تفسير سورة البقرة الآية ١٩٦ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآية ١٩٦

وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا۟ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُۥ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِۦٓ أَذًۭى مِّن رَّأْسِهِۦ فَفِدْيَةٌۭ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍۢ ۚ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍۢ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌۭ كَامِلَةٌۭ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُۥ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ١٩٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 13 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

اتصال هذه الآيات بما قبلها جلي جدًا، لا سيما لمن قرأ ما تقدم من التفسير، فإن آيات القتال السابقة نزلت في بيان أحكام الأشهر الحرم والإحرام والمسجد الحرام، فكان الغرض الأول من السياق بيان أحكام الحج بعد بيان أحكام الصيام لأن شهوره بعد شهره الذي هو رمضان.

ولما أراد النبي  العمرة وصده المشركون أول مرة بالحديبية وأراد القضاء في العام القابل وخاف أصحابه غدر المشركين بهم واضطرارهم إلى قتالهم إذا هم نقضوا العهد وبدأوا بالقتال أنزل الله تعالى أحكام القتال بعد ذكر الحج في الجواب عن حكمة اختلاف الأهلة ثم عاد إلى إتمام أحكام الحج فقال: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ  ﴾ فالعطف والتعبير بالإتمام ظاهران في أن السياق في الكلام عن الحج، ولذلك لم يقل هنا كتب عليكم الحج كما قال في الصيام.

وقد كان الحج معروفًا في الجاهلية لأنه فرض على عهد إبراهيم وإسماعيل فأقره الإسلام في الجملة، ولكنه أزال ما أحدثوا فيه من الشرك والمنكرات، وزاد ما فيه من المناسك والعبادات، فالآية ليست في فرضيته وفرضية العمرة بل هي في واقعة تتعلق بهما وبقاصديهما وقد كانوا توجهوا إلى ذلك قبل نزولها بعام كما تقدم، فدل ذلك على أن المشروعية سابقة لنزول هذه الآيات.

والمراد بإتمام الحج والعمرة الإتيان بهما تامين ظاهرًا بأداء المناسك على وجهها، وباطنًا بالإخلاص لله تعالى وحده دون قصد الكسب والتجارة أو الرياء والسمعة فيهما، ولا ينافي الإخلاص البيع والشراء في أثناء الحج إذا لم تكن التجارة هي المقصود في الأصل.

وأما الرياء وحب السمعة فإذا كان هو الباعث على الحج فالحج ذنب للمرائي لا طاعة، وإذا عرض الرياء في أثنائه فقيل إنه لا يقبل منه شيء لما ورد من أن الله تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصًا لوجهه، والأحاديث في ذلك كثيرة، وإذا كان هذا قد بدأ بالنسك لوجه الله فإنه لم يتمه لله كما أمر، وقيل بل يؤاخذ بقدر قصده الطاعة والإخلاص وقدر قصده الرياء، وكل شيء عنده تعالى بمقدار ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ  ﴾ .

أما الحال بالنسبة لعامة الحجاج في هذا الزمان فإن أكثرهم لا يخطر في بالهم مناسك الحج وأركانه وواجباته ولا يقصدونها للجهل بها، وإنما يقصدون زيارة"أبو إبراهيم"، يعني النبي  ، ومنهم من لا يعرف للحج معنى سوى هذه الزيارة، وهؤلاء هم الهائمون المغرمون بالحج، ومن الناس من يحج ليقال له الحاج فلان أو ليحتفل بقدومه، وهذا أخس ضروب الرياء، وكثير منهم يقترض بالربا ويحج فيريد أن يعبد الله بأنكر المنكرات.

وقد استدل بالآية القائلون بوجوب العمرة كالحج وهو المروي عن علي وابن عمر وابن عباس وجماعة من كبار التابعين وعليه الشافعي وأحمد.

وقيل إنها سنة ويروي عن ابن مسعود وجابر بن عبد الله وعليه مالك والحنفية وعن أبي حنيفة قول بالوجوب، وقد تقدم أن الآية ليست في وجوب الحج والعمرة فلا تصلح حجة على القائلين بالسنية، لأن الأمر بإتمام الحج والعمرة خطاب لمن شرع فيهما، وهو يصدق وإن كانت العمرة سنة.

ويدل على فرضية الحج قوله تعال ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا  ﴾ والأحاديث الصحيحة الصريحة.

وأما الأحاديث في العمرة فمتعارضة والصواب أن الأحاديث الناطقة بأن العمرة غير واجبة وبأنها تطوع ضعيفة، وأقواها حديث الأعرابي الذي سأل النبي  أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟

فقال"لا وأن تعتمر خير لك"وهو عند أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وصححه الترمذي وفي إسناده الحجاج بن أرطأة وقد ضعفه الأكثرون وبالغ ابن حزم فقال إن هذا الحديث مكذوب وباطل، والصواب ما قاله النووي من اتفاق الحفاظ على تضعيفه.

وأقوى أحاديث القائلين بوجوب العمرة حديث أبي رزين العقيلي قال يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن فقال:"حج عن أبيك واعتمر"رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي بلا نكير بل قال الإمام أحمد لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أوجب من هذا ولا أصح منه.

فهو حجة عند القائلين بأن الأمر للوجوب ما لم يصرفه صارف، وقد يقال إن هذا السائل لم يقصد السؤال عن مشروعية أصل الحج والعمرة فإنه كان يعلم حكمها وإنما سأل هل يصح أن يأتي بهما عن أبيه الذي يقعده عنهما العجز، ولا ينافي هذا كون العمرة سنة متبعة لا فرضًا لازمًا، ويؤيد هذا عدم ذكرها في الآية الناطقة بالوجوب ولا في حديث أركان الإسلام فهي تطوع النسك وإن لم يصح الحديث الذي فيه لفظ التطوع، وقال بعضهم إن العمرة سنة فمتى شرع فيها كان إتمامها واجبًا.

وما تقدم في معنى الإتمام هو المتبادر والجامع بين الأقوال المختلفة وما رواه ابن أبي حاتم عن صفوان بن أمية في سبب نزولها إن صح لا ينافيه، وهو أن رجلًا جاء النبي  متضخمًا بالزعفران علية جبة فقال كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟

فأنزل الله الآية فقال: "أين السائل عن العمرة؟

"قال ها أنا ذا فقال له: "ألق عنك ثيابك ثم اغتسل واستنشق ما استطعت ثم ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك".

وأركان الحج خمسة: (١) الإحرام من الميقات وهو في الأصل الوقت المضروب للشيء والمراد به هنا المكان الذي عينه الشارع لإحرام أهل كل قطر، وسيأتي تفسير الإحرام.

(٢) الوقوف بعرفة (٣ و٤) الطواف بالكعبة والسعي بين الصفا والمروة (٥) الحلق أو التقصير للشعر فمن أدى هذه الأعمال فقد أدى الفريضة التي هي ركن من أركان الإسلام.

وله أعمال أخرى واجبة من قصر في شيء منها كان عليه فدية.

وأركان العمرة هي ما عدا الوقوف من أركان الحج.

وفرضية الحج مجمع عليها معلومة من الدين بالضرورة من أنكرها كان مرتدًا.

والراجح أنه فرض سنة تسع من الهجرة وعليه الجمهور وهذه الآية نزلت سنة ست ولكن ليس فيها أن الحج فرض على كل مستطيع من المؤمنين رجالًا ونساءً.

أمر بالإتمام ثم ذكر حكم ما عساه يحول دونه فقال ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ  ﴾ الحصر والإحصار في اللغة الحبس والتضييق، يقال حصره عن السفر وأحصره عنه إذا حبسه ومنعه، وقال بعض أئمة اللغة إن الإحصار هو المنع بسبب المرض وقال بعضهم بالعكس، وقوله تعالى الآتي بعد ﴿ فَإِذَا أَمِنتُمْ  ﴾ يرجع أن المراد بالإحصار منع العدو أي إن منعتم من إتمام النسك فعليكم ما تيسر لكم وتسهل حصوله وثمنه من الهدْي وهو ما يهديه الحاج والمعتمر إلى البيت الحرام من النعم ليذبح ويفرق على فقرائه، وذهب الجمهور إلى أن المراد بما استيسر الشاة وهي أدناه وقال ابن عمر وعائشة وابن الزبير: جمل أو بقرة، والمتبادر من الآية على أن يذبحه حيث أحصر ولو في الحل ويتحلل لأنه  ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل على الأرجح.

وقالت الحنفية يبعث به إلى الحرم ويجعل للمبعوث بيده يوم أمارة فإذا جاء اليوم وغلب على ظنه أنه ذبح تحلل.

ثم قال: ﴿ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ  ﴾ الدخول في الحج أو العمرة يكون بالإحرام وهو نية النسك عند الابتداء به بالتلبية ولبس غير الخيط من إزار ورداء مع كشف الرأس للرجل ولبس النعلين العربيين.

والخروج منهما ويعبر عنه بالإحلال والتحلل.

يكون بحلق الرأس أو تقصير شعره، فالنهي هنا عبارة عن النهي عن الإحلال قبل بلوغ الهدْي إلى المكان الذي يحل ذبحه وهو في حال الإحصار حيث يحصر الحاج وإلا فالكعبة لقوله تعالى ﴿ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ  ﴾ وقوله ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ  ﴾ واستدل الحنفية بهذا على عدم جواز نحر الهْدي في محل الإحصار، وحجة الجمهور فعل النبي  في الحديبية وأن الأصل في الهدي أن يبلغ الكعبة لأنه مهدي إليها، وحال الإحصار حال ضرورة ولا سيما إحصار السنة التي أنزلت فيها الآية، فقد كانت الكعبة في أيدي المشركين، فلا يعقل أن يأمر الله تعالى بإرسال الهدي إليها فيكون غنيمة لهم، على أن إبلاغه محله في حال الإحصار يكون متعذرًا أو متعسرًا فكيف يتوقف الإحلال عليه؟

ثم إن اكتفاءهم بذبحه في أدنى مكان من أرض الحرم لا ينطبق على الآيتين الناطقتين ببلوغه الكعبة والبيت العتيق، وقولهم إنه  ذبح عام الحديبية في أول الحرم غير مسلم فجمهور أهل النقل على خلافه.

ثم إنهم احتاجوا في تصحيح قولهم إلى تقدير العلم أي حتى تعلموا أن الهدي بلغ محله ولا حاجة إلى تقدير على رأي الجمهور.

واستدل الجمهور بالاقتصار على الهدي في مقام البيان أن القضاء غير واجب على المحصر، وقالت الحنفية يجب قضاء العمرة لأن النبي قضاها بأصحابه وسميت عمرة القضاء، وقال الشافعي سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة التي وقعت بين النبي  وبين قريش لا على أنه أوجب عليهم قضاء تلك العمرة.

والهدي جمع هدية كجدي وجدية والمحل بكسر الحاء اسم مكان من حل يحل حلًا أي صار حلالًا ضد حرم يحرم إذا صار حرامًا.

ثم ذكر حكم من يؤذيه عدم الحلق فقال ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا  ﴾ مرضًا ينفعه فيه الحلق ويضره عدمه ﴿ أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ  ﴾ كقمل أو جرح ﴿ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ  ﴾ أي فعليه إن حلق فدية من هذه الأجناس الثلاثة على التخيير.

أخرج البخاري من حديث كعب بن عجرة قال وقف على رسول الله  بالحديبية ورأسي يتهافت قملًا فقال"يؤذيك هوامك؟"قلت نعم قال:"فاحلق رأسك"، قال فنزلت هذه الآية وذكرها فقال النبي  :"صم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق بين ستة أو إنسك بما تيسر".

قال البخاري وعنه  أنه قال: نزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة.

والفرق بالتحريك قيل وبالفتح مكيال بالمدينة يسع ستة عشر رطلًا والمراد هنا ما يكال فيه من تمر وغيره من الأقوات.

وقوله بين ستة أي من المساكين، والنسك ههنا قال ابن عبد البر لا خلاف بين العلماء في أنه شاة.

ثم قال تعالى ﴿ فَإِذَا أَمِنتُمْ  ﴾ الإحصار وذهب خوف العدو.

وقال بعض الفقهاء ومثله المرض أو كنتم في حال أمن وسعة ﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ  ﴾ أي فمن تمتع بمحظورات الإحرام بسبب العمرة أي أدائها بأن أتمها وتحلل وبقي متمتعًا إلى زمن الحج ليحج من مكة فعليه ما استيسر له من الهدي أي فعليه دم جبر أقله شاة لأنه أحرم بالحج من غير الميقات يذبحه يوم النحر أو قبله جوازًا عند بعضهم، أو المعنى فمن قام بأعمال العمرة قبل الحج منتهيًا إليه فعليه ذلك ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ  ﴾ الهدي لعدمه أو عدم المال ﴿ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ  ﴾ أي فعليه صيامها في أيام الإحرام بالحج وتمتد إلى يوم النحر، وقال أبو حنيفة في أشهره بين الإحرامين وهذا أوسع ﴿ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ  ﴾ من الحج إلى بلادكم، ويصدق بالشروع في الرجوع، وعليه الائمة الثلاثة وغيرهم من السلف قالوا يجزئه الصوم في الطريق ولا يتضيق عليه إلا إذا وصل إلى وطنه، وقال مالك إذا رجع من منى فلا بأس أن يصوم، وقال أبو حنيفة معناه: إذا فرغتم من أعمال الحج، فيجوز الصوم عنده قبل الشروع بالرجوع إلى الوطن، وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث ابن عمر في حجة الوداع أنه  قال: "فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله "ولهذا الحديث قال بعض العلماء إنه لا يجوز صيامها قبل الوصول إلى أهله، لأنه تقديم للعبادة البدنية على وقتها، ويجاب عنه بأن لفظ الرجوع يصدق بالشروع فيه، ولا يخفى أن الاحتياط أن يصومها بعد الوصول إلى أهله لأنه المتبادر من العبارة، ولأن الصيام في السفر خلاف الاصل في هذه القرية.

وقوله تعالى ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ  ﴾ إشارة إلى الثلاثة والسبعة مبين لجملة العدد الواجب كما بين تفصيله ومزيل لوهم من عساه يتوهم أن الواو العاطفة للسبعة للتخيير كما عليه بعض العرب في مثل: جالس الحسن وابن سيرين.

وروي أن بعض العرب كانوا يستعملونه عدد السبعة للكثرة في الآحاد كما يستعملون عدد السبعين لغاية الكثرة فالفذلكة تزيل وهم هؤلاء أيضًا ولذلك أكدها بقوله كاملة.

إن الله تعالى إذا أراد أن يقرر حكمًا وكان في التعبير المألوف عنه ما يوهم خلاف المقصود ولو لبعض المخاطبين يأتي بما يؤكد الحكم وينفي أدنى وهم يعرض فيه ولذلك وصف كتابه بالمبين والتبيان.

وإذا كان هذا شأنه فيستحيل أن يطلق في مقام بيان الأحكام القول في نفس شيء بصيغة الإثبات كما قدر بعضهم النفي في قوله ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ  ﴾ .

ثم بيّن تعالى أن التمتع بالعمرة مضمومة إلى الحج أو إلى وقت الإحرام بالحج وما يتبعه من الأحكام خاص بالآفاقيين دون أهل الحرم فقال ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  ﴾ وذلك من أهل الآفاق هم الذين يحتاجون إلى هذا التمتع لما يلحقهم من المشقة بالسفر إلى الحج وحده ثم السفر إلى العمرة وحدها، هذا ما أختاره، وعليه الحنفية، فلا متعة ولا قران عندهم لحاضري المسجد الحرام.

وقال غيرهم كالشافعية إن الإشارة إلى أقرب مذكور وهو الجزاء على التمتع من الهدي أو بدله لأن الآفاقي إذا تمتع يحرم بالحج من مكة لا من الميقات فيكون حجه ناقصًا يجبر بالهدي أو بدله إذا لم يجده، ولعل وجه الاختيار التعبير باللام المفيدة أن التمع رخصة دون "على" المفيدة للجزاء، وحضور الأهل المسجد الحرام كناية عن الإقامة في أرض الحرم وقال (الجلال): والأهل كناية عن النفس وما قلناه في الكناية أظهر والعبارة تشمل من لا أهل له على كل حال، والمتبادر أن أهل المسجد الحرام وهم أهل مكة ومن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام غيرهم وعليه مالك، وقال طاوس هم أهل الحل، وأبو حنيفة هم مَنْ وراء الميقات والشافعي هم من كان على مرحلتين من مكة أي مسافة القصر عنده.

ثم ختم الآية بالأمر بتقوى الله المقصودة من كل أمر ونهي والإعلام بشدة عقوبته لمن لم يتقه فقال ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ  ﴾ بالمحافظة على امتثال هذه الأوامر والنواهي وغيرها من ضروب الهداية التي فيها سعادتكم ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ  ﴾ بما جعل عاقبة التفريط والإضاعة شديدة على المفرطين في الدنيا والآخرة، فإذا علمتم ذلك علمًا صحيحًا رجي لكم الاستمساك بحبل التقوى وكنتم من المفلحين، وأما من لم يكن على صحة علم بسر وعيد الله تعالى بأن ظن أنه تعالى يخلفه وإن لم يتب ويتق صاحبه فهو من الخاسرين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد