الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآية ٢٤٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 12 دقيقة قراءةالقتال للدفاع عن الحق أو لحماية الحقيقة يتوقف على بذل المال لتجهيز المقاتلة ولغير ذلك، لا فصل في الحاجة إلى هذا بين البدو الحضر، فإذا كانت مقاتلة القبائل البدوية لا تكلف رئيسها أن يتولى تجهيزها بل يجهز كل واحد نفسه، فكل واحد مطالب ببذل المال لتجهيز نفسه وإعانة من يعجز عن ذلك من فقراء قومه، وأما دول الحضارة فهي تحتاج في الاستعداد للمدافعة والمهاجمة ما لا يحتاج إليه أهل البادية، وقد كثرت نفقات الدول الحربية اليوم بارتقاء الفنون العسكرية، وتوقف الحرب على علوم وفنون وصناعات كثيرة من قصر فيها كان عرضة لسقوط دولته، لهذا قرن الله تعالى الأمر بالقتال بالحث على بذل المال، فالمراد بالبذل هنا ما يعين على القتال، وما هو بمعناه من كل ما يعلي شأن الدين، ويصون الأمة ويمنعها من عدوان العادين، ويرفع مكانتها في العالمين.
وقد ذكر حكم هذا الإنفاق ف سبيل الله بعبارة تستفز النفوس، وأسلوب يحفز الهمم، ويبسط الأكف بالكر، فقال ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ فهذه العبارة أبلغ من الأمر المجرد، ومن الأمر المقرون ببيان الحكمة، والتنبيه إلى الفائدة، والوجه في اختيار هذا الأسلوب هنا أن الداعية إلى البذل في المصالح العامة ضعيفة في نفوس الأكثرين، والرغبة فيه قليلة، إذ ليس فيه من اللذة والأريحية ما في البذل للأفراد، فاحتيج فيه للمبالغة في التأثير.
يدفع الغني إلى بذل شيء من فضل ماله لأفراد ممن يعيش معهم أمور كثيرة، منها إزالة ألم النفس برؤية المعوزين والبائسين، ومنها اتقاء حسد الفقراء واكتفاء شر شرارهم والأمن من اعتدائهم، ومنها التلذذ برؤية يده العليا، وبما يتوقعه من ارتفاع المكانة في النفوس، وتعظيم من يبذل لهم وشكرهم وحبهم، فإن السخي محبب إلى جميع الناس، من ينتفع منهم بسخائه ومن لا ينتفع وإذا كان البذل إلى ذوي القربي أو الجيران فحظ النفس فيه أجلى، وشفاء ألم النفس به أقوى، فإن ألم جارك وقريبك ألم لك، ويتعذر على الإنسان أن يكون ناعمًا بين أهل البؤس والضراء، سعيدًا بين الأشقاء، فكل هذه حظوظ للنفس في البذل للأفراد تسهل عليها امتثال أمر الله فيه وإن لم يكن مؤكدًا وقد يكون فيها من الرياء وحب السمعة ما ينافي كونها قربة وتعبدًا.
وأما البذل يراد هنا - وهو البذل للدفاع عن الدين وإعلاء كلمته، وحفظ حقوق أهله- فليس فيه شيء من تلك الحظوظ التي تسهل على النفس مفارقة محبوبها (المال) إلا إذا كان تبرعًا جبريًا يتولى جمعه بعض الحكام والأمراء أو يجمع بأمر الملوك والسلاطين، ولذلك يقل في الناس من يبذل المال في المصالح العامة لوجه الله تعالى، فلهذا كان المقام يقتضي مزيد التأكيد، والمبالغة في الترغيب.
وليس في الكلام ما يدرك شأو هذه الآية في وتأثيرها ولا سيما موقعها هذا بعد بيان سنه الله تعالى في موت الأمم وحياتها.
حسبك أنه تعالى جعل هذا البذل بمثابة الإقراض له وهو الغني عن العالمين الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما - وإنما يقترض المحتاج - وأنه عبر عن طلبه بهذا الضرب من الاستفهام، المستعمل للإكبار والاستعظام، فإنه إنما يقال من ذا الذي يفعل كذا؟
في الأمر الذي يندر أن يقدم عليه أحد.
يقال من ذا الذي يتطاول إلى الملك فلان؟
أو من ذا الذي يعمل هذا العمل وله كذا؟
إذا كان عظيمًا أو شاقًا يقل من يتصدى له.
قال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ وقال: ﴿ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنْ اللَّهِ ﴾ الآية.
ولا يقال من ذا الذي يشرب هذه الكأس المثلوجة -وهجير الصيف متقد، والسموم تلفح الوجوه-؟
وأنه لم يكتف بتسميته إقراضًا وبالتعبير عنه بهذا الاستفهام حتى قال ﴿ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ ذلك أن الإقراض هو أن تعطي إنسانًا شيئًا من المال على أن يرد إليك مثله، فالتعبير بالإقراض يقتضي أن القرض لا يضيع، وليس هذا بكاف في الترغيب الذي تقتضيه الحال هنا، فصرح بأنه لا يرد مثله، بل أضعاف أضعافه من غير تحديد، وقد قال في مقام آخر: ﴿ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾ وهو كاف هناك لما علمت من الفصل بين المقامين، والتفاوت بين الناس في الحالين، وإنك لتجد الناس على هذا التأكيد في الترغيب قلما يجودون بأموالهم في المصالح العامة ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُور ﴾ .
معلوم أن الله تعالى غني عن العالمين فلا يحتاج إلى شيء لذاته، ولا هو عائل لجماعة معينين فيقترض لهم، فلا بد لهذا التعبير بالإقراض من وجه صحيح - أي غير ما يعطيه الأسلوب من الترغيب - فما هذا الوجه؟
ورد في الحديث أن الفقراء عيال الله على الأغنياء، لأن الحاجات التي تعرض لهم يقضيها الأغنياء.
ومعنى كونهم عيال الله أن ما أصابهم من الفاقة والعوز إنما كان بالجري على سنن الله في أسباب الفقر، وللفقر أسباب كثيرة منها الضعف والعجز عن الكسب، ومنها إخفاق السعي، ومنها البطالة والكسل، ومنها الجهل بالطرق الموصلة، ومنها ما تسوقه الأقدار من نحو حركات الرياح واضطراب البحار واحتباس الأمطار، وكساد التجارة ورخص الأسعار، والأغنياء متمكنون من إزالة بعض هذه الأسباب أو تدارك ضررها وإضعاف أثرها، كإزالة البطالة بإحداث أعمال ومصالح للفقراء، وإزالة الجهل بالإنفاق على التعليم والتربية -تعليم طرق الكسب والتربية على العمل والاستقامة والصدق-.
وإذا كان فقر الفقير إنما هو بالجري على سنة من سنن الله فإزالة سبب فقره أو مساعدته عليه أو فيه إنما يجري على سنة من سننه تعالى أيضًا كما أن غنى الغني كذلك، فالإنفاق لإحياء سنة الله ومساعدة من ينتسبون إلى الله تعالى على أنهم عياله إذ لا غنى لهم بكسبهم ولا حول لهم ولا قوة ينزل منزلة الإقراض له تعالى، فالفقراء عيال والله يعولهم بأيدي الأغنياء، ويعول الغنياء بتوفيقهم لأسباب الغني.
والتعبير عن الإنفاق بالإقراض الذي يشعر بحاجة المستقرض إلى المقرض عادًة جدير بأن يملك قلب المؤمن ويحيط بشعوره ويستغرق وجدانه حتى يسهل عليه الخروج من كل ما يملك ابتغاء مرضاة الله وحياء منه، فكيف وقد وعد برده مضاعفًا أضعافًا كثيرة ووعده الحق؟
هذا التعبير بمثابة الهز والزلزال لقلوب المؤمنين، فقلب لا يلين له ويندفع به إلى البذل قلب لم يمسه الإيمان، ولم تصبه نفحة من نفحات الرحمن، قلب خاو من الخير، فائض بالخبث والشر.
أي لطف من عظيم يداني هذا اللطف من الله تعالى بعباده؟
جبار السموات والأرض، رب كل شيء ومليكة، الغني عن العالمين، الفعال لما يريد، المقلب لقلوب العبيد، يرشد عباده الذين أنعم عليهم بفضل من المال، واختصهم بشيء من النعمة إلى مواساة إخوانهم بما فيه سعادة لهم أنفسهم ولمن يعيش معهم، ويهديهم إلى بذل شيء من فضول أموالهم في المصالح العامة التي فيها صلاح حالهم، وحفظ شرفهم واستقلالهم، فيبرز هذا الهدى والإرشاد في صورة الاستفهام، دون صيغة الأمر والإلزام، ويسمي نفسه مقترضًا ليشعر قلب الغني بمعنى الحاجة التي ربما تصيبه يومًا من الأيام، ثم هو يعده بمضاعفة ذلك العطاء.
أيكون هذا اللطف كله منه بعبده الذي غمره بنعمته، وفضله على كثير من خلقه، ثم يجمد قلب هذا العبد وتنقبض يده لا يستحي من ربه، ولا يثق بوعده، ويقال مع هذا إنه مؤمن به، وبأن ما أصابه من الخير فهو من عنده؟
كلا.
مثل في نفسك ملكًا من ملوك الدنيا يريد أن يجمع إعانة للفقراء أو لمصلحة من مصالح الدولة، وقد خاطبك بمثل هذا الخطاب، في التلطف والاستعطاف ومثل في خيالك موقع قوله من قلبك، وأثر كلامه في يديك.
أما كون القرض حسنًا فالمراد به ما حل محله ووافق المصلحة، لا ما وضع موضع الفخفخة وقصد به الرياء والسمعة، نعم إن ما أنفق في المصالح العامة حسن وإن أريد به الشهرة، ولكنه لا يكون دالًا على إيمان المنفق وثقته بربه، وابتغائه مرضاته.
ولا على حبه الخير لذاته، لارتقاء نفسه، وعلو همته، بما استفاد من فضائل الدين وحسن التهذيب، فلا يكون له حظ من نفقته يقربه إلى ربه زلفى، بل يكون كل جزائه تلك السمعة الحسنة "فهجرته إلى ما هاجر إليه".
ومن الناس من ينفق في المصالح بنية حسنة ولكن بغير بصيرة تريه مواطن المنفعة بنفقته، فيبني مسجدًا حيث تكثر المساجد فيكون سببًا في زيادة تفرق الجماعة وذلك مخالف لحكمة الشرع، أو يبني مدرسة ولا يحسن اختيار المعلمين لها، أو يفرض لها من النفقة ما لا يكفي لدوامها، فيسرع إليها الخراب، أو يضع فيها معلمين فاسدي الاعتقاد أو الآداب، فيفسدون ولا يصلحون، فمثل هذا كله لا يقال له قرض حسن، وإنما يكون الإنفاق قرضًا حسنًا مستحقًا للمضاعفة الكثيرة، إذا وضع موضعه مع البصيرة وحسن النية، ليكون على الوجه المشروع من إقامة الدين، وحفظ مصالح المسلمين، أو منفعة جميع الأنام، من الطريق الذي أشرعه الإسلام.
وأما هذه المضاعفة إلى أضعاف كثيرة - وسيأتي في آية أخرى بلوغها سبعمائة ضعف والمراد الكثرة - فهي تكون في الدنيا والآخرة؛ ذلك بأن المنفق لإعلاء كلمة الله ولتعزيز الأمة وللمدافعة عن الحق والحقيقة، يكون مدافعًا عن نفسه ومعززًا لها وحافظًا لحقوقها، لأن اعتداء المعتدين على الأمة إنما يكون بالاعتداء على أفرادها، فضعف الأمة وإذلالها وضياع حقوقها لا يتحقق إلا بما يقع على أفرادها وهو منهم، والبلاء يكون عامًا ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ ثم إن الأمة التي يبذل أغنياؤها المال، وتقوم بفريضة التعاون على الأعمال، فيكفل غنيها فقيرها، ويحمي قويها ضعيفها، تتسع دائرة مصالحها ومنافعها، وتكثر مرافقها وتتوفر سعادتها، وتدوم على أفرادها النعمة، ما استقاموا على البذل والتعاون في المصالح العامة، ثم إنهم يكونون بذلك مستحقين لسعادة الآخر ومضاعفة الثواب فيها.
ومن التفسير المأثور في الآية ما رواه ابن أبي حاتم عم عمر بن الخطاب : القرض الحسن المجاهدة والإنفاق في سبيل الله، وهو إجمال لما تقدم تفصيله، ومن محاسن عبارات المفسرين هنا أن لفظ المضاعفة هنا للمبالغة بما في الصيغة من معنى المبالغة.
قرأ أبو عمرو ونافع والكسائي ﴿ فَيُضَاعِفَهُ ﴾ بالضم بتقدير فهو يضاعفه، وقرأه عاصم بالنصب لوقوعه في حيز الاستفهام المعروف في قواعد النحو، وقرأ ابن كثير "فيضعفه" بالرفع والتشديد وابن عامر بالنصب، والتضعيف يدل على التكثير والتكرار.
قال تعالى ﴿ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ وقرأ نافع والكسائي والبزي وأبو بكر يبصط بالصاد وهي لغة كأن الأصل فيها تفخيم السين الجاورة الطاء، أي يقبض الرزق عن بعض الناس فيجهلون طرقة التي هي سنن الله تعالى فيه أو يضعفون في سلوكها، ويبسطه لمن يشاء بما يهديهم إلى تلك السنين ويفتح لهم الأبواب ويسهل لهم الأسباب.
ولو شاء أن يغني فقيرًا ويفقر غنيًا لفعل، فإن الأمر كله له وبيده القبض والبسط، وهو واضع السنن الهادي إليها، والموقف للسير عليها، فليس حضه الأغنياء على مواساة الفقراء والإنفاق في المنافع العامة أو الخاصة من حاجة به أو عجز منه سبحانه، كلا بل هي هدايته الإنسان إلى طرق الشكر على النعم بما يحفظها ويفضي إلى المزيد فيها، حتى يبلغ كماله الاجتماعي الذي أعده له بحكمته.
وقال بعض المفسرين يقبض بعض الأيدي عن البذل، ويبسط بعضها بالفضل، وهو لا يتفق مع ما تقدمه من الآية ولا يظهر بعده ما تضمنه قوله تعالى ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ من الوعد والوعيد، لأنه لا بد أن يكون مرتبًا على عمل لنا فيه كسب واختيار، لا على ما تصرفه الأقدار، وقد قال بعض العلماء: إن هذا التعقيب يدل على أن البذل واجب يعاقب على تركه.
الرجوع إلى الله تعالى رجوعان: رجوع في هذا العالم إلى سنته الحكيمة ونظام خليقته الثابت ككون تحصيل الغنى يكون بكذا من عمل العامل، وكذا من توفيق الله تعالى وتسخيره.
وكون الفقر يكون بكذا وكذا من نحو ذلك.
وككون البذل من فضل المال يأتي بكذا وكذا من المنافع الخاصة بالباذل والعامة لقومه الذين يعتز بعزتهم ويسعد بسعادتهم، وكون ترك البذل يأتي بكذا وكذا من المفاسد والمضار العامة والخاصة.
ولا يستقل الإنسان بعمل من ذلك تمام الاستقلال بحيث يستغني به عن الرجوع إلى الله تعالى بالحاجة إلى معونته وتوفيقه وتسخير الأسباب له.
وأما الرجوع الآخر فهو الرجوع في الدار الآخرة حيث تظهر نتائج الأعمال وآثارها ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"