الآية ١٩٦ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٩٦ من سورة البقرة

وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا۟ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُۥ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِۦٓ أَذًۭى مِّن رَّأْسِهِۦ فَفِدْيَةٌۭ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍۢ ۚ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍۢ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌۭ كَامِلَةٌۭ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُۥ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ١٩٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 446 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩٦ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر تعالى أحكام الصيام وعطف بذكر الجهاد ، شرع في بيان المناسك ، فأمر بإتمام الحج والعمرة ، وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما ; ولهذا قال بعده : ( فإن أحصرتم ) أي : صددتم عن الوصول إلى البيت ومنعتم من إتمامهما .

ولهذا اتفق العلماء على أن الشروع في الحج والعمرة ملزم ، سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها ، كما هما قولان للعلماء .

وقد ذكرناهما بدلائلهما في كتابنا " الأحكام " مستقصى ولله الحمد والمنة .

وقال شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، عن علي : أنه قال في هذه الآية : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) قال : أن تحرم من دويرة أهلك .

وكذا قال ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وطاوس .

وعن سفيان الثوري أنه قال في هذه الآية : إتمامهما أن تحرم من أهلك ، لا تريد إلا الحج والعمرة ، وتهل من الميقات ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة ، حتى إذا كنت قريبا من مكة قلت : لو حججت أو اعتمرت ، وذلك يجزئ ، ولكن التمام أن تخرج له ، ولا تخرج لغيره .

وقال مكحول : إتمامهما إنشاؤهما جميعا من الميقات .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن الزهري قال : بلغنا أن عمر قال في قول الله : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) [ قال ] : من تمامهما أن تفرد كل واحد منهما من الآخر ، وأن تعتمر في غير أشهر الحج ; إن الله تعالى يقول : (الحج أشهر معلومات ) .

وقال هشيم عن ابن عون قال : سمعت القاسم بن محمد يقول : إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة فقيل له : العمرة في المحرم ؟

قال : كانوا يرونها تامة .

وكذا روي عن قتادة بن دعامة ، رحمهما الله .

وهذا القول فيه نظر ; لأنه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة : عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست ، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع ، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان ، وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معا في ذي القعدة سنة عشر ، ولا اعتمر قط في غير ذلك بعد هجرته ، ولكن قال لأم هانئ " عمرة في رمضان تعدل حجة معي " .

وما ذاك إلا لأنها [ كانت ] قد عزمت على الحج معه ، عليه السلام ، فاعتاقت عن ذلك بسبب الطهر ، كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري ، ونص سعيد بن جبير على أنه من خصائصها ، والله أعلم .

وقال السدي في قوله : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) أي : أقيموا الحج والعمرة .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) يقول : من أحرم بالحج أو بالعمرة فليس له أن يحل حتى يتمهما ، تمام الحج يوم النحر ، إذا رمى جمرة العقبة ، وطاف بالبيت ، وبالصفا ، والمروة ، فقد حل .

وقال قتادة ، عن زرارة ، عن ابن عباس أنه قال : الحج عرفة ، والعمرة الطواف .

وكذا روى الأعمش ، عن إبراهيم عن علقمة في قوله : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) قال : هي [ في ] قراءة عبد الله : " وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت " لا تجاوز بالعمرة البيت .

قال إبراهيم : فذكرت ذلك لسعيد بن جبير ، فقال : كذلك قال ابن عباس .

وقال سفيان عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة أنه قال : " وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت " وكذا روى الثوري أيضا عن إبراهيم ، عن منصور ، عن إبراهيم أنه قرأ : " وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت " .

وقرأ الشعبي : " وأتموا الحج والعمرة لله " برفع العمرة ، وقال : ليست بواجبة .

وروي عنه خلاف ذلك .

وقد وردت أحاديث كثيرة من طرق متعددة ، عن أنس وجماعة من الصحابة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع في إحرامه بحج وعمرة ، وثبت عنه في الصحيح أنه قال لأصحابه : " من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة " .

وقال في الصحيح أيضا : " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " .

وقد روى الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية حديثا غريبا فقال : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أبو عبد الله الهروي ، حدثنا غسان الهروي ، حدثنا إبراهيم بن طهمان ، عن عطاء ، عن صفوان بن أمية أنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم متضمخ بالزعفران ، عليه جبة ، فقال : كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي ؟

قال : فأنزل الله : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أين السائل عن العمرة ؟

" فقال : ها أنا ذا .

فقال له : " ألق عنك ثيابك ، ثم اغتسل ، واستنشق ما استطعت ، ثم ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك " هذا حديث غريب وسياق عجيب ، والذي ورد في الصحيحين ، عن يعلى بن أمية في قصة الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة فقال : كيف ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه جبة وخلوق ؟

فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جاءه الوحي ، ثم رفع رأسه فقال : " أين السائل ؟

" فقال : ها أنا ذا ، فقال : " أما الجبة فانزعها ، وأما الطيب الذي بك فاغسله ، ثم ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك " .

ولم يذكر فيه الغسل والاستنشاق ولا ذكر نزول الآية ، وهو عن يعلى بن أمية ، لا [ عن ] صفوان بن أمية ، والله أعلم .

وقوله : ( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) ذكروا أن هذه الآية نزلت في سنة ست ، أي عام الحديبية ، حين حال المشركون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الوصول إلى البيت ، وأنزل الله في ذلك سورة الفتح بكمالها ، وأنزل لهم رخصة : أن يذبحوا ما معهم من الهدي وكان سبعين بدنة ، وأن يتحللوا من إحرامهم ، فعند ذلك أمرهم عليه السلام بأن يحلقوا رؤوسهم ويتحللوا .

فلم يفعلوا انتظارا للنسخ حتى خرج فحلق رأسه ، ففعل الناس وكان منهم من قصر رأسه ولم يحلقه ، فلذلك قال صلى الله عليه وسلم : " رحم الله المحلقين " .

قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟

فقال في الثالثة : " والمقصرين " .

وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك ، كل سبعة في بدنة ، وكانوا ألفا وأربعمائة ، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم ، وقيل : بل كانوا على طرف الحرم ، فالله أعلم .

ولهذا اختلف العلماء هل يختص الحصر بالعدو ، فلا يتحلل إلا من حصره عدو ، لا مرض ولا غيره ؟

على قولين : فقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري ، حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس ، وابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، وابن أبي نجيح [ ومجاهد ] عن ابن عباس ، أنه قال : لا حصر إلا حصر العدو ، فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شيء ، إنما قال الله تعالى : ( فإذا أمنتم ) فليس الأمن حصرا .

قال : وروي عن ابن عمر ، وطاوس ، والزهري ، وزيد بن أسلم ، نحو ذلك .

والقول الثاني : أن الحصر أعم من أن يكون بعدو أو مرض أو ضلال وهو التوهان عن الطريق أو نحو ذلك .

قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا حجاج بن الصواف ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من كسر أو عرج فقد حل ، وعليه حجة أخرى " .

قال : فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا : صدق .

وأخرجه أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير ، به .

وفي رواية لأبي داود وابن ماجه : من عرج أو كسر أو مرض فذكر معناه .

ورواه ابن أبي حاتم ، عن الحسن بن عرفة ، عن إسماعيل بن علية ، عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف ، به .

ثم قال : وروي عن ابن مسعود ، وابن الزبير ، وعلقمة ، وسعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، ومجاهد ، والنخعي ، وعطاء ، ومقاتل بن حيان ، أنهم قالوا : الإحصار من عدو ، أو مرض ، أو كسر .

وقال الثوري : الإحصار من كل شيء آذاه .

وثبت في الصحيحين عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ، فقالت : يا رسول الله ، إني أريد الحج وأنا شاكية .

فقال : " حجي واشترطي : أن محلي حيث حبستني " .

ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله .

فذهب من ذهب من العلماء إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث .

وقد علق الإمام محمد بن إدريس الشافعي القول بصحة هذا المذهب على صحة هذا الحديث .

قال البيهقي وغيره من الحفاظ : فقد صح ، ولله الحمد .

وقوله : ( فما استيسر من الهدي ) قال الإمام مالك ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول : ( فما استيسر من الهدي ) شاة .

وقال ابن عباس : الهدي من الأزواج الثمانية : من الإبل والبقر والمعز والضأن .

وقال الثوري ، عن حبيب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( فما استيسر من الهدي ) قال : شاة .

وكذا قال عطاء ، ومجاهد ، وطاوس ، وأبو العالية ، ومحمد بن علي بن الحسين ، وعبد الرحمن بن القاسم ، والشعبي ، والنخعي ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك ، ومقاتل بن حيان ، وغيرهم مثل ذلك ، وهو مذهب الأئمة الأربعة .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم ، عن عائشة وابن عمر : أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر .

قال : وروي عن سالم ، والقاسم ، وعروة بن الزبير ، وسعيد بن جبير نحو ذلك .

قلت : والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قضية الحديبية ، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذاك شاة ، وإنما ذبحوا الإبل والبقر ، ففي الصحيحين عن جابر قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بقرة .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس في قوله : ( فما استيسر من الهدي ) قال : بقدر يسارته .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : إن كان موسرا فمن الإبل ، وإلا فمن البقر ، وإلا فمن الغنم .

وقال هشام بن عروة ، عن أبيه : ( فما استيسر من الهدي ) قال : إنما ذلك فيما بين الرخص والغلاء .

والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار : أن الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي ، أي : مهما تيسر مما يسمى هديا ، والهدي من بهيمة الأنعام ، وهي الإبل والبقر والغنم ، كما قاله الحبر البحر ترجمان القرآن وابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم .

وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، قالت : أهدى النبي صلى الله عليه وسلم مرة غنما .

وقوله : ( ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) معطوف على قوله : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) وليس معطوفا على قوله : ( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) كما زعمه ابن جرير ، رحمه الله ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم ، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم ، فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق ( حتى يبلغ الهدي محله ) ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة ، إن كان قارنا ، أو من فعل أحدهما إن كان مفردا أو متمتعا ، كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت : يا رسول الله ، ما شأن الناس حلوا من العمرة ، ولم تحل أنت من عمرتك ؟

فقال : " إني لبدت رأسي وقلدت هديي ، فلا أحل حتى أنحر " .

وقوله : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) قال البخاري : حدثنا آدم ، حدثنا شعبة ، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني : سمعت عبد الله بن معقل ، قال : فعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد يعني مسجد الكوفة فسألته عن ( ففدية من صيام ) فقال : حملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي .

فقال : " ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا !

أما تجد شاة ؟

" قلت : لا .

قال : " صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع من طعام ، واحلق رأسك " .

فنزلت في خاصة ، وهي لكم عامة .

وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، حدثنا أيوب ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة قال : أتى علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أوقد تحت قدر ، والقمل يتناثر على وجهي أو قال : حاجبي فقال : " يؤذيك هوام رأسك ؟

" .

قلت : نعم .

قال : " فاحلقه ، وصم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين ، أو انسك نسيكة " .

قال أيوب : لا أدري بأيتهن بدأ .

وقال أحمد أيضا : حدثنا هشيم ، أخبرنا أبو بشر عن مجاهد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ، ونحن محرمون وقد حصره المشركون وكانت لي وفرة ، فجعلت الهوام تساقط على وجهي ، فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أيؤذيك هوام رأسك ؟

" فأمره أن يحلق .

قال : ونزلت هذه الآية : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) .

وكذا رواه عفان ، عن شعبة ، عن أبي بشر ، وهو جعفر بن إياس ، به .

وعن شعبة ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، به .

وعن شعبة ، عن داود ، عن الشعبي ، عن كعب بن عجرة ، نحوه .

ورواه الإمام مالك عن حميد بن قيس ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة فذكر نحوه .

وقال سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة ، عن أبان بن صالح ، عن الحسن البصري : أنه سمع كعب بن عجرة يقول : فذبحت شاة .

رواه ابن مردويه .

وروي أيضا من حديث عمر بن قيس ، سندل وهو ضعيف عن عطاء ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " النسك شاة ، والصيام ثلاثة أيام ، والطعام فرق بين ستة " .

وكذا روي عن علي ، ومحمد بن كعب ، وعكرمة وإبراهيم [ النخعي ] ومجاهد ، وعطاء ، والسدي ، والربيع بن أنس .

وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا عبد الله بن وهب : أن مالك بن أنس حدثه عن عبد الكريم بن مالك الجزري ، عن مجاهد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن كعب بن عجرة : أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فآذاه القمل في رأسه ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق رأسه ، وقال : " صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين ، مدين مدين لكل إنسان ، أو انسك شاة ، أي ذلك فعلت أجزأ عنك " .

وهكذا روى ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس في قوله : ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) قال : إذا كان " أو " فأيه أخذت أجزأ عنك .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن مجاهد ، وعكرمة ، وعطاء ، وطاوس ، والحسن ، وحميد الأعرج ، وإبراهيم النخعي ، والضحاك ، نحو ذلك .

قلت : وهو مذهب الأئمة الأربعة وعامة العلماء أنه يخير في هذا المقام ، إن شاء صام ، وإن شاء تصدق بفرق ، وهو ثلاثة آصع ، لكل مسكين نصف صاع ، وهو مدان ، وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء ، أي ذلك فعل أجزأه .

ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل : ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة بذلك ، أرشده إلى الأفضل ، فالأفضل فقال : انسك شاة ، أو أطعم ستة مساكين أو صم ثلاثة أيام .

فكل حسن في مقامه .

ولله الحمد والمنة .

وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو بكر بن عياش قال : ذكر الأعمش قال : سأل إبراهيم سعيد بن جبير عن هذه الآية : ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) فأجابه يقول : يحكم عليه طعام ، فإن كان عنده اشترى شاة ، وإن لم يكن قومت الشاة دراهم ، وجعل مكانها طعام فتصدق ، وإلا صام بكل نصف صاع يوما ، قال إبراهيم : كذلك سمعت علقمة يذكر .

قال : لما قال لي سعيد بن جبير : من هذا ؟

ما أظرفه !

قال : قلت : هذا إبراهيم .

فقال : ما أظرفه !

كان يجالسنا .

قال : فذكرت ذلك لإبراهيم ، قال : فلما قلت : " يجالسنا " انتفض منها .

وقال ابن جرير أيضا : حدثنا ابن أبي عمران ، حدثنا عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن أشعث ، عن الحسن في قوله : ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) قال : إذا كان بالمحرم أذى من رأسه ، حلق وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء ، والصيام عشرة أيام ، والصدقة على عشرة مساكين ، كل مسكين مكوكين : مكوكا من تمر ، ومكوكا من بر ، والنسك شاة .

وقال قتادة ، عن الحسن وعكرمة في قوله : ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) قال : إطعام عشرة مساكين .

وهذان القولان من سعيد بن جبير ، وعلقمة ، والحسن ، وعكرمة قولان غريبان فيهما نظر ; لأنه قد ثبتت السنة في حديث كعب بن عجرة بصيام ثلاثة أيام ، [ لا عشرة و ] لا ستة ، أو إطعام ستة مساكين أو نسك شاة ، وأن ذلك على التخيير كما دل عليه سياق القرآن .

وأما هذا الترتيب فإنما هو معروف في قتل الصيد ، كما هو نص القرآن .

وعليه أجمع الفقهاء هناك ، بخلاف هذا ، والله أعلم .

وقال هشيم : أخبرنا ليث ، عن طاوس : أنه كان يقول : ما كان من دم أو طعام فبمكة ، وما كان من صيام فحيث شاء .

وكذا قال عطاء ، ومجاهد ، والحسن .

وقال هشيم : أخبرنا حجاج وعبد الملك وغيرهما عن عطاء : أنه كان يقول : ما كان من دم فبمكة ، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء .

وقال هشيم : أخبرنا يحيى بن سعيد ، عن يعقوب بن خالد ، أخبرنا أبو أسماء مولى ابن جعفر ، قال : حج عثمان بن عفان ، ومعه علي والحسين بن علي ، فارتحل عثمان .

قال أبو أسماء : وكنت مع ابن جعفر ، فإذا نحن برجل نائم وناقته عند رأسه ، قال : فقلت : أيها النؤوم .

فاستيقظ ، فإذا الحسين بن علي .

قال : فحمله ابن جعفر حتى أتينا به السقيا .

قال : فأرسل إلى علي ومعه أسماء بنت عميس .

قال : فمرضناه نحوا من عشرين ليلة .

قال : قال علي للحسين : ما الذي تجد ؟

قال : فأومأ بيده إلى رأسه .

قال : فأمر به علي فحلق رأسه ، ثم دعا ببدنة فنحرها .

فإن كانت هذه الناقة عن الحلق ففيه أنه نحرها دون مكة .

وإن كانت عن التحلل فواضح .

وقوله : ( فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) أي : إذا تمكنتم من أداء المناسك ، فمن كان منكم متمتعا بالعمرة إلى الحج ، وهو يشمل من أحرم بهما ، أو أحرم بالعمرة أولا فلما فرغ منها أحرم بالحج وهذا هو التمتع الخاص ، وهو المعروف في كلام الفقهاء .

والتمتع العام يشمل القسمين ، كما دلت عليه الأحاديث الصحاح ، فإن من الرواة من يقول : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وآخر يقول : قرن .

ولا خلاف أنه ساق الهدي .

وقال تعالى : ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) أي : فليذبح ما قدر عليه من الهدي ، وأقله شاة ، وله أن يذبح البقر ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عن نسائه البقر .

وقال الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح بقرة عن نسائه ، وكن متمتعات .

رواه أبو بكر بن مردويه .

وفي هذا دليل على شرعية التمتع ، كما جاء في الصحيحين عن عمران بن حصين قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله ، وفعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم لم ينزل قرآن يحرمه ، ولم ينه عنها ، حتى مات .

قال رجل برأيه ما شاء .

قال البخاري : يقال : إنه عمر .

وهذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرحا به أن عمر ، رضي الله عنه ، كان ينهى الناس عن التمتع ، ويقول : إن نأخذ بكتاب الله فإن الله يأمر بالتمام .

يعني قوله : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) وفي نفس الأمر لم يكن عمر ، رضي الله عنه ، ينهى عنها محرما لها ، إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس للبيت حاجين ومعتمرين ، كما قد صرح به ، رضي الله عنه .

وقوله : ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ) يقول تعالى : فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج ، أي : في أيام المناسك .

قال العلماء : والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر ، قاله عطاء .

أو من حين يحرم ، قاله ابن عباس وغيره ، لقوله : ( في الحج ) ومنهم من يجوز صيامها من أول شوال ، قاله طاوس ومجاهد وغير واحد .

وجوز الشعبي صيام يوم عرفة وقبله يومين ، وكذا قال مجاهد ، وسعيد بن جبير ، والسدي ، وعطاء ، وطاوس ، والحكم ، والحسن ، وحماد ، وإبراهيم ، وأبو جعفر الباقر ، والربيع ، ومقاتل بن حيان .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : إذا لم يجد هديا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة ، فإذا كان يوم عرفة الثالث فقد تم صومه وسبعة إذا رجع إلى أهله .

وكذا روى أبو إسحاق عن وبرة ، عن ابن عمر ، قال : يصوم يوما قبل التروية ، ويوم التروية ، ويوم عرفة .

وكذا روي عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي أيضا .

فلو لم يصمها أو بعضها قبل [ يوم ] العيد فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق ؟

فيه قولان للعلماء ، وهما للإمام الشافعي أيضا ، القديم منهما أنه يجوز له صيامها لقول عائشة وابن عمر في صحيح البخاري : لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي .

وكذا رواه مالك ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة .

وعن سالم ، عن ابن عمر [ إنما قالوا ذلك لعموم قوله : ( فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة ) ] .

وقد روي من غير وجه عنهما .

ورواه سفيان ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي أنه كان يقول : من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج صامهن أيام التشريق .

وبهذا يقول عبيد بن عمير الليثي وعكرمة ، والحسن البصري ، وعروة بن الزبير ; وإنما قالوا ذلك لعموم قوله : ( فصيام ثلاثة أيام في الحج ) والجديد من القولين : أنه لا يجوز صيامها أيام التشريق ، لما رواه مسلم عن نبيشة الهذلي ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله " .

وقوله : ( وسبعة إذا رجعتم ) فيه قولان : أحدهما : إذا رجعتم في الطريق .

ولهذا قال مجاهد : هي رخصة إذا شاء صامها في الطريق .

وكذا قال عطاء بن أبي رباح .

والقول الثاني : إذا رجعتم إلى أوطانكم ; قال عبد الرزاق : أخبرنا الثوري ، عن يحيى بن سعيد ، عن سالم ، سمعت ابن عمر قال : ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ) قال : إذا رجع إلى أهله ، وكذا روي عن سعيد بن جبير ، وأبي العالية ، ومجاهد ، وعطاء ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة ، والزهري ، والربيع بن أنس .

وحكى على ذلك أبو جعفر بن جرير الإجماع .

وقد قال البخاري : حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله أن ابن عمر قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة ، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج ، فتمتع الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج .

فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ، ومنهم من لم يهد .

فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس : " من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه ، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ، وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج ، فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " .

وذكر تمام الحديث .

قال الزهري : وأخبرني عروة ، عن عائشة بمثل ما أخبرني سالم عن أبيه والحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري ، به .

وقوله : ( تلك عشرة كاملة ) قيل : تأكيد ، كما تقول العرب : رأيت بعيني ، وسمعت بأذني وكتبت بيدي .

وقال الله تعالى : ( ولا طائر يطير بجناحيه ) [ الأنعام : 38 ] وقال : ( ولا تخطه بيمينك ) [ العنكبوت : 48 ] ، وقال : ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ) [ الأعراف : 142 ] .

وقيل : معنى ( كاملة ) الأمر بإكمالها وإتمامها ، اختاره ابن جرير .

وقيل : معنى ( كاملة ) أي : مجزئة عن الهدي .

قال هشيم ، عن عباد بن راشد ، عن الحسن البصري ، في قوله : ( تلك عشرة كاملة ) قال : من الهدي .

وقوله : ( ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ) قال ابن جرير : اختلف أهل التأويل فيمن عني بقوله : ( لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ) بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به ، وأنه لا متعة لهم ، فقال بعضهم : عني بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم .

حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان هو الثوري قال : قال ابن عباس ومجاهد : هم أهل الحرم .

وكذا روى ابن المبارك ، عن الثوري ، وزاد : الجماعة عليه .

وقال قتادة : ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول : يا أهل مكة ، لا متعة لكم ، أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم ، إنما يقطع أحدكم واديا أو قال : يجعل بينه وبين الحرم واديا ثم يهل بعمرة .

وقال عبد الرزاق : حدثنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه قال : المتعة للناس لا لأهل مكة من لم يكن أهله من الحرم .

وذلك قول الله عز وجل : ( ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ) قال : وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس .

وقال آخرون : هم أهل الحرم ومن بينه وبين المواقيت ، كما قال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن رجل ، عن عطاء ، قال : من كان أهله دون المواقيت ، فهو كأهل مكة ، لا يتمتع .

وقال عبد الله بن المبارك ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن مكحول ، في قوله : ( ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ) قال : من كان دون الميقات .

وقال ابن جريج عن عطاء : ( ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ) قال : عرفة ، ومر ، وعرنة ، وضجنان ، والرجيع .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، سمعت الزهري يقول : من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع .

وفي رواية عنه : اليوم واليومين .

واختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي أنهم أهل الحرم ، ومن كان منه على مسافة لا تقصر منها الصلاة ; لأن من كان كذلك يعد حاضرا لا مسافرا ، والله أعلم .

وقوله : ( واتقوا الله ) أي : فيما أمركم وما نهاكم ( واعلموا أن الله شديد العقاب ) أي : لمن خالف أمره ، وارتكب ما عنه زجره .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وأتموا الحج والعمرة لله القول في تأويل قوله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , فقال بعضهم : معنى ذلك أتموا الحج بمناسكه وسنته , وأتموا العمرة بحدودها وسننها .

ذكر من قال ذلك : 2599 - حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري , قال .

ثنا عبد الله بن نمير , عن الأعمش , عن إبراهيم , عن علقمة : { وأتموا الحج والعمرة لله } قال : هو في قراءة عبد الله : { وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت } قال : لا تجاوزوا بالعمرة البيت .

قال إبراهيم : فذكرت ذلك لسعيد بن جبير , فقال : كذلك قال ابن عباس .

2600 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي , قال : ثنا سفيان , عن منصور , عن إبراهيم أنه قرأ : " وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت " .

2601 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن الأعمش , عن إبراهيم , عن علقمة أنه قرأ : " وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت " .

2602 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثنا معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { وأتموا الحج والعمرة لله } يقول : من أحرم بحج أو بعمرة فليس له أن يحل حتى يتمها تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة وزار البيت فقد حل من إحرامه كله , وتمام العمرة إذا طاف بالبيت وبالصفا والمروة , فقد حل .

2603 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , وحدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة قال : ثنا شبل جميعا , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { وأتموا الحج والعمرة لله } قال : ما أمروا فيهما .

2604 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي عفر , عن أبيه , عن الربيع قوله : { وأتموا الحج والعمرة لله } قال : قال إبراهيم عن علقمة بن قيس قال : " الحج " : مناسك الحج , و " العمرة " : لا يجاوز بها البيت .

2605 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن إبراهيم : { وأتموا الحج والعمرة لله } قال : قال تقضى مناسك الحج عرفة والمزدلفة ومواطنها , والعمرة للبيت أن يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم يحل .

وقال آخرون : تمامهما أن تحرم بهما مفردين من دويرة أهلك .

ذكر من قال ذلك : 2606 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن عمرو بن مرة , عن عبد الله بن سلمة , عن علي أنه قال : جاء رجل إلى علي فقال له في هذه الآية : { وأتموا الحج والعمرة لله } أن تحرم من دويرة أهلك .

* حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون بن المغيرة , عن عنبسة , عن شعبة , عن عمرو بن مرة , عن عبد الله بن سلمة , قال : جاء رجل إلى علي رضوان الله عليه , فقال : أرأيت قول الله عز وجل : { وأتموا الحج والعمرة لله } ؟

قال : أن تحرم من دويرة أهلك .

2607 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن محمد بن سوقة , عن سعيد بن جبير , قال : من تمام العمرة أن تحرم من دويرة أهلك .

2608 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن ثور بن يزيد , عن سليمان بن موسى , عن طاوس , قال : تمامهما : إفرادهما مؤتنفتين من أهلك .

* حدثني المثنى , قال : ثنا سفيان , عن ثور , عن سليمان بن موسى , عن طاوس : { وأتموا الحج والعمرة لله } قال : تفردهما مؤقتتين من أهلك , فذلك تمامهما .

وقال آخرون : تمام العمرة أن تعمل في غير أشهر الحج , وتمام الحج أن يؤتى بمناسكه كلها حتى لا يلزم عامله دم بسبب قران ولا متعة .

ذكر من قال ذلك : 2609 - حدثنا بشر , قال : ثنا زيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { وأتموا الحج والعمرة لله } قال : وتمام العمرة ما كان في غير أشهر الحج .

وما كان في أشهر الحج , ثم أقام حتى يحج في , متعة عليه فيها الهدي إن وجد , وإلا صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع .

* حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { وأتموا الحج والعمرة لله } قال : ما كان في غير أشهر الحج فهي عمرة تامة , وما كان في أشهر الحج فهي متعة وعليه الهدي .

2610 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , عن ابن عون , قال : سمعت القاسم بن محمد يقول : إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة .

قال : فقيل له : العمرة في المحرم ؟

قال : كانوا يرونها تامة .

وقال آخرون : إتمامهما أن تخرج من أهلك لا تريد غيرهما .

ذكر من قال ذلك : 2611 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : حدثني رجل , عن سفيان , قال : هو يعني تمامهما أن تخرج من أهلك لا تريد إلا الحج والعمرة , وتهل من الميقات ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة , حتى إذا كنت قريبا من مكة قلت : لو حججت أو اعتمرت .

وذلك يجزئ , ولكن التمام أن تخرج له لا تخرج لغيره .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : أتموا الحج والعمرة لله إذا دخلتم فيهما .

ذكر من قال ذلك : 2612 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : ليست العمرة واجبة على أحد من الناس .

قال : فقلت له : قول الله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } ؟

قال : ليس من الخلق أحد ينبغي له إذا دخل في أمر إلا أن يتمه , فإذا دخل فيها لم ينبغ له أن يهل يوما أو يومين ثم يرجع , كما لو صام يوما لم ينبغ له أن يفطر في نصف النهار .

وكان الشعبي يقرأ ذلك رفعا .

2613 - حدثنا ابن المثنى , قال : حدثنا يحيى بن سعيد , عن شعبة , قال : حدثني سعيد بن أبي بردة أن الشعبي وأبا بردة تذاكرا العمرة , قال : فقال الشعبي : تطوع { وأتموا الحج والعمرة لله } وقال أبو بردة : هي واجبة { وأتموا الحج والعمرة لله } 2614 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا ابن عون , عن الشعبي أنه كان يقرأ { وأتموا الحج والعمرة لله } وقد روي عن الشعبي خلاف هذا القول , وإن كان المشهور عنه من القول هو هذا .

وذلك ما : 2615 - حدثني به المثنى , قال : ثنا الحجاج بن المنهال , قال : ثنا أبو عوانة , عن المغيرة , عن الشعبي , قال : العمرة واجبة .

فقراءة من قال : العمرة واجبة نصبها بمعنى أقيموا فرض الحج والعمرة .

كما : 2616 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : أخبرنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : سمعت أبا إسحاق , يقول : سمعت مسروقا يقول : أمرتم في كتاب الله بأربع : بإقام الصلاة , وإيتاء الزكاة , والحج , والعمرة ; قال : ثم تلا هذه الآية : { ولله على الناس حج البيت } 3 97 { وأتموا الحج والعمرة لله } إلى البيت .

* حدثني أبو السائب , قال : ثنا ابن إدريس , قال : سمعت ليثا يروي عن الحسن , عن مسروق , قال : أمرنا بإقامة أربعة : الصلاة , والزكاة , والعمرة , والحج , فنزلت العمرة من الحج منزلة الزكاة من الصلاة .

2617 - حدثنا ابن بشار , قال : أنبأنا محمد بن بكر , قال : ثنا ابن جريج , قال : قال علي بن حسين وسعيد بن جبير , وسئلا : أواجبة العمرة على الناس ؟

فكلاهما قال : ما نعلمها إلا واجبة , كما قال الله : { وأتموا الحج والعمرة لله } 2618 - حدثنا سوار بن عبد الله , قال : ثنا يحيى بن سعيد القطان , عن عبد الملك بن أبي سليمان , قال : سأل رجل سعيد بن جبير عن العمرة فريضة هي أم تطوع ؟

قال : فريضة .

قال : فإن الشعبي يقول : هي تطوع .

قال : كذب الشعبي !

وقرأ : { وأتموا الحج والعمرة لله } 2619 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة عمن سمع عطاء يقول في قوله : { وأتموا الحج والعمرة لله } قال : هما واجبان : الحج , والعمرة .

فتأويل هؤلاء في قوله تبارك وتعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } أنهما فرضان واجبان من الله تبارك وتعالى أمر بإقامتهما , كما أمر بإقامة الصلاة , وأنهما فريضتان , وأوجب العمرة وجوب الحج .

وهم عدد كثير من الصحابة والتابعين , ومن بعدهم من الخالفين كرهنا تطويل الكتاب بذكرهم وذكر الروايات عنهم .

وقالوا : معنى قوله : { وأتموا الحج والعمرة لله } وأقيموا الحج والعمرة .

ذكر من قال ذلك : 2620 - حدثنا موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي قوله : { وأتموا الحج والعمرة لله } يقول : أقيموا الحج والعمرة .

2621 - حدثنا أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا إسرائيل , عن ثوير , عن أبيه , عن علي : " وأقيموا الحج والعمرة للبيت " ثم هي واجبة مثل الحج .

2622 - حدثنا أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا إسرائيل , قال : ثنا ثوير , عن أبيه , عن عبد الله : " وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت " ثم قال عبد الله : والله لولا التحرج وأني لم أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها شيئا , لقلت إن العمرة واجبة مثل الحج .

وكأنهم عنوا بقوله : أقيموا الحج والعمرة : ائتوا بهما بحدودهما وأحكامهما على ما فرض عليكم .

وقال آخرون ممن قرأ قراءة هؤلاء بنصب العمرة : العمرة تطوع .

ورأوا أنه لا دلالة على وجوبها في نصبهم العمرة في القراءة , إذ كان من الأعمال ما قد يلزم العبد عمله وإتمامه بدخوله فيه , ولم يكن ابتداء الدخول فيه فرضا عليه , وذلك كالحج التطوع لا خلاف بين الجميع فيه أنه إذا أحرم به أن عليه المضي فيه وإتمامه ولم يكن فرضا عليه ابتداء الدخول فيه .

وقالوا : فكذلك العمرة غير فرض واجب الدخول فيها ابتداء , غير أن على من دخل فيها وأوجبها على نفسه إتمامها بعد الدخول فيها .

قالوا : فليس في أمر الله بإتمام الحج والعمرة دلالة على وجوب فرضها .

قالوا : وإنما أوجبنا فرض الحج بقوله عز وجل : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } 3 97 وممن قال ذلك جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين .

ذكر من قال ذلك : 2623 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا : ثنا ابن إدريس , قال : سمعت سعيد بن أبي عروبة , عن أبي معشر عن إبراهيم , قال : قال عبد الله : الحج فريضة , والعمرة تطوع .

* حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن ابن أبي عروبة , عن أبي معشر , عن النخعي , عن ابن مسعود مثله .

2624 - وحدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن عثمة , قال : ثنا سعيد بن بشير , عن قتادة , عن سعيد بن جبير , قال : العمرة ليست بواجبة .

2625 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن سماك , قال : سألت إبراهيم عن العمرة فقال : سنة حسنة .

* حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , عن مغيرة , عن إبراهيم , مثله .

* حدثني المثنى , قال : ثنا حجاج , قال : ثنا أبو عوانة , عن المغيرة , عن إبراهيم , مثله .

* حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن المغيرة , عن إبراهيم , مثله .

2626 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد , قال : ثنا عبد الله بن عون , عن الشعبي , قال : العمرة تطوع .

فأما الذين قرءوا ذلك برفع العمرة فإنهم قالوا : لا وجه لنصبها , فالعمرة إنما هي زيارة البيت , ولا يكون مستحقا اسم معتمر إلا وهو له زائر ; قالوا : وإذا كان لا يستحق اسم معتمر إلا بزيارته , وهو متى بلغه فطاف به وبالصفا والمروة , فلا عمل يبقى بعده يؤمر بإتمامه بعد ذلك , كما يؤمر بإتمامه الحاج بعد بلوغه والطواف به وبالصفا والمروة بإتيان عرفة والمزدلفة , والوقوف بالمواضع التي أمر بالوقوف بها وعمل سائر أعمال الحج الذي هو من تمامه بعد إتيان البيت لم يكن لقول القائل للمعتمر أتم عمرتك وجه مفهوم , وإذا لم يكن له وجه مفهوم .

.

فالصواب من القراءة في العمرة الرفع على أنه من أعمال البر لله , فتكون مرفوعة بخبرها الذي بعدها , وهو قوله : لله .

وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا , قراءة من قرأ بنصب العمرة على العطف بها على الحج , بمعنى الأمر بإتمامهما له .

ولا معنى لاعتلال من اعتل في رفعها بأن العمرة زيارة البيت , فإن المعتمر متى بلغه , فلا عمل بقي عليه يؤمر بإتمامه , وذلك أنه إذا بلغ البيت فقد انقضت زيارته وبقي عليه تمام العمل الذي أمره الله به في اعتماره , وزيارته البيت ; وذلك هو الطواف بالبيت , والسعي بين الصفا والمروة , وتجنب ما أمر الله بتجنبه إلى إتمامه ذلك , وذلك عمل وإن كان مما لزمه بإيجاب الزيارة على نفسه غير الزيارة .

هذا مع إجماع الحجة على قراءة العمرة بالنصب , ومخالفة جميع قراء الأمصار قراءة من قرأ ذلك رفعا , ففي ذلك مستغنى عن الاستشهاد على خطأ من قرأ ذلك رفعا .

وأما أولى القولين اللذين ذكرنا بالصواب في تأويل قوله : { والعمرة لله } على قراءة من قرأ ذلك نصبا فقول عبد الله بن مسعود , ومن قال بقوله من أن معنى ذلك : وأتموا الحج والعمرة لله إلى البيت بعد إيجابكم إياهما لا أن ذلك أمر من الله عز وجل بابتداء عملهما والدخول فيهما وأداء عملهما بتمامه بهذه الآية , وذلك أن الآية محتملة للمعنيين اللذين وصفنا من أن يكون أمرا من الله عز وجل بإقامتهما ابتداء وإيجابا منه على العباد فرضهما , وأن يكون أمرا منه بإتمامهما بعد الدخول فيهما , وبعد إيجاب موجبهما على نفسه , فإذا كانت الآية محتملة للمعنيين اللذين وصفنا , فلا حجة فيها لأحد الفريقين على الآخر , إلا وللآخر عليه فيها مثلها .

وإذا كان كذلك ولم يكن بإيجاب فرض العمرة خبر عن الحجة للعذر قاطعا , وكانت الأمة في وجوبها متنازعة , لم يكن لقول قائل - هي فرض بغير برهان دال على صحة قوله - معنى , إذ كانت الفروض لا تلزم العباد إلا بدلالة على لزومها إياهم واضحة .

فإن ظن ظان أنها واجبة وجوب الحج , وأن تأويل من تأول قوله : { وأتموا الحج والعمرة لله } بمعنى : أقيموا حدودهما وفروضهما أولى من تأويلنا بما : 2627 - حدثني به حاتم بن بكير الضبي , قال : ثنا أشهل بن حاتم الأرطبائي , قال : ثنا ابن عون , عن محمد بن جحادة , عن رجل , عن زميل له , عن أبيه , وكان أبوه يكنى أبا المنتفق , قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة , فدنوت منه , حتى اختلفت عنق راحلتي وعنق راحلته , فقلت : يا رسول الله أنبئني بعمل ينجيني من عذاب الله ويدخلني جنته !

قال : " اعبد الله ولا تشرك به شيئا , وأقم الصلاة المكتوبة , وأد الزكاة المفروضة , وحج واعتمر " قال أشهل : وأظنه قال : " وصم رمضان , وانظر ماذا تحب من الناس أن يأتوه إليك فافعله بهم , وما تكره من الناس أن يأتوه إليك فذرهم منه " .

2628 - وما حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن إبراهيم , قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي , ومحمد بن أبي عدي , عن شعبة , عن النعمان بن سالم , عن عمرو بن أوس , عن أبي رزين العقيلي رجل من بني عامر قال : قلت يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن , وقد أدركه الإسلام , أفأحج عنه ؟

قال : " حج عن أبيك واعتمر " .

2629 - وما حدثني به يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن أيوب , عن أبي قلابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال : " اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا , وأقيموا الصلاة , وآتوا الزكاة , وحجوا واعتمروا واستقيموا يستقم لكم " .

وما أشبه ذلك من الأخبار , فإن هذه أخبار لا يثبت بمثلها في الدين حجة لوهي أسانيدها , وأنها مع وهي أسانيدها لها في الأخبار أشكال تنبئ عن أن العمرة تطوع لا فرض واجب .

وهو ما : 2630 - حدثنا به محمد بن حميد , ومحمد بن عيسى الدامغاني , قالا : ثنا عبد الله بن المبارك , عن الحجاج بن أرطاة , عن محمد بن المنكدر , عن جابر بن عبد الله , عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه سئل عن العمرة أواجبة هي ؟

, فقال : " لا , وإن تعتمروا خير لكم " .

2631 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , وحدثني يحيى بن طلحة اليربوعي , قال : ثنا شريك , عن معاوية بن إسحاق , عن أبي صالح الحنفي , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحج جهاد والعمرة تطوع " .

وقد زعم بعض أهل الغباء أنه قد صح عنده أن العمرة واجبة بأنه لم يجد تطوعا إلا وله إمام من المكتوبة فلما صح أن العمرة تطوع وجب أن يكون لها فرض , لأن الفرض إمام التطوع في جميع الأعمال .

فيقال لقائل ذلك : فقد جعل الاعتكاف تطوعا , فما الفرض الذي هو إمام متطوعه ؟

ثم يسأل عن الاعتكاف أواجب هو أم غير واجب ؟

فإن قال : واجب , خرج من قول جميع الأمة , وإن قال : تطوع , قيل : فما الذي أوجب أن يكون الاعتكاف تطوعا والعمرة فرضا من الوجه الذي يجب التسليم له ؟

فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله .

وبما استشهدنا من الأدلة , فإن أولى القراءتين بالصواب في العمرة قراءة من قرأها نصبا .

وإن أولى التأويلين في قوله { وأتموا الحج والعمرة لله } تأويل ابن عباس الذي ذكرنا عنه من رواية علي بن أبي طلحة عنه من أنه أمر من الله بإتمام أعمالهما بعد الدخول فيهما وإيجابهما على ما أمر به من حدودهما وسننهما .

وإن أولى القولين في العمرة بالصواب قول من قال : هي تطوع لا فرض .

وإن معنى الآية : وأتموا أيها المؤمنون الحج والعمرة لله بعد دخولكم فيهما وإيجابكموهما على أنفسكم على ما أمركم الله من حدودهما .

وإنما أنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية على نبيه عليه الصلاة والسلام في عمرة الحديبية التي صد فيها عن البيت معرفة المؤمنين فيها ما عليهم في إحرامهم إن خلي بينهم وبين البيت ومبينا لهم فيها ما المخرج لهم من إحرامهم إن أحرموا , فصدوا عن البيت وبذكر اللازم لهم من الأعمال في عمرتهم التي اعتمروها عام الحديبية وما يلزمهم فيها بعد ذلك في عمرتهم وحجهم , افتتح بقوله : { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج } وقد دللنا فيما مضى على معنى الحج والعمرة بشواهد , فكرهنا تطويل الكتاب بإعادته .فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي القول في تأويل قوله تعالى : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } .

اختلف أهل التأويل في الإحصار الذي جعل الله على من ابتلي به في حجه وعمرته ما استيسر من الهدي , فقال بعضهم : هو كل مانع أو حابس منع المحرم وحبسه عن العمل الذي فرضه الله عليه في إحرامه ووصوله إلى البيت الحرام .

ذكر من قال ذلك : 2632 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد أنه كان يقول : الحصر : الحبس كله .

يقول : أيما رجل اعترض له في حجته أو عمرته فإنه يبعث بهديه من حيث يحبس .

قال : وقال مجاهد في قوله : { فإن أحصرتم } فإن أحصرتم : يمرض إنسان أو يكسر أو يحبسه أمر فغلبه كائنا ما كان , فليرسل بما استيسر من الهدي , ولا يحلق رأسه , ولا يحل حتى يوم النحر .

* حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

2633 - حدثنا المثنى , قال : حدثنا أبو نعيم , قال : ثنا سفيان , عن ابن جريج , عن عطاء , قال : الإحصار كل شيء يحبسه .

2634 - وحدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , عن سعيد , عن قتادة أنه قال : في المحصر : هو الخوف والمرض والحابس إذا أصابه ذلك بعث بهديه , فإذا بلغ الهدي محله حل .

* حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , عن سعيد , عن قتادة قوله : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } قال : هذا رجل أصابه خوف أو مرض أو حابس حبسه عن البيت يبعث بهديه , فإذا بلغ محله صار حلالا .

2635 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا أبو معاوية , عن هشام بن عروة , عن أبيه , قال : كل شيء حبس المحرم فهو إحصار .

2636 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن إبراهيم , قال أبو جعفر : أحسبه عن شريك , عن إبراهيم بن المهاجر , عن إبراهيم : { فإن أحصرتم } قال : مرض أو كسر أو خوف .

2637 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : حدثني معاوية , عن علي عن ابن عباس قوله : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } يقول : من أحرم بحج أو بعمرة , ثم حبس عن البيت بمرض يجهده , أو عذر يحبسه فعليه قضاؤها .

وعلة من قال بهذه المقالة أن الإحصار معناه في كلام العرب : منع العلة من المرض وأشباهه غير القهر والغلبة من قاهر الغالب إلا غلبة علة من مرض أو لدغ أو جراحة , أو ذهاب نفقة , أو كسر راحلة .

فأما منع العدو , وحبس حابس في سجن , وغلبة غالب حائل بين المحرم والوصول إلى البيت من سلطان , أو إنسان قاهر مانع , فإن ذلك إنما تسميه العرب حصرا لا إحصارا .

قالوا : ومما يدل على ذلك قول الله جل ثناؤه : { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } 17 8 يعني به : حاصرا : أي حابسا .

قالوا : ولو كان حبس القاهر الغالب من غير العلل التي وصفنا يسمى إحصارا لوجب أن يقال : قد أحصر العدو .

قالوا : وفي اجتماع لغات العرب على " حوصر العدو " و " العدو محاصر " , دون " أحصر العدو " و " هم محصرون " , و " أحصر الرجل " بالعلة من المرض والخوف , أكبر الدلالة على أن الله جل ثناؤه إنما عنى بقوله : { فإن أحصرتم } بمرض أو خوف أو علة مانعة .

قالوا : وإنما جعلنا حبس العدو ومنعه المحرم من الوصول إلى البيت بمعنى حصر المرض قياسا على ما جعل الله جل ثناؤه من ذلك للمريض الذي منعه المرض من الوصول إلى البيت , لا بدلالة ظاهر قوله : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } إذ كان حبس العدو والسلطان والقاهر علة مانعة , نظيره العلة المانعة من المرض والكسر .

وقال آخرون : معنى قوله : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } فإن حبسكم عدو عن الوصول إلى البيت , أو حابس قاهر من بني آدم .

قالوا : فأما العلل العارضة في الأبدان كالمرض والجراح وما أشبهها , فإن ذلك غير داخل في قوله : { فإن أحصرتم } ذكر من قال ذلك : 2638 - حدثنا محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد وعطاء , عن ابن عباس أنه قال : الحصر : حصر العدو , فيبعث الرجل بهديته , فإن كان لا يستطيع أن يصل إلى البيت من العدو , فإن وجد من يبلغها عنه إلى مكة , فإنه يبعث بها ويحرم - قال محمد بن عمرو , قال أبو عاصم : لا ندري قال يحرم أو يحل - من يوم يواعد فيه صاحب الهدي إذا اشترى , فإذا أمن فعليه أن يحج أو يعتمر , فإذا أصابه مرض يحبسه وليس معه هدي , فإنه يحل حيث يحبس , فإن كان معه هدي فلا يحل حتى يبلغ الهدي محله , فإذا بعث به فليس عليه أن يحج قابلا , ولا يعتمر إلا أن يشاء .

2639 - حدثنا عن أبي عبيد القاسم بن سلام , قال : ثني يحيى بن سعيد , عن ابن جريج , عن ابن طاوس , عن أبيه , عن ابن عباس , قال : لا حصر إلا من حبس عدو .

2640 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد وعطاء , عن ابن عباس مثل حديث محمد بن عمرو , عن أبي عاصم , إلا أنه قال : فإنه يبعث بها ويحرم من يوم واعد فيه صاحب الهدية إذا اشترى .

ثم ذكر سائر الحديث مثل حديث محمد بن عمرو , عن أبي عاصم .

وقال مالك بن أنس : " بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل وأصحابه بالحديبية , فنحروا الهدي , وحلقوا رءوسهم , وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت , وقبل أن يصل إليه الهدي , ثم لم نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ولا أن يعودوا لشيء " .

2641 - حدثني بذلك يونس , قال : أخبرنا ابن وهب عنه .

قال : وسئل مالك عمن أحصر بعدو وحيل بينه وبين البيت ؟

فقال : يحل من كل شيء , وينحر هديه , ويحلق رأسه حيث يحبس , وليس عليه قضاء إلا أن يكون لم يحج قط , فعليه أن يحج حجة الإسلام .

قال : والأمر عندنا فيمن أحصر بغير عدو بمرض أو ما أشبهه , أن يبدأ بما لا بد منه , ويفتدي , ثم يجعلها عمرة , ويحج عاما قابلا ويهدي .

وعلة من قال هذه المقالة - أعني من قال قول مالك - أن هذه الآية نزلت في حصر المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت , فأمر الله نبيه ومن معه بنحر هداياهم والإحلال .

قالوا : فإنما أنزل الله هذه الآية في حصر العدو , فلا يجوز أن يصرف حكمها إلى غير المعنى الذي نزلت فيه .

قالوا : وأما المريض , فإنه إذا لم يطق لمرضه السير حتى فاتته عرفة , فإنما هو رجل فاته الحج , عليه الخروج من إحرامه بما يخرج به من فاته الحج , وليس من معنى المحصر الذي نزلت هذه الآية في شأنه .

وأولى التأويلين بالصواب في قوله : { فإن أحصرتم } تأويل من تأوله بمعنى : فإن أحصركم خوف عدو أو مرض أو علة عن الوصول إلى البيت , أي صيركم خوفكم أو مرضكم تحصرون أنفسكم , فتحبسونها عن النفوذ لما أوجبتموه على أنفسكم من عمل الحج والعمرة .

فلذا قيل " أحصرتم " , لما أسقط ذكر الخوف والمرض .

يقال منه : أحصرني خوفي من فلان عن لقائك , ومرضي عن فلان , يراد به : جعلني أحبس نفسي عن ذلك .

فأما إذا كان الحابس الرجل والإنسان , قيل : حصرني فلان عن لقائك , بمعنى حبسني عنه .

فلو كان معنى الآية ما ظنه المتأول من قوله : { فإن أحصرتم } فإن حبسكم حابس من العدو عن الوصول إلى البيت , لوجب أن يكون : فإن أحصرتم .

ومما يعين صحة ما قلناه من أن تأويل الآية مراد بها إحصار غير العدو وأنه إنما يراد بها الخوف من العدو , قوله : { فإن أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } والأمن إنما يكون بزوال الخوف .

وإذا كان ذلك كذلك , فمعلوم أن الإحصار الذي عنى الله في هذه الآية هو الخوف الذي يكون بزواله الأمن .

وإذا كان ذلك كذلك , لم يكن حبس الحابس الذي ليس مع حبسه خوف على النفس من حبسه داخلا في حكم الآية بظاهرها المتلو , وإن كان قد يلحق حكمه عندنا بحكمه من وجه القياس من أجل أن حبس من لا خوف على النفس من حبسه , كالسلطان غير المخوفة عقوبته , والوالد وزوج المرأة , إن كان منهم أو من بعضهم حبس , ومنع عن الشخوص لعمل الحج , أو الوصول إلى البيت بعد إيجاب الممنوع الإحرام , غير داخل في ظاهر قوله : { فإن أحصرتم } لما وصفنا من أن معناه : فإن أحصركم خوف عدو , بدلالة قوله : { فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } وقد بين الخبر الذي ذكرنا آنفا عن ابن عباس أنه قال : الحصر : حصر العدو .

وإذ كان ذلك أولى التأويلين بالآية لما وصفنا , وكان ذلك منعا من الوصول إلى البيت , فكل مانع عرض للمحرم فصده عن الوصول إلى البيت , فهو له نظير في الحكم .

ثم اختلف أهل العلم في تأويل قوله : { فما استيسر من الهدي } فقال بعضهم : هو شاة .

ذكر من قال ذلك : 2642 - حدثنا عبد الحميد بن بيان القناد , قال : أخبرنا إسحاق الأزرق , عن يونس بن أبي إسحاق السبيعي , عن مجاهد , عن ابن عباس , قال : { ما استيسر من الهدي } شاة .

* حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , وحدثنا عبد الحميد , قال : أخبرنا إسحاق , قال : ثنا سفيان , عن حبيب , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : { ما استيسر من الهدي } شاة .

* حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن يزيد بن أبي زياد , عن مجاهد عن ابن عباس , مثله .

2643 - حدثني ابن المثنى , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن أبي إسحاق , عن النعمان بن مالك , قال : تمتعت فسألت ابن عباس فقال : { ما استيسر من الهدي } قال : قلت شاة ؟

قال : شاة .

2644 - حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : ثنا إسحاق , عن شريك , عن أبي إسحاق , عن النعمان بن مالك , قال : سألت ابن عباس عما استيسر من الهدي ؟

قال : من الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والمعز والضأن .

2645 - حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم , قالا : ثنا هشيم , قال الزهري : أخبرنا وسئل عن قول الله جل ثناؤه : { فما استيسر من الهدي } قال : كان ابن عباس يقول : من الغنم .

* حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا يونس بن أبي إسحاق , عن مجاهد , عن ابن عباس قال : ما استيسر من الهدي : من الأزواج الثمانية .

2646 - حدثنا ابن عبد الأعلى , قال : ثنا خالد , قال : قيل للأشعث : ما قول الحسن : { فما استيسر من الهدي } ؟

قال : شاة .

2647 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن قتادة : { فما استيسر من الهدي } ؟

قال : شاة .

2648 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن قتادة .

{ فما استيسر من الهدي } قال : أعلاه بدنة , وأوسطه بقرة , وأخسه شاة .

* حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , مثله , إلا أنه كان يقال : أعلاه بدنة , وذكر سائر الحديث مثله .

* حدثنا ابن بشار قال : ثنا مسلم بن إبراهيم , قال : ثنا همام , عن قتادة , عن زرارة , عن ابن عباس , قال : { فما استيسر من الهدي } شاة .

* حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا أيوب , عن أبي جمرة , عن ابن عباس , مثله .

2649 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن ابن جريج , عن عطاء : { فما استيسر من الهدي } شاة .

* حدثنا أبو كريب , قال , حدثنا ابن يمان , قال : ثنا محمد بن نقيع , عن عطاء , مثله .

2650 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : المحصر مبعث بهدي شاة فما فوقها .

2651 - حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري , قال : ثنا ابن نمير , عن الأعمش , عن إبراهيم , عن علقمة قال : إذا أهل الرجل بالحج فأحصر , بعث بما استيسر من الهدي شاة .

قاله : فذكرت ذلك لسعيد بن جبير , فقال : كذلك قال ابن عباس .

* حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : ما استيسر من الهدي : شاة فما فوقها .

2652 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , وحدثنا المثنى , قاله : ثنا آدم العسقلاني عن شعبة , قال : ثنا أبو جمرة , عن ابن عباس , قال : ما استيسر من الهدي : جزور أو بقرة أو شاة , أو شرك في دم .

2653 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : سمعت يحيى بن سعيد , قال : سمعت القاسم بن محمد يقول : إن ابن عباس كان يرى أن الشاة ما استيسر من الهدي .

* حدثنا المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الوهاب , عن خالد الحذاء , عن عكرمة , عن ابن عباس أنه قال : ما استيسر من الهدي : شاة .

2654 - حدثنا يعقوب , قال : ثنا هشيم , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : ما استيسر من الهدي : شاة .

2655 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا سهل بن يوسف قال : ثنا حميد , عن عبد الله بن عبيد بن عمير , قال : قال ابن عباس : الهدي : شاة , فقيل له : أيكون دون بقرة ؟

قال : فأنا أقرأ عليكم من كتاب الله ما تدرون به أن الهدي شاة !

ما في الظبي ؟

قالوا : شاة , قال : { هديا بالغ الكعبة } 5 95 * حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد , عن قيس بن سعد , عن عطاء بن أبي رباح , عن ابن عباس , قال : شاة .

2656 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن دلهم بن صالح , قال : سألت أبا جعفر , عن قوله ما استيسر من الهدي : فقال : شاة .

2657 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , أن مالك بن أنس حدثه عن جعفر بن محمد عن أبيه : أن علي بن أبي طالب كان يقول : ما استيسر من الهدي : شاة .

* حدثنا المثنى , قال : ثنا مطرف بن عبد الله , قال : ثنا مالك , عن جعفر بن محمد , عن أبيه , عن علي رضي الله عنه , مثله .

* حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عباس كان يقول : ما استيسر من الهدي : شاة .

2658 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال مالك : وذلك أحب إلي .

* حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قال : { فما استيسر من الهدي } قال : عليه , يعني المحصر هدي إن كان موسرا فمن الإبل , وإلا فمن البقر وإلا فمن الغنم .

* حدثني المثنى , قال : ثنا آدم العسقلاني , قال : ثنا ابن أبي ذئب , عن شعبة مولى ابن عباس , عن ابن عباس , قال : ما استيسر من الهدي : شاة , وما عظمت شعائر الله , فهو أفضل .

* حدثني يونس , قال : أخبرنا أشهب , قال : أخبرنا ابن لهيعة أن عطاء بن أبي رباح حدثه أن ما استيسر من الهدي : شاة .

وقال آخرون : " ما استيسر من الهدي " : من الإبل والبقر , سن دون سن .

ذكر من قال ذلك : 2659 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا معتمر , قال : سمعت عبيد الله , عن نافع , عن ابن عمر , قال : " ما استيسر من الهدي " : البقرة دون البقرة , والبعير دون البعير .

2660 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن بكر , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن أبي مجلز , قال : سأل رجل ابن عمر : ما استيسر من الهدي ؟

قال : أترضى شاة ؟

كأنه لا يرضاه .

2661 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا أيوب , عن القاسم بن محمد ونافع , عن ابن عمر قال : ما استيسر من الهدي : ناقة أو بقرة , فقيل له : ما استيسر من الهدي ؟

قال : الناقة دون الناقة , والبقرة دون البقرة .

2662 - حدثني المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن يزيد بن أبي زياد , عن مجاهد , عن ابن عمر أنه قال : { فما استيسر من الهدي } قال : جزور , أو بقرة .

2663 - حدثنا أبو كريب ويعقوب , قالا : ثنا هشيم , قال الزهري أخبرنا , وسئل عن قول الله : { فما استيسر من الهدي } قال : قال ابن عمر : من الإبل والبقر .

* حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا أيوب , عن نافع , عن ابن عمر في قوله جل ثناؤه : { فما استيسر من الهدي } قال : الناقة دون الناقة , والبقرة دون البقرة .

2664 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن أيوب , عن القاسم , عن ابن عمر في قوله : { فما استيسر من الهدي } قال : الإبل والبقر .

2665 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : سمعت يحيى بن سعيد , قال : سمعت القاسم بن محمد يقول : كان عبد الله بن عمر وعائشة يقولان : " ما استيسر من الهدي " : من الإبل والبقر .

2666 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا الوليد بن أبي هشام , عن زياد بن جبير , عن أخيه عبد الله أو عبيد الله بن جبير , قال : سألت ابن عمر عن المتعة في الهدي ؟

فقال : ناقة , قلت : ما تقول في الشاة ؟

قال : أكلكم شاة أكلكم شاة .

2667 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن ليث , عن مجاهد وطاوس , قالا : ما استيسر من الهدي : بقرة .

2668 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة : { فما استيسر من الهدي } قال في قول ابن عمر : بقرة فما فوقها .

2669 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني أبو معشر , عن نافع , عن ابن عمر , قال : " ما استيسر من الهدي " : قال : بدنة أو بقرة , فأما شاة فإنها هي نسك .

2670 - حدثنا المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد , عن هشام بن عروة , عن أبيه , قال : البدنة دون البدنة , والبقرة دون البقرة , وإنما الشاة نسك , قال : تكون البقرة بأربعين وبخمسين .

* حدثنا الربيع , قال : ثنا ابن وهب , قال : ثني أسامة , عن نافع , عن ابن عمر , كان يقول : ما استيسر من الهدي : بقرة .

2671 - وحدثنا الربيع , قال : ثنا ابن وهب , قال : ثني أسامة بن زيد أن سعيدا حدثه , قال : رأيت ابن عمر وأهل اليمن يأتونه فيسألونه عما استيسر من الهدي ويقولون : الشاة الشاة !

قال : فيرد عليهم : الشاة الشاة !

يحضهم ; إلا أن الجزور دون الجزور , والبقرة دون البقرة , ولكن ما استيسر من الهدي : بقرة .

وأولى القولين بالصواب قول من قال : ما استيسر من الهدي شاة ; لأن الله جل ثناؤه إنما أوجب ما استيسر من الهدي , وذلك على كل ما تيسر للمهدي أن يهديه كائنا ما كان ذلك الذي يهدي .

إلا أن يكون الله جل ثناؤه خص من ذلك شيئا , فيكون ما خص من ذلك خارجا من جملة ما احتمله ظاهر التنزيل , ويكون سائر الأشياء غيره مجزئا إذا أهداه المهدي بعد أن يستحق اسم هدي .

فإن قال قائل : فإن الذي أبوا أن تكون الشاة مما استيسر من الهدي بأنه لا يستحق اسم هدي كما أنه لو أهدى دجاجة أو بيضة لم يكن مهديا هديا مجزئا ؟

قيل : لو كان في المهدي الدجاجة والبيضة من الاختلاف نحو الذي في المهدي الشاة لكان سبيلهما واحدة في أن كل واحد منهما قد أدى ما عليه بظاهر التنزيل إذا لم يكن أحد الهديين يخرجه من أن يكون مؤديا بإهدائه ما أهدى من ذلك مما أوجبه الله عليه في إحصاره .

ولكن لما أخرج المهدي ما دون الجذع من الضأن والثني من المعز والإبل والبقر فصاعدا من الأسنان من أن يكون مهديا ما أوجبه الله عليه في إحصاره أو متعته بالحجة القاطعة العذر , نقلا عن نبينا صلى الله عليه وسلم وراثة , كان ذلك خارجا من أن يكون مرادا بقوله : { فما استيسر من الهدي } وإن كان مما استيسر لنا من الهدايا .

ولما اختلف في الجذع من الضأن والثني من المعز , كان مجزئا ذلك عن مهديه لظاهر التنزيل , لأنه مما استيسر من الهدي .

فإن قال قائل : فما محل " ما " التي في قوله جل وعز : { فما استيسر من الهدي } ؟

قيل : رفع .

فإن قال : بماذا ؟

قيل : بمتروك , وذلك " فعليه " لأن تأويل الكلام : وأتموا الحج والعمرة أيها المؤمنون لله , فإن حبسكم عن إتمام ذلك حابس من مرض أو كسر أو خوف عدو فعليكم لإحلالكم إن أردتم الإحلال من إحرامكم ما استيسر من الهدي .

وإنما اخترنا الرفع في ذلك , لأن أكثر القرآن جاء برفع نظائره , وذلك كقوله : { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام } وكقوله : { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } وما أشبه ذلك مما يطول بإحصائه الكتاب , تركنا ذكره استغناء بما ذكرنا عنه .

ولو قيل موضع " ما " نصب بمعنى : فإن أحصرتم فأهدوا ما استيسر من الهدي , لكان غير مخطئ قائله .

وأما الهدي فإنه جمع واحدها هدية , على تقدير جدية السرج , والجمع الجدي مخفف .

2672 - حدثنا عن أبي عبيدة معمر بن المثنى , عن يونس , قال : كان أبو عمرو بن العلاء يقول : لا أعلم في الكلام حرفا يشبهه .

وبتخفيف الياء وتسكين الدال من " الهدي " قرأه القراء في كل مصر , إلا ما ذكر عن الأعرج , فإن .

2673 - أبا هشام الرفاعي , حدثنا , قال : ثنا يعقوب , عن بشار , عن أسد , عن الأعرج أنه قرأ : " هديا بالغ الكعبة " بكسر الدال مثقلا , وقرأ : " حتى يبلغ الهدي محله " بكسر الدال مثقلة .

واختلف في ذلك عن عاصم , فروي عنه موافقة الأعرج ومخالفته إلى قراءة سائر القراء .

والهدي عندي إنما سمي هديا لأنه تقرب به إلى الله جل وعز مهديه بمنزلة الهدية يهديها الرجل إلى غيره متقربا بها إليه , يقال منه : أهديت الهدي إلى بيت الله فأنا أهديه إهداء , كما يقال في الهدية يهديها الرجل إلى غيره : أهديت إلى فلان هدية وأما أهديها .

ويقال للبدنة هدية , ومنه قول زهير بن أبي سلمى يذكر رجلا أسر يشبهه في حرمته بالبدنة التي تهدى : فلم أر معشرا أسروا هديا ولم أر جار بيت يستباءولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله القول في تأويل قوله تعالى { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله } يعني بذلك جل ثناؤه : فإن أحصرتم فأردتم الإحلال من إحرامكم , فعليكم ما استيسر من الهدي , ولا تحلوا من إحرامكم إذا أحصرتم حتى يبلغ الهدي الذي أوحيته عليكم لإحلالكم من إحرامكم الذي أحصرتم فيه قبل تمامه وانقضاء مشاعره ومناسكه محله وذلك أن حلق الرأس إحلال من الإحرام الذي كان المحرم قد أوجبه على نفسه , فنهاه الله عن الإحلال من إحرامه بحلاقه , حتى يبلغ الهدي الذي أباح الله له الإحلال جل ثناؤه بإهدائه محله .

ثم اختلف أهل العلم في محل الهدي الذي عناه الله جل اسمه الذي متى بلغه كان للمحصر الإحلال من إحرامه الذي أحصر فيه .

فقال بعضهم : محل هدي المحصر الذي يحل به ويجوز له ببلوغه إياه حلق رأسه , إذا كان إحصاره من خوف عدو منعه ذبحه إن كان مما يذبح , أو نحره إن كان مما ينحر , في الحل ذبح أو نحر أو في الحرم حيث حبس , وإن كان من غير خوف عدو فلا يحل حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة .

وهذا قول من قال : الإحصار إحصار العدو دون غيره .

ذكر من قال ذلك : 2674 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , أخبرني مالك بن أنس أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل هو وأصحابه بالحديبية , فنحروا الهدي وحلقوا رءوسهم , وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت , وقبل أن يصل إليه الهدي .

ثم لم نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا , ولا أن يعودوا لشيء .

2675 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني مالك , عن نافع : أن عبد الله بن عمر خرج إلى مكة معتمرا في الفتنة , فقال : إن صددت عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فأهل بعمرة من أجل أن النبي كان أهل بعمرة عام الحديبية .

ثم إن عبد الله بن عمر نظر في أمره فقال : ما أمرهما إلا واحد .

قال : فالتفت إلى أصحابه فقال : ما أمرهما إلا واحد , أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة .

قال : ثم طاف طوافا واحدا , ورأى أن ذلك مجز عنه وأهدى .

قال يونس : قال ابن وهب : قال مالك : وعلى هذا الأمر عندنا فيمن أحصر بعدو كما أحصر نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه .

فأما من أحصر بغير عدو فإنه لا يحل دون البيت .

قال : وسئل مالك عمن أحصر بعدو وحيل بينه وبين البيت , فقال : يحل من كل شيء , وينحر هديه , ويحلق رأسه حيث حبس , وليس عليه قضاء إلا أن يكون لم يحج قط , فعليه أن يحج حجة الإسلام .

2676 - حدثنا يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرنا مالك , قال : ثني يحيى بن سعيد , عن سليمان بن يسار : أن عبد الله بن عمر ومروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير أفتوا ابن حزابة المخزومي , وصرع في الحج ببعض الطريق , أن يبدأ بما لا بد منه ويفتدي , ثم يجعلها عمرة , ويحج عاما قابلا ويهدي .

قال يونس : قال ابن وهب : قال مالك : وذلك الأمر عندنا فيمن أحصر بغير عدو .

قال : وقال مالك : وكل من حبس عن الحج بعد ما يحرم إما بمرض , أو خطأ في العدد , أو خفي عليه الهلال , فهو محصر , عليه ما على المحصر - يعني من المقام على إحرامه - حتى يطوف أو يسعى , ثم الحج من قابل والهدي .

2677 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : سمعت يحيى بن سعيد , يقول : أخبرني أيوب بن موسى أن داود بن أبي عاصم أخبره : أنه حج مرة فاشتكى , فرجع إلى الطائف ولم يطف بين الصفا والمروة , فكتب إلى عطاء بن أبي رباح يسأله عن ذلك , وأن عطاء كتب إليه : أن أهرق دما وعلة من قال بقول مالك في أن محل الهدي في الإحصار بالعدو نحره حيث حبس صاحبه , ما : 2678 - حدثنا به أبو كريب ومحمد بن عمارة الأسدي , قالا : ثنا عبيد الله بن موسى , قال : أخبرنا موسى بن عبيدة , قال : أخبرني أبو مرة مولى أم هانئ , عن ابن عمر , قال : لما كان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية عرض له المشركون فردوا وجهه .

قال : فنحر النبي صلى الله عليه وسلم الهدي حيث حبسوه , وهي الحديبية , وحلق , وتأسى به أناس فحلقوا حين رأوه حلق , وتربص آخرون فقالوا : لعلنا نطوف بالبيت , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رحم الله المحلقين " .

قيل : والمقصرين !

قال : ورحم الله المحلقين !

قيل : والمقصرين !

قال : " والمقصرين " .

2679 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا يحيى بن سعيد القطان , قال : ثنا عبد الله بن المبارك , قال : أخبرنا معمر عن الزهري , عن عروة , عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم , قالا : لما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم القضية بينه وبين مشركي قريش , وذلك بالحديبية عام الحديبية , قال لأصحابه : " قوموا فانحروا واحلقوا " .

قال : فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات .

فلما لم يقم منهم أحد , قام فدخل على أم سلمة , فذكر ذلك لها , فقالت أم سلمة : يا نبي الله اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم بكلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حلاقك فتحلق !

فقام فخرج فلم يكلم منهم أحدا حتى فعل ذلك .

فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا , وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما .

قالوا : فنحر النبي صلى الله عليه وسلم هديه حين صده المشركون عن البيت بالحديبية , وحل هو وأصحابه .

قالوا : والحديبية ليست من الحرم , قالوا , ففي مثل ذلك دليل واضح على أن معنى قوله : { حتى يبلغ الهدي محله } حتى يبلغ بالذبح أو النحر محل أكله , والانتفاع به في محل ذبحه ونحره , كما روي عن نبي الله عليه الصلاة والسلام في نظيره إذ أتي بلحم أتته بريرة من صدقة كان تصدق بها عليها , فقال : " قربوه فقد بلغ محله " يعني : فقد بلغ محل طيبه وحلاله له بالهدية إليه بعد أن كان صدقة على بريرة .

وقال بعضهم : محل هدي المحصر الحرم لا محل له غيره .

ذكر من قال ذلك : 2680 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , عن الأعمش , عن عمارة بن عمير , عن عبد الرحمن بن يزيد : أن عمرو بن سعيد النخعي أهل بعمرة , فلما بلغ ذات الشقوق لدغ بها , فخرج أصحابه إلى الطريق يتشرفون الناس , فإذا هم بابن مسعود , فذكروا ذلك له , فقال : ليبعث بهدي , واجعلوا بينكم يوم أمارة , فإذا ذبح الهدي فليحلل , وعليه قضاء عمرته .

* حدثنا تميم بن المنتصر , قال : ثنا إسحاق , عن شريك , عن سليمان بن مهران , عن عمارة بن عمير وإبراهيم , عن عبد الرحمن بن يزيد أنه قال : خرجنا مهلين بعمرة فينا الأسود بن يزيد , حتى نزلنا ذات الشقوق , فلدغ صاحب لنا , فشق ذلك عليه مشقة شديدة , فلم ندر كيف نصنع به , فخرج بعضنا إلى الطريق , فإذا نحن بركب فيه عبد الله بن مسعود , فقلنا له : يا أبا عبد الرحمن رجل منا لدغ , فكيف نصنع به ؟

قال : يبعث معكم بثمن هدي , فتجعلون بينكم وبينه يوما أمارة , فإذا نحر الهدي فليحلل , وعليه عمرة في قابل .

* حدثنا ابن بشار , قال : ثنا مؤمل , قال : ثنا سفيان , عن الأعمش , عن عمارة بن عمير , عن عبد الرحمن بن يزيد , قال : بينا نحن بذات الشقوق فلبى رجل منا بعمرة فلدغ , فمر علينا عبد الله فسألناه , فقال : اجعلوا بينكم وبينه يوم أمارا , فيبعث بثمن الهدي , فإذا نحر حل وعليه العمرة .

* حدثني محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن الحكم , قال : سمعت إبراهيم النخعي يحدث عن عبد الرحمن بن يزيد , قال : أهل رجل منا بعمرة , فلدغ , فطلع ركب فيهم عبد الله بن مسعود , فسألوه , فقال : يبعث بهدي , واجعلوا بينكم وبينه يوما أمارا , فإذا كان ذلك اليوم فليحلل .

وقال عمارة بن عمير : وكان حسبك به عن عبد الرحمن بن يزيد , عن عبد الله : وعليه العمرة من قابل .

* حدثني أبو السائب , قال : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن عمارة , عن عبد الرحمن بن يزيد , قال : خرجنا عمارا , فلما كنا بذات الشقوق لدغ صاحب لنا , فاعترضنا للطريق نسأل عما نصنع به , فإذا عبد الله بن مسعود في ركب , فقلنا له : لدغ صاحب لنا , فقال : اجعلوا بينكم وبين صاحبكم يوما , وليرسل بالهدي , فإذا نحر الهدي فليحلل , ثم عليه العمرة .

* حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , عن الحجاج , قال : حدثني عبد الرحمن بن الأسود , عن أبيه , عن ابن مسعود : أن عمرو بن سعيد النخعي أهل بعمرة , فلما بلغ ذات الشقوق لدغ بها , فخرج أصحابه إلى الطريق يتشوفون الناس , فإذا هم بابن مسعود , فذكروا فإذا ذبح الهدي فليحلل , وعليه قضاء عمرته .

2681 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي } يقول : من أحرم بحج أو عمرة , ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عذر يحبسه , فعليه ذبح ما استيسر من الهدي , شاة فما فوقها يذبح عنه .

فإن كانت حجة الإسلام , فعليه قضاؤها , وإن كانت حجة بعد حجة الفريضة أو عمرة فلا قضاء عليه .

ثم قال : { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله } فإن كان أحرم بالحج فمحله يوم النح

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب قوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله فيها سبع مسائل :الأولى : اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة لله ، فقيل : أداؤهما والإتيان بهما ، كقوله : فأتمهن وقوله : ثم أتموا الصيام إلى الليل أي ائتوا [ ص: 341 ] بالصيام ، وهذا على مذهب من أوجب العمرة ، على ما يأتي ، ومن لم يوجبها قال : المراد تمامهما بعد الشروع فيهما ، فإن من أحرم بنسك وجب عليه المضي فيه ولا يفسخه ، قال معناه الشعبي وابن زيد ، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك ، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص ، وفعله عمران بن حصين ، وقال سفيان الثوري : إتمامهما أن تخرج قاصدا لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك ، ويقوي هذا قوله " لله " .

وقال عمر : إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما من غير تمتع وقران ، وقاله ابن حبيب ، وقال مقاتل : إتمامهما ألا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم ، وذلك أنهم كانوا يشركون في إحرامهم فيقولون : لبيك اللهم لبيك ، لا شريك لك إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك ، فقال : فأتموهما ولا تخلطوهما بشيء آخر .قلت : أما ما روي عن علي وفعله عمران بن حصين في الإحرام قبل المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال به عبد الله بن مسعود وجماعة من السلف ، وثبت أن عمر أهل من إيلياء ، وكان الأسود وعلقمة وعبد الرحمن وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم ، ورخص فيه الشافعي ، وروى أبو داود والدارقطني عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحرم من بيت المقدس بحج أو عمرة كان من ذنوبه كيوم ولدته أمه في رواية غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وخرجه أبو داود وقال : " يرحم الله وكيعا أحرم من بيت المقدس ، يعني إلى مكة " ، ففي هذا إجازة الإحرام قبل الميقات ، وكره مالك رحمه الله أن يحرم أحد قبل الميقات ، ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وأنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة ، وأنكر عثمان على ابن عمر إحرامه قبل الميقات ، وقال أحمد وإسحاق : وجه العمل المواقيت ، ومن الحجة لهذا القول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت وعينها ، فصارت بيانا لمجمل الحج ، ولم يحرم صلى الله عليه وسلم من بيته لحجته ، بل أحرم من ميقاته الذي وقته لأمته ، وما فعله صلى الله عليه وسلم فهو الأفضل إن شاء الله ، وكذلك صنع جمهور الصحابة والتابعين بعدهم ، واحتج [ ص: 342 ] أهل المقالة الأولى بأن ذلك أفضل بقول عائشة : ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ، وبحديث أم سلمة مع ما ذكر عن الصحابة في ذلك ، وقد شهدوا إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته من ميقاته ، وعرفوا مغزاه ومراده ، وعلموا أن إحرامه من ميقاته كان تيسيرا على أمته .الثانية : روى الأئمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجد قرن ولأهل اليمن يلملم هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة ، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ ، حتى أهل مكة من مكة يهلون منها ، وأجمع أهل العلم على القول بظاهر هذا الحديث واستعماله ، لا يخالفون شيئا منه ، واختلفوا في ميقات أهل العراق وفيمن وقته ، فروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق .

قال الترمذي : هذا حديث حسن ، وروي أن عمر وقت لأهل العراق ذات عرق ، وفي كتاب أبي داود عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق ، وهذا هو الصحيح ومن روى أن عمر وقته لأن العراق في وقته وقد افتتحت ، فغفلة منه ، بل وقته رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وقت لأهل الشام الجحفة ، والشام كلها يومئذ دار كفر كما كانت العراق وغيرها يومئذ من البلدان ، ولم تفتح العراق ولا الشام إلا على عهد عمر .

[ ص: 343 ] وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل السير .

قال أبو عمر : كل عراقي أو مشرقي أحرم من ذات عرق فقد أحرم عند الجميع من ميقاته والعقيق أحوط عندهم وأولى من ذات عرق ، وذات عرق ميقاتهم أيضا بإجماع .الثالثة : أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل أن يأتي الميقات أنه محرم ، وإنما منع من ذلك من رأى الإحرام عند الميقات أفضل ، كراهية أن يضيق المرء على نفسه ما قد وسع الله عليه ، وأن يتعرض بما لا يؤمن أن يحدث في إحرامه ، وكلهم ألزمه الإحرام إذا فعل ذلك ; لأنه زاد ولم ينقص .الرابعة : في هذه الآية دليل على وجوب العمرة ; لأنه تعالى أمر بإتمامها كما أمر بإتمام الحج .

قال الصبي بن معبد : أتيت عمر رضي الله عنه فقلت إني كنت نصرانيا فأسلمت ، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي ، وإني أهللت بهما جميعا ، فقال له عمر هديت لسنة نبيك قال ابن المنذر : ولم ينكر عليه قوله : " وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي " ، وبوجوبهما قال علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس ، وروى الدارقطني عن ابن جريج قال : أخبرني نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول : ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع ذلك سبيلا ، فمن زاد بعدها شيئا فهو خير وتطوع .

قال : ولم أسمعه يقول في أهل مكة شيئا .

قال ابن جريج : وأخبرت عن عكرمة أن ابن عباس قال : العمرة واجبة كوجوب الحج من استطاع إليه سبيلا ، وممن ذهب إلى وجوبها من التابعين عطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي وسعيد بن جبير وأبو بردة ومسروق وعبد الله بن شداد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وابن الجهم من المالكيين .

وقال الثوري : سمعنا أنها واجبة وسئل زيد بن ثابت عن العمرة قبل الحج ، فقال : صلاتان لا يضرك بأيهما بدأت ، ذكره الدارقطني ، وروي مرفوعا عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت وكان مالك يقول : العمرة سنة ولا نعلم أحدا أرخص في تركها ، وهو قول النخعي وأصحاب الرأي فيما حكى [ ص: 344 ] ابن المنذر وحكى بعض القزوينيين والبغداديين عن أبي حنيفة أنه كان يوجبها كالحج ، وبأنها سنة ثابتة ، قال ابن مسعود وجابر بن عبد الله .

روى الدارقطني حدثنا محمد بن القاسم بن زكريا حدثنا محمد بن العلاء أبو كريب حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن حجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والزكاة والحج : أواجب هو ؟

قال : نعم فسأله عن العمرة : أواجبة هي ؟

قال : لا وأن تعتمر خير لك .

رواه يحيى بن أيوب عن حجاج وابن جريج عن ابن المنكدر عن جابر موقوفا من قول جابر فهذه حجة من لم يوجبها من السنة قالوا : وأما الآية فلا حجة فيها للوجوب ; لأن الله سبحانه إنما قرنها في وجوب الإتمام لا في الابتداء ، فإنه ابتدأ الصلاة والزكاة فقال وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وابتدأ بإيجاب الحج فقال : ولله على الناس حج البيت ولما ذكر العمرة أمر بإتمامها لا بابتدائها ، فلو حج عشر حجج ، أو اعتمر عشر عمر لزم الإتمام في جميعها ، فإنما جاءت الآية لإلزام الإتمام لا لإلزام الابتداء ، والله أعلم ، واحتج المخالف من جهة النظر على وجوبها بأن قال : عماد الحج الوقوف بعرفة ، وليس في العمرة وقوف ، فلو كانت كسنة الحج لوجب أن تساويه في أفعاله ، كما أن سنة الصلاة تساوي فريضتها في أفعالها .الخامسة : قرأ الشعبي وأبو حيوة برفع التاء في " العمرة " وهي تدل على عدم الوجوب ، وقرأ الجماعة العمرة بنصب التاء ، وهي تدل على الوجوب ، وفي مصحف ابن مسعود " وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لله " وروي عنه " وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت " وفائدة التخصيص بذكر الله هنا أن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر [ ص: 345 ] والتناضل والتنافر وقضاء الحاجة وحضور الأسواق ، وكل ذلك ليس لله فيه طاعة ، ولا حظ بقصد ، ولا قربة بمعتقد ، فأمر الله سبحانه بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقه ، ثم سامح في التجارة ، على ما يأتي .السادسة : لا خلاف بين العلماء فيمن شهد مناسك الحج وهو لا ينوي حجا ولا عمرة والقلم جار له وعليه أن شهودها بغير نية ولا قصد غير مغن عنه ، وأن النية تجب فرضا ، لقوله تعالى : وأتموا ومن تمام العبادة حضور النية ، وهي فرض كالإحرام عند الإحرام ، لقوله عليه السلام لما ركب راحلته : لبيك بحجة وعمرة معا على ما يأتي ، وذكر الربيع في كتاب البويطي عن الشافعي قال : ولو لبى رجل ولم ينو حجا ولا عمرة لم يكن حاجا ولا معتمرا ، ولو نوى ولم يلب حتى قضى المناسك كان حجه تاما ، واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات .

قال : ومن فعل مثل ما فعل علي حين أهل على إهلال النبي صلى الله عليه وسلم أجزته تلك النية ; لأنها وقعت على نية لغيره قد تقدمت ، بخلاف الصلاة .السابعة : واختلف العلماء في المراهق والعبد يحرمان بالحج ثم يحتلم هذا ويعتق هذا قبل الوقوف بعرفة ، فقال مالك : لا سبيل لهما إلى رفض الإحرام ولا لأحد متمسكا بقوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله ومن رفض إحرامه فلا يتم حجه ولا عمرته ، وقال أبو حنيفة : جائز للصبي إذا بلغ قبل الوقوف بعرفة أن يجدد إحراما ، فإن تمادى على حجه ذلك لم يجزه من حجة الإسلام ، واحتج بأنه لما لم يكن الحج يجزي عنه ، ولم يكن الفرض لازما له حين أحرم بالحج ثم لزمه حين بلغ استحال أن يشغل عن فرض قد تعين عليه بنافلة ويعطل فرضه ، كمن دخل في نافلة وأقيمت عليه المكتوبة وخشي فوتها قطع النافلة ودخل في المكتوبة ، وقال الشافعي : إذا أحرم الصبي ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة فوقف بها محرما أجزأه من حجة الإسلام ، وكذلك العبد .

قال : ولو عتق بمزدلفة وبلغ الصبي بها فرجعا إلى عرفة بعد العتق والبلوغ فأدركا الوقوف بها قبل طلوع الفجر أجزت عنهما من حجة الإسلام ، ولم يكن عليهما دم ، ولو احتاطا فأهراقا دما كان أحب إلي ، وليس ذلك بالبين عندي ، واحتج في إسقاط تجديد الإحرام بحديث علي رضي الله عنه إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل من اليمن مهلا [ ص: 346 ] بالحج : بم أهللت قال قلت : لبيك اللهم بإهلال كإهلال نبيك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإني أهللت بالحج وسقت الهدي .

قال الشافعي : ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته ، ولا أمره بتجديد نية لإفراد أو تمتع أو قران ، وقال مالك في النصراني يسلم عشية عرفة فيحرم بالحج : أجزأه من حجة الإسلام ، وكذلك العبد يعتق ، والصبي يبلغ إذا لم يكونوا محرمين ولا دم على واحد منهم ، وإنما يلزم الدم من أراد الحج ولم يحرم من الميقات .

وقال أبو حنيفة : يلزم العبد الدم ، وهو كالحر عندهم في تجاوز الميقات ، بخلاف الصبي والنصراني فإنهما لا يلزمهما الإحرام لدخول مكة لسقوط الفرض عنهما ، فإذا أسلم الكافر وبلغ الصبي كان حكمهما حكم المكي ، ولا شيء عليهما في ترك الميقات .قوله تعالى : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي فيها اثنتا عشرة مسألة :الأولى : قال ابن العربي : هذه آية مشكلة ، عضلة من العضل .قلت : لا إشكال فيها ، ونحن نبينها غاية البيان فنقول : الإحصار هو المنع من الوجه الذي تقصده بالعوائق جملة " فجملة " أي بأي عذر كان ، كان حصر عدو أو جور سلطان أو مرض أو ما كان ، واختلف العلماء في تعيين المانع هنا على قولين : الأول : قال علقمة وعروة بن الزبير وغيرهما : هو المرض لا العدو .

وقيل : العدو خاصة ، قال ابن عباس وابن عمر وأنس والشافعي .

قال ابن العربي : وهو اختيار علمائنا ، ورأى أكثر أهل اللغة ومحصليها على أن " أحصر " عرض للمرض ، و " حصر " نزل به العدو .قلت : ما حكاه ابن العربي من أنه اختيار علمائنا فلم يقل به إلا أشهب وحده ، وخالفه سائر أصحاب مالك في هذا وقالوا : الإحصار إنما هو المرض ، وأما العدو فإنما يقال فيه : حصر حصرا فهو محصور ، قاله الباجي في المنتقى .

وحكى أبو إسحاق الزجاج أنه كذلك عند جميع أهل اللغة ، على ما يأتي ، وقال أبو عبيدة والكسائي : " أحصر " بالمرض ، و " حصر " بالعدو ، وفي المجمل لابن فارس على العكس ، فحصر بالمرض ، وأحصر بالعدو ، وقالت طائفة : يقال أحصر فيهما جميعا من الرباعي ، حكاه أبو عمر .قلت : وهو يشبه قول مالك حيث ترجم في موطئه " أحصر " فيهما ، فتأمله ، وقال الفراء : هما بمعنى واحد في المرض والعدو .

قال القشيري أبو نصر : وادعت الشافعية أن الإحصار يستعمل في العدو ، فأما المرض فيستعمل فيه الحصر ، والصحيح أنهما يستعملان فيهما .[ ص: 347 ] قلت : ما ادعته الشافعية قد نص الخليل بن أحمد وغيره على خلافه .

قال الخليل : حصرت الرجل حصرا منعته وحبسته ، وأحصر الحاج عن بلوغ المناسك من مرض أو نحوه ، هكذا قال ، جعل الأول ثلاثيا من حصرت ، والثاني في المرض رباعيا ، وعلى هذا خرج قول ابن عباس : لا حصر إلا حصر العدو ، وقال ابن السكيت : أحصره المرض إذا منعه من السفر أو من حاجة يريدها ، وقد حصره العدو يحصرونه إذا ضيقوا عليه فأطافوا به ، وحاصروه محاصرة وحصارا .

قال الأخفش : حصرت الرجل فهو محصور ، أي حبسته .

قال : وأحصرني بولي ، وأحصرني مرضي ، أي جعلني أحصر نفسي .

قال أبو عمرو الشيباني : حصرني الشيء وأحصرني ، أي حبسني .قلت : فالأكثر من أهل اللغة على أن " حصر " في العدو ، و " أحصر " في المرض ، وقد قيل ذلك في قول الله تعالى : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله وقال ابن ميادة :وما هجر ليلى أن تكون تباعدت عليك ولا أن أحصرتك شغولوقال الزجاج : الإحصار عند جميع أهل اللغة إنما هو من المرض ، فأما من العدو فلا يقال فيه إلا حصر ، يقال : حصر حصرا ، وفي الأول أحصر إحصارا ، فدل على ما ذكرناه .

وأصل الكلمة من الحبس ، ومنه الحصير للذي يحبس نفسه عن البوح بسره ، والحصير : الملك لأنه كالمحبوس من وراء الحجاب .

والحصير الذي يجلس عليه لانضمام بعض طاقات البردي إلى بعض ، كحبس الشيء مع غيره .الثانية : ولما كان أصل الحصر الحبس قالت الحنفية : المحصر من يصير ممنوعا من مكة بعد الإحرام بمرض أو عدو أو غير ذلك ، واحتجوا بمقتضى الإحصار مطلقا ، قالوا : وذكر الأمن في آخر الآية لا يدل على أنه لا يكون من المرض ، قال صلى الله عليه وسلم : الزكام أمان من الجذام وقال : من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص واللوص والعلوص .

الشوص : وجع السن ، واللوص : وجع الأذن .

والعلوص : وجع البطن .

أخرجه ابن ماجه في سننه .

قالوا : وإنما جعلنا حبس العدو حصارا قياسا على المرض إذا كان في حكمه ، لا بدلالة الظاهر ، وقال ابن عمر وابن الزبير وابن عباس والشافعي وأهل المدينة : المراد بالآية حصر العدو ; لأن الآية نزلت في سنة ست في عمرة الحديبية حين صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة .

قال ابن عمر : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحال كفار قريش دون البيت فنحر النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 348 ] هديه وحلق رأسه ، ودل على هذا قوله تعالى : فإذا أمنتم ، ولم يقل : برأتم ، والله أعلم .الثالثة : جمهور الناس على أن المحصر بعدو يحل حيث أحصر وينحر هديه إن كان ثم هدي ويحلق رأسه ، وقال قتادة وإبراهيم : يبعث بهديه إن أمكنه ، فإذا بلغ محله صار حلالا ، وقال أبو حنيفة : دم الإحصار لا يتوقف على يوم النحر ، بل يجوز ذبحه قبل يوم النحر إذا بلغ محله ، وخالفه صاحباه فقالا : يتوقف على يوم النحر ، وإن نحر قبله لم يجزه ، وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان .الرابعة : الأكثر من العلماء على أن من أحصر بعدو كافر أو مسلم أو سلطان حبسه في سجن أن عليه الهدي ، وهو قول الشافعي ، وبه قال أشهب ، وكان ابن القاسم يقول : ليس على من صد عن البيت في حج أو عمرة هدي إلا أن يكون ساقه معه ، وهو قول مالك ، ومن حجتهما أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نحر يوم الحديبية هديا قد كان أشعره وقلده حين أحرم بعمرة ، فلما لم يبلغ ذلك الهدي محله للصد أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحر ; لأنه كان هديا وجب بالتقليد والإشعار ، وخرج لله فلم يجز الرجوع فيه ، ولم ينحره رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل الصد ، فلذلك لا يجب على من صد عن البيت هدي ، واحتج الجمهور بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل يوم الحديبية ولم يحلق رأسه حتى نحر الهدي ، فدل ذلك على أن من شرط إحلال المحصر ذبح هدي إن كان عنده ، وإن كان فقيرا فمتى وجده وقدر عليه لا يحل إلا به ، وهو مقتضى قوله : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي وقد قيل : يحل ويهدي إذا قدر عليه ، والقولان للشافعي ، وكذلك من لا يجد هديا يشتريه ، قولان .الخامسة : قال عطاء وغيره : المحصر بمرض كالمحصر بعدو ، وقال مالك والشافعي وأصحابهما : من أحصره المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت وإن أقام سنين حتى يفيق ، وكذلك من أخطأ العدد أو خفي عليه الهلال .

قال مالك : وأهل مكة في ذلك كأهل الآفاق .

قال : وإن احتاج المريض إلى دواء تداوى به وافتدى وبقي على إحرامه لا يحل من شيء حتى يبرأ من مرضه ، فإذا برئ من مرضه مضى إلى البيت فطاف به سبعا ، وسعى بين الصفا [ ص: 349 ] والمروة ، وحل من حجته أو عمرته ، وهذا كله قول الشافعي ، وذهب في ذلك إلى ما روي عن عمر وابن عباس وعائشة وابن عمر وابن الزبير أنهم قالوا في المحصر بمرض أو خطأ العدد : إنه لا يحله إلا الطواف بالبيت .

وكذلك من أصابه كسر أو بطن منخرق ، وحكم من كانت هذه حاله عند مالك وأصحابه أن يكون بالخيار إذا خاف فوت الوقوف بعرفة لمرضه ، إن شاء مضى إذا أفاق إلى البيت فطاف وتحلل بعمرة ، وإن شاء أقام على إحرامه إلى قابل ، وإن أقام على إحرامه ولم يواقع شيئا مما نهي عنه الحاج فلا هدي عليه ، ومن حجته في ذلك الإجماع من الصحابة على أن من أخطأ العدد أن هذا حكمه ؛ لا يحله إلا الطواف بالبيت .

وقال في المكي إذا بقي محصورا حتى فرغ الناس من حجهم : فإنه يخرج إلى الحل فيلبي ويفعل ما يفعله المعتمر ويحل ، فإذا كان قابل حج وأهدى .

وقال ابن شهاب الزهري في إحصار من أحصر بمكة من أهلها : لا بد له من أن يقف بعرفة وإن نعش نعشا ، واختار هذا القول أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن بكير المالكي فقال : قول مالك في المحصر المكي أن عليه ما على الآفاق من إعادة الحج والهدي خلاف ظاهر الكتاب ، لقول الله عز وجل : ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام .

قال : والقول عندي في هذا قول الزهري في أن الإباحة من الله عز وجل لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أن يقيم لبعد المسافة يتعالج وإن فاته الحج ، فأما من كان بينه وبين المسجد الحرام ما لا تقصر في مثله الصلاة فإنه يحضر المشاهد وإن نعش نعشا لقرب المسافة بالبيت ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : كل من منع من الوصول إلى البيت بعدو أو مرض أو ذهاب نفقة أو إضلال راحلة أو لدغ هامة فإنه يقف مكانه على إحرامه ويبعث بهديه أو بثمن هديه ، فإذا نحر فقد حل من إحرامه .

كذلك قال عروة وقتادة والحسن وعطاء والنخعي ومجاهد وأهل العراق ، لقوله تعالى : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي الآية .السادسة : قال مالك وأصحابه : لا ينفع المحرم الاشتراط في الحج إذا خاف الحصر بمرض أو عدو ، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابهم ، والاشتراط أن يقول إذا أهل : لبيك اللهم لبيك ، ومحلي حيث حبستني من الأرض ، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور : لا بأس أن يشترط وله شرطه ، وقاله غير واحد من الصحابة والتابعين ، وحجتهم حديث ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إني أردت الحج ، أأشترط ؟

قال : نعم .

قالت : فكيف أقول ؟

قال : قولي لبيك اللهم لبيك ومحلي من [ ص: 350 ] الأرض حيث حبستني .

أخرجه أبو داود والدارقطني وغيرهما .

قال الشافعي : لو ثبت حديث ضباعة لم أعده ، وكان محله حيث حبسه الله .قلت : قد صححه غير واحد ، منهم أبو حاتم البستي وابن المنذر ، قال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير : حجي واشترطي ، وبه قال الشافعي إذ هو بالعراق ، ثم وقف عنه بمصر .

قال ابن المنذر : وبالقول الأول أقول ، وذكره عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال : أخبرنا أبو الزبير أن طاوسا وعكرمة أخبراه عن ابن عباس قال : جاءت ضباعة بنت الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إني امرأة ثقيلة وإني أريد الحج ، فكيف تأمرني أن أهل ؟

قال : أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني .

قال : فأدركت ، وهذا إسناد صحيح .السابعة : واختلفت العلماء أيضا في وجوب القضاء على من أحصر ، فقال مالك والشافعي : من أحصر بعدو فلا قضاء عليه بحجه ولا عمرته ، إلا أن يكون ضرورة لم يكن حج ، فيكون عليه الحج على حسب وجوبه عليه ، وكذلك العمرة عند من أوجبها فرضا .

وقال أبو حنيفة : المحصر بمرض أو عدو عليه حجة وعمرة ، وهو قول الطبري .

قال أصحاب الرأي : إن كان مهلا بحج قضى حجة وعمرة ; لأن إحرامه بالحج صار عمرة .

وإن كان قارنا قضى حجة وعمرتين ، وإن كان مهلا بعمرة قضى عمرة ، وسواء عندهم المحصر بمرض أو عدو ، على ما تقدم ، واحتجوا بحديث ميمون ابن مهران قال : خرجت معتمرا عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة وبعث معي رجال من قومي بهدي ، فلما انتهيت إلى أهل الشام منعوني أن أدخل الحرم ، فنحرت الهدي مكاني ثم حللت ثم رجعت ، فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي ، فأتيت ابن عباس فسألته ، فقال : أبدل الهدي ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء ، واستدلوا بقوله عليه السلام : من [ ص: 351 ] كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى أو عمرة أخرى .

رواه عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من عرج أو كسر فقد حل وعليه حجة أخرى .

قالوا : فاعتمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في العام المقبل من عام الحديبية إنما كان قضاء لتلك العمرة ، قالوا : ولذلك قيل لها عمرة القضاء .

واحتج مالك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ولا أن يعودوا لشيء ، ولا حفظ ذلك عنه بوجه من الوجوه ، ولا قال في العام المقبل : إن عمرتي هذه قضاء عن العمرة التي حصرت فيها ، ولم ينقل ذلك عنه .

قالوا : وعمرة القضاء وعمرة القضية سواء ، وإنما قيل لها ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضى قريشا وصالحهم في ذلك العام على الرجوع عن البيت وقصده من قابل ، فسميت بذلك عمرة القضية .الثامنة : لم يقل أحد من الفقهاء فيمن كسر أو عرج أنه يحل مكانه بنفس الكسر غير أبي ثور على ظاهر حديث الحجاج بن عمرو ، وتابعه على ذلك داود بن علي وأصحابه ، وأجمع العلماء على أنه يحل من كسر ، ولكن اختلفوا فيما به يحل ، فقال مالك وغيره : يحل بالطواف بالبيت لا يحله غيره ، ومن خالفه من الكوفيين يقول : يحل بالنية وفعل ما يتحلل به ، على ما تقدم من مذهبه .التاسعة : لا خلاف بين علماء الأمصار أن الإحصار عام في الحج والعمرة ، وقال ابن سيرين : لا إحصار في العمرة ; لأنها غير مؤقتة ، وأجيب بأنها وإن كانت غير مؤقتة لكن في الصبر إلى زوال العذر ضرر ، وفي ذلك نزلت الآية ، وحكي عن ابن الزبير أن من أحصره العدو أو المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت ، وهذا أيضا مخالف لنص الخبر عام الحديبية .العاشرة : الحاصر لا يخلو أن يكون كافرا أو مسلما ، فإن كان كافرا لم يجز قتاله ولو وثق بالظهور عليه ، ويتحلل بموضعه ، لقوله تعالى : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام كما تقدم ولو سأل الكافر جعلا لم يجز ; لأن ذلك وهن في الإسلام ، فإن كان مسلما لم يجز قتاله بحال ، ووجب التحلل ، فإن طلب شيئا ويتخلى عن الطريق جاز دفعه ، ولم يجز القتال لما فيه من إتلاف المهج ، وذلك لا يلزم في أداء العبادات ، فإن الدين أسمح .

وأما بذل الجعل فلما فيه من دفع أعظم الضررين بأهونهما ; ولأن الحج مما ينفق فيه المال ، فيعد هذا من النفقة .[ ص: 352 ] الحادية عشرة : والعدو الحاصر لا يخلو أن يتيقن بقاؤه واستيطانه لقوته وكثرته أو لا ، فإن كان الأول حل المحصر مكانه من ساعته ، وإن كان الثاني وهو مما يرجى زواله فهذا لا يكون محصورا حتى يبقى بينه وبين الحج مقدار ما يعلم أنه إن زال العدو لا يدرك فيه الحج ، فيحل حينئذ عند ابن القاسم وابن الماجشون ، وقال أشهب : لا يحل من حصر عن الحج بعدو حتى يوم النحر ، ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة ، وجه قول ابن القاسم : أن هذا وقت يأس من إكمال حجه لعدو غالب ، فجاز له أن يحل فيه ، أصل ذلك يوم عرفة ، ووجه قول أشهب أن عليه أن يأتي من حكم الإحرام بما يمكنه والتزامه له إلى يوم النحر ، الوقت الذي يجوز للحاج التحلل بما يمكنه الإتيان به [ فكان ذلك عليه ] .قوله تعالى : فما استيسر من الهدي " ما " في موضع رفع ، أي فالواجب أو فعليكم ما استيسر ، ويحتمل أن يكون في موضع نصب ، أي فانحروا أو فاهدوا .

وما استيسر عند جمهور أهل العلم شاة وقال ابن عمر وعائشة وابن الزبير : ما استيسر جمل دون جمل ، وبقرة دون بقرة لا يكون من غيرهما ، وقال الحسن : أعلى الهدي بدنة ، وأوسطه بقرة ، وأخسه شاة ، وفي هذا دليل على ما ذهب إليه مالك من أن المحصر بعدو لا يجب عليه القضاء ، لقوله : فما استيسر من الهدي ولم يذكر قضاء ، والله أعلم .الثانية عشرة : قوله تعالى : من الهدي الهدي والهدي لغتان .

وهو ما يهدى إلى بيت الله من بدنة أو غيرها ، والعرب تقول : كم هدي بني فلان ، أي كم إبلهم .

وقال أبو بكر : سميت هديا لأن منها ما يهدى إلى بيت الله ، فسميت بما يلحق بعضها ، كما قال تعالى : فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب .

أراد فإن زنى الإماء فعلى الأمة منهن إذا زنت نصف ما على الحرة البكر إذا زنت ، فذكر الله المحصنات وهو يريد الأبكار ; لأن الإحصان يكون في أكثرهن فسمين بأمر يوجد في بعضهن ، والمحصنة من الحرائر هي ذات الزوج ، يجب عليها الرجم إذا زنت ، والرجم لا يتبعض ، فيكون على الأمة نصفه ، فانكشف بهذا أن المحصنات يراد بهن الأبكار لا أولات الأزواج ، وقال الفراء : أهل الحجاز وبنو أسد يخففون الهدي ، قال : وتميم وسفلى قيس يثقلون فيقولون : هدي .

قال الشاعر :حلفت برب مكة والمصلى وأعناق الهدي مقلدات[ ص: 353 ] قال : وواحد الهدي هدية ، ويقال في جمع الهدي : أهداء .قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله الخطاب لجميع الأمة محصر ومخلى ، ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة ، أي لا تتحللوا من الإحرام حتى ينحر الهدي .

والمحل : الموضع الذي يحل فيه ذبحه ، فالمحل في حصر العدو عند مالك والشافعي : موضع الحصر ، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية قال الله تعالى : والهدي معكوفا أن يبلغ محله قيل : محبوسا إذا كان محصرا ممنوعا من الوصول إلى البيت العتيق ، وعند أبي حنيفة محل الهدي في الإحصار : الحرم ، لقوله تعالى : ثم محلها إلى البيت العتيق ، وأجيب عن هذا بأن المخاطب به الآمن الذي يجد الوصول إلى البيت ، فأما المحصر فخارج من قول الله تعالى : ثم محلها إلى البيت العتيق بدليل نحر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هديهم بالحديبية وليست من الحرم ، واحتجوا من السنة بحديث ناجية بن جندب صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ابعث معي الهدي فأنحره بالحرم .

قال : فكيف تصنع به قال : أخرجه في الأودية لا يقدرون عليه ، فأنطلق به حتى أنحره في الحرم ، وأجيب بأن هذا لا يصح ، وإنما ينحر حيث حل ، اقتداء بفعله عليه السلام بالحديبية ، وهو الصحيح الذي رواه الأئمة ; ولأن الهدي تابع للمهدي ، والمهدي حل بموضعه ، فالمهدى أيضا يحل معه .الثانية : واختلف العلماء على ما قررناه في المحصر هل له أن يحلق أو يحل بشيء من الحل قبل أن ينحر ما استيسر من الهدي ، فقال مالك : السنة الثابتة التي لا اختلاف فيها عندنا أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ من شعره حتى ينحر هديه ، قال الله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا حل المحصر قبل أن ينحر هديه فعليه دم ، ويعود حرما كما كان حتى ينحر هديه ، وإن أصاب صيدا قبل أن ينحر الهدي فعليه الجزاء ، وسواء في ذلك الموسر والمعسر لا يحل أبدا حتى ينحر أو ينحر عنه .

قالوا : وأقل ما يهديه شاة ، لا عمياء ولا مقطوعة الأذنين ، وليس هذا عندهم موضع صيام .

قال أبو عمر : قول الكوفيين فيه ضعف وتناقض ; لأنهم لا يجيزون لمحصر بعدو ولا مرض أن يحل حتى ينحر [ ص: 354 ] هديه في الحرم .

وإذا أجازوا للمحصر بمرض أن يبعث بهدي ويواعد حامله يوما ينحره فيه فيحل ويحلق فقد أجازوا له أن يحل على غير يقين من نحر الهدي وبلوغه ، وحملوه على الإحلال بالظنون ، والعلماء متفقون على أنه لا يجوز لمن لزمه شيء من فرائضه أن يخرج منه بالظن ، والدليل على أن ذلك ظن قولهم : لو عطب ذلك الهدي أو ضل أو سرق فحل مرسله وأصاب النساء وصاد أنه يعود حراما وعليه جزاء ما صاد ، فأباحوا له فساد الحج وألزموه ما يلزم من لم يحل من إحرامه ، وهذا ما لا خفاء فيه من التناقض وضعف المذاهب ، وإنما بنوا مذهبهم هذا كله على قول ابن مسعود ولم ينظروا في خلاف غيره له ، وقال الشافعي في المحصر إذا أعسر بالهدي : فيه قولان : لا يحل أبدا إلا بهدي ، والقول الآخر : أنه مأمور أن يأتي بما قدر عليه ، فإن لم يقدر على شيء كان عليه أن يأتي به إذا قدر عليه .

قال الشافعي : ومن قال هذا قال : يحل مكانه ويذبح إذا قدر ، فإن قدر على أن يكون الذبح بمكة لم يجزه أن يذبح إلا بها ، وإن لم يقدر ذبح حيث قدر .

قال ويقال : لا يجزيه إلا هدي ، ويقال : إذا لم يجد هديا كان عليه الإطعام أو الصيام ، وإن لم يجد واحدا من الثلاثة أتى بواحد منها إذا قدر ، وقال في العبد : لا يجزيه إلا الصوم ، تقوم له الشاة دراهم ، ثم الدراهم طعاما ثم يصوم عن كل مد يوما .الثالثة : واختلفوا إذا نحر المحصر هديه هل له أن يحلق أو لا فقالت طائفة : ليس عليه أن يحلق رأسه ; لأنه قد ذهب عنه النسك ، واحتجوا بأنه لما سقط عنه بالإحصار جميع المناسك كالطواف والسعي - وذلك مما يحل به المحرم من إحرامه - سقط عنه سائر ما يحل به المحرم من أجل أنه محصر ، وممن احتج بهذا وقال به أبو حنيفة ومحمد بن الحسن قالا : ليس على المحصر تقصير ولا حلاق .

وقال أبو يوسف : يحلق المقصر ، فإن لم يحلق فلا شيء عليه ، وقد حكى ابن أبي عمران عن ابن سماعة عن أبي يوسف في نوادره أن عليه الحلاق ، والتقصير لا بد له منه واختلف قول الشافعي في هذه المسألة على قولين : أحدهما أن الحلاق للمحصر من النسك ، وهو قول مالك ، والآخر ليس من النسك كما قال أبو حنيفة والحجة لمالك أن الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة قد منع من ذلك كله المحصر وقد صد عنه ، فسقط عنه ما قد حيل بينه وبينه ، وأما الحلاق فلم يحل بينه وبينه ، وهو قادر على أن يفعله ، وما كان قادرا على أن يفعله فهو غير ساقط عنه ومما يدل على أن الحلاق باق على المحصر كما هو باق على من قد وصل إلى البيت سواء قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله وما رواه الأئمة من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة ، وهو الحجة القاطعة والنظر الصحيح في هذه المسألة ، وإلى هذا ذهب مالك [ ص: 355 ] وأصحابه ، والحلاق عندهم نسك على الحاج الذي قد أتم حجه ، وعلى من فاته الحج ، والمحصر بعدو والمحصر بمرض .الرابعة : روى الأئمة واللفظ لمالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال : اللهم ارحم المحلقين قالوا : والمقصرين يا رسول الله ، قال : اللهم ارحم المحلقين قالوا : والمقصرين يا رسول الله ، قال : والمقصرين .

قال علماؤنا : ففي دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة دليل على أن الحلق في الحج والعمرة أفضل من التقصير ، وهو مقتضى قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم الآية ، ولم يقل تقصروا ، وأجمع أهل العلم على أن التقصير يجزئ عن الرجال ، إلا شيء ذكر عن الحسن أنه كان يوجب الحلق في أول حجة يحجها الإنسان .الخامسة : لم تدخل النساء في الحلق ، وأن سنتهن التقصير ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ليس على النساء حلق إنما عليهن التقصير .

خرجه أبو داود عن ابن عباس .

وأجمع أهل العلم على القول به .

ورأت جماعة أن حلقها رأسها من المثلة ، واختلفوا في قدر ما تقصر من رأسها ، فكان ابن عمر والشافعي وأحمد وإسحاق يقولون : تقصر من كل قرن مثل الأنملة .

وقال عطاء : قدر ثلاث أصابع مقبوضة ، وقال قتادة : تقصر الثلث أو الربع ، وفرقت حفصة بنت سيرين بين المرأة التي قعدت فتأخذ الربع ، وفي الشابة أشارت بأنملتها تأخذ وتقلل ، وقال مالك : تأخذ من جميع قرون رأسها ، وما أخذت من ذلك فهو يكفيها ، ولا يجزي عنده أن تأخذ من بعض القرون وتبقي بعضا .

قال ابن المنذر : يجزي ما وقع عليه اسم تقصير ، وأحوط أن تأخذ من جميع القرون قدر أنملة .السادسة : لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه ، وذلك أن سنة الذبح قبل الحلاق ، والأصل في ذلك قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه سلم ، بدأ فنحر هديه ثم حلق بعد ذلك ، فمن خالف هذا فقدم الحلاق قبل النحر فلا يخلو أن يقدمه خطأ وجهلا أو عمدا وقصدا ، فإن كان الأول فلا شيء عليه ، رواه [ ص: 356 ] ابن حبيب عن ابن القاسم ، وهو المشهور من مذهب مالك ، وقال ابن الماجشون : عليه الهدي ، وبه قال أبو حنيفة .

وإن كان الثاني فقد روى القاضي أبو الحسن أنه يجوز تقديم الحلق على النحر ، وبه قال الشافعي .

والظاهر من المذهب المنع ، والصحيح الجواز ، لحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال : لا حرج رواه مسلم ، وخرج ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن ذبح قبل أن يحلق ، أو حلق قبل أن يذبح فقال : لا حرج .السابعة : لا خلاف أن حلق الرأس في الحج نسك مندوب إليه وفي غير الحج جائز ، خلافا لمن قال : إنه مثلة ، ولو كان مثلة ما جاز في الحج ولا غيره ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة ، وقد حلق رءوس بني جعفر بعد أن أتاه قتله بثلاثة أيام ، ولو لم يجز الحلق ما حلقهم ، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يحلق رأسه .

قال ابن عبد البر : وقد أجمع العلماء على حبس الشعر وعلى إباحة الحلق .

وكفى بهذا حجة ، وبالله التوفيق .قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فيها تسع مسائل :الأولى : قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا استدل بعض علماء الشافعية بهذه الآية على أن المحصر في أول الآية العدو لا المرض ، وهذا لا يلزم ، فإن معنى قوله : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فحلق ففدية أي فعليه فدية ، وإذا كان واردا في المرض بلا خلاف كان الظاهر أن أول الآية ورد فيمن ورد فيه وسطها وآخرها ، لاتساق الكلام بعضه على بعض ، وانتظام بعضه ببعض ، ورجوع الإضمار في آخر الآية إلى من خوطب في أولها ، فيجب حمل ذلك على ظاهره حتى يدل الدليل على العدول عنه ، ومما يدل على ما قلناه سبب نزول هذه الآية ، روى الأئمة واللفظ للدارقطني : ( عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 357 ] رآه وقمله يتساقط على وجهه فقال : أيؤذيك هوامك قال نعم .

فأمره أن يحلق وهو بالحديبية ، ولم يبين لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة ، فأنزل الله الفدية ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطعم فرقا بين ستة مساكين ، أو يهدي شاة ، أو يصوم ثلاثة أيام ) .

خرجه البخاري بهذا اللفظ أيضا ، فقوله : ولم يبين لهم أنهم يحلون بها ، يدل على أنهم ما كانوا على يقين من حصر العدو لهم ، فإذا الموجب للفدية الحلق للأذى والمرض ، والله أعلم .الثانية : قال الأوزاعي في المحرم يصيبه أذى في رأسه : إنه يجزيه أن يكفر بالفدية قبل الحلق .قلت : فعلى هذا يكون المعنى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك إن أراد أن يحلق ، ومن قدر فحلق ففدية ، فلا يفتدي حتى يحلق ، والله أعلم .الثالثة : قال ابن عبد البر : كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرا فإنما ذكره بشاة ، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء ، وأما الصوم والإطعام فاختلفوا فيه ، فجمهور فقهاء المسلمين على أن الصوم ثلاثة أيام ، وهو محفوظ صحيح في حديث كعب بن عجرة .

وجاء عن الحسن وعكرمة ونافع قالوا : الصوم في فدية الأذى عشرة أيام ، والإطعام عشرة مساكين ، ولم يقل أحد بهذا من فقهاء الأمصار ولا أئمة الحديث ، وقد جاء من رواية أبي الزبير عن مجاهد عن عبد الرحمن عن كعب بن عجرة أنه حدثه أنه كان أهل في ذي القعدة ، وأنه قمل رأسه فأتى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوقد تحت قدر له ، فقال له : كأنك يؤذيك هوام رأسك ، فقال أجل .

قال : احلق واهد هديا ، فقال : ما أجد هديا .

قال : فأطعم ستة مساكين ، فقال : ما أجد .

قال : صم ثلاثة أيام .

قال أبو عمر : كان ظاهر هذا الحديث على الترتيب وليس كذلك ، ولو صح هذا كان معناه الاختيار أولا فأولا ، وعامة الآثار عن كعب بن عجرة [ ص: 358 ] وردت بلفظ التخيير ، وهو نص القرآن ، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار وفتواهم ، وبالله التوفيق .الرابعة : اختلف العلماء في الإطعام في فدية الأذى ، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم : الإطعام في ذلك مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو قول أبي ثور وداود ، وروي عن الثوري أنه قال في الفدية : من البر نصف صاع ، ومن التمر والشعير والزبيب صاع .

وروي عن أبي حنيفة أيضا مثله ، جعل نصف صاع بر عدل صاع تمر .

قال ابن المنذر : وهذا غلط ; لأن في بعض أخبار كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : أن تصدق بثلاثة أصوع من تمر على ستة مساكين ، وقال أحمد بن حنبل مرة كما قال مالك والشافعي ، ومرة قال : إن أطعم برا فمد لكل مسكين ، وإن أطعم تمرا فنصف صاع .الخامسة : ولا يجزي أن يغدي المساكين ويعشيهم في كفارة الأذى حتى يعطي كل مسكين مدين بمد النبي صلى الله عليه وسلم ، وبذلك قال مالك والثوري والشافعي ومحمد بن الحسن ، وقال أبو يوسف : يجزيه أن يغديهم ويعشيهم .السادسة : أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من حلق شعره وجزه وإتلافه بحلق أو نورة أو غير ذلك إلا في حالة العلة كما نص على ذلك القرآن ، وأجمعوا على وجوب الفدية على من حلق وهو محرم بغير علة ، واختلفوا فيما على من فعل ذلك ، أو لبس أو تطيب بغير عذر عامدا ، فقال مالك : بئس ما فعل !

وعليه الفدية ، وهو مخير فيها ، وسواء عنده العمد في ذلك والخطأ ، لضرورة وغير ضرورة ، وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما وأبو ثور : ليس بمخير إلا في الضرورة ; لأن الله تعالى قال : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فإذا حلق رأسه عامدا أو لبس عامدا لغير عذر فليس بمخير وعليه دم لا غير .السابعة : واختلفوا فيمن فعل ذلك ناسيا ، فقال مالك رحمه الله : العامد والناسي في ذلك سواء في وجوب الفدية ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والليث ، وللشافعي في هذه المسألة قولان : أحدهما : لا فدية عليه ، وهو قول داود وإسحاق ، والثاني : عليه الفدية ، وأكثر العلماء يوجبون الفدية على المحرم بلبس المخيط وتغطية الرأس أو بعضه ، ولبس الخفين وتقليم الأظافر ومس الطيب وإماطة الأذى ، وكذلك إذا حلق شعر جسده أو اطلى ، أو حلق مواضع المحاجم ، والمرأة كالرجل في ذلك ، وعليها الفدية في الكحل وإن لم يكن فيه طيب .

وللرجل [ ص: 359 ] أن يكتحل بما لا طيب فيه ، وعلى المرأة الفدية إذا غطت وجهها أو لبست القفازين ، والعمد والسهو والجهل في ذلك سواء ، وبعضهم يجعل عليهما دما في كل شيء من ذلك .

وقال داود : لا شيء عليهما في حلق شعر الجسد .الثامنة : واختلف العلماء في مواضع الفدية المذكورة ، فقال عطاء : ما كان من دم فبمكة ، وما كان من طعام أو صيام فحيث شاء ، وبنحو ذلك قال أصحاب الرأي ، وعن الحسن أن الدم بمكة ، وقال طاوس والشافعي : الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة ، والصوم حيث شاء ; لأن الصيام لا منفعة فيه لأهل الحرم ، وقد قال الله سبحانه هديا بالغ الكعبة رفقا لمساكين جيران بيته ، فالإطعام فيه منفعة بخلاف الصيام ، والله أعلم ، وقال مالك : يفعل ذلك أين شاء ، وهو الصحيح من القول ، وهو قول مجاهد ، والذبح هنا عند مالك نسك وليس بهدي لنص القرآن والسنة ، والنسك يكون حيث شاء ، والهدي لا يكون إلا بمكة ، ومن حجته أيضا ما رواه عن يحيى بن سعيد في موطئه ، وفيه : فأمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه برأسه - يعني رأس حسين - فحلق ثم نسك عنه بالسقيا فنحر عنه بعيرا .

قال مالك قال يحيى بن سعيد : وكان حسين خرج مع عثمان في سفره ذلك إلى مكة ، ففي هذا أوضح دليل على أن فدية الأذى جائز أن تكون بغير مكة ، وجائز عند مالك في الهدي إذا نحر في الحرم أن يعطاه غير أهل الحرم ; لأن البغية فيه إطعام مساكين المسلمين .

قال مالك : ولما جاز الصوم أن يؤتى به بغير الحرم جاز إطعام غير أهل الحرم ، ثم إن قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا الآية ، أوضح الدلالة على ما قلناه ، فإنه تعالى لما قال : ففدية من صيام أو صدقة أو نسك لم يقل في موضع دون موضع ، فالظاهر أنه حيثما فعل أجزأه .

وقال : أو نسك فسمى ما يذبح نسكا ، وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك ولم يسمه هديا ، فلا يلزمنا أن نرده قياسا على الهدي ، ولا أن نعتبره بالهدي مع ما جاء في ذلك عن علي ، وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر كعبا بالفدية ما كان في الحرم ، فصح أن ذلك كله يكون خارج الحرم ، وقد روي عن الشافعي مثل هذا في وجه بعيد .التاسعة : قوله تعالى : أو نسك النسك : جمع نسيكة ، وهي الذبيحة ينسكها العبد لله تعالى ، ويجمع أيضا على نسائك ، والنسك : العبادة في الأصل ، ومنه قوله تعالى : وأرنا مناسكنا أي متعبداتنا ، وقيل : إن أصل النسك في اللغة الغسل ، ومنه نسك ثوبه إذا [ ص: 360 ] غسله ، فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة .

وقيل : النسك سبائك الفضة ، كل سبيكة منها نسيكة ، فكأن العابد خلص نفسه من دنس الآثام وسبكها .قوله تعالى : فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فيه ثلاث عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : فإذا أمنتم قيل : معناه برأتم من المرض ، وقيل : من خوفكم من العدو المحصر ، قاله ابن عباس وقتادة ، وهو أشبه باللفظ إلا أن يتخيل الخوف من المرض فيكون الأمن منه ، كما تقدم ، والله أعلم .الثانية : قوله تعالى : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج الآية .

اختلف العلماء من المخاطب بهذا ؟

فقال عبد الله بن الزبير وعلقمة وإبراهيم : الآية في المحصرين دون المخلى سبيلهم .

وصورة المتمتع عند ابن الزبير : أن يحصر الرجل حتى يفوته الحج ، ثم يصل إلى البيت فيحل بعمرة ، ثم يقضي الحج من قابل ، فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى حج القضاء ، وصورة المتمتع المحصر عند غيره : أن يحصر فيحل دون عمرة ويؤخرها حتى يأتي من قابل فيعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه ، وقال ابن عباس وجماعة : الآية في المحصرين وغيرهم ممن خلي سبيله .الثالثة : لا خلاف بين العلماء في أن التمتع جائز على ما يأتي تفصيله ، وأن الإفراد جائز وأن القرآن جائز ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي كلا ولم ينكره في حجته على أحد من أصحابه ، بل أجازه لهم ورضيه منهم ، صلى الله عليه وسلم .

وإنما اختلف العلماء فيما كان به رسول الله صلى الله عليه وسلم محرما في حجته وفي الأفضل من ذلك ، لاختلاف الآثار الواردة في ذلك ، فقال قائلون منهم مالك : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مفردا ، والإفراد أفضل من القران .

قال : والقران أفضل من التمتع ، وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل قالت عائشة : فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج ، وأهل به ناس معه ، وأهل ناس بالعمرة والحج ، وأهل ناس بعمرة ، وكنت فيمن أهل بالعمرة ، رواه جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، وقال بعضهم فيه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأما أنا فأهل بالحج وهذا نص في موضع الخلاف ، وهو حجة [ ص: 361 ] من قال بالإفراد وفضله ، وحكى محمد بن الحسن عن مالك أنه قال : إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان مختلفان وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر كان في ذلك دلالة على أن الحق فيما عملا به ، واستحب أبو ثور الإفراد أيضا وفضله على التمتع والقران ، وهو أحد قولي الشافعي في المشهور عنه .

واستحب آخرون التمتع بالعمرة إلى الحج ، قالوا : وذلك أفضل .

وهو مذهب عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ، وبه قال أحمد بن حنبل ، وهو أحد قولي الشافعي .

قال الدارقطني قال الشافعي : اخترت الإفراد ، والتمتع حسن لا نكرهه .

احتج من فضل التمتع بما رواه مسلم عن عمران بن حصين قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله - يعني متعة الحج - وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم تنزل

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يستدل بقوله تعالى{ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ } على أمور: أحدها: وجوب الحج والعمرة, وفرضيتهما.

الثاني: وجوب إتمامهما بأركانهما, وواجباتهما, التي قد دل عليها فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: " خذوا عني مناسككم " الثالث: أن فيه حجة لمن قال بوجوب العمرة.

الرابع: أن الحج والعمرة يجب إتمامهما بالشروع فيهما, ولو كانا نفلا.

الخامس: الأمر بإتقانهما وإحسانهما, وهذا قدر زائد على فعل ما يلزم لهما.

السادس: وفيه الأمر بإخلاصهما لله تعالى.

السابع: أنه لا يخرج المحرم بهما بشيء من الأشياء حتى يكملهما, إلا بما استثناه الله, وهو الحصر, فلهذا قال: { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } أي: منعتم من الوصول إلى البيت لتكميلهما, بمرض, أو ضلالة, أو عدو, ونحو ذلك من أنواع الحصر, الذي هو المنع.

{ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } أي: فاذبحوا ما استيسر من الهدي, وهو سبع بدنة, أو سبع بقرة, أو شاة يذبحها المحصر, ويحلق ويحل من إحرامه بسبب الحصر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه, لما صدهم المشركون عام الحديبية، فإن لم يجد الهدي, فليصم بدله عشرة أيام كما في المتمتع ثم يحل.

ثم قال تعالى: { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } وهذا من محظورات الإحرام, إزالة الشعر, بحلق أو غيره, لأنَّ المعنى واحد من الرأس, أو من البدن, لأن المقصود من ذلك, حصول الشعث والمنع من الترفه بإزالته, وهو موجود في بقية الشعر.

وقاس كثير من العلماء على إزالة الشعر, تقليم الأظفار بجامع الترفه، ويستمر المنع مما ذكر, حتى يبلغ الهدي محله, وهو يوم النحر، والأفضل أن يكون الحلق بعد النحر, كما تدل عليه الآية.

ويستدل بهذه الآية على أن المتمتع إذا ساق الهدي, لم يتحلل من عمرته قبل يوم النحر، فإذا طاف وسعى للعمرة, أحرم بالحج, ولم يكن له إحلال بسبب سوق الهدي، وإنما منع تبارك وتعالى من ذلك, لما فيه من الذل والخضوع لله والانكسار له, والتواضع الذي هو عين مصلحة العبد, وليس عليه في ذلك من ضرر، فإذا حصل الضرر بأن كان به أذى من مرض, ينتفع بحلق رأسه له, أو قروح, أو قمل ونحو ذلك فإنه يحل له أن يحلق رأسه, ولكن يكون عليه فدية من صيام ثلاثة أيام, أو صدقة على ستة مساكين أو نسك ما يجزئ في أضحية, فهو مخير، والنسك أفضل, فالصدقة, فالصيام.

ومثل هذا, كل ما كان في معنى ذلك, من تقليم الأظفار, أو تغطية الرأس, أو لبس المخيط, أو الطيب, فإنه يجوز عند الضرورة, مع وجوب الفدية المذكورة لأن القصد من الجميع, إزالة ما به يترفه.

ثم قال تعالى: { فَإِذَا أَمِنْتُمْ } أي: بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره، { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ } بأن توصل بها إليه, وانتفع بتمتعه بعد الفراغ منها.

{ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } أي: فعليه ما تيسر من الهدي, وهو ما يجزئ في أضحية، وهذا دم نسك, مقابلة لحصول النسكين له في سفرة واحدة, ولإنعام الله عليه بحصول الانتفاع بالمتعة بعد فراغ العمرة, وقبل الشروع في الحج، ومثلها القِران لحصول النسكين له.

ويدل مفهوم الآية, على أنَّ المفرد للحج, ليس عليه هدي، ودلت الآية, على جواز, بل فضيلة المتعة, وعلى جواز فعلها في أشهر الحج.

{ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ } أي الهدي أو ثمنه { فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ } أول جوازها من حين الإحرام بالعمرة, وآخرها ثلاثة أيام بعد النحر, أيام رمي الجمار, والمبيت بـ "منى" ولكن الأفضل منها, أن يصوم السابع, والثامن, والتاسع، { وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } أي: فرغتم من أعمال الحج, فيجوز فعلها في مكة, وفي الطريق, وعند وصوله إلى أهله.

{ ذَلِكَ } المذكور من وجوب الهدي على المتمتع { لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } بأن كان عند مسافة قصر فأكثر, أو بعيدا عنه عرفات, فهذا الذي يجب عليه الهدي, لحصول النسكين له في سفر واحد، وأما من كان أهله من حاضري المسجد الحرام, فليس عليه هدي لعدم الموجب لذلك.

{ وَاتَّقُوا اللَّهَ } أي: في جميع أموركم, بامتثال أوامره, واجتناب نواهيه، ومن ذلك, امتثالكم, لهذه المأمورات, واجتناب هذه المحظورات المذكورة في هذه الآية.

{ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } أي: لمن عصاه, وهذا هو الموجب للتقوى, فإن من خاف عقاب الله, انكف عما يوجب العقاب، كما أن من رجا ثواب الله عمل لما يوصله إلى الثواب، وأما من لم يخف العقاب, ولم يرج الثواب, اقتحم المحارم, وتجرأ على ترك الواجبات

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل ( وأتموا الحج والعمرة لله ) قرأ علقمة وإبراهيم النخعي ( وأقيموا الحج والعمرة لله ) واختلفوا في إتمامهما فقال بعضهم هو أن يتمهما بمناسكهما وحدودهما ، وسننهما وهو قول ابن عباس وعلقمة وإبراهيم النخعي ومجاهد وأركان الحج خمسة .

.

الإحرام والوقوف بعرفة وطواف الزيارة والسعي بين الصفا والمروة وحلق الرأس أو التقصير وللحج تحللان وأسباب التحلل ثلاثة رمي جمرة العقبة يوم النحر وطواف الزيارة ، والحلق فإذا وجد شيئان من هذه الأشياء الثلاثة حصل التحلل الأول وبالثلاث حصل التحلل الثاني وبعد التحلل الأول يستبيح جميع محظورات الإحرام إلا النساء وبعد الثاني يستبيح الكل وأركان العمرة أربعة الإحرام والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ، والحلق وقال سعيد بن جبير وطاوس : تمام الحج والعمرة أن تحرم بهما مفردين مستأنفين من دويرة أهلك وسئل علي بن أبي طالب عن قوله تعالى ( وأتموا الحج والعمرة لله ) قال أن تحرم بهما من دويرة أهلك ومثله عن ابن مسعود ، وقال قتادة : تمام العمرة أن تعمل في غير أشهر الحج [ فإن كانت في أشهر الحج ] ثم أقام حتى حج فهي متعة وعليه فيها الهدي إن وجده أو الصيام إن لم يجد الهدي وتمام الحج أن يؤتى بمناسكه كلها حتى لا يلزم عامله دم بسبب قران ولا متعة وقال الضحاك : إتمامها أن تكون النفقة حلالا وينتهي عما نهى الله عنه وقال سفيان الثوري : إتمامها أن تخرج من أهلك لهما ولا تخرج لتجارة ولا لحاجة قال عمر بن الخطاب : الوفد كثير والحاج قليل واتفقت الأمة على وجوب الحج على من استطاع إليه سبيلا واختلفوا في وجوب العمرة فذهب أكثر أهل العلم إلى وجوبها وهو قول عمر وعلي وابن عمر ، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال والله إن العمرة لقرينة الحج في كتاب الله قال الله تعالى : " وأتموا الحج والعمرة لله " وبه قال عطاء وطاوس وقتادة وسعيد بن جبير وإليه ذهب الثوري والشافعي في أصح قوليه وذهب قوم إلى أنها سنة وهو قول جابر وبه قال ( الشافعي ) وإليه ذهب مالك وأهل العراق ، وتأولوا قوله تعالى ( وأتموا الحج والعمرة لله ) على معنى أتموهما إذا دخلتم فيهما أما ابتداء الشروع فيها فتطوع واحتج من لم يوجبهما بما روي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن العمرة أواجبة هي فقال : ( لا وأن تعتمروا خير لكم ) والقول الأول أصح ومعنى قوله ( وأتموا الحج والعمرة لله ) أي ابتدئوهما فإذا دخلتم فيهما فأتموهما فهو أمر بالابتداء والإتمام أي أقيموهما كقوله تعالى : " ثم أتموا الصيام إلى الليل " ( 187 - البقرة ) أي ابتدئوه وأتموه أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا ابن أبي شيبة أخبرنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس عن عاصم عن شقيق عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب ، والفضة وليس للحج المبرور جزاء إلا الجنة " وقال ابن عمر : ليس من خلق الله أحد إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان إن استطاع إلى ذلك سبيلا كما قال الله تعالى ( وأتموا الحج والعمرة لله ) زاد بعد ذلك فهو خير وتطوع واتفقت الأمة على أنه يجوز أداء الحج والعمرة على ثلاثة أوجه الإفراد والتمتع ، والقران فصورة الإفراد أن يفرد الحج ثم بعد الفراغ منه يعتمر وصورة التمتع أن يعتمر في أشهر الحج ثم بعد الفراغ من أعمال العمرة يحرم بالحج من مكة فيحج في هذا العام وصورة القران أن يحرم بالحج والعمرة معا أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل أن يفتتح الطواف فيصير قارنا واختلفوا في الأفضل من هذه الوجوه فذهب جماعة إلى أن الإفراد أفضل ثم التمتع ثم القران وهو قول مالك والشافعي لما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بحج وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج فأما من أهل بالعمرة فحل وأما من أهل بالحج أو جمع بين الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر .

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر رضي الله عنه وهو يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ننوي إلا الحج ولا نعرف غيره ولا نعرف العمرة ، وروي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج وذهب قوم إلى أن القران أفضل وهو قول الثوري وأصحاب الرأي واحتجوا بما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم أخبرنا محمد بن هشام بن ملاس النميري أخبرنا مروان بن معاوية الفزاري أخبرنا حميد قال قال أنس بن مالك رضي الله عنه أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لبيك بحج وعمرة .

وذهب قوم إلى أن التمتع أفضل وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه واحتجوا بما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا يحيى بن بكير أخبرنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج فساق معه الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة وليقصر ، وليتحلل ثم ليهل بالحج فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله فطاف حين قدم مكة واستلم الركن أول شيء ثم خب ثلاثة أطواف ومشى أربعا فركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثم سلم فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف ثم لم يتحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى وساق الهدي من الناس .

وعن عروة أن عائشة رضي الله عنها أخبرته عن النبي صلى الله عليه وسلم في تمتعه بالعمرة إلى الحج فتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال شيخنا الإمام رضي الله عنه قد اختلفت الرواية في إحرام النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا وذكر الشافعي في كتاب اختلاف الأحاديث كلاما موجزا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان منهم المفرد والقارن ، والمتمتع وكل كان يأخذ منه أمر نسكه ويصدر عن تعليمه فأضيف الكل إليه على معنى أنه أمر بها وأذن فيها ويجوز في لغة العرب إضافة ( الشيء ) إلى الآمر به كما يجوز إضافته إلى الفاعل له كما يقال بنى فلان دارا وأريد أنه أمر ببنائها وكما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا وإنما أمر برجمه واختار الشافعي الإفراد لرواية جابر وعائشة وابن عمر ، وقدمها على رواية غيرهم لتقدم صحبة جابر النبي صلى الله عليه وسلم وحسن سياقه لابتداء قصة حجة الوداع وآخرها ولفضل حفظ عائشة رضي الله عنها وقرب ابن عمر من النبي صلى الله عليه وسلم ومال الشافعي في اختلاف الأحاديث إلى التمتع ، وقال ليس شيء من الاختلاف أيسر من هذا وإن كان الغلط فيه قبيحا من جهة أنه مباح لأن الكتاب ثم السنة ثم ما لا أعلم فيه خلافا على أن التمتع بالعمرة إلى الحج وإفراد الحج والقران واسع كله ، وقال من قال إنه أفرد الحج يشبه أن يكون قاله على ما لا يعرف من أهل العلم الذين أدرك دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحدا لا يكون مقيما على الحج إلا وقد ابتدأ إحرامه بالحج قال الشيخ الإمام رحمه الله ومما يدل على أنه كان متمتعا أن الرواية عن ابن عمر وعائشة متعارضة وقد روينا عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في [ حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وقال ابن شهاب عن عروة أن عائشة أخبرته عن النبي صلى الله عليه وسلم ] في تمتعه بالعمرة إلى الحج فتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر ، وقال ابن عباس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذه عمرة استمتعنا بها " .

وقال سعد بن أبي وقاص في المتعة صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه قال الشيخ الإمام وما روي عن جابر أنه قال خرجنا لا ننوي إلا الحج لا ينافي التمتع لأن خروجهم كان لقصد الحج ثم منهم من قدم العمرة ومنهم من أهل بالحج إلى أن أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعله متعة قوله تعالى : ( فإن أحصرتم ) اختلف العلماء في الإحصار الذي يبيح للمحرم التحلل من إحرامه فذهب جماعة إلى أن كل مانع يمنعه عن الوصول إلى البيت الحرام والمعنى في إحرامه من عدو أو مرض أو جرح أو ذهاب نفقة أو ضلال راحلة يبيح له التحلل وبه قال ابن مسعود وهو قول إبراهيم النخعي والحسن ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير وإليه ذهب سفيان الثوري وأهل العراق وقالوا لأن الإحصار في كلام العرب هو حبس العلة أو المرض وقال الكسائي وأبو عبيدة ما كان من مرض أو ذهاب نفقة يقال منه أحصر فهو محصر وما كان من حبس عدو أو سجن يقال منه حصر فهو محصور وإنما جعل هاهنا حبس العدو إحصارا قياسا على المرض إذ كان في معناه واحتجوا بما روي عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل " .

قال عكرمة : فسألت ابن عباس وأبا هريرة فقالا : صدق وذهب جماعة إلى أنه لا يباح له التحلل إلا بحبس العدو وهو قول ابن عباس وقال لا حصر إلا حصر العدو وروي معناه عن ابن عمر وعبد الله بن الزبير وهو قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وقالوا الحصر والإحصار بمعنى واحد وقال ثعلب : تقول العرب حصرت الرجل عن حاجته فهو محصور وأحصره العدو إذا منعه عن السير فهو محصر واحتجوا بأن نزول هذه الآية في قصة الحديبية وكان ذلك حبسا من جهة العدو ويدل عليه قوله تعالى في سياق الآية ( فإذا أمنتم ) والأمن يكون من الخوف وضعفوا حديث الحجاج بن عمرو بما ثبت عن ابن عباس أنه قال لا حصر إلا حصر العدو وتأوله بعضهم على أنه إنما يحل بالكسر والعرج إذا كان قد شرط ذلك في عقد الإحرام كما روي أن ضباعة بنت الزبير كانت وجعة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : حجي واشترطي وقولي اللهم محلي حيث حبستني " .

ثم المحصر يتحلل بذبح الهدي وحلق الرأس والهدي شاة وهو المراد من قوله تعالى ( فما استيسر من الهدي ) ومحل ذبحه حيث أحصر عند أكثر أهل العلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح الهدي عام الحديبية بها وذهب قوم إلى أن المحصر يقيم على إحرامه ويبعث بهديه إلى الحرم ويواعد من يذبحه هناك ثم يحل وهو قول أهل العراق .

واختلف القول في المحصر إذا لم يجد هديا ففي قول لا بدل له فيتحلل والهدي في ذمته إلى أن يجد والقول الثاني له بدل فعلى هذا اختلف القول فيه ففي قول عليه صوم التمتع وفي قول تقوم الشاة بدراهم ويجعل الدراهم طعاما فيتصدق به فإن عجز عن الإطعام صام عن كل مد من الطعام يوما كما في فدية الطيب ، واللبس فإن المحرم إذا احتاج إلى ستر رأسه لحر أو برد أو إلى لبس قميص أو مرض فاحتاج إلى مداواته بدواء فيه طيب فعل وعليه الفدية وفديته على الترتيب والتعديل فعليه ذبح شاة فإن لم يجد يقوم الشاة بدراهم والدراهم يشتري بها طعاما فيتصدق به فإن عجز صام عن كل مد يوما ثم المحصر إن كان إحرامه بغرض قد استقر عليه فذلك الغرض في ذمته وإن كان بحج تطوع فهل عليه القضاء اختلفوا فيه فذهب جماعة إلى أنه لا قضاء عليه وهو قول مالك والشافعي وذهب قوم إلى أن عليه القضاء وهو قول مجاهد والشعبي والنخعي وأصحاب الرأي قوله تعالى ( فما استيسر من الهدي ) [ أي فعليه ما تيسر من الهدي ] ومحله رفع ، وقيل ما في محل النصب أي فاهدي ما استيسر والهدي جمع هدية وهي اسم لكل ما يهدى إلى بيت الله تقربا إليه وما استيسر من الهدي شاة قاله علي بن أبي طالب وابن عباس لأنه أقرب إلى اليسر ، وقال الحسن وقتادة : أعلاه بدنة وأوسطه بقرة وأدناه شاة قوله تعالى : ( ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) اختلفوا في المحل الذي يحل المحصر ببلوغ هديه إليه فقال بعضهم هو ذبحه بالموضع الذي أحصر فيه سواء كان في الحل أو في الحرم ومعنى محله حيث يحل ذبحه فيه ، وأكله أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن محمد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرني الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة في قصة الحديبية قال فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : قوموا فانحروا ثم احلقوا فوالله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة يا نبي الله أتحب ذلك ، فاخرج ثم لا تكلم أحدا منهم بكلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فخرج ولم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما " وقال بعضهم محل هدي المحصر الحرم فإن كان حاجا فمحله يوم النحر وإن كان معتمرا فمحله يوم يبلغ هديه الحرم قوله تعالى ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ) معناه لا تحلقوا رءوسكم في حال الإحرام إلا أن تضطروا إلى حلقه لمرض أو لأذى في الرأس من هوام أو صداع ( ففدية ) فيه إضمار ، أي فحلق فعليه فدية نزلت في كعب بن عجرة .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا الحسن بن خلف أخبرنا إسحاق بن يوسف عن أبي بشر ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه وقمله يسقط على وجهه فقال أيؤذيك هوامك قال : نعم فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق وهو بالحديبية ولم يبين لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة فأنزل الله الفدية فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطعم فرقا بين ستة مساكين أويهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام .

قوله تعالى ( ففدية من صيام ) أي ثلاثة أيام ( أو صدقة ) أي ثلاثة آصع على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع ( أو نسك ) واحدتها نسيكة أي ذبيحة أعلاها بدنة وأوسطها بقرة وأدناها شاة أيتها شاء ذبح فهذه الفدية على التخيير والتقدير ويتخير بين أن يذبح أو يصوم أو يتصدق وكل هدي أو طعام يلزم المحرم يكون بمكة ويتصدق به على مساكين الحرم إلا هديا يلزم المحصر فإنه يذبحه حيث أحصر وأما الصوم فله أن يصوم حيث شاء قوله تعالى : ( فإذا أمنتم ) أي من خوفكم وبرئتم من مرضكم ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) اختلفوا في هذه المتعة فذهب عبد الله بن الزبير إلى أن معناه فمن أحصر حتى فاته الحج ولم يتحلل فقدم مكة يخرج من إحرامه بعمل عمرة واستمتع بإحلاله ذلك بتلك العمرة إلى السنة المستقبلة ثم حج فيكون متمتعا بذلك الإحلال إلى إحرامه الثاني في العام القابل وقال بعضهم معناه : ( فإذا أمنتم ) وقد حللتم من إحرامكم بعد الإحصار ولم تقضوا عمرة وأخرتم العمرة إلى السنة القابلة فاعتمرتم في أشهر الحج ثم حللتم فاستمتعتم بإحلالكم إلى الحج ثم أحرمتم بالحج فعليكم ما استيسر من الهدي وهو قول علقمة وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وقال ابن عباس وعطاء وجماعة هو الرجل يقدم معتمرا من أفق من الآفاق في أشهر الحج فقضى عمرته وأقام حلالا بمكة حتى أنشأ منها الحج فحج من عامه ذلك فيكون مستمتعا بالإحلال من العمرة إلى إحرامه بالحج فمعنى التمتع هو الاستمتاع بعد الخروج من العمرة بما كان محظورا عليه في الإحرام إلى إحرامه بالحج ولوجوب دم التمتع أربع شرائط أحدها : أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج والثاني : أن يحج بعد الفراغ من العمرة في هذه السنة والثالث أن يحرم بالحج في مكة ولا يعود إلى الميقات لإحرامه الرابع : أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام فمتى وجدت هذه الشرائط فعليه ما استيسر من الهدي وهو دم شاة يذبحه يوم النحر فلو ذبحها قبله بعدما أحرم بالحج يجوز عند بعض أهل العلم كدماء الجنايات وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز قبل يوم النحر كدم الأضحية قوله تعالى : ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج ) أي صوموا ثلاثة أيام يصوم يوما قبل التروية ويوم التروية ويوم عرفة ولو صام قبله بعدما أحرم بالحج يجوز ولا يجوز يوم النحر ولا أيام التشريق عند أكثر أهل العلم وذهب بعضهم إلى جواز صوم الثلاث أيام التشريق .

يروى ذلك عن عائشة وابن عمر وابن الزبير وهو قول مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق .

قوله تعالى ( وسبعة إذا رجعتم ) أي صوموا سبعة أيام إذا رجعتم إلى أهليكم وبلدكم فلو صام السبعة قبل الرجوع إلى أهله لا يجوز وهو قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وقيل يجوز أن يصومها بعد الفراغ من أعمال الحج وهو المراد من الرجوع المذكور في الآية قوله تعالى ( تلك عشرة كاملة ) ذكرها على وجه التأكيد وهذا لأن العرب ما كانوا يهتدون إلى الحساب فكانوا يحتاجون إلى فضل شرح وزيادة بيان ، وقيل فيه تقديم وتأخير يعني فصيام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجعتم فهي عشرة كاملة وقيل كاملة في الثواب والأجر ، وقيل كاملة فيما أريد به من إقامة الصوم بدل الهدي وقيل كاملة بشروطها وحدودها ، وقيل لفظه خبر ومعناه أمر أي فأكملوها ولا تنقصوها ( ذلك ) أي هذا الحكم ( لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ) واختلفوا في حاضري المسجد الحرام فذهب قوم إلى أنهم أهل مكة وهو قول مالك وقيل هم أهل الحرم وبه قال طاوس من التابعين وقال ابن جريج : أهل عرفة والرجيع وضجنان ، ونخلتان وقال الشافعي رحمه الله كل من كان وطنه من مكة على أقل من مسافة القصر فهو من حاضري المسجد الحرام وقال عكرمة : هم من دون الميقات وقيل هم أهل الميقات فما دونه وهو قول أصحاب الرأي ودم القران كدم التمتع والمكي إذا قرن أو تمتع فلا هدي عليه قال عكرمة : سئل ابن عباس عن متعة الحج فقال أهل المهاجرون والأنصار ، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله : " اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي " .

فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا فقد تم حجنا وعلينا الهدي فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه وأباحه للناس من غير أهل مكة قال الله تعالى : ( ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ) .

ومن فاته الحج وفواته يكون بفوات الوقوف بعرفة حتى يطلع الفجر يوم النحر فإنه يتحلل بعمل العمرة وعليه القضاء من قابل والفدية وهي على الترتيب والتقدير كفدية التمتع والقران أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن سليمان بن يسار أن هناد بن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه فقال يا أمير المؤمنين أخطأنا العدد كنا نظن أن هذا اليوم يوم عرفة فقال له عمر : اذهب إلى مكة فطف أنت ومن معك بالبيت واسعوا بين الصفا والمروة وانحروا هديا إن كان معكم ثم احلقوا أو قصروا ثم ارجعوا فإذا كان عام قابل فحجوا واهدوا فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم .

( واتقوا الله ) في أداء الأوامر ( واعلموا أن الله شديد العقاب ) على ارتكاب المناهي .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأتموا الحج والعمرة لله» أدُّوهما بحقوقهما «فإن أُحصرتم» مُنعتم عن إتمامها بعدوِّ «فما استيسر» تيسَّر «من الهدي» عليكم وهو شاة «ولا تحلقوا رؤوسكم» أي لا تتحللوا «حتى يبلغ الهدي» المذكور «محله» حيث يحل ذبحه وهو مكان الإحصار عند الشافعي فيذبح فيه بنية التحلل ويفرَّق على مساكينه ويحلق وبه يحصل التحلل «فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه» كقمل وصداع فحلق في الإحرام «ففدية» عليه «من صيام» ثلاثة أيام «أو صدقة» بثلاثة أصوع من غالب قوت البلد على ستة مساكين «أونسك» أي ذبح شاة وأو للتخيير وألحق به من حلق لغير عذر أنه أولى بالكفارة وكذا من استمتع بغير الحلق كالطيب واللبس والدهن لعذر أو غيره «فإذا أمنتم» العدو بأن ذهب أو لم يكن «فمن تمتع» استمتع «بالعمرة» أي بسبب فراغه منها بمحظورات الإحرام «إلى الحج» أي إلى الإحرام به بأن يكون أحرم بها في أشهره «فما استيسر» تيسر «من الهدي» عليه وهو شاة يذبحها بعد الإحرام به والأفضل يوم النحر «فمن لم يجد» الهدي لفقده أو فقد ثمنه «فصيامُ» أي فعليه صيام «ثلاثة أيام في الحج» أي في حال الإحرام به فيجب حينئذ أن يُحْرمَ قبل السابع من ذي الحجة والأفضل قبل السادس لكراهة صوم يوم عرفة ولا يجوز صومها أيام التشريق على أصح قولي الشافعي «وسبعة إذا رجعتم» إلى وطنكم مكة أو غيرها وقيل إذا فرغتم من أعمال الحج وفيه التفات عن الغيبة «تلك عشرة كاملة» جملة تأكيد لما قبلها «ذلك» الحكم المذكور من وجوب الهدي أو الصيام على من تمتع «لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام» بأن لم يكونوا على دون مرحلتين من الحرم عند الشافعي فإن كان فلا دم عليه ولا صيام وإن تمتع فعليه ذلك وهو أحد وجهين عند الشافعي والثاني لا والأهل كناية عن النفس وألحق بالتمتع فيما ذكر بالسنة القارن وهو من أحرم بالعمرة والحج معا أو يدخل الحج عليها قبل الطواف «واتقوا الله» فيما يأمركم به وينهاكم عنه «واعلموا أن الله شديد العقاب» لمن خالفه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأدُّوا الحج والعمرة تامَّيْنِ، خالصين لوجه الله تعالى.

فإن منعكم عن الذهاب لإتمامهما بعد الإحرام بهما مانع كالعدو والمرض، فالواجب عليكم ذَبْحُ ما تيسر لكم من الإبل أو البقر أو الغنم تقربًا إلى الله تعالى؛ لكي تَخْرُجوا من إحرامكم بحلق شعر الرأس أو تقصيره، ولا تحلقوا رؤوسكم إذا كنتم محصرين حتى ينحر المحصر هديه في الموضع الذي حُصر فيه ثم يحل من إحرامه، كما نحر النبي صلى الله عليه وسلم في "الحديبية" ثم حلق رأسه، وغير المحصر لا ينحر الهدي إلا في الحرم، الذي هو محله في يوم العيد، اليوم العاشر وما بعده من أيام التشريق.

فمن كان منكم مريضًا، أو به أذى من رأسه يحتاج معه إلى الحلق -وهو مُحْرِم- حَلَق، وعليه فدية: بأن يصوم ثلاثة أيام، أو يتصدق على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام، أو يذبح شاة لفقراء الحرم.

فإذا كنتم في أمن وصحَّة: فمن استمتع بالعمرة إلى الحج وذلك باستباحة ما حُرِّم عليه بسبب الإحرام بعد انتهاء عمرته، فعليه ذبح ما تيسر من الهدي، فمن لم يجد هَدْيًا يذبحه فعليه صيام ثلاثة أيام في أشهر الحج، وسبعة إذا فرغتم من أعمال الحج ورجعتم إلى أهليكم، تلك عشرة كاملة لا بد من صيامها.

ذلك الهَدْيُ وما ترتب عليه من الصيام لمن لم يكن أهله من ساكني أرض الحرم، وخافوا الله تعالى وحافظوا على امتثال أوامره واجتناب نواهيه، واعلموا أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره، وارتكب ما عنه زجر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

تعتبر هذه الآية الكريمة من أجمع الآيات التي وردت في القرآن الكريم مبينة ما يتعلق بأحكام الحج وآدابه ، وسنحاول - بعون الله - أن نبين ما اشتملت عليه من آداب سامية ، وتوجيهات حكيمة ، بأسلوب هو إلى الإِيجاز أقرب منه إلى الإسهاب والإِطناب ، قاصدين عدم التعرض لتفريعات الفقهاء واختلافاتهم إلا بالقدر الذي يقتضيه المقام .والحج في اللغة : القصد يقال حج فلان الشيء : إذا قصده مرة بعد أخرى .وفي الشرع : القصد لزيارة بيت الله الحرام في وقت مخصوص بأفعال مخصوصة ، وبكيفية مخصوصة ، بينتها الشريعة الإِسلامية .والعمرة في اللغة : الزيارة ، مأخوذة من العمارة التي هي ضد الخراب ثم أطلقت على الزيارة التي يقصد بها عمارة المكان .وفي الشرع : زيارة بيت الحرام للتقرب إليه ، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أركانها وشروطها وكيفيتها .وقد كانت شعيرة الحج والعمرة معروفتين عند العرب قبل الإِسلام ، ولكن بأفعال وبكيفية فيها الكثير من الأباطيل والأوهام ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يسيروا في أدائها على الطريقة التي سار عليها فقال : " خذوا عني مناسككم " .قال ابن كثير : " وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست ، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع ، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان ، وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معاً في ذي القعدة سنة عشر .

وما اعتمر في غير ذلك بعد هجرته " .وقد اختلف العلماء في المقصود من الإِتمام في قوله - تعالى - ( وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة للَّهِ ) فبعضهم يرى أن المراد بإتمامهما : إقامتهما وإيجادهما وإنشاؤهما فيكون المعنى : أقيموا الحج والعمرة لله : أي أدوهما وائتوا بهما .

فالأمر في " أتموا " منصب على الإِنشاء والأداء .

فهو كقوله - تعالى - : ( ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل ) وأصحاب هذا الرأي يرون أن العمرة واجبة كالحج ، لأن الله - تعالى - أمر بهما معاً ، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " تابعوا بين الحج والعمرة .

.

" .وإلى هذا الرأي أتجه سعيد بن جبير ، وعطاء ، وسفيان الثوري ، والشافعية .ويرى كثير من الصحابة والتابعين والفقهاء كالأحناف والمالكية - أن المراد بإتمامهما : الإِتيان بهما تامين بمناسكهما المشروعة لوجه الله - تعالى - وأن على المسلم إذا شرع فيهما أو في أحدهما أن يتمه ويأتي به كاملا ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في عمرة القضاء .فيكون المعنى : ائتوا بالحج والعمرة كاملي الأركان والشروط والآداب خالصين لوجه الله - تعالى - .فالأمر على هذا الرأي منصب على الإِتمام لا على أصل الأداء .وأصحابه يرون أن العمرة ليست واجبة كالحج لعدم قيام الدليل على وجوبها ، وليس في الآية ما يفيد الوجوب ، بل فيها ما يفيد وجوب الإِتمام إن شرع فيهما أو في أحدهما .

وفرضية الحج إنما ثبتت بقوله - تعالى - : ( وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً ) وأيضاً ، فإن أركان العمرة وأفعالها تدخل في ثنايا أفعال الحج وأركانه ، ولذلك ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " إلى غير ذلك من الأدلة التي ساقها كل فريق لتدعيم رأيه .ومجمل القول أن فرضية الحج مجمع عليها بين العلماء ، وأما فرضية العمرة ففيها خلاف ، انتصر كثير من العلماء فيه للرأي القائل بأنها ليست فرضاً للحج ، بل هي سنة .وقد كانت فرضية الحج في السنة التاسعة من الهجرة على أرجح الروايات .

ويرى بعض العلماء أن الحج قد فرض قبل ذلك ، إلا أن تنفيذه لم يتم إلا في السنة التاسعة عندما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميراً على الحج ، وكان ذلك تمهيداً لجحه صلى الله عليه وسلم سنة عشر .وقد أمر - سبحانه - بإتمام الحج والعمرة لله دون غيره لأن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر ، والتفاخر ، وقضاء الحوائج ، وحضور الأسواق ، دون أن يكون لله - تعالى - فيه حظ يقصد ، ولا قربة تعتقد ، فأمر - سبحانه - المسلمين أن ينزهوا عباداتهم - وخصوصاً الحج - عن الأٌوال السيئة ، والأفعال القبيحة ، وأن يقصدوا بأداء ما كلفهم الله به الإِخلاص والطاعة له - سبحانه - .وبعد أن أمر الله - تعالى - عباده بأن يتموا الحج والعمرة له ، أردف ذلك ببيان ما يجب عليهم عمله فيما لو حال حائل بينهم وبين إتمامهما فقال : ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا استيسر مِنَ الهدي ) والإِحصار والحصر في اللغة : بمعنى الحبس والمنع والتضييق سواء أكان بسبب عدو أو مرض أو جور سلطان أو ما يشبه ذلك .

قال - تعالى - في شأن قتال المشركين : ( فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ واحصروهم ) أي : ضيقوا عليهم المنافذ .

ويقال للذي لا يبوح بسره : حصر؛ لأنه حبس نفسه عن البوح بسره .ويرى بعض علماء اللغة أن الإِحصار يكون الحبس والمنع فيه من ذات الشخص كالمرض وذهاب النفقة ، وأما الحصر فيكون الحبس والمنع فيه لا من ذات الشخص ، بل بسبب أمر خارجي كالعدو ونحوه .( الهدي ) : - بتخفيف الياء وتشديدها - مصدر بمعنى المفعول ، أي : المهدي والمراد به ما يهدي إلى بيت الله الحرام من الإِبل والبقرة والشاة ليذبح تقرباً إلى الله - تعالى - .و ( استيسر ) هنا بمعنى يسر وتيسر أي : ما أمكن تحصيله من الهدى بدون مشقة أو تعب .والمعنى : أتموا - أيها المؤمنون - الحج والعمرة لله متى قدرتم على ذلك ، فإن ( أُحْصِرْتُمْ ) أي منعتم بعد الإِحرام من الوصول إلى البيت الحرام بسبب عدو أز مرض أو نحوهما ، فعليكم إذا أردتم التحلل من الإِحرام أن تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى .وبعض العلماء - كالشافعية والمالكية - يرون أن المراد بالإِحصار في الآية ما كان بسبب عدو ، كما حدث للمسلمين في صلح الحديبية ، أما إذا كان الإِحصار بسبب مرض ، فإن الحاج أو المعتمر يبقى على إحرامه حتى يبرأ من مرضه ثم يذهب إلى البيت فيطوف به سبعاً ، ويسعى بين الصفا والمروة ، وبهذا يتحلل من عمرته أو حجه ، ولا يتحلل بالذبح ، إذ التحلل بالذبح عندهم لا يكون إلا في حالة الإِحصار بسبب العدو .

أما الأحناف فيرون أن الإِحصار سواء أكان بسبب عدو أو مرض أو ما يشبههما فإنه يسيغ التحلل بالذبح ، إذ الآية عندهم تعم كل منع ، وعلى من أحصر أن يقضي الحج أو العمرة فيما بعد .وفي هذه الجملة الكريمة تقرير للمبادئ التي جاءت بها شريعة الإِسلام تلك المبادئ التي تتوخى في كل شئونها التيسير لا التعسسير ، والرفق لا التشديد قال - تعالى - : ( يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر ) وقال - تعالى - : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ) ثم قال - تعالى - : ( وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ ) .حلق الرأس أو تقصيرها علامة على الانتهاء من الإِحرام ، كما أن التسليم علامة الانتهاء من الصلاة ، أو علامة قطعهما عند الاضطرار إلى ذلك .

والحلق بالنسبة للرجال أفضل من التقصير ، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم أغفر للمحلقين .

قالوا : يا رسول الله وللمقصرين .

قال : اللهم اغفر للمحلقين .

قالوا : يا رسول الله وللمقصرين : قال : وللمقصرين " أما بالنسبة للنساء فيكفي التقصير .والمحل : اسم لزمان الحلول أو مكانه .

يقال : بلغ الدين محله إذا حل وقت أدائه ، كما يقال : بلغ الشخص محله إذا وصل إلى المكان الذي ينزل به .قال الآلوسي : وكون المراد بالمحل هنا المكان هو الظاهر في الآية .والمعنى : أتموا الحج والعمرة لله ، فإن منعتم من إتمامهما وأنتم محرمون فعليكم إذا أردتم التحلل أن تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى ، ولا تتحللوا من إحرامكم بالحلق حتى تعلموا أن الهدى المبعوث قد بلغ مكانه الذي يجب أن يراق فيه دمه ، وهو الحرم .وهذا رأي الأحناف ، فقد قرروا أن المراد بالمحل البيت الحرام ، فهو اسم مكان ، لأن الله - تعالى - قد قال في آية أخرى : ( ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق ) وعليه فلا يجوز للمحصر أن يحلق ويتحلل إلا بعد أن يصل الهدى الذي يرسله إلى البيت الحرام ويذبح .أما جمهور الفقهاء فيرون أن محل الهدى للمحصر هو المكان الذي حدث فيه الإِحصار ، ودليلهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نحر هو وأصحابه هديهم بالحدبيبة وهي ليست من الحرم ، وذلك عندما منعه المشركون من دخول مكة .وقد أجاب الأحناف على ذلك بأن محصر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقول الآلوسي - كان في طريق الحديبية بأسفل مكة ، والحديبية متصلة بالحرم .وعلى رأي جمهور الفقهاء يكون المعنى : ولا تتحللوا من إحرامكم بالحق حتى تذبحوا الهدى في الموضع الذي أحصرتم فيه ، فإذا تم الذبح فأحلقوا وتحللوا .

والخطاب على كلا المعنيين يكون للمحصرين ، لأنه أقرب مذكور .ويرى المحققون من العلماء أن رأى جمهور الفقهاء أكثر اتفاقاً مع السنة النبوية ، وفيه تسهيل على المحصرين ، والمناسب لهم هو التيسير لا التعسير ، ولا شك أن ذبحهم لهديهم في مكان إحصارهم أيسر لهم ، وحمولا قوله - تعالى - : ( وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ ) على أنه خطاب عام لجميع المكلفين لا فرق بين محصر وغير محصر ، وأن المقصود من الجملة الكريمة هو البيان العام لمكان التحلل وزمانه ، أما مكان الذبح عند الإِحصار فقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم بذبحه لهديه في الحديبية وهي ليست من الحرم عند المحققين .قال الإِمام الرازي : ومنشأ الخلاف البحث في تفسير هذه الآية ، فقال قال الشافعي وغيره : المحل في هذه الآية اسم للزمان الذي يحصل فيه التحلل وقال أبو حنيفة : إنه اسم للمكان .وبعد أن بين - سبحانه - أن الحلق لا يجوز للمحرم ما دام مستمراً على إحرامه ، أردف ذلك ببيان بعض الحالات التي يجوز فيها للمحرم أن يحلق رأسه مع استمراره على إحرامه فقال - تعالى - : ( فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) .أي : فمن كان منكم - أيها المحرمون - مريضاً بمرض يضطر معه إلى الحلق ، أو كان به أذى من رأسه كجراحة وحشرات مؤذية ، فعليه إن حلق فدية من صيام أو صدقة أو نسك .وقوله : ( فَفِدْيَةٌ ) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف .

أي : فعليه فدية ، وأيضا ففيه إضمار آخر والتقدير : فحلق فعليه فدية .والفدية : هي العوض عن الشيء الجليل النفيس .

ولا ريب أن محرمات الحج والعمرة أمور لها جلالها وعظمها .وعبر - سبحانه - هنا بالفدية دون الكفارة ، لأن الذي به مرض و أذى من رأسه لم يرتكب ذنباً أو إثماً حتى يكفر عنه .قال القرطبي : والنسك : جمع نسيكة ، وهي الذبيحة ينسكها العبد لله - تعالى - وتكون من الإِبل والبقر والغنم - ويجمع - أيضاً - على نسائك .

والنسك : العبادة في الأصل ، ومنه قوله - تعالى - :( وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ) أي : متعبداتنا .

وقيل : أصل النسك في اللغة الغسل؛ ومنه نسك ثوبه إذا غسله ، فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة .

وقيل : النسك سبائك الفضة التي خلصت من الخبث ، كل سبيكة منها نسيكة ، فكأن العابد خلص نفسه من دنس الآثام " .وقوله - تعالى - : ( مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) بيان لجنس الفدية .وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم مقدار هذه الفدية ، فقد روى الشيخان عن كعب بن عجرة الأنصاري قال : " حملت أن النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي فقال : ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ بك هذا .

.

.

أما تجد شاة؟

قلت : لا!!

قال : صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك " فنزلت في خصاة وهي لكم عامة .فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم مقدار الفدية في هذا الحديث ، وعامة العلماء يرون أن المحرم لعذر كهذا يخير في هذا المقام ، إن شاء صام وإن شاء تصدق وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على المساكين .قال ابن كثير : ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل ، ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة بذلك أرشده أولا إلى الأفضل فقال : أما تجد شاه؟

فكل حسن في مقامه " .وبعد أن بين - سبحانه كيفية التحلل عند الإِحصار ، وكيفية التحلل الجزئي من بعض المحرمات عند المرض ، عقب ذلك للبيان كيفية التحلل في حالة الأمن فقال : ( فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج فَمَا استيسر مِنَ الهدي فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحج وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ) .وقوله : ( فَإِذَآ أَمِنتُم ) الأمن ضد الخوف .

أي : فإذا زال خوفكم وثبت أمنكم والجملة معطوفة على قوله ( أُحْصِرْتُمْ ) وجيء بإذا لأن فعل الشرط وهو ( أَمِنتُمْ ) مرغوب فيه .وقوله : ( فَمَن تَمَتَّعَ ) جواب إذا .

والتمتع في اللغة - كما قال الإِمام الرازي - التلذذ .

يقال : تمتع بالشيء إذا تلذذ به .

والمتاع كل شيء يتمتع به ، وأصله من قولهم : حبل ماتع ، أي : طويل وكل من طالت صحبته مع الشيء فهو متمتع به .والمراد بالتمتع في الآية المعنى الشرعي بأن يجمع المسلم بين العمرة والحج في عام واحد في أشهر الحج ، بأن يحرم بالعمرة أولا ثم بالحج .وسمي هذا النوع من الإِحرام تمتعاً ، لأن المحرم به يجمع بين متعة الروح ومتعة الجسد .

لأنه يحرم بالعمرة أولا ويقوم بمناسكها وتلك متعة روحية وبعد الانتهاء من أدائها يتحلل فيجوز له أن يقرب النساء ويمس الطيب حتى يحرم بالحج وتلك متعة بدنية .وهناك نوعان آخران من الإِحرام .أحدهما : الإِفراد ومعناه : أن يحرم بالحج فقط ولا يجمع معه العمرة ، وإنما يأتي بها في وقت آخر .وثانيهما : القرآن ومعناه : أن يجمع بين العمرة والحج في إحرام واحد ، بأن يبقى على إحرامه ويأتي بمناسك الحج والعمرة بالإِحرام نفسه .والمعنى : فإذا ثبت أمنكم - أيها المسلمون - عند أدائكم للحج والعمرة ، فمن تمتع منكم بالعمرة إلى الحج ، بأن أحرم بها في أشهر الحج ، ثم بعد الانتهاء من أعمالها تحلل بأن حلق رأسه ، وباشر أهله إن كانوا معه ، وانتظر متحللا وصار من حقه أن يفعل كل ما يفعله من ليس محرماً إلى وقت الإِحرام بالحج ، فعليه في هذه الحالة أن يذبح ما تيسر له من الهدى من غنم أو بقر أو إبل ليكون هذا الذبح شكراً لله حيث وفقه - سبحانه - للجمع بين النسكين مع التمتع بينهما بأفعال المتحلل ، فمن لم يجد ما يذبحه فعليه أن يصوم ثلاثة أيام في وقت الحج وأن يصوم سبعة أيام بعد فراغه منه .وقوله : ( فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ .

.

.

) معطوف على ( فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة .

.

.

) لأن ( فَمَن تَمَتَّعَ ) مع جوابه وهو ( فَمَا استيسر .

.

.

) مقدر فيه معنى تمتع واجداً الهدى ، فعطف عليه فمن لم يجد أي الهدى .وقد جعل - سبحانه - الصيام بدلا عن الهدى زيادة الرخصة والرحمة وزيادة في الرفق والتيسير فقد جعله على مرحلتين :إحداهما : - وهي الأقل - تكون في وقت الحج ، ويفضل كثير من الفقهاء أن يصوم سادس ذي الحجة وسابعه وثامنه .وثانيتهما : - وهي الأكثر - تكون بعد الرجوع إلى أهله حيث يطمئن ويستقر وتذهب مشقة السفر فيصوم سبعة أيام .وبعض الفقهاء يرى جواز الصيام عند الأخذ في الرجوع بعد الفراغ من أعمال الحج ، ويرجح الوجه الأول ما رواه الشيخان من حديث ابن عمر وفيه : " فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " .والإِشارة في قوله - تعالى - ( تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ) إلى الثلاثة والسبعة .

ومميز العدد محذوف أي : أيام .

والجملة مؤكدة لما أفاد قوله : ( فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحج وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ) وفائدة هذا التأكيد دفع توهم أن الواو بمعنى أو ، أو أن السبعة كناية عن مطلق كثرة العدد ، وبذلك يتقرر الحكم نصاً ، ويتبين أن الذي يحل محل النسك إنما هو العشرة الكاملة وليس بعضها .ووصف العشرة بأنها كاملة ، للتنويه بأن هذا الصوم طريق الكمال لأعمال الحج ، وأن الحاج إذا نسي بعضها لا يكون حجه تاما حتى يصوم ما أمره الله - تعالى - به .وقوله : ( ذلك لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام ) الإِشارة فيه تعود إلى التمتع المفهوم من قوله - تعالى - : ( فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج .

.

.

) إلخ .أي : ذلك التمتع الذي يتمتع فيه المحرم بين النسكين ، إنما هو للشخص الذي ليس أهله من المقيمين في مكة وما حولها ، لأن المقيمين في مكة وما حولها يفردون ولا يجمعون ، إذ العمرة في إمكانهم أن يؤدوها طول أيام السنة .وقد شرع - سبحانه - التمتع ليكون تيسيراً ورفقاً للمقيمين بعيداً عن مكة هذا رأي الأحناف .ويرى الشافعية : أن أهل مكة وما حولها يقرنون ويتمتعون كغيرهم من أهل الآفاق ، وأن اسم الإِشارة في الجملة الكريمة يعود إلى النسك وما يقوم مقامه من الصوم لأنه أقرب مذكور .وعلى رأيهم يكون المعنى : ذلك الذبح لما تيسر من الهدى والصيام لمن لم يتيسر له الهدى إنما هو على سكان الآفاق ، لا على سكان مكة وما حولها ، لأن سكان مكة وما حولها قد أحرموا لتمتعهم من الميقات فلا يجب عليهم شيء .والمراد بحاضري المسجد الحرام : أهل مكة وأهل الحل الذين منازلهم داخل الموقيت عند الحنفية .

وقال المالكية : هم أهل مكة خاصة .

وقال الشافعية : هم أهل مكة ومن كان بينه وبين مكة مسافة لا تقثصر فيها الصلاة .

ولكل أدلته المفصلة في كتب الفقه .ثم ختم - سبحانه - الآية بالأمر بتقواه وبالتحذير من عقابه فقال : ( واتقوا الله واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب ) .أي : واتقوا الله في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه ، واعلموا أن الله شديد العقاب مع الترغيب بالثواب ، فقد جرت عادة الناس أنهم يصلحون بالثواب والعقاب .هذا ، وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على بعض الأحكام التي تتعلق بالحج والعمرة ، والمتدبر في هذه الأحكام يراها قد امتازت بأحكم ضروب التوجيه ، وأيسر أنواع التكليف .ثم بين - سبحانه - وقت الحج وما يجب على الملم عند أدائه لهذه الفريضة من آداب فقال - تعالى - :( الحج أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: ﴿ الحج ﴾ في اللغة عبارة عن القصد وإنما يقال: حج فلان الشيء إذا قصده مرة بعد أخرى، وأدام الاختلاف إليه ﴿ والحجة ﴾ بكسر الحاء السنة، وإنما قيل لها حجة لأن الناس يحجون في كل سنة، وأما في الشرع فهو اسم لأفعال مخصوصة منها أركان ومنها أبعاض ومنها هيئات، فالأركان ما لا يحصل التحلل حتى يأتي به والأبعاض هي الواجبات التي إذا ترك شيء يجبر بالدم، والهيئات ما لا يجب الدم على تركها، والأركان عندنا خمسة: الإحرام والوقوف بعرفة والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، وفي حلق الرأس أو تقصيره قولان: أصحهما أنه نسك لا يحصل التحلل إلا به، وأما الأبعاض فهي الإحرام من الميقات والمقام بعرفة إلى المغرب في قول والبيتوتة بمزدلفة ليلة النحر في قول ورمي جمرة العقبة والبيتوتة بمنى ليالي التشريق في قول ورمي أيامها.

وأما سائر أعمال الحج فهي سنة.

وأما أركان العمرة فهي أربعة: الإحرام، والطواف، والسعي، وفي الحلق قولان، ثم المعتمر بعدما فرغ من السعي فإن كان معه هدي ذبحه ثم حلق أو قصر، ولا يتوقف التحلل على ذبح الهدي.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّواْ ﴾ أمر بالإتمام، وهل هذا الأمر مطلق أو مشروط بالدخول فيه، ذهب أصحابنا إلى أنه مطلق، والمعنى: افعلوا الحج والعمرة على نعت الكمال والتمام والقول الثاني: وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه: إن هذا الأمر مشروط، والمعنى أن من شرع فيه فليتمه قالوا: ومن الجائز أن لا يكون الدخول في الشيء واجباً إلا أن بعد الدخول فيه يكون إتمامه واجباً، وفائدة هذا الخلاف أن العمرة واجبة عند أصحابنا، وغير واجبة عن أبي حنيفة رحمه الله حجة أصحابنا من وجوه.

الحجة الأولى: قوله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ ﴾ وجه الاستدلال به أن الإتمام قد يراد به فعل الشيء كاملاً تاماً، ويحتمل أن يراد به إذا شرعتم في الفعل فأتموه، وإذا ثبت الإحتمال وجب أن يكون المراد من هذا اللفظ هو ذاك، أما بيان الإحتمال فيدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات فَأَتَمَّهُنَّ  ﴾ أي فعلهن على سبيل التمام والكمال، وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل  ﴾ أي فافعلوا الصيام تاماً إلى الليل، وحمل اللفظ على هذا أولى من قول من قال: المراد فأشرعوا في الصيام ثم أتموه، لأن على هذا التقدير يحتاج إلى الإضمار، وعلى التقدير الذي ذكرناه لا يحتاج إليه فثبت أن قوله: ﴿ وَأَتِمُّواْ الحج ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه الإتيان به على نعت الكمال والتمام فوجب حمله عليه، أقصى ما في الباب أنه يحتمل أيضاً أن يكون المراد منه أنكم إذا شرعتم فيه فأتموه، إلا أن حمل اللفظ على الوجه الأول أولى، ويدل عليه وجوه: الأول: أن حمل الآية على الوجه الثاني يقتضي أن يكون هذا الأمر مشروطاً، ويكون التقدير: أتموا الحج والعمرة لله إن شرعتم فيهما، وعلى التأويل الأول الذي نصرناه لا يحتاج إلى إضمار هذا الشرط، فكان ذلك أولى والثاني: أن أهل التفسير ذكروا أن هذه الآية هي أول آية نزلت في الحج فحملها على إيجاب الحج أولى من حملها على الإتمام بشرط الشروع فيه الثالث: قرأ بعضهم ﴿ وَأَقِيمُواْ الحج والعمرة لِلَّهِ ﴾ وهذا وإن كان قراءة شاذة جارية مجرى خبر الواحد لكنه بالإتفاق صالح لترجيح تأويل على تأويل الرابع: أن الوجه الذي نصرناه يفيد وجوب الحج والعمرة، ويفيد وجوب إتمامهما بعد الشروع فيهما، والتأويل الذي ذكرتم لا يفيد إلا أصل الوجوب، فكان الذي نصرناه أكبر فائدة، فكان حمل كلام الله عليه أولى الخامس: أن الباب باب العبادة فكان الإحتياط فيه أولى، والقول بإيجاب الحج والعمرة معاً أقرب إلى الاحتياط، فوجب حمل اللفظ عليه السادس: هب أنا نحمل اللفظ على وجوب الإتمام، لكنا نقول: اللفظ دل على وجوب الاتمام جزماً، وظاهر الأمر للوجوب فكان الإتمام واجباً جزماً والاتمام مسبوق بالشروع، وما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب، فيلزم أن يكون الشروع واجباً في الحج وفي العمرة السابع: روي عن ابن عباس أنه قال: والذي نفسي بيده إنها لقرينتها في كتاب الله، أي إن العمرة لقرينة الحج في الأمر في كتاب الله يعني في هذه الآية فكان كقوله: ﴿ أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة  ﴾ فهذا تمام تقرير هذه الحجة.

فإن قيل: قرأ علي وابن مسعود والشعبي ﴿ والعمرة لِلَّهِ ﴾ بالرفع وهذا يدل على أنهم قصدوا إخراج العمرة عن حكم الحج في الوجوب.

قلنا: هذا مدفوع من وجوه: الأول: أن هذه قراءة شاذة فلا تعارض القراءة المتواترة.

الثاني: أن فيها ضعفاً في العربية، لأنها تقتضي عطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية الثالث: أن قوله: ﴿ والعمرة لِلَّهِ ﴾ معناه أن العمرة عبادة الله، ومجرد كونها عبادة الله لا ينافي وجوبها، وإلا وقع التعارض بين مدلول القراءتين، وهو غير جائز الرابع: أنه لما كان قوله: ﴿ والعمرة لِلَّهِ ﴾ معناه: والعمرة عبادة الله، وجب أن يكون العمرة مأموراً بها لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله  ﴾ والأمر للوجوب، وحينئذ يحصل المقصود.

الحجة الثانية: في وجوب العمرة أن قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ الحج الأكبر  ﴾ يدل على وجوب حج أصغر على ما عليه حقيقة أفعل، وما ذاك إلا العمرة بالإتفاق، وإذا ثبت أن العمرة حج، وجب أن تكون واجبة لقوله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّواْ الحج ﴾ ولقوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت  ﴾ .

الحجة الثالثة: في المسألة أحاديث منها ما أورده ابن الجوزي في المتفق بين الصحيحين أن جبريل عليه السلام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج وتعتمر، وروى النعمان بن سالم عن عمر بن أوس عن أبي رزين أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام فقال: إن أبي شيخ كفي أدرك الإسلام، ولا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، فقال عليه الصلاة والسلام: «حج عن أبيك واعتمر»، فأمر بهما، والأمر للوجوب، ومنها ما روى ابن سيرين عن زيد بن ثابت أنه عليه الصلاة والسلام قال: الحج والعمرة فرضان لا يضرك بأيهما بدأت ومنها ما روت عائشة رضي الله عنها بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين، قالت: قلت يا رسول الله هل على النساء جهاد؟

فقال عليه الصلاة والسلام: «عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة».

الحجة الرابعة: في وجوب العمرة، قال الشافعي رضي الله عنه: اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحج، ولو لم تكن العمرة واجبة لكان الأشبه أن يبادر إلى الحج الذي هو واجب، وحجة من قال: العمرة ليست واجبة وجوه: الحجة الأولى: قصد الأعرابي الذي سأل الرسول عليه الصلاة والسلام عن أركان الإسلام فعلمه الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، فقال الأعرابي: هل علي غير هذا؟

قال: لا إلا أن تطوع، فقال الأعرابي: لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال عليه الصلاة والسلام: «أفلح الأعرابي إن صدق»، وقال عليه الصلاة والسلام: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت».

وقال عليه الصلاة والسلام: «صلوا خمسكم وزكوا أموالكم وحجوا بيتكم تدخلوا جنة ربكم».

فهذه أخبار مشهورة كالمتواترة فلا يجوز الزيادة عليها ولا ردها، وعن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن العمرة أواجبة هي أم لا؟

فقال: لا وإن تعتمر خير لك، وعن معاوية الضرير عن أبي صالح الحنفي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحج جهاد والعمرة تطوع».

والجواب: من وجوه: أحدها: أن ما ذكرتم أخبار آحاد فلا تعارض القرآن.

وثانيها: لعل العمرة ما كانت واجبة عندما ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام تلك الأحاديث، ثم نزل بعدها قوله: ﴿ وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ ﴾ وهذا هو الأقرب، لأن هذه الآية إنما نزلت في السنة السابعة من الهجرة.

وثالثها: أن قصة الأعرابي مشتملة على ذكر الحج وليس فيها بيان تفصيل الحج، وقد بينا أن العمرة حج لأنها هي الحج الأصغر، فلا تكون هي منافية لوجوب العمرة، وأما حديث محمد بن المنكدر فقالوا: رواية حجاج بن أرطاة وهو ضعيف.

المسألة الثالثة: اعلم أن الحج على ثلاثة أقسام: الإفراد، والقران، والتمتع، فالإفراد أن يحج ثم بعد الفراغ منه يعتمر من أدنى الحل، أو يعتمر قبل أشهر الحج، ثم يحج في تلك السنة، والقران أن يحرم بالحج والعمرة معاً في أشهر الحج بأن ينويهما بقلبه، وكذلك لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم قبل الطواف أدخل عليها الحج يصير قرانا، والتمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويأتي بأعمالها ثم يحج في هذه السنة، وإنما سمي تمتعا لأنه يستمتع بمحظورات الإحرام بعد التحلل عن العمرة قبل أن يحرم بالحج.

إذا عرفت هذا فنقول: اختلف الناس في الأفضل من هذه الثلاثة فقال الشافعي رضي الله عنه أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القران وقال في اختلاف الحديث التمتع أفضل من الإفراد وبه قال مالك رضي الله عنه، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: القران أفضل، ثم الإفراد، ثم التمتع، وهو قول المزني وأبي إسحاق والمروزي من أصحابنا، وقال أبو يوسف ومحمد: القران أفضل، ثم التمتع، ثم الإفراد، حجة الشافعي رضي الله عنه في أن الإفراد أفضل من وجوه: الأول: التمسك بقوله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ ﴾ والإستدلال به من ثلاثة أوجه: الأول: أن الآية اقتضت عطف العمرة على الحج، والعطف يستدعي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، والمغايرة لا تحصل إلا عند الإفراد، فأما عند القران فالموجود شيء واحد، وهو حج وعمرة وذلك مانع من صحة العطف الثاني: قوله: ﴿ وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ ﴾ يقتضي الافراد، بدليل أنه تعالى قال: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا استيسر مِنَ الهدى ﴾ والقارن يلزمه هديان عند الحصر، وأيضاً أنه تعالى أوجب على الخلق عند الأداء فدية واحدة، والقارن يلزمه فديتان عند الحصر الثالث: هذه الآية تدل على وجوب الإتمام، والإتمام لا يحصل إلا عند الإفراد ويدل عليه وجهان الأول: أن السفر مقصود في الحج، بدليل أن من أوصى بأن يحج عنه فإنه يحج من وطنه، ولولا أن السفر مقصود في الحج لكان يحج عنه من أدنى المواقيت، ويدل عليه أيضاً أنهم قالوا لو نذر أن يحج ماشيا وحج راكباً يلزمه دم، فثبت أن السفر مقصود والقران يقتضي تقليل السفر، لأن بسببه يصير السفران سفراً واحداً، فثبت أن الاتمام لا يحصل إلا بالافراد الثاني: أن الحج لا معنى له إلا زيارة بقاع مكرمة، ومشاهد مشرفة، والحاج زائر الله، والله تعالى مزوره، ولا شك أنه كلما كانت الزيارة والخدمة أكثر كان موقعها عند المخدوم أعظم، وعند القران تنقلب الزيارتان زيارة واحدة، بل الحق أن جملة أنواع الطاعات في الحج وفي العمرة تكرر عند الافراد، وتصير واحدة عند القران، فثبت أن الافراد أقرب إلى التمام، فكان الافراد إن لم يكن واجباً عليكم بحكم هذه الآية فلا أقل من كونه أفضل.

الحجة الثانية: في بيان أن الافراد أفضل: أن الافراد يقتضي كونه آتيا بالحج مرة، ثم بالعمرة بعد ذلك، فتكون الأعمال الشاقة في الأفراد أكثر فوجب أن يكون أفضل لقوله عليه السلام: «أفضل الأعمال أحمزها» أي أشقها.

الحجة الثالثة: أنه عليه السلام كان مفرداً فوجب أن يكون الإفراد أفضل، أما قولنا: إنه كان مفرداً فاعلم أن الصحابة اختلفت رواياتهم في هذا المعنى، فروى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد بالحج، وروى جابر وابن عمر أنه أفرد، وأما أنس فقد روي عنه أنه قال: كنت واقفاً عند جران ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان لعابها يسيل على كتفي، فسمعته يقول لبيك بحج وعمرة معاً ثم الشافعي رضي الله عنه رجح رواية عائشة رضي الله عنها وجابر وابن عمر على رواية أنس من وجوه: أحدها: بحال الرواة، أما عائشة فلأنها كانت عالمة، ومع علمها كانت أشد الناس التصاقاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشد الناس وقوفاً على أحواله، وأما جابر فانه كان أقدم صحبة للرسول صلى الله عليه وسلم من أنس، وإن أنساً كان صغيراً في ذلك الوقت قبل العلم، وأما ابن عمر فإنه كان مع فقهه أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيره، لأن أخته حفصة كانت زوجة النبي صلى الله عليه وسلم والثاني: أن عدم القران متأكد بالاستصحاب والثالث: أن الافراد يقتضي تكثير العبادة، والقران يقتضي تقليلها، فكان إلحاق الإفراد بالنبي عليه الصلاة والسلام أولى، وإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفرداً وجب أن يكون الافراد أفضل لأنه عليه الصلاة والسلام كان يختار الأفضل لنفسه، ولأنه قال: خذوا عني مناسككم أي تعلموا مني.

الحجة الرابعة: أن الافراد يقتضي تكثير العبادة، والقران يقتضي تقليلها، فكان الأول أولى، لأن المقصود من خلق الجن والإنس هو العبادة، وكل ما كان أفضى إلى تكثير العبادة كان أفضل، حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه: الحجة الأولى: التمسك بقوله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لله ﴾ وهذا اللفظ يحتمل أن يكون المراد أيجاب كل واحد منهما، أو يكون المراد منه إيجاب الجمع بينهما على سبيل التمام، فلو جملناه على الأول لا يفيد الثاني، ولو حملناه على الثاني أفاد الأول، فكان الثاني أكثر فائدة، فوجب حمل اللفظ عليه، لأن الأولى حمل كلام الله على ما يكون أكثر فائدة.

الحجة الثانية: أن القران جمع بين النسكين فوجب أن يكون أفضل من الإتيان بنسك واحد.

الحجة الثالثة: أن في القران مسارعة إلى التسكين وفي الإفراد ترك مسارعة إلى أحد التسكين فوجب أن يكون القران أفضل لقوله: ﴿ وَسَارِعُواْ  ﴾ .

والجواب ع <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ ﴾ ائتوا بهما تامّين كاملين بمناسكهما وشرائطهما لوجه الله من غير توان ولا نقصان يقع منكم فيهما.

قال: تَمَامُ الْحَجِّ أَنْ تَقِفَ الْمَطَايَا ** عَلَى خَرْقَاءَ وَاضِعَةِ اللِّثَامِ جعل الوقوف عليها كبعض مناسك الحج الذي لا يتم إلا به.

وقيل: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، روى ذلك عن عليّ وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم.

وقيل: أن تفرد لكل واحد منها سفراً كما قال محمد: حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل.

وقيل: أن تكون النفقة حلالاً.

وقيل: أن تخلصوهما للعبادة ولا تشوبوهما بشيء من التجارة والأغراض الدنيوية.

فإن قلت: هل فيه دليل على وجوب العمرة؟

قلت: ما هو إلا أمر بإتمامهما، ولا دليل في ذلك على كونهما واجبين أو تطوّعين، فقد يؤمر بإتمام الواجب والتطوع جميعاً، إلا أن تقول: الأمر بإتمامهما أمر بأدائهما، بدليل قراءة من قرأ ﴿ وأقيموا الحج والعمرة ﴾ والأمر للوجوب في أصله، إلا أن يدلّ دليل على خلاف الوجوب كما دلّ في قوله ﴿ فاصطادوا ﴾ [المائدة: 2] ﴿ فانتشروا ﴾ [الأحزاب: 53] ونحو ذلك، فيقال لك: فقد دلّ الدليل على نفي الوجوب، وهو ما روي: أنه قيل: يا رسول الله: العمرة واجبة مثل الحج؟

قال: «لا، ولكن أن تعتمر خير لك» وعنه: «الحج جهاد والعمرة تطوّع» فإن قلت: فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: إن العمرة لقرينة الحج.

وعن عمر رضي الله عنه: أن رجلاً قال له: إني وجدت الحجّ والعمرة مكتوبين عليّ، أهللت بهما جميعاً فقال: «هُديت لسنة نبيك» .

وقد نظمت مع الحج في الأمر بالإتمام فكانت واجبة مثل الحج؟

قلت: كونها قرينة للحج أنّ القارن يقرن بينهما، وأنهما يقترنان في الذكر فيقال: حجّ فلان واعتمر والحجاج والعمار، ولأنها الحجّ الأصغر، ولا دليل في ذلك على كونها قرينة له في الوجوب.

وأمّا حديث عمر رضي الله عنه فقد فسر الرجل كونهما مكتوبين عليه بقوله: أهللت بهما، وإذا أهلّ بالعمرة وجبت عليه كما إذا كبر بالتطوّع من الصلاة.

والدليل الذي ذكرناه أخرج العمرة من صفة الوجوب فبقي الحجّ وحده فيها، فهما بمنزلة قولك: صم شهر رمضان وستة من شوال، في أنك تأمره بفرض وتطوّع.

وقرأ عليّ وابن مسعود والشعبي رضي الله عنهم ﴿ والعمرة لله ﴾ بالرفع، كأنهم قصدوا بذلك إخراجها عن حكم الحجّ وهو الوجوب ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾ يقال: أُحصر فلان، إذا منعه أمر من خوف أو مرض أو عجز.

قال الله تعالى: ﴿ الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ [البقرة: 273] وقال ابن ميادة: وَمَا هَجْرُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ تَبَاعَدَت ** عَلَيْكَ وَلاَ أَنْ أَحْصَرَتْكَ شَغُولُ وحُصر: إذا حبسه عدوّ عن المضي، أو سجن.

ومنه قيل للمحبس: الحصير.

وللملك، الحصير، لأنه محجوب.

هذا هو الأكثر في كلامهم، وهما بمعنى المنع في كل شيء، مثل صدّه وأصدّه.

وكذلك قال الفرّاء وأبو عمرو الشيباني، وعليه قول أبي حنيفة رحمهم الله تعالى، كل منع عنده من عدوّ كان أو مرض أو غيرهما معتبر في إثبات حكم الإحصار.

وعند مالك والشافعي منع العدوّ وحده.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من كسر أو عرج فقد حلّ وعليه الحج من قابل» ﴿ فَمَا استيسر مِنَ الهدى ﴾ فما تيسر منه.

يقال: يسر الأمر واستيسر، كما يقال: صعب واستصعب.

والهدي جمع هدية، كما يقال في جدية السرج جدي، وقرئ: ﴿ من الهديّ ﴾ بالتشديد جمع هدية كمطية ومطيّ.

يعني فإن منعتم من المضي إلى البيت وأنتم محرمون بحج أو عمرة، فعليكم إذا أردتم التحلل ما استيسر من الهدي من بعير أو بقرة أو شناة، فإن قلت: أين ومتى ينحر هدي المحصر؟

قلت: إن كان حاجاً فبالحرم متى شاء عند أبي حنيفة يبعث به، ويجعل للمبعوث على يده يوم أمار وعندهما في أيام النحر وإن كان معتمراً فبالحرم في كل وقت عندهم جميعاً.

و(ما استيسر) رفع بالابتداء، أي فعليه ما استيسر.

أو نصب على: فاهدوا ما استيسر ﴿ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ ﴾ الخطاب للمحصرين: أي لا تحلوا حتى تعلموا أنّ الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ ﴿ مَحِلَّهُ ﴾ أي مكانه الذي يجب نحره فيه.

ومحل الدين وقت وجوب قضائه، وهو ظاهر على مذهب أبي حنيفة رحمه الله.

فإن قلت: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه حيث أحصر؟

قلت: كان محصره طرف الحديبية الذي إلى أسفل مكة وهو من الحرم، وعن الزهري: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر هديه في الحرم.

وقال الواقدي: الحديبية هي طرف الحرم على تسعة أميال من مكة ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا ﴾ فمن كان به مرض يحوجه إلى الحلق ﴿ أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ ﴾ وهو القمل أو الجراحة، فعليه إذا احتلق فدية ﴿ مّن صِيَامٍ ﴾ ثلاثة أيام ﴿ أَوْ صَدَقَةٍ ﴾ على ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من برّ ﴿ أَوْ نُسُكٍ ﴾ وهو شاة.

وعن كعب بن عجرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «لعلك أذاك هوامّك» ؟

قال: نعم يا رسول الله.

قال: «احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة» وكان كعب يقول: فيّ نزلت هذه الآية، وروي: أنه مرّ به وقد قَرَحَ رَأْسُهُ فقال: «كفى بهذا أذى» وأمره أن يحلق ويطعم، أو يصوم.

والنسك مصدر، وقيل: جمع نسيكة.

وقرأ الحسن: أو ﴿ نسك ﴾ ، بالتخفيف ﴿ فَإِذَا أَمِنتُمْ ﴾ الإحصار، يعني فإذا لم تحصروا وكنتم في أمن وسعة ﴿ فَمَن تَمَتَّعَ ﴾ أي استمتع ﴿ بالعمرة إِلَى الحج ﴾ واستمتاعه بالعمرة إلى وقت الحج: انتفاعه بالتقرّب بها إلى الله تعالى قبل الانتفاع بتقرّبه بالحج.

وقيل: إذا حلّ من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرّماً عليه إلى أن يحرم بالحج ﴿ فَمَا استيسر مِنَ الهدى ﴾ هو، هدي المتعة، وهو نسك عند أبي حنيفة ويأكل منه.

وعند الشافعي: يجري مجرى الجنايات ولا يأكل منه، ويذبحه يوم النحر عندنا.

وعنده يجوز ذبحه إذا أحرم بحجته ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ ﴾ الهدي ﴿ ف ﴾ عليه ﴿ صِيَامٍ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج ﴾ أي في وقته وهو أشهرهُ ما بين الإحرامين إحرام العمرة وإحرام الحج، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله.

والأفضل أن يصوم يوم التروية وعرفة ويوماً قبلهما، وإن مضى هذا الوقت لم يجزئه إلا الدم.

وعند الشافعي: لا تصام إلا بعد الإحرام بالحج تمسكاً بظاهر قوله: ﴿ فِي الحج وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ﴾ بمعنى إذا نفرتم وفرغتم من أفعال الحج عند أبي حنيفة، وعند الشافعي: هو الرجوع إلى أهاليهم.

وقرأ ابن أبي عبلة ﴿ وسبعةً ﴾ بالنصب عطفاً على محل ثلاثة أيام، وكأنه قيل: فصيام ثلاثة أيام، كقوله: ﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ﴾ [البلد: 15] فإن قلت: فما فائدة الفذلكة؟

قلت: الواو قد تجيء للإباحة في نحو قولك: جالس الحسن وابن سيرين.

ألا ترى أنه لو جالسهما جميعاً أو واحداً منهما كان ممتثلاً ففذلكت نفياً لتوهم الإباحة، وأيضاً ففائدة الفذلكة في كل حساب أن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلاً ليحاط به من جهتين، فيتأكد العلم.

وفي أمثال العرب: علمان خير من علم، وكذلك ﴿ كَامِلَةٌ ﴾ تأكيد آخر.

وفيه زيادة توصية بصيامها وأن لا يتهاون بها ولا ينقص من عددها، كما تقول للرجل إذا كان لك اهتمام بأمر تأمره به وكان منك بمنزل: الله الله لا تقصر.

وقيل: كاملة في وقوعها بدلاً من الهدي.

وفي قراءة أبيّ: ﴿ فصيام ثلاثة أيام متتابعات ﴾ ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى التمتع، عند أبي حنيفة وأصحابه.

لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عندهم، ومن تمتع منهم أو قرن كان عليه دم وهو دم جناية لا يأكل منه؛ وأما القارن والمتمتع من أهل الآفاق فدمهما دم نسك يأكلان منه.

وعند الشافعي: إشارة إلى الحكم الذي هو وجوب الهدي أو الصيام ولم يوجب عليهم شيئاً.

وحاضرو المسجد الحرام: أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة عند أبي حنيفة.

وعند الشافعي: أهل الحرم ومن كان من الحرم على مسافة لا تقصر فيها الصلاة ﴿ واتقوا الله ﴾ في المحافظة على حدوده وما أمركم به ونهاكم عنه في الحج وغيره ﴿ واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب ﴾ لمن خالف ليكون علمكم بشدة عقابه لطفاً لكم في التقوى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ أيِ ائْتُوا بِهِما تامَّيْنِ مُسْتَجْمَعَيِ المَناسِكِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، وهو عَلى هَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِهِما ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ « وأقِيمُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ»، وما رَوى جابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّهُ قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ العُمْرَةُ واجِبَةٌ مِثْلُ الحَجِّ، فَقالَ: لا ولَكِنْ إنْ تَعْتَمِرْ خَيْرٌ لَكَ» فَمَعارَضٌ بِما رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، إنِّي وجَدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ أهْلَلْتُ بِهِما جَمِيعًا، فَقالَ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ» ولا يُقالُ إنَّهُ فَسَّرَ وجَدَ أنَّهُما مَكْتُوبَيْنِ بِقَوْلِهِ أهْلَلْتُ بِهِما فَجازَ أنْ يَكُونَ الوُجُوبُ بِسَبَبِ إهْلالِهِ بِهِما، لِأنَّهُ رَتَّبَ الإهْلالَ عَلى الوِجْدانِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سَبَبُ الإهْلالِ دُونَ العَكْسِ.

وقِيلَ إتْمامُهُما أنْ تُحْرِمَ بِهِما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ، أوْ أنْ تُفْرِدَ لِكُلٍّ مِنهُما سَفَرًا، أوْ أنْ تُجَرِّدَهُ لَهُما لا تَشُوبُهُما بِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، أوْ أنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ حَلالًا.

﴿ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾ مُنِعْتُمْ، يُقالُ حَصَرُهُ العَدُوُّ وأحْصَرَهُ إذا حَبَسَهُ ومَنَعَهُ عَنِ المُضِيِّ، مِثْلَ صَدَّهُ وأصَدَّهُ، والمُرادُ حَصْرُ العَدُوِّ عِنْدَ مالِكٍ والشّافِعِيِّ رَحِمَها اللَّهُ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا أمِنتُمْ ﴾ ولِنُزُولِهِ في الحُدَيْبِيَةِ، ولِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لا حَصْرَ إلّا حَصْرُ العَدُوِّ وكُلُّ مَنعٍ مِن عَدُوٍّ أوْ مَرَضٍ أوْ غَيْرِهِما عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، لِما رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مِن كَسْرٍ أوْ عَرَجٍ فَقَدْ حَلَّ فَعَلَيْهِ الحَجُّ مِن قابِلٍ» وَهُوَ ضَعِيفٌ مُؤَوَّلٌ بِما إذا شُرِطَ الإحْلالُ بِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِضُباعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ «حُجِّي واشْتَرِطِي وقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» ﴿ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ﴾ فَعَلَيْكم ما اسْتَيْسَرَ، أوْ فالواجِبُ ما اسْتَيْسَرَ.

أوْ فاهْدُوا ما اسْتَيْسَرَ.

والمَعْنى إنْ أُحْصِرَ المُحْرِمُ وأرادَ أنْ يَتَحَلَّلَ تَحَلَّلَ بِذَبْحِ هَدْيٍ تَيَسَّرَ عَلَيْهِ مِن بَدَنَةٍ أوْ بَقَرَةٍ أوْ شاةٍ حَيْثُ أُحْصِرَ عِنْدَ الأكْثَرِ.

لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَبَحَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ بِها وهي مِنَ الحِلِّ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى يَبْعَثُ بِهِ، ويَجْعَلُ لِلْمَبْعُوثِ عَلى يَدِهِ يَوْمَ أمارٍ فَإذا جاءَ اليَوْمُ وظَنَّ أنَّهُ ذَبَحَ تَحَلَّلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ أيْ لا تَحِلُّوا حَتّى تَعْلَمُوا أنَّ الهَدْيَ المَبْعُوثَ إلى الحَرَمِ بَلَغَ مَحِلَّهُ أيْ مَكانَهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُنْحَرَ فِيهِ، وحَمَلَ الأوَّلُونَ بُلُوغَ الهَدْيِ مَحِلَّهُ عَلى ذَبْحِهِ حَيْثُ يَحِلُّ الذَّبْحُ فِيهِ حِلًّا كانَ أوْ حَرَمًا، واقْتِصارُهُ عَلى الهَدْيِ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ القَضاءِ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: يَجِبُ القَضاءُ، والمَحِلُّ.

بِالكَسْرِ.

يُطْلَقُ عَلى المَكانِ والزَّمانِ.

والهَدْيُ: جَمْعُ هَدْيَةٍ كَجَدْيٍ وجَدْيَةٍ، وقُرِئَ مِن « الهَدِيُّ» جَمْعُ هَدِيَّةٍ كَمَطِيٍّ في مَطِيَّةٍ ﴿ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا ﴾ مَرَضًا يُحْوِجُهُ إلى الحَلْقِ.

﴿ أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ ﴾ كَجِراحَةٍ وقَمْلٍ.

﴿ فَفِدْيَةٌ ﴾ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ إنْ حَلَقَ.

﴿ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ ﴾ بَيانٌ لِجِنْسِ الفِدْيَةِ، وأمّا قَدْرُها فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ « لَعَلَّكَ آذاكَ هَوامُّكَ، قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: احْلِقْ وصُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ أوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ عَلى سِتَّةِ مَساكِينَ أوِ انْسُكْ شاةً» والفَرَقُ ثَلاثَةُ آصُعٍ ﴿ فَإذا أمِنتُمْ ﴾ الإحْصارَ.

أوْ كُنْتُمْ في حالِ سِعَةٍ وأمْنٍ.

﴿ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ ﴾ فَمَنِ اسْتَمْتَعَ وانْتَفَعَ بِالتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ بِالعُمْرَةِ قَبْلَ الِانْتِفاعِ بِتَقَرُّبِهِ بِالحَجِّ في أشْهُرِهِ.

وقِيلَ: فَمَنِ اسْتَمْتَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِن عُمْرَتِهِ بِاسْتِباحَةِ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ إلى أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ.

﴿ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ﴾ فَعَلَيْهِ دَمٌ اسْتَيْسَرَهُ بِسَبَبِ التَّمَتُّعِ، فَهو دَمُ جَبْرٍ أنْ يَذْبَحَهُ إذا أحْرَمَ بِالحَجِّ ولا يَأْكُلَ مِنهُ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، إنَّهُ دَمُ نُسُكٍ فَهو كالأُضْحِيَّةِ ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ ﴾ أيِ الهَدْيَ.

﴿ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ ﴾ في أيّامِ الِاشْتِغالِ بِهِ بَعْدَ الإحْرامِ وقَبْلَ التَّحَلُّلِ.

قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في أشْهُرِهِ بَيْنَ الإحْرامَيْنِ، والأحَبُّ أنْ يَصُومَ سابِعَ ذِي الحِجَّةِ وثامِنَهُ وتاسِعَهُ.

ولا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ وأيّامِ التَّشْرِيقِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ.

﴿ وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ ﴾ إلى أهْلِيكم وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أوْ نَفَرْتُمْ وفَرَغْتُمْ مِن أعْمالِهِ وهو قَوْلُهُ الثّانِي ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.

وقُرِئَ « سَبْعَةً» بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿ ثَلاثَةِ أيّامٍ ﴾ .

﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ ﴾ فَذْلَكَةُ الحِسابِ، وفائِدَتُها أنْ لا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ الواوَ بِمَعْنى أوْ، كَقَوْلِكَ جالَسَ الحَسَنَ وابْنَ سِيرِينَ.

وأنْ يُعْلَمَ العَدَدُ جُمْلَةً كَما عُلِمَ تَفْصِيلًا فَإنَّ أكْثَرَ العَرَبِ لَمْ يُحْسِنُوا الحِسابَ، وأنَّ المُرادَ بِالسَّبْعَةِ هو العَدَدُ دُونَ الكَثْرَةِ فَإنَّهُ يُطْلَقُ لَهُما ﴿ كامِلَةٌ ﴾ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ تُفِيدُ المُبالِغَةَ في مُحافَظَةِ العَدَدِ، أوْ مُبِينَةٌ كَمالَ العَشْرَةِ فَإنَّهُ أوَّلُ عَدَدٍ كامِلٍ إذْ بِهِ تَنْتَهِي الآحادُ وتَتِمُّ مَراتِبُها، أوْ مُقَيِّدَةٌ تُقَيِّدُ كَمالِ بَدَلِيَّتِها مِنَ الهَدْيِ.

ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الحُكْمِ المَذْكُورِ عِنْدَنا.

والتَّمَتُّعُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ لا مُتْعَةَ ولا قِرانَ لِحاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ عِنْدَهُ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ أيِ التَّمَتُّعَ مِنهم فَعَلَيْهِ دَمُ جِنايَةٍ.

﴿ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ وهو مَن كانَ مِنَ الحَرَمِ عَلى مَسافَةِ القَصْرِ عِنْدَنا، فَإنَّ مَن كانَ عَلى أقَلَّ فَهو مُقِيمٌ في الحَرَمِ، أوْ في حُكْمِهِ.

ومَن مَسْكَنُهُ وراءَ المِيقاتِ عِنْدَهُ وأهْلَ الحِلِّ عِنْدَ طاوُسٍ وغَيْرَ المَكِّيِّ عِنْدَ مالِكٍ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في المُحافَظَةِ عَلى أوامِرِهِ ونَواهِيهِ وخُصُوصًا في الحَجِّ ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ لِمَن لَمْ يَتَّقِهِ كَيْ يَصُدَّكُمُ العِلْمُ بِهِ عَنِ العِصْيانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ} وأدوهما تأمين بشرائطهما وفرائضمها لوجه الله تعالى بلا توان ولا نقصان وقيل الإتمام يكون بعد الشروع فهو دليل على أن من شرع فيهما لزمه إتمامهما وبه تقول إن العمرة تلزم بالشروع ولا تمسك للشافعي رحمه الله بالآية على لزوم العمرة لأنه أمر بإتمامها وقد يؤمر بإتمام الواجب والتطوع أو إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك أو أن تفرد لكل واحد منهما سفراً أو أن تنفق فيهما حلالا أو ألا تتجر معهما {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} يقال أحصر فلان إذا منعه أمر من خوف أو مرض أو عجز وحصر إذا حبسه عدو عن المضي وعندنا الإحصار يثبت بكل منع من عدو أو مرض أو غيرهما لظاهر النص وقد جاء في الحديث من كسر أو عرج فقد حل أي جاز له أن يحل وعليه الحج من قابل وعند الشافعي رحمه الله الإحصار بالعدو وحده وظاهر النص يدل على أن

الإحصار يتحقق في العمرة أيضاً لأنه ذكر عقبهما {فَمَا استيسر مِنَ الهدى} فما تيسر منه يقال يسر الأمر واستيسر كما يقال صعب واستصعب والهدي جمع هدية يعني فإن منعتم من المضي إلى البيت وأنتم محرمون بحج أو عمرة فعليكم إذا أردتم التحلل ما استيسر من الهدى من بعير أو بقرة أو شاة فما رفع بالابتداء أي فعليكم ما استيسر أو نصب أي فاهدوا له ما استيسر {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله}

البقرة (١٩٦ _ ١٩١)

الخطاب للمحصرين أي لا تحلوا بحلق الرأس حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ محله أي مكانه الذي يجب نحره فيه وهو الحرم وهو حجة لنا في أن دم الإحصار لا يذبح إلا فى الحرم على الشافعى رحمه الله إذ عنده يجوز في غير الحرم {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا} فمن كان منكم به مرض يحوجه إلى الحلق {أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ} وهو القمل أو الجراحة {فَفِدْيَةٌ} فعليه إذا حلق فدية {مِّن صِيَامٍ} ثلاثة أيام {أَوْ صَدَقَةٍ} على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من بر {أَوْ نُسُكٍ} شاة وهو مصدر أو جمع نسيكة {فَإِذَا أَمِنتُمْ} الإحصار أي فإذا لم تحصروا وكنتم في حال أمن وسعة {فَمَن تَمَتَّعَ} استمتع {بالعمرة إِلَى الحج} واستمتاعه بالعمرة إلى وقت الحج انتفاعه بالتقرب بها إلى الله قبل انتفاعه بالتقرب بالحج وقيل إذا حل من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرماً عليه إلى أن يحرم بالحج {فَمَا استيسر مِنَ الهدى} هو هدي المتعة وهو نسك يؤكل منه ويذبح يوم النحر {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} الهدي {فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج} فعليه صيام ثلاثة أيام في وقت الحج وهو أشهره ما بين الإحرامين إحرام العمرة وإحرام الحج {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} إذا نفرتم وفرغتم من أفعال الحج {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} في وقوعها بدلا عن الهدي أو في الثواب أو المراد رفع الإبهام فلا يتوهم في الواو أنها بمعنى الإباحة كما في جالس الحسن وابن سيرين ألا ترى أنه لو جالسهما أو واحد منهما كان ممتثلاً {ذلك} إشارة إلى التمتع عندنا إذلا تمتع

ولا قران لحاضري المسجد الحرام عندنا وعند الشافعى رحمه الله إلى الحكم الذي هو وجوب الهدي أو الصيام ولم يوجب عليهم شيئاً {لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى المسجد الحرام} هم أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة {واتقوا الله} فيما أمركم به ونهاكم عنه في الحج وغيره {واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب} لمن لم يتقه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ أيِ: اجْعَلُوهُما تامَّيْنِ إذا تَصَدَّيْتُمْ لِأدائِهِما لِوَجْهِ اللَّهِ - تَعالى - فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أكْثَرِ مِن وُجُوبِ الإتْمامِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِما، وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الحَنَفِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - فَإنَّ إفْسادَ الحَجِّ والعُمْرَةِ مُطْلَقًا يُوجِبُ المُضِيَّ في بَقِيَّةِ الأفْعالِ والقَضاءِ، ولا تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الأصْلِ، والقَوْلُ بِالدَّلالَةِ بِناءً عَلى أنَّ الأمْرَ بِالإتْمامِ مُطْلَقًا يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِالأداءِ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ ما لا يَتِمُّ الواجِبُ المُطْلَقُ إلّا بِهِ، فَهو واجِبٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالإتْمامِ يَقْتَضِي سابِقِيَّةَ الشُّرُوعِ، فَيَكُونُ الأمْرُ بِالإتْمامِ مُقَيَّدًا بِالشُّرُوعِ، وادِّعاءُ أنَّ المَعْنى ائْتُوا بِهِما حالَ كَوْنِهِما تامَّيْنِ مُسْتَجْمِعِي الشَّرائِطِ والأرْكانِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِهِما؛ لِأنَّ الأمْرَ ظاهِرٌ فِيهِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ: ( وأقِيمُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ ) لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وبِتَقْدِيرِ قَبُولِهِ في مَقامِ الِاسْتِدْلالِ يُمْكِنُ أنْ يُجْعَلَ الوُجُوبُ المُسْتَفادُ مِنَ الأمْرِ فِيهِ مُتَوَجِّهًا إلى القَيْدِ - أعْنِي تامَّيْنِ - لا إلى أصْلِ الإتْيانِ، كَما في قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «بِيعُوا سَواءً بِسَواءٍ”؛» وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ الأمْرَ في القِراءَةِ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى المَجازِيِّ المُشْتَرِكِ بَيْنَ الواجِبِ والمَندُوبِ - أعْنِي طَلَبَ الفِعْلِ - والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ الأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى اسْتِحْبابِ العُمْرَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ ماجَهْ، أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «“الحَجُّ جِهادٌ والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ”،» وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ جابِرٍ، «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنِ العُمْرَةِ، أواجِبَةٌ هِيَ؟

قالَ:“لا، وأنْ تَعْتَمِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ”،» ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صاحِبَ هَذِهِ القِراءَةِ قالَ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ:“الحَجُّ فَرِيضَةٌ والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ”، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ عَنْهُ أيْضًا، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَقُولُ: واللَّهِ لَوْلا التَّحَرُّجُ أنِّي لَمْ أسْمَعْ فِيها مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شَيْئًا لَقُلْتُ: إنَّ العُمْرَةَ واجِبَةٌ مِثْلُ الحَجِّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - لَمْ يَجْعَلِ الأمْرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها لِلْوُجُوبِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ شَيْئًا فِيهِ، ولَعَلَّهُ سَمِعَ ما يُخالِفُهُ، ولِهَذا جَزَمَ في الرِّوايَةِ الأُولى عَنْهُ بِفَرْضِيَّةِ الحَجِّ واسْتِحْبابِ العُمْرَةِ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ حَمَلَ الأمْرَ في قِراءَتِهِ عَلى القَدْرِ المُشْتَرِكِ الَّذِي قُلْناهُ لا غَيْرَ، بِناءً عَلى امْتِناعِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ، وعَدَمُ جَوازِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ والمِيلُ إلى عَدَمِ تَقْدِيرِ فِعْلٍ مُوافِقٍ لِلْمَذْكُورِ يُرادُ بِهِ النَّدْبُ، نَعَمْ لا يُعَدُّ ما ذُكِرَ صارِفًا إلّا إذا ثَبَتَ كَوْنُهُ قَبْلَ الآيَةِ، أمّا إذا ثَبَتَ كَوْنُهُ بَعْدَها، فَلا لِأنَّهُ يُلْزِمُ نَسْخَ الكِتابِ بِخَبَرِ الواحِدِ لِما أنَّ الأمْرَ ظاهِرٌ في الوُجُوبِ، ولَيْسَ مُجْمَلًا في مَعانِيهِ عَلى الصَّحِيحِ، حَتّى يُحْمَلَ الخَبَرُ عَلى تَأْخِيرِ البَيانِ - عَلى ما وُهِمَ - والقَوْلُ بِأنَّ أحادِيثَ النَّدْبِ سابِقَةٌ، ولا تَصْرِفُ الأمْرَ عَنْ ظاهِرِهِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ ناسِخًا لَها سَهْوٍ ظاهِرٍ؛ لِأنَّ الأحادِيثَ نَصٌّ في الِاسْتِحْبابِ، والقُرْآنُ ظاهِرٌ في الوُجُوبِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الظّاهِرُ ناسِخًا لِلنَّصِّ، والحالُ أنَّ النَّصَّ مُقَدَّمٌ عَلى الظّاهِرِ عِنْدَ التَّعارُضِ.

ثُمَّ إنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ - وإنْ لَمْ يَكُنْ مُبْطِلًا لِأصْلِ التَّأْيِيدِ إلّا أنَّهُ يُضَعِّفُهُ جِدًّا - وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الأحادِيثَ الدّالَّةَ عَلى اسْتِحْبابِ العُمْرَةِ مُعارَضَةٌ بِما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِها مِنها، فَقَدْ أخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «“إنَّ الحَجَّ والعُمْرَةَ فَرِيضَتانِ، لا يَضُرُّكَ بِأيِّهِما بَدَأْتَ”،» وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِعُمَرَ: إنِّي وجَدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ، أهْلَلْتُ بِهِما جَمِيعًا، فَقالَ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ،» فَإنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإهْلالَ بِهِما طَرِيقَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِما حَكاهُ الصَّحابِيُّ مِن سُنَنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَكُونُ اسْتِدْلالًا بِالحَدِيثِ الفِعْلِيِّ الَّذِي رَواهُ الصَّحابِيُّ، والقَوْلُ بِأنَّ أهْلَلْتُ بِهِما، جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: وجَدْتُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوُجُوبُ بِسَبَبِ الإهْلالِ بِهِما، فَلا يَدُلُّ الحَدِيثُ عَلى الوُجُوبِ ابْتِداءً لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنِفَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما فَعَلْتَ؟

فَقالَ: أهْلَلْتُ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ الوِجْدانَ سَبَبُ الإهْلالِ دُونَ العَكْسِ؛ لِأنَّ مَقْصُودَ السّائِلِ السُّؤالُ عَنْ صِحَّةِ إهْلالِهِ بِهِما، فَكَيْفَ يَقُولُ: وجَدْتُهُما مَكْتُوبَيْنِ؛ لِأنِّي أهْلَلْتُ بِهِما، فَإنَّهُ إنَّما يَصِحُّ عَلى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ بِصِحَّةِ إهْلالِهِ بِهِما، وجَوابُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بِمَعْزِلٍ عَنْ وُجُوبِ الإتْمامِ؛ لِأنَّ كَوْنَ الشُّرُوعِ فِي الشَّيْءِ مُوجِبًا لِإتْمامِهِ، لا يُقالُ فِيهِ أنَّهُ طَرِيقَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَلْ يُقالُ في أداءِ المَناسِكِ والعِباداتِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما وقَعَ في بَعْضِ الرِّواياتِ ( فَأهْلَلْتُ ) بِالفاءِ الدّالَّةِ عَلى التَّرَتُّبِ، وما ذُكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مُعارَضٌ بِما رُوِيَ عَنْهُ مِنَ القَوْلِ بِالوُجُوبِ، وبِذَلِكَ قالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -، وكانَ يَقْرَأُ: ( وأقِيمُوا ) أيْضًا كَما رَواهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، وكَذا ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ - انْتَهى، والإنْصافُ تَسْلِيمُ تَعارُضِ الأخْبارِ، وقَدْ أخَذَ كُلٌّ مِنَ الأئِمَّةِ بِما صَحَّ عِنْدَهُ، والمَسْألَةُ مِنَ الفُرُوعِ، والِاخْتِلافُ في أمْثالِها رَحْمَةٌ وإنَّ الحَقَّ أنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا لِلشّافِعِيَّةِ ومَن وافَقَهم كالإمامِيَّةِ عَلَيْنا، ولَيْسَ فِيها عِنْدَ التَّحْقِيقِ أكْثَرُ مِن بَيانِ وُجُوبِ إتْمامِ أفْعالِهِما عِنْدَ التَّصَدِّي لِأدائِهِما، وإرْشادِ النّاسِ إلى تَدارُكِ ما عَسى يَعْتَرِيهِمْ مِنَ العَوارِضِ المُخِلَّةِ بِذَلِكَ مِنَ الإحْصارِ ونَحْوِهِ، مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِحالِهِما مِنَ الوُجُوبِ وعَدَمِهِ، ووُجُوبُ الحَجِّ مُسْتَفادٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ﴾ ومَنِ ادَّعى مِنَ المُخالِفِينَ أنَّهُ دَلِيلٌ لَهُ، فَقَدْ رَكِبَ شَطَطًا وقالَ غَلَطًا كَما لا يَخْفى عَلى مَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - إتْمامُ الحَجِّ والعُمْرَةِ لِلَّهِ أنْ تُحْرِمَ بِهِما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ، ومِثْلُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - مِن إتْمامِهِما أنْ يُفْرِدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ، وأنْ يَعْتَمِرَ في غَيْرِ أشْهُرِ الحَجِّ، وقِيلَ: إتْمامُهُما أنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ حَلالًا، وقِيلَ: أنْ تُحْدِثَ لِكُلٍّ مِنهُما سَفَرًا، وقِيلَ: أنْ تَخْرُجَ قاصِدًا لَهُما لا لِتِجارَةٍ ونَحْوِها، وقُرِئَ: ( إلى البَيْتِ ولِلْبَيْتِ )، والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والثّانِي عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: ﴿ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾ مُقابِلٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: هَذا إنْ قَدَرْتُمْ عَلى إتْمامِهِما والإحْصارُ والحَصْرُ كِلاهُما في أصْلِ اللُّغَةِ بِمَعْنى المَنعِ مُطْلَقًا، ولَيْسَ الحَصْرُ مُخْتَصًّا بِما يَكُونُ مِنَ العَدُوِّ، والإحْصارُ بِما يَكُونُ مِنَ المَرَضِ، والخَوْفُ - كَما تَوَهَّمَ الزَّجّاجُ - مِن كَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِما كَذَلِكَ، فَإنَّهُ قَدْ يَشِيعُ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ المَوْضُوعِ لِلْمَعْنى العامِّ في بَعْضِ أفْرادِهِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ يُقالُ: حَصَرَهُ العَدُوُّ وأحْصَرَهُ كَصَدَّهُ وأصَدَّهُ، فَلَوْ كانَتِ النِّسْبَةُ إلى العَدُوِّ مُعْتَبَرَةٌ في مَفْهُومِ الحَصْرِ لَكانَ التَّصْرِيحُ بِالإسْنادِ إلَيْهِ تَكْرارًا، ولَوْ كانَتِ النِّسْبَةُ إلى المَرَضِ ونَحْوِهِ مُعْتَبَرَةٌ في مَفْهُومِ الإحْصارِ، لَكانَ إسْنادُهُ إلى العَدُوِّ مَجازًا، وكِلاهُما خِلافُ الأصْلِ، والمُرادُ مِنَ الإحْصارِ هُنا حَصْرُ العَدُوِّ عِنْدَ مالِكٍ والشّافِعِيِّ - رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى - لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا أمِنتُمْ ﴾ فَإنَّ الأمْنَ لُغَةً في مُقابَلَةِ الخَوْفِ ولِنُزُولِهِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، ولِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - لا حَصْرَ إلّا حَصْرُ العَدُوِّ، فَقَيَّدَ إطْلاقَ الآيَةِ، وهو أعْلَمُ بِمَواقِعِ التَّنْزِيلِ.

وذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّ المُرادَ بِهِ ما يَعُمُّ كُلَّ مَنعٍ مِن عَدُوٍّ ومَرَضٍ وغَيْرِهِما، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ مِن حَدِيثِ الحَجّاجِ بْنِ عَمْرٍو:“مَن كُسِرَ أوْ عَرِجَ، فَعَلَيْهِ الحَجُّ مِن قابَلٍ”.

ورَوى الطَّحاوِيُّ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ، قالَ: أهَلَّ رَجُلٌ بِعُمْرَةٍ، يُقالُ لَهُ عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ: فَلُسِعَ فَبَيْنا هو صَرِيعٌ في الطَّرِيقِ؛ إذْ طَلَعَ عَلَيْهِ رَكْبٌ فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَسَألُوهُ فَقالَ:“ابْعَثُوا بِالهَدْيِ، واجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَهُ يَوْمَ أمارَةٍ، فَإذا كانَ ذَلِكَ فَلْيُحِلَّ”وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطاءٍ:“لا إحْصارَ إلّا مِن مَرَضٍ أوْ عَدُوٍّ أوْ أمْرٍ حابِسٍ”، ورَوى البُخارِيُّ مِثْلَهُ عَنْهُ، وقالَ عُرْوَةُ: كُلُّ شَيْءٍ حَبَسَ المُحْرِمَ فَهو إحْصارٌ.

وما اسْتَدَلَّ بِهِ الخَصْمُ مُجابٌ عَنْهُ، أمّا الأوَّلُ فَسَتَعْلَمُ ما فِيهِ، وأمّا الثّانِي فَإنَّهُ لا عِبْرَةَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ، والحَمْلُ عَلى أنَّهُ لِلتَّأْيِيدِ يَأْبى عَنْهُ ذِكْرُهُ بِاللّامِ اسْتِقْلالًا، والقَوْلُ بِأنَّ أحصرتم لَيْسَ عامًّا؛ إذِ الفِعْلُ المُثْبَتُ لا عُمُومَ لَهُ، فَلا يُرادُ إلّا ما ورَدَ فِيهِ، وهو حَبْسُ العَدُوِّ بِالِاتِّفاقِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ عامًّا لَكِنَّهُ مُطْلَقٌ، فَيَجْرِي عَلى إطْلاقِهِ، وأمّا الثّالِثُ فَلِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ حُجِّيَّةِ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في أمْثالِ ذَلِكَ مُعارَضٌ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، أنَّهُ قالَ: يَقُولُ:“مَن أحْرَمَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ ثُمَّ حُبِسَ عَنِ البَيْتِ بِمَرَضٍ يُجْهِدُهُ أوْ عَدُوٍّ يَحْبِسُهُ، فَعَلَيْهِ ذَبْحُ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ”، فَكَما خَصَّصَ في الرِّوايَةِ الأُوَلى عَمَّمَ في هَذِهِ، وهو أعْلَمُ بِمَواقِعِ التَّنْزِيلِ والقَوْلُ - بِأنَّ حَدِيثَ الحَجّاجِ ضَعِيفٌ - ضَعِيفٌ؛ إذْ لَهُ طُرُقٌ مُخْتَلِفَةٌ في السُّنَنِ، وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ أنَّ عِكْرِمَةَ سَألَ العَبّاسَ وأبا هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - عَنْ ذَلِكَ، فَقالا: صَدَقَ، وحَمَلَهُ عَلى ما إذا اشْتَرَطَ المُحْرِمُ الإحْلالَ عِنْدَ عُرُوضِ المانِعِ مِنَ المَرَضِ لَهُ وقْتَ النِّيَّةِ؛ «لِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِضُباعَةَ:“حُجِّي واشْتَرِطِي، وقَوْلِي: اللَّهُمَّ مَحَلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» لا يَتَمَشّى عَلى ما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الحَنَفِيَّةِ مِن أنَّ المُطْلَقَ يَجْرِي عَلى إطْلاقِهِ، إلّا إذا اتَّحَدَ الحادِثَةُ والحُكْمُ وكانَ الإطْلاقُ والتَّقْيِيدُ في الحُكْمِ؛ إذْ ما نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ كَما لا يَخْفى.

﴿ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ﴾ أيْ: فَعَلَيْكم، أوْ فالواجِبُ، أوْ فاهْدُوا ما اسْتَيْسَرَ؛ أيْ تَيَسَّرَ، فَهو كَصَعُبَ واسْتُصْعِبَ، ولَيْسَتِ السِّينُ لِلطَّلَبِ، والهَدْي مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ؛ أيِ: المَهْدِيُّ، ولِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى الفَرْدِ والجَمْعِ أوْ جَمْعُ هَدِيَّةٍ ( كَجَدْيٍ وجَدِيَّةٍ )، وقُرِئَ: ( هَدِيٍّ ) بِالتَّشْدِيدِ جَمْعُ هَدِيَّةٍ ( كَمَطِيٍّ ومَطِيَّةٍ )، وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، والمَعْنى أنَّ المُحْرِمَ إذا أُحْصِرَ وأرادَ أنْ يَتَحَلَّلَ تَحَلَّلَ بِذَبْحِ هَدْيٍ تَيَسَّرَ عَلَيْهِ مِن بَدَنَةٍ أوْ بَقَرَةٍ أوْ شاةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: وما عَظُمَ فَهو أفْضَلُ.

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ خَصَّ الهَدْيَ بِبَقَرَةٍ أوْ جَزُورٍ، فَقِيلَ لَهُ: أوَما يَكْفِيهِ شاةٌ؟

فَقالَ: لا، ويَذْبَحُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ عِنْدَ الأكْثَرِ؛ لِأنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ذَبَحَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ بِها وهي مِنَ الحِلِّ، وعِنْدَنا يَبْعَثُ مَن أُحْصِرَ بِهِ ويَجْعَلُ لِلْمَبْعُوثِ بِيَدِهِ يَوْمَ أمارَةٍ، فَإذا جاءَ اليَوْمُ وغَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ ذُبِحَ تَحَلَّلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ فَإنَّ حَلْقَ الرَّأْسِ كِنايَةً عَنِ الحِلِّ الَّذِي يَحْصُلُ بِالتَّقْصِيرِ بِالنِّسْبَةِ لِلنِّساءِ، والخِطابُ لِلْمُحْصَرِينَ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، والهَدْيُ الثّانِي عَيْنُ الأوَّلِ كَما هو الظّاهِرُ؛ أيْ: لا تُحِلُّوا حَتّى تَعْلَمُوا أنَّ الهَدْيَ المَبْعُوثَ إلى الحَرَمِ بَلَغَ مَكانَهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُنْحَرَ فِيهِ، وهو الحَرَمُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ ﴾ .

﴿ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ ﴾ وما رُوِيَ مِن ذَبْحِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في الحُدَيْبِيَةِ مُسَلَّمٌ، لَكِنَّ كَوْنَهُ ذَبَحَ في الحِلِّ غَيْرَ مُسَلَّمٍ، والحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ: إنَّ مَحْصَرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ في طَرِيقِ الحُدَيْبِيَةِ أسْفَلَ مَكَّةَ، والحُدَيْبِيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِالحَرَمِ، والذَّبْحُ وقَعَ في الطَّرَفِ المُتَّصِلِ الَّذِي نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ ما قالَهُ مالِكٌ وبَيْنَ ما رَوى الزُّهْرِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - نَحَرَ في الحَرَمِ،» وكَوْنِ الرِّوايَةِ عَنْهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ في حَيِّزِ المَنعِ، وحَمَلَ الأوَّلُونَ بُلُوغَ الهَدْيِ مَحِلَّهُ عَلى ذَبْحِهِ حَيْثُ يَحِلُّ ذَبْحُهُ فِيهِ حِلًّا كانَ أوْ حَرَمًا، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، إلّا أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ العِلْمِ كَما في السّابِقِ، واسْتُدِلَّ بِاقْتِصارِهِ عَلى الهَدْيِ في مَقامِ البَيانِ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ القَضاءِ، وعِنْدَنا يَجِبُ القَضاءُ لِقَضاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابِهِ عُمْرَةَ الحُدَيْبِيَةِ الَّتِي أُحْصِرُوا فِيها، وكانَتْ تُسَمّى عُمْرَةُ القَضاءِ، والمَقامُ مَقامُ بَيانِ طَرِيقِ خُرُوجِ المُحْصَرِ عَنِ الإحْرامِ لا مَقامَ بَيانِ كُلِّ ما يَجِبُ عَلَيْهِ ولَمْ يُعْلَمْ مِنَ الآيَةِ حُكْمُ غَيْرِ المُحْصَرِ عِبارَةً كَما عُلِمَ حُكْمُ المُحْصَرِ مِن عَدَمِ جَوازِ الحِلِّ لَهُ قَبْلَ بُلُوغِ الهَدْيِ، ويُسْتَفادُ ذَلِكَ بِدَلالَةِ النَّصِّ، وجُعِلَ الخِطابُ عامًّا لِلْمُحْصَرِ وغَيْرِهِ بِناءً عَلى عَطْفِ ولا تُحَلِّقُوا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: وأتَمُّوا لا عَلى فَما اسَتُيَسَّرُ يَقْتَضِي بَتْرَ النَّظْمِ؛ لِأنَّ فَإذا أمِنتُمْ عَطْفٌ عَلى فَإنَّ أحُصِرْتُمْ كَما لا يَخْفى، ( والمَحِلُّ ) بِالكَسْرِ مِن حَدِّ ضَرَبَ يُطْلَقُ لِلْمَكانِ كَما هو الظّاهِرُ في الآيَةِ، ولِلزَّمانِ - كَما يُقالُ - مَحِلُّ الدِّينِ لِوَقْتِ حُلُولِهِ وانْقِضاءِ أجَلِهِ.

﴿ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا ﴾ يَحْتاجُ لِلْحَلْقِ، وهو مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَحْلِقُوا ﴾ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ.

﴿ أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ ﴾ مِن جِراحَةٍ وقَمْلٍ وصُداعٍ، ﴿ فَفِدْيَةٌ ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ إنْ حَلَقَ.

﴿ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ ﴾ بَيانٌ لِجِنْسِ الفِدْيَةِ، وأمّا قَدْرُها فَقَدْ أخْرَجَ في المَصابِيحِ «عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَرَّ بِهِ وهو بِالحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ وهو مُحْرِمٌ وهو يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ والقَمْلُ يَتَهافَتُ عَلى وجْهِهِ، فَقالَ: ”أيُؤْذِيكَ هَوامُّكَ؟“ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ”فاحْلِقْ رَأْسَكَ، وأطْعِمْ فَرْقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَساكِينَ - والفَرْقُ ثَلاثَةُ آصُعٍ - أوْ صُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ أوِ انْسُكْ نَسِيكَةً“،» وفي رِوايَةِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ والنَّسائِيِّ وابْنِ ماجَهْ والتِّرْمِذِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُ: ”ما كُنْتُ أرى أنَّ الجُهْدَ بَلَغَ بِكَ هَذا، أما تَجِدُ شاةً؟“ فَقالَ: لا، قالَ: ”صُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ؛ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن طَعامٍ، واحْلِقْ رَأْسَكَ“،» وقَدْ بَيَّنَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ ما يُطْعَمُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، ولَمْ يُبَيِّنْ مَحَلَّ الفِدْيَةِ، والظّاهِرُ العُمُومُ في المَواضِعِ كُلِّها كَما قالَهُ ابْنُ الفَرَسِ، وهو مَذْهَبُ الإمامِ مالِكٍ.

﴿ فَإذا أمِنتُمْ ﴾ مِنَ الأمْنِ ضِدُّ الخَوْفِ، أوِ الأمَنَةُ زَوالُهُ، فَعَلى الأوَّلِ مَعْناهُ، فَإذا كُنْتُمْ في أمْنٍ وسَعَةٍ ولَمْ تَكُونُوا خائِفِينَ، وعَلى الثّانِي: فَإذا زالَ عَنْكم خَوْفُ الإحْصارِ، ويُفْهَمُ مِنهُ حُكْمُ مَن كانَ آمِنًا ابْتِداءً بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى أحُصِرْتُمْ مُفِيدَةٌ لِلتَّعْقِيبِ، سَواءٌ أُرِيدَ حَصْرُ العَدُوِّ أوْ كُلُّ مَنعٍ في الوُجُودِ، ويُقالُ لِلْمَرِيضِ إذا زالَ مَرَضُهُ وبَرِئَ: أمِنَ، كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - مِن طَرِيقِ إبْراهِيمَ، فَيَضْعُفُ اسْتِدْلالُ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ بِالآيَةِ عَلى ما ذَهَبا إلَيْهِ.

﴿ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ ﴾ الفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ ( إذا ) ( والباءُ ) ( وإلى ) صِلَةُ التَّمَتُّعِ، والمَعْنى: فَمَنِ اسْتَمْتَعَ وانْتَفَعَ بِالتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ - تَعالى - بِالعُمْرَةِ إلى وقْتِ الحَجِّ؛ أيْ: قَبْلَ الِانْتِفاعِ بِالحَجِّ في أشْهُرِهِ، وقِيلَ: الباءُ سَبَبِيَّةٌ ومُتَعَلِّقُ التَّمَتُّعِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: بِشَيْءٍ مِن مَحْذُوراتِ الإحْرامِ، ولَمْ يُعَيِّنْهُ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِتَعْيِينِهِ، والمَعْنى: ومَنِ اسْتَمْتَعَ بِسَبَبِ أوانِ العُمْرَةِ والتَّحَلُّلِ مِنها بِاسْتِباحَةِ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ إلى أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ، وفِيهِ صَرْفُ التَّمَتُّعِ عَنِ المَعْنى الشَّرْعِيِّ إلى المَعْنى اللُّغَوِيِّ، والثّانِي هو الِانْتِفاعُ مُطْلَقًا، والأوَّلُ هو أنْ يُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ ويَأْتِي بِمَناسِكِها، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالحَجِّ مِن جَوْفِ مَكَّةَ، ويَأْتِي بِأعْمالِهِ ويُقابِلُهُ القُرْآنُ، وهو أنْ يَحْرِمَ بِهِما مَعًا، ويَأْتِيَ بِمَناسِكِ الحَجِّ، فَيُدْخِلُ فِيها مَناسِكَ العُمْرَةِ والإفْرادَ، وهو أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ، وبَعْدَ الفَراغِ مِنهُ بِالعُمْرَةِ، ﴿ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ﴾ الفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ مِن أيْ: فَعَلَيْهِ دَمٌ اسَتُيْسِرَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ التَّمَتُّعِ، فَهو دَمُ جُبْرانٍ؛ لِأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ أنْ يُحْرِمَ لِلْحَجِّ مِنَ المِيقاتِ، فَلَمّا أحْرَمَ لا مِنَ المِيقاتِ أوْرَثَ ذَلِكَ خِلالًا فِيهِ، فَجَبَرَ بِهَذا الدَّمِ، ومِن ثَمَّ لا يَجِبُ عَلى المَكِّيِّ ومَن في حُكْمِهِ، ويَذْبَحُهُ إذا أحْرَمَ بِالحَجِّ، ولا يَجُوزُ قَبْلَ الإحْرامِ، ولا يَتَعَيَّنُ لَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ ولا يَأْكُلُ مِنهُ، وهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّهُ دَمُ نُسُكٍ كَدَمِ القارِنِ؛ لِأنَّهُ وجَبَ عَلَيْهِ شُكْرًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ، فَهو كالأُضْحِيَّةِ، ويُذْبَحُ يَوْمَ النَّحْرِ، ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ ﴾ أيِ: الهَدْيَ، وهو عَطْفٌ عَلى ( فَإذا أمَّنْتُمْ ) .

﴿ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامٌ، وقُرِئَ: ( فَصِيامَ ) بِالنَّصْبِ؛ أيْ: فَلْيَصُمْ، وظَرْفُ الصَّوْمِ مَحْذُوفٌ؛ إذْ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِن أعْمالِ الحَجِّ ظَرْفًا لَهُ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: المُرادُ في وقْتِ الحَجِّ مُطْلَقًا، لَكِنْ بَيْنَ الإحْرامَيْنِ إحْرامِ الحَجِّ وإحْرامِ العُمْرَةِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّحَلُّلِ عَنْهُما، فَيَشْمَلُ ما إذا وقَعَ قَبْلَ إحْرامِ الحَجِّ، سَواءٌ تَحَلَّلَ مِنَ العُمْرَةِ أوْ لا، وما وقَعَ بَعْدَهُ بِدَلِيلِ أنَّهُ إذا قَدَرَ عَلى الهَدْيِ بَعْدَ صَوْمِ الثَّلاثَةِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ، وجَبَ عَلَيْهِ الذَّبْحُ، ولَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ لِحُصُولِ المَقْصِدِ بِالصَّوْمِ وهو التَّحَلُّلُ، وقالَ الشّافِعِيُّ: المُرادُ وقْتُ أداءِ الحَجِّ، وهو أيّامُ الِاشْتِغالِ بِهِ بَعْدَ الإحْرامِ وقَبْلَ التَّحَلُّلِ، ولا يَجُوزُ الصَّوْمُ عِنْدَهُ قَبْلَ إحْرامِ الحَجِّ، والأحَبُّ أنْ يَصُومَ سابِعَ ذِي الحِجَّةِ وثامِنَهُ وتاسِعَهُ؛ لِأنَّهُ غايَةُ ما يُمْكِنُ في التَّأْخِيرِ لِاحْتِمالِ القُدْرَةِ عَلى الأصْلِ وهو الهَدْيُ، ولا يَجُوزُ يَوْمَ النَّحْرِ وأيّامَ التَّشْرِيقِ لِكَوْنِ الصَّوْمِ مَنهِيًّا فِيها، وجَوَّزَ بَعْضُهم صَوْمَ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ احْتِجاجًا بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «رَخَّصَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلتَّمَتُّعِ إذا لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ ولَمْ يَصُمْ حَتّى فاتَهُ أيّامُ العَشْرِ أنْ يَصُومَ أيّامَ التَّشْرِيقِ مَكانَها،» وأخْرَجَ مالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذافَةَ، فَنادى في أيّامِ التَّشْرِيقِ، فَقالَ: ”إنَّ هَذِهِ أيّامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرِ اللَّهِ - تَعالى - إلّا مَن كانَ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِن هَدْيٍ“» وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ مِثْلَهُ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ وجَماعَةٌ «عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - قالَتْ: لَمْ يُرَخِّصْ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في أيّامِ التَّشْرِيقِ أنْ يُصَمْنَ إلّا لِمُتَمَتِّعٍ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا،» وبِذَلِكَ أخَذَ الإمامُ مالِكٌ، ولَعَلَّ ساداتِنا الحَنَفِيَّةَ عَوَّلُوا عَلى أحادِيثِ النَّهْيِ، وقالُوا: إذا فاتَهُ الصَّوْمُ حَتّى أتى يَوْمُ النَّحْرِ لَمْ يُجْزِهِ إلّا الدَّمُ، ولا يَقْضِيهِ بَعْدَ أيّامِ التَّشْرِيقِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ، والإبْدالُ لا تَنْصِبُ إلّا شَرْعًا، والنَّصُّ خَصَّهُ بِوَقْتِ الحَجِّ، وجَوازُ الدَّمِ عَلى الأصْلِ؛ وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ أمَرَ في مِثْلِهِ بِذَبْحِ الشّاةِ.

﴿ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ ﴾ أيْ: فَرَغْتُمْ ونَفَرْتُمْ مِن أعْمالِهِ، فَذُكِرَ الرُّجُوعُ وأُرِيدَ سَبَبُهُ، أوِ المَعْنى إذا رَجَعْتُمْ مِن مِنًى، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَلى ما هو الأصَحُّ عِنْدَ مُعْظَمِ أصْحابِهِ: إذا رَجَعْتُمْ إلى أهْلِيكُمْ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: ”إذا رَجَعْتُمْ إلى أمْصارِكُمْ“، وأنَّ لَفْظَ الرُّجُوعِ أظْهَرُ في هَذا المَعْنى، وحُكْمُ ناوِي الإقامَةِ بِمَكَّةَ تَوَطُّنًا حُكْمُ الرّاجِعِ إلى وطَنِهِ؛ لِأنَّ الشَّرْعَ أقامَ مَوْضِعَ الإقامَةِ مَقامَ الوَطَنِ، ( وفي البَحْرِ ) المُرادُ بِالرُّجُوعِ إلى الأهْلِ الشُّرُوعُ فِيهِ - عِنْدَ بَعْضٍ - والفَراغُ بِالوُصُولِ إلَيْهِمْ - عِنْدَ آخَرِينَ - وفي الكَلامِ التِفاتٌ، وحُمِلَ عَلى مَعْنى بَعْدَ الحَمْلِ عَلى لَفْظِهِ في إفْرادِهِ وغَيْبَتِهِ، وقُرِئَ: ( سَبْعَةً ) بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ( ثَلاثَة أيّامٍ )؛ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ اتِّساعًا، ومَن لَمْ يُجَوِّزْهُ قَدَّرَ ( وصُومُوا ) وعَلَيْهِ أبُو حَيّانَ.

﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ﴾ الإشارَةُ إلى ( الثَّلاثَةِ والسَّبْعَةِ ) ومُمَيَّزُ العَدَدِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ أيّامٍ، وإثْباتُ ( التّاءِ ) في العَدَدِ مَعَ حَذْفِ المُمَيَّزِ أحْسَنُ الِاسْتِعْمالَيْنِ، وفائِدَةُ الفَذْلَكَةِ أنْ لا يُتَوَهَّمَ أنَّ ( الواوَ ) بِمَعْنى أوِ التَّخْيِيرِيَّةِ، وقَدْ نَصَّ السِّيرافِيُّ في شَرْحِ الكِتابِ عَلى مَجِيئِها لِذَلِكَ، ولَيْسَ تَقَدُّمُ الأمْرِ الصَّرِيحِ شَرْطًا فِيهِ، بَلِ الخَبَرُ الَّذِي هو بِمَعْنى الأمْرِ كَذَلِكَ، وإنْ يَنْدَفِعِ التَّوَهُّمُ البَعِيدُ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ في مُقَدِّمَةِ إعْجازِ القُرْآنِ، وأنْ يُعْلَمَ العَدَدُ جُمْلَةً - كَما عُلِمَ تَفْصِيلًا - فَيُحاطُ بِهِ مِن وجْهَيْنِ فَيَتَأكَّدُ العِلْمُ، ومِن أمْثالِهِمْ: ( عِلْمانِ خَيْرٌ مِن عِلْمٍ ) لا سِيَّما وأكْثَرُ العَرَبِ لا يُحْسِنُ الحِسابَ، فاللّائِقُ بِالخِطابِ العامِّيِّ الَّذِي يَفْهَمُ بِهِ الخاصُّ والعامُّ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ الطَّبْعِ، لا أهْلَ الِارْتِياضِ بِالعِلْمِ أنْ يَكُونَ بِتَكْرارِ الكَلامِ وزِيادَةِ الإفْهامِ، والإيذانُ بِأنَّ المُرادَ ( بِالسَّبْعَةِ ) العَدَدُ دُونَ الكَثْرَةِ، فَإنَّها تُسْتَعْمَلُ بِهَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ، فَإنْ قُلْتَ: ما الحِكْمَةُ في كَوْنِها كَذَلِكَ حَتّى يَحْتاجَ إلى تَفْرِيقِها المُسْتَدْعِي لِما ذُكِرَ؟

أُجِيبَ بِأنَّها لَمّا كانَتْ بَدَلًا عَنِ ( الهَدْيِ ) والبَدَلُ يَكُونُ في مَحَلِّ المُبْدَلِ مِنهُ غالِبًا جُعِلَ الثَّلاثَةُ بَدَلًا عَنْهُ في زَمَنِ الحَجِّ، وزِيدَ عَلَيْها السَّبْعَةُ عِلاوَةً لِتُعادِلَهُ مِن غَيْرِ نَقْصٍ في الثَّوابِ؛ لِأنَّ الفِدْيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى التَّيْسِيرِ، ولَمْ يَجْعَلِ ( السَّبْعَةَ ) فِيهِ لِمَشَقَّةِ الصَّوْمِ في الحَجِّ، ولِلْإشارَةِ إلى هَذا التَّعادُلِ وُصِفَتِ ( العَشَرَةُ ) بِأنَّها كامِلَة فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ﴾ في وُقُوعِها بَدَلًا مِنَ الهَدْيِ وقِيلَ: إنَّها صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ تُفِيدُ زِيادَةَ التَّوْصِيَةِ بِصِيامِها، وأنْ لا يُتَهاوَنَ بِها، ولا يُنْقُصَ مِن عَدَدِها، كَأنَّهُ قِيلَ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ، فَراعُوا كَمالَها ولا تُنْقِصُوها، وقِيلَ: إنَّها صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ كَمالَ العَشَرَةِ، فَإنَّها عَدَدٌ كَمُلَ فِيهِ خَواصُّ الأعْدادِ، فَإنَّ الواحِدَ مُبْتَدَأُ العَدَدِ، والِاثْنَيِنِ أوَّلُ العَدَدِ، والثَّلاثَةَ أوَّلُ عَدَدٍ فَرْدٍ، والأرْبَعَةَ أوَّلُ عَدَدٍ مَجْذُورٍ، والخَمْسَةَ أوَّلُ عَدَدٍ دائِرٍ، والسِّتَّةَ أوَّلُ عَدَدٍ تامٍّ، والسَّبْعَةَ عَدَدٌ أوَّلٌ، والثَّمانِيَةَ أوَّلُ عَدَدِ زَوْجِ الزَّوْجِ، والتِّسْعَةَ أوَّلُ عَدَدٍ مُثَلَّثٍ، والعَشَرَةَ نَفْسَها يَنْتَهِي إلَيْها العَدَدُ، فَإنَّ كُلَّ عَدَدٍ بَعْدَها مُرَكَّبٌ مِنها، ومِمّا قَبْلَها قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

وذَكَرَ الإمامُ لِهَذِهِ الفَذْلَكَةِ مَعَ الوَصْفِ عَشَرَةَ أوْجُهٍ - لَكِنَّها عَشْرَةٌ غَيْرُ كامِلَةٍ - ولَوْلا مَزِيدُ التَّطْوِيلِ لَذَكَرْتُها بِما لَها وعَلَيْها.

( ذَلِكَ ) إشارَةٌ إلى التَّمَتُّعِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَمَن تَمَتَّعَ ﴾ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إذْ لا مُتْعَةَ ولا قُرْآنَ لِحاضِرِي المَسْجِدِ؛ لِأنَّ شَرْعَهُما لِلتَّرَفُّهِ بِإسْقاطِ أحَدِ السَّفْرَتَيْنِ، وهَذا في حَقِّ الآفاقِيِّ لا في حَقِّ أهْلِ مَكَّةَ ومَن في حُكْمِهِمْ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: إنَّها إشارَةٌ إلى الأقْرَبِ، وهو الحُكْمُ المَذْكُورُ - أعْنِي: لُزُومَ الهَدْيِ أوْ بَدَلُهُ عَلى المُتَمَتِّعِ - وإنَّما يَلْزَمُ ذَلِكَ إذا كانَ المُتَمَتِّعُ آفاقِيًّا؛ لِأنَّ الواجِبَ أنْ يُحْرِمَ عَنِ الحَجِّ مِنَ المِيقاتِ، فَلَمّا أحْرَمَ مِنَ المِيقاتِ عَنِ العُمْرَةِ ثُمَّ أحْرَمَ عَنِ الحَجِّ لا مِنَ المِيقاتِ، فَقَدْ حَصَلَ هُناكَ الخَلَلُ، فَجُعِلَ مَجْبُورًا بِالدَّمِ، والمَكِّيُّ لا يَجِبَ إحْرامُهُ مِنَ المِيقاتِ، فَإقْدامُهُ عَلى التَّمَتُّعِ لا يُوقِعُ خَلَلًا في حَجِّهِ، فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ الهَدْيُ ولا بَدَلُهُ، ويَرُدُّهُ أنَّهُ لَوْ كانَتِ الإشارَةُ لِلْهَدْيِ والصَّوْمِ لَأتى ( بِعَلى ) دُونَ اللّامِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ لِأنَّ الهَدْيَ وبَدَلَهُ واجِبٌ عَلى المُتَمَتِّعِ، والواجِبُ يُسْتَعَمْلَ ( بِعَلى ) لا ( بِاللّامِ )، وكَوْنُ اللّامِ واقِعَةً مَوْقِعَ عَلى كَما قِيلَ بِهِ فِي: ”اشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاءَ“ خِلافُ الظّاهِرِ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ مَن كانَ مِنَ الحَرَمِ عَلى مَسافَةِ القَصْرِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، ومَن كانَ مَسْكَنُهُ وراءَ المِيقاتِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وأهْلُ الحِلِّ عِنْدَ طاوُسٍ، وغَيْرُ أهْلِ مَكَّةَ عِنْدَ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - والحاضِرُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ضِدُّ المُسافِرِ، وعَلى الوُجُوهِ الأُخَرِ بِمَعْنى الشّاهِدِ غَيْرِ الغائِبِ، والمُرادُ مِن حُضُورِ الأهْلِ حُضُورُ المُحْرِمِ، وعَبَّرَ بِهِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عَلى الرَّجُلِ كَما قِيلَ: أنْ يَسْكُنَ حَيْثُ أهْلُهُ ساكِنُونَ، ولِلْمَسْجِدِ الحَرامِ إطْلاقانِ؛ أحَدُهُما نَفْسُ المَسْجِدِ، والثّانِي الحَرَمُ كُلُّهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ بِناءً عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إنَّما أُسْرِيَ بِهِ مِنَ الحَرَمِ لا مِنَ المَسْجِدِ، وعَلى إرادَةِ المَعْنى الأخِيرِ في الآيَةِ هُنا أكْثَرُ أئِمَّةِ الدِّينِ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في كُلِّ ما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ كَما يُسْتَفادُ مِن تَرْكِ المَفْعُولِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الحَجُّ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وبِهِ يَتِمُّ الِانْتِظامُ.

﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ 196﴾ لِمَن لَمْ يَتَّقِهِ؛ أيِ: اسْتَحْضِرُوا ذَلِكَ لِتَمْتَنِعُوا عَنِ العِصْيانِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وإضافَةُ شَدِيدٍ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى مَرْفُوعِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، قرأ الشعبي: وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ بالضم على معنى الابتداء، وقرأ العامة وَالْعُمْرَةَ بالنصب على معنى البناء.

قال ابن عباس: تمام العمرة إلى البيت، وتمام الحج إلى آخر الحج.

وقال مقاتل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ من المواقيت، ولا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم وذلك أنهم كانوا يشركون في إحرامهم.

ومعنى قول مقاتل: أنهم كانوا يشركون فيقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.

فقال: وأتموهما ولا تخلطوا بهما شيئاً آخر.

ثم خوَّفهم فقال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ، فيما تعديتم.

ثم قال عز وجل: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ، أي حبستم عن البيت بعد ما أحرمتم.

وقال القتبي: الإحصار هو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض أو كسر أو عدو.

وقال الفراء: الإحصار ما ابتلي به الرجل في إحرامه من المرض أو العدو وغيره.

وقال بعضهم: لا يكون الإحصار إلا من العدو.

وقال بعضهم: يكون من العدو وغيره، وبه قال علماؤنا رحمهم الله.

ثم قال: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، أي ابعثوا إلى البيت ما استيسر من الهدي، والله تعالى رخص لمن عجز عن الوصول إلى البيت بالعدو أن يبعث الهدي، فينزع عنه بمكة، ويحل الرجل من إحرامه إذا ذبح هديه، ويرجع إلى أهله، ثم يقضي حجه وعمرته بعد ذلك.

ثم قال تَعَالَيْ: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، يعني المحصر إذا بعث بالهدي، لا يجوز له أن يحل من إحرامه ما لم يذبح هديه.

يقول: لا يحلق رأسه، حتى يكون اليوم الذي واعده فيه، ويعلم أن هديه قد ذبح.

ثم صار هذا أصلاً لجميع الحجاج من كان قارناً أو متمتعاً، لا يجوز له أن يحلق رأسه إلا بعد أن يذبح هديه وإن لم يكن محصراً.

ثم قال تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ، يعني إذا حلق رأسه على وجه الإضمار مثل قوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 184] يعني إذا كان أفطر.

وروي عن كعب بن عجرة أنه قال: فيَّ نزلت هذه الآية.

وذلك أن النبيّ  مر بي والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» فقلت: نعم.

فأمر بي بأن أحلق رأسي فقال: «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَأَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِين، لِكُلِّ مسكين نصف صاع من حِنْطَةٍ، أَوْ صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَنْسِكْ نَسِيكَةً» يعني اذبح شاة، فنزلت هذه الآية: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ، أي شاة يذبحها حتى يبلغ الهدي محله.

ويروى عن عبد الرحمن الأعرج أنه قرأها: بتشديد الياء.

وواحدها هدية.

وقرأ الباقون: بالتخفيف يقال للواحدة: هدي وهدية.

ثم قال: فَإِذا أَمِنْتُمْ وهذا على سبيل الاختصار والإضمار.

ومعناه فإذا أمنتم من العدو، فاقضوا ما وجب عليكم من الحج والعمرة.

ويقال: إذا أمنتم من العدو وبرأتم من المرض، فحجوا واعتمروا.

فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، يعني فعليه ما تيسر من الهدي وللمتمتع أن يحج ويعتمر في سفرة واحدة من أشهر الحج.

والمحرمون أربعة: مفرد بالحج ومفرد بالعمرة والمتمتع والقارن، فأما المفرد بالحج أن يحج ويعتمر والمفرد بالعمرة أن يعتمر ولا يحج، وأما المتمتع أن يعتمر في أشهر الحج ويمكث بمكة حتى يحج بعد ما فرغ من عمرته، وأما القارن فهو الذي يحرم بالحج والعمرة جميعاً.

فمن كان مفرداً بالحج أو بالعمرة، فلا يجب عليه الهدي ومن كان متمتعاً أو قارناً، فعليه الهدي.

وقال عبد الله بن عمر أنه قال: الهدي: الجزور.

وقال ابن عباس: أقله شاة وبه قال علماؤنا.

ثم قال فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدي فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ.

قال ابن عباس: آخرها يوم عرفة.

وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ.

قال بعضهم: إذا رجعتم إلى أهليكم.

وقال بعضهم: إذا رجعتم من منى.

وقال بعضهم: إذا رجعتم إلى الأمر الأول، يعني إذا فرغتم من أمر الحج وبهذا القول نقول.

ثم قال: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ، في البدل يعني العشرة الكاملة كلها بدل من الهدي، يعني ذلِكَ الفداء لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، أي ذلك الفداء لمن لم يكن منزله في الحرم.

وقال قتادة ومقاتل: ذلك يعني التمتع لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام يعني الحرم.

وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما أمركم به ونهاكم عنه.

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إن خالفتم.

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ، أي وقت الحج أشهر معلومات وهو: شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة.

فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ قال القتبي: الفرض وجوب الشيء، يقال: فرضت عليك كذا، أي أوجبته.

قال الله تعالى: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ، أي ما ألزمتم أنفسكم، وقال: قَدْ عَلِمْنا مَا فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ [الأحزاب: 50] ، وقال تعالى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ، أي فمن أحرم في هذه الأشهر بالحج، فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «فَلاَ رِفْثٌ وَلاَ فُسُوقٌ» بالرفع مع التنوين، والباقون بالنصب بغير تنوين.

واتفقوا في قوله: وَلا جِدالَ بالنصب غير أبي جعفر المدني فإنه قرأ بالرفع.

وهذا يقال له: لا التبرية فكل موضع يدخل فيه لا التبرية، فصاحبه بالخيار إن شاء نصبه بغير تنوين، وإن شاء ضمه بالتنوين مثل قوله: وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [البقرة: 254] .

وتفسير الرفث هو الجماع كقوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [البقرة: 187] وقال بعضهم: الرفث: التعرض بذكر النساء، والفسوق: هو السباب، والجدال: أن تماري صاحبك حتى تغيظه.

أي من كان محرماً لا يجامع في إحرامه ولا يسب ولا يماري.

ويقال: الفسوق الذبح للأصنام.

كقوله تعالى: أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام: 145] ، والجدال هو أن قريشاً كانت تقف بالمزدلفة وكانوا يجادلون كل فريق يقولون: نحن أصوب سبيلاً.

وروي عن مجاهد أنه قال: قد استقر الحج في ذي الحجة، فلا جدال فيه وذلك أن المشركين كانوا يحجون عامين في ذي القعدة وعامين في ذي الحجة، فلما فتح رسول الله  مكة، بعث أبا بكر ليحج بالناس فوافق ذلك آخر عام ذي القعدة فلما حج رسول الله  حجة الوداع، وافق ذلك أول عام في ذي الحجة، فقال رسول الله  : «ألا إن الزمان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السموات وَالأَرْضَ» .

يعني رجع أمر الحج إلى ذي الحجة كما كان، فنزل: وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ.

ثم قال: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ، يعني من ترك الفسوق والمرأة والجدال.

يَعْلَمْهُ اللَّهُ ، أي يقبله الله فيجازيكم به.

وَتَزَوَّدُوا في سفركم للحج والعمرة ما تكفون به وجوهكم عن المسألة.

فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.

قال مقاتل وذلك أن أناساً من أهل اليمن كانوا يخرجون بغير زاد، ويصيبون من أهل الطريق ظلماً، فنزلت في شأنهم وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.

وقال بعضهم: تزودوا لسفر الدنيا بالطعام، وتزودوا لسفر الآخرة بالتقوى فإن خير الزاد التقوى.

ويقال خير الزاد التقوى، هو التوكل على الله وأن لا يؤذي أحدٌ لأجل الزاد والطعام.

ثم قال: وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ، يعني اطيعوني يا ذوي الألباب أي العقول فيما أمرتكم به.

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وذلك أنهم كانوا إذا حجوا، كفوا عن التجارة وطلب المعيشة في الحج، فلم يشتروا ولم يبيعوا حتى تمضي أيام حجهم، فجعل الله تعالى لهم رخصة في ذلك فقال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ، أي لا مأثم عليكم أن تطلبوا رزقاً من ربكم من التجارة في أيام الحج.

وقال مقاتل: سئل رسول الله  : عن سوق عكاظ وسوق منى وذي المجاز في الجاهلية كنا نقوم في التجارة قبل الحج وبعد الحج، فهل يصلح لنا البيع والشراء في أيام حجنا؟

فنزلت هذه الآية.

ومعنى آخر: ما روي عن عبد الله بن عمر: أن رجلاً سأله فقال: إني رجل أكري الإبل إلى مكة أفيجزيني عن حجي؟

فقال: أولست تلبي، وتقف بعرفات وترمي الجمار؟

فقال: بلى فقال: سأل رجل رسول الله  عن مثل ما سألتني، فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ.

وروي عن ابن عباس نحوه.

ثم قال تعالى: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ، يقول إذا رجعتم من عرفات بعد غروب الشمس فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ، يعني بالمزدلفة.

وقال عطاء: إنما سميت عرفات، لأن جبريل كان يعلَّم إبراهيم-  - أمور المناسك فكان يقول له: عرفت؟

فيقول: عرفت.

فسميت عرفات.

وقال ابن عباس: إنما سميت منى، لأن جبريل قال لآدم- عليهما السلام-: تمنَّ.

قال: أتمنى الجنة.

فسميت منى.

قال: وإنما سمي الجمع جمعاً، لأنه اجتمع فيه آدم وحواء والجمع أيضاً: هو المزدلفة وهو المشعر الحرام.

ثم قال: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ، يقول: اشكروا الله كما هداكم لدين الإسلام وَإِنْ كُنْتُمْ، أي وقد كنتم مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ عن الهدى، وكانت قريش لا تخرج من الحرم إلى عرفات، وكان الناس يقفن خارج الحرم من كان من أهل اليمن وغيرهم بعرفات، ويفيضون منها فأمر الله تعالى قريشاً أن يقفوا من حيث وقف الناس، ويفيضوا من حيث أفاض الناس فقال تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ تعالى لذنوبكم في الموقف.

إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ متجاوز عن ذنوبكم.

فأمر النبيّ  أن يخرج بالناس جميعاً إلى عرفات فيقف بها.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «إن الله تَعَالَى يُبَاهِي مَلائِكَتَهُ بِأَهْلِ عَرَفَات وَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلى عبادي جاءوا مِنْ كُلِّ فَجَ عَمِيقٍ شُعْثاً غُبْراً.

اشْهَدُوا، أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» .

ثم قال تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ، أي فرغتم من أمر حجكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ باللسان كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ في ذلك الموقف أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً يقول: أو أكثر ذكراً، وذلك أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم، وقفوا بين المسجد الذي بمنى وبين الجبل، ثم ذكر كل واحد منهم أباه بما كان يعلم منه من الخير ثم يتفرقون، قال الله تعالى: فَاذْكُرُونِي بالخير كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ بالخير، فإن ذلك الخير مني.

وقال عطاء بن أبي رباح: قوله: كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ هو كقول الصبي: أبه أبه، يعني أن الصبي إذا كان أول ما يتكلم فإن أكثر قوله: أب أب.

ويقال فاذكروا الله كذكركم آباءكم لأبيكم آدم، لأنه لا أب له، بل أشد ذكراً، لأني خلقته من غير أب ولا أم وخلقتكم من الآباء والأمهات.

ثم قال تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا، وهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ارزقنا إبلاً وبقراً وغنماً وعبيداً وإماءً وأموالاً، ولم يكونوا يسألون لأنفسهم التوبة ولا المغفرة، فأنزل الله تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا.

وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ، أي من نصيب.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً قال ابن عباس: يعني الشهادة والمغفرة والغنيمة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، أي الجنة.

وقال القتبي: الحسنة النعمة كقوله: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ [التوبة: 50] ، أي نعمة.

وقال الحسن البصري: آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، أي العلم والعبادة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، أي الجنة قال الإمام: حسنة الدنيا، ثوابك، وقوت من الحلال يكفيك، وزوجة صالحة ترضيك، وعلم إلى الحق يهديك، وعمل صالح ينجيك.

وأما حسنة الآخرة فإرضاء الخصومات، وعفو السيئات، وقبول الطاعات والنجاة من الدركات، والفوز بالدرجات وَقِنا عَذابَ النَّارِ، أي ادفع عنا عذاب النار.

أُولئِكَ، يعني المؤمنين الذين يدعون بهذا الدعاء لَهُمْ نَصِيبٌ، أي حظ مِمَّا كَسَبُوا من حجهم.

ويقال: لهم ثواب مما عملوا.

وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً كان على عهد رسول الله  قال: اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة، فعجِّله لي في الدنيا فأضني الرجل في مرضه حتى نحل جسمه، فأخبر بذلك رسول الله  فأتاه فأخبره بأنه كان يدعو بكذا وكذا، فقال النبيّ  : «يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ بِعُقُوبَةِ الله تَعَالَى ولكن قل: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ.

فدعا بها الرجل فبرأ.

ثم قال: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ قال الكلبي: إذا حاسب فحسابه سريع.

ويقال: والله سريع الحفظ.

وقال الضحاك: يعني لا يخالطه العباد فِي الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ولا يشغله ذلك.

ويقال: يحاسب كل إنسان فيظن كل واحد منهم أنه يحاسبه خاصة.

وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦)

وقوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ: قال ابنُ زَيْد وغيره: إِتمامهما ألاَّ تفسخا، وأن تتمهما، إِذا بدأْتَ بهما «١» ، وقال ابن عَبَّاس وغيره: إِتمامهما أنْ تقضي مناسكهما كاملةً بما كان فيهما من دماء «٢» ، وقال سفيانُ الثَّوْرِيُّ: إتمامهما أن تخريج قاصداً لهما، لا لتجارةٍ، ولا لغيرِ ذلك «٣» ويؤيد هذا قولُهُ: لِلَّهِ.

وفروضُ الحجِّ: النيَّة «٤» ، والإحرام، والطواف «٥» المتصل بالسعي، يعني: طواف

الإِفاضة، والسَّعْيِ بين الصفا والمروة عنْدنا خلافاً لأبي حنيفة، والوقوفُ بعرفة «١» ، وزاد ابن الماجِشُونَ: جَمْرة العَقَبَة.

وقوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ هذه الآية نزلَتْ عام الحديبية عنْد جمهور أهل التأويل، وأجمع جمهورُ النَّاس على أنَّ المُحْصَرَ بالعَدُوِّ يَحِلُّ حيثُ أُحْصِرَ، وينحر هَدْيه، إِن كان ثَمَّ هَدْيٌ، ويحلق رأسه، وأما المُحْصَرُ بمرضٍ، فقال مالك، وجمهور من العلماء: لا يحله إِلا البيتُ، ويقيم حتى يُفِيقَ، وإِن أقام سنين، فإِذا وصل البيتَ، بعد فوت الحجِّ، قطع التلبيةَ في أوائل الحرم، وحلَّ بعمرة، ثم تكون عليه حجَّة قضاء، وفيها يكون الهَدْي.

و «مَا» في موضع رفعٍ «٢» ، أي: فالواجبُ، أو: فعليكُمْ ما استيسر، وهو شاةٌ عند الجمهور.

وقال ابن عمر وعروة «١» : جَملٌ دون جَمَلٍ، وبقرةٌ دون بقرة «٢» .

وقوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ الخطابُ لجميعِ الأمَّة، وقيل: للمحصَرِينَ خاصَّة، ومَحِلُّ الهَدْيِ: حيث يحل نحره، وذلك لمن لم يُحصَرْ بمنى، والترتيب: أن يرمي الحاجُّ الجَمْرَة، ثم ينحر، ثم يَحْلِق، ثم يَطُوف للإِفاضة.

وقوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً ...

الآية: المعنى: فحَلَق لإِزالة الأذى، فَفِدْيَةٌ، وهذا هو فحْوَى الخطاب عند أكثر الأصوليِّين، ونزلَتْ هذه الآية في كَعْب بن عجرة «٣» ، حين رآه رسول الله صلّى الله عليه وسلم وَرَأْسُهُ يَتَنَاثَرُ قملاً، فَأَمَرَهُ بِالحَلاَّقِ، ونَزَلَتِ الرخْصَةُ.

والصيامُ عند مالك، وجميع أصحابه: ثلاثةُ أيامٍ، والصدقة ستّة مساكين لكلّ

مسكينٍ نصفُ صاعٍ، وذلك مُدَّانِ بمُدِّ النبيِّ صلّى الله عليه وسلم، والنُّسُكُ: شاة بإِجماع، ومَنْ أتى بأفضلَ منها ممَّا يذبح أو ينحر، فهو أفضلُ والمفتدِي مخيَّر في أيِّ هذه الثلاثة شاء، حيثُ شاء من مكَّة وغيرها.

قال مالكٌ وغيره: كلَّما أتى في القرآن «أَوْ أَوْ» ، فإِنه على التخْيير.

وقوله تعالى: فَإِذا أَمِنْتُمْ، أي: من العدُوِّ المُحْصِرِ/، قاله ابن عبَّاس وغيره»

، ٤٩ ب وهو أشبهُ باللَّفظ، وقيل: معناه: إِذا برأتم من مَرَضِكم «٢» .

وقوله سُبحانه: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ...

الآية.

قال ابن عبَّاس وجماعةٌ من العلماء: الآيةُ في المحصَرين وغيرهم «٣» ، وصورة المتمتِّع «٤» أنْ تجتمعَ فيه ستَّةُ شروطٍ، أن يكون معتمراً في أشْهُر الحجِّ، وهو من غير

خاضري المَسْجِد الحرام، ويحل وينشىء الحَجَّ من عَامِهِ ذلك، دون رُجُوع إِلى وطنه، أو ما ساواه بُعْداً، هذا قول مالِكٍ، وأصحابه، واختلف، لِمَ سُمِّيَ متمتعاً.

فقال ابن القاسِمِ: لأنه تمتع بكلِّ ما لا يجوز للمُحْرِمِ فعْلُه مِنْ وقْت حلِّه في العمرة إِلى وقْت إِنشائه الحجِّ «١» ، وقال غيره: سمي متمتعاً لأنه تمتَّع بإِسقاط أحد السفرين، وذلك أنَّ حق العمرة أنْ تقصد بسَفَرٍ، وحقّ الحج كذلك، فلمَّا تمتع بإِسقاط أحدهما ألزمه اللَّه تعالى هَدْياً كالقَارن الَّذي يجمع الحجَّ والعمرةَ في سَفَر واحدٍ، وجُلُّ الأمة «٢» على جواز العُمْرة في أَشْهُر الحجِّ للمكِّيِّ ولا دَمَ عليه «٣» .

وقوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، يعني: من وقتِ يُحْرِمْ إِلى يومِ عرفة، فإِنْ فاته صيامها قبل يوم النحرِ، فليصُمْها في أيام التشريق لأنها من أيام الحج.

وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ، قال مجاهد وغيره: أي: إِذا رجعتم من منى «٤» ، وقال قتادة، والربيع: هذه رخصةٌ من اللَّه سبحانه «٥» ، والمعنى: إِذا رجعتم إِلى أوطانكم، ولما جاز أن

يتوهَّم متوهم التخْيير بين ثلاثةِ أيَّامٍ في الحجِّ أو سبعة إِذا رجع، أُزِيلَ ذلك بالجليّة من قوله تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ.

وكامِلَةٌ «١» قال الحسن بن أبي الحَسَن: المعنى: كاملة الثوابِ «٢» ، وقيل: كاملةٌ «٣» تأكيدٌ كما تقول: كَتَبْتُ بيَدِي، وقيل: لفظها الإِخبار «٤» ، ومعناها الأمر، أي: أكملوها، فذلك فرضها، وقوله تعالى: ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ ...

الآيةَ: الإِشارة بذلك على قول الجمهورِ هي إِلى الهَدْي، أي: ذلك الاشتداد والإِلزام، وعلى قول من يرى أن المكِّيَّ لا تجوز له العُمْرة في أشهر الحج، تكون الإِشارة إِلى التمتُّع، وحُكْمِه فكأن الكلام ذلك الترخيصُ لمن لَمْ ويتأيَّد هذا بقوله: لِمَنْ لَمْ لأن اللام أبداً إِنما تجيء مع الرخص «٥» ، واختلف الناس في حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ بعد الإِجماع على أهل مكة، وما اتصل بها، فقيل: من تَجِبُ عليه الجمعة بمكَّة، فهو حَضَرِيٌّ، ومن كان أبعد من ذلك، فهو بَدَوِيٌّ، قال ع «٦» : فجعل اللفظة من الحضارة، والبداوة.

وقيل: من كان بحيثُ لا يَقْصُرُ الصلاة، فهو حاضرٌ، أي: مشاهدٌ، ومن كان أبعد من ذلك، فهو غائبٌ.

وقال ابن عبَّاس، ومجاهد: أهل الحرم «٧» كلّه حاضر والمسجد الحرامِ، ثم أمر تعالى بتقواه على العموم، وحذّر من شديد عقابه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ هَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ، وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ النَّبِيَّ  لَمّا أمَرَ بِالتَّجَهُّزِ إلى مَكَّةَ، قالَ ناسٌ مِنَ الأعْرابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ!

بِماذا نَتَجَهَّزُ؟

فَواللَّهِ ما لَنا زادَ ولا مالَ!

فَنَزَلَتْ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الأنْصارَ كانُوا يُنْفِقُونَ ويَتَصَدَّقُونَ، فَأصابَتْهم سَنَةٌ، فَأمْسَكُوا؛ فَنَزَلَتْ، قالَهُ أبُو جَبِيرَةَ بْنُ الضَّحّاكِ.

والسَّبِيلُ في اللُّغَةِ: الطَّرِيقُ.

وإنَّما اسْتُعْمِلَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ في الجِهادِ، لِأنَّهُ السَّبِيلُ الَّذِي يُقاتِلُ فِيهِ عَلى عَقْدِ الدِّينِ.

والتَّهْلُكَةُ: بِمَعْنى الهَلاكِ، يُقالُ: هَلَكَ الرَّجُلُ يَهْلَكُ هَلاكًا وهَلْكًا وتَهْلُكَةً.

قالَ المُبَرِّدُ: وأرادَ بِالأيْدِي: الأنْفُسُ؛ فَعَبَّرَ بِالبَعْضِ عَنِ الكُلِّ.

وفي المُرادِ بِالتَّهْلُكَةِ هاهُنا أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها تَرْكُ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ حُذَيْفَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّها القُعُودُ عَنِ الغَزْوِ شَغْلًا بِالمالِ، قالَهُ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها القُنُوطُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ قالَهُ البَراءُ، والنُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ، وعُبَيْدَةُ.

والرّابِعُ: أنَّها عَذابُ اللَّهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأحْسِنُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: أحْسَنُوا الإنْفاقَ، وهو قَوْلُ أصْحابِ القَوْلِ الأوَّلِ.

والثّانِي: أحْسَنُوا الظَّنَّ بِاللَّهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وسُفْيانُ، وهو يَخْرُجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: التَّهْلُكَةُ: القُنُوطُ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ: أدَّوُا الفَرائِضَ، رَواهُ سُفْيانُ عَنْ أبِي إسْحاقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ فارِسٍ: الحَجُّ في اللُّغَةِ: القَصْدُ، والِاعْتِمارُ في الحَجِّ أصْلُهُ: الزِّيارَةُ.

قالَ ثَعْلَبٌ: الحَجُّ بِفَتْحِ الحاءِ: المَصْدَرُ، وبِكَسْرِها: الِاسْمُ قالَ: ورُبَّما قالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ.

وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في العُمْرَةِ قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: الزِّيارَةُ.

والثّانِي: القَصْدُ.

وفي إتْمامِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْنى إتْمامِها: أنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُما، فَيَأْتِيَ بِالعُمْرَةِ في غَيْرِ أشْهُرِ الحَجِّ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ.

والثّانِي: أنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ مِن دُوَيْرَةِ أهْلِهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وطاوُوسُ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إذا شَرَعَ في أحَدِهِما لَمْ يَفْسَخْهُ حَتّى يَتِمَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ فَعَلَ ما أمَرَ اللَّهُ فِيهِما، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى نَصْبِ "العُمْرَةَ" بِإيقاعِ الفِعْلِ عَلَيْها.

وقَرَأ الأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ والقَزّازِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ بِرَفَعُها، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي رَزِينٍ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ.

وقِراءَةُ الجُمْهُورِ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِها.

ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ العُمْرَةَ واجِبَةٌ عَلِيٌّ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وعَطاءٌ، وطاوُوسُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرٍ، والشَّعْبِيِّ، وإبْراهِيمَ، وأبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ، أنَّها سُنَّةٌ وتَطَوُّعٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أحْصَرَهُ المَرَضُ والعَدْوُ: إذا مَنَعَهُ مِنَ السَّفَرِ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ.

وحَصَرَهُ العَدُوُّ: إذا ضَيَّقَ عَلَيْهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِلرَّجُلِ: إذا حُبِسَ: قَدْ حُصِرَ، فَهو مَحْصُورٌ.

ولِلْعُلَماءِ في هَذا الإحْصارِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا بِالعَدْوِ، ولا يَكُونُ المَرِيضُ مُحْصَرًا.

وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، ومالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ.

ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ فَإذا أمِنتُمْ ﴾ والثّانِي: أنَّهُ يَكُونُ بِكُلِّ حابِسٍ مِن مَرَضٍ أوْ عَدُوٍّ أوْ عَذْرٍ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وأبِي حَنِيفَةَ.

وفي الكَلامِ اخْتِصارٌ وحَذْفٌ، والمَعْنى: فَإنْ أُحْصِرْتُمْ دُونَ تَمامِ الحَجِّ والعُمْرَةِ فَحَلَلْتُمْ؛ فَعَلَيْكم ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ.

ومِثْلُهُ: ﴿ أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ ﴾ تَقْدِيرُهُ: فَحَلْقٌ، فَفِدْيَةٌ.

والهَدْيُ: ما أُهْدِيَ إلى البَيْتِ.

وأصْلُهُ: هَدْيٌ مُشَدَّدٌ، فَخَفَّفَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وبِالتَّشْدِيدِ يَقْرَأُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

وفي المُرادِ ( بِما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ شاةٌ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ ما تَيَسَّرَ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ لا غَيْرَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وعائِشَةُ، والقاسِمُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عَلى قَدْرِ المَيْسَرَةِ، رَواهُ طاوُسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ قالا: أعْلاهُ بَدَنُهُ، وأوْسَطُهُ بَقَرَةٌ، وأخَسُّهُ شاةٌ.

وقالَ أحْمَدُ: الهَدْيُ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ، والغَنَمِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، رَحِمَهُما اللَّهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ قالَ ابُنُ قُتَيْبَةَ: المَحَلُّ: المَوْضِعُ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ نَحْرُهُ، وهو مِن: حَلَّ يَحُلُّ.

وفي المَحَلِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الحَرَمُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وطاوُوسٌ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ سِيرِينَ، والثَّوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ المَوْضِعُ الَّذِي أُحْصِرَ بِهِ فَيَذْبَحُهُ ويَحُلُّ، قالَهُ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ ﴾ هَذا نَزَلَ عَلى سَبَبٍ، وهو أنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ كَثُرَ قَمْلُ رَأْسِهِ حَتّى تَهافَتَ عَلى وجْهِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ فِيهِ، فَكانَ يَقُولُ: في نَزَلَتْ خاصَّةً.

* فَصْلٌ قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: اقْتَضى قَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ تَحْرِيمُ حَلْقِ الشَّعْرِ، سَواءٌ وُجَدَ بِهِ الأذى، أوْ لَمْ يَجِدْ، حَتّى نَزَلَ: ﴿ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ ﴾ فاقْتَضى هَذا إباحَةُ حَلْقِ الشَّعْرِ عِنْدَ الأذى مَعَ الفِدْيَةِ، فَصارَ ناسِخًا لِتَحْرِيمِهِ المُتَقَدِّمِ.

وَمَعْنى الآَيَةِ: فَمَن كانَ مِنكم - أيْ: مِنَ المُحَرِّمِينَ، مُحْصِرًا كانَ أوْ غَيْرَ مُحْصِرٍ - مَرِيضًا، واحْتاجَ إلى لَبْسٍ أوْ شَيْءٍ يَحْظَرُهُ الإحْرامُ، فَفَعَلَهُ، أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَحَلَقَ، فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ.

وفي الصِّيامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ، رُوِيَ في حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ  وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّهُ صِيامُ عَشْرَةِ أيّامٍ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ، ونافِعٍ.

وفي الصَّدَقَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إطْعامُ سِتَّةِ مَساكِينَ، رُوِيَ في حَدِيثِ كَعْبٍ، وهو قَوْلُ مَن قالَ الصَّوْمُ ثَلاثَةُ أيّامٍ.

والثّانِي: أنَّها إطْعامُ عَشْرَةِ مَساكِينَ، وهو قَوْلُ مَن أوْجَبَ صَوْمَ عَشْرَةِ أيّامٍ.

والنُّسُكُ: ذَبْحُ شاةٍ، يُقالُ: نَسَكْتُ لِلَّهِ، أيْ: ذَبَحْتُ لَهُ.

وفي النُّسُكِ لُغَتانِ.

ضَمَّ النُّونَ والسِّينَ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ، وضَمَّ النُّونَ مَعَ تَسْكِينِ السِّينِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا أمِنتُمْ ﴾ ، أيْ: مِنَ العَدُوِّ.

إذِ المَرَضُ لا تُؤْمَنُ مُعاوَدَتُهُ وقالَ عَلْقَمَةُ في آَخَرِينَ: فَإذا أمِنتُمْ مِنَ الخَوْفِ والمَرَضِ.

﴿ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ ﴾ مَعْناهُ: مَن بَدَأ بِالعُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ، وأقامَ الحَجَّ مِن عامِهِ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ.

وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وعَطاءٍ، والضَّحّاكِ.

وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ فِيما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ.

﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ ﴾ قالَ الحَسَنُ: هي قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمِ و [يَوْمُ ] التَّرْوِيَةِ، و [يَوْمُ ] عَرَفَةَ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ، والشَّعْبِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وطاوُوسٍ، وإبْراهِيمَ، وقَدْ نُقِلَ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ قالا: في أيِّ العَشْرِ شاءَ صامَهُنَّ.

ونُقِلَ عَنْ طاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، أنَّهم قالُوا: في أيِّ أشْهُرِ الحَجِّ شاءَ فَلْيَصُمْهُنَّ.

ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: مِن حِينِ يَحْرُمُ إلى يَوْمِ عَرَفَةَ.

* فَصْلٌ فَإنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ، ولَمْ يَصُمِ الثَّلاثَةَ أيّامٍ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَماذا يَصْنَعُ؟

قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وطاوُوسُ، وإبْراهِيمَ: لا يُجَزِّئُهُ إلّا الهَدْيَ ولا يَصُومُ.

وقالَ ابْنُ عُمَرَ وعائِشَةُ: يَصُومُ أيّامَ مِنى.

ورَواهُ صالِحٌ عَنْ أحْمَدَ، وهو قَوْلُ مالِكٍ.

وذَهَبَ آَخَرُونَ إلى أنَّهُ لا يَصُومُ أيّامَ التَّشْرِيقِ، بَلْ يَصُومُ بَعْدَهُنَّ.

رُوِيَ عَنْ عَلَيٍّ.

ورَواهُ المَرْوَذِيُّ عَنْ أحْمَدَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيُّ.

* فَصْلٌ فَإنْ وُجَدَ الهَدْيَ بَعْدَ الدُّخُولِ في صَوْمِ الثَّلاثَةِ أيّامٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ الخُرُوجُ مِنهُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ الخُرُوجُ، وعَلَيْهِ الهَدْيُ.

وقالَ عَطاءٌ: إنْ صامَ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أيْسَرَ؛ فَعَلَيْهِ الهَدْيُ.

وإنْ صامَ ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ أيْسَرَ؛ فَلْيَصُمِ السَّبْعَةَ، ولا هَدْيَ عَلَيْهِ.

وفي مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فِي الحَجِّ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: في أشْهُرِ الحَجِّ.

والثّانِي: في زَمانِ الإحْرامِ بِالحَجِّ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إذا رَجَعْتُمْ إلى أمْصارِكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: إذا رَجَعْتُمْ مِن حَجِّكم، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ.

قالَ الأثْرَمُ: قُلْتُ لِأبِي عُبَيْدِ اللهِ، يَعْنِي: أحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ: فَصِيامُ السَّبْعَةِ أيّامٍ إذا رَجَعَ مَتى يَصُومُهُنَّ؟

أفِي الطَّرِيقِ، أمْ في أهْلِهِ؟

قالَ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ تَأوَّلَهُ النّاسُ.

قِيلَ لِأبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَفَرَّقَ بَيْنَهُنَّ، فَرَخَّصَ في ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: كامِلَةٌ في قِيامِها مَقامَ الهَدْيِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ الثَّلاثَةَ قَدْ قامَتْ مَقامَ الهَدْيِ في بابِ اسْتِكْمالِ الثَّوابِ، فَأعْلَمَنا اللَّهُ تَعالى أنَّ العَشْرَةَ بِكَمالِها هي القائِمَةُ مَقامَهُ.

.

والثّانِي: أنَّ الواوَ قَدْ تَقُومُ مَقامَ "أوْ" في مَواضِعَ، مِنها قَوْلُهُ: ﴿ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ فَأزالَ اللَّهُ، عَزَّ وجَلَّ احْتِمالَ التَّخْيِيرِ في هَذِهِ الآَيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ﴾ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنْ ذَلِكَ لِلتَّوْكِيدِ وأنْشَدُوا لِلْفَرَزْدَقَ: ثَلاثٌ واثْنَتانِ فَهُنَّ خَمْسٌ وسادِسَةٌ تَمِيلُ إلى شَمامِي وَقالَ آَخَرُ: هَلّا سَألْتَ جُمُوعَ كِنْدَةَ ∗∗∗ يَوْمَ ولَّوْا أيْنَ أيُّنا وَقالَ آَخَرُ: كَمْ نِعْمَةٍ كانَتْ لَهُ ∗∗∗ كَمْ كَمْ وكَمْ والقُرْآَنُ نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ، وهي تُكَرِّرُ الشَّيْءَ لِتَوْكِيدِهِ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: تِلْكَ عَشْرَةٌ كامِلَةٌ في الفَصْلِ، وإنْ كانَتِ الثَّلاثَةُ في الحَجِّ، والسَّبْعَةُ بَعْدُ، لِئَلّا يَسْبِقُ إلى وهْمِ أحَدٍ أنَّ السَّبْعَةَ دُونَ الثَّلاثَةِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والخامِسُ: أنَّها لَفْظَةُ خَبَرٍ ومَعْناها: الأمْرُ، فَتَقْدِيرُهُ: تِلْكَ عَشَرَةٌ فَأكْمَلُوها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ التَّمَتُّعُ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ.

والثّانِي: أنَّهُ الجَزاءُ بِالنُّسُكِ والصِّيامِ.

واللّامُ مَن "لِمَن" في هَذا القَوْلِ بِمَعْنى: "عَلى" .

فَأمّا حاضِرُوا المَسْجِدِ الحَرامِ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُوسٌ، ومُجاهِدٌ: هم أهْلُ الحَرَمِ.

وقالَ عَطاءٌ: مَن كانَ مَنزِلُهُ دُونَ المَواقِيتِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْنى الآَيَةِ: أنَّ هَذا الفَرْضَ لِمَن كانَ مِنَ الغُرَباءِ، وإنَّما ذَكَرَ أهْلَهُ وهو المُرادُ بِالحُضُورِ، لِأنَّ الغالِبَ عَلى الرَّجُلِ أنْ يَسْكُنَ حَيْثُ أهْلُهُ ساكِنُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللهِ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَهْلُكَةِ وأحْسِنُوا إنَّ اللهِ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيِ مَحِلَّهُ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أو بِهِ أذًى مِنَ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنَ صِيامٍ أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ فَإذا أمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجَّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجَّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ واتَّقُوا اللهَ واعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ "سَبِيلِ اللهِ" هُنا: الجِهادُ، واللَفْظُ يَتَناوَلُ بَعْدَ- جَمِيعِ سُبُلِهِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وقَوْمٌ: الباءُ في قَوْلِهِ: "بِأيْدِيكُمْ" زائِدَةٌ.

التَقْدِيرُ: "تُلْقُوا أيْدِيَكُمْ".

وقالَ الجُمْهُورُ: ذَلِكَ ضَرْبٌ مَثَلٍ.

تَقُولُ: ألْقى فَلانٌ بِيَدِهِ في أمْرِ كَذا إذا اسْتَسْلَمَ، لِأنَّ المُسْتَسْلِمَ في القِتالِ يُلْقِي سِلاحَهُ بِيَدِهِ، فَكَذَلِكَ فَعَلَ كُلُّ عاجِزٍ في أيِّ فِعْلٍ كانَ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: "واللهِ إنَّ إلْقاءَنا بِأيْدِينا إلى المَوْتِ لَعَجْزٌ".

وقالَ قَوْمٌ: التَقْدِيرُ: لا تُلْقُوا أنْفُسَكم بِأيْدِيكُمْ، كَما تَقُولُ: لا تُفْسِدُ حالَكَ بِرَأْيِكَ.

و"التَهْلُكَةُ" بِضَمِّ اللامِ مَصْدَرٌ مَن هَلَكَ.

وقَرَأ الخَلِيلُ: "التَهْلِكَةِ" بِكَسْرِ اللامِ، وهي مُفْعِلَةٌ مَن هَلَّكَ بِشَدِّ اللامِ.

ورُوِيَ عن أبِي أيُّوبٍ الأنْصارِيِّ أنَّهُ كانَ عَلى القُسْطَنْطِينِيَّةِ فَحَمَلَ رَجُلٌ عَلى عَسْكَرِ العَدُوِّ، فَقالَ قَوْمٌ: ألْقى بِيَدِهِ إلى التَهْلُكَةِ، فَقالَ أبُو أيُّوبٍ: لا.

إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الأنْصارِ حِينَ أرادُوا -لَمّا ظَهَرَ الإسْلامُ- أنْ يَتْرُكُوا الجِهادَ، ويَعْمُرُوا أمْوالَهُمْ، وأمّا هَذا فَهو الَّذِي قالَ اللهُ فِيهِ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ  ﴾ .

وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجُمْهُورُ الناسِ: المَعْنى: لا تُلْقُوا بِأيْدِيكم بِأنْ تَتْرُكُوا النَفَقَةَ في سَبِيلِ اللهِ، وتَخافُوا العَيْلَةَ، فَيَقُولُ الرَجُلُ: لَيْسَ عِنْدِي ما أُنْفِقُ.

وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى، لا تَقْنَطُوا مِنَ التَوْبَةِ.

وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وعُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ: الآيَةُ في الرَجُلِ يَقُولُ: قَدْ بَلَغْتُ في المَعاصِي، فَلا فائِدَةَ في التَوْبَةِ، فَيَنْهَمِكُ بَعْدَ ذَلِكَ.

وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المَعْنى: لا تُسافِرُوا في الجِهادِ بِغَيْرِ زادٍ، وقَدْ كانَ فِعْلُ ذَلِكَ قَوْمٌ فَأدّاهم ذَلِكَ إلى الِانْقِطاعِ في الطَرِيقِ، أوِ الكَوْنِ عالَةً عَلى الناسِ.

وقَوْلُهُ: "وَأحْسِنُوا" قِيلَ: مَعْناهُ: في أعْمالِكم بِامْتِثالِ الطاعاتِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن بَعْضِ الصَحابَةِ.

وقِيلَ: المَعْنى: وأحْسِنُوا في الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ، وفي الصَدَقاتِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى: وأحْسِنُوا الظَنَّ بِاللهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، والشَعْبِيُّ، وغَيْرُهُما: إتْمامُهُما ألّا يَفْسَخا، وأنْ تُتِمَّهُما إذا بَدَأْتَ بِهِما.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إتْمامُهُما أنْ تَحْرِمَ بِهِما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ، وفَعَلَهُ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ.

وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: إتْمامُهُما أنْ تَخْرُجَ قاصِدًا لَهُما، لا لِتِجارَةٍ، ولا لِغَيْرِ ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: "لِلَّهِ" وقالَ قَتادَةُ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: إتْمامُهُما أنْ تُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ وتَقْضِيَها في غَيْرِ أشْهُرِ الحَجِّ، وأنْ تُتِمَّ الحَجَّ دُونَ نَقْصٍ ولا جَبْرٍ بِدَمٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الدَمَ في الحَجِّ والعُمْرَةِ جَبْرُ نَقْصٍ، وهو قَوْلُ مالِكٍ وجَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ.

وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ يَرَوْنَ أنَّ كَثْرَةَ الدَمِ كَمالٌ وزِيادَةٌ، وكُلَّما كَثُرَ عِنْدَهم لُزُومُ الدَمِ فَهو أفْضَلُ، واحْتَجُّوا بِأنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ  : «ما أفْضَلَ الحَجَّ؟

فَقالَ: العَجُّ والثَجُّ» ومالِكٌ ومَن قالَ بِقَوْلِهِ يَراهُ ثَجُّ التَطَوُّعِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إتْمامُهُما أنْ تُفْرِدَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن حَجَّةٍ وعُمْرَةٍ ولا تَقْرِنُ، وهَذا عَلى أنَّ الإفْرادَ أفْضَلُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: القُرْآنُ أفْضَلُ وذَلِكَ هو الإتْمامُ عِنْدَهم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلْقَمَةُ، وإبْراهِيمُ، وغَيْرُهُمْ: إتْمامُهُما أنْ تَقْضِيَ مَناسِكَهُما كامِلَةً بِما كانَ فِيها مِن دِماءٍ.

وفُرُوضُ الحَجِّ: النِيَّةُ، والإحْرامُ، والطَوافُ المُتَّصِلُ بِالسَعْيِ، والسَعْيِ بَيْنَ الصَفا والمَرْوَةِ عِنْدَنا، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، والوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، والجَمْرَةُ عَلى قَوْلِ ابْنِ الماجِشُونَ.

وأمّا أعْمالُ العُمْرَةِ: فَنِّيَّةٌ وإحْرامٌ، وطَوافٌ وسَعْيٌ، واخْتُلِفَ في فَرْضِ العُمْرَةِ.

فَقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: هي سُنَّةٌ واجِبَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ تُتْرَكَ كالوِتْرِ، وهي عِنْدُنا مَرَّةٌ واحِدَةٌ في العامِ وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ أصْحابِهِ.

وحَكى ابْنُ المُنْذِرِ في "الإشْرافِ" عن أصْحابِ الرَأْيِ أنَّها عِنْدَهم غَيْرُ واجِبَةٍ.

وحَكى بَعْضُ القُرَوِيِّينَ والبَغْدادِيِّينَ عن أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يُوجِبُها كالحَجِّ، وبِأنَّها سُنَّةٌ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ النَصَّ عَلى ذَلِكَ عن رَسُولِ اللهِ  .

ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، والشافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وإسْحاقَ، والشَعْبِيِّ وجَماعَةٍ تابِعِينَ أنَّها واجِبَةٌ كالفَرْضِ، وقالَهُ ابْنُ الجَهْمِ مِنَ المالِكِيِّينَ.

وقالَ مَسْرُوقٌ: الحَجُّ والعُمْرَةُ فَرْضٌ، نَزَلَتِ العُمْرَةُ مِنَ الحَجِّ مَنزِلَةَ الزَكاةِ مِنَ الصَلاةِ.

وقَرَأ الشَعْبِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "والعُمْرَةُ لِلَّهِ" بِرَفْعِ العُمْرَةِ عَلى القَطْعِ والِابْتِداءِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "الحِجُّ" بِكَسْرِ الحاءِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ إلى البَيْتِ لِلَّهِ"، ورُوِيَ عنهُ: "وَأقِيمُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ إلى البَيْتِ"، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو كالتَفْسِيرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ﴾ ، قالَ عَلْقَمَةُ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وغَيْرُهُما: الآيَةُ فِيمَن أُحْصِرَ بِالمَرَضِ لا بِالعَدُوِّ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ بِعَكْسِ ذَلِكَ، والمَشْهُورُ مِنَ اللُغَةِ: أحُصِرَ بِالمَرَضِ وحُصِرَ بِالعَدُوِّ، وفي "المُجْمَلِ" لِابْنِ فارِسٍ: حُصِرَ بِالمَرَضِ وأُحْصِرَ بِالعَدُوِّ.

وقالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ في المَرَضِ والعَدُوِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ أنَّ "حُصِرَ" إنَّما هي فِيما حاطَ وجاوَرَ، فَقَدْ يُحْصَرُ العَدُوُّ والماءُ ونَحْوُهُ، ولا يُحْصُرُ المَرَضُ.

وأُحْصِرَ مَعْناهُ: جُعِلَ الشَيْءُ ذا حَصْرٍ كَأقْبَرَ وأحْمى وغَيْرِ ذَلِكَ، فالمَرَضُ والماءُ والعَدُوُّ وغَيْرُ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مُحْصَرًا لا حاصِرًا، ألا تَرى أنَّ العَدُوَّ كانَ مُحْصَرًا في عامِ الحُدَيْبِيَةَ ؟

وفي ذَلِكَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ التَأْوِيلِ.

وأجْمَعَ جُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّ المُحْصَرَ بِالعَدُوِّ يَحِلُّ حَيْثُ أُحْصِرَ ويَنْحَرُ هَدْيَهُ إنْ كانَ ثَمَّ هَدْيٌ ويَحْلِقُ رَأْسَهُ.

وقالَ قَتادَةُ، وإبْراهِيمُ: يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ إنْ أمْكَنَهُ، فَإذا بَلَغَ مَحِلَّهُ صارَ حَلالًا، ولا قَضاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ الجَمِيعِ، إلّا أنْ يَكُونَ ضَرُورَةً فَعَلَيْهِ حُجَّةُ الإسْلامِ.

وقالَ ابْنُ الماجِشُونَ: لَيْسَتْ عَلَيْهِ حُجَّةُ الإسْلامِ وقَدْ قَضاها حِينَ أُحْصِرَ، وهَذا ضَعِيفٌ لا وجْهَ لَهُ.

وقالَ أشْهَبُ: يَهْدِي المُحْصَرَ بِعَدُوٍّ هَدْيًا مِن أجْلِ الحَصْرِ..

وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا يَهْدِي شَيْئًا إلّا إنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَأرادَ نَحْرَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ أبِي زَيْدٍ، وقالَ عَطاءٌ وغَيْرُهُ: المَحْصَرُ بِالمَرَضِ كالمُحْصَرِ بِالعَدُوِّ.

وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ وجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: المَحْصَرُ بِالمَرَضِ لا يَحِلُّهُ إلّا البَيْتُ، ويُقِيمُ حَتّى يَفِيقَ وإنْ أقامَ سِنِينَ، فَإذا وصَلَ البَيْتَ بَعْدَ فَوْتِ الحَجِّ قَطَعَ التَلْبِيَةَ في أوائِلِ الحَرَمِ وحَلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِ حُجَّةُ قَضاءٍ، وفِيها يَكُونُ الهَدْيُ، وقِيلَ: إنَّ الهَدْيَ يَجِبُ في وقْتِ الحَصْرِ أوَّلًا.

ولَمْ يَرَ ابْنُ عَبّاسٍ مَن أحْصُرَهُ المَرَضُ داخِلًا في هَذِهِ الآيَةِ، وقالَ: إنَّ المَرِيضَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ حَلَّ حَيْثُ حُبِسَ، وإنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ لَمْ يَحِلَّ حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ ثُمَّ لا قَضاءَ عَلَيْهِ.

قالَ: وإنَّما قالَ اللهُ: ﴿ فَإذا أمِنتُمْ ﴾ ، والأمْنُ إنَّما هو مِنَ العَدُوِّ فَلَيْسَ المَرِيضُ في الآيَةِ.

و"ما" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ فالواجِبُ، أو فَعَلَيْكم ما اسْتَيْسَرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ فانْحَرُوا، أو فاهْدُوا.

و ﴿ فَما اسْتَيْسَرَ ﴾ -عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ-: شاةٌ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: "ما اسْتَيْسَرَ": جَمَلٌ دُونَ جَمَلٍ، وبَقْرَةٌ دُونَ بَقَرَةٍ.

وقالَ الحَسَنُ: أعْلى الهَدْيِ بِدَنَةٌ، وأوسَطُهُ بَقَرَةٌ، وأخَسُّهُ شاةٌ.

و"الهَدْيُ": جَمْعُ هَدْيَةٍ كَجَدْيَةِ السَرْجِ، وهي البُرادُ جَمْعُها جُدْيٌ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الهَدْيُ" مَصْدَرًا سُمِّيَ بِهِ كالرَهْنِ ونَحْوِهِ، فَيَقَعُ لِلْإفْرادِ ولِلْجَمْعِ.

وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: لا أعْرِفُ لِهَذِهِ اللَفْظَةِ نَظِيرًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ ﴾ الآيَةُ، الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ: مُحْصَرٌ ومُخْلى: ومِنَ العُلَماءِ مَن يَراها لِلْمُحْصِرِينَ خاصَّةُ.

وَمَحِلُّ الهَدْيِ حَيْثُ يَحِلُّ نَحْرُهُ، وذَلِكَ لِمَن لَمْ يُحْصَرْ بِمِنى، ولِمَن أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ حَيْثُ أُحْصِرَ إذا لَمْ يُمْكِنْ إرْسالُهُ.

وأمّا المَرِيضُ فَإنْ كانَ لَهُ هَدْيٌ فَيُرْسِلُهُ إلى مَحِلِّهِ.

والتَرْتِيبُ: أنْ يَرْمِيَ الحاجُّ الجَمْرَةَ، ثُمَّ يَنْحَرُ، ثُمَّ يَحْلِقُ، ثُمَّ يَطُوفُ طَوافَ الإفاضَةِ، فَإنْ نَحَرَ رَجُلٌ قَبْلَ الرَمْيِ أو حَلَقَ قَبْلَ النَحْرِ فَلا حَرَجَ حَسَبَ الحَدِيثِ ولا دَمَ.

وقالَ قَوْمٌ: لا حَرَجَ في الحَجِّ ولَكِنْ يُهْرِقُ دَمًا.

وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونَ - مِن أصْحابِنا -: إذا حَلَقَ قَبْلَ أنْ يَنْحَرَ فَلْيَهْدِ.

وإنْ حَلَقَ رَجُلٌ قَبْلَ أنْ يَرْمِيَ فَعَلَيْهِ دَمٌ قَوْلًا واحِدًا في المَذْهَبِ.

قالَ ابْنُ المَوّازِ، عن مالِكٍ: ويَمُرُّ المُوسى عَلى رَأْسِهِ بَعْدَ الرَمْيِ، ولا دَمَ في ذَلِكَ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وجَماعَةٍ مَعَهُ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ: "الهَدِيَّ" بِكَسْرِ الدالِ وشَدِّ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ واحِدَتُهُ هَدِيَّةٌ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عن عاصِمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا ﴾ الآيَةُ، والمَعْنى: فَحَلَقَ لِإزالَةِ الأذى "فَفِدْيَةٌ"، وهَذا هو فَحْوى الخِطابِ عِنْدَ أكْثَرِ الأُصُولِيِّينَ.

«وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ حِينَ رَآهُ رَسُولُ اللهِ  ورَأسُهُ يَتَناثَرُ قَمْلًا فَأمَرَهُ بِالحَلّاقِ»، ونَزَلَتِ الرُخْصَةُ.

و"فِدْيَةٌ" رُفِعَ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ.

والصِيامُ عِنْدَ مالِكٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وإبْراهِيمَ، وغَيْرِهِمْ، وجَمِيعِ أصْحابِ مالِكٍ: ثَلاثَةُ أيّامٍ.

والصَدَقَةُ: سِتَّةُ مَساكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ، وذَلِكَ مُدّانِ بِمُدٍّ النَبِيُّ  ، والنُسُكُ: شاةٌ بِإجْماعٍ، ومَن ذَبَحَ أفْضَلَ مِنها فَهو أفْضَلُ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعِكْرِمَةُ: الصِيامُ عَشْرَةُ أيّامٍ، والإطْعامُ عَشَرَةُ مَساكِينَ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "أو نُسْكٌ" بِسُكُونِ السِينِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: النُسُكُ: شاةٌ، فَإنْ لَمْ يَجِدْها فَقِيمَتُها يُشْتَرى بِها طَعامٌ فَيُطْعَمُ مِنهُ مُدّانِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدِ القِيمَةَ عَرَّفَها، وعَرَّفَ ما يُشْتَرى بِها مِنَ الطَعامِ، وصامَ عن كُلِّ مَدِينٍ يَوْمًا.

قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ذَلِكَ كُلُّهُ حَيْثُ شاءَ، وقالَهُ إبْراهِيمُ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ وأصْحابِهِ، إلّا ابْنَ الجَهْمِ فَإنَّهُ قالَ: لا يَكُونُ النُسُكُ إلّا بِمَكَّةَ.

وقالَ عَطاءٌ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- وأصْحابُ الرَأْيِ: النُسُكُ بِمَكَّةَ، والصِيامُ والإطْعامُ حَيْثُ شاءَ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وطاوُوسٌ وعَطاءٌ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، والشافِعِيٌّ: النُسُكُ والإطْعامُ بِمَكَّةَ، والصِيامُ حَيْثُ شاءَ.

والمُفْتَدِي مُخَيَّرٌ في أيِّ هَذِهِ الثَلاثَةِ شاءَ، وكَذَلِكَ قالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ في كُلِّ ما في القُرْآنِ، أو فَإنَّهُ عَلى التَخْيِيرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا أمِنتُمْ ﴾ ، قالَ عَلْقَمَةُ، وعُرْوَةُ: المَعْنى: إذا بَرِئْتُمْ مِن مَرَضِكُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: إذا أمِنتُمْ مِن خَوْفِكم مِنَ العَدُوِّ المُحْصَرِ، وهَذا أشْبَهُ بِاللَفْظِ، إلّا أنْ يَتَخَيَّلَ الخَوْفَ مِنَ المَرَضِ، فَيَكُونُ الأمْنُ مِنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ ﴾ الآيَةُ.

قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ، وعَلْقَمَةُ، وإبْراهِيمُ: الآيَةُ في المُحْصِرِينَ دُونَ المُخْلى سَبِيلُهُمْ، وصُورَةُ المُتَمَتِّعِ عِنْدَ ابْنِ الزُبَيْرِ أنْ يُحْصَرَ الرَجُلُ حَتّى يَفُوتَهُ الحَجُّ، ثُمَّ يَصِلُ إلى البَيْتِ، فَيَحِلُّ بِعُمْرَةٍ، ويَقْضِي الحَجَّ مِن قابِلٍ، فَهَذا قَدْ تَمَتَّعَ بِما بَيْنَ العُمْرَةِ إلى حَجِّ القَضاءِ.

وصُورَةُ المُتَمَتِّعِ المَحْصَرِ عِنْدَ غَيْرِهِ أنْ يُحْصَرَ فَيَحِلُّ دُونَ عُمْرَةٍ ويُؤَخِّرُها حَتّى يَأْتِيَ مِن قابِلٍ فَيَعْتَمِرُ في أشْهُرِ الحَجِّ ويَحُجُّ مِن عامِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الآيَةُ في المُحْصِرِينَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ.

وصُورَةُ المُتَمَتِّعِ أنْ تَجْتَمِعَ فِيهِ سِتَّةُ شُرُوطٍ: أنْ يَكُونَ مُعْتَمِرًا في أشْهُرِ الحَجِّ، وَهُوَ مِن غَيْرِ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، ويَحِلُّ، ويُنْشِئُ الحَجَّ مِن عامِهِ ذَلِكَ، دُونَ رُجُوعٍ إلى وطَنِهِ، أو ما ساواهُ بُعْدًا.

هَذا قَوْلُ مالِكٍ وأصْحابِهِ.

واخْتُلِفَ لِمَ سُمِّيَ مُتَمَتِّعًا؟

فَقالَ ابْنُ القاسِمِ: لِأنَّهُ تَمَتَّعَ بِكُلِّ ما لا يَجُوزُ لِلْمُحَرَّمِ فِعْلُهُ، مِن وقْتٍ حِلِّهِ في العُمْرَةِ إلى وقْتِ إنْشائِهِ الحَجَّ، وقالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَ مُتَمَتِّعًا لِأنَّهُ تَمَتَّعَ بِإسْقاطِ أحَدِ السَفَرَيْنِ، وذَلِكَ أنَّ حَقَّ العُمْرَةِ أنْ تُقْصَدَ بِسَفْرَةٍ، وحَقُّ الحَجِّ كَذَلِكَ، فَلَمّا تَمَتَّعَ بِإسْقاطِ أحَدِهِما ألْزَمَهُ اللهُ هَدْيًا، كالقارِنِ الَّذِي يَجْمَعُ الحَجَّ والعُمْرَةَ في سَفَرٍ واحِدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ شِدَّةٌ عَلى القادِمِ مَكَّةَ مِن سائِرِ الأقْطارِ لِما أسْقَطَ سَفَرًا، والمَكِّيُّ لا يَقْتَضِي حالُهُ سَفَرًا، في عُمْرَةٍ ولا حَجٍّ، لِأنَّهُ في بُقْعَةِ الحَجِّ.

فَلَمْ يَلْزَمْ شَيْئًا لِأنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ شَيْئًا، ومَن قالَ إنَّ اسْمَ التَمَتُّعِ وحُكْمَهُ إنَّما هو مِن جِهَةِ التَمَتُّعِ بِالنِساءِ والطِيبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يَسْتَغْرِقُ قَوْلَهُ: ﴿ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ ﴾ المَكِّيُّ وغَيْرُهُ عَلى السَواءِ في القِياسِ، فَكَيْفَ يَشْتَدُّ مَعَ ذَلِكَ عَلى الغَرِيبِ الَّذِي هو أعْذَرُ، ويُلْزِمُ هَدْيًا ولا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالمَكِّيِّ؟

فَيَتَرَجَّحُ بِهَذا النَظَرِ أنَّ التَمَتُّعَ إنَّما هو مِن أجْلِ إسْقاطِ أحَدِ السَفَرَيْنِ.

إلّا أنَّ أبا عُبَيْدٍ قالَ -فِي كِتابِ الناسِخِ والمَنسُوخِ لَهُ-: إنَّ العُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ مَمْنُوعَةٌ لِلْمَكِّيِّ، لا تَجُوزُ لَهُ، ورَخَّصَ اللهُ تَعالى لِلْقادِمِ، لِطُولِ بَقائِهِ مُحْرِمًا، وقَرَنَ الرُخْصَةَ بِالهَدْيِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ شِدَّةٌ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، وبِهَذا النَظَرِ يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ التَمَتُّعُ مِن جِهَةِ اسْتِباحَةٍ ما لا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ، لَكِنَّهُ قَوْلٌ شاذٌّ لا يَعَوَّلُ عَلَيْهِ.

وجُلُّ الأُمَّةِ عَلى جَوازِ العُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ لِلْمَكِّيِّ، ولا دَمَ عَلَيْهِ، وذَكَرَ أبُو عُبَيْدٍ القَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، واسْتَنَدَ إلَيْهِ في الَّذِي وافَقَهُ، وقَدْ حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وَقالَ: إنَّهُ قالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ، لا مُتْعَةَ لَكُمْ، إنَّ اللهَ قَدْ أحَلَّها لِأهْلِ الآفاقِ، وحَرَّمَها عَلَيْكُمْ، إنَّما يَقْطَعُ أحَدُكم وادِيًا ثُمَّ يُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ، فَمَعْنى هَذا أنَّهم مَتى أحْرَمُوا دامُوا إلى الحَجِّ.

وقالَ السُدِّيُّ: المُتَمَتِّعُ هو الَّذِي يَفْسَخُ الحَجَّ في العُمْرَةِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عِنْدَ مالِكٍ.

وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ حَدِيثُ سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ.

قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ.

فَسْخُ الحَجِّ في العُمْرَةِ؛ ألَنا خاصَّةً أمْ لِلْأبَدِ؟

فَقالَ: "بَلْ لِأبَدَ أبَدَ"» وإنَّما شَرْطٌ في المُتَمَتِّعِ أنْ يَحِلَّ في أشْهُرِ الحَجِّ، لِأنَّها مُدَّةٌ يَمْلِكُها الحَجُّ، فَمَن كانَ فِيها مُحْرِمًا فَحَقُّهُ أنْ يَصِلَ الإحْرامَ إلى الحَجِّ.

وفي كِتابِ مُسْلِمٍ إيعابُ الأحادِيثِ في هَذا المَعْنى، ومَذْهَبُ عُمَرَ، وقَوْلُ أبِي ذَرٍّ: إنَّ مُتْعَةَ النِساءِ ومُتْعَةَ الحَجِّ خاصَّتانِ لِأصْحابِ النَبِيِّ  .

وقالَ طاوُسٌ: مَنِ اعْتَمَرَ في غَيْرِ أشْهُرِ الحَجِّ ثُمَّ أقامَ حَتّى حَجَّ مِن عامِهِ فَهو مُتَمَتِّعٌ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مَنِ اعْتَمَرَ بَعْدَ يَوْمِ النَحْرِ في بَقِيَّةِ العامِ فَهو مُتَمَتِّعٌ".

وهَذانَ قَوْلانِ شاذّانِ لَمْ يُوافِقْهُما أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ فِيما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا عود إلى الكلام على العمرة فهو عطف على قوله: ﴿ وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا استيسر مِنَ الهدى وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدى مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ [البقرة: 189] الخ وما بينهما استطراد أو اعتراض، على أن عطف الأحكام بعضها على بعض للمناسبة طريقة قرآنية فلك أن تجعل هذه الجملة عطفاً على التي قبلها عطف قصة على قصة.

ولا خلاف في أنّ هذه الآية نزلت في الحديبية سنة ست حين صد المشركون المسلمين عن البيت كما سيأتي في حديث كعب بن عجرة، وقد كانوا ناوين العمرة وذلك قبل أن يفرض الحج، فالمقصود من الكلام هو العمرة؛ وإنما ذكر الحج على وجه الإدماج تبشيراً بأنهم سيتمكنون من الحج فيما بعد، وهذا من معجزات القرآن.

والإتمام إكمال الشيء والإتيان على بقايا ما بقي منه حتى يستوعب جميعه.

ومثل هذا الأمر المتعلق بوصف فعل يقع في كلامهم على وجهين: أحدهما وهو الأكثر أن يكون المطلوب تحصيل وصف خاص للفعل المتعلق به الوصف كالإتمام في قوله تعالى: ﴿ وأتموا الحج ﴾ أي كملوه إن شرعتم فيه، وكذا قوله تعالى: ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ [البقرة: 187] على ما اخترناه وقوله تعالى: ﴿ فأتموا إليهم عهدهم ﴾ [التوبة: 4] ومثله أن تقول: أسرع السير للذي يسير سيراً بطيئاً، وثانيهما أن يجيء الأمر بوصف الفعل مراداً به تحصيل الفعل من أول وهلة على تلك الصفة نظير قوله تعالى: ﴿ ولأتم نعمتي عليكم ﴾ [البقرة: 150]، وذلك كقولك: أسرع السير فادع لي فلاناً تخاطب به مخاطباً لم يشرع في السير بعد، فأنت تأمره بإحداث سير سريع من أول وهلة، ونظيره قولهم: «وَسِّع فمَ الركِية، وقولهم: وسع كم الجُبة وضيق جيبها» أي أوجدها كذلك من أول الأمر، وهذا ضرب من ضروب التعبير ليس بكناية ولا مجاز، ولكنه أمر بمجموع شيئين وهو أقل؛ لأن الشأن أن يكون المطلوب بصيغة الأمر ابتداء هو الحدث الذي منه مادة تلك الصيغة.

والآية تحتمل الاستعمالين، فإن كان الأول فهي أمر بإكمال الحج والعمرة، بمعنى ألا يكون حجاً وعمرة مشوبين بشغب وفتنة واضطراب أو هي أمر بإكمالهما وعدم الرجوع عنهما بعد الإهلال بهما ولا يصدهم عنهما شنآن العدو، وإن كان الثاني فهي أمر بالإتيان بهما تامين أي مستكملين ما شرع فيهما.

والمعنى الأول أظهر وأنسب بالآيات التي قبلها، وكأنَّ هذا التحريض مشير إلى أن المقصود الأهم من الحج والعمرة هنا هما الصَّرورة في الحج وكذا في العمرة على القول بوجوبها.

واللام في (الحج والعمرة) لتعريف الجنس، وهما عبادتان مشهورتان عند المخاطبين متميزتان عن بقية الأجناس، فالحج هو زيارة الكعبة في موسم معين في وقت واحد، للجماعة وفيه وقوف عرفة، والعمرة زيارة الكعبة في غير موسم معين وهي لكل فرد بخصوصه.

وأصل الحج في اللغة بفتح الحاء وكسرها تكرر القصد إلى الشيء أو كثرة قاصديه.

وعن ابن السكيت: الحج كثرة الاختلاف والتردد يقال حج بنو فلان فلاناً أطالوا الاختلاف إليه وفي «الأساس»: فلان تحجه الرفاق أي تقصده اه.

فجعله مفيداً بقصد من جماعة كقول المخبل السعدي واسمه الربيع: وأَشْهَدُ من عَوْففٍ حُلولاً كثِيرةً *** يَحُجُّون سِبَّ الزّبْرَقَاننِ المزعفرا والحج من أشهر العبادات عند العرب وهو مما ورثوه عن شريعة إبراهيم عليه السلام كما حكى الله ذلك بقوله: ﴿ وأذن في الناس بالحج ﴾ [الحج: 27] الآية حتى قيل: إن العرب هم أقدم أمة عرفت عندها عادة الحج، وهم يعتقدون أن زيارة الكعبة سعي لله تعالى قال النابغة يصف الحجيج ورواحلهم: عَلَيْهِنَّ شُعْثٌ عامدونَ لرَبِّهمِ *** فهن كأطراف الحَنيِّ خَوَاشِع وكانوا يتجردون عند الإحرام من مخيط الثياب ولا يمسون الطيب ولا يقربون النساء ولا يصطادون، وكان الحج طوافاً بالبيت وسعياً بين الصفا والمروة ووقوفاً بعرفة ونحراً بمنى.

وربما كان بعض العرب لا يأكل مدة الحج أقطاً ولا سمناً أي لأنه أكل المترفهين ولا يستظل بسقف، ومنهم من يحج متجرداً من الثياب، ومنهم من لا يستظل من الشمس، ومنهم من يحج صامتاً لا يتكلم، ولا يشربون الخمر في أشهر الحج، ولهم في الحج مناسك وأحكام ذكرناها في «تاريخ العرب».

وكان للأمم المعاصرة للعرب حجوج كثيرة، وأشهر الأمم في ذلك اليهود فقد كانوا يحجون إلى الموضع الذي فيه تابوت العهد أي إلى هيكل (أورشليم) وهو المسجد الأقصى ثلاث مرات في السنة ليذبحوا هناك فإن القرابين لا تصح إلاّ هناك ومن هذه المرات مرة في عيد الفصح.

واتخذت النصارى زيارات كثيرة، حجاً، أشهرها زياراتهم لمنازل ولادة عيسى عليه السلام وزيارة (أورشليم)، وكذا زيارة قبر (ماربولس) وقبر (ماربطرْس) برومة، ومن حج النصارى الذي لا يعرفه كثير من الناس وهو أقدم حجهم أنهم كانوا قبل الإسلام يحجون إلى مدينة (عسقلان) من بلاد السواحل الشامية، والمظنون أن الذين ابتدعوا حجها هم نصارى الشام من الغساسنة لقصد صرف الناس عن زيارة الكعبة وقد ذكره سحيم عبدُ بني الحسحاس وهو من المخضرمين في قوله يصف وحوشاً جرفها السيل: كأَنَّ الوُحُوشَ به عَسقَلاَ *** نُ صادفْنَ في قَرْن حَجِّ ذِيَافا أي أصابهن سم فقتلهن وقد ذكر ذلك أئمة اللغة.

وقد كان للمصريين والكلدان حج إلى البلدان المقدسة عندهم، ولليونان زيارات كثيرة لمواقع مقدسة مثل أولمبيا وهيكل (زفس) وللهنود حجوج كثيرة.

والمقصود من هذه الآية إتمام العمرة التي خرجوا لقضائها، وذِكُر الحج معها إدماج، لأن الحج لم يكن قد وجب يومئذٍ، إذ كان الحج بيد المشركين ففي ذكره بشارة بأنه يوشك أن يصير في قبضة المسلمين.

وأما العمرة فهي مشتقة من التعمير وهو شغل المكان ضد الإخلاء ولكنها بهذا الوزن لا تطلق إلاّ على زيارة الكعبة في غير أشهر الحج، وهي معروفة عند العرب وكانوا يجعلون ميقاتها ما عدا أشهر ذي الحجة والمحرم وصفر، فكانوا يقولون " إذا برئ الدبر، وعفا الأثر، وخرج صفر، حلت العمرة لمن اعتمر " ولعلهم جعلوا ذلك لتكون العمرة بعد الرجوع من الحج وإراحة الرواحل.

واصطلح المضَريُّون على جعل رجب هو شهر العمرة ولذلك حرمته مضر فلقب برجب مضر، وتبعهم بقية العرب، ليكون المسافر للعمرة آمناً من عدوه؛ ولذلك لقبوا رجباً (منصل الأسنة) ويرون العمرة في أشهر الحج فجوراً.

وقوله ﴿ لله ﴾ أي لأجل الله وعبادته والعرب من عهد الجاهلية لا ينوون الحج إلاّ لله ولا العمرة إلاّ له، لأن الكعبة بيت الله وحرمه، فالتقييد هنا بقوله ﴿ لله ﴾ تلويح إلى أن الحج والعمرة ليسا لأجل المشركين وإن كان لهم فيهما منفعة وكانوا هم سدنة الحرم، وهم الذين منعوا المسلمين منه، كي لا يسأم المسلمون من الحج الذي لاقوا فيه أذى المشركين، فقيل لهم إن ذلك لا يصد عن الرغبة في الحج والعمرة لأنكم إنما تحجون لله لا لأجل المشركين ولأن الشيء الصالح المرغوب فيه إذا حف به ما يكدره لا ينبغي أن يكون ذلك صارفاً عنه، بل يجب إزالة ذلك العارض عنه، ومن طرق إزالته القتال المشار إليه بالآيات السابقة.

ويجوز أن يكون التقييد بقوله: ﴿ لله ﴾ لتجريد النية مما كان يخامر نوايا الناس في الجاهلية من التقرب إلى الأصنام، فإن المشركين لما وضعوا هبلاً على الكعبة ووضعوا إسافاً ونائلة على الصفا والمروة قد أشركوا بطوافهم وسعيهم الأصنام مع الله تعالى.

وقد يكون القصد من هذا التقييد كلتا الفائدتين.

وليس في الآية حجة عند مالك وأبي حنيفة رحمهما الله على وجوب الحج ولا العمرة ولكن دليل حكم الحج والعمرة عندهما غير هذه الآية، وعليه فمجمل الآية عندهما على وجوب هاتين العبادتين لمن أحرم لهما، فأما مالك فقد عدهما من العبادات التي تجب بالشروع فيها وهي سبع عبادات عندنا هي الصلاة، والصيام، والاعتكاف، والحج، والعمرة، والطواف، والائتمام، وأما أبو حنيفة فقد أوجب النوافل كلها بالشروع.

ومن لم ير وجوب النوافل بالشروع ولم ير العمرة واجبة يجعل حكم إتمامها كحكم أصلْ الشروع فيها ويكون الأمر بالإتمام في الآية مستعملاً في القدر المشترك من الطلب اعتماداً على القرائن، ومن هؤلاء من قرأ، (والعمرةُ) بالرفع حتى لا تكون فيما شمله الأمر بالإتمام بناء على أن الأمر للوجوب فيختص بالحج.

وجعلها الشافعية دليلاً على وجوب العمرة كالحج، ووجه الاستدلال له أن الله أمر بإتمامها فإما أن يكون الأمر بالإتمام مراداً به الإتيان بهما تامين أي مستجمعي الشرائط والأركان، فالمراد بالإتمام المعنى الشرعي على أحد الاستعمالين السابقين، قالوا: إذ ليس هنا كلام على الشروع حتى يؤمر بالإتمام، ولأنه معضود بقراءة «وأقيموا الحج» وإما أن يكون المراد بالإتمام هنا الإتيان على آخر العبادة فهو يستلزم الأمر بالشروع، لأن الإتمام يتوقف على الشروع، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فيكون الأمر بالإتمام كناية عن الأمر بالفعل.

والحق أن حمل الأمر في ذلك بأصل الماهية لا بصفتها استعمال قليل كما عرفت، وقراءة: «وأقيموا» لشذوذها لا تكون داعياً للتأويل، ولا تتنزل منزلة خبر الآحاد، إذا لم يصح سندها إلى من نسبت إليه وأما على الاحتمال الأول فلأن التكني بالإتمام عن إيجاب الفعل مصير إلى خلال الظاهر مع أن اللفظ صالح للحمل على الظاهر؛ بأن يدل على معنى: إذا شرعتم فأتموا الحج والعمرة، فيكون من دلالة الاقتضاء ويكون حقيقة وإيجازاً بديعاً، وهو الذي يؤذن به السياق كما قدمنا، لأنهم كانوا نووا العمرة، على أن شأن إيجاب الوسيلة بإيجاب المتوسل إليه أن يكون المنصوص على وجوبه هو المقصد فكيف يدعي الشافعية أن ﴿ أتموا ﴾ هنا مراد منه إيجاب الشروع، لأن ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب كما أشار له العصام.

فالحق أن الآية ليست دليلاً لحكم العمرة.

وقد اختلف العلماء في حكمها: فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها سنة قال مالك: لا أعلم أحداً رخص في تركها وهذا هو مذهب جابر ابن عبد الله وابن مسعود من الصحابة والنخعي من التابعين.

وذهب الشافعي وأحمد وابن الجهم من المالكية إلى وجوبهما، وبه قال عمر وابن عمر وابن عباس من الصحابة وعطاء، وطاووس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي وسعيد بن جبير، وأبو بردة، ومسروق، وإسحاق بن راهويه.

ودليلنا حديث جابر بن عبد الله، " قيل: يا رسول الله العمرة واجبة مثل الحج فقال: لا، وأن تعتمروا فهو أفضل " أخرجه الترمذي، لأن عبادة مثل هذه لو كانت واجبة لأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم ولا يثبت وجوبها بتلفيقات ضعيفة، وقد روي عن ابن مسعود أنه كان يقول: لولا التحرج وأني لم أسمع من رسول الله في ذلك شيئاً لقلت: العمرة واجبة اه محل الاحتجاج قوله: لم أسمع الخ، ولأن الله تعالى قال: ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ [آل عمران: 97] ولم يذكر العمرة، ولأنه لا يكون عبادتان واجبتان هما من نوع واحد.

ولأن شأن العبادة الواجبة أن تكون مؤقتة.

واحتج أصحابنا أيضاً بحديث: " بني الإسلام على خمس " وحديث جبريل في الإيمان والإسلام ولم يذكر فيهما العمرة، وحديث الأعرابي الذي قال: " لا أزيد ولا أنقص: فقال: أفلح إن صدق " ولم يذكر العمرة ولم يحتج الشافعية بأكثر من هذه الآية، إذ قرنت فيها مع الحج، وبقول بعض الصحابة وبالإحتياط.

واحتج عمر بن الخطاب بهذه الآية على منع التمتع وهو الإحرام بعمرة ثم الحل منها في مدة الحج ثم الحج في عامه ذلك قبل الرجوع إلى بلده، ففي البخاري أخرج حديث أبي موسى الأشعري قال: " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوم باليمن فجئتُ وهو بالبطحاء (عام حجة الوداع) فقال: بم أهللت؟

فقلت: أهللت كإهلال النبي قال: أحسنت هل معك من هدى قلت: لا، فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أمرني فأحللت فأتيت امرأة من قومي فمشطتني أو غسلت رأسي، ثم أهللت بالحج فكنت أفتي الناس به حتى خلافة عمر فذكرته له فقال: أن نأخذ بكتاب الله، فإنه يأمرنا بالتمام، قال تعالى: ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ وأن نأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يحل حتى بلغ الهدي محله " يريد عمر والله أعلم أن أبا موسى أهل بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم والنبي كان مهلاً بحجة وعمرة معاً فهو قارن والقارن متلبس بحج، فلا يجوز أن يحل في أثناء حجه وتمسك بفعل الرسول عليه السلام أنه كان قارناً ولمن يحل، وهذا مبني على عدم تخصيص المتواتر بالآحاد كما هو قوله في حديث فاطمة ابنة قيس في النفقة.

وقوله: ﴿ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ﴾ عطف على ﴿ أتموا ﴾ ، والفاء للتفريع الذكري فإنه لما أمر بإتمام الحج والعمرة ذكر حكم ما يمنع من ذلك الإتمام.

ولا سيما الحج؛ لأن وقته يفوت غالباً بعد ارتفاع المانع، بخلاف العمرة.

والإحصار في كلام العرب منع الذات من فعل ما، يقال: أحصره منعه مانع قال تعالى: ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ [البقرة: 273] أي منعهم الفقر من السفر للجهاد وقال ابن ميادة: وما هَجرُ ليلى أَن تكون تباعدتْ *** عليك ولا أنْ أحْصَرَتْكَ شغول وهو فعل مهموز لم تكسبه همزته تعدية، لأنه مرادف حصره ونظيرهما صده وأصده.

هذا قول المحققين من أئمة اللغة، ولكن كثر استعمال أحصر المهموز في المنع الحاصل من غير العدو، وكثر استعمال حصر المجرد في المنع من العدو، قال: ﴿ وخذوهم واحصروهم ﴾ [التوبة: 5] فهو حقيقة في المعنيين ولكن الاستعمال غلب أحدهما في أحدهما كما قال الزمخشري في «الكشاف»، ومن اللغويين من قال: أحصر حقيقة في منع غير العدو وحصر حقيقة في منع العدو وهو قول الكسائي وأبي عبيدة والزجاج، ومن اللغويين من عكس وهو ابن فارس لكنه شاذ جداً.

وجاء الشرط بحرف (إن) لأن مضمون الشرط كريه لهم فألقى إليهم الكلام إلقاء الخبر الذي يشك في وقوعه، والمقصود إشعارهم بأن المشركين سيمنعونهم من العمرة.

وقد اختلف الفقهاء في المراد من الإحصار في هذه الآية على نحو الاختلاف في الوضع أو في الاستعمال والأظهر عندي أن الإحصار هنا أطلق على ما يعم المنع من عدو أو من غيره بقرينة قوله تعالى عقبه: ﴿ فإذا أمنتم ﴾ فإنه ظاهر قوي في أن المراد منه الأمن من خوف العدو، وأن هذا التعميم فيه قضاء حق الإيجاز في جمع أحكام الإحصار ثم تفريقها كما سأبينه عند قوله تعالى: ﴿ فإذا أمنتم ﴾ ، وكأنَّ هذا هو الذي يراه مالك رحمه الله، ولذلك لم يحتج في «الموطأ» على حكم الإحصار بغير عدو بهذه الآية، وإنما احتج بالسنة.

وقال جمهور أصحابه أريد بها المنع الحاصل من مرض ونحوه دون منع العدو، بناء على أن إطلاق الإحصار على هذا المنع هو الأكثر في اللغة.

ولأن هذه الآية جعلت على المُحْصَر هدياً ولم ترد السنة بمشروعية الهدي فيمن حصره العدو أي مشروعية الهدي لأجل الإحصار أما من ساق معه الهدي فعليه نسكه لا لأجل الإحصار، ولذلك قال مالك بوجوب الهدي على من أحصر بمرض أو نفاس أو كَسْر من كل ما يمنعه أن يقف الموقف مع الناس مع وجوب الطواف والسعي عند زوال المانع ووجوب القضاء من قابل لما في «الموطأ» من حديث معبد بن حزابة المخزومي أنه صرع ببعض طريق مكة وهو محرم فسأل ابنَ عمر وابنَ الزبير ومروانَ بنَ الحَكَم فكلهم أمره أن يتداوى ويفتدي، فإذا أصح اعتمر، فحل من إحرامه ثم عليه حج قابل، وأن عمر بن الخطاب أمر بذلك أبا أيوب وهَبَّار بن الأسود حين فاتهما وقوف عرفة، بخلاف حصار العدو، واحتج في «الموطأ» بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحداً من أصحابه ولا من كان معه أن يقضوا شيئاً ولا أن يعودوا لشيء، ووجَّه أصحابنا ذلك بالتفرقة؛ لأن المانع في المرض ونحوه من ذات الحاج؛ فلذلك كان مطالبَاً بالإتمام، وأما في إحصار العدو فالمانع خارجي، والأظهر في الاستدلال أن الآية وإن صلحت لكل منع لكنها في منع غير العدو أظهر وقد تأيدت أظهريتها بالسنة.

وقال الشافعي: لا قضاء فيهما وهو ظاهر الآية للاقتصار على الهدي وهو اقتصار على مفهوم الآية ومخالفة ما ثبت بالسنة، وقال أبو حنيفة: كل منع من عدُو أو مرض فيه وجوب القضاء والهدي ولا يجب عليه طواف ولا سَعْي بعد زوال عذره بل إن نحر هديه حل والقضاء عليه.

ولا يلزمه ما يقتضيه حديث الحديبية؛ لأن الآية إن كانت نزلت بعده فعمومها نسخ خصوص الحديث، وإن نزلت قبله فهو آحاد لا يخصص القرآن عنده، على أن حديث الحديبية متواتر؛ لأن الذين شهدوا النبي صلى الله عليه وسلم يومئذٍ يزيدون على عدد التواتر، ولم ينقل عنهم ذلك مع أنه مما تتوافر الدواعي على نقله.

وقال الشافعي: المراد هنا منع العدو بقرينة قوله ﴿ فإذا أمنتم ﴾ ولأنها نزلت في عام الحديبية وهو إحصار عدوّ؛ ولذلك أوجب الهدي على المحصر أما محصر العدوّ فبنصّ الآية، وأما غيره فبالقياس عليه.

وعليه: إن زال عذره فعليه الطواف بالبيت والسعي، ولم يقل بوجوب القضاء عليه؛ إذ ليس في الآية ولا في الحديث.

وقوله: ﴿ فما استيسر من الهدى ﴾ جواب الشرط وهو مشتمل على أحد ركني الإسناد وهو المسند إليه دون المسند فلا بد من تقدير دل عليه قوله: ﴿ من الهدي ﴾ وقدره في «الكشاف» فعليكم، والأظهر أن يقدر فعل أمر أي فاهدوا ما استيسر من الهدي، وكلا التقديرين دال على وجوب الهدي.

ووجوبه في الحج ظاهر وفي العمرة كذلك؛ بأنها مما يجب إتمامه بعد الإحرام باتفاق الجمهور.

و (استيسر) هنا بمعنى يسر فالسين والتاء للتأكيد كاستعصب عليه بمعنى صعب أي ما أمكن من الهدي بإمكان تحصيله وإمكان توجيهه، فاستيسر هنا مراد جميع وجوه التيسر.

والهدي اسم الحيوان المتقرب به لله في الحج فهو فَعْل من أهدى، وقيل هو جمع هدية كما جمعت جدية السرج على جدي ()، فإن كان اسماً فمن بيانية، وإن كان جمعاً فمن تبعيضية، وأقل ما هو معروف عندهم من الهدي الغنم، ولذلك لم يبينه الله تعالى هنا، وهذا الهدي إن كان قد ساقه قاصد الحج والعمرة معه ثم أحصر فالبعث به إن أمكن واجب، وإن لم يكن ساقه معه فعليه توجيهه على الخلاف في حكمه من وجوبه وعدمه، والمقصود من هذا تحصيل بعض مصالح الحج بقدر الإمكان، فإذا فاتت المناسك لا يفوت ما ينفع فقراء مكة ومن حولها.

وقوله: ﴿ ولا تحلقوا رؤوسكم ﴾ الآية بيان لملازمة حالة الإحرام حتى ينحر الهدي، وإنما خص النهي عن الحلق دون غيره من منافيات الإحرام كالطيب تمهيداً لقوله: ﴿ فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ﴾ ويعلم استمرار حكم الإحرام في البقية بدلالة القياس والسياق وهذا من مستتبعات التراكيب وليس بكناية عن الإحلال لعدم وضوح الملازمة.

والمقصود من هذا تحصيل بعض ما أمكن من أحوال المناسك وهو استبقاء الشعث المقصود في المناسك.

والمحل بفتح الميم وكسر الحاء مكان الحلول أو زمانه يقال: حل بالمكان يحل بكسر الحاء وهو مقام الشيء والمراد به هنا مبلغه وهو ذبحه للفقراء، وقيل محله: هو محل ذبح الهدايا وهو منى والأول قول مالك.

وقوله: ﴿ فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ﴾ الآية، المراد مرض يقتضي الحلق سواء كان المرض بالجسد أم بالرأس، وقوله: ﴿ أو به أذى من رأسه ﴾ كناية عن الوسخ الشديد والقمل، لكراهية التصريح بالقمل.

وكلمة (من) للابتداء أي أذى ناشئ عن رأسه.

وفي البخاري عن كعب بن عجرة قال: «حملت إلى النبي والقمل يتناثر على وجهي، فقال ما كنت أرى الجهد قد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟

قلت: لا، قال: صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك، فنزلت هذه الآية فيَّ خاصة وهي لكم عامة اه» ومن لطائف القرآن ترك التصريح بما هو مرذول من الألفاظ.

وقوله: ﴿ ففدية من صيام ﴾ محذوف المسند إليه لظهوره أي عليه، والمعنى فليحلق رأسه وعليه فدية، وقرينة المحذوف قوله: ﴿ ولا تحلقوا رؤوسكم ﴾ وقد أجمل الله الفدية ومقدارها وبينه حديث كعب بن عجرة.

والنسك بضمتين وبسكون السين مع تثليث النون العبادة ويطلق على الذبيحة المقصود منها التعبد وهو المراد هنا مشتق من نَسك كنصر وكرم إذا عبد وذبح لله وسمي العابد ناسكاً، وأغلب إطلاقه على الذبيحة المتقرب بها إلى معبود وفي الحديث: «والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم» يعني الضحية.

الفاء للعطف على ﴿ أحصرتم ﴾ إن كان المراد من الأمن زوال الإحصار المتقدم، ولعلها نزلت بعد أن فرض الحج، لأن فيها ذكر التمتع وذكر صيام المتمتع إن لم يجد هدياً ثلاثة أيام في مدة الحج وسبعة إذا رجع إلى أفقه وذلك لا يكون إلاّ بعد تمكنهم من فعل الحج.

والفاء لمجرد التعقيب الذكري.

وجيء بإذا لأن فعل الشرط مرغوب فيه، والأمن ضد الخوف، وهو أيضاً السلامة من كل ما يخاف منه أمن كفرح أمناً، أماناً، وأمناً، وآمنة وإمناً بكسر الهمزة وهو قاصر بالنسبة إلى المأمون منه فيتعدى بمن تقول: أمنت من العدو، ويتعدى إلى المأمون تقول: أمنت فلاناً إذا جعلته آمناً منك، والأظهر أن الأمن ضد الخوف من العدو ما لم يصرح بمتعلقه وفي القرآن ﴿ ثم أبلغه مأمنه ﴾ [التوبة: 6] فإن لم يذكر له متعلق نزل منزلة اللازم فدل على عدم الخوف من القتال وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ رب اجعل هذا بلداً آمناً ﴾ [البقرة: 126].

وهذا دليل على أن المراد بالإحصار فيما تقدم ما يشمل منع العدو ولذلك قيل (إذا أمنتم) ويؤيده أن الآيات نزلت في شأن عمرة الحديبية كما تقدم فلا مفهوم للشرط هنا؛ لأنه خرج لأجل حادثة معينة، فالآية دلت على حكم العمرة، لأنها لا تكون إلاّ مع الأمن، وذلك أن المسلمين جاءوا في عام عمرة القضاء معتمرين وناوين إن مكنوا من الحج أن يحجوا، ويعلم حكم المريض ونحوه إذا زال عنه المانع بالقياس على حكم الخائف.

وقوله: ﴿ فمن تمنع ﴾ جواب (إذا) والتقدير فإذا أمنتم بعد الإحصار وفاتكم وقت الحج وأمكنكم أن تعتمروا فاعتمروا وانتظروا الحج إلى عام قابل، واغتنموا خير العمرة فمن تمتع بالعمرة فعليه هدي عوضاً عن هدي الحج، فالظاهر أن صدر الآية أريد به الإحصار الذي لا يتمكن معه المحصر من حج ولا عمرة، وأن قوله ﴿ فإذا آمنتم ﴾ أريد به حصول الأمن مع إمكان الإتيان بعمرة وقد فات وقت الحج، أي أنه فاته الوقت ولم يفته مكان الحج، ويعلم أن من أمن وقد بقي ما يسعه بأن يحج عليه أن يحج.

ومعنى ﴿ تمتع بالعمرة إلى الحج ﴾ انتفع بالعمرة عاجلاً، والانتفاع بها إما بمعنى الانتفاع بثوابها، أو بسقوط وجوبها إن قيل إنها واجبة مع إسقاط السفر لها إذ هو قد أداها في سفر الحج، وإما بمعنى الانتفاع بالحل منها ثم إعادة الإحرام بالحج فانتفع بألا يبقى في كلفة الإحرام مدة طويلة، وهذا رخصة من الله تعالى، إذ أباح العمرة في مدة الحج بعد أن كان ذلك محظوراً في عهد الجاهلية إذ كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أعظم الفجور.

فالباء في قوله: ﴿ بالعمرة ﴾ صلة فعل ﴿ تمتع ﴾ ، وقوله ﴿ إلى الحج ﴾ متعلق بمحذوف دل عليه معنى (إلى) تقديره متربصاً إلى وقت الحج أو بالغاً إلى وقت الحج أي أيامه وهي عشر ذي الحجة وقد فهم من كلمة (إلى) أن بين العمرة والحج زمناً لا يكون فيه المعتمر محرماً وهو الإحلال الذي بين العمرة والحج في التمتع والقران، فعليه ما استيسر من الهدي لأجل الإحلال الذي بين الإحرامين، وهذا حيث لم يهد وقت الإحصار فيما أراه والله أعلم.

والآية جاءت بلفظ التمتع على المعنى اللغوي أي الانتفاع وأشارت إلى ما سماه المسلمون بالتمتع وبالقران وهو من شرائع الإسلام التي أبطل بها شريعة الجاهلية، واسم التمتع يشملها لكنه خص التمتع بأن يحرم الحاج بعمرة في أشهر الحج ثم يحل منها ثم يحج من عامه ذلك قبل الرجوع إلى أفقه، وخص القران بأن يقرن الحج والعمرة في إهلال واحد ويبدأ في فعله بالعمرة ثم يحل منها ويجوز له أن يردف الحج على العمرة كل ذلك شرعه الله رخصة للناس، وإبطالاً لما كانت عليه الجاهلية من منع العمرة في أشهر الحج، وفرض الله عليه الهدي جبراً لما كان يتجشمه من مشقة الرجوع إلى مكة لأداء العمرة كما كانوا في الجاهلية ولذلك سماه تمتعاً.

وقد اختلف السلف في التمتع وفي صفته فالجمهور على جوازه، وأنه يحل من عمرته التي أحرم بها في أشهر الحج ثم يحرم بعد ذلك في حجة في عامه ذلك، وكان عثمان بن عفان لا يرى التمتع وينهى عنه في خلافته، ولعله كان يتأول هذه الآية بمثل ما تأولها ابن الزبير كما يأتي قريباً، وخالفه علي وعمران بن حصين، وفي البخاري عن عمران بن حصين تمتعنا على عهد النبي ونزل القرآن ثم قال رجل من برأيه ما شاء (يريد عثمان)، وكان عمر بن الخطاب لا يرى للقارن إذا أحرم بعمرة وبحجة معاً وتمم السعي بين الصفا والمروة أن يحل من إحرامه حتى يحل من إحرام حجه فقال له أبو موسى الأشعري إني جئت من اليمن فوجدت رسول الله بمكة محرماً (أي عام الوداع) فقال لي بم أهللت؟

قلت أهللت بإهلال كإهلال النبي فقال لي هل معك هدي قلت لا فأمرني فطفت وسعيت ثم أمرني فأحللت وغسلت رأسي ومشطتني امرأة من عبد القيس، فلما حدث أبو موسى عمر بهذا قال عمر: «إن نأخذ بكتاب الله فهو يأمرنا بالإتمام وإن نأخذ بسنة رسوله فإنه لم يحل حتى بلغ الهدي محله»، وجمهور الصحابة والفقهاء يخالفون رأي عمر ويأخذون بخبر أبي موسى؛ وبحديث علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن معي الهدي لأحللت» وقد ينسب بعض الناس إلى عمر أنه لا يرى جواز التمتع وهو وهم إنما رأى عمر لا يجوز الإحلال من العمرة في التمتع إلى أن يحل من الحج وذلك معنى قوله فإنه لم يحل حتى بلغ الهدي محله، فلعله رأى الإحلال للمتلبس بنية الحج منافياً لنيته وهو ما عبر عنه بالإتمام ولعله كان لا يرى الآحاد مخصصاً للمتواتر من كتاب أو سنة لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم هنا متواتر، إذ قد شهده كثير من أصحابه ونقلوا حجه وأنه أهل بهما جميعاً.

نعم، كان أبو بكر وعمر يريان إفراد الحج أفضل من التمتع والقران وبه أخذ مالك روى عنه محمد بن الحسن أنه يرجح أحد الحديثين المتعارضين بعمل الشيخين، وكان عبد الله بن الزبير رضي الله عنه يرى التمتع خاصاً بالمحصر إذا تمكن من الوصول إلى البيت بعد أن فاته وقوف عرفة فيجعل حجته عمرة ويحج في العام القابل، وتأول قوله تعالى ﴿ إلى الحج ﴾ أي إلى وقت الحج القابل والجمهور يقولون ﴿ إلى الحج ﴾ أي إلى أيام الحج.

وقوله: ﴿ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ﴾ الآية عطفت على ﴿ فمن تمتع ﴾ ، لأن ﴿ فمن تمتع ﴾ مع جوابه وهو ﴿ فما استيسر ﴾ مقدر فيه معنى فمن تمتع واجداً الهدي فعطف عليه ﴿ فمن لم يجد ﴾ .

وجعل الله الصيام بدلاً عن الهدى زيادة في الرخصة والرحمة ولذلك شرع الصوم مفرقاً فجعله عشرة أيام ثلاثة منها في أيام الحج وسبعة بعد الرجوع من الحج.

فقوله: ﴿ في الحج ﴾ أي في أشهره إن كان قد أمكنه الاعتمار قبل انقضاء مدة الحج، فإن لم يدرك الحج واعتمر فتلك صفة أخرى لا تعرض إليها في الآية.

وقوله: ﴿ تلك عشرة كاملة ﴾ فذلكة الحساب أي جامعته فالحاسب إذا ذكر عددين فصاعداً قال عند إرادة جمع الأعداد فذلك أي المعدود كذا فصيغت لهذا القول صيغة نحت مثل بسمل إذا قال باسم الله وحوقل إذا قال لا حول ولا قوة إلاّ بالله فحروف فذلكة متجمعة من حروف فذلك كما قال الأعشى: ثلاثٌ بالغداة فهُنَّ حَسبي *** وستُّ حين يدْركني العِشاء فذلك تسعة في اليوم رَيِّي *** وشُرْب المرء فوق الرَّيِّ داء فلفظ فذلكة كلمة مولدة لم تسمع من كلام العرب غلب إطلاق اسم الفذلكة على خلاصة جمع الأعداد، وإن كان اللفظ المحكي جرى بغير كلمة «ذلك» كما نقول في قوله: ﴿ تلك عشرة كاملة ﴾ إنها فذلكة مع كون الواقع في المحكي لفظ «تلك» لا لفظ ذلك ومثله قول الفرزدق: ثلاث واثنتان فتلك خمس *** وسادسة تَميل إلى الشِّمام (أي إلى الشم والتقبيل) وفي وجه الحاجة إلى الفذلكة في الآية وجوه، فقيل هو مجرد توكيد كما تقول كتبت بيدي يعني أنه جاء على طريقة ما وقع في شعر الأعشى أي أنه جاء على أسلوب عربي ولا يفيد إلاّ تقرير الحكم في الذهن مرتين ولذلك قال صاحب «الكشاف» لما ذكر مثله كقول العرب علمان خير من علم.

وعن المبرد أنه تأكيد لدفع توهم أن يكون بقي شيء مما يجب صومه.

وقال الزجاج قد يتوهم متوهم أن المراد التخيير بين صوم ثلاثة أيام في الحج أو سبعة أيام إذا رجع إلى بلده بدلاً من الثلاثة أزيل ذلك بجلية المراد بقوله: ﴿ تلك عشرة ﴾ وتبعه صاحب «الكشاف» فقال «الواو قد تجيء للإِباحة في نحو قولك: جالس الحسن وابن سيرين ففذلكت نفياً لتوهم الإباحة اه» وهو يريد من الإباحة أنها للتخيير الذي يجوز معه الجمع ولا يتعين.

وفي كلا الكلامين حاجة إلى بيان منشأ توهم معنى التخيير فأقول: إن هذا المعنى وإن كان خلاف الأصل في الواو حتى زعم ابن هشام أن الواو لا ترد له، وأن التخيير يستفاد من صيغة الأمر لا أنه قد يتوهم من حيث إن الله ذكر عددين في حالتين مختلفتين وجعل أقل العددين لأشق الحالتين وأكثرهما لأخفهما، فلا جرم طرأ توهم أن الله أوجب صوم ثلاثة أيام فقط وأن السبعة رخصة لمن أراد التخيير، فبين الله ما يدفع هذا التوهم، بل الإشارة إلى أن مراد الله تعالى إيجاب صوم عشرة أيام، وإنما تفريقها رخصة ورحمة منه سبحانه، فحصلت فائدة التنبيه على الرحمة الإلهية.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشرٍ فتم ميقات ربه أربعين ليلة ﴾ [الأعراف: 142] إذ دل على أنه أراد من موسى عليه السلام مناجاة أربعين ليلة ولكنه أبلغها إليه موزعة تيسيراً.

وقد سئلت عن حكمة كون الأيام عشرة فأجبت بأنه لعله نشأ من جمع سبعة وثلاثة؛ لأنهما عددان مباركان، ولكن فائدة التوزيع ظاهرة، وحكمة كون التوزيع كان إلى عددين متفاوتين لا متساويين ظاهرة؛ لاختلاف حالة الاشتغال بالحج ففيها مشقة، وحالة الاستقرار بالمنزل.

وفائدة جعل بعض الصوم في مدة الحج جعل بعض العبادة عند سببها، وفائدة التوزيع إلى ثلاثة وسبعة أن كليهما عدد مبارك ضبطت بمثله الأعمال دينية وقضائية.

وأما قوله: ﴿ كاملة ﴾ فيفيد التحريض على الإتيان بصيام الأيام كلها لا ينقص منها شيء، مع التنويه بذلك الصوم وأنه طريق كمال لصائمه، فالكمال مستعمل في حقيقته ومجازه.

وقوله: ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ إشارة إلى أقرب شيء في الكلام، وهو هدي التمتع أو بدله وهو الصيام، والمعنى أن الهدي على الغريب عن مكة كي لا يعيد السفر للعمرة فأما المكي فلم ينتفع بالاستغناء عن إعادة السفر فلذا لم يكن عليه هدي، وهذا قول مالك والشافعي والجمهور، فلذلك لم يكن عندهما على أهل مكة هدي في التمتع والقران، لأنهم لا مشقة عليهم في إعادة العمرة، وقال أبو حنيفة: الإشارة إلى جميع ما يتضمنه الكلام السابق على اسم الإشارة وهو التمتع بالعمرة مع الحج ووجوب الهدي، فهو لا يرى التمتع والقران لأهل مكة وهو وجه من النظر.

وحاضرو المسجد الحرام هم أهل بلدة مكة وما جاورها، واختلف في تحديد ما جاورها فقال مالك: ما اتصل بمكة ذلك من ذي طوى وهو على أميال قليلة من مكة.

وقال الشافعي: من كان من مكة على مسافة القصر ونسبه ابن حبيب إلى مالك وغلطه شيوخ المذهب.

وقال عطاء: حاضرو المسجد الحرام أهل مكة وأهل عرفة، ومَر، وعُرنة، وضجنان، والرجيع، وقال الزهري: أهل مكة ومن كان على مسافة يوم أو نحوه، وقال ابن زيد: أهل مكة، وذي طوى، وفج، وما يلي ذلك.

وقال طاووس: حاضرو المسجد الحرام كل من كان داخل الحرم، وقال أبو حنيفة: هم من كانوا داخل المواقيت سواء كانوا مكيين أو غيرهم ساكني الحرم أو الحل.

وصاية بالتقوى بعد بيان الأحكام التي لا تخلو عن مشقة للتحذير من التهاون بها، فالأمر بالتقوى عام، وكون الحج من جملة ذلك هو من جملة العموم وهو أجدر أفراد العموم، لأن الكلام فيه.

وقوله: ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ افتتح بقوله: ﴿ واعلموا ﴾ اهتماماً بالخبر فلم يقتصر بأن يقال: ﴿ واتقوا الله إن الله شديد العقاب ﴾ فإنه لو اقتصر عليه لحصل العلم المطلوب، لأن العلم يحصل من الخبر، لكن لما أريد تحقيق الخبر افتتح بالأمر بالعلم، لأنه في معنى تحقيق الخبر، كأنه يقول: لا تشكوا في ذلك، فأفاد مفاد إن، وتقدم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ [البقرة: 194].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ فِيما رَواهُ عَنْهُ عَلْقَمَةُ: وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ بِالبَيْتِ واخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِ إتْمامِها عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي وأتِمُّوا الحَجَّ لِمَناسِكِهِ وسُنَنِهِ، وأتِمُّوا العُمْرَةَ بِحُدُودِها وسُنَّتِها، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ.

والثّانِي: أنَّ إتْمامَهُما أنْ تُحْرِمَ بِهِما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وطاوُسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّ إتْمامَ العُمْرَةِ أنْ نَخْدُمَ بِها في غَيْرِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وإتْمامَ الحَجِّ أنْ تَأْتِيَ بِجَمِيعِ مَناسِكِهِ، حَتّى لا يَلْزَمَ دَمٌ لِجُبْرانِ نُقْصانٍ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنْ تَخْرُجَ مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ لِأجْلِهِما، لا تُرِيدُ غَيْرَهُما مِن تِجارَةٍ، ولا مَكْسَبٍ، وهَذا قَوْلُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ.

والخامِسُ: أنَّ إتْمامَهُما واجِبٌ بِالدُّخُولِ فِيهِما، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وأبِي بُرْدَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، ومَسْرُوقٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ﴾ في هَذا الإحْصارِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُلُّ حابِسٍ مِن عَدُوٍّ، أوْ مَرَضٍ، أوْ عُذْرٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ، وأبِي حَنِيفَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ الإحْصارُ بِالعَدُوِّ، دُونَ المَرَضِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ.

وَفي ﴿ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: شاةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وعَلْقَمَةَ، وعَطاءٍ، وأكْثَرِ الفُقَهاءِ.

والثّانِي: بَدَنَةٌ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وعائِشَةَ، ومُجاهِدٍ، وطاوُسٍ، وعُرْوَةَ، وجَعَلُوهُ فِيما اسْتَيْسَرَ مِن صِغارِ البُدْنِ وكِبارِها.

وَفي اشْتِقاقِ الهَدْيِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الهَدِيَّةِ.

والثّانِي: مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: هَدَيْتُهُ هَدْيًا، إذا سُقْتُهُ إلى طَرِيقِ سَبِيلِ الرَّشادِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ وفي مَحِلِّ هَدْيِ المُحْصَرِ، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: حَيْثُ أُحْصِرَ مِن حِلٍّ أوْ حَرَمٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، والمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وهارُونَ بْنِ الحَكَمِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ الحَرَمُ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ مَحِلَّهُ أنْ يَتَحَلَّلَ مِن إحْرامِهِ بادِئًا نُسُكَهُ، والمَقامُ عَلى إحْرامِهِ إلى زَوالِ إحْصارِهِ، ولَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أنْ يَتَحَلَّلَ بِالإحْصارِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَإنْ كانَ إحْرامُهُ بِعُمْرَةٍ لَمْ يَفُتْ وإنْ كانَ بِحَجٍّ قَضاهُ بِالفَواتِ بَعْدَ الإحْلالِ مِنهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ، وبِهِ قالَ مالِكٌ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ ﴾ مَعْناهُ: فَحَلَقَ، فَعَلَيْهِ ذَلِكَ.

أمّا الصِّيامُ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعَلْقَمَةَ، وإبْراهِيمَ، والرَّبِيعِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ.

والقَوْلُ الثّانِي: صِيامُ عَشَرَةِ أيّامٍ كَصِيامِ المُتَمَتِّعِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ.

وَأمّا الصَّدَقَةُ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: سِتَّةُ مَساكِينَ، وهو قَوْلُ مَن أوْجَبَ صِيامَ ثَلاثَةِ أيّامٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ، وهو قَوْلُ مَن أوْجَبَ صِيامَ عَشَرَةِ أيّامٍ.

وَأمّا النُّسُكُ فَشاةٌ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا أمِنتُمْ ﴾ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مِن خَوْفِكم.

والثّانِي: مِن مَرَضِكم.

﴿ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ﴾ اخْتَلَفُوا في هَذا المُتَمَتِّعِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المُحْصَرُ بِالحَجِّ، إذا حَلَّ مِنهُ بِالإحْصارِ، ثُمَّ عادَ إلى بَلَدِهِ مُتَمَتِّعًا بَعْدَ إحْلالِهِ، فَإذا قَضى حَجَّهُ في العامِ الثّانِي، صارَ مُتَمَتِّعًا بِإحْلالٍ بَيْنَ الإحْرامَيْنِ، وهَذا قَوْلُ الزُّبَيْرِ.

والثّانِي: فَمَن نَسَخَ حَجَّهُ بِعُمْرَةٍ، فاسْتَمْتَعَ بِعُمْرَةٍ بَعْدَ فَسْخِ حَجِّهِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: فَمَن قَدِمَ الحَرَمَ مُعْتَمِرًا في أشْهُرِ الحَجِّ، ثُمَّ أقامَ بِمَكَّةَ حَتّى أحْرَمَ مِنها بِالحَجِّ في عامِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، والشّافِعِيِّ.

وَفي ﴿ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ﴾ ما ذَكَرْناهُ مِنَ القَوْلَيْنِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ ﴾ اخْتَلَفُوا في زَمانِها مِنَ الحَجِّ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بَعْدَ إحْرامِهِ وقَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وطاوُسٍ، والسُّدِّيِّ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، والشّافِعِيِّ في الجَدِيدِ.

والثّانِي: أنَّها أيّامُ التَّشْرِيقِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ، وعُرْوَةَ، وابْنِ عُمَرَ في رِوايَةِ سالِمٍ عَنْهُ، والشّافِعِيِّ في القَدِيمِ.

واخْتَلَفُوا في جَوازِ تَقْدِيمِها قَبْلَ الإحْرامِ بِالحَجِّ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَجُوزُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَجُوزُ.

واخْتَلَفَ قائِلُو ذَلِكَ في زَمانِ تَقْدِيمِهِ قَبْلَ الحَجِّ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، ولا يَجُوزُ قَبْلَها، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعَطاءٍ.

والثّانِي: في أشْهُرِ الحَجِّ، ولا يَجُوزُ قَبْلَها، وهو قَوْلُ طاوُسٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ ﴾ وفي زَمانِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: إذا رَجَعْتُمْ مِن حَجِّكم في طَرِيقِكم، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: إذا رَجَعْتُمْ إلى أهْلِيكم في أمْصارِكم، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والرَّبِيعِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها عَشَرَةٌ كامِلَةٌ في الثَّوابِ كَمَن أهْدى، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: عَشَرَةٌ كَمَّلَتْ لَكم أجْرَ مَن أقامَ عَلى إحْرامِهِ فَلَمْ يُحِلَّ مِنهُ ولَمْ يَتَمَتَّعْ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ الخَبَرِ، ومَعْناهُ مَعْنى الأمْرِ، أيْ تِلْكَ عَشَرَةٌ، فَأكْمِلُوا صِيامَها ولا تُفْطِرُوا فِيها.

والرّابِعُ: تَأْكِيدٌ في الكَلامِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ وفي حاضِرِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ الحَرَمِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وطاوُسٍ.

والثّانِي: أنَّهم مَن بَيْنَ مَكَّةَ والمَواقِيتِ، وهو قَوْلُ مَكْحُولٍ، وعَطاءٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم أهْلُ الحَرَمِ ومَن قَرُبَ مَنزِلُهُ مِنهُ، كَأهْلِ عَرَفَةَ، والرَّجِيعِ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، ومالِكٍ.

والرّابِعُ: أنَّهم مَن كانَ عَلى مَسافَةٍ لا يُقْصَرُ في مِثْلِها الصَّلاةُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل وابن عبد البر في التمهيد عن يعلى بن أمية قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة وعليه جبّة وعليه أثر خلوق، فقال: كيف تأمرني يا رسول الله أن أصنع في عمرتي؟

فأنزل الله: ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين السائل عن العمرة؟

فقال: هذا أنا ذا.

قال: اخلع الجبة واغسل عنك أثر الخلوق، ثم ما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك» .

وأخرج الشافعي وأحمد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن يعلى بن أمية قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة عليه جبة وعليها خلوق فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟

قال: فأنزل على النبي صلى الله عليه وسلم فتستر بثوب، وكان يعلى يقول: وددت أني أرى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أنزل عليه الوحي.

فقال عمر: أيسرك أن تنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أنزل عليه الوحي؟، فرفع طرف الثوب فنظرت إليه له غطيط كغطيط البكر، فلما سري عنه قال: أين السائل عن العمرة؟

اغسل عنك أثر الخلوق، واخلع عنك جبتك، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك» .

وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن علي ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ قال: أن تحرم من دويرة أهلك.

وأخرج ابن عدي والبيهقي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «في قوله تعالى ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ إن تمام الحج أن تحرم من دويرة أهلك» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله: ﴿ و أتموا الحج والعمرة لله ﴾ قال: من تمامهما أن يفرد كل واحد منهما عن الآخر، وأن يعتمر في غير أشهر الحج.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عبّاس في الآية قال: من أحرم بحج أو عمرة فليس له أن يحل حتى يتمها تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة وزار البيت فقد حل، وتمام العمرة إذا طاف بالبيت وبالصفا والمروة إذا حل.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: تمامهما ما أمر الله فيهما.

وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن علقمة وإبراهيم قالا: في قراءة ابن مسعود ﴿ وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت ﴾ لا يجاوز بالعمرة البيت، الحج المناسك، والعمرة البيت والصفا والمروة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن علي أنه قرأ ﴿ وأقيموا الحج والعمرة للبيت ﴾ ثم قال: هي واجبة مثل الحج.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه والأصبهاني في الترغيب عن ابن مسعود قال: أمرتم بإقامة أربع.

أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأقيموا الحج، والعمرة إلى البيت.

والحج الأكبر، والعمرة الحج الأصغر.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن يزيد بن معاوية قال: إني لفي المسجد زمن الوليد بن عقبة في حلقة فيها حذيفة وليس إذ ذاك حجزة ولا جلاوزة، إذ هتف هاتف: من كان يقرأ على قراءة أبي موسى فليأت الزاويه التي عند أبواب كندة ومن كان يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود فليأت هذه الزاوية التي عند دار عبد الله، واختلفا في آية في سورة البقرة قرأ هذا ﴿ وأتموا الحج والعمرة للبيت ﴾ وقرأ هذا ﴿ وأتمو الحج والعمرة لله ﴾ فغضب حذيفة واحمرت عيناه، ثم قام- وذلك في زمن عثمان- فقال: إما أن تركب إلى أمير المؤمنين وإما أن أركب، فهكذا كان من قبلكم، ثم أقبل فجلس فقال: إن الله بعث محمداً فقاتل بمن أقبل من أدبر حتى أظهر الله دينه، ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإِسلام طعنة جواد، ثم إن الله استخلف أبا بكر وكان ما شاء الله، ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإِسلام طعنة جواد، ثم إن الله استخلف عمر فنزل وسط الإِسلام، ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإِسلام طعنة جواد، ثم إن الله استخلف عثمان.

وأيم الله ليوشكن أن تطعنوا فيه طعنة تحلقونه كله.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي عن الشعبي أنه قرأها ﴿ وأتموا الحج ﴾ ثم قطع، ثم قال: ﴿ والعمرة لله ﴾ يعني برفع التاء، وقال: هي تطوع.

وأخرج سفيان بن عيينة والشافعي والبيهقي في سننه عن طاوس قال: قيل لابن عباس أتأمر بالعمرة قبل الحج والله تعالى يقول ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ ؟

فقال ابن عباس: كيف تقرأون ﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دين ﴾ [ النساء: 11] ؟

فبأيهما تبدأون؟

قالوا: بالدين.

قال: فهو ذاك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والدارقطني والحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال: العمرة واجبة كوجوب الحج من استطاع إليه سبيلاً.

وأخرج سفيان بن عيينة والشافعي في الأم والبيهقي عن ابن عباس قال: والله إنها لقرينتها في كتاب الله ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة كلاهما في المصنف وعبد بن حميد عن مسروق قال: أمرتم في القرآن بإقامة أربع: أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأقيموا الحج، والعمرة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: العمرة الحجة الصغرى.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي داود في المصاحف عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ وأقيموا الحج والعمرة للبيت ﴾ ثم قال: والله لولا التحرج إني لم أسمع فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لقلنا أن العمرة واجبة مثل الحج.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والحاكم وصححه عن ابن عمر قال: العمرة واجبة ليس أحد من خلق الله إلا عليه حجة وعمرة، واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن طاوس قال: العمرة على الناس كلهم إلا على أهل مكة فإنها ليست عليهم عمرة، إلا أن يقدم أحد منهم من أفق من الآفاق.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء قال: ليس أحد من خلق الله إلا عليه حجة وعمرة، واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلاً كما قال الله حتى أهل بوادينا، إلا أهل مكة فإن عليهم حجّة وليست عليهم عمرة من أجل أنهم أهل البيت، وإنما العمرة من أجل الطواف.

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: الحج والعمرة فريضتان على الناس كلهم إلا أهل مكة فإن عمرتهم طوافهم، فمن جعل بينه وبين الحرم بطن واد فلا يدخل مكة إلا بإحرام.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: ليس على أهل مكة عمرة إنما يعتمر من زار البيت ليطوف به، وأهل مكة يطوفون متى شاؤوا.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن مسعود قال: الحج فريضة والعمرة تطوّع.

وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي صالح ماهان الحنفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحج جهاد والعمرة تطوّع» .

وأخرج ابن ماجة عن طلحة بن عبيد الله «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الحج جهاد، والعمرة تطوّع» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصححه عن جابر بن عبد الله «أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة أواجبة هي؟

قال: لا، وإن تعتمروا خير لكم» .

وأخرج الحاكم عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم عن ابن سيرين أن زيد بن ثابت سئل عن العمرة قبل الحج، قال: صلاتان.

وفي لفظ «نسكان لله عليك لا يضرك بأيهما بدأت» .

وأخرج الشافعي في الأم عن عبد الله بن أبي بكر أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: «إن العمرة هي الحج الأصغر» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمر قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أوصني، قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج، وتعتمر، وتسمع، وتطيع، وعليك بالعلانية، وإياك والسر» .

وأخرج ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الأعمال عند الله إيمان لا شك فيه، وغزو لا غلول فيه، وحج مبرور» .

وأخرج مالك في الموطأ وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» .

وأخرج أحمد عن عامر بن ربيعة مرفوعاً.

مثله.

وأخرج البيهقي في الشعب والأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما سبح الحاج من تسبيحة، ولا هلل من تهليلة، ولا كبر من تكبيرة، إلا بشر بها تبشيرة» .

وأخرج مسلم وابن خزيمة عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الإِسلام يهدم ما كان قبله، وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وإن الحج يهدم ما كان قبله» .

وأخرج الطبراني عن الحسن بن علي قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني جبان وإني وضعيف.

فقال: هلم إلى جهاد لا شوكة فيه: الحج» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن علي بن حسين قال: «سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن الجهاد فقال: ألا أدلك على جهاد لا شوكة فيه؟

الحج» .

وأخرج عبد الرزاق عن عبد الكريم الجزري قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رجل جبان ولا أطيق لقاء العدوّ.

فقال: ألا أدلك على جهاد لا قتال فيه؟

قال: بلى يا رسول الله.

قال: عليك بالحج والعمرة» .

وأخرج البخاري عن عائشة قالت «قلت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟

فقال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي داود في المصاحف وابن خزيمة عن عائشة قالت «قلت: يا رسول الله!...

هل على النساء من جهاد؟

قال: عليهن جهاد لا قتال فيه.

الحج والعمرة» .

وأخرج النسائي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جهاد الكبير والضعيف والمرأة: الحج والعمرة» .

وأخرج ابن خزيمة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإِسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وأن تتم الوضوء، وتصوم رمضان» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحج جهاد كل ضعيف» .

وأخرج أحمد والطبراني عن عمرو بن عبسة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الأعمال حجة مبرورة أو عمرة مبرورة» .

وأخرج أحمد والطبراني عن ماعز عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه سئل أي الأعمال أفضل؟

قال: إيمان بالله وحده، ثم الجهاد، ثم حجة برة تفضل سائر الأعمال، كما بين مطلع الشمس ومغربها» .

وأخرج أحمد وابن خزيمة والطبراني في الأوسط والحاكم والبيهقي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.

قيل: وما بره؟

قال: إطعام الطعام، وطيب الكلام» وفي لفظ «وإفشاء السلام» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن جراد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حجوا فإن الحج يغسل الذنوب كما يغسل الماء الدرن» .

وأخرج البزار عن أبي موسى رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحاج يشفع في أربعمائة من أهل بيته، ويخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة «سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: من جاء يؤم البيت الحرام، فركب بعيره فما يرفع البعير خفاً ولا يضع خفاً إلا كتب الله له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة، ورفع له بها درجة، حتى إذا انتهى إلى البيت فطاف وطاف بين الصفا والمروة، ثم حلق أو قصر، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه فليستأنف العمل» .

وأخرج الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وفد الله ثلاثة: الغازي، والحاج، والمعتمر» .

وأخرج البزار عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحجاج والعمار وفد الله دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم» .

وأخرج ابن ماجة وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم» .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: لو يعلم المقيمون ما للحجاج عليهم من الحق لأتوهم حين يقدمون حتى يقبلوا رواحلهم، لأنهم وفد الله من جميع الناس.

وأخرج البزار وابن خزيمة والطبراني في الصغير والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يغفر للحجاج ولمن استغفر له الحجاج» وفي لفظ: «اللهم اغفر للحجاج ولمن استغفر له الحاج» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسدد في مسنده عن عمر قال: يغفر للحاج ولمن يستغفر له الحاج بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وعشراً من ربيع الأول.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر، أنه خطب عند باب الكعبة فقال: ما من أحد يجيء إلى هذا البيت لا ينهزه غير صلاة فيه حتى يستلم الحجر إلا كفر عنه ما كان قبل ذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: من حج هذا البيت لا يريد غيره خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.

وأخرج الحاكم وصححه عن أم معقل «أن زوجها جعل بكراً في سبيل الله وأنها أرادت العمرة، فسألت زوجها البكر فأبى عليها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيها وقال: إن الحج والعمرة لمن سبيل الله، وأن عمرة في رمضان تعدل حجة أو تجزِئ بحجة» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: «أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج فقالت امرأة لزوجها: حج بي.

قال: ما عندي ما أحج بك عليه.

قالت: فحج بي على ناضحك.

قال: ذاك نعتقبه أنا وولدك.

قالت: فحج بي على جملك فلان.

قال: ذاك احتبس في سبيل الله، قالت: فبع تمر رفك.

قال: ذلك قوتي وقوتك.

فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من مكة أرسلت إليه زوجها فقالت: أقرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام وسله ما يعدل حجة معك، فأتى زوجها النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: أما أنك لو كنت حججت بها على الجمل الحبيس كان في سبيل الله، وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجباً من حرصها على الحج، وقال: أقرئها مني السلام ورحمة الله وأخبرها أنها تعدل حجة معي عمرة في رمضان» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها في عمرتها: «إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن حبيب.

أن قوماً مروا بأبي ذر بالربذة فقال لهم: ما أنصبكم إلا الحج، استأنفوا العمل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم: أن ابن مسعود قال لقوم ذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة عن حبيب بن الزبير قال: قلت لعطاء: أبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: استقبلوا العمل بعد الحج، قال: لا، ولكن عثمان وأبو ذر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب أنه رأى قوماً من الحجاج فقال: لو يعلم هؤلاء ما لهم بعد المغفرة لقرت عيونهم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: إذا كبر الحاج والمعتمر والغازي كبر المرتفع الذي يليه، ثم الذي يليه حتى ينقطع في الأفق.

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد تضل الضالة ويمرض المريض وتكون الحاجة» .

وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعجلوا إلى الحج- يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له» .

وأخرج الأصبهاني عن أبي جعفر محمد بن علي عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يدع الحج لحاجة من حوائج الدنيا إلا رأى المخلفين قبل أن يقضي تلك الحاجة، وما من عبد يدع المشي في حاجة أخيه المسلم قضيت أو لم تقض إلا ابتلى بعونه من يأثم عليه ولا يؤجر فيه» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي ذر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن داود عليه السلام قال: إلهي ما لعبادك إذا هم زاروك في بيتك؟

قال: لكل زائر حق على المزور حقاً، يا داود إن لهم أن أعافيهم في الدنيا، وأغفر لهم إذا لقيتهم» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما راح مسلم في سبيل الله مجاهداً أو حاجاً، مهلاً أو ملبياً إلا غربت الشمس بذنوبه وخرج منها» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الحجاج والعمار وفد الله إن سألوا أعطوا، وإن دعوا أجيبوا، وإن أنفقوا أخلف لهم، والذي نفس أبي القاسم بيده ما كبر مكبر على نشز، ولا أهل مهل على شرف، إلا أهل ما بين يديه وكبر حتى ينقطع منه منقطع التراب» .

وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحجاج والعمار وفد الله يعطيهم ما سألوا، ويستجيب لهم ما دعوا، ويخلف عليهم ما أنفقوا الدرهم بألف ألف» .

وأخرج البزار والطبراني في الأوسط والبيهقي عن جابر بن عبد الله يرفعه «قال: ما أمعر حاج قط» .

قيل لجابر: وما الإِمعار؟

قال: ما افتقر.

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة، وما من مؤمن يظل يومه محرماً إلا غابت الشمس بذنوبه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وابن جرير والبيهقي عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإن المتابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد» .

وأخرج البزار عن جابر مرفوعاً.

مثله.

وأخرج الحرث بن أبي أسامة في مسنده عن ابن عمر مرفوعاً.

مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن عامر بن ربيعة مرفوعاً.

مثله.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أهل مهل قط ولا كبر مكبر قط إلا بشر.

قيل: يا رسول الله بالجنة؟

قال: نعم» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أهل مهل قط إلا آبت الشمس بذنوبه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: ما أتى هذا البيت طالب حاجة لدين أو دنيا إلا رجع بحاجته.

وأخرج أبو يعلى والطبراني والدارقطني والبيهقي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خرج في هذا الوجه لحج أو عمرة فمات فيه لم يعرض ولم يحاسب، وقيل له ادخل الجنة» قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يباهي بالطائفين» .

وأخرج الحرث بن أبي أسامة في مسنده والأصبهاني في الترغيب عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات في طريق مكة ذاهباً أو راجعاً لم يعرض ولم يحاسب» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب عن أم سلمة.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أهل بالحج والعمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم وما تأخر، ووجبت له الجنة» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا خرج الحاج من أهله فسار ثلاثة أيام أو ثلاث ليال خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وكان سائر أيامه درجات، ومن كفن ميتاً كساه الله من ثياب الجنة، ومن غسل ميتاً خرج من ذنوبه، ومن حثى عليه التراب في قبره كانت له بكل هباة أثقل من ميزانه من جبل من الجبال» .

وأخرج البيهقي عن ابن عمر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ترفع ابل الحاج رجلاً ولا تضع يداً إلا كتب الله له بها حسنة، أو محا عنه سيئة، أو رفعه بها درجة» .

وأخرج البيهقي عن حبيب بن الزبير الأصبهاني قال: قلت لعطاء بن أبي رباح: أبلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يستأنفون العمل، يعني الحجاج؟

قال: لا، ولكن بلغني عن عثمان بن عفان وأبي ذر الغفاري أنهما قالا: يستقبلون العمل.

وأخرج البيهقي من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.

أن رجلاً مر بعمر بن الخطاب وقد قضى نسكته فقال له عمر: أحججت؟

قال: نعم.

فقال له: اجتنبت ما نهيت عنه؟

فقال: ما ألوت.

قال عمر: استقبل عملك.

وأخرج البيهقي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل ليدخل بالحجة الواحدة ثلاثة نفر الجنة: الميت، والحاج عنه، والمنفذ ذلك.

يعني الوصي» .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة في مسنده وأبو يعلى والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول تبارك وتعالى: إن عبداً صححت له جسمه، وأوسعت له في رزقه، يأتي عليه خمسين سنين لا يفد إليَّ لمحروم» .

وأخرج أبو يعلى عن خباب بن الأرت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقول: إن عبداً أصححت له جسمه، وأوسعت عليه في الرزق، يأتي عليه خمس حجج لم يأت إليَّ فيهن لمحروم» .

وأخرج الشافعي عن ابن عباس قال: في كل شهر عمرة.

وأخرج عبد الرزاق عن عمر قال: إذا وضعتم السروج فشدوا الرحال إلى الحج والعمره، فإنهما أحد الجهادين.

وأخرج ابن أبي شيبه عن جابر بن زيد قال: الصوم والصلاة يجهدان البدن ولا يجهدان المال، والصدقة تجهد المال ولا تجهد البدن، وإني لا أعلم شيئاً أجهد للمال والبدن من الحج.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ فإن أحصرتم ﴾ يقول: من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدي شاة فما فوقها، فإن كانت حجة الإِسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت بعد حجة الفريضه فلا قضاء عليه ﴿ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ﴾ فإن كان أحرم بالحج فمحله يوم النحر، وإن كان أحرم بعمرة فمحل هدبه إذا أتى البيت.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإن أحصرتم...

﴾ الآية.

قال: هو الرجل من أصحاب محمد كان يحبس عن البيت فيهدي إلى البيت ويمكث على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله، فإن بلغ الهدي محله حلق رأسه.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود في قوله: ﴿ فإن أحصرتم...

﴾ الآية.

يقول: إذا أهل الرجل بالحج فأحصر بعث بما استيسر من الهدي، فإن هو عجل قبل أن يبلغ الهدي محله فحلق رأسه، أو مس طيباً، أو تداوى بدواء، كان عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك، والصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة أصوع على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك شاة ﴿ فإذا أمنتم ﴾ يقول: فإذا برئ فمضى من وجهه ذلك إلى البيت كان عليه حجة وعمرة، فإن رجع متمتعاً في أشهر الحج كان عليه ما استيسر من الهدي شاة، فإن هو لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم.

قال إبراهيم: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن جبير فقال: هكذا قال ابن عباس في هذا الحديث كله.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: الحصر حبس كله.

وأخرج مالك وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي في قوله: ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ قال: شاة.

وأخرج وكيع وسفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عمر ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ قال: بقرة أو جزور.

قيل: أو ما يكفيه شاة؟

قال: لا.

وأخرج وكيع وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ قال: ما يجد، قد يستيسر على الرجل الجزور والجزوران.

وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في الآية قال: من الأزواج الثمانية من الإِبل والبقر والضأن والمعز على قدر الميسرة، وما عظمت فهو أفضل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ قال: عليه هدي إن كان موسراً فمن الإِبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم.

وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق القاسم عن عائشة يقول: ما استيسر من الهدي شاة.

وأخرج سفيان بن عيينة والشافعي في الأم وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال: لا حصر إلا حصر العدوّ، فاما من أصابه مرض، أو وجع، أو ضلال، فليس عليه شيء.

إنما قال الله: ﴿ فإذا أمنتم ﴾ فلا يكون الأمن إلا من الخوف.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: لا إحصار إلا من عدوّ.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري قال: لا إحصار إلا من الحرب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: لا إحصار إلا من مرض، أو عدوّ، أو أمر حابس.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة قال: كل شيء حبس المحرم فهو إحصار.

وأخرج البخاري والنسائي عن نافع.

أن عبيد الله بن عبد الله، وسلام بن عبد الله، أخبراه: أنهما كلما عبد الله بن عمر ليالي نزل الجيش بابن الزبير فقال: لا يضرك أن لا تحج العام، إنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت.

فقال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرين فحال كفار قريش دون البيت، فنحر النبي صلى الله عليه وسلم هديه، وحلق رأسه.

وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: «قد أحصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق رأسه، وجامع نساءه، ونحر هديه، حتى اعتمر عاماً قابلاً» .

أما قوله تعالى: ﴿ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ﴾ .

أخرج البخاري عن المسور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك.

وأخرج البخاري تعليقاً عن ابن عباس قال: إنما البدل على من نقص حجة بالتذاذ، وأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه لا يحل ولا يرجع، وإن كان معه هدي وهو محصر نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله.

وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: إن أهل الحديبية أمروا بابدال الهدي في العام الذي حلوا فيه فابدلوا، وعزت الإِبل فرخص لهم فيمن لا يجد بدنة في اشتراء بقرة.

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي حاصر الحميري قال: خرجت معتمراً عام حوصر ابن الزبير ومعي هدي، فمنعنا أن ندخل الحرم فنحرت الهدي مكاني وأحللت، فلما كان العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي، أتيت ابن عباس فسألته فقال: أبدل الهدي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء.

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: إذا حلق قبل أن يذبح اهرق لذلك دماً، ثم قرأ ﴿ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن الأعرج أنه قرأ ﴿ حتى يبلغ الهدي محله ﴾ ﴿ وهدياً بالغ الكعبة ﴾ [ المائدة: 95] بكسر الدال مثقلاً.

أما قوله تعالى: ﴿ فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ﴾ .

أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير والطبراني والبيهقي في سننه عن كعب بن عجرة قال «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ونحن محرمون وقد حصرنا المشركون، وكانت لي وفرة فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟

قلت: نعم.

فأمرني أن أحلق قال: ونزلت هذه الآية ﴿ فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفرق بين ستة، أو انسك مما تيسر» .

وأخرج أبو داود في ناسخة عن ابن عباس ﴿ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ﴾ ثم استثنى فقال: ﴿ فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ﴾ .

وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي عن عبد الله بن مغفل قال: «قعدت إلى كعب بن عجرة فسألته عن هذه الآية ﴿ ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ﴾ فقال: نزلت فيَّ، كان بي أذى من رأسي، فحملت إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهي فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا!

أما تجد شاة؟

قلت: لا.

قال: صم ثلاثة أيام أو اطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك.

فنزلت فيّ خاصة، وهي لكم عامة» .

وأخرج الترمذي وابن جرير عن كعب بن عجرة قال: «لفيّ نزلت وإياي عني بها ﴿ فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ﴾ قال لي النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية وهو عند الشجرة: أيؤذيك هوامك؟

قلت: نعم.

فنزلت» .

وأخرج ابن مردويه والواحدي عن ابن عباس قال: «لما نزلنا الحديبية جاء كعب بن عجرة ينتر هوام رأسه على وجهه فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القمل قد أكلني؟

فأنزل الله في ذلك الموقف ﴿ فمن كان منكم مريضاً...

﴾ الآية.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: النسك شاة، والصيام ثلاثة أيام، والطعام فرق بين ستة مساكين» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن كان منكم مريضاً ﴾ يعني من اشتد مرضه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فمن كان منكم مريضاً ﴾ يعني بالمرض أن يكون برأسه أذى أو قروح، أو به أذى من رأسه.

قال: الأذى هو القمل.

وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما أذى من رأسه؟

قال: القمل وغيره الصداع، وما كان في رأسه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: النشك أن يذبح شاة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: «أيؤذيك هوام رأسك؟

قال: نعم.

قال: فاحلقه وافتد إما صوم ثلاثة أيام، وإما أن تطعم ستة مساكين، أو نسك شاة» .

وأخرج ابن جرير عن علي أنه سئل عن هذه الآية فقال: الصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة أصوع على ستة مساكين، والنسك شاة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس.

مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كل شيء في القرآن (أو أو) فصاحبه مخير، فإذا كان ﴿ فمن لم يجد ﴾ فهو الأوّل فالأوّل.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: كل شيء في القرآن (أو أو) فهو خيار.

وأخرج الشافعي في الأم عن ابن جريج عن عمرو بن دينار قال: كل شيء في القرآن (أو أو) له أية شاء.

قال ابن جريج: إلا قوله تعالى ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ [ المائدة: 33] .

فليس بمخيَّر فيها.

وأخرج الشافعي وعبد بن حميد عن عطاء قال: كل شيء في القرآن (أو أو) يختار منه صاحبه ما شاء.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة وإبراهيم.

مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد والضحاك.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ﴾ يقول: من أحرم بالعمرة في أشهر الحج.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: التمتع الاعتمار في أشهر الحج.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن الزبير أنه خطب فقال: يا أيها الناس والله ما التمتع بالعمرة إلى الحج كما تصنعون، إنما التمتع أن يهل الرجل بالحج فيحصره عدوّ أو مرض أو كسر، أو يحبسه أمر حتى يذهب أيام الحج فيقدم فيجعلها عمرة، فيتمتع تحلة إلى العام المقبل، ثم يحج ويهدي هدياً، فهذا التمتع بالعمرة إلى الحج.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء قال: كان ابن الزبير يقول: إنما المتعة لمن أحصر وليست لمن خلي سبيله.

وقال ابن عباس: وهي لمن أحصر وليست لمن خلي سبيله.

وقال ابن عباس: وهي لمن أحصر ومن خليت سبيله.

وأخرج ابن جرير عن علي في قوله: ﴿ فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ﴾ قال: فإن أخر العمرة حتى يجمعها مع الحج فعليه الهدي.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عطاء قال: إنما سميت المتعة لأنهم كانوا يتمتعون من النساء والثياب.

وفي لفظ يتمتع بأهله وثيابه.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: كان أهل الجاهلية إذا حجوا قالوا: إذا عفا الوبر، وتولى الدبر، ودخل صفر، حلت العمرة لمن اعتمر.

فأنزل الله التمتع بالعمرة تغييراً لما كان أهل الجاهلية يصنعون وترخيصاً للناس.

وأخرج ابن المنذر عن أبي جمرة.

أن رجلاً قال لابن عباس: تمتعت بالعمرة إلى الحج ولي أربعون درهماً، فيها كذا وفيها كذا وفيها نفقة.

فقال: صم.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن علي بن أبي طالب ﴿ فصيام ثلاثة أيام في الحج ﴾ قال: قبل التروية يوم، ويوم التروية، ويوم عرفة فإن فاتته صامهن أيام التشريق.

وأخرج وكيع وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر في قوله: ﴿ فصيام ثلاثة أيام في الحج ﴾ قال: يوم قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، وإذا فاته صيامها صامها أيام منى، فإنهن من الحج.

وأخرج ابن أبي شيبة عن علقمة ومجاهد وسعيد بن جبير.

مثله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الصيام للمتمتع ما بين إحرامه إلى يوم عرفة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: إذا لم يجد التمتع بالعمرة هدياً فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، وإن كان يوم عرفة الثالث فقد تم صومه، وسبعة إذا رجع إلى أهله.

وأخرج مالك والشافعي عن عائشة قالت: الصيام لمن يتمتع بالعمرة إلى الحج لمن لم يجد هدياً ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة، فإن لم يصم صام أيام منى.

وأخرج مالك والشافعي عن ابن عمر.

مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن جرير والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر وعائشة قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمتمتع لم يجد هدياً.

وأخرج ابن جرير والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر قال: «رخص النبي صلى الله عليه وسلم للتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم حتى فاتته أيام العشر أن يصوم أيام التشريق مكانها» .

وأخرج الدارقطني عن عائشة «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام قبل يوم النحر، ومن لم يكن صام تلك الثلاثة أيام فليصم أيام التشريق أيام منى» .

وأخرج مالك وابن جرير عن الزهري قال «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بن قيس، فنادى في أيام التشريق فقال: إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله، إلا من كان عليه صوم من هدي» .

وأخرج الدارقطني من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن حذافة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره في رهط أن يطوفوا في منى في حجة الوداع، فينادوا إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله، فلا صوم فيهن إلا صوماً في هدي.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر قال: لا يجزئه صوم ثلاثة أيام وهو متمتع إلا أن يحرم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة قال: لا يصوم متمتع إلا في العشر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن أبي نجيح قال: قال مجاهد يصوم المتمتع إن شاء يوماً من شوّال وإن شاء يوماً من ذي القعدة قال: وقال طاووس وعطاء: لا يصوم الثلاثة إلا في العشر.

وقال مجاهد.

لا بأس أن يصومهن في أشهر الحج.

وأخرج البخاري والبيهقي عن ابن عباس.

أنه سئل عن متعة الحاج فقال أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي، فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب.

وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب.

وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله، ثم أمرنا عشية الترويه أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وقد تم حجنا وعلينا الهدي كما قال الله: ﴿ فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ﴾ إلى أمصاركم والشاة تجزِئ، فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة، فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه، وأباحه للناس غير أهل مكة.

قال الله تعالى ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ وأشهر الحج التي ذكر الله شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة، فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم والرفث الجماع، والفسوق المعاصي، والجدال المراء» .

وأخرج مالك وعبد بن حميد والبيهقي عن ابن عمر قال: من اعتمر في أشهر الحج في شوّال أو ذي القعدة أو ذي الحجة فقد استمتع ووجب عليه الهدي، أو الصيام إن لم يجد هدياً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: من اعتمر في شوّال أو في ذي القعدة، ثم قام حتى يحج فهو متمتع عليه ما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله، ومن اعتمر في أشهر الحج ثم رجع فليس بمتمتع، ذاك من أقام ولم يرجع.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتمروا في أشهر الحج ثم لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: قال عمر: إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع، فإن رجع فليس بمتمتع.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: من اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع، فإن رجع فليس بمتمتع.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: من اعتمر في أشهر الحج ثم رجع إلى بلده ثم حج من عامه فليس بمتمتع، ذاك من أقام ولم يرجع.

وأخرج الحاكم عن أبي أنه كان يقرأها ﴿ فصيام ثلاثة أيام متتابعات ﴾ .

وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عمر في قوله: ﴿ وسبعة إذا رجعتم ﴾ قال: إلى أهليكم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وسبعة إذا رجعتم ﴾ قال: إذا رجعتم إلى أمصاركم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ وسبعة إذا رجعتم ﴾ قال: إلى بلادكم حيث كانت.

وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ وسبعة إذا رجعتم ﴾ قال: إنما هي رخصة إن شاء صامهن في الطريق، وإن شاء صامها بعدما رجع إلى أهله، ولا يفرق بينهن.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء والحسن ﴿ وسبعة إذا رجعتم ﴾ قال عطاء: في الطريق إن شاء.

وقال الحسن: إذا رجعتم إلى مصره.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: إن أقام صامهن بمكة إن شاء.

وأخرج وكيع عن عطاء ﴿ وسبعة إذا رجعتم ﴾ قال: إذا قضيتم حجكم، وإذا رجع إلى أهله أحب إلي.

وأخرج وكيع وابن أبي شيبة عن طاوس ﴿ وسبعة إذا رجعتم ﴾ قال: إن شاء فرق.

وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ تلك عشرة كاملة ﴾ قال: كاملة من الهدي.

وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: «تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوادع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن عمران بن حصين قال: «نزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لم ينزل آية تنسخ آية متعة الحج ولم ينه عنها حتى مات.

قال رجل برأيه ما شاء.

وأخرج مسلم عن أبي نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها.

فذكر ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على يدي دار الحديث تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسول الله ما شاء مما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فاتموا الحج والعمرة كما أمركم الله، وافصلوا حجكم عن عمرتكم، فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم» .

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أبي موسى قال: «قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالبطحاء فقال: بم أهللت؟

قلت: أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم قال: هل سقت من هدي؟

قلت: لا.

قال: طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل.

فطفت بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي، فكنت أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر وإمارة عمر، فإني لقائم بالموسم إذا جاءني رجل فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك.

فقلت: أيها الناس من كنا أفتيناه بشيء فليتئد فهذا أمير المؤمنين قادم عليكم فبه فائتموا، فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين ما هذا الذي أحدثت في شأن النسك؟

قال: أنْ نأخذ بكتاب الله، فإن الله قال: ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ وأن نأخذ بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لم يحل حتى نحر الهدي» .

وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده وأحمد عن الحسن.

أن عمر بن الخطاب هم أن ينهى عن متعة الحج فقام إليه أبي بن كعب فقال: ليس ذلك لك، قد نزل بها كتاب الله واعتمرناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل عمر.

وأخرج مسلم عن عبد الله بن شقيق قال: كان عثمان ينهى عن المتعة وكان علي يأمر بها.

فقال عثمان لعلي كلمة فقال علي: لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أجل ولكنا كنا خائفين.

وأخرج إسحاق بن راهويه عثمان بن عفان، أنه سئل عن المتعة في الحج فقال: كانت لنا ليست لكم.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن أبي ذر قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة.

وأخرج مسلم عن أبي ذر قال: لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني متعة النساء ومتعة الحج.

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن سعيد بن المسيب قال: اختلق علي وعثمان وهما بعسفان في المتعة، فقال علي: ما تريد إلا أن تنهى عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعاً.

وأخرج البخاري ومسلم عن أبي جمرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: فيها جزور، أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم قال: وكان ناس كرهوها فنمت فرأيت في المنام كأن انساناً ينادي حج مبرور ومتعة متقبلة، فأتيت ابن عباس فحدثته فقال: الله أكبر سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.

وأخرج الحاكم وصححه من طريق مجاهد وعطاء عن جابر قال: «كثرت القالة من الناس، فخرجنا حجاجاً حتى إذا لم يكن بيننا وبين أن نحل إلا ليالٍ قلائل أمرنا بالإِحلال، قلنا: أيروح أحدنا إلى عرفة وفرجه يقطر منياً؟

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام خطيباً فقال» أبالله تعلموني أيها الناس، فانا والله أعلمكم بالله وأتقاكم له، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت هدياً ولحللت كما أحلوا، فمن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، ومن وجد هدياً فلينحر «، فكنا ننحر الجزور عن سبعة قال عطاء: قال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم يومئذ في أصحابه غنماً، فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس، فذبحه عن نفسه» .

وأخرج مالك عن ابن عمر قال: لأن اعتمر قبل الحج وأهدي أحب إلي من أن اعتمر بعد الحج في ذي الحجة.

أما قوله تعالى: ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ .

أخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عطاء في قوله: ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ قال: ست قربات: عرفة، وعرنة، والرجيع، والنخلتان، ومر الظهران، وضجنان.

وقال مجاهد: هم أهل الحرم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ حاضري المسجد الحرام ﴾ قال: هم أهل الحرم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال: الحرم كله هو المسجد الحرام.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر.

مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والأزرقي عن عطاء بن أبي رباح أنه سئل عن المسجد الحرام قال: هو الحرم أجمع.

وأخرج الأزرقي عن عطاء بن أبي رباح أنه سئل عن المسجد الحرام قال: هو الحرم أجمع.

وأخرج الأزرقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أساس المسجد الحرام الذي وضعه إبراهيم عليه السلام من الحزورة إلى المسعى إلى مخرج سيل جياد.

وأخرج الأزرقي عن أبي هريرة قال: إنا لنجد في كتاب الله أن حد المسجد الحرام من الحزور إلى المسعى.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الزهري قال: ليس لأحد حاضري المسجد الحرام رخصة في الإِحصار، لأن الرجل إذا مرض حمل ووقف به بعرفة، ويطاف به محمولاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عروة ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ عنى بذلك أهل مكة، ليست لهم متعة وليس عليهم إحصار لقربهم من المشعر.

وأخرج الأزرقي عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: من له المتعة؟

فقال: قال الله: ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ فاما القرى الحاضرة المسجد الحرام التي لا تتمتع أهلها، فالمطمئنة بمكة المطلة عليها نخلتان، ومر الظهران، وعرفة، وضجنان، والرجيع، وأما القرى، التي ليست بحاضرة المسجد الحرام التي يتمتع أهلها إن شاؤوا فالسفر، والسفر ما يقصر إليه الصلاة عسفان وجدة ورهاط واشباه ذلك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس قال: المتعة للناس إلا لأهل مكة هي لمن لم يكن أهله في الحرم، وذلك قول الله: ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس.

أنه كان يقول: يا أهل مكة إنه لا متعة لكم أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم، إنما يقطع أحدكم وادياً ثم يهل بعمرة ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر.

أنه سئل عن امرأة صرورة أتعتمر في حجتها؟

قال: نعم، إن الله جعلها رخصة إن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: ليس على أهل مكة هدي في متعة، ثم قرأ ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال: ليس على أهل مكة متعة، ثم قرأ ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: ليس على أهل مكة متعة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ميمون بن مهران قال: ليس لأهل مكة، ولا من توطن مكة متعة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال: المتعة للناس أجمعين إلا أهل مكة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري قال: ليس على أهل مكة متعة ولا إحصار، إنما يغشون حتى يقضوا حجهم.

وأما قوله تعالى ﴿ واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن مطرف أنه تلا قوله تعالى ﴿ إن الله شديد العقاب ﴾ قال: لو يعلم الناس قدر عقوبة الله، ونقمة الله، وبأس الله، ونكال الله، لما رقأ لهم دمع، وما قرت أعينهم بشيء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ الآية.

قال ابن عباس (١) (٢) (٣) وقال ابن مسعود (٤) (٥)  ما: إتمامُهُما: أن تُحرم بهما من دُوَيْرة أهلك مؤتنفَيْن.

وبهذا قال سعيد بن جبير (٦) (٧) وفي إيجاب العمرة قولان: أحدهما: أنها (٨) (٩) (١٠) (١١) قال ابن عباس: والله إن العمرة لقرينة الحج في كتاب الله ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ (١٢) وقال مسروق: نزلت العمرة من الحج منزلة الزكاة من الصلاة، ثم تلا هذه الآية (١٣) فمن أوجَبَ العمرةَ تأول الإتمام على معنى الابتداء، أي: أقيموهما وافعلوهما بما فيهما من الأعمال، كقوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124]، أي: فعلهن وقام بهن، وقوله: ﴿ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ  ﴾ ، أي: ثم ابتدؤوا الصيام وأتموه؛ لأنه ذكر الإتمام عَقِيب الأكل والشرب (١٤) وفرائض الحَجِّ أربعةٌ: الإحرامُ، والوقوفُ، وطوافُ الإفاضة، والسعيُ (١٥) وأعمال العمرة: الإحرامُ، والطوافُ، والسعي، والحلق والتقصير (١٦) (١٧) القول الثاني: أن العمرة سنةٌ وليست بفريضة، وهو مذهب أهل العراق (١٨) (١٩) والقول الأول أولى لأن فيه جمعاً بين وجهي الإتمام، ومعناه: ابتدئوا العمرة فإذا دخلتم فيها فأتموها، وقد تقول لمن لم يشرع في أمر: أَتِمَّ هذا الأمر (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾ اختلف أهلُ اللغةِ في الحَصْر والإحْصَار، ففرَّق بينهما قوم.

أقرأني العروضي، قال: أقرأنا الأزهري، عن المنذري، عن ابن فهم، عن محمد بن سلام (٢١) (٢٢) وبهذا الإسناد عن المنذري، عن الحرَّاني، عن ابن السِّكِّيت (٢٣) (٢٤) وأقرأني سعيد بن أبي بكر الزاهد، عن أبي عليٍّ الحسنِ (٢٥) (٢٦) وقال ابن قتيبة في قوله: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾ : هو أن يَعْرِضَ للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مَرَضٍ أو كَسْرٍ أو عَدُو، يقال: قد أُحصر فهو محصَر، فإن حُبِس في سجن أو في دار قيل: حُصِر فهو مَحصُور (٢٧) وهذا هو قول الفراء في المَصَادر، ونحو (٢٨) (٢٩) وذهب قوم إلى أنهما بمعنى واحد، قال الزجاج، في باب الوفاق من فَعَلْت وأَفْعَلْت، يقال للرجل: من حَصَرك ههنُا، ومن أحصرك؟.

وقال أحمدُ بن يحيى: أصل الحَصْرِ والإِحْصَار: الحبس، وحُصِرَ في الحبس أقوى من أُحْصِر (٣٠) وقال الأزهري: الرواية عن ابن عباس صحيحة أنه قال: لا حصر (٣١) (٣٢) ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾ (٣٣) وقال الفراء: يقال للذي يمنعه خوف أو مرض: أُحْصِر، ولمن حُبِسَ قَهْرًا: حُصر، فإن نويت بقهر السلطان أنها عِلَّةٌ مانعةٌ ولم يذهب إلى فعل الفاعل جاز فيه أحصر، وإن نويت في العلة (٣٤) (٣٥) هذا كلام أهل اللغة في الحصر والإحصار، وأصل الباب: الحَبْس، ومنه يقال للذي لا يبوح بسرِّه: حَصِرَة لأنه حبس نفسه عن البَوْح (٣٦) ولقد تَكَنَّفَنِي الوُشَاةُ فَصَادفوا ...

حَصِراً بسرِّكِ يا أُمَيْمُ ضَنِيْنَا (٣٧) والحَصْر: احتباس الغائط، والحصير: المَلِك؛ لأنه كالمحبوس في الحجاب، وهو في شعر لبيد: جِنٌّ لَدَى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ (٣٨) والحصير: المعروف، وسَقِيْفُ من بَرْديٍّ (٣٩) (٤٠) (٤١) فأما حُكْمُ الإِحْصار فمذهب أهل العراق: أن كل مانع منع المُحْرم عن الوصول إلى البيت من: مَرَضٍ أو جُرْح أو كسر أو خوف عدو أو أي مانع كان، فإنه يقيم مكانه على إحرامه، ولبعث بهديه، أو بثمن الهدي، فإذا نحر الهدي حَلَّ من إحرامه.

واحتجوا بأن الإحصار من طريق اللفظ عام في كل مانع (٤٢) وأما مذهب أهل الحجاز (٤٣) (٤٤) (٤٥)  وأصحابه بالحُدَيْبِيَةِ (٤٦) ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ ﴾ ولم يقل: فإذا أندملتم (٤٧) ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا ﴾ فعُلم أن الإحصار في الآية ليس بالمرض، وأيضًا ذكرنا عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو (٤٨) وقولهم: الإحصار عام، قلنا: هو عام من حيث اللفظ، خاص ههنا في حبس العدو، بما (٤٩) (٥٠) فإذا (٥١) (٥٢) (٥٣) ثم إن كان الحج فَرْضاً أو العمرة فأحصره العدو فقال الشافعي: إذا أُحْصِرَ بعدوٍّ كافرٍ أو مسلم، أو سُلْطَان يحبسه في سجن، نحر هديًا بالإحصار حيث أُحْصِر في حِلٍّ أو حَرَم، وحَلَّ من إحرامه، وعليه القَضَاءُ إذا انْجَلَى الحَصْر، فإن انجلى الحَصْرُ عاجلاً أمكنه القضاء في ذلك العام، وإن كان النُّسُكُ في الأصل نفلاً فأُحْصِر فَتَحَلَّلَ فلا قضاء عليه من طريق الوجوب، ولكن يُسْتَحَبُّ له ذَلكَ، وإذا لم يجد هديًا يشتريه، أو كان فقيرًا، ففيه قَوْلان: أحدهما: لا يحل إلا بهدي.

والآخر: إذا لم يَقْدِر عليه حَلَّ، وأتى به إذا قَدَرَ عَليه (٥٤) وأما المحصر بالمرض، فإنه يصير على إحرامه ولا يتحلل، وله أن يتداوى بما لابد منه ويفتدي، ويأتي في هذه الآية ذكره (٥٥) وفي الآية إضمار، تقديره: فإن أحصرتم دون تمام الحج والعمرة، وجاز الحذف لأن ما تقدم يدل عليه (٥٦) قوله تعالى: ﴿ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾ محل "ما" رفع.

المعنى: فواجبٌ عليكم ما استيسر (٥٧) قال الفراء: ولو نصبتَ على معنى: اهْدُوا ما استيسر، كان صوابًا، وأكثر ما جاء في القرآن من أشباهه مرفوع (٥٨) واستَيْسر بمعنى: تيسر، ومثله استعظم، أي: تَعَظَّم، واسْتَكْبَر، أي: تَكَبَّر (٥٩) والهَدْيُ: جَمْعُ هَدْيَة، مثل: شَرْية وشَرْي، وجَدْيَة وجَدْي (٦٠) قال أحمد بن يحيى: أهلُ الحجاز يُخَفِّفُون الهَدْي، وتميمٌ تُثَقِّلُهُ، فيقولون: هديّة وهديّ، مثل مطيّة ومَطِيّ (٦١) قال الشاعر: حَلَفْتُ بربِّ مَكَّةَ والمُصَلَّى ...

وأعْنَاقِ الهَديِّ مُقَلَّداتِ (٦٢) ومعنى الهَدْي: ما يُهْدَى إلى بيت الله عزّ وجلّ تَقَرُّبًا إليه، بمنزلة الهَدِيَّةِ يُهْدِيها الإنسان إلى غيره متقربًا بها إليه (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ أي: لا تَتَحَلَّلُوا من إحرامكم حتى يُنْحَرَ الهَدْيُ (٦٨) ومعنى ﴿ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ أي: حيث يَحِلُّ ذبحُه ونَحْرُه، يُقال: حلَّ الشيء يَحِلُّ حَلاَلاً وحِلاًّ، وهذا أوان محله، أي: حينَ حَلَّ (٦٩)  في اللحم الذي تصدّق على بريرة: "قربوه فقد بَلَغ محله" (٧٠) (٧١) (٧٢) (٧٣) وهكذا فعل النبي  وأصحابه، حين صُدُّوا عن البيت، نَحَروا هَدْيَهُم بالحديبية ليست من الحرم (٧٤) قال الشافعي رحمه الله: وكل ما وجب على المحرم في ماله من بَدَنةٍ وجَزَاء وَهَدْي فلا يُجْزِي إلا في الحرم، لمساكين أهله، إلا في موضعين: أحدهما: دم المحصر بالعدو، فإنه ينحر حيث حبس ولحل.

والآخر: من ساق هديًا فعَطب في طريقه ذبحه وخلى بينه وبين المساكين (٧٥) هذا على مذهب أهل الحجاز (٧٦) (٧٧) (٧٨) وحقيقة الخلاف تعود إلى أن عند أهل الحجاز المحل في هذه الآية اسمًا للأوان الذي يحل فيه ذبح الهدي عن المحصر، وعند غيرهم المحل اسم للمكان (٧٩) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ ﴾ نزلت في كعب ابن عُجْرة (٨٠)  زمن الحديبية ولي وفرة من شعر فيها القَمْل والصِّيبَان، وهي تَتَناثر على وجْهي وأنا أطبخ قِدرًا لي، فقال رسول الله  : "أيؤذيك هوام رأسك؟

" قلت: نعم يا رسول الله قال: "احلق رأسك"، فأنزل الله عز وجل: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ ﴾ (٨١) (٨٢) والحكم في هذا: أن المحرم إذا تأذّى بهوامِّ رأسِه أو بالمرض أُبيح له الحلق والمداواة بشرط الفدية، وهذه الفدية على التخيير أيها شاء فعل، كما دل عليه ظاهر الآية (٨٣) (٨٤) (٨٥) (٨٦) وأصل معنى الصدقة نذكرها في قوله: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ  ﴾ إن شاء الله تعالى.

وقوله تعالى: ﴿ أَوْ نُسُكٍ ﴾ جمعُ نسيكة، وهي الذبيحة يَنْسُكُها لله عز وجل، أي: يذبحها (٨٧) (٨٨) (٨٩) قال العلماء أعلاها: بدنة، وأوسطها: بقرة، وأدناها: شاة.

وهو مخير بينهما؛ لأن النسك وقع على هذه الأجناس (٩٠) (٩١) قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: أي من العدو، أو كان حج ليس فيه عدو (٩٢) ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ ﴾ لأن الأمن يكون بعد خوف فيزول، ويكون من غير خوف قد زال، وكلا الحالتين سواء في حكم المتمتع، وهو قوله: ﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴾ .

والمتاع: كل شيء يُتَمَتَّعُ به، ويُنْتَفَع به.

وأصله: من قولهم: جَبَلٌ ماتعٌ، أي: طَويل، وكل من طالت صُحْبته مع الشيء فهو متمتع به (٩٣) والتمتع بالعمرة إلى الحجِّ هو: أن يَقْدُمَ مَكَّةَ مُحْرِمُا، فيعتمرَ في أَشْهُرِ الحَجِّ، ثم يقيم حلالاً بمكةَ، حتى ينشئَ منها الحجَّ فيحج من عامه ذلك، ويكون متمتعًا بمحظورات الإحرام؛ لأنه حل بالعمرة إلى إحرامه بالحج (٩٤) ومعنى قوله: ﴿ بِالْعُمْرَةِ ﴾ هو أي: بسبب العمرة، لأنه لا يتمتع بالعمرة، ولكنه يتمتع بمحظورات الإحرام بسبب العمرة حيث أتى بها (٩٥) وقوله تعالى: ﴿ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾ قال أصحابنا: المتمتع الذي يجب عليه الدّم: هو الذي يُحِم في أشهر الحج، ويحل بعمرة في أشهر الحج، ويُحْرم بالحج من عامه ذلك من مكةَ، ولا يرجع إلى الميقات، ويكون من غير أهل الحرم، فإذا انخرم شيء من هذه الشرائط سقط عنه الدم، ولا يكون متمتعاً (٩٦) وإذا وجدت هذه الشرائط كان متمتعًا، وعليه إراقة دم إن شاء قبل يوم النحر، وإن شاء في يوم النحر (٩٧) ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ﴾ أي: في أشهر الحج.

قال المفسرون: يصومُ يومًا قبل التروية، ويومَ التروية، ويومَ عرفة.

قال أصحابنا: يصوم ثلاثة أيام قبل يوم النحر في أشهر الحج، إن شاء متتابعة، وإن شاء متفرقة، وإن صام قبل يوم عرفة حتى يكون يوم عرفة (٩٨)  ما صامَ بعرفةَ يومَ عَرَفة، وذلك أقوى للدعاء (٩٩) وقوله تعالى: ﴿ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ﴾ أما السَّبْعَةُ فله أن يصومها بعد الفراغ من الحج، أين شاء ومتى شاء، والأولى: أن لا يُوقِعَها في أيام التشريق (١٠٠) وقوله تعالى: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ يقال: كمُل الشيءُ يَكمُل، وكمَل يكمُل، فهو كامِلٌ وكميل، وذُكِر أيضًا: كَمِل يكمَلُ (١٠١) وإنما قال: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ مع العلم بأن الثلاثة والسبعة عشرة، للتأكيد (١٠٢) (١٠٣) ثَلاثٌ واثْنَتَانِ فهُنَّ خَمْسُ (١٠٤) وكقوله تعالى: ﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً  ﴾ .

وقيل: إن العرب أمّةٌ أميةٌ، لا تَعْرِف الحساب (١٠٥) (١٠٦) (١٠٧) وقال الزجاج: العرب قد تذكر الواو والمراد منها أو، كقوله: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ  ﴾ ، فجاز أن يَتَوَهَّم المتوهم أن الفرضَ ثلاثة أيام في الحج أو سبعة في الرجوع، فأعلم الله عز وجل أن العشرَ مفترضةٌ كلها (١٠٨) وقيل: أراد: كاملة في البدل عن الدم، وإن كانت مُفَرَّقة، ثلاثة في الحج وسبعة في الوطن (١٠٩) وقيل: لفظه خبر ومعناه أمر، أي: فأكملوها ولا تنقصوها (١١٠) وقوله: ﴿ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ أي: ذلك الفرض والذي أمرنا به لمن كان من الغرباء من غير أهل مكة (١١١) قال الفراء: واللام في قوله: ﴿ لِمَنْ ﴾ معناها: على (١١٢)  : "اشترطي لهم الولاء" (١١٣) والله تعالى ذكر الأهل والمراد بالحضور المحرم لا الأهل، وذلك أن الغالب على الرجل أن يسكن حيث كان أهله ساكنون (١١٤) والحاضرون: من كانت دارُه على مسافةٍ لا يَقْصُر إليها الصِّلاة، سموا حاضرين: لأنهم يقربون من مكة، والحَضْرة عند العرب: قرب الشيء (١١٥) وقوله تعالى: ﴿ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ أصلُ الحرام: المَنْع، والمحروم: المَمْنُوع من المكاسب، والشيء المنهي عنه حَرَام؛ لأنه منع من إتيانه؛ ومنه قول زُهيْر: لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ (١١٦) أي: لا ممنوع.

فالمسجد الحرام: الممنوع من أن يفعل فيه ما حَرُم ولم يؤذن في إتيانه (١١٧) قال الفراء: ويقال حَرَام وحَرَمُ، مثل: زَمَان وزَمَن (١١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ قال ابن عباس: يريد فيما افترضه عليكم ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ لمن تهاون بحدوده (١١٩) (١) رواه سعيد بن منصور في "السنن" 2/ 712، والطبري في "تفسيره" عنه بمعناه 2/ 207، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 376 إلى وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر، والنحاس في "ناسخه"، والحاكم وصححه، والبيهقي في "سننه".

(٢) في "تفسير مجاهد" 1/ 100، ورواه الثوري في "تفسيره" ص 65، والطبري في "تفسيره" 2/ 207، وعزاه في "الدر" 1/ 376 إلى عبد بن حميد.

(٣) وبه قال علقمة وإبراهيم.

ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 206، 207، "تفسير الثعلبي" 2/ 452.

(٤) نسبه إليه البغوي في "تفسيره" 1/ 217، وابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 117.

(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" بمعناه 2/ 207، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 333، والحاكم 2/ 303 وصححه، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 376 إلى وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والنحاس في "ناسخه"، والبيهقي في "سننه".

(٦) رواه الطبري في "تفسيره" عنه 2/ 207، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 333، والجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 263.

(٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 4/ 9، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 333، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 225، وقد ذكر المؤلف قولين، والقول الثالث: إتمامهما: أن يفصل بينهما فيأتي بالعمرة في غير أشهر الحج، روي عن عمر والحسن وعطاء، والرابع: أنه فعل ما أمر الله فيهما، روي عن مجاهد.

والخامس: ألا يتجر معهما.

والسادس: ألا يحرم بالعمرة في أشهر الحج، قاله قتادة.

ينظر: "زاد المسير" 1/ 204 (ط.

المكتب الإسلامي) (٨) في (أ) (أنهما)، وفي (م) (أيهما).

(٩) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 209، وعزاه السيوطي في "الدر" 1/ 176 إلى عبد ابن حميد، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 463.

(١٠) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 334، والدارقطني في "السنن" 2/ 285، والبيهقي في "تفسيره" 4/ 351، والحاكم 1/ 643 وصححه، وعزاه في "الدر" 1/ 377، إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد والدارقطني والحاكم والبيهقي.

(١١) ينظر: "الأم" للشافعي 2/ 477 (ط.

دار إحياء التراث العربي) "المجموع" 7/ 7، "البيان في مذهب الشافعي" للعمراني 4/ 11، وممن قال بالوجوب: ابن عمر وجابر وزيد وعطاء وابن المسيب وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين، والسفيانان، وقتادة، وهو المذهب عند الحنابلة.

ينظر: "المصنف" لابن أبي شيبة 4/ 304 - 305، "البيان" للعمراني 4/ 11، "تفسير الثعلبي" 2/ 463، "الفروع" لابن مفلح 3/ 203.

(١٢) رواه البخاري تعليقًا في العمرة، باب: وجوب الحج والعمرة 2/ 240، ورواه موصولاً: الشافعي في "الأم" 4/ 144، والبيهقي في "تفسيره" 4/ 351، وابن عبد البر في "التمهيد" 20/ 16.

(١٣) رواه الطبري عنه في "تفسيره" 2/ 209، والبيهقي في "تفسيره" 4/ 351، وابن عبد البر في "التمهيد" 20/ 15.

(١٤) من "تفسير الثعلبي" 2/ 469، وينظر: "الأم" 2/ 144، "التمهيد" 20/ 10.

(١٥) من "تفسير الثعلبي" 2/ 454، وهذا مذهب الجمهور.

ينظر: "حاشية ابن عابدين" 2/ 250، "شرح الزرقاني على مختصر خليل" 2/ 281، "المهذب" للشيرازي 2/ 789، "الوسيط" للغزالي 2/ 1261، "البيان" للعمراني 4/ 373، "الموسوعة الفقهية الكويتية" 17/ 49.

(١٦) من "تفسير الثعلبي" 2/ 454، وينظر: "المهذب" 2/ 789، "المجموع" 8/ 265، وذهب جمهور الفقهاء إلى أن أركان العمرة ثلاثة، هي: الإحرام، والطواف، والسعي، وهو مذهب المالكية والحنابلة، وزاد الشافعية ركنًا رابعًا هو الحلق، ومذهب الحنفية أن الإحرام شرط للعمرة، وركنها واحد هو الطواف.

ينظر: "الشرح الكبير" و"حاشيته للدسوقي" 2/ 21، "المسلك المتقسط" ص 307، "كشاف القناع" 2/ 521، "البيان" للعمراني 4/ 370.

(١٧) القدر الواجب: هو حلق شعر جميع الرأس، أو تقصيره عند المالكية والحنابلة، وربع الرأس على الأقل عند الحنفية، وثلاث شعرات على الأقل عند الشافعية.

ينظر: "فتح القدير" 2/ 178 - 179، "المسلك المتقسط" ص 151 - 154، "الشرح الكبير" و"حاشيته للدسوقي" 2/ 46، "الفروع" 3/ 513.

(١٨) القول بالسنية قول المالكية وأكثر الحنفية، وهو قول الشافعي في القديم، واختيار== الطبري، وقول أبي ثور، وذهب بعض الحنفية إلى أنها واجبة في العمر مرة واحدة، على اصطلاح الحنفية في الواجب.

ينظر: "مختصر الطحاوي" ص 59، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 264، "شرح فتح القدير" 2/ 306، "بدائع الصنائع" 2/ 226، "حاشية الدسوقي" 2/ 2، "الموسوعة الكويتية" 3/ 314.

(١٩) من "تفسير الثعلبي" 2/ 468، وينظر: "الأم" 2/ 144، "تفسير الطبري" 2/ 210، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 264، "التمهيد" 20/ 10.

(٢٠) من "تفسير الثعلبي" 2/ 469، وقال: ولأن من أوجبها أكثر، والأخبار في إيجاب الحج والعمرة مقترنين أظهر وأشهر.

(٢١) هو: محمد بن سلام بن عبيد الله بن سالم أبو عبد الله، الجمحي البصري، تقدمت ترجمته (البقرة آية 58).

(٢٢) في "تهذيب اللغة" 1/ 838 (حصر): عن يونس أنه قال: إذا رُدَّ الرجل عن وجه يريده فقد أحصر، أبو عبيد، عن أبي عبيدة: حُصر الرجل في الحبس، وأحصر في السفر من مرض أو انقطاع به.

(٢٣) في "تهذيب اللغة" 2/ 838 (حصر)، وقال ابن السكيت، ولم يذكر الإسناد.

(٢٤) "تهذيب اللغة" 2/ 838 (حصر)، وزاد: إذا ضيق عليه فحصر، أي: ضاق صدره.

(٢٥) في (أ) (م) الحسن.

(٢٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 267 بمعناه.

(٢٧) "غريب القرآن" لابن قتيبة 78.

(٢٨) في (أ) (م) نحو بلا واو.

(٢٩) "مجاز القرآن" 1/ 69، وينظر: "الفروق في اللغة" للعسكري ص 108، "أحكام القرآن" 1/ 268، وقد فرق بينهما الراكب في "المفردات" ص 128 فقال: والحصر والإحصار من طريق البيت، فالإحصار يقال في المنع الظاهر كالعدو، والمنع الباطن كالمرض، والحصر لا يقال إلا في المنع الباطن، فقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾ فمحمول على الأمرين.

(٣٠) بمعناه عند الثعلبي في "تفسيره" 2/ 495، ونقله في "البحر المحيط" بنحوه 2/ 73، "الدر المصون" 2/ 314.

(٣١) سقطت من (ش).

(٣٢) رواه الشافعي في "الأم" 2/ 178، والطبري في "تفسيره" 2/ 214، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 336، والبيهقي في "تفسيره" 5/ 219، وصحح إسناده الحافظ في "تلخيص الحبير" 2/ 288.

(٣٣) "تهذيب اللغة" 2/ 838، قال القشيري أبو نصر: وادعت الشافعية: أن الإحصار يستعمل في العدو، فأما العدو فيستعمل فيه الحصر، والصحيح أنهما يستعملان فيهما، نقله القرطبي في "تفسيره" 2/ 348 - 349، وقال أبو حيان في: "البحر المحيط" 2/ 73: وثبت بنقل من نقل من أهل اللغة أن الإحصار والحصر سواء، وأنهما يقالان في المنع بالعدو وبالمرض وبغير ذلك من الموانع، فتحمل الآية على ذلك، ويكون سبب النزول ورد على أحد مطلقات الإحصار، وليس في الآية تقيد، وبهذا قال قتادة والحسن وعطاء والنخعي ومجاهد وأبو حنيفة.

(٣٤) في (ش) اللغة.

(٣٥) "معاني القرآن" للفراء 1/ 118 بمعناه.

(٣٦) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 838 حصر.

(٣٧) البيت في "ديوانه" ص 0476 وقد ورد البيت: ولقد تسقطني، وعند الطبري: تساقطني 3/ 255، وورد منسوبا له في "مجاز القرآن" 1/ 92، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 407،"تهذيب اللغة" 4/ 235، "معجم مقاييس اللغة" 2/ 73، "لسان العرب" 2/ 896.

(٣٨) ورد البيت وهو في "ديوانه" ص 160 هكذا: وَمَقَامةٍ غُلْبِ الرِّقَابِ كَأنهم ...

جِنٌّ لدى طَرَفِ الحَصِيرِ قِيامُ "المفردات" للراغب ص 128 وروايته: ومَعَالمٍ.

(٣٩) في (ش) سقيف من تردي وفي (م) سفيف من بردي.

والبردي: نبات يعمل منه الحصر.

(٤٠) في (ش): كلبس.

(٤١) ينظر في مادة (حصر): "تهذيب اللغة" 2/ 839، "المفردات" ص128، "عمدة الحفاظ" 1/ 481.

(٤٢) وبه قال النخعي والحسن ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير ومقاتل.

ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 215، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 268، "شرح معاني الآثار" 2/ 252، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 119، "تفسير القرطبي" 2/ 350 - 351.

(٤٣) ينظر: "الموطأ" 1/ 360، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 115، "تفسير الثعلبي" 2/ 495، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي 1/ 90 - 91، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 119، وقال: قاله ابن عمر وابن عباس وأنس والشافعي، وهو اختيار علمائنا، ورأي أكثر أهل اللغة ومُحصِّليها على أن أُحصِر: عرض للمرض، وحُصر: نزل به الحصر، واستدرك عليه القرطبي في "تفسيره" 2/ 350 فقال: ما حكاه ابن العربي من أنه اختيار علمائنا، فلم يقل به إلا أشهب وحده، وخالفه سائر أصحاب مالك في هذا، وقالوا: الإحصار إنما هو المرض، وأما العدو فإنما يقال فيه: حصِر حصْرا فهو محصور، قاله الباجي في المنتقى، وحكى أبو إسحاق الزجاج أنه كذلك عند جميع أهل اللغة.

(٤٤) "الأم" 2/ 178، و"اختلاف العلماء" للمروزي ص 85، و"السنن" للبيهقي 5/ 219.

(٤٥) في (ش) عليه.

(٤٦) ينظر: "تفسير الثعلبي": 2/ 495.

قال ابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 119: وقد اتفق علماء الإسلام على أن الآية نزلت سنة ست، في عمرة الحديبية، حين صد المشركون رسول الله  عن مكة.

(٤٧) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 495، "تفسير القرطبى" 2/ 350.

(٤٨) تقدم تخريجه.

(٤٩) في (م) وبما.

(٥٠) ينظر في ذكر الأدلة: "أحكام القرآن" للكيا الهراسي 1/ 134 - 135.

(٥١) في (ش) فإن.

(٥٢) في (ش) التحليل.

(٥٣) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 348 - 355، "البحر المحيط" 2/ 73.

(٥٤) "مختصر المزني" الملحق بكتاب "الأم" للشافعي 8/ 169، "تفسير الثعلبي" 2/ 496، والنقل عنه.

وينظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 122، "تفسير القرطبي" 3/ 353 - 355، ويرى أبو حنيفة أن عليه القضاء، وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 2/ 226، واحتجوا بأن النبي  قضى عمرة الحديبية في العام الآخر، وأجيبوا بأنه إنما قضاها لأن الصلح وقع على ذلك إرغاما للمشركين، وإتماما للرؤيا، وتحقيقا للموعد، وهي في ابتداء عمرة أخرى، وسميت عمرة القضية من المقاضاة لا من القضاء.

(٥٥) من "تفسير الثعلبي" 2/ 497، وينظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 121، "تفسير القرطبي" 2/ 351، وقد رد الإمام الطبري هذا القول في "تفسيره" 2/ 227، وناقش القائلين به، وبين عدم الفرق بين الإحصار بالعدو وبالمرض لعدم الفارق بين المعنيين بكلام نفيس.

(٥٦) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 215.

(٥٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 267، "تفسير الطبري" 2/ 219، "تفسير الثعلبي" 2/ 498، "تفسير القرطبي" 2/ 355، "التبيان" 122، وقال مكي في "مشكل إعراب القرآن" 1/ 123: (ما) في موضع رفع بالابتداء، أي: فعليه ما استيسر.

(٥٨) "معاني القرآن" للفراء بمعناه 1/ 118، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 498، "مشكل == إعراب القرآن" لمكي 1/ 123، "التبيان" 122، "البحر المحيط" 2/ 74.

(٥٩) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 160، "التبيان" للعكبري 122، قال: والسين هنا ليست للاستدعاء.

وقال في "البحر المحيط" 2/ 74: واستيسر هو بمعنى الفعل المجرد، أي: يسر، بمعنى: استغنى وغني، واستصعب وصعب، وهو أحد المعاني التي جاءت لها استفعل.

(٦٠) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 219، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 267، "تهذيب اللغة" 4/ 3738، "المفردات" 519، "اللسان" 8/ 4642 "هدى".

(٦١) نقله الرازي في "التفسير الكبير" 5/ 160، وصاحب "اللسان" 8/ 4642 (هدى).

(٦٢) البيت للفرزدق في "ديوانه" 1/ 108، "لسان العرب" مادة: قلد 6/ 3718.

(٦٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 499، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 220، "المفردات" 519، "التفسير الكبير" 5/ 160، "اللسان" 8/ 4642 (هدى).

(٦٤) رواه عنه مالك في "الموطأ" 1/ 384، وسعيد بن منصور في "تفسيره" 3/ 753، والطبري في "تفسيره" 2/ 217، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 336، قال: ما استيسر من الهدي: شاة، ولم يذكر هذا التقسيم، والواحدي لعله لما نقل هذا عن الثعلبي لم يلتفت إلى التفريق في عبارته؛ حيث قال الثعلبي 2/ 499: فقال علي ابن أبي طالب وابن عباس: شاة، وقال الحسن وقتادة: أعلاه بدنة، وأوسطه شاة.= أو لعله سقط من المخطوطة.

والله أعلم.

(٦٥) رواه مالك في "الموطأ" 1/ 384، والطبري بمعناه 2/ 215 - 217، وابن أبي حاتم 1/ 336، وسعيد بن منصور 3/ 749.

(٦٦) رواه سعيد بن منصور في "السنن" 3/ 758، والطبري في "تفسيره" 2/ 216، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 336 كلهم عن الحسن قال: فما استيسر من الهدي: شاة، وليس فيه التقسيم المذكور.

وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 500 بلفظ الواحدى.

(٦٧) ينظر: "تفسيرالثعلبي" 2/ 499.

(٦٨) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 220.

(٦٩) من "تفسير الثعلبي"، وينظر: "غريب القرآن" 79، "تفسير الطبري" 2/ 220.

(٧٠) بهذا اللفظ ذكره الطبري في "تفسيره" 2/ 222، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 502، وتابعه الواحدي هنا.

وحديث بريرة المشهور، لفظه: هو لها صدقة ولنا هدية، رواه البخاري في الزكاة، باب: الصدقة على موالي أزواج النبي  2/ 164 برقم 1493، ومسلم في العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق 2/ 1143 برقم 1504 وليس فيه اللفظ الذي ذكره المؤلف، لكنه ورد في حديث أم عطية أنه  قال عن الشاة التي أرسلتها نسيبة الأنصارية: فقد بلغت محلها، رواه البخاري في الزكاة، باب: قدر كم يعطي من الزكاة والصدقة 2/ 148 برقم 1446، ومسلم في الزكاة، باب.

إباحة الهدية للنبي  2/ 756.

== قال أحمد شاكر في تعليقه على الطبري: ولم أجد لفظ: "فقد بلغ محله"، الذي حكاه الطبري في قصة بريرة، ولعله وقع إليه من رواية خفيت علينا، ثم ذكر شاكر أن نحو هذا اللفظ جاء في قصتين أخريين: إحداهما: من حديث أم عطية الأنصارية، ولفظه: "إنها قد بلغت محلها"، والأخرى: من حديث جويرية بنحو اللفظ السابق.

(٧١) سقطت من (ش).

(٧٢) بريرة مولاة عائشة  ما، وكانت مولاة لبعض الأنصار، ثم اشترتها عائشة فأعتقتها، وكانت تحت مغيث فخيرها رسول الله  بعد عتقها، فاختارت فراقه، وعاشت إلى خلافة يزيد بن معاوية.

ينظر: "صحيح البخاري" 6/ 210، "الاستيعاب" 4/ 357 (3290).

(٧٣) "تفسيرالثعلبي" 2/ 502.

(٧٤) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 221، 222، "تفسير الثعلبي" 2/ 502.

(٧٥) "تفسير الثعلبي" 2/ 497، وقد عزاه فقال: وقال بعض الفقهاء، ولم يعزه إلى الشافعي، لكن الجملة التي قبله عزاها للشافعي، وهي التي نقلها الواحدي قبل عدة أسطر.

(٧٦) ينظر: "الأم" 2/ 174، "تفسير الثعلبي" 2/ 501، "أحكام القرآن" لابن العربي== 1/ 122، "تفسير الطبري" 2/ 221، 222، وبين رحمه الله 2/ 226، 227 أن أولى الأقوال بالصواب قول من قال: إن المراد بالآية كل محصر بعمرة أو حج، وجعل محل هديه الموضع الذي أحصر فيه، وجعل له الإحلال من إحرامه ببلوغ هديه محله، وأراد بالمحل: المنحر أو المذبح، وذلك حين حل ذبحه ونحره في حرم كان أو حل.

(٧٧) في (م) (فحله في الموضعين).

(٧٨) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 223، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 272، "شرح معاني الآثار" 2/ 251، "بدائع الصنائع" 2/ 179.

(٧٩) "التفسير الكبير" 5/ 162.

(٨٠) كعب بن عجرة بن أمية البلوي، الأنصاري المدني، أبو محمد، صحابي مشهور، تأخر إسلامه، ثم شهد المشاهد كلها، مات بعد الخمسين، وله نيف وسبعون سنة، روى حديثه الجماعة.

ينظر، "أسد الغابة" 4/ 243، "تقريب التهذيب" ص 461 (5643).

(٨١) أخرجه البخاري (1817) كتاب المحصر، باب: النسك شاة، ومسلم (1201) == كتاب الحج، باب: جواز حلق الرأس للمحرم، وقال الطبري في "تفسيره" 2/ 230: وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله  أن هذه الآية نزلت بسبب كعب بن عجرة، إذ شكا كثرة أذى رأسه من صئبانه، وذلك عام الحديبية، ثم ذكر 28 طريقا للحديث.

والوفرة: أعظم من الجمة، وهي: ما جاوز شحمة الأذنين من الشعر، ثم اللمة، وهي: ما ألم بالمنكبين، والصئبان: جمع صؤاب، جمع: صؤابة، وهو بيض القمل، والهوام: واحدها: هامة، وهي الحيات وأشباهها مما يهم، أي: يدب، والهميم: الدبيب، وكنوا عن القمل بأنها هوام؛ لأنها تهم في الرأس، أي: تدب فيه وتؤذي.

(٨٢) "تفسير القرطبي" 2/ 360، "اللسان" 6/ 3367 فدي.

(٨٣) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 231 - 234، 236، 237، "تفسير الثعلبي" 2/ 508، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 124.

(٨٤) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 507، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 124 - 125، "تفسير القرطبي" 2/ 363 خلافًا لقول الحسن وعكرمة.

(٨٥) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 507، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 125، "تفسير القرطبي" 2/ 362 - 363.

(٨٦) ليست في (أ) ولا (م).

(٨٧) في (م) بذبحها.

(٨٨) نقله عن ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" 4/ 3562.

(٨٩) ينظر في معنى النسك: "تهذيب اللغة" 4/ 3562 - 3563، "المفردات" 493، "التفسير الكبير" 5/ 164، "تفسير القرطبي" 2/ 364، "عمدة الحفاظ" 4/ 197.

(٩٠) "تفسير الثعلبي" 2/ 507، "تفسير البغوي" 1/ 223، وقال الرازي في "تفسيره" 5/ 164: اتفقوا في النسك على أن أقله شاة لأن النسك لا يتأدى إلا بأحد الأمور الثلاثة: الجمل، والبقرة، والشاة، ولما كان أقلها الشاة، لا جرم كان أقل الواجب في النسك هو الشاة، قال ابن عبد البر: كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرًا فإنما ذكره بشاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء، نقله القرطبي في "تفسيره" 2/ 361.

وينظر: "الإجماع في التفسير" ص204.

(٩١) وهذا قول علي وإبراهيم النخعي، وروي عن مجاهد، وهو قول المالكية، واختيار الطبري والثعلبي، وقال الحسن وطاوس وعطاء ومجاهد، وهو قول الشافعي: النسك والإطعام بمكة، والصيام حيث شئت، وعلتهم: قياسه على جزاء الصيد، حيث قال الله تعالى: ﴿ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ  ﴾ ، وإذا كان == هذا حكم الدم فكذا الإطعام، وقال عطاء: ما كان من دم فبمكة، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء، وروي عن الحسن وهو قول أصحاب الرأي، قال الطبري 2/ 240: وأجمعوا على أن الصيام مجزئ عن الحالق رأسه من أذى حيث صام من البلاد.

ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 240، "تفسير الثعلبي" 2/ 509، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي 1/ 145، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 125، "تفسير القرطبي" 2/ 364.

(٩٢) هذا من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في المقدمة.

والمفسرون على قولين: أحدهما: أمنتم من العدو؛ لأن الأمن لا يقال إلا من العدو، والمرض لا تؤمن معاودته، وبه قال قتادة والربيع، وقال علقمة: أمنتم من المرض والخوف، وكذا قال عروة.

ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 243.

(٩٣) ينظر في متع: "تهذيب اللغة" 4/ 3334 - 3335، "المفردات" 463، "تفسير الثعلبي" 2/ 511، "التفسير الكبير" 5/ 165، "عمدة الحفاظ" 4/ 72 - 74، "اللسان" 7/ 4127، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 121، "تفسير الثعلبي" 2/ 510، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 341.

(٩٤) وبه قال سعد بن أبي وقاص وابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء == وإبراهيم والحسن.

ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 243 - 246،"تفسير الثعلبي" 2/ 510، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 341، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 126، "التفسير الكبير" 5/ 165، "تفسير القرطبي" 2/ 364 - 366، وذكر رحمه الله أربع صور للتمتع، هذه إحداها.

والثانية: القرآن، وهي أن يجمع بين الحج والعمرة في إحرام واحد فيهل بهما جميعا في أشهر الحج أو غيرها.

والثالثة: أن يحرم بالحج حتى إذا دخل مكة فسخ حجه في عمرة، ثم أهل بالحج يوم التروية، وهذا الذي توعد عليه عمر بن الخطاب، وقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله  أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج.

والرابعة: متعة المحصر، ومن صُدَّ عن البيت حتى ينقضي الحج فيأتي إلى البيت فيعتمر ويحل إلى الحج من قبل قابل فيحج ويُهدي.

وذكر هذه الصور: الطبري بأسانيده 2/ 243 - 246.

(٩٥) "تفسير الثعلبي" 2/ 511، ونقله الرازي في "تفسيره" 5/ 165، وقيل: سمي متمتعًا؛ لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين.

ينظر القرطبي في "تفسيره" 2/ 364 - 366.

(٩٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 511، و"غرائب القرآن" للنيسابوري 2/ 161، "فتح الباري" 3/ 435، وذكر الرازي في "تفسيره" 5/ 165 - 166: أن دم التمتع له خمس شرائط عند الأصحاب أي من الشافعية: أحدها: أن يقدم العمرة على == الحج.

والثاني: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج.

والثالث: أن يحج من عامه.

والرابع: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام.

والخاص: أن يحرم بالحج من جوف مكة بعد الفراغ من العمرة، فإن عاد إلى الميقات لم يلزمه شيء.

وفصلها ابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 126 وزاد فقال: والتمتع يكون بشروط ثمانية: الأول: أن يجمع بين العمرة والحج.

الثاني: في سفر واحد.

الثالث: في عام واحد.

الرابع: في أشهر الحج.

الخامس: تقديم العمرة.

السادس: ألا يجمعهما، بل يكون إحرام الحج بعد الفراغ من العمرة.

السابع: أن تكون العمرة والحج عن شخص واحد.

الثامن: أن يكون من غير أهل مكة.

(٩٧) من "تفسير الثعلبي" 2/ 512، وهذا قول علي وابن عمر وابن عباس وجماعة من التابعين.

ينظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 76، "تفسير الطبري" 2/ 245 - 246، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 342.

(٩٨) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 247 - 249، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 129 - 131، "زاد المسير" 1/ 206، وقد بين الطبري رحمه الله علة قول من قال: إن آخر الثلاثة قبل يوم النحر، أن الله أوجب صومهن في الحج، وإذا انقضى عرفة انقضى الحج، والعلماء مجمعون على حرمة صوم يوم النحر، فإن كان إجماعهم على حرمة صيام لأجل كونه ليس من أيام الحج فما بعده أولى، وان كان لأجل كونه عيدا فما بعده من أيام التشريق في معناه.

وقال آخرون: إن آخرهن أيام التشريق== لحديث عائشة وابن عمر قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي.

رواه البخاري، قالوا: وأيام منى من أيام الحج، وفيه جملة من أعماله، وممن يرى جواز ذلك: عائشة وابن عمر وابن الزبير ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق، كما في "تفسير البغوي" 1/ 224.

والواحدي رحمه الله كأنه بكلامه يرى عدم جواز صيام أيام التشريق مطلقا، وهذا قول الشافعية، والحديث حجة عليهم كما بين ذلك ابن العربي في "تفسيره" 1/ 129 - 130، والقرطبي في "تفسيره" 2/ 377.

(٩٩) ينظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 130، "تفسير القرطبي" 2/ 377.

(١٠٠) ذكر الطبري في "تفسيره" رحمه الله 2/ 253: " الإجماع" على أن المراد بقوله: ﴿ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ﴾ ، أي: إلى أهليكم، ودليله.

حديث ابن عمر في الصحيحين مرفوعا: فمن لم بجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله.

البخاري 2/ 181 في الحج، باب: من ساق البدن معه، ومسلم 2/ 901 في الحج، باب: وجوب الدم على المتمتع، وقد اختلف العلماء في حكم صيامها بعد الفراغ من أعمال الحج، وقبل الرجوع على قولين، ذكرهما القرطبي في "تفسيره" 2/ 378 - 379.

(١٠١) ينظر: "لسان العرب" 7/ 3930، "تفسير القرطبي" 2/ 379.

(١٠٢) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 254، "المحرر الوجيز" 2/ 162، "التفسير الكبير" 5/ 169.

(١٠٣) هو: همام بن غالب بن صعصعة التميمي، أبو فراس، الشهير بالفرزدق، شاعر عظيم الأثر في اللغة، مات في بادية البصرة سنة 110 هـ انظر: "الشعر والشعراء" 310، "السير" 4/ 590.

(١٠٤) عجزه: وسادسة تميل إلى شمام والبيت للفرزدق في "ديوانه" 2/ 835، ينظر: "البحر المحيط" 2/ 80، "تفسير الثعلبي" 2/ 513، "الدر المصون" 2/ 320 وشمام: اسم جمل ينظر: "لسان العرب" 5/ 2952 (عشر).

(١٠٥) ينظر: "تفسير البغوي" 1/ 224، "التفسير الكبير" 5/ 169.

(١٠٦) رواه مسلم (1856) كتاب الإمارة، باب: استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال.

(١٠٧) لم أجده.

(١٠٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 268، وينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 162، "التفسير الكبير" 5/ 169، "تفسير القرطبي" 2/ 379.

(١٠٩) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 254، "المحرر الوجيز" 2/ 162، "التفسير الكبير" 5/ 169، "تفسير القرطبي" 2/ 379.

(١١٠) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 254، "المحرر الوجيز" 2/ 162، "التفسير الكبير" 5/ 170، "تفسير القرطبي" 2/ 379، وهذا هو اختيار الطبري.

(١١١) هذا قول، وهو رجوع اسم الإشارة إلى المتمتع الذي يلزمه الدم أو بدله، والقول الآخر: أن اسم الإشارة عائد إلى التمتع، ولهذا اختلفوا في حكم تمتع المكي، وهل له المتعة أو لا؟

والأول: قال به الشافعي، والثاني: قال به أبو حنيفة.

ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 171، "تفسير القرطبي" 2/ 380، "البحر المحيط" 2/ 80.

(١١٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 118، وينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 381، والقول الآخر: أن اللام على بابها، والمعنى: ذلك لازم لمن.

ينظر: "الدر المصون" 2/ 321.

(١١٣) أخرجه البخاري (2168) كتاب البيوع، باب: إذا اشترط شروطا في البيع لا تحل، ومسلم (1504) كتاب العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق.

(١١٤) نقله عن الواحدي بتمامه الرازي في "تفسيره" 5/ 172.

(١١٥) واختلف الناس في حاضري المسجد الحرام، بعد "الإجماع" على أن أهل مكة وما اتصل بها، من حاضريه، وقال الطبري: بعد "الإجماع" على أهل الحرم، فقالا بعضهم: من وجبت عليه الجمعة فهو من حاضريه، وقال مالك: هم أهل مكة وما اتصل بها خاصة، وقال أبو حنيفة: من كان دون المواقيت فهو من حاضري المسجد الحرام، وقال الشافعي: ما ذكره الواحدي.

ينظر في ذكر الأقوال: "تفسير الطبري" 2/ 255 - 257، "التفسير الكبير" 5/ 171، "تفسير القرطبي" 2/ 381، "البحر المحيط" 2/ 81، "تفسير الثعلبي" 2/ 515.

(١١٦) البيت بتمامه: وإن أتاه خليل يوم مسألة ...

يقول: لا غائب مالي ولا حرم وهو في "ديوان زهير بشرح ثعلب" ص 153، وفي "الكتاب" لسيبويه 3/ 66، "الكامل" 1/ 134، "المقتضب" 2/ 70، والخليل من الخَلة: الفقير.

(١١٧) ينظر: "المفردات" ص 122، "عمدة الحفاظ" 1/ 457، ونقله عن الواحدي بلا عزو: الرازي في "تفسيره" 5/ 172، "لسان العرب" 2/ 846 (حرم).

(١١٨) نقله عنه الرازي في "تفسيره" 5/ 172.

(١١٩) المصدر السابق.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة للَّهِ ﴾ أي: أكملوهما إذا ابتدأتم عملهما، قال ابن عباس: إتمامها إكمال المناسك.

وقال عليّ: إتمامهما؛ أن تحرم بهما من دارك، ولا حجة فيه لمن أوجب العمرة؛ لأن الأمر إنما هو بالإتمام لا بالابتداء ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾ المشهور في اللغة: أحصره المرض، بالألف، وحصره العدوّ.

وقيل: بالعكس، وقيل: هما بمعنى واحد، فقال مالك: أحصرتم هنا بالمرض على مشهور اللغة، فأوجب عليه الهدي ولم يوجبه على من حصره العدوّ، وقال الشافعي وأشهب: يجب الهدْيُ على من حصره العدو، وعمل الآية على ذلك، واستدلا بنحر النبي صلى الله عليه وسلم الهدْيَ بالحديبية، وقال أبو حنيفة: يجب الهدي على المحصر بعدوّ وبمرض ﴿ فَمَا استيسر ﴾ أي فعليكم ما استيسر من الهدي وذلك شاه، ﴿ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ ﴾ خطاباً للمحصر وغيره ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً ﴾ الاية: نزلت في كعب بن عجرة حين رآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: لعلك يؤذيك هوامّ رأسك: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام وأطعم ستة مساكين أو أنسكْ بشاة، فمعنى الآية: أن من كان الحج واضطره مرض أو قمل إلى حلق رأسه قبل يوم النحر؛ جاز له حلقه؛ وعليه صيام أو صدقة أو نسك حسبما تفسر في الحديث، وقاس الفقهاء على حلق الرأس سائر الأشياء التي يمنع الحاج منها إلاّ الصيد، والوطء، وقصر الظاهرية ذلك على حلق الرأس، ولابد في الآية من مضمر لا ينتقل الكلام عنه، وهو المسمى فحوى الخطاب، وتقديرها: فمن كان منكم مريضاً أو به أذلا من رأسه فحلق رأسه فعليه فدية ﴿ فَإِذَآ أَمِنتُمْ ﴾ أي من المرض على قول مالك، ومن العدوّ على قول غيره، والمعنى: إذا كنتم بحال أمن سواء تقدم مرض أو خوف عدوّ أو لم يتقدم ﴿ فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج ﴾ التمتع عند مالك وغيره: هو أن يعتمر الإنسان في أشهر الحج، ثم يحج من عامه، فهو قد تمتع بإسقاط أحد السفرين للحج أو العمرة، وقال عبد الله بن الزبير: التمتع هو أن يحصر عن الحج بعدوّ حتى يفوته الحج، فيعتمر عمرة يتحلل بها من إحرامه، ثم يحج من قابل قضاء لحجته، فهو قد تمتع بفعل الممنوعات، من الحج، في وقت تحلله بالعمرة إلى الحج القابل، وقيل: التمتع هو قران الحج والعمرة ﴿ فَمَا استيسر مِنَ الهدي ﴾ شاة ﴿ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج ﴾ وقتها؛ من إحرامه إلى يوم عرفة فإن فاته صام أيام التشريق ﴿ إِذَا رَجَعْتُمْ ﴾ إلى بلادكم أو في الطريق ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ ﴾ فائدته أن السبع تصام بعد الثلاثة فتكون عشرة، ورُفع لئلا يتوهم أن السبعة بدل من الثلاثة، وقيل: هو مثل الفذلكة وهو قول الناس بعد الأعداد فذلك كذا، وقيل: كاملة في الثواب ﴿ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام ﴾ يعني غير أهل مكة وذي طوى بإجماع، وقيل: أهل الحرم كله، وقيل: من كان دون الميقات، وقوله: ذكل.

إشارة إلى الهدي أو الصيام: أي إنما يجب الهدي أو الصيام بدلاًمنه على الغرباء، لا على أهل مكة، وقيل: ذلك إشارة إلى التمتع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من رأسه ﴾ وكذلك "البأس" و "الكأس" كلها بغير همزة أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ لله ﴾ ط لأن عارض الإحصار خارج عن موجب الأصل ﴿ من الهدى ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ محله ﴾ ط لابتداء حكم كفارة الضرورة ﴿ أو نسك ﴾ ج لأن "إذا" للشرط مع الفاء وجوابه محذوف أي فإذا أمنتم من خوف العدو وضعف المرض فامضوا.

أمنتم وقف لحق الحذف ولابتداء الشرط في حكم آخر وهو التمتع ﴿ من الهدى ﴾ ج ﴿ رجعتم ﴾ ط ﴿ كاملة ﴾ ط ﴿ الحرام ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه.

التفسير: الحج في اللغة القصد كما مر في قوله ﴿ فمن حج البيت أو اعتمر  ﴾ وفي الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة.

وهي على ثلاثة أقسام: أركان وأبعاض وهيئات.

لأن كل عمل يفرض فيه فإما أن يتوقف التحلل عليه وهو الركن، أو لا يتوقف.

فإما أن يجبر بالدم وهو البعض، أو لا يجبر وهو الهيئة.

والأركان عند الشافعي خمسة: الإحرام والوقوف بعرفة والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة وحلق الرأس أو تقصيره.

وخالف أبو حنيفة في السعي، ولا مدخل للجبران في الأركان.

وأما الأبعاض أعني الواجبات المجبورة بالدم، فالإحرام من الميقات والرمي وفاقاً وفي الوقوف بعرفة إلى أن تغرب الشمس وفي المبيت بمزدلفة والمبيت بمنى، وفي طواف الوداع خلاف.

وأما الهيئات فالاغتسال وطواف القدوم والرمي والاضطباع في الطواف وفي السعي واستلام الركن وتقبيله والسعي في موضع السعي والمشي في موضع المشي والخطب والأذكار والأدعية إلى غير ذلك.

وبالجملة ما سوى الأركان والأبعاض ولا دم في تركها.

وأما في العمرة فما سوى الوقوف من أركان الحج أركان فيها.

ثم إن قوله عز من قائل: ﴿ وأتموا ﴾ أمر بالإتمام.

وهل هذا الأمر مطلق أو مشروط؟

فالشافعي على أنه مطلق والمعنى: افعلوا الحج والعمرة على نعت التمام والكمال.

وأبو حنيفة على أنه مشروط والمعنى: من شرح فيه فليتمه كما إذا كبر بالصلاة تطوعاً لزمه الإتمام.

وفائدة الخلاف تظهر في العمرة فإنها تصير واجبة على المعنى الأول دون الثاني.

حجة الشافعي أن الإتمام قد يراد به فعل الشيء تاماً كاملاً كقوله ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن  ﴾ أي أدّاهن على التمام والكمال.

وقوله ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل  ﴾ أي افعلوا الصيام تاماً إلى الليل وهذا أولى من تقدير أنكم إذا شرعتم فيه فأتموه، لأن الأصل عدم إضمار هذا الشرط، ولأن المفسرين أجمعوا على أن هذه أول آية نزلت في الحج، فحملها على الإيجاب ليكون تأسيساً أولى من حملها على الإتمام بشرط الشروع، فإنها تكون حينئذ تبعاً، ولأنه قرئ ﴿ وأقيموا الحج والعمرة ﴾ والشاذ يصلح للترجيح وإن لم يصلح للقطع كخبر الواحد، ولأن الوجوب المطلق يستلزم الإتمام، والإتمام بشرط الشروع لا يستلزم أصل الوجوب.

فتأويلنا أكثر فائدة، فيكون أولى.

وأيضاً أنه أحوط.

واعتمر النبي  قبل الحج، ولو لم تكن العمرة واجبة لكان الأشبه أن يبادر إلى الحج الذي هو واجب.

وقال  ﴿ يوم الحج الأكبر  ﴾ وفيه دليل على وجود حج أصغر وما ذاك إلا العمرة بالاتفاق.

لكن الحج واجب على الإطلاق لقوله ﴿ ولله على الناس حج البيت  ﴾ فيدخل فيه الأكبر والأصغر.

حجة أبي حنيفة قصة " الأعرابي الذي سأل النبي  عن أركان الإسلام فعلمه الصلاة والزكاة والحج والصوم فقال الأعرابي: لا أزيد على هذا ولا أنقص.

فقال النبي  : أفلح الأعرابي إن صدق" .

وقال  : "بني الإسلام على خمس" الحديث.

ولم يذكر العمرة.

وأجيب بأن العمرة حج أصغر فتدخل في مطلق الحج قالوا: روي عن جابر "أن النبي  سئل عن العمرة أواجبة هي أم لا؟

فقال: لا، وأن تعتمر خير لك" .

وعن أبي هريرة عن النبي  "الحج جهاد والعمرة تطوع" وأجيب بأنها أخبار آحاد فلا تعارض القرآن.

وأيضاً لعل العمرة، ما كانت واجبة حينما ذكر النبي  تلك الأحاديث، ثم نزل بعدها ﴿ وأتموا الحج ﴾ وذلك في السنة السابعة من الهجرة.

وأيضاً إنها معارضة بأخبار تدل على وجوبها.

روى النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن أبي رزين أنه سأل النبي  قال: إن أبي شيخ كبير أدرك الإسلام ولا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، قال  ": "حج عن أبيك واعتمر" " أمر بهما والأمر للوجوب.

وروي عن ابن عباس أنه قال: إن العمرة لقرينة الحج، وحمله على أنهما يقترنان في الذكر تكلف.

وعن عمر أن رجلاً قال له: إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ أهللت بهما جميعاً فقال: هديت لسنة نبيك وحمله على أن الوجوب مستفاد من الإهلال بهما لا يخلو من تعسف.

قالوا: قرأ علي وابن مسعود والشعبي ﴿ والعمرة لله ﴾ بالرفع.

فكأنهم قصدوا بذلك إخراجها عن حكم الحج في الوجوب.

وأجيب بأن الشاذة لا تعارض المتواترة، وبأنها ضعيفة من حيث العربية لعطف الاسمية على الفعلية، والخبرية على الطلبية، وبأن كون العمرة عبادة لله لا ينافي وجوبها.

واعلم أن لأداء النسكين وجوهاً ثلاثة: الإفراد والتمتع والقِران فالإفراد أن يحج ثم بعد الفراغ منه يعتمر من أدنى الحل، أو يعتمر قبل أشهر الحج ثم يحج في تلك السنة.

والقِران أن يحرم بالحج والعمرة معاً في أشهر الحج بأن ينويهما بقلبه معاً، وكذلك لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم قبل الطواف أدخل الحج عليها يصير قارناً.

والتمتع هو أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده في أشهر الحج ويأتي بأعمالها، ثم يحج في هذه السنة من مكة.

سمي تمتعاً لاستمتاعه بمحظورات الإحرام بينهما بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج، وأنه أيضاً يربح ميقاتاً لأنه لو أحرم بالحج من ميقات بلده لكان يحتاج بعد فراغه من الحج إلى أن يخرج إلى أدنى الحل فيحرم بالعمرة منه، وإذا تمتع استغنى عن الخروج لأنه يحرم بالحج من جوف مكة.

ولا خلاف بين أئمة الأمة في جواز هذه الوجوه، وإنما الخلاف في الأفضلية فقال الشافعي: أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القِران.

وقال في اختلاف الحديث: التمتع أفضل من الإفراد وبه قال مالك.

والإمامية قالوا: لا يجوز لغير حاضري المسجد الحرام العدول عن التمتع إلا لضرورة.

وقال أبو حنيفة، القِران أفضل ثم الإفراد ثم التمتع.

وهو قول المزني وأبي إسحاق المروزي.

وقال أبو يوسف ومحمد: القِران أفضل ثم التمتع ثم الإفراد.

حجة الشافعي في أفضلية الإفراد قوله ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ وذلك أن العطف يقتضي المغايرة وأنها تحصل عند الإفراد، فأما عند القِران فالموجود شيء واحد هو حج وعمرة معاً.

وأيضاً الأعمال عند الإفراد أكثر فيكون الثواب أكثر وذلك هو الفضل.

وما روي عن أنس أنه قال: كنت واقفاً عند جران ناقة رسول الله  وكان لعابها يسيل على كتفي فسمعته يقول: لبيك بعمرة وحجة معاً.

معارض بما روى مسلم في صحيحه عن عائشة أن النبي  أفرد بالحج، وهكذا روى جابر وابن عمر.

وقد رجح الشافعي رواية عائشة وجابر وابن عمر على رواية أنس بأنهم أعلم وأقرب إلى رسول الله  وأقدم صحبة، أن أنساً كان صغيراً في ذلك الوقت قليل العلم.

حجة القائلين بأفضلية القِران: أن في القِران مسارعة إلى النسكين، وفي الإفراد ترك المسارعة إلى أحدهما، فيكون أفضل لقوله ﴿ وسارعوا  ﴾ وأجيب بأنا لا نقول الحجة المفردة بلا عمرة أفضل من الحجة المقرونة، لكنا نقول: من أتى بالحج في وقته ثم بالعمرة في وقتها، فمجموع هذين الأمرين أفضل من الإتيان بالحجة المقرونة، واختلف في تفسير الإتمام في قوله  ﴿ وأتموا ﴾ .

فعن علي  وابن عباس وابن مسعود: أن إتمامهما أن تحرم من دويرة أهلك.

وقال أبو مسلم: المعنى أن من نوى الحج والعمرة لله وجب عليه الإتمام قال: ويدل على صحة هذا التأويل أن الآية نزلت بعد أن منع الكفار النبي  في السنة الماضية عن الحج والعمرة.

فالله  أمر رسوله في هذه الآية بأن لا يرجع حتى يتم الفرض.

ويعلم منه أن تطوع الحج والعمرة كفرضهما في وجوب الإتمام.

وقال الأصم: المراد إتمام الآداب المعتبرة فيهما وهي عسرة على ما ذكر في الإحياء الأول: في المال، فينبغي أن يبدأ بالتوبة ورد المظالم وقضاء الديون وإعداد النفقة لكل من تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع، ويرد ما عنده من الودائع ويستصحب من المال الطيب الحلال ما يكفيه لذهابه وإيابه من غير تقتير، بل على وجه يمكنه معه التوسع في الزاد والرفق بالفقراء، ويتصدق بشيء قبل خروجه ويشتري لنفسه دابة قوية على الحمل أو يكتريها.

الثاني: الإخوان والرفقاء المقيمون يودعهم ويلتمس أدعيتهم فإن الله  جعل في دعائهم خيراً.

والسنة في الوداع أن يقول: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك.

الثالث: إذا هم بالخروج صلى ركعتين يقرأ في الأولى بعد "الفاتحة"، ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ وفي الثانية "الإخلاص" وبعد الفراغ يتضرع إلى الله  بالإخلاص.

الرابع: إذا حصل على باب الدار قال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وكلما كانت الدعوات أكبر كان أولى.

الخامس: إذا ركب قال: بسم الله وبالله والله أكبر، توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون  ﴾ السادس: في النزول.

والسنة أن يكون أكثر سيره بالليل ولا ينزل حتى يحمى النهار، وإذا نزل صلى ركعتين ودعا الله كثيراً.

السابع: إن قصده عدوّ أو سبع بالليل أو بالنهار فليقرأ آية الكرسي ﴿ وشهد الله  ﴾ و "الإخلاص" و "المعوذتين" ثم يقول: تحصنت بالله العظيم واستعنت بالحي الذي لا يموت.

الثامن: مهما علا نشزاً من الأرض في الطريق يستحب أن يكبر ثلاثاً.

التاسع: أن لا يكون هذا السفر مشوباً بشيء من الأغراض العاجلة كالتجارة وغيرها.

العاشر: أن يصون لسانه عن الرفث والفسوق والجدال، ثم بعد الإتيان بهذه المقدمات يأتي بجميع أركان الحج على الوجه الأصح الأقرب إلى موافقة الكتاب والسنة، ويكون غرضه في كل هذه الأمور ابتغاء مرضاة الله  ليكون مؤتمراً لقوله  : ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ اقتداء بإبراهيم  حين ابتلي.

بكلمات فأتمهن.

وقيل: المراد من قوله: ﴿ وأتموا ﴾ أفردوا كل واحد منهما بسفره ويؤيد هذا تأويل من قال الإفراد أفضل.

وأقرب هذه الأقوال ما يرجع حاصله إلى معنى ائتوا بالحج والعمرة تأمين كاملين بمناسكهما وشرائطهما وآدابهما لوجه الله بدليل قوله ﴿ فإن أحصرتم ﴾ قال أحمد بن يحيى أصل الحصر والإحصار الحبس ومنه الحصير للملك لأنه كالمحبوس في الحجاب.

والحصير معروف سمي به لانضمام بعض أجزائه إلى بعض.

فكأن كلاً منها محبوس مع غيره، والحصير المحبس أيضاً.

والأكثرون على أن لفظ الحصر مخصوص بمنع العدو.

يقال: حصره العدو إذا منعه عن مراده وضيق عليه.

وعن أبي عبيدة وابن السكيت والزجاج وغيرهم: أن لفظ الإحصار مختص بالمرض ونحوه من خوف وعجز قال  ﴿ الذين أحصروا في سبيل الله  ﴾ وقيل: الإحصار مختص بمنع العدو.

ومنه ما يروى عن ابن عمر وابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو.

وفائدة الخلاف في الآية تظهر في مسألة فقهية وهي أنهم اتفقوا على أن حكم الإحصار عند حبس العدو ثابت.

وهل يثبت بسبب المرض وسائر الموانع؟

قال أبو حنيفة: يثبت.

وقال الشافعي ومالك وأحمد: لا يثبت، بل يصبر حتى يبرأ.

نعم لو شرط أنه إذا مرض تحلل صح الشرط لما " "روي أنه  مر بضباعة بنت الزبير فقال:أما تريدين الحج؟

فقالت: إني شاكية.

فقال: حجي واشترطي أن تحلي حيث حبست" ." وفي حكم المرض كل غرض صحيح كضلال الطريق ونفاد الزاد، حجة أبي حنيفة ظاهر كلام أكثر أهل اللغة، وما روي عن النبي  "من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل" وحجة الشافعي قول ابن عمر وابن عباس وطائفة من أهل اللغة.

وأيضاً الهمزة في ﴿ أحصر ﴾ ليس للتعدية لمساواته حصر في اقتضاء المفعول فتكون للوجود، أو لصيرورته ذا كذا فيؤوّل المعنى إلى أنكم إن وجدتم أو صرتم محصورين فلا يبقى النزاع، وأيضاً المانع إنما يتحقق عند وجود المقتضي، والمريض لا قدرة له على الفعل فلا مانع بالنسبة إليه، فثبت أن لفظ الإحصار حقيقة في العدو دون المرض.

وأيضاً لفظ المانع على المرض غير معقول لأنه عرض لا يبقى زمانين.

وأيضاً لو كان المريض داخلاً في المحصر لكان في قوله ﴿ فمن كان منكم مريضاً ﴾ نوع تكرار ولزم عطف الشيء على نفسه.

واعتذر عن هذا بأن المريض إنما خص بالذكر لأن له حكماً خاصاً وهو حلق الرأس، فصار تقدير الآية إن منعتم لمرض تحللتم بدم, وإن تأذى رأسكم بمرض حلقتم وكفَّرتم، وأيضاً فإذا أمنتم يناسب الخوف من العدو إذ يقال في المرض شفي وعوفي لا أمن.

ولو قيل: إن خصوص آخر الآية لا يقدح في عموم أولها قلنا: لا يلزم من عدم القدح وجود المناسبة.

وقيل: إنه منع المرض خاصة وهو باطل بالدلائل المذكورة وزيادة وهي أن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول الآية أن الكفار أحصروا النبي  بالحديبية.

والأئمة وإن اختلفوا في أن الآية هل تتناول غير سبب النزول أم لا، إلا أنهم اتفقوا على أن خروج ذلك السبب غير جائز.

ثم في الآية إضماران، والتقدير: فتحللتم أو أردتم التحلل فعليكم ما استيسر، أو فاهدوا ما استيسر أي ما تيسر مثل استعظم وتعظم واستكبر وتكبر.

أما الإضمار الأول فلأن نفس الإحصار لا يوجب هدياً وإنما الموجب هو التحلل أو نية التحلل.

وأما الإضمار الثاني فلأن قوله: ﴿ ما استيسر ﴾ إما مرفوع على الابتداء وخبره محذوف، أو منصوب على المفعولية وناصبه محذوف.

والهدي جمع هدية كما يقال في جدية السرج وهي شيء محشو تحت دفتي السرج جدي.

وقرئ من الهدي جمع هدية كمطية ومطيّ، وهذه لغة تميم.

ومعنى الهدي ما يهدى إلى بيت الله تقرباً إليه بمنزلة الهدية.

عن علي وابن عباس والحسن وقتادة  م: أعلاها بدنة وأوسطها بقرة وأدونها شاة فعليه ما تيسر له من هذه الأجناس، والمحصر المحرم إذا أراد التحلل وذبح، وجب أن ينوي التحلل.

ألبتة قبل الذبح، وأكثر الفقهاء على أن حكم العمرة في الإحصار حكم الحج، وعن ابن سيرين: أنه لا إحصار فيها لأنها غير موقتة.

ورد بأن قوله تعالى: ﴿ فإن أحصرتم ﴾ مذكور عقيب الحج والعمرة فكان عائداً إليهما، وبأنه  تحلل بالإحصار عام الحديبية وكان معتمراً.

وما حد الإحصار؟

قالت العلماء: لو منعوا ولم يتمكنوا من المسير إلا ببذل مال فلهم أن يتحللوا ولا يبذلوا المال وإن قل إذ لا يجب احتمال الظلم في أداء الحج بل يكره البذل إن كان الطالبون كفاراً، والأكثرون على إنه لا يحب القتال على الحجيج وإن كان العدو كفاراً وكان في مقابلة كل مسلم أقل من مشركين ولو قاتلوا فلهم لبس الدروع والمغافر، لكنهم يفدون كما لو لبسوا المخيط لدفع حر أو برد، لا فرق على الأصح في جواز التحلل بين أن يمنعوا من المضي دون الرجوع أو يمنعوا من جميع الجوانب، لأنهم يستفيدون بالتحليل الأمن من العدو المواجه.

ولو صد عن طريق وهناك طريق آخر ووجدوا شرائط الاستطاعة فيه لزمهم سلوكه ولم يكن لهم التحلل في الحال، وإذا سلكوه ففاتهم الحج لحزونته أو لطوله تحلّلوا بعمل عمرة ولا يلزمهم القضاء على الأظهر من قولي الشافعي، لأنهم بذلوا مجهودهم فصاروا كالمصدودين مطلقاً، نعم لو استوى الطريقان من كل وجه وجب القضاء لأن الموجود فوات محض.

وفي قوله  : ﴿ ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله ﴾ حذف لأن الرجل لا يتحلل ببلوغ الهدي محله، بل لا يحصل التحلل إلا بالنحر.

فالتقدير: حتى يبلغ الهدي محله وينحر.

وإنما جاز تذكير الهدي لأن كل ما يفرق بين واحده وبينه بالتاء وعدمه جاز تذكيره وتأنيثه.

قال تعالى: ﴿ أعجاز نخل منقعر  ﴾ وفي موضع آخر: ﴿ أعجاز نحل خاوية  ﴾ والمحل اسم للزمان الذي يحصل فيه الحل، ومنه محل الدين لوقت وجوب قضائه أو اسم للمكان.

قال الشافعي: يجوز إراقة دم الإحصار في الحرم بل حيث حبس.

وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك إلا في الحرم يبعث به ويجعل للمبعوث على يده يوم أمار.

حجة الشافعي أنه  أحصر بالحديبية فنحر هناك.

وأجيب بأن محصره طرف الحديبية الذي هو أسفل مكة وهو من الحرم.

وعن الزهري: أن النبي  نحر هدية في الحرم وقال الواقدي: الحديبية هي طرف الحرم على تسعة أميال من مكة.

ورد بقوله تعالى ﴿ هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله  ﴾ فإن هذه الآية صريحة في أنهم نحروا الهدي في غير الحرم.

وأيضاً قوله ﴿ فإن أحصرتم ﴾ يتناول كل من كان محصراً سواء كان في الحل أو في الحرم.

وقوله: ﴿ فما استيسر ﴾ يدل على وجوب النحر فيجب أن يكون المحصر قادراً على إراقة الدم حيث أحصر.

وأيضاً التحلل موقوف على النحر فلو توقف النحر على وصوله إلى الحرم لم يحصل التحلل في الحال وهذا يناقض ما هو المقصود من شرع الحكم وهو تخليص النفس من العدو في الحال.

وأيضاً لو كان الموصل إلى الحرم هو المحصر فكيف يؤمر بهذا الفعل مع قيام الخوف؟

وإن كان غيره فقد لا يجد ذلك الغير فماذا يفعل؟

حجة أبي حنيفة أن المحل عبارة عن مكان الحل.

وقوله ﴿ حتى يبلغ الهدي محله ﴾ يدل على أنه غير بالغ في الحال إلى ذلك المكان.

وأيضاً هب أن لفظ المحل يشمل الزمان والمكان إلا أن قوله تعالى: ﴿ ثم محلها إلى البيت العتيق  ﴾ وقوله ﴿ هدياً بالغ الكعبة  ﴾ يزيل احتمال الزمان والبيت نفسه لا يراق فيه الدماء، فتعين أن يكون هو الحرم، وأجيب بأن كل ما وجب على المحرم في ماله من فدية وجزاء وهدي لا يجزئ إلا في الحرم لمساكين أهله إلا إذا عطب الهدي فيذبح في طريقه ويخلى بينه وبين المساكين، وإلا إذا أحصر فإنه ينحر هديه حيث حبس بالدلائل المذكورة.

قالوا: الهدية لا تكون هدية إلا إذا بعثها إلى دال المهدي إليه، فالهدي كذلك.

وردّ بأن هذا تمسك بالاسم وهو محمول على الأفضل عند القدرة.

والمحصر إذا كان عادماً للهدي فهل له بدل ينتقل إليه؟

للشافعي فيه قولان: أحدهما لا بدل له ويكون الهدي في ذمته أبداً وبه قال أبو حنيفة لأنه تعالى أوجب له الهدي وما أثبت له بدلاً، وعلى هذا فماذا يفعل؟

فيه قولان: أصحهما أنه يتحلل في الحال كما لو صام بدله كيلا تعظم المشقة، والآخر وإليه ميل أبي حنيفة أنه يقيم على إحرامه حتى يجده.

والقول الثاني أن له بدلاً وهذا أصح وبه قال أحمد قياساً على سائر الدماء الواجبة على المحرم، وعلى هذا فما ذلك البدل؟

الأصح الطعام لأن قيمة الهدي أقرب إليه من الصيام، وإذا لم يرد النص إلا بالهدي فالرجوع إلى الأقرب أولى.

ثم الصيام عن كل مدٍّ يوماً.

وفي قول صوم المتمتع عشرة أيام.

وقيل: صوم الأذى ثلاثة أيام.

وبالجملة فالآية دلت على أن المحصرين لا ينبغي لهم أن يحلوا فيحلقوا رؤوسهم إلا بعد تقديم ما استيسر من الهدي كما أنه أمرهم أن لا يناجوا الرسول إلا بعد تقديم الصدقة ومعنى ﴿ حتى يبلغ الهدي محله ﴾ حتى تنحروا هديكم حيث حبستم، أو حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن ينحر فيه أي الحرم.

ولكن الأفضل في الحج منى وفي العمرة المروة.

ولا بد من نية التحلل عند الذبح لأن الذبح قد يكون للتحلل وقد يكون لغيره، فلا بد من قصد صارف فإن كان مصدوداً عن البيت دون أطراف الحرم فهل له أن يذبح في الحل؟

أصح الوجهين عند الشافعي أن له ذلك، وإذا أحصر فتحلل نظر إن كان نسكه تطوعاً فلا قضاء عليه وبه قال مالك وأحمد لأن المصدودين مع النبي  كانوا ألفاً وأربعمائة، والذين اعتمروا معه في عمرة القضاء كانوا نفراً يسيراً ولم يأمر الباقين بالقضاء، وقال أبو حنيفة: عليه القضاء.

وإن لم يكن نسكه تطوعاً نظر إن لم يكن مستقراً عليه كحجة الإسلام فيما بعد السنة الأولى من سني الإمكان وكالنذر والقضاء فهو باقٍ في ذمته كما لو شرع في صلاة ولم يتمها تبقى في ذمته، ومهما أحصر بمرض ونحوه.

وقد صححناه بالآية فحكم الهدي ما مر في الإحصار بالعدوّ وإن صححناه بأن كان قد شرط التحلل به إذا مرض فهل يلزمه الهدي للتحلل؟

فإن كان قد شرط التحلل بالهدي فنعم، وإن كان قد شرط التحلل بلا هدي فلا وكذا إن أطلق على الأظهر لمكان الشرط.

قوله عز من قائل: ﴿ فمن كان منكم مريضاً ﴾ قيل: إنه مختص بالمحصر.

وذلك أنه قبل بلوغ الهدي محله ربما لحقه مرض أو أذى في رأسه إن صبر فالله  أذن له في إزالة ذلك المؤذي بشرط بذل الفدية.

والأكثرون على أنه كلام مستأنف في كل محرم لحقه مرض في بدنه فاحتاج إلى علاج أو أذى في رأسه فاضطر إلى الحلق.

والنسك العبادة وقرئ بالتخفيف، وقيل: جمع نسيكة وهي الذبيحة.

قال ابن الأعرابي: النسك سبائك الفضة، كل سبيكة منها نسيكة، ثم قيل: للمتعبد "ناسك" لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث.

ثم قيل للذبيحة نسك لأنها من أشرف العبادات التي يتقرب بها إلى الله، واتفقوا في النسك على أن أقله شاة كما في الأضاحي، وأما الصيام والإطعام فليس في الآية ما يدل على كميتهما وكيفيتهما وبماذا يحصل بيانه؟

فيه قولان: أحدهما وعليه أكثر الفقهاء.

ومنهم الشافعي وأبو حنيفة أن بيانه في حديث "كعب بن عجرة قال: حملت إلى رسول الله  والقمل يتناثر على وجهي فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا أما تجد شاة؟

فقلت: لا.

قال صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك" .

فنزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة وثانيهما عن ابن عباس والحسن الصيام كصيام المتمتع عشرة أيام والإطعام مثل ذلك في القدر.

قال العلماء المرض قد يحوج إلى اللباس أو إلى الطيب أو إلى الدهن وفي كل منها نوع استمتاع فألحقوا فدية نحو هذه المحظورات بفدية الحلق لاشتراك الجميع في الترفه.

والحاصل أنه يدخل فيه كل محظورات الإحرام سوى الجماع ففيه بدنة ثم بقرة ثم سبع شياه ثم طعام بقيمة البدنة ثم صيام بعدد الأمداد كما يجيء في قوله  ﴿ فلا رفث  ﴾ وسوى الصيد ففيه الجزاء على ما يجيء تفصيله في المائدة.

وفي هذه الآية أيضاً إضماران أي فحلق فعليه فدية ﴿ فإذا أمنتم ﴾ إن كان معناه الأمن بعد الخوف قبل التحلل فجواب الشرط وهو فامضوا محذوف.

وإن كان معناه إذا لم تحصروا وكنتم في حال أمن وسعة فقوله ﴿ فمن تمتع ﴾ الشرط مع الجزاء جواب الشرط الأول ولا وقف على ﴿ أمنتم ﴾ ومعنى التمتع التلذذ.

وأصله الطول حبل مانع أي طويل.

وكل من طالت صحبته مع الشيء فهو متمتع به.

وقد عرفت معنى التمتع بالعمرة إلى الحج وهو أن يقدم مكة فيعتمر في أشهر الحج ثم يقيم حلالاً بمكة حتى ينشئ منها الحج فيحج من عامه ذلك.

والتمتع بهذا الوجه صحيح لا كراهة فيه.

وما يروى أن عمر خطب وقال: متعتان على عهد رسول الله  أنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج، ذكر الأئمة أن تلك المتعة هي أن يجمع بين الإحرامين ثم يفسخ الحج إلى العمرة ويتمتع بها إلى الحج.

وروي أن النبي  أذن لأصحابه في ذلك ثم نسخ.

وعن أبي ذر أنه قال: ما كانت متعة الحج إلا لنا خاصة.

يعني الركب الذين كانوا مع النبي  .

وكان السبب فيه أنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج ويعدّونها من أفجر الفجور، فلما اراد النبي  إبطال ذلك الاعتقاد عليهم بالغ فيه بأن نقلهم في أشهر الحج من الحج إلى العمرة.

وهذا سبب لا يشاركهم فيه غيرهم، فلهذا المعنى كان نسخ الحج في أشهر الحج خاصاً بهم.

ومعنى التمتع بالعمرة إلى الحج أنه يتمتع بمحظورات الإحرام بسبب إتيانه بالعمرة إلى أوان الحج، وقيل: استمتاعه بالعمرة إلى وقت الحج انتفاعه بالتقرب بها إلى الله قبل الانتفاع بتقربه بالحج ولوجوب الدم على المتمتع شروط منها: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام لقوله  ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ ويجيء تمام الكلام فيه عما قريب ومنها أن يحرم بالعمرة من الميقات فإن جاوزه مريداً النسك ثم أحرم بها فإن كان الباقي أقل من مسافة القصر فليس عليه دم التمتع ولكن يلزمه دم الإساءة، وإن كان الباقي مسافة القصر فعليه دمان.

ومنها أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فلو أحرم وفرغ من أعمالها قبل أشهر الحج ثم حج لم يلزمه الهدي لأنه أشبه الإفراد، ولو أحرم بها قبل أشهر الحج وأتى بجميع أفعالها في أشهره فاصح قولي الشافعي أنه لا يلزمه الدم، وبه قال أحمد لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج لتقدم أحد أركان العمرة.

ولو سبق الإحرام مع بعض الأعمال قبل أشهر الحج فعدم وجود الدم أولى.

وعن مالك أنه مهما حصل التحلل في أشهر الحج وجب الدم.

وعند أبي حنيفة إذا أتى بأكثر أعمال العمرة في الأشهر كان متمتعاً.

ومنها أن يقع الحج والعمرة في سنة واحدة، فلو اعتمر ثم حج في السنة القابلة فلا دم عليه سواء أقام بمكة إلى أن حج أو رجع وعاد لأن الدم إنما يجب إذا زاحم بالعمرة حجة في وقتها وترك الإحرام بحجة من الميقات مع حصوله في وقت الإمكان ولم يوجد.

وعن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله  يعتمرون في أشهر الحج وإذا لم يحجوا في عامهم ذلك لم يهدوا.

ومنها أن يحرم بالحج من جوف مكة بعد الفراغ من العمرة، فإن عاد إلى ميقاته الذي أنشأ العمرة منه وأحرم بالحج فلا دم عليه لأنه لم يربح ميقاتاً.

وفي اشتراط نية التمتع وجهان: أصحهما لا تشترط كما لا تشترط نية القرآن، وهذا لأن الدم منوط بربح أحد السفرين.

ولا يختلف ذلك بالنية وعدمها ويخالف اشتراط نية الجمع بين الصلاتين من حيث إن أشهر الحج كما هي وقت الحج فهي وقت العمرة بخلاف وقت الصلاة.

ثم إن دم التمتع دم جبران الإساءة حتى لا يجوز له أن يأكل منه، أو دم نسك حتى يجوز أن يأكل.

ذهب أبو حنيفة إلى الثاني ومال الشافعي إلى الأول لما روي أن عثمان كان ينهى عن المتعة فقال له علي  : أعمدت إلى رخصة أثبتها رسول الله  للغريب للحاجة فأبطلتها؟

فسمى المتعة رخصة، وهذا دليل النقص.

وأيضاً التمتع تلذذ وأنه ينافي العبادة لأنها مشقة وتكليف.

وأيضاً إنه تعالى أوجب الهدي على المتمتع بلا توقيت، ولو كان نسكاً كان موقتاً.

وأيضاً للصوم فيه مدخل ودم النسك لا يبدل بالصوم، والكلام في مراتب هذا الهدي كما مرّ وينبغي أن يكون الإبل ثنياً وهو الطاعن في السنة السادسة، وكذا البقر وهو الطاعن في السنة الثالثة، ويجزئ كل من الإبل والبقر عن سبعة شركاء.

ولو اقتصر على الغنم فليكن ثني المعز وهو الذي دخل في السنة الثالثة، أو جذع الضأن وهو أيضاً في السنة الثانية، يستوي في هذا الباب الذكر والأنثى ويستحب أن يذبح يوم النحر، ولو ذبح بعدما أحرم بالحج جاز لأن التمتع قد تحقق فترتب عليه الهدي جبراً له.

وكذا قبل الإحرام بالحج وبعد التحلل من العمرة على الأصح، لأنه حق مالي تعلق بسببين وهما الفراغ من العمرة والشروع في الحج.

فإذا وجد أحدهما بأن إخراجه كالزكاة والكفارة.

وعند أبي حنيفة لا يجوز بناء على أنه نسك كدم الأضحية فيختص بيوم النحر وبه قال مالك وأحمد.

فمن لم يجد الهدي وقيس عليه ما إذا لم يجد ما يشتريه به أو بيع بثمن غال، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج.

قال الشافعي: أي بعد الإحرام بالحج لأنه  جعل الحج ظرفاً للصوم، ولا يصلح سائر أفعال الحج ظرفاً له فلا أقل من الإحرام.

وأيضاً ما قبل الإحرام بالحج ليس وقتاً للهدي الذي هو أصل فكذا لبدله، وقال أبو حنيفة، أي في وقت الحج وهو أشهره فجاز أن يصوم بعد الإحرام بالعمرة.

وبمثله قال أحمد في رواية، وفي أخرى قال: يجوز بعد التحلل من العمرة، ولا يجوز أن يصوم شيئاً منها في يوم النحر ولا في أيام التشريق كما مر في الصوم.

والمستحب أن يصوم الأيام الثلاثة قبل يوم عرفة، فإن الأحب للحاج يوم عرفة أن يكون مفطراً كيلا يضعف عن الدعاء وأعمال الحج، ولم يصمه النبي  بعرفة بل يروى أنه  نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة.

ويحكى عن أبي حنيفة أن الشخص إن كان بحيث لا يضعف فالأولى أن يصوم حيازة للفضيلتين.

ويعلم مما ذكرنا أنه يستحب أن يحرم بالحج قبل يوم عرفة بثلاثة أيام ليصوم فيها، وأما الواجد للهدي فالمستحب له أن يحرم يوم التروية بعد الزوال متوجهاً إلى منى لما روي عن جابر أن النبي  قال: "إذا توجهتم إلى منى فأهلوا بالحج" وإذا فاته صوم الأيام الثلاثة في الحج لزمه القضاء عند الشافعي لأنه صوم واجب فلا يسقط بفوات وقته كصوم رمضان، وإذا قضاها لم يلزمه دم خلافاً لأحمد.

وعند أبي حنيفة يسقط الصوم بالفوات ويستقر الهدي في ذمته ﴿ وسبعة إذا رجعتم ﴾ للشافعي في المراد من الرجوع قولان: أصحهما الرجوع إلى الأهل والوطن لما روي أنه  قال للمتمتعين "من كان معه هدي فليهد ومن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم" والثاني أن المراد منه الفراغ من أعمال الحج وبهذه قال أبو حنيفة وأحمد كأنه بالفراغ رجع عما كان مقبلاً عليه من الأعمال.

وعلى الأصح لو توطن مكة بعد فراغه من الحج صام بها، وإن لم يتوطنها لم يجز صومه بها ولا في الطريق على الأصح لأنه تقديم العبادة البدنية على وقتها.

ثم إذا لم يصم الثلاثة في الحج حتى فرغ ورجع لزمه صوم العشرة عند الشافعي.

وهل يجب التفريق في القضاء بين الثلاثة والسبعة؟

الأصح عند إمام الحرمين وطائفة وبه قال أحمد أنه لا يجب لأن التفريق في الأداء يتعلق بالوقت فلا يبقى حكمه في القضاء كالتفريق في الصلوات المؤداة.

والأصح عند أكثر أصحاب الشافعي وجوب التفريق كما في الأداء.

ويفارق تفريق الصلوات فإن ذلك التفريق يتعلق بالوقت، وهذا يتعلق بالفعل وهو الحج.

والرجوع وما قدر ما يقع به التفريق أصح الأقوال التفريق بأربعة أيام، ومدة إمكان مسيره إلى أهله على العادة الغالبة بناء على أصلين سبقا أحدهما: أن المتمتع ليس له صوم أيام التشريق، والثاني أن المراد بالرجوع الرجوع إلى أهله ﴿ تلك عشرة كاملة ﴾ طعن فيه بعض الملحدين أن هذا من إيضاح الواضحات.

فمن المعلوم بالضرورة أن الثلاثة والسبعة عشرة وأيضاً قوله ﴿ كاملة ﴾ يوهم أن ههنا عشرة غير كاملة وهو محال، فذكر العلماء من فوائده أن الواو في قوله ﴿ وسبعة ﴾ ليس نصاً قاطعاً في الجمع بل قد يكون للإباحة بمعنى أو كما في قوله ﴿ مثنى وثلاث ورباع  ﴾ وكما في قولك "جالس الحسن وابن سيرين" لو جالسهما جميعاً أو واحداً منهما كان ممتثلاً ففذلكت نفياً لتوهم الإباحة.

وأيضاً ففائدة الفذلكة في كل حساب أن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلاً وعلى هذا مدار علم السياقة وكفى به إفادة.

وأيضاً المعتاد أن البدل أضعف حالاً من المبدل كالتيمم من الوضوء، فلعل المراد أن هذا البدل كامل في كونه قائماً مقام المبدل وهما في الفضيلة سواء، وذكر العشرة لصحة التوصل به إلى هذا الوصف إذ لو اقتصر على تلك جاز أن يعود إلى الثلاثة أو إلى السبعة.

وأيضاً قوله ﴿ تلك عشرة كاملة ﴾ يدفع التخصيص الذي يتطرق إلى كثير من العمومات في الشرع ويصرف الكلام إلى التنصيص.

وأيضاً إن مراتب الأعداد ثلاث: الآحاد والعشرات والمئات.

وهذه من وساطها فكأنه قال: إنما أوجبت هذا العدد لكونه موصوفاً بصفة التوسط والكمال.

وأيضاً التوكيد طريقة مسلوكة في كلام العرب يعرف منه كون المذكور مما يعقد به الهمم، ففيه زيادة توصية بصيامها وأن لا يتهاون بها ولا ينقص من عددها وأيضاً هذا الخطاب مع العرب ولم يكونوا أهل حساب فبين الله  بذلك بياناً قاطعاً كما روي أنه  قال في الشهر هكذا وهكذا وهكذا ثم أشار بيده ثلاث مرات وأمسك إبهامه في الثالثة تنبيهاً بالإشارة الأولى على الثلاثين، وبالثانية على التسعة والعشرين.

وأيضاً فيه إزالة الاشتباه والتصحيف الذي يمكن أن يتولد من تشابه سبعة وتسعة في الخط.

وأيضاً يحتمل أن يراد كاملة في الإجزاء حتى لا يتوهم أنها بسبب التفريق غير مجزئة كما لا يجزئ في كفارات الظهار والقتل ووقاع رمضان إلا الصوم المتتابع.

وأيضاً يحتمل أن يكون خبراً في معنى الأمر أي فلتكن تلك الصيامات كاملة لتسد الخلل ويكون الحج المأمور به تاماً كاملاً كما قال ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ .

واعلم أن الصوم مضاف إلى الله  في قول النبي  حكاية عن الله  "الصوم لي وأنا أجزي به" والحج أيضاً مضاف إليه  في الآية ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ وكما دل النقل على هذا الاختصاص فالعقل أيضاً يدل على ذلك.

أما الصوم فلأنه عبادة لا يطلع عليها إلا الله  وهو مع ذلك شاق على النفس جداً، وأما الحج فلأنه عبادة لا يطلع العقل ألبتة على وجوه الحكمة فيها وهو مع ذلك شاق جداً لأنه يوجب مفارقة الأهل والولد ويقتضي التباعد عن أكثر اللذات والاستمتاعات، فكل منهما لا يؤتى به إلا لمحض ابتغاء مرضاة الله  .

ثم إن هذا الصوم بعضه واقع في زمان الحج فيكون جمعاً بين مشقتين، وبعضه واقع بعد الفراغ من الحج وهو انتقال من مشقة إلى مشقة، والأجر على قدر النصب، فلا جرم وصفه الله  بالكمال في باب العبادة والتنكير في اللفظ أيضاً يؤيد ذلك زادنا الله اطلاعاً على لطائف قرآنه العظيم ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ اختلف العلماء في أن المشار إليه ماذا؟

فقال أبو حنيفة وأصحابه: إنه إشارة إلى التمتع وما ترتب عليه لأنه ليس البعض أولى من البعض فيعود إلى كل ما تقدم فلا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام.

وقال الشافعي: بل عودة إلى الأقرب أولى وهو الحكم بوجوب الهدي على المتمتع.

وأيضاً قوله ﴿ فمن تمتع ﴾ عام يشمل الحرمي والميقاتي والآفاقي.

وأيضاً إنه  شرع القرآن والمتعة إبانة لنسخ ما كان عليه أهل الجاهلية في تحريمهم العمرة في أشهر الحج، والنسخ يثبت في حق الناس كافة.

ويتفرع على مذهب أبي حنيفة أن من تمتع أو قرن من حاضري المسجد الحرام كان عليه دم وهو دم جناية لا يأكل منه.

وعلى مذهب الشافعي أن يصح تمتعهم وقرانهم ولا يجب عليهم شيء، فإن لزوم الهدي على الآفاقي بسبب أنه أحرم من الميقات عن العمرة ثم أحرم عن الحج لا من الميقات فيلزمه جبر الخلل بدم.

والمكي لا يجب عليه أن يحرم من الميقات فلا خلل في حجة تمتع أو قرن أو أفرد، فلا يلزمه الهدي ولا بدله.

ثم اختلفوا في حاضري المسجد الحرام فعن مالك أنهم أهل مكة وأهل ذي طوى.

وعن طاوس هم أهل الحرم.

وعن الشافعي هم الذين يكونون على أقل من مسافة القصر من مكة، فإن كانوا على مسافة القصر فليسوا من الحاضرين، وبه قال أحمد.

وعن أبي حنيفة أنهم أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة.

والمواقيت: ذو الحليفة على عشر مراحل من مكة وعلى ميل من المدينة، والجحفة لأهل الشام ومصر والمغرب على خمسين فرسخاً من مكة، ويلملم من صوب اليمن وقرن لنجد الحجاز، وذات عرق من صوب المشرق والعراق وخراسان وكل هذه الثلاثة من مكة على مرحلتين.

فهذه هي المذاهب وأوفقها للآية.

مذهب مالك لأن أهل مكة هم الذين يحضرون المسجد الحرام.

إلا أن الشافعي قال: قد يطلق المسجد الحرام على الحرم قال  ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام  ﴾ ورسول الله  أسري به من الحرم لا من المسجد.

وقد يقال: حضر فلان فلاناً إذا دنا منه.

ومن كان مسكنه دون مسافة القصر فهو قريب نازل منزلة المقيم في نفس مكة.

وفي مذهب أبي حنيفة بعد، فإن يؤديّ إلى إخراج القريب من الحاضرين وإدخال البعيد لتفاوت مسافات المواقيت، ثم إن مسافة القصر مرعية من نفس مكة أو من الحرم الأعرف هو الثاني لما قلنا إن المسجد الحرام يراد به جميع الحرم.

قال الفراء: ذلك لمن لم يكن معناه ذلك الفرض الذي هو الدم أو الصوم لازم على من لم يكن من أهل مكة كقوله  "اشتراطي لهم الولاء" أي عليهم وذكر حضور الأهل والمراد حضور الحرم لأن الغالب على الرجل أنه يسكن حيث أهله ساكنون ﴿ واتقوا الله ﴾ في محافظة حدوده وما أمركم به ونهاكم عنه في الحج وغيره ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ لمن تهاون بحدوده.

قال أبو مسلم: العقاب والمعاقبة سيان، واشتقاقهما من العاقبة كأنه يراد عاقبة فعله السيء كقول القائل "لتذوقن فعلك".

التأويل: حج الخواص حج رب البيت وشهوده وهذه سيرة إبراهيم  كما قال ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ ولكنه أحصر في السماء السابعة فلا جرم أهدى بإسماعيل، ولما أسري بالنبي  وكان ذهابه بالله ما أحصره شيء فقيل له ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ وجرى ما جرى ﴿ فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ ثم قال لأمته: اسعوا في إتمام صورة الحج بقدر استطاعتكم، وفي الحقيقة بأن تخرجوا وجودكم ﴿ فإن أحصرتم ﴾ بأعداء النفس والهوى أو لملال القلب أو لكلال الروح أو باستجلاء الأحوال أو بتمني الآمال ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ أعلاها الروح وأوسطها القلب وأدناها النفس يهدي ما كان الإحصار به.

﴿ ولا تحلقوا ﴾ لا تشتغلوا بغير الله حتى تبلغوا المقصد، فإن عرض مرض في الإرادة أو يعلوه أذى من المزاحمات من غير فترة من نفسه فلم يجد بداً من الإناخة بفناء الرخص، فليجتهد أن يتداركه بالفدية فقد قيل: من أقبل على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله، والصيام هو الإمساك عن المشارب والصدقة الخروج عن المعلوم، والنسم ذبح النفس في مقاساته الشدائد ﴿ فإذا أمنتم ﴾ الإحصار وأقبل الجد الصاعد والزمان المساعد ﴿ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ﴾ واستراح في الطلب ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ من ترك مشارب الروح والقلب والنفس ﴿ فمن لم يجد لم يستطع ﴾ ترك تلك المشارب لعلو شأنها وعظم مكانها فعليه الإمساك عن مشارب القوى الثلاث المدركة للمعاني والمتصرفة فيها وهي الوهم والحافظة والمتخيلة، هذا إذا كان في عالم المعنى، فإذا رجع إلى عالم الصورة أمسك عن القوى السبع مشار بها وهي الحس المشترك والخيال، لأن الأولى مدركة الصور، والثانية معينتها على الحفظ وبعدهما الحواس الخمس الظاهرة ﴿ تلك عشرة كاملة ﴾ هي الحواس الظاهرة والباطنة ﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ﴾ لأن الحاضر في مقام القرب والأنس لا يخاطب ولا يعاتب وإنما يلزم العتب، والطلب للسالك والسائر، فإذا وصل فقد استراح.

﴿ واتقوا ﴾ أن تسكنوا في فترة أو وقفة أو تركنوا إلى مشرب من هذه المشارب ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ للغافلين عن هذا الخطاب القانعين بذل الحجاب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ ﴾ .

اختلفوا في تأويله وفي قراءته: قال بعض الناس: العمرة فريضة بهذه الآية؛ لأنه أمر بإتمامها كما أمر بإتمام الحج.

وقيل: هي الحجة الصغرى.

وأما عندنا: هي ليست بفريضة، وليس في قوله: ﴿ وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ ﴾ دليل فريضتها؛ لأنا لم نعرف فريضة الحج بهذه الآية، ولكن إنما عرفناه بقوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً  ﴾ .

ثم في الأمر بالإتمام وجوه: أحدها: أنهم كانوا يفتتحون الحج بالعمرة، فأمروا بإتمامها، على ما روي عن عمر، رضى الله عنه، قال: "متعتان كانتا على عهد رسول الله  ، وأنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما متعة الحج، ومتعة النساء" والثاني: أنهم كانوا لا يجعلون العمرة لله، فأمروا بجعلها لله.

وعلى ذلك روي في حرف ابن مسعود، رضي الله  عنه، أنه قرأ: "وأتموا الحج والعمرة لله" [بالرفع على الابتداء، ويحتمل الأمر بالإتمام ما روي عن علي وابن مسعود  ما سئلا عن قوله الله: ﴿ وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ ﴾ قالا]: "من تمامهما أن تحرم من دويرة أهلك".

واحتج أصحابنا، رحمهم الله  ، أيضاً بما روي عن جابر رضي الله  عنه: "أن رجلاً قال: يا رسول الله، والعمرة واجبة هي؟

قال: لا.

وأن تعتمر خير لك" وروي أيضاً عن رسول الله  ، أنه قال: "الحج مكتوب، والعمرة تطوع" ، وفي بعضها قال: "الحج الجهاد، والعمرة تطوع" وعن ابن مسعود رضي الله  عنه، أنه قال: "الحج فريضة، والعمرة تطوع" وعن عائشة، رضي الله  عنها، قالت: "قلت: يا رسول الله، أكل أهلك يرجع بحجة وعمرة غيري؟

قال: انفري فإنه يكفيك" .

إلى هذه الأخبار ذهب أصحابنا.

والأصل: احتج أصحابنا أيضاً بشيء من النظر؛ وذلك أن الله  فرض الصلاة والزكاة والصيام في أوقات خصها بها، وأجمع أهل العلم أن المتطوع بالصدقة والصلاة والصيام يفعل ذلك متى شاء، ثم أجمعوا أن العمرة لا وقت لها؛ فدل ذلك على أنها تطوع؛ إذ لو كانت فريضة كان لها وقت مخصوص يفعل فيه كغيرها من الفرائض.

فإن قيل: إن الحج التطوع مخصوص بوقت كمخصوص المفروض منه، فكما لا يدل الخصوص الذي في الحج التطوع على وجوبه، فكذلك العموم الذي في العمرة لا يدل أنها تطوع.

قيل: وجدنا الفرض كله مخصوصاً بوقت، ووجدنا التطوع على ضربين: منه ما هو مخصوص؛ كالحج، ومنه ما هو غير مخصوص؛ كالصلاة والصيام والصدقة.

فلما لم نجد في الفرض ما ليس بمخصوص بوقت، [جعلنا كل ما ليس بمخصوص بوقت تطوعاً] غير فرض.

واحتجوا أيضاً: بأنا وجدنا العمرة تفعل في أشهر الحج، ولم نجد صلاتين تفعلان في وقت واحد فريضتين، ولكن تفعل الصلاة التطوع في وقت الفريضة؛ فثبت لما جاز أن يجمع بين فعل الحج والعمرة في وقت واحد أنها تطوع؛ كالصلاة التي تفعل في وقت الظهر وغيرها.

واحتج من جعلها فرضاً بأن قال: لم نجد شيئاً يتطوع به إلا وله وأصل في الفرض، فلو كانت العمرة تطوعاً لكان لها أصل في الفرض.

قيل: العمرة إنما هي الطواف والسعي، ولذلك أصل في الفرض - فرض الحج - مع ما أنا وجدنا الاعتكاف تطوعاً، وليس له أصل في الفرض.

فعلى ذلك العمرة.

والأصل: أن كل ما يبتدئ الله إيجابه على عباده فإنه يوجب فعلها بأوقات أو يجعل لأدائها أوقات، والعمرة ليس لوجوبها وقت، ولا لأدائها.

ثبت أنها ليست مما أوجبها الله  .

وقوله: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ .

قوله: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ ﴾ الآية على الإضمار، كأنه قال - والله أعلم -: فإن أحصرتم: عن الحج، فأردتم أن تحلوا فاذبحوا ما استيسر من الهدي؛ إذ الإحصار نفسه لا يوجب الهدي، لكنه إذا أراد الخروج منه يخرج بهدي؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ  ﴾ ، كأنه قال - والله أعلم -: من كان منكم مريضاً أو على سفر فأفطر، فعدة من أيام أخر، وكقوله: ﴿ أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ ﴾ معناه - والله أعلم - أو به أذى [فلو أزال] من رأسه ففدية، وإلا كون الأذى في رأسه لا يوجب عليه الفداء حتى يزيل، كقوله: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ  ﴾ ، أي من أضطر فأكل منها غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه.

والاضطرار نفسه لا يوجب الإثم.

ثم اختلف أهل العلم في الإحصار: ما هو؟

وبم يكون؟

وهل يحل؟

روي عن ابن مسعود، رضي الله  عنه، أنه قال: "إذا أحصر الرجل من مرض أو حبس أو كسر أو شبه ذلك، بعث الهدي وواعد يوم النحر ومكث على إحرامه على أن يبلغ الهدي محله، وعليه الحج والعمرة جميعاً من قابل".

وعن عروة بن الزبير قال: "الحصر من كل شيء يحبسه: عدو ومرض".

وروي مرفوعاً عن رسول الله  أنه قال: "من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل" ، ومعنى قوله: "فقد حل"، أي جاز له أن يحل [لا أن يحل] بغير دم؛ لأن الله  أذن له في الإحلال بدم.

وهذا عندنا كقول رسول الله  : "إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر" ، فمعناه: فقد حل له الإفطار.

فعلى ذلك الأول: حل له أن يحل.

ثم قال بعض أهل اللغة من نحو الكسائي وأبي معاذ: إن الإحصار من المرض، والحصر من العدو.

فإن قيل: روي عن ابن عباس وابن عمر، رضي الله  عنهما، أنهما قالا: "لا حصر إلا عن حصار العدو".

ولكن في هذا نسخ الكتاب بقولهما، إن ثبت، وهو لا يرى نسخ الكتاب بالسنة فضلاً أن يراه بقول واحد من الصحابة: رضي الله  عنهم، مع ما ترك قولهما؛ لأنه روي عن ابن عباس، رضي الله  عنه، أنه قال: ذهب الحصر.

ثم يقال للشافعي - رحمه الله  -: إذا جاز أن تجعل المرأة بمنزلة المحصر من غير أن تخاف عدوّاً، لكنها لما منعها من له أن يمعنها جعلتها محصرة، فهلا جعلت المرض مثلها، وإن كان النص في القرآن جاء في المحصر من العدو على زعمك؟

فقال: لأن المرأة حبسها من له أن يحبسها، فهي أشد حالا ممن حبسه عدو، وليس له أن يحبسه.

فيقال له: المرض أمرضه من له أن يمرضه فاجعله أشد حالا من الذي حبسه عدو وليس له أن يحبسه، أو فرق بين المرأة والمريض، فقال: بل بينهما فرق.

وذلك أن الخائف بعدو يخاف القتل على نفسه، وقد أباح الله للخائف في القتال أن يتحيز إلى فئة، فينتقل بذلك من الخوف إلى الأمن.

قيل له: كما رخص للخائف في ذلك فقد رخص للمريض ألا يحضر القتال؛ فالرخصة له أكثر من الرخصة للخائف.

فإن قال: إن المريض لا يبرأ بالقعود، والخائف يأمن.

قيل له: إن الرخص التي جعلت للأعذار لا تجعل لترفعها، ولكن الرخصة لتُوَفِّيه المشقة.

فيقال له أيضا: قد جعلت المرأة محصرة إذا منعها زوجها وهي لا تخاف القتل على نفسها.

فبطلت علته وانتقضت.

فإن قال: إنكم لم تجعلوا من ضل الطريق محصراً وهو ممنوع من المضي على حجة، فما الفرق بينه وبين المريض؟

فيقال: لو جعلنا الضال عن الطريق محصراً، لم يجز له أن يحل من إحرامه إلا بدم يوجهه إلى الحرم فيذبح عنه.

وإذا وجد من يذهب إلى الحرم فيذبح هديه، فليس بضال؛ لأنه قد وجد دليلاً يدله على طريقه؛ لذلك افترقا.

وبعد، فإن المرض أحق أن يكون عذراً في ذلك من العدو وغيره؛ لأن يقاتل العدو والسباع فيدفع عن نفسه الإحصار، والمرض لا سبيل له إلى دفعه.

دل أنه أحق أن يجعل عذراً.

وقال بعضهم: يكون محصراً من الحج، ولا يكن من العمرة؛ لأن الحج مما يحتمل الفوت، والعمرة لا.

وأما عندنا: فإنه يكون محصراً منهما جميعاً؛ لأن الله عز وجل ذكر الإحصار على إثر ذكر العمرة بقوله: ﴿ وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ ﴾ ، وروي في الخبر، يرويه ابن عمر، رضي الله  عنه، "أن رسول الله  خرج معتمراً، فحال كفر قريش بينه وبين البيت الشريف، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية" ، وقوله: ﴿ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ ، فيه دلالة أن المحصر يبقى حراماً على حاله، لا يحل حتى ينحر عنه الهدي.

واختلف أهل العلم: أين يذبح الهدي؟

فعندنا: أنه لا يجوز أن يذبح إلا في الحرم؛ روي عن ابن مسعود - رضي الله  عنه - أنه قال: "يبعث بهدي ويواعدهم يوماً، فإذا نحر عنه حل".

وعن ابن عباس،   عنهما، مثل ذلك.

وعن ابن الزبير وعروة ابن الزبير - رضي الله  عنهما -: أن المحصر يبعث الهدي فإذا نحر عنه حلق.

وظاهر القرآن يدل على ما روي عن هؤلاء؛ لأن الله  قال: ﴿ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ ، فجعل للهدي محلاًّ يبلغه، وبين موضع محله فقال: ﴿ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ  ﴾ ، وكانت الكعبة محلاًّ لجزاء الصيد والدم المحصر.

قال الشيخ - رحمه الله -: المحل: اسم الموضع الذي يحل فيه.

ولو كان كل موضع له محلاًّ لم يكن لذكر المحل فائدة.

واحتج من خالف أصحابنا رحمهم الله بما روي أن النبي  ذبح الهدي يوم الحديبية ثم قال: ولم يبلغنا أنه نحره في الحرم.

قيل روي أنه نحر هديه يوم الحديبية في الحرم، يرويه مروان بن الحكم.

وعن ابن عباس -  - قال: نزل رسول الله  الحديبية فحال المشركون بينه وبين دخول مكة، وجاء سهيل بن عمرو يعرض عليهم الصلح فصالحهم رسول الله  وأمرهم أن يسوقوا البدن حتى تنحر حيث شاء، ولا يتوهم أن يكون النبي  يهدي الهدي في الحل وقد أطلق له المشركون أن ينحرها حيث شاء ولا يتوهم أن يكون النبي  وهو بقرب الحرم بل هو فيه.

وروي عن مروان والمسور بن مخرمة قالا: نزل رسول الله  بالحديبية في الحل وكان يصلي في الحرم، هذا يبين أنه كان قادراً أن ينحر هديه في الحرم حيث كان يصلي.

ولا يحتمل أن يترك نحر الهدي في الحرم وهو على ذلك قادر، ولأن الحديبية مكان مجمع الحل والحرم جميعاً فإنما ذبح في الحرم لا في الحل؛ لما ذكرنا أنه لا يحتمل أن يذبح في الحل، وله سبيل [إلى] الذبح في الحرم.

فإن قيل: حل النبي  عام الحديبية من إحصاره بغير [هدي؛ لأن الهدي إلى نحره كان هدياً ساقه لعمرته لا لإحصاره، فنحر هديه على النية الأولى، وحل من إحصاره بغير] دم.

قلنا: ليس الأمر عندنا هكذا؛ لأنه لا يتوهم على النبي  أن يكون حل بغير دم، وقد أمر الله المحصر بالدم.

فإن قال كذلك قال: وليس في حديث صلح الحديبية أنه نحر دمين، وإنما نحر دماً واحداً، فما وجه ذلك عندكم؟

قيل: وجه ذلك عندنا - والله أعلم - أن الهدي الذي ساقه كان هدي متعة أو قران فلما منع عن البيت سقط عنه دم القران فجاز له أن يجعله من دم الإحصار.

فإن قيل: فكيف قلنا: إن النبي  أزال الهدي عن سبيله، وأنت تزعم أن من باع هديه فهو مسيء؟

قيل له: إن النبي  لم يصرف الهدي عن نحره لله والتقرب به إليه، وإنما صرف النية إلى ما هو أفضل منها وأوجب، فكان ذلك في فعله متبعاً والذي باعه صرفه عن سبيله وترك أن ينحره بعد أن كان نوى به القربة فكان مسيئاً، ومما يدل على أن النبي  جعل الهدي لإحصاره ما روي أنه لم يحلق حتى نحر هديه، وقال: "يأيها الناس انحروا وحلوا" ثم المسألة ما يجب على المحصر بالحج والعمرة من القضاء إذ حل، فعلى قول أصحابنا إذا كان محرماً بالحج يلزمه الحج مكان الأول وعمرة بتفويت الحج؛ قال الله  : ﴿ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ ﴾ اختلف أهل العلم في تأويل ذلك، فروي عن ابن عباس -  - فيما يكون الرجل به محصراً أنه قال: فإذا أمنتم من الخوف أو المرض فمن تمتع بالعمرة أي اعتمر في أشهر الحج، كأنه يقول: إن عليه لإحلاله بغير الطواف عمرة، فإن أخرها حتى يقضيها مع الحج في أشهره فعليه لجمعه بينهما دم، وروي عن ابن عباس - رضى الله عنه - قال في رجل أهل بعمرة وأحصر: يبعث بهديه، فإذا بلغ الهدي محله حل، فإن اعتمر من وجهه ذلك إذا برأ فليس عليه هدي، وإن اعتمر من قابل بعد حج فليس عليه هدي، فإن وصلها من قابل بعد حج فعليه هدي، والحاج إذا أحصر فإنه يبعث بهدي، فإذا بلغ محله حل، وإن اعتمر من وجهه ذلك إذا برأ فإنه يحج من قابل وليس عليه هدي، وإن لم يزر البيت حتى يحج وجعلها سفرا واحدا كان عليه هدى آخر، سفران وهدى أو هديان وسفر.

وقال قوم: عليه حج واحد.

وروي عن ابن عباس - رضي الله  عنه - قال: أمر الله بالقصاص فيأخذ منكم العدد، أي حجة بحجة وعمرة بعمرة.

وروى في خبر عمر، رضي الله  عنه، عن النبي  لما قال: "فقد حل وعليه الحج من قابل" ، هذا يدل على قول ابن عباس،  ، لأنه قال: "وعليه الحج من قابل" ، ولم يذكر عمرة.

إلا أنه قد يجوز أن يكون عليه العمرة وإن لم تذكر في الحديث، كما أن الدم عليه واجب وإن لم يذكر في الحديث، فعلى ذلك العمرة يجوز وجوبها وإن لم تذكر.

أما إيجابهم العمرة لفسخ الحج بغير طواف وحجة مكان حجته: فإن كان التأويل في قوله: ﴿ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ ﴾ أي: بالعمرة التي لزمته بإحلاله كما قال ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير -  م - فكفى به حجة، وإن كان تأويل الآية غير ذلك فإنا وجدنا من يفوته الحج يلزمه أن يطوف بالبيت ثم يجب بعد ذلك قضاء الحج فأوجبوا على المحصر عمرة مكان الطواف الذي يجب على من يفوته الحج وأوجبوا الحج لما دخل فيه.

فإن قيل يجب أن تسقط عنه العمرة التي يجب على من يفوته الحج لأن الذي يفوته الحج لا يحل منه بدم وإنما يحل بالطواف، والمحصر قد حل بالدم فقام الدم الذي لزمه يحل به مقام الطواف الذي يفوته الحج.

قيل له: إن المحصر لو لم يذبح عنه هديا احتاج أن يقوم على إحرامه حتى يصل إلى البيت فيطوف به ولو إلى سنين ثم يحج بعد ذلك مكان الحجة التي دخل فيها فجعل له أن يتعجل إلى الخروج من إحرامه ويؤخر الطواف الذي لزمه بدم يهرقه فبالدم جاز له أن يحل ولم يبطل الطواف عنه وإذا لم يبطل الدم عنه الطواف ولم يجعل بدلاً منه فعليه أن يأتي به بإحرام جديد فيكون ذلك عمرة.

فإن قيل: ما الدليل على أن الدم الذي يحل به المحصر جعل عليه ليتعجل به الإحلال، ولم يجعل بدلاً عن الطواف؟

قيل: لأن أهل العلم أجمعوا على أن الذي يفوته الحج ليس له أن يفسخ الطواف الذي لزمه بدم يهرقه يجعله بدلاً عن الطواف، فدل أنه إنما يهريق الدم ليتعجل به إلى الإحلال، لا بَدَلاً عن الطواف.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ ﴾ .

روي عن علي وابن عباس، رضي الله  عنهما، أنهما قالا: "شاة" وأصحابنا، رحمهم الله  ، يرون الشاة مجزئاً في المتعة، والإحصار، والفدية، والحُجَّةُ لهم في ذلك ما ذكرنا من قول الصحابة، رضوان الله  عليهم أجمعين، "وما روي عن رسول الله  ، أنه قال لكعب بن عجرة: النسك شاة" ، وإجماع الناس على أنها مجزئة في الأضحية.

ثم المسألة في المحرم إذا حلق رأسه من أذى: رخص الله  للمتأذي حلق رأسه بفدىً، بقوله: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ ، روي فى الخبر عن كعب بن عجرة، أنه قال: قال رسول الله  : "يا كعب، أيؤذيك هوام رأسك، قلت: نعم يا رسول الله.

قال: فاحلقه، واذبح شاة أو أطعم ستة مساكين" .

وقال كعب: فيَّ نزلت هذه الآية.

ثم اختلف أهل العلم في الذبح: أين يذبح؟

قال أصحابنا - رضي الله  عنهم -: لا يجوز أن يذبح الفدية إلا بمكة.

وأما الصدقة والصوم فإنه يأتي به حيث شاء.

وذلك عندهم بمنزلة هدي المتعة؛ لأن هدي المتعة إنما وجب بجمعه بين الحج والعمرة في سفر واحد؛ ولأنه لو شاء أن يفرد لكل واحد منهما سفراً فعل، فبأخذه بالرخصة لزمه دم.

وكذلك دم الفدية إنما وجب لأخذه بالرخصة في حلق رأسه، فصار سبيل الدمين سواء، يجبان بمكة، وكذلك دم الإحصار إنما وجب؛ لأنه أخذ بالرخصة في حلق رأسه فحل من إحرامه.

ولا يجوز أن يذبح إلا بمكة.

فدم الفدية أينما كان إنما وجب؛ لأنه رخص له في حلق مثل ذلك.

والصدقة: هي ثلاثة آصع على ستة مساكين، على ما ذكر في خبر كعب بن عجرة، رضي الله  عنه.

فأما الصوم: فإن المتمع إذا لم يجد هديا، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع [إلى أهله].

فأجمعوا على أن له أن يصوم السبعة بمكة وفي غيرها.

فصوم الفدية كذلك.

وكذلك الثلاثة الأيام إذا صامها بعد إحرامه بالعمرة عندنا، وبعد إحرامه بالحج عند مخالفينا بمكة أو بغيرها، فهي مجزئة.

وكذلك صيام الفدية تجزئة حيث صامه قياساً على صوم المتمتع.

فأما الصدقة: فإن الشافعي رحمه الله ذكر أنها لا تجزئ إلا بمكة.

وقال: لأن أهل الحرم ينتفعون بها كما ينتفعون بالهدي.

فيقال له: أرأيت إن ذبح الهدي بغير مكة، ثم تصدق به على أهل الحرم هل يجزئه ذلك؟

فإن قال: لا، قيل له: قد بطلت علتك حيث لم يجز التصدق على أهل الحرم، وبان أن الدم خص بأن يهراق في الحرم؛ لأن الله  قال: ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ .

فأما الصدقة فهي مجزئة حيث كانت.

ثم اختلف في الذي يحلق قبل أن يذبح بغير أذى: فقال أبو حنيفة - رضي الله  عنه -: يجب عليه دم.

والحجة له: بأن الله - تبارك وتعالى - منع المحصر من الحلق ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ ، فإن حلق رأسه لأذى فعليه دم آخر؛ لأن الآية الكريمة في الحلق في المحصر، فإذا كان الذي يصيبه الأذى في رأسه قبل الوقت الذي أذن له فيه فدية، بل الذي يحلق رأسه بغير أذى أحرى أن يكون عليه الفدية.

وأبو حنيفة، رضي الله  عنه، يزيد في التغليظ عليه، فيقول: لا يجزئه غير الدم، ويخير صاحب الأذى بين الدم، والصدقة، والإطعام، كما أخبر الله  .

فدليل القرآن شهد لمذهبه.

وخالفه جماعة من أهل العلم فيمن حلق قبل أن يذبح وليس بمحصر، ووافقوه في المحصر.

واحتجوا "بما روي عن النبي  ، أنه لما سئل عن رجل حلق قبل أن يذبح فقال: اذبح ولا حرج" .

لكن قوله: "افعل ولا حرج"، يرجع إلى الإثم، دون الكفارة، افعل: أي لو فعلت لم يكن عليك حرج؛ لأن الكفارة قد تجب في أشياء يفعلها الرجل خطأ وعلى جهة الجهل، إنما تجب في ذلك؛ فلا حجة لمن احتج بهذا الحديث في زوال الكفارة.

وأصله في ذلك: أن أحوال الضرورة سبب تخفيف الحكم وتيسيره، لم يجز إيجاب ذلك الحكم في غير أحوال الضرورة والعذر.

وعلى هذا يخرج قولهم في جميع الأصول: إن الحكم في حال الاضطرار والعذر خلاف ما هو في حال الاختبار.

ولهم على هذا مسائل مما يكثر عددها.

وفي الآية دليل لزوم الفداء على المتدهن؛ لأن الله  قال: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً ﴾ ، وقد ذكرنا أن فيه إضماراً.

ثم معروف حاجة المريض في حال مرضه إلى الدهن، فصار كأنه مذكور في الآية.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ ﴾ .

وقد ذكرنا هذا وأقاويلهم.

وقوله: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ ﴾ .

اختلف أهل التأويل فيه: قال بعضهم: من حين يحرم آخرها يوم عرفة.

وعن ابن عمر، رضي الله  عنهما، قال: "ولا تصومهن حتى تحرم".

وعن ابن عباس، رضي الله  عنه، قال: "ما بين الهلال ويوم عرفة"، وعن علي، رضي الله  عنه، قال: "فصيام ثلاثة أيام في الحج"، اختلف أهل التأويل فيه قبل يوم التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة.

فإن فات ذلك صام ثلاثة أيام بعد أيام التشريق.

أما تأخيره الصوم [حتى يكون آخره يوم عرفة لما لعله يجد الهدي، ومثال ذلك ما أمر المتيمم عن تأخير الصلاة] رجاء أن يجد الماء فيغنيه عن التيمم، فعلى ذلك يؤخر الصوم حتى يكون آخره يوم عرفة رجاء أن يجد الهدي.

وأما ما اختلفوا فيه من صيامهن حلالا بعد العمرة، فإن من لم يجوز ذلك ذهب إلى أن الله  قال: ﴿ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ ﴾ ، فتأول ذلك على الإحرام.

وقد يجوز أن يكون الأمر كما قال، ويجوز أن يكون معناه: في أشهر الحج.

ألا ترى أن الله  يقول: ﴿ ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾ ، ومعناه - والله أعلم -: أن الحج يفعل في هذه الأشهر، ولفعله أشهر معلومات.

فلما احتملت الآية ما ذكرنا وجدنا السنة في المتمتع أن يحرم بالحج عشية التروية، كذلك روي عن جابر بن عبد الله، رضي الله  عنه، أنه قال: "قدمنا مكة مع رسول الله  مهلين بالحج لأربع ليال مضين من ذي الحجة، فطاف بالبيت سبعاً، وسعى بين الصفا والمروة، ولم يحل؛ لأنه كان ساق الهدي وأمر من لم يسق الهدي أن يطوف ويسعى ويقصر ثم يحل.

فلما كان يوم التروية أمرهم أن يلبوا بالحج، فإذا كنا نأمر المتمتع أن يحرم بالحج عشية التروية، فكيف يصوم الثلاثة الأيام بعد ذلك، وإنما بقي له يوم واحد؟

فدل ما وصفناه: أنه يجوز له أن يصومهن حلالاً بعد العمرة.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ﴾ .

اختلف فيه: قيل: إذا رجع من منى.

وقيل: إذا أتى وقت الرجوع.

وقيل: إذا رجعتم إلى أهليكم.

وقوله: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ .

قيل: تلك العشرة وإن كانت متفرقة، فهي كالموصولة في حق الحج.

وقيل: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ ، عن الهدي وافية، أي: يكمل بها حق الدم.

وقيل: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ ، في حق الثواب، أي: ثوابها كثواب الهدي.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

جعل الحكم الذي ذكره في المتمتع والمحصر، لمن لا يحضر أهله المسجد الحرام؛ عن ابن عباس، رضي الله  عنه، أنه قال: "ليس على أهل مكة هدي في المتعة".

ولأن أهل مكة لو كانوا كغيرهم لم يكن للمخصوص معنى.

وإذا كان المعتمر في أشهر الحج إذا رجع إلى أهله ثم حج من عامه ذلك فلا هدي عليه، فالمكي مقيم في منزله بعد عمرته فهو أحرى ألا يجب عليه دم المتعة إن حج من عامة ذلك، ولكنه إن تمتع فعليه دم الحلال؛ لأنه منهي عن التمتع.

ثم اختلف أهل التأويل في ﴿ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ ، من هم.

قال أصحابنا - رحمهم الله  -: كل من كان من أهل المواقيت فما دونها إلى مكة، فلهم أن يدخلوها بغير إحرام، فلهم جمعياً حكم حاضري المسجد الحرام.

وروي عن ابن عمر، رضي الله  عنه،: أنه خرج من مكة يريد المدينة، فلما بلغ قديداً بلغه أن بالمدينة جيشين من جيوش الفتنة، فرجع ودخلها بغير إحرام.

وعندنا: إذا جاوز جميع المواقيت ثم رجع فعليه الإحرام.

وقال آخرون: ليس حاضري المسجد الحرام.

وأما [الدليل] لأصحابنا، رحمهم الله  ، ما ذكرنا.

وأما قولنا: ليس عليهم إحصار؛ لأن الإحصار هو الجيش والحيلولة بينهم وبين دخولهم مكة، فإذا كانوا هم فيها قادرون على الطواف بالبيت في كل وقت، كذلك بطل الإحصار.

وقوله  : ﴿ ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾ .

عن ابن عمر، رضي الله  عنه، أنه قال: ﴿ ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾ : شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.

وعن ابن عباس، رضي الله  عنه [...]، وعن الحسن، والشعبي، ومجاهد، وابن جبير، وإبراهيم، وعطاء مثله.

وعن عبد الله بن مسعود، رضي الله  عنه، أنه قال: إنها شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.

ونرى أن عبد الله بن مسعود، رضي الله  عنه، أراد ما أراده الأولون؛ لأنه لا يبقى بعد أيام منى [شيء] من مناسك الحج، فكيف تكون الأيام التي بعد النفر من أيام الحج، ولا عمل فيها للحجاج؟

ثم المسألة - فيمن يحرم بالحج قبل أشهر الحج، ما عليه؟

وهل يجوز إحرامه؟

عن ابن عباس، رضي الله  عنه، أنه قال: من سنة الحج ألا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج.

وعن جابر، رضي الله  عنه، أنه قال: لا يحرم بالحج قبل أشهر الحج.

فأصحابنا، رحمهم الله  ، يكرهون الإحرام قبل أشهر الحج، واتبعوا في كراهيتهم ما روي عن السلف النهي عن ذلك، لكنهم يقولون: إن أحرم يجوز.

واحتج بعض أصحابنا في ذلك بأن قال: للحج ميقات ووقت، وأجمعوا أن من أحرم بالحج قبل الميقات فإحرامه صحيح [، فعل ذلك من أحرم قبل وقته فإحرامه صحيح].

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾ ، الأشهر كلها، كقوله  : ﴿ إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً  ﴾ ، وهي الأشهر كلها، وهي معلومة؛ [وهي] كقوله  : ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ  ﴾ .

فإن كان هذا تأويل الآية، ففيه دليل جواز الإحرام بالحج في الأشهر كلها.

وقال آخرون: ﴿ ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾ ، [أي في أشهر معلومات] وهو ما ذكرنا من قول جماعة من السلف، قالوا: إنها شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، غير أنه يتوجه وجهين: أحدهما: أن لفعل الحج أشهر معلومات، دليله قوله  : ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ ﴾ ، سماه حجّاً بعد سبب الإلزام، فثبت أن ما بعد الإحرام حج.

والوجه الثاني: أن للحج أشهر معلومات، لا يدخل فيها غيره، ثم أدخل فيها العمرة رخصة، دليله: قوله  : "دخلت العمرة في الحج [إلى يوم القيامة] هكذا، [وشبك بين أصابعه]" ، فيكون معناه: أن للحج أشهر، أي: لفعله أشهر معلومات.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ ﴾ .

اختلف فيما به فرض الحج؟

قال بعضهم: إذا نوى الحج صار محرماً، لبى أو لم يلب.

وقال آخرون: إذا نوى أن يعمل بجميع ما أمر وأن ينتهي عن جميع ما نهى، صار بذلك محرماً.

وأما عندنا: فإن تأويل قوله: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ ﴾ ، أي: لبى فيهن بالحج.

دليله ما روي عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، رضوان الله  عليهم أجمعين، أنهم قالوا: ﴿ فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ ﴾ ، أي: لبى.

وأما بالنية مجرداً فإنه لا يكون محرماً.

وما روي أيضاً عن رسول الله  ، أنه قال لعائشة، رضي الله  عنها، وقد رآها حزينة: "ما لك؟

فقالت: أنا قضيت عمرتي، وألفاني الحج عاركا.

فقال: ذلك شيء كتبه الله  على بنات آدم، فحجي وقولي ما يقول المسلمون في حجهم" فبين قول رسول الله  لعائشة، رضي الله  عنها، [رد حجي وقولي ما يقول المسلمون في حجهم أن التلبية واجبة إذ كان المسلمون يفعلونها وأمر عائشة  ا] باتباعهم فيها.

وعن عائشة، رضي الله  عنها، أنها قالت: "لا يحرم إلا من أهل أو لبى".

فدلت هذه الأحاديث النبوية على أن التلبية فرض الحج، وعن هؤلاء الأئمة وأمثالهم الذين نأخذ منهم الدين فلا تجوز مخالفتهم ولا العدول عن سبيلهم.

وقال أصحابنا - رحمهم الله  -: إن خرج رجل مع بدنته وقلدها ونوى الإحرام فهو محرم، ويقوم ذلك الفعل منه مقام التلبية.

والحجة لذلك: أن النبي  قال لأصحابه، رضوان الله  عليهم أجمعين، في حجته لما أمرهم بأن يحلوا العمرة، فقالوا: إنك لم تحل.

قال "إني قلدت الهدي، فلا أحل من إحرامي إلى يوم النحر" وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي" .

فأخبر النبي  أن الذي منعه من الحل تقليده الهدي، وأن ذلك قام مقام الإحرام لو جدده بعد الطواف.

وروي عن علي، وعبد الله بن مسعود، وجابر، رضي الله  عنهم، أنهم قالوا: إذا قلد فقد أحرم.

وكذلك قال عبد الله بن عباس - رضي الله  عنه -: إذا قلد - [وهو] يريد الحج أو العمرة - فقد أحرم.

وما روي عن عائشة - رضي الله  عنها -: لا يحرم إلا من أهل أو لبى، فذلك عندنا في الذي يقلد بدنته ولا يخرج معها، لا يصير محرماً.

ألا ترى ما روي عن عائشة، رضي الله  عنها، أنها قالت: "كان النبي  يبعث بهديه ويقيم، فلا يحرم عليه شيء" .

وقوله: ﴿ فَلاَ رَفَثَ ﴾ .

قيل: ﴿ ٱلرَّفَثُ ﴾ ، جميع حاجات الرجال إلى النساء.

وقال ابن عباس - رضي الله  عنه -: ﴿ ٱلرَّفَثُ ﴾ ، الجماع.

وعن عبد الله بن عمر، رضي الله  عنه، مثله.

وأجمع أهل العلم أن المحرم لا يجوز له أن يقبل امرأته، ولا يمسها بشهوة.

ويوجبون على من فعل ذلك دما.

روي عن ابن عمر - رضي الله  عنه -: إذا باشر المحرم امرأته أهرق دماً.

وعن علي - رضي الله  عنه - قال: إذا قبل المحرم امرأته فعليه دم.

وسئلت عائشة، رضي الله  عنها، عما يحل للمحرم من امرأته؟

فقالت: يحرم عليه كل شيء سوى الكلام.

وقوله: ﴿ وَلاَ فُسُوقَ ﴾ .

قيل: ﴿ ٱلْفُسُوقُ ﴾ ، السب.

وقيل: هو كل فسق، والفسق حقيقة الخروج من أمر الله  ، قال الله  : ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ  ﴾ ، أي: خرج.

وقوله: ﴿ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ ﴾ .

قيل: "الجدال"، المراء.

وذلك أن العرب كانت تؤخر الأشهر الحرم وتعجل، وفي ذلك نزل قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ  ﴾ ، فبين رسول الله  ، وقال: "إن السَّنة قد استدارت كهيئتها يوم خلق السماوات والأرض" ، فعلى ذلك استدار وقت الحج إلى حيث جعل، لا يتقدم أبداً ولا يتأخر، فلا تماروا فيه.

وعن ابن عباس، رضي الله  عنه، أنه قال: لا تجادل صاحبك حتى تغضبه.

وأشبه الأمور - والله أعلم - بتأويل الآية: أن الله  وتعالى [أمر بحفظ] اللسان والفرج في الإحرام عن كل ما يذكر من فسوق، ومعصية، ومجادلة، ومخاصمة، وعن الرفت بالفعل والقول؛ لأنه يروى أن الفضل بن عباس كان رديف رسول الله  [من المزدلفة إلى منى]، وكان الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن، فجعل النبي  يصرف وجهه بيده من خلفه، فقال النبي  : "إن هذا يوم من ملك سمعه، وبصره، ولسانه غفر له، أو كما قال" وروي عنه  ، أنه قال: "من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه" وقوله: ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ﴾ .

ويجزيه؛ [وفيه] ترغيب منه في كل خير.

وقوله: ﴿ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ .

قيل: ﴿ وَتَزَوَّدُواْ ﴾ للحج والعمرة ما تكفون به وجوهكم عن المسألة، ولا تخرجوا بلا زاد لتكونوا عيالاً على الناس.

ويحتمل: أن يكون الأمر بالتزود للمعاد، يدل عليه قوله ﴿ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ ، يقول: إن تقوى الله خير زاد من زاد الدنيا.

وقوله: ﴿ وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ .

يحتمل: ﴿ وَٱتَّقُونِ ﴾ ، المعاصي والمناهي وكل فسق.

ويحتمل: على التقديم والتأخير، كأنه قال: "تزودوا يا أولى الألباب"، ﴿ وَٱتَّقُونِ ﴾ في المسألة من الناس.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأدوا الحج والعمرة تامَّين، مبتغين وجه اللهِ تعالى، فإذا مُنِعْتُم من إتمامهما بمرض أو بعدوٍّ؛ فعليكم بذبح ما تيسر من الهدي -من الإبل أو البقر أو الغنم- لتتحلَّلوا من إحرامكم.

ولا تحلقوا رؤوسكم أو تقصروها حتَّى يبلغ الهدي الموضع الَّذي يحل فيه ذبحه، فإن كان ممنوعًا من الحرم فليذبح حيث مُنع، وإن كان غير ممنوع من الحرم فليذبح في الحرم يوم النحر وما بعده من أيام التشريق.

فمن كان منكم مريضًا، أو به أذى من شعر رأسه؛ كقمل ونحوه، فَحَلَق رأسه بسبب ذلك، فلا حرج عليه، وعليه أن يفدي عن ذلك؛ إما بصيام ثلاثة أيام، أو بإطعام ستة مساكين من مساكين الحرم، أو بذبح شاة توزع على فقراء الحرم، فإذا كنتم غير خائفين فمن استمتع منكم بأداء العمرة في أشهر الحج، وتمتع بما حرُمَ عليه من محظورات الإحرام إلى أن يحرم بالحج من عامه؛ فليذبح ما تيسر له من شاة أو يشترك سبعة في ذبح بعير أو بقرة، فإذا لم يقدر على الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام من أيام المناسك بدلًا منه، وعليه صيام سبعة أيام بعد رجوعه إلى أهله، ليكون مجموع الأيام عشرة كاملة، ذلك التمتع مع وجوب الهدي أو الصيام للعاجز عن الهدي هو لغير أهل الحرم ومن يقيم قريبًا من الحرم؛ لأنهم لا حاجة بهم إلى التمتع فهم لوجودهم بالحرم يكفيهم مطلق الطواف عن التمتع بالعمرة إلى الحج، واتقوا الله باتباع ما شرع، وتعظيم حدوده، واعلموا أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره.

من فوائد الآيات مقصود الجهاد وغايته جَعْل الحكم لله تعالى وإزالة ما يمنع الناس من سماع الحق والدخول فيه.

ترك الجهاد والقعود عنه من أسباب هلاك الأمة؛ لأنه يؤدي إلى ضعفها وطمع العدو فيها.

وجوب إتمام الحج والعمرة لمن شرع فيهما، وجواز التحلل منهما بذبح هدي لمن مُنِع عن الحرم.

<div class="verse-tafsir" id="91.Dw94B"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

اتصال هذه الآيات بما قبلها جلي جدًا، لا سيما لمن قرأ ما تقدم من التفسير، فإن آيات القتال السابقة نزلت في بيان أحكام الأشهر الحرم والإحرام والمسجد الحرام، فكان الغرض الأول من السياق بيان أحكام الحج بعد بيان أحكام الصيام لأن شهوره بعد شهره الذي هو رمضان.

ولما أراد النبي  العمرة وصده المشركون أول مرة بالحديبية وأراد القضاء في العام القابل وخاف أصحابه غدر المشركين بهم واضطرارهم إلى قتالهم إذا هم نقضوا العهد وبدأوا بالقتال أنزل الله تعالى أحكام القتال بعد ذكر الحج في الجواب عن حكمة اختلاف الأهلة ثم عاد إلى إتمام أحكام الحج فقال: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ  ﴾ فالعطف والتعبير بالإتمام ظاهران في أن السياق في الكلام عن الحج، ولذلك لم يقل هنا كتب عليكم الحج كما قال في الصيام.

وقد كان الحج معروفًا في الجاهلية لأنه فرض على عهد إبراهيم وإسماعيل فأقره الإسلام في الجملة، ولكنه أزال ما أحدثوا فيه من الشرك والمنكرات، وزاد ما فيه من المناسك والعبادات، فالآية ليست في فرضيته وفرضية العمرة بل هي في واقعة تتعلق بهما وبقاصديهما وقد كانوا توجهوا إلى ذلك قبل نزولها بعام كما تقدم، فدل ذلك على أن المشروعية سابقة لنزول هذه الآيات.

والمراد بإتمام الحج والعمرة الإتيان بهما تامين ظاهرًا بأداء المناسك على وجهها، وباطنًا بالإخلاص لله تعالى وحده دون قصد الكسب والتجارة أو الرياء والسمعة فيهما، ولا ينافي الإخلاص البيع والشراء في أثناء الحج إذا لم تكن التجارة هي المقصود في الأصل.

وأما الرياء وحب السمعة فإذا كان هو الباعث على الحج فالحج ذنب للمرائي لا طاعة، وإذا عرض الرياء في أثنائه فقيل إنه لا يقبل منه شيء لما ورد من أن الله تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصًا لوجهه، والأحاديث في ذلك كثيرة، وإذا كان هذا قد بدأ بالنسك لوجه الله فإنه لم يتمه لله كما أمر، وقيل بل يؤاخذ بقدر قصده الطاعة والإخلاص وقدر قصده الرياء، وكل شيء عنده تعالى بمقدار ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ  ﴾ .

أما الحال بالنسبة لعامة الحجاج في هذا الزمان فإن أكثرهم لا يخطر في بالهم مناسك الحج وأركانه وواجباته ولا يقصدونها للجهل بها، وإنما يقصدون زيارة"أبو إبراهيم"، يعني النبي  ، ومنهم من لا يعرف للحج معنى سوى هذه الزيارة، وهؤلاء هم الهائمون المغرمون بالحج، ومن الناس من يحج ليقال له الحاج فلان أو ليحتفل بقدومه، وهذا أخس ضروب الرياء، وكثير منهم يقترض بالربا ويحج فيريد أن يعبد الله بأنكر المنكرات.

وقد استدل بالآية القائلون بوجوب العمرة كالحج وهو المروي عن علي وابن عمر وابن عباس وجماعة من كبار التابعين وعليه الشافعي وأحمد.

وقيل إنها سنة ويروي عن ابن مسعود وجابر بن عبد الله وعليه مالك والحنفية وعن أبي حنيفة قول بالوجوب، وقد تقدم أن الآية ليست في وجوب الحج والعمرة فلا تصلح حجة على القائلين بالسنية، لأن الأمر بإتمام الحج والعمرة خطاب لمن شرع فيهما، وهو يصدق وإن كانت العمرة سنة.

ويدل على فرضية الحج قوله تعال ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا  ﴾ والأحاديث الصحيحة الصريحة.

وأما الأحاديث في العمرة فمتعارضة والصواب أن الأحاديث الناطقة بأن العمرة غير واجبة وبأنها تطوع ضعيفة، وأقواها حديث الأعرابي الذي سأل النبي  أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟

فقال"لا وأن تعتمر خير لك"وهو عند أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وصححه الترمذي وفي إسناده الحجاج بن أرطأة وقد ضعفه الأكثرون وبالغ ابن حزم فقال إن هذا الحديث مكذوب وباطل، والصواب ما قاله النووي من اتفاق الحفاظ على تضعيفه.

وأقوى أحاديث القائلين بوجوب العمرة حديث أبي رزين العقيلي قال يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن فقال:"حج عن أبيك واعتمر"رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي بلا نكير بل قال الإمام أحمد لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أوجب من هذا ولا أصح منه.

فهو حجة عند القائلين بأن الأمر للوجوب ما لم يصرفه صارف، وقد يقال إن هذا السائل لم يقصد السؤال عن مشروعية أصل الحج والعمرة فإنه كان يعلم حكمها وإنما سأل هل يصح أن يأتي بهما عن أبيه الذي يقعده عنهما العجز، ولا ينافي هذا كون العمرة سنة متبعة لا فرضًا لازمًا، ويؤيد هذا عدم ذكرها في الآية الناطقة بالوجوب ولا في حديث أركان الإسلام فهي تطوع النسك وإن لم يصح الحديث الذي فيه لفظ التطوع، وقال بعضهم إن العمرة سنة فمتى شرع فيها كان إتمامها واجبًا.

وما تقدم في معنى الإتمام هو المتبادر والجامع بين الأقوال المختلفة وما رواه ابن أبي حاتم عن صفوان بن أمية في سبب نزولها إن صح لا ينافيه، وهو أن رجلًا جاء النبي  متضخمًا بالزعفران علية جبة فقال كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟

فأنزل الله الآية فقال: "أين السائل عن العمرة؟

"قال ها أنا ذا فقال له: "ألق عنك ثيابك ثم اغتسل واستنشق ما استطعت ثم ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك".

وأركان الحج خمسة: (١) الإحرام من الميقات وهو في الأصل الوقت المضروب للشيء والمراد به هنا المكان الذي عينه الشارع لإحرام أهل كل قطر، وسيأتي تفسير الإحرام.

(٢) الوقوف بعرفة (٣ و٤) الطواف بالكعبة والسعي بين الصفا والمروة (٥) الحلق أو التقصير للشعر فمن أدى هذه الأعمال فقد أدى الفريضة التي هي ركن من أركان الإسلام.

وله أعمال أخرى واجبة من قصر في شيء منها كان عليه فدية.

وأركان العمرة هي ما عدا الوقوف من أركان الحج.

وفرضية الحج مجمع عليها معلومة من الدين بالضرورة من أنكرها كان مرتدًا.

والراجح أنه فرض سنة تسع من الهجرة وعليه الجمهور وهذه الآية نزلت سنة ست ولكن ليس فيها أن الحج فرض على كل مستطيع من المؤمنين رجالًا ونساءً.

أمر بالإتمام ثم ذكر حكم ما عساه يحول دونه فقال ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ  ﴾ الحصر والإحصار في اللغة الحبس والتضييق، يقال حصره عن السفر وأحصره عنه إذا حبسه ومنعه، وقال بعض أئمة اللغة إن الإحصار هو المنع بسبب المرض وقال بعضهم بالعكس، وقوله تعالى الآتي بعد ﴿ فَإِذَا أَمِنتُمْ  ﴾ يرجع أن المراد بالإحصار منع العدو أي إن منعتم من إتمام النسك فعليكم ما تيسر لكم وتسهل حصوله وثمنه من الهدْي وهو ما يهديه الحاج والمعتمر إلى البيت الحرام من النعم ليذبح ويفرق على فقرائه، وذهب الجمهور إلى أن المراد بما استيسر الشاة وهي أدناه وقال ابن عمر وعائشة وابن الزبير: جمل أو بقرة، والمتبادر من الآية على أن يذبحه حيث أحصر ولو في الحل ويتحلل لأنه  ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل على الأرجح.

وقالت الحنفية يبعث به إلى الحرم ويجعل للمبعوث بيده يوم أمارة فإذا جاء اليوم وغلب على ظنه أنه ذبح تحلل.

ثم قال: ﴿ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ  ﴾ الدخول في الحج أو العمرة يكون بالإحرام وهو نية النسك عند الابتداء به بالتلبية ولبس غير الخيط من إزار ورداء مع كشف الرأس للرجل ولبس النعلين العربيين.

والخروج منهما ويعبر عنه بالإحلال والتحلل.

يكون بحلق الرأس أو تقصير شعره، فالنهي هنا عبارة عن النهي عن الإحلال قبل بلوغ الهدْي إلى المكان الذي يحل ذبحه وهو في حال الإحصار حيث يحصر الحاج وإلا فالكعبة لقوله تعالى ﴿ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ  ﴾ وقوله ﴿ ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ  ﴾ واستدل الحنفية بهذا على عدم جواز نحر الهْدي في محل الإحصار، وحجة الجمهور فعل النبي  في الحديبية وأن الأصل في الهدي أن يبلغ الكعبة لأنه مهدي إليها، وحال الإحصار حال ضرورة ولا سيما إحصار السنة التي أنزلت فيها الآية، فقد كانت الكعبة في أيدي المشركين، فلا يعقل أن يأمر الله تعالى بإرسال الهدي إليها فيكون غنيمة لهم، على أن إبلاغه محله في حال الإحصار يكون متعذرًا أو متعسرًا فكيف يتوقف الإحلال عليه؟

ثم إن اكتفاءهم بذبحه في أدنى مكان من أرض الحرم لا ينطبق على الآيتين الناطقتين ببلوغه الكعبة والبيت العتيق، وقولهم إنه  ذبح عام الحديبية في أول الحرم غير مسلم فجمهور أهل النقل على خلافه.

ثم إنهم احتاجوا في تصحيح قولهم إلى تقدير العلم أي حتى تعلموا أن الهدي بلغ محله ولا حاجة إلى تقدير على رأي الجمهور.

واستدل الجمهور بالاقتصار على الهدي في مقام البيان أن القضاء غير واجب على المحصر، وقالت الحنفية يجب قضاء العمرة لأن النبي قضاها بأصحابه وسميت عمرة القضاء، وقال الشافعي سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة التي وقعت بين النبي  وبين قريش لا على أنه أوجب عليهم قضاء تلك العمرة.

والهدي جمع هدية كجدي وجدية والمحل بكسر الحاء اسم مكان من حل يحل حلًا أي صار حلالًا ضد حرم يحرم إذا صار حرامًا.

ثم ذكر حكم من يؤذيه عدم الحلق فقال ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا  ﴾ مرضًا ينفعه فيه الحلق ويضره عدمه ﴿ أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ  ﴾ كقمل أو جرح ﴿ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ  ﴾ أي فعليه إن حلق فدية من هذه الأجناس الثلاثة على التخيير.

أخرج البخاري من حديث كعب بن عجرة قال وقف على رسول الله  بالحديبية ورأسي يتهافت قملًا فقال"يؤذيك هوامك؟"قلت نعم قال:"فاحلق رأسك"، قال فنزلت هذه الآية وذكرها فقال النبي  :"صم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق بين ستة أو إنسك بما تيسر".

قال البخاري وعنه  أنه قال: نزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة.

والفرق بالتحريك قيل وبالفتح مكيال بالمدينة يسع ستة عشر رطلًا والمراد هنا ما يكال فيه من تمر وغيره من الأقوات.

وقوله بين ستة أي من المساكين، والنسك ههنا قال ابن عبد البر لا خلاف بين العلماء في أنه شاة.

ثم قال تعالى ﴿ فَإِذَا أَمِنتُمْ  ﴾ الإحصار وذهب خوف العدو.

وقال بعض الفقهاء ومثله المرض أو كنتم في حال أمن وسعة ﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ  ﴾ أي فمن تمتع بمحظورات الإحرام بسبب العمرة أي أدائها بأن أتمها وتحلل وبقي متمتعًا إلى زمن الحج ليحج من مكة فعليه ما استيسر له من الهدي أي فعليه دم جبر أقله شاة لأنه أحرم بالحج من غير الميقات يذبحه يوم النحر أو قبله جوازًا عند بعضهم، أو المعنى فمن قام بأعمال العمرة قبل الحج منتهيًا إليه فعليه ذلك ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ  ﴾ الهدي لعدمه أو عدم المال ﴿ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ  ﴾ أي فعليه صيامها في أيام الإحرام بالحج وتمتد إلى يوم النحر، وقال أبو حنيفة في أشهره بين الإحرامين وهذا أوسع ﴿ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ  ﴾ من الحج إلى بلادكم، ويصدق بالشروع في الرجوع، وعليه الائمة الثلاثة وغيرهم من السلف قالوا يجزئه الصوم في الطريق ولا يتضيق عليه إلا إذا وصل إلى وطنه، وقال مالك إذا رجع من منى فلا بأس أن يصوم، وقال أبو حنيفة معناه: إذا فرغتم من أعمال الحج، فيجوز الصوم عنده قبل الشروع بالرجوع إلى الوطن، وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث ابن عمر في حجة الوداع أنه  قال: "فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله "ولهذا الحديث قال بعض العلماء إنه لا يجوز صيامها قبل الوصول إلى أهله، لأنه تقديم للعبادة البدنية على وقتها، ويجاب عنه بأن لفظ الرجوع يصدق بالشروع فيه، ولا يخفى أن الاحتياط أن يصومها بعد الوصول إلى أهله لأنه المتبادر من العبارة، ولأن الصيام في السفر خلاف الاصل في هذه القرية.

وقوله تعالى ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ  ﴾ إشارة إلى الثلاثة والسبعة مبين لجملة العدد الواجب كما بين تفصيله ومزيل لوهم من عساه يتوهم أن الواو العاطفة للسبعة للتخيير كما عليه بعض العرب في مثل: جالس الحسن وابن سيرين.

وروي أن بعض العرب كانوا يستعملونه عدد السبعة للكثرة في الآحاد كما يستعملون عدد السبعين لغاية الكثرة فالفذلكة تزيل وهم هؤلاء أيضًا ولذلك أكدها بقوله كاملة.

إن الله تعالى إذا أراد أن يقرر حكمًا وكان في التعبير المألوف عنه ما يوهم خلاف المقصود ولو لبعض المخاطبين يأتي بما يؤكد الحكم وينفي أدنى وهم يعرض فيه ولذلك وصف كتابه بالمبين والتبيان.

وإذا كان هذا شأنه فيستحيل أن يطلق في مقام بيان الأحكام القول في نفس شيء بصيغة الإثبات كما قدر بعضهم النفي في قوله ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ  ﴾ .

ثم بيّن تعالى أن التمتع بالعمرة مضمومة إلى الحج أو إلى وقت الإحرام بالحج وما يتبعه من الأحكام خاص بالآفاقيين دون أهل الحرم فقال ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  ﴾ وذلك من أهل الآفاق هم الذين يحتاجون إلى هذا التمتع لما يلحقهم من المشقة بالسفر إلى الحج وحده ثم السفر إلى العمرة وحدها، هذا ما أختاره، وعليه الحنفية، فلا متعة ولا قران عندهم لحاضري المسجد الحرام.

وقال غيرهم كالشافعية إن الإشارة إلى أقرب مذكور وهو الجزاء على التمتع من الهدي أو بدله لأن الآفاقي إذا تمتع يحرم بالحج من مكة لا من الميقات فيكون حجه ناقصًا يجبر بالهدي أو بدله إذا لم يجده، ولعل وجه الاختيار التعبير باللام المفيدة أن التمع رخصة دون "على" المفيدة للجزاء، وحضور الأهل المسجد الحرام كناية عن الإقامة في أرض الحرم وقال (الجلال): والأهل كناية عن النفس وما قلناه في الكناية أظهر والعبارة تشمل من لا أهل له على كل حال، والمتبادر أن أهل المسجد الحرام وهم أهل مكة ومن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام غيرهم وعليه مالك، وقال طاوس هم أهل الحل، وأبو حنيفة هم مَنْ وراء الميقات والشافعي هم من كان على مرحلتين من مكة أي مسافة القصر عنده.

ثم ختم الآية بالأمر بتقوى الله المقصودة من كل أمر ونهي والإعلام بشدة عقوبته لمن لم يتقه فقال ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ  ﴾ بالمحافظة على امتثال هذه الأوامر والنواهي وغيرها من ضروب الهداية التي فيها سعادتكم ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ  ﴾ بما جعل عاقبة التفريط والإضاعة شديدة على المفرطين في الدنيا والآخرة، فإذا علمتم ذلك علمًا صحيحًا رجي لكم الاستمساك بحبل التقوى وكنتم من المفلحين، وأما من لم يكن على صحة علم بسر وعيد الله تعالى بأن ظن أنه تعالى يخلفه وإن لم يتب ويتق صاحبه فهو من الخاسرين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر