الخامسة: ذكروا في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوهاً، أحدها: أنه تعالى لما حكم بجواز النسخ في الشرائع فلعلهم كانوا يطالبونه بتفاصيل ذلك الحكم فمنعهم الله تعالى عنها وبين أنهم ليس لهم أن يشتغلوا بهذه الأسئلة كما أنه ما كان لقوم موسى أن يذكروا أسئلتهم الفاسدة.
وثانيها: لما تقدم من الأوامر والنواهي قال لهم: إن لم تقبلوا ما أمرتكم به وتمردتم عن الطاعة كنتم كمن سأل موسى ما ليس له أن يسأله، عن أبي مسلم.
وثالثها: لما أمر ونهى قال: أتفعلون ما أمرتم أم تفعلون كما فعل من قبلكم من قوم موسى؟
المسألة السادسة: ﴿ سَوَاء السبيل ﴾ وسطه قال تعالى: ﴿ فاطلع فَرَءاهُ فِي سَوَاء الجحيم ﴾ أي وسط الجحيم، والغرض التشبيه دون نفس الحقيقة، ووجه التشبيه في ذلك أن من سلك طريقة الإيمان فهو جار على الاستقامة المؤدية إلى الفوز والظفر بالطلبة من الثواب والنعيم، فالمبدل لذلك بالكفر عادل عن الاستقامة فقيل فيه إنه ضل سواء السبيل.
<div class="verse-tafsir"
روى أنهم طعنوا في النسخ فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر، ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً؟
فنزلت.
وقرئ: ﴿ ما ننسخ من آية ﴾ وما نُنسخ، بضم النون، من أنسخ، أو ننسأها.
وقرئ: ﴿ ننسها ﴾ و ﴿ ننسها ﴾ بالتشديد، و ﴿ تنسها ﴾ ، و ﴿ تنسها ﴾ ، على خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقرأ عبد الله: ﴿ ما ننسك من آية أو ننسخها ﴾ وقرأ حذيفة: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسكها ﴾ .
ونسخ الآية: إزالتها بإبدال أخرى مكانها وإنساخها: الأمر بنسخها، وهو أن يأمر جبريل عليه السلام بأن يجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها.
ونسؤها، تأخيرها وإذهابها.
لا إلى بدل.
وإنساؤها أن يذهب بحفظها عن القلوب.
والمعنى أن كل آية يذهب بها على ما توجبه المصلحة من إزالة لفظها وحكمها معاً، أو من إزالة أحدهما إلى بدل أو غير بدل ﴿ نَأْتِ ﴾ بآية خير منها للعباد، أي بآية العمل بها أكثر للثواب أو مثلها في ذلك ﴿ على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ فهو يقدر على الخير، وما هو خير منه، وعلى مثله في الخير ﴿ لَّهُ مُلْكُ السموات والارض ﴾ فهو يملك أموركم يدبرها ويجريها على حسب ما يصلحكم، وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ ومنسوخ.
لما بين لهم أنه مالك أمورهم ومدبرها على حسب مصالحهم من نسخ الآيات وغيره، وقررهم على ذلك بقوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ ﴾ أراد أن يوصيهم بالثقة به فيما هو أصلح لهم مما يتعبدهم به وينزل عليهم وأن لا يقترحوا على رسولهم ما اقترحه آباء اليهود على موسى عليه السلام من الأشياء التي كانت عاقبتها وبالاً عليهم كقولهم: ﴿ اجعل لَّنَا إلها ﴾ [الأعراف: 138] ، ﴿ أَرِنَا الله جَهْرَةً ﴾ [النساء: 153] ، وغير ذلك ﴿ وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان ﴾ ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة، وشك فيها، واقترح غيرها ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل ﴾ .
روي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلاً، فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟
قالوا: شديد.
قال: فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد ما عشت.
فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ.
وقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخواناً.
ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه فقال: «أصبتما خيراً وأفلحتما» فنزلت.
فإن قلت: بم تعلق قوله: ﴿ مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ؟
قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يتعلق بوَدَّ، على معنى أنهم تمنوا أن ترتدوا عن دينكم وتمنيهم ذلك من عند أنفسهم ومن قبل شهوتهم، لا من قبل التدين والميل مع الحق، لأنهم ودّوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق، فكيف يكون تمنيهم من قبل الحق؟
وإما أن يتعلق بحسدا، أي حسداً متبالغاً منبعثاً من أصل أنفسهم ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح عما يكون منهم من الجهل والعداوة ﴿ حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ ﴾ الذي هو قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم ﴿ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ فهو يقدر على الانتقام منهم ﴿ مّنْ خَيْرٍ ﴾ من حسنة صلاة أو صدقة أو غيرهما ﴿ تَجِدُوهُ عِندَ الله ﴾ تجدوا ثوابه عند الله ﴿ إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ عالم لا يضيع عنده عمل عامل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ ﴾ أمْ مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ في ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ ﴾ أيْ: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّهُ مالِكُ الأُمُورِ قادِرٌ عَلى الأشْياءِ كُلِّها يَأْمُرُ ويَنْهى كَما أرادَ، أمْ تَعْلَمُونَ وتَقْتَرِحُونَ بِالسُّؤالِ كَما اقْتَرَحَتِ اليَهُودُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
أوْ مُنْقَطِعَةٌ والمُرادُ أنْ يُوصِيَهم بِالثِّقَةِ بِهِ وتَرْكِ الِاقْتِراحِ عَلَيْهِ.
قِيلَ: نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ حِينَ سَألُوا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ.
وقِيلَ: في المُشْرِكِينَ لَمّا قالُوا ﴿ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ ﴾ ، ﴿ وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ﴾ ومَن تَرَكَ الثِّقَةَ بِالآياتِ البَيِّناتِ وشَكَّ فِيها واقْتَرَحَ غَيْرَها، فَقَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ حَتّى وقَعَ في الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ.
ومَعْنى الآيَةِ لا تَقْتَرِحُوا فَتَضِلُّوا وسَطَ السَّبِيلِ، ويُؤَدِّي بِكُمُ الضَّلالُ إلى البُعْدِ عَنِ المَقْصِدِ وتَبْدِيلِ الكُفْرِ بِالإيمانِ.
وَقُرِئَ « يُبْدِلُ» مَن أبْدَلَ.
<div class="verse-tafsir"
{أَمْ تُرِيدُونَ} أم منقطعة وتقديره بل أتريدون {أن تسألوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ} روي أن قريشاً قالوا يا محمد اجعل لنا الصفا ذهباً ووسع لنا أرض مكة فنهوا أن يقترحوا عليه الآيات كما اقترح قوم موسى عليه حين قال اجعل لنا إلهاً {وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان} ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة وشك فيها واقترح غيرها {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل} قصده ووسطه
﴿ أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ ﴾ جُوِّزَ في (أمْ) هَذِهِ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً، وأنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً، فَإنْ قُدِّرَ تَعْلَمُونَ، قَبْلَ تُرِيدُونَ بِناءً عَلى دِلالَةِ السِّباقِ، وهو ألَمْ تَعْلَمْ، والسِّياقِ وهو الِاقْتِراحُ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ التَّعَنُّتِ، والعِلْمُ بِخِلافِهِ كانَتْ مُتَّصِلَةً، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ الأمْرَيْنِ مِن عَدَمِ العِلْمِ بِما تَقَدَّمَ، أوِ العِلْمُ مَعَ الِاقْتِراحِ واقِعٌ، والِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ لِلْإنْكارِ بِمَعْنى لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنهُما، وإنْ لَمْ يُقَدَّرْ، كانَتْ مُنْقَطِعَةً لِلْإضْرابِ عَنْ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالسّابِقِ إلى الِاسْتِفْهامِ عَنِ اقْتِراحِهِمْ كاقْتِراحِ اليَهُودِ إنْكارًا عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ أيْضًا، وقَطَعَ بَعْضُهم بِالقَطْعِ بِناءً عَلى دُخُولِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الخِطابِ أوْ لا، وعَدَمُ دُخُولِهِ فِيهِ هُنا لِأنَّهُ مُقْتَرَحٌ عَلَيْهِ، لا مُقْتَرِحٌ، وذَلِكَ مُخِلٌّ بِالِاتِّصالِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُخِلٍّ بِهِ، لِحُصُولِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَقْصِدِ، وإرادَةُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الأوَّلِ كانَتْ لِمُجَرَّدِ التَّصْوِيرِ، والِانْتِقالِ لِما قَدَّمْنا أنَّها بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، والمُرادُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ تَوْصِيَتُهُ المُسْلِمِينَ بِالثِّقَةِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتُرِكَ الِاقْتِراحُ بَعْدَ رَدِّ طَعْنِ المُشْرِكِينَ أوِ اليَهُودِ في النَّسْخِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَكُونُوا فِيما أُنْزِلَ إلَيْكم مِنَ القُرْآنِ مِثْلَ اليَهُودِ في تَرْكِ الثِّقَةِ بِالآياتِ البَيِّنَةِ واقْتِراحِ غَيْرِها، فَتَضِلُّوا وتَكْفُرُوا بَعْدَ الإيمانِ، وفي هَذِهِ التَّوْصِيَةِ كَمالُ المُبالَغَةِ والبَلاغَةُ، حَتّى كَأنَّهم بِصَدَدِ الإرادَةِ، فَنُهُوا عَنْها فَضْلًا عَنِ السُّؤالِ، يَعْنِي مِن شَأْنِ العاقِلِ أنْ لا يَتَصَدّى لِإرادَةِ ذَلِكَ، ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: كَما سَألَ أُمَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوِ اليَهُودُ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَن سَألَ ذَلِكَ يَسْتَحِقُّ أنْ يُصانَ اللِّسانُ عَنْ ذِكْرِهِ، ولا يَقْتَضِي سابِقِيَّةَ وُقُوعِ الِاقْتِراحِ مِنهُمْ، ولا يَتَوَقَّفُ مَضْمُونُ الآيَةِ عَلَيْهِ، إذِ التَّوْصِيَةُ لا تَقْتَضِي سابِقِيَّةَ الوُقُوعِ، كَيْفَ وهو كُفْرٌ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ، ولا يَكادُ يَقَعُ مِنَ المُؤْمِنِ، ومِمّا ذَكَرْنا يَظْهَرُ وجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما نَنْسَخْ ﴾ فَإنَّ المَقْصِدَ مِن كُلٍّ مِنهُما تَثْبِيتُهم عَلى الآياتِ، وتَوْصِيَتُهم بِالثِّقَةِ بِها، وأمّا بَيانُهُ بِأنَّهُ لَعَلَّهم كانُوا يَطْلُبُونَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيانَ تَفاصِيلِ الحِكَمِ الدّاعِيَةِ إلى النَّسْخِ، فَلِذا أُرْدِفَتْ آيَةُ النَّسْخِ بِذَلِكَ، فَأُراهُ إلى التَّمَنِّي أقْرَبَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ «أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في غَزْوَةِ خَيْبَرَ أنْ يَجْعَلَ لَهم ذاتَ أنْواطٍ، كَما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (سُبْحانَ اللَّهِ !
هَذا كَما قالَ قَوْمُ مُوسى: ﴿ اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ ﴾ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، والقُذَّةِ بِالقُذَّةِ، إنْ كانَ فِيهِمْ مَن أتى أُمَّهُ يَكُونُ فِيكُمْ، فَلا أدْرِي أتَعْبُدُونَ العِجْلَ أمْ لا؟)،» وهو مَعَ الحاجَةِ إلَيْهِ يَسْتَدْعِي أنَّ المُخاطَبَ في الآياتِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، والسِّباقُ والسِّياقُ والتَّذْيِيلُ تَشْهَدُ لَهُ، وعَلَيْهِ يَتَرَجَّحُ الِاتِّصالُ لِما نُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ: أنَّ الفِعْلِيَّتَيْنِ إذا اشْتَرَكَتا في الفاعِلِ نَحْوَ: أقُمْتَ أمْ قَعَدْتَ، (فَأمْ) مُتَّصِلَةٌ، وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّ المُخاطَبَ بِها اليَهُودُ، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ حِينَ سَألُوا أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وخاطَبَهم بِذَلِكَ بَعْدَ رَدِّ طَعْنِهِمْ تَهْدِيدًا لَهُمْ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ المُضارِعُ الآتِي بِمَعْنى الماضِي، إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِهِ عَنْهُ إحْضارًا لِلصُّورَةِ الشَّنِيعَةِ، واخْتارَ هَذا الإمامُ الرّازِيُّ، وقالَ: إنَّهُ الأصَحُّ، لِأنَّ هَذِهِ سُورَةٌ مِن أوَّلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ ﴾ حِكايَةً عَنِ اليَهُودِ ومُحاجَّةً مَعَهُمْ، ولِأنَّهُ جَرى ذِكْرُهُمْ، وما جَرى ذِكْرُ غَيْرِهِمْ، ولِأنَّ المُؤْمِنَ بِالرَّسُولِ لا يَكادُ يَسْألُ ما يَكُونُ مُتَبَدِّلًا بِهِ الكُفْرَ بِالإيمانِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وكَأنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى نَسِيَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا ﴾ وقِيلَ: إنَّ المُخاطَبَ أهْلُ مَكَّةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ ورَهْطٍ مِن قُرَيْشٍ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، اجْعَلْ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، ووَسِّعْ لَنا أرْضَ مَكَّةَ، وفَجِّرْ لَنا الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا، ونُؤْمِن لَكَ، وحُكِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ غَيْرُ ذَلِكَ، ولا مانِعَ كَما في البَحْرِ مِن جَعْلِ الكُلِّ أسْبابًا، وعَلى الخِلافِ في المُخاطَبِينَ يَجِيءُ الكَلامُ في ﴿ رَسُولَكُمْ ﴾ فَإنْ كانُوا المُؤْمِنِينَ فالإضافَةُ عَلى ما في نَفْسِ الأمْرِ، وما أقَرُّوا بِهِ مِن رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإنْ كانُوا غَيْرَهم فَهي عَلى ما في نَفْسِ الأمْرِ دُونَ الإقْرارِ، (وما) مَصْدَرِيَّةٌ، والمَشْهُورُ أنَّ المَجْرُورَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ سُؤالًا (كَما)، ورَأى سِيبَوَيْهِ أنَّهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ أنْ تَسْألُوهُ، أيِ السُّؤالَ (كَما)، وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ، لِتَسْألُوا، أيْ كالأشْياءِ الَّتِي سَألَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلُ، وهو الأنْسَبُ، لِأنَّ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ إنَّما هو لِفَسادِ المُقْتَرَحاتِ، وكَوْنُها في العاقِبَةِ وبالًا عَلَيْهِمْ، وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ المُشَبَّهَ (أنْ تَسْألُوا) وهو مَصْدَرٌ، فالظّاهِرُ أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ كَذَلِكَ، وقُبْحُ السُّؤالِ إنَّما هو لِقُبْحِ المَسْؤُولِ عَنْهُ، بَلْ قَدْ يَكُونُ السُّؤالُ نَفْسُهُ قَبِيحًا في بَعْضِ الحالاتِ مَعَ أنَّ المَصْدَرِيَّةَ لا تَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ رابِطٍ، فَهو أوْلى، (ومِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقٌ بِسُئِلَ، وجِيءَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو السِّمالِ (سِيلَ) بِسِينٍ مَكْسُورَةٍ وياءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ والزُّهْرِيُّ بِإشْمامِ الشِّينِ الضَّمَّ وياءٍ، وبَعْضُهم بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وضَمِّ السِّينِ.
﴿ ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى حُكْمٍ كُلِّيٍّ، أُخْرِجَتْ مَخْرَجَ المَثَلِ، جِيءَ بِها لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ عَنِ الِاقْتِراحِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: أمْ تُرِيدُونَ إلَخْ، مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ، فَهي تَذْيِيلٌ لَهُ بِاعْتِبارِ أنَّ المُقْتَرِحِينَ الشّاكِّينَ مِن جُمْلَةِ الضّالِّينَ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ المُتَبَدِّلِينَ، (وسَواءَ) بِمَعْنى وسَطٍ، أوْ مُسْتَوِي، والإضافَةُ مِن بابِ إضافَةِ الوَصْفِ إلى المَوْصُوفِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في بَيانِ قُوَّةِ الِاتِّصافِ، كَأنَّهُ نَفْسُ السَّواءِ عَلى مِنهاجِ حُصُولِ الصُّورَةِ في الصُّورَةِ الحاصِلَةِ، والفاءُ رابِطَةٌ، وما بَعْدَها لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَزاءَ الشَّرْطِ لِأنَّ ضَلالَ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ مُتَقَدِّمٌ عَلى الِاسْتِبْدالِ، والِارْتِدادُ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، ولِأنَّ الجَزاءَ إذا كانَ ماضِيًا مَعَ (قَدْ) كانَ باقِيًا عَلى مُضِيِّهِ، لِأنَّ (قَدْ) لِلتَّحْقِيقِ، وما تَأكَّدَ، ورَسَخَ لا يَنْقَلِبُ، ولا يَتَرَتَّبُ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ، ولِأنَّ كَوْنَ الشَّرْطِ مُضارِعًا، والجَزاءِ ماضِيًا، صُورَةُ ضَعِيفٍ لَمْ يَأْتِ في الكِتابِ العَزِيزِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ بِأنْ يُقالَ: ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فالسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ تَرَكَهُ، ويَؤُولُ المَعْنى إلى أنَّ ضَلالَ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، وهو الكُفْرُ الصَّرِيحُ في الآياتِ سَبَبٌ لِلتَّبْدِيلِ والِارْتِدادِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّبَدُّلَ المَذْكُورَ بِتَرْكِ الثِّقَةِ بِالآياتِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ لازِمًا لَهُ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْهُ، وحاصِلُ الآيَةِ حِينَئِذٍ: ومَن يَتْرُكِ الثِّقَةَ بِالآياتِ البَيِّنَةِ المُنَزَّلَةِ بِحَسَبِ المَصالِحِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ النّاسِخَةُ الَّتِي هي خَيْرٌ مَحْضٌ، وحَقٌّ بَحْتٌ، واقْتَرَحَ غَيْرَها، فَقَدْ عَدَلَ وجارَ مِن حَيْثُ لا يَدْرِي عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ المُوصِلِ إلى مَعالِمِ الحَقِّ والهُدى، وتاهَ في تِيهِ الهَوى، وتَرَدّى في مَهاوِي الرَّدى، واخْتارَ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ إيذانًا مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ بِأنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ وارْتِدادٌ، ولَعَلَّ ما أشَرْنا إلَيْهِ أوْلى كَما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ، وقُرِئَ (ومَن يُبْدِلْ) مِن أبْدَلَ، وإدْغامُ الدّالِ في الضّادِ والإظْهارُ قِراءَتانِ مَشْهُورَتانِ.
<div class="verse-tafsir"
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ، قال مقاتل: معناه أتريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل؟
أي كما سألت بنو إسرائيل موسى- - حيث قالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء: 153] .
ويقال: إن اليهود سألوا أصحاب رسول الله بأن يطلبوا القربان كما كان لموسى، .
وروي عن الضحاك أنه قال: دخل جماعة من كفار قريش فيهم أبو جهل وغيره، فقالوا لرسول الله: إن كنت نبياً فاكشف عنا الغطاء، حتى نرى الله جهرة، فنزلت الآية أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ حيث قالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ثم قال: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ، أي يختار الكفر على الإيمان، فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ، أي أخطأ قصد السبيل وهو طريق الهدى.
<div class="verse-tafsir"
أن مولاه قديرٌ على ما يريد، قَطَعَ رجاءه عن الأغيار كما قال تعالى عن إِبراهيم- عليه السلام-: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [إبراهيم: ٣٧] قال أهل الإِشارة:
معناه: سهلت طريقهم إِليك، وقطَعْت رجاءهم عن سواك، ثم قال: لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، [إبراهيم: ٣٧] أي: شغلتهم بخدمتك، وأنت أولى بهم، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم: ٣٧] ، أي: إِذا احتاجوا شيئاً، فذلل عبادك لهم، وأوصل بكرمك رعايتهم إليهم فإِنك على ذلك قديرٌ، وإِن من لزم بابه أوصل إليه محابَّه، وكفاه أسبابه، وذلل لهُ كلَّ صعب، وأورده كلَّ سهل عذبٍ من غير قطعِ شُقَّة، ولا تحمل مشقة انتهى من «التحبير» .
وقوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...
الآيةَ: المُلْك السلطانُ، ونفوذُ الأمرِ، والإِرادةِ، وجَمْع الضمير في لَكُمْ دالٌ على أن المراد بخطاب النبيّ صلّى الله عليه وسلم خطابُ أمته.
وقوله تعالى: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ ...
الآيةَ: قال أبو العالية: إِن هذه الآية نزلَتْ حين قال بعض الصحابة للنبيّ صلّى الله عليه وسلم: «لَيْتَ ذُنُوبَنَا جَرَتْ مجرى ذُنُوبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تَعْجِيلِ العُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم: «قَدْ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ خَيْراً مِمَّا أعطى بَنِي إِسْرَائِيلَ» ، وتَلاَ: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
[النساء: ١١٠] ، وقال ابنُ عَبَّاس: سَبَبُهَا أنَّ رافع بن حريملة اليهوديّ سأل النبيّ صلّى الله عليه وسلم تفجيرَ عُيونٍ، وغير ذلك «١» ، وقيل غير هذا، وما سئل موسى- عليه السلام- هو أَنْ يرى اللَّه جهرةً.
وكنى عن الإِعراض عن الإيمان والإقبال على الكفر بالتبدّل، وضَلَّ: أخطأ (٣٢ ب الطريق، والسواء مِنْ/ كل شيءٍ الوسَطُ، والمعظَمُ ومنه: فِي سَواءِ الْجَحِيمِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ ﴾ .
فِي سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ رافِعَ بْنَ حُرَيْمِلَةَ، ووَهْبَ بْنَ زَيْدٍ، قالا لِرَسُولِ اللَّهِ: ائْتِنا بِكِتابٍ نَقْرَؤُهُ تُنْزِلُهُ مِنَ السَّماءِ عَلَيْنا، وفَجِّرْ لَنا أنْهارًا حَتّى نَتَّبِعَكَ، فَنَزَلَتِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: «أنَّ قُرَيْشًا سَألَتِ النَّبِيَّ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، فَقالَ: "هُوَ لَكم كالمائِدَةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ [إنْ كَفَرْتُمْ ] فَأبَوْا"» قالَهُ مُجاهِدٌ.
.
والثّالِثُ: «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ كانَتْ كَفّارَتُنا كَكَفّاراتِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ النَّبِيُّ، : "اللَّهُمَّ لا نَبْغِيها، ما أعْطاكُمُ اللَّهُ، خَيْرٌ مِمّا أعْطى بَنِي إسْرائِيلَ، كانُوا إذا أصابَ أحَدَهُمُ الخَطِيئَةُ؛ وجَدَها مَكْتُوبَةً عَلى بابِهِ وكَفّارَتَها، فَإنَّ كَفَّرَها كانَتْ لَهُ خِزْيًا في الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يُكَفِّرْها كانَتْ لَهُ خِزْيًا في الآَخِرَةِ، فَقَدْ أعْطاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِمّا أعْطى بَنِي إسْرائِيلَ.
فَقالَ: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ]﴾ [ النِّساءِ: ١١٠ ] .
وقالَ: "الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ كَفّارَةٌ لِما بَيْنَهُنَّ" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» قالَ أبُو العالِيَةِ.
والرّابِعُ: «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيَّ أتى النَّبِيَّ، ، في رَهْطٍ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ: واللَّهِ لا أُؤْمِنُ بِكَ حَتّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» ذَكَرَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: «أنَّ جَماعَةً مِنَ المُشْرِكِينَ جاؤُوا إلى النَّبِيِّ ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا.
وقالَ آَخَرُ: لَنْ أُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَسِيرَ لَنا جِبالُ مَكَّةَ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ: لَنْ أُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَأْتِيَ بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ، فِيهِ: مِنَ اللهِ رَبِّ العالَمِينَ إلى ابْنِ أبِي أُمَيَّةَ: اعْلَمْ أنِّي قَدْ أرْسَلْتُ مُحَمَّدًا إلى النّاسِ.
وقالَ آَخَرُ: هَلّا جِئْتَ بِكِتابِكَ مُجْتَمِعًا، كَما جاءَ مُوسى بِالتَّوْراةِ.
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ الأنْبارِيِّ.
وَفِي المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم قُرَيْشٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: اليَهُودُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: جَمِيعُ العَرَبِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وَفِي "أمْ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى: بَلْ، تَقُولُ العَرَبُ: هَلْ لَكَ عَلَيَّ حَقٌّ، أمْ أنْتَ مَعْرُوفٌ بِالظُّلْمِ.
يُرِيدُونَ: بَلْ أنْتَ.
وأنْشَدُوا: بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحى وصُورَتَها أمْ أنْتَ في العَيْنِ أمْلَحُ ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
والثّانِي: بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ.
فَإنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ، فَقالَ: إنَّما تَكُونُ لِلِاسْتِفْهامِ إذا كانَتْ مَرْدُودَةً عَلى اسْتِفْهامٍ قَبْلَها، فَأيْنَ الِاسْتِفْهامُ الَّذِي تَقَدَّمَها؟
فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَها اسْتِفْهامٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ.
وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي مَرْدُودَةٌ عَلى الألِفِ فِي: (ألَمْ تَعْلَمْ) فَإنِ اعْتَرَضَ عَلى هَذا الجَوابِ، فَقِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ العَطْفُ ولَفْظُ: (ألَمْ تَعْلَمْ) يُنْبِئُ عَنِ الواحِدِ، و(تُرِيدُونَ) عَنْ جَماعَةٍ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ إنَّما رَجَعَ الخِطابُ مِنَ التَّوْحِيدِ إلى الجَمْعِ، لِأنَّ ما خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ فَقَدْ خُوطِبَتْ بِهِ أُمَّتُهُ، فاكْتَفى بِهِ مِن أُمَّتِهِ في المُخاطَبَةِ الأُولى، ثُمَّ أظْهَرَ المَعْنى في المُخاطَبَةِ الثّانِيَةِ.
ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ .
ذَكَرَ هَذا الجَوابَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
فَأمّا الجَوابُ الثّانِي عَنْ (أمْ)؛ فَهو أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ، ولَيْسَتْ مَرْدُودَةً عَلى شَيْءٍ.
قالَ الفَرّاءُ: إذا تَوَسَّطَ الِاسْتِفْهامُ الكَلامَ؛ ابْتُدِئَ بِالألِفِ وبِأمْ، وإذا لَمْ يَسْبِقْهُ كَلامٌ؛ لَمْ يَكُنْ إلّا بِالألِفِ أوْ بِ"هَلْ" وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: "أمْ" جارِيَةٌ مَجْرى "هَلْ" غَيْرَ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُما: أنَّ "هَلْ" اسْتِفْهامٌ مُبْتَدَأٌ، لا يَتَوَسَّطُ ولا يَتَأخَّرُ، و"أمْ": اسْتِفْهامٌ مُتَوَسِّطٌ، لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ كَلامٍ.
فَأمّا الرَّسُولُ هاهُنا؛ فَهُوَ: مُحَمَّدٌ ، والَّذِي سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلِ قَوْلُهُمْ: ﴿ أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ .
وهَلْ سَألُوا ذَلِكَ نَبِيًّا أمْ لا؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم سَألُوا ذَلِكَ، فَقالُوا: ( لَنْ نُؤْمِنَ لَك حَتّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قُبَيْلًا ) [ الإسْراءِ: ٩٢ ] قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهم بِالَغُوا في المَسائِلِ، فَقِيلَ لَهم بِهَذِهِ الآَيَةِ: لَعَلَّكم تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا مُحَمَّدًا أنْ يُرِيَكُمُ اللَّهُ جَهْرَةً، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
والكُفْرُ: الجُحُودُ.
والإيمانُ: التَّصْدِيقُ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: المَعْنى: ومَن يَتَبَدَّلِ الشِّدَّةَ بِالرَّخاءِ.
وسَواءَ السَّبِيلِ: وسْطُهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللهَ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ ﴿ أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَبِيلِ ﴾ ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأمْرِهِ إنَّ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ المُلْكُ: السُلْطانُ، ونُفُوذُ الأمْرِ، والإرادَةِ، وجَمْعُ الضَمِيرِ في "لَكُمْ" دالٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بِخِطابِ النَبِيِّ خِطابُ أُمَّتِهِ.
والوَلِيُّ: فَعِيلٌ مِن ولِيَ إذا جاوَرَ ولَصِقَ، فالناصِرُ، والمُعِينُ، والقائِمُ بِالأمْرِ، والحافِظُ، كُلُّهم مُجاوِرٌ بِوَجْهٍ ما، و"النَصِيرُ": فَعِيلٌ مِنَ النَصْرِ، وهو أشَدُّ مُبالَغَةً مِن ناصَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ تُرِيدُونَ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: "أمْ" رَدٌّ عَلى الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ فَهي مُعادَلَتُهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أمِ" اسْتِفْهامٌ مَقْطُوعٌ مِنَ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قالَ: أتُرِيدُونَ؟
وهَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أمْ هُنا بِمَعْنى بَلْ وألِفُ الِاسْتِفْهامِ، قالَ مَكِّيٌّ، وغَيْرُهُ: وهَذا يَضْعُفُ، لِأنَّ "أمْ" لا تَقَعُ بِمَعْنى بَلْ إلّا إذا اعْتَرَضَ المُتَكَلِّمَ شَكٌّ فِيما يُورِدُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ كَما قالَ مَكِّيٌّ رَحِمَهُ اللهُ، لِأنَّ "بَلْ" قَدْ تَكُونُ لِلْإضْرابِ عَنِ اللَفْظِ الأوَّلِ لا عن مَعْناهُ، وإنَّما يَلْزَمُ ما قالَ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْ "بَلْ"، وهو الإضْرابُ عَنِ اللَفْظِ والمَعْنى، ونَعَمْ ما قالَ سِيبَوَيْهِ: بَلْ هي لِتَرْكِ كَلامٍ وأخْذٍ في غَيْرِهِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ «قالَ بَعْضُ الصَحابَةِ لِلنَّبِيِّ : لَيْتَ ذُنُوبَنا جَرَتْ مَجْرى ذُنُوبِ بَنِي إسْرائِيلَ بِتَعْجِيلِ العُقُوبَةِ في الدُنْيا، فَقالَ النَبِيُّ : قَدْ أعْطاكُمُ اللهُ خَيْرًا مِمّا أعْطى بَنِي إسْرائِيلَ" وتَلا: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أو يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ »، فَتَجِيءُ إضافَةُ الرَسُولِ إلى الأُمَّةِ عَلى هَذا حَسَبَ الأمْرِ في نَفْسِهِ، وحَسَبَ إقْرارِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّ رافِعَ بْنَ حُرَيْمَلَةَ اليَهُودِيَّ سَألَ النَبِيَّ تَفْجِيرَ عُيُونٍ وغَيْرَ ذَلِكَ»، وقِيلَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ سَألُوا النَبِيَّ أنْ يَأْتِيَهم بِاللهِ جَهْرَةً، وقِيلَ: سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَهم بِاللهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا، وقالَ مُجاهِدٌ: سَألُوهُ أنْ يَرُدَّ الصَفا ذَهَبًا، فَقالَ لَهُمْ: خُذُوا ذَلِكَ كالمائِدَةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأبَوْا ونَكَصُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَتَجِيءُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ إضافَةُ الرَسُولِ إلَيْهِمْ حَسَبَ الأمْرِ في نَفْسِهِ لا عَلى إقْرارِهِمْ.
وما سُئِلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هو أنْ يَرى اللهَ جَهْرَةً.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وَغَيْرُهُ "سِيلَ" بِكَسْرِ السِينِ وياءٍ، وهي لُغَةٌ يُقالُ: سَلْتُ أسالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن هَمْزٍ أبْدَلَ الهَمْزَةَ ياءً عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ثُمَّ كَسَرَ السِينَ مِن أجْلِ الياءِ.
وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ بَيْنَ الهَمْزَةِ والياءِ مَعَ ضَمِّ السِينِ.
وكُنِّيَ عَنِ الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ والإقْبالِ عَلى الكُفْرِ بِالتَبْدِيلِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الكُفْرُ هُنا الشِدَّةُ، والإيمانُ الرَخاءُ، وهَذا ضَعِيفٌ، إلّا أنْ يُرِيدَهُما مُسْتَعارَتَيْنِ أيِ الشِدَّةُ عَلى نَفْسِهِ والرَخاءُ لَها عِبارَةٌ عَنِ العَذابِ والنَعِيمِ.
وأمّا المُتَعارَفُ مِن شِدَّةِ أُمُورِ الدُنْيا ورَخائِها فَلا تُفَسَّرُ الآيَةُ بِهِ.
و"ضَلَّ" أخْطَأ الطَرِيقَ، و"السَواءُ" مِن كُلِّ شَيْءٍ الوَسَطُ والمُعْظَمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي سَواءِ الجَحِيمِ ﴾ ، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "كَتَبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سِوائِي"، وقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ في رِثاءِ النَبِيِّ عَلى ما ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: يا ويْحَ أنْصارَ النَبِيِّ ورَهْطِهِ بَعْدَ المَغِيبِ في سَواءِ المَلْحَدِ وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: هو عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وهو عِنْدِي وهم مِنهُ.
و"السَبِيلُ" عِبارَةٌ عَنِ الشَرِيعَةِ الَّتِي أنْزَلَها اللهُ لِعِبادِهِ، لَمّا كانَتْ كالسَبَبِ إلى نَيْلِ رَحْمَتِهِ كانَتْ كالسَبِيلِ إلَيْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ ، كَثِيرٌ: مُرْتَفِعٌ بـ "وَدَّ"، وهو نَعْتٌ لِنَكِرَةٍ، وحَذْفُ المَوْصُوفِ النَكِرَةِ قَلِيلٌ، ولَكِنْ جازَ هُنا لِأنَّها صِفَةٌ مُتَمَكِّنَةٌ تَرْفَعُ الإشْكالَ، بِمَنزِلَةِ فَرِيقٍ.
قالَ الزُهْرِيُّ: عَنى بِـ "كَثِيرٌ" واحِدٌ، وهو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وهَذا تَحامُلٌ، وقَوْلُهُ: "يَرُدُّونَكُمْ" يَرُدُّ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ ابْنا أخْطُبَ: حُيَيُّ وأبُو ياسِرٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفي الضِمْنِ الأتْباعُ فَتَجِيءُ العِبارَةُ مُتَمَكِّنَةً.
و"الكِتابُ" هُنا التَوْراةُ.
و"لَوَ" هُنا بِمَنزِلَةِ "أنْ" لا تَحْتاجُ إلى جَوابٍ، وقِيلَ: يَتَقَدَّرُ جَوابُها في "وَدَّ"، التَقْدِيرُ: لَوْ يَرُدُّونَكم لَوَدُّوا ذَلِكَ، فَـ "وَدَّ" دالَّةٌ عَلى الجَوابِ، لَأنَّ مَن شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا عن "لَوَ"، و"كُفّارًا" مَفْعُولٌ ثانٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا.
و"حَسَدًا" مَفْعُولٌ لَهُ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
واخْتَلَفَ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: ﴿ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ﴾ فَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بـِ "وَدَّ"، لِأنَّهُ بِمَعْنى ودُّوا، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ "حَسَدًا"، فالوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: "كُفّارًا"، والمَعْنى عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ: أنَّهم لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ في كِتابٍ، ولا أمَرُوا بِهِ، فَهو مِن تِلْقائِهِمْ.
ولَفْظَةُ الحَسَدِ تُعْطِي هَذا، فَجاءَ ﴿ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ﴾ تَأْكِيدًا وإلْزامًا كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ﴾ و ﴿ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ﴾ ، و ﴿ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ﴾ ، وقِيلَ: فَيَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: "يَرُدُّونَكُمْ"، فالمَعْنى: أنَّهم ودُّوا الرَدَّ بِزِيادَةِ أنْ يَكُونَ مِن تِلْقائِهِمْ، أيْ بِإغْوائِهِمْ وتَزْيِينِهِمْ.
واخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ: إنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ أتَيا بَيْتَ المَدارِسِ، فَأرادَ اليَهُودُ صَرْفَهم عن دِينِهِمْ فَثَبَتا عَلَيْهِ، ونَزَلَتِ الآيَةُ، وقِيلَ: إنَّما هَذِهِ الآيَةُ تابِعَةٌ في المَعْنى لِما تَقَدَّمَ مِن نَهْيِ اللهِ عن مُتابَعَةِ أقْوالِ اليَهُودِ في "راعِنا" وغَيْرِهِ، وأنَّهم لا يَوَدُّونَ أنْ يَنْزِلَ خَيْرٌ، ويَوَدُّونَ أنْ يَرُدُّوا المُؤْمِنِينَ كُفّارًا.
و"الحَقُّ" المُرادُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ، وصِحَّةُ ما المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الظَواهِرِ في صِحَّةِ الكُفْرِ عِنادًا، واخْتَلَفَ أهْلُ السُنَّةِ في جَوازِ ذَلِكَ، والصَحِيحُ عِنْدِي جَوازُهُ عَقْلًا وبَعْدَهُ وُقُوعًا، ويَتَرَتَّبُ في كُلِّ آيَةٍ تَقْتَضِيهِ أنَّ المَعْرِفَةَ تُسْلَبُ في ثانِي حالٍ مِنَ العِنادِ.
والعَفْوُ: تَرْكُ العُقُوبَةِ وهو مِن عِفَّتِ الآثارِ، والصَفْحُ: الإعْراضُ عَنِ المُذْنِبِ كَأنَّهُ يُوَلِّي صَفْحَةَ العُنُقِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: "صاغِرُونَ".
وقِيلَ بِقَوْلِهِ: ( اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ) وقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ هَذا حَدُّ المَنسُوخِ لِأنَّ هَذا في نَفْسِ الأمْرِ كانَ التَوْقِيفُ عَلى مُدَّتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى مَن يَجْعَلُ الأمْرَ المُنْتَظَرَ أوامِرَ الشَرْعِ، أو قَتْلَ قُرَيْظَةَ وإجْلاءَ النَضِيرِ، وأمْرَ مَن يَجْعَلُهُ آجالَ بَنِي آدَمَ فَيَتَرَتَّبُ النَسْخُ في هَذِهِ الآيَةِ بِعَيْنِها لِأنَّهُ لا يَخْتَلِفُ أنَّ آياتِ المُوادَعَةِ المُطْلَقَةِ قَدْ نُسِخَتْ كُلُّها، والنَسْخُ هو مَجِيءُ الأمْرِ في هَذِهِ المُقَيَّدَةِ، وقِيلَ: مَجِيءُ الأمْرِ هو فَرْضُ القِتالِ، وقِيلَ: قَتْلُ قُرَيْظَةَ وإجْلاءُ النَضِيرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، لِأنَّ كُلَّ آيَةٍ فِيها تَرْكُ القِتالِ فَهي مَكِّيَّةٌ مَنسُوخَةٌ، وحُكْمُهُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ ضَعِيفٌ، لِأنَّ مُعانَداتِ اليَهُودِ إنَّما كانَتْ بِالمَدِينَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ مُقْتَضاهُ في هَذا المَوْضُوعِ وعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
<div class="verse-tafsir"
(أم) حرف عطف مختص بالاستفهام وما في معناه وهو التسوية فإذا عطفت أحد مفرديْننِ مستفهماً عن تعيين أحدهما استفهاماً حقيقياً أو مسوَّى بينهما في احتمال الحصول فهي بمعنى (أو) العاطفة ويسميها النحاة متصلة، وإذا وقعت عاطفة جملةً دلت على انتقال من الكلام السابق إلى استفهام فتكون بمعنى بل الانتقالية ويسميها النحاة منقطعة والاستفهام ملازم لما بعدها في الحالين.
وهي هنا منقطعة لا محالة لأن الاستفهامين اللذين قبلها في معنى الخبر لأنهما للتقرير كما تقدم إلا أن وقوعهما في صورة الاستفهام ولو للتقرير يحسن موقع (أم) بعدهما كما هو الغالب والاستفهام الذي بعدهما هنا إنكار وتحذير، والمناسبة في هذا الانتقال تامة فإن التقريرالذي قبلها مراد منه التحذير من الغلط وأن يكونوا كمن لا يعلم والاستفهام الذي بعدها مراد منه التحذير كذلك والمحذر منه في الجميع مشترك في كونه من أحوال اليهود المذمومة ولا يصح كون (أم) هنا متصلة لأن الاستفهامين اللذين قبلها ليسا على حقيقتهما لا محالة كما تقدم.
وقد جوز القزويني في «الكشف على الكشاف» كون (أم) هنا متصلة بوجه مرجوح وتبعه البيضاوي وتكلفا لذلك مما لايساعد استعمال الكلام العربي، وأفرط عبد الحكيم في «حاشية البيضاوي» فزعم أن حملها على المتصلة أرجح لأنه الأصل لا سيما مع اتحاد فاعل الفعلين المتعاطفين بأم ولدلالته على أنهم إذا سألوا سؤال قوم موسى فقد علموا أن الله على كل شيء قدير وإنما قصدوا التعنت وكان الجميع في غفلة عن عدم صلوحية الاستفهامين السابقين للحمل على حقيقة الاستفهام.
وقوله: ﴿ تريدون ﴾ خطاب للمسلمين لا محالة بقرينة قوله: ﴿ رسولكم ﴾ وليس كونه كذلك بمرجح كون الخطابين اللذين قبله متوجهين إلى المسلمين لأن انتقال الكلام بعد (أم) المنقطعة يسمح بانتقال الخطاب.
وقوله: ﴿ تريدون ﴾ يؤذن بأن السؤال لم يقع ولكنه ربما جاش في نفوس بعضهم أو ربما أثارته في نفوسهم شبه اليهود في إنكارهم النسخ وإلقائهم شبهة البداء ونحو ذلك مما قد يبعث بعض المسلمين على سؤال النبيء صلى الله عليه وسلم وقوله: ﴿ كما سئل موسى ﴾ تشبيهٌ وجهُه أن في أسئلة بني إسرائيل موسى كثيراً من الأسئلة التي تفضي بهم إلى الكفر كقولهم: ﴿ اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ﴾ [الأعراف: 138] أو من العجرفة كقولهم: ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ [البقرة: 55] فيكون التحذير من تسلسل الأسئلة المفضي إلى مثل ذلك.
ويجوز كونه راجعاً إلى أسئلة بني إسرائيل عما لا يعنيهم وعما يجر لهم المشقة كقولهم ﴿ ما لونها ﴾ [البقرة: 69] و ﴿ ماهي ﴾ [البقرة: 7].
قال الفخر: إن المسلمين كانوا يسألون النبيء صلى الله عليه وسلم عن أمور لا خير لهم في البحث عنها ليعلموها كما سأل اليهود موسى اه.
وقد ذكر غيره أسباباً أخرى للنزول، منها: أن المسلمين سألوا النبيء صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر لما مروا بذات الأنواط التي كانت للمشركين أن يجعل لهم مثلها ونحو هذا مما هو مبني على أخبار ضعيفة، وكل ذلك تكلف لما لا حاجة إليه فإن الآية مسوقة مساق الإنكار التحذيري بدليل قوله: ﴿ تريدون ﴾ قصداً للوصاية بالثقة بالله ورسوله والوصاية والتحذير لا يقتضيان وقوع الفعل بل يقتضيان عدمه.
والمقصود التحذير من تطرق الشك في صلاحية الأحكام المنسوخة قبل نسخها لا في صلاحية الأحكام الناسخة عند وقوعها.
وقوله: ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل ﴾ تذييل للتحذير الماضي للدلالة على أن المحذر منه كفر أو يفضي إلى الكفر لأنه ينافي حرمة الرسول والثقة به وبحكم الله تعالى، ويحتمل أن المراد بالكفر أحوال أهل الكفر أي لا تتبدلوا بآدابكم تقلد عوائد أهل الكفر في سؤالهم كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث «الصحيحين»: " فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم " وإطلاق الكفر على أحوال أهله وإن لم تكن كفراً شائع في ألفاظ الشريعة وألفاظ السلف كما قالت جميلة بنت عبد الله بن أُبَيَ زوجةُ ثابتِ بن قيس: «إني أكره الكفر» تريد الزنا، فإذن ذكر جملة بعد جملة يؤذن بمناسبة بين الجملتين فإذا لم يكن مدلول الجملتين واضح التناسب علم المخاطب أن هنالك مناسبة يرمز إليها البليغ فهنا تعلم أن الارتداد عن الإيمان إلى الكفر معنى كلي عام يندرج تحته سؤالهم الرسول كما سأل بنو إسرائيل موسى فتكون تلك القضية كفراً وهو المقصود من التذييل المعرف في باب الإطناب بأنه تعقيب الجملة بجملة مشتملة على معناها تتنزل منزلة الحجة على مضمون الجملة وبذلك يحصل تأكيد معنى الجملة الأولى وزيادة فالتذييل ضرب من ضروب الإطناب من حيث يشتمل على تقرير معنى الجملة الأولى ويزيد عليه بفائدة جديدة لها تعلق بفائدة الجملة الأولى.
وأبدعه ما أخرج مخرج الأمثال لما فيه من عُموم الحكم ووجيز اللفظ مثل هاته الآية، وقول النابغة: ولستَ بمستبققٍ أخاً لا تُلِمُّه *** على شعَث أيُّ الرجال المهذب والمؤكد بجملة: ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإيمان ﴾ هو مفهوم جملة ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم ﴾ مفهوم الجملة التي قبلها لا منطوقها فهي كالتذييل الذي في بيت النابغة.
والقول في تعدية فعل ﴿ يتبدل ﴾ مضى عند قوله تعالى: ﴿ قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ﴾ [البقرة: 61].
وقد جعل قوله: ﴿ فقد ضل ﴾ جواباً لمن الشرطية لأن المراد من الضلال أعظمه وهو الحاصل عقب تبدل الكفر بالإيمان ولا شبهة في كون الجواب مترتباً على الشرط ولا يريبك في ذلك وقوع جواب الشرط فعلاً ماضياً مع أن الشرط إنما هو تعليق على المستقبل ولا اقتران الماضي بقد الدالة على تحقق المضي لأن هذا استعمال عربي جيد يأتون بالجزاء ماضياً لقصد الدلالة على شدة ترتب الجزاء على الشرط وتحقق وقوعه معه حتى إنه عند ما يحصل مضمون الشرط يكون الجزاء قد حصل فكأنه حاصل من قبل الشرط نحو: ﴿ ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ﴾ [طه: 81] وعلى مثل هذا يحمل كل جزاء جاء ماضياً فإن القرينة عليه أن مضمون الجواب لا يحصل إلا بعد حصول الشرط وهم يجعلون قد علامة على هذا القصد ولهذا قلما خلا جواب ماض لشرط مضارع إلا والجواب مقترن بقد حتى قيل: إن غير ذلك ضرورة ولم يقع في القرآن كما نص عليه الرضي بخلافه مع قد فكثير في القرآن.
وقد يجعلون الجزاء ماضياً مريدين أن حصول مضمون الشرط كاشف عن كون مضمون الجزاء قد حصل أو قد تذكره الناس نحو ﴿ إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ﴾ [يوسف: 77] وعليه فيكون تحقيق الجزاء في مثله هو ما يتضمنه الجواب من معنى الانكشاف أو السبق أو غيرهما بحسب المقامات قبل أن يقدر فلا تعجب إذ قد سرق أخ له ويمكن تخريج هذه الآية على ذلك بأن يقدر ومن يتبدل الكفر بالإيمان فالسبب فيه أنه قد كان ضل سواء السبيل حتى وقع في الارتداد كما تقول من وقع في المهواة فقد خبط خبط عشواء إن أريد بالماضي أنه حصل وأريد بالضلال ما حف بالمرتد من الشبهات والخذلان الذي أوصله إلى الارتداد وهو بعيد من غرض الآية.
والسواء الوسط من كل شيء قال بلعاء بن قيس: غَشَّيْتُه وهو في جَأَوَاءَ باسلة *** عَضْبَاً أصاب سواءَ الرأس فانفلقا ووسط الطريق هو الطريق الجادة الواضحة لأنه يكون بين بنيات الطريق التي لا تنتهي إلى الغاية.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها، ما رُوِيَ أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ، مِنهم فِنْحاصُ، وزَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، دَعَوْا حُذَيْفَةَ وعَمّارًا إلى دِينِهِما، وقالُوا: نَحْنُ أهْدى مِنكم سَبِيلًا، فَقالَ لَهم عَمّارٌ: وكَيْفَ نَقْضُ العَهْدِ عِنْدَكُمْ؟
قالُوا: شَدِيدٌ، قالَ عَمّارٌ: فَإنِّي عاهَدْتُ رَبِّي ألّا أكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ أبَدًا، ولا أتَّبِعَ دِينًا غَيْرَ دِينِهِ، فَقالَتِ اليَهُودُ: أمّا عَمّارٌ فَقَدْ صَبَأ وضَلَّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، فَكَيْفَ أنْتَ يا حُذَيْفَةُ؟
فَقالَ حُذَيْفَةُ: اللَّهُ رَبِّي، ومُحَمَّدٌ نَبِيِّي، والقُرْآنُ إمامِي، أُطِيعُ رَبِّي، وأقْتَدِي بِرَسُولِي، وأعْمَلُ بِكِتابِ رَبِّي.
فَقالا: وإلَهِ مُوسى، لَقَدْ أُشْرِبَتْ قُلُوبُكُما حُبَّ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ.
﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ ﴾ يَعْنِي مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لِلْيَهُودِ، أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ صادِقٌ، وأنَّ الإسْلامَ دِينُ حَقٍّ.
﴿ فاعْفُوا واصْفَحُوا ﴾ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: فاعْفُوا، أيِ اتْرُكُوا اليَهُودَ، واصْفَحُوا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ ﴾ يَعْنِي ما أذِنَ بِهِ في (بَنِي قُرَيْظَةَ)، مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ، وفي (بَنِي النَّضِيرِ) مِنَ الجَلاءِ والنَّفْيِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرأه، أو فجر لنا أنهاراً نتبعك ونصدقك، فأنزل الله في ذلك ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم ﴾ إلى قوله: ﴿ سواء السبيل ﴾ وكان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد اليهود حسداً للعرب إذ خصهم الله برسوله، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإِسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما ﴿ ودّ كثير من أهل الكتاب...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: قال رجل «يا رسول الله لو كانت كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أعطيتم خير، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزياً في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزياً في الآخرة، وقد أعطاكم الله خيراً من ذلك قال: ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ﴾ [ النساء: 110] الآية، والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن.
فأنزل الله: ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم...
﴾ الآية.» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي قال: سألت العرب محمداً صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالله فيروه جهرة، فنزلت هذه الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: «سألت قريش محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً.
فقال: نعم، وهو كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم، فأبوا ورجعوا.
فأنزل الله: ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ﴾ أن يريهم الله جهرة» .
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإِيمان ﴾ يقول: يتبدل الشدة بالرخاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فقد ضل سواء السبيل ﴾ قال: عدل عن السبيل.
وأخرج أبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن كعب بن مالك قال: «كان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أشد الأذى، فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم، ففيهم أنزل الله: ﴿ ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً ﴾ [ آل عمران: 186] الآية.
وفيهم أنزل الله: ﴿ ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً ﴾ الآيه» .
وأخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل عن أسامة بن زيد قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى قال الله: ﴿ ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً ﴾ [ آل عمران: 186] وقال: ﴿ ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ﴾ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأوّل في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم بقتل، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الزهري وقتادة في قوله: ﴿ ودّ كثير من أهل الكتاب ﴾ قالا: كعب بن الأشرف.
وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ حسداً من عند أنفسهم ﴾ قال: من قبل أنفسهم ﴿ من بعد ما تبين لهم الحق ﴾ يقول: يتبين لهم أن محمداً رسول الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ من بعد تبين لهم الحق ﴾ قال: من بعد ما تبين لهم أن محمداً رسول الله يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل نعته وأمره ونبوته، ومن بعد ما تبين لهم أن الإِسلام دين الله الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ قال: أمر الله نبيه أن يعفو عنهم ويصفح حتى يأتي الله بأمره، فأنزل الله في براءة وأمره فقال: ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ﴾ [ التوبة: 29] الآية.
فنسختها هذه الآية، وأمره الله فيها بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يقروا بالجزية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ وقوله: ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ [ الأنعام: 106] ونحو هذا في العفو عن المشركين قال: نسخ ذلك كله بقوله: ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ﴾ [ التوبة: 29] وقوله: ﴿ اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] .
وأخرج ابن جرير والنحاس في تاريخه عن السدي في قوله: ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ قال: هي منسوخه نسختها ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴾ [ التوبة: 29] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وما تقدموا لأنفسكم من خير ﴾ يعني من الأعمال من الخير في الدنيا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ تجدوه عند الله ﴾ قال: تجدوا ثوابه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ ﴾ الآية، قد ذكرنا بعض أحكام أم في قوله: ﴿ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ﴾ ، (١) (٢) (٣) (٤) قال الفراء: ويجوز أن يستفهم بها، فتكون (٥) ﴿ الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ﴾ .
فجاءت (أم) وليس قبلها استفهام، وهي دليل على أنها استفهام مُبتدأ على كلام قد سبقه (٦) (٧) فأما قوله ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ ﴾ فيجوز فيه الوجهان جميعًا، إن شئت قلت قبله استفهام رُدَّ عليه، وهو قوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ ﴾ (٨) فإن قيل: كيف يُرَدّ (أم تريدون) عليه والأول خطاب للنبي ، والثاني خطاب للجماعة؟
قيل: الله تعالى رجع في الخطاب من التوحيد إلى الجمع، وما خوطب به فقد خوطب به أُمّته، فيكتفى به من أُمّته، كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ ، فوحَّد ثم جَمَعَ، كذلك فيما نحن فيه، ويكون المعنى على هذا: أيُّهما عندكم العلم بأن الله قدير، وأن له ملك السماوات والأرض، أم إرادة سؤال الرسول الآيات؟
والله تعالى علم أيهما عندهم.
وإن شئت جعلت أم منقطعًا مما قبله في المعنى، مستأنفًا بها الاستفهام، فيكون استفهامًا متوسطًا في اللفظ مُبتدئًا في المعنى، كقوله تعالى: ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾ الآية.
ثم قال: ﴿ أَمْ أَنَا خَيْرٌ ﴾ وهذا يطرد فيه الوجهان العطف بالاستفهام، والابتداء به (٩) ﴿ مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ ﴾ .
فمن قرأ: ﴿ أَتَّخَذنَاهُم ﴾ بفتح الألف فـ (أم) جاءت بعد الاستفهام (١٠) ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ﴾ .
قال الفراء: وربما جعلت العرب (أم) إذا سبقها استفهام لا يصلح فيه أيٌّ على جهة (بل) فتقول (١١) (١٢) وأنشد ابن الأنباري على هذا: تروحُ من الحيِّ أم تَبْتَكرْ ...
وماذا يضُرُّك لو تَنْتَظِرْ (١٣) فوالله ما أدري وإنْ كنتُ داريًا ...
بسبعٍ رمينَ الجمرَ أم بثمانِ (١٤) ويجوز أن يكون هي حرف الاستفهام متوسطًا.
فأما التفسير فقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رهط من قريش، قالوا: يا محمد، (اجعل لنا) (١٥) (١٦) ﴿ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ ، (١٧) (١٨) (١٩) ، فمِنْ قائلٍ يقول: ائتنا بكتاب من السماء جملة واحدة (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) وقال أبو إسحاق: معنى الآية: أنَّهم نُهوا أن يسألوا النبي مالا خير لهم في السؤال عنه (٢٤) (٢٥) (٢٦) والسؤال بعد قيام البراهين كفر.
لذلك قال ﴿ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ قصدَه ووسطَه (٢٧) (٢٨) (٢٩) كنتُ القَذَى في موجِ أكدرَ مُزبدٍ ...
قذَفَ الأتيُّ به فضلَّ ضلالا (٣٠) أي: ذهب يمينًا وشمالًا.
وذكرنا ما في (سواء) في قوله: ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ﴾ .
(١) "البسيط" 1/ 474 - 475 تحقيق: الفوزان.
(٢) في (ش): (تقطع).
(٣) في (ش): (زيدًا).
(٤) ينظر: "مغني اللبيب" 1/ 42، "البحر المحيط" 1/ 346.
(٥) في (أ)، (م): (فيكون).
(٦) كذا في "معاني القرآن" للفراء1/ 71.
(٧) من قوله: (فأم استفهام) ...
ساقط من (ش).
(٨) كذا في "معاني القرآن" للفراء 1/ 71.
(٩) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 72.
(١٠) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 71 - 72.
(١١) في (أ)، (م): (فيقول).
وفي "معاني القرآن" 1/ 72: (فيقولون).
(١٢) كذا بنحوه في "معاني القرآن" للفراء 1/ 72، ونقل أغلب ما سبق عن الفراء الطبري في "تفسيره" 1/ 484 - 485، وينظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية 1/ 441.
(١٣) البيت لامرئ القيس، ينظر: "ديوانه" ص 68، "لسان العرب" 5/ 2777، (مادة: عبد)، "المعجم المفصل" 3/ 31.
(١٤) البيت لعمر بن أبي ربيعة، ينظر: "ديوانه" ص 266، "المعجم المفصل" 8/ 186.
(١٥) ساقطة من (م).
(١٦) كذا ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1110، والمصنف أيضًا في "أسباب النزول" ص 34، القرطبي 2/ 62، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 345 وذكره الحافظ في "العجاب" 1/ 350 عن الواحدي، وقال: ذكره الثعلبي، ولعله من تفسير الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ..
وقد ذكر الطبري في تفسيره 1/ 483، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 328 أسبابًا أخرى، ومن ذلك: ما رواه ابن أبي حاتم بسنده الحسن كما في "التفسير الصحيح" 1/ 213 عن محمد بن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: قال رافع بن حريملة، ووهب بن زيد لرسول الله : يا محمد ايتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارًا نتبعك ونصدقك، فأنزل الله في ذلك عن قولهم: (أم تريدون ..) الآية.
قال الثعلبي في "تفسيره" 15/ 111: والصحيح إن شاء الله أنها نزلت في اليهود حين قالوا: ائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة، لأن هذه السورة مدنية، وتصديق هذا القول: قوله عز وجل: ﴿ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ ﴾ .
(١٧) قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 1/ 145 لم يبين هنا الذي سأل موسى من قبل من هو؟
ولكنه بينه في موضع آخر، وذلك في قوله: (يسألك أهل الكتاب ...) الآية.
(١٨) في (ش): (بأن).
(١٩) تحرفت في "أسباب النزول" ص 37 إلى تمنعوا.
(٢٠) ساقطة من (أ)، (م).
(٢١) هو عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم ابن عمة النبي عاتكة بنت عبد المطلب، كان من كفار مكة ومن أقوى المعارضين للرسول ودعوته ولم يزل كذلك حتى عام الفتح، فهاجر إليه قبل الفتح هو وأبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب، وأسلما وحسن إسلامهما، وشهد فتح مكة وحنينًا والطائف، ورُمي من الطائف بسهم فقتله.
ينظر: "معجم الصحابة" لابن قانع 2/ 521، "أسد الغابة" 3/ 177، "البداية والنهاية" 4/ 130.
(٢٢) في الأصل: أبي بن، والتصويب من "أسباب النزول" ص 38.
(٢٣) ينظر تخريج كلام ابن عباس السابق، وكذا أيضا في "أسباب النزول" للمصنف ص 37 - 48، "البحر المحيط" 1/ 346.
(٢٤) في "معاني القرآن" عنه وما يكفرهم وإنما.
(٢٥) في "معاني القرآن" وإقامتها.
(٢٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 192.
(٢٧) "تفسير الثعلبي" 1/ 1112.
(٢٨) ينظر: "الوسيط" 1/ 191.
(٢٩) هو: غياث بن غوث بن الصلت أبو مالك التغلبي، شاعر نصراني.
(٣٠) ينظر: "ديوان الأخطل" ص 250، و"نقائض جرير والأخطل" ص 83، و"تفسير القرطبي" 14/ 91، و"الماوردي" 3/ 293، و"وضح البرهان" للغزنوي 2/ 175.
وينظر: "البحر المحيط" 5/ 513 - 514.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ ﴾ أي تطلبوا الآيات، ويحتمل السؤال عن العلم، والأوّل أرجح لما بعده، فإنه شبهه بسؤالهم لموسى، وهو قولهم لهم: ﴿ أَرِنَا الله جَهْرَةً ﴾ [النساء: 153] ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب ﴾ أي تمنوا، ونزلت الآية في حيي بن أخطب وأمية بن ياسر، وأشباههما من اليهود، الذين كانوا يحرصون على فتنة المسلمين، ويطمعون أن يردّوهم عن الإسلام ﴿ حَسَداً ﴾ مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال، والعامل في ما قبله، فيجب وصله معه، وقيل: هو مصدر، والعامل فيه محذوف تقديره: يحسدونكم حسداً، فعلى هذا يوقف على ما قبله، والأوّل أظهر وأرجح ﴿ مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ يتعلق بحسداً، وقيل: بيودّ ﴿ فاعفوا ﴾ منسوخ بالسيف ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ يعني إباحة قتالهم أو وصول آجالهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ما ننسخ ﴾ بضم النون وكسر السين: ابن ذكوان ﴿ ننسأها ﴾ مهموزاً: ابن كثير وأبو عمرو غير أوقية، وروى أوقية بغير همز، الباقون: ننسها من الإنساء ﴿ نأت بخير ﴾ بغير همز: أبو عمرو غير إبراهيم بن حماد ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف، الباقون وإبراهيم بن حماد بالهمزة لأنه جواب الشرط، ومن شرطه أن يهمز كل ما كان نسقاً أي عطفاً على المجزوم أو جواباً للمجزوم كل القرآن مثل قوله عز وجل ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم ﴾ وقوله ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ وأشباه ذلك ﴿ فقد ضل ﴾ بالإظهار: حجازي غير ورش وعاصم غير الأعشى، وكذلك يظهرون الدال عند الذال والظاء حيث وقعتا مثل قوله : ﴿ فقد ظلم ﴾ ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ وأشباه ذلك.
الوقوف: ﴿ واسمعوا ﴾ (ط) ﴿ أليم ﴾ (ه) ﴿ من ربكم ﴾ (ط) ﴿ من يشاء ﴾ (ط) ﴿ العظيم ﴾ (ه) ﴿ أو مثلها ﴾ (ط) ﴿ قدير ﴾ (ه) ﴿ والأرض ﴾ (ط) ﴿ ولا نصير ﴾ (ه) ربع الجزء ﴿ ومن قبل ﴾ (ط) ﴿ السبيل ﴾ (ه).
التفسير: لما شرح الله قبائح أفعال السلف من اليهود، شرع في قبائح أخلاق المعاصرين لرسول الله وجدّهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه، واعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن.
قال ابن عباس: وكان يخاطب في التوراة بـ "يا أيها المساكين" فكأنه لما خاطبهم أولاً بالمساكين أثبت لهم المسكنة آخراً حيث قال ﴿ وضربت عليهم الذلة والمسكنة ﴾ وهذا يدل على أنه تعالى لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أوّلاً فإنه يعطيهم الأمان من العذاب آخراً ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً ﴾ ، ولا سيما فإن المؤمن اسم من أسمائه العظام، ففيه دليل على أنه يقرّبهم منه في دار السلام.
وقيل: آمنوا على الغيبة نظراً إلى المظهر وهو "الذين" ولو قيل آمنتم نظراً إلى النداء جاز من حيث العربية، ثم إنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع الله من إحداهما ويأذن في الأخرى ومن هنا قال الشافعي: لا تصح الصلاة بترجمة الفاتحة عربية كانت أو فارسية.
فلا يبعد أن يمنع الله من قول ﴿ راعنا ﴾ ويأذن في قول ﴿ انظرنا ﴾ وإن كانا مترادفين.
ولكن جمهور المفسرين على أنه إنما منع من قول ﴿ راعنا ﴾ لاشتماله على مفسدة.
ثم ذكروا وجوهاً منها: أن المسلمين كانوا يقولون لرسول الله إذا ألقي عليهم شيئاً من العلم راعنا يا رسول الله، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي "راعينا" ومعناها "اسمع لا سمعت" كما صرح بذلك في سورة النساء ﴿ ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ﴾ فإن الجميع كأنها متقاربة فلما سمعوا المسلمين يقولون "راعنا" افترصوه وخاطبوا به الرسول وهم يعنون المسبة، فنهى المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى وهي ﴿ انظرنا ﴾ .
روي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده إن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟
فنزلت، ومنها قال قطرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز كانوا يقولونها عند الهزء والسخرية فلا جرم نهى الله عنها، وقيل: إن اليهود كانوا يقولون "راعينا" أي أنت راعي غنمنا فنهاهم عنه.
وقيل: إن هذه اللفظة لكونها من باب المفاعلة، تدل علىالمساواة بين المتخاطبين كأنهم قالوا: أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا فنهوا عنه ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ﴾ وقيل: "راعنا" خطاب مع الاستعلاء أي راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره، وليس في ﴿ انظرنا ﴾ إلا سؤال الانتظار.
وقيل: إنها تشبه اسم الفاعل من الرعونة والحمق، فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر كقولهم "عائذاً بك" أي أعوذ عياذاً.
فقولهم ﴿ راعنا ﴾ أي فعلت رعونة، ويحتمل أنهم أرادوا صرت راعنا أي ذا رعونة، فلمكان هذه الوجوه الفاسدة نهى الله عنها، وقيل: المراد لا تقولوا قولاً راعناً أي منسوباً إلى الرعن كدارع ولابن، ومنه قراءة الحسن ﴿ راعناً ﴾ بالتنوين.
وانظرنا من نظره إذا انتظره ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم ﴾ أمرهم الله أن يسألوه الإمهال لينقلوا عنه فلا يحتاجون إلى الاستعادة كأنهم قالوا له: توقف في كلامك وبيانك مقدار ما يصل إلى أفهامنا.
وهذا القدر غير خارج عن قانون الأدب فقد يلتمسه المتعلم حرصاً منه على أن لا يفوت منه شيء من الفوائد وإن كان المعلم غير مهمل دقائق التفهيم والإرشاد من التثبت والتأني والإعادة إن احتيج إليها ونحو ذلك.
وقيل: انظرنا معناه انظر إلينا مثل ﴿ واختار موسى قومه ﴾ أي من قومه.
والغرض أن المعلم إذا نظر إلى المتعلم كانت إفاضته عليه أظهر وأقوى.
وفي قراءة أبيّ ﴿ انظرنا ﴾ من النظرة أي أمهلنا حتى نحفظه.
﴿ واسمعوا ﴾ معناه أحسنوا سماع كلام نبيكم بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة، أو اسمعوا سماع قبول وطاعة لا كاليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا، أو اسمعوا ما أمرتم به ولا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه من قول راعنا، وللكافرين ولليهود الذين تهاونوا برسول الله وسبوه عذاب أليم قوله ﴿ ما يود ﴾ الآية.
"من" الأولى للبيان، لأن ﴿ الذين كفروا ﴾ جنس تحته نوعان: أهل الكتاب والمشركون.
كقوله ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ﴾ "ولا" مزيدة لتأكيد النفي وقرئ ﴿ ولا المشركون ﴾ والثانية مزيدة لاستغراق الخير فـ ﴿ أن ينزل ﴾ في سياق النفي: فمعنى ما يود أن ينزل يود أن لا ينزل.
والثالثة لابتداء الغاية، والخير الوحي وكذلك الرحمة ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك ﴾ والمعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي، ولا أثر لهذا الحسد فإن الله يختص بالنبوة من يشاء ولا يكون إلا ما يشاء، وما يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة.
﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ والفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة، والإفضال والإحسان، وفيه إشعار بأن إيتاء النبوة من غاية الإحسان وأنهار شحة من بحار كماله ﴿ إن فضله كان عليك كبيراً ﴾ .
قوله عز من قائل ﴿ وما ننسخ من آية ﴾ نوع ثان من تقرير مطاعن اليهود خذلهم الله في الإسلام.
روي أنهم قالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً فنزلت.
وفي الآية مسائل: الأولى: النسخ لغة هو الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته.
والنقل أيضاً وهو أ ن يغير الشيء في صفته وحاله مع بقائه في نفسه، ومنه نسخت الكتاب، والمناسخات في المواريث لانتقال التركة من قوم إلى قوم.
فقيل مشترك بينهما، وقيل حقيقة في الأول مجاز في الثاني، وقيل بالعكس.
وفي الاصطلاح: هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر، فيخرج المباح بحكم الأصل إذا ورد الشرع بضده رافعاً لإباحته فإنه لا يسمى نسخاً إذ ليس رفع حكم شرعي ويخرج أيضاً الرفع بالنور والغفلة لأن ذلك الرفع ليس بمجرد الدليل الشرعي وهو "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" ونحوه، بل يقتضيه العقل أيضاً بخلاف الرفع بنحو "دعي الصلاة أيام أقرائك" فإنه لا مجال للعقل فيه.
ويخرج الرفع بنحو "صم إلى آخر الشهر" فإن "إلى" أوجبت مخالفة حكم ما بعدها لما قبلها إلا أنها لا تسمى نسخاً لأنه ليس متأخراً، ويمكن أن يقال: إن قيد متأخر إنما ينبغي أن يذكر لأن دليل النسخ لا يكون إلا كذلك.
ونحو "صم إلى كذا" وأمثاله من أنواع التخصيص متصلاً كان أو منفصلاً، إنما خرج بقيد الرفع لأن رفع الحكم إنما يكون بعد إرادة حصوله على المكلف، والتخصيص ليس كذلك لأن صورة التخصيص غير مرادة من اللفظ بل التخصيص مبين لمراد الشارع من العام.
ونعني بالحكم ههنا ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن، فإن الوجوب المشروط بالعقل الذي هو مناط التكليف لم يكن حاصلاً عند انتفاء العقل والموقوف على الحادث حادث.
وإذا كان المراد بالحكم هذا فلا يرد قول المعتزلة الحكم عندكم قديم فكيف يرتفع؟
وذلك أنا عنينا بالحكم تعلق الخطاب بعدما لم يتعلق وهذا محدث يرتفع.
وأيضاً نقطع بأنه إذا ثبت تحريم شيء بعد وجوبه انتفى الوجوب الثابت أولاً وهو المعنى بالرفع، ويحسن أيضاً أن يقال: النسخ بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخ، فيخرج بقولنا "شرعي" بيان انتهاء حكم عقلي كالبراءة الأصلية، و"بطريق شرعي" يخرج به بيان انتهاء الحكم الشرعي بطريق عقلي كانتساخ القيام عمن ينكسر رجله.
وقولنا "متراخ" ليخرج التخصيص بالغاية.
ومن هذا يعلم تعريف الناسخ والمنسوخ، ومعنى بيان انتهاء الحكم أن الخطاب السابق له غاية في علم الله ، فإذا انتهى إلى تلك الغاية زال بذاته، ثم ورد الخطاب اللاحق بياناً لذلك.
المسألة الثانية: انعقد الإجماع من أكثر أرباب الشرائع ومن المسلمين خاصة على جواز النسخ عقلاً وعلى الوقوع شرعاً، وخالف اليهود في الجواز، وأبو مسلم الأصفهاني من المسلمين في الوقوع لا الجواز.
لنا القطع بالجواز ضرورة فإن له أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير النظر إلى حكمة ومصلحة، وإن اعتبرت المصالح فالقطع أن المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات فهذا ما يدل على جواز النسخ.
وفي التوراة أنه أمر آدم بتزويج بناته من بنيه وقد حرم ذلك في شريعة من بعده باتفاق، وهذا ما يدل على وقوعه، وكيف لا وقد ثبت بالدلائل القاطعة والمعجزات الباهرة نبوته محمد ، وبصحة نبوته يلزم نسخ شرع من قبله.
ولم يكن لليهود والنصارى نص صريح يعلم منه أمد شرعهم على التعيين حتى يلزم أن يكون شرع نبينا انتهاء غاية لا نسخاً.
حجة اليهود لو نسخت شريعة موسى لبطل قول موسى المتواتر "هذه شريعة مؤبدة عليكم بها ما دامت السموات والأرض" وأيضاً إن كان نسخ الحكم الشرعي لحكمة ظهرت له لم تكن ظاهرة فهو البداء وإلا فعبث وكلاهما محال على الله ، إذ البداء عبارة عن الظهور بعد الخفاء والعبث فعل لا يستتبع غاية.
والجواب عن الأول المنع من أنه قول موسى ، ويؤكده أنه لو كان هذا القول صحيحاً عندهم لقضت العادة بقوله لرسولنا ولحاجوه بذلك، لكن اليهود لم يتمسكوا به في عهده فدل ذلك على أنه إفك افتراه المتأخرون منهم.
وعن الثاني بعد تسليم اعتبار المصالح أنها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال كمنفعة شرب دواء في حال وضرره في آخر، بل الزمان الممتد من الأزل إلى الأبد قد وزع أجزاؤه فيما لم يزل على الجزئيات الواقعة فيها الصادرة شيئاً فشيئاً بحسب وقت وقت لا لمصلحة تعود إليه بل لما هو أصلح بالنسبة إلى المتزمنات.
فالظهور والخفاء والسابق واللاحق، والإعدام والإيجاد، كلها بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إلى حضرة الواجب جل ذكره فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين.
والحاصل أن كل حكم فله غاية في علم الله ، ولكن قد يظن المكلف استمراره في الاستقبال من قرائن الأحوال، فإذا ورد ما يبين أمده ونص له على زواله فذلك الوارد ناسخ والأول منسوخ والورود نسخ، وكل هذه التجددات بالنسبة إلى المكلف، وأما بالإضافة إليه فكل من الحكمين موجود في وقته الذي قدر له فيه الظهور متقدماً أحدهما ومتأخراً الآخر.
وليس هذا في الأحكام فقط وإنما ذلك في كل حادث، فمن تأمل نسخة الوجود ونسب الحوادث المتفاوتة بعضها إلى بعض بالتقدم والتأخر والمعية، وجد وجوداتها المترتبة أشبه شيء بكتاب يقرؤه القارئ سطراً بعد سطر، وكلمة تلو كلمة، إذا انقضى مجموع من ذلك تلاه مجموع آخر حسب ما رتبه الحكيم العليم بمبادئه ومقاطعه، فالمنقضي في حكم المحو، والتالي في حكم الإثبات، والهيئة الاجتماعية بدون اعتبار التلاوة المستلزمة لانقضاء شيء وظهور ما يعقبه هي أم الكتاب، وهذا سر قوله عز من قائل ﴿ يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾ ولك أن تعبر عن المجموع الدفعي بالقضاء وعن ظهوره التدريجي بالقدر وفي هذا القدر كفاية للفطن المستبصر.
المسألة الثالثة: اتفقوا على وقوع النسخ في القرآن بوجوه: أحدها: هذه الآية أعني ما ننسخ من آية.
وأجاب أبو مسلم بأن المراد بالآيات المنسوخة الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله عنا وتعبدنا بغيره، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأبطل الله ذلك عليهم بهذه الآية.
وأيضاً لعل المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ وتحويله عنه إلى سائر الكتب.
وأيضاً إن ما ههنا يفيد الشرط والجزاء، وكما أن قولك "من جاءك فأكرمه" لا يدل على حصول المجيء بل على أنه متى جاء وجب الإكرام، فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه وثانيها: الاعتداد بالحول في قوله ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول ﴾ نسخ بأربعة أشهر وعشر في قوله ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ﴾ أجاب أبو مسلم بأن الاعتداد بالحول ما زال بالكلية لأنها لو كانت حاملاً ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولاً كاملاً، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان ذلك تخصيصاً لا نسخاً.
ورد بأن عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل سواء حصل وضع الحمل بسنة أو أقل أو أكثر، فجعل السنة مدة للعدة يكون زائلاً بالكلية.
وثالثها: ﴿ إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ﴾ منسوخة بالاتفاق، أجاب بأنه زال لزوال سببه، لأن سبب التعبد بها أن يمتاز المنافقون عن المؤمنين.
ورد بأنه يلزم منه أن من لم يتصدق كان منافقاً وهو باطل، لما روي أنه لم يتصدق غير علي ، وبدليل ﴿ فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ﴾ ورابعها: الأمر بثبات الواحد للعشرة في قوله ﴿ فإن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ﴾ ثم نسخ ذلك بقوله ﴿ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ﴾ وخامسها: تحويل القبلة.
قال أبو مسلم: حكم تلك القبلة ما زال بالكلية لجواز التوجه إليه عند الإشكال، أو مع العلم إذا كان هناك عذر.
ورد بأن بيت المقدس وسائر الجهات في ذلك سواء.
وسادسها: ﴿ وإذا بدلنا آية مكان آية ﴾ والتبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما التلاوة وإما الحكم.
وكيفما كان فهو رفع ونسخ، فهذه الدلائل وأمثالها تدل على وقوع النسخ في الجملة.
حجة أبي مسلم ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ والجواب أن الضمير للمجموع، وأيضاً نسخة بالنسبة إلى المكلف لا ينافي حقيته في نفسه وكونه قرآناً عربياً.
المسألة الرابعة: المنسوخ إما أن يكون هو الحكم فقط كالآيات المعدودة، أو التلاوة فقط كما يروى عن عمر أنه قال: كنا نقرأ آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم" وروي "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب"، أو الحكم والتلاوة معاً كما روي عن عائشة "كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات ثم نسخن بخمس" فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعاً، والخمس مرفوع التلاوة باقي الحكم.
ويروى أن سورة الأحزاب كانت بمنزلة السبع الطوال أو أزيد ثم وقع النقصان.
ولنرجع إلى تفسير الآية ﴿ ما ننسخ ﴾ محمول على نسخ الحكم وإزالته دون التلاوة، أو ننسها على نسخ الحكم والتلاوة جميعاً.
وإنساؤها أن يذهب بحفظها عن القلوب وذلك بأن تخرج من جملة ما يتلى ويقرأ في الصلاة، أو يحتج به، فإذا زال حكم التعبد به وطال العهد نسي، وإن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد، فتصير بهذا الوجه منسية من الصدور أو يكون ذلك معجزة له كما يروى أنهم كانوا يقرأون السورة فيصبحون وقد نسوها.
قال عز من قائل ﴿ سنقرئك فلا تنسى.
إلا ما شاء الله ﴾ وإنساخ الآية الأمر بنسخها وهو أن يأمر جبريل بأن يجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها، ونسؤها تأخيرها وإذهابها لا إلى بدل.
وقيل: ما ننسخ من آية أي نبدلها إما بأن نبدل حكمها فقط، أو تلاوتها فقط، أو نبدلهما، أو ننسها نتركها كما كانت ولا نبدلها، لأن النسيان قد يجيء بمعنى الترك.
وقيل: ما ننسخ من آية ما نرفعها بعد إنزالها أو ننسأها بالهمزة نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ، أو نؤخر نسخها فلا ننسخها في الحال فإنا ننزل بدلها ما يقوم مقامها في المصلحة.
ولا يخفى أن قوله ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ لا ينطبق على هذين القولين كما ينبغي.
ومعنى الآية عند جمهور المفسرين آية القرآن، وعند أبي مسلم التوراة والإنجيل كما مر.
وقد عرفت أنه يمكن حملها على معنى أعم، فكل مجموع من الوجود في كل زمان من الأزمنة آية من صحيفة المخلوقات، وكل فرد من ذلك المجموع كلمة من كلمة الله ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي ﴾ ومعنى ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ إن حملنا الآية على ما يتضمن حكماً على المكلف أن الثاني أخف أو أصلح بالنسبة إلى وقته كما أن الأول كان أصلح بالإضافة إلى وقته.
فالثاني خير بالنسبة إلى وقته، ومثل الأول بالنسبة إلى وقته، أو يراد أن العمل بالثاني أكثر ثواباً من العمل بالأول أو مساوٍ له، فكل منهما قد تقتضيه الحكمة دون ما هو أقل ثواباً، وإن حملنا الآية على غير ذلك فيتعين الأصلح.
قال أهل الإشارة أراد بالنسخ نقل السالك وترقيه من حال إلى حال أعلى منه، وإن غصن استكمالهم أبداً ناضر، ونجم وصالهم دائماً زاهر، فلا ينسخ من آثار عباداتهم شيء إلا أبدل منها أشياء من أنوار العبودية، ولا ينسخ شيء من أنوار العبودية إلا أقيم مكانها أشياء من أقمار الربوبية.
وأيضاً إنهم يشاهدون بعض الوقائع الشريفة في الصور اللطيفة كسبتها المتخيلة بحسب صفاء الوقت وعلو المقام، فلما ارتقوا إلى مقام آخر لا يشاهدون ذلك بتلك المشاهدة، فيظن السالك الغر أنه حجب عن ذلك المقام أو الحال، فقيل: ما ننسخ من آية من آيات المقامات، أو ننسها بأن نمحوها من إدراك الخيال، نأت بخير من تلك المشاهدة أو مثلها.
ثم الأئمة استنبطوا من الآية مسائل: الأولى: زعم قوم أنه لا يجوز نسخ الحكم لا إلى بدل لقوله ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ والجمهور على خلافه لأن الآية لا تدل إلا على وجوب الإتيان بآية أخرى، أما على وجوب الإتيان بحكم آخر فلا.
سلمنا لكنه مخصوص بنسخ تقديم الصدقة بين يدي النجوى، وبنسخ وجوب الإمساك بعد الفطر من غير بدل.
سلمنا عدم تخصيصه لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك البدل عدم الحكم الذي رفع بالنسخ ويكون نسخه بغير بدل وجودي خيراً للمكلف لمصلحة علمت.
الثانية: زعم قوم أن النسخ لا يجوز بأثقل، لأن الأثقل لا يكون خيراً منه ولا مثله.
وردّ الجمهور عليهم بأن المراد كثرة الثواب وذلك لا ينافي كونه أثقل "أجرك على قدر نصبك" وأيضاً قد وقع كنسخ التخيير بين الصوم والفدية بالصوم حتماً، وصوم عاشوراء برمضان، والحبس في البيوت للزاني بالحد.
وأما النسخ إلى الأخف فكنسخ العدة من الحول إلى أربعة أشهر وعشر، وكنسخ صلاة الليل إلى التخيير فيها.
وأما نسخ الشيء إلى المثل فكالتحويل من بيت المقدس إلى الكعبة.
الثالثة: عن الشافعي أن الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة لقوله ﴿ نأت بخير منها ﴾ وذلك يدل على أن المأتي به من جنسه كما إذا قال الإنسان "ما آخذ منك من ثوب آتك بخير منه" يفيد أنه يأتيه بثوب من جنسه خير منه، وجنس القرآن قرآن.
وأيضاً ﴿ نأت ﴾ يدل على أن الآتي هو الله لا الرسول.
وأيضاً المأتي به خير والسنة لا تكون خيراً من القرآن.
وأيضاً قوله ﴿ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ دل على أن الآتي بذلك الخير هو القادر على جميع الخيرات وعلى تصريف المكلف تحت مشيئته وإرادته، لا دافع لما أراد ولا مانع لما شاء وذلك هو الله .
وأجيب بأن قوله ﴿ نأت بخير منها ﴾ ليس فيه أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخاً، بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئاً مغايراً للناسخ يحصل بعد حصول النسخ وذلك أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ الآية الأولى، فلو كان نسخ تلك الآية مرتباً على الإتيان بذلك الخير لزم الدور.
قلت: ويمكن دفع الدور بأن يقال: المراد ما أردنا نسخها من آية نأت بخير منها حتى ننسخها.
ثم احتج الجمهور على وقوع نسخ الكتاب بالسنة بأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله "ألا لا وصية لوارث" وبأن آية الجلد صارت منسوخة بخبر الرجم.
أجاب الشافعي: بأن كون الميراث حقاً للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية، فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية، ولعل الرجم إنما ثبت بقوله "الشيخ والشيخة" الخ.
﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ فهو يدبر الأمور ويجريها على حسب المصالح، وهو أعلم بما يتعبد المكلفين به من ناسخ ومنسوخ.
والخطاب في ﴿ ألم تعلم ﴾ إما للنبي فتدخل الأمة تبعاً، أو لكل من له أهلية الخطاب.
ومعنى الاستفهام فيه التقرير والإثبات لظهور آثار قدرته ووضوح آيات ملكه وسلطانه.
وقيل: إشارة إلى ما شاهد ليلة المعجزات بعين اليقين ثم علمها حق اليقين، فترقى من رؤية الآيات إلى كشف الصفات، ومن كشف الصفات إلى عيان الذات، ثم نسخت عن الخيال وأثبتت في العيان.
والولي ضد العدو، وكل من ولي أمر واحد فهو وليه، فعيل بمعنى فاعل وكذا النصير.
والواو في ﴿ وما لكم ﴾ يحتمل أن تكون للاعتراض فلا محل للجملة، ويحتمل أن تكون للعطف على ﴿ له ملك السموات ﴾ فيدخل تحت الاستفهام، ويكون قوله ﴿ من دون الله ﴾ من وضع الظاهر موضع الضمير ولا يوقف على ﴿ والأرض ﴾ .
﴿ أم تريدون ﴾ قيل: الخطاب للمسلمين لقوله ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإيمان ﴾ وهذا لا يصح إلا في حق المؤمنين، ولأن "أم" للعطف ولا معطوف ظاهراً.
فالتقدير: وقولوا انظرنا واسمعوا، فهل تفعلون هذا كما أمرتم ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم ﴾ ولأنه سأل قوم من المسلمين أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها المأكول والمشروب كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة وهذا قول الأصم والجبائي وأبي مسلم.
وقيل: إنه خطاب لأهل مكة وهو قول ابن عباس ومجاهد إن عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله في رهط من قريش فقال: يا محمد، ما أؤمن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك بعد ذلك حتى تنزل علينا كتاباً من الله إلى عبد الله بن أمية أن محمداً رسول الله فاتبعوه.
فقال له بقية الرهط: فإن لم تستطع ذلك فأتنا بكتاب من عند الله جملة واحدة فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند الله كما سأله السبعون، وعن مجاهد: أن قريشاً سألت محمداً أن يجعل الله لهم الصفا ذهباً.
فقال: نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا.
وقيل: المراد اليهود لأن هذه السورة من أول قوله ﴿ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي ﴾ حكاية عنهم ومحاجة معهم، ولأن الآية مدنية، ولأنه جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأل ما يتبدل كفراً بإيمان، وليس في ظاهر الآية أنهم أتوا بالسؤال فضلاً عن كيفية السؤال، بل المرجع فيه إلى الروايات المذكورة.
وههنا بحث وهو أن السؤال الذي ذكروه إن كان طلباً للمعجزات فمن أين أنه كفر؟
ومعلوم أن طلب الدليل علىالشيء لا يكون كفراً وإن كان ذلك طلباً لوجه الحكمة التفصيلية في نسخ الأحكام، فهذا أيضاً لا يكون كفراً فإن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلق البشر ولم يكن ذلك كفراً.
فالتفكير إما لأنهم طلبوا منه أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة، وإما لأنهم طلبوا المعجزات على وجه التعنت واللجاج.
قلت: والأصوب في الآية أن يكون ﴿ أم تريدون ﴾ معطوفاً على ﴿ ألم تعلم ﴾ على أنه خطاب لكل مكلف، فيكون في معنى الجمع.
ثم "أم" إما أن تكون متصلة على معنى أي الأمرين كائن فإن العلم واقع بكون أحدهما لأنه إما أن لا يعلم نفوذ علمه وقدرته وأن الكل تحت قدرته وقهره وتسخيره، وإما أن يعلم فيسأل وجه الحكمة في النسخ وغيره على سبيل العناد وكلا الأمرين يوجب التكفير.
أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن المعترف بحكمته البالغة وعنايته الشاملة ورأفته الكاملة وقدرته الظاهرة من حقه أن يقتصر على علمه الإجمالي ولا يتخطى مقام الأدب في البحث والتفتيش عن تفاصيل حكمته التي لا تكاد تنحصر.
ويوهم أن السائل في شك مما أمر به أو نهي عنه، وعلى هذا لا يوقف على نصير.
وإما منقطعة على أنه أضرب عن الاستفهام الأول واستأنف استفهاماً ثانياً، ويحتمل أن لا يكون قوله ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإيمان ﴾ حكماً بتكفيرهم بسبب السؤال بل يكون تنبيهاً للمكلفين، على أن السؤال عما لا يهم لهم مما قد ينجر إلى الغواية لكثرة عروض الشكوك والشبهات حتى يقفوا على الاعتقاد الحق والتقليد الصرف فيما لا سبيل إلى درك تفاصيله أو لا يهم معرفتها.
وسواء السبيل وسطه وهو الصراط المستقيم الذي مر تفسيره.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا ﴾ .
قال بعض أهل الكلام: ﴿ مَا نَنسَخْ ﴾ من اللوح المحفوظ ﴿ أَوْ نُنسِهَا ﴾ : نَدعُها في اللوح.
وقيل: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ﴾ أي نرفع بآيةٍ أُخرى أو نتركها في الآخرى.
وقيل: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ﴾ فنرفع حكمها، والعملَ بها، ﴿ أَوْ نُنسِهَا ﴾ أَي: نترك قراءتها وتلاوتها.
فيجوز رفع عينها، ويجوز رفع حكمها وإبقاء عينها؛ لأَوجه: أَحدها: ظهور المنسخ؛ فبطل قول من أَنْكر النسخ؛ إذ وجد.
ومن أَنكر ذلك فإنما أَنكر لجهل بالمنسوخ؛ لأَن النسخ بيان الحكم إلى وقت، ليس على البداءِ، على ما قالت اليهود.
والثاني: أَن للتلاوة فيها فضلاً - كما للعمل - فيجوز رفع فضل العمل، وبقاءُ فضل التلاوة.
والثالث: على جعل الأَول في حالة الاضطرار، والثاني في وقت السعة، كقوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ ﴾ .
ثم يجوز أَن يرفع عينُها فيُنْسى ذكرُها، كما رُوي عن عمر - - أنه قال: "كنا نعدل سورة الأَحزاب بسورة البقرة، حتى رفع منها آيات، منها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة" وأَما قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ .
فاختلف فيه: قيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ أي: أخفَّ وأَهونَ على الأَبدان؛ كقوله: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ ، إن الأمر بالصوم كان لوقت دون وقت؛ إذ رجع الحكم عند الطاقة إلى غَيره.
وكذا ما كان من الحكم في تحريم الأَكل عند النوم والجماع، وكذا تحريم الميتة: لو لم يرد فيهما الإباحة والحل عند الضرورة لكُنَّا نعرفه بالحرمة، وذلك أَخف وأَهون، والله أعلم.
وقيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ في الثواب في العاقبة.
وقيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ في المنفعة ﴿ أَوْ مِثْلِهَا ﴾ في المنفعة.
وقيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ وهو أَن يظهر لكم به الخير في حق الاتباع.
والمثلُ: في حق الأَمر؛ فيشترك أَصحاب المنكرين للنسخ في حق الائتمار بالمثل، ويفضلونهم بظهور الأَخير.
وهو كالصلاة إلى بيت المقدس؛ كان لهم مثلُ ما لليهود في حق الائتمار ما كان ظهر لهم الأَخير في وقت ظهور الأَمر، وأَبهم الخير.
وظهر عنده فيمن أَبى: أَن اتباعه لم يكن لأَجل حق المتابعة، بل لما كان عنده الحجة.
فأَما من جعله خيراً على البدل فاستدل بها الآخر رخصة وإباحة، والإباحة ورودها للتخفيف.
ومن استدل على أَن النسخ - أَبداً - يَرِدُ على ما هو أَغلظ، عورض بقوله: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ ﴾ ، فأبدل بعقوبة أَشد من الأَول - وهو الرجم - بقوله: "خذوا عني، خذوا عني".
ويحتمل قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ وجهاً آخر: وهو آيةٌ والآيات هي الحجج؛ فيكون معناه: ما نرفع من حجة فننفيها عن الأَبصار، إلا نأْت بخير منها يعني أقوى منها في إلزام الحجة، أَو مثلها.
ولا شك أن ما يعترض هو أقوى حالة الاعتراض في لزوم الحجة على ما غاب عن الأَبصار؛ فيكون قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ على هذا الوزن، أي: نأْت بحجة هي أقوى وأكثر من الأُولى، أَو مثلها في القوة.
فإن قيل: ما الحكمة في النسخ؟
وما وجهُه؟
قيل: محنة يمتحن بها الخلق، ولله أَن يمتحن خلقه بما يشاءُ، في أَي وقت شاء: يأْمر بأَمرٍ في وقت، ثم ينهى عن ذلك، ويأْمر بآخر.
وليس في ذلك خروج عن الحكمة، ولا كان ذلك منه لبداءٍ يبدو له، بل لم يزل عالما بما كان ويكون، حكيماً يحكم بالحق والعدل؛ فنعوذ بالله من السرف في القول.
وقوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
يحتمل: أن يكون الخطاب له - - والمرادُ بالخطابِ الذين سبق ذكْرُهم في قوله: ﴿ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ .
إنه قادر على إنزال الخير على من يشاء، واختصاصِ بعضٍ على بعض، وتفضِيلِ بعضهم على بعض.
ويحتمل: أَن يكون المراد في الخطاب له - عليه الصلاة والسلام - على حقيقة العلم على التذكير والتنبيه، أي: تعلم أنت أَن الله على كل شىء قدير، وهو كقوله: ﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ .
على حقيقة العلم له.
ويحتمل: على الإعلام والإخبار لقومه، وقد ذكرنا.
وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
أي: من كان يملك ملك السماوات والأرض، يملك تخصيص بعض على بعض، وتفضيلهم فيها، ويحكم فيها بما يشاء، ويُحْدِث من الأَمر ما أَراد، والله أعلم.
ويحتمل: نزوله على أَثر نوازلَ لم تذكر فيه، وذلك في القرآن كثير، وإنما يقال هذا الحرف عند ضيق القلب؛ تسكيناً له.
ومعنى تخصيص السَّماوات والأرض بالملك له؛ لمنتهى علم الخلق بهما، وإن كان له ملك الدنيا والآخرة، وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ .
يدل هذا على أَنه خرج على أَثر نوازل وإن لم تذكر.
وقوله: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ﴾ .
سؤالَ تعنت: لن نؤمن لك - تعنتاً - حتى نرى الله جهرة.
وقيل: إنهم سأَلوا ذلك رسول الله كما سأَل قوم موسى موسى.
وقيل: سأَلوا رسول الله أَن يجعل الصفا - لهم - ذهباً إن كان ما يقوله حقّاً.
وقيل: سؤالهم: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ﴾ ، وكانوا يسأَلون سؤال تعنت، لا سؤال استرشاد واهتداء.
وقوله: ﴿ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ ﴾ .
قيل: اختار الكفر بالإيمان.
وقيل: ومن يختر شدة الآخرة على رخائها وسعتها.
وفي حرف ابن مسعود - -: "ومن يشتر الكفر بالإيمان" وذلك كله واحد.
وقوله: ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .
قيل: عدل عن الطريق.
وقيل: عدل عن قصد الطريق.
وقيل: أَخطأَ قصد طريق الهدى، وكله واحد.
وقوله: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً ﴾ .
إنهم كانوا يجهدون كل جهدهم حتى يصرفوا ويردوا أَصحاب محمد عن دين الله - الإسلام - إلى ما هم عليه؛ كقوله : ﴿ وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ ﴾ ، وكقوله: ﴿ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ ، وكقوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ...
﴾ الآية [آل عمران: 149].
وذلك - والله أعلم - لخوفِ فوت رياستهم التي كانت لهم، وذهاب منافعهم التي ينالون من الأَتباع والسفلة، فودُّوا ردَّهم وصرفهم إلى دينهم.
ثم احتجت المعتزلة علينا بظاهر قوله : ﴿ حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، قالوا: دلت الآية على أَن الحسد ليس من عند الله بما نفاه - عز وجل - عنه، وأَضافه إلى أَنفسهم بقوله: ﴿ حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .
قيل: صدقتم في زعمكم بأَن الحسد ليس من عند الله، وكذلك نقول، ولا نجيز إضافة الحسد إليه بحال ولكن نقول: خلق فعل الحسد من الخلق، وكذلك يقال في الأَنجاس، والأَقذار، والحيَّات والعقارب ونحوها: إِنه لا يجوز أن تضاف إلى الله فيقال: يا خالق الأَنجاس والحيات والعقارب، وإن كان ذلك كله خلقه، وهو خالق كل شيء.
فعلى ذلك، نقول بخلق فعل الحسد، وفعل الكفر من العبد، ولا نجوِّز أن يضاف إلى الله .
ثم يقولون في الطاعات والخيرات كلها: إنها من عند الله، غير مخلوقة، فلئن كانت العلة في الذي لا يكون مخلوقاً، أنه ليس هو من عنده لوجب القول بخلقه ما هو من عنده، ثم لم يقولوا به؛ فَبان أَن ما يقولون فاسد، باطل، ليس بشيء.
ثم جهة الحسد ما ذكرنا أنهم أَحبوا أَن تكون الرسالةُ فيهم، أَو أَن يكون من عنده سعَةٌ؛ كقوله: ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ ﴾ وكقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ؛ فبهذين الوجهين يخرج حسدهم.
قوله: ﴿ مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .
أى: من قِبَلِها، لا أَن الله - - أَمرهم.
وليس يضاف إلى الله - - بأَنه من عنده بما يخلق، ولكن بما يأمر أو يلزم.
أَلاَ ترى أَن الأَنجاس كلها، والخبائث، والشياطين، كلهم مخلوقة وإن لم يجز نسبتها إلى الله - - بمعنى أنه مِن عنده؟
كذلك ما ذكر من الحسد.
على أَنه معلوم أَنهم لم يكونوا يدعون مِن دون الله خَلْقاً فبذلك الوجه ينكر عليهم، بل كانوا يدعون الأَمر في كل ما نُسب إلى الله ؛ فعلى ذلك ورد العقاب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ﴾ .
أي: بين لهم في التوراة أن محمداً نبي، وأَن دينه الإسلام؛ كقوله: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ .
يحتمل: النهي عن مكافأَة ما يؤذونه في الدُّنيا، ثم لم ينسخ.
وقيل: فيه نهي عن قتالهم، حتى يأْتي أَمر الله في ذلك، ثم جاءَ بقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية [التوبة: 29].
وقيل: حتى يأتي الله بأمره، أي: بعذابه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
من التعذيب والانتقام، وبكل شيء.
ولم ينسخ هذا.
وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ ﴾ .
كرر الله - عز وجل - الأَمر بإقامة الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، في القرآن تكراراً كثيراً، حتى كانت لا تخلو سورة إلا وذكرهما فيها - في غير موضع - وذلك لعظم شأْنهما، وأَمرهما، وعلو منزلتهما عند الله، وفضل قدرهما.
وعلى ذلك جعلهما شريعة في الرسل السالفة، صلوات الله عليهم.
أَلا ترى إلى قول إبراهيم - -: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي ﴾ .
وقوله لموسى وهارون: ﴿ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .
وقول عيسى: ﴿ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ ﴾ .
وذلك - والله أعلم - أَن الصلاة قُربة فيما بين العبد وبين ربه، تجمع جميع أفعال الخير، وفيها غاية منتهى الخضوع له، والطاعة: من القيام بين يديه، والمناجاة فيه، والركوع له، والسجود على الأَرض، وتعفير الوجه فيها حتى لو أَن أَحداً ممن خلص دينه لله لو أُعطى ما في الدنيا على أَن يعفِّر وجهه في الأَرض لأَحد من الخلق ما فعل، وبالله التوفيق.
والزكاةُ فيما بين العبد وبين الخلق؛ لتآلف القلوب واجتماعها، وفيها إظهار الشفقة لهم والرحمة.
لذلك عظَّم الله شَأْنهما، وشرف أَمرهما، وأَعلى منزلتهما؛ وعلى ذلك قرنهما بالإيمان في المواضع كلها، وأَثبت بين الخلق الأُخوّة بهما بقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ ﴾ .
ثم هما تكرمان بالعقل؛ لأَن الصلاة تجمع جميع أَنواع خيرات الأَفعال، وفيها غايةُ الخضوع له، والخشوع - على ما ذكرنا - وذلك مما يوجبه العقل، وإن لم يرد فيه السمع.
وكذلك الزكاة: فيها تزكية الأَنفس وتطهيرها، وذلك مما في العقل واجب.
فإن قيل: ما الحكمة في وجوبها؟
قيل: إظهار ما أَنعم الله [على العبد]، من الأَموال والسَّعة فيها، وما أَعطاهم من سلامة الجوارح عن جميع الآفات، يخرج مخرج الأَمر بأَداءِ شكر ما أَنعم عليهم عز وجل.
فإن قيل: ما الحكمة في وجوبها فيما أُعْطي منهما، يعني من النفس، والمال دون غيره؟
قيل: لأَن الوُجوب من غيره يخرج مخرج المعاوضة والمبادلة، لا مخرج أَداءِ الشكر، والله أعلم.
ثم الحكمة في: إيجاب الصلاة والزكاة، وغيرهما من العبادات أَن الله - - إذ عمهم بنعمه فيما فضلهم بالجوهر، وسخر لهم جميعَ ما في الأرض، وبسط عليهم النعم، حتى صار كل منهم لا يُبصر غير نعمه، من استحقاق منهم شيئاً من ذلك - لزمهم الشكر عليها.
ثم كانت الصلاة تجمع استعمال جميع الجوارح فيما لله فيها القيام بها شكراً له، مع ما فيها توقف أَحوال نفسه بالاختيار بما هي عليه بالاضطراب والخلقة والقلب بالنية، والخوف والرجاء، وإحضار الذهن والعقل بالتعظيم والتبجيل؛ فيكون كل شيء منه في شكره؛ لما له فيه من سبوغ النعمة، والله أعلم.
وكذلك بالأموال فضلوا - في هذه الدنيا - واستمتعوا بلذيذ العيش؛ فأمروا بالإِخراج لله، مع ما إذ سخرت هذه الأَرض - بما فيها - لجميع البشر، ألزم من ذلك صلةَ من لم يملك، ليستووا في الاستمتاع بالتسخير لهم، من الوجه الذي عَلِم الله لهم فى ذلك صلاح الدارين، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
الآية تخرج على خلاف قول المتعزلة؛ لأَنهم يقولون: إن من ارتكب كبيرة ثم أَقام الصلاة وآتى الزكاة، وجاهد في سبيل الله، وحج بيت الله الحرام، فقدم خيراتٍ كثيرةً - فإنه لا يجد مما قدم شيئاً، ولكن يجد ما قدم من شر.
وذلك ليس من فعل الكريم والجواد، ولا كذلك وصف الله نفسه، بل وصف نفسه على خلاف ما وَصفوا هم، فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ .
وهم يقولون: لا يتقبل عنهم ما قدموا من الخيرات، ولا يتجاوز عن سيئاتهم، وذلك سرف في القول؛ فنعوذ بالله من السرف في القول، والحكم على الله، وبالله العصمة والتوفيق.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .
بما قدمتم من الخير والشر؛ تنبيه منه عز وجل ليكونوا على حَذرٍ من الشر، وترغيب منه لهم بالخيرات.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ليس من شأنكم -أيها المؤمنون- أن تسألوا رسولكم -سؤال اعتراض وتعَنُّت- كما سأل قوم موسى نبيهم من قبل؛ كقولهم: ﴿ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ [النساء: 153] ومن يستبدل الكفر بالإيمان فقد ضل عن الطريق الوسط الَّذي هو الصراط المستقيم.
<div class="verse-tafsir" id="91.4kJ8Z"
قال أئمة اللغة إن أصل النسخ النقل سواء كان نقل الشيء بذاته كما يقال: نسخت الشمس الظل: أي نقلته من مكان إلى مكان، أو نقل صورته كما يقال: نسخت الكتاب: إذا نقلت عنه صورة مثل الأولى.
وورد: نسخت الريح الأثر: إزالته.
وأصل النسيان الترك أو هو غايته اللازمة له، ومنه قوله تعالى ﴿ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ﴾ أي تركتها بترك العمل بها فجزاؤك أن تترك في العذاب فاحفظ المعنى اللغوي.
وللمفسرين في تفسير هذه الآية طريقان: أحدهما أنها على حد قوله تعالى ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ فالنسخ هنا بمعنى التبديل، أي إذا جعلنا آية بدلًا من آية فإننا نجعل هذا البدل خيرًا من المبدل منه أو مثله على الأقل، فالآية عند هؤلاء في نسخ التلاوة، وقالوا إن المراد بالنسيان هو أن يأمر الله تعالى بعدم تلاوة الآية فتنسى بالمرة...
وهذا بمعنى التبديل فما هي الفائدة في عطفه عليه بأو؟
وهل هو إلا تكرار يجل كلام الله عنه؟.
وثانيهما أن المراد نسخ حكم الآية، وهو عام يشمل نسخ الحكم وحده ونسخه مع التلاوة، وهذا هو القول المختار للجمهور، وقالوا في توجيهه إنه لا معنى لنسخ الآية في ذاتها ولا حاجة إليه وإنما الأحكام تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال، فإذا شرع حكم في وقت لشدة الحاجة إليه ثم زالت الحاجة في وقت آخر فمن الحكمة أن ينسخ الحكم ويبدل بما يوافق الوقت الآخر فيكون خيرًا من الأول أو مثله في فائدته من حيث قيام المصلحة به.
وقالوا إن المراد بالإنساء إزالة الآية من ذاكرة النبي ، وقد اختلف في هذا أيكون بعد التبليغ أم قبله، فقيل بعده كما ورد في أصحاب بئر معونة وقيل قبله حتى أن السيوطي روى في أسباب النزول أن الآية كانت تنزل على النبي ، ليلًا فينساها نهارًا فحزن لذلك فنزلت الآية.
ولا شك عندي في أن هذه الرواية مكذوبة وأن مثل هذا النسيان محال على الأنبياء عليهم السلام لأنهم معصومون في التبليغ والآيات الكريمة ناطقة بذلك كقوله تعالى ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ وقوله ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .
وقد قال المحدثون والأصوليون إن من علامة وضع الحديث مخالفته للدليل القاطع عقليًا كان أو نقليًا كأصول الاعتقاد وهذه المسألة منها فإن هذا النسيان ينافي العصمة المجمع عليها.
وقالوا في تفسير قوله تعالى بعد ما ذكر ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ إنه ورد مورد الاستدلال على القدرة على النسخ بالمعنى الذي قالوه أي أنه لا يستنكر على الله كما زعم اليهود لأنه مما تناله قدرته ثم استدل على ذلك بقوله ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ الآية.
والخطاب في ﴿ تَعْلَمْ ﴾ للنبي والمراد به غيره من المؤمنين الذين ربما كانوا يمتعضون من كلام اليهود وغيرهم من المعترضين على النسخ، وضعيف الإيمان يؤثر في نفسه أن يعاب ما يأخذ به فيخشى عليه من الركون إلى الشبهة أو الحيرة فيها، ففي الكلام تثبيت لمن كان كذلك من الضعفاء ودعم لإيمانهم، وتوجبه الكلام إلى شخص يراد غيره شائع في كلام العرب والمولدين، ولذلك قال بعض العلماء: نزل القرآن على طريق قولهم "إياك أعني واسمعي يا جاره".
وإذا كان هذا الملك العظيم لله وحده فلا شك أنه لا يعجزه أن ينسخ حكمًا من الأحكام.
ومن آية إرادة الأمة بالخطاب الالتفات عن الأفراد إلى الجمع بقوله ﴿ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ﴾ أي أن وليكم وناصركم هو الله تعالى وحده فلا تبالوا بمن ينكر النسخ أو يعيبكم به، ولا ينبغي أن يستهويكم إنكارهم فيميلكم عن دينكم فإنه لا قيمة له ولا للمنكرين إذ ليس في استطاعتكم أن يضروكم أو ينفعوكم إذا كان الله هو مولاكم وناصركم.
وإذا أراد الله بكم سوءًا فلا يملكون أن يدفعوه عنكم.
ثم قال تعالى ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ﴾ ؟
وهذا كلام جديد منقطع عما قبله وقالوا إن ﴿ أَمْ ﴾ هنا للاستفهام لا للإضراب لأن ﴿ أَمْ ﴾ التي تستعمل بمعنى (بل) يقصد بها الإضراب عن الكلام السابق ولا يظهر الإضراب هنا.
واستشهدوا لأم الاستفهامية بقول الشاعر: فوالله لا أدري أهند تقولت أم القوم أم كل إلي حبيب وأنا مع القائلين بأنها للاستفهام: وبعض المفسرين يقولون إن ﴿ أَمْ ﴾ هذه منقطعة للإضراب عن عدم علمهم بالسابق إلى الاستفهام عن اقتراحهم، فهي تتضمن الإضراب والاستفهام معًا، وتجد الجلالين يقدران ذلك في تفسيرهما وقد قدرا فيه بعض هنا"بل أتريدون".
والحاصل أن المعنى هنا أتريدون أن تسألوا رسولكم كما سأل موسى قومه تبرمًا وإعناتًا؟
يحذر المسلمين ما فعل أولئك، وقد أتبع التحذير بالوعيد فقال ﴿ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ أي أن ترك الآيات الموجودة والإعراض عنها لإعنات النبي بسؤال غيرها لتكون بدلًا منها هو من اختيار الكفر على الإيمان واستحباب العمى على الهدى.
وبدل وتبدل واستبدل يدل على جعل شيء في موضع آخر بدلًا منه، والباء تقرن بالمبدل منه لا بالبدل كما أشرنا إليه في تفسير ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ﴾ .
هذا تقرير ما جرى عليه المفسرون في الآيات.
وإذا وازنا بين سياق آية ﴿ مَا نَنْسَخْ ﴾ وآية ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ ﴾ نجد أن الأولى ختمت بقوله تعالى ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ والثانية بقوله ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ﴾ ونحن نعلم شدة العناية في أسلوب القرآن بمراعاة هذه المناسبات.
فذكر العلم والتنزيل ودعوى الافتراء في الآية الثانية يقتضي أن يراد بالآيات فيها آيات الأحكام.
وأما ذكر القدرة والتقرير بها في الآية فلا يناسب موضوع الأحكام ونسخها، وإنما يناسب هذا ذكر العلم والحكمة فلو قال ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ لكان لنا أن نقول إنه أراد نسخ آيات الأحكام لما اقتضته الحكمة من انتهاء الزمن أو الحال التي كانت فيها تلك الأحكام موافقة للمصلحة.
وقد تحير العلماء في فهم الإنساء على الوجه الذي ذكروه حتى قال بعضهم إن معنى ﴿ نُنسِهَا ﴾ نتركها على ما هي عليه من غير نسخ، وأنت ترى أن هذا وإن صح لغة لا يلتئم مع تفسيرهم، إذ لا معنى للإتيان بخير منها مع تركها على حالها غير منسوخة.
والمعنى الصحيح الذي يلتئم مع السياق إلى آخره إن الآية هنا هي ما يؤيد الله تعالى به الأنبياء من الدلائل على نبوتهم أي ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ ﴾ نقيمها دليلًا على نبوة نبي من الأنبياء أي نزيلها ونترك تأييد نبي آخر بها أو ننسها الناس لطول العهد بمن جاء بها فإننا بما لنا من القدرة الكاملة والتصرف في الملك نأتي بخير منها في قوة الإقناع وإثبات النبوة أو مثلها في ذلك.
ومن كان هذا شأنه في قدرته وسعة ملكه فلا يتقيد بآية مخصوصة يمنحها جميع أبنائه.
والآية في أصل اللغة هي الدليل والحجة والعلامة على صحة الشيء، وسميت جمل القرآن آيات لأنها بإعجازها حجج على صدق النبي ودلائل على أنه مؤيد فيها بالوحي من الله ، من قبيل تسمية الخاص باسم العام.
ولقد كان من يهود من يشكك في رسالته بزعمهم أن النبوة محتكرة لشعب إسرائيل، وقد تقدمت الآيات في تفنيد زعمهم هذا وقالوا ﴿ لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى ﴾ أي من الآيات؟
فرد الله تعالى عليهم في مواضع منها قوله بعد حكاية قولهم هذا ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ﴾ إلخ ومنها هذه الآية والخطاب فيها للمؤمنين الذين كان اليهود يريدون تشكيكهم، كأنه يقول إن قدرة الله تعالى ليست محدودة ولا مقيدة بنوع مخصوص من الآيات أو بآحاد منها لا تتناول غيرها، وليست الحجة محصورة في الآيات السابقة لا تتعداها، بل الله قادر على أن يأتي بخير من الآيات التي أعطاها موسى وبمثلها، فإنه لا يعجز قدرته شيء، ولا يخرج عن ملكه شيء، كما أن رحمته ليست محصورة في شعب واحد فيخصه بالنبوة، ويحصر فيه هداية الرسالة، كلا إن رحمته وسعت كل شيء، كما أن قدرته تتصرف بكل شيء من ملك السموات والأرض الذي لا يشاركه فيه مشارك، ولا ينازعه فيه منازع، فيكون وليًا ونصيرًا لمن كفر بنعمه وانحرف عن سننه.
انظر كيف أسفرت البلاغة عن وجهها في هذا المقام فظهر أن ذكر القدرة وسعة الملك إنما يناسب الآيات بمعنى الدلائل دون معنى الأحكام الشرعية والأقوال الدالة عليها من حيث هي دالة عليها لا حيث هي دالة على النبوة.
ويزيد هذا سفورًا ووضوحًا قوله عقبه ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ﴾ ؟
فقد كان بنو إسرائيل لم يكتفوا بما أعطى موسى من الآيات وتجرءوا على طلب غيرها ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ وكذلك كان فرعون وقومه كلما رأوا آية طلبوا غيرها حتى رأوا تسع آيات بينات، ولم يؤمنوا.
قوله تعالى: ﴿ كَمَا سُئِلَ مُوسَى ﴾ يشمل كل ذلك.
قد أرشدنا الله تعالى بهذا إلى أن التفنن في طلب الآيات وعدم الإذعان لما يجيء به النبي منها والاكتفاء به بعد العجز عن معارضته هو دأب المطبوعين على الكفر الجامدين على المعاندة والمجاحدة، فإنه قال بعد إنكار هذا الطلب ﴿ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ ويوضح هذا قوله تعالى في آية أخرى ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ﴾ والمراد الآيات المقترحة بدليل السياق وهو اتفاق بين المفسرين.
ولو كان الموضوع موضوع طلب استبدال أحكام بأحكام تنسخها لما كان للتوعد بالكفر وجه وجيه، وقوله تعالى ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ معناه أنه أخطاء وسط الجادة ومال أحد الجانبين، ومتى انحرف السائر في سيره عن الوسط يخرج عن المنهج ويبعد عنه كلما أوغل في السيرة فيهلك دون الوصول إلى المقصد.
والمراد بسواء السبيل الحق والخير اللذان تكمل الفطرة بالاستقامة على السيرة في طريقهما، ومن مال عن الحق وقع في الباطل لا محالة ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾ .
هذا هو التفسير الذي تتصل به الآيات ويلتئم بعضها مع بعض على وجه يتدفق بالبلاغة، وهو الذي يتقبله العقل ويستحليه الذوق إذ لا يحتاج إلى شيء من التكلف في فهم نظمه ولا في توجيه مفرداته "كالإنساء" و "القدرة" و "الملك" وقد اضطر القائلون بأن المراد بالنسخ نسخ الأحكام - مع ما علمت من التكلف - إلى القول بجواز نسيان الوحي، وطفقوا يتلمسون الدلائل على ذلك حتى أوردوا قوله ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾ وليس من هذا الموضوع ولا المخاطب به النبي وإنما جاء على طريق الحكاية، وأما قوله تعالى ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ فهو يؤكد عدم النسيان لأن الأستثناء بالمشيئة قد استعمل في أسلوب القرآن للدلالة على الثبوت والاستمرار كما في قوله تعالى ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ أي غير مقطوع.
وقوله ﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ والنكتة في الاستثناء بيان أن هذه الأمور الثابتة الدائمة إنما كانت كذلك بمشيئة الله تعالى لا بطبيعتها في نفسها ولو شاء الله تعالى أن يغيرها لفعل، وهذا الاعتقاد من مهمات الدين فلا غرو أن تزاح عنه الأوهام في كل مقام يمكن أن تعرض فيه.
فليس امتناع نسيان الوحي طبيعة لازمة للنبي، وإنما هو تأييد ومنحة من الله تعالى، وليس خلود أهل الجنة في الجنة واجبًا عقليًا أو طبيعيًا وإنما هو بإرادة الله تعالى ومشيئته.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "أو ننسأها" أي نؤخرها ولا يظهر هذا المعنى في مقام نسخ الأحكام كما يظهر في نسخ الآيات والمعجزات المقترحة على الأنبياء فإن الآية التي تقترح على نبي لأنها كانت لنبي قبله قد تنسخ بآيات جديدة خير منها أو مثلها وقد تؤخر بالآية الجديدة ثم تعطى في وقت آخر بعد الاقتراح ولكن تأخير آيات الأحكام ليس له معنى ظاهر.
<div class="verse-tafsir"