الآية ١٩٧ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٩٧ من سورة البقرة

ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌۭ مَّعْلُومَـٰتٌۭ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ۚ وَٱتَّقُونِ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ١٩٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 320 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩٧ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

اختلف أهل العربية في قوله : ( الحج أشهر معلومات ) فقال بعضهم : [ تقديره ] الحج حج أشهر معلومات ، فعلى هذا التقدير يكون الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام به فيما عداها ، وإن كان ذاك صحيحا ، والقول بصحة الإحرام بالحج في جميع السنة مذهب مالك ، وأبي حنيفة ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ابن راهويه ، وبه يقول إبراهيم النخعي ، والثوري ، والليث بن سعد .

واحتج لهم بقوله تعالى : ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ) [ البقرة : 189 ] وبأنه أحد النسكين .

فصح الإحرام به في جميع السنة كالعمرة .

وذهب الشافعي ، رحمه الله ، إلى أنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه به ، وهل ينعقد عمرة ؟

فيه قولان عنه .

والقول بأنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره مروي عن ابن عباس ، وجابر ، وبه يقول عطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، رحمهم الله ، والدليل عليه قوله تعالى : ( الحج أشهر معلومات ) وظاهره التقدير الآخر الذي ذهب إليه النحاة ، وهو أن : وقت الحج أشهر معلومات ، فخصصه بها من بين سائر شهور السنة ، فدل على أنه لا يصح قبلها ، كميقات الصلاة .

قال الشافعي ، رحمه الله : أخبرنا مسلم بن خالد ، عن ابن جريج ، أخبرني عمر بن عطاء ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أنه قال : لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في شهور الحج ، من أجل قول الله : ( الحج أشهر معلومات ) وكذا رواه ابن أبي حاتم ، عن أحمد بن يحيى بن مالك السوسي ، عن حجاج بن محمد الأعور ، عن ابن جريج ، به .

ورواه ابن مردويه في تفسيره من طريقين ، عن حجاج بن أرطاة ، عن الحكم بن عتيبة عن مقسم ، عن ابن عباس : أنه قال : من السنة ألا يحرم [ بالحج ] إلا في أشهر الحج .

وقال ابن خزيمة في صحيحه : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، قال : لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج ، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج .

وهذا إسناد صحيح ، وقول الصحابي : " من السنة كذا " في حكم المرفوع عند الأكثرين ، ولا سيما قول ابن عباس تفسيرا للقرآن ، وهو ترجمانه .

وقد ورد فيه حديث مرفوع ، قال ابن مردويه : حدثنا عبد الباقي بن قانع حدثنا الحسن بن المثنى ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا سفيان ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج " .

وإسناده لا بأس به .

لكن رواه الشافعي ، والبيهقي من طرق ، عن ابن جريج ، عن أبي الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل : أيهل بالحج قبل أشهر الحج ؟

فقال : لا .

وهذا الموقوف أصح وأثبت من المرفوع ، ويبقى حينئذ مذهب صحابي ، يتقوى بقول ابن عباس : " من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهره " .

والله أعلم .

وقوله : ( أشهر معلومات ) قال البخاري : قال ابن عمر : هي شوال ، وذو القعدة ، وعشر من ذي الحجة .

وهذا الذي علقه البخاري عنه بصيغة الجزم رواه ابن جرير موصولا حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة حدثنا أبو نعيم ، حدثنا ورقاء ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر : ( الحج أشهر معلومات ) قال : شوال ، وذو القعدة وعشر من ذي الحجة .

إسناد صحيح ، وقد رواه الحاكم أيضا في مستدركه ، عن الأصم ، عن الحسن بن علي بن عفان ، عن عبد الله بن نمير ، عن عبيد الله عن نافع ، عن ابن عمر فذكره وقال : على شرط الشيخين .

قلت : وهو مروي عن عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وعبد الله بن الزبير ، وابن عباس ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، وإبراهيم النخعي ، والشعبي ، والحسن ، وابن سيرين ، ومكحول ، وقتادة ، والضحاك بن مزاحم ، والربيع بن أنس ، ومقاتل بن حيان .

وهو مذهب الشافعي ، وأبي حنيفة ، وأحمد بن حنبل ، وأبي يوسف ، وأبي ثور ، رحمهم الله .

واختار هذا القول ابن جرير ، قال : وصح إطلاق الجمع على شهرين وبعض الثالث للتغليب ، كما تقول العرب : " زرته العام ، ورأيته اليوم " .

وإنما وقع ذلك في بعض العام واليوم ; قال الله تعالى : ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ) [ البقرة : 203 ] وإنما تعجل في يوم ونصف .

وقال الإمام مالك بن أنس [ والشافعي في القديم ] : هي : شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله .

وهو رواية عن ابن عمر أيضا ; قال ابن جرير : حدثنا أحمد بن إسحاق ، حدثنا أبو أحمد ، حدثنا شريك ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد ، عن ابن عمر قال : شوال وذو القعدة وذو الحجة .

وقال ابن أبي حاتم في تفسيره : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني ابن جريج ، قال : قلت لنافع : أسمعت عبد الله بن عمر يسمي شهور الحج ؟

قال : نعم ، كان عبد الله يسمي : " شوال وذو القعدة وذو الحجة " .

قال ابن جريج : وقال ذلك ابن شهاب ، وعطاء ، وجابر بن عبد الله صاحب النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا إسناد صحيح إلى ابن جريج .

وقد حكي هذا أيضا عن طاوس ، ومجاهد ، وعروة بن الزبير ، والربيع بن أنس ، وقتادة .

وجاء فيه حديث مرفوع ، ولكنه موضوع ، رواه الحافظ ابن مردويه ، من طريق حصين بن مخارق وهو متهم بالوضع عن يونس بن عبيد ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي أمامة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحج أشهر معلومات : شوال وذو القعدة وذو الحجة " .

وهذا كما رأيت لا يصح رفعه ، والله أعلم .

وفائدة مذهب مالك أنه إلى آخر ذي الحجة ، بمعنى أنه مختص بالحج ، فيكره الاعتمار في بقية ذي الحجة ، لا أنه يصح الحج بعد ليلة النحر .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، قال : قال عبد الله : الحج أشهر معلومات ، ليس فيها عمرة .

وهذا إسناد صحيح .

قال ابن جرير : إنما أراد من ذهب إلى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة أن هذه الأشهر ليست أشهر العمرة ، إنما هي للحج ، وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء أيام منى ، كما قال محمد بن سيرين : ما أحد من أهل العلم يشك في أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج .

وقال ابن عون : سألت القاسم بن محمد ، عن العمرة في أشهر الحج ، فقال : كانوا لا يرونها تامة .

قلت : وقد ثبت عن عمر وعثمان ، رضي الله عنهما ، أنهما كانا يحبان الاعتمار في غير أشهر الحج ، وينهيان عن ذلك في أشهر الحج ، والله أعلم .

وقوله : ( فمن فرض فيهن الحج ) أي : أوجب بإحرامه حجا .

فيه دلالة على لزوم الإحرام بالحج والمضي فيه .

قال ابن جرير : أجمعوا على أن المراد من الفرض هاهنا الإيجاب والإلزام .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( فمن فرض فيهن الحج ) يقول : من أحرم بحج أو عمرة .

وقال عطاء : الفرض الإحرام .

وكذا قال إبراهيم ، والضحاك ، وغيرهم .

وقال ابن جريج : أخبرني عمر بن عطاء ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أنه قال ( فمن فرض فيهن الحج ) فلا ينبغي أن يلبي بالحج ثم يقيم بأرض .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن مسعود ، وابن عباس ، وابن الزبير ، ومجاهد ، وعطاء ، وإبراهيم النخعي ، وعكرمة ، والضحاك ، وقتادة ، وسفيان الثوري ، والزهري ، ومقاتل بن حيان نحو ذلك .

وقال طاوس ، والقاسم بن محمد : هو التلبية .

وقوله : ( فلا رفث ) أي : من أحرم بالحج أو العمرة ، فليجتنب الرفث ، وهو الجماع ، كما قال تعالى : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) [ البقرة : 187 ] ، وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك ، وكذا التكلم به بحضرة النساء .

قال ابن جرير : حدثني يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس : أن نافعا أخبره : أن عبد الله بن عمر كان يقول : الرفث إتيان النساء ، والتكلم بذلك : الرجال والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم .

قال ابن وهب : وأخبرني أبو صخر ، عن محمد بن كعب ، مثله .

قال ابن جرير : وحدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن رجل ، عن أبي العالية الرياحي ، عن ابن عباس : أنه كان يحدو وهو محرم وهو يقول : وهن يمشين بنا هميسا إن يصدق الطير ننل لميسا قال أبو العالية فقلت : تكلم بالرفث وأنت محرم ؟

!

قال : إنما الرفث ما قيل عند النساء .

ورواه الأعمش ، عن زياد بن حصين ، عن أبي العالية ، عن ابن عباس ، فذكره .

وقال ابن جرير أيضا : حدثنا ابن أبي عدي ، عن عون حدثني زياد بن حصين ، حدثني أبي حصين بن قيس ، قال : أصعدت مع ابن عباس في الحاج ، وكنت خليلا له ، فلما كان بعد إحرامنا قال ابن عباس ، فأخذ بذنب بعيره فجعل يلويه و [ هو ] يرتجز ، ويقول : وهن يمشين بنا هميسا إن يصدق الطير ننل لميسا قال : فقلت : أترفث وأنت محرم ؟

فقال : إنما الرفث ما قيل عند النساء .

وقال عبد الله بن طاوس ، عن أبيه : سألت ابن عباس عن قول الله تعالى : ( فلا رفث ولا فسوق ) قال : الرفث التعريض بذكر الجماع ، وهي العرابة في كلام العرب ، وهو أدنى الرفث .

وقال عطاء بن أبي رباح : الرفث : الجماع ، وما دونه من قول الفحش ، وكذا قال عمرو بن دينار .

وقال عطاء : كانوا يكرهون العرابة ، وهو التعريض بذكر الجماع وهو محرم .

وقال طاوس : هو أن تقول للمرأة : إذا حللت أصبتك .

وكذا قال أبو العالية .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : الرفث : غشيان النساء والقبل والغمز ، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام ، ونحو ذلك .

وقال ابن عباس أيضا وابن عمر : الرفث : غشيان النساء .

وكذا قال سعيد بن جبير ، وعكرمة ، ومجاهد ، وإبراهيم ، وأبو العالية ، وعطاء ، ومكحول ، وعطاء بن يسار ، وعطية ، وإبراهيم النخعي ، والربيع ، والزهري ، والسدي ، ومالك بن أنس ، ومقاتل بن حيان ، وعبد الكريم بن مالك ، والحسن ، وقتادة والضحاك ، وغيرهم .

وقوله : ( ولا فسوق ) قال مقسم وغير واحد ، عن ابن عباس : هي المعاصي .

وكذا قال عطاء ، ومجاهد ، وطاوس ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومحمد بن كعب ، والحسن ، وقتادة ، وإبراهيم النخعي ، والزهري ، ومكحول ، وابن أبان ، والربيع بن أنس ، وعطاء بن يسار ، وعطاء الخراساني ، ومقاتل بن حيان .

وقال محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : الفسوق : ما أصيب من معاصي الله به صيد أو غيره .

وكذا روى ابن وهب ، عن يونس ، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول : الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم .

وقال آخرون : الفسوق هاهنا السباب ، قاله ابن عباس ، وابن عمر ، وابن الزبير ، ومجاهد ، والسدي ، وإبراهيم والحسن .

وقد يتمسك لهؤلاء بما ثبت في الصحيح " سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر " .

ولهذا رواه هاهنا الحبر أبو محمد بن أبي حاتم ، رحمه الله ، من حديث سفيان الثوري عن يزيد عن أبي وائل ، عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر " .

وروي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ومن حديث أبي إسحاق عن محمد بن سعد عن أبيه ] .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الفسوق هاهنا : الذبح للأصنام .

قال الله تعالى : ( أو فسقا أهل لغير الله به ) [ الأنعام : 145 ] .

وقال الضحاك : الفسوق : التنابز بالألقاب .

والذين قالوا : الفسوق هاهنا هو جميع المعاصي ، معهم الصواب ، كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم ، وإن كان في جميع السنة منهيا عنه ، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد ; ولهذا قال : ( منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) [ التوبة : 36 ] ، وقال في الحرم : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) [ الحج : 25 ] .

واختار ابن جرير أن الفسوق هاهنا : هو ارتكاب ما نهي عنه في الإحرام ، من قتل الصيد ، وحلق الشعر ، وقلم الأظفار ، ونحو ذلك ، كما تقدم عن ابن عمر .

وما ذكرناه أولى ، والله أعلم .

وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " .

وقوله : ( ولا جدال في الحج ) فيه قولان : أحدهما : ولا مجادلة في وقت الحج وفي مناسكه ، وقد بينه الله أتم بيان ووضحه أكمل إيضاح .

كما قال وكيع ، عن العلاء بن عبد الكريم : سمعت مجاهدا يقول : ( ولا جدال في الحج ) قد بين الله أشهر الحج ، فليس فيه جدال بين الناس .

وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( ولا جدال في الحج ) قال : لا شهر ينسأ ، ولا جدال في الحج ، قد تبين ، ثم ذكر كيفية ما كان المشركون يصنعون في النسيء الذي ذمهم الله به .

وقال الثوري ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن مجاهد في قوله : ( ولا جدال في الحج ) قال : قد استقام الحج ، فلا جدال فيه .

وكذا قال السدي .

وقال هشيم : أخبرنا حجاج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : ( ولا جدال في الحج ) قال : المراء في الحج .

وقال عبد الله بن وهب : قال مالك : قال الله تعالى : ( ولا جدال في الحج ) فالجدال في الحج والله أعلم أن قريشا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة ، وكانت العرب ، وغيرهم يقفون بعرفة ، وكانوا يتجادلون ، يقول هؤلاء : نحن أصوب .

ويقول هؤلاء : نحن أصوب .

فهذا فيما نرى ، والله أعلم .

وقال ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون ، كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم فقطعه الله حين أعلم نبيه بالمناسك .

وقال ابن وهب ، عن أبي صخر ، عن محمد بن كعب ، قال : كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء : حجنا أتم من حجكم .

وقال هؤلاء : حجنا أتم من حجكم .

وقال حماد بن سلمة عن جبر بن حبيب ، عن القاسم بن محمد أنه قال : الجدال في الحج أن يقول بعضهم : الحج غدا .

ويقول بعضهم : اليوم .

وقد اختار ابن جرير مضمون هذه الأقوال ، وهو قطع التنازع في مناسك الحج .

والقول الثاني : أن المراد بالجدال هاهنا : المخاصمة .

قال ابن جرير : حدثنا عبد الحميد بن بيان حدثنا إسحاق ، عن شريك ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله هو ابن مسعود في قوله : ( ولا جدال في الحج ) قال : أن تماري صاحبك حتى تغضبه .

وبهذا الإسناد إلى أبي إسحاق ، عن التميمي : سألت ابن عباس عن " الجدال " قال : المراء ، تماري صاحبك حتى تغضبه .

وكذا روى مقسم والضحاك ، عن ابن عباس .

وكذا قال أبو العالية ، وعطاء ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، وجابر بن زيد ، وعطاء الخراساني ، ومكحول ، وعمرو بن دينار ، والسدي ، والضحاك ، والربيع بن أنس ، وإبراهيم النخعي ، وعطاء بن يسار ، والحسن ، وقتادة ، والزهري ، ومقاتل بن حيان .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( ولا جدال في الحج ) قال الجدال : المراء والملاحاة ، حتى تغضب أخاك وصاحبك ، فنهى الله عن ذلك .

وقال إبراهيم النخعي : ( ولا جدال في الحج ) قال : كانوا يكرهون الجدال .

وقال محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : الجدال : السباب والمنازعة .

وكذا روى ابن وهب ، عن يونس ، عن نافع : أن ابن عمر كان يقول : الجدال في الحج : السباب ، والمراء ، والخصومات ، وقال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن الزبير ، والحسن ، وإبراهيم ، وطاوس ، ومحمد بن كعب ، قالوا : الجدال المراء .

وقال عبد الله بن المبارك ، عن يحيى بن بشر عن عكرمة : ( ولا جدال في الحج ) والجدال الغضب ، أن تغضب عليك مسلما ، إلا أن تستعتب مملوكا فتغضبه من غير أن تضربه ، فلا بأس عليك ، إن شاء الله .

قلت : ولو ضربه لكان جائزا سائغا .

والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن إدريس ، حدثنا محمد بن إسحاق ، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه : أن أسماء بنت أبي بكر قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاجا ، حتى إذا كنا بالعرج نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلست عائشة إلى جنب رسول الله ، وجلست إلى جنب أبي .

وكانت زمالة أبي بكر وزمالة رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدة مع غلام أبي بكر ، فجلس أبو بكر ينتظره إلى أن يطلع عليه ، فأطلع وليس معه بعيره ، فقال : أين بعيرك ؟

فقال : أضللته البارحة .

فقال أبو بكر : بعير واحد تضله ؟

فطفق يضربه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم ويقول : " انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع ؟

" .

وهكذا أخرجه أبو داود ، وابن ماجه ، من حديث ابن إسحاق .

ومن هذا الحديث حكى بعضهم عن بعض السلف أنه قال : من تمام الحج ضرب الجمال .

ولكن يستفاد من قول النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر : " انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع ؟

" كهيئة الإنكار اللطيف أن الأولى ترك ذلك ، والله أعلم .

وقد قال الإمام عبد بن حميد في مسنده : حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن موسى بن عبيدة ، عن أخيه عبد الله بن عبيدة عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قضى نسكه ، وسلم المسلمون من لسانه ويده ، غفر له ما تقدم من ذنبه " .

وقوله : ( وما تفعلوا من خير يعلمه الله ) لما نهاهم عن إتيان القبيح قولا وفعلا حثهم على فعل الجميل ، وأخبرهم أنه عالم به ، وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة .

وقوله : ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) قال العوفي ، عن ابن عباس : كان أناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة ، يقولون : نحج بيت الله ولا يطعمنا .

فقال الله : تزودوا ما يكف وجوهكم عن الناس .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري ، حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة : قال : إن ناسا كانوا يحجون بغير زاد ، فأنزل الله : ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) وكذا رواه ابن جرير عن عمرو وهو الفلاس عن ابن عيينة .

قال ابن أبي حاتم : وقد روى هذا الحديث ورقاء ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس .

قال : وما يرويه عن ابن عيينة أصح .

قلت : قد رواه النسائي ، عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس [ قال ] كان ناس يحجون بغير زاد ، فأنزل الله : ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) .

وأما حديث ورقاء فأخرجه البخاري ، عن يحيى بن بشر ، عن شبابة .

وأخرجه أبو داود ، عن أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازي ، ومحمد بن عبد الله المخرمي ، عن شبابة ، عن ورقاء ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ، ويقولون : نحن المتوكلون .

فأنزل الله : ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) .

ورواه عبد بن حميد في تفسيره ، عن شبابة [ به ] .

ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث شبابة ، به .

وروى ابن جرير وابن مردويه من حديث عمرو بن عبد الغفار [ عن محمد بن سوقة ] عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها ، واستأنفوا زادا آخر ; فأنزل الله تعالى : ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) فنهوا عن ذلك ، وأمروا أن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق .

وكذا قال ابن الزبير ، وأبو العالية ، ومجاهد ، وعكرمة ، والشعبي ، والنخعي ، وسالم بن عبد الله ، وعطاء الخراساني ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، ومقاتل بن حيان .

وقال سعيد بن جبير : فتزودوا الدقيق والسويق والكعك وقال وكيع [ بن الجراح ] في تفسيره : حدثنا سفيان ، عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير : ( وتزودوا ) قال : الخشكنانج والسويق .

وقال وكيع أيضا : حدثنا إبراهيم المكي ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قال : إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر .

وزاد فيه حماد بن سلمة ، عن أبي ريحانة أن ابن عمر كان يشترط على من صحبه الجوزة .

وقوله : ( فإن خير الزاد التقوى ) لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة ، وهو استصحاب التقوى إليها ، كما قال : ( وريشا ولباس التقوى ذلك خير ) [ الأعراف : 26 ] .

لما ذكر اللباس الحسي نبه مرشدا إلى اللباس المعنوي ، وهو الخشوع ، والطاعة والتقوى ، وذكر أنه خير من هذا ، وأنفع .

قال عطاء الخراساني في قوله : ( فإن خير الزاد التقوى ) يعني : زاد الآخرة .

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا عبدان ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا مروان بن معاوية ، عن إسماعيل عن قيس ، عن جرير بن عبد الله ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم [ قال ] : " من يتزود في الدنيا ينفعه في الآخرة " .

وقال مقاتل بن حيان : لما نزلت هذه الآية : ( وتزودوا ) قام رجل من فقراء المسلمين فقال : يا رسول الله ، ما نجد زادا نتزوده .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تزود ما تكف به وجهك عن الناس ، وخير ما تزودتم التقوى " .

رواه ابن أبي حاتم .

وقوله : ( واتقون يا أولي الألباب ) يقول : واتقوا عقابي ، ونكالي ، وعذابي ، لمن خالفني ولم يأتمر بأمري ، يا ذوي العقول والأفهام .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

الحج أشهر معلومات القول في تأويل قوله تعالى : { الحج أشهر معلومات } يعني جل ثناؤه بذلك : وقت الحج أشهر معلومات .

" والأشهر " مرفوعات بالحج , وإن كان له وقتا لا صفة ونعتا , إذ لم تكن محصورات بتعريف بإضافة إلى معرفة أو معهود , فصار الرفع فيهن كالرفع في قول العرب في نظير ذلك من المحل " المسلمون جانب والكفار جانب " , برفع الجانب الذي لم يكن محصورا على حد معروف , ولو قيل جانب أرضهم أو بلادهم لكان النصب هو الكلام .

ثم اختلف أهل التأويل في قوله : { الحج أشهر معلومات } فقال بعضهم : يعني بالأشهر المعلومات : شوالا , وذا القعدة , وعشرا من ذي الحجة .

ذكر من قال ذلك : 2844 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا شريك , عن أبي إسحاق , عن أبي الأحوص , عن عبد الله قوله : { الحج أشهر معلومات } قال : شوال , وذو القعدة , وعشر ذي الحجة .

2845 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان وشريك , عن خصيف , عن عكرمة , عن ابن عباس , مثله .

* حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , عن خصيف , عن مقسم عن ابن عباس , مثله .

* حدثنا أبو كريب , قال : ثنا إبراهيم بن إسماعيل بن نصر السلمي , قال : ثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة , عن داود بن حصين , عن عكرمة , عن ابن عباس أنه قال : أشهر الحج شوال , وذو القعدة , وعشر من ذي الحجة .

2846 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله : { الحج أشهر معلومات } وهن : شوال , وذو القعدة , وعشر من ذي الحجة , جعلهن الله سبحانه للحج , وسائر الشهور للعمرة , فلا يصلح أن يحرم أحد بالحج إلا في أشهر الحج , والعمرة يحرم بها في كل شهر .

* حدثني المثنى , قال : ثنا الحماني , قال : ثنا شريك , عن أبي إسحاق , عن الضحاك , عن ابن عباس في قوله : { الحج أشهر معلومات } قال : شوال , وذو القعدة , وعشر من ذي الحجة .

2847 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن وأبو عامر قالا : ثنا سفيان , وحدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري عن المغيرة , عن إبراهيم , مثله .

* حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : حدثنا أبو عوانة , عن مغيرة , عن إبراهيم والشعبي مثله .

* حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان وإسرائيل , عن مغيرة , عن إبراهيم , مثله .

2849 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا إسرائيل , عن جابر , عن عامر , مثله .

2850 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي , مثله .

2851 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

2852 - حدثني القاسم , قال : حدثنا الحسين , قال : ثني هشيم , قال : أخبرنا الحجاج , عن الحكم , عن مقسم , عن ابن عباس .

وأخبرنا مغيرة , عن إبراهيم والشعبي .

وأخبرنا يونس , عن الحسن .

وأخبرنا جويبر , عن الضحاك .

وأخبرنا حجاج , عن عطاء ومجاهد , مثله .

2853 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا أبو الوليد , قال : ثنا حماد , عن عبيد الله , عن نافع , عن ابن عمر , قال : شوال , وذو القعدة , وعشر ذي الحجة في الحج أشهر معلومات .

* حدثني أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا ورقاء , عن عبد الله بن دينار , عن ابن عمر , قال : { الحج أشهر معلومات } قال : شوال , وذو القعدة , وعشر ذي الحجة .

2854 - حدثنا أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا حسين بن عقيل , عن الضحاك , قال : شوال , وذو القعدة , وعشر من ذي الحجة .

* حدثني الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا حسين بن عقيل الخراساني , قال : سمعت الضحاك بن مزاحم يقول , فذكر مثله .

وقال آخرون : بل يعني بذلك شوالا , وذا القعدة , وذا الحجة كله .

ذكر من قال ذلك : 2855 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا يحيى بن سعيد , قال : ثنا ابن جريج , قال : قلت لنافع : أكان عبد الله يسمي أشهر الحج ؟

قال : نعم , شوال , وذو القعدة , وذو الحجة .

* حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن بكر , قال : ثنا ابن جريج , قال : قلت لنافع : أسمعت ابن عمر يسمي أشهر الحج ؟

قال : نعم , كان يسمي شوالا , وذا القعدة , وذا الحجة .

* حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا شريك , عن إبراهيم بن مهاجر , عن مجاهد , عن ابن عمر , قال : شوال , وذو القعدة , وذو الحجة .

2856 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن بكر , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قال عطاء : { الحج أشهر معلومات } , قال عطاء : فهي شوال , وذو القعدة , وذو الحجة .

2857 - حدثنا عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , مثله .

2858 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { الحج أشهر معلومات } أشهر الحج : شوال , وذو القعدة , وذو الحجة .

وربما قال : وعشر ذي الحجة .

2859 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { الحج أشهر معلومات } قال : شوال , وذو القعدة , وذو الحجة .

2860 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن ابن طاوس , عن أبيه , مثله .

2861 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني الليث , قال : ثني عقيل , عن ابن شهاب , قال : أشهر الحج : شوال , وذو القعدة , وذو الحجة .

فإن قال لنا قائل : وما وجه قائلي هذه المقالة , وقد علمت أن عمل الحج لا يعمل بعد تقضي أيام منى ؟

قيل : إن معنى ذلك غير الذي توهمته , وإنما عنوا بقيلهم الحج ثلاثة أشهر كوامل , أنهن الحج لا أشهر العمرة , وأن شهور العمرة سواهن من شهور السنة .

ومما يدل على أن ذلك معناهم في قيلهم ذلك ما : 2862 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا أيوب , عن نافع , قال : قال ابن عمر : أن تفصلوا بين أشهر الحج والعمرة فتجعلوا العمرة في غير أشهر الحج , أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته .

2863 - حدثني نصر بن علي الجهضمي , قال : أخبرني أبي , قال : ثنا شعبة , قال : ما لقيني - أيوب أو قال : ما لقيت أيوب - إلا سألني عن حديث قيس بن مسلم , عن طارق بن شهاب , قال : قلت لعبد الله : امرأة منا قد حجت , أو هي تريد أن تحج , أفتجعل مع حجها عمرة ؟

فقال : ما أرى هؤلاء إلا أشهر الحج .

قال : فيقول لي أيوب ومن عنده : مثل هذا الحديث حدثك قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب أنه سأل عبد الله .

2864 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , عن ابن عون , قال : سمعت القاسم بن محمد يقول : إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة .

قال : فقيل له : العمرة في المحرم ؟

فقال : كانوا لا يرونها تامة .

2865 - حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : أخبرنا إسحاق بن يوسف , عن ابن عون , قال : سألت القاسم بن محمد عن العمرة في أشهر الحج , قال : كانوا لا يرونها تامة .

2866 - حدثنا ابن بيان الواسطي , قال : أخبرنا إسحاق عن عبد الله بن عون , عن ابن سيرين أنه كان يستحب العمرة في المحرم , قال : تكون في أشهر الحج .

قال : كانوا لا يرونها تامة .

2867 - حدثنا ابن بيان , قال : ثنا إسحاق , عن ابن عون , عن محمد بن سيرين , قال : قال ابن عمر للحكم بن الأعرج أو غيره : إن أطعتني انتظرت حتى إذا أهل المحرم خرجت إلى ذات عرق فأهللت منها بعمرة .

2868 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا وهب بن جرير , قال : ثنا شعبة , عن أبي يعقوب , قال : سمعت ابن عمر يقول : لأن أعتمر في عشر ذي الحجة أحب إلي من أن أعتمر في العشرين .

2869 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن قيس بن مسلم , عن طارق بن شهاب , قال : سألت ابن مسعود عن امرأة منا أرادت أن تجمع مع حجها عمرة , فقال : اسمع الله يقول : { الحج أشهر معلومات } ما أراها إلا أشهر الحج .

2870 - حدثني أحمد بن المقدام , قال : ثنا حزام القطعي , قال : سمعت محمد بن سيرين يقول : ما أحد من أهل العلم شك أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج .

ونظائر ذلك مما يطول باستيعاب ذكره الكتاب , مما يدل على أن معنى قيل من قال : وقت الحج ثلاثة أشهر كوامل , أنهن من غير شهور العمرة , وأنهن شهور لعمل الحج دون عمل العمرة , وإن كان عمل الحج إنما يعمل في بعضهن لا في جميعهن .

وأما الذين قالوا : تأويل ذلك : شوال , وذو القعدة , وعشر ذي الحجة , فإنهم قالوا : إنما قصد الله جل ثناؤه بقوله : { الحج أشهر معلومات } إلى تعريف خلقه ميقات حجهم , لا الخبر عن وقت العمرة .

قالوا : فأما العمرة , فإن السنة كلها وقت لها , لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه اعتمر في بعض شهور الحج , ثم لم يصح عنه بخلاف ذلك خبر .

قالوا : فإذا كان ذلك كذلك , وكان عمل الحج ينقضي وقته بانقضاء العاشر من أيام ذي الحجة , علم أن معنى قوله : { الحج أشهر معلومات } إنما هو ميقات الحج شهران وبعض الثالث .

والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال : إن معنى ذلك الحج شهران وعشر من الثالث ; لأن ذلك من الله خبر عن ميقات الحج ولا عمل للحج يعمل بعد انقضاء أيام منى , فمعلوم أنه لم يعن بذلك جميع الشهر الثالث , وإذا لم يكن معنيا به جميعه صح قول من قال : وعشر ذي الحجة .

فإن قال قائل : فكيف قيل : { الحج أشهر معلومات } وهو شهران وبعض الثالث ؟

قيل إن العرب لا تمتنع خاصة في الأوقات من استعمال مثل ذلك , فتقول له اليوم يومان منذ لم أره .

وإنما تعني بذلك يوما وبعض آخر , وكما قال جل ثناؤه : { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } 2 203 وإنما يتعجل في يوم ونصف .

وقد يفعل الفاعل منهم الفعل في الساعة , ثم يخرجه عاما على السنة والشهر , فيقول : زرته العام وأتيته اليوم , وهو لا يريد بذلك أن فعله أخذ من أول الوقت الذي ذكره إلى آخره , ولكنه يعني أنه فعله إذ ذاك وفي ذلك الحين , فكذلك الحج أشهر , والمراد منه الحج شهران وبعض آخر .

فمعنى الآية إذا : ميقات حجكم أيها الناس شهران وبعض الثالث , وهو شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة .فمن فرض فيهن الحج القول في تأويل قوله تعالى : { فمن فرض فيهن الحج } يعني بقوله جل ثناؤه : { فمن فرض فيهن الحج } فمن أوجب الحج على نفسه وألزمها إياه فيهن , يعني في الأشهر المعلومات التي بينها .

وإيجابه إياه على نفسه العزم على عمل جميع ما أوجب الله على الحاج عمله وترك جميع ما أمره الله بتركه .

وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي يكون به الرجل فارضا الحج بعد إجماع جميعهم , على أن معنى الفرض : الإيجاب والإلزام , فقال بعضهم : فرض الحج الإهلال .

ذكر من قال ذلك : 2871 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا ورقاء , عن عبد الله المدني بن دينار , عن ابن عمر قوله : { فمن فرض فيهن الحج } قال : من أهل بحج .

2872 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , وحدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , عن العلاء بن المسيب , عن عطاء , قال : التلبية .

2873 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا مهران , وحدثنا علي , قال : ثنا زيد جميعا , عن سفيان الثوري : { فمن فرض فيهن الحج } قال : فالفريضة الإحرام , والإحرام : التلبية .

2874 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحماني , قال : ثنا شريك , عن إبراهيم , يعني ابن مهاجر , عن مجاهد : { فمن فرض فيهن الحج } قال : الفريضة : التلبية .

* حدثنا أحمد بن حازم , قال : ثنا ورقاء عن عبد الله بن دينار , عن ابن عمر : { فمن فرض فيهن الحج } قال : أهل .

2875 - حدثني أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا شريك , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : الفرض التلبية , ويرجع إن شاء ما لم يحرم .

* حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { فمن فرض فيهن الحج } قال : الفرض : الإهلال .

2876 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن ابن طاوس , عن أبيه : { فمن فرض فيهن الحج } قال : التلبية .

2877 - حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن مسلم , قال : ثنا أبو عمرو الضرير , قال : أخبرنا حماد بن سلمة , عن جبر بن حبيب , قال : سألت القاسم بن محمد عمن فرض فيهن الحج , قال : إذا اغتسلت ولبست ثوبك ولبيت , فقد فرضت الحج .

وقال آخرون : فرض الحج إحرامه .

ذكر من قال ذلك : 2878 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : حدثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { فمن فرض فيهن الحج } يقول : من أحرم بحج أو عمرة .

2879 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , وحدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , وحدثني المثنى , قال : ثنا أبو نعيم , قالوا جميعا : ثنا سفيان , عن مغيرة , عن إبراهيم : { فمن فرض فيهن الحج } قال : فمن أحرم .

واللفظ لحديث ابن بشار .

2880 - حدثنا أحمد , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا شريك والحسن بن صالح , عن ليث , عن عطاء , قال : الفرض : الإحرام .

2881 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا الحجاج , عن عطاء وبعض أشياخنا عن الحسن في قوله : { فمن فرض فيهن الحج } قالا : فرض الحج : الإحرام .

2882 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { فمن فرض فيهن الحج } فهذا عند الإحرام .

* حدثنا أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا حسين بن عقيل , عن الضحاك , عن ابن عباس : قال : الفرض : الإحرام .

2883 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا حسين بن عقيل الخراساني , قال : سمعت الضحاك بن مزاحم يقول , فذكر مثله .

* حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , قال : أخبرنا المغيرة , عن إبراهيم : { فمن فرض فيهن الحج } قال : من أحرم .

وهذا القول الثاني يحتمل أن يكون بمعنى ما قلنا من أن يكون الإحرام كان عند قائله الإيجاب بالعزم .

ويحتمل أن يكون كان عنده بالعزم والتلبية , كما قال القائلون القول الأول .

وإنما قلنا : إن فرض الحج الإحرام لإجماع الجميع على ذلك .

وقلنا : إن الإحرام هو إيجاب الرجل ما يلزم المحرم أن يوجبه على نفسه , على ما وصفنا آنفا , لأنه لا يخلو القول في ذلك من أحد أمور ثلاثة : إما أن يكون الرجل غير محرم إلا بالتلبية وفعل جميع ما يجب على الموجب الإحرام على نفسه فعله , فإن يكن ذلك كذلك , فقد يجب أن لا يكون محرما إلا بالتجرد للإحرام , وأن يكون من لم يكن له متجردا فغير محرم .

وفي إجماع الجميع على أنه قد يكون محرما وإن لم يكن متجردا من ثيابه بإيجابه الإحرام ما يدل على أنه قد يكون محرما وإن لم يلب , إذ كانت التلبية بعض مشاعر الإحرام , كما التجرد له بعض مشاعره .

وفي إجماعهم على أنه قد يكون محرما بترك بعض مشاعر حجه ما يدل على أن حكم غيره من مشاعره حكمه .

أو يكون إذ فسد هذا القول قد يكون محرما وإن لم يلب ولم يتجرد ولم يعزم العزم الذي وصفنا .

وفي إجماع الجميع على أنه لا يكون محرما من لم يعزم على الإحرام ويوجبه على نفسه إذا كان من أهل التكليف ما ينبئ عن فساد هذا القول , وإذ فسد هذان الوجهان فبينة صحة الوجه الثالث , وهو أن الرجل قد يكون محرما بإيجابه الإحرام بعزمه على سبيل ما بينا , وإن لم يظهر ذلك بالتجرد والتلبية وصنيع بعض ما عليه عمله من مناسكه .

وإذا صح ذلك صح ما قلنا من أن فرض الحج هو ما قرن إيجابه بالعزم على نحو ما بينا قبل .فلا رفث القول في تأويل قوله تعالى : { فلا رفث } اختلف أهل التأويل في معنى الرفث في هذا الموضع , فقال بعضهم : هو الإفحاش للمرأة في الكلام , وذلك بأن يقول : إذا حللنا فعلت بك كذا وكذا لا يكني عنه , وما أشبه ذلك .

ذكر من قال ذلك : 2884 - حدثنا أحمد بن حماد الدولابي ويونس .

قالا : ثنا سفيان , عن ابن طاوس , عن أبيه , قال : سألت ابن عباس عن الرفث في قول الله : { فلا رفث ولا فسوق } قال : هو التعريض بذكر الجماع , وهي العرابة من كلام العرب , وهو أدنى الرفث .

2885 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن روح بن القاسم , عن ابن طاوس في قوله : { فلا رفث } قال : الرفث : العرابة والتعريض للنساء بالجماع .

2886 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن عون , قال : ثنا زياد بن حصين , قال : ثني أبي حصين بن قيس , قال : أصعدت مع ابن عباس في الحاج , وكنت له خليلا , فلما كان بعدما أحرمنا قال ابن عباس , فأخذ بذنب بعيره , فجعل يلويه , وهو يرتجز ويقول : وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا قال : فقلت : أترفث وأنت محرم ؟

قال : إنما الرفث ما قيل عند النساء .

* حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن قتادة , عن رجل , عن أبي العالية الرياحي , عن ابن عباس أنه كان يحدو وهو محرم , ويقول : وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا قال : قلت : تتكلم بالرفث وأنت محرم ؟

قال : إنما الرفث ما قيل عند النساء .

2887 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني يونس أن نافعا أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول : الرفث : إتيان النساء والتكلم بذلك للرجال والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم .

2888 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني أبو صخر , عن محمد بن كعب القرظي , مثله .

2889 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قلت لعطاء : أيحل للمحرم أن يقول لامرأته : إذا حللت أصبتك ؟

قال : لا , ذاك الرفث .

قال : وقال عطاء : الرفث ما دون الجماع .

* حدثنا ابن بشار , قال : ثني محمد بن بكر , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قال عطاء : الرفث : الجماع وما دونه من قول الفحش .

* حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن أبي زائدة , عن ابن جريج , قال : قلت لعطاء : قول الرجل لامرأته : إذا حللت أصبتك , قال : ذاك الرفث .

* حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن الأعمش , عن زيادة بن حصين , عن أبي العالية , قال : كنت أمشي مع ابن عباس وهو محرم , وهو يرتجز ويقول : وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا قال : قلت : أترفث يا ابن عباس وأنت محرم ؟

قال : إنما الرفث ما روجع به النساء .

2890 - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا سفيان ويحيى بن سعيد , عن ابن جريج , قال : أخبرنا ابن الزبير السبائي وعطاء , أنه سمع طاوسا قال : سمعت ابن الزبير يقول : لا يحل للمحرم الإعرابة .

فذكرته لابن عباس , فقال : صدق .

قلت لابن عباس : وما الإعراب ؟

قال : التعريض .

2891 - حدثنا عمرو بن علي , قال : حدثنا يحيى , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : أخبرني الحسن بن مسلم , عن طاوس أنه كان يقول : لا يحل للمحرم الإعرابة .

قال طاوس : والإعرابة : أن يقول وهو محرم : إذا حللت أصبتك .

2892 - حدثني أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا فطر , عن زياد بن حصين , عن أبي العالية , قال : لا يكون رفث إلا ما واجهت به النساء .

2893 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن علقمة بن مرثد , عن عطاء قال : كانوا يكرهون الإعرابة ; يعني التعريض بذكر الجماع وهو محرم .

* حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا أبو عاصم , عن ابن جريج , عن ابن طاوس أنه سمع أباه أنه كان يقول : لا تحل الإعرابة , والإعرابة : التعريض .

2894 - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا سفيان بن عيينة , عن ابن طاوس , عن أبيه , قال : سألت ابن عباس عن قول الله تعالى : { فلا رفث } قال : الرفث الذي ذكر ههنا ليس بالرفث الذي ذكر في : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } 2 187 ومن الرفث : التعريض بذكر الجماع , وهي الإعراب بكلام العرب .

2895 - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا أبو معاوية : قال : ثنا ابن جريج , عن عطاء : أنه كره التعريب للمحرم .

* حدثنا عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن ابن جريج , قال : أخبرني ابن طاوس أن أباه كان يقول : الرفث : الإعرابة مما رواه من شأن النساء , والإعرابة : الإيضاح بالجماع .

* حدثنا عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن ابن جريج , قال : ثنا الحسن بن مسلم أنه سمع طاوسا يقول : لا يحل للمحرم الإعرابة .

2896 - حدثني علي بن داود , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { فلا رفث } قال : الرفث : غشيان النساء والقبل والغمز , وأن يعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك .

2897 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , عن منصور , عن مجاهد قال : كان ابن عمر يقول للحادي : لا تعرض بذكر النساء .

2898 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر وابن جريج , عن ابن طاوس عن أبيه , عن ابن عباس , قال : الرفث في الصيام : الجماع , والرفث في الحج : الإعرابة , وكان يقول : الدخول والمسيس : الجماع .

وقال آخرون : الرفث في هذا الموضع : الجماع نفسه .

ذكر من قال ذلك : 2899 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا سفيان بن عيينة , عن خصيف , عن مقسم , قال : الرفث : الجماع .

2900 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , عن خصيف , عن مقسم , عن ابن عباس , مثله .

* حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : أخبرنا إسحاق , عن شريك , عن خصيف , عن مقسم , عن ابن عباس قال : الرفث : إتيان النساء .

* حدثنا عبد الحميد قال : أخبرنا إسحاق , عن شريك , عن أبي إسحاق , عن التميمي , قال : سألت ابن عباس عن الرفث , فقال : الجماع .

* حدثنا عبد الحميد , قال : ثنا إسحاق , عن سفيان , عن عاصم الأحول , عن بكر بن عبد الله , عن ابن عباس قال : الرفث : هو الجماع , ولكن الله كريم يكني عما شاء .

2901 - حدثنا عبد الحميد , قال : أخبرنا إسحاق , عن شريك , عن الأعمش , عن زياد بن حصين , عن أبي العالية قال : سمعت ابن عباس يرتجز وهو محرم , يقول : خرجن يسرين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا قال شريك : إلا أنه لم يكن عن الجماع لميسا .

فقلت : أليس هذا الرفث ؟

قال : لا إنما الرفث : إتيان النساء والمجامعة .

* حدثنا عبد الحميد , قال : أخبرنا إسحاق , عن عون , عن زياد بن حصين , عن أبي العالية , عن ابن عباس بنحوه , إلا أن عونا صرح به .

* حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا سفيان , عن عاصم , عن بكر , عن ابن عباس , قال : الرفث : الجماع .

2902 - حدثنا عبد الحميد , قال : ثنا إسحاق , عن شريك , عن أبي إسحاق , عن أبي الأحوص , عن عبد الله قوله : { فلا رفث } قال : الرفث : إتيان النساء .

2903 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا حماد بن مسعدة , قال : ثنا عوف , عن الحسن في قوله : { فلا رفث } قال : الرفث : غشيان النساء .

2904 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن بكر , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قال عمرو بن دينار : الرفث : الجماع فما دونه من شأن النساء .

* حدثنا عبد الحميد , قال : أخبرنا إسحاق , عن ابن جريج , عن عمرو بن دينار بنحوه .

2905 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن أبي زائدة , عن عبد الملك بن أبي سليمان , عن عطاء في قوله : { فلا رفث } قال : الرفث : الجماع .

2906 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عمرو , عن عبد العزيز بن رفيع , عن مجاهد : { فلا رفث } قال : الرفث : الجماع .

2907 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن سعيد , عن قتادة في قوله : { فلا رفث } قال : كان قتادة يقول : الرفث : غشيان النساء .

* حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , عن سعيد , عن قتادة , مثله .

* حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : أخبرنا إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن الضحاك , عن ابن عباس , قال : الرفث : الجماع .

* حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : أخبرنا إسرائيل , عن الحسن بن عبيد الله , عن أبي الضحى , عن ابن عباس , قال : الرفث : الجماع .

* حدثنا أحمد , ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن ليث , عن مجاهد , قال : الرفث : الجماع .

2908 - حدثنا أحمد , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا إسرائيل , عن سالم , عن سعيد بن جبير , قال : الرفث : المجامعة .

2909 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { فلا رفث } فلا جماع .

2910 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع : { فلا رفث } قال : الرفث : الجماع .

* حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { فلا رفث } قال : جماع النساء .

2911 - حدثنا المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن المغيرة , عن إبراهيم في قوله : { فلا رفث } قال : الرفث : الجماع .

* حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج بن المنهال , قال : ثنا حماد , عن الحجاج , عن عطاء بن أبي رباح , قال : الرفث : الجماع .

2912 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن محمد بن إسحاق , عن نافع , عن ابن عمر , قال : الرفث : الجماع .

2913 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن يحيى بن بشر , عن عكرمة قال : الرفث : الجماع .

* حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن النضر بن عربي , عن عكرمة , قال : الرفث : الجماع .

2914 - حدثنا ابن وكيع , قال : حدثنا أبي , عن حسين بن عقيل .

وحدثني أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم .

وحدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قالا : أخبرنا حسين بن عقيل , عن الضحاك , قال : الرفث : الجماع .

* حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حجاج , عن عطاء , عن ابن عباس , مثله .

قال : وأخبرنا عبد الملك , عن عطاء , مثله .

* حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا يونس , عن الحسن , وأخبرنا مغيرة , عن إبراهيم قالا : مثل ذلك .

* حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , وأخبرنا مغيرة , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , مثله .

* حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قال : الرفث : النكاح .

* حدثنا أحمد بن حازم قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا إسرائيل , قال : ثني ثوير , قال : سمعت ابن عمر يقول الرفث : الجماع .

* حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : الرفث : غشيان النساء .

قال معمر : وقال مثل ذلك الزهري عن قتادة .

2915 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : الرفث : إتيان النساء , وقرأ : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } 2 187 * حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن مجاهد في قوله : { فلا رفث } قال : الرفث : الجماع .

* حدثنا ابن حميد , ثنا جرير , عن منصور , عن إبراهيم , مثله .

والصواب من القول في ذلك عندي أن الله جل ثناؤه نهى من فرض الحج في أشهر الحج عن الرفث , فقال : { فمن فرض فيهن الحج فلا رفث } والرفث في كلام العرب : أصله الإفحاش في المنطق على ما قد بينا فيما مضى , ثم تستعمله في الكناية عن الجماع .

فإذ كان ذلك كذلك , وكان أهل العلم مختلفين في تأويله , وفي هذا النهي من الله عن بعض معاني الرفث أم عن جميع معانيه , وجب أن يكون على جميع معانيه , إذ لم يأت خبر بخصوص الرفث الذي هو بالمنطق عند النساء من سائر معاني الرفث يجب التسليم له , إذ كان غير جائز نقل حكم ظاهر آية إلى تأويل باطن إلا بحجة ثابتة .

فإن قال قائل : إن حكمها من عموم ظاهرها إلى الباطن من تأويلها منقول بإجماع , وذلك أن الجميع لا خلاف بينهم في أن الرفث عند غير النساء غير محظور على محرم , فكان معلوما بذلك أن الآية معني بها بعض الرفث دون بعض .

وإذا كان ذلك كذلك , وجب أن لا يحرم من معاني الرفث على المحرم شيء إلا ما أجمع على تحريمه عليه , أو قامت بتحريمه حجة يجب التسليم لها .

قيل : إن ما خص من الآية فأبيح خارج من التحريم , والحظر ثابت لجميع ما لم تخصصه الحجة من معنى الرفث بالآية , كالذي كان عليه حكمه لو لم يخص منه شيء , لأن ما خص من ذلك وأخرج من عمومه إنما لزمنا إخراج حكمه من الحظر بأمر من لا يجوز خلاف أمره , فكان حكم ما شمله معنى الآية بعد الذي خص منها على الحكم الذي كان يلزم العباد فرضه بها لو لم يخصص منها شيء ; لأن العلة فيما لم يخصص منها بعد الذي خص منها نظير العلة فيه قبل أن يخص منها شيء .ولا فسوق القول في تأويل قوله تعالى : { ولا فسوق } اختلف أهل التأويل في معنى الفسوق التي نهى الله عنها في هذا الموضع , فقال بعضهم : هي المعاصي كلها .

ذكر من قال ذلك : 2916 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا سفيان بن عيينة , عن خصيف , عن مقسم , عن ابن عباس , قال الفسوق : المعاصي .

2917 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن أبي زائدة , عن عبد الملك بن أبي سليمان , عن عطاء : { ولا فسوق } قال : الفسوق : المعاصي .

2918 - حدثنا ابن بشار , قال : ثني محمد بن بكر , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قال عطاء : الفسوق : المعاصي كلها , قال الله تعالى : { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } 2 282 * حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : ثنا إسحاق , عن ابن جريج , عن عطاء , مثله .

2919 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا حماد بن مسعدة , قال : ثنا عوف , عن الحسن في قوله : { ولا فسوق } قال : الفسوق : المعاصي .

2920 - حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : ثنا إسحاق , عن ابن جريج , عن ابن طاوس , عن أبيه , قال : الفسوق : المعصية .

2921 - حدثنا عبد الحميد , قال : ثنا إسحاق , عن أبي بشر , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : الفسوق : المعاصي كلها .

* حدثني يعقوب قال : أخبرنا ابن عيينة , عن روح بن القاسم , عن ابن طاوس , عن أبيه في قوله : { ولا فسوق } قال : الفسوق : المعاصي .

2922 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني أبو صخر , عن محمد بن كعب القرظي في قوله : { ولا فسوق } قال : الفسوق : المعاصي .

2923 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , وحدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد جميعا , عن سعيد بن أبي عروبة , عن قتادة : { ولا فسوق } قال : الفسوق : المعاصي .

* حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ولا فسوق } قال : المعاصي .

* حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

2924 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : حدثنا أبو أحمد , قال : ثنا إسرائيل , عن سالم , عن سعيد بن جبير , قال : الفسوق : المعاصي .

قال : وقال مجاهد مثل قول سعيد .

* حدثنا أحمد , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن ليث , عن مجاهد , قال : الفسوق : المعاصي .

* حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله : { ولا فسوق } قال : الفسوق : عصيان الله .

2925 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن المغيرة , عن إبراهيم في قوله : { ولا فسوق } قال : الفسوق : المعاصي .

* حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج بن المنهال , قال : ثنا حماد , عن الحجاج , عن عطاء بن أبي رباح , قال : الفسوق : المعاصي .

* حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري وقتادة وابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

* حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا الحجاج , عن عطاء , عن ابن عباس : { ولا فسوق } قال : المعاصي .

قال : وأخبرنا عبد الملك , عن عطاء , مثله .

* حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , مثله .

2926 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن النضر بن عربي , عن عكرمة , مثله .

2927 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن يحيى بن بشر , عن عكرمة قال : الفسوق : معصية الله , لا صغير من معصية الله .

* حدثني علي بن داود , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثنا معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { ولا فسوق } قال : الفسوق : معاصي الله كلها .

* حدثني الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن ابن طاوس , عن أبيه , وعن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : الفسوق : المعاصي .

وقال مثل ذلك الزهري وقتادة .

وقال آخرون : بل الفسوق في هذا الموضع ما عصي الله به في الإحرام مما نهى عنه فيه من قتل صيد وأخذ شعر وقلم ظفر , وما أشبه ذلك مما خص الله به الإحرام وأمر بالتجنب منه في خلال الإحرام .

ذكر من قال ذلك : 2928 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني يونس أن نافعا أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول : الفسوق : إتيان معاصي الله في الحرم .

* حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن محمد بن إسحاق , عن نافع , عن ابن عمر , قال : الفسوق : ما أصيب من معاصي الله به , صيد أو غيره .

وقال آخرون : بل الفسوق في هذا الموضع : السباب .

ذكر من قال ذلك : 2929 - حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : أخبرنا إسحاق , عن شريك , عن إبراهيم بن مهاجر , عن مجاهد , عن ابن عمر , قال : الفسوق : السباب .

2930 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن الضحاك , عن ابن عباس , قال : الفسوق : السباب .

* حدثني أحمد بن حازم الغفاري , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا إسرائيل , قال : ثنا ثوير , قال : سمعت ابن عمر يقول : الفسوق : السباب .

2931 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام عن عمرو , عن عبد العزيز بن رفيع , عن مجاهد : { ولا فسوق } قال : الفسوق : السباب .

2932 - حدثنا موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي في قوله : { ولا فسوق } قال : أما الفسوق : فهو السباب .

2933 - حدثني المثنى , قال : ثنا المعلى بن أسد , قال : ثنا خالد , عن المغيرة , عن إبراهيم , قال : الفسوق : السباب .

2934 - حدثني المثنى , قال : ثنا معلى , قال : ثنا عبد العزيز , عن موسى بن عقبة , قال : سمعت عطاء بن يسار يحدث نحوه .

2935 - حدثنا القاسم , قال : ثني الحسين , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا يونس , عن الحسن , قال : وأخبرنا مغيرة , عن إبراهيم قالا : الفسوق : السباب .

* حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , عن خصيف , عن مقسم , عن ابن عباس , قال : الفسوق : السباب .

* حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن مجاهد في قوله : { ولا فسوق } قال : الفسوق : السباب .

* حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور عن إبراهيم , مثله .

وقال آخرون : الفسوق : الذبح للأصنام .

ذكر من قال ذلك : 2936 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في الفسوق : الذبح للأنصاب , وقرأ : { أو فسقا أهل لغير الله به } 6 145 فقطع ذلك أيضا قطع الذبح للأنصاب بالنبي صلى الله عليه وسلم حين حج فعلم أمته المناسك .

وقال آخرون : الفسوق : التنابز بالألقاب .

ذكر من قال ذلك : 2937 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا حسين بن عقيل , قال : سمعت الضحاك بن مزاحم يقول , فذكر مثله .

وأولى الأقوال التي ذكرنا بتأويل الآية في ذلك , قول من قال : معنى قوله : { ولا فسوق } النهي عن معصية الله في إصابة الصيد وفعل ما نهى الله المحرم عن فعله في حال إحرامه وذلك أن الله جل ثناؤه قال : { فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق } يعني بذلك فلا يرفث , ولا يفسق : أي لا يفعل ما نهاه الله عن فعله في حال إحرامه , ولا يخرج عن طاعة الله في إحرامه .

وقد علمنا أن الله جل ثناؤه قد حرم معاصيه على كل أحد , محرما كان أو غير محرم , وكذلك حرم التنابز بالألقاب في حال الإحرام وغيرها بقوله : { ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب } 49 11 وحرم على المسلم سباب أخيه في كل حال فرض الحج أو لم يفرضه .

فإذ كان ذلك كذلك , فلا شك أن الذي نهى الله عنه العبد من الفسوق في حال إحرامه وفرضه الحج هو ما لم يكن فسوقا في حال إحلاله وقبل إحرامه بحجه ; كما أن الرفث الذي نهاه عنه في حال فرضه الحج , هو الذي كان له مطلقا قبل إحرامه ; لأنه لا معنى لأن يقال فيما قد حرم الله على خلقه في كل الأحوال : لا يفعلن أحدكم في حال الإحرام ما هو حرام عليه فعله في كل حال , لأن خصوص حال الإحرام به لا وجه له وقد عم به جميع الأحوال من الإحلال والإحرام .

فإذ كان ذلك كذلك , فمعلوم أن الذي نهى عنه المحرم من الفسوق فخص به حال إحرامه , وقيل له : " إذا فرضت الحج فلا تفعله " , هو الذي كان له مطلقا قبل حال فرضه الحج , وذلك هو ما وصفنا وذكرنا أن الله جل ثناؤه خص بالنهي عنه المحرم في حال إحرامه مما نهاه عنه من الطيب واللباس والحلق وقص الأظفار وقتل الصيد , وسائر ما خص الله بالنهي عنه المحرم في حال إحرامه .

فتأويل الآية إذا : فمن فرض الحج في أشهر الحج فأحرم فيهن , فلا يرفث عند النساء فيصرح لهن بجماعهن , ولا يجامعهن , ولا يفسق بإتيان ما نهاه الله في حال إحرامه بحجه , من قتل صيد , وأخذ شعر , وقلم ظفر , وغير ذلك مما حرم الله عليه فعله وهو محرم .ولا جدال في الحج القول في تأويل قوله تعالى : { ولا جدال في الحج } اختلف أهل التأويل في ذلك , فقال بعضهم : معنى ذلك : النهي عن أن يجادل المحرم أحدا .

ثم اختلف قائلو هذا القول , فقال بعضهم : نهى عن أن يجادل صاحبه حتى يغضبه .

ذكر من قال ذلك : 2938 - حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : أخبرنا إسحاق , عن شريك , عن أبي إسحاق , عن أبي الأحوص , عن عبد الله : { ولا جدال في الحج } قال : أن تماري صاحبك حتى تغضبه .

2939 - حدثنا عبد الحميد , قال : ثنا إسحاق , عن شريك , عن أبي إسحاق , عن التميمي , قال : سألت ابن عباس عن الجدال , فقال : أن تماري صاحبك حتى تغضبه .

* حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن عيينة , عن خصيف , عن مقسم , عن ابن عباس , قال : الجدال أن تماري صاحبك حتى تغضبه .

2940 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن أبي زائدة , عن عبد الملك بن أبي سليمان , عن عطاء , قال : الجدال : أن يماري الرجل أخاه حتى يغضبه .

2941 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن سالم الأفطس , عن سعيد بن جبير : { ولا جدال في الحج } قال : أن تمحن صاحبك حتى تغضبه .

2942 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عمرو , عن شعيب بن خالد , عن سلمة بن كهيل , قال : سألت مجاهدا عن قوله : { ولا جدال في الحج } قال : أن تماري صاحبك حتى تغضبه .

2943 - حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : ثنا إسحاق , عن ابن جريج , عن عمرو بن دينار , قال : الجدال : هو أن تماري صاحبك حتى تغضبه .

2944 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا حماد بن مسعدة , قال : ثنا عوف , عن الحسن , قال : الجدال : المراء .

* حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن الضحاك , عن ابن عباس , قال : الجدال : أن تجادل صاحبك حتى تغضبه .

2945 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا إسرائيل , عن سالم , عن سعيد بن جبير , قال : الجدال : أن تصخب على صاحبك .

* حدثنا أحمد , قال : ثنا أبو أحمد , عن سفيان , عن منصور , عن مجاهد : { ولا جدال في الحج } قال : المراء .

2946 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , وحدثني أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قالا : ثنا حسين بن عقيل , عن الضحاك , قال : الجدال : أن تماري صاحبك حتى تغضبه .

2947 - حدثنا أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا واقد الخلقاني , عن عطاء , قال : أما الجدال : فتماري صاحبك حتى تغضبه .

2948 - حدثنا عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , قال : الجدال : المراء , أن تماري صاحبك حتى تغضبه .

2949 - حدثني المثنى , قال : ثنا المعلى بن أسد , قال : ثنا خالد , عن المغيرة , عن إبراهيم قال : الجدال : المراء .

* حدثني المثنى , قال : ثنا المعلى , قال : ثنا عبد العزيز , عن موسى بن عقبة , قال : سمعت عطاء بن يسار يحدث نحوه .

* حدثني ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن أبي جعفر , قال : ثنا شعبة , عن المغيرة , عن إبراهيم بمثله .

* حدثني المثنى , قال : حدثنا الحجاج بن المنهال , قال : ثنا حماد , عن الحجاج , عن عطاء بن أبي رباح , قال : الجدال : أن يماري بعضهم بعضا حتى يغضبوا .

2950 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن يحيى بن بشر , عن عكرمة : { ولا جدال في الحج } الجدال : الغضب , أن تغضب عليك مسلما , إلا أن تستعتب مملوكا فتعظه من غير أن تغضبه , ولا أمر عليك إن شاء الله تعالى في ذلك .

2951 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثني أبي , عن النضر بن عربي , عن عكرمة , قال : الجدال : أن تماري صاحبك حتى يغضبك أو تغضبه .

2952 - حدثنا المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري وقتادة قالا : الجدال : هو الصخب والمراء وأنت محرم .

* حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن بكر , قال : أخبرنا ابن جريج , قال : قال عطاء : الجدال : ما أغضب صاحبك من الجدل .

* حدثني علي , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { ولا جدال في الحج } قال : الجدال : المراء والملاحاة حتى تغضب أخاك وصاحبك , فنهى الله عن ذلك .

* حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , عن خصيف , عن مقسم عن ابن عباس , قال : الجدال : أن تماري صاحبك حتى تغضبه .

* حدثنا الحسن بن يحيى , قال : ثنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , عن منصور , عن إبراهيم , قال : الجدال : المراء .

* حدثنا الحسن , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري وقتادة قالا : هو الصخب والمراء وأنت محرم .

* حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن إبراهيم : { ولا جدال في الحج } كانوا يكرهون الجدال .

وقال آخرون منهم : الجدال في هذا الموضع معناه : السباب .

ذكر من قال ذلك : 2953 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني يونس أن نافعا أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول : الجدال في الحج : السباب والمراء والخصومات .

* حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن محمد بن إسحاق , عن نافع , عن ابن عمر , قال : الجدال : السباب والمنازعة .

2954 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قال : الجدال : السباب .

2955 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , وحدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية جميعا , عن سعيد , عن قتادة , قال : الجدال : السباب .

وقال آخرون منهم : بل عنى بذلك خاصا من الجدال والمراء , وإنما عنى الاختلاف فيمن هو أتم حجا من الحجاج .

ذكر من قال ذلك : 2956 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني أبو صخر , عن محمد بن كعب القرظي , قال : الجدال : كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء : حجنا أتم من حجكم , وقال هؤلاء : حجنا أتم من حجكم .

وقال آخرون منهم : بل ذلك اختلاف كان يكون بينهم في اليوم الذي فيه الحج , فنهوا عن ذلك .

ذكر من قال ذلك : 2957 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد , عن جبير بن حبيب , عن القاسم بن محمد أنه قال : الجدال في الحج أن يقول بعضهم : الحج اليوم , ويقول بعضهم : الحج غدا .

وقال آخرون : بل اختلافهم ذلك في أمر مواقف الحج أيهم المصيب موقف إبراهيم .

ذكر من قال ذلك : 2958 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { ولا جدال في الحج } قال : كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون , كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم .

فقطعه الله حين أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بمناسكهم .

وقال آخرون : بل قوله جل ثناؤه : { ولا جدال في الحج } خبر من الله تعالى عن استقامة وقت الحج على ميقات واحد لا يتقدمه ولا يتأخره , وبطول فعل النسيء .

ذكر من قال ذلك : 2959 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن عبد العزيز بن رفيع , عن مجاهد في قوله : { ولا جدال في الحج } قال : قد استقام الحج ولا جدال فيه .

2960 - حدثني محمد بن عمرو , قال : أخبرنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد { ولا جدال في الحج } قال : لا شهر ينسأ , ولا شك في الحج قد بين , كانوا يسقطون المحرم ثم يقولون صفران لصفر وشهر ربيع الأول , ثم يقولون شهرا ربيع لشهر ربيع الآخر وجمادى الأولى , ثم يقولون جماديان لجمادى الآخرة ولرجب , ثم يقولون لشعبان رجب , ثم يقولون لرمضان شعبان , ثم يقولون لشوال رمضان , ويقولون لذي القعدة شوال , ثم يقولون لذي الحجة ذا القعدة , ثم يقولون للمحرم ذا الحجة , فيحجون في المحرم ثم يأتنفون فيحسبون على ذلك عدة مستقبلة على وجه ما ابتدءوا , فيقولون المحرم وصفر وشهرا ربيع , فيحجون في المحرم ليحجوا في كل سنة مرتين , فيسقطون شهرا آخر , فيعدون على العدة الأولى , فيقولون صفران وشهرا ربيع نحو عدتهم في أول ما أسقطوا .

* حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد نحوه .

2961 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : صاحب النسيء الذي ينسأ لهم أبو ثمامة رجل من بني كنانة .

* حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : أخبرنا ابن إسحاق , عن أبي بشر , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ولا جدال في الحج } قال : لا شبهة في الحج قد بين الله أمر الحج .

2962 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي { ولا جدال في الحج } قال : قد استقام أمر الحج فلا تجادلوا فيه .

* حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ولا جدال في الحج } قال : لا شهر ينسأ , ولا شك في الحج قد بين .

* حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن أبي زائدة , عن العلاء بن عبد الكريم , عن مجاهد : { ولا جدال في الحج } قال : قد علم وقت الحج فلا جدال فيه , ولا شك .

* حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن عبد العزيز والعلاء , عن مجاهد , قال : هو شهر معلوم لا تنازع فيه .

* حدثنا أحمد , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا إسرائيل , عن سالم , عن مجاهد : { ولا جدال في الحج } قال : لا شك في الحج .

2963 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حجاج , عن عطاء , عن ابن عباس : { ولا جدال في الحج } قال : المراء بالحج .

2964 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ولا جدال في الحج } فقد تبين الحج .

قال : كانوا يحجون في ذي الحجة عامين , وفي المحرم عامين , ثم حجوا في صفر عامين , وكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين , ثم وافقت حجة أبي بكر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم بسنة , ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم من قابل في ذي الحجة ; فذلك حين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض " * حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن مجاهد في قوله : { ولا جدال في الحج } قال : بين الله أمر الحج ومعالمه فليس فيه كلام .

وأولى هذه الأقوال في قوله { ولا جدال في الحج } بالصواب , قول من قال : معنى ذلك : قد بطل الجدال في الحج ووقته , واستقام أمره ووقته على وقت واحد , ومناسك متفقة غير مختلفة , ولا تنازع فيه ولا مراء وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أن وقت الحج أشهر معلومات , ثم نفى عن وقته الاختلاف الذي كانت الجاهلية في شركها تختلف فيه .

وإنما اخترنا هذا التأويل في ذلك ورأيناه أولى بالصواب مما خالفه لما قد قدمنا من البيان آنفا في تأويل قوله : { ول

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب فيه أربع عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : الحج أشهر معلومات لما ذكر الحج والعمرة سبحانه وتعالى في قوله : وأتموا الحج والعمرة لله بين اختلافهما في الوقت ، فجميع السنة وقت للإحرام بالعمرة ، ووقت العمرة ، وأما الحج فيقع في السنة مرة ، فلا يكون في غير هذه الأشهر .

والحج أشهر معلومات ابتداء وخبر ، وفي الكلام حذف تقديره : أشهر الحج أشهر ، أو وقت الحج أشهر ، أو وقت عمل الحج أشهر ، وقيل التقدير : الحج في أشهر ، ويلزمه مع سقوط حرف الجر نصب الأشهر ، ولم يقرأ أحد بنصبها ، إلا أنه يجوز في الكلام النصب على أنه ظرف .

قال الفراء : الأشهر رفع ; لأن معناه وقت الحج أشهر معلومات .

قال الفراء : وسمعت الكسائي يقول : إنما الصيف شهران ، وإنما الطيلسان ثلاثة أشهر .

أراد وقت الصيف ، ووقت لباس الطيلسان ، فحذف .الثانية : واختلف في الأشهر المعلومات ، فقال ابن مسعود وابن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري : أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة كله .

وقال ابن عباس والسدي والشعبي والنخعي : هي شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة ، وروي عن ابن مسعود [ ص: 376 ] وقاله ابن الزبير ، والقولان مرويان عن مالك ، حكى الأخير ابن حبيب ، والأول ابن المنذر ، وفائدة الفرق تعلق الدم ، فمن قال : إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم ير دما فيما يقع من الأعمال بعد يوم النحر ; لأنها في أشهر الحج ، وعلى القول الأخير ينقضي الحج بيوم النحر ، ويلزم الدم فيما عمل بعد ذلك لتأخيره عن وقته .الثالثة : لم يسم الله تعالى أشهر الحج في كتابه ; لأنها كانت معلومة عندهم ، ولفظ الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث ; لأن بعض الشهر يتنزل منزلة كله ، كما يقال : رأيتك سنة كذا ، أو على عهد فلان ، ولعله إنما رآه في ساعة منها ، فالوقت يذكر بعضه بكله ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : أيام منى ثلاثة .

وإنما هي يومان وبعض الثالث .

ويقولون : رأيتك اليوم ، وجئتك العام ، وقيل : لما كان الاثنان وما فوقهما جمع قال أشهر ، والله أعلم .الرابعة : اختلف في الإهلال بالحج غير أشهر الحج ، فروي عن ابن عباس : من سنة الحج أن يحرم به في أشهر الحج ، وقال عطاء ومجاهد وطاوس والأوزاعي : من أحرم بالحج قبل أشهر الحج لم يجزه ذلك عن حجه ويكون عمرة ، كمن دخل في صلاة قبل وقتها فإنه لا تجزيه وتكون نافلة ، وبه قال الشافعي وأبو ثور ، وقال الأوزاعي : يحل بعمرة ، وقال أحمد بن حنبل : هذا مكروه ، وروي عن مالك ، والمشهور عنه جواز الإحرام بالحج في جميع السنة كلها ، وهو قول أبي حنيفة ، وقال النخعي : لا يحل حتى يقضي حجه ، لقوله تعالى : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وقد تقدم القول فيها ، وما ذهب إليه الشافعي أصح ; لأن تلك عامة ، وهذه الآية خاصة ، ويحتمل أن يكون من باب النص على بعض أشخاص العموم ، لفضل هذه الأشهر على غيرها ، وعليه فيكون قول مالك صحيحا ، والله أعلم .الخامسة : قوله تعالى : فمن فرض فيهن الحج أي ألزمه نفسه بالشروع فيه بالنية قصدا باطنا ، وبالإحرام فعلا ظاهرا ، وبالتلبية نطقا مسموعا ، قاله ابن حبيب وأبو حنيفة في التلبية .

وليست التلبية عند الشافعي من أركان الحج ، وهو قول الحسن بن حي .

قال الشافعي : تكفي النية في الإحرام بالحج ، وأوجب التلبية أهل الظاهر وغيرهم ، وأصل الفرض في اللغة : الحز والقطع ، ومنه فرضة القوس والنهر والجبل ، ففرضية الحج لازمة للعبد الحر [ ص: 377 ] كلزوم الحز للقدح ، وقيل : فرض أي أبان ، وهذا يرجع إلى القطع ; لأن من قطع شيئا فقد أبانه عن غيره .

و " من " رفع بالابتداء ومعناها الشرط ، والخبر قوله : فرض لأن " من " ليست بموصولة ، فكأنه قال : رجل فرض .

وقال : فيهن ولم يقل فيها ، فقال قوم : هما سواء في الاستعمال .

وقال المازني أبو عثمان : الجمع الكثير لما لا يعقل يأتي كالواحدة المؤنثة ، والقليل ليس كذلك ، تقول : الأجذاع انكسرن ، والجذوع انكسرت ، ويؤيد ذلك قول الله تعالى : إن عدة الشهور ثم قال : منها .السادسة : قوله تعالى : فلا رفث قال ابن عباس وابن جبير والسدي وقتادة والحسن وعكرمة والزهري ومجاهد ومالك : الرفث الجماع ، أي فلا جماع لأنه يفسده ، وأجمع العلماء على أن الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسد للحج ، وعليه حج قابل والهدي .

وقال عبد الله بن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم : الرفث الإفحاش للمرأة بالكلام ، لقوله : إذا أحللنا فعلنا بك كذا ، من غير كناية ، وقاله ابن عباس أيضا ، وأنشد وهو محرم :وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسافقال له صاحبه حصين بن قيس : أترفث وأنت محرم فقال : إن الرفث ما قيل عند النساء ، وقال قوم : الرفث الإفحاش بذكر النساء ، كان ذلك بحضرتهن أم لا ، وقيل : الرفث كلمة جامعة لما يريده الرجل من أهله ، وقال أبو عبيدة : الرفث اللغا من الكلام ، وأنشد :ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلميقال : رفث يرفث ، بضم الفاء وكسرها ، وقرأ ابن مسعود " فلا رفوث " على الجمع .

قال ابن العربي : المراد بقوله [ تعالى ] فلا رفث نفيه مشروعا لا موجودا ، فإنا نجد الرفث فيه ونشاهده ، وخبر الله سبحانه لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره ، وإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعا لا إلى وجوده محسوسا ، كقوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء معناه : شرعا لا حسا ، فإنا نجد المطلقات لا يتربصن ، فعاد النفي إلى الحكم الشرعي لا إلى الوجود الحسي ، وهذا كقوله تعالى : لا يمسه إلا المطهرون إذا قلنا : إنه وارد في الآدميين - وهو الصحيح - أن معناه لا يمسه أحد منهم شرعا ، فإن وجد المس فعلى خلاف حكم الشرع ، وهذه الدقيقة هي التي فاتت العلماء فقالوا : إن الخبر يكون بمعنى النهي ، وما وجد ذلك قط ، ولا يصح أن يوجد ، فإنهما مختلفان حقيقة ومتضادان وصفا .[ ص: 378 ] السابعة : قوله تعالى : ولا فسوق يعني جميع المعاصي كلها ، قاله ابن عباس وعطاء والحسن ، وكذلك قال ابن عمر وجماعة : الفسوق إتيان معاصي الله عز وجل في حال إحرامه بالحج ، كقتل الصيد وقص الظفر وأخذ الشعر ، وشبه ذلك ، وقال ابن زيد ومالك : الفسوق الذبح للأصنام ، ومنه قوله تعالى : أو فسقا أهل لغير الله به .

وقال الضحاك : الفسوق التنابز بالألقاب ، ومنه قوله : بئس الاسم الفسوق .

وقال ابن عمر أيضا : الفسوق السباب ، ومنه قوله عليه السلام : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ، والقول الأول أصح ; لأنه يتناول جميع الأقوال .

قال صلى الله عليه وسلم : من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة خرجه مسلم وغيره ، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : والذي نفسي بيده ما بين السماء والأرض من عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله أو حجة مبرورة لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال ، وقال الفقهاء : الحج المبرور هو الذي لم يعص الله تعالى فيه أثناء أدائه ، وقال الفراء : هو الذي لم يعص الله سبحانه بعده ، ذكر القولين ابن العربي رحمه الله .قلت : الحج المبرور هو الذي لم يعص الله سبحانه فيه لا بعده .

قال الحسن : الحج المبرور هو أن يرجع صاحبه زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة ، وقيل غير هذا ، وسيأتي .الثامنة : قوله تعالى : ولا جدال في الحج قرئ " فلا رفث ولا فسوق " بالرفع والتنوين فيهما ، وقرئا بالنصب بغير تنوين ، وأجمعوا على الفتح في ولا جدال ، وهو يقوي قراءة النصب فيما قبله ; ولأن المقصود النفي العام من الرفث والفسوق والجدال ، وليكون [ ص: 379 ] الكلام على نظام واحد في عموم المنفي كله ، وعلى النصب أكثر القراء ، والأسماء الثلاثة في موضع رفع ، كل واحد مع " لا " ، وقوله " في الحج " خبر عن جميعها ، ووجه قراءة الرفع أن " لا " بمعنى " ليس " فارتفع الاسم بعدها ; لأنه اسمها ، والخبر محذوف تقديره : فليس رفث ولا فسوق في الحج ، دل عليه في الحج الثاني الظاهر وهو خبر لا جدال ، وقال أبو عمرو بن العلاء : الرفع بمعنى فلا يكونن رفث ولا فسوق ، أي شيء يخرج من الحج ، ثم ابتدأ النفي فقال : ولا جدال .قلت : فيحتمل أن تكون كان تامة ، مثل قوله : وإن كان ذو عسرة فلا تحتاج إلى خبر .

ويحتمل أن تكون ناقصة والخبر محذوف ، كما تقدم آنفا ، ويجوز أن يرفع رفث وفسوق بالابتداء ، ولا للنفي ، والخبر محذوف أيضا .

وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بالرفع في الثلاثة ، ورويت عن عاصم في بعض الطرق وعليه يكون في الحج خبر الثلاثة ، كما قلنا في قراءة النصب ، وإنما لم يحسن أن يكون في الحج خبر عن الجميع مع اختلاف القراءة ; لأن خبر ليس منصوب وخبر ولا جدال مرفوع ; لأن ولا جدال مقطوع من الأول وهو في موضع رفع بالابتداء ، ولا يعمل عاملان في اسم واحد ، ويجوز فلا رفث ولا فسوق تعطفه على الموضع ، وأنشد النحويون [ الشاعر أبو العباس السلمي ] :لا نسب اليوم ولا خلة اتسع الخرق على الراقعويجوز في الكلام فلا رفث ولا فسوقا ولا جدال في الحج عطفا على اللفظ على ما كان يجب في لا قال الفراء : ومثله :فلا أب وابنا مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتأزراوقال أبو رجاء العطاردي : " فلا رفث ولا فسوق " بالنصب فيهما ، " ولا جدال " بالرفع والتنوين ، وأنشد الأخفش :هذا وجدكم الصغار بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا أبوقيل : إن معنى فلا رفث ولا فسوق النهي ، أي لا ترفثوا ولا تفسقوا .

ومعنى ولا جدال النفي ، فلما اختلفا في المعنى خولف بينهما في اللفظ .

قال القشيري : وفيه نظر ، إذ قيل : ولا جدال نهي أيضا ، أي لا تجادلوا ، فلم فرق بينهماالتاسعة : ولا جدال الجدال وزنه فعال من المجادلة ، وهي مشتقة من [ ص: 380 ] الجدل وهو الفتل ، ومنه زمام مجدول .

وقيل : هي مشتقة من الجدالة التي هي الأرض فكأن كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه ، فيكون كمن ضرب به الجدالة .

قال الشاعر :قد أركب الآلة بعد الآلة وأترك العاجز بالجدالهمنعفرا ليست له محالهالعاشرة : واختلفت العلماء في المعنى المراد به هنا على أقوال ستة ، فقال ابن مسعود وابن عباس وعطاء : الجدال هنا أن تماري مسلما حتى تغضبه فينتهي إلى السباب ، فأما مذاكرة العلم فلا نهي عنها ، وقال قتادة : الجدال السباب ، وقال ابن زيد ومالك بن أنس : الجدال هنا أن يختلف الناس : أيهم صادف موقف إبراهيم عليه السلام ، كما كانوا يفعلون في الجاهلية حين كانت قريش تقف في غير موقف سائر العرب ، ثم يتجادلون بعد ذلك ، فالمعنى على هذا التأويل : لا جدال في مواضعه ، وقالت طائفة : الجدال هنا أن تقول طائفة : الحج اليوم ، وتقول طائفة : الحج غدا ، وقال مجاهد وطائفة معه : الجدال المماراة في الشهور حسب ما كانت عليه العرب من النسيء ، كانوا ربما جعلوا الحج في غير ذي الحجة ، ويقف بعضهم بجمع وبعضهم بعرفة ، ويتمارون في الصواب من ذلك .قلت : فعلى هذين التأويلين لا جدال في وقته ولا في موضعه ، وهذان القولان أصح ما قيل في تأويل قوله ولا جدال ، لقوله صلى الله عليه وسلم : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض .

.

.

الحديث ، وسيأتي في " براءة " .

يعني رجع أمر الحج كما كان ، أي عاد إلى يومه ووقته ، وقال صلى الله عليه وسلم لما حج : خذوا عني مناسككم فبين بهذا مواقف الحج ومواضعه ، وقال محمد بن كعب القرظي : الجدال أن تقول طائفة : حجنا أبر من حجكم ، ويقول الآخر مثل ذلك ، وقيل : الجدال كان في الفخر بالآباء ، والله أعلم .الحادية عشرة : قوله تعالى : وما تفعلوا من خير يعلمه الله شرط وجوابه ، والمعنى : أن الله يجازيكم على أعمالكم ; لأن المجازاة إنما تقع من العالم بالشيء ، وقيل : هو تحريض وحث على حسن الكلام مكان الفحش ، وعلى البر والتقوى في الأخلاق مكان الفسوق والجدال .

وقيل : جعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم حتى لا يوجد ما نهوا عنه .الثانية عشرة : قوله تعالى : وتزودوا أمر باتخاذ الزاد .

قال ابن عمر وعكرمة ومجاهد [ ص: 381 ] وقتادة وابن زيد : نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد ، ويقول بعضهم : كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا ، فكانوا يبقون عالة على الناس ، فنهوا عن ذلك ، وأمروا بالزاد .

وقال عبد الله بن الزبير : كان الناس يتكل بعضهم على بعض بالزاد ، فأمروا بالزاد ، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم في مسيره راحلة عليها زاد ، وقدم عليه ثلثمائة رجل من مزينة ، فلما أرادوا أن ينصرفوا قال : ( يا عمر زود القوم ) ، وقال بعض الناس : تزودوا الرفيق الصالح ، وقال ابن عطية : وهذا تخصيص ضعيف ، والأولى في معنى الآية : وتزودوا لمعادكم من الأعمال الصالحة .قلت : القول الأول أصح ، فإن المراد الزاد المتخذ في سفر الحج المأكول حقيقة كما ذكرنا ، كما روى البخاري عن ابن عباس قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون : نحن المتوكلون ، فإذا قدموا مكة سألوا الناس ، فأنزل الله تعالى : وتزودوا فإن خير الزاد التقوى وهذا نص فيما ذكرنا ، وعليه أكثر المفسرين : قال الشعبي : الزاد التمر والسويق .

ابن جبير : الكعك والسويق .

قال ابن العربي : " أمر الله تعالى بالتزود لمن كان له مال ، ومن لم يكن له مال فإن كان ذا حرفة تنفق في الطريق أو سائلا فلا خطاب عليه ، وإنما خاطب الله أهل الأموال الذين كانوا يتركون أموالهم ويخرجون بغير زاد ويقولون : نحن المتوكلون والتوكل له شروط ، من قام بها خرج بغير زاد ولا يدخل في الخطاب ، فإنه خرج على الأغلب من الخلق وهم المقصرون عن درجة التوكل الغافلون عن حقائقه ، والله عز وجل أعلم " .

قال أبو الفرج الجوزي : وقد لبس إبليس على قوم يدعون التوكل ، فخرجوا بلا زاد وظنوا أن هذا هو التوكل وهم على غاية الخطأ .

قال رجل لأحمد بن حنبل : أريد أن أخرج إلى مكة على التوكل بغير زاد ، فقال له أحمد : اخرج في غير القافلة ، فقال لا ، إلا معهم .

قال : فعلى جرب الناس توكلت ؟

![ ص: 382 ] الثالثة عشرة : قوله تعالى : فإن خير الزاد التقوى أخبر تعالى أن خير الزاد اتقاء المنهيات فأمرهم أن يضموا إلى التزود التقوى ، وجاء قوله فإن خير الزاد التقوى محمولا على المعنى ; لأن معنى وتزودوا اتقوا الله في اتباع ما أمركم به من الخروج بالزاد : وقيل : يحتمل أن يكون المعنى : فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من الهلكة أو الحاجة إلى السؤال والتكفف ، وقيل : فيه تنبيه على أن هذه الدار ليست بدار قرار .

قال أهل الإشارات : ذكرهم الله تعالى سفر الآخرة وحثهم على تزود التقوى ، فإن التقوى زاد الآخرة .

قال الأعشى :إذ أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزوداندمت على ألا تكون كمثله وأنك لم ترصد كما كان أرصداوقال آخر :الموت بحر طامح موجه تذهب فيه حيلة السابحيا نفس إني قائل فاسمعي مقالة من مشفق ناصحلا يصحب الإنسان في قبره غير التقى والعمل الصالحالرابعة عشرة : قوله تعالى : واتقون ياأولي الألباب خص أولي الألباب بالخطاب - وإن كان الأمر يعم الكل - لأنهم الذين قامت عليهم حجة الله ، وهم قابلو أوامره والناهضون بها ، والألباب جمع لب ، ولب كل شيء : خالصه ، ولذلك قيل للعقل : لب .

قال النحاس : سمعت أبا إسحاق يقول قال لي أحمد بن يحيى ثعلب : أتعرف في كلام العرب شيئا من المضاعف جاء على فعل ؟

قلت نعم ، حكى سيبويه عن يونس : لببت تلب ، فاستحسنه وقال : ما أعرف له نظيرا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أنَّ { الْحَجَّ } واقع في { أَشْهُر مَعْلُومَات } عند المخاطبين, مشهورات, بحيث لا تحتاج إلى تخصيص، كما احتاج الصيام إلى تعيين شهره, وكما بين تعالى أوقات الصلوات الخمس.

وأما الحج فقد كان من ملة إبراهيم, التي لم تزل مستمرةً في ذريته معروفة بينهم.

والمراد بالأشهر المعلومات عند جمهور العلماء: شوال, وذو القعدة, وعشر من ذي الحجة, فهي التي يقع فيها الإحرام بالحج غالبا.

{ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ } أي: أحرم به, لأن الشروع فيه يصيره فرضا, ولو كان نفلا.

واستدل بهذه الآية الشافعي ومن تابعه, على أنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره، قلت لو قيل: إن فيها دلالة لقول الجمهور, بصحة الإحرام بالحج قبل أشهره لكان قريبا، فإن قوله: { فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ } دليل على أن الفرض قد يقع في الأشهر المذكورة وقد لا يقع فيها, وإلا لم يقيده.

وقوله: { فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ } أي: يجب أن تعظموا الإحرام بالحج, وخصوصا الواقع في أشهره, وتصونوه عن كل ما يفسده أو ينقصه, من الرفث وهو الجماع ومقدماته الفعلية والقولية, خصوصا عند النساء بحضرتهن.

والفسوق وهو: جميع المعاصي, ومنها محظورات الإحرام.

والجدال وهو: المماراة والمنازعة والمخاصمة, لكونها تثير الشر, وتوقع العداوة.

والمقصود من الحج, الذل والانكسار لله, والتقرب إليه بما أمكن من القربات, والتنزه عن مقارفة السيئات, فإنه بذلك يكون مبرورا والمبرور, ليس له جزاء إلا الجنة، وهذه الأشياء وإن كانت ممنوعة في كل مكان وزمان, فإنها يتغلظ المنع عنها في الحج.

واعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله بترك المعاصي حتى يفعل الأوامر، ولهذا قال تعالى: { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ } أتى بـ " من " لتنصيص على العموم، فكل خير وقربة وعبادة, داخل في ذلك، أي: فإن الله به عليم, وهذا يتضمن غاية الحث على أفعال الخير, وخصوصا في تلك البقاع الشريفة والحرمات المنيفة, فإنه ينبغي تدارك ما أمكن تداركه فيها, من صلاة, وصيام, وصدقة, وطواف, وإحسان قولي وفعلي.

ثم أمر تعالى بالتزود لهذا السفر المبارك, فإنَّ التزود فيه الاستغناء عن المخلوقين, والكف عن أموالهم, سؤالا واستشرافا، وفي الإكثار منه نفع وإعانة للمسافرين, وزيادة قربة لرب العالمين، وهذا الزاد الذي المراد منه إقامة البنية بلغة ومتاع.

وأما الزاد الحقيقي المستمر نفعه لصاحبه, في دنياه, وأخراه, فهو زاد التقوى الذي هو زاد إلى دار القرار, وهو الموصل لأكمل لذة, وأجل نعيم دائم أبدا، ومن ترك هذا الزاد, فهو المنقطع به الذي هو عرضة لكل شر, وممنوع من الوصول إلى دار المتقين.

فهذا مدح للتقوى.

ثم أمر بها أولي الألباب فقال: { وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } أي: يا أهل العقول الرزينة, اتقوا ربكم الذي تقواه أعظم ما تأمر به العقول, وتركها دليل على الجهل, وفساد الرأي

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( الحج أشهر معلومات ) أي وقت الحج أشهر معلومات وهي شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر ويروى عن ابن عمر شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وكل واحد من اللفظين صحيح غير مختلف فمن قال عشر عبر به عن الليالي ومن قال تسع عبر به عن الأيام فإن آخر أيامها يوم عرفة وهو يوم التاسع وإنما قال أشهر بلفظ الجمع وهي شهران وبعض الثالث لأنها وقت والعرب تسمي الوقت تاما بقليله وكثيره فتقول العرب أتيتك يوم الخميس وإنما أتاه في ساعة منه ويقول زرتك العام وإنما زاره في بعضه وقيل الاثنان فما فوقهما جماعة لأن معنى الجمع ضم الشيء إلى الشيء فإذا جاز أن يسمى الاثنان جماعة جاز أن يسمى الاثنان وبعض الثالث جماعة وقد ذكر الله تعالى الاثنين بلفظ الجمع فقال " فقد صغت قلوبكما " ( 4 - التحريم ) أي قلباكما وقال عروة بن الزبير وغيره أراد بالأشهر شوالا وذا القعدة وذا الحجة كملا لأنه يبقى على الحاج أمور بعد عرفة يجب عليه فعلها مثل الرمي والذبح ، والحلق وطواف الزيارة والبيتوتة بمنى فكانت في حكم الجمع ( فمن فرض فيهن الحج ) أي فمن أوجب على نفسه الحج بالإحرام والتلبية وفيه دليل على أن من أحرم بالحج في غير أشهر الحج لا ينعقد إحرامه بالحج وهو قول ابن عباس وجابر وبه قال عطاء وطاووس ومجاهد وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي وقال ينعقد إحرامه بالعمرة لأن الله تعالى خص هذه الأشهر بغرض الحج فيها فلو انعقد في غيرها لم يكن لهذا التخصيص فائدة كما أنه علق الصلوات بالمواقيت ثم من أحرم بفرض الصلاة قبل دخول وقته لا ينعقد إحرامه عن الفرض وذهب جماعة إلى أنه ينعقد إحرامه بالحج وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة رضي الله عنهم وأما العمرة : فجميع أيام السنة لها إلا أن يكون متلبسا بالحج وروي عن أنس أنه كان بمكة فكان إذا حمم رأسه خرج فاعتمر .

قوله تعالى : ( فلا رفث ولا فسوق ) قرأ ابن كثير وأهل البصرة ) فلا رفث ولا فسوق بالرفع والتنوين فيهما وقرأ الآخرون بالنصب من غير تنوين كقوله تعالى ( ولا جدال في الحج ) وقرأ أبو جعفر كلها بالرفع والتنوين واختلفوا في الرفث قال ابن مسعود وابن عباس وابن عمر هو الجماع وهو قول الحسن ومجاهد وعمرو بن دينار وقتادة وعكرمة والربيع وإبراهيم النخعي ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : الرفث غشيان النساء والتقبيل ، والغمز وأن يعرض لها بالفحش من الكلام قال حصين بن قيس أخذ ابن عباس رضي الله عنه بذنب بعيره فجعل يلويه وهو يحدو ويقول وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا فقلت له أترفث وأنت محرم ؟

فقال إنما الرفث ما قيل عند النساء قال طاووس : الرفث التعريض للنساء بالجماع وذكره بين أيديهن وقال عطاء : الرفث قول الرجل للمرأة في حال الإحرام إذا حللت أصبتك وقيل الرفث الفحش والقول القبيح أما الفسوق قال ابن عباس : هو المعاصي كلها وهو قول طاووس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والزهري والربيع والقرظي وقال ابن عمر : هو ما نهي عنه المحرم في حال الإحرام من قتل الصيد وتقليم الأظافر وأخذ الأشعار وما أشبههما وقال إبراهيم وعطاء ومجاهد هو السباب بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم : سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر " وقال الضحاك هو التنابز بالألقاب بدليل قوله تعالى : " ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان " ( 11 - الحجرات ) .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا آدم أخبرنا سيار أبو الحكم قال سمعت أبا حازم يقول سمعت أبا هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " .

قوله تعالى ( ولا جدال في الحج ) قال ابن مسعود وابن عباس : الجدال أن يماري صاحبه ويخاصمه حتى يغضبه وهو قول عمرو بن دينار وسعيد بن جبير وعكرمة والزهري وعطاء وقتادة وقال القاسم بن محمد : هو أن يقول بعضهم الحج اليوم ويقول بعضهم الحج غدا وقال القرظي : كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء حجنا أتم من حجكم وقال هؤلاء حجنا أتم من حجكم وقال مقاتل : هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم في حجة الوداع وقد أحرموا بالحج " اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي قالوا كيف نجعله عمرة وقد سمينا الحج فهذا جدالهم وقال ابن زيد : كانوا يقفون مواقف مختلفة كلهم يزعم أن موقفه موقف إبراهيم يتجادلون فيه وقيل هو ما كان عليه أهل الجاهلية كان بعضهم يقف بعرفة وبعضهم بالمزدلفة وكان بعضهم يحج في ذي القعدة وكان بعضهم يحج في ذي الحجة فكل يقول ما فعلته فهو الصواب فقال جل ذكره ( ولا جدال في الحج ) أي استقر أمر الحج على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا اختلاف فيه من بعد وذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض " قال مجاهد : معناه ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة فأبطل النسيء قال أهل المعاني ظاهر الآية نفي ومعناها نهي أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا كقوله تعالى " لا ريب فيه " أي لا ترتابوا " وما تفعلوا من خير يعلمه الله " أي لا يخفى عليه فيجازيكم به قوله تعالى : ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) نزلت في ناس من أهل اليمن كانوا يخرجون إلى الحج بغير زاد ويقولون نحن متوكلون ويقولون نحن نحج بيت الله فلا يطعمنا فإذا قدموا مكة سألوا الناس وربما يفضي بهم الحال إلى النهب ، والغصب فقال الله عز وجل ) ( وتزودوا ) أي ما تتبلغون به وتكفون به وجوهكم قال أهل التفسير الكعك والزبيب والسويق ، والتمر ونحوها ( فإن خير الزاد التقوى ) من السؤال والنهب ( واتقون يا أولي الألباب ) يا ذوي العقول

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الحج» وقته «أشهر معلومات» شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة وقيل كله «فمن فرض» على نفسه «فيهن الحج» بالإحرام به «فلا رفث» جماع فيه «ولا فسوق» معاص «ولا جدالَ» خصام «في الحج» وفي قراءة بفتح الأولين والمراد في الثلاثة النهي «وما تفعلوا من خير» كصدقة «يعلمه الله» فيجازيكم به، ونزل في أهل اليمن وكانوا يحجون بلا زاد فيكون كلاًّ على الناس: «وتزودوا» ما يبلغكم لسفركم «فإن خير الزاد التقوى» ما يُتَّقى به سؤال الناس وغيره «واتقون يا أولي الألباب» ذوي العقول.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقت الحج أشهر معلومات، وهي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.

فمن أوجب الحج على نفسه فيهن بالإحرام، فيحرم عليه الجماع ومقدماته القولية والفعلية، ويحرم عليه الخروج عن طاعة الله تعالى بفعل المعاصي، والجدال في الحج الذي يؤدي إلى الغضب والكراهية.

وما تفعلوا من خير يعلمه الله، فيجازي كلا على عمله.

وخذوا لأنفسكم زادًا من الطعام والشراب لسفر الحج، وزادًا من صالح الأعمال للدار الآخرة، فإن خير الزاد تقوى الله، وخافوني يا أصحاب العقول السليمة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله : ( الحج أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ) .أي : وقت الحج أشهر معلومات أو أشهر الحج أشهر معلومات فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه .وجعلت النسبة إلى الحج نفسه لا إلى وقته ، للإِشعار بأن هذه الأشهر لكونها تؤدي فيها هذه الفريضة قد اكتسبت تقديساً وبركة منها ، حتى لكأن هذه الأشهر هي الفريضة نفسها قال القرطبي ما ملخصه : وأشهر الحج هي شوال وذي القعدة والشعرة الأولى من ذي الحجة .

وقيل هي شوال وذي القعدة وذو الحجو كله وفائدة الفرق تعلق الدم؛ فمن قال : إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم يوجب دماً على من أخر طواف الإِفاضة إلى آخر ذي الحجة لأنه وقع في أشهر الحج ، ومن قال بأن وقت الحج ينقضي بالعشرة الأولى من ذي الحجة يوجب الدم عليه لتأخيره عن وقته .

ولفظ الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث ، لأن بعض الشهر ينزل منزلة كله ، كما يقال : رأيتك سنة كذا ولعله إنما رآه في ساعة منها " .وعبر - سبحانه - عن هذه الأشهر بأنها معلومات ، لأن العرب كانوا يعرفون أشهر الحج من كل عام منذ عهد إبراهيم - عليه السلام - وقد جاء الإِسلام مقرراً لما عرفوه .

أو المراد بكونها معلومات أنها مؤقتة بأوقات معينة لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها عنها ، وهو يتضمن بطلان النسئ الذي كان يفعله الجاهلون تبعاً لأهوائهم .وقوله : ( فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج ) بيان لما يحب أن يتحلى به المسلم من فضائل عند أدائه لهذه الفريضة .قال الإِمام الرازي : ومعنى ( فَرَضَ ) في اللغة ألزم وأوجب .

يقال : فرضت عليك كذا ، أي أوجبته .

وأصل معنى الفرض في اللغة الحز الذي يقع فيه الوتر ، ومنه فرض الصلاة وغيرها لأنها لازمة للعبد كلزوزم الحز للقدح ففرض هنا بمعنى أوجب وألزم .

.

.

" .والرفث في الأصل : الفحش من القول .

والمراد به هنا الجماع .

أو الكلام المتضمن لما يستقبح ذكره من الجماع ودواعيه .قال القرطبي : وأجمع العلماء على أن الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسد للحج وعليه حج قابل والهدى .والفسوق : الخروج عن طاعة الله بارتكاب المعاصي ، ومن ذلك السباب وفعل محظورات الإِحرام ، وغير ذلك مما نهى الله عنه ،والجدال على وزن فعال من المجادلة وهي مشقة من الجدلوهو الفتل ومنه : زمام مجدول .وقيل : هي مشقة من الجدالة التي هي الأرض .

فكأن كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه ، فيكون كمن ضرب به الجدالة .والمراد النهي عن الممارة والمنازعة التي تؤدي إلى البغضاء وتغير القلوب .والمعنى : أوقات الحج أشهر معلومات فمن نوى وأوجب على نفسه فيهن الحج وأحرم به فعليه أن يجتنب الجماع للنساء ودواعيه؛ وأن يبتعد عن كل قول أو فعل يكون خارجاً عن آداب الإِسلام ، ومؤدياً إلى التنازع بيين الرفقاء والإِخوان ، فإن الجميع قد اجتمعوا على مائدة الرحمن ، فعليهم أن يجتمعوا على طاعته ، وأن يتعاونوا على البر والتقوى لا على الإِثم والعدوان .روى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كليوم ولدته أمه " .قال الآلوسي : وقال - سبحانه - ( فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج ) بالإِظهار ولم يقل فيه مع أن المقام يقتضي الإِضمار ، لإِظهار كمال الاعتناء بشأنه ، وللإِشعار بعلة الحكم ، فإن زيارة البيت المعظم والتقرب بها إلى الله - تعالى - من موجبات ترك الأمور المذكورة المدنسة لمن قصد السير والسلوك إلى ملك الملوك .

وإيثار النفي للمبالغة في النهي ، والدلالة على أنها حقيقة بأن لا تكون فإن ما كان منكراً مستقبحاً في نفسه منهياً عنه مطلقاص فهو للمحرم بأشرف العبادات وأشقها أنكر وأقبح .والضمير في قوله : ( فِيهِنَّ ) للأشهر ، لأنه جمع لغير العاقل فيجرى على التأنيث .وجملة ( فَلاَ رَفَثَ .

.

) إلخ في محل جزم جواب من الشرطية والرابط بين جملة الشرط والجواب ما في معنى ( فَلاَ رَفَثَ ) من ضمير يعود على " من " ، لأن التقدير فلا يرفث ويجوز أن تكون جملة ( فَلاَ رَفَثَ .

.

) وما عطف عليها في محل رفع خبر لمن على أنها موصولة .وقد أخذ الشافعية من هذه الآية أنه لا يجوز الإِحرام بالحج في غير أشهر الحج لأن الإِحرام به في غير أشهره يكون شروعاً في العبادة في غير وقتها فلا تصح .ويرى الأحناف والحنابلة ، أنه يجوز الإِحرام قبل أشهره ولكنه مع الكراهة : والإِمام مالك لا يرى كراهة في ذلك .ويبدو أن رأي الشافعية هنا أرجح ، لأن قوله - تعالى - : ( فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج .

.

.

) يشهد لهم ، فقد جعل - سبحانه - هذه الأشهر وعاء لهذه الفريضة وظرفاً لها .أي : اتركوا الأقوال والأفعال القبيحة ، وسارعوا إلى الأعمال الصالحة خصوصاً في تلك الأزمنة والأمكنة المفضلة ، والله - تعالى - لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، وهو - سبحانه - سيجازيكم على فعل الخير بما تستقحون من جزاء .ثم قال - تعالى : ( وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى ) .قال الإِمام الرازي : في هذه الجملة الكريمة قولان :أحدهما : أن المراد وتزودوا من التقوى - أي الأعمال الصالحة - والدليل عليه قوله بعد ذلك ( فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى ) وتحقيق الكلام فيه أن الإِنسان له سفران : سفر في الدنيا وسفر من الدنيا لا بد له أيضاً من زاد وهو معرفة الله ومحبته والإِعراض عما سواه ، وهذا الزاد خير من الزاد الأول لأن زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم ..

قال الأعشى مقرراً هذا المعنى :إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ...

ولاقيت بعد الموت من قد تزوداندمت على أن لا تكون كمثله ...

وأنك لم ترصد بما كان أرصداوالقول الثاني : أن هذه الآية نزلت في أناس من أهل اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون إنا متوكلون ، ثم كانوا يسألون الناس ، وربما ظلموا الناس وغصبوهم فأمرهم الله - تعالى - أن يتزودوا بالمال والطعام الذي يغنيهم عن سؤال الناس .والذي نراه أن الجملة الكريمة تسع القولين .

فهي تدعو الناس إلى أن يتزودوا بالزاد المعنوي النفسي الذي يسعدهم ألا وهو تقوى الله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه والاكثار من العمل الصالح وفي الوقت نفسه هي تأمرهم - أيضاً - بأن يتزودوا بالزاد المادي الحقيقي الذي يغنيهم عن سؤال الناس ، ويصون لهم ماء وجوههم .وبذلك نكون قد استعملنا اللفظ في حقيقته ومجازه ، وهو استعمال شائع مستساغ عند كثير من العلماء .ثم ختم - سبحانه - الآية بتأكيد أمر التقوى ووجوب الإِخلاص فقال : ( واتقون ياأولي الألباب ) والألباب : جمع لب وهو العقل واللب من كل شيء : هو الخالص منه .

وسمى به العقل ، لأنه أشرف ما في الإِنسان .أي : أخلصوا لي يا أصحاب العقول السليمة ، والمدارك الواعية ، لأنكم لما كنتم كذلك كان وجوبها عليكم أثبت ، وأعراضكم عنها أقبح .

ورحم الله القائل :ولم أر في عيوب الناس عيباً ...

كنقص القادرين على التماموالجملة الكريمة ليست تكرارا لسابقتها ، لأن الأولى حث على التقوى وهذه حث على الإِخلاص فيها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: من المعلوم بالضرورة أن الحج ليس نفس الأشهر فلابد هاهنا من تأويل وفيه وجوه: أحدها: التقدير: أشهر الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف وهو كقولهم: البرد شهران، أي وقت البرد شهران والثاني: التقدير الحج حج أشهر معلومات، أي لا حج إلا في هذه الأشهر، ولا يجوز في غيرها كما كان أهل الجاهلية يستجيزونها في غيرها من الأشهر، فحذف المصدر المضاف إلى الأشهر الثالث: يمكن تصحيح الآية من غير إضمار وهو أنه جعل الأشهر نفس الحج لما كان الحج فيها كقولهم: ليل قائم، ونهار صائم.

المسألة الثانية: أجمع المفسرون على أن شوالاً وذا القعدة من أشهر الحج واختلفوا في ذي الحجة، فقال عروة بن الزبير: إنها بكليتها من أشهر الحج وهو قول مالك رحمه الله تعالى، وقال أبو حنيفة رحمه الله: العشر الأول من ذي الحجة من أشهر الحج، وهو قول ابن عباس وابن عمر والنخعي والشعبي ومجاهد والحسن، وقال الشافعي رضي الله عنه: التسعة الأولى من ذي الحجة من ليلة النحر من أشهر الحج، حجة مالك رضي الله عنه من وجوه: الأول: أن الله تعالى ذكر الأشهر بلفظ الجمع وأقله ثلاثة.

الحجة الثانية: أن أيام النحر يفعل فيها بعض ما يتصل بالحج، وهو رمي الجمار والمرأة إذا حاضت فقد تؤخر الطواف الذي لابد منه إلى انقضاء أيام بعد العشر، ومذهب عروة جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر والجواب عن الأول: من وجهين: أحدهما: أن لفظ الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد، بدليل قوله: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا  ﴾ والثاني: أنه نزل بعض الشهر منزلة كله، كما يقال: رأيتك سنة كذا إنما رآه في ساعة منها والجواب عن الثاني: أن رمي الجمار يفعله الإنسان وقد حج بالحلق والطواف والنحر من إحرامه فكأنه ليس من أعمال الحج، والحائض إذا طافت بعده فكأنه في حكم القضاء لا في حكم الأداء، وأما الذين قالوا إن عشرة أيام من أول ذي الحجة هي من أشهر الحج، فقد تمسكوا فيه بوجهين: الأول: أن من المفسرين من زعم أن يوم الحج الأكبر يوم النحر والثاني: أن يوم النحر وقت لركن من أركان الحج، وهو طواف الزيارة، وأما الشافعي رضي الله عنه فإنه احتج على قوله بأن الحج يفوت بطلوع الفجر يوم النحر، والعبادة لا تكون فائته مع بقاء وقتها، فهذا تقرير هذه المذاهب.

بقي هاهنا إشكالان الأول: أنه تعالى قال من قبل: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج  ﴾ فجعل كل الأهلة مواقيت للحج الثاني: أنه اشتهر عن أكابر الصحابة أنهم قالوا: من إتمام الحج أن يحرم المرء من دويرة أهله، ومن بعد داره البعد الشديد لا يجوز أن يحرم من دويرة أهله بالحج إلا قبل أشهر الحج، وهذا يدل على أن أشهر الحج غير مقيدة بزمان مخصوص والجواب من الأول: أن تلك الآية عامة، وهذه الآية وهي قوله: ﴿ الحج أَشْهُرٌ معلومات ﴾ خاصة والخاص مقدم على العام وعن الثاني: أن النص لا يعارضه الأثر المروي عن الصحابة.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ معلومات ﴾ فيه وجوه: أحدها: أن الحج إنما يكون في السنة مرة واحدة في أشهر معلومات من شهورها، ليس كالعمرة التي يؤتى بها في السنة مراراً، وأحالهم في معرفة تلك الأشهر على ما كانوا علموه قبل نزول هذا الشرع وعلى هذا القول فالشرع لم يأت على خلاف ما عرفوا وإنما جاء مقرراً له الثاني: أن المراد بها معلومات ببيان الرسول عليه الصلاة والسلام الثالث: المراد بها أنها مؤقتة في أوقات معينة لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها، لا كما يفعله الذين نزل فيهم ﴿ إِنَّمَا النسئ زِيَادَةٌ فِي الكفر  ﴾ .

المسألة الرابعة: قال الشافعي رضي الله عنه: لا يجوز لأحد أن يهل بالحج قبل أشهر الحج، وبه قال أحمد وإسحاق، وقال مالك والثوري وأبو حنيفة رضي الله عنهم: لا يجوز في جميع السنة حجة الشافعي رضي الله عنه قوله: ﴿ الحج أَشْهُرٌ معلومات ﴾ وأشهر جمع تقليل على سبيل التنكير، فلا يتناول الكل، وإنما أكثره إلى عشرة وأدناه ثلاثة وعند التنكير ينصرف إلى الأدنى، فثبت أن المراد أن أشهر الحج ثلاثة، والمفسرون اتفقوا على أن تلك الثلاثة: شوال، وذو القعدة، وبعض من ذي الحجة، وإذا ثبت هذا فنقول: وجب أن لا يجوز الإحرام بالحج قبل الوقت، ويدل عليه ثلاثة أوجه: الأول: أن الإحرام بالعبادة قبل وقت الأداء لا يصح قياساً على الصلاة الثاني: أن الخطبة في صلاة الجمعة لا تجوز قبل الوقت، لأنها أقيمت مقام ركعتين من الظهر، حكما فلأن لا يصح الإحرام وهو شروع في العبادة أولى الثالث: أن الإحرام لا يبقى صحيحاً لأداء الحج إذا ذهب وقت الحج قبل الأداء فلأن لا ينعقد صحيحاً لأداء الحج قبل الوقت أولى لأن البقاء أسهل من الابتداء، حجة أبي حنيفة رضي الله عنه وجهان الأول: قوله تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهلة قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج  ﴾ فجعل الأهلة كلها مواقيت للحج، وهي ليست بمواقيت للحج فثبت إذن أنها مواقيت لصحة الإحرام، ويجوز أن يسمى الإحرام حجا مجازاً كما سمي الوقت حجاً في قوله: ﴿ الحج أَشْهُرٌ معلومات ﴾ بل هذا أولى لأن الإحرام إلى الحج أقرب من الوقت.

والحجة الثانية: أن الإحرام التزام للحج، فجاز تقديمه على الوقت كالنذر.

والجواب عن الأول: أن الآية التي ذكرناها أخص من الآية التي تمسكتم بها.

والجواب عن الثاني: أن الفرق بين النذر وبين الإحرام أن الوقت معتبر للأداء والاتصال للنذر بالاداء بدليل أن الأداء لا يتصور إلا بعقد مبتدأ وأما الإحرام فإنه مع كونه التزاماً فهو أيضاً شروع في الأداء وعقد عليه، فلا جرم افتقر إلى الوقت.

وقوله تعالى: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: معنى ﴿ فَرَضَ ﴾ في اللغة ألزم وأوجب، يقال: فرضت عليك كذا أي أوجبته وأصل معنى الفرض في اللغة الحز والقطع، قال ابن الأعرابي: الفرض الحز في القدح وفي الوتد وفي غيره، وفرضة القوس، الحز الذي يقع فيه الوتر، وفرضة الوتد الحز الذي فيه، ومنه فرض الصلاة وغيرها، لأنها لازمة للعبد، كلزوم الحز للقدح، ففرض هاهنا بمعنى أوجب، وقد جاء في القرآن: فرض بمعنى أبان، وهو قوله: ﴿ سُورَةٌ أنزلناها وفرضناها  ﴾ بالتخفيف، وقوله: ﴿ قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم  ﴾ وهذا أيضاً راجع إلى معنى القطع، لأن من قطع شيئاً فقد أبانه من غيره والله تعالى إذا فرض شيئاً أبانه عن غيره، ففرض بمعنى أوجب، وفرض بمعنى أبان، كلاهما يرجع إلى أصل واحد.

المسألة الثانية: اعلم أن في هذه الآية حذفا، والتقدير: فمن ألزم نفسه فيهن الحج، والمراد بهذا الفرض ما به يصير المحرم محرماً إذ لا خلاف أنه لا يصير حاجاً إلا بفعل يفعله، فيخرج عن أن يكون حلالاً ويحرم عليه الصيد واللبس والطيب والنساء والتغطية للرأس إلى غير ذلك ولأجل تحريم هذه الأمور عليه سمي محرماً، لأنه فعل ما حرم به هذه الأشياء على نفسه ولهذا السبب أيضاً سميت البقعة حرماً لأنه يحرم ما يكون فيها مما لولاه كان لا يحرم فقوله تعالى: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج ﴾ يدل على أنه لابد للمحرم من فعل يفعله لأجله يصير حاجاً ومحرماً، ثم اختلف الفقهاء في أن ذلك الفعل ما هو؟

قال الشافعي رضي الله عنه: أنه ينعقد الإحرام بمجرد النية من غير حاجة إلى التلبية وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يصح الشروع في الإحرام بمجرد النية حتى ينضم إليها التلبية أو سوق الهدى، قال القفال رحمه الله في تفسيره: يروى عن جماعة أن من أشعر هديه أو قلده فقد أحرم، وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: إذا قلد أو أشعر فقد أحرم، وعن ابن عباس: إذا قلد الهدي وصاحبه يريد العمرة والحج فقد أحرم، حجة الشافعي رضي الله عنه وجوه: الحجة الأولى: قوله تعالى: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج ﴾ وفرض الحج لا يمكن أن يكون عبارة عن التلبية أو سوق الهدي فإنه لا إشعار ألبتة في التلبية بكونه محرما لا بحقيقة ولا بمجاز فلم يبق إلا أن يكون فرض الحج عبارة عن النية، وفرض الحج موجب لانعقاد الحج، بدليل قوله تعالى: ﴿ فَلاَ رَفَثَ ﴾ فوجب أن تكون النية كافية في انعقاد الحج.

الحجة الثانية: ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: «وإنما لكل امرئ ما نوى».

الحجة الثالثة: القياس وهو أن ابتداء الحج كف عن المحظورات، فيصح الشروع فيه بالنية كالصوم، حجة أبي حنيفة رضي الله عنه وجهان الأول: ما روى أبو منصور الماتريدي في تفسيره عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لا يحرم إلا من أهل أو لبى الثاني: أن الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا يشرع فيه إلا بنفس النية كالصلاة.

وأما قوله تعالى: ﴿ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ ﴾ بالرفع والتنوين ﴿ وَلاَ جِدَالَ ﴾ بالنصب، والباقون قرؤا الكل بالنصب.

واعلم أن الكلام في الفرق بين القراءتين في المعنى يجب أن يكون مسبوقاً بمقدمتين الأولى: أن كل شيء له اسم، فجوهر الاسم دليل على جوهر المسمى، وحركات الاسم وسائر أحواله دليل على أحوال المسمى، فقولك: رجل يفيد الماهية المخصوصة، وحركات هذه اللفظة، أعني كونها منصوبة ومرفوعة ومجرورة، دال على أحوال تلك الماهية وهي المفعولية والفاعلية والمضافية، وهذا هو الترتيب العقلي حتى يكون الأصل بإزاء الأصل، والصفة بإزاء الصفة، فعلى هذا الأسماء الدالة على الماهيات ينبغي أن يتلفظ بها ساكنة الأواخر فيقال: رحل جدار حجر، وذلك لأن تلك الحركات لما وضعت لتعريف أحوال مختلفة في ذات المسمى فحيث أريد تعريف المسمى من غير التفات إلى تعريف شيء من أحواله وجب جعل اللفظ خالياً عن الحركات، فإن أريد في بعض الأوقات تحريكه وجب أن يقال بالنصب، لأنه أخف الحركات وأقربها إلى السكون.

المقدمة الثانية: إذا قلت: لا رجل بالنصب، فقد نفيت الماهية، وانتفاء الماهية يوجب انتفاء جميع أفرادها قطعاً، أما إذا قلت: لا رجل بالرفع والتنوين، فقد نفيت رجلاً منكراً مبهماً، وهذا بوصفه لا يوجب انتفاء جميع أفراد هذه الماهية إلا بدليل منفصل، فثبت أن قولك: لا رجل بالنصب أدل على عموم النفي من قولك: لا رجل بالرفع والتنوين.

إذا عرفت هاتين المقدمتين فلنرجع إلى الفرق بين القراءتين فنقول: أما الذين قرؤا ثلاثة: بالنصب فلا إشكال وأما الذين قرؤا الأولين بالرفع مع التنوين، والثالث بالنصب فذلك يدل على أن الاهتمام بنفي الجدال أشد من الإهتمام بنفي الرفث والفسوق وذلك لأن الرفث عبارة عن قضاء الشهوة والجدال مشتمل على ذلك، لأن المجادل يشتهي تمشية قوله، والفسوق عبارة عن مخالفة أمر الله، والمجادل لا ينقاد للحق، وكثيراً ما يقدم على الإيذاء والإيحاش المؤدي إلى العداوة والبغضاء فلما كان الجدال مشتملاً على جميع أنواع القبح لا جرم خصه الله تعالى في هذه القراءة بمزيد الزجر والمبالغة في النفي، أما المفسرون فإنهم قالوا: من قرأ الأولين بالرفث والثالث بالنصب فقد حمل الأولين على معنى النهي، كأنه قيل: فلا يكون رفث ولا فسوق وحمل الثالث على الإخبار بانتفاء الجدال، هذا ما قالوه إلا أنه ليس بيان أنه لم خص الأولان بالنهي وخص الثالث بالنفي.

المسألة الثانية: أما الرفث فقد فسرناه في قوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَائِكُمْ  ﴾ والمراد: الجماع، وقال الحسن: المراد منه كل ما يتعلق بالجماع فالرفث باللسان ذكر المجامعة وما يتعلق بها، والرفث باليد اللمس والغمز، والرفث بالفرج الجماع، وهؤلاء قالوا: التلفظ به في غيبة النساء لا يكون رفثاً، واحتجوا بأن ابن عباس كان يحدو بعيره وهو محرم ويقول: وهن يمشين بنا هميسا *** إن تصدق الطير ننك لميسا فقال له أبو العالية أترفث وأنت محرم؟

قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء، وقال آخرون: الرفث هو قول الخنا والفحش، واحتج هؤلاء بالخبر واللغة أما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه فليقل إني صائم».

ومعلوم أن الرفث هاهنا لا يحتمل إلا قول الخنا والفحش، وأما اللغة فهو أنه روى عن أبي عبيد أنه قال: الرفث الإفحاش في المنطق، يقال أرفث الرجل إرفاثاً، وقال أبو عبيدة: الرفث اللغو من الكلام.

أما الفسوق فاعلم أن الفسق والفسوق واحد وهما مصدران لفسق يفسق، وقد ذكرنا فيما قبل أن الفسوق هو الخروج عن الطاعة، واختلف المفسرون فكثير من المحققين حملوه على كل المعاصي قالوا: لأن اللفظ صالح للكل ومتناول له، والنهي عن الشيء يوجب الانتهاء عن جميع أنواعه فحمل اللفظ على بعض أنواع الفسوق تحكم من غير دليل، وهذا متأكد بقوله تعالى: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ  ﴾ وبقوله: ﴿ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان  ﴾ .

وذهب بعضهم إلى أن المراد منه بعض الأنواع ثم ذكروا وجوها: الأول: المراد منه السباب واحتجوا عليه بالقرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَنَابَزُواْ بالألقاب بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان  ﴾ وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر».

والثاني: المراد منه الإيذاء والإفحاش، قال تعالى: ﴿ لا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ  ﴾ .

والثالث: قال ابن زيد: هو الذبح للأصنام فإنهم كانوا في حجهم يذبحون لأجل الحج، ولأجل الأصنام، وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ  ﴾ وقوله: ﴿ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ  ﴾ .

والرابع: قال ابن عمر: إنه العاصي في قتل الصيد وغيره مما يمنع الإحرام منه.

والخامس: أن الرفث هو الجماع ومقدماته مع الحليلة، والفسوق هو الجماع ومقدماته على سبيل الزنا.

والسادس: قال محمد بن الطبري: الفسوق، هو العزم على الحج إذا لم يعزم على ترك محظوراته.

وأما الجدال فهو فعال من المجادلة، وأصله من الجدل الذي من القتل، يقال: زمام مجدول وجديل، أي مفتول، والجديل اسم الزمام لأنه لا يكون إلا مفتولاً، وسميت المخاصمة مجادلة لأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه، وذكر المفسرون وجوها في هذا الجدال.

فالأول: قال الحسن: هو الجدال الذي يخاف منه الخروج إلى السباب والتكذيب والتجهيل.

والثاني: قال محمد بن كعب القرظي: إن قريشاً كانوا إذا اجتمعوا بمنى، قال بعضهم: حجنا أتم، وقال آخرون: بل حجنا أتم، فنهاهم الله تعالى عن ذلك.

والثالث: قال مالك في الموطأ الجدال في الحج أن قريشاً كانوا يقفون عند المشعر الحرام في المزدلفة بقزح وكان غيرهم يقفون بعرفات وكانوا يتجادلون يقول هؤلاء: نحن أصوب، ويقول هؤلاء: نحن أصوب، قال الله تعالى: ﴿ لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِى ٱلْأَمْرِ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ  وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ  ﴾ قال مالك هذا هو الجدال فيما يروى والله أعلم.

والرابع: قال القاسم بن محمد: الجدال في الحج أن يقول بعضهم: الحج اليوم، وآخرون يقولون: بل غداً، وذلك أنهم أمروا أن يجعلوا حساب الشهور على رؤية الأهلة، وأخرون كانوا يجعلونه على العدد فبهذا السبب كانوا يختلفون فبعضهم يقول: هذا اليوم يوم العيد وبعضهم يقول: بل غدا، فالله تعالى نهاهم عن ذلك، فكأنه قيل لهم: قد بينا لكم أن الأهلة مواقيت للناس والحج، فاستقيموا على ذلك ولا تجادلوا فيه من غير هذه الجهة.

الخامس: قال القفال رحمه الله تعالى: يدخل في هذا النهي ما جادلوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فشق عليهم ذلك وقالوا: نروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر منيا؟

فقال عليه الصلاة والسلام: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» وتركوا الجدال حينئذ.

السادس: قال عبد الرحمن بن زيد: جدالهم في الحج بسبب اختلافهم في أيهم المصيب في الحج لوقت إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

السابع: أنهم كانوا مختلفين في السنين فقيل لهم: لا جدال في الحج فإن الزمان استدار وعاد إلى ما كان عليه الحج في وقت إبراهيم عليه السلام، وهو المراد بقوله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» فهذا مجموع ما قاله المفسرون في هذا الباب.

وذكر القاضي كلاما حسناً في هذا الموضع فقال: قوله تعالى: ﴿ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج ﴾ يحتمل أن يكون خبراً وأن يكون نهياً كقوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ  ﴾ أي لا ترتابوا فيه، وظاهر اللفظ للخبر فإذا حملناه على الخبر كان معناه أن الحج لا يثبت مع واحدة من هذه الخلال بل يفسد لأنه كالضد لها وهي مانعة من صحته، وعلى هذا الوجه لا يستقيم المعنى، إلا أن يراد بالرفث الجماع المفسد للحج، ويحمل الفسوق على الزنا لأنه يفسد الحج، ويحمل الجدال على الشك في الحج ووجوبه لأن ذلك يكون كفراً فلا يصح معه الحج وإنما حملنا هذه الألفاظ الثلاثة على هذه المعاني حتى يصح خبر الله بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج، فإن قيل: أليس أن مع هذه الأشياء يصير الحج فاسداً ويجب على صاحبه المضي فيه، وإذا كان الحج باقياً معها لم يصدق الخبر بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج، قلنا: المراد من الآية حصول المضادة بين هذه الأشياء وبين الحجة التي أمر الله تعالى بها ابتداء وتلك الحجة الصحيحة لا تبقى مع هذه الأشياء بدليل أنه يجب قضاؤها، والحجة الفاسدة التي يجب عليه المضي فيها شيء آخر سوى تلك الحجة التي أمر الله تعالى بها ابتداء، وأما الجدال الحاصل بسبب الشك في وجوب الحج فظاهر أنه لا يبقى معه عمل الحج لأن ذلك كفر وعمل الحج مشروط بالإسلام فثبت أنا إذا حملنا اللفظ على الخبر وجب حمل الرفث والفسوق والجدال على ما ذكرناه، أما إذا حملناه على النهي وهو في الحقيقة عدول عن ظاهر اللفظ فقد يصح أن يراد بالرفث الجماع ومقدماته وقول الفحش، وأن يراد بالفسوق جميع أنواعه، وبالجدال جميع أنواعه، لأن اللفظ مطلق ومتناول لكل هذه الأقسام فيكون النهي عنها نهياً عن جميع أقسامها، وعلى هذا الوجه تكون هذه الآية كالحث على الأخلاق الجميلة، والتمسك بالآداب الحسنة، والاحتراز عما يحبط ثواب الطاعات.

المسألة الثالثة: الحكمة في أن الله تعالى ذكر هذه الألفاظ الثلاثة لا أزيد ولا أنقص، وهو قوله: ﴿ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج ﴾ هي أنه قد ثبت في العلوم العقلية أن الإنسان فيه قوى أربعة: قوة شهوانية بهيمية، وقوة غضبية سبعية، وقوة وهمية شيطانية، وقوة عقلية ملكية، والمقصود من جميع العبادات قهر القوى الثلاثة، أعني الشهوانية، والغضبية، والوهمية، فقوله: ﴿ فَلاَ رَفَثَ ﴾ إشارة إلى قهر الشهوانية، وقوله: ﴿ وَلاَ فُسُوقَ ﴾ إشارة إلى قهر القوة الغضبية التي توجب التمرد والغضب، وقوله: ﴿ وَلاَ جِدَالَ ﴾ إشارة إلى القوة الوهمية التي تحمل الإنسان على الجدال في ذات الله، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، وأسمائه، وهي الباعثة للإنسان على منازعة الناس ومماراتهم، والمخاصمة معهم في كل شيء، فلما كان منشأ الشر محصوراً في هذه الأمور الثلاثة لا جرم قال: ﴿ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج ﴾ أي فمن قصد معرفة الله ومحبته والاطلاع على نور جلاله، والانخراط في سلك الخواص من عباده، فلا يكون فيه هذه الأمور، وهذه أسرار نفسية هي المقصد الأقصى من هذه الآيات، فلا ينبغي أن يكون العاقل غافلاً عنها، ومن الله التوفيق في كل الأمور.

المسألة الرابعة: من الناس من عاب الإستدلال والبحث والنظر والجدال واحتج بوجوه: أحدها: أنه تعالى قال: ﴿ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج ﴾ وهذا يقتضي نفي جميع أنواع الجدال، ولو كان الجدال في الدين طاعة وسبيلاً إلى معرفة الله تعالى لما نهى عنه في الحج، بل على ذلك التقدير كان الإشتغال بالجدال في الحج ضم طاعة إلى طاعة فكان أولى بالترغيب فيه.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ  ﴾ عابهم بكونهم من أهل الجدل، وذلك يدل على أن الجدل مذموم.

وثالثها: قوله: ﴿ وَلاَ تنازعوا فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ  ﴾ نهى عن المنازعة.

وأما جمهور المتكلمين فإنهم قالوا: الجدال في الدين طاعة عظيمة، واحتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ  ﴾ وبقوله تعالى حكاية عن الكفار إنهم قالوا لنوح عليه السلام: ﴿ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا  ﴾ ومعلوم أنه ما كان ذلك الجدال إلا لتقرير أصول الدين.

إذا ثبت هذا فنقول: لابد من التوفيق بين هذه النصوص، فنحمل الجدل المذموم على الجدل في تقرير الباطل، وطلب المال والجاه، والجدل الممدوح على الجدل في تقرير الحق ودعوة الخلق إلى سبيل الله، والذب عن دين الله تعالى.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى ﴾ فاعلم أن الله تعالى قبل هذه الآية أمر بفعل ما هو خير وطاعة، فقال: ﴿ وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ  ﴾ وقال: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج ﴾ ونهى عما هو شر ومعصية فقال: ﴿ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج ﴾ ثم عقب الكل بقوله: ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله ﴾ وقد كان الأولى في الظاهر أن يقال: وما تفعلوا من شيء يعلمه الله، حتى يتناول كل ما تقدم من الخير والشر، إلا أنه تعالى خص الخير بأنه يعلمه الله لفوائد ولطائف أحدها: إذا علمت منك الخير ذكرته وشهرته، وإذا علمت منك الشر سترته وأخفيته لتعلم أنه إذا كانت رحمتي بك في الدنيا هكذا، فكيف في العقبى.

وثانيها: أن من المفسرين من قال في تفسير قوله: ﴿ إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا  ﴾ معناه: لو أمكنني أن أخفيها عن نفسي لفعلت فكذا هذه الآية، كأنه قيل للعبد: ما تفعله من خير علمته، وأما الذي تفعله من الشر فلو أمكن أن أخفيه عن نفسي لفعلت ذلك.

وثالثها أن السلطان العظيم إذا قال لعبده المطيع: كل ما تتحمله من أنواع المشقة والخدمة في حقي فأنا عالم به ومطلع عليه، كان هذا وعداً له بالثواب العظيم، ولو قال ذلك لعبده المذنب المتمرد كان توعداً بالعقاب الشديد، ولما كان الحق سبحانه أكرم الأكرمين لا جرم ذكر ما يدل على الوعد بالثواب، ولم يذكر ما يدل على الوعيد بالعقاب.

ورابعها: أن جبريل عليه السلام لما قال: ما الإحسان؟

فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك فهاهنا بين للعبد أنه يراه ويعلم جميع ما يفعله من الخيرات لتكون طاعة العبد للرب من الإحسان الذي هو أعلى درجات العبادة، فإن الخادم متى علم أن مخدومه مطلع عليه ليس بغافل عن أحواله كان أحرص على العمل وأكثر التذاذاً به وأقل نفرة عنه.

وخامسها: أن الخادم إذا علم اطلاع المخدوم على جميع أحواله وما يفعله كان جده واجتهاده في أداء الطاعات وفي الاحتراز عن المحظورات أشد مما إذا لم يكن كذلك، فلهذه الوجوه أتبع تعالى الأمر بالحج والنهي عن الرفث والفسوق والجدال بقوله: ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى ﴾ ففيه قولان أحدهما: أن المراد: وتزودوا من التقوى، والدليل عليه قوله بعد ذلك: ﴿ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى ﴾ وتحقيق الكلام فيه أن الإنسان له سفران: سفر في الدنيا وسفر من الدنيا، فالسفر في الدنيا لابد له من زاد، وهو الطعام والشراب والمركب والمال، والسفر من الدنيا لابد فيه أيضاً من زاد، وهو معرفة الله ومحبته والإعراض عما سواه، وهذا الزاد خير من الزاد الأول لوجوه: الأول: أن زاد الدنيا يخلصك من عذاب موهوم وزاد الآخرة يخلصك من عذاب متيقن.

وثانيها: أن زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع، وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم.

وثالثها: أن زاد الدنيا يوصلك إلى لذة ممزوجة بالآلام والأسقام والبليات، وزاد الآخرة يوصلك إلى لذات باقية خالصة عن شوائب المضرة، آمنة من الانقطاع والزوال.

ورابعها: أن زاد الدنيا وهي كل ساعة في الإدبار والانقضاء، وزاد الآخرة يوصلك إلى الآخرة، وهي كل ساعة في الإقبال والقرب والوصول.

وخامسها: أن زاد الدنيا يوصلك إلى منصة الشهوة والنفس، وزاد الآخرة يوصلك إلى عتبة الجلال والقدس، فثبت بمجموع ما ذكرنا أن خير الزاد التقوى.

إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير الآية، فكأنه تعالى قال: لما ثبت أن خير الزاد التقوى فاشتغلوا بتقواي يا أولي الألباب، يعني إن كنتم من أرباب الألباب الذين يعلمون حقائق الأمور وجب عليكم بحكم عقلكم ولبكم أن تشتغلوا بتحصيل هذا الزاد لما فيه كثرة المنافع، وقال الأعشى في تقرير هذا المعنى: إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى *** ولا قيث بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله *** وأنك لم ترصد كما كان أرصدا والقول الثاني: أن هذه الآية نزلت في أناس من أهل اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون: إنا متوكلون، ثم كانوا يسألون الناس وربما ظلموا الناس وغصبوهم، فأمرهم الله تعالى أن يتزودوا فقال: وتزودوا ما تبلغون به فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن الظلم وعن ابن زيد: أن قبائل من العرب كانوا يحرمون الزاد في الحج والعمرة فنزلت.

وروى محمد ابن جرير الطبري عن ابن عمر قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزودة رموا بها فنهوا عن ذلك بهذه الآية قال القاضي: وهذا بعيد لأن قوله: ﴿ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى ﴾ راجع إلى قوله: ﴿ وَتَزَوَّدُواْ ﴾ فكان تقديره: وتزودوا من التقوى والتقوى في عرف الشرع والقرآن عبارة عن فعل الواجبات وترك المحظورات قال: فإن أردنا تصحيح هذا القول ففيه وجهان: أحدهما: أن القادر على أن يستصحب الزاد في السفر إذا لم يستصحبه عصى الله في ذلك، فعلى هذا الطريق صح دخوله تحت الآية والثاني: أن يكون في الكلام حذف ويكون المراد: وتزودوا لعاجل سفركم وللآجل فإن خير الزاد التقوى.

أما قوله تعالى: ﴿ واتقون ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: إن قوله: ﴿ واتقون ﴾ فيه تنبيه على كمال عظمة الله وجلاله وهو كقول الشاعر: أنا أبو النجم وشعري شعري *** المسألة الثانية: أثبت أبو عمرو الياء في قوله: ﴿ واتقون ﴾ على الأصل، وحذفها الآخرون للتخفيف ودلالة الكسر عليه.

أما قوله تعالى: ﴿ يأُوْلِي الألباب ﴾ فاعلم أن لباب الشيء ولبه هو الخالص منه، ثم اختلفوا بعد ذلك، فقال بعضهم: إنه اسم للعقل لأنه أشرف ما في الإنسان، والذي تميز به الإنسان عن البهائم وقرب من درجة الملائكة، واستعد به للتمييز بين خير الخيرين، وشر الشرين، وقال آخرون: أنه في الأصل اسم للقلب الذي هو محل العقل، والقلب قد يجعل كناية عن العقل قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ  ﴾ فكذا هاهنا جعل اللب كناية عن العقل، فقوله: ﴿ يأُوْلِي الألباب ﴾ معناه: يا أولي العقول، وإطلاق اسم المحل على الحال مجاز مشهور، فإنه يقال لمن له غيرة وحمية: فلان له نفس، ولمن ليس له حمية: فلان لا نفس له فكذا هاهنا.

فإن قيل: إذا كان لا يصح إلا خطاب العقلاء فما الفائدة في قوله: ﴿ يأُوْلِي الألباب ﴾ .

قلنا: معناه: إنكم لما كنتم من أولي الألباب كنتم متمكنين من معرفة هذه الأشياء والعمل بها فكان وجوبها عليكم أثبت وإعراضكم عنها أقبح، ولهذا قال الشاعر: ولم أر في عيوب الناس شيئا *** كنقص القادرين على التمام ولهذا قال تعالى: ﴿ أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ  ﴾ يعني الأنعام معذورة بسبب العجز، أما هؤلاء القادرون فكان إعراضهم أفحش، فلا جرم كانوا أضل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أي وقت الحج ﴿ أَشْهُرٍ ﴾ كقولك: البرد شهران.

والأشهر المعلومات: شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة عند أبي حنيفة.

وعند الشافعي: تسع ذي الحجة وليلة يوم النحر.

وعند مالك: ذي الحجة كله.

فإن قلت: ما فائدة توقيت الحج بهذه الأشهر؟

قلت: فائدته أن شيئاً من أفعال الحجّ لا يصحّ إلا فيها، والإحرام بالحج لا ينعقد أيضاً عند الشافعي في غيرها.

وعند أبي حنيفة ينعقد إلا أنه مكروه.

فإن قلت: فكيف كان الشهران وبعض الثالث أشهر؟

قلت: اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد.

بدليل قوله تعالى: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ [التحريم: 4] فلا سؤال فيه إذن، وإنما كان يكون موضعاً للسؤال لو قيل: ثلاثة أشهر معلومات.

وقيل: نُزِّل بعض الشهر منزلة كله، كما يقال: رأيتك سنة كذا، أو على عهد فلان، ولعل العهد عشرون سنة أو أكثر، وإنما رآه في ساعة منها.

فإن قلت: ما وجه مذهب مالك وهو مرويّ عن عروة بن الزبير؟

قلت: قالوا إنّ العمرة غير مستحبة فيها عند عمر وابن عمر؛ فكأنها مخلصة للحج لا مجال فيها للعمرة.

وعن عمر رضي الله عنه: أنه كان يخفق الناس بالدّرة وينهاهم عن الاعتمار فيهنّ.

وعن عمر رضي الله عنه قال لرجل: إن أطعتني انتظرت حتى إذا أهللت المحرّم خرجت إلى ذات عرق فأهللت منها بعمرة.

وقالوا: لعل من مذهب عروة جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر ﴿ معلومات ﴾ معروفات عند الناس لا يشكلن عليهم.

وفيه أن الشرع لم يأت على خلاف ما عرفوه، وإنما جاء مقرّراً له ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج ﴾ فمن ألزم نفسه بالتلبية أو بتقليد الهدي وسوقه عند أبي حنيفة وعند الشافعي بالنية ﴿ فَلاَ رَفَثَ ﴾ فلا جماع؛ لأنه يفسده.

أو فلا فحش من الكلام ﴿ وَلاَ فُسُوقَ ﴾ ولا خروج عن حدود الشريعة وقيل: هو السباب والتنابز بالألقاب ﴿ وَلاَ جِدَالَ ﴾ ولا مراء مع الرفقاء والخدم والمكارين: وإنما أمر باجتناب ذلك.

وهو واجب الاجتناب في كل حال لأنه مع الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة؛ والتطريب في قراءة القرآن.

والمراد بالنفي وجوب انتفائها، وأنها حقيقة بأن لا تكون.

وقرئ المنفيات الثلاث بالنصب وبالرفع.

وقرأ أبو عمرو وابن كثير الأوّلين بالرفع؛ والآخر بالنصب: لأنهما حملا الأوّلين على معنى النهي، كأنه قيل: فلا يكونن رفث، ولا فسوق، والثالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال كأنه قيل: ولا شك ولا خلاف في الحج ذلك أنّ قريشاً كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة؛ وكانوا يقدّمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرّد إلى وقت واحد وردّ الوقوف إلى عرفة، فأخبر الله تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج.

واستدلّ على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة يوم ولدته أمه» وأنه لم يذكر الجدال ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله ﴾ حث على الخير عقيب النهي عن الشر؛ وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن، ومكان الفسوق البرّ والتقوى؛ ومكان الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة.

أو جعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم حتى لا يوجد منهم ما نهوا عنه، وينصره قوله تعالى: ﴿ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى ﴾ أي اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فإن خير الزاد اتقاؤها.

وقيل: كان أهل اليمن لا يتزوّدون ويقولون: نحن متوكلون ونحن نحج بيت الله أفلا يُطعمنا فيكونون كلاًّ على الناس، فنزلت فيهم.

ومعناه: وتزوّدوا واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم، فإن خير الزاد التقوى ﴿ واتقون ﴾ وخافوا عقابي ﴿ ياأولي الالباب ﴾ يعني أن قضية اللب تقوى الله، ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لا لب له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الحَجُّ أشْهُرٌ ﴾ أيْ وقْتُهُ.

كَقَوْلِكَ البَرْدُ شَهْرانِ.

﴿ مَعْلُوماتٌ ﴾ مَعْرُوفاتٌ وهِيَ: شَوّالٌ وذُو القِعْدَةِ وتِسْعَةُ مِن ذِي الحِجَّةِ بِلَيْلَةِ النَّحْرِ عِنْدَنا، والعَشْرُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.

وذِي الحِجَّةِ كُلُّهُ عِنْدَ مالِكٍ.

وبِناءً عَلى الخِلافِ عَلى أنَّ المُرادَ بِوَقْتِهِ وقْتُ إحْرامِهِ، أوْ وقْتُ أعْمالِهِ ومَناسِكِهِ، أوْ ما لا يَحْسُنُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ المَناسِكِ مُطْلَقًا، فَإنَّ مالِكًا كَرِهَ العُمْرَةَ في بَقِيَّةِ ذِي الحِجَّةِ.

وأبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وإنْ صَحَّحَ الإحْرامَ بِهِ قَبْلَ شَوّالٍ فَقَدِ اسْتَكْرَهَهُ.

وإنَّما سُمِّيَ شَهْرانِ وبَعْضُ شَهْرٍ أشْهُرًا إقامَةً لِلْبَعْضِ مَقامَ الكُلِّ، أوْ إطْلاقًا لِلْجَمْعِ عَلى ما فَوْقَ الواحِدِ.

﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ ﴾ فَمَن أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ بِالإحْرامِ فِيهِنَّ عِنْدَنا، أوْ بِالتَّلْبِيَةِ أوْ سُوقِ الهَدْيِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وهو دَلِيلٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وأنَّ مَن أحْرَمَ بِالحَجِّ لَزِمَهُ الإتْمامُ.

﴿ فَلا رَفَثَ ﴾ فَلا جِماعَ، أوْ فَلا فُحْشَ مِنَ الكَلامِ.

﴿ وَلا فُسُوقَ ﴾ ولا خُرُوجَ عَنْ حُدُودِ الشَّرْعِ بِالسَّيِّئاتِ وارْتِكابِ المَحْظُوراتِ.

﴿ وَلا جِدالَ ﴾ ولا مِراءَ مَعَ الخَدَمِ والرُّفْقَةِ.

﴿ فِي الحَجِّ ﴾ في أيّامِهِ، نَفْيُ الثَّلاثَةِ عَلى قَصْدِ النَّهْيِ لِلْمُبالَغَةِ ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها حَقِيقَةٌ بِأنْ لا تَكُونَ، وما كانَتْ مِنها مُسْتَقْبَحَةً في أنْفُسِها فَفي الحَجِّ أقْبَحَ كَلُبْسَةِ الحَرِيرِ في الصَّلاةِ.

والتَّطْرِيبُ بِقِراءَةِ القُرْآنِ لِأنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ مُقْتَضى الطَّبْعِ والعادَةِ إلى مَحْضِ العِبادَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والأوَّلُونَ بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى: لا يَكُونَنَّ رَفَثٌ ولا فُسُوقٌ.

والثّالِثُ بِالفَتْحِ عَلى مَعْنى الإخْبارِ بِانْتِفاءِ الخِلافِ في الحَجِّ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا كانَتْ تُحالِفُ سائِرَ العَرَبِ فَتَقِفُ بِالمَشْعَرِ الحَرامِ، فارْتَفَعَ الخِلافُ بِأنْ أُمِرُوا أنْ يَقَعُوا أيْضًا بِعَرَفَةَ.

﴿ وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ حَثٌّ عَلى الخَيْرِ عَقَّبَ بِهِ النَّهْيَ عَنِ الشَّرِّ لِيُسْتَبْدَلَ بِهِ ويُسْتَعْمَلَ مَكانَهُ.

﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى ﴾ وتَزَوَّدُوا لِمَعادِكُمُ التَّقْوى فَإنَّهُ خَيْرُ زادٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في أهْلِ اليَمَنِ كانُوا يَحُجُّونَ ولا يَتَزَوَّدُونَ ويَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ فَيَكُونُونَ كَلًّا عَلى النّاسِ، فَأُمِرُوا أنْ يَتَزَوَّدُوا ويَتَّقُوا الإبْرامَ في السُّؤالِ والتَّثْقِيلِ عَلى النّاسِ.

﴿ واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ ﴾ فَإنَّ قَضِيَّةَ اللُّبِّ خَشْيَةُ اللَّهِ وتَقْواهُ، حَثَّهم عَلى التَّقْوى ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِها هو اللَّهُ تَعالى فَيَتَبَرَّأُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سِواهُ، وهو مُقْتَضى العَقْلِ المُعَرّى عَنْ شَوائِبِ الهَوى فَلِذَلِكَ خَصَّ أُولِي الألْبابِ بِهَذا الخِطابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الحج} أي وقت الحج كقولك البرد شهران {أَشْهُرٌ معلومات} معروفات عند الناس لا يشكلن عليهم وهى شوال وذوا القعدة وعشر ذى الحجة وفائدة توقيت الحج بهذه الأشهر أن شيئاً من أفعال الحج لا يصح إلا فيها وكذا الإحرام عند الشافعى رحمه الله وعندنا وإن انعقد لكنه مكروه وجمعت أي الأشهر لبعض الثالث أو لأن اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد بدليل قوله تعالى فقد صغت قلوبكما {فمن فرض} ألزمه على نفسه بالإحرام {فِيهِنَّ الحج} في هذه الأشهر {فَلاَ رَفَثَ} هو الجماع أو ذكره عند النساء أو

البقرة (١٩٧ _ ١٩٨)

الكلام الفاحش {وَلاَ فُسُوقَ} هو المعاصي أو السباب لقوله عليه السلام سباب المؤمن فسوق أو التنابز بالألقاب لقوله تعالى {بِئْسَ الاسم الفسوق} {ولا جدال في الحج} ولا مراء مع الرفقاء والخدم والمكارين وإنما أمر باجتناب ذلك وهو واجب الاجتناب في كل حال لأنه مع الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة والتطريب في قراءة القرآن والمراد بالنفي وجوب انتفائها وانها حقيقة بأن لا تكون وقرأ أبو عمرو ومكي الأولين بالرفع فحملاهما على معنى النهي كأنه قيل فلا يكونن رفث ولا فسوق والثالث بالنصب على معنى الإخبار بانتفاء الجدال كأنه قيل ولا شك ولا خلاف في الحج ثم حث على الخير

عقيب النهي عن الشر وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن ومكان الفسوق البر والتقوى ومكان الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة بقوله تعالى {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله} اعلم بأنه عالم به يجازيكم عليه ورد قول من نفى علمه بالجزئيات كان أهل اليمن لا يتزودون ويقولون نحن متوكلون فيكونون كلاً على الناس فنزل فيهم {وَتَزَوَّدُواْ} أى تزودوا واتقوا والاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم {فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى} أي الإتقاء عن الإبرام والتثقيل عليهم أو تزودوا للعماد باتقاء المحظورات فإن خير الزاد اتقاؤها {واتقون} وخافوا عقابى وهو مثل دعان {يا أولي الالباب} يا ذوي العقول يعني أن قضية اللب تقوى الله ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لالب له

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الحَجُّ أشْهُرٌ ﴾ أيْ: وقْتُهُ ذَلِكَ، وبِهِ يَصِحُّ الحَمْلُ، وقِيلَ: ذُو أشْهُرٍ أوْ حَجُّ أشْهَرٍ، وقِيلَ: لا تَقْدِيرَ، ويُجْعَلُ الحَجُّ الَّذِي هو فِعْلٌ مِنَ الأفْعالِ عَيْنَ الزَّمانِ مُبالَغَةً، ولا يَخْفى أنَّ المَقْصِدَ بَيانُ وقْتِ الحَجِّ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ، فالتَّنْصِيصُ عَلَيْهِ أوْلى، ومَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ مَعْلُوماتٌ ﴾ مَعْرُوفاتٍ عِنْدَ النّاسِ، وهي شَوّالُ وذُو القِعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ عِنْدَنا، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ وابْنِ عُمَرَ والحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -، وأُيِّدَ بِأنَّ يَوْمَ النَّحْرِ وقْتٌ لِرُكْنٍ مِن أرْكانِ الحَجِّ - وهو طَوافُ الزِّيارَةِ - وبِأنَّهُ فَسَّرَ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ بِيَوْمِ النَّحْرِ، وعِنْدَ مالِكٍ الشَّهْرانِ الأوَّلانِ وذُو الحِجَّةِ كُلُّهُ عَمَلًا بِظاهِرِ لَفْظِ الأشْهُرِ، ولِأنَّ أيّامَ النَّحْرِ يُفْعَلُ فِيها بَعْضُ أعْمالِ الحَجِّ مِن طَوافِ الزِّيارَةِ، والحَلْقِ، ورَمْيِ الجِمارِ، والمَرْأةُ إذا حاضَتْ تُؤَخِّرُ الطَّوافَ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ إلى انْقِضاءِ أيّامِهِ بَعْدَ العَشَرَةِ، ولِأنَّهُ يَجُوزُ - كَما قِيلَ - تَأْخِيرُ طَوافِ الزِّيارَةِ إلى آخِرِ الشَّهْرِ - عَلى ما رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ - ولِأنَّ ظَواهِرَ الأخْبارِ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والخَطِيبُ وغَيْرُهُما بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ”عَدَّ الثَّلاثَةَ أشْهُرٍ الحَجَّ“،» وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مِثْلَ ذَلِكَ.

وعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: الشَّهْرانِ الأوَّلانِ وتِسْعُ ذِي الحِجَّةِ بِلَيْلَةِ النَّحْرِ؛ لِأنَّ الحَجَّ يَفُوتُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ مِن يَوْمِ النَّحْرِ، والعِبادَةُ لا تَكُونُ فائِتَةً مَعَ بَقاءِ وقْتِها، قالَهُ الرّازِيُّ، وفِيهِ أنَّ فَوْتَهُ بِفَوْتِ رُكْنِهِ الأعْظَمِ - وهو الوُقُوفُ - لا بِفَوْتِ وقْتِهِ مُطْلَقًا، ومَدارُ الخِلافِ أنَّ المُرادَ بِوَقْتِهِ وقْتُ مَناسِكِهِ وأعْمالِهِ مِن غَيْرِ كَراهَةٍ وما لا يَحْسُنُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ المَناسِكِ مُطْلَقًا - أوْ وقْتَ إحْرامِهِ - والشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَلى الأخِيرِ، والإحْرامُ لا يَصِحُّ بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لِعَدَمِ إمْكانِ الأداءِ، وإنْ جازَ أداءُ بَعْضِ أعْمالِ الحَجِّ في أيّامِ النَّحْرِ، ومالكٌ عَلى الثّانِي، فَإنَّهُ - عَلى ما قِيلَ - كَرِهَ الِاعْتِمارَ في بَقِيَّةِ ذِي الحِجَّةِ؛ لِما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كانَ يُخَوِّفُ النّاسَ بِالدُّرَّةِ ويَنْهاهم عَنْ ذَلِكَ فِيهِنَّ، وأنَّ ابْنَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ لِرَجُلٍ: إنْ أطْعَتَنِي انْتَظَرْتَ حَتّى إذا هَلَّ المُحْرِمُ خَرَجْتَ إلى ذاتِ عِرْقٍ فَأهْلَلْتَ مِنها بِعُمْرَةٍ.

والإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى الأوَّلِ لِكَوْنِ العاشِرِ وقْتًا لِأداءِ الرَّمْيِ والحَلْقِ وغَيْرِهِما، وغَيْرُها مِن بَقِيَّةِ أيّامِ النَّحْرِ - وإنْ كانَ وقْتًا لِذَلِكَ أيْضًا - إلّا أنَّهُ خَصَّصَ بِالعَشْرِ؛ اقْتِضاءً لِما رُوِيَ في الآثارِ مِن ذِكْرِ العَشْرِ، ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ المُرادَ الوَقْتُ الَّذِي يَتَمَكَّنُ فِيهِ المُكَلَّفُ مِنَ الفَراغِ عَنْ مَناسِكِهِ، بِحَيْثُ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وهو اليَوْمُ العاشِرُ وما سِواهُ مِن بَقِيَّةِ أيّامِ النَّحْرِ، فَلِلتَّيْسِيرِ في أداءِ الطَّوافِ، ولِتَكْمِيلِ الرَّمْيِ، والأشْهُر مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ، إلّا أنَّهُ تُجُوِّزَ في بَعْضِ أفْرادِهِ، فَإنَّ أقَلَّ الجَمْعِ ثَلاثَةُ أفْرادٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، فَجَعَلَ بَعْضَ مَن فَرَدَ فَرْدًا ثُمَّ جُمِعَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ فِيما فَوْقَ الواحِدِ بِعَلاقَةِ الِاجْتِماعِ، ولَيْسَ مِنَ الجَمْعِ حَقِيقَةً بِناءً عَلى المَذْهَبِ المَرْجُوعِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلى اثْنَيْنَ فَقَطْ، أوْ ثَلاثَةٍ - لا عَلى اثْنَيْنِ - وبَعْضِ ثالِثٍ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِهِ اثْنانِ والثّالِثُ في حُكْمِ العَدَمِ، في حُكْمِ العَدَمِ، وقِيلَ: المُرادُ ثَلاثَةٌ، ولا تَجُوزُ في بَعْضِ الأفْرادِ؛ لِأنَّ أسْماءَ الظُّرُوفِ تُطْلَقُ عَلى بَعْضِها حَقِيقَةً؛ لِأنَّها عَلى مَعْنى ( في ) فَيُقالُ: رَأيْتُهُ في سَنَةِ كَذا أوْ شَهْرِ كَذا أوْ يَوْمِ كَذا، وأنْتَ قَدْ رَأيْتَهُ في ساعَةٍ مِن ذَلِكَ - ولَعَلَّهُ قَرِيبٌ إلى الحَقِّ - وصِيغَةُ جَمْعِ المُذَكَّرِ في غَيْرِ العُقَلاءِ تَجِيءُ بِالألِفِ والتّاءِ، ﴿ فَمَن فَرَضَ ﴾ أيْ: ألْزَمَ نَفْسَهُ ﴿ فِيهِنَّ الحَجَّ ﴾ بِالإحْرامِ، ويَصِيرُ مُحْرِمًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ؛ لِكَوْنِ الإحْرامِ التِزامُ الكَفِّ عَنِ المَحْظُوراتِ، فَيَصِيرُ شارِعًا فِيهِ بِمُجَرَّدِها كالصَّوْمِ، وعِنْدَنا لا، بَلْ لا بُدَّ مِن مُقارَنَةِ التَّلْبِيَةِ؛ لِأنَّهُ عُقِدَ عَلى الأداءِ، فَلا بُدَّ مِن ذِكْرٍ كَما في تَحْرِيمَةِ الصَّلاةِ، ولَمّا كانَ بابُ الحَجِّ أوْسَعُ مِن بابِ الصَّلاةِ كَفى ذِكْرٌ يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ سِوى التَّلْبِيَةِ - فارِسِيًّا كانَ أوْ عَرَبِيًّا - وفِعْلُ كَذَلِكَ مِن سَوْقِ ( الهَدْيِ ) أوْ تَقْلِيدِهِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الإحْرامُ بِالحَجِّ إلّا في تِلْكَ الأشْهُرِ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وعَطاءٌ وغَيْرُهُما؛ إذْ لَوْ جازَ في غَيْرِها - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَنَفِيَّةُ- لَما كانَ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( فِيهِنَّ ) فائِدَةٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ فائِدَةَ ذِكْرِ فِيهِنَّ كَوْنُها وقْتًا لِأعْمالِهِ مِن غَيْرِ كَراهِيَةٍ، فَلا يُسْتَفادُ مِنهُ عَدَمُ جَوازِ الإحْرامِ قَبْلَهُ، فَلَوْ قُدِّمَ الإحْرامُ انْعَقَدَ حَجًّا مَعَ الكَراهَةِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَصِيرُ مُحْرِمًا بِالعُمْرَةِ، ومَدارُ الخِلافِ أنَّهُ رُكْنٌ عِنْدَهُ وشَرْطٌ عِنْدَنا، فَأشْبَهَ الطَّهارَةَ في جَوازِ التَّقْدِيمِ عَلى الوَقْتِ، والكَراهَةُ جاءَتْ لِلشُّبْهَةِ، فَعَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ إلّا في أشْهُرِ الحَجِّ“،» ﴿ فَلا رَفَثَ ﴾ أيْ: لا جِماعَ، أوْ لا فُحْشَ مِنَ الكَلامِ ﴿ ولا فُسُوقَ ﴾ ولا خُرُوجَ عَنْ حُدُودِ الشَّرْعِ بِارْتِكابِ المَحْظُوراتِ، وقِيلَ: بِالسِّبابِ والتَّنابُزِ بِالألْقابِ، ﴿ ولا جِدالَ ﴾ ولا خِصامَ مَعَ الخَدَمِ والرُّفْقَةِ.

﴿ فِي الحَجِّ ﴾ أيْ: في أيّامِهِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ زِيارَةَ البَيْتِ المُعَظَّمِ والتَّقَرُّبَ بِها إلى اللَّهِ - تَعالى - مِن مُوجِباتِ تَرْكِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ المُدَنَّسَةِ لِمَن قَصَدَ السَّيْرَ والسُّلُوكَ إلى مَلِكِ المُلُوكِ، وإيثارُ النَّفْيِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ، والدَّلالَةِ عَلى أنَّها حَقِيقَةٌ بِأنْ لا تَكُونَ، فَإنَّ ما كانَ مُنْكَرًا مُسْتَقْبَحًا في نَفْسِهِ مَنهِيًّا عَنْهُ مُطْلَقًا، فَهو لِلْمُحْرِمِ بِأشْرَفَ العِباداتِ وأشَقِّها أنْكَرُ وأقْبَحُ، كَلُبْسِ الحَرِيرِ في الصَّلاةِ وتَحْسِينِ الصَّوْتِ بِحَيْثُ تَخْرُجُ الحُرُوفُ عَنْ هَيْئاتِها في القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( الأوَّلِينَ ) بِالرَّفْعِ حَمْلًا لَهُما عَلى مَعْنى النَّهْيِ؛ أيْ: لا يَكُونَنَّ رَفَثَ ولا فُسُوقَ والثّالِثُ بِالفَتْحِ عَلى مَعْنى الإخْبارِ بِانْتِفاءِ الخِلافِ في الحَجِّ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا كانَتْ تَقِفُ بِالمَشْعَرِ الحَرامِ وسائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، وبَعْدَ ما أُمِرَ الكُلُّ بِالوُقُوفِ في عَرَفَةَ ارْتَفَعَ الخِلافُ فَأُخْبِرَ بِهِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ فِيهِنَّ ووَجْهُهُ لا يَخْفى.

﴿ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ بِتَأْوِيلِ الأمْرِ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ فَلا رَفَثَ ﴾ أيْ: لا تَرْفُثُوا وافْعَلُوا الخَيْراتِ - وفِيهِ التِفاتٌ - وحَثٌّ عَلى الخَيْرِ عَقِيبَ النَّهْيِ عَنِ الشَّرِّ لِيُسْتَبْدَلَ بِهِ، ولِهَذا خَصَّ مُتَعَلِّقَ العِلْمِ، مَعَ أنَّهُ - تَعالى - عالِمٌ بِجَمِيعِ ما يَفْعَلُونَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، والمُرادُ مِنَ (العِلْمِ) إمّا ظاهِرُهُ، فَيُقَدَّرُ بَعْدَ الفِعْلِ فَيُثِيبُ عَلَيْهِ، وإمّا المُجازاةُ مَجازًا ﴿ وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى ﴾ أخْرَجَ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: كانَ أهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ ولا يَتَزَوَّدُونَ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ، ثُمَّ يَقْدَمُونَ فَيَسْألُونَ النّاسَ، فَنَزَلَتْ، فالتَّزَوُّدُ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، وهو اتِّخاذُ الطَّعامِ لِلسَّفَرِ، والتقوى بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ - وهو الِاتِّقاءُ مِنَ السُّؤالِ - وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ اتَّخِذُوا التَّقْوى زادَكم لِمَعادِكم فَإنَّها خَيْرُ زادٍ، فَمَفْعُولُ تُزَوِّدُوا مَحْذُوفٌ بِقَرِينَةِ خَبَرِ ( إنَّ ) وهو التَّقْوى بِالمَعْنى الشَّرْعِيِّ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُحْمَلَ خَيْر الزّادِ عَلى التَّقْوى فَإنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ والمُسْنَدَ إذا كانا مَعْرِفَتَيْنِ يُجْعَلُ ما هو مَطْلُوبُ الإثْباتِ مُسْنَدًا، والمَطْلُوبُ هُنا إثْباتُ خَيْر الزّادِ لِلتَّقْوى؛ لِكَوْنِهِ دَلِيلًا عَلى تَزَوُّدِها، إلّا أنَّهُ أخْرَجَ الكَلامَ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ المَعْنى إنَّ الشَّيْءَ الَّذِي بَلَغَكم أنَّهُ خَيْرُ الزّادِ وأنْتُمْ تَطْلُبُونَ نَعْتَهُ هو التَّقْوى فَيُفِيدُ اتِّحادَ خَيْر الزّادِ بِها ﴿ واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ ﴾ أيْ: أخْلَصُوا لِيَ التَّقْوى، فَإنَّ مُقْتَضى العَقْلِ الخالِصِ عَنِ الشَّوائِبِ ذَلِكَ، ولَيْسَ فِيهِ عَلى هَذا شائِبَةُ تَكْرارٍ مَعَ سابِقِهِ؛ لِأنَّهُ حَثَّ عَلى الإخْلاصِ بَعْدَ الحَثِّ عَلى التَّقْوى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، قرأ الشعبي: وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ بالضم على معنى الابتداء، وقرأ العامة وَالْعُمْرَةَ بالنصب على معنى البناء.

قال ابن عباس: تمام العمرة إلى البيت، وتمام الحج إلى آخر الحج.

وقال مقاتل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ من المواقيت، ولا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم وذلك أنهم كانوا يشركون في إحرامهم.

ومعنى قول مقاتل: أنهم كانوا يشركون فيقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.

فقال: وأتموهما ولا تخلطوا بهما شيئاً آخر.

ثم خوَّفهم فقال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ، فيما تعديتم.

ثم قال عز وجل: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ، أي حبستم عن البيت بعد ما أحرمتم.

وقال القتبي: الإحصار هو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض أو كسر أو عدو.

وقال الفراء: الإحصار ما ابتلي به الرجل في إحرامه من المرض أو العدو وغيره.

وقال بعضهم: لا يكون الإحصار إلا من العدو.

وقال بعضهم: يكون من العدو وغيره، وبه قال علماؤنا رحمهم الله.

ثم قال: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، أي ابعثوا إلى البيت ما استيسر من الهدي، والله تعالى رخص لمن عجز عن الوصول إلى البيت بالعدو أن يبعث الهدي، فينزع عنه بمكة، ويحل الرجل من إحرامه إذا ذبح هديه، ويرجع إلى أهله، ثم يقضي حجه وعمرته بعد ذلك.

ثم قال تَعَالَيْ: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، يعني المحصر إذا بعث بالهدي، لا يجوز له أن يحل من إحرامه ما لم يذبح هديه.

يقول: لا يحلق رأسه، حتى يكون اليوم الذي واعده فيه، ويعلم أن هديه قد ذبح.

ثم صار هذا أصلاً لجميع الحجاج من كان قارناً أو متمتعاً، لا يجوز له أن يحلق رأسه إلا بعد أن يذبح هديه وإن لم يكن محصراً.

ثم قال تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ، يعني إذا حلق رأسه على وجه الإضمار مثل قوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 184] يعني إذا كان أفطر.

وروي عن كعب بن عجرة أنه قال: فيَّ نزلت هذه الآية.

وذلك أن النبيّ  مر بي والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» فقلت: نعم.

فأمر بي بأن أحلق رأسي فقال: «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَأَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِين، لِكُلِّ مسكين نصف صاع من حِنْطَةٍ، أَوْ صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَنْسِكْ نَسِيكَةً» يعني اذبح شاة، فنزلت هذه الآية: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ، أي شاة يذبحها حتى يبلغ الهدي محله.

ويروى عن عبد الرحمن الأعرج أنه قرأها: بتشديد الياء.

وواحدها هدية.

وقرأ الباقون: بالتخفيف يقال للواحدة: هدي وهدية.

ثم قال: فَإِذا أَمِنْتُمْ وهذا على سبيل الاختصار والإضمار.

ومعناه فإذا أمنتم من العدو، فاقضوا ما وجب عليكم من الحج والعمرة.

ويقال: إذا أمنتم من العدو وبرأتم من المرض، فحجوا واعتمروا.

فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، يعني فعليه ما تيسر من الهدي وللمتمتع أن يحج ويعتمر في سفرة واحدة من أشهر الحج.

والمحرمون أربعة: مفرد بالحج ومفرد بالعمرة والمتمتع والقارن، فأما المفرد بالحج أن يحج ويعتمر والمفرد بالعمرة أن يعتمر ولا يحج، وأما المتمتع أن يعتمر في أشهر الحج ويمكث بمكة حتى يحج بعد ما فرغ من عمرته، وأما القارن فهو الذي يحرم بالحج والعمرة جميعاً.

فمن كان مفرداً بالحج أو بالعمرة، فلا يجب عليه الهدي ومن كان متمتعاً أو قارناً، فعليه الهدي.

وقال عبد الله بن عمر أنه قال: الهدي: الجزور.

وقال ابن عباس: أقله شاة وبه قال علماؤنا.

ثم قال فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدي فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ.

قال ابن عباس: آخرها يوم عرفة.

وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ.

قال بعضهم: إذا رجعتم إلى أهليكم.

وقال بعضهم: إذا رجعتم من منى.

وقال بعضهم: إذا رجعتم إلى الأمر الأول، يعني إذا فرغتم من أمر الحج وبهذا القول نقول.

ثم قال: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ، في البدل يعني العشرة الكاملة كلها بدل من الهدي، يعني ذلِكَ الفداء لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، أي ذلك الفداء لمن لم يكن منزله في الحرم.

وقال قتادة ومقاتل: ذلك يعني التمتع لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام يعني الحرم.

وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما أمركم به ونهاكم عنه.

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إن خالفتم.

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ، أي وقت الحج أشهر معلومات وهو: شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة.

فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ قال القتبي: الفرض وجوب الشيء، يقال: فرضت عليك كذا، أي أوجبته.

قال الله تعالى: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ، أي ما ألزمتم أنفسكم، وقال: قَدْ عَلِمْنا مَا فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ [الأحزاب: 50] ، وقال تعالى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ، أي فمن أحرم في هذه الأشهر بالحج، فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «فَلاَ رِفْثٌ وَلاَ فُسُوقٌ» بالرفع مع التنوين، والباقون بالنصب بغير تنوين.

واتفقوا في قوله: وَلا جِدالَ بالنصب غير أبي جعفر المدني فإنه قرأ بالرفع.

وهذا يقال له: لا التبرية فكل موضع يدخل فيه لا التبرية، فصاحبه بالخيار إن شاء نصبه بغير تنوين، وإن شاء ضمه بالتنوين مثل قوله: وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [البقرة: 254] .

وتفسير الرفث هو الجماع كقوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [البقرة: 187] وقال بعضهم: الرفث: التعرض بذكر النساء، والفسوق: هو السباب، والجدال: أن تماري صاحبك حتى تغيظه.

أي من كان محرماً لا يجامع في إحرامه ولا يسب ولا يماري.

ويقال: الفسوق الذبح للأصنام.

كقوله تعالى: أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام: 145] ، والجدال هو أن قريشاً كانت تقف بالمزدلفة وكانوا يجادلون كل فريق يقولون: نحن أصوب سبيلاً.

وروي عن مجاهد أنه قال: قد استقر الحج في ذي الحجة، فلا جدال فيه وذلك أن المشركين كانوا يحجون عامين في ذي القعدة وعامين في ذي الحجة، فلما فتح رسول الله  مكة، بعث أبا بكر ليحج بالناس فوافق ذلك آخر عام ذي القعدة فلما حج رسول الله  حجة الوداع، وافق ذلك أول عام في ذي الحجة، فقال رسول الله  : «ألا إن الزمان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السموات وَالأَرْضَ» .

يعني رجع أمر الحج إلى ذي الحجة كما كان، فنزل: وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ.

ثم قال: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ، يعني من ترك الفسوق والمرأة والجدال.

يَعْلَمْهُ اللَّهُ ، أي يقبله الله فيجازيكم به.

وَتَزَوَّدُوا في سفركم للحج والعمرة ما تكفون به وجوهكم عن المسألة.

فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.

قال مقاتل وذلك أن أناساً من أهل اليمن كانوا يخرجون بغير زاد، ويصيبون من أهل الطريق ظلماً، فنزلت في شأنهم وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.

وقال بعضهم: تزودوا لسفر الدنيا بالطعام، وتزودوا لسفر الآخرة بالتقوى فإن خير الزاد التقوى.

ويقال خير الزاد التقوى، هو التوكل على الله وأن لا يؤذي أحدٌ لأجل الزاد والطعام.

ثم قال: وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ، يعني اطيعوني يا ذوي الألباب أي العقول فيما أمرتكم به.

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وذلك أنهم كانوا إذا حجوا، كفوا عن التجارة وطلب المعيشة في الحج، فلم يشتروا ولم يبيعوا حتى تمضي أيام حجهم، فجعل الله تعالى لهم رخصة في ذلك فقال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ، أي لا مأثم عليكم أن تطلبوا رزقاً من ربكم من التجارة في أيام الحج.

وقال مقاتل: سئل رسول الله  : عن سوق عكاظ وسوق منى وذي المجاز في الجاهلية كنا نقوم في التجارة قبل الحج وبعد الحج، فهل يصلح لنا البيع والشراء في أيام حجنا؟

فنزلت هذه الآية.

ومعنى آخر: ما روي عن عبد الله بن عمر: أن رجلاً سأله فقال: إني رجل أكري الإبل إلى مكة أفيجزيني عن حجي؟

فقال: أولست تلبي، وتقف بعرفات وترمي الجمار؟

فقال: بلى فقال: سأل رجل رسول الله  عن مثل ما سألتني، فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ.

وروي عن ابن عباس نحوه.

ثم قال تعالى: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ، يقول إذا رجعتم من عرفات بعد غروب الشمس فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ، يعني بالمزدلفة.

وقال عطاء: إنما سميت عرفات، لأن جبريل كان يعلَّم إبراهيم-  - أمور المناسك فكان يقول له: عرفت؟

فيقول: عرفت.

فسميت عرفات.

وقال ابن عباس: إنما سميت منى، لأن جبريل قال لآدم- عليهما السلام-: تمنَّ.

قال: أتمنى الجنة.

فسميت منى.

قال: وإنما سمي الجمع جمعاً، لأنه اجتمع فيه آدم وحواء والجمع أيضاً: هو المزدلفة وهو المشعر الحرام.

ثم قال: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ، يقول: اشكروا الله كما هداكم لدين الإسلام وَإِنْ كُنْتُمْ، أي وقد كنتم مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ عن الهدى، وكانت قريش لا تخرج من الحرم إلى عرفات، وكان الناس يقفن خارج الحرم من كان من أهل اليمن وغيرهم بعرفات، ويفيضون منها فأمر الله تعالى قريشاً أن يقفوا من حيث وقف الناس، ويفيضوا من حيث أفاض الناس فقال تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ تعالى لذنوبكم في الموقف.

إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ متجاوز عن ذنوبكم.

فأمر النبيّ  أن يخرج بالناس جميعاً إلى عرفات فيقف بها.

وروي عن النبيّ  أنه قال: «إن الله تَعَالَى يُبَاهِي مَلائِكَتَهُ بِأَهْلِ عَرَفَات وَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلى عبادي جاءوا مِنْ كُلِّ فَجَ عَمِيقٍ شُعْثاً غُبْراً.

اشْهَدُوا، أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» .

ثم قال تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ، أي فرغتم من أمر حجكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ باللسان كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ في ذلك الموقف أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً يقول: أو أكثر ذكراً، وذلك أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم، وقفوا بين المسجد الذي بمنى وبين الجبل، ثم ذكر كل واحد منهم أباه بما كان يعلم منه من الخير ثم يتفرقون، قال الله تعالى: فَاذْكُرُونِي بالخير كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ بالخير، فإن ذلك الخير مني.

وقال عطاء بن أبي رباح: قوله: كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ هو كقول الصبي: أبه أبه، يعني أن الصبي إذا كان أول ما يتكلم فإن أكثر قوله: أب أب.

ويقال فاذكروا الله كذكركم آباءكم لأبيكم آدم، لأنه لا أب له، بل أشد ذكراً، لأني خلقته من غير أب ولا أم وخلقتكم من الآباء والأمهات.

ثم قال تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا، وهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ارزقنا إبلاً وبقراً وغنماً وعبيداً وإماءً وأموالاً، ولم يكونوا يسألون لأنفسهم التوبة ولا المغفرة، فأنزل الله تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا.

وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ، أي من نصيب.

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً قال ابن عباس: يعني الشهادة والمغفرة والغنيمة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، أي الجنة.

وقال القتبي: الحسنة النعمة كقوله: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ [التوبة: 50] ، أي نعمة.

وقال الحسن البصري: آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، أي العلم والعبادة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، أي الجنة قال الإمام: حسنة الدنيا، ثوابك، وقوت من الحلال يكفيك، وزوجة صالحة ترضيك، وعلم إلى الحق يهديك، وعمل صالح ينجيك.

وأما حسنة الآخرة فإرضاء الخصومات، وعفو السيئات، وقبول الطاعات والنجاة من الدركات، والفوز بالدرجات وَقِنا عَذابَ النَّارِ، أي ادفع عنا عذاب النار.

أُولئِكَ، يعني المؤمنين الذين يدعون بهذا الدعاء لَهُمْ نَصِيبٌ، أي حظ مِمَّا كَسَبُوا من حجهم.

ويقال: لهم ثواب مما عملوا.

وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً كان على عهد رسول الله  قال: اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة، فعجِّله لي في الدنيا فأضني الرجل في مرضه حتى نحل جسمه، فأخبر بذلك رسول الله  فأتاه فأخبره بأنه كان يدعو بكذا وكذا، فقال النبيّ  : «يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ بِعُقُوبَةِ الله تَعَالَى ولكن قل: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ.

فدعا بها الرجل فبرأ.

ثم قال: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ قال الكلبي: إذا حاسب فحسابه سريع.

ويقال: والله سريع الحفظ.

وقال الضحاك: يعني لا يخالطه العباد فِي الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ولا يشغله ذلك.

ويقال: يحاسب كل إنسان فيظن كل واحد منهم أنه يحاسبه خاصة.

وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ في الكلام حذفٌ، تقديره «١» : أشهر الحج أشهرٌ أو وقتُ الحجِّ أشهر معلوماتٌ، قال ابن مسعود وغيره: وهي شوَّال، وذُو القَعْدة، وذو الحَجَّة كلُّه «٢» .

وقال ابن عبَّاس وغيره: هي شَوَّال، وذو القَعْدة، وعَشْرٌ من ذي الحجة «٣» ، والقولان لمالكٍ- رحمه اللَّه- فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ، أي: ألزمه نفْسَهُ، وفرض الحج هو بالنيةِ والدخولِ في الإِحرام، والتلبيةُ تَبَعٌ لذلك، وقوله تعالى: فِيهِنَّ، ولم يجىء الكلام «فيها» ، فقال قوم: هما سواء/ في الاستعمال، وقال أبو عثمانَ المازنيّ «٤» : الجمع الكثير

لما لا يعقل يأتي كالواحدةِ المؤنَّثة، والقليلُ ليس كذلك، تقول: الأجذاعُ انكسرن والجُذُوعُ انكسرت «١» ، ويؤيد ذلك قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ [التوبة: ٣٦] ثم قال:

مِنْها [التوبة: ٣٦] .

وقوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ ...

الآية، وقرأ ابن كثيرٍ، وأبو عمرٍو: «فَلاَ رَفَثٌ وَلاَ فُسُوقٌ وَلاَ جِدَالَ» ، بالرفع في الاثنين، ونصب الجدال «٢» ، و «لا» بمعنى «لَيْسَ» ، في قراءة الرفع، والرَّفَثُ الجماعُ في قول ابن عبَّاس، ومجاهد، ومالك «٣» ، والفُسُوقُ قال ابن عبَّاس وغيره: هي المعاصِي كلُّها «٤» ، وقال ابن زَيْد، ومالك: الفُسُوقُ:

الذبْح للأصنام «٥» ، ومنه قوله تعالى: أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام: ١٤٥] ، والأول أولى.

قال الفَخْر «٦» : وأكثر المحقِّقين حملوا الفِسْقَ هنا على كل المعاصِي قالوا: لأن

اللفظ صالِحٌ للكلِّ ومتناولٌ له، والنهي عن الشيء يوجبُ الاِنتهاءَ عن جَميعِ أنواعه، فحمل اللفْظ على بعض أنواع الفسوقِ تحكُّم من غير دليل.

انتهى.

قال ابن عباس وغيره: الجِدَالُ هنا: أن تماري مسلماً «١» .

وقال مالك، وابن زَيْد: الجدالُ هنا أن يَخْتَلفَ الناسُ أيهم صادَفَ موقفَ إِبراهيمَ- عليه السلام- كما كانوا يفعلون في الجاهلية «٢» ، قُلْتُ: ومعنى الآية: فلا تَرْفُثُوا، ولا تفسُقُوا، ولا تجادلُوا كقوله صلّى الله عليه وسلم: «وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ صَوْمُ أَحَدِكُمْ، فَلاَ يرفث، ولا يصحب، فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امرؤ صَائِمٌ ...

» «٣» الحديث.

انتهى.

قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٤» : قوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ، أراد نفيه مشروعاً، لا موجوداً، فإِنا نجد الرفَثَ فيه، ونشاهده، وخبَرُ اللَّه سبحانه لا يَقَعُ بخلافِ مخبره.

انتهى.

قال الفَخْر «٥» : قال القَفَّال: ويدُخُل في هذا النهْيِ ما وقع من بعضهم من مجادلة النبيّ صلّى الله عليه وسلم حين أمرهم بفَسْخِ الحَجِّ إِلى العمرة، فشَقَّ عليهم ذلك، وقالوا: «أنروحُ إلى منى، ومَذَاكِيرُنَا تَقْطُرُ مَنِيًّا ...

» الحديث.

انتهى.

وقوله تعالى: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ: المعنى: فيثيب عليه، وفي هذا تحضيضٌ على فعل الخير.

ت: وروى أُسَامَةُ بنُ زيدٍ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صُنِعَ إِليْهِ مَعْرُوفٌ، فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» رواه الترمذيُّ، والنَّسائي، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه» بهذا اللفظ «٦» .

انتهى من «السلاح» ونحو هذا جوابه صلّى الله عليه وسلم للمهاجرين حيث

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ﴾ فِي الحَجِّ لُغَتانِ.

فَتْحُ الحاءِ، وهي لِأهْلِ الحِجازِ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ.

وكَسْرُها، وهي لِتَمِيمٍ، وقِيلَ: لِأهْلِ نَجْدٍ، وبِها قَرَأ الحَسَنُ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: يُقالُ: حَجَّ حَجًّا، كَقَوْلِهِمْ: ذَكَرَ ذِكْرًا.

وقالُوا: حَجَّةٌ، يُرِيدُونَ: عَمِلَ سَنَةً.

قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: وقْتَ الحَجِّ هَذِهِ الأشْهُرُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: أشْهُرُ الحَجِّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ.

وَفِي أشْهُرِ الحَجِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها شَوّالُ وذُو القِعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، وطاوُوسٌ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، ومَكْحُولٌ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، والشّافِعِيُّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

والثّانِي: أنَّها شَوّالُ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا، وعَطاءٌ، وطاوُوسٌ، ومُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، والرَّبِيعُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: إنَّما أرادَ هَؤُلاءِ أنَّ هَذِهِ الأشْهُرَ أنْ لَيْسَتْ أشْهُرَ العُمْرَةِ، إنَّما هي لِلْحَجِّ، وإنْ كانَ عَمَلُ الحَجِّ قَدِ انْقَضى بِانْقِضاءِ مِنى، وقَدْ كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يَفْعَلُوا العُمْرَةَ في غَيْرِها.

قالَ ابْنُ سِيرِينَ: ما أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ شَكَّ في أنَّ عُمْرَةً في غَيْرِ أشْهُرِ الحَجِّ أفْضَلُ مِن عُمْرَةٍ في أشْهُرِ الحَجِّ، وإنَّما قالَ: ﴿ الحَجُّ أشْهُرٌ ﴾ وهي شَهْرانِ وبَعْضُ الآَخَرِ عَلى عادَةِ العَرَبِ.

قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: لَهُ اليَوْمُ يَوْمانِ لَمْ أرَهُ، وإنَّما هو يَوْمٌ، وبَعْضٌ آَخَرُ.

وتَقُولُ: زُرْتُكَ العامَ، وأتَيْتُكَ اليَوْمَ، وإنَّما وقَعَ الفِعْلُ في ساعَةٍ.

وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في هَذا قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ العَرَبَ تُوقِعُ الجَمْعَ عَلى التَّثْنِيَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ ﴾ وإنَّما يُرِيدُ عائِشَةَ وصَفْوانَ.

وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ﴾ يُرِيدُ: داوُدَ وسُلَيْمانَ.

والثّانِي: أنَّ العَرَبَ تُوقِعُ الوَقْتَ الطَّوِيلَ عَلى الوَقْتِ القَصِيرِ، فَيَقُولُونَ: قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أيّامَ الحَجِّ، وإنَّما كانَ القَتْلُ في أقْصَرِ وقْتٍ.

* فَصْلٌ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن أحْرَمَ بِالحَجِّ قَبْلَ أشْهُرِ الحَجِّ، فَقالَ عَطاءٌ، وطاوُوسٌ، ومُجاهِدٌ، والشّافِعِيُّ: لا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ، وجَعَلُوا فائِدَةَ قَوْلِهِ: ﴿ الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ﴾ أنَّهُ لا يَنْعَقِدُ الحَجُّ إلّا فِيهِنَّ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَصِحُّ الإحْرامُ بِالحَجِّ قَبْلَ أشْهُرِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ﴾ أيْ: مُعْظَمُ الحَجِّ يَقَعُ في هَذِهِ الأشْهُرِ، كَما قالَ النَّبِيُّ،  : « "الحَجُّ عَرَفَةُ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هو الإهْلالُ بِالحَجِّ، والإحْرامُ بِهِ.

وقالَ طاوُوسٌ، وعَطاءٌ: هو أنْ يُلَبِّيَ.

ورَوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ، والشَّعْبِيِّ في آَخَرِينَ: أنَّهُ إذا قَلَّدَ بِدِنَتِهِ فَقَدْ أحْرَمَ، وهَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ قَلَّدَها ناوِيًا لِلْحَجِّ.

ونَصَّ الإمامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، في رِوايَةِ الأثْرَمِ: أنَّ الإحْرامَ بِالنِّيَّةِ.

قِيلَ لَهُ: يَكُونُ مُحْرِمًا بِغَيْرِ تَلْبِيَةٍ؟

قالَ: نَعَمْ إذا عَزَمَ عَلى الإحْرامِ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ الدُّخُولُ في الإحْرامِ إلّا بِالتَّلْبِيَةِ أوْ تَقْلِيدِ الهَدْيِ وسُوقِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا رَفَثَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: (فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ) بِالضَّمِّ والتَّنْوِينِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، ولَمْ يَرْفَعْ أحَدٌ مِنهم لامَ "جِدالَ" إلّا أبُو جَعْفَرٍ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُجَّةُ مَن فَتَحَ أنَّهُ أشَدُّ مُطابَقَةً لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، لِأنَّهُ بِالفَتْحِ قَدْ نَفى جَمِيعَ الرَّفَثِ والفُسُوقِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ فَإذا رَفَعَ ونَوَّنَ، كانَ النَّفْيُ لِواحِدٍ مِنهُ، وإنَّما فَتَحُوا لامَ الجِدالِ، لِيَتَناوَلَ النَّفْيُ جَمِيعَ جِنْسِهِ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ جَمْعُ الِاسْمَيْنِ قَبْلَهُ.

وحُجَّةُ مَن رَفَعَ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِن فَحْوى الكَلامِ نَفِيَ جَمِيعِ الرَّفَثِ، وقَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ واحِدًا، والمُرادُ بِالمَعْنى: الجَمِيعُ.

وَفِي الرَّفَثِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الجِماعُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ الجِماعُ، وما دُونَهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِهِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا، وابْنِ عَبّاسٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ في آَخَرِينَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اللَّغْوُ مِنَ الكَلامِ، قالَهُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ اليَزِيدِيُّ.

وفي الفُسُوقِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ السِّبابُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنَ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّنابُزُ بِالألْقابِ، مِثْلُ أنْ تَقُولَ لِأخِيكَ: يا فاسِقُ، يا ظالِمُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المَعاصِي، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وطاوُوسٌ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ، وهو الَّذِي نَخْتارُهُ، لِأنَّ المَعاصِي تَشْمَلُ الكُلَّ، ولِأنَّ الفاسِقَ: الخارِجُ مِنَ الطّاعَةِ إلى المَعْصِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا جِدالَ في الحَجِّ ﴾ الجِدالُ: المِراءُ.

وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: لا يُمارِيَنَّ أحَدٌ أحَدًا، فَيُخْرِجُهُ المِراءُ إلى الغَضَبِ، وفَعَلَ ما لا يَلِيقُ بِالحَجِّ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُوسٌ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والضَّحّاكُ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: لا شَكَّ في الحَجِّ ولا مِراءَ، فَإنَّهُ قَدِ اسْتَقامَ أمْرُهُ وعَرَفَ وقْتَهُ وزالَ النَّسِيءُ عَنْهُ، قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَحُجُّونَ في ذِي الحِجَّةِ عامَيْنِ، وفي المُحَرَّمِ عامَيْنِ، ثُمَّ حَجُّوا في صَقْرٍ عامَيْنِ، وكانُوا يَحُجُّونَ في كُلِّ سَنَةٍ في كُلِّ شَهْرٍ عامَيْنِ حَتّى وافَقَتْ حَجَّةُ أبِي بَكْرٍ الآَخَرَ مِنَ العامَيْنِ في ذِي القِعْدَةِ قَبْلَ حَجَّةِ النَّبِيِّ  بِسَنَةٍ، ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ مَن قابَلَ في ذِي الحِجَّةِ، فَذَلِكَ حِينَ قالَ: « "إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ"» وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ ولا يَتَزَوَّدُونَ ويَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، فَيَسْألُونَ النّاسَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أمَرُوا أنْ يَتَزَوَّدُوا، وأعْلَمُوا أنَّ خَيْرَ ما تُزَوَّدُوا تَقْوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ واتَّقُوا اللهَ واعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ  ﴾ ﴿ الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجُّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجُّ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرٍ الزادِ التَقْوى واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ ﴾ ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكم فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ واذْكُرُوهُ كَما هَداكم وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الضالِّينَ ﴾ قَوْلُهُ: "لَمْ يَجِدْ" إمّا بِعَدَمِ المالِ، وإمّا بِعَدَمِ الحَيَوانِ، و ﴿ فِي الحَجِّ  ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ: لَهُ أنْ يَصُومَها في أشْهُرِ الحَجِّ، وإنْ كانَ لَمْ يُحْرِمْ بِالحَجِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ: لَهُ أنْ يَصُومَها مُنْذُ يَحْرُمُ بِالحَجِّ.

وقالَ عَطاءٌ أيْضًا، ومُجاهِدٌ: لا يَصُومُها إلّا في عَشَرِ ذِي الحِجَّةِ.

وقالَ ابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ والحَكَمُ: يَصُومُ يَوْمًا قَبْلَ يَوْمِ التَرْوِيَةِ، ويَوْمِ عَرَفَةَ، وكُلُّهم يَقُولُ: لا يَجُوزُ تَأْخِيرُها عن عَشَرِ ذِي الحِجَّةِ، لِأنَّ بِانْقِضائِهِ يَنْقَضِي الحَجُّ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ عُمَرَ ومالِكُ بْنُ أنَسٍ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مَن فاتَهُ صِيامُها قَبْلَ يَوْمِ النَحْرِ، فَلَهُ صِيامُها في أيّامِ التَشْرِيقِ، لِأنَّها مِن أيّامِ الحَجِّ.

وقالَ قَوْمٌ: لَهُ ابْتِداءُ تَأْخِيرِها إلى أيّامِ التَشْرِيقِ، لِأنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الصِيامُ، إلّا بِأنْ لا يَجِدُ يَوْمَ النَحْرِ هَدْيًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ  ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وإبْراهِيمُ: المَعْنى إذا رَجَعْتُمْ مِن مِنى، فَمَن بَقِيَ بِمَكَّةَ صامَها، ومَن نَهَضَ إلى بَلَدِهِ صامَها في الطَرِيقِ.

وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ: هَذِهِ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى، والمَعْنى: إذا رَجَعْتُمْ إلى أوطانِكُمْ، فَلا يَجِبُ عَلى أحَدٍ صَوْمُ السَبْعَةِ إلّا إذا وصَلَ وطَنَهُ، إلّا أنْ يَتَشَدَّدَ أحَدُكُما يَفْعَلُ مَن يَصُومُ في السَفَرِ فِي رَمَضانَ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: "وَسَبْعَةً" بِالنَصْبِ.

أيْ: وصُومُوا سَبْعَةً، ولَمّا جازَ أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ التَخْيِيرَ بَيْنَ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ، وسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ، أُزِيلَ ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ  ﴾ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: كامِلَةٌ في الثَوابِ كَمَن أهْدى، وقِيلَ: كامِلَةٌ في الثَوابِ كَمَن لَمْ يَتَمَتَّعْ، وهَذا عَلى أنَّ الحَجَّ الَّذِي لَمْ تَكْثُرْ فِيهِ الدِماءُ أخْلَصُ وأفْضَلُ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ.

وقِيلَ: "كامِلَةٌ": تَوْكِيدٌ.

كَما تَقُولُ: كَتَبْتُ بِيَدِي.

وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ مِن فَوْقِهِمْ  ﴾ وقِيلَ: لَفْظُها الإخْبارُ ومَعْناها الأمْرُ.

أيْ: أكْمِلُوها فَذَلِكَ فَرْضُها.

وقالَ الأُسْتاذُ الأجَلُّ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ: المَعْنى: تِلْكَ كامِلَةٌ، وتَكَرَّرَ المَوْصُوفُ تَأْكِيدًا، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ رَجُلٌ عاقِلٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ  ﴾ الآيَةُ، الإشارَةُ إلى التَمَتُّعِ وهَدْيِهِ وحُكْمِهِ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَرى أنَّ المَكِّيَّ لا تَجُوزُ لَهُ المُتْعَةُ في أشْهُرِ الحَجِّ.

فَكانَ الكَلامُ: ذَلِكَ التَرْخِيصُ، ويَتَأيَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ: "لِمَن" لِأنَّ اللامَ أبَدًا إنَّما تَجِيءُ مَعَ الرُخْصِ، تَقُولُ: لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، وأمّا مَعَ الشِدَّةِ فالوَجْهُ أنْ تَقُولَ: عَلَيْكَ.

وأمّا مَن يَرى أنَّ المَكِّيَّ يَعْتَمِرُ، ولا دَمَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ سَفَرًا، فالإشارَةُ بـِ "ذَلِكَ" -عَلى قَوْلِهِ- هي إلى "الهَدْيِ"، أيْ ذَلِكَ الِاشْتِدادُ والإلْزامُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في ﴿ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ  ﴾ بَعْدَ الإجْماعِ عَلى أهْلِ مَكَّةَ وما اتَّصَلَ بِها.

وقالَ الطَبَرِيُّ: بَعْدَ الإجْماعِ عَلى أهْلِ الحَرَمِ، ولَيْسَ كَما قالَ -فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَن كانَ حَيْثُ تَجِبُ الجُمْعَةُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ فَهو حَضَرِيٌّ، ومَن كانَ أبْعَدَ مِن ذَلِكَ فَهو بَدَوِيٌّ.

فَجَعَلَ اللَفْظَةَ مِنَ الحَضارَةِ والبَداوَةُ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: مَن كانَ بِحَيْثُ لا تَقْصُرُ الصَلاةُ إلى مَكانِهِ، فَهو حاضِرٌ أيْ مَشاهِدٌ، ومَن كانَ أبْعَدَ مِن ذَلِكَ فَهو غائِبٌ.

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: مَكَّةُ وضَجْنانُ وذُو طَوى وما أشْبَهَها حاضِرٌ والمَسْجِدُ الحَرامُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: أهْلُ الحَرَمِ كُلُّهُ حاضِرُ والمَسْجِدِ الحَرامِ.

وقالَ مَكْحُولٌ، وعَطاءٌ: مَن كانَ دُونَ المَواقِيتِ مِن كُلِّ جِهَةٍ حاضِرُو المَسْجِدِ الحَرامِ.

وقالَ الزُهْرِيُّ: مَن كانَ عَلى يَوْمٍ أو يَوْمَيْنِ فَهو مِن حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِتَقْواهُ عَلى العُمُومِ، وحَذَّرَ مِن شَدِيدِ عِقابِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ﴾ .

في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: أشْهُرُ الحَجِّ أشْهَرٌ.

أو: وقْتُ الحَجِّ أشْهَرٌ.

أو: وقْتُ عَمَلِ الحَجِّ أشْهَرٌ والغَرَضُ إنَّما هو أنْ يَكُونَ الخَبَرُ عَنِ الِابْتِداءِ هو الِابْتِداءُ نَفْسُهُ والحَجُّ لَيْسَ بِالأشْهُرِ، فاحْتِيجَ إلى هَذِهِ التَقْدِيراتِ.

ومِن قَدَّرَ الكَلامَ: الحَجُّ في أشْهُرٍ فَيَلْزَمُهُ مَعَ سُقُوطِ حَرْفِ الجَرِّ نَصْبُ الأشْهُرِ، ولَمْ يَقْرَأْ بِنَصْبِها أحَدٌ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، وعَطاءٌ، والرَبِيعُ، ومُجاهِدٌ والزُهْرِيُّ: أشْهُرُ الحَجِّ: شَوّالُ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحَجَّةِ كُلِّهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَعْبِيُّ، والسُدِّيُّ، وإبْراهِيمُ: هِيَ: شَوّالُ وذُو القِعْدَةِ وعَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، والقَوْلانِ لِمالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، حَكى الأخِيرُ ابْنُ حَبِيبٍ.

وجُمِعَ عَلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ الِاثْنانِ وبَعْضُ الثالِثِ، كَما فَعَلُوا في جَمْعِ عَشْرٍ فَقالُوا: عِشْرُونَ لِعِشْرِينَ ويَوْمَيْنِ مِنَ الثالِثِ، وكَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: .............

ثَلاثِينَ شَهْرًا في ثَلاثَةِ أحْوالٍ فَمَن قالَ: إنَّ ذا الحَجَّةِ كُلَّهُ مِن أشْهُرِ الحَجِّ، لَمْ يَرَ دَمًا فِيما يَقَعُ مِنَ الأعْمالِ بَعْدَ يَوْمِ النَحْرِ، لِأنَّها في أشْهُرِ الحَجِّ، وعَلى القَوْلِ الآخَرِ يَنْقَضِي الحَجُّ بِيَوْمِ النَحْرِ ويَلْزَمُ الدَمَ فِيما عَمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ ﴾ أيْ مَن ألْزَمَهُ نَفْسَهُ، وأصْلُ الفَرْضِ: الحَزُّ الَّذِي يَكُونُ في السِهامِ والقِسِيِّ وغَيْرِها، ومِنهُ فَرْضَةُ النَهْرِ والجَبَلِ، فَكَأنَّ مَنِ التَزَمَ شَيْئًا -وَأثْبَتَهُ عَلى نَفْسِهِ- قَدْ فَرَضَهُ.

وفَرْضُ الحَجِّ هو بِالنِيَّةِ، والدُخُولِ في الإحْرامِ، والتَلْبِيَةِ تَبَعٌ لِذَلِكَ.

و"مَن" رَفَعَ بِالِابْتِداءِ، ومَعْناها الشَرْطُ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: "فَرَضَ" لِأنَّ"مَن" لَيْسَتْ بِمَوْصُولَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: "فَرَجُلٌ فَرْضٌ".

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا رَفَثَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ، وتَكُونُ "فَرْضٌ" صِفَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى "فِيهِنَّ".

ولَمْ يَجِئِ الكَلامُ "فَرْضٌ فِيها".

فَقالَ قَوْمٌ: هُما سَواءٌ في الِاسْتِعْمالِ.

وقالَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ.

الجَمْعُ الكَثِيرُ لِما لا يُعْقَلُ يَأْتِي كالواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ، والقَلِيلُ لَيْسَ كَذَلِكَ، تَقُولُ: الأجْذاعُ انْكَسَرْنَ، والجُذُوعُ انْكَسَرَتْ.

ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عِدَّةَ الشُهُورِ  ﴾ ثُمَّ قالَ: "مِنها".

وقَرَأ نافِعٌ: "فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ" بِنَصْبِ الجَمِيعِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: "فَلا رَفَثُ ولا فُسُوقُ ولا جِدالُ" بِالرَفْعِ في الِاثْنَيْنِ ونَصْبِ الجِدالِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ بِالرَفْعِ في الثَلاثَةِ.

ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ في بَعْضِ الطُرُقِ.

وَ"لا" بِمَعْنى لَيْسَ في قِراءَةِ الرَفْعِ، وخَبَرُها مَحْذُوفٌ عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، و"فِي الحَجِّ" خَبَرُ "لا جِدالَ".

وحَذْفُ الخَبَرِ هُنا هو مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ.

وقَدْ خُولِفَ في ذَلِكَ، بَلْ "فِي الحَجِّ" هو خَبَرُ الكُلِّ، إذْ هو في مَوْضِعِ رَفْعٍ في الوَجْهَيْنِ لِأنَّ "لا" إنَّما تَعْمَلُ عَلى بابِها فِيما يَلِيها، وخَبَرُها مَرْفُوعٌ باقٍ عَلى حالِهِ مِن خَبَرِ الِابْتِداءِ.

وظَنَّ أبُو عَلِيٍّ أنَّها بِمَنزِلَةِ لَيْسَ في نَصْبِ الخَبَرِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هي والِاسْمُ في مَوْضِعِ الِابْتِداءِ يَطْلُبانِ الخَبَرَ، و"فِي الحَجِّ" هو الخَبَرُ في قِراءَةٍ كُلُّها بِالرَفْعِ، وفي قِراءَةٍ كُلُّها بِالنَصْبِ.

والتَحْرِيرُ: أنَّ "فِي الحَجِّ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالخَبَرِ المُقَدَّرِ، كَأنَّكَ قُلْتَ: "مَوْجُودٌ في الحَجِّ"، ولا فَرْقَ بَيْنَ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِكَ: زِيدٌ في الدارِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُدِّيُّ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمُ: الرَفَثُ: الجِماعُ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وطاوُسٌ، وعَطاءٌ، وغَيْرُهُمُ: الرَفَثُ: الإعْرابَةُ والتَعْرِيبُ، وهو الإفْحاشُ بِأمْرِ الجِماعِ عِنْدَ النِساءِ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وأنْشَدَ وهو مُحْرِمٌ: وهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسًا ∗∗∗ إنْ تَصْدُقِ الطَيْرُ نَنِكْ لَمِيسًا فَقِيلَ لَهُ: تَرْفُثُ وأنْتَ مُحْرِمٌ؟

فَقالَ: إنَّما الرَفَثُ ما كانَ عِنْدَ النِساءِ.

وقالَ قَوْمٌ: الرَفَثُ الإفْحاشُ بِذِكْرِ النِساءِ، كانَ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِنَّ أمْ لا.

وقَدْ قالَ ابْنُ عُمَرُ لِلْحادِي: لا تَذْكُرِ النِساءَ، وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ تَحْضُرَ امْرَأةٌ فَلِذَلِكَ نَهاهُ، وإنَّما يُقَوِّي القَوْلَ مِن جِهَةِ ما يَلْزَمُ مِن تَوْقِيرِ الحَجِّ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "الرَفَثُ" اللَغا مِنَ الكَلامِ وأنْشَدَ: عَنِ اللَغا ورَفَثِ التَكَلُّمِ ولا حُجَّةَ في البَيْتِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَلا رُفُوثَ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، وغَيْرُهُمُ: الفُسُوقُ: المَعاصِي كُلُّها لا يُخْتَصُّ بِها شَيْءٌ دُونَ شَيْءٍ.

وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وجَماعَةٌ مَعَهُ: الفُسُوقُ: المَعاصِي في مَعْنى الحَجِّ كَقَتْلِ الصَيْدِ وغَيْرِهِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، ومالِكٌ: الفُسُوقُ: الذَبْحُ لِلْأصْنامِ.

ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ أو فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ  ﴾ .

وقالَ الضَحّاكُ: الفُسُوقُ: التَنابُزُ بِالألْقابِ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ  ﴾ .

وقالَ ابْنُ عُمَرَ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وإبْراهِيمُ: الفُسُوقُ: السِبابُ.

ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : «سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وقِتالُهُ كُفْرٌ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعُمُومُ جَمِيعِ المَعاصِي أولى الأقْوالِ.

وقالَ قَتادَةُ، وغَيْرُهُ: الجِدالُ هُنا: السِبابُ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ: الجِدالُ هُنا: أنْ تُمارِيَ مُسْلِمًا حَتّى تُغْضِبَهُ.

وقالَ مالِكٌ، وابْنُ زَيْدٍ: الجِدالُ هُنا: أنْ يَخْتَلِفَ الناسُ أيُّهم صادَفَ مَوْقِفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، كَما كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ، حِينَ كانَتْ قُرَيْشٌ تَقِفُ في غَيْرِ مَوْقِفِ سائِرِ العَرَبِ، ثُمَّ يَتَجادَلُونَ بَعْدَ ذَلِكَ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: الجِدالُ: أنْ تَقُولَ طائِفَةٌ: حَجُّنا أبَرُّ مِن حَجِّكُمْ، وتَقُولُ الأُخْرى مِثْلُ ذَلِكَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجِدالُ هُنا: أنْ تَقُولَ طائِفَةٌ: الحَجُّ اليَوْمَ، وتَقُولُ طائِفَةٌ: بَلِ الحَجُّ غَدًا، وقِيلَ: الجِدالُ كانَ في الفَخْرِ بِالآباءِ.

وقالَ مُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ مَعَهُ: الجِدالُ: أنْ تُنْسِئَ العَرَبُ الشُهُورَ حَسَبَما كانَ النَسِيءُ عَلَيْهِ، فَقَرَّرَ الشَرْعُ وقْتَ الحَجِّ وبَيَّنَهُ وأخْبَرَ أنَّهُ حَتْمٌ لا جِدالَ فِيهِ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ وأظْهَرُها.

والجِدالُ مَأْخُوذٌ مِنَ الجَدَلِ وهو الفَتْلُ، كَأنَّ كُلَّ مُجادِلٍ يُفاتِلُ صاحِبَهُ، وأمّا ما كانَ النَسِيءُ عَلَيْهِ، فَظاهِرُ سِيَرِ ابْنِ إسْحاقَ وغَيْرُها مِنَ الدَواوِينِ، أنَّ الناسِئَ كانَ يَحِلُّ المُحَرَّمَ لِئَلّا تَتَوالى عَلى العَرَبِ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ لا إغارَةَ فِيها، ويَحْرُمُ صَفَرٌ، ورُبَّما سُمُّوهُ المُحَرَّمَ، وتَبْقى سائِرُ الأشْهُرِ بِأسْمائِها حَتّى يَأْتِيَ حَجُّهم في ذِي الحِجَّةِ عَلى الحَقِيقَةِ.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: كانُوا يُسْقِطُونَ المُحَرَّمَ ثُمَّ يَقُولُونَ: صِفْرانِ لِصِفْرٍ وشَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ، ثُمَّ كَذَلِكَ يَنْقُلُونَ أسْماءَ الشُهُورِ، ويَتَبَدَّلُ وقْتَ الحَجِّ في الحَقِيقَةِ لَكِنَّهُ يَبْقى في ذِي الحِجَّةِ بِالتَسْمِيَةِ لا في حَقِيقَةِ الشَهْرِ.

قالَ: فَكانَ حَجُّ أبِي بَكْرٍ سَنَةَ تِسْعٍ في ذِي القِعْدَةِ عَلى الحَقِيقَةِ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللهِ  سَنَةَ عَشْرٍ في ذِي الحِجَّةِ عَلى الحَقِيقَةِ، وقالَ: « "إنَّ الزَمانَ قَدِ اسْتَدارَ» الحَدِيثُ- ونَزَلَتْ: ﴿ وَلا جِدالَ في الحَجِّ ﴾ أيْ قَدْ تَبَيَّنَ أمْرُهُ فَلا يَنْتَقِلُ شَهْرٌ البَتَّةَ أبَدًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ ﴾ المَعْنى: فَيُثِيبُ عَلَيْهِ، وفي هَذا تَخْصِيصٌ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَتَزَوَّدُوا" الآيَةُ، قالَ ابْنُ عُمَرَ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ نَزَلَتِ الآيَةُ في طائِفَةٍ مِنَ العَرَبِ كانَتْ تَجِيءُ إلى الحَجِّ بِلا زادٍ، ويَقُولُ بَعْضُهُمْ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، ويَقُولُ بَعْضُهُمْ: كَيْفَ نَحُجُّ بَيْتَ اللهِ ولا يُطْعِمُنا؟

فَكانُوا يَبْقُونَ عالَةً عَلى الناسِ، فَنُهُوا عن ذَلِكَ، وأُمِرُوا بِالتَزَوُّدِ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: تَزَوَّدُوا الرَفِيقَ الصالِحَ، وهَذا تَخْصِيصٌ ضَعِيفٌ، والأُولى في مَعْنى الآيَةِ: "وَتَزَوَّدُوا لِمَعادِكم مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ".

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّ خَيْرَ الزادِ التَقْوى ﴾ حَضُّ عَلى التَقْوى.

وخُصَّ أُولُو الألْبابِ بِالخِطابِ، -وَإنْ كانَ الأمْرُ يَعُمُّ الكُلَّ- لِأنَّهُمُ الَّذِينَ قامَتْ عَلَيْهِمْ حُجَّةُ اللهِ، وهم قابَلُو أوامِرَهُ، والناهِضُونَ بِها، وهَذا عَلى أنَّ اللُبَّ لُبُّ التَجارِبِ، وجَوْدَةُ النَظَرِ، وإنْ جَعَلْناهُ لُبَّ التَكْلِيفِ فالنِداءُ بـِ "أُولِي الألْبابِ" عامٌّ لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ.

واللُبُّ: العَقْلُ.

تَقُولُ العَرَبُ: لَبُبْتُ، بِضَمِّ الباءِ الأولى ألُبَّ، بِضَمِّ اللامِ، حَكاهُ سِيبَوَيْهِ، ولَيْسَ في الكَلامِ فِعْلٌ يُفْعَلُ بِضَمِّ العَيْنِ فِيهِما غَيْرَ هَذِهِ الكَلِمَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ﴾ الآيَةُ.

الجَناحُ أعَمُّ مِنَ الإثْمِ، لِأنَّهُ فِيما يَقْتَضِي العِقابَ، وفِيما يَقْتَضِي العِتابَ والزَجْرَ، و"تَبْتَغُوا" مَعْناهُ: تَطْلُبُونَ بِمُحاوَلَتِكم.

وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لِأنَّ العَرَبَ تَحَرَّجَتْ لَمّا جاءَ الإسْلامُ أنْ يَحْضُرُوا أسْواقَ الجاهِلِيَّةِ كَعُكاظِ وذِي المَجازِ ومَجَنَّةٍ، فَأباحَ اللهُ تَعالى ذَلِكَ.

أيْ: لا دَرْكَ في أنْ تَتَّجِرُوا وتَطْلُبُوا الرِبْحَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ بَعْضُ العَرَبِ لا يَتَّجِرُونَ مُذْ يُحْرِمُونَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في إباحَةِ ذَلِكَ.

وقالَ ابْنُ عُمَرَ: فِيمَن أكْرى لِيَحُجَّ؛ حَجُّهُ تامٌّ، ولا حَرَجَ عَلَيْهِ في ابْتِغاءِ الكِراءِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ "لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ" "فِي مَواسِمِ الحَجِّ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ ﴾ أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى تَمامِ حَجِّ مَن وقَفَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَوالِ وأفاضَ نَهارًا قَبْلَ اللَيْلِ، إلّا مالِكُ بْنُ أنَسٍ فَإنَّهُ قالَ: لا بُدَّ أنْ يَأْخُذَ مِنَ اللَيْلِ شَيْئًا.

وأمّا مَن وقَفَ بِعَرَفَةَ بِاللَيْلِ فَلا خِلافَ بَيْنِ الأُمَّةِ في تَمامِ حَجِّهِ.

وأفاضَ القَوْمُ أوِ الجَيْشُ إذا انْدَفَعُوا جُمْلَةً، ومِنهُ: أفاضَ الرَجُلُ في الكَلامِ، ومِنهُ: فاضَ الإناءُ وأفَضْتُهُ، ومِنهُ: المُفِيضُ في القِداحِ.

والتَنْوِينُ في عَرَفاتٍ عَلى حَدِّهِ في "مُسْلِماتٍ" الكَسْرَةُ مُقابِلَةٌ لِلْياءِ في مُسْلِمِينَ، والتَنْوِينُ مُقابِلٌ لِلنُّونِ.

فَإذا سُمِّيَتْ بِهِ شَخْصًا تُرِكَ، وهو مُعَرَّفٌ عَلى حَدِّهِ قَبْلَ أنْ تُسَمِّيَ بِهِ.

فَإنْ كانَ "عَرَفاتٍ" اسْمًا لِتِلْكَ البُقْعَةِ كُلِّها فَهو كَما ذَكَرْنا، وإنْ كانَ جَمْعُ عَرَفَةَ فَهو كَمُسْلِماتٍ دُونَ أنْ يُسَمّى بِهِ.

وحَكى سِيبَوَيْهِ كَسْرَ التاءِ مِن "عَرَفاتٍ" دُونَ تَنْوِينٍ في حالِ النَصْبِ والخَفْضِ مَعَ التَعْرِيفِ.

وحَكى الكُوفِيُّونَ فَتْحَها في حالِ النَصْبِ والخَفْضِ تَشْبِيهًا بِتاءِ فاطِمَةَ وطَلْحَةَ.

وسُمِّيَتْ تِلْكَ البُقْعَةُ "عَرَفاتٍ"، لِأنَّ إبْراهِيمَ عَرَّفَها حِينَ رَآها عَلى ما وُصِفَتْ لَهُ.

قالَهُ السُدِّيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَقُولُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: هَذا مَوْضِعُ كَذا فَيَقُولُ: قَدْ عَرَفْتُ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ آدَمَ عَرَفَ بِها حَوّاءَ حِينَ لَقِيَها هُناكَ، والظاهِرُ أنَّهُ اسْمٌ مُرْتَجَلٌ كَسائِرِ أسْماءِ البِقاعِ.

وعَرَفَةُ هي نُعْمانُ الأراكِ.

وفِيها يَقُولُ الشاعِرُ: تَزَوَّدْتُ مِن نُعْمانَ عُودَ أراكَةٍ ∗∗∗ لِهِنْدٍ ولَكِنْ مَن يُبَلِّغْهُ هِنْدا و ﴿ المَشْعَرِ الحَرامِ ﴾ جَمْعٌ كُلُّهُ، وهو ما بَيْنَ جَبَلَيِ المُزْدَلِفَةِ مِن حَدٍّ مُفْضى مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ إلى بَطْنِ مُحَسِّرٍ.

قالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والرَبِيعُ، وابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: فَهي كُلُّها مَشْعَرٌ، إلى بَطْنِ مَحَسِّرٍ، كَما أنَّ عَرَفَةَ كُلَّها مَوْقِفٌ، إلّا بَطْنَ عُرَنَةَ بِفَتْحِ الراءِ وضَمِّها.

رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «عَرَفَةُ كُلُّها مَوْقِفٌ إلّا بَطَّنَ عُرَنَةَ، والمُزْدَلِفَةُ كُلُّها مَشْعَرٌ، وارْتَفَعُوا عن بَطْنِ مُحَسِّرٍ "».

وذَكَرَ هَذا عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ في خُطْبَتِهِ، وفي المُزْدَلِفَةِ قَرْنُ قُزَحٍ الَّذِي كانَتْ قُرَيْشُ تَقِفُ عَلَيْهِ.

وذِكْرُ اللهِ تَعالى عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ نَدْبٌ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ.

وقالَ مالِكٌ: مَن مَرَّ بِهِ ولَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْهِ دَمٌ.

وقالَ الشافِعِيُّ: مَن خَرَجَ مِن مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ نِصْفِ اللَيْلِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وإنْ كانَ بَعْدَ نِصْفِ اللَيْلِ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ.

وقالَ الشَعْبِيُّ، والنَخْعِيُّ: مَن فاتَهُ الوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ فاتَهُ الحَجُّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ ﴾ تَعْدِيدٌ لِلنِّعْمَةِ، وأمْرٌ بِشُكْرِها، ثُمَّ ذَكَّرَهم بِحالِ ضَلالِهِمْ لِيَظْهَرَ قَدْرُ الإنْعامِ، والكافُ في "كَما" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ أو كافَّةٌ، و"إنْ" مُخَفِّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ دُخُولُ اللامِ في الخَبَرِ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.

وقالَ الفَرّاءُ: هي النافِيَةُ بِمَعْنى "ما" واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، والضَمِيرُ في "قَبْلِهِ" عائِدٌ عَلى الهَدْيِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي للإِعلام بتفصيل مناسك الحج، والذي أراه أن هذه الآيات نزلت بعد نزول قوله تعالى: ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ﴾ في [سورة آل عمران: 97] فإن تلك الآية نزلت بفرض الحج إجمالاً، وهذه الآية فيها بيان أعماله، وهو بيان مؤخر عن المبين، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة واقع غير مرة، فيظهر أن هذه الآية نزلت في سنة تسع، تهيئة لحج المسلمين مع أبي بكر الصديق.

وبين نزول هذه الآية ونزول آية ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله الحج أَشْهُرٌ معلومات فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج ﴾ [البقرة: 196] نحو من ثلاث سنين فتكون فيما نرى من الآيات التي أمر الرسول عليه السلام بوضعها في هذا الموضع من هذه السورة للجمع بين أعمال الحج وأعمال العمرة.

وهي وصاية بفرائض الحج وسننه ومما يحق أن يراعى في أدائه، وذكر ما أراد الله الوصاية به من أركانه وشعائره.

وقد ظهرت عناية الله تعالى بهذه العبادة العظيمة، إذ بسط تفاصيلها وأحوالها مع تغيير ما أدخله أهل الجاهلية فيها.

ووصف الأشهر بمعلومات حوالة على ما هو معلوم للعرب من قبل، فهي من الموروثة عندهم عن شريعة إبراهيم، وهي من مبدأ شوال إلى نهاية أيام النحر، وبعضها بعض الأشهر الحرم، لأنهم حرموا قبل يوم الحج شهراً وأياماً وحرموا بعده بقية ذي الحجة والحرام كلّه، لتكون الأشهر الحرم مدة كافية لرجوع الحجيج إلى آفاقهم، وأما رجب فإنما حَرَّمته مُضر لأنه شهر العمرة.

فقوله: ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ أي في أشهر، لقوله بعده: ﴿ فمن فرض فيهن الحج ﴾ ولك أن تقدر: مدة الحج أشهر، وهو كقول العرب «الرطب شهرا ربيع».

والمقصود من قوله: ﴿ الحج أشهر ﴾ يحتمل أن يكون تمهيداً لقوله: ﴿ فلا رفث ولا فسوق ﴾ تهويناً لمدة تر ك الرفث والفسوق والجدال، لصعوبة ترك ذلك على الناس، ولذلك قُللت بجمع القلة، فهو نظير ما روى مالك في «الموطأ»: أن عائشة قالت لعروة بن الزبير يا ابن أختي إنما هي عشر ليال فإن تخلج في نفسك شيء فدعه، تعني أكل لحم الصيد، ويحتمل أن يكون تقريراً لما كانوا عليه في الجاهلية من تعيين أشهر الحج فهو نظير قوله: ﴿ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً ﴾ [التوبة: 36] الآية، وقيل: المقصود بيان وقت الحج ولا أَنثلج له.

والأَشهر المقصودة هي شوال وذو القعدة وذو الحجة لا غير، وإنما اختلفوا في أن ذا الحجة كله شهر أو العشر الأوائل منه أو التسع فقط، أو ثلاثة عشر يوماً منه، فقال بالأول ابن مسعود وابن عمر والزهري وعروة بن الزبير وهو رواية ابن المنذر عن مالك، وقال بالثاني ابن عباس والسدي وأبو حنيفة وهو رواية ابن حبيب عن مالك.

وقال بالثالث الشافعي، والرابع قول في مذهب مالك ذكره ابن الحاجب في «المختصر» غير معزو.

وإطلاق الأشهر على الشهرين وبعض الشهر عند أصحاب القولين الثالث والرابع مخرَّج على إطلاق الجمع على الاثنين أو على اعتبار العرب الدخول في الشهر أو السنة كاستكماله، كما قالوا: ابن سنتين لمن دخل في الثانية، وكثرة هذا الخلاف تظهر فيمن أوقع بعض أعمال الحج مما يصح تأخيره كطواف الزيارة بعد عاشر ذي الحجة، فمن يراه أوقعه في أيام الحج لم ير عليه دماً ومن يرى خلافه يرى خلافه.

وقد اختلفوا في الإهلال بالحج قبل دخول أشهر الحج، فقال مجاهد وعطاء والأوزاعي والشافعي وأبو ثور: لا يجزئ ويكون له عمرة كمن أحرم للصلاة قبل وقتها، وعليه: يجب عليه إعادة الإحرام من الميقات عند ابتداء أشهر الحج، واحتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ ، وقال أحمد: يجزئ ولكنه مكروه، وقال مالك وأبو حنيفة والنخعي: يجوز الإحرام في جميع السنة بالحج والعمرة إلاّ أن مالكاً كره العمرة في بقية ذي الحجة، لأن عمر بن الخطاب كان ينهى عن ذلك ويضرب فاعله بالدِّرة، ودليل مالك في هذا ما مضى من السنة، واحتج النخعي بقوله تعالى: ﴿ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ [البقرة: 189] إذ جعل جميع الأهلة مواقيت للحج ولم يفصل، وهذا احتجاج ضعيف، إذ ليس في الآية تعميم جميع الأهلة لتوقيت الحج بل مساق الآية أن جميع الأهلة صالحة للتوفيق إجمالاً، مع التوزيع في التفصيل فيوقت كل عمل بما يقارنه من ظهور الأهلة على ما تبينه أدلة أخرى من الكتاب والسنة.

ولاحتمال الآية عدة محامل في وجه ذكر أشهر الحج لا أرى للأئمة حجة فيها لتوقيت الحج.

وقوله تعالى: ﴿ فمن فرض فيهن الحج ﴾ تفريع على هاته المقدمة لبيان أن الحج يقع فيها وبيان أهم أحكامه.

ومعنى فرض: نوى وعزم، فنية الحج هي العزم عليه وهو الإحرام، ويشترط في النية عند مالك وأبي حنيفة مقارنتها لقول من أقوال الحج وهو التلبية، أو عمل من أعماله كسَوْق الهدي، وعند الشافعي يدخل الحج بنية ولو لم يصاحب قولاً أو عملاً وهو أرجح؛ لأن النية في العبادات لم يشترط فيها مقارنتها لجزء من أعمال العبادة، ولا خلاف أن السنة مقارنة الإهلال للاغتسال والتلبية واستواء الراحلة براكبها.

وضمير ﴿ فيهن ﴾ للأشهر، لأنه جمع لغير عاقل فيجري على التأنيث.

وقوله: ﴿ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ﴾ جواب من الشرطية، والرابط بين جملة الشرط والجواب ما في معنى ﴿ لا رفث ﴾ من ضمير يعود على (من)؛ لأن التقدير فلا يرفث.

وقد نفى الرفث والفسوق والجدال نفي الجنس مبالغة في النهي عنها وإبعادها عن الحاج، حتى جعلت كأنها قد نهي الحاج عنها فانتهى فانتفت أجناسها، ونظير هذا كثير في القرآن كقوله تعالى: ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ [البقرة: 228] وهو من قبيل التمثيل بأن شبهت حالة المأمور وقت الأمر بالحالة الحاصلة بعد امتثاله فكأنه امتثل وفعل المأمور به فصار بحيث يخبر عنه بأنه فَعَل كما قرره في «الكشاف» في قوله: ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ ، فأطلق المركب الدال على الهيئة المشبه بها على الهيئة المشبهة.

وقرأ الجمهور بفتح أواخر الكلمات الثلاث المنفية بلا، على اعتبار (لا) نافية للجنس نصاً، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع (رفث) و(فسوق) على أن (لا) أخت ليس نافية للجنس غير نص وقرآ (ولا جدال) بفتح اللام على اعتبار (لا) نافية للجنس نصاً وعلى أنه عطف جملة على جملة فروي عن أبي عمرو أنه قال: الرفع بمعنى لا يكون رفث ولا فسوق يعني أن خبر (لا) محذوف وأن المصدرين نائبان عن فعليهما وأنهما رفعا لقصد الدلالة على الثبات مثل رفع ﴿ الحمد لله ﴾ [الفاتحة: 2] وانتهى الكلام ثم ابتدأ النفي فقال: ﴿ ولا جدال في الحجعلى أن في الحج ﴾ خبر (لا)، والكلام على القراءتين خبرٌ مستعمل في النهي.

والرفث اللغو من الكلام والفحش منه قاله أبو عبيدة واحتج بقول العجاج: وَربِّ أَسْراببِ حجيججٍ كُظَّم *** عن اللَّغَا ورَفَثثِ التَّكَلُّم وفعله كنصر وفرح وكرم والمراد به هنا الكناية عن قربان النساء.

وأحسب أن الكناية بهذا اللفظ دون غيره لقصد جمع المعنيين الصريح والكناية، وكانوا في الجاهلية يتوقون ذلك، قال النابغة: حَيَّاككِ رَبِّي فإنَّا لاَ يحِلُّ لنا *** لَهْوُ النساءٍ وإِنَّ الدِّينَ قَدْ عَزَما يريد من الدين الحج وقد فسروا قوله: لهو النساء بالغزل.

وهذا خبر مراد به مبالغة النهي اقتضى أن الجماع في الحج حرام، وأنه مفسد للحج وقد بينت السنة ذلك بصراحة، فالدخول في الإحرام يمنع من الجماع إلى الإحلال بطواف الإفاضة وذلك جميع وقت الإحرام، فإن حصل نسيان فقال مالك هو مفسد ويعيد حجه إذا لم يمض وقوف عرفة، وإلاّ قضاه في القابل نظراً إلى أن حصول الالتذاذ قد نافى تجرد الحج والزهد المطلوب فيه بقطع النظر عن تعمد أو نسيان، وقال الشافعي في أحد قوليه وداود الظاهري: لا يفسد الحج وعليه هدي، وأما مغازلة النساء والحديث في شأن الجماع فذريعة ينبغي سدها، لأنه يصرف القلب عن الانقطاع إلى ذكر الله في الحج.

وليس من الرفث إنشاد الشعر القديم الذي فيه ذكر الغزل؛ إذ ليس القصد منه إنشاء الرفث، وقد حدا ابن عباس راحلته وهو محرم ببيت فيه ذكر لفظ من الرفث فقال له صاحبه حصين بن قيس: أترفُث وأنت محرم؟

فقال: إن الرفث ما كان عند النساء أي الفعل الذي عند النساء أي الجماع.

والفسوق معروف وقد تقدم القول فيه غير مرة، وقد قيل أراد به هنا النهي عن الذبح للأصنام وهو تفسير مروي عن مالك، وكأنه قاله لأنه يتعلق بإبطال ما كانوا عليه في الجاهلية غير أن الظاهر شمول الفسوق لسائر الفسق وقد سكت جميع المفسرين عن حكم الإتيان بالفسوق في مدة الإحرام.

وقرن الفسوق بالرفث الذي هو مفسد للحج يقتضي أن إتيان الفسوق في مدة الإحرام مفسد للحج كذلك، ولم أر لأحد من الفقهاء أن الفسوق مفسد للحج، ولا أنه غير مفسد سوى ابن حزم فقال في «المحلَّى»: إن مذهب الظاهرية أن المعاصي كلها مفسدة للحج، والذي يظهر أن غير الكبائر لا يفسد الحج وأن تعمد الكبائر مفسد للحج وهو أحرى بإفساده من قربان النساء الذي هو التذاذ مباح والله أعلم.

والجدال مصدر جادله إذا خاصمه خصاماً شديداً وقد بسطنا الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ [في سورة النساء: 107]، إذ فاتنا بيانه هنا.

واختلف في المراد بالجدال هنا فقيل السباب والمغاضبة، وقيل تجادل العرب في اختلافهم في الموقف؛ إذ كان بعضهم يقف في عرفة وبعضهم يقف في جمع وروي هذا عن مالك.

واتفق العلماء على أن مدارسة العلم والمناظرة فيه ليست من الجدال المنهي عنه، وقد سمعت من شيخنا العلامة الوزير أن الزمخشري لما أتم تفسير الكشاف } وضعه في الكعبة في مدة الحج بقصد أن يطالعه العلماء يحضرون الموسم وقال: من بدا له أن يجادل في شيء فليفعل، فزعموا أن بعض أهل العلم اعترض عليه قائلاً: بماذا فسرت قوله تعالى: ﴿ ولا جدال في الحج ﴾ وأنه وجم لها، وأنا أحسب إن صحت هذه الحكاية أن الزمخشري أعرض عن مجاوبته، لأنه رآه لا يفرق بين الجدال الممنوع في الحج وبين الجدال في العلم.

واتفقوا على أن المجادلة في إنكار المنكر وإقامة حدود الدين ليست من المنهي عنه فالمنهي عنه هو ما يجر إلى المغاضبة والمشاتمة وينافي حرمة الحج ولأجل ما في أحوال الجدال من التفصيل كانت الآية مجملة فيما يفسد الحج من أنواع الجدال فيرجع في بيان ذلك إلى أدلة أخرى.

وقوله: ﴿ وما تفعلوا خير يعلمه الله ﴾ عُقب به النهي عن المنهيات لقصد الاتصاف بأضداد تلك المنهيات فكأنه قال: لا تفعلوا ما نهيتم عنه وافعلوا الخير فما تفعلوا يعلمه الله، وأطلق علم الله وأريد لازمه وهو المجازاة على المعلوم بطريق الكناية فهو معطوف على قوله: ﴿ فلا رفث ﴾ الخ.

معطوف على جملة: ﴿ وما تفعلوا من خير يعلمه الله ﴾ باعتبار ما فيها من الكناية عن الترغيب في فعل الخير، والمعنى وأكثروا من فعل الخير.

والتزود إعداد الزاد وهو الطعام الذي يحمله المسافر، وهو تفعُّل مشتق من اسم جامد وهو الزاد كما يقال تَعَمَّم وتقَمَّص أي جعل ذلك معه.

فالتزود مستعار للاستكثار من فعل الخير استعداداً ليوم الجزاء شبه بإعداد المسافر الزاد لسفره بناء على إطلاق اسم السفر والرحيل على الموت.

قال الأعشى في قصيدته التي أنشأها لمدح النبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيها بعض ما يدعو النبي إليه أخذاً من هذه الآية وغيرها: إذا أنْتَ لم تَرْحَلْ بزاد من التقى *** ولاَقَيْتَ بعد الموت من قَد تَزودا نَدِمْتَ أَنْ لا تكونَ كمِثْلِه *** وأَنَّك لم تُرْصِدْ بما كان أرْصَدا فقوله: ﴿ فإن خير الزاد التقوى ﴾ بمنزلة التذييل أي التقوى أفضل من التزود للسفر فكونوا عليها أحرص.

ويجوز أن يستعمل التزود مع ذلك في معناه الحقيقي على وجه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه فيكون أمراً بإعداد الزاد لسفر الحج تعريضاً بقوم من أهل اليمن كانوا يجيئون إلى الحج دون أي زاد ويقولون نحن متوكلون على الله () فيكونون كلاً على الناس بالإلحاف.

فقوله: ﴿ فإن خير الزاد ﴾ الخ إشارة إلى تأكيد الأمر بالتزود تنبيهاً بالتفريع على أنه من التقوى لأن فيه صيانة ماء الوجه والعرض.

وقوله: ﴿ واتقون ﴾ بمنزلة التأكيد لقوله ﴿ فإن خير الزاد التقوى ﴾ ولم يزد إلا قوله ﴿ يا أولى الألباب ﴾ المشير إلى أن التوقى مما يرغب فيه أهل العقول.

والألباب: جمع لب وهو العقل، واللب من كل شيء: الخالص منه، وفعله لَبُب يلُب بضم اللام قالوا وليس في كلام العرب فَعُل يفعُل بضم العين في الماضي والمضارع من المضاعف إلا عذا الفعل حكاه سيبويه عن يونس وقال ثعلب ما أعرف له نظيراً.

فقوله ﴿ فإن خير الزاد التقوى ﴾ بمنزلة التذييل أي التقوء أفضل من التزود للسفر فكونوا عليها أحرص، وموقع قوله: ﴿ واتقون يا أولي الألباب ﴾ على احتمال أن يُرَاد بالتزود معناه الحقيقي مع المجازي إفادةُ الأمر بالتقوى التي هي زاد الآخرة بمناسبة الأمر بالتزود لحصول التقوَى الدنيوية بصَوْن العرض.

والتقوى مصدر اتقى إذا حذر شيئاً، وأصلها تقيي قلبوا ياءها واواً للفرق بين الاسم والصفة، فالصفة بالياء كامرأةٍ تَقْيَى كخَزْبى وصَدْيَى، وقد أطلقت شرعاً على الحذر من عقاب الله تعالى باتباع أوامره واجتناب نواهيه وقد تقدمت عند قوله تعالى: ﴿ هدى للمتقين ﴾ [البقرة: 2].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ﴾ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ شَوّالٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ بِأسْرِها، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وهو مَذْهَبُ مالِكٍ.

والثّانِي: هو شَوّالٌ، وذُو القِعْدَةِ، وعَشَرَةُ أيّامٍ مِن ذِي الحِجَّةِ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.

والثّالِثُ: هُنَّ شَوّالٌ وذُو القِعْدَةِ وعَشْرُ لَيالٍ مِن ذِي الحِجَّةِ، إلى طُلُوعِ الفَجْرِ مِن يَوْمِ النَّحْرِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والشَّعْبِيِّ، والسُّدِّيِّ، ونافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ، والضَّحّاكِ، والشّافِعِيِّ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإهْلالُ بِالتَّلْبِيَةِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ ومُجاهِدٍ وطاوُسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الإحْرامُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ وعَطاءٍ، والشّافِعِيِّ.

﴿ فَلا رَفَثَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الجِماعُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، والزُّهْرِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ الجِماعُ أوِ التَّعَرُّضُ لَهُ بِمُواعَدَةٍ أوْ مُداعَبَةٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الإفْحاشُ لِلْمَرْأةِ في الكَلامِ، كَقَوْلِكَ: إذا أحْلَلْنا فَعَلْنا بِكِ كَذا مِن غَيْرِ كِنايَةٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وطاوُسٍ.

﴿ وَلا فُسُوقَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ فِعْلُ ما نُهِيَ عَنْهُ في الإحْرامِ، مِن قَتْلِ صَيْدٍ، وحَلْقِ شَعْرٍ، وتَقْلِيمِ ظُفْرٍ، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.

والثّانِي: أنَّهُ السِّبابُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الذَّبْحُ لِلْأصْنامِ، وهو قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: التَّنابُزُ بِالألْقابِ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.

والخامِسُ: أنَّهُ المَعاصِي كُلُّها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وطاوُسٍ.

﴿ وَلا جِدالَ في الحَجِّ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: هو أنْ يُجادِلَ الرَّجُلُ صاحِبَهُ، يَعْنِي يَعْصِيهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ.

الثّانِي: هو السِّبابُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وقَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المِراءُ والِاخْتِلافُ فِيمَن هو أبَرُّهم حَجًّا، وهَذا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ اخْتِلافٌ كانَ يَقَعُ بَيْنَهم في اليَوْمِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ حَجُّهم، وهَذا قَوْلُ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ اخْتِلافُهم في مَواقِفِ الحَجِّ، أيُّهُمُ المُصِيبُ مَوْقِفَ إبْراهِيمَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والسّادِسُ: أنَّ مَعْناهُ ألّا جِدالَ في وقْتِهِ لِاسْتِقْرارِهِ، وإبْطالِ الشَّهْرِ الَّذِي كانُوا يَنْسَؤُونَهُ في كُلِّ عامٍ، فَرُبَّما حَجُّوا في ذِي القِعْدَةِ، ورُبَّما حَجُّوا في صَفَرٍ، وهَذا قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: تَزَوَّدُوا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ اليَمَنِ، كانُوا يَحُجُّونَ ولا يَتَزَوَّدُونَ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ وَتَزَوَّدُوا ﴾ ، يَعْنِي مِنَ الطَّعامِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في قوله: ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ شوال، وذو القعدة، وذو الحجة» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحج أشهر معلومات شوال، وذو القعدة، وذو الحجة» .

وأخرج الخطيب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في قوله تعالى ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ شوال، وذو القعدة، وذو الحجة» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عمر بن الخطاب ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ قال: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.

وأخرج الشافعي في الأم وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن نافع.

أنه سئل أسمعت عبد الله بن عمر يسمي شهور الحج؟

فقال: نعم، كان يسمّي شوالاً، وذا القعدة، وذا الحجة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس وعطاء والضحاك.

مثله.

وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عمر ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ قال: شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة.

وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن مسعود ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ قال شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي من طرق عن ابن عباس ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ قال: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، لا يفرض الحج إلا فيهن.

وأخرج ابن المنذر والدارقطني والطبراني والبيهقي عن عبد الله بن الزبير ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ قال: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن ومحمد وإبراهيم.

مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود.

أنه سئل عن العمرة في أشهر الحج فقال: الحج أشهر معلومات، ليس فيهن عمرة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن محمد بن سيرين قال: ما أحد من أهل العلم شك أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: قال عمر: افصلوا بين حجكم وعمرتكم، اجعلوا الحج في أشهر واجعلوا العمرة في غير أشهر الحج، أتم لحجكم ولعمرتكم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عون قال: سئل القاسم عن العمرة في أشهر الحج؟

فقال: كانوا لا يرونها تامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عمر في قوله: ﴿ فمن فرض فيهن الحج ﴾ قال: من أهلَّ فيهن الحج.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال: الفرض الإِحرام.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك.

مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن الزبير ﴿ فمن فرض فيهن الحج ﴾ قال: الإِهلال.

وأخرح ابن المنذر والدارقطني والبيهقي عن ابن الزبير قال: فرض الحج الإِحرام.

وأخرح ابن المنذر عن ابن عباس قال: الفرض الإِهلال.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري قال: الإِهلال الحج.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فمن فرض فيهن الحج ﴾ يقول: من أحرم بحج أو عمرة.

وأخرج الشافعي في الأم وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج من أجل قول الله: ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن خزيمة والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس قال: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج.

وأخرج ابن مردويه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج» .

وأخرج الشافعي في الأم وابن أبي شيبة والبيهقي عن جابر موقوفا.

مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء أنه قال لرجل قد أحرم بالحج في غير أشهر الحج: اجعلها عمرة فإنه ليس لك حج، فإن الله يقول ﴿ الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: فمن فرض فيهن الحج فلا ينبغي أن يلبي بالحج ثم يقيم بأرض.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر ﴿ فمن فرض فيهن الحج ﴾ قال: التلبية والإِحرام.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ﴿ فمن فرض فيهن الحج ﴾ قال: التلبية.

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس ﴿ فمن فرض فيهن الحج ﴾ قال: التلبية.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء وإبراهيم.

مثله.

وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وصححه عن خلاد بن السائب عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالاهلال والتلبية فإنها شعار الحج» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه عن زيد بن خالد الجهني.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جاءني جبريل فقال: مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعار الحج» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن الزبير قال: التلبية زينة الحج.

وأخرج الترمذي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وصححه عن أبي بكر الصديق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل؟

قال: «العج والثلج» .

وأخرج الترمذي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وصححه والبيهقي عن سهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ملب يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وههنا عن يمينه وشماله» .

وأخرج أحمد وابن ماجة عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من محرم يضحي لله يومه، يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه فعاد كما ولدته أمه» .

وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر «أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك» وكان ابن عمر يزيد فيها لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك والرغباء إليك والعمل.

وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس.

أن رجلاً أوقصته راحلته وهو محرم فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه ولا وجهه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً» .

وأخرج الشافعي عن جابر بن عبد الله قال: ما سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلبيته حجاً قط ولا عمرة.

وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: كان من تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم «لبيك إله الخلق لبيك» .

وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة عن سعد بن أبي وقاص.

أنه سمع بعض بني أخيه وهو يلبي: يا ذا المعارج.

فقال سعد: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج الشافعي عن خزيمة بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كان إذا فرغ من تلبية سأل الله رضوانه والجنة، واستعاذه برحمته من النار» .

وأخرج الشافعي عن محمد بن المنكدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من التلبية.

أما قوله تعالى: ﴿ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ﴾ .

أخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «في قوله: ﴿ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ﴾ قال: الرفث الاعرابة والتعريض للنساء بالجماع، والفسوق المعاصي كلها، والجدال جدال الرجل لصاحبه» .

وأخرج ابن مردويه والأصبهاني في الترغيب عن أبي أمامة قال «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ﴾ قال: لا جماع ولا فسوق.

قال: المعاصي والكذب» .

وأخرج وكيع وسفيان بن عيينة والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عباس في الآية: الرفث الجماع، والفسوق المعاصي، والجدال المراء.

وفي لفظ: أن تماري صاحبك حتى يغضبك أو تغضبه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: الرفث غشيان النساء والقبل والغمز وأن يعرض لها بالفحش من الكلام، والفسوق معاصي الله كلها، والجدال المراء والملاحاة.

وأخرج سفيان بن عيينة وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن طاوس قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿ فلا رفث ﴾ قال: الرفث الذي ذكر هنا ليس الرفث الذي ذكر في ﴿ أحل لكم ليلة الصيام الرفث ﴾ [ البقرة: 187] ذاك الجماع، وهذا العراب بكلام العرب، والتعريض بذكر النكاح.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي العالية قال: كنت أمشي مع ابن عباس وهو محرم وهو يرتجز بالإِبل ويقول: وهن يمشين بنا هميساً ** إن صدق الطير ننك لميسا فقلت: أترفث وأنت محرم؟

قال: إنما الرفث ما روجع به النساء.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عمر في الآية قال: الرفث الجماع، والفسوق المعاصي، والجدال السباب والمنازعة.

وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط عن ابن عمر في قوله: ﴿ فلا رفث ﴾ قال: غشيان النساء ﴿ ولا فسوق ﴾ قال: السباب ﴿ ولا جدال ﴾ قال: المراء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر في الآية فقال: الرفث اتيان النساء والتكلم بذلك للرجال والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم، والفسوق اتيان معاصي الله في الحرم، والجدال السباب، والمراء والخصومات.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: كان ابن عمر يقول للحادي: لا تعرض بذكر النساء.

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس أن عبد الله بن الزبير قال: إياكم والنساء فإن الاعراب من الرفث.

قال طاوس: وأخبرت بذلك ابن عباس فقال: صدق ابن الزبير.

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس.

أنه كره الاعراب للمحرم قيل: وما الاعراب؟

قال: أن يقول لو أحللت قد أصبتك.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في الآية قال: الرفث اتيان النساء، والجدال تماري صاحبك حتى تغضبه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والشيرازي في الألقاب عن ابن عباس في الآية قال: الرفث الجماع، والفسوق والمنابزة بالألقاب تقول لأخيك: يا ظالم يا فاسق، والجدال أن تجادل صاحبك حتى تغضبه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وعكرمة قالا: الرفث الجماع، والفسوق المعاصي، والجدال المراء.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك وعطاء.

مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: الرفث اتيان النساء، والفسوق السباب، والجدال المماراة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: الرفث الغشيان، والفسوق السباب، والجدال الاختلاف في الحج.

وأخرج الطبراني عن عبد الله بن الزبير في قوله: ﴿ فلا رفث ﴾ قال: لا جماع ﴿ ولا فسوق ﴾ لا سباب ﴿ ولا جدال ﴾ لا مراء.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ ولا جدال في الحج ﴾ قال: الجدال كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم.

وقال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولا جدال في الحج ﴾ قال: كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم، فقطعه الله حين أعلم نبيه بمناسكهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا جدال في الحج ﴾ قال: «لا شبهة في الحج ولا شك في الحج قد بين وعلم وقته، كانوا يحجون في ذي الحجة عامين وفي المحرم عامين، ثم حجوا في صفر من أجل النسيء الذي نسأ لهم أبو يمامة حين وافقت حجة أبي بكر في ذي القعدة قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم من قابل في ذي الحجة، فذلك حين يقول: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض» .

وأخرج سفيان بن عيينة وابن أبي شيبة عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا جدال في الحج ﴾ قال: صار الحج في ذي الحجة فلا شهر ينسئ.

وأخرج سفيان وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» .

وأخرج ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة.

مثله.

وأخرج عبد بن حميد في مسنده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قضى نسكه وقد سلم المسلمون من لسانه ويده غفر له ما تقدم من ذنبه» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما عمل أحبّ إلى الله من جهاد في سبيله، وحجة مبرورة متقبلة لا رفث ولا فسوق ولا جدال» .

وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عمل بين السماء والأرض بعد الجهاد في سبيل الله أفضل من حجة مبرورة، لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أسماء بنت أبي بكر قالت «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجاجاً، وكانت زاملتنا مع غلام أبي بكر، فجلسنا ننتظر حتى تأتينا، فاطلع الغلام يمشي ما معه بعيره فقال أبو بكر: أين بعيرك؟

قال: أضلني الليلة، فقام أبو بكر يضربه، ويقول: بعير واحد أضلك وأنت رجل؟

فما يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن تبسم وقال: انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال: لا ينظر المحرم في المرآة ولا يدعو على أحد، وإن ظلمه.

وأما قوله تعالى: ﴿ وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب ﴾ .

أخرج عبد بن حميد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن المنذر وابن حبان والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزوّدون، يقولون: نحن متوكلون، ثم يقدمون فيسألون الناس، فأنزل الله: ﴿ وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان ناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة يقولون: نحج بيت الله ولا يطعمنا.

فقال الله: ﴿ وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ ما يكف وجوهكم عن الناس.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها واستأنفوا زاداً آخر، فأنزل الله: ﴿ وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ فنهوا عن ذلك، وأمروا أن يتزوّدوا الكعك والدقيق والسويق.

وأخرج الطبراني عن الزبير قال: كان الناس يتوكل بعضهم على بعض في الزاد، فأمرهم الله أن يتزوّدوا فقال: ﴿ وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال: كان الناس من الأعراب يحجون بغير زاد ويقولون: نتوكل على الله، فأنزل الله: ﴿ وتزوّدوا...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ قال: كان أناس من أهل اليمن يحجون ولا يتزوّدون، فأمرهم الله بالزاد والنفقة في سبيل الله، وأخبرهم أن خير الزاد التقوى.

وأخرج سفيان بن عيينة وابن أبي شيبة عن عكرمة في قوله: ﴿ وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ قال: كان أناس يقدمون مكة بغير زاد في أيام الحج، فأمروا بالزاد.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ وتزوّدوا ﴾ قال: السويق والدقيق والكعك.

وأخرج وكيع وابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير ﴿ وتزوّدوا ﴾ قال: الخشكناتج والسويق.

وأخرج سفيان بن عيينة عن سعيد بن جبير ﴿ وتزوّدوا ﴾ قال: هو الكعك والزيت.

وأخرج وكيع وسفيان بن عيينة وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الشعبي قال: ﴿ وتزوّدوا ﴾ قال: الطعام التمر والسويق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حبان قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ وتزوّدوا ﴾ قام رجل من فقراء المسلمين فقال: يا رسول الله ما نجد زاداً نتزوّده.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تزوّد ما تكف به وجهك عن الناس، وخير ما تزودتم به التقوى» .

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن سفيان قال: في قراءة عبد الله ﴿ وتزوّدوا وخير الزاد التقوى ﴾ .

وأخرج الطبراني عن جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يتزوّد في الدنيا ينفعه في الآخرة» .

وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن الزبير بن العوّام «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: العباد عباد الله والبلاد بلاد الله، فحيث وجدت خيراً فأقم واتق الله» .

وأخرج أحمد والبغوي في معجمه والبيهقي في سننه والأصبهاني عن رجل من أهل البادية قال: «أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يعلمني مما علمه الله، فكان فيما حفظت عنه أن قال: إنك لن تدع شيئاً اتقاء الله إلا أعطاك الله خيراً منه» .

وأخرج أحمد والبخاري في الأدب والترمذي وصححه وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان والأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟

قال: تقوى الله وحسن الخلق، وسئل ما أكثر ما يدخل الناس النار؟

قال: الأجوفان: الفم والفرج» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن رجل من بني سليط قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يظلمه، التقوى هاهنا التقوى هاهنا وأومأ بيده إلى صدره» .

وأخرج الأصبهاني عن قتادة بن عياش قال: «لما عقد لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومي أتيته مودعاً له فقال: جعل الله التقوى زادك، وغفر ذنبك، ووجهك للخير حيث تكون» .

وأخرج الترمذي والحاكم عن أنس قال: «جاء رجل فقال: يا رسول الله إني أريد سفراً فزوّدني، فقال: زوّدك الله التقوى قال: زدني.

قال: وغفر ذنبك.

قال: زدني بأبي أنت وأمي.

قال: ويسر لك الخير حيثما كنت» .

وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد سفراً فقال: أوصني.

قال: أوصيك بتقوى الله والتكبير على كل شرف، فلما مضى قال: اللهم ازو له الأرض، وهوّن عليه السفر» .

وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن أبي بكر الصديق.

أنه قال في خطبته: الصدق أمانة، والكذب خيانة، أكيس الكيس التقى، وأنوك النوك الفجور.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن عمر بن الخطاب.

أنه كتب إلى ابنه عبد الله: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله، فإنه من اتقاه وفاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، واجعل التقوى نصب عينيك، وجلاء قلبك، واعلم أنه لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حسنة له، ولا مال لمن لا رفق له، ولا جديد لمن لا خلق له.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال: سألت الحسن ما زين القرآن؟

قال: التقوى.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن قتادة قال: مكتوب في التوراة: ابن آدم اتق الله ونم حيث شئت.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن وهب بن منبه قال: الإِيمان عريان ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وماله العفة.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن داود بن هلال قال: كان يقال: الذي يقيم به العبد وجهه عند الله التقوى، ثم يتبعه الورع.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عروة قال: كتبت عائشة إلى معاوية.

أما بعد فاتق الله فإنك إذا اتقيت الله كفاك الناس، وإذا اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئاً.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي حازم قال: ترصدني أربعة عشر عدواً، أما أربعة منها فشيطان يضلني، ومؤمن يحسدني، وكافر يقاتلني، ومنافق يبغضني.

وأما العشرة منها فالجوع، والعطش، والحر، والبرد، والعري، والهرم، والمرض، والفقر، والموت، والنار، ولا أطيقهن إلا بسلاح تام، ولا أجد لهم سلاحاً أفضل من التقوى.

وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن ابن أبي نجيح قال: قال سليمان بن داود عليهما السلام: أوتينا مما أوتي الناس ومما لم يؤتوا، وعلمنا مما علم الناس وما لم يعلموا، فلم نجد شيئاً هو أفضل من تقوى الله في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر.

وأخرج الأصبهاني عن زيد بن أسلم قال: كان يقال: من اتقى الله أحبه الناس وإن كرهوا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾ تقدير الآية عند النحويين على وجهين: أحدهما: أن التقدير: أشهُر الحج أشهر معلومات، ليكون (١) (٢) والثاني: أنّ التقدير: الحجُّ حجُّ أشهر مَعْلومات، أي: لا حج إلا في هذه الأشهر، ولا يجوز في غيرها، كما كان يفعله أهل الجاهلية، يستجيزونها في غيرها من الأشهر، فحذف المصدر المضاف إلى الأشهر.

ويمكن تصحيحُ الآيةِ من غير إضمار، وهو أنه جعل الأشهر الحج لمَّا كان الحج فيها، كقولهم: ليل نائم، لما (٣) ﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ  ﴾ ، ألا تَرَى أن الحجَّ في الأشهر، كما أن الموعدَ في اليوم، إلا أنه اتسع فيه، فجعل الأول لما كان فيه، كذلك جعل الحج الأشهر على الاتساع، لكونه فيها وكثرته من الفاعلين له (٤) (٥) وكما قال مُتَمِّم (٦) لَعَمْري وما دَهْرِي بَتَأبِيْنِ هَالكٍ ...

ولا جَزعٍ مما أَصَاب فَأَوجَعَا (٧) ألا ترى أنه قد جعل دَهره الجزع في قوله: ولا جزعٍ، أي: وما دهري بجزع.

والأشهرُ بمنزلة الدهر (٨) والمراد بالأشهر، هاهنا، عند جميع المفسرين: شَوَّالٌ وذو القَعْدة وتسع من ذي الحِجَّة، ويقال: عشر من ذي الحجة، فمن قال: وتِسْع، أراد الأيام؛ لأن يوم عرفة وهو اليوم التاسع من ذي الحجة آخر هذه الأشهر (٩) (١٠) (١١) وإنما قال: أشهر، لشهرين وبعض الثالث؛ لأن الاثنين قد يوقع عليها (١٢) (١٣) ﴿ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ  ﴾ .

وإنما يريد عائشةَ وصَفْوان، وكذلك قوله: ﴿ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ  ﴾ ، يريد: داودَ وسليمانَ، وقال: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا  ﴾ .

وقال الشاعر: ظَهْرَاهُمَا (١٤) (١٥) (١٦) وقال ابن الأنباري: العرب توقع الوقت الطويل على الوقت اليسير، فيقولون: قُتل ابن الزبير زمان الحجاج أمير، وإنما كان القتل في أقصر وقت، فجاز على هذا وقوع الأشهر على أقل منها، ويقولون: أتيتك يوم الخميس، وإنما أتاه (١٧) (١٨) وقال عروة بن الزبير (١٩) (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ مَعْلُومَاتٌ ﴾ أي: أشهر مُؤَقَّتَةٌ معينة، لا يجوز فيها ما كان يفعلُه أهلُ الجاهلية من التبديل بالتقديم والتأخير، الذي كان يفعله النَّسَأة الذين أنزل فيهم ﴿ إِنَمَا النَّسِىَءُ ﴾ الآية [التوبة: 37].

قال ابن عباس في هذه الآية: جعلهن سبحانه للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلح لأحد (٢٢) (٢٣) وهذا مذهب الشافعي رحمه الله قال: من أراد أن يحرم بالحج لم يصح إحرامه بالحج إلا في أشهر الحج، فإن أحَرْم في غير أشهر الحج انعقد إحرامه عمرة؛ لأن الله تعالى خَصَّ هذه الأشهر بفرض الحج فيها، وجعلها وقتًا للحج (٢٤) وعند أبي حنيفة: إذا أحرم بالحج في غير أشهر الحج كُرِه ذلك، ويجزيه (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ﴾ .

قال المفسرون: أي: من أوجب على نفسه فيهن الحج بالإحرام والتلبية (٢٦) قال ابن الأعرابي: الفرض: الحز (٢٧) (٢٨) (٢٩) ﴿ سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا  ﴾ ، بالتخفيف (٣٠) ﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ  ﴾ وهذا أيضًا راجع إلى معنى القطع؛ لأن من قطع شيئًا أبانه عن غيره، والله تعالى إذا فرض شيئًا أبانه، وبان ذلك الشيء عن غيره.

(فرض) بمعنى: أوجب، وفرض بمعنى: أبان، كلاهما يَرْجِع إلى أصل واحد على ما بينا (٣١) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ ذكرنا معنى الرفث عند قوله: ﴿ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ  ﴾ ، وأما معناه في هذه الآية، فذهب ابن عباس (٣٢) (٣٣) قالت طائفة (٣٤) (٣٥) وهُنَّ يَمْشِينَ بنا هَمِيسا ...

إن تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِك لَمِيسَا (٣٦) فقيل له: تَرفث وأنت محرم؟

فقال: إنما الرفث ما قيل عند النساء (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا فُسُوقَ ﴾ قال ابن عباس (٣٨) (٣٩) وقال ابن زيد: هو الذبح للأصنام، قُطِعَ ذلك بالنبي  حين حج فعلَّم أُمتَه المناسكَ (٤٠) (٤١) (والجدال) يقال: من المجادلة، وأصلها (٤٢) (٤٣) قال ابن عباس (٤٤) (٤٥) ﴿ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ : هو أن يجادل صاحبه ويُمَارِيَه حتى يغضبه، نُهِي المحرمُ عن هذا.

وقال مجاهد (٤٦) (٤٧) (٤٨) قال أهل المعاني: ظاهر الآية نفي ومعناها نهي، أي: ولا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا، كقوله عز وجل: ﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ  ﴾ ، أي: لا ترتابوا (٤٩) واختلف القُرَّاء في هذه الآية، فقرأ (٥٠) (٥١) والأصل في هذا الباب: أن "لا" تَنْصِبُ النكراتِ خاصّةً بلا تنوين، ولا تعمل في المعارف شيئًا؛ لأنها جواب ما لا يكون إلا نكرة، وذلك أنك تسأل فتقول: هل من رجلٍ عندك؟

وهل من غلامٍ لك، فتقول: لا رجلَ عندي، ولا غلامَ لي، فكان الجواب منكّرًا مثل السؤال، والخافض والمخفوض في السؤال بمنزلة شيء واحد لا ينفصل أحدُهما عن صاحبه، فكذلك جعلت (لا) وما عَمِلتْ فيه بمنزلة شيء واحد، وحذفت منه التنوين، كما حذفت من خمسة عشر.

ويجوز أن يكون العامل والمعمول فيه بمنزلة شيء واحد، كقولهم: يا ابن أمِّ، فالابن عامل في الأم؛ لأنه مضاف إليها، فجعلا بمنزلة اسم واحد وبُنِيا.

هذا وجه النصب بلا (٥٢) فإن رفعتَ بها، فقلت: لا رجلٌ عندك (٥٣) (٥٤) فَأَنَا ابْنُ قَيْس لا بَرَاحُ (٥٥) تالله لولا أنْ تَحُشَّ (٥٦) (٥٧) فإن كررت (لا) كقولك: لا درهم ولا دينار، جاز لك فيه (٥٨) (٥٩) فإن قدرت الاسم بعدها مرفوعًا بالابتداء، جاز في قول سيبويه أن يكون (في الحج) خبرًا عن الأسماء الثلاثة، لاتفاق الأسماء في ارتفاعها بالابتداء.

أما قوله ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ ﴾ فبين (٦٠) ﴿ وَلَا جِدَالَ ﴾ فإن (لا) مع ﴿ جِدَالَ ﴾ في موضع رفع، فقد اتفقت الأسماء في ارتفاعها بالابتداء، فلا يمنع من أن يكون قوله: (في الحج) خبرًا عنها (٦١) (٦٢) ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ ﴾ خبرًا، لأن من شأن العرب إذا رفعت ما بعد لا وكانت لا بمنزلة ليس، حذف الخبر.

وإضماره كالبيتين الذين أنشدناهما، فقوله: لا براحُ، تقديره: لا براحٌ من هاهنا، ويكون قوله: (في الحج) خبرا عن (لا جدال) (٦٣) فأما من فتح فقال: ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ ﴾ فحجته أنه أشد مطابقة للمعنى المقصود، ألا تري أنه إذا فتح فقد نفى جميع الرفث والفسوق، كما أنه إذا قال: ﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ  ﴾ ، فقد نفى جميع هذا الجنس، وإذا رَفَع وَنَوَّنَ كان المنفي الواحدَ منه، ألا ترى أن سيبويه يرى (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) (٦٩) (٧٠) ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ ﴾ ولم يختلفوا في نصب (لا جدال).

وذلك أن الرفث والفسوق متفقان في المعنى وهو النهي، كأنه قيل: لا ترفثوا ولا تفسقوا، والجدال مخالف لهما في المعنى؛ لأن معنى لا جدال في الحج أي: الحج في ذي الحجة (٧١) (٧٢) (٧٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ قال أهل المعاني: معناه: يجازيكم الله العالم به، إلا أنه جعل ﴿ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ في موضع يجازيه؛ لأن المجازاة إنما تقع من عالم بالشيء، وفيه: حث لهم على فعل الخيرات، وأن الله تعالى ليس بغافل عنهم وعن مجازاتهم، ومتى علم العامل أن الذي يُعْملُ له العملُ يعلم ذلك وليس بغافل عنه كان أحرصَ على عمله (٧٤) وقوله تعالى: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ نزلت في ناس من أهل اليمن كانوا يحجون بغير زاد، ويقولون: نحن متوكلون، ثم كانوا يسألون الناس، وربما ظلموهم وغصبوهم، فأمرهم الله سبحانه أن يتزودوا (٧٥) ﴿ وَتَزَوَّدُوا ﴾ ما تتبلغون به ﴿ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ ما تكفُّون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم.

وفي هذا حَثٌّ على التزود للآخرة، وتنبيهٌ عليه (٧٦) (٧٧) إذا أنْتَ لم تَرْحَلْ بزَادٍ من التُّقَى ...

ولاقيتَ بعدَ المَوْتِ من قَدْ تَزَوَّدَا نَدِمْتَ على أن لا تكونَ كمِثْله ...

وأنكَ لم تَرْصُدْ كما كان أرْصَدَا (٧٨) (١) في (ش) (أي ليكون).

(٢) قال مكي في "مشكل إعراب القرآن" 1/ 123: ولولا هذا الإضمار لكان القياس نصب (أشهر) على الظرف، كما تقول: القتال اليوم، والخروج الساعةَ.

(٣) في (ش) ولما.

(٤) ليست في (أ) ولا (م).

(٥) في (ش) (اذكرت فانماهن).

(٦) هو: متمم بن نويرة بن جمرة بن ثعلبة بن يربوع، أبو نهشل، صحابي شاعر فحل، اشتهر في الجاهلية والإسلام، أشهر شعره رثاء أخيه مالك، توفي سنة 35 هـ انظر: "أسد الغابة" 5/ 52، 58، "الشعر والشعراء" ص 209.

(٧) البيت في "ديوانه" ص 106، "لسان العرب" 1/ 13 (أبن)، 3/ 1440 (دهر).

(٨) ينظر: في إعراب الآية: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 123، "التبيان" ص 123، "البحر المحيط" 2/ 84، "الدر المصون" 2/ 322، وقال أبو حيان والحج أشهر: مبتدأ وخبر، ولابد من حذف؛ إذ الأشهر ليست الحج، وذلك الحذف إما في المبتدأ، فالتقدير: أشهر الحج، أو وقت الحج، أو في الخبر، أي: الحج حج أشهر، أو يكون الأصل: في أشهر، فاتسع فيه، وأخبر بالظرف عن الحج.

ثم رد على ابن عطية قوله بالإلزام بالنصب في الحالة الثالثة.

(٩) ذكره الشافعي في "أحكام القرآن" ص127، "مختصر المزني" 8/ 159، "المجموع" 7/ 143.

(١٠) وهذا قول ابن عباس وابن الزبير وابن سيرين ومجاهد والحسن وعطاء والشعبي وطاوس والنخعي وقتادة ومكحول والسدي والضحاك وأبو حنيفة والشافعي، وابن حبيب عن مالك، وروي عن ابن مسعود وابن عمر، وهو اختيار الطبري.

ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 257 - 260، "تفسير البغوي" 1/ 225، "البحر المحيط" 2/ 85.

(١١) أما لفظ عشر من ذي الحجة، فقد ورد عن جماعة من الصحابة: عبد الله بن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير -  - وجماعة من التابعين.

ينظر: "سنن سعيد بن منصور" 3/ 783 - 791، "المصنف" لابن أبي شيبة، (القسم الأول من الجزء الرابع ص 218)، "تفسير الطبري" 2/ 257، "سنن الدارقطني" 2/ 226، "تفسير الثعلبي" 2/ 516.

وأما لفظ تسع، فلم أعثر عليه في شيء من الأحاديث والآثار، لكن ذكرها المفسرون والفقهاء في معرض الخلاف في أشهر الحج، وذكرها الشافعي في "أحكام القرآن" له ص 127، وفي "المجموع" 7/ 143، والمؤلف رحمه الله تابع الثعلبي على هذا.

ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 516.

(١٢) في (ش) (عليه).

(١٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 518، "تفسير البغوي" 1/ 225، "تفسير القرطبي" 2/ 382، "المدخل لعلم تفسير كتاب الله" للحدادي ص 280.

(١٤) في (ش) (ظهورهما).

(١٥) في (ش) (الريسين).

(١٦) صدر البيت: ومهمهين قذفين مرتين ينظر: "الكتاب" لسيبويه 2/ 48، وفيه قال الراجز هو خطام المجاشعي، "الخزانة" 2/ 314، "البيان" 2/ 446.

وينظر: "الوسيط" للواحدي 1/ 300.

(١٧) في (م) أتوه.

(١٨) وينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 119، "تفسير الطبري" 2/ 260، "تفسير الثعلبي" 2/ 517، قال الفراء: وكذلك تقول العرب: له اليوم يومان منذ لم أره، وإنما هو يوم وبعض آخر، وهذا ليس بجائز في غير المواقيت؛ لأن العرب قد تفعل الفعل في أقل من الساعة ثم يوقعونه على اليوم.

(١٩) هو: أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أخو عبد الله بن الزبير، وأمهما أسماء بنت أبي بكر -  م- ثقة مشهور، من أفاضل التابعين وعبادهم، توفي سنة 94 هـ انظر: "السير" 4/ 421، "تقريب التهذيب" ص 389 (4561).

(٢٠) ذكره الثعلبي عنه 2/ 518، البغوي في "تفسيره" 1/ 225، والرازي في "تفسيره" 1/ 173، ولم يذكره أحد من أصحاب الكتب المسندة في التفسير، وروى سعيد بن منصور في "السنن" 3/ 791 عن عروة بن الزبير قال: قال عمر بن الخطاب  (الحج أشهر معلومات) قال: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، وعزاه السيوطي في "الدر" 1/ 393 إلى ابن المنذر، وهذا قول ابن مسعود وابن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد والزهري والربيع ومالك.

ينظر: "البحر المحيط" 2/ 85.

(٢١) "تفسير الثعلبي" 2/ 518.

(٢٢) سقطت من (ش).

(٢٣) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 257 - 258 من طريق علي بن أبي طلحة عنه، ورواه الشافعي في "الأم" 2/ 169، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 345، والنحاس في "معاني القرآن" 1/ 130 من طريق عكرمة، ورواه البخاري معلقا 2/ 183 معلقا مجزوما به، ووصله ابن خزيمة في "تفسيره" 4/ 162، والحاكم في "تفسيره" 1/ 616، وصححه، من طريق مقسم، عن ابن عباس بنحوه مختصرًا.

(٢٤) ينظر: "الأم" 2/ 168، "المجموع" 7/ 140، "تفسير البغوي" 1/ 226، "تفسير القرطبي" 2/ 383، وهذا القول على التقدير في الآية: الحج حج أشهر معلومات، وبه قال ابن عباس وجابر وعطاء ومجاهد وطاوس والأوزاعي وأبو ثور، وقال الأوزاعي: يحل بعمرة، وقال أحمد: هذا مكروه، وروي هذا القول عن مالك، والمشهور عنه القول الآخر.

(٢٥) وبه قال النخعي والثوري، والمشهور من مذهب مالك، وهذا القول على أن التقدير في الآية: أشهر الحج أشهر معلومات.

ينظر: "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 300، "شرح فتح القدير" 3/ 16، "تفسير الثعلبي" 2/ 519، "تفسير البغوي" 1/ 226، "تفسير القرطبي" 2/ 383.

(٢٦) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 260 - 262، "تفسير الثعلبي" 2/ 520، "تفسير القرطبي" 2/ 383، وقد بين الطبري أن أهل التأويل اختلفوا في المعنى الذي يكون به الرجل فارضا الحج بعد إجماع جميعهم على أن معنى الفرض: الإيجاب والإلزام، فقال بعضهم: فرض الحج: الإهلال، وقد رواه عن ابن عمر وعطاء ومجاهد وطاوس والثوري والقاسم بن محمد، وبه قال أبو حنيفة، وابن حبيب من المالكية، وهو قول الظاهرية، وقال آخرون فرض الحج: إحرامه، وقد رواه عن ابن عباس والحسن وقتادة والنخعي والضحاك، وهذا قول الشافعي والحسن بن حي.

ثم رجح القول الثاني، وبين سبب الترجيح.

(٢٧) في (م) كأنها (الجز).

(٢٨) في ليست في (م).

(٢٩) نقله عن ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" 3/ 771 فرض.

(٣٠) قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2771 "فرض": (وفرضناها) فمن خفف أراد: ألزمناكم العمل بما فرض فيها، ومن ضدد فعلى وجهين: أحدهما التكثير على معنى: إنا فرضنا فيها فروضا، ويكون على معنى بينا وفصلنا ما فيها من الحلال والحرام والحدود.

(٣١) ينظر في الفرض "تهذيب اللغة" 3/ 2771 "فرض"، "المفردات" 378، "عمدة الحفاظ" 3/ 258 - 259.

(٣٢) رواه الثوري في "تفسيره" ص 63، وسعيد بن منصور في "السنن" 3/ 799، وأبو يعلى في "مسنده" 5/ 98، والطبري في "تفسيره" 2/ 265، وابن أبي حاتم في " تفسيره" 1/ 346 وغيرهم.

(٣٣) ذكر الطبري القول بذلك عن ابن مسعود وابن عمر والحسن وعطاء ومجاهد وعكرمة وعمرو بن دينار وقتادة وسعيد بن جبير والسدي والربيع والنخعي والضحاك.

ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 265 - 267، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 346، "تفسير الثعلبي" 2/ 523.

(٣٤) ذكر الطبري القول بذلك عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومحمد بن كعب القرظي وطاوس وابنه وعطاء.

ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 263 - 264، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 346، وقد رجح الطبري أن الرفث شامل للقولين، وقال أبو حيان في البحر 2/ 87: وملخص هذه الأقوال أنها دائرة بين شيء يفسده، وهو الجماع، أو شيء لا يليق لمن كان متلبسا بالحج لحرمة الحج.

(٣٥) في (م) التعرض.

(٣٦) البيت ذكره الفراء في: "معاني القرآن" 2/ 192، وقال: تمثل به ابن عباس، وذكره الحربي في "غريب الحديث" ولم ينسبه 3/ 111، وقال شاكر في تعليقه على "تفسير الطبري" 4/ 126: لم أعرف قائله وهو رجز كثير الدوران في الكتب.

والهمس، والهميس: صوت نقل أخفاف الإبل، والصوت الخفي الذي لا غور له في الكلام، والوطء والأكل وغيرها، ولميس: اسم صاحبته، ويريد بقوله: إن تصدق الطير: أنه زجر الطير فتيامن بمرها، ودلته على قرب اجتماعه بأصحابه وأهله.

(٣٧) رواه سعيد بن منصور في "السنن" 3/ 806، والطبري في "تفسيره" 2/ 263 من طريق أبي حصين بن قيس، وهو القائل لابن عباس: ترفث وأنت محرم؟

ومن طريق أبي العالية الرياحي، ورواه الحاكم 2/ 303 وصححه وعنه البيهقي في "تفسيره" 5/ 67 من طريق الأعمش.

(٣٨) رواه سعيد بن منصور في "السنن" 3/ 799، وأبو يعلى 5/ 98، والطبري في "تفسيره" 2/ 269، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 347.

(٣٩) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 269، عن عطاء والحسن وطاوس ومجاهد والقرظي وابن جبير وإبراهيم النخعي والربيع وعكرمة.

قال ابن عطية في: "المحرر الوجيز" 2/ 169: وعموم المعاصي أولى الأقوال.

(٤٠) رواه الطبري، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 347 نحوه عن مالك، وينظر: "الموطأ" 1/ 389.

(٤١) ذكر الطبري رحمه الله 2/ 270 قولين آخرين أحدهما: أن الفسوق في هذا الموضع: ما عصي الله به في الإحرام مما نهى عنه فيه من قتل صيد وأخذ شعر، ورواه عن ابن عمر.

والثاني: السباب، ورواه عن ابن عمر وابن عباس ومجاهد والسدي وإبراهيم وعطاء بن يسار.

وينظر: "النكت والعيون" 1/ 259، "تفسير الثعلبي" 2/ 528.

(٤٢) في (م) وأصله.

(٤٣) ينظر في المجادلة: "تهذيب اللغة" 1/ 560 - 561 "جدل"، "المفردات" 97، وذكر الراغب في تسمية المخاصمة مجادلة قولا آخر فقال: "وقيل: الأصل في الجدال: الصراع، وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة، وهي الأرض الصلبة" وذكر السمين في عمدة الحفاظ 1/ 359 قولا ثالثا، وهو: أن أصله من القوة، فكان كُلًّا من المتجادلين يقوي قوله ويضعف قول صاحبه.

(٤٤) رواه عنه سعيد بن منصور في "السنن" 3/ 799، وابن أبي شيبة في "المصنف"، القسم الأول من الجزء الرابع ص 157، وأبو يعلى 5/ 98، والطبري في "تفسيره" 2/ 271، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 348.

(٤٥) روى الطبري في "تفسيره" 2/ 272، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 348 هذا القول عن عطاء وابن جبير ومجاهد وعمرو بن دينار والحسن والربيع والضحاك والنخعي وعطاء بن يسار وعكرمة والزهري وقتادة.

(٤٦) رواه الطبري في "تفسيره" عنه من عدة طرق 2/ 274 - 275، ورواه عن السدي وابن عباس، ورجحه الطبري في "تفسيره" 2/ 275 - 276، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 169، ويرى الزجاج في "تفسيره" 1/ 270 أن كلا من القولين صواب.

(٤٧) "مجاز القرآن" 1/ 70.

(٤٨) ذكر الطبري في "تفسيره" 2/ 270، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 349 أقوالا أخر، فمنهم من قال: الجدال: السباب، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس وقتادة، ومنهم من قال: الجدال: اختلافهم فيمن هو أتم حجا من الحُجاج، وهو مروي عن محمد بن كعب القرظي، ومنهم من قال: الجدال: اختلافهم في اليوم الذي يكون فيه الحج، فنهوا عن ذلك، وهو مروي عن القاسم بن محمد، وقيل: بل اختلافهم في أمر مواقف الحج أيهم المصيب موقف إبراهيم، قاله ابن زيد.

وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 530، "النكت والعيون" 1/ 259، "زاد المسير" 1/ 211، "تفسير البغوي" 1/ 227، "البحر المحيط" 2/ 88 (٤٩) من "تفسير الثعلبي" 2/ 531، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 227، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 128، "المدخل" للحدادي ص 465.

(٥٠) في (ش) وقرأ.

(٥١) قرأ ابن كثير المكي وأبو عمرو ويعقوب برفع الثاء والقاف مع التنوين، ووافقهم أبو جعفر، وانفرد بتنوين جدال مع الرفع، والباقون بـ (الفتح) بلا تنوين في الثلاث.

ينظر: "السبعة" ص 108، "النشر" 2/ 211، "البحر المحيط" 2/ 88.

(٥٢) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 2/ 274 - 275.

(٥٣) في (م) عندي.

(٥٤) في (ش) لا ثوب.

(٥٥) شطره الأول: "من صد عن نيرانها".

والبيت لسعد بن مالك بن ضبيعة من قيس ثعلبة.

ينظر: "الكتاب" لسيبويه 1/ 58، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 270، "الخزانة" 1/ 223، "المقتضب" 4/ 360، وفي رواية: من فر نيرانها، أي: نيران الحرب وشدتها، ومعنى: لا براح: أي لا براح لي ولا تحول، ولا أهرب منها، وابن قيس: سمى نفسه باسم جده لشهرته.

(٥٦) في (ش) تخش وفي (م) كأنها (يخش).

(٥٧) البيت في "الديوان" ص 14، "أمالي الشجري" 1/ 282، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 270.

(٥٨) في (ش): ولا دينار لك جاز فيه الوجهان.

(٥٩) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 2/ 274، 2/ 303، وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 270 - 271، "معاني القرآن" للفراء 1/ 120 - 121.

(٦٠) في (م) فهن.

(٦١) من "الحجة" لأبي علي 2/ 289 - 290، وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 271.

(٦٢) سقطت من (أ)، (م).

(٦٣) "الحجة" لأبي علي 2/ 290 بتصرف، وقال أبو حيان في "البحر" 2/ 88: قيل: ويجوز أن تكون لا عاملة عمل ليس، فيكون في الحج في موضع نصب، وهذا الوجه جزم به ابن عطية فقال: ولا، في معنى ليس، في قراءة الرفع، وهذا الذي جوزه وجزم به ابن عطية ضعيف؛ لأن إعمال ليس قليل جدا لم أجد منه في لسان إلا ما لا بال له، ثم ذكر أربع شواهد، ثم قال: وهذا كله يحتمل التأويل، وعلى أن يحمل على ظاهره، لا ينتهي من الكثرة بحيث تبنى عليه القواعد فلا ينبغي أن يحمل عليه كتاب الله الذي هو أفصح الكلام وأجله، ويعدل عن الوجه الكثير الفصيح.

(٦٤) "الكتاب" لسيبويه 1/ 295.

(٦٥) من قوله: فهو جواب ...

ساقط من (ش).

(٦٦) في "الحجة": لأن النفي قد عم.

(٦٧) "الحجة" لأبي علي 2/ 291، قال العكبري في "التبيان" ص 124: "الفتح" في الجميع أقوى لما فيه من نفي العموم.

(٦٨) في (م) (النحوي).

(٦٩) في (م) (لا) وفي (أ) (هل).

(٧٠) "الحجة" لأبي علي 2/ 291 - 292.

(٧١) في (ش) معنى لا جدال النفي أي لا جدال أي الحج في ذي الحجة.

(٧٢) في (ش) (كمخالفة) وفي (م) (للمخالفة).

(٧٣) ينظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 123 - 124، "البحر المحيط" 2/ 88 - 90، وقد تعقب أبو حيان في "تفسيره" 2/ 90 الزمخشري في دعواه أن قراءة أبي عمرو وابن كثير: (لا رفث ولا فسوق)، بالرفع، (لا جدال)، بالنصب، بأنهما حملا الأولين على النهي، والثالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال، كأنه قيل: ولا شك ولا خلاف في الحج، فقال: الرفع والبناء لا يقتضيان شيئا من ذلك، بل لا فرق بين الرفع والبناء في أن ما كانا فيه كان مبنيا، وأما أن الرفع يقتضي الابتداء والبناء يقتضي الخبر فلا، ثم قراءة الثلاثة بالرفع، وقراءتها كلها بالبناء يدل على ذلك، غاية ما فرق بينهما أن قراءة البناء نص على العموم، وقراءة الرفع مرجحة له، فقراءتهما الأولين بالرفع، والثالث بالبناء على الفتح إنما ذلك سنة متبعة، إذا لم يتأد ذلك إليهما إلا على هذا الوجه من الوجوه الجائزة في العربية في مثل هذا التركيب.

ثم بيَّن رحمه الله الخلاف في الآية هل يراد بها النفي حقيقة فيكون إخبارا، أو صورتها صورة النفي والمراد به النهي، ورجح الثاني.

(٧٤) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 278، "تفسير الثعلبي" 2/ 536، "المحرر الوجيز" 2/ 169، "البحر المحيط" 2/ 92، "التفسير الكبير" 5/ 182.

(٧٥) وردت هذه القصة عن جمع من السلف، أشهرهم ابن عباس، روى حديثه البخاري (1523) كتاب الحج، باب: قوله تعالى.

وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، وأبو داود (1730) كتاب المناسك، باب: التزود في الحج، والنسائي في "تفسيره" 1/ 245، والطبري في "تفسيره" 2/ 278، والخلال في "الحث على التجارة" ص147، والواحدي في "أسباب النزول" ص 63، عن عكرمة عن ابن عباس، وذكر الطبري الرواية بذلك عن ابن عمر وابن عباس وعكرمة، والنخعي وابن زيد ومجاهد، دون ذكر لقوم معينين، وذكر الرواية بتعيين أهل اليمن عن مجاهد والحسن والربيع وقتادة.

ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 278 - 281، "تفسير الثعلبي" 2/ 536.

(٧٦) "تفسير الثعلبي" 2/ 527، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 281، "المحرر الوجيز" 2/ 172، "التفسير الكبير" 5/ 182 - 183، "تفسير القرطبي" 2/ 388 - 389.

(٧٧) قال القرطبي في "تفسيره" 2/ 389.

أخبر تعالى أن خير الزاد اتقاء المنهيات، فأمرهم أن يضموا إلى التزود التقوى، وجاء قوله: فإن خير الزاد التقوى، محمولًا على المعنى؛ لأن معنى (وتزودوا): اتقوا الله في اتباع ما أمركم به من الخروج بالزاد، وقيل: يحتمل أن يكون المعنى فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من التهلكة أو الحاجة إلى السؤال والتكفف، وقيل: فيه تنبيه على أن هذه الدار ليست بدار قرار.

وبين أبو حيان أن الأقوال ثلاثة: أحدها: أنه أمر بالتزود في أسفار الدنيا.

والثاني: أنه أمر بالتزود لسفر الآخرة، واختار هذا القول؛ لدلالة السباق واللحاق.

والثالث: أنه أمر بالتزود في السفرين، كأن التقدير: وتزودوا ما تنتفعون به لعاجل سفركم وآجله.

(٧٨) البيتان للأعشى من قصيدة يمدح بها رسول الله  ، "ديوان الأعشى" ص 46.

وذكرها الثعلبي في "تفسيره" 2/ 538.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الحج أَشْهُرٌ ﴾ التقدير: أشهر الحج أشهر، أو الحج في أشهر وهي: شوّال، وذو القعدة، وذو الحجة، وقيل: العشر الأول منه، وينبني على ذلك أن من أخر طواف اففاضة إلى آخر ذي الحجة: فعليه دم على القول بالعشر الأول، ولا دم عليه على قول بجميع الشهر، واختلف فيمن أحرم بالحج قبل هذه الأشهر، فأجازه مالك على كراهة.

ولم يجزه الشافعي وداود لتعيين هذا الاسم كذلك؛ فكأنها كوقت الصلاة ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج ﴾ أي ألزم بالحج نفسه ﴿ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ ﴾ الرفث: الجماع، وقيل الفحش من الكلام، والفسوق: المعاصي، والجدال: المراء مطلقاً، وقيل: المجادلة في مواقيت الحج، وقيل: النسيء الذي كانت العرب تفعله ﴿ وَتَزَوَّدُواْ ﴾ قيل: احملوا زاداً في السفر، وقيل: تزوّدوا للاخرة بالتقوى، وهو الأرجح لما بعده.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فلا رفث ولا فسوق ﴾ بالرفع فيهما: أبو عمرو ويعقوب وابن كثير ويزيد.

وزاد يزيد ﴿ ولا جدال ﴾ بالرفع.

الباقون: بفتح الثلاثة وكذلك يروي القطعي عن أبي زيد من طريق الحسن الهاشمي، ﴿ واتقون ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.

وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل بالياء.

﴿ ومن تأخر ﴾ روى هبة الله بن جعفر عن الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف بالتليين.

الوقوف: ﴿ معلومات ﴾ ط ﴿ في الحج ﴾ ط ﴿ يعلمه الله ﴾ ط ﴿ التقوى ﴾ ز للعارض بين الجملتين المتفقتين ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط لأن "إذا" أجيبت بالفاء فكانت شرطاً في ابتداء حكم آخر ﴿ الحرام ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ هداكم ﴾ ج لأن الواو تصلح حالاً واستئنافاً.

﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ واستغفروا الله ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ ذكراً ﴾ ط ﴿ من خلاق ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ مما كسبوا ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه نصف الجزء.

﴿ معدودات ﴾ ط لأن الشرط في بيان حكم آخر ﴿ عليه ﴾ الأولى ط لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ عليه ﴾ الثانية لا لتعليق اللام.

﴿ اتقي ﴾ ط لاختلاف النظم ﴿ تحشرون ﴾ ه.

التفسير: من المعلوم أن الحج ليس نفس الأشهر، فالتقدير أشهر الحج أو وقته أشهر معلومات كقولك "البلد شهران".

أو الحج حج أشهر معلومات أي لا حج إلا فيها خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية من النسيء.

وقيل: يمكن أن يقال: جعل الحج نفس الأشهر كما في قولهم "ليل قائم ونهار صائم" واتفق المفسرون على أن شوّالاً وذا القعدة من أشهر الحج.

واختلفوا في ذي الحجة فعن عروة بن الزبير ومالك كله لأن أقل الجمع ثلاثة، وقد يفعل الإنسان بعد النحر ما يتصل بالحج من رمي الجمار ونحوه.

والمرأة إذا حاضت فقد تؤخر الطواف الذي لا بد منه إلى أيام بعد الشهر، من هنا ذهب عروة إلى جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر.

وعن أبي حنيفة: عشر ذي الحجة وهو قول ابن عباس وابن عمرو النخعي والشعبي ومجاهد والحسن قالوا: لفظ الجمع يشترك فيما وراء الواحد بدليل قوله  ﴿ فقد صغت قلوبكما  ﴾ ونزل بعض الشهر منزلة كله كما يقال "رأيتك سنة كذا" وإنما رآه في ساعة منها.

ورمي الجمار يفعله الإنسان وقد حل بالحلق والطواف والنحر من إحرامه فكأنه ليس من أعمال الحج.

والحائض إذا طاف بعده فهو في حكم القضاء.

وإنما قلنا إن يوم النحر من أشهر الحج لأنه وقت لركن من أركان الحج وهو طواف الزيارة.

ومن المفسرين من زعم أن يوم الحج الأكبر يوم النحر.

وعن الشافعي: التسعة الأولى من ذي الحجة من ليلة النحر، لأن الحج يفوت بطلوع يوم النحر ولا تفوت العبادة مع بقاء وقتها.

قيل: إنه  جعل كل الأهلة مواقيت للحج في قوله ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج  ﴾ وفي هذه الآية جعل وقت الحج أشهر معلومات.

وأجيب بأن تلك الآية عامة وهذه خاصة والخاص مقدم على العام.

وأقول: الميقات علامة الوقت فلولا الأهلة لم يعلم مدخل كل شهر على التعيين.

فجميع الأهلة في الإعلام سواء بالنسبة إلى وقت مفروض، فلا منافاة بين كون جميع الأهلة علامات الحج من حيث إنها تؤذن بما بقي من السنة إلى أوان الحج، وبين كون الأشهر المعلومات وقتاً للحج، ومعنى قوله ﴿ معلومات ﴾ أن الحج إنما يكون في السنة مرة واحدة في أشهر معينة من شهورها ليس كالعمرة التي يؤتى بها في السنة مراراً، وأحالهم في معرفة تلك الأشهر على ما كانوا علموه قبل نزول هذا الشرع.

وعلى هذا فهذا الشرع لم يأت على خلاف ما عرفوه وإنما جاء موافقاً مقرراً له.

أو المراد أنها معلومات ببيان الرسول، أو المراد أنها مؤقتة بأوقات معينة لا يجوز تقديمها وتأخيرها كما يفعله أصحاب النسيء.

ثم إن الشافعي استدل بالآية على أنه لا يجوز لأحد أن يهل بالحج قبل أشهر الحج، وبه قال أحمد وإسحق.

وأيضاً الإحرام بالعبادة قبل وقت الأداء لا يصح قياساً على الصلاة.

وأيضاً الخطبة في صلاة الجمعة لا تجوز قبل الوقت لأنها أقيمت مقام ركعتين من الظهر حكماً، فلأن لا يصح الإحرام وهو شروع في العبادة أولى.

وأيضاً الإحرام لا يبقى صحيحاً لأداء الحج إذا ذهب وقت الحج قبل الأداء، فلأن لا ينعقد صحيحاً لأداء الحج قبل الوقت أولى لأن البقاء أسهل من الابتداء.

وعن أبي حنيفة ومالك والثوري: جواز الإحرام في جميع السنة لقوله  ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج  ﴾ والجواب ما مر.

قالوا: الإحرام التزام الحج فجاز تقدمه قبل الوقت كالنذر.

والجواب الفرق بين النذر والإحرام، فإن الوقت معتبر للأداء ولا اتصال للنذر بالأداء بدليل أن الأداء لا يتصور إلا بعقد مبتدأ، وأما الإحرام مع كونه التزاماً فهو أيضاً شروع في الأداء وعقد عليه فلا جرم افتقر إلى الوقت.

قالوا: اشتهر عن أكابر الصحابة أنهم قالوا: من إتمام الحج أن يحرم المرء من دويرة أهله.

وقد تبعد داره بعداً شديداً يحتاج إلى أن يحرم قبل شوال.

والجواب أن النص لا يعارضه الأثر على أنه يمكن تخصيص الأثر في حق من لا يكون داره سحيقاً ﴿ فمن فرض فيهن الحج ﴾ فمن ألزم نفسه في هذه الشهور أن يحج.

وبماذا يحصل هذا الإلزام المسمى بالإحرام لأنه يحرم عليه حينئذ أشياء كانت حلالاً له.

قال الشافعي: إنه ينعقد الإحرام بمجرد النية من غير حاجة إلى التلبية.

نعم إنها سنة عند النية وبه قال أحمد ومالك لقوله  ﴿ فمن فرض ﴾ وفرض الحج على النية أدل منه على التلبية أو سوق الهدي.

وفرض الحج موجب لانعقاد الحج بدليل قوله ﴿ فلا رفث ﴾ فوجب أن تكون النية كافية في انعقاد الحج.

وأيضاً قال  "لكل امرئ ما نوى" وأيضاً إنه عبادة ليس في آخرها ولا في أثنائها نطق واجب، فكذلك في ابتدائها كالطهارة والصوم.

وعند أبي حنيفة: التلبية شرط انعقاد الإحرام لإطباق الناس على الاعتناء به عند الإحرام إلا أن سوق الهدي وتقليده والتوجه معه يقوم مقام التلبية.

وعن ابن عمر أنه قال: إذا قلد أو أشعر فقد أحرم.

وعن ابن عباس: إذا قلد الهدي وصاحبه يريد العمرة أو الحج فقد أحرم.

وروى أبو منصور الماوردي في تفسيره عن عائشة أنها قالت: لا يحرم إلا من هل أو لبى.

وأيضاً إن الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا يشرع فيها بنفس النية كالصلاة.

وصورة التلبية ما روي عن النبي  أنه قال: "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" ، ولا تكره الزيادة على هذا.

روي عن ابن عمر أنه كان يزيد فيها.

لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغبى إليك والعمل.

فإن رأى شيئاً يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة.

ثبت ذلك عن رسول الله  .

وفي بعض الروايات أنه قال في تلبيته: لبيك حقاً تعبداً ورقاً.

قال الشافعي في أصح قوليه: الأفضل أن ينوي ويلبي حين تنبعث به راحلته إن كان راكباً، وحين يتوجه إلى الطريق إن كان ماشياً لما روي أنه  لم يهل حتى انبعثت به دابته، قال إمام الحرمين: ليس المراد من انبعاث الدابة ثورانها، بل المراد استواؤها في صوب مكة.

فإذا استوت به راحلته متوجهاً إلى الطريق نوى: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني ولبى.

وإن كان يريد القران نوى الحج والعمرة، وإن كان يريد العمرة نوى العمرة ولبى.

والقول الثاني وبه قال أحمد ومالك وأبو حنيفة أن الأفضل أن ينوي ويلبي كما تحلل من الصلاة أي من ركعتي الإحرام وهو قاعد.

ثم يأخذ في السير لرواية ابن عباس أن النبي  صلى بذي الحليفة ركعتين ثم أحرم، وتكثير التلبية في دوام إلا حرام مستحب قائماً كان أو قاعداً راكباً أو ماشياً حتى في حالة الجنابة والحيض لأنه ذكر لا إعجاز فيه فأشبه التسبيح، "قال  لعائشة  ا حين حاضت: افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" .

قوله عز من قائل ﴿ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ﴾ من قرأ بفتح الثلاثة أو برفعها فلا إشكال، ومن قرأ برفع الأولين وفتح الأخير فقيل: لأن الأولين محمولان على معنى النهي كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، ثم أخبر بانتفاء الجدال أي لا شك ولا خلاف في الحج.

وذلك أن قريشاً كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة، وكانوا يقدمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرد إلى وقت واحد، ورد الوقوف إلى عرفة فأخبر الله  أنه قد ارتفع الخلاف في الحج، وربما يستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله  "من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كهيئته يوم ولدته أمه" وإنه لم يذكر الجدال.

وقيل: الاهتمام بنفي الجدال أشد من الاهتمام بنفي الرفث والفسوق فلذلك قرئ كذلك.

أما الأوّل فلأن الرفث عبارة عن قضاء الشهوة، والجدال مشتمل على ذلك لأن المجادل يشتهي تمشية قوله، والفسوق عبارة عن مخالفة أمر الله، والمجادل لا ينقاد للحق.

وكثيراً ما يقدم على الإيذاء والإيحاش المؤدي إلى العداوة والبغضاء، فدل على أن الجدال مشتمل على جميع أنواع القبح.

وأما أن القراءة تفيد ذلك فلأن الفتح يقتضي نفي الماهية، وانتفاؤها يوجب انتفاء جميع أفرادها.

وأما الرفع فلا يوجب انتفاء جميع أفراد الماهية بل يجوّز، فيكون الفتح أدل على عموم النفي.

أما تفسير الرفث فعن ابن عباس هو الجماع، وله في العمرة والحج نتائج منها.

فساد النسك يروى ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم من الصحابة، واتفق الفقهاء عليه بعدهم، وإنما يفسد الحج بالجماع إذا وقع قبل التحللين لقوّة الإحرام.

ولا فرق بين أن يقع قبل الوقوف بعرفة أو بعده خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يفسد بالجماع بعد الوقوف ولكن يلزمه الفدية.

وأما الجماع بين التحللين فلا أثر له في الفساد على الصحيح.

وعن مالك وأحمد أنه يفسد ما بقي شيء من إحرامه، وتفسد العمرة أيضاً بالجماع قبل حصول التحلل.

ووقت التحلل عنها بعد الفراغ من الحلق بناء على أنه نسك وهو الأصح، فتفسد العمرة بالجماع قبل الحلق، واعلم أن للعمرة تحللاً واحداً وذلك إذا طاف وسعى وحلق، وللحج تحللان وذلك أنه إذا أتى باثنين من الرمي والنحر والحلق والطواف أعني الرمي والحلق، أو الرمي والطواف، أو الحلق والطواف، حصل التحلل الأول وهو إباحة جميع المحظورات من التطيب والقلم ولبس المخيط وقتل الصيد وعقد النكاح إلا الجماع فإنه لا يحل إلى الإتيان بالأمر الثالث، فإذا أتى به حل الجماع أيضاً وهو المراد بالتحلل الثاني قال الأئمة: الحج يطول زمانه وتكثر أعماله بخلاف العمرة فأبيح بعض محظوراته دفعة وبعضها أخرى.

قال  "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب واللباس وكل شيء إلا النساء" واللواط وإتيان البهيمة في الإفساد كالوطء في الفرج وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة فيهما ولمالك في إتيان البهيمة، ثم سائر العبادات لا حرمة لها بعد الفساد ويصير الشخص بالفساد خارجاً منها، لكن الحج والعمرة وإن فسدا يجب امضي فيهما وذلك بإتمام ما كان يفعله لولا عروض الفساد روي عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم من أفسد حجه مضى في فاسده وقضى من قابل.

ومن نتائج الفساد الكفارة يستوي فيها الحج والعمرة.

وخصالها خمس على الترتيب بدنة إن وجدها لأن الصحابة نصوا على البدنة وإلا فبقرة وإلا فسبع من الغنم وإلا قومت البدنة دراهم والدراهم طعاماً فإن لم يجد الطعام صام عن كل مد يوماً.

ومن النتائج القضاء باتفاق لما روينا عن كبار الصحابة وقضى من قابل، سواء كان المقضي عنه فرضاً أو تطوعاً فإن القضاء واجب، وأصح الوجهين في القضاء أنه على الفور لا على التراخي، لأنه لزم وتضيق بالشروع ويدل عليه ظاهر قول الصحابة و "قضى من قابل".

وكذا الكلام فيمن ترك الصوم أو الصلاة بعدوان على الأشبه، لأن جواز التأخير نوع ترفيه وتخفيف والمعدي لا يستحق ذلك.

ولو كانت المرأة محرمة نظر إن جامعها وهي نائمة أو مكرهة لم يفسد حجها وإلا فسد، ولكن لا يجب على أصح القولين إلا بدنة واحدة عنهما جميعاً.

وإذا أفسد حجه بالجماع ثم جامع ثانياً فإن لم يفد عن الأول لزم بدنة أخرى.

وإن فدى لم يلزم إلا شاة.

وعن الحسن: الرفث كل ما يتعلق بالجماع، فليس للمحرم التقبيل بالشهوة ولا المباشرة فيما دون الفرج.

فلو باشر شيئاً منها عمداً فالفدية.

روي عن علي وابن عباس أنهما أوجبا بالقبلة شاة وإن كان ناسياً لم يلزمه شيء ولا يفسد شيء من مقدمات الجماع الحد ولا يوجب البدنة بحال سواء أنزل أو لم ينزل، وبه قال أبو حنيفة، وعند مالك يفسد الحج إذا أنزل وهو أظهر الروايتين عن أحمد.

وقيل: الرفث باللسان ذكر المجامعة وما يتعلق بها.

والرفث باليد اللمس والغمز، والرفث بالفرج الجماع.

وقيل: الرفث هو قول الخنا والفحش لقوله  "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه فليقل إني صائم" وعن أبي عبيدة: الرفث الإفحاش وعنه الرفث اللغو في الكلام.

وأما الفسوق فهو الخروج عن الطاعة وحدود الشريعة فيشمل كل المعاصي قال  ﴿ ففسق عن أمر ربه  ﴾ وقيل: هو التنابز بالألقاب والسباب قال  ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ﴾ وقال  "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" وقيل الإيذاء والإيحاش ﴿ ولا يضارّ كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم  ﴾ وعن ابن زيد: هو الذبح للأصنام ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وأنه لفسق  ﴾ وقيل: الرفث هو الجماع ومقدماته مع الحليلة والفسوق ذلك مع الأجنبية.

وأما الجدال فإنه فعال من المجادلة وأصله من الجدل والفتل كأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه.

واختلف المفسرون فيه.

فعن الحسن: هو الجدال الذي يفضي إلى السباب والتكذيب والتجهيل، وإنه واجب الاجتناب في كل حال إلا أنه مع الرفقاء وفي الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة، وقال محمد بن كعب القرظي: إن قريشاً كانوا إذا اجتمعوا بمنى قال بعضهم: حجنا أتم.

وقال آخرون: بل حجنا أتم.

وقال آخرون: بل حجنا أتم.

فنهاهم الله عن ذلك.

وقال مالك في الموطأ: الجدال في الحج أن قريشاً كانوا يقفون عند المشعر الحرام في المزدلفة بفزح وإنه جبل هناك، وكان غيرهم يقفون بعرفات، وكل من الفريقين يقول: نحن أصوب.

وقال القاسم بن محمد: كانوا يجعلون الشهور على العدد فيختلفون في يوم النحر بسبب ذلك.

فبعضهم يقول هذا يوم عيد، ويقول آخرون بل غداً فكأنه قيل لهم: قد بينا لكم أن الأهلة هي مواقيت الحج فاستقيموا على ذلك ولا تجادلوا فيه.

قال القفال: ويدخل في هذا النهي ما جادلوا فيه رسول الله  حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فشق ذلك عليهم وقالوا: نروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر منياً.

فقال  "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" فتركوا الجدال حينئذ.

وقال عبد الرحمن بن زيد: جدالهم في الحج اختلافهم في أن أيهم المصيب مقام إبراهيم.

وقيل: إنه النسيء نهوا عن ذلك فإن الزمان قد عاد إلى ما كان عليه الحج في وقت إبراهيم  ، قال القاضي أبو بكر الباقلاني: لو حمل النفي في الألفاظ الثلاثة على الخبر وجب أن يحمل الرفث على الجماع، والفسوق على الزنا، والجدال على الشك في الحج، ليصح خبر الله  بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج المعتبر.

وإن حملنا الكلام على النهي صح أن يراد بالرفث الجماع ومقدماته وقول الفحش، وبالفسوق جميع أنواعه، وبالجدال جميع أصنافه، فعلى هذا يكون في الآية بعث على الأخلاق الحميدة والآداب الحسنة.

وبالحقيقة لا رفث نهي عن طاعة القوّة الشهوية التي توجب الانهماك في الفجور، ولا فسوق إشارة إلى قهر القوّة الغضبية الداعية إلى التمرد والاستعلاء، ولا جدال رمز إلى تسخير القوّة الوهمية التي تحمل الإنسان على الخلاف في ذات الله  وصفاته وأفعاله وأحكامه، فمنه تنشأ الآراء المتخالفة والأهواء المتصادمة والعقائد الفاسدة والمذاهب الباطلة.

واعلم أن الجدال ليس منهياً عنه بجميع أقسامه وإنما المذموم منه هو الذي منشأه صرف العصبية ومخض المراء لتنفيذ الآراء الزائفة وتحصيل الأعراض الزائلة والأغراض الفارغة، وأما الذب عن الدين القويم والدعاء إلى الصراط المستقيم وإلزام الخصم الألد وإفحام المعاند اللجوج بمقدمات مشهورة وآراء محمودة حتى يستقر الحق في مركزه ويضمحل صولة الباطل ويركد ريحه فمأمور به في قوله عز من قائل ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ وإنه إحدى شعب البيان وقد يكون أنجع من قاطعة البرهان ﴿ وما تفعلوا من خير يعلمه الله ﴾ لم يتعرض لمقابل الخير وإن كان عالماً به أيضاً لنكتة هي أني إذا علمت منك الخير ذكرته وشهرته، وإذا علمت منك ضده أخفيته وسترته لتعلم أنه إذا كانت رحمتي بك هكذا في الدنيا فكيف تكون في العقبى؟

وفيه ترغيب للمطيعين وإيذان بأنهم من المحسنين "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" والعبد الصالح إذا علم اطلاع مولاه على سرائره وخفاياه اجتهد في أداء ما أمره به، واحترز عن ارتكاب ما نهاه عنه، ومن غاية عنايته حثهم على الخير بعدما نهاهم عن الشر ليستعملوا مكان الرفث التفث، وبدل الفسوق رعاية الحقوق، ومقام الجدال والشقاق الوفاق مع الرفاق تتميماً لمكارم الأخلاق وتنبيهاً على شرف النفس وطيب الأعراق بدليل قوله ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ أي اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فإن ذلك خير الزاد.

وليس السفر من الدنيا أهون من السفر في الدنيا، وهذا لا بد له من زاد فكذا ذلك.

بل يزداد فإن زاد الدنيا يخلصك عن عذاب منقطع موهوم، وزاد الآخرة ينجيك من عذاب أبديّ معلوم.

زاد الدنيا يوصلك إلى متاع الغرور، وزاد الآخرة يبلغك دار السرور.

وزاد الدنيا سبب حصول حظوظ النفس، وزاد الآخرة سبب الوصول إلى عتبة الجلال والقدس.

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى *** ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا ندمت على أن لا تكـون كمثلــه *** وأنك لم ترصد كما كان أرصـدا وقيل: نزلت في ناس من اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون: نحن متوكلون.

ثم كانوا يسألون الناس وربما ظلموهم وغصبوهم فأمرهم الله  أن يتزوّدوا ما يتبلغون به فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن الظلم.

وفيه دليل على أن القادر على استصحاب الزاد في السفر، إذا لم يستصحب عصى الله في ذلك، ففيه إبطال حكمة الله  ورفع الوسائط والروابط التي عليها تدور المناجح وبها تنتظم المصالح.

روي أن بعض العارفين زهد فبلغ من زهده أن فارق الناس وخرج من الأمصار وقال: لا أسأل أحداً شيئاً حتى يأتيني رزقي.

فأخذ يسيح فأقام في سفح جبل سبعاً لم يأته شيء حتى كاد يتلف.

فقال: يا رب إن أحببتني فأتني برزقي الذي قسمت لي وإلا فاقبضني إليك.

فألهمه الله  في قلبه: وعزتي وجلالي لا أرزقك حتى تدخل الأمصار وتقيم بين الناس فدخل المدينة وأقام بين ظهراني الناس فجاء هذا بطعام وهذا بشراب فأكل وشرب فأوجس في نفسه من ذلك، فسمع أردت أن تبطل حكمته بزهدك في الدنيا، أما علمت أنه يرزق العباد بأيدي العباد أحب إليه من أن يرزقهم بيد القدرة.

وقيل: في الآية حذف أي تزودوا لعاجل سفركم وللآجل فإن خير الزاد التقوى واتقون وخافوا عقابي.

وفيه تنبيه على كمال عظمته كقوله "أنا أبو النجم وشعري شعري" ﴿ يا أولي الألباب ﴾ يعني أن قضية العقل تقوى الله ومن لم يتقه فلا لب له في التحقيق.

ولما منع الناس عن الجدال اختلج في قلب المكلف شبهة أن التجارة لكونها مفضية في الأغلب إلى النزاع في قلة القيمة وكثرتها يجب أن تكون منهية.

وأيضاً أنها كانت محرمة في الجاهلية وقت الحج وأنه أمر غير مستحسن ظاهراً لأن المشتغل بخدمة الله  يجب أن لا يتلوث بالأطماع الدنيوية.

وأيضاً كان من الممكن أن تقاس التجارة على سائر المباحات من الطيب والمباشرة ولاصطياد في كونها محظورة بالإحرام فلدفع هذه الشبهة نزلت.

﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا ﴾ أي في أن تطلبوا ﴿ فضلاً من ربكم ﴾ عطاء منه وتفضلاً أو زيادة في الرزق بسبب التجارة والربح بها كقوله ﴿ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله  ﴾ عن أبي مسلم: أنه حمل الآية على ما بعد الحج.

قال: والتقدير واتقون في كل أفعال الحج، ثم بعد ذلك ليس عليكم جناح أن تبتغوا كقوله ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله  ﴾ وزيف بأن حمل الآية على موضع الشبهة أولى من حملها لا على موضع الشبهة، ومحل الاشتباه هو التجارة في زمان الحج، وأما بعد الفراغ فالحل معلوم، وقياس الحج على الصلاة فاسد، فإن الصلاة أعمالها متصلة فلا يحل في أثنائها التشاغل بغيرها، وأعمال الحج متفرقة تحتمل التجارة في خلالها.

وأيضاً الفاء في قوله ﴿ فإذا أفضتم ﴾ ظاهرة في أن هذه الإفاضة حصلت عقيب ابتغاء الفضل وذلك يدل على أن المراد وقوع التجارة في زمان الحج ويؤيده قراءة ابن عباس ﴿ فضلاً من ربكم في مواسم الحج ﴾ وقال ابن عباس في سبب نزول الآية كانوا يتأثمون أن يتجروا أيام الحج وإذا دخل العشر بالغوا في الكف عن البيع والشراء فلم يقم لهم سوق، ويسمون من يخرج للتجارة الداج ويقولون: هؤلاء الداج وليسوا بالحاج ومعنى الداج الأعوان والمكارون من الدجيج وهو الدبيب في السير.

قال ابن السكيت: لا يطلق الدجيج إلا إذا كان جماعة ولا يقال ذلك للواحد.

وقيل: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يتجرون فيها في أيام الموسم، وكانت معايشهم منها.

فلما جاء الإسلام تأثموا فرفع عنهم الحرج.

ومن المعلوم أنه إنما يباح ما لم يشغل عن العبادة.

وعن ابن عمر أن رجلاً قال له: إنا قوم نكرى في هذا الوجه يعني في طريق الحج، وإن قوماً يزعمون أن لا حج لنا.

فقال: سأل رجل رسول الله  عما سألت عنه فلم يرد عليه حتى نزل ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ فدعا به فقال: أنتم حجاج.

وعن عمر أنه قيل له: هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟

فقال: وهل كانت معايشنا إلا من التجارة في الحج؟!

وعن جعفر الصادق  : أن ابتغاء الفضل ههنا طلب أعمال أخر زائدة على أعمال الحج موجبة لفضل الله  ورحمته كإعانة الضعيف وإغاثة الملهوف وإطعام الجائع وإرواء العطشان.

واعلم أن الفضل ورد في القرآن بمعان، منها ما يتعلق بالمصالح الدنيوية من المال والجاه والغذاء واللباس وهو المسمى بالرزق ﴿ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله  ﴾ ومنها ما يتعلق بالمصالح الأخروية وهو الفضل والثواب والجنة والرحمة ﴿ تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله  ﴾ ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان  ﴾ ومنها ما يتعلق بمواهب القربة ﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء  ﴾ ﴿ وكان فضل الله عليك عظيماً  ﴾ ورفع الجناح قد يستعمل في الواجب والمندوب مثل ما يستعمل في المباح كما مر في قوله ﴿ فلا جناح عليه أن يطوّف بهما  ﴾ .

﴿ فإذا أفضتم ﴾ أي دفعتم بكثرة ومنه إفاضة الماء وهو صبه بكثرة.

التقدير: أفضتم أنفسكم.

فترك ذكر المفعول كما ترك في قولهم دفعوا من موضع كذا وصبوا.

وعرفات جمع عرفة وكلاهما علم للموقف كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة فسمي مجموع تلك القطعة بعرفات كما قيل في باب الصفة "ثوب أخلاق" و "برمة أعشار" ثم سئل: هلا منعت الصرف وفيها سببان التعريف والتأنيث؟

فقيل: إنه لم يبق علماً بعدما جمع ثم جعل علماً لمجموع القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في الصرف.

وقيل: إن هذا التنوين تنوين المقابلة في نحو "مسلمات" ومن ذهب إلى أن تنوين المقابلة لا وجود له كجار الله وكثير من المتأخرين.

وأن هذا التنوين تنوين الصرف.

قالوا: إنما لم يسقط لأن التأنيث في نحو "مسلمات وعرفات" ضعيف.

فإن التاء التي هي لمحض التأنيث سقطت، والباقية علامة لجمع المؤنث، وزيف بأن عرفات مؤنث.

وإن قلنا إنه لا علامة تأنيث فيها لا متمحضة للتأنيث ولا مشتركة لأنه لا يعود الضمير إليها إلا مؤنثاً تقول "هذه عرفات مباركاً فيها" ولا يجوز "مباركاً فيه" إلا بتأويل بعيد كما في قوله "ولا أرض أبقل إبقالها" فتأنيثها لا يقصر عن تأنيث مصر الذي هو بتأويل البقعة.

وقال بعض المتأخرين: الأولى أن يقال: إن التنوين للصرف وإنما لم يسقط في نحو "عرفات" لأنه لو سقط لتبعه الكسر في السقوط وتبع النصب وهو خلاف ما عليه الجمع السالم، إذ الكسر فيه متبوع لا تابع فهو فيه كالتنوين في غير المنصرف للضرورة لم يحذفا لمانع.

هذا مع أنه جوز المبرد والزجاج ههنا مع العلمية حذف التنوين وإبقاء الكسر كبيت امرئ القيس في رواية.

تنورتها من أذرعات وأهلها *** بيثرب أدنى دارها نظر عالي وبعضهم يفتح التاء في مثله مع حذف التنوين كسائر ما لا ينصرف.

فعلى هذين الوجهين التنوين للظرف بلا خلاف، والأشهر بقاء التنوين في مثله مع العلمية.

وقيل: التنوين عوض من منع الفتحة.

واعلم أن اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى بيوم التروية، واليوم التاسع منه يسمى بيوم عرفة.

وعرفة وعرفات هي الموضع المخصوص.

فقيل: التروية التفكر.

وسببه أن آدم  لما أمر ببناء البيت فبناء تفكر فقال: يا رب إن لكل عامل أجراً فما أجري على هذا العمل؟

قال: إذا طفت به غفرت لك ذنوبك بأول شوط من طوافك.

قال يا رب زدني قال: أغفر لأولادك إذا طافوا به.

قال: زدني، فقال: أغفر لكل من استغفر له الطائفون من موحدي أولادك.

قال: حسبي يا رب حسبي.

وقيل: إن إبراهيم  رأى في منامه ليلة التروية كأنه يذبح ابنه فأصبح متفكراً هل هذا من الله أو من الشيطان، فلما رآه ليلة عرفة يؤمر به أصبح فقال: عرفت يا رب أنه من عندك.

وقيل: إن أهل مكة يخرجون يوم التروية إلى منى فيروّون في الأدعية التي يذكرونها في الغد بعرفات.

وقيل: التروية الإرواء فإن أهل مكة كانوا يجمعون الماء للحجيج الذي يقصدونهم من الآفاق فيتسعون في الماء بعدما تعبوا في الطريق من قلة الماء، أو لأنهم يتزوّدون الماء إلى عرفة، أو لأن المذنبين كالعطاش وردوا بحار الرحمة فشربوا منها حتى رووا.

أما يوم عرفة فقيل: إنه من المعرفة لأن آدم وحوّاء عليهما السلام التقيا بعرفة فعرف أحدهما صاحبه، عن ابن عباس أو لأن جبريل  علم آدم مناسك الحج فلما وقف بعرفات قال له: أعرفت؟

قال: نعم.

أو لأن إبراهيم  عرفها حين رآها بما تقدم من النعت والصفة.

عن علي  وابن عباس وعطاء والسدي.

أو لأن جبريل عرف بها إبراهيم المناسك وقد مر في قوله ﴿ وأرنا مناسكنا  ﴾ أو لأن إبراهيم وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر بمكة ورجع إلى الشام ولم يتلاقيا سنين ثم التقيا يوماً بعرفات، وقد سبقت القصة في بناء البيت في قوله ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد  ﴾ ولما ذكرنا آنفاً من مقام إبراهيم أو لأن الحاج يتعارفون فيه إذا وقفوا، أو لأنه  يتعرف فيه إلى الحاج بالمغفرة والرحمة.

وقيل: اشتقاقها من الاعتراف لأن الناس يعترفون هنالك للحق بالربوبية والجلال، ولأنفسهم بالفقر واختلاف الحال.

يقال: إن آدم  وحوّاء لما وقفا بعرفات قالا ربنا ظلمنا أنفسنا، فقال الله  : الآن عرفتما أنفسكما.

وقيل: من العرف وهو الرائحة الطيبة لأن المذنبين يكتسبون بالمغفرة روائح طيبة عند الله مقام ضدها.

قال  "خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك" وقد يسمى يوم عرفة يوم إياس الكفار من الإسلام ويوم إكمال الدين ويوم إتمام النعمة ويوم الرضوان أخذاً من قوله  في المائدة ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً  ﴾ عن عمر وابن عباس: نزلت هذه الآية عشية يوم عرفة وكان يوم الجمعة والنبي  واقف بعرفة في موقف إبراهيم  في حجة الوداع وقد اضمحل الكفر وهدم منار الجاهلية.

فقال النبي  : "لو يعلم الناس مالهم في هذه الآية لقرت أعينهم" .

قال يهودي لعمر: لو أن هذه الآية أنزلت علينا لتخذنا ذلك اليوم عيداً فقال عمر: أما نحن فجعلناه عيدين.

وكان ذلك يوم عرفة ويوم جمعة يوم صلة الواصلين ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  ﴾ يوم قطيعة القاطعين ﴿ أن الله بريء من المشركين ورسوله  ﴾ يوم إقالة عثرة النادمين وقبول توبة التائبين ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ يوم وفد الوافدين في الخبر "الحاج وفد الله والحاج زوّار الله وحق على المزور الكريم أن يكرم زائره" يوم الحج الأكبر ﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر  ﴾ يوم خص صومه بكثرة الثواب قال  "صوم يوم التروية كفارة سنة وصوم يوم عرفة كفارة سنتين" وقال "من صام يوم التروية أعطاه الله مثل ثواب أيوب على بلائه، ومن صام يوم عرفة أعطاه الله مثل ثواب عيسى بن مريم" أقسم الله  به في قوله عز من قائل ﴿ والشفع والوتر  ﴾ عن ابن عباس: الشفع يوم التروية وعرفة، والوتر يوم النحر يوم خص بكثرة الرحمة وسعة المغفرة.

وعن عائشة أن رسول الله  قال: "ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو يتجلى ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء اشهدوا ملائكتي أني قد غفرت لهم" ولا ضير أن نشير ههنا إلى أعمال الحج إشارة خفيفة.

اعلم أنه من دخل مكة محرماً في ذي الحجة أو قبله فإن كان مفرداً أو قارناً طاف طواف القدوم وأقام على إحرامه حتى يخرج إلى عرفات، وإن كان متمتعاً طاف وسعى وحلق وتحلل من عمرته وأقام إلى وقت خروجه إلى عرفات، وحينئذ يحرم من جوف مكة بالحج ويخرج، وكذلك من أراد الحج من أهل مكة.

والسنة للإمام أن يخطب بمكة اليوم السابع من ذي الحجة بعدما صلى الظهر خطبة واحدة يأمر الناس فيها بالذهاب غداً بعد أن يصلوا الصبح إلى منى، ويعلمهم تلك الأعمال.

ثم إن القوم يذهبون يوم التروية إلى منى بحيث يوافون الظهر بمنى ويصلون بها مع الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح من يوم عرفة، ثم إذا طلعت الشمس على ثبير توجهوا إلى عرفات، فإذا دنوا منها فالسنة أن لا يدخلوها بل تضرب قبة الإمام بنمرة.

روي أن النبي  مكث حتى طلعت الشمس ثم ركب وأمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة فنزل بها.

فإذا زالت الشمس خطب الإمام خطبتين يبين لهم مناسك الحج ويحرضهم على إكثار الدعاء والتهليل بالموقف، وبعد الفراغ من الخطبة الأولى جلس ثم قام وافتتح الخطبة الثانية والمؤذنون يأخذون في الأذان معه.

ويخفف بحيث يكون فراغه منها مع فراغ المؤذنين من الأذان، ثم ينزل فيقيم المؤذنون فيصلي بهم الظهر، ثم يقيمون في الحال فيصلي.

بهم العصر، وهذا الجمع متفق عليه.

ثم بعد الفراغ من الصلاة يتوجهون إلى عرفات فيقفون عند الصخرات لأن النبي  وقف هناك، وإذا وقفوا استقبلوا القبلة ويذكرون الله  ويدعونه إلى غروب الشمس.

والوقوف ركن لا يدرك الحج إلا به، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج لقوله  "الحج عرفة" فمن فاته عرفة فقد فاته الحج.

وقد يستدل بالآية أيضاً على ذلك لأنها دلت على ذكر الله عند المشعر الحرام عقيب الإفاضة من عرفات.

والإفاضة من عرفات لا تتصور إلا بعد الحصول بعرفات.

وجمهور الفقهاء على أن الوقوف بالمشعر الحرام ليس بركن لأنه  أمر بالذكر عنده، فالوقوف به تبع لا أصل بخلاف الوقوف بعرفة لأنه جعله أصلاً حيث لم يقل فإذا أفضتم عن الذكر بعرفات.

ووقت الوقوف يدخل بزوال الشمس يوم عرفة ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر وذلك نصف يوم وليلة كاملة، وإذا حضر الحاج هناك في هذا الوقت لحظة واحدة من ليل أو نهار كفى.

وقال أحمد: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر.

وإذا غربت الشمس دفع الإمام من عرفات وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بالمزدلفة.

قيل: سمي بها لأنهم يقربون فيها من منى والازدلاف القرب.

وقيل: لأن الناس يجتمعون بها، والازدلاف الاجتماع.

وقيل: لأنهم يزدلفون إلى الله أي يتقربون بالوقوف فيها.

ويقال: للمزدلفة جمعم لأنه يجمع فيها بين صلاتي المغرب والعشاء عن قتادة: وقيل: لأن آدم  اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها أي دنا منها.

ثم إذا أتى الإمام المزدلفة جمع بين المغرب والعشاء بإقامتين.

ثم يبيتون بها فإن لم يبت بها فعليه دم شاة.

فإذا طلع الفجر صلوا الصبح بغلس.

والتغليس بالفجر ههنا أشد استحباباً منه في غيرها وهو متفق عليه.

فإذا صلوا الصبح أخذوا منها الحصى للرمي، يأخذ كل إنسان سبعين حصاة ثم يذهبون إلى المشعر الحرام، وهو جبل يقول له قزح فيرقى فوقه إن أمكنه أو وقف بالقرب منه إن أمكنه، ويحمد الله ويهلله ويكبره، ولا يزال كذلك حتى يسفر جداً، ثم يدفع قبل طلع الشمس.

ويكفي المرور كما في عرفة ثم يذهبون منه إلى وادي محسر، فإذا بلغوا بطن محسر فمن كان راكباً يحرك دابته، ومن كان ماشيا يسعى سعياً شديداً قدر رمية حجر.

فإذا أتى منى رمى جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات ويقطع التلبية إذا رمى، ثم بعدما رمى جمرة العقبة ذبح الهدي إن كان معه هدي وذلك سنة لو تركه لا شيء عليه لأنه ربما لا يكون معه هدي.

ثم بعدما ذبح الهدي يحلق رأسه أو يقصر، ثم بعد الحلق أتى مكة ويطوف بالبيت طواف الإفاضة وهو الركن ويصلي ركعتي الطواف ويسعى بين الصفا والمروة، ثم بعد ذلك يعود إلى منى في بقية يوم النحر، وعليهم البيتوتة بمنى ليالي التشريق لأجل الرمي.

واعلم أن من مكة إلى منى فرسخين، ومن منى إلى عرفات فرسخين، ومزدلفة متوسطة بين منى وعرفات منها إلى كل واحد منهما فرسخ، ولا يقفون بها في سيرهم من منى إلى عرفات.

والحاصل أن أعمال الحج يوم النحر إلى أن يعود إلى منى أربعة: رمي جمرة العقبة والذبح والحلق والتقصير والطواف طواف الإفاضة ويسمى طواف الزيارة أيضاً لأنهم يأتون من منى زائرين للبيت ويعودون في الحال.

والترتيب في الأعمال الأربعة على النسق المذكور مسنون وليس بواجب.

أما أنه مسنون فلأن النبي  فعلها، وأما أنه ليس بواجب فلماروي عن عبد الله بن عمرو قال: " وقف رسول الله  بمنى للناس يسألونه فجاء رجل فقال: يا رسول الله إني حلقت قبل أن أرمي.

قال: ارم ولا حرج.

وأتاه آخر فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي قال: ارم ولا حرج.

وأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي فقال: ارم ولا حرج، فما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال: افعل ولا حرج" .

وعن مالك وأحمد وأبي حنيفة أن الترتيب بينها واجب ولو تركه فعليه دم على تفصيل ليس ههنا موضع بيانه.

ثم إن أهل الجاهلية كانوا قد غيروا مناسك الحج من سنة إبراهيم  .

وذلك أن الحمس كانوا لا يقفون بعرفات ويقولون: لا نخرج من الحرم ولا نتركه في وقت الطاعة، وكان غيرهم يقفون بعرفة والذين كانوا يقفون بعرفة يفيضون قبل أن تغرب الشمس، والذين يقفون بمزدلفة إذا طلعت الشمس ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير أي نسرع للنحر.

وقيل: أي ندفع من مزدلفة فندخل في غور الأرض.

وثبير جبل هناك فأمر الله  نبينا  بمخالفة القوم في الدفعتين فأمره بأن يفيض من عرفات بعد غروب الشمس.

وبأن يفيض من المزدلفة قبل طلوع الشمس، فإن السنة أيضاً من قبيل الوحي.

قال الواحدي: المشعر الحرام هو المزدلفة سماه الله  بذلك لأن الصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده.

وقال في الكشاف: المشعر الحرام قزح وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة، أي: يوقد هناك النار في الجاهلية، قال: وقيل المشعر الحرام ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام.

قال: والصحيح أنه الجبل لما روى جابر أن النبي  لما صلى الفجر - يعني بالمزدلفة - بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل ولم يزل واقفاً حتى أسفر.

وقال: عند المشعر الحرام معناه ما يلي المشعر الحرام قريباً منه وذلك للفضل كالقرب من جبل الرحمة وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، أو جعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به عند المشعر.

والمشعر المعلم لأنه معلم لعبادته ووصف بالحرام لحرمته.

وأما الذكر المأمور به هناك فقيل: هو الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء.

والصلاة تسمى ذكراً قال  ﴿ وأقم الصلاة لذكري  ﴾ والدليل عليه أن ﴿ فاذكروا ﴾ أمر فهو للوجوب ولا ذكر يجب هناك إلا هذا، والجمهور على أن المراد ذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل.

عن ابن عباس أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون ﴿ كما هداكم ﴾ "ما" مصدرية أو كافة.

أطلق الأمر بالذكر أوّلاً ثم قيده ثانياً.

والمعنى: اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة كي تكونوا شاكرين والهداية إما كل أنواع الهدايات أو الهداية إلى سنة إبراهيم في مناسك الحج، أو اذكروا كما علمكم كيف تذكرونه لا تعدلوا عنه بحسب الرأي والقياس، فإن أسماء الله  توقيفية أو الذكر الأول محمول على الذكر باللسان، والثاني على الذكر بالقلب.

أو المعنى اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته، أو المراد بتثنية الأمر تكريره وتكثيره كقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً  ﴾ وعلى هذا فيكون قوله ﴿ كما هداكم ﴾ متعلقاً بالأمرين جميعاً، أو الذكر الأول مقيد بأنه عند المشعر الحرام والثاني مطلق يدل على وجوب ذكره في كل مكان وعلى كل حال.

فالأول إقامة للوظيفة الشرعية والثاني ارتقاء إلى معارج الحقيقة وهو أن ينقطع القلب عن المشعر الحرام بل عن كل ما سواه من حلال وحرام.

أو المراد بالأول الجمع بين الصلاتين هناك وبالثاني التسبيح والتحميد ﴿ وإن كنتم من قبله ﴾ من قبل الهدى، أو من قبل الرسول، أو من قبل إنزال الكتاب الذي بين فيه معالم دينكم ﴿ لمن الضالين ﴾ الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه.

"وإن" هي المحففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ﴿ ثم أفيضوا ﴾ في هذه الإفاضة قولان: أحدهما أنه الإفاضة من عرفات وعلى هذا فالأكثرون قالوا: إنه أمر لقريش وحلفائها وهم الحمس لأنهم كانوا لا يتجاوزون المزدلفة ويتعللون بأن الحرم أشرف من غيره، فالوقوف به أولى.

وبأنهم أهل الله وقطان حرمه فلا يليق بحالهم أن يساووا الناس بالوقوف في الموقف ترفعاً وكراً.

روي أن النبي  لما جعل أبا بكر أميراً في الحج أمره بإخراج الناس إلى عرفات.

فلما ذهب مر على الحمس وتركهم فقالوا له: إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك؟

فلا تذهب.

فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر الله إلى عرفات ووقف بها وأمر سائر الناس بالوقوف بها.

والحاصل ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس الواقفون بعرفات لا من المزدلفة.

ومعنى "ثم" التفاوت بين الإفاضتين وأن الإفاضة المأمور بها صواب والأخرى خطأ كما تقول "أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم" تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى كريم والإحسان إلى غيره، وبهذا التحقيق لا يلزم عطف الشيء على نفسه.

وصيرورة المعنى: فإذا أفضتم من عرفات فأفيضوا من عرفات، ولا أن يقدر تقديم هذه الآية على ما قبلها في الوضع.

ومن القائلين بأن المراد الإفاضة من عرفات من قال إنه أمر الناس جميعاً.

وقوله ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ المراد به إبراهيم  وإسماعيل  فإن من سنتهما ذلك.

وروي أن النبي  كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس ويخالف الحمس.

وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيساً مقتدى به.

﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ ﴿ الذين قال لهم الناس  ﴾ يعني نعيم بن مسعود ﴿ إن الناس ﴾ يعني أبا سفيان.

ووجه ثالث وهو أن يكون قوله ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفات وأن ما عداه مبتدع كما يقال "هذا مما فعله الناس قديماً".

القول الثاني عن الضحاك أن المراد الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر، وقوله ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ يعني إبراهيم وإسماعيل ومتبعيهما فإن طريقتهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول  ، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس فأمرهم الله  بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

وأورد على هذا القول أن استعمال "حيث" للزمان قليل، ويمكن أن يجاب بأن القرآن أولى ما يحتج به.

وعن الزهري: أن الناس في هذه الآية آدم  واحتج بقراءة سعيد بن جبير ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ بكسر السين اكتفاء من الياء بالكسرة من قوله ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى  ﴾ والمعنى: أن الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تتركوه.

﴿ واستغفروا الله ﴾ من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم، وليكن الاستغفار باللسان مع التوبة بالقلب وهي أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ويعزم أن لا يقصر فيما بعده ابتغاء لمرضاة الله لا للمنافع العاجلة.

والاستغفار بالحقيقة يجب على كل مكلف وإن لم يعلم من ظاهر حاله خطيئة فإن النقص لازم الإمكان، والقصور من خصائص الإنسان وكيف لا وقد قالت الملائكة وإنهم أرفع حالاً ما عبدناك حق عبادتك.

وصورة الاستغفار على ما روى البخاري في صحيحه عن شداد بن أوس أن النبي  قال: "سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك وأبوء بذنبي فاغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" ولو اقتصر على قوله "أستغفر الله" كفى.

ولو زاد فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وأنت التواب الرحيم.

أو قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ذا الجلال والإكرام.

من كل ذنب أذنبته ومعصية ارتكبتها، وأتوب إليه من الذنب الذي أعلم ومن الذي لا أعلم كان حسناً.

﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ بناءان للمبالغة كما مر مراراً.

واختلف أهل العلم في المغفرة الموعودة في هذه الآية.

فمن قائل إنها عند الدفع من عرفات إلى جمع بناء على القول الأول في الإفاضة، ومن قائل إنها عند الدفع من جمع إلى منى بناء على القول الآخر.

قوله عز من قائل ﴿ فإذا قضيتم مناسككم ﴾ أي فرغتم من عباداتكم التي أمرتم بها في الحج، أو من أعمال مناسككم إذ المناسك جمع المنسك.

وأنه يحتمل أن يكون مصدراً وأن يكون اسم مكان.

وعن مجاهد أن قضاء المناسك هو إراقة الدماء.

عن ابن عباس: أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم بعد أيام التشريق يقفون بين مسجد منى وبين الجبل ويذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم ويتناشدون فيها الأشعار وغرضهم الشهرة والترفع بمآثر سلفهم.

فلما أنعم الله عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لربهم لا لآبائهم.

ثم الفاء في قوله ﴿ فاذكروا الله ﴾ تدل على أن الفراغ من المناسك يوجب هذا الذكر فلهذا قيل: هو الذكر على الذبيحة، وقيل: هو التكبيرات بعد الصلاة في أيام النحر والتشريق وقيل: هو الإقبال على الدعاء والاستغفار بعد الفراغ من الحج كالأدعية المأثورة عقيب الصلوات المكتوبة.

وقيل: معناه فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار البشرية وقهرتم القوى الطبيعية وأمطتم الأذى من طريق السلوك، فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير القلب بذكر الله فإن التخلية ليست مقصودة بالذات، وإنما الغرض منها التخلية بمواجب السعادات الباقيات، فالأولى نفي والثاني إثبات.

ومعنى ﴿ كذكركم آباءكم ﴾ توفروا على ذكر الله كما كنتم تتوفرون على ذكر الآباء، وأقيموا الثناء على الله مقام تعداد مفاخر الآباء فإنه إن كان كذباً أوجب الدناءة في الدنيا والعقوبة في العقبى، وإن كان صدقاً استتبع العجب والتباهي، وإن كانوا يذكرون الآباء ليتوسلوا بذلك إلى إجابة الدعاء فالإقبال بالكلية على مولي النعماء أولى مع أن حسنات آبائهم محبطة لسبب إشراكهم.

وعن الضحاك والربيع: اذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم وذلك قول الصبي أول ما ينطق "أبه أبه أمه أمه" أي كونوا مواظبين على ذكر الله كما يكون الصبي في صغره مواظباً على ذكر أبيه وأمه، فاكتفي بالآباء عن الأمهات كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ وقال أبو مسلم: جرى ذكر الآباء مثلاً لدوام الذكر.

والمعنى: كما أن الرجل لا ينسى ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر الله.

وقال ابن الأنباري: العرب أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء فقال  : عظموا الله كتعظيمكم آباءكم.

وقد نهى رسول الله  عن الحلف بالآباء وقال "من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" وقيل: اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية فإن الواحد منكم لو نسب إلى والدين تأذى منه واستنكف.

وقيل: كما أن الطفل يرجع إلى أبيه في طلب المهمات وكفاية الملمات فكونوا أنتم في ذكر الله كذلك.

وعن ابن عباس معنى الآية أن تغضب لله إذا عصي أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء.

وقوله ﴿ أو أشد ذكراً ﴾ إما في موضع جر عطفاً على ما أضيف إليه الذكر في قوله ﴿ كذكركم ﴾ كما تقول "كذكر قريش آباءهم أو قوم أشد منهم ذكراً.

وإما في موضع نصف عطفاً على ﴿ آباءكم ﴾ بمعنى أو أشد ذكراً من آبائكم على أن ﴿ ذكراً ﴾ من فعل المذكور وهو الآباء لا فعل الذاكر وهو الأبناء، فإن الذكر بل كل فعل معتدٍ له اعتبارات اعتبار وقوعه على المفعول، واعتبار صدوره عن الفاعل.

وذلك الفعل بأحد الاعتبارين مغاير له بالاعتبار الآخر.

وإنما لزم اعتبار الفعل ههنا من جهة وقوعه على المفعول لأنّ الآباء المفضل عليهم المذكورون لا الذاكرون.

ويحتمل أن يقال: المعنى فاذكروا الله ذكراً مثل ذكركم آباءكم أو أشد ذكراً.

ولكن برد عليه أن أفعل إنما يضاف إلى ما بعده إذا كان من جنس ما قبله كقولك: "وجهك أحسن وجه" أي أحسن الوجوه.

فإذا نصب ما بعده كان غير الذي قبله كقوله "زيد أفره عبداً".

فالفراهة للعبد لا لزيد.

والمذكور قبل ﴿ أشد ﴾ ههنا هو الذكر والذكر لا يذكر حتى يقال "أشد ذكراً إنما قياسه أن يقال: الذكر أشد ذكر جراً إضافة.

وفيه وجه نصبه على ما قال أبو علي أن يجعل الذكر ذاكراً مجازاً.

ويجوز نسبة الذكر إلى الذكر بأن يسمع إنسان الذكر فيذكر، فكأن الذكر قد ذكر لحدوثه بسببه وعلى جميع الوجوه.

فمعنى "أو" ههنا ليس هو التشكيك وإنما المراد به النقل عن الشيء إلى ما هو أقرب وأولى كقول رجل لغيره "افعل هذا إلى شهر أو أسرع منه".

وإنما أمر الله تعالى أن يكون ذكره أشد لأن مفاخر آبائهم متناهية وصفاته الكمالية غير متناهية، وتلك مشكوكة وهذه متيقنة، وغاية الأول تضييع وحرمان، ولازم الثاني نور وبرهان.

ثم إنه تعالى بعدما أمر بالعبادة تصفية للنفس وتخلية لها عن ظلمات الكبر والضلال وأمر عقيب ذلك بتنوير الباطن بنور الجلال والجمال بكثرة الاشتغال بذكر الكبير المتعال، نبه على حسن طلب مزيد الإنعام والإفضال فذكر أن الناس فريقان: منهم من قصر دعاءه على طلب اللذات العاجلة، ومنهم من أضاف إلى ذلك الطلب نعيم الآخرة وأهمل القسم الثالث وهو أن يكون دعاؤه مقصوراً على طلب الآخرة تنبيهاً على أن ذلك غير مشروع ومن حقه أن لا يوجد، فإن الإنسان خلق ضعيفاً لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بعذاب النار.

فالأولى به أن يستعيذ بربه من آفات الدنيا الآخرة.

عن أنس "أن النبي  دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض فقال له: ما كنت تدعو الله به؟

قال: كنت أقول: اللهم إذا كنت تعاقبني به في الآخرة فعجلنيه في الدنيا فقال النبي  : سبحان الله إنك لا تطيق ذلك ألا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟

فدعا له رسول الله  فشفي" .

والإنصاف أنه  لو سلط الألم على عرق واحد في البدن أو على منبت شعرة واحدة عجز الإنسان عن الصبر عليه، وقد يفضي ذلك به إلى الجزع ويعوقه عن اكتساب الكمالات، ويحمله على إهمال وظائف الطاعات، ومن ذا الذي يستغني عن إمداد الله إياه في دنياه وعقباه؟!

ثم المقصرون في الدعاء على طلب الدنيا من هم؟

عن ابن عباس: أنهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ارزقنا إبلاً وبقراً وغنماً وإماء وعبيداً.

وذلك لأنكارهم البعث والمعاد.

وعن أنس: كانوا يقولون: اسقنا المطر وأعطنا على عدوّنا الظفر، ويحكى عن أبي علي الدقاق أنه قال: أهل النار يستغيثون ثم يقولون: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله في الدنيا.

طلب المأكول والمشروب وفي النار طلب المأكول والمشروب، فلما غلبتهم شهواتهم افتضحوا في الدنيا والآخرة وقال الآخرون.

يحتمل أن يكونوا مسلمين وعوقبوا لأنهم سألوا الله في أعظم المواقف وأشرف المشاهد أخس البضائع وأدون المطالب المشبه تارة بكنيف وأخرى بأحقر من جناح بعوضة، معرضين عن العيش الباقي والنعيم المقيم.

وقوله ﴿ ربنا آتنا في الدنيا ﴾ متروك المفعول الثاني لأنه كالمعلوم، ويحتمل أن يكون من قولهم "فلان معط" أي موجد الإعطاء، معناه اجعل إعطاءنا في الدنيا خاصة.

واعلم أن مطامح النفس في الدنيا إحدى ثلاث خصال: روحانية هي تكميل القوة النظرية بالعلم وتتميم القوّة العملية بتحصيل الأخلاق الفاضلة، وبدنية هي الصحة والجمال، وخارجية هي الجاه والمال.

وكل من لا يؤمن بالبعث فإنه لا يطلب فضيلة روحانية ولا جسمانية إلا لأجل الدنيا.

فيطلب العلم لأجل الترفع على الأقران ويكتسب الأخلاق لتدبير الأمور المنزلية والمدنية.

فلما قال عز من قائل ﴿ وماله في الآخرة من خلاق ﴾ أي طلب نصيب حذف مفعول ﴿ آتنا ﴾ لأن كل من ليس له في الآخرة طلب، ولا لهمه إلى اقتناء السعادات الباقيات نزاع وطموح، فمطلوبه عبث وسفه ووبال وضلال أي شيء فرضت علماً وعملاً روحانياً أو جسمانياً.

اللهم اجعلنا ممن لا ينظر في أي شيء بنظر إلا إليك، ولا يرغب في كل ما يرغب إلا لأجل ما لديك إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين.

ثم إنه  لم يذكر في هذه الآية أن هذا الفريق مجابة دعوتهم أولاً.

فقال طائفة من العلماء: إنهم ليسوا بأهل للإجابة، لأن كون الإنسان مجاب الدعوة صفة مدح ولا يليق إلا بأولياء الله والمرتضين من عباده وقال آخرون قد يكون الإنسان مجاباً لا كرامة واجتباء بل مكراً واستدراجاً ويؤيده قوله  ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب  ﴾ وعلى هذا يصح أن يقال في الآية إضمار أي يقول: ربنا آتنا في الدنيا فيؤتيه الله في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق.

لأن همته مقصورة على الدنيا.

والحسنتان في دعاء الصالحين.

أما في الدنيا فالصحة والأمن والكفاية والولد الصالح والزوجة الصالحة والنصرة على الأعداء، وقد سمى الله  الخصب والسعة في الرزق وما أشبه ذلك حسنة ﴿ إن تصبك حسنة تسؤهم  ﴾ ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين  ﴾ قيل: إما النصرة وإما الشهادة.

وأما في الآخرة فالفوز بالثواب والخلاص من العقاب، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع.

صرح بذلكفي قوله ﴿ وقنا عذاب النار ﴾ وهذه بالجملة كلمة جامعة لجميع خيرات الدنيا والآخرة.

روى حماد بن سلمة عن ثابت أنهم قالوا لأنس: ادع لنا فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

قالوا: زدنا فأعادها قالوا: زدنا قال: فما تريدون سألت لكم خير الدنيا والآخرة.

وعن علي  الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء.

وعذاب النار امرأة السوء.

وقيل: الحسنة في الدنيا العمل النافع وهو الإيمان والطاعة، وفي الآخرة التنعم بذكر الله والإنس به وبرؤيته.

قلت: لا تلذذ في الدنيا والآخرة إلا بهذا.

الجسم مني للجليس مجالس *** وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي وعن قتادة الحسنتان طلب العافية في الدارين.

وعن الحسن: هي في الدنيا فهم كتاب الله، وفي الآخرة الجنة.

ومنشأ البحث مجيء الحسنة منكرة في حيز الإثبات، فكل من المفسرين حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة عقلاً أو شرعاً.

ويمكن أن يقال: التنوين للتعظيم أي حسنة وأي حسنة أو يريد حسنة توافق حال الداعي وحكمة المدعو، وفيه من حسن الطلب ورعاية الطلب ورعاية الأدب ما ليس في التصريح به فإنه لا يكون إلا ما يشاء أو يريد حسنة ما وإن كانت قليلة، فإن النظر إلى المنعم لا إلى الإنعام.

قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقال له قليل.

﴿ أولئك ﴾ الداعون بالحسنتين ﴿ لهم نصيب ﴾ وأي نصيب ﴿ مما كسبوا ﴾ من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة.

فمن للابتداء.

ويحتمل التعليل أي من أجل ما كسبوا كقوله ﴿ مما خطيئاتهم أغرقوا  ﴾ والكسب ما يناله المرء بعمله ومنه يقال للأرباح "إنها كسب فلان" أولهم نصيب مما دعوا به يعطيهم بحسب مصالحهم في الدنيا واستحقاقهم في الآخرة وسمي الدعاء كسباً لأنه من الأعمال والأعمال موصوفة بالكسب ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم  ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ أولئك ﴾ للفريقين جميعاً وأن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا.

﴿ والله سريع الحساب ﴾ السرعة نقيض البطء.

والحساب مصدر كالمحاسبة وهو العدّ قال الزجاج: هو مأخوذ من قوله "حسبك كذا" أي كفاك.

وذلك أن فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان.

ومعنى كون الله محاسباً لخلقه قيل: إنه يعلمهم ما لهم وعليهم بأن يخلق العلم الضروري في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها، أو بمقادير ما لهم من الثواب والعقاب.

ووجه هذا المجاز أن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بماله وعليه، فإطلاق الحساب على هذا الإعلام إطلاق اسم السبب على المسبب.

عن ابن عباس أنه قال: لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله يعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم فيقال لهم: هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها، ثم يعطون حسناتهم ويقال: هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم.

وقيل: المحاسبة المجازاة ﴿ وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً  ﴾ ووجه المجاز أن الحساب سبب للأخذ والإعطاء.

وقيل: إنه  يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية ما لها من الثواب والعقاب.

فمن قال: إن كلامه ليس بحرف ولا صوت قال: إنه  يخلق في أذن المكلف سمعاً يسمع به كلامه القديم كما يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة.

ومن قال: إنه صوت قال: إنه  يخلق كلاماً يسمعه كل مكلف.

إما بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كل واحد منهم و في جسم يقرب من أذنه بحيث لا يبلغ قوة ذلك الصوت مبلغاً يمنع الغير من فهم ما كلف به، فهذا هو المراد من كونه محاسباً لخلقه، ومعنى كونه سريع الحساب أو قدرته  متعلقة بجميع الممكنات من غير أن يفتقر في أحداث شيء إلى فكر وروية ومدة وعدّة، ولذلك ورد في الخبر أنه يحاسب الخلق في مقدار حلب شاة، وروي في لمحة.

أو أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم لأنه قادر على أن يعطي مطالب جميع الخلائق في لحظة واحدة كما ورد في الدعاء المأثور "يا من لا يشغله سمع عن سمع"، أو أن وقت جزائه وحسابه سريع يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد كقوله  ﴿ اقترب للناس حسابهم  ﴾ وقوله  ﴿ واذكروا الله ﴾ أي بالتكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار يكبر مع كل حصاة.

وفيه دليل على وجوب الرمي لأن الأمر بالتكبير أمر بالذي يتوقف التكبير على حضوره، وإنما اختير هذا النسق لأنهم ما كانوا منكرين للرمي وإنما كانوا يتركون ذكر الله  عنده ﴿ في أيام معدودات ﴾ هي أيام التشريق ثلاثة أيام بعد النحر: أولها يوم القر لأن الناس تستقر فيه بمنى.

والثاني يوم النفر الأول لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى.

والثالث يوم النفر الثاني.

عن عبد الرحمن بن معمر الديلي أن رسول الله  أمر منادياً ينادي الحج عرفة.

من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج وأيام منى ثلاثة من تعجل في يومين فلا إثم عليه واعلم أن التكبير المشروع في غير الصلاة وخطبة العيدين نوعان: مرسل ومقيد.

فالمرسل هو الذي لا يتقيد ببعض الأحوال بل يؤتى به في المنازل والمساجد والطرق ليلاً ونهاراً كما مر في تفسير قوله تعالى ﴿ ولتكبروا الله على ما هداكم  ﴾ وذكرنا صورة التكبير هناك أيضاً.

ولا فرق في التكبير المرسل بين عيد الفطر والأضحى.

وأما التكبير المقيد فأظهر الوجهين أنه لا يستحب في عيد الفطر لم ينقلوا ذلك عن قول رسول الله  ولا أصحابه، وإنما يستحب في الأضحى.

وتقييده هو أن يؤتى به في أدبار الصلوات خاصة.

واختلفوا في ابتدائه وانتهائه فقيل: من طهر يوم النحر إلى ما بعد طلوع الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبيرات على هذا في خمس عشرة صلاة وهو قول ابن عباس وابن عمر وبه قال مالك والشافعي في أشهر أقواله، وحجتهم أن الناس فيه تبع للحجاج وهم يبتدؤن التكبير عقيب الظهر يوم النحر إلى مضي خمس عشرة صلاة.

فيكون آخرها صلاة الصبح من آخر أيام منى وذكرهم قبل ذلك التلبية.

والقول الثاني للشافعي أنه يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير في أعقاب ثماني عشرة صلاة.

والقول الثالث أنه يبتدأ من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر، فتكون التكبيرات بعد ثماني صلوات، وهو قول علقمة والأسود والنخعي وأبي حنيفة.

واعترض عليه بأن هذه التكبيرات تنسب إلى أيام التشريق، فوجب أن يؤتى بها فيها.

وإن انضم معها زمن آخر فلا أقل من أن تكون هي أغلب.

والقول الرابع يبتدأ به من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطع بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق، فيكبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة، وهو قول أكابر الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود  م وقول الثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق والمزني من الفقهاء لما روى جابر أن النبي  أصبح يوم عرفة ثم أقبل علينا وقال: " الله أكبر" .

ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق، ولأن هذا هو الأحوط فتكثير التكبير خير من تقليله.

وعلى هذا القول إنما تكون التكبيرات مضافة إلى أيام التشريق لأنها أكثر تلك المدة.

قال الجوهري: تشريق اللحم تقديده، ومنه أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها في الشمس.

وقيل: هو من قولهم "أشرق ثبير كيما نغير".

وقيل: سميت بذلك لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس.

وأما رمي أيام التشريق فإنه يجب أن يرمي كل يوم بين الزوال والغروب بكل جمرة من الجمرات الثلاث بالترتيب مبتدئاً من الجمرة الأولى من جانب المزدلفة ومختتماً برمي جمرة العقبة وهي التي تلي مكة رميات سبعاً في سبع دفعات لأن النبي  كذلك رماها.

وقال: خذوا عني مناسككم.

فجملة ما يرمي في الحج سبعون حصاة، يرمي إلى جمرة العقبة يوم النحر سبع حصيات، وإحدى وعشرون في كل يوم من أيام التشريق إلى الجمرات الثلاث إلى كل واحدة سبع تواتر النقل به قولاً وفعلاً، ويكبر مع كل حصاة.

وعلى الحجيج أن يبتوا بمنى الليلتين الأوليين من ليالي التشريق، فإذا رموا اليوم الثاني فمن أراد منهم أن ينفر قبل غروب الشمس فله ذلك ويسقط عنه مبيت الليلة الثالثة والرمي من الغد وذلك قوله  ﴿ فمن تعجل ﴾ أي عجل أو استعجل ﴿ في يومين فلا إثم عليه ﴾ ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن يبيت الليلة الثالثة ويرمي يومها، وبه قال أحمد ومالك والشافعي.

وعند أبي حنيفة يسوغ النفر ما لم يطلع الفجر، فإذا طلع لزم التأخر إلى تمام الأيام الثلاثة وذلك قوله  ﴿ ومن تأخر فلا إثم عليه لمن التقى ﴾ قال في الكشاف: تعجل واستعجل يجيئان متعديين مثل تعجل الذهاب واستعجله، ويجيئان مطاوعين بمعنى عجل وهذا أوفق لقوله ﴿ ومن تأخر ﴾ والرمي في اليوم الثالث يجوز تقديمه على الزوال عند أبي حنيفة.

وعند الشافعي لا يجوز كسائر الأيام.

وقد سئل ههنا أن المتأخر قد استوفى ما عليه من العمل فكيف ورد في حقه ﴿ فلا إثم عليه ﴾ وهذا إنما يقال في حق المقصر الذي يظن أنه قد رهقه آثام فيما أقدم عليه.

فأجيب بأن الرخصة قد تكون عزيمة كالقصر عند أبي حنيفة والشيعة لا يجوز في السفر غيره، فلمكان هذا الاحتمال رفع الحرج في الستعجال والتأخر دلالة على أن الحاج مخير بين الأمرين، أو بأن أهل الجاهلية كانوا فريقين: منهم من يجعل المتعجل آثماً، ومنهم من يجعل المتأخر آثماً مخالفاً لسنة الحج، فبيّن الله  أن لا إثم على واحد منهما.

وقيل: إن المعنى في إزالة الإثم عن المتأخر إنما هو لمن زاد على مقام الثلاثة.

فكأنه قيل: إن أيام منى التي ينبغي المقام بها فيها ثلاثة، فمن نقص فلا إثم عليه، ومن زاد على الثلاثة ولم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه.

وقيل: إن الآية سيقت لبيان أن الحج مكفر للذنوب والآثام لا لبيان أن التعجل وتركه سيان كما أن الإنسان إذا تناول الترياق فالطبيب يقول له: الآن إذا تناولت السم فلا بأس، وإن لم تتناول فلا بأس، يريد أن الترياق دواء كامل في دفع المضار لا أن تناول السم وعدم تناوله يجريان مجرى واحداً.

وقيل: إن جوار البيت مكروه عند كثير من العلماء لأن ذلك قد يفضي إلى نقص حشمة البيت ووقعه في قلبه وعينه فأمكن أن يختلج في قلب أحد أن التعجيل أفضل بناء على هذا المعنى، ولما في التعجل من المسارعة إلى طواف الزيارة، فبيّن  أنه لا حرج في واحد منهما.

وقال الواحدي: هذا من باب رعاية المقابلة والمشاكلة مثل ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ بل ههنا أولى لأن المندوب يصدق عليه أنه لا إثم على صاحبه فيه، وجزاء السيئة ليس بسيئة أصلاً.

وأما قوله  ﴿ لمن اتقى ﴾ أي ذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي كيلا يتخالج في قلبه إثم منهما فإن ذا التقوى متحرز من كل ما يريبه.

وقيل: معناه أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقياً قبل حجة كقوله ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين  ﴾ أو لمن كان متقياً عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحج.

وقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ أي فيما يستقبل فيه حث على ملازمة التقوى فيما بقي من عمره وتنبيه على مجانبة الاغترار بالحج السابق كما أن قوله ﴿ واعلموا أنكم إليه تحشرون ﴾ توكيد للأمر بالتقوى وبعث على التشدد فيه لأن الحشر - وهو اسم يقع على ابتداء - خروج الناس من الأجداث إلى انتهاء الموقف يوجب تصوره، لزوم سيرة الاتقاء عن ترك الواجبات وفعل المحظورات.

والمراد من قوله ﴿ إليه ﴾ أنه حيث لا مالك سواه ولا ملجأ إلا إليه، ولا مستعان إلا هو ﴿ يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله  ﴾ .

التأويل: ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ هي مدة الحياة الفانية، وقيل إلى أربعين سنة، ولهذا قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد.

نعم لو صدق طلبه قبل الأربعين وما أمكنه الوصول فقريب أن يحصل مقصوده بعد الأربعين، ومن فاته الطلب في عنفوان شبابه إلى أن بلغ الأربعين فحري منه عليه الحيف إذ ضيع اللبن في الصيف، لكنه يصلح للعبادة التي أجرها الجنة.

﴿ فلا رفث ﴾ لا يميل إلى الدنيا وزينتها وليهجرها كالمحرم بعد الاغتسال بماء الإنابة بتزر بإزار التواضع والانكسار، ويتردى برداء التذلل والافتقار.

﴿ ولا فسوق ﴾ ولا خروج من الأوامر والنواهي بل لا يخرج من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت ﴿ ولا جدال في الحج ﴾ لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول لا بالفروع ولا بالأصول فلا في مالها مع أحد يخاصم ولا في جاهها لأحد يزاحم، فمن نازعه في شيء من ذلك يسلمها إليه ويسلم عليه ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ وتزودوا لكل سالك زاد.

فزاد أولي القشور كعك وسويق وهم الذين مقصدهم البيت ومقصودهم الجنة، وزاد أولي الألباب التقوى وهم من مقصدهم ومقصودهم رب البيت.

وتقوى أهل القشور مجانبة الزلات ومواظبة الطاعات، وتقوى أولي الألباب مجانبة الصفات بالصفات والذات بالذات.

فلما كان مقصودهم خير المقاصد كان زادهم خير الزاد ﴿ أن تبتغوا فضلاً ﴾ مقام ابتغاء الفضل بمعنى الرحمة بترك الموجود وبذل المجهود وهو في سيره إلى عرفات، ومقام ابتغائه بمعنى مواهب القربة ببذل الوجود عند الوقوف بعرفات، لأن الحج عرفة وعرفة المعرفة ومقام ابتغائه بمعنى الرزق هو قبل سيره إلى عرفات.

وقال جمع من المحققين: إنه بعد استكمال الحج الحقيقي لأنه لقوة عرفانه بالله لا تضره الدنيا بل يكون تصرفه فيها بالله في الله لله ﴿ عند المشعر الحرام ﴾ يعني القلب الذي حرام عليه الاطمئنان بغير ذكر الله ﴿ واذكروه كما هداكم ﴾ أي كما هدى قلوبكم يهدي نفوسكم كيلا تقع في خطر حب الدنيا.

﴿ وإن كنتم من ﴾ قبل الوقوف بعرفات المعرفة ﴿ لمن الضالين ﴾ في طلب الدنيا وحظوظ النفس ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ يعنى محمداً وسائر الأنبياء والأولياء أي لتكن الإفاضة من عرفات المعرفة لأجل أداء الحقوق بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ﴿ واستغفروا الله ﴾ لأجل إزالة غين المخالطة مع الخلق كقوله ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ إلى قوله ﴿ واستغفره  ﴾ أي إذا وجدت هذا لا تخلو عن خط ما فاستغفره ﴿ فإذا قضيتم ﴾ مناسك الوصال وبلغتم مبلغ الرجال فلا تأمنوا مكر الله وواظبوا على الذكر ﴿ كذكركم آباءكم ﴾ في صغركم للافتقار وفي كبركم للافتخار ﴿ أو أشد ذكراً ﴾ لأنه يمكن الاستغناء من الأب ولا يمكن الاستغناء من الله ﴿ والله سريع الحساب ﴾ لأن أثر الطاعة وأثر المعصية تظهر في الحال على القلب ﴿ في أيام معدودات ﴾ هي أيام البداية والوسط والنهاية ﴿ فمن تعجل في يومين ﴾ وقف على الوسط ليكون من أهل الجنة ﴿ فلا إثم عليه ومن تأخر ﴾ إلى أن يصل يوم النهاية حتى يكون من أهل الله فذاك لمن اتقى الرجوع والوقوف، والله ولي التوفيق وهو حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ ﴾ .

اختلفوا في تأويله وفي قراءته: قال بعض الناس: العمرة فريضة بهذه الآية؛ لأنه أمر بإتمامها كما أمر بإتمام الحج.

وقيل: هي الحجة الصغرى.

وأما عندنا: هي ليست بفريضة، وليس في قوله: ﴿ وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ ﴾ دليل فريضتها؛ لأنا لم نعرف فريضة الحج بهذه الآية، ولكن إنما عرفناه بقوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً  ﴾ .

ثم في الأمر بالإتمام وجوه: أحدها: أنهم كانوا يفتتحون الحج بالعمرة، فأمروا بإتمامها، على ما روي عن عمر، رضى الله عنه، قال: "متعتان كانتا على عهد رسول الله  ، وأنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما متعة الحج، ومتعة النساء" والثاني: أنهم كانوا لا يجعلون العمرة لله، فأمروا بجعلها لله.

وعلى ذلك روي في حرف ابن مسعود، رضي الله  عنه، أنه قرأ: "وأتموا الحج والعمرة لله" [بالرفع على الابتداء، ويحتمل الأمر بالإتمام ما روي عن علي وابن مسعود  ما سئلا عن قوله الله: ﴿ وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ ﴾ قالا]: "من تمامهما أن تحرم من دويرة أهلك".

واحتج أصحابنا، رحمهم الله  ، أيضاً بما روي عن جابر رضي الله  عنه: "أن رجلاً قال: يا رسول الله، والعمرة واجبة هي؟

قال: لا.

وأن تعتمر خير لك" وروي أيضاً عن رسول الله  ، أنه قال: "الحج مكتوب، والعمرة تطوع" ، وفي بعضها قال: "الحج الجهاد، والعمرة تطوع" وعن ابن مسعود رضي الله  عنه، أنه قال: "الحج فريضة، والعمرة تطوع" وعن عائشة، رضي الله  عنها، قالت: "قلت: يا رسول الله، أكل أهلك يرجع بحجة وعمرة غيري؟

قال: انفري فإنه يكفيك" .

إلى هذه الأخبار ذهب أصحابنا.

والأصل: احتج أصحابنا أيضاً بشيء من النظر؛ وذلك أن الله  فرض الصلاة والزكاة والصيام في أوقات خصها بها، وأجمع أهل العلم أن المتطوع بالصدقة والصلاة والصيام يفعل ذلك متى شاء، ثم أجمعوا أن العمرة لا وقت لها؛ فدل ذلك على أنها تطوع؛ إذ لو كانت فريضة كان لها وقت مخصوص يفعل فيه كغيرها من الفرائض.

فإن قيل: إن الحج التطوع مخصوص بوقت كمخصوص المفروض منه، فكما لا يدل الخصوص الذي في الحج التطوع على وجوبه، فكذلك العموم الذي في العمرة لا يدل أنها تطوع.

قيل: وجدنا الفرض كله مخصوصاً بوقت، ووجدنا التطوع على ضربين: منه ما هو مخصوص؛ كالحج، ومنه ما هو غير مخصوص؛ كالصلاة والصيام والصدقة.

فلما لم نجد في الفرض ما ليس بمخصوص بوقت، [جعلنا كل ما ليس بمخصوص بوقت تطوعاً] غير فرض.

واحتجوا أيضاً: بأنا وجدنا العمرة تفعل في أشهر الحج، ولم نجد صلاتين تفعلان في وقت واحد فريضتين، ولكن تفعل الصلاة التطوع في وقت الفريضة؛ فثبت لما جاز أن يجمع بين فعل الحج والعمرة في وقت واحد أنها تطوع؛ كالصلاة التي تفعل في وقت الظهر وغيرها.

واحتج من جعلها فرضاً بأن قال: لم نجد شيئاً يتطوع به إلا وله وأصل في الفرض، فلو كانت العمرة تطوعاً لكان لها أصل في الفرض.

قيل: العمرة إنما هي الطواف والسعي، ولذلك أصل في الفرض - فرض الحج - مع ما أنا وجدنا الاعتكاف تطوعاً، وليس له أصل في الفرض.

فعلى ذلك العمرة.

والأصل: أن كل ما يبتدئ الله إيجابه على عباده فإنه يوجب فعلها بأوقات أو يجعل لأدائها أوقات، والعمرة ليس لوجوبها وقت، ولا لأدائها.

ثبت أنها ليست مما أوجبها الله  .

وقوله: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ .

قوله: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ ﴾ الآية على الإضمار، كأنه قال - والله أعلم -: فإن أحصرتم: عن الحج، فأردتم أن تحلوا فاذبحوا ما استيسر من الهدي؛ إذ الإحصار نفسه لا يوجب الهدي، لكنه إذا أراد الخروج منه يخرج بهدي؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ  ﴾ ، كأنه قال - والله أعلم -: من كان منكم مريضاً أو على سفر فأفطر، فعدة من أيام أخر، وكقوله: ﴿ أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ ﴾ معناه - والله أعلم - أو به أذى [فلو أزال] من رأسه ففدية، وإلا كون الأذى في رأسه لا يوجب عليه الفداء حتى يزيل، كقوله: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ  ﴾ ، أي من أضطر فأكل منها غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه.

والاضطرار نفسه لا يوجب الإثم.

ثم اختلف أهل العلم في الإحصار: ما هو؟

وبم يكون؟

وهل يحل؟

روي عن ابن مسعود، رضي الله  عنه، أنه قال: "إذا أحصر الرجل من مرض أو حبس أو كسر أو شبه ذلك، بعث الهدي وواعد يوم النحر ومكث على إحرامه على أن يبلغ الهدي محله، وعليه الحج والعمرة جميعاً من قابل".

وعن عروة بن الزبير قال: "الحصر من كل شيء يحبسه: عدو ومرض".

وروي مرفوعاً عن رسول الله  أنه قال: "من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل" ، ومعنى قوله: "فقد حل"، أي جاز له أن يحل [لا أن يحل] بغير دم؛ لأن الله  أذن له في الإحلال بدم.

وهذا عندنا كقول رسول الله  : "إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر" ، فمعناه: فقد حل له الإفطار.

فعلى ذلك الأول: حل له أن يحل.

ثم قال بعض أهل اللغة من نحو الكسائي وأبي معاذ: إن الإحصار من المرض، والحصر من العدو.

فإن قيل: روي عن ابن عباس وابن عمر، رضي الله  عنهما، أنهما قالا: "لا حصر إلا عن حصار العدو".

ولكن في هذا نسخ الكتاب بقولهما، إن ثبت، وهو لا يرى نسخ الكتاب بالسنة فضلاً أن يراه بقول واحد من الصحابة: رضي الله  عنهم، مع ما ترك قولهما؛ لأنه روي عن ابن عباس، رضي الله  عنه، أنه قال: ذهب الحصر.

ثم يقال للشافعي - رحمه الله  -: إذا جاز أن تجعل المرأة بمنزلة المحصر من غير أن تخاف عدوّاً، لكنها لما منعها من له أن يمعنها جعلتها محصرة، فهلا جعلت المرض مثلها، وإن كان النص في القرآن جاء في المحصر من العدو على زعمك؟

فقال: لأن المرأة حبسها من له أن يحبسها، فهي أشد حالا ممن حبسه عدو، وليس له أن يحبسه.

فيقال له: المرض أمرضه من له أن يمرضه فاجعله أشد حالا من الذي حبسه عدو وليس له أن يحبسه، أو فرق بين المرأة والمريض، فقال: بل بينهما فرق.

وذلك أن الخائف بعدو يخاف القتل على نفسه، وقد أباح الله للخائف في القتال أن يتحيز إلى فئة، فينتقل بذلك من الخوف إلى الأمن.

قيل له: كما رخص للخائف في ذلك فقد رخص للمريض ألا يحضر القتال؛ فالرخصة له أكثر من الرخصة للخائف.

فإن قال: إن المريض لا يبرأ بالقعود، والخائف يأمن.

قيل له: إن الرخص التي جعلت للأعذار لا تجعل لترفعها، ولكن الرخصة لتُوَفِّيه المشقة.

فيقال له أيضا: قد جعلت المرأة محصرة إذا منعها زوجها وهي لا تخاف القتل على نفسها.

فبطلت علته وانتقضت.

فإن قال: إنكم لم تجعلوا من ضل الطريق محصراً وهو ممنوع من المضي على حجة، فما الفرق بينه وبين المريض؟

فيقال: لو جعلنا الضال عن الطريق محصراً، لم يجز له أن يحل من إحرامه إلا بدم يوجهه إلى الحرم فيذبح عنه.

وإذا وجد من يذهب إلى الحرم فيذبح هديه، فليس بضال؛ لأنه قد وجد دليلاً يدله على طريقه؛ لذلك افترقا.

وبعد، فإن المرض أحق أن يكون عذراً في ذلك من العدو وغيره؛ لأن يقاتل العدو والسباع فيدفع عن نفسه الإحصار، والمرض لا سبيل له إلى دفعه.

دل أنه أحق أن يجعل عذراً.

وقال بعضهم: يكون محصراً من الحج، ولا يكن من العمرة؛ لأن الحج مما يحتمل الفوت، والعمرة لا.

وأما عندنا: فإنه يكون محصراً منهما جميعاً؛ لأن الله عز وجل ذكر الإحصار على إثر ذكر العمرة بقوله: ﴿ وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ ﴾ ، وروي في الخبر، يرويه ابن عمر، رضي الله  عنه، "أن رسول الله  خرج معتمراً، فحال كفر قريش بينه وبين البيت الشريف، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية" ، وقوله: ﴿ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ ، فيه دلالة أن المحصر يبقى حراماً على حاله، لا يحل حتى ينحر عنه الهدي.

واختلف أهل العلم: أين يذبح الهدي؟

فعندنا: أنه لا يجوز أن يذبح إلا في الحرم؛ روي عن ابن مسعود - رضي الله  عنه - أنه قال: "يبعث بهدي ويواعدهم يوماً، فإذا نحر عنه حل".

وعن ابن عباس،   عنهما، مثل ذلك.

وعن ابن الزبير وعروة ابن الزبير - رضي الله  عنهما -: أن المحصر يبعث الهدي فإذا نحر عنه حلق.

وظاهر القرآن يدل على ما روي عن هؤلاء؛ لأن الله  قال: ﴿ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ ، فجعل للهدي محلاًّ يبلغه، وبين موضع محله فقال: ﴿ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ  ﴾ ، وكانت الكعبة محلاًّ لجزاء الصيد والدم المحصر.

قال الشيخ - رحمه الله -: المحل: اسم الموضع الذي يحل فيه.

ولو كان كل موضع له محلاًّ لم يكن لذكر المحل فائدة.

واحتج من خالف أصحابنا رحمهم الله بما روي أن النبي  ذبح الهدي يوم الحديبية ثم قال: ولم يبلغنا أنه نحره في الحرم.

قيل روي أنه نحر هديه يوم الحديبية في الحرم، يرويه مروان بن الحكم.

وعن ابن عباس -  - قال: نزل رسول الله  الحديبية فحال المشركون بينه وبين دخول مكة، وجاء سهيل بن عمرو يعرض عليهم الصلح فصالحهم رسول الله  وأمرهم أن يسوقوا البدن حتى تنحر حيث شاء، ولا يتوهم أن يكون النبي  يهدي الهدي في الحل وقد أطلق له المشركون أن ينحرها حيث شاء ولا يتوهم أن يكون النبي  وهو بقرب الحرم بل هو فيه.

وروي عن مروان والمسور بن مخرمة قالا: نزل رسول الله  بالحديبية في الحل وكان يصلي في الحرم، هذا يبين أنه كان قادراً أن ينحر هديه في الحرم حيث كان يصلي.

ولا يحتمل أن يترك نحر الهدي في الحرم وهو على ذلك قادر، ولأن الحديبية مكان مجمع الحل والحرم جميعاً فإنما ذبح في الحرم لا في الحل؛ لما ذكرنا أنه لا يحتمل أن يذبح في الحل، وله سبيل [إلى] الذبح في الحرم.

فإن قيل: حل النبي  عام الحديبية من إحصاره بغير [هدي؛ لأن الهدي إلى نحره كان هدياً ساقه لعمرته لا لإحصاره، فنحر هديه على النية الأولى، وحل من إحصاره بغير] دم.

قلنا: ليس الأمر عندنا هكذا؛ لأنه لا يتوهم على النبي  أن يكون حل بغير دم، وقد أمر الله المحصر بالدم.

فإن قال كذلك قال: وليس في حديث صلح الحديبية أنه نحر دمين، وإنما نحر دماً واحداً، فما وجه ذلك عندكم؟

قيل: وجه ذلك عندنا - والله أعلم - أن الهدي الذي ساقه كان هدي متعة أو قران فلما منع عن البيت سقط عنه دم القران فجاز له أن يجعله من دم الإحصار.

فإن قيل: فكيف قلنا: إن النبي  أزال الهدي عن سبيله، وأنت تزعم أن من باع هديه فهو مسيء؟

قيل له: إن النبي  لم يصرف الهدي عن نحره لله والتقرب به إليه، وإنما صرف النية إلى ما هو أفضل منها وأوجب، فكان ذلك في فعله متبعاً والذي باعه صرفه عن سبيله وترك أن ينحره بعد أن كان نوى به القربة فكان مسيئاً، ومما يدل على أن النبي  جعل الهدي لإحصاره ما روي أنه لم يحلق حتى نحر هديه، وقال: "يأيها الناس انحروا وحلوا" ثم المسألة ما يجب على المحصر بالحج والعمرة من القضاء إذ حل، فعلى قول أصحابنا إذا كان محرماً بالحج يلزمه الحج مكان الأول وعمرة بتفويت الحج؛ قال الله  : ﴿ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ ﴾ اختلف أهل العلم في تأويل ذلك، فروي عن ابن عباس -  - فيما يكون الرجل به محصراً أنه قال: فإذا أمنتم من الخوف أو المرض فمن تمتع بالعمرة أي اعتمر في أشهر الحج، كأنه يقول: إن عليه لإحلاله بغير الطواف عمرة، فإن أخرها حتى يقضيها مع الحج في أشهره فعليه لجمعه بينهما دم، وروي عن ابن عباس - رضى الله عنه - قال في رجل أهل بعمرة وأحصر: يبعث بهديه، فإذا بلغ الهدي محله حل، فإن اعتمر من وجهه ذلك إذا برأ فليس عليه هدي، وإن اعتمر من قابل بعد حج فليس عليه هدي، فإن وصلها من قابل بعد حج فعليه هدي، والحاج إذا أحصر فإنه يبعث بهدي، فإذا بلغ محله حل، وإن اعتمر من وجهه ذلك إذا برأ فإنه يحج من قابل وليس عليه هدي، وإن لم يزر البيت حتى يحج وجعلها سفرا واحدا كان عليه هدى آخر، سفران وهدى أو هديان وسفر.

وقال قوم: عليه حج واحد.

وروي عن ابن عباس - رضي الله  عنه - قال: أمر الله بالقصاص فيأخذ منكم العدد، أي حجة بحجة وعمرة بعمرة.

وروى في خبر عمر، رضي الله  عنه، عن النبي  لما قال: "فقد حل وعليه الحج من قابل" ، هذا يدل على قول ابن عباس،  ، لأنه قال: "وعليه الحج من قابل" ، ولم يذكر عمرة.

إلا أنه قد يجوز أن يكون عليه العمرة وإن لم تذكر في الحديث، كما أن الدم عليه واجب وإن لم يذكر في الحديث، فعلى ذلك العمرة يجوز وجوبها وإن لم تذكر.

أما إيجابهم العمرة لفسخ الحج بغير طواف وحجة مكان حجته: فإن كان التأويل في قوله: ﴿ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ ﴾ أي: بالعمرة التي لزمته بإحلاله كما قال ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير -  م - فكفى به حجة، وإن كان تأويل الآية غير ذلك فإنا وجدنا من يفوته الحج يلزمه أن يطوف بالبيت ثم يجب بعد ذلك قضاء الحج فأوجبوا على المحصر عمرة مكان الطواف الذي يجب على من يفوته الحج وأوجبوا الحج لما دخل فيه.

فإن قيل يجب أن تسقط عنه العمرة التي يجب على من يفوته الحج لأن الذي يفوته الحج لا يحل منه بدم وإنما يحل بالطواف، والمحصر قد حل بالدم فقام الدم الذي لزمه يحل به مقام الطواف الذي يفوته الحج.

قيل له: إن المحصر لو لم يذبح عنه هديا احتاج أن يقوم على إحرامه حتى يصل إلى البيت فيطوف به ولو إلى سنين ثم يحج بعد ذلك مكان الحجة التي دخل فيها فجعل له أن يتعجل إلى الخروج من إحرامه ويؤخر الطواف الذي لزمه بدم يهرقه فبالدم جاز له أن يحل ولم يبطل الطواف عنه وإذا لم يبطل الدم عنه الطواف ولم يجعل بدلاً منه فعليه أن يأتي به بإحرام جديد فيكون ذلك عمرة.

فإن قيل: ما الدليل على أن الدم الذي يحل به المحصر جعل عليه ليتعجل به الإحلال، ولم يجعل بدلاً عن الطواف؟

قيل: لأن أهل العلم أجمعوا على أن الذي يفوته الحج ليس له أن يفسخ الطواف الذي لزمه بدم يهرقه يجعله بدلاً عن الطواف، فدل أنه إنما يهريق الدم ليتعجل به إلى الإحلال، لا بَدَلاً عن الطواف.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ ﴾ .

روي عن علي وابن عباس، رضي الله  عنهما، أنهما قالا: "شاة" وأصحابنا، رحمهم الله  ، يرون الشاة مجزئاً في المتعة، والإحصار، والفدية، والحُجَّةُ لهم في ذلك ما ذكرنا من قول الصحابة، رضوان الله  عليهم أجمعين، "وما روي عن رسول الله  ، أنه قال لكعب بن عجرة: النسك شاة" ، وإجماع الناس على أنها مجزئة في الأضحية.

ثم المسألة في المحرم إذا حلق رأسه من أذى: رخص الله  للمتأذي حلق رأسه بفدىً، بقوله: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ ، روي فى الخبر عن كعب بن عجرة، أنه قال: قال رسول الله  : "يا كعب، أيؤذيك هوام رأسك، قلت: نعم يا رسول الله.

قال: فاحلقه، واذبح شاة أو أطعم ستة مساكين" .

وقال كعب: فيَّ نزلت هذه الآية.

ثم اختلف أهل العلم في الذبح: أين يذبح؟

قال أصحابنا - رضي الله  عنهم -: لا يجوز أن يذبح الفدية إلا بمكة.

وأما الصدقة والصوم فإنه يأتي به حيث شاء.

وذلك عندهم بمنزلة هدي المتعة؛ لأن هدي المتعة إنما وجب بجمعه بين الحج والعمرة في سفر واحد؛ ولأنه لو شاء أن يفرد لكل واحد منهما سفراً فعل، فبأخذه بالرخصة لزمه دم.

وكذلك دم الفدية إنما وجب لأخذه بالرخصة في حلق رأسه، فصار سبيل الدمين سواء، يجبان بمكة، وكذلك دم الإحصار إنما وجب؛ لأنه أخذ بالرخصة في حلق رأسه فحل من إحرامه.

ولا يجوز أن يذبح إلا بمكة.

فدم الفدية أينما كان إنما وجب؛ لأنه رخص له في حلق مثل ذلك.

والصدقة: هي ثلاثة آصع على ستة مساكين، على ما ذكر في خبر كعب بن عجرة، رضي الله  عنه.

فأما الصوم: فإن المتمع إذا لم يجد هديا، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع [إلى أهله].

فأجمعوا على أن له أن يصوم السبعة بمكة وفي غيرها.

فصوم الفدية كذلك.

وكذلك الثلاثة الأيام إذا صامها بعد إحرامه بالعمرة عندنا، وبعد إحرامه بالحج عند مخالفينا بمكة أو بغيرها، فهي مجزئة.

وكذلك صيام الفدية تجزئة حيث صامه قياساً على صوم المتمتع.

فأما الصدقة: فإن الشافعي رحمه الله ذكر أنها لا تجزئ إلا بمكة.

وقال: لأن أهل الحرم ينتفعون بها كما ينتفعون بالهدي.

فيقال له: أرأيت إن ذبح الهدي بغير مكة، ثم تصدق به على أهل الحرم هل يجزئه ذلك؟

فإن قال: لا، قيل له: قد بطلت علتك حيث لم يجز التصدق على أهل الحرم، وبان أن الدم خص بأن يهراق في الحرم؛ لأن الله  قال: ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ .

فأما الصدقة فهي مجزئة حيث كانت.

ثم اختلف في الذي يحلق قبل أن يذبح بغير أذى: فقال أبو حنيفة - رضي الله  عنه -: يجب عليه دم.

والحجة له: بأن الله - تبارك وتعالى - منع المحصر من الحلق ﴿ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ ، فإن حلق رأسه لأذى فعليه دم آخر؛ لأن الآية الكريمة في الحلق في المحصر، فإذا كان الذي يصيبه الأذى في رأسه قبل الوقت الذي أذن له فيه فدية، بل الذي يحلق رأسه بغير أذى أحرى أن يكون عليه الفدية.

وأبو حنيفة، رضي الله  عنه، يزيد في التغليظ عليه، فيقول: لا يجزئه غير الدم، ويخير صاحب الأذى بين الدم، والصدقة، والإطعام، كما أخبر الله  .

فدليل القرآن شهد لمذهبه.

وخالفه جماعة من أهل العلم فيمن حلق قبل أن يذبح وليس بمحصر، ووافقوه في المحصر.

واحتجوا "بما روي عن النبي  ، أنه لما سئل عن رجل حلق قبل أن يذبح فقال: اذبح ولا حرج" .

لكن قوله: "افعل ولا حرج"، يرجع إلى الإثم، دون الكفارة، افعل: أي لو فعلت لم يكن عليك حرج؛ لأن الكفارة قد تجب في أشياء يفعلها الرجل خطأ وعلى جهة الجهل، إنما تجب في ذلك؛ فلا حجة لمن احتج بهذا الحديث في زوال الكفارة.

وأصله في ذلك: أن أحوال الضرورة سبب تخفيف الحكم وتيسيره، لم يجز إيجاب ذلك الحكم في غير أحوال الضرورة والعذر.

وعلى هذا يخرج قولهم في جميع الأصول: إن الحكم في حال الاضطرار والعذر خلاف ما هو في حال الاختبار.

ولهم على هذا مسائل مما يكثر عددها.

وفي الآية دليل لزوم الفداء على المتدهن؛ لأن الله  قال: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً ﴾ ، وقد ذكرنا أن فيه إضماراً.

ثم معروف حاجة المريض في حال مرضه إلى الدهن، فصار كأنه مذكور في الآية.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ ﴾ .

وقد ذكرنا هذا وأقاويلهم.

وقوله: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ ﴾ .

اختلف أهل التأويل فيه: قال بعضهم: من حين يحرم آخرها يوم عرفة.

وعن ابن عمر، رضي الله  عنهما، قال: "ولا تصومهن حتى تحرم".

وعن ابن عباس، رضي الله  عنه، قال: "ما بين الهلال ويوم عرفة"، وعن علي، رضي الله  عنه، قال: "فصيام ثلاثة أيام في الحج"، اختلف أهل التأويل فيه قبل يوم التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة.

فإن فات ذلك صام ثلاثة أيام بعد أيام التشريق.

أما تأخيره الصوم [حتى يكون آخره يوم عرفة لما لعله يجد الهدي، ومثال ذلك ما أمر المتيمم عن تأخير الصلاة] رجاء أن يجد الماء فيغنيه عن التيمم، فعلى ذلك يؤخر الصوم حتى يكون آخره يوم عرفة رجاء أن يجد الهدي.

وأما ما اختلفوا فيه من صيامهن حلالا بعد العمرة، فإن من لم يجوز ذلك ذهب إلى أن الله  قال: ﴿ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ ﴾ ، فتأول ذلك على الإحرام.

وقد يجوز أن يكون الأمر كما قال، ويجوز أن يكون معناه: في أشهر الحج.

ألا ترى أن الله  يقول: ﴿ ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾ ، ومعناه - والله أعلم -: أن الحج يفعل في هذه الأشهر، ولفعله أشهر معلومات.

فلما احتملت الآية ما ذكرنا وجدنا السنة في المتمتع أن يحرم بالحج عشية التروية، كذلك روي عن جابر بن عبد الله، رضي الله  عنه، أنه قال: "قدمنا مكة مع رسول الله  مهلين بالحج لأربع ليال مضين من ذي الحجة، فطاف بالبيت سبعاً، وسعى بين الصفا والمروة، ولم يحل؛ لأنه كان ساق الهدي وأمر من لم يسق الهدي أن يطوف ويسعى ويقصر ثم يحل.

فلما كان يوم التروية أمرهم أن يلبوا بالحج، فإذا كنا نأمر المتمتع أن يحرم بالحج عشية التروية، فكيف يصوم الثلاثة الأيام بعد ذلك، وإنما بقي له يوم واحد؟

فدل ما وصفناه: أنه يجوز له أن يصومهن حلالاً بعد العمرة.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ﴾ .

اختلف فيه: قيل: إذا رجع من منى.

وقيل: إذا أتى وقت الرجوع.

وقيل: إذا رجعتم إلى أهليكم.

وقوله: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ .

قيل: تلك العشرة وإن كانت متفرقة، فهي كالموصولة في حق الحج.

وقيل: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ ، عن الهدي وافية، أي: يكمل بها حق الدم.

وقيل: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ ، في حق الثواب، أي: ثوابها كثواب الهدي.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

جعل الحكم الذي ذكره في المتمتع والمحصر، لمن لا يحضر أهله المسجد الحرام؛ عن ابن عباس، رضي الله  عنه، أنه قال: "ليس على أهل مكة هدي في المتعة".

ولأن أهل مكة لو كانوا كغيرهم لم يكن للمخصوص معنى.

وإذا كان المعتمر في أشهر الحج إذا رجع إلى أهله ثم حج من عامه ذلك فلا هدي عليه، فالمكي مقيم في منزله بعد عمرته فهو أحرى ألا يجب عليه دم المتعة إن حج من عامة ذلك، ولكنه إن تمتع فعليه دم الحلال؛ لأنه منهي عن التمتع.

ثم اختلف أهل التأويل في ﴿ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ ، من هم.

قال أصحابنا - رحمهم الله  -: كل من كان من أهل المواقيت فما دونها إلى مكة، فلهم أن يدخلوها بغير إحرام، فلهم جمعياً حكم حاضري المسجد الحرام.

وروي عن ابن عمر، رضي الله  عنه،: أنه خرج من مكة يريد المدينة، فلما بلغ قديداً بلغه أن بالمدينة جيشين من جيوش الفتنة، فرجع ودخلها بغير إحرام.

وعندنا: إذا جاوز جميع المواقيت ثم رجع فعليه الإحرام.

وقال آخرون: ليس حاضري المسجد الحرام.

وأما [الدليل] لأصحابنا، رحمهم الله  ، ما ذكرنا.

وأما قولنا: ليس عليهم إحصار؛ لأن الإحصار هو الجيش والحيلولة بينهم وبين دخولهم مكة، فإذا كانوا هم فيها قادرون على الطواف بالبيت في كل وقت، كذلك بطل الإحصار.

وقوله  : ﴿ ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾ .

عن ابن عمر، رضي الله  عنه، أنه قال: ﴿ ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾ : شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.

وعن ابن عباس، رضي الله  عنه [...]، وعن الحسن، والشعبي، ومجاهد، وابن جبير، وإبراهيم، وعطاء مثله.

وعن عبد الله بن مسعود، رضي الله  عنه، أنه قال: إنها شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.

ونرى أن عبد الله بن مسعود، رضي الله  عنه، أراد ما أراده الأولون؛ لأنه لا يبقى بعد أيام منى [شيء] من مناسك الحج، فكيف تكون الأيام التي بعد النفر من أيام الحج، ولا عمل فيها للحجاج؟

ثم المسألة - فيمن يحرم بالحج قبل أشهر الحج، ما عليه؟

وهل يجوز إحرامه؟

عن ابن عباس، رضي الله  عنه، أنه قال: من سنة الحج ألا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج.

وعن جابر، رضي الله  عنه، أنه قال: لا يحرم بالحج قبل أشهر الحج.

فأصحابنا، رحمهم الله  ، يكرهون الإحرام قبل أشهر الحج، واتبعوا في كراهيتهم ما روي عن السلف النهي عن ذلك، لكنهم يقولون: إن أحرم يجوز.

واحتج بعض أصحابنا في ذلك بأن قال: للحج ميقات ووقت، وأجمعوا أن من أحرم بالحج قبل الميقات فإحرامه صحيح [، فعل ذلك من أحرم قبل وقته فإحرامه صحيح].

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾ ، الأشهر كلها، كقوله  : ﴿ إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً  ﴾ ، وهي الأشهر كلها، وهي معلومة؛ [وهي] كقوله  : ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ  ﴾ .

فإن كان هذا تأويل الآية، ففيه دليل جواز الإحرام بالحج في الأشهر كلها.

وقال آخرون: ﴿ ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾ ، [أي في أشهر معلومات] وهو ما ذكرنا من قول جماعة من السلف، قالوا: إنها شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، غير أنه يتوجه وجهين: أحدهما: أن لفعل الحج أشهر معلومات، دليله قوله  : ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ ﴾ ، سماه حجّاً بعد سبب الإلزام، فثبت أن ما بعد الإحرام حج.

والوجه الثاني: أن للحج أشهر معلومات، لا يدخل فيها غيره، ثم أدخل فيها العمرة رخصة، دليله: قوله  : "دخلت العمرة في الحج [إلى يوم القيامة] هكذا، [وشبك بين أصابعه]" ، فيكون معناه: أن للحج أشهر، أي: لفعله أشهر معلومات.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ ﴾ .

اختلف فيما به فرض الحج؟

قال بعضهم: إذا نوى الحج صار محرماً، لبى أو لم يلب.

وقال آخرون: إذا نوى أن يعمل بجميع ما أمر وأن ينتهي عن جميع ما نهى، صار بذلك محرماً.

وأما عندنا: فإن تأويل قوله: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ ﴾ ، أي: لبى فيهن بالحج.

دليله ما روي عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، رضوان الله  عليهم أجمعين، أنهم قالوا: ﴿ فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ ﴾ ، أي: لبى.

وأما بالنية مجرداً فإنه لا يكون محرماً.

وما روي أيضاً عن رسول الله  ، أنه قال لعائشة، رضي الله  عنها، وقد رآها حزينة: "ما لك؟

فقالت: أنا قضيت عمرتي، وألفاني الحج عاركا.

فقال: ذلك شيء كتبه الله  على بنات آدم، فحجي وقولي ما يقول المسلمون في حجهم" فبين قول رسول الله  لعائشة، رضي الله  عنها، [رد حجي وقولي ما يقول المسلمون في حجهم أن التلبية واجبة إذ كان المسلمون يفعلونها وأمر عائشة  ا] باتباعهم فيها.

وعن عائشة، رضي الله  عنها، أنها قالت: "لا يحرم إلا من أهل أو لبى".

فدلت هذه الأحاديث النبوية على أن التلبية فرض الحج، وعن هؤلاء الأئمة وأمثالهم الذين نأخذ منهم الدين فلا تجوز مخالفتهم ولا العدول عن سبيلهم.

وقال أصحابنا - رحمهم الله  -: إن خرج رجل مع بدنته وقلدها ونوى الإحرام فهو محرم، ويقوم ذلك الفعل منه مقام التلبية.

والحجة لذلك: أن النبي  قال لأصحابه، رضوان الله  عليهم أجمعين، في حجته لما أمرهم بأن يحلوا العمرة، فقالوا: إنك لم تحل.

قال "إني قلدت الهدي، فلا أحل من إحرامي إلى يوم النحر" وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي" .

فأخبر النبي  أن الذي منعه من الحل تقليده الهدي، وأن ذلك قام مقام الإحرام لو جدده بعد الطواف.

وروي عن علي، وعبد الله بن مسعود، وجابر، رضي الله  عنهم، أنهم قالوا: إذا قلد فقد أحرم.

وكذلك قال عبد الله بن عباس - رضي الله  عنه -: إذا قلد - [وهو] يريد الحج أو العمرة - فقد أحرم.

وما روي عن عائشة - رضي الله  عنها -: لا يحرم إلا من أهل أو لبى، فذلك عندنا في الذي يقلد بدنته ولا يخرج معها، لا يصير محرماً.

ألا ترى ما روي عن عائشة، رضي الله  عنها، أنها قالت: "كان النبي  يبعث بهديه ويقيم، فلا يحرم عليه شيء" .

وقوله: ﴿ فَلاَ رَفَثَ ﴾ .

قيل: ﴿ ٱلرَّفَثُ ﴾ ، جميع حاجات الرجال إلى النساء.

وقال ابن عباس - رضي الله  عنه -: ﴿ ٱلرَّفَثُ ﴾ ، الجماع.

وعن عبد الله بن عمر، رضي الله  عنه، مثله.

وأجمع أهل العلم أن المحرم لا يجوز له أن يقبل امرأته، ولا يمسها بشهوة.

ويوجبون على من فعل ذلك دما.

روي عن ابن عمر - رضي الله  عنه -: إذا باشر المحرم امرأته أهرق دماً.

وعن علي - رضي الله  عنه - قال: إذا قبل المحرم امرأته فعليه دم.

وسئلت عائشة، رضي الله  عنها، عما يحل للمحرم من امرأته؟

فقالت: يحرم عليه كل شيء سوى الكلام.

وقوله: ﴿ وَلاَ فُسُوقَ ﴾ .

قيل: ﴿ ٱلْفُسُوقُ ﴾ ، السب.

وقيل: هو كل فسق، والفسق حقيقة الخروج من أمر الله  ، قال الله  : ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ  ﴾ ، أي: خرج.

وقوله: ﴿ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ ﴾ .

قيل: "الجدال"، المراء.

وذلك أن العرب كانت تؤخر الأشهر الحرم وتعجل، وفي ذلك نزل قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ  ﴾ ، فبين رسول الله  ، وقال: "إن السَّنة قد استدارت كهيئتها يوم خلق السماوات والأرض" ، فعلى ذلك استدار وقت الحج إلى حيث جعل، لا يتقدم أبداً ولا يتأخر، فلا تماروا فيه.

وعن ابن عباس، رضي الله  عنه، أنه قال: لا تجادل صاحبك حتى تغضبه.

وأشبه الأمور - والله أعلم - بتأويل الآية: أن الله  وتعالى [أمر بحفظ] اللسان والفرج في الإحرام عن كل ما يذكر من فسوق، ومعصية، ومجادلة، ومخاصمة، وعن الرفت بالفعل والقول؛ لأنه يروى أن الفضل بن عباس كان رديف رسول الله  [من المزدلفة إلى منى]، وكان الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن، فجعل النبي  يصرف وجهه بيده من خلفه، فقال النبي  : "إن هذا يوم من ملك سمعه، وبصره، ولسانه غفر له، أو كما قال" وروي عنه  ، أنه قال: "من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه" وقوله: ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ﴾ .

ويجزيه؛ [وفيه] ترغيب منه في كل خير.

وقوله: ﴿ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ .

قيل: ﴿ وَتَزَوَّدُواْ ﴾ للحج والعمرة ما تكفون به وجوهكم عن المسألة، ولا تخرجوا بلا زاد لتكونوا عيالاً على الناس.

ويحتمل: أن يكون الأمر بالتزود للمعاد، يدل عليه قوله ﴿ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ ، يقول: إن تقوى الله خير زاد من زاد الدنيا.

وقوله: ﴿ وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ .

يحتمل: ﴿ وَٱتَّقُونِ ﴾ ، المعاصي والمناهي وكل فسق.

ويحتمل: على التقديم والتأخير، كأنه قال: "تزودوا يا أولى الألباب"، ﴿ وَٱتَّقُونِ ﴾ في المسألة من الناس.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقت الحج أشهر معلومات، تبدأ بشهر شوال، وتنتهي بعشر ذي الحجة، فمن أوجب على نفسه الحج في هذه الأشهر وأحرم به؛ حَرُمَ عليه الجماع ومقدماته، ويتأكد في حقه حُرْمة الخروج عن طاعة الله بارتكاب المعاصي؛ لعظم الزمان والمكان، ويحرم عليه الجدال المؤدي إلى الغضب والخصومة، وما تفعلوا من خير يعلمه الله فيجازيكم به.

واستعينوا على أداء الحج بأخذ ما تحتاجون إليه من طعام وشراب، واعلموا أن خير ما تستعينون به في كل شؤونكم هو تقوى الله تعالى، فخافوني بامتثال أوامري واجثناب نواهيّ يا ذوي العقول السليمة.

<div class="verse-tafsir" id="91.g16Em"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قوله تعالى ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ  ﴾ معناه أن الوقت الذي يؤدي فيه الحج أشهر يعلمها الناس وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة أي أنه يؤدي في هذه الأشهر ولا يلزم أن يكون من أول يوم معها إلى آخر يوم بل معناه أنه يصح الإحرام به من غرة أولها تنتهي أركانه وواجباته في أثناء آخرها، فالوقوف في التاسع من ذي الحجة وبقية المناسك في أيام العيد وهي يوم النحر الذي فسر به قوله تعالى ﴿ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ  ﴾ وأيام التشريق، وجوز بعض السلف تأخير طواف الإفاضة إلى آخر ذي الحجة.

وقد اختلف العلماء في ذلك فقال بعضهم إنها الأشهر الثلاثة من أولها إلى آخرها ويروي عن ابن مسعود وابن عمر وعليه مالك، وقال بعضهم إنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة يروي عن ابن عباس وعليه أبو حنيفة والشافعي وأحمد، ولا حجة في الآية لأحد على تحديده والمتبادر منها ما ذكرناه.

وقوله تعالى معلومات إقرار لما كان عليه العرب في الجاهلية من أشهر الحج لأنه منقول بالتواتر العملي من عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وهو يتضمن بطلان النسيء فيها لأنه جاهلي معروف.

وقد استدل بالآية على أنه يجوز الإحرام بالحج في غير هذه الأشهر لأنه شروع في العبادة في غير وقتها كمن يصلي قبل دخول الوقت، ويروى عن بعض علماء التابعين وعليه الشافعي والأوزاعي وأبو ثور من أئمة الفقه، وقال أبو حنيفة وأحمد أنه جائز مع الكراهة، ومالك بلا كراهة.

﴿ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ  ﴾ أي أوجبه وألزمه نفسه بالشروع فيه وقد مر بيان كيفيته ﴿ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ  ﴾ .

إن تفسير الكلمات الثلاث ينبغي أن يكون متناسبًا وبحسب حال القوم في زمن التشريع، فأما الرفث فهو كما قيل الجماع، وأما الفسوق فهو الخروج عما يجب على المحرم إلى الأشياء التي كانت مباحة في الحل كالصيد والطيب والزينة باللباس المخيط، والجدال هو ما كان يجري بين القبائل من التنازع والتفاخر في الموسم، فبهذا يكون التناسب بين الكلمات وإلا حملت كلها على مدلولها اللغوي فجعل الرفث قول الفحش، والفسوق التنابز بالألقاب على حد ﴿ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ  ﴾ والجدال المراء والخصام، فتكون هذه المناهي كلها آدابًا لسانية.

والنكتة في منع هذه الأشياء" على أنها آداب لسانية" تعظيم شأن الحرم وتغليظ أمر الإثم فيه، إذ الأعمال تختلف باختلاف الزمان والمكان، فللملأ آداب غير آداب الخلوة مع الأهل، ويقال في مجلس الإخوان ما لا يقال في مجلس السلطان، ويجب أن يكون المرء في أوقات العبادة والحضور مع الله تعالى على أكمل الآداب وأفضل الأحوال، وناهيك بالحضور في البيت الذي نسبه الله سبحانه إليه، وقد بينا معنى هذه النسبة في تفسير ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ  ﴾ الآيات.

وأما السر فيها "على أنها من محرمات الإحرام" فهو أن يتمثل الحاج أنه بزيارته لبيت الله تعالى مقبل على الله تعالى قاصد له، فيتجرد من عاداته ونعيمه، وينسلخ من مفاخره ومميزاته على غيره، بحيث يساوي الغني الفقير، ويماثل الصعلوك الأمير، فيكون الناس من جميع الطبقات في زي كزي الاموات، وفي ذلك من تصفية النفس وتهذيبها وإشعارها من حقيقة العبودية لله والأخوة للناس ما لا يقدر قدره، وإن كان لا يخفى أمره، وفي حديث أبي هريرة: "من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"وذلك أن الإقبال على الله تعالى بتلك الهيئة والتقلب في تلك المناسك على الوجه المشروع يمحو من النفوس آثار الذنوب وظلمتها ويدخلها في حياة جديدة، لها فيها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.

ثم قال تعالى بعد النهي عن هذه المحظورات ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ  ﴾ وفيه التفات إلى الخطاب ويشعر العطف بمحذوف تقديره أن اتركوا هذه الأمور الممنوعة في الحج لتخلية نفوسكم وتصفيتها، وحلوها بعد ذلك بفعل الخير لتتم لكم تزكيتها، فإن النفوس بعد ذلك تكون أشد استعدادًا للاتصاف بالخير، والله لا يضيع عليكم أقل شيء منه، لأنه عالم به وأنكم وافقتم فيه سنته وشريعته ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى  ﴾ قالوا إن هذا نزل في ردع أهل اليمن عن ترك التزود زعمًا أنه من مقتضى التوكل على الله فقد أخرج البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن عباس أنه قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن متوكلون، ثم يقدمون فيسألون الناس فنزلت.

فالمراد بالتقوى على هذا اتقاء السؤال وبذل ماء الوجه.

ولكن هذا المعنى غير ظاهر من العبارة، بل المتبادر منها أن الزاد هو زاد الأعمال الصالحة وما تدخر من الخير والبر كما يرشد إليه التعليل في قوله ﴿ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى  ﴾ والمعنى من التقوى معروف وهو ما به يتقى سخط الله، وليس ذلك إلا البر والتنزه عن المنكر ولا يعلل بأن التقوى خير زاد إلا وهو يريد التزود منها، أما المعنى الذي ذكروه فلا يصلح مرادًا من الآية لأنه لولا ما أوردوا من السبب لم يخطر ببال سامع اللفظ، والسبب ليس مذكورًا في الآية ولا مشارًا إليه فيها فلا يصلح قرينة على المراد من ألفاظها، نعم إن السبب قد ينير السبيل في فهم الآية، ولكن يجب أن تكون مفهومة بنفسها لأن السبب ليس من القرآن ولذلك أتمها بقوله ﴿ وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ  ﴾ يعني من كان له لب وعقل فليتقي فإنه يكون على نور من فائدة التقوى وأهلًا للانتفاع بها.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله