الآية ١٠٧ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٠٧ من سورة البقرة

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍ ١٠٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 126 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٧ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يرشد تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء ، فله الخلق والأمر وهو المتصرف ، فكما خلقهم كما يشاء ، ويسعد من يشاء ، ويشقي من يشاء ، ويصح من يشاء ، ويمرض من يشاء ، ويوفق من يشاء ، ويخذل من يشاء ، كذلك يحكم في عباده بما يشاء ، فيحل ما يشاء ، ويحرم ما يشاء ، ويبيح ما يشاء ، ويحظر ما يشاء ، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه .

ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون .

ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى ، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى .

.

فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا .

وامتثال ما أمروا .

وترك ما عنه زجروا .

وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم لعنهم الله في دعوى استحالة النسخ إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرا ، وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا .

قال الإمام أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله : فتأويل الآية : ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السماوات والأرض وسلطانهما دون غيري ، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء ، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء ، وأنهى عما أشاء ، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء ، وأقر فيهما ما أشاء .

ثم قال : وهذا الخبر وإن كان من الله تعالى خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم على وجه الخبر عن عظمته ، فإنه منه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة ، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد ، عليهما الصلاة والسلام ، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغير ما غير الله من حكم التوراة .

فأخبرهم الله أن له ملك السماوات والأرض وسلطانهما ، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه ، وأن له أمرهم بما يشاء ، ونهيهم عما يشاء ، ونسخ ما يشاء ، وإقرار ما يشاء ، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه .

[ وأمر إبراهيم ، عليه السلام ، بذبح ولده ، ثم نسخه قبل الفعل ، وأمر جمهور بنى إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم ، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل ] .

قلت : الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ ، إنما هو الكفر والعناد ، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى ; لأنه يحكم ما يشاء كما أنه يفعل ما يريد ، مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية ، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه ، ثم حرم ذلك ، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات ، ثم نسخ حل بعضها ، وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل وبنيه ، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها .

وأشياء كثيرة يطول ذكرها ، وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه .

وما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية ، فلا تصرف الدلالة في المعنى ، إذ هو المقصود ، وكما في كتبهم مشهورا من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم والأمر باتباعه ، فإنه يفيد وجوب متابعته ، عليه السلام ، وأنه لا يقبل عمل إلا على شريعته .

وسواء قيل إن الشرائع المتقدمة مغياة إلى بعثته ، عليه السلام ، فلا يسمى ذلك نسخا كقوله : ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) [ البقرة : 187 ] ، وقيل : إنها مطلقة ، وإن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم نسختها ، فعلى كل تقدير فوجوب اتباعه معين لأنه جاء بكتاب هو آخر الكتب عهدا بالله تبارك وتعالى .

ففي هذا المقام بين تعالى جواز النسخ ، ردا على اليهود ، عليهم لعائن الله ، حيث قال تعالى : ( ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) الآية ، فكما أن له الملك بلا منازع ، فكذلك له الحكم بما يشاء ، ( ألا له الخلق والأمر ) [ الأعراف : 54 ] وقرئ في سورة آل عمران ، التي نزل صدرها خطابا مع أهل الكتاب ، وقوع النسخ عند اليهود في قوله تعالى : ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ) الآية [ آل عمران : 93 ] كما سيأتي تفسيرها ، والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى ، لما له في ذلك من الحكم البالغة ، وكلهم قال بوقوعه .

وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر : لم يقع شيء من ذلك في القرآن ، وقوله هذا ضعيف مردود مرذول .

وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ ، فمن ذلك قضية العدة بأربعة أشهر وعشرا بعد الحول لم يجب على ذلك بكلام مقبول ، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة ، عن بيت المقدس لم يجب بشيء ، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين ، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وغير ذلك ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ اللَّه لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا لَكُمْ مِنْ دُون اللَّه مِنْ وَلِيّ وَلَا نَصِير } قَالَ أَبُو جَعْفَر : إنْ قَالَ لَنَا قَائِل : أَوَ لَمْ يَكُنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَم أَنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير وَأَنَّهُ لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض حَتَّى قِيلَ لَهُ ذَلِكَ ؟

قِيلَ : بَلَى , فَقَدْ كَانَ بَعْضهمْ يَقُول : إنَّمَا ذَلِكَ مِنْ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ خَبَر عَنْ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ ; وَلَكِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ الْكَلَام مَخْرَج التَّقْرِير كَمَا تَفْعَل مِثْله الْعَرَب فِي خِطَاب بَعْضهَا بَعْضًا , فَيَقُول أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ : أَلَمْ أُكْرِمك ؟

أَلَمْ أَتَفَضَّل عَلَيْك ؟

بِمَعْنَى إخْبَاره أَنَّهُ قَدْ أَكْرَمه وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ , يُرِيد أَلَيْسَ قَدْ أَكْرَمْتُك ؟

أَلَيْسَ قَدْ تَفَضَّلْت عَلَيْك ؟

بِمَعْنَى قَدْ عَلِمْت ذَلِكَ .

قَالَ : وَهَذَا لَا وَجْه لَهُ عِنْدنَا ; وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله جَلّ ثَنَاؤُهُ { أَلَمْ تَعْلَم } إنَّمَا مَعْنَاهُ : أَمَا عَلِمْت .

وَهُوَ حَرْف جَحْد أُدْخِل عَلَيْهِ حَرْف اسْتِفْهَام , وَحُرُوف الِاسْتِفْهَام إنَّمَا تَدْخُل فِي الْكَلَام إمَّا بِمَعْنَى الِاسْتِثْبَات , وَإِمَّا بِمَعْنَى النَّفْي .

فَأَمَّا بِمَعْنَى الْإِثْبَات فَذَلِكَ غَيْر مَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب , وَلَا سِيَّمَا إذَا دَخَلَتْ عَلَى حُرُوف الْجَحْد ; وَلَكِنَّ ذَلِكَ عِنْدِي وَإِنْ كَانَ ظَهَرَ ظُهُور الْخِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّمَا هُوَ مَعْنِيّ بِهِ أَصْحَابه الَّذِينَ قَالَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا اُنْظُرْنَا وَاسْمَعُوا } .

وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْله جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُون اللَّه مِنْ وَلِيّ وَلَا نَصِير } فَعَادَ بِالْخِطَابِ فِي آخِر الْآيَة إلَى جَمِيعهمْ , وَقَدْ ابْتَدَأَ أَوَّلهَا بِخِطَابِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : { أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ اللَّه لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض } لِأَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ الَّذِينَ وَصَفْت أَمْرهمْ مِنْ أَصْحَابه , وَذَلِكَ مِنْ كَلَام الْعَرَب مُسْتَفِيض بَيْنهمْ فَصِيح , أَنْ يُخْرِج الْمُتَكَلِّم كَلَامه عَلَى وَجْه الْخِطَاب مِنْهُ لِبَعْضِ النَّاس وَهُوَ قَاصِد بِهِ غَيْره , وَعَلَى وَجْه الْخِطَاب لِوَاحِدِ وَهُوَ يَقْصِد بِهِ جَمَاعَة غَيْره , أَوْ جَمَاعَة وَالْمُخَاطَب بِهِ أَحَدهمْ ; وَعَلَى هَذَا الْخِطَاب لِلْجَمَاعَةِ وَالْمَقْصُود بِهِ أَحَدهمْ , مِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { يَا أَيّهَا النَّبِيّ اتَّقِ اللَّه وَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ } ثُمَّ قَالَ : { وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إلَيْك مِنْ رَبّك إنَّ اللَّه كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } 33 1 - 2 فَرَجَعَ إلَى خِطَاب الْجَمَاعَة , وَقَدْ ابْتَدَأَ الْكَلَام بِخِطَابِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَنَظِير ذَلِكَ قَوْل الْكُمَيْت بْن زَيْد فِي مَدْح رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إلَى السِّرَاج الْمُنِير أَحْمَد لَا يَعْدِلنِي رَغْبَة وَلَا رَهَب عَنْهُ إلَى غَيْره وَلَوْ رَفَعَ الن اس إلَيَّ الْعُيُون وَارْتَقَبُوا وَقِيلَ أَفْرَطْت بَلْ قَصَدْت وَلَوْ عَنَّفَنِي الْقَائِلُونَ أَوْ ثَلَبُوا لَجَّ بِتَفْضِيلِك اللِّسَان وَلَوْ أَكْثَر فِيك الضِّجَاج وَاللَّجَب أَنْت الْمُصَفِّي الْمَحْض الْمُهَذَّب فِي النِّ سْبَةِ إنْ نَصَّ قَوْمك النَّسَب فَأَخْرَجَ كَلَامه عَلَى وَجْه الْخِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَاصِد بِذَلِكَ أَهْل بَيْته , فَكَنَّى عَنْ وَصْفهمْ وَمَدْحهمْ بِذِكْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ بَنِي أُمَيَّة بِالْقَائِلِينَ الْمُعَنِّفِينَ ; لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَنَّهُ لَا أَحَد يُوصَف بِتَعْنِيفِ مَادِح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفْضِيله , وَلَا بِإِكْثَارِ الضِّجَاج وَاللَّجَب فِي إطْنَاب الْقَيْل بِفَضْلِهِ .

وَكَمَا قَالَ جَمِيل بْن مَعْمَر : أَلَا إنَّ جِيرَانِي الْعَشِيَّة رَائِح دَعَتْهُمْ دَوَاعٍ مِنْ هَوَى ومنادح فَقَالَ : " أَلَا إنَّ جِيرَانِي الْعَشِيَّة " فَابْتَدَأَ الْخَبَر عَنْ جَمَاعَة جِيرَانه , ثُمَّ قَالَ : " رَائِح " ; لِأَنَّ قَصْده فِي ابْتِدَائِهِ مَا ابْتَدَأَ بِهِ مِنْ كَلَامه الْخَبَر عَنْ وَاحِد مِنْهُمْ دُون جَمَاعَتهمْ .

وَكَمَا قَالَ جَمِيل أَيْضًا فِي كَلِمَته الْأُخْرَى : خَلِيلِيَّ فِيمَا عِشْتُمَا هَلْ رَأَيْتُمَا قَتِيلًا بَكَى مِنْ حُبّ قَاتِله قَبْلِي وَهُوَ يُرِيد قَاتَلْته ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِف امْرَأَة فَكَنَّى بِاسْمِ الرَّجُل عَنْهَا وَهُوَ يَعْنِيهَا .

فَكَذَلِكَ قَوْله : { أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } { أَلَمْ تَعْلَم أَنَّ اللَّه لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض } وَإِنْ كَانَ ظَاهِر الْكَلَام عَلَى وَجْه الْخِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّهُ مَقْصُود بِهِ قَصْد أَصْحَابه ; وَذَلِكَ بَيِّن بِدَلَالَةِ قَوْله : { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُون اللَّه مِنْ وَلِيّ وَلَا نَصِير أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْل } الْآيَات الثَّلَاث بَعْدهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ .

أَمَّا قَوْله : { لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض } وَلَمْ يَقُلْ مَلِك السَّمَوَات , فَإِنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ مُلْك السُّلْطَان وَالْمَمْلَكَة دُون الْمِلْك , وَالْعَرَب إذَا أَرَادَتْ الْخَبَر عَنْ الْمَمْلَكَة الَّتِي هِيَ مَمْلَكَة سُلْطَان قَالَتْ : مَلَكَ اللَّهُ الْخَلْقَ مُلْكًا , وَإِذَا أَرَادَتْ الْخَبَر عَنْ الْمِلْك قَالَتْ : مَلَكَ فُلَان هَذَا الشَّيْء فَهُوَ يَمْلِكهُ مِلْكًا وَمَلَكَة وَمَلْكًا .

فَتَأْوِيل الْآيَة إذَا : أَلَمْ تَعْلَم يَا مُحَمَّد أَنَّ لِي مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَسُلْطَانهمَا دُون غَيْرِي أَحْكُم فِيهِمَا وَفِيمَا فِيهِمَا مَا أَشَاء وَآمُر فِيهِمَا وَفِيمَا فِيهِمَا بِمَا أَشَاء , وَأَنْهَى عَمَّا أَشَاء , وَأَنْسَخ وَأُبَدِّل وَأُغَيِّر مِنْ أَحْكَامِي الَّتِي أَحْكُم بِهَا فِي عِبَادِي مَا أَشَاء إذَا أَشَاء , وَأُقِرّ مِنْهَا مَا أَشَاء ؟

وَهَذَا الْخَبَر وَإِنْ كَانَ مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلّ خِطَابًا لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَجْه الْخَبَر عَنْ عَظَمَته , فَإِنَّهُ مِنْهُ جَلّ ثَنَاؤُهُ تَكْذِيب لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا نَسْخ أَحْكَام التَّوْرَاة وَجَحَدُوا نُبُوَّة عِيسَى , وَأَنْكَرُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِمَجِيئِهِمَا بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه بِتَغْيِيرِ مَا غَيَّرَ اللَّه مِنْ حُكْم التَّوْرَاة .

فَأَخْبَرَهُمْ اللَّه أَنَّ لَهُ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض وَسُلْطَانهمَا , فَإِنَّ الْخَلْق أَهْل مَمْلَكَته وَطَاعَته , عَلَيْهِمْ السَّمْع لَهُ وَالطَّاعَة لِأَمْرِهِ وَنَهْيه , وَإِنَّ لَهُ أَمْرهمْ بِمَا شَاءَ وَنَهْيهمْ عَمَّا شَاءَ , وَنَسْخ مَا شَاءَ وَإِقْرَار مَا شَاءَ , وَإِنْسَاء مَا شَاءَ مِنْ أَحْكَامه وَأَمْره وَنَهْيه .

ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ : انْقَادُوا لِأَمْرِي , وَانْتَهُوا إلَى طَاعَتِي فِيمَا أَنْسَخ وَفِيمَا أَتْرُك فَلَا أَنْسَخ مِنْ أَحْكَامِي وَحُدُودِي وَفَرَائِضِي , وَلَا يَهُولَنكُمْ خِلَاف مُخَالِف لَكُمْ فِي أَمْرِي وَنَهْيِي وَنَاسِخِي وَمَنْسُوخِي , فَإِنَّهُ لَا قَيِّم بِأَمْرِكُمْ سِوَايَ , وَلَا نَاصِر لَكُمْ غَيْرِي , وَأَنَا الْمُنْفَرِد بِوِلَايَتِكُمْ وَالدِّفَاع عَنْكُمْ , وَالْمُتَوَحِّد بِنُصْرَتِكُمْ بِعَزِّي وَسُلْطَانِي وَقُوَّتِي عَلَى مَنْ نَاوَأَكُمْ وَحَادَّكُمْ وَنَصَبَ حَرْب الْعَدَاوَة بَيْنه وَبَيْنكُمْ , حَتَّى أُعْلِي حُجَّتكُمْ , وَأَجْعَلهَا عَلَيْهِمْ لَكُمْ .

وَالْوَلِيّ مَعْنَاهُ " فَعِيل " , مِنْ قَوْل الْقَائِل : وَلَيْت أَمْر فُلَان : إذَا صِرْت قَيِّمًا بِهِ فَأَنَا أَلِيه فَهُوَ وَلِيّه وَقَيِّمه ; وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ : فُلَان وَلِيّ عَهْد الْمُسْلِمِينَ , يَعْنِي بِهِ : الْقَائِم بِمَا عُهِدَ إلَيْهِ مِنْ أَمْر الْمُسْلِمِينَ .

وَأَمَّا النَّصِير فَإِنَّهُ فَعِيل مِنْ قَوْلك : نَصَرْتُك أَنْصُرك فَأَنَا نَاصِرك وَنَصِيرك ; وَهُوَ الْمُؤَيِّد وَالْمُقَوِّي .

وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { مِنْ دُون اللَّه } فَإِنَّهُ سِوَى اللَّه وَبَعْد اللَّه .

وَمِنْهُ قَوْل أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت : يَا نَفْس مَالَك دُون اللَّه مِنْ وَاقِي وَمَا عَلَى حِدْثَان الدَّهْر مِنْ بَاقِي يُرِيد : مَالَك سِوَى اللَّه وَبَعْد اللَّه مَنْ يَقِيك الْمَكَارِه .

فَمَعْنَى الْكَلَام إذًا : وَلَيْسَ لَكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بَعْد اللَّه مِنْ قَيِّم بِأَمْرِكُمْ وَلَا نَصِير فَيُؤَيِّدكُمْ وَيُقَوِّيكُمْ فَيُعِينكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصيرقوله تعالى : ألم تعلم جزم بلم ، وحروف الاستفهام لا تغير عمل العامل ، وفتحت أن لأنها في موضع نصب .

له ملك السماوات والأرض أي بالإيجاد والاختراع ، والملك والسلطان ، ونفوذ الأمر والإرادة .

وارتفع ملك بالابتداء ، والخبر له والجملة خبر أن .

والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ; لقوله : وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير وقيل المعنى : أي قل لهم يا محمد ألم تعلموا أن لله سلطان السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ، من وليت أمر فلان ، أي قمت به ، ومنه ولي العهد ، أي القيم بما عهد إليه من أمر المسلمين .

ومعنى من دون الله سوى الله وبعد الله ، كما قال أمية بن أبي الصلت :يا نفس ما لك دون الله من واق وما على حدثان الدهر من باقوقراءة الجماعة ولا نصير بالخفض عطفا على ولي ويجوز " ولا نصير " بالرفع عطفا على الموضع ; لأن المعنى ما لكم من دون الله ولي ولا نصير .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض وما لكم} يا معشر الكفار عند نزول العذاب.

{من دون الله} مما سوى الله.

{من ولي} قريب وصديق، وقيل: من وال وهو القيم بالأمور.

{ولا نصير} ناصر يمنعكم من العذاب.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض» يفعل ما يشاء «وما لكم من دون الله» أي غيره «من» زائدة «وليٌ» يحفظكم «ولا نصير» يمنع عنكم عذابه إن أتاكم، ونزل لما سأله أهل مكة أن يوسعها ويجعل الصفا ذهباً.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أما علمتَ -أيها النبي- أنت وأمتك أن الله تعالى هو المالك المتصرف في السموات والأرض؟

يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويأمر عباده وينهاهم كيفما شاء، وعليهم الطاعة والقَبول.

وليعلم من عصى أن ليس لأحد من دون الله من وليٍّ يتولاهم، ولا نصير يمنعهم من عذاب الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أقام - سبحانه - الدليل على كمال قدرته وشمولها لكل شيء فقال :( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ) .والمعنى : أنه - سبحانه - مالك لجميع الكائنات العلوية والسفلية ، وأنه هو المتصرف كما يشاء في ذواتها وأحوالها ، وأنه يتصرف في أمورهم ويجريها على حسب ما يصلحهم ، وهو أعلم بما يتعبدهم به من ناسخ ومنسوخ وليس للناس من أحد يتولى أمورهم ، ويعينهم على أعدائهم سواه ، ومن كان الله وليه ونصيره علم يقينا أنه لا يفعل به إلا ما هو خير له في دنياه وأخراه .وإذن فأنتم - أيها اليهود - ما قدرتم الله حق قدره ، لزعمكم أن النسخ محال على الله لأن المالك لكل شيء ، من حقه أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يريد على حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته .فالآية واقعة موقع الدليل على ما تضمنته الجملة السابقة من إحاطة قدرته - سبحانه - بكل شيء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكم بجواز النسخ عقبه ببيان أن ملك السموات والأرض له لا لغيره، وهذا هو التنبيه على أنه سبحانه وتعالى إنما حسن منه الأمر والنهي لكونه مالكاً للخلق وهذا هو مذهب أصحابنا وإنه إنما حسن التكليف منه لمحض كونه مالكاً للخلق مستولياً عليهم لا لثواب يحصل، أو لعقاب يندفع.

قال القفال: ويحتمل أن يكون هذا إشارة إلى أمر القبلة، فإنه تعالى أخبرهم بأنه مالك السموات والأرض وأن الأمكنة والجهات كلها له وأنه ليس بعض الجهات أكبر حرمة من البعض إلا من حيث يجعلها هو تعالى له، وإذا كان كذلك وكان الأمر باستقبال القبلة إنما هو محض التخصيص بالتشريف، فلا مانع يمنع من تغيره من جهة إلى جهة، وأما الولي والنصير فكلاهما فعيل بمعنى فاعل على وجه المبالغة، ومن الناس من استدل بهذه الآية على أن الملك غير القدرة، فقال: إنه تعالى قال أولاً: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ ثم قال بعده: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السموات والأرض ﴾ فلو كان الملك عبارة عن القدرة لكان هذا تكريراً من غير فائدة، والكلام في حقيقة الملك والقدرة قد تقدم في قوله: ﴿ مالك يَوْمِ الدين  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

روى أنهم طعنوا في النسخ فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر، ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً؟

فنزلت.

وقرئ: ﴿ ما ننسخ من آية ﴾ وما نُنسخ، بضم النون، من أنسخ، أو ننسأها.

وقرئ: ﴿ ننسها ﴾ و ﴿ ننسها ﴾ بالتشديد، و ﴿ تنسها ﴾ ، و ﴿ تنسها ﴾ ، على خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقرأ عبد الله: ﴿ ما ننسك من آية أو ننسخها ﴾ وقرأ حذيفة: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسكها ﴾ .

ونسخ الآية: إزالتها بإبدال أخرى مكانها وإنساخها: الأمر بنسخها، وهو أن يأمر جبريل عليه السلام بأن يجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها.

ونسؤها، تأخيرها وإذهابها.

لا إلى بدل.

وإنساؤها أن يذهب بحفظها عن القلوب.

والمعنى أن كل آية يذهب بها على ما توجبه المصلحة من إزالة لفظها وحكمها معاً، أو من إزالة أحدهما إلى بدل أو غير بدل ﴿ نَأْتِ ﴾ بآية خير منها للعباد، أي بآية العمل بها أكثر للثواب أو مثلها في ذلك ﴿ على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ فهو يقدر على الخير، وما هو خير منه، وعلى مثله في الخير ﴿ لَّهُ مُلْكُ السموات والارض ﴾ فهو يملك أموركم يدبرها ويجريها على حسب ما يصلحكم، وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ ومنسوخ.

لما بين لهم أنه مالك أمورهم ومدبرها على حسب مصالحهم من نسخ الآيات وغيره، وقررهم على ذلك بقوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ ﴾ أراد أن يوصيهم بالثقة به فيما هو أصلح لهم مما يتعبدهم به وينزل عليهم وأن لا يقترحوا على رسولهم ما اقترحه آباء اليهود على موسى عليه السلام من الأشياء التي كانت عاقبتها وبالاً عليهم كقولهم: ﴿ اجعل لَّنَا إلها ﴾ [الأعراف: 138] ، ﴿ أَرِنَا الله جَهْرَةً ﴾ [النساء: 153] ، وغير ذلك ﴿ وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان ﴾ ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة، وشك فيها، واقترح غيرها ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل ﴾ .

روي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلاً، فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟

قالوا: شديد.

قال: فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد ما عشت.

فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ.

وقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخواناً.

ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه فقال: «أصبتما خيراً وأفلحتما» فنزلت.

فإن قلت: بم تعلق قوله: ﴿ مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ؟

قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يتعلق بوَدَّ، على معنى أنهم تمنوا أن ترتدوا عن دينكم وتمنيهم ذلك من عند أنفسهم ومن قبل شهوتهم، لا من قبل التدين والميل مع الحق، لأنهم ودّوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق، فكيف يكون تمنيهم من قبل الحق؟

وإما أن يتعلق بحسدا، أي حسداً متبالغاً منبعثاً من أصل أنفسهم ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح عما يكون منهم من الجهل والعداوة ﴿ حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ ﴾ الذي هو قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم ﴿ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ فهو يقدر على الانتقام منهم ﴿ مّنْ خَيْرٍ ﴾ من حسنة صلاة أو صدقة أو غيرهما ﴿ تَجِدُوهُ عِندَ الله ﴾ تجدوا ثوابه عند الله ﴿ إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ عالم لا يضيع عنده عمل عامل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها ﴾ نَزَلَتْ لَمّا قالَ المُشْرِكُونَ أوِ اليَهُودُ: ألا تَرَوْنَ إلى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِأمْرٍ ثُمَّ يَنْهاهم عَنْهُ ويَأْمُرُ بِخِلافِهِ.

والنَّسْخُ في اللُّغَةِ: إزالَةُ الصُّورَةِ عَنِ الشَّيْءِ وإثْباتُها في غَيْرِهِ، كَنَسْخِ الظِّلِّ لِلشَّمْسِ والنَّقْلِ، ومِنهُ التَّناسُخُ.

ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما كَقَوْلِكَ: نَسَخَتِ الرِّيحُ الأثَرَ، ونَسَخْتُ الكِتابَ.

وَنَسْخُ الآيَةِ بَيانُ انْتِهاءِ التَّعَبُّدِ بِقِراءَتِها، أوِ الحُكْمِ المُسْتَفادِ مِنها، أوْ بِهِما جَمِيعًا.

وإنْساؤُها إذْهابُها عَنِ القُلُوبِ، وما شَرْطِيَّةٌ جازِمَةٌ لِنَنْسَخْ مُنْتَصِبَةٌ بِهِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ما نُنْسِخْ مِن أنْسَخَ أيْ نَأْمُرُكَ أوْ جِبْرِيلَ بِنَسْخِها، أوْ نَجِدُها مَنسُوخَةً.

وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو « نُنْسِأها» أيْ نُؤَخِّرُها مِنَ النَّسْءِ.

وقُرِئَ « نُنْسِها» أيْ نُنْسِ أحَدًا إيّاها، و « نُنْسِها» أيْ أنْتَ، و « تُنْسَها» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، و « نُنْسِكَها» بِإضْمارِ المَفْعُولَيْنِ ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها ﴾ أيْ بِما هو خَيْرٌ لِلْعِبادِ في النَّفْعِ والثَّوابِ، ﴿ أوْ مِثْلِها ﴾ في الثَّوابِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا.

﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى النَّسْخِ والإتْيانِ بِمِثْلِ المَنسُوخِ، أوْ بِما هو خَيْرٌ مِنهُ.

والآيَةُ دَلَّتْ عَلى جَوازِ النِّسْخِ وتَأْخِيرِ الإنْزالِ إذِ الأصْلُ اخْتِصاصُ أنَّ وما يَتَضَمَّنُها بِالأُمُورِ المُحْتَمَلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأحْكامَ شُرِّعَتْ، والآياتِ نَزَلَتْ لِمَصالِحِ العِبادِ وتَكْمِيلِ نُفُوسِهِمْ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةً، وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأعْصارِ والأشْخاصِ، كَأسْبابِ المَعاشِ فَإنَّ النّافِعَ في عَصْرٍ قَدْ يَضُرُّ في عَصْرٍ غَيْرِهِ.

واحْتَجَّ بِها مَن مَنَعَ النَّسْخَ بِلا بَدَلٍ، أوْ بِبَدَلٍ أثْقَلَ.

ونُسِخُ الكِتابُ بِالسُّنَّةِ، فَإنَّ النّاسِخَ هو المَأْتِيُّ بِهِ بَدَلًا والسُّنَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ والكُلُّ ضَعِيفٌ، إذْ قَدْ يَكُونُ عَدَمُ الحُكْمِ أوِ الأثْقَلُ أصْلَحَ.

والنَّسْخُ قَدْ يُعْرَفُ بِغَيْرِهِ، والسُّنَّةُ مِمّا أتى بِهِ اللَّهُ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ بِالخَيْرِ والمِثْلِ ما يَكُونُ كَذَلِكَ في اللَّفْظِ.

والمُعْتَزِلَةُ عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ فَإنَّ التَّغَيُّرَ والتَّفاوُتَ مِن لَوازِمِهِ.

وأُجِيبُ: بِأنَّهُما مِن عَوارِضِ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمَعْنى القائِمِ بِالذّاتِ القَدِيمِ.

﴿ ألَمْ تَعْلَمْ ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ هو وأُمَّتُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿ وَما لَكُمْ ﴾ وإنَّما أفْرَدَهُ لِأنَّهُ أعْلَمَهُمْ، ومَبْدَأُ عِلْمِهِمْ.

﴿ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ، وهو كالدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أوْ عَلى جَوازِ النَّسْخِ ولِذَلِكَ تُرِكَ العاطِفُ.

﴿ وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ وإنَّما هو الَّذِي يَمْلِكُ أُمُورَكم ويُجْرِيها عَلى ما يُصْلِحُكُمْ، والفَرْقُ بَيْنَ الوَلِيِّ والنَّصِيرِ أنَّ الوَلِيَّ قَدْ يَضْعُفُ عَنِ النُّصْرَةِ، والنَّصِيرُ قَدْ يَكُونُ أجْنَبِيًّا عَنِ المَنصُورِ فَيَكُونُ بَيْنَهُما عُمُومٌ مِن وجْهٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي قادر فهو يقدر على الخير وعلى مثله {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض} فهو يملك أموركم ويدبرها وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ أو منسوخ

البقرة (١٠٧ _ ١١١)

{وما لكم من دون الله من ولي} بلى أمركم {وَلاَ نَصِيرٍ} ناصر يمنعكم من العذاب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ قَدْ عَلِمْتَ أيُّها المُخاطَبُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَهُ السُّلْطانُ القاهِرُ والِاسْتِيلاءُ الباهِرُ المُسْتَلْزِمانِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ إيجادًا وإعْدامًا وأمْرًا ونَهْيًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، لا مُعارِضَ لِأمْرِهِ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، فَمَن هَذا شَأْنُهُ كَيْفَ يَخْرُجُ عَنْ قُدْرَتِهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ !

فَيَكُونُ الكَلامُ عَلى هَذا كالدَّلِيلِ لِما قَبْلَهُ في إفادَةِ البَيانِ، فَيَكُونُ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ عَطْفِ البَيانِ مِن مَتْبُوعِهِ في إفادَةِ الإيضاحِ، فَلِذا تُرِكَ العَطْفُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَكْرِيرًا لِلْأوَّلِ وإعادَةً لِلِاسْتِشْهادِ عَلى ما ذُكِرَ، وإنَّما لَمْ تُعْطَفْ (أنَّ) مَعَ ما في حَيِّزِها عَلى ما سَبَقَ مِن مِثْلِها رَوْمًا لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ وإشْعارًا بِاسْتِقْلالِ العِلْمِ بِكُلٍّ مِنهُما وكِفايَةً في الوُقُوفِ عَلى ما هو المَقْصُودُ، وخَصَّ السَّماواتِ والأرْضَ بِالمُلْكِ لِأنَّهُما مِن أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ الظّاهِرَةِ، ولِأنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ لا يَخْلُو عَنْ أنْ يَكُونَ في إحْدى هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ، فَكانَ في الِاسْتِيلاءِ عَلَيْهِما إشارَةٌ إلى الِاسْتِيلاءِ عَلى ما اشْتَمَلا عَلَيْهِ، وبَدَأ سُبْحانَهُ بِالتَّقْرِيرِ عَلى وصْفِ القُدْرَةِ، لِأنَّهُ مُنْشِئًا لِوَصْفِ الِاسْتِيلاءِ، والسُّلْطانِ، ولَمْ يَقُلْ جَلَّ شَأْنُهُ: إنَّ لِلَّهِ مُلْكَ إلَخْ، قَصْدًا إلى تَقَوِّي الحُكْمِ بِتَكْرِيرِ الإسْنادِ، ﴿ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِـ(أنَّ) داخِلٌ مَعَها حَيْثُ دَخَلَتْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَناوُلِ الخِطابِ فِيما قَبْلُ لِلْأُمَّةِ أيْضًا، (ومِنَ) الثّانِيَةُ صِلَةٌ فَلا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ، (ومِنَ) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَدْخُولِ (مِنَ) الثّانِيَةِ، وهو في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ، فَلَمّا قُدِّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِيَّةِ، وفي البَحْرِ إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ (لَكُمْ) وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ويَجُوزُ في (ما) أنْ تَكُونَ تَمِيمِيَّةً، وأنْ تَكُونَ حِجازِيَّةً عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُ تَقَدُّمَ خَبَرِها، إذا كانَ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا، والوَلِيُّ المالِكُ، والنَّصِيرُ المُعِينُ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ المالِكَ قَدْ لا يَقْدِرُ عَلى النُّصْرَةِ، أوْ قَدْ يَقْدِرُ، ولا يَفْعَلُ، والمُعِينُ قَدْ يَكُونُ مالِكًا، وقَدْ لا يَكُونُ بَلْ يَكُونُ أجْنَبِيًّا، والمُرادُ مِنَ الآيَةِ الِاسْتِشْهادُ عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِ تَعالى بِما ذَكَرَ مِنَ الإتْيانِ بِما هو خَيْرٌ مِنَ المَنسُوخِ، أوْ بِمِثْلِهِ، فَإنَّ مُجَرَّدَ قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي حُصُولَهُ البَتَّةَ، إنَّما الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ كَوْنُهُ تَعالى مَعَ ذَلِكَ ولِيًّا نَصِيرًا لَهُمْ، فَمَن عَلِمَ أنَّهُ تَعالى ولَيُّهُ ونَصِيرُهُ لا ولِيَّ ولا نَصِيرَ لَهُ سِواهُ يَعْلَمُ قَطْعًا أنَّهُ لا يَفْعَلُ بِهِ إلّا ما هو خَيْرٌ لَهُ، فَيُفَوِّضُ أمْرَهُ إلَيْهِ تَعالى، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ رِيبَةٌ في أمْرِ النَّسْخِ وغَيْرِهِ أصْلًا، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يحكم فيهما ما يشاء بأمره ثم يأمر بغيره.

قال الزجاج: الملك في اللغة: هو تمام القدرة، وأصل هذا من قولهم: ملكت العجين إذا بالغت في عجنه.

ومعنى الآية إن الله يملك السموات والأرض وما فيهما، فهو أعلم لما يصلحهم فيما يتعبدهم به من ناسخ ومنسوخ ومتروك وغير متروك.

وكان اليهود أعداء الله ينكرون النسخ، وكانوا يقولون حين تحولت القبلة إلى الكعبة: لو كنتم على الحق فلم رجعتم؟

ولو كان هذا الثاني حقاً، فقد كنتم على الباطل، وكانوا لا يرون النسخ في الشرائع، لأن ذلك حال البداء والندامة.

ولا يجوز ذلك على الله.

ولكن الجواب أن يقال: إن الله تعالى يدبر في أمره ما يشاء، كما أنه خلق الخلق ولم يكونوا، ثم يميتهم بعد ذلك ثم يحييهم كذلك يجوز أن يأمر بأمر ثم يأمر بغير ذلك الأمر كما أن شريعة موسى-  - لم تكن من قبل، فأمره بذلك.

والمعنى في ذلك: أنه حين أمرهم بالأمر الأول كان الصلاح في ذلك الوقت في هذا الأمر ثم إذا أمر بأمر آخر كان الصلاح في ذلك الوقت في الأمر الثاني، وهذا المعنى قوله: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، يعني هو أعلم بأمر الخلق، وبما يصلحهم في كل وقت.

ثم بين الوعيد لمن لم يؤمن بالناسخ والمنسوخ فقال: وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ، أي من قريب ينفعكم وَلاَ نصير، أي ولا مانع يمنعكم من عذاب الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أن مولاه قديرٌ على ما يريد، قَطَعَ رجاءه عن الأغيار كما قال تعالى عن إِبراهيم- عليه السلام-: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [إبراهيم: ٣٧] قال أهل الإِشارة:

معناه: سهلت طريقهم إِليك، وقطَعْت رجاءهم عن سواك، ثم قال: لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، [إبراهيم: ٣٧] أي: شغلتهم بخدمتك، وأنت أولى بهم، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم: ٣٧] ، أي: إِذا احتاجوا شيئاً، فذلل عبادك لهم، وأوصل بكرمك رعايتهم إليهم فإِنك على ذلك قديرٌ، وإِن من لزم بابه أوصل إليه محابَّه، وكفاه أسبابه، وذلل لهُ كلَّ صعب، وأورده كلَّ سهل عذبٍ من غير قطعِ شُقَّة، ولا تحمل مشقة انتهى من «التحبير» .

وقوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

الآيةَ: المُلْك السلطانُ، ونفوذُ الأمرِ، والإِرادةِ، وجَمْع الضمير في لَكُمْ دالٌ على أن المراد بخطاب النبيّ صلّى الله عليه وسلم خطابُ أمته.

وقوله تعالى: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ ...

الآيةَ: قال أبو العالية: إِن هذه الآية نزلَتْ حين قال بعض الصحابة للنبيّ صلّى الله عليه وسلم: «لَيْتَ ذُنُوبَنَا جَرَتْ مجرى ذُنُوبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تَعْجِيلِ العُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم: «قَدْ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ خَيْراً مِمَّا أعطى بَنِي إِسْرَائِيلَ» ، وتَلاَ: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً

[النساء: ١١٠] ، وقال ابنُ عَبَّاس: سَبَبُهَا أنَّ رافع بن حريملة اليهوديّ سأل النبيّ صلّى الله عليه وسلم تفجيرَ عُيونٍ، وغير ذلك «١» ، وقيل غير هذا، وما سئل موسى- عليه السلام- هو أَنْ يرى اللَّه جهرةً.

وكنى عن الإِعراض عن الإيمان والإقبال على الكفر بالتبدّل، وضَلَّ: أخطأ (٣٢ ب الطريق، والسواء مِنْ/ كل شيءٍ الوسَطُ، والمعظَمُ ومنه: فِي سَواءِ الْجَحِيمِ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ ﴾ .

سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لَمّا نُسِخَتِ القِبْلَةُ: إنَّ مُحَمَّدًا يَحِلُّ لِأصْحابِهِ إذا شاءَ، ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ إذا شاءَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: النَّسْخُ في اللُّغَةِ: إبْطالُ شَيْءٍ وإقامَةُ آَخَرَ مَقامِهِ، تَقُولُ العَرَبُ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ: إذا أذْهَبَتْهُ، وحَلَّتْ مَحَلَّهُ، وفي المُرادِ بِهَذا النَّسْخِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: رَفْعُ اللَّفْظِ والحُكْمِ.

والثّانِي: تَبْدِيلُ الآَيَةِ بِغَيْرِها، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والأوَّلُ قَوْلُ السُّدِّيُّ، .

والثّانِي: قَوْلُ مُقاتِلٍ.

والثّالِثُ: رَفْعُ الحُكْمِ مَعَ بَقاءِ اللَّفْظِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنْ أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (ما نَنْسَخُ) بِضَمِّ النُّونِ، وكَسْرِ السِّينِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: أيْ: ما نَجِدُهُ مَنسُوخًا كَقَوْلِكَ: أحَمَدْتُ فُلانًا، أيْ: وجَدْتُهُ مَحْمُودًا، وإنَّما يَجِدُهُ مَنسُوخًا بِنَسْخِهِ إيّاهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ نُنْسِها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (نَنَسْأها) بِفَتْحِ النُّونِ مَعَ الهَمْزَةُ، والمَعْنى نُؤَخِّرُها.

قالَ أبُو زَيْدٍ: نَسَأتِ الإبِلِ عَنِ الحَوْضِ، فَإنْ أنْسَأها: إذا أخَّرَتْها، ومِنهُ: النَّسِيئَةُ في البَيْعِ.

وفي مَعْنى نُؤَخِّرُها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: نُؤَخِّرُها عَنِ النَّسْخِ فَلا نَنْسَخُها، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: نُؤَخِّرُ إنْزالها، فَلا نَنْزِلُها البَتَّةَ.

والثّالِثُ: نُؤَخِّرُها عَنِ العَمَلِ بِها بِنَسْخِنا إيّاها، حَكاهُما أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.

وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ: (تَنْسَها) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ونُونٍ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ والضَّحّاكُ: (تَنْسَها) بِضَمِّ التّاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ: (أوَنُنْسُها) بِنُونَيْنِ، الأُولى مَضْمُومَةٌ، والثّانَيَةُ ساكِنَةٌ.

أرادَ: أوْ نُنْسِكَها، مِنَ النِّسْيانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِاللِّينِ مِنها، وأيْسَرَ عَلى النّاسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ مِثْلِها ﴾ أيْ: في الثَّوابِ والمَنفَعَةِ، فَتَكُونُ الحِكْمَةُ في تَبْدِيلِها بِمِثْلِها الِاخْتِبارَ.

﴿ ألَمْ تَعْلَمْ ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ التَّوْقِيفُ والتَّقْرِيرُ.

والمُلْكُ في اللُّغَةِ: تَمامُ القُدْرَةِ واسْتِحْكامُها، فاللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَحْكُمُ بِما يَشاءُ عَلى عِبادِهِ، وبِغَيْرِ ما يَشاءُ مِن أحْكامٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللهَ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ ﴿ أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَبِيلِ ﴾ ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأمْرِهِ إنَّ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ المُلْكُ: السُلْطانُ، ونُفُوذُ الأمْرِ، والإرادَةِ، وجَمْعُ الضَمِيرِ في "لَكُمْ" دالٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بِخِطابِ النَبِيِّ  خِطابُ أُمَّتِهِ.

والوَلِيُّ: فَعِيلٌ مِن ولِيَ إذا جاوَرَ ولَصِقَ، فالناصِرُ، والمُعِينُ، والقائِمُ بِالأمْرِ، والحافِظُ، كُلُّهم مُجاوِرٌ بِوَجْهٍ ما، و"النَصِيرُ": فَعِيلٌ مِنَ النَصْرِ، وهو أشَدُّ مُبالَغَةً مِن ناصَرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ تُرِيدُونَ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: "أمْ" رَدٌّ عَلى الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ فَهي مُعادَلَتُهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أمِ" اسْتِفْهامٌ مَقْطُوعٌ مِنَ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قالَ: أتُرِيدُونَ؟

وهَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أمْ هُنا بِمَعْنى بَلْ وألِفُ الِاسْتِفْهامِ، قالَ مَكِّيٌّ، وغَيْرُهُ: وهَذا يَضْعُفُ، لِأنَّ "أمْ" لا تَقَعُ بِمَعْنى بَلْ إلّا إذا اعْتَرَضَ المُتَكَلِّمَ شَكٌّ فِيما يُورِدُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ كَما قالَ مَكِّيٌّ رَحِمَهُ اللهُ، لِأنَّ "بَلْ" قَدْ تَكُونُ لِلْإضْرابِ عَنِ اللَفْظِ الأوَّلِ لا عن مَعْناهُ، وإنَّما يَلْزَمُ ما قالَ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْ "بَلْ"، وهو الإضْرابُ عَنِ اللَفْظِ والمَعْنى، ونَعَمْ ما قالَ سِيبَوَيْهِ: بَلْ هي لِتَرْكِ كَلامٍ وأخْذٍ في غَيْرِهِ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ «قالَ بَعْضُ الصَحابَةِ لِلنَّبِيِّ  : لَيْتَ ذُنُوبَنا جَرَتْ مَجْرى ذُنُوبِ بَنِي إسْرائِيلَ بِتَعْجِيلِ العُقُوبَةِ في الدُنْيا، فَقالَ النَبِيُّ  : قَدْ أعْطاكُمُ اللهُ خَيْرًا مِمّا أعْطى بَنِي إسْرائِيلَ" وتَلا: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أو يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا  ﴾ »، فَتَجِيءُ إضافَةُ الرَسُولِ  إلى الأُمَّةِ عَلى هَذا حَسَبَ الأمْرِ في نَفْسِهِ، وحَسَبَ إقْرارِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّ رافِعَ بْنَ حُرَيْمَلَةَ اليَهُودِيَّ سَألَ النَبِيَّ  تَفْجِيرَ عُيُونٍ وغَيْرَ ذَلِكَ»، وقِيلَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ سَألُوا النَبِيَّ  أنْ يَأْتِيَهم بِاللهِ جَهْرَةً، وقِيلَ: سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَهم بِاللهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا، وقالَ مُجاهِدٌ: سَألُوهُ أنْ يَرُدَّ الصَفا ذَهَبًا، فَقالَ لَهُمْ: خُذُوا ذَلِكَ كالمائِدَةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأبَوْا ونَكَصُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَتَجِيءُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ إضافَةُ الرَسُولِ إلَيْهِمْ حَسَبَ الأمْرِ في نَفْسِهِ لا عَلى إقْرارِهِمْ.

وما سُئِلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هو أنْ يَرى اللهَ جَهْرَةً.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وَغَيْرُهُ "سِيلَ" بِكَسْرِ السِينِ وياءٍ، وهي لُغَةٌ يُقالُ: سَلْتُ أسالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن هَمْزٍ أبْدَلَ الهَمْزَةَ ياءً عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ثُمَّ كَسَرَ السِينَ مِن أجْلِ الياءِ.

وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ بَيْنَ الهَمْزَةِ والياءِ مَعَ ضَمِّ السِينِ.

وكُنِّيَ عَنِ الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ والإقْبالِ عَلى الكُفْرِ بِالتَبْدِيلِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الكُفْرُ هُنا الشِدَّةُ، والإيمانُ الرَخاءُ، وهَذا ضَعِيفٌ، إلّا أنْ يُرِيدَهُما مُسْتَعارَتَيْنِ أيِ الشِدَّةُ عَلى نَفْسِهِ والرَخاءُ لَها عِبارَةٌ عَنِ العَذابِ والنَعِيمِ.

وأمّا المُتَعارَفُ مِن شِدَّةِ أُمُورِ الدُنْيا ورَخائِها فَلا تُفَسَّرُ الآيَةُ بِهِ.

و"ضَلَّ" أخْطَأ الطَرِيقَ، و"السَواءُ" مِن كُلِّ شَيْءٍ الوَسَطُ والمُعْظَمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي سَواءِ الجَحِيمِ  ﴾ ، وقالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "كَتَبْتُ حَتّى انْقَطَعَ سِوائِي"، وقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ في رِثاءِ النَبِيِّ  عَلى ما ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: يا ويْحَ أنْصارَ النَبِيِّ ورَهْطِهِ بَعْدَ المَغِيبِ في سَواءِ المَلْحَدِ وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: هو عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وهو عِنْدِي وهم مِنهُ.

و"السَبِيلُ" عِبارَةٌ عَنِ الشَرِيعَةِ الَّتِي أنْزَلَها اللهُ لِعِبادِهِ، لَمّا كانَتْ كالسَبَبِ إلى نَيْلِ رَحْمَتِهِ كانَتْ كالسَبِيلِ إلَيْها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ ، كَثِيرٌ: مُرْتَفِعٌ بـ "وَدَّ"، وهو نَعْتٌ لِنَكِرَةٍ، وحَذْفُ المَوْصُوفِ النَكِرَةِ قَلِيلٌ، ولَكِنْ جازَ هُنا لِأنَّها صِفَةٌ مُتَمَكِّنَةٌ تَرْفَعُ الإشْكالَ، بِمَنزِلَةِ فَرِيقٍ.

قالَ الزُهْرِيُّ: عَنى بِـ "كَثِيرٌ" واحِدٌ، وهو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وهَذا تَحامُلٌ، وقَوْلُهُ: "يَرُدُّونَكُمْ" يَرُدُّ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ ابْنا أخْطُبَ: حُيَيُّ وأبُو ياسِرٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفي الضِمْنِ الأتْباعُ فَتَجِيءُ العِبارَةُ مُتَمَكِّنَةً.

و"الكِتابُ" هُنا التَوْراةُ.

و"لَوَ" هُنا بِمَنزِلَةِ "أنْ" لا تَحْتاجُ إلى جَوابٍ، وقِيلَ: يَتَقَدَّرُ جَوابُها في "وَدَّ"، التَقْدِيرُ: لَوْ يَرُدُّونَكم لَوَدُّوا ذَلِكَ، فَـ "وَدَّ" دالَّةٌ عَلى الجَوابِ، لَأنَّ مَن شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا عن "لَوَ"، و"كُفّارًا" مَفْعُولٌ ثانٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا.

و"حَسَدًا" مَفْعُولٌ لَهُ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.

واخْتَلَفَ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: ﴿ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ﴾ فَقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بـِ "وَدَّ"، لِأنَّهُ بِمَعْنى ودُّوا، وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ "حَسَدًا"، فالوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: "كُفّارًا"، والمَعْنى عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ: أنَّهم لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ في كِتابٍ، ولا أمَرُوا بِهِ، فَهو مِن تِلْقائِهِمْ.

ولَفْظَةُ الحَسَدِ تُعْطِي هَذا، فَجاءَ ﴿ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ﴾ تَأْكِيدًا وإلْزامًا كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ  ﴾ و ﴿ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ  ﴾ ، و ﴿ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ  ﴾ ، وقِيلَ: فَيَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: "يَرُدُّونَكُمْ"، فالمَعْنى: أنَّهم ودُّوا الرَدَّ بِزِيادَةِ أنْ يَكُونَ مِن تِلْقائِهِمْ، أيْ بِإغْوائِهِمْ وتَزْيِينِهِمْ.

واخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقِيلَ: إنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ أتَيا بَيْتَ المَدارِسِ، فَأرادَ اليَهُودُ صَرْفَهم عن دِينِهِمْ فَثَبَتا عَلَيْهِ، ونَزَلَتِ الآيَةُ، وقِيلَ: إنَّما هَذِهِ الآيَةُ تابِعَةٌ في المَعْنى لِما تَقَدَّمَ مِن نَهْيِ اللهِ عن مُتابَعَةِ أقْوالِ اليَهُودِ في "راعِنا" وغَيْرِهِ، وأنَّهم لا يَوَدُّونَ أنْ يَنْزِلَ خَيْرٌ، ويَوَدُّونَ أنْ يَرُدُّوا المُؤْمِنِينَ كُفّارًا.

و"الحَقُّ" المُرادُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ  ، وصِحَّةُ ما المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ.

وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الظَواهِرِ في صِحَّةِ الكُفْرِ عِنادًا، واخْتَلَفَ أهْلُ السُنَّةِ في جَوازِ ذَلِكَ، والصَحِيحُ عِنْدِي جَوازُهُ عَقْلًا وبَعْدَهُ وُقُوعًا، ويَتَرَتَّبُ في كُلِّ آيَةٍ تَقْتَضِيهِ أنَّ المَعْرِفَةَ تُسْلَبُ في ثانِي حالٍ مِنَ العِنادِ.

والعَفْوُ: تَرْكُ العُقُوبَةِ وهو مِن عِفَّتِ الآثارِ، والصَفْحُ: الإعْراضُ عَنِ المُذْنِبِ كَأنَّهُ يُوَلِّي صَفْحَةَ العُنُقِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ  ﴾ إلى قَوْلِهِ: "صاغِرُونَ".

وقِيلَ بِقَوْلِهِ: ( اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ) وقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ هَذا حَدُّ المَنسُوخِ لِأنَّ هَذا في نَفْسِ الأمْرِ كانَ التَوْقِيفُ عَلى مُدَّتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى مَن يَجْعَلُ الأمْرَ المُنْتَظَرَ أوامِرَ الشَرْعِ، أو قَتْلَ قُرَيْظَةَ وإجْلاءَ النَضِيرِ، وأمْرَ مَن يَجْعَلُهُ آجالَ بَنِي آدَمَ فَيَتَرَتَّبُ النَسْخُ في هَذِهِ الآيَةِ بِعَيْنِها لِأنَّهُ لا يَخْتَلِفُ أنَّ آياتِ المُوادَعَةِ المُطْلَقَةِ قَدْ نُسِخَتْ كُلُّها، والنَسْخُ هو مَجِيءُ الأمْرِ في هَذِهِ المُقَيَّدَةِ، وقِيلَ: مَجِيءُ الأمْرِ هو فَرْضُ القِتالِ، وقِيلَ: قَتْلُ قُرَيْظَةَ وإجْلاءُ النَضِيرِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، لِأنَّ كُلَّ آيَةٍ فِيها تَرْكُ القِتالِ فَهي مَكِّيَّةٌ مَنسُوخَةٌ، وحُكْمُهُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ ضَعِيفٌ، لِأنَّ مُعانَداتِ اليَهُودِ إنَّما كانَتْ بِالمَدِينَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ مُقْتَضاهُ في هَذا المَوْضُوعِ وعْدُ لِلْمُؤْمِنِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ .

مناسبة هذه الآية للآيات قبلها أن اليهود اعتذروا عن إعراضهم عن الإيمان بالنبيء صلى الله عليه وسلم بقولهم: ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ [البقرة: 91] وأرادوا به أنهم يكفرون بغيره، وهم في عذرهم ذلك يدعون أن شريعتهم لا تنسخ ويقولون إن محمداً وصف التوراة بأنها حق وأنه جاء مصدقاً لها فكيف يكون شرعه مبطلاً للتوراة ويموهون على الناس بما سموه البداء وهو لزوم أن يكون الله تعالى غير عالم بما يحسن تشريعه وأنه يبدو له الأمر ثم يعرض عنه ويبذل شريعة بشريعة.

وقد قدمنا أن الله تعالى رد عليهم عذرهم وفضحهم بأنهم ليسوا متمسكين بشرعهم حتى يتصلبوا فيه وذلك من قوله: ﴿ قل فلم يقتلون أنبئاء الله من قبل ﴾ [البقرة: 91] وقوله: ﴿ قل إن كانت لكم الدار الآخرة ﴾ [البقرة: 94] إلخ وبأنهم لا داعي لهم غير الحسد بقوله: ﴿ ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ ذو الفضل العظيم ﴾ [البقرة: 105] المنبئ أن العلة هي الحسد، فلما بين الرد عليهم في ذلك كله أراد نقض تلك السفسطة أو الشبهة التي راموا ترويجها على الناس بمنع النسخ.

والمقصد الأصلي من هذا هو تعليم المسلمين أصلاً من أصول الشرائع وهو أصل النسخ الذي يطرأ على شريعة بشريعة بعدها ويطرأ على بعض أحكام شريعة بأحكام تبطلها من تلك الشريعة.

ولكون هذا هو المقصد الأصلي عدل عن مخاطبة اليهود بالرد عليهم.

ووجه الخطاب إلى المسلمين كما دل عليه قوله: ﴿ ألم تعلم ﴾ وعطفه عليه بقوله: ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم ﴾ [البقرة: 108] ولقوله: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ ﴾ ولم يقل من شريعة.

وفي هذا إعراض عن مخاطبة اليهود لأن تعليم المسلمين أهم وذلك يستتبع الرد عى اليهود بطريق المساواة لأنه إذا ظهرت حكمة تغيير بعض الأحكام لمصلحة تظهر حكمة تغيير بعض الشرائع.

وقد ذكر بعض المفسرين لهاته الآية سبب نزول، ففي «الكشاف» و«المعالم»: نزلت لما قال اليهود: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، وفي «تفسير القرطبي» أن اليهود طعنوا في تغيير القبلة وقالوا إن محمداً يأمر أصحابه بشيء وينهاهم عنه فما كان هذا القرآن إلا من جهته ولذلك يخالف بعضه بعضاً.

وقرأ الجمهور (ننسخ) بفتح النون الأولى وفتح السين وهو أصل مضارع نسخ، وقرأه ابن عامر بضم النون الأولى وكسر السين على أنه مضارع أنسخ مهموزاً بهمزة التعدية أي نأمر بنسخ آية.

و (ما) شرطية وأصلها الموصولة أشربت معنى الشرط فلذلك كانت اسماً للشرط يستحق إعراب المفاعيل وتبين بما يفسر إبهامها وهي أيضاً توجب إبهاماً في أزمان الربط لأن الربط وهو التعليق لما نيط بمبهم صار مبهماً فلا تدل على زمن معين من أزمان تعليق الجواب على الشرط وربطه به.

و (من آية) بيان لما.

والآية في الأصل الدليل والشاهد على أمر.

قال الحرث بن حلزة: مَن لنا عنده مِن الخير آيا *** تٌ ثلاثٌ في كلِّهن القضاءُ ووزنها فعلة بتحريك العين عند الخليل وعينها ياء أو واو قلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها والنسبة إليها آييّ أو آوي.

ثم أطلقت الآية على المعجزة لأنها دليل صدق الرسول قال تعالى: ﴿ وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً ﴾ [الإسراء: 59].

وتطلق الآية على القطعة من القرآن المشتملة على حكم شرعي أو موعظة أو نحو ذلك وهو إطلاق قرآني قال تعالى: ﴿ وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ [النحل: 101] ويؤيد هذا أن من معاني الآية في كلام العرب الأمارة التي يعطيها المرسل للرسول ليصدقه المرسل إليه وكانوا إذا أرسلوا وصاية أو خبراً مع رسول أرفقوه بأمارة يسمونها آية لا سيما الأسير إذا أرسل إلى قومه برسالة كما فعل ناشب الأعور حين كان أسيراً في بني سعد بن مالك وأرسل إلى قومه بلعنبر رسالة وأراد تحذيرهم بما يبيته لهم أعداؤهم الذين أسروه فقال للرسول: قل لهم كذا بآية ما أكلت معكم حيساً.

وقال سحيم العبد: ألِكني إليها عمرَك اللَّهَ يا فتى *** بآية ما جاءت إلينا تَهاديا ولذا أيضاً سموا الرسالة آية تسمية للشيء باسم مجاوره عرفاً.

والمراد بالآية هنا حكم الآية سواء أزيل لفظها أم أبقى لفظها لأن المقصود بيان حكمة إبطال الأحكام لا إزالة ألفاظ القرآن.

والنسخ إزالة الشي بشيء آخر قاله الراغب، فهو عبارة عن إزالة صورة أو ذات وإثبات غيرها عوضها تقول نسخت الشمس الظل لأن شعاعها أزال الظل وخلفه في موضعه ونسخ الظل الشمس كذلك لأن خيال الجسم الذي حال بين الجسم المستنير وبين شعاع الشمس الذي أناره قد خلف الشعاع في موضعه ويقال نسخت ما في الخلية من النحل والعسل إلى خلية أخرى، وقد يطلق على الإزالة فقط دون تعويض كقولهم نسخت الريح الأثر وعلى الإثبات لكن على إثبات خاص وهو إثبات المزيل، وأما أن يطلق على مجرد الإثبات فلا أحسبه صحيحاً في اللغة وإن أوهمه ظاهر كلام الراغب وجعل منه قولهم نسخت الكتاب إذا خططت أمثال حروفه في صحيفتك إذ وجدوه إثباتاً محضاً لكن هذا توهم لأن إطلاق النسخ على محاكاة حروف الكتاب إطلاق مجازي بالصورة أو تمثيلية بتشبيه الحالة بحالة من يزيل الحروف من الكتاب الأصلي إلى الكتاب المنتسخ ثم جاءت من ذلك النسخة قال تعالى: ﴿ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ﴾ [الجاثية: 29] وقال: ﴿ وفي نسختها هدى ورحمة ﴾ [الأعراف: 154] وأما قولهم الولد نسخة من أبيه فمجاز على مجاز.

ولا يطلق النسخ على الزوال بدون إزالة فلا تقول نسخ الليل النهار لأن الليل ليس بأمر وجودي بل هو الظلمة الأصلية الحاصلة من انعدام الجرم المنير.

والمراد من النسخ هنا الإزالة وإثبات العوض بدليل قوله: ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ وهو المعروف عند الأصولين بأنه رفع الحكم الشرعي بخطاب فخرج التشريع المستأنف إذ ليس برفع، وخرج بقولنا الحكم الشرعي رفع البراءة الأصلية بالشرع المستأنف.

إذ البراءة الأصلية ليست حكماً شرعياً بل هي البقاء على عدم التكليف الذي كان الناس عليه قبل مجيء الشرع بحيث إن الشريعة لا تتعرض للتنصيص على إباحة المباحات إلا في مظنة اعتقاد تحريمها أو في موضع حصر المحرمات أو الواجبات.

فالأول نحو قوله: ﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم ﴾ [البقرة: 198] في التجارة في الحج حيث ظن المسلمون تحريم التجارة في عشر ذي الحجة كما كانت عليه الجاهلية بعد الانصراف من ذي المجاز كما سيأتي.

ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ [النساء: 24] بعد ذكر النساء المحرمات وقوله: ﴿ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ﴾ [البقرة: 187] لحصر وجوب الإمساك في خصوص زمن النهار.

وفهم من قولهم في التعريف رفع الحكم أن ذلك الحكم كان ثابتاً لولا رفعه وقد صرح به بعضهم ولذلك اخترنا زيادة قيد في التعريف وهو رفع الحكم الشرعي المعلوم دوامه بخطاب يرفعه ليخرج عن تعريف النسخ رفع الحكم الشرعي المغيّى بغاية عند انتهاء غايته ورفع الحكم المستفاد من أمر لا دليل فيه على التكرار.

وحيث تبينت حكمة نسخ الآيات علم منه حكمة نسخ الشرائع بعضها ببعض وهو الذي أنكروه وأنكروا كون الإسلام قد نسخ التوراة وزعموا أن دوام التوراة مانع من الإيمان بالإسلام كما قالوا ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ [البقرة: 91] وهو أحوال: الأول مجيء شريعة لقوم مجيئاً مؤقتاً لمدة حياة الرسول المرسل بها فإذا توفي ارتفعت الشريعة كشريعة نوح وإبراهيم وشريعة يوسف وشريعة شعيب قال تعالى: ﴿ ولقد جاءكم يوسف ﴾ إلى قوله: ﴿ إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً ﴾ [غافر: 34] وبقي الناس في فترة وكان لكل أحد يريد الاهتداء أن يتبع تلك الشريعة أو بعضها كما كانوا يتبعون شريعة إبراهيم فإذا جاءت شريعة بعدها فليست الثانية بناسخة للأولى في الحقيقة ولكنها نسخ يخير الناس في متابعتها الذي كان لهم في زمن الفترة كما إذا كانت عَبْس مثلاً يجوز لها اتباع شريعة إبراهيم فلما جاءهم خالد بن سنان بشريعته تعين عليهم اتباعه.

الثاني أن تجيء شريعة لقوم مأمورين بالدوام عليها كشرع موسى ثم تجيء بعدها شريعة ليست رافعة لتلك الشريعة بأسرها ولكنها ترفع بعض أحكامها وتثبت بعضاً كشريعة عيسى فهذه شريعة ناسخة في الجملة لأنها تنسخ بعضاً وتفسر بعضاً، فالمسيح رسول نسخ بعض التوراة وهو ما نص على نسخه وأما غيره فباق على أحكام التوراة فهو في معظمها مبين ومذكر ومفسر كمن سبقه من أنبياء بني إسرائيل مثل أشعياء وأرمياء وزكرياء الأول ودانيال وأضرابهم ولا يخالف هذا النوع نسخ أحكام شريعة واحدة إلا بكونه بواسطة رسول ثان.

الثالث مجيء شريعة بعد أخرى بحيث تبطل الثانية الأولى إبطالاً عاماً بحيث تعد تلك الشريعة باطلة سواء في ذلك الأحكام التي نصت الشريعة الثانية فيها بشيء يخالف ما في الأولى أم فيما سكتت الشريعة الثانية عنه وهذا هو الإسلام بالنسبة لما تقدمه من الشرائع فإنه رفع الشرائع كلها بحيث لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتلقى شيئاً من الشرائع السالفة فيما لم يتكلم الإسلارم فيه بشيء بل يأخذ أحكام ذلك بالاستنباط والقياس وغير ذلك من طرق أصول الإسلام، وقد اختلف في أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، لكن ذلك الخلاف ناظر إلى دليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ [الأنعام: 90].

وقوله: ﴿ أو ننسها ﴾ قرأه نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وأبو جعفر وخلف (ننسها) بنون مضمومة في أوله وبسين مكسورة ثم هاء.

وقرأه ابن كثير وأبو عمرو (ننسأها) بنون مفتوحة في أوله وبسين مفتوحة وبعدها همزة ساكنة ثم هاء فعلى قراءة ترك الهمز فهو من النسيان والهمزة للتعدية ومفعوله محذوف للعموم أي ننس الناس إياها وذلك بأمر النبيء صلى الله عليه وسلم بترك قراءتها حتى ينساها المسلمون، وعلى قراءة الهمز فالمعنى أو نؤخرها أي نؤخر تلاوتها أو نؤخر العمل بها والمراد إبطال العمل بقراءتها أو بحكمها فكنى عنه بالنسء وهو قسم آخر مقابل للنسخ وهو أن لا يذكر الرسول الناس بالعمل بحكم مشروع ولا يأمر من يتركه بقضائه حتى ينسى الناس العمل به فيكون ذلك إبطالاً للحكم لأنه لو كان قائماً لما سكت الرسول عن إعادة الأمر به ولما أقر تاركه عند موجب العمل به ولم أجد لهذا مثالاً في القرآن ونظيره في السنة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره» عند من يقول إن النهي فيه للتحريم وهو قول أبي هريرة ولذلك كان يذكر هذا الحديث ويقول مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أظهركم.

ومعنى النسء مشعر بتأخير يعقبه إبرام وحينئذ فالمعنى بقاء الحكم مدة غير منسوخ أو بقاء الآية من القرآن مدة غير منسوخة.

أو يكون المراد إنساء الآية بمعنى تأخير مجيئها مع إرادة الله تعالى وقوع ذلك بعد حين والاحتمالات المفروضة في نسخ حكم من الشريعة تتأتى في نسخ شريعة بشريعة وإنسائها أو نسئها.

وقوله: ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ جواب الشرط وجعله جواباً مشعر بأن هذين الحالين وهما النسخ والإنساء أو النسء لا يفارقان حالين وهما الإتيان في وقت النسخ ووقت الإنساء بشيء هو خير من المنسوخ أو مثله أو خير من المنسي أو المنسوء أو مثله فالمأتي به مع النسخ هو الناسخ من شريعة أو حكم والمأتي به مع الإنساء من النسيان هو الناسخ أيضاً من شريعة أو حكم أو هو ما يجيء من الأحكام غير ناسخ ولكنه حكم مخالف ينزل بعد الآخر والمأتي به مع النسء أي التأخير هو ما يقارن الحكم الباقي من الأحكام النازلة في مدة عدم النسخ.

وقد أجملت جهة الخيرية والمثلية لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن فتجده مراداً إذ الخيرية تكون من حيث الاشتمال على ما يناسب مصلحة الناس، أوما يدفع عنهم مضرة، أو ما فيه جلب عواقب حميدة، أو ما فيه ثواب جزيل، أوما فيه رفق بالمكلفين ورحمة بهم في مواضع الشدة وإن كان حملهم على الشدة قد يكون أكثر مصلحة.

وليس المراد أن كل صورة من الصور المفروضة في حالات النسخ والإنساء أو النسء هي مشتملة على الخير والمثل معاً وإنما المراد أن كل صورة منهما لا تخلو من الاشتمال على الخير منها أو المثل لها فلذلك جيء بأو في قوله: ﴿ بخير منها أو مثلها ﴾ فهي مفيدة لأحد الشيئين مع جواز الجمع.

وتحقيق هاته الصور بأيديكم، ولنضرب لذلك أمثالاً ترشد إلى المقصود وتغني عن البقية مع عدم التزام الدرج على القول الأصح فنقول: (1) نسخ شريعة مع الإتيان بخير منها كنسخ التوراة والإنجيل بالإسلام.

(2) نسخ شريعة مع الإتيان بمثلها كنسخ شريعة هود بشريعة صالح فإن لكل فائدة مماثلة للأخرى في تحديد أحوال أمتين متقاربتي العوائد والأخلاق فهود نهاهم أن يبنوا بكل ريع آية يعبثون وصالح لم ينه عن ذلك ونهى عن التعرض للناقة بسوء.

(3) نسخ حكم في شريعة بخير منه مثل نسخ كراهة الخمر الثابتة بقوله: ﴿ قل فيهما إثم كبير ومنافع ﴾ [البقرة: 219] بتحريمها بتاتاً فهذه الناسخة خير من جهة المصلحة دون الرفق وقد يكون الناسخ خيراً في الرفق كنسخ تحريم الأكل والشرب وقربان النساء في ليل رمضان بعد وقت الإفطار عند الغروب إذا نام الصائم قبل أن يتعشى بقوله تعالى: ﴿ من الفجر ﴾ [البقرة: 187] قال في الحديث في «صحيح البخاري» ففرح المسلمون بنزولها.

(4) نسخ حكم في الشريعة بحكم مثله كنسخ الوصية للوالدين والأقربين بتعيين الفرائض والكل نافع للكل في إعطائه مالاً، وكنسخ فرض خمسين صلاة بخمس صلوات مع جعل ثواب الخمسين للخمس فقد تماثلتا من جهة الثواب، وكنسخ آية ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين ﴾ [البقرة: 184] بقوله تعالى: ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ [البقرة: 185] إلى قوله: ﴿ وأن تصوموا خير لكم ﴾ [البقرة: 184] فأثبت كون الصوم خيراً من الفدية.

(5) إنساء بمعنى التأخير لشريعة مع مجيء خير منها، تأخير ظهور دين الإسلام في حين الإتيان بشرائع سبقته كل واحدة منها هي خير بالنسبة للأمة التي شرعت لها والعصر الذي شرعت فيه فإن الشرائع تأتي للناس بما يناسب أحوالهم حتى يتهيأ البشر كلهم لقبول الشريعة الخاتمة التي هي الدين عند الله فالخيرية هنا ببعض معانيها وهي نسبية.

(6) إنساء شريعة بمعنى تأخير مجيئها مع إرادة الله تعالى وقوعه بعد حين ومع الإتيان بمثلها كتأخير شريعة عيسى في وقت الإتيان بشريعة موسى وهي خير منها من حيث الاشتمال على معظم المصالح وما تحتاج إليه الأمة.

(7) إنساء بمعنى تأخير الحكم المراد مع الإتيان بخير منه كتأخير تحريم الخمر وهو مراد مع الإتيان بكراهته أو تحريمه في أوقات الصلوات فقط فإن المأتي به خير من التحريم من حيث الرفق بالناس في حملهم على مفارقة شيء افتتنوا بمحبته.

(8) إنساء شريعة بمعنى بقائها غير منسوخة إلى أمد معلوم مع الإتيان بخير منها أي أوسع وأعم مصلحة وأكثر ثواباً لكن في أمة أخرى أو بمثلها كذلك.

(9) إنساء آية من القرآن بمعنى بقائها غير منسوخة إلى أمد معلوم مع الإتيان بخير منها في باب آخر أي أعم مصلحة أو بمثلها في باب آخر أي مثلها مصلحة أو ثواباً مثل تحريم الخمر في وقت الصلوات وينزل في تلك المدة تحريم البيع في وقت صلاة الجمعة.

(10) نسيان شريعة بمعنى اضمحلالها كشريعة آدم ونوح مع مجيء شريعة موسى وهي أفضل وأوسع وشريعة إدريس مثلاً وهي مثل شريعة نوح.

(11) نسيان حكم شريعة مع مجيء خير منه أو مثله، كان فيما نزل عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس معلومات ثم نسيا معاً وجاءت آية ﴿ وأخواتكم من الرضاعة ﴾ [النساء: 23] على الإطلاق والكل متماثل في إثبات الرضاعة ولا مشقة على المكلفين في رضعة أوعشر لقرب المقدار.

وقيل: المراد من النسيان الترك وهو حينئذ يرجع معناه وصوره إلى معنى وصور الإنساء بمعنى التأخير.

والمقصد من قوله تعالى: ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ إظهار منتهى الحكمة والرد عليهم بأنهم لا يهمهم أن تنسخ شريعة بشريعة أو حكم في شريعة بحكم آخر ولا يقدح ذلك في علم الله تعالى ولا في حكمته ولا ربوبيته لأنه ما نسخ شرعاً أو حكماً ولا تركه إلا وهو قد عوض الناس ما هو أنفع لهم منه حينئذ أو ما هو مثله من حيث الوقت والحال، وما أخر حكماً في زمن ثم أظهره بعد ذلك إلا وقد عوض الناس في إبان تأخيره ما يسد مسده بحسب أحوالهم، وذلك مظهر الربوبية فإنه يرب الخلق ويحملهم على مصالحهم مع الرفق بهم والرحمة، ومراد الله تعالى في تلك الأزمنة والأحوال كلها واحد وهو حفظ نظام العالم وضبط تصرف الناس فيه على وجه يعصم أحوالهم من الاختلال بحسب العصور والأمم والأحوال إلى أن جاء بالشريعة الخاتمة وهي مراد الله تعالى من الناس ولذلك قال: ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ [آل عمران: 19] وقال أيضاً: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ [الشورى: 13] الآية.

والظاهر أن الإتيان بخير أو بمثل راجع إلى كل من النسخ والإنساء فيكون الإتيان بخير من المنسوخة أو المنساة أو بمثلها وليس الكلام من اللف والنشر.

فقوله تعالى: ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ هو إما إتيان تعويض أو إتيان تعزيز.

وتوزيع هذا الضابط على الصور المتقدمة غير عزيز.

والمعنى أنا لم نترك الخلق في وقت سدى، وأن ليس في النسخ ما يتوهم منه البداء.

وفي الآية إيجاز بديع في التقسيم قد جمع هاته الصور التي سمعتموها وصوراً تنشق منها لا أسألكموها لأنه ما فرضت منها صورة بعد هذا إلا عرفتموها.

ومما يقف منه الشعر ولا ينبغي أن يوجه إليه النظر ما قاله بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿ ننسها ﴾ أنه إنساء الله تعالى المسلمين للآية أو للسورة، أي إذهابها عن قلوبهم أو إنساؤه النبيء صلى الله عليه وسلم إياها فيكون نسيان الناس كلهم لها في وقت واحد دليلاً على النسخ واستدلوا لذلك بحديث أخرجه الطبراني بسنده إلى ابن عمر قال «قرأ رجلان سورة أقرأهما إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاما ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف فغديا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال لهما: " إنها مما نسخ وأنسي فالهوا عنها " قال ابن كثير هذا الحديث في سنده سليمان بن أرقم وهو ضعيف وقال ابن عطية هذا حديث منكر أغرب به الطبراني وكيف خفي مثله على أئمة الحديث.

والصحيح أن نسيان النبيء ما أراد الله نسخه ولم يرد أن يثبته قرآناً جائز، أي لكنه لم يقع فأما النسيان الذي هو آفة في البشر فالنبيء معصوم عنه قبل التبليغ، وأما بعد التبليغ وحفظ المسلمين له فجائز وقد روي أنه أسقط آية من سورة في الصلاة فلما فرغ قال لأبيّ لم لم تذكرني قال حسبت أنها رفعت قال: لا ولكني نسيتها اه.

والحق عندي أن النسيان العارض الذي يُتذكر بعده جائز ولا تحمل عليه الآية لمنافاته لظاهر قوله: ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ وأما النسيان المستمر للقرآن فأحسب أنه لا يجوز.

وقوله تعالى: ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ [الأعلى: 6] دليل عليه وقوله: ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ [الأعلى: 7] هو من باب التوسعة في الوعد وسيأتي بيان ذلك في سورة الأعلى.

وأما ما ورد في «صحيح مسلم» عن أنس قال: كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول ببراءة فانسيتها غير أني حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثاً وما يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب اه.

فهو غريب وتأويله أن هنالك سورة نسخت قراءتها وأحكامها، ونسيان المسلمين لما نسخ لفظه من القرآن غير عجيب على أنه حديث غريب اه.

وقد دلت هذه الآية على أن النسخ واقع، وقد اتفق علماء الإسلام على جواز النسخ ووقوعه ولم يخالف في ذلك إلا أبو مسلم الأصفهاني محمد بن بحر فقيل: إن خلافه لفظي وتفصيل الأدلة في كتب أصول الفقه.

وقد قسموا نسخ أدلة الأحكام ومدلولاتها إلى أقسام: نسخ التلاوة والحكم معاً وهو الأصل ومثلوه بما روى عن أبي بكر كان فيما أنزل لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، ونسخ الحكم وبقاء التلاوة وهذا واقع لأن إبقاء التلاوة يقصد منه بقاء الإعجاز ببلاغة الآية ومثاله آية: ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون ﴾ [الأنفال: 65] إلى آخر الآيات.

ونسخ التلاوة وبقاء الحكم ومثلوه بما روي عن عمر: كان فيما يتلى الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما وعندي أنه لا فائدة في نسخ التلاوة وبقاء الحكم وقد تأولوا قول عمر كان فيما يتلى أنه كان يتلى بين الناس تشهيراً بحكمه.

وقد كان كثير من الصحابة يرى أن الآية إذا نسخ حكمها لا تبقى كتابتها في المصحف ففي البخاري في التفسير قال ابن الزبير قلت لعثمان: ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً ﴾ [البقرة: 234] نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها قال: يا ابن أخي لا أغير شيئاً منه من مكانه.

﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ لله للهأَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا لَكُم مِّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ .

مسوق لبيان حكمة النسخ والإتيان بالخير والمثل بياناً غير مفصل على طريقة الأسلوب الحكيم، وذلك أنه بعد أن فرغ من التنبيه على أن النسخ الذي استبعدوه وتذرعوا به لتكذيب الرسول هو غير مفارق لتعويض المنسوخ بخير منه أو مثله أو تعزيز المبقى بمثله أريد أن ينتقل من ذلك إلى كشف ما بقي من الشبهة وهي أن يقول المنكر وما هي الفائدة في النسخ حتى يحتاج للتعويض؟

وكان مقتضى الظاهر أن يتصدى لبيان اختلاف المصالح ومناسبتها للأحوال والأعصار ولبيان تفاصيل الخيرية والمثلية في كل ناسخ ومنسوخ.

ولما كان التصدي لذلك أمراً لم تتهيأ له عقول السامعين لعسر إدراكهم مراتب المصالح وتفاوتها، لأن ذلك مما يحتاج إلى تأصيل قواعد من أصول شرعية وسياسية، عدل بهم عن بيان ذلك وأجملت لهم المصلحة بالحوالة على قدرة الله تعالى التي لا يشذ عنها ممكن مراد، وعلى سعة ملكه المشعر بعظيم علمه، وعلى حاجة المخلوقات إليه إذ ليس لهم رب سواه ولا ولي دونه وكفى بذلك دليلاً على أنه يحملهم على مصالحهم في سائر الأحوال.

ومما يزيد هذا العدول توجيهاً أن التصدي للبيان يفتح باب الجدال في إثبات المصلحة وتفاوت ذلك بحسب اختلاف القرائح والفهوم.

ولأن أسباب التشريع والنسخ أقسام، منه ما ظهر وجهه بالنص فيمكن إفهامهم إياه نحو قوله: ﴿ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العدواة والبغضاء في الخمر والميسر ﴾ [المائدة: 91] الآية بعد قوله: ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [النساء: 43] الآية ونحو ﴿ وعلم أن فيكم ضعفاً ﴾ [الأنفال: 66] الآية.

ومنها ما يعسر إفهامهم إياه لأنه يحتاج إلى علم وتفصيل من شأن المشرعين وعلماء الأصول كالأشياء التي عرفت بالقياس وأصول التشريع.

ومنها ما لم يطلع على حكمته في ذلك الزمان أو فيما يليه، ولما كان معظم هاته التفاصيل يعسر أو يتعذر إفهامهم إياه وقع العدول المذكور.

ولكون هاته الجملة تتنزل منزلة البيان للأولى فصلت عنها.

والخطاب في ﴿ تعلم ﴾ ليس مراداً منه ظاهره الواحد وهو النبيء صلى الله عليه وسلم بل هو إما خطاب لغير معين خارج على طريقة المجاز بتشبيه من ليس حاضراً للخطاب وهو الغائب منزلة المخاطب في كونه بحيث يصير مخاطباً لشهرة هذا الأمر والمقصد من ذلك ليعم كل مخاطب صالح له وهو كل من يظن به أو يتوهم منه أنه لا يعلم أن الله على كل شيء قدير ولو بعدم جريانه على موجب علمه، وإلى هذه الطريقة مال القطب والطيبي من شراح «الكشاف» وعليها يشمل هذا الخطاب ابتداء اليهود والمشركين ومن عسى أن يشتبه عليه الأمر وتروج عليه الشبهة من ضعفاء المسلمين، أما غيرهم فغني عن التقرير في الظاهر وإنما أدخل فيه ليسمع غيره.

وإما مراد به ظاهره وهو الواحد فيكون المخاطب هوالنبيء صلى الله عليه وسلم لكن المقصود منه المسلمون فينتقل من خطاب النبيء إلى مخاطبة أمته انتقالاً كنائياً لأن علم الأمة من لوازم علم الرسول من حيث إنه رسول لزوماً عرفياً فكل حكم تعلق به بعنوان الرسالة فالمراد منه أمته لأن ما يثبت له من المعلومات في باب العقائد والتشريع فهو حاصل لهم فتارة يراد من الخطاب توجه مضمون الخطاب إليه ولأمته وتارة يقصد منه توجه المضمون لأمته فقط على قاعدة الكناية في جواز إرادة المعنى الأصلي مع الكنائي، وههنا لا يصلح توجه المضمون للرسول لأنه لا يقرر على الاعتراف بأن الله على كل شيء قدير فضلاً عن أن ينكر عنه وإنما التقرير للأمة، والمقصد من تلك الكناية التعريض باليهود.

وإنما سلك هذا الطريق دون أن يؤتى بضمير الجماعة المخاطبين لما في سلوك طريق الكناية من البلاغة والمبالغة مع الإيجاز في لفظ الضمير.

والاستفهام تقريري على الوجهين وهو شأن الاستفهام الداخل على النفي كما تقدم عند قوله: ﴿ ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض ﴾ [البقرة: 33] أي إنكم تعلمون أن الله قدير وتعلمون أنه مالك السماوات والأرض بما يجري فيهما من الأحوال، فهو ملكه أيضاً فهو يصرف الخلق كيف يشاء.

وقد أشار في «الكشاف» إلى أنه تقريري وصرح به القطب في «شرحه» ولم يسمع في كلام العرب استفهام دخل على النفي إلا وهو مراد به التقرير.

وقوله: ﴿ ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ﴾ قال البيضاوي: هو متنزل من الجملة التي قبله منزلة الدليل لأن الذي يكون له ملك السماوات والأرض لا جرم أن يكون قديراً على كل شيء ولذا فصلت هذه الجملة عن التي قبلها.

وعندي أن موجب الفصل هو أن هاته الجملة بمنزلة التكرير للأولى لأن مقام التقرير ومقام التوبيخ كلاهما مقام تكرير لما به التقرير والإنكار تعديداً على المخاطب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ ﴾ في (مَعْنى) نَسْخِها ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ قَبْضُها، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ تَبْدِيلُها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إثْباتُ خَطِّها وتَبْدِيلُ حُكْمِها، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

( أوْ نُنْسِها ) فِيهِ قِراءَتانِ: أحَدُهُما: هَذِهِ، والثّانِيَةُ: ( أوْ نَنْسَأها ) فَمَن قَرَأ: ( أوْ نَنْسَها ) فَفي تَأْوِيلِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى أوْ نُمْسِكُها، وقَدْ ذُكِرَ أنَّها كانَتْ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: ما نُمْسِكُ مِن آيَةٍ أوْ نَنْسَخْها نَجِيءُ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها وذَلِكَ «أنَّ النَّبِيَّ  ، كانَ يَقْرَأُ الآيَةَ، ثُمَّ يَنْسى وتُرْفَعُ،» وكانَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ يَقْرَأُ: ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها ﴾ ، بِمَعْنى الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: أوْ تَنْسى أنْتَ يا مُحَمَّدُ، وقالَ القاسِمُ بْنُ رَبِيعَةَ لِسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ: فَإنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ يَقْرَأُ: ﴿ أوْ نُنْسِها ﴾ ، فَقالَ سَعْدٌ: إنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ عَلى ابْنِ المُسَيِّبِ، ولا عَلى آلِ المُسَيِّبِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى  ﴾ ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ  ﴾ وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ بِمَعْنى التَّرْكِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ ، أيْ تَرَكُوهُ فَتَرَكَهُمْ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ ﴾ يَعْنِي نَرْفَعُها ونُبَدِّلُها، ﴿ أوْ نُنْسِها ﴾ أيْ نَتْرُكُها ولا نُبَدِّلُها ولا نَنْسَخُها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها ﴾ قالَ: النّاسِخُ والمَنسُوخُ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى نُنْسِها أيْ نَمْحُها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

وَأمّا مَن قَرَأ: ( أوْ نَنْسَأُها ) فَمَعْناهُ نُؤَخِّرُها، مِن قَوْلِهِمْ: نَسَأْتُ هَذا الأمْرَ، إذا أخَّرْتَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلِهِمْ: بِعْتُ بِنَساءٍ أيْ بِتَأْخِيرٍ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ وابْنِ أبِي نَجِيحٍ.

﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أيْ خَيْرٍ لَكم في المَنفَعَةِ، وأرْفَقَ بِكُمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: والثّانِي: أنَّ مَعْنى (خَيْرٍ) مِنها، أيْ أخَفَّ مِنها، بِالتَّرْخِيصِ فِيها، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الآيَةِ، ما نُغَيِّرُ مِن حُكْمِ آيَةٍ فَنُبَدِّلُهُ، أوْ نَتْرُكُهُ فَلا نُبَدِّلُهُ، نَأْتِ بِخَيْرٍ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ حُكْمًا مِنها، إمّا بِالتَّخْفِيفِ في العاجِلِ، كالَّذِي كانَ مِن نَسْخِ قِيامِ اللَّيْلِ تَخْفِيفًا، وإمّا بِالنَّفْعِ بِكَثْرَةِ الثَّوابِ في الآجِلِ، كالَّذِي كانَ مِن نَسْخِ صِيامِ أيّامٍ مَعْدُوداتٍ بِشَهْرِ رَمَضانَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ مِثْلِها ﴾ يَعْنِي مِثْلَ حُكْمِها، في الخِفَّةِ والثِّقَلِ والثَّوابِ والأجْرِ، كالَّذِي كانَ مِن نَسْخِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ، بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، وذَلِكَ مِثْلُهُ في المَشَقَّةِ والثَّوابِ ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فَإنْ قِيلَ: أوَكانَ النَّبِيُّ  غَيْرَ عالِمٍ بِأنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ؟

قِيلَ: عَنْ هَذا ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: (ألَمْ تَعْلَمْ) بِمَعْنى أعَلِمْتَ.

والثّانِي: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّقْرِيرِ، لا مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ.

كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ  ﴾ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّقْرِيرِ لا مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ.

والثّالِثُ: أنَّ هَذا الخِطابَ لِلنَّبِيِّ  ، والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ، ألا تَراهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن عدي وابن عساكر عن ابن عباس قال: «كان مما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنزل الله: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ﴾ .

وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: قرأ رجلان من الأنصار سورة أقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانا يقرآن بها، فقاما يقرآن ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا غاديين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنها مما نسخ أو نسي فالهوا عنه، فكان الزهري يقرأها ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها ﴾ بضم النون خفيفة» .

وأخرج البخاري والنسائي وابن الأنباري في المصاحف والحاكم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال عمر: اقرأنا أبي، واقضانا علي، وإنا لندع شيئاً من قراءة أبي، وذلك أن أبياً يقول: لا أدع شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله ﴿ ما ننسخ من آية أو ننساها ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه وابنه في المصاحف والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن سعد بن أبي وقاص أنه قرأ ﴿ ما ننسخ من آية أو ننساها ﴾ فقيل له: إن سعيد بن المسيب يقرأ ﴿ ننسها ﴾ قال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا آل المسيب، قال الله: ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ [ الأعلى: 6] .

﴿ واذكر ربك إذا نسيت ﴾ [ الكهف: 24] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله ﴿ ما ننسخ من آية أو ننساها ﴾ يقول: ما نبدل من آية أو نتركها لا نبدلها ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ يقول: خير لكم في المنفعة وأرفق بكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: خطبنا عمر فقال: يقول الله ﴿ ما ننسخ من آية أو ننساها ﴾ أي نؤخرها.

وأخرج ابن الأنباري عن مجاهد، أنه قرأ ﴿ أو ننساها ﴾ .

وأخرج أبو داود في ناسخه عن مجاهد قال في قراءة أبي ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسك ﴾ .

وأخرج آدم بن أبي أياس وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد عن أصحاب ابن مسعود في قوله: ﴿ ما ننسخ من آية ﴾ قال: نثبت خطها ونبدل حكمها ﴿ أو ننساها ﴾ قال: نؤخرها عندنا.

وأخرج آدم وابن جرير والبيهقي عن عبيد بن عمير الليثي في قوله: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننساها ﴾ يقول: أو نتركها، نرفعها من عندهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك قال: في قراءة ابن مسعود ﴿ ما ننسك من آية أو ننسخها ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن قتادة قال: كانت الآية تنسخ الآية، وكان نبي الله يقرأ الآية والسورة وما شاء الله من السورة ثم ترفع فينسيها الله نبيه، فقال الله يقص على نبيه ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ﴾ يقول: فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي.

وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس قال: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ ثم قال: ﴿ وإذا بدلنا آية مكان آية ﴾ [ النحل: 101] وقال: ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾ [ الرعد: 39] .

وأخرج أبو داود وابن جرير عن أبي العالية قال: يقولون ﴿ ما ننسخ من آية أو ننساها ﴾ كان الله أنزل أموراً من القرآن ثم رفعها.

فقال: ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ أو ننسها ﴾ قال: إن نبيكم صلى الله عليه وسلم أقرئ قرآناً ثم أنسيه، فلم يكن شيئاً ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرأونه.

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف وأبو ذر الهروي في فضائله عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف «إن رجلاً كانت معه سورة فقام من الليل فقام بها فلم يقدر عليها، وقام آخر بها فلم يقدر عليها، وقام آخر بها فلم يقدر عليها، فأصبحوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا عنده فأخبروه، فقال: إنها نسخت البارحة» .

وأخرج أبو داود في ناسخه والبيهقي في الدلائل من وجه آخر عن أبي أمامة «أن رهطاً من الأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه أن رجلاً قام من جوف الليل يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها، فلم يقدر منها على شيء إلا بسم الله الرحمن الرحيم، ووقع ذلك لناس من أصحابه، فأصبحوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السورة، فسكت ساعة لم يرجع إليهم شيئاً ثم قال: نسخت البارحة فنسخت من صدورهم ومن كل شيء كانت فيه» .

وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود في ناسخه وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والبيهقي في الدلائل عن أنس قال: أنزل الله في الذين قتلوا ببئر معونة قرآناً قرأناه حتى نسخ بعد أن بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا.

وأخرج مسلم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن أبي موسى الأشعري قال: كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها، غير أني حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوفه إلا التراب.

وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات، أولها سبح لله ما في السموات فأنسيناها، غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون.

فتكتب شهادة في أعناقكم، فتسألون عنها يوم القيامة.

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الضريس عن أبي موسى الأشعري قال: نزلت سورة شديدة نحو براءة في الشدة ثم رفعت، وحفظت منها: إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم.

وأخرج ابن الضريس: ليؤيدن الله هذا الدين برجال ما لهم في الآخرة من خلاق، ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، إلا من تاب فيتوب الله عليه والله غفور رحيم.

وأخرج أبو عبيد وأحمد والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي واقد الليثي قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوحى إليه أتيناه فعلمنا ما أوحي إليه، قال: فجئته ذات يوم فقال: إن الله يقول: إنا أنزلنا المال لإِقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو أن لابن آدم وادياً لأحب أن يكون إليه الثاني، ولو كان له الثاني لأحب أن يكون إليهما ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» .

وأخرج أبو داود وأحمد وأبو يعلى والطبراني عن زيد بن أرقم قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة لابتغى الثالث ولا يملأ بطن ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب» .

وأخرج أبو عبيد وأحمد عن جابر بن عبدالله قال: كنا نقرأ: لو أن لابن آدم ملء واد مالا لأحب إليه مثله، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.

وأخرج أبو عبيد والبخاري ومسلم عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أن لابن آدم ملء واد مالا لأحب أن له إليه مثله، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.

قال ابن عباس: فلا أدري أمن القرآن هو أم لا» .

وأخرج البزار وابن الضريس عن بريدة «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة: لو ان لابن آدم وادياً من ذهب لابتغى إليه ثانياً، ولو أعطي ثانياً لابتغى ثالثاً، لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» .

وأخرج ابن الأنباري عن أبي ذر قال: في قراءة أبي بن كعب: ابن آدم لو أعطي وادياً من مال لابتغى ثانياً ولالتمس ثالثاً، ولو أعطي واديين من مال لالتمس ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.

وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس قال: كنا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم، وإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد وابن حبان عن عمر بن الخطاب قال: «إن الله بعث محمداً بالحق وأنزل معه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فرجم ورجمنا بعده، ثم قال: قد كنا نقرأ: ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم» .

وأخرج الطيالسي وأبو عبيد والطبراني عن عمر بن الخطاب قال: كنا نقرأ فيما نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم، ثم قال لزيد بن ثابت: أكذلك يا زيد؟

قال: نعم.

وأخرج ابن عبد البر في التمهيد من طريق عدي بن عدي بن عمير بن قزوة عن أبيه عن جده عمير بن قزوة.

أن عمر بن الخطاب قال لأبي: أو ليس كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: إن انتفاءكم من آبائكم كفر بكم؟

فقال: بلى.

ثم قال: أو ليس كنا نقرأ: الولد للفراش وللعاهر الحجر.

فيما فقدنا من كتاب الله؟

فقال أبي: بلى.

وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وابن الأنباري عن المسور بن مخرمة قال: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد فيما أنزل علينا: أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة.

فإنا لا نجدها؟

قال: أسقطت فيما أسقط من القرآن.

وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عمر قال: لا يقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله، ما يدريه ما كله؟

قد ذهب منه قرآن كثير ولكن ليقل: قد أخذت ما ظهر منه.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن الأنباري والبيهقي في الدلائل عن عبيدة السلماني قال: القراءة التي عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الذي قبض فيه هذه القراءة التي يقرأها الناس، التي جمع عثمان الناس عليها.

وأخرج ابن الأنباري وابن اشتة في المصاحف عن ابن سيرين قال: كان جبريل يعارض النبي صلى الله عليه وسلم كل سنة في شهر رمضان، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه مرتين، فيرون أن تكون قراءتنا هذه على العرضة الأخيرة.

وأخرج ابن الأنباري عن أبي ظبيان قال: قال لنا ابن عباس: أي القراءتين تعدون أول؟

قلنا: قراءة عبدالله وقراءتنا هي الأخيرة.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان يعرض عليه جبريل القرآن كل سنة مرة في شهر رمضان، وأنه عرضه عليه في آخر سنة مرتين، فشهد منه عبدالله ما نسخ وما بدل» .

وأخرج ابن الأنباري عن مجاهد قال: قال لنا ابن عباس: أي القراءتين تعدون أول؟

قلنا: قراءة عبدالله.

قال فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرض القرآن على جبريل مرة، وإنه عرضه عليه في آخر سنة مرتين، فقراءة عبدالله آخرهن.

وأخرج ابن الأنباري عن ابن مسعود قال: كان جبريل يعارض النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن في كل سنة مرة، وأنه عارضه بالقرآن في آخر سنة مرتين، فأخذته من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك العام.

وأخرج ابن الأنباري عن ابن مسعود قال: لو أعلم أحداً أحدث بالعرضة الأخيرة مني لرحلت إليه.

وأخرج الحاكم وصححه عن سمرة قال: عرض القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عرضات، فيقولون: إن قراءتنا هذه هي العرضة الأخيرة.

وأخرج أبو جعفر النحاس في ناسخه عن أبي البختري قال: دخل علي بن أبي طالب المسجد فإذا رجل يخوّف فقال: ما هذا؟!

فقالوا: رجل يذكر الناس.

فقال: ليس برجل يذكر الناس ولكنه يقول أنا فلان بن فلان فاعرفوني، فأرسل إليه فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟

فقال: لا.

قال: فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه.

وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ والمنسوخ والبيهقي في سننه عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: مر علي بن أبي طالب برجل يقص فقال: أعرفت الناسخ والمنسوخ؟

قال: لا.

قال: هلكت وأهلكت.

وأخرج النحاس والطبراني عن الضحاك بن مزاحم قال: مر ابن عباس بقاص يقص فركله برجله وقال: أتدري الناسخ والمنسوخ؟

قال: لا.

قال: هلكت وأهلكت.

وأخرج الدارمي في مسنده والنحاس عن حذيفة قال: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: رجل يعلم ناسخ القرآن من منسوخه وذلك عمر، ورجل قاض لا يجد من القضاء بداً، ورجل أحمق متكلف، فلست بالرجلين الماضيين، فأكره أن أكون الثالث.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ ﴾ هو استفهام معناه التوقيف والتقرير (١) (٢) أي: أنتم كذلك.

وقوله تعالى: ﴿ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ الملك: تمام القدرة واستحكامها (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ وَلِيٍّ ﴾ هو فعيل بمعنى الفاعل (٥) (٦) وشرحنا (٧) ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ ومعنى: ﴿ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ تحذير العباد من عذابه، إذ لا مانع منه (٨) (١) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 191، وينظر: "الوسيط" 1/ 190.

(٢) عجزالبيت: وأندى العالمين بطون راح وهو لجرير، في "ديوانه" ص 85، وفي "المجموع شرح المهذب"10/ 298، "المعجم المفصل" 2/ 133، وانظر 2/ 363.

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 191، وينظر: "الوسيط" 1/ 190.

(٤) نفسه.

(٥) انظر: "البحر المحيط" 1/ 345.

(٦) ينظر: "الوسيط" 1/ 190.

(٧) يعنى: سيأتي شرحه.

(٨) ينظر: "الوسيط" 1/ 190.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَا نَنسَخْ ﴾ نزل حكمه ولفظه أو أحدهما، وقرئ بضم النون أن نأمر بنسخه ﴿ أَوْ نُنسِهَا ﴾ من النسيان، وهو ضدّ الذكر: أي ينساها النبي صلى الله عليه وسلم بإذن الله كقوله: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى ﴾ [الأعلى: 6] أو بمعنى الترك: أي نتركها غير منزلة: أي غير منسوخة، وقرئ بالهمز بمعنى التأخير: أي نؤخر إنزالها أو نسخها ﴿ بِخَيْرٍ ﴾ في خفة العمل، أو في الثواب ﴿ قَدِيرٌ ﴾ استدلال على جواز النسخ لأنه من المقدورات، خلافاً لليهود لعنهم الله فإنهم أحالوا على الله.

وهو جائز عقلاً، وواقع شرعاً فكما نسخت شريعتهم ما قبلها، نسخها ما بعدها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ما ننسخ ﴾ بضم النون وكسر السين: ابن ذكوان ﴿ ننسأها ﴾ مهموزاً: ابن كثير وأبو عمرو غير أوقية، وروى أوقية بغير همز، الباقون: ننسها من الإنساء ﴿ نأت بخير ﴾ بغير همز: أبو عمرو غير إبراهيم بن حماد ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف، الباقون وإبراهيم بن حماد بالهمزة لأنه جواب الشرط، ومن شرطه أن يهمز كل ما كان نسقاً أي عطفاً على المجزوم أو جواباً للمجزوم كل القرآن مثل قوله عز وجل ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم ﴾ وقوله ﴿ ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ﴾ وأشباه ذلك ﴿ فقد ضل ﴾ بالإظهار: حجازي غير ورش وعاصم غير الأعشى، وكذلك يظهرون الدال عند الذال والظاء حيث وقعتا مثل قوله  : ﴿ فقد ظلم ﴾ ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ وأشباه ذلك.

الوقوف: ﴿ واسمعوا ﴾ (ط) ﴿ أليم ﴾ (ه) ﴿ من ربكم ﴾ (ط) ﴿ من يشاء ﴾ (ط) ﴿ العظيم ﴾ (ه) ﴿ أو مثلها ﴾ (ط) ﴿ قدير ﴾ (ه) ﴿ والأرض ﴾ (ط) ﴿ ولا نصير ﴾ (ه) ربع الجزء ﴿ ومن قبل ﴾ (ط) ﴿ السبيل ﴾ (ه).

التفسير: لما شرح الله  قبائح أفعال السلف من اليهود، شرع في قبائح أخلاق المعاصرين لرسول الله  وجدّهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه، واعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن.

قال ابن عباس: وكان يخاطب في التوراة بـ "يا أيها المساكين" فكأنه  لما خاطبهم أولاً بالمساكين أثبت لهم المسكنة آخراً حيث قال ﴿ وضربت عليهم الذلة والمسكنة  ﴾ وهذا يدل على أنه تعالى لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أوّلاً فإنه  يعطيهم الأمان من العذاب آخراً ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً  ﴾ ، ولا سيما فإن المؤمن اسم من أسمائه العظام، ففيه دليل على أنه  يقرّبهم منه في دار السلام.

وقيل: آمنوا على الغيبة نظراً إلى المظهر وهو "الذين" ولو قيل آمنتم نظراً إلى النداء جاز من حيث العربية، ثم إنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع الله من إحداهما ويأذن في الأخرى ومن هنا قال الشافعي: لا تصح الصلاة بترجمة الفاتحة عربية كانت أو فارسية.

فلا يبعد أن يمنع الله من قول ﴿ راعنا ﴾ ويأذن في قول ﴿ انظرنا ﴾ وإن كانا مترادفين.

ولكن جمهور المفسرين على أنه  إنما منع من قول ﴿ راعنا ﴾ لاشتماله على مفسدة.

ثم ذكروا وجوهاً منها: أن المسلمين كانوا يقولون لرسول الله  إذا ألقي عليهم شيئاً من العلم راعنا يا رسول الله، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي "راعينا" ومعناها "اسمع لا سمعت" كما صرح بذلك في سورة النساء ﴿ ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا  ﴾ فإن الجميع كأنها متقاربة فلما سمعوا المسلمين يقولون "راعنا" افترصوه وخاطبوا به الرسول وهم يعنون المسبة، فنهى المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى وهي ﴿ انظرنا ﴾ .

روي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده إن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله  لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟

فنزلت، ومنها قال قطرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز كانوا يقولونها عند الهزء والسخرية فلا جرم نهى الله عنها، وقيل: إن اليهود كانوا يقولون "راعينا" أي أنت راعي غنمنا فنهاهم عنه.

وقيل: إن هذه اللفظة لكونها من باب المفاعلة، تدل علىالمساواة بين المتخاطبين كأنهم قالوا: أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا فنهوا عنه ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً  ﴾ وقيل: "راعنا" خطاب مع الاستعلاء أي راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره، وليس في ﴿ انظرنا ﴾ إلا سؤال الانتظار.

وقيل: إنها تشبه اسم الفاعل من الرعونة والحمق، فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر كقولهم "عائذاً بك" أي أعوذ عياذاً.

فقولهم ﴿ راعنا ﴾ أي فعلت رعونة، ويحتمل أنهم أرادوا صرت راعنا أي ذا رعونة، فلمكان هذه الوجوه الفاسدة نهى الله عنها، وقيل: المراد لا تقولوا قولاً راعناً أي منسوباً إلى الرعن كدارع ولابن، ومنه قراءة الحسن ﴿ راعناً ﴾ بالتنوين.

وانظرنا من نظره إذا انتظره ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم  ﴾ أمرهم الله  أن يسألوه  الإمهال لينقلوا عنه فلا يحتاجون إلى الاستعادة كأنهم قالوا له: توقف في كلامك وبيانك مقدار ما يصل إلى أفهامنا.

وهذا القدر غير خارج عن قانون الأدب فقد يلتمسه المتعلم حرصاً منه على أن لا يفوت منه شيء من الفوائد وإن كان المعلم غير مهمل دقائق التفهيم والإرشاد من التثبت والتأني والإعادة إن احتيج إليها ونحو ذلك.

وقيل: انظرنا معناه انظر إلينا مثل ﴿ واختار موسى قومه  ﴾ أي من قومه.

والغرض أن المعلم إذا نظر إلى المتعلم كانت إفاضته عليه أظهر وأقوى.

وفي قراءة أبيّ ﴿ انظرنا ﴾ من النظرة أي أمهلنا حتى نحفظه.

﴿ واسمعوا ﴾ معناه أحسنوا سماع كلام نبيكم بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة، أو اسمعوا سماع قبول وطاعة لا كاليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا، أو اسمعوا ما أمرتم به ولا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه من قول راعنا، وللكافرين ولليهود الذين تهاونوا برسول الله  وسبوه عذاب أليم قوله ﴿ ما يود ﴾ الآية.

"من" الأولى للبيان، لأن ﴿ الذين كفروا ﴾ جنس تحته نوعان: أهل الكتاب والمشركون.

كقوله ﴿ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين  ﴾ "ولا" مزيدة لتأكيد النفي وقرئ ﴿ ولا المشركون ﴾ والثانية مزيدة لاستغراق الخير فـ ﴿ أن ينزل ﴾ في سياق النفي: فمعنى ما يود أن ينزل يود أن لا ينزل.

والثالثة لابتداء الغاية، والخير الوحي وكذلك الرحمة ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك  ﴾ والمعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي، ولا أثر لهذا الحسد فإن الله يختص بالنبوة من يشاء ولا يكون إلا ما يشاء، وما يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة.

﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ والفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة، والإفضال والإحسان، وفيه إشعار بأن إيتاء النبوة من غاية الإحسان وأنهار شحة من بحار كماله ﴿ إن فضله كان عليك كبيراً  ﴾ .

قوله عز من قائل ﴿ وما ننسخ من آية ﴾ نوع ثان من تقرير مطاعن اليهود خذلهم الله في الإسلام.

روي أنهم قالوا: ألا ترون إلى محمد  يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً فنزلت.

وفي الآية مسائل: الأولى: النسخ لغة هو الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته.

والنقل أيضاً وهو أ ن يغير الشيء في صفته وحاله مع بقائه في نفسه، ومنه نسخت الكتاب، والمناسخات في المواريث لانتقال التركة من قوم إلى قوم.

فقيل مشترك بينهما، وقيل حقيقة في الأول مجاز في الثاني، وقيل بالعكس.

وفي الاصطلاح: هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر، فيخرج المباح بحكم الأصل إذا ورد الشرع بضده رافعاً لإباحته فإنه لا يسمى نسخاً إذ ليس رفع حكم شرعي ويخرج أيضاً الرفع بالنور والغفلة لأن ذلك الرفع ليس بمجرد الدليل الشرعي وهو "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" ونحوه، بل يقتضيه العقل أيضاً بخلاف الرفع بنحو "دعي الصلاة أيام أقرائك" فإنه لا مجال للعقل فيه.

ويخرج الرفع بنحو "صم إلى آخر الشهر" فإن "إلى" أوجبت مخالفة حكم ما بعدها لما قبلها إلا أنها لا تسمى نسخاً لأنه ليس متأخراً، ويمكن أن يقال: إن قيد متأخر إنما ينبغي أن يذكر لأن دليل النسخ لا يكون إلا كذلك.

ونحو "صم إلى كذا" وأمثاله من أنواع التخصيص متصلاً كان أو منفصلاً، إنما خرج بقيد الرفع لأن رفع الحكم إنما يكون بعد إرادة حصوله على المكلف، والتخصيص ليس كذلك لأن صورة التخصيص غير مرادة من اللفظ بل التخصيص مبين لمراد الشارع من العام.

ونعني بالحكم ههنا ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن، فإن الوجوب المشروط بالعقل الذي هو مناط التكليف لم يكن حاصلاً عند انتفاء العقل والموقوف على الحادث حادث.

وإذا كان المراد بالحكم هذا فلا يرد قول المعتزلة الحكم عندكم قديم فكيف يرتفع؟

وذلك أنا عنينا بالحكم تعلق الخطاب بعدما لم يتعلق وهذا محدث يرتفع.

وأيضاً نقطع بأنه إذا ثبت تحريم شيء بعد وجوبه انتفى الوجوب الثابت أولاً وهو المعنى بالرفع، ويحسن أيضاً أن يقال: النسخ بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخ، فيخرج بقولنا "شرعي" بيان انتهاء حكم عقلي كالبراءة الأصلية، و"بطريق شرعي" يخرج به بيان انتهاء الحكم الشرعي بطريق عقلي كانتساخ القيام عمن ينكسر رجله.

وقولنا "متراخ" ليخرج التخصيص بالغاية.

ومن هذا يعلم تعريف الناسخ والمنسوخ، ومعنى بيان انتهاء الحكم أن الخطاب السابق له غاية في علم الله  ، فإذا انتهى إلى تلك الغاية زال بذاته، ثم ورد الخطاب اللاحق بياناً لذلك.

المسألة الثانية: انعقد الإجماع من أكثر أرباب الشرائع ومن المسلمين خاصة على جواز النسخ عقلاً وعلى الوقوع شرعاً، وخالف اليهود في الجواز، وأبو مسلم الأصفهاني من المسلمين في الوقوع لا الجواز.

لنا القطع بالجواز ضرورة فإن له  أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير النظر إلى حكمة ومصلحة، وإن اعتبرت المصالح فالقطع أن المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات فهذا ما يدل على جواز النسخ.

وفي التوراة أنه أمر آدم بتزويج بناته من بنيه وقد حرم ذلك في شريعة من بعده باتفاق، وهذا ما يدل على وقوعه، وكيف لا وقد ثبت بالدلائل القاطعة والمعجزات الباهرة نبوته محمد  ، وبصحة نبوته يلزم نسخ شرع من قبله.

ولم يكن لليهود والنصارى نص صريح يعلم منه أمد شرعهم على التعيين حتى يلزم أن يكون شرع نبينا انتهاء غاية لا نسخاً.

حجة اليهود لو نسخت شريعة موسى لبطل قول موسى المتواتر "هذه شريعة مؤبدة عليكم بها ما دامت السموات والأرض" وأيضاً إن كان نسخ الحكم الشرعي لحكمة ظهرت له  لم تكن ظاهرة فهو البداء وإلا فعبث وكلاهما محال على الله  ، إذ البداء عبارة عن الظهور بعد الخفاء والعبث فعل لا يستتبع غاية.

والجواب عن الأول المنع من أنه قول موسى  ، ويؤكده أنه لو كان هذا القول صحيحاً عندهم لقضت العادة بقوله لرسولنا  ولحاجوه بذلك، لكن اليهود لم يتمسكوا به في عهده فدل ذلك على أنه إفك افتراه المتأخرون منهم.

وعن الثاني بعد تسليم اعتبار المصالح أنها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال كمنفعة شرب دواء في حال وضرره في آخر، بل الزمان الممتد من الأزل إلى الأبد قد وزع أجزاؤه فيما لم يزل على الجزئيات الواقعة فيها الصادرة شيئاً فشيئاً بحسب وقت وقت لا لمصلحة تعود إليه  بل لما هو أصلح بالنسبة إلى المتزمنات.

فالظهور والخفاء والسابق واللاحق، والإعدام والإيجاد، كلها بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إلى حضرة الواجب جل ذكره فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين.

والحاصل أن كل حكم فله غاية في علم الله  ، ولكن قد يظن المكلف استمراره في الاستقبال من قرائن الأحوال، فإذا ورد ما يبين أمده ونص له على زواله فذلك الوارد ناسخ والأول منسوخ والورود نسخ، وكل هذه التجددات بالنسبة إلى المكلف، وأما بالإضافة إليه  فكل من الحكمين موجود في وقته الذي قدر له فيه الظهور متقدماً أحدهما ومتأخراً الآخر.

وليس هذا في الأحكام فقط وإنما ذلك في كل حادث، فمن تأمل نسخة الوجود ونسب الحوادث المتفاوتة بعضها إلى بعض بالتقدم والتأخر والمعية، وجد وجوداتها المترتبة أشبه شيء بكتاب يقرؤه القارئ سطراً بعد سطر، وكلمة تلو كلمة، إذا انقضى مجموع من ذلك تلاه مجموع آخر حسب ما رتبه الحكيم العليم بمبادئه ومقاطعه، فالمنقضي في حكم المحو، والتالي في حكم الإثبات، والهيئة الاجتماعية بدون اعتبار التلاوة المستلزمة لانقضاء شيء وظهور ما يعقبه هي أم الكتاب، وهذا سر قوله عز من قائل ﴿ يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب  ﴾ ولك أن تعبر عن المجموع الدفعي بالقضاء وعن ظهوره التدريجي بالقدر وفي هذا القدر كفاية للفطن المستبصر.

المسألة الثالثة: اتفقوا على وقوع النسخ في القرآن بوجوه: أحدها: هذه الآية أعني ما ننسخ من آية.

وأجاب أبو مسلم بأن المراد بالآيات المنسوخة الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله عنا وتعبدنا بغيره، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأبطل الله ذلك عليهم بهذه الآية.

وأيضاً لعل المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ وتحويله عنه إلى سائر الكتب.

وأيضاً إن ما ههنا يفيد الشرط والجزاء، وكما أن قولك "من جاءك فأكرمه" لا يدل على حصول المجيء بل على أنه متى جاء وجب الإكرام، فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه وثانيها: الاعتداد بالحول في قوله ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول  ﴾ نسخ بأربعة أشهر وعشر في قوله ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً  ﴾ أجاب أبو مسلم بأن الاعتداد بالحول ما زال بالكلية لأنها لو كانت حاملاً ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولاً كاملاً، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان ذلك تخصيصاً لا نسخاً.

ورد بأن عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل سواء حصل وضع الحمل بسنة أو أقل أو أكثر، فجعل السنة مدة للعدة يكون زائلاً بالكلية.

وثالثها: ﴿ إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة  ﴾ منسوخة بالاتفاق، أجاب بأنه زال لزوال سببه، لأن سبب التعبد بها أن يمتاز المنافقون عن المؤمنين.

ورد بأنه يلزم منه أن من لم يتصدق كان منافقاً وهو باطل، لما روي أنه لم يتصدق غير علي  ، وبدليل ﴿ فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم  ﴾ ورابعها: الأمر بثبات الواحد للعشرة في قوله ﴿ فإن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين  ﴾ ثم نسخ ذلك بقوله ﴿ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين  ﴾ وخامسها: تحويل القبلة.

قال أبو مسلم: حكم تلك القبلة ما زال بالكلية لجواز التوجه إليه عند الإشكال، أو مع العلم إذا كان هناك عذر.

ورد بأن بيت المقدس وسائر الجهات في ذلك سواء.

وسادسها: ﴿ وإذا بدلنا آية مكان آية  ﴾ والتبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما التلاوة وإما الحكم.

وكيفما كان فهو رفع ونسخ، فهذه الدلائل وأمثالها تدل على وقوع النسخ في الجملة.

حجة أبي مسلم ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه  ﴾ والجواب أن الضمير للمجموع، وأيضاً نسخة بالنسبة إلى المكلف لا ينافي حقيته في نفسه وكونه قرآناً عربياً.

المسألة الرابعة: المنسوخ إما أن يكون هو الحكم فقط كالآيات المعدودة، أو التلاوة فقط كما يروى عن عمر أنه قال: كنا نقرأ آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم" وروي "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب"، أو الحكم والتلاوة معاً كما روي عن عائشة "كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات ثم نسخن بخمس" فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعاً، والخمس مرفوع التلاوة باقي الحكم.

ويروى أن سورة الأحزاب كانت بمنزلة السبع الطوال أو أزيد ثم وقع النقصان.

ولنرجع إلى تفسير الآية ﴿ ما ننسخ ﴾ محمول على نسخ الحكم وإزالته دون التلاوة، أو ننسها على نسخ الحكم والتلاوة جميعاً.

وإنساؤها أن يذهب بحفظها عن القلوب وذلك بأن تخرج من جملة ما يتلى ويقرأ في الصلاة، أو يحتج به، فإذا زال حكم التعبد به وطال العهد نسي، وإن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد، فتصير بهذا الوجه منسية من الصدور أو يكون ذلك معجزة له  كما يروى أنهم كانوا يقرأون السورة فيصبحون وقد نسوها.

قال عز من قائل ﴿ سنقرئك فلا تنسى.

إلا ما شاء الله  ﴾ وإنساخ الآية الأمر بنسخها وهو أن يأمر جبريل بأن يجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها، ونسؤها تأخيرها وإذهابها لا إلى بدل.

وقيل: ما ننسخ من آية أي نبدلها إما بأن نبدل حكمها فقط، أو تلاوتها فقط، أو نبدلهما، أو ننسها نتركها كما كانت ولا نبدلها، لأن النسيان قد يجيء بمعنى الترك.

وقيل: ما ننسخ من آية ما نرفعها بعد إنزالها أو ننسأها بالهمزة نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ، أو نؤخر نسخها فلا ننسخها في الحال فإنا ننزل بدلها ما يقوم مقامها في المصلحة.

ولا يخفى أن قوله ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ لا ينطبق على هذين القولين كما ينبغي.

ومعنى الآية عند جمهور المفسرين آية القرآن، وعند أبي مسلم التوراة والإنجيل كما مر.

وقد عرفت أنه يمكن حملها على معنى أعم، فكل مجموع من الوجود في كل زمان من الأزمنة آية من صحيفة المخلوقات، وكل فرد من ذلك المجموع كلمة من كلمة الله ﴿ قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي  ﴾ ومعنى ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ إن حملنا الآية على ما يتضمن حكماً على المكلف أن الثاني أخف أو أصلح بالنسبة إلى وقته كما أن الأول كان أصلح بالإضافة إلى وقته.

فالثاني خير بالنسبة إلى وقته، ومثل الأول بالنسبة إلى وقته، أو يراد أن العمل بالثاني أكثر ثواباً من العمل بالأول أو مساوٍ له، فكل منهما قد تقتضيه الحكمة دون ما هو أقل ثواباً، وإن حملنا الآية على غير ذلك فيتعين الأصلح.

قال أهل الإشارة أراد بالنسخ نقل السالك وترقيه من حال إلى حال أعلى منه، وإن غصن استكمالهم أبداً ناضر، ونجم وصالهم دائماً زاهر، فلا ينسخ من آثار عباداتهم شيء إلا أبدل منها أشياء من أنوار العبودية، ولا ينسخ شيء من أنوار العبودية إلا أقيم مكانها أشياء من أقمار الربوبية.

وأيضاً إنهم يشاهدون بعض الوقائع الشريفة في الصور اللطيفة كسبتها المتخيلة بحسب صفاء الوقت وعلو المقام، فلما ارتقوا إلى مقام آخر لا يشاهدون ذلك بتلك المشاهدة، فيظن السالك الغر أنه حجب عن ذلك المقام أو الحال، فقيل: ما ننسخ من آية من آيات المقامات، أو ننسها بأن نمحوها من إدراك الخيال، نأت بخير من تلك المشاهدة أو مثلها.

ثم الأئمة استنبطوا من الآية مسائل: الأولى: زعم قوم أنه لا يجوز نسخ الحكم لا إلى بدل لقوله ﴿ نأت بخير منها أو مثلها ﴾ والجمهور على خلافه لأن الآية لا تدل إلا على وجوب الإتيان بآية أخرى، أما على وجوب الإتيان بحكم آخر فلا.

سلمنا لكنه مخصوص بنسخ تقديم الصدقة بين يدي النجوى، وبنسخ وجوب الإمساك بعد الفطر من غير بدل.

سلمنا عدم تخصيصه لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك البدل عدم الحكم الذي رفع بالنسخ ويكون نسخه بغير بدل وجودي خيراً للمكلف لمصلحة علمت.

الثانية: زعم قوم أن النسخ لا يجوز بأثقل، لأن الأثقل لا يكون خيراً منه ولا مثله.

وردّ الجمهور عليهم بأن المراد كثرة الثواب وذلك لا ينافي كونه أثقل "أجرك على قدر نصبك" وأيضاً قد وقع كنسخ التخيير بين الصوم والفدية بالصوم حتماً، وصوم عاشوراء برمضان، والحبس في البيوت للزاني بالحد.

وأما النسخ إلى الأخف فكنسخ العدة من الحول إلى أربعة أشهر وعشر، وكنسخ صلاة الليل إلى التخيير فيها.

وأما نسخ الشيء إلى المثل فكالتحويل من بيت المقدس إلى الكعبة.

الثالثة: عن الشافعي أن الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة لقوله ﴿ نأت بخير منها ﴾ وذلك يدل على أن المأتي به من جنسه كما إذا قال الإنسان "ما آخذ منك من ثوب آتك بخير منه" يفيد أنه يأتيه بثوب من جنسه خير منه، وجنس القرآن قرآن.

وأيضاً ﴿ نأت ﴾ يدل على أن الآتي هو الله لا الرسول.

وأيضاً المأتي به خير والسنة لا تكون خيراً من القرآن.

وأيضاً قوله ﴿ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ دل على أن الآتي بذلك الخير هو القادر على جميع الخيرات وعلى تصريف المكلف تحت مشيئته وإرادته، لا دافع لما أراد ولا مانع لما شاء وذلك هو الله  .

وأجيب بأن قوله ﴿ نأت بخير منها ﴾ ليس فيه أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخاً، بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئاً مغايراً للناسخ يحصل بعد حصول النسخ وذلك أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ الآية الأولى، فلو كان نسخ تلك الآية مرتباً على الإتيان بذلك الخير لزم الدور.

قلت: ويمكن دفع الدور بأن يقال: المراد ما أردنا نسخها من آية نأت بخير منها حتى ننسخها.

ثم احتج الجمهور على وقوع نسخ الكتاب بالسنة بأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله "ألا لا وصية لوارث" وبأن آية الجلد صارت منسوخة بخبر الرجم.

أجاب الشافعي: بأن كون الميراث حقاً للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية، فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية، ولعل الرجم إنما ثبت بقوله  "الشيخ والشيخة" الخ.

﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ فهو يدبر الأمور ويجريها على حسب المصالح، وهو أعلم بما يتعبد المكلفين به من ناسخ ومنسوخ.

والخطاب في ﴿ ألم تعلم ﴾ إما للنبي  فتدخل الأمة تبعاً، أو لكل من له أهلية الخطاب.

ومعنى الاستفهام فيه التقرير والإثبات لظهور آثار قدرته ووضوح آيات ملكه وسلطانه.

وقيل: إشارة إلى ما شاهد ليلة المعجزات بعين اليقين ثم علمها حق اليقين، فترقى من رؤية الآيات إلى كشف الصفات، ومن كشف الصفات إلى عيان الذات، ثم نسخت عن الخيال وأثبتت في العيان.

والولي ضد العدو، وكل من ولي أمر واحد فهو وليه، فعيل بمعنى فاعل وكذا النصير.

والواو في ﴿ وما لكم ﴾ يحتمل أن تكون للاعتراض فلا محل للجملة، ويحتمل أن تكون للعطف على ﴿ له ملك السموات ﴾ فيدخل تحت الاستفهام، ويكون قوله ﴿ من دون الله ﴾ من وضع الظاهر موضع الضمير ولا يوقف على ﴿ والأرض ﴾ .

﴿ أم تريدون ﴾ قيل: الخطاب للمسلمين لقوله ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإيمان ﴾ وهذا لا يصح إلا في حق المؤمنين، ولأن "أم" للعطف ولا معطوف ظاهراً.

فالتقدير: وقولوا انظرنا واسمعوا، فهل تفعلون هذا كما أمرتم ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم ﴾ ولأنه سأل قوم من المسلمين أن يجعل  لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها المأكول والمشروب كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة وهذا قول الأصم والجبائي وأبي مسلم.

وقيل: إنه خطاب لأهل مكة وهو قول ابن عباس ومجاهد إن عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله  في رهط من قريش فقال: يا محمد، ما أؤمن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك بعد ذلك حتى تنزل علينا كتاباً من الله إلى عبد الله بن أمية أن محمداً رسول الله فاتبعوه.

فقال له بقية الرهط: فإن لم تستطع ذلك فأتنا بكتاب من عند الله جملة واحدة فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند الله كما سأله السبعون، وعن مجاهد: أن قريشاً سألت محمداً  أن يجعل الله لهم الصفا ذهباً.

فقال: نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا.

وقيل: المراد اليهود لأن هذه السورة من أول قوله ﴿ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي ﴾ حكاية عنهم ومحاجة معهم، ولأن الآية مدنية، ولأنه جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأل ما يتبدل كفراً بإيمان، وليس في ظاهر الآية أنهم أتوا بالسؤال فضلاً عن كيفية السؤال، بل المرجع فيه إلى الروايات المذكورة.

وههنا بحث وهو أن السؤال الذي ذكروه إن كان طلباً للمعجزات فمن أين أنه كفر؟

ومعلوم أن طلب الدليل علىالشيء لا يكون كفراً وإن كان ذلك طلباً لوجه الحكمة التفصيلية في نسخ الأحكام، فهذا أيضاً لا يكون كفراً فإن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلق البشر ولم يكن ذلك كفراً.

فالتفكير إما لأنهم طلبوا منه  أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة، وإما لأنهم طلبوا المعجزات على وجه التعنت واللجاج.

قلت: والأصوب في الآية أن يكون ﴿ أم تريدون ﴾ معطوفاً على ﴿ ألم تعلم ﴾ على أنه خطاب لكل مكلف، فيكون في معنى الجمع.

ثم "أم" إما أن تكون متصلة على معنى أي الأمرين كائن فإن العلم واقع بكون أحدهما لأنه إما أن لا يعلم نفوذ علمه وقدرته وأن الكل تحت قدرته وقهره وتسخيره، وإما أن يعلم فيسأل وجه الحكمة في النسخ وغيره على سبيل العناد وكلا الأمرين يوجب التكفير.

أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن المعترف بحكمته البالغة وعنايته الشاملة ورأفته الكاملة وقدرته الظاهرة من حقه أن يقتصر على علمه الإجمالي ولا يتخطى مقام الأدب في البحث والتفتيش عن تفاصيل حكمته التي لا تكاد تنحصر.

ويوهم أن السائل في شك مما أمر به أو نهي عنه، وعلى هذا لا يوقف على نصير.

وإما منقطعة على أنه أضرب عن الاستفهام الأول واستأنف استفهاماً ثانياً، ويحتمل أن لا يكون قوله ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإيمان ﴾ حكماً بتكفيرهم بسبب السؤال بل يكون تنبيهاً للمكلفين، على أن السؤال عما لا يهم لهم مما قد ينجر إلى الغواية لكثرة عروض الشكوك والشبهات حتى يقفوا على الاعتقاد الحق والتقليد الصرف فيما لا سبيل إلى درك تفاصيله أو لا يهم معرفتها.

وسواء السبيل وسطه وهو الصراط المستقيم الذي مر تفسيره.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا ﴾ .

قال بعض أهل الكلام: ﴿ مَا نَنسَخْ ﴾ من اللوح المحفوظ ﴿ أَوْ نُنسِهَا ﴾ : نَدعُها في اللوح.

وقيل: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ﴾ أي نرفع بآيةٍ أُخرى أو نتركها في الآخرى.

وقيل: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ﴾ فنرفع حكمها، والعملَ بها، ﴿ أَوْ نُنسِهَا ﴾ أَي: نترك قراءتها وتلاوتها.

فيجوز رفع عينها، ويجوز رفع حكمها وإبقاء عينها؛ لأَوجه: أَحدها: ظهور المنسخ؛ فبطل قول من أَنْكر النسخ؛ إذ وجد.

ومن أَنكر ذلك فإنما أَنكر لجهل بالمنسوخ؛ لأَن النسخ بيان الحكم إلى وقت، ليس على البداءِ، على ما قالت اليهود.

والثاني: أَن للتلاوة فيها فضلاً - كما للعمل - فيجوز رفع فضل العمل، وبقاءُ فضل التلاوة.

والثالث: على جعل الأَول في حالة الاضطرار، والثاني في وقت السعة، كقوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ  ﴾ .

ثم يجوز أَن يرفع عينُها فيُنْسى ذكرُها، كما رُوي عن عمر -  - أنه قال: "كنا نعدل سورة الأَحزاب بسورة البقرة، حتى رفع منها آيات، منها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة" وأَما قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ .

فاختلف فيه: قيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ أي: أخفَّ وأَهونَ على الأَبدان؛ كقوله: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ  ﴾ ، إن الأمر بالصوم كان لوقت دون وقت؛ إذ رجع الحكم عند الطاقة إلى غَيره.

وكذا ما كان من الحكم في تحريم الأَكل عند النوم والجماع، وكذا تحريم الميتة: لو لم يرد فيهما الإباحة والحل عند الضرورة لكُنَّا نعرفه بالحرمة، وذلك أَخف وأَهون، والله أعلم.

وقيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ في الثواب في العاقبة.

وقيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ في المنفعة ﴿ أَوْ مِثْلِهَا ﴾ في المنفعة.

وقيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ وهو أَن يظهر لكم به الخير في حق الاتباع.

والمثلُ: في حق الأَمر؛ فيشترك أَصحاب المنكرين للنسخ في حق الائتمار بالمثل، ويفضلونهم بظهور الأَخير.

وهو كالصلاة إلى بيت المقدس؛ كان لهم مثلُ ما لليهود في حق الائتمار ما كان ظهر لهم الأَخير في وقت ظهور الأَمر، وأَبهم الخير.

وظهر عنده فيمن أَبى: أَن اتباعه لم يكن لأَجل حق المتابعة، بل لما كان عنده الحجة.

فأَما من جعله خيراً على البدل فاستدل بها الآخر رخصة وإباحة، والإباحة ورودها للتخفيف.

ومن استدل على أَن النسخ - أَبداً - يَرِدُ على ما هو أَغلظ، عورض بقوله: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ  ﴾ ، فأبدل بعقوبة أَشد من الأَول - وهو الرجم - بقوله: "خذوا عني، خذوا عني".

ويحتمل قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ وجهاً آخر: وهو آيةٌ والآيات هي الحجج؛ فيكون معناه: ما نرفع من حجة فننفيها عن الأَبصار، إلا نأْت بخير منها يعني أقوى منها في إلزام الحجة، أَو مثلها.

ولا شك أن ما يعترض هو أقوى حالة الاعتراض في لزوم الحجة على ما غاب عن الأَبصار؛ فيكون قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ على هذا الوزن، أي: نأْت بحجة هي أقوى وأكثر من الأُولى، أَو مثلها في القوة.

فإن قيل: ما الحكمة في النسخ؟

وما وجهُه؟

قيل: محنة يمتحن بها الخلق، ولله أَن يمتحن خلقه بما يشاءُ، في أَي وقت شاء: يأْمر بأَمرٍ في وقت، ثم ينهى عن ذلك، ويأْمر بآخر.

وليس في ذلك خروج عن الحكمة، ولا كان ذلك منه لبداءٍ يبدو له، بل لم يزل عالما بما كان ويكون، حكيماً يحكم بالحق والعدل؛ فنعوذ بالله من السرف في القول.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

يحتمل: أن يكون الخطاب له -  - والمرادُ بالخطابِ الذين سبق ذكْرُهم في قوله: ﴿ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

 ﴾ .

إنه قادر على إنزال الخير على من يشاء، واختصاصِ بعضٍ على بعض، وتفضِيلِ بعضهم على بعض.

ويحتمل: أَن يكون المراد في الخطاب له - عليه الصلاة والسلام - على حقيقة العلم على التذكير والتنبيه، أي: تعلم أنت أَن الله على كل شىء قدير، وهو كقوله: ﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ  ﴾ .

على حقيقة العلم له.

ويحتمل: على الإعلام والإخبار لقومه، وقد ذكرنا.

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

أي: من كان يملك ملك السماوات والأرض، يملك تخصيص بعض على بعض، وتفضيلهم فيها، ويحكم فيها بما يشاء، ويُحْدِث من الأَمر ما أَراد، والله أعلم.

ويحتمل: نزوله على أَثر نوازلَ لم تذكر فيه، وذلك في القرآن كثير، وإنما يقال هذا الحرف عند ضيق القلب؛ تسكيناً له.

ومعنى تخصيص السَّماوات والأرض بالملك له؛ لمنتهى علم الخلق بهما، وإن كان له ملك الدنيا والآخرة، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ .

يدل هذا على أَنه خرج على أَثر نوازل وإن لم تذكر.

وقوله: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ﴾ .

سؤالَ تعنت: لن نؤمن لك - تعنتاً - حتى نرى الله جهرة.

وقيل: إنهم سأَلوا ذلك رسول الله  كما سأَل قوم موسى موسى.

وقيل: سأَلوا رسول الله  أَن يجعل الصفا - لهم - ذهباً إن كان ما يقوله حقّاً.

وقيل: سؤالهم: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا  ﴾ ، وكانوا يسأَلون سؤال تعنت، لا سؤال استرشاد واهتداء.

وقوله: ﴿ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ ﴾ .

قيل: اختار الكفر بالإيمان.

وقيل: ومن يختر شدة الآخرة على رخائها وسعتها.

وفي حرف ابن مسعود -  -: "ومن يشتر الكفر بالإيمان" وذلك كله واحد.

وقوله: ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

قيل: عدل عن الطريق.

وقيل: عدل عن قصد الطريق.

وقيل: أَخطأَ قصد طريق الهدى، وكله واحد.

وقوله: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً ﴾ .

إنهم كانوا يجهدون كل جهدهم حتى يصرفوا ويردوا أَصحاب محمد  عن دين الله - الإسلام - إلى ما هم عليه؛ كقوله  : ﴿ وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 149].

وذلك - والله أعلم - لخوفِ فوت رياستهم التي كانت لهم، وذهاب منافعهم التي ينالون من الأَتباع والسفلة، فودُّوا ردَّهم وصرفهم إلى دينهم.

ثم احتجت المعتزلة علينا بظاهر قوله  : ﴿ حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، قالوا: دلت الآية على أَن الحسد ليس من عند الله بما نفاه - عز وجل - عنه، وأَضافه إلى أَنفسهم بقوله: ﴿ حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .

قيل: صدقتم في زعمكم بأَن الحسد ليس من عند الله، وكذلك نقول، ولا نجيز إضافة الحسد إليه بحال ولكن نقول: خلق فعل الحسد من الخلق، وكذلك يقال في الأَنجاس، والأَقذار، والحيَّات والعقارب ونحوها: إِنه لا يجوز أن تضاف إلى الله  فيقال: يا خالق الأَنجاس والحيات والعقارب، وإن كان ذلك كله خلقه، وهو خالق كل شيء.

فعلى ذلك، نقول بخلق فعل الحسد، وفعل الكفر من العبد، ولا نجوِّز أن يضاف إلى الله  .

ثم يقولون في الطاعات والخيرات كلها: إنها من عند الله، غير مخلوقة، فلئن كانت العلة في الذي لا يكون مخلوقاً، أنه ليس هو من عنده لوجب القول بخلقه ما هو من عنده، ثم لم يقولوا به؛ فَبان أَن ما يقولون فاسد، باطل، ليس بشيء.

ثم جهة الحسد ما ذكرنا أنهم أَحبوا أَن تكون الرسالةُ فيهم، أَو أَن يكون من عنده سعَةٌ؛ كقوله: ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ ؛ فبهذين الوجهين يخرج حسدهم.

قوله: ﴿ مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .

أى: من قِبَلِها، لا أَن الله -  - أَمرهم.

وليس يضاف إلى الله -  - بأَنه من عنده بما يخلق، ولكن بما يأمر أو يلزم.

أَلاَ ترى أَن الأَنجاس كلها، والخبائث، والشياطين، كلهم مخلوقة وإن لم يجز نسبتها إلى الله -  - بمعنى أنه مِن عنده؟

كذلك ما ذكر من الحسد.

على أَنه معلوم أَنهم لم يكونوا يدعون مِن دون الله خَلْقاً فبذلك الوجه ينكر عليهم، بل كانوا يدعون الأَمر في كل ما نُسب إلى الله  ؛ فعلى ذلك ورد العقاب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ﴾ .

أي: بين لهم في التوراة أن محمداً  نبي، وأَن دينه الإسلام؛ كقوله: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ .

يحتمل: النهي عن مكافأَة ما يؤذونه في الدُّنيا، ثم لم ينسخ.

وقيل: فيه نهي عن قتالهم، حتى يأْتي أَمر الله في ذلك، ثم جاءَ بقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 29].

وقيل: حتى يأتي الله بأمره، أي: بعذابه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

من التعذيب والانتقام، وبكل شيء.

ولم ينسخ هذا.

وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ ﴾ .

كرر الله - عز وجل - الأَمر بإقامة الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، في القرآن تكراراً كثيراً، حتى كانت لا تخلو سورة إلا وذكرهما فيها - في غير موضع - وذلك لعظم شأْنهما، وأَمرهما، وعلو منزلتهما عند الله، وفضل قدرهما.

وعلى ذلك جعلهما شريعة في الرسل السالفة، صلوات الله عليهم.

أَلا ترى إلى قول إبراهيم -  -: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي  ﴾ .

وقوله لموسى وهارون: ﴿ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ  ﴾ .

وقول عيسى: ﴿ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ  ﴾ .

وذلك - والله أعلم - أَن الصلاة قُربة فيما بين العبد وبين ربه، تجمع جميع أفعال الخير، وفيها غاية منتهى الخضوع له، والطاعة: من القيام بين يديه، والمناجاة فيه، والركوع له، والسجود على الأَرض، وتعفير الوجه فيها حتى لو أَن أَحداً ممن خلص دينه لله لو أُعطى ما في الدنيا على أَن يعفِّر وجهه في الأَرض لأَحد من الخلق ما فعل، وبالله التوفيق.

والزكاةُ فيما بين العبد وبين الخلق؛ لتآلف القلوب واجتماعها، وفيها إظهار الشفقة لهم والرحمة.

لذلك عظَّم الله شَأْنهما، وشرف أَمرهما، وأَعلى منزلتهما؛ وعلى ذلك قرنهما بالإيمان في المواضع كلها، وأَثبت بين الخلق الأُخوّة بهما بقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ  ﴾ .

ثم هما تكرمان بالعقل؛ لأَن الصلاة تجمع جميع أَنواع خيرات الأَفعال، وفيها غايةُ الخضوع له، والخشوع - على ما ذكرنا - وذلك مما يوجبه العقل، وإن لم يرد فيه السمع.

وكذلك الزكاة: فيها تزكية الأَنفس وتطهيرها، وذلك مما في العقل واجب.

فإن قيل: ما الحكمة في وجوبها؟

قيل: إظهار ما أَنعم الله [على العبد]، من الأَموال والسَّعة فيها، وما أَعطاهم من سلامة الجوارح عن جميع الآفات، يخرج مخرج الأَمر بأَداءِ شكر ما أَنعم عليهم عز وجل.

فإن قيل: ما الحكمة في وجوبها فيما أُعْطي منهما، يعني من النفس، والمال دون غيره؟

قيل: لأَن الوُجوب من غيره يخرج مخرج المعاوضة والمبادلة، لا مخرج أَداءِ الشكر، والله أعلم.

ثم الحكمة في: إيجاب الصلاة والزكاة، وغيرهما من العبادات أَن الله -  - إذ عمهم بنعمه فيما فضلهم بالجوهر، وسخر لهم جميعَ ما في الأرض، وبسط عليهم النعم، حتى صار كل منهم لا يُبصر غير نعمه، من استحقاق منهم شيئاً من ذلك - لزمهم الشكر عليها.

ثم كانت الصلاة تجمع استعمال جميع الجوارح فيما لله فيها القيام بها شكراً له، مع ما فيها توقف أَحوال نفسه بالاختيار بما هي عليه بالاضطراب والخلقة والقلب بالنية، والخوف والرجاء، وإحضار الذهن والعقل بالتعظيم والتبجيل؛ فيكون كل شيء منه في شكره؛ لما له فيه من سبوغ النعمة، والله أعلم.

وكذلك بالأموال فضلوا - في هذه الدنيا - واستمتعوا بلذيذ العيش؛ فأمروا بالإِخراج لله، مع ما إذ سخرت هذه الأَرض - بما فيها - لجميع البشر، ألزم من ذلك صلةَ من لم يملك، ليستووا في الاستمتاع بالتسخير لهم، من الوجه الذي عَلِم الله لهم فى ذلك صلاح الدارين، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .

الآية تخرج على خلاف قول المتعزلة؛ لأَنهم يقولون: إن من ارتكب كبيرة ثم أَقام الصلاة وآتى الزكاة، وجاهد في سبيل الله، وحج بيت الله الحرام، فقدم خيراتٍ كثيرةً - فإنه لا يجد مما قدم شيئاً، ولكن يجد ما قدم من شر.

وذلك ليس من فعل الكريم والجواد، ولا كذلك وصف الله نفسه، بل وصف نفسه على خلاف ما وَصفوا هم، فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ  ﴾ .

وهم يقولون: لا يتقبل عنهم ما قدموا من الخيرات، ولا يتجاوز عن سيئاتهم، وذلك سرف في القول؛ فنعوذ بالله من السرف في القول، والحكم على الله، وبالله العصمة والتوفيق.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .

بما قدمتم من الخير والشر؛ تنبيه منه عز وجل ليكونوا على حَذرٍ من الشر، وترغيب منه لهم بالخيرات.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قد علمت -أيها النبي- أن الله هو مالك السماوات والأرض، يحكم ما يريد، فيأمر عباده بما شاء، وينهاهم عما شاء، ويُقرِّر من الشرع ما شاء وينسخ ما شاء، وما لكم بعد الله من ولي يتولى أموركم، ولا نصير يدفع عنكم الضر، بل الله هو ولي ذلك كله والقادر عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.xlvG7"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قال أئمة اللغة إن أصل النسخ النقل سواء كان نقل الشيء بذاته كما يقال: نسخت الشمس الظل: أي نقلته من مكان إلى مكان، أو نقل صورته كما يقال: نسخت الكتاب: إذا نقلت عنه صورة مثل الأولى.

وورد: نسخت الريح الأثر: إزالته.

وأصل النسيان الترك أو هو غايته اللازمة له، ومنه قوله تعالى ﴿ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى  ﴾ أي تركتها بترك العمل بها فجزاؤك أن تترك في العذاب فاحفظ المعنى اللغوي.

وللمفسرين في تفسير هذه الآية طريقان: أحدهما أنها على حد قوله تعالى ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ  ﴾ فالنسخ هنا بمعنى التبديل، أي إذا جعلنا آية بدلًا من آية فإننا نجعل هذا البدل خيرًا من المبدل منه أو مثله على الأقل، فالآية عند هؤلاء في نسخ التلاوة، وقالوا إن المراد بالنسيان هو أن يأمر الله تعالى بعدم تلاوة الآية فتنسى بالمرة...

وهذا بمعنى التبديل فما هي الفائدة في عطفه عليه بأو؟

وهل هو إلا تكرار يجل كلام الله عنه؟.

وثانيهما أن المراد نسخ حكم الآية، وهو عام يشمل نسخ الحكم وحده ونسخه مع التلاوة، وهذا هو القول المختار للجمهور، وقالوا في توجيهه إنه لا معنى لنسخ الآية في ذاتها ولا حاجة إليه وإنما الأحكام تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال، فإذا شرع حكم في وقت لشدة الحاجة إليه ثم زالت الحاجة في وقت آخر فمن الحكمة أن ينسخ الحكم ويبدل بما يوافق الوقت الآخر فيكون خيرًا من الأول أو مثله في فائدته من حيث قيام المصلحة به.

وقالوا إن المراد بالإنساء إزالة الآية من ذاكرة النبي  ، وقد اختلف في هذا أيكون بعد التبليغ أم قبله، فقيل بعده كما ورد في أصحاب بئر معونة وقيل قبله حتى أن السيوطي روى في أسباب النزول أن الآية كانت تنزل على النبي  ، ليلًا فينساها نهارًا فحزن لذلك فنزلت الآية.

ولا شك عندي في أن هذه الرواية مكذوبة وأن مثل هذا النسيان محال على الأنبياء عليهم السلام لأنهم معصومون في التبليغ والآيات الكريمة ناطقة بذلك كقوله تعالى ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  ﴾ وقوله ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ  ﴾ .

وقد قال المحدثون والأصوليون إن من علامة وضع الحديث مخالفته للدليل القاطع عقليًا كان أو نقليًا كأصول الاعتقاد وهذه المسألة منها فإن هذا النسيان ينافي العصمة المجمع عليها.

وقالوا في تفسير قوله تعالى بعد ما ذكر ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ إنه ورد مورد الاستدلال على القدرة على النسخ بالمعنى الذي قالوه أي أنه لا يستنكر على الله كما زعم اليهود لأنه مما تناله قدرته ثم استدل على ذلك بقوله ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ  ﴾ الآية.

والخطاب في ﴿ تَعْلَمْ  ﴾ للنبي  والمراد به غيره من المؤمنين الذين ربما كانوا يمتعضون من كلام اليهود وغيرهم من المعترضين على النسخ، وضعيف الإيمان يؤثر في نفسه أن يعاب ما يأخذ به فيخشى عليه من الركون إلى الشبهة أو الحيرة فيها، ففي الكلام تثبيت لمن كان كذلك من الضعفاء ودعم لإيمانهم، وتوجبه الكلام إلى شخص يراد غيره شائع في كلام العرب والمولدين، ولذلك قال بعض العلماء: نزل القرآن على طريق قولهم "إياك أعني واسمعي يا جاره".

وإذا كان هذا الملك العظيم لله وحده فلا شك أنه لا يعجزه أن ينسخ حكمًا من الأحكام.

ومن آية إرادة الأمة بالخطاب الالتفات عن الأفراد إلى الجمع بقوله ﴿ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ  ﴾ أي أن وليكم وناصركم هو الله تعالى وحده فلا تبالوا بمن ينكر النسخ أو يعيبكم به، ولا ينبغي أن يستهويكم إنكارهم فيميلكم عن دينكم فإنه لا قيمة له ولا للمنكرين إذ ليس في استطاعتكم أن يضروكم أو ينفعوكم إذا كان الله هو مولاكم وناصركم.

وإذا أراد الله بكم سوءًا فلا يملكون أن يدفعوه عنكم.

ثم قال تعالى ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ  ﴾ ؟

وهذا كلام جديد منقطع عما قبله وقالوا إن ﴿ أَمْ  ﴾ هنا للاستفهام لا للإضراب لأن ﴿ أَمْ  ﴾ التي تستعمل بمعنى (بل) يقصد بها الإضراب عن الكلام السابق ولا يظهر الإضراب هنا.

واستشهدوا لأم الاستفهامية بقول الشاعر: فوالله لا أدري أهند تقولت أم القوم أم كل إلي حبيب وأنا مع القائلين بأنها للاستفهام: وبعض المفسرين يقولون إن ﴿ أَمْ  ﴾ هذه منقطعة للإضراب عن عدم علمهم بالسابق إلى الاستفهام عن اقتراحهم، فهي تتضمن الإضراب والاستفهام معًا، وتجد الجلالين يقدران ذلك في تفسيرهما وقد قدرا فيه بعض هنا"بل أتريدون".

والحاصل أن المعنى هنا أتريدون أن تسألوا رسولكم كما سأل موسى قومه تبرمًا وإعناتًا؟

يحذر المسلمين ما فعل أولئك، وقد أتبع التحذير بالوعيد فقال ﴿ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ  ﴾ أي أن ترك الآيات الموجودة والإعراض عنها لإعنات النبي  بسؤال غيرها لتكون بدلًا منها هو من اختيار الكفر على الإيمان واستحباب العمى على الهدى.

وبدل وتبدل واستبدل يدل على جعل شيء في موضع آخر بدلًا منه، والباء تقرن بالمبدل منه لا بالبدل كما أشرنا إليه في تفسير ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ  ﴾ .

هذا تقرير ما جرى عليه المفسرون في الآيات.

وإذا وازنا بين سياق آية ﴿ مَا نَنْسَخْ  ﴾ وآية ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ  ﴾ نجد أن الأولى ختمت بقوله تعالى ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ والثانية بقوله ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ  ﴾ ونحن نعلم شدة العناية في أسلوب القرآن بمراعاة هذه المناسبات.

فذكر العلم والتنزيل ودعوى الافتراء في الآية الثانية يقتضي أن يراد بالآيات فيها آيات الأحكام.

وأما ذكر القدرة والتقرير بها في الآية فلا يناسب موضوع الأحكام ونسخها، وإنما يناسب هذا ذكر العلم والحكمة فلو قال ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  ﴾ لكان لنا أن نقول إنه أراد نسخ آيات الأحكام لما اقتضته الحكمة من انتهاء الزمن أو الحال التي كانت فيها تلك الأحكام موافقة للمصلحة.

وقد تحير العلماء في فهم الإنساء على الوجه الذي ذكروه حتى قال بعضهم إن معنى ﴿ نُنسِهَا  ﴾ نتركها على ما هي عليه من غير نسخ، وأنت ترى أن هذا وإن صح لغة لا يلتئم مع تفسيرهم، إذ لا معنى للإتيان بخير منها مع تركها على حالها غير منسوخة.

والمعنى الصحيح الذي يلتئم مع السياق إلى آخره إن الآية هنا هي ما يؤيد الله تعالى به الأنبياء من الدلائل على نبوتهم أي ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ  ﴾ نقيمها دليلًا على نبوة نبي من الأنبياء أي نزيلها ونترك تأييد نبي آخر بها أو ننسها الناس لطول العهد بمن جاء بها فإننا بما لنا من القدرة الكاملة والتصرف في الملك نأتي بخير منها في قوة الإقناع وإثبات النبوة أو مثلها في ذلك.

ومن كان هذا شأنه في قدرته وسعة ملكه فلا يتقيد بآية مخصوصة يمنحها جميع أبنائه.

والآية في أصل اللغة هي الدليل والحجة والعلامة على صحة الشيء، وسميت جمل القرآن آيات لأنها بإعجازها حجج على صدق النبي ودلائل على أنه مؤيد فيها بالوحي من الله  ، من قبيل تسمية الخاص باسم العام.

ولقد كان من يهود من يشكك في رسالته  بزعمهم أن النبوة محتكرة لشعب إسرائيل، وقد تقدمت الآيات في تفنيد زعمهم هذا وقالوا ﴿ لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى  ﴾ أي من الآيات؟

فرد الله تعالى عليهم في مواضع منها قوله  بعد حكاية قولهم هذا ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ  ﴾ إلخ ومنها هذه الآية والخطاب فيها للمؤمنين الذين كان اليهود يريدون تشكيكهم، كأنه يقول إن قدرة الله تعالى ليست محدودة ولا مقيدة بنوع مخصوص من الآيات أو بآحاد منها لا تتناول غيرها، وليست الحجة محصورة في الآيات السابقة لا تتعداها، بل الله قادر على أن يأتي بخير من الآيات التي أعطاها موسى وبمثلها، فإنه لا يعجز قدرته شيء، ولا يخرج عن ملكه شيء، كما أن رحمته ليست محصورة في شعب واحد فيخصه بالنبوة، ويحصر فيه هداية الرسالة، كلا إن رحمته وسعت كل شيء، كما أن قدرته تتصرف بكل شيء من ملك السموات والأرض الذي لا يشاركه فيه مشارك، ولا ينازعه فيه منازع، فيكون وليًا ونصيرًا لمن كفر بنعمه وانحرف عن سننه.

انظر كيف أسفرت البلاغة عن وجهها في هذا المقام فظهر أن ذكر القدرة وسعة الملك إنما يناسب الآيات بمعنى الدلائل دون معنى الأحكام الشرعية والأقوال الدالة عليها من حيث هي دالة عليها لا حيث هي دالة على النبوة.

ويزيد هذا سفورًا ووضوحًا قوله عقبه ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ  ﴾ ؟

فقد كان بنو إسرائيل لم يكتفوا بما أعطى موسى من الآيات وتجرءوا على طلب غيرها ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ وكذلك كان فرعون وقومه كلما رأوا آية طلبوا غيرها حتى رأوا تسع آيات بينات، ولم يؤمنوا.

قوله تعالى: ﴿ كَمَا سُئِلَ مُوسَى  ﴾ يشمل كل ذلك.

قد أرشدنا الله تعالى بهذا إلى أن التفنن في طلب الآيات وعدم الإذعان لما يجيء به النبي منها والاكتفاء به بعد العجز عن معارضته هو دأب المطبوعين على الكفر الجامدين على المعاندة والمجاحدة، فإنه قال بعد إنكار هذا الطلب ﴿ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ  ﴾ ويوضح هذا قوله تعالى في آية أخرى ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ  ﴾ والمراد الآيات المقترحة بدليل السياق وهو اتفاق بين المفسرين.

ولو كان الموضوع موضوع طلب استبدال أحكام بأحكام تنسخها لما كان للتوعد بالكفر وجه وجيه، وقوله تعالى ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ  ﴾ معناه أنه أخطاء وسط الجادة ومال أحد الجانبين، ومتى انحرف السائر في سيره عن الوسط يخرج عن المنهج ويبعد عنه كلما أوغل في السيرة فيهلك دون الوصول إلى المقصد.

والمراد بسواء السبيل الحق والخير اللذان تكمل الفطرة بالاستقامة على السيرة في طريقهما، ومن مال عن الحق وقع في الباطل لا محالة ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ  ﴾ .

هذا هو التفسير الذي تتصل به الآيات ويلتئم بعضها مع بعض على وجه يتدفق بالبلاغة، وهو الذي يتقبله العقل ويستحليه الذوق إذ لا يحتاج إلى شيء من التكلف في فهم نظمه ولا في توجيه مفرداته "كالإنساء" و "القدرة" و "الملك" وقد اضطر القائلون بأن المراد بالنسخ نسخ الأحكام - مع ما علمت من التكلف - إلى القول بجواز نسيان الوحي، وطفقوا يتلمسون الدلائل على ذلك حتى أوردوا قوله  ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ  ﴾ وليس من هذا الموضوع ولا المخاطب به النبي  وإنما جاء على طريق الحكاية، وأما قوله تعالى ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى  إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ  ﴾ فهو يؤكد عدم النسيان لأن الأستثناء بالمشيئة قد استعمل في أسلوب القرآن للدلالة على الثبوت والاستمرار كما في قوله تعالى ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ  ﴾ أي غير مقطوع.

وقوله ﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ  ﴾ والنكتة في الاستثناء بيان أن هذه الأمور الثابتة الدائمة إنما كانت كذلك بمشيئة الله تعالى لا بطبيعتها في نفسها ولو شاء الله تعالى أن يغيرها لفعل، وهذا الاعتقاد من مهمات الدين فلا غرو أن تزاح عنه الأوهام في كل مقام يمكن أن تعرض فيه.

فليس امتناع نسيان الوحي طبيعة لازمة للنبي، وإنما هو تأييد ومنحة من الله تعالى، وليس خلود أهل الجنة في الجنة واجبًا عقليًا أو طبيعيًا وإنما هو بإرادة الله تعالى ومشيئته.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "أو ننسأها" أي نؤخرها ولا يظهر هذا المعنى في مقام نسخ الأحكام كما يظهر في نسخ الآيات والمعجزات المقترحة على الأنبياء فإن الآية التي تقترح على نبي لأنها كانت لنبي قبله قد تنسخ بآيات جديدة خير منها أو مثلها وقد تؤخر بالآية الجديدة ثم تعطى في وقت آخر بعد الاقتراح ولكن تأخير آيات الأحكام ليس له معنى ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

مزيد من التفاسير لسورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد