الآية ٢٤٥ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٤٥ من سورة البقرة

مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا فَيُضَـٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضْعَافًۭا كَثِيرَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُۜطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٤٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 129 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤٥ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) يحث تعالى عباده على الإنفاق في سبيله ، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع .

وفي حديث النزول [ أنه يقول تعالى ] " من يقرض غير عديم ولا ظلوم " وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال : لما نزلت : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ) قال أبو الدحداح الأنصاري : يا رسول الله وإن الله ليريد منا القرض ؟

قال : " نعم يا أبا الدحداح " قال : أرني يدك يا رسول الله .

قال : فناوله يده قال : فإني قد أقرضت ربي حائطي .

قال : وحائط له فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها .

قال : فجاء أبو الدحداح فناداها : يا أم الدحداح .

قالت : لبيك قال : اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل .

وقد رواه ابن مردويه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر مرفوعا بنحوه .

وقوله : ( قرضا حسنا ) روي عن عمر وغيره من السلف : هو النفقة في سبيل الله .

وقيل : هو النفقة على العيال .

وقيل : هو التسبيح والتقديس وقوله : ( فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) كما قال : ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ) الآية [ البقرة : 261 ] .

وسيأتي الكلام عليها .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد أخبرنا مبارك بن فضالة عن علي بن زيد عن أبي عثمان النهدي ، قال : أتيت أبا هريرة فقلت له : إنه بلغني أنك تقول : إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة .

فقال : وما أعجبك من ذلك ؟

لقد سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة " .

هذا حديث غريب ، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير ، لكن رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال : حدثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد المؤدب ، حدثنا يونس بن محمد المؤدب ، حدثنا محمد بن عقبة الرباعي عن زياد الجصاص عن أبي عثمان النهدي ، قال : لم يكن أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني فقدم قبلي حاجا قال : وقدمت بعده فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة " فقلت : ويحكم ، والله ما كان أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني ، فما سمعت هذا الحديث .

قال : فتحملت أريد أن ألحقه فوجدته قد انطلق حاجا فانطلقت إلى الحج أن ألقاه في هذا الحديث ، فلقيته لهذا فقلت : يا أبا هريرة ما حديث سمعت أهل البصرة يأثرون عنك ؟

قال : ما هو ؟

قلت : زعموا أنك تقول : " إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة " .

قال : يا أبا عثمان وما تعجب من ذا والله يقول : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) ويقول : ( فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ) [ التوبة : 38 ] والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة " .

وفي معنى هذا الحديث ما رواه الترمذي وغيره من طريق عمرو بن دينار عن سالم عن عبد الله بن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من دخل سوقا من الأسواق فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة " الحديث .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام حدثنا أبو إسماعيل المؤدب ، عن عيسى بن المسيب عن نافع عن ابن عمر قال : لما نزلت ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ) [ البقرة : 261 ] إلى آخرها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رب زد أمتي " فنزلت : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) قال : رب زد أمتي .

فنزل : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) [ الزمر : 10 ] .

.

وروى ابن أبي حاتم أيضا عن كعب الأحبار : أنه جاءه رجل فقال : إني سمعت رجلا يقول : من قرأ : ( قل هو الله أحد ) [ الإخلاص : 1 ] مرة واحدة بنى الله له عشرة آلاف ألف غرفة من در وياقوت في الجنة أفأصدق بذلك ؟

قال : نعم ، أوعجبت من ذلك ؟

قال : نعم وعشرين ألف ألف وثلاثين ألف ألف وما يحصي ذلك إلا الله ثم قرأ ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) فالكثير من الله لا يحصى .

وقوله : ( والله يقبض ويبسط ) أي : أنفقوا ولا تبالوا فالله هو الرزاق يضيق على من يشاء من عباده في الرزق ويوسعه على آخرين ، له الحكمة البالغة في ذلك ( وإليه ترجعون ) أي : يوم القيامة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: من هذا الذي ينفق في سبيل الله, فيعين مضعفا، (222) أو يقوي ذا فاقة أراد الجهاد في سبيل الله, ويعطي منهم مقترا؟

وذلك هو القرض الحسن الذي يقرض العبد ربه.

وإنما سماه الله تعالى ذكره " قرضا ", لأن معنى " القرض " إعطاء الرجل غيره ماله مملكا له، ليقضيه مثله إذا اقتضاه.

فلما كان إعطاء من أعطى أهل الحاجة والفاقة في سبيل الله، إنما يعطيهم ما يعطيهم من ذلك ابتغاء ما وعده الله عليه من جزيل الثواب عنده يوم القيامة, سماه " قرضا ", إذ كان معنى " القرض " في لغة العرب ما وصفنا.

وإنما جعله تعالى ذكره " حسنا ", لأن المعطي يعطي ذلك عن ندب الله إياه وحثه له عليه، احتسابا منه.

فهو لله طاعة، وللشياطين معصية.

(223) وليس &; 5-283 &; ذلك لحاجة بالله إلى أحد من خلقه, ولكن ذلك كقول العرب: " عندي لك قرض صدق، وقرض سوء "، للأمر يأتي فيه للرجل مسرته أو مساءته, (224) كما قال الشاعر: (225) كـل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا أو ســيئا, ومدينــا بــالذي دانـا (226) * * * فقرض المرء: ما سلف من صالح عمله أو سيئه.

وهذه الآية نظيرة الآية التي قال الله فيها تعالى ذكره: (227) مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [سورة البقرة: 261].

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن زيد يقول: 5617- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا "، قال : هذا في سبيل الله=" فيضاعفه له أضعافا كثيرة "، قال: بالواحد سبعمئة ضعف.

5618- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر , عن زيد بن أسلم قال: لما نـزلت: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة "، جاء ابن الدحداح إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله, ألا أرى ربنا يستقرضنا؟

مما أعطانا لأنفسنا!

وإن لي أرضين: إحداهما بالعالية, والأخرى بالسافلة, وإني قد جعلت خيرهما صدقة!

قال: فكان النبي صلى الله &; 5-284 &; عليه وسلم يقول: " كم من عذق مذلل لابن الدحداح في الجنة " !

(228) .

5619- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: أن رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع بهذه الآية قال: " أنا أقرض الله "، فعمد إلى خير حائط له فتصدق به.

قال، وقال قتادة: يستقرضكم ربكم كما تسمعون، وهو الولي الحميد ويستقرض عباده.

(229) 5620- حدثنا محمد بن معاوية الأنماطي النيسابوري قال، حدثنا خلف بن خليفة, عن حميد الأعرج, عن عبد الله بن الحارث, عن عبد الله بن مسعود قال: لما نـزلت: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا "، قال أبو الدحداح: &; 5-285 &; يا رسول الله, أو إن الله يريد منا القرض؟!

قال: نعم يا أبا الدحداح!

قال: يدك!

قال: (230) .

فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، حائطا فيه ستمئة نخلة.

ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه في عيالها, فناداها: يا أم الدحداح!

قالت: لبيك !

قال: اخرجي!

قد أقرضت ربي حائطا فيه ستمئة نخلة.

(231) * * * &; 5-286 &; وأما قوله: " فيضاعفه له أضعافا كثيرة "، فإنه عدة من الله تعالى ذكره مقرضه ومنفق ماله في سبيل الله من إضعاف الجزاء له على قرضه ونفقته، ما لا حد له ولا نهاية، كما: - 5621- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة "، قال: هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو.

وقد: - 5622- وقد حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن ابن عيينة, عن صاحب له يذكر عن بعض العلماء قال: إن الله أعطاكم &; 5-287 &; الدنيا قرضا، وسألكموها قرضا, فإن أعطيتموها طيبة بها أنفسكم، ضاعف لكم ما بين الحسنة إلى العشر إلى السبعمئة، إلى أكثر من ذلك.

وإن أخذها منكم وأنتم كارهون، فصبرتم وأحسنتم، كانت لكم الصلاة والرحمة، وأوجب لكم الهدى.

(232) * * * قال أبو جعفر: وقد اختلفت القرأة في قراءة قوله: (فيضاعفه) بالألف ورفعه، بمعنى: الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له= نسق " يضاعف " على قوله: " يقرض ".

* * * وقرأه آخرون بذلك المعنى: (فيضعفه), غير أنهم قرءوا بتشديد " العين " وإسقاط" الألف ".

* * * وقرأه آخرون: (فيضاعفه له) بإثبات " الألف " في" يضاعف " ونصبه، بمعنى الاستفهام.

فكأنهم تأولوا الكلام: من المقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له؟

فجعلوا قوله: " فيضاعفه " جوابا للاستفهام, وجعلوا: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " اسما.

لأن " الذي" وصلته، بمنـزلة " عمرو " و " زيد ".

فكأنهم وجهوا تأويل الكلام إلى قول القائل: " من أخوك فتكرمه "، لأن الأفصح في جواب الاستفهام بالفاء= إذا لم يكن قبله ما يعطف به عليه من فعل مستقبل= نصبه.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه القراءات عندنا بالصواب، قراءة من قرأ: (فيضاعفه له) بإثبات " الألف ".

ورفع " يضاعف ".

لأن في قوله: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " معنى الجزاء .

والجزاء إذا دخل في جوابه " الفاء "، لم يكن جوابه &; 5-288 &; ب " الفاء " لا رفعا.

فلذلك كان الرفع في" يضاعفه " أولى بالصواب عندنا من النصب.

وإنما اخترنا " الألف " في" يضاعف " من حذفها وتشديد " العين ", لأن ذلك أفصح اللغتين وأكثرهما على ألسنة العرب.

* * * القول في تأويل قوله : وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أنه الذي بيده قبض أرزاق العباد وبسطها، دون غيره ممن ادعى أهل الشرك به أنهم آلهة، واتخذوه ربا دونه يعبدونه.

وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي: - 5623- حدثنا به محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا حجاج= وحدثني عبد الملك بن محمد الرقاشي قال، حدثنا حجاج وأبو ربيعة قالا= حدثنا حماد بن سلمة, عن ثابت وحميد وقتادة, عن أنس قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فقالوا: يا رسول الله، غلا السعر فأسعر لنا!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله الباسط القابض الرازق, وإني لأرجو أن ألقى الله ليس أحد يطلبني بمظلمة في نفس ومال ".

(233) .

* * * &; 5-289 &; قال أبو جعفر: يعني بذلك صلى الله عليه وسلم: أن الغلاء والرخص والسعة والضيق بيد الله دون غيره.

فكذلك قوله تعالى ذكره:،" والله يقبض ويبسط"، يعني بقوله: " يقبض "، يقتر بقبضه الرزق عمن يشاء من خلقه= ويعني بقوله: و " يبسط" يوسع ببسطة الرزق على من يشاء منهم.

وإنما أراد تعالى ذكره بقيله ذلك، حث عباده المؤمنين- الذين قد بسط عليهم من فضله, فوسع عليهم من رزقه- على تقوية ذوي الإقتار منهم بماله, ومعونته بالإنفاق عليه وحمولته على النهوض لقتال عدوه من المشركين في سبيله, (234) فقال تعالى ذكره: من يقدم لنفسه ذخرا عندي بإعطائه ضعفاء المؤمنين وأهل الحاجة منهم ما يستعين به على القتال في سبيلي, فأضاعف له من ثوابي أضعافا كثيرة مما أعطاه وقواه به؟

فإني -أيها الموسع- (235) الذي قبضت الرزق عمن ندبتك إلى معونته وإعطائه, لأبتليه بالصبر على ما ابتليته به= والذي بسطت عليك لأمتحنك بعملك فيما بسطت عليك, فأنظر كيف طاعتك إياي فيه, فأجازي كل واحد منكما على قدر طاعتكما لي فيما ابتليتكما فيه وامتحنتكما به، من غنى وفاقة، وسعة وضيق, عند رجوعكما إلي في آخرتكما، ومصيركما إلي في معادكما.

* * * &; 5-290 &; وبنحو الذي قلنا في ذلك قال من بلغنا قوله من أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 5624- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا الآية، قال: علم أن فيمن يقاتل في سبيله من لا يجد قوة , وفيمن لا يقاتل في سبيله من يجد غنى, فندب هؤلاء فقال: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط"؟

قال: بسط عليك وأنت ثقيل عن الخروج لا تريده, (236) وقبض عن هذا وهو يطيب نفسا بالخروج ويخف له, فقوه مما في يدك، يكن لك في ذلك حظ.

* * * القول في تأويل قوله : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: وإلى الله معادكم، أيها الناس, فاتقوا الله في أنفسكم أن تضيعوا فرائضه وتتعدوا حدوده, وأن يعمل من بسط عليه منكم من رزقه بغير ما أذن له بالعمل فيه ربه, وأن يحمل المقتر منكم- إذ قبض عن رزقه- إقتاره على معصيته, والتقدم على ما نهاه، (237) فيستوجب بذلك عند مصيره إلى خالقه، ما لا قبل له به من أليم عقابه.

(238) * * * وكان قتادة يتأول قوله: " وإليه ترجعون "، وإلى التراب ترجعون.

(239) 5625- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " وإليه ترجعون "، من التراب خلقهم, وإلى التراب يعودون.

(240) * * * --------------------------- الهوامش : (222) أضعف الرجل فهو مضعف : ضعفت دابته ، يعينه بإبداله دابة غيرها .

(223) في المطبوعة : "وللشياطين معصية" ، وفي المخطوطة : "وللسلطان" ، وهو سهو من الناسخ .

(224) في المطبوعة"يأتي فيه الرجل .

.

.

" ، وفي المخطوطة : "يأتي فيه الرجل" غير منقوطة ، ونقل أبو حيان في تفسيره 2 : 248 هذا القول عن الأخفش ، ونصه : "لأمر تأتي مسرته أو مساءته" ، ولكني استظهرت قراءتها كما أثبت ، فجميع ما مضى تحريف .

(225) هو أمية بن أبي الصلت .

(226) ديوانه : 63 ، واللسان (قرض) ، وروايته"أو مدينا مثل ما دنا" ، وفي الديوان : "كالذي دانا" .

(227) في المطبوعة : "قال الله فيها تعالى ذكره" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(228) الحديث : 5618 - هذا حديث مرسل ، فهو ضعيف الإسناد ، لأن زيد بن أسلم تابعي ، ولم يذكر من حدثه به من الصحابة .

والحديث ثابت في تفسير عبد الرزاق ، ص : 31 (مخطوط مصور) ، عن معمر ، به .

وهو عند السيوطي 1 : 312 ، ولم ينسبه لغير عبد الرزاق والطبري .

وقد ذكر ابن كثير 1 : 594 أن ابن مردويه روى نحو الحديث الآتي : 5620"من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر ، مرفوعا بنحوه" .

وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ضعيف جدا ، كما بينا في : 185 فلا قيمة لهذا الرواية .

وسيأتي عقب هذا حديث آخر مرسل بمعناه ، ثم : 5620 ، من حديث ابن مسعود .

ونرجئ بيان أصل القصة حتى نتحدث عنها هناك .

قوله"ابن الدحداح" و"لابن الدحاح" : هذا هو الثابت في تفسير عبد الرزاق ، وهو الذي أثبتناه هنا .

وفي المخطوطة -فيهما-"الدحداحة" .

وفي المطبعة"أبو الدحداح" ، و"لأبي الدحداح" .

وما في تفسير عبد الرزاق أرجح ، لأنه الأصل الذي روى عنه الطبري .

قوله : "إنما أعطانا لأنفسنا" : هو الثابت عند عبد الرزاق ، وهو أجود .

وكان في المطبوعة"مما" بدل"إنما" .

"العذق" (بفتح فسكون) : النخلة .

أما"العذق" -بكسر العين : فهو عرجون النخلة .

و"المذلل"- بفتح اللام الأولى مشددة : الذي قد دليت عناقيده ، حتى يسهل اجتناء ثمرته ، لدنوها من قاطفها .

(229) الحديث : 5619- وهذا مرسل أيضًا ، فهو ضعيف الإسناد ، وآخره موقوف من كلام قتادة .

وذكره السيوطي 1 : 312 ، ونسبه لعبد بن حميد ، وابن جرير ، فقط .

ولم يذكر كلام قتادة في آخره .

في المخطوطة : "ويسعر عباده" ، هكذا غير معجمة ولا مبينة ، وتركت ما في المطبوعة على حاله ، فهو في سياقة المعنى .

والأثر في الدر المنثور 1 : 321 ، ولكنه أسقط هذه الجملة الأخيرة عن قتادة .

(230) في المطبوعة : "قال : يدك قبل ، فناوله" ، وفي المخطوطة : "يدك قيل" ثم وضع ألفا على رأس الياء بعد القاف ، كأن أراد أن يجعلها"قال" كما أثبتها ورجحتها ، لنص مجمع الزوائد 9 : 324 : "قال : أرنا يدك .

قال : فناوله يده" .

(231) الحديث : 5620 - وهذا إسناد ضعيف جدا .

محمد بن معاوية بن يزيد الأنماطي - شيخ الطبري : ثقة مترجم في التهذيب ، وتاريخ بغداد 3 : 274- 275 .

خلف بن خليفة بن صاعد الأشجعي : ثقة ، تغير في آخر عمره ، مات نحو سنة 181 ، وهو ابن 101 سنة ، وقد فصلنا القول في ترجمته في المسند : 5885 .

حميد الأعرج الكوفي القاص : هو حميد بن علي ، على ما جزم به البخاري في +الكثير 1/ 2 / 351 ، والضعفاء ، ص : 9 .

ويقال : "حميد بن عطاء" وهو الذي جزم به ابن أبي حاتم 1 / 2 / 226 - 227 ، وابن حبان في كتاب المجروحين ، رقم : 265 .

وهو ضعيف جدا .

قال البخاري : "منكر الحديث" .

وقال أبو حاتم : "ضعيف الحديث ، منكر الحديث ، قد لزم عبد الله بن الحارث عن ابن مسعود ، ولا يعرف لعبد الله بن الحارث عن ابن مسعود شيء!" .

وقال ابن حبان : "يروى عن عبد الله بن الحرث عن ابن مسعود- نسخة كأنها موضوعة .

لا يحتج بخبره إذا انفرد" .

عبد الله بن الحارث الزبيدي النجراني المكتب : ثقة .

سبق في ترجمة الراوي عنه قول أبي حاتم أنه لا يعرف له شيء عن ابن مسعود .

فالبلاء في هذه الرواية من حميد الأعرج .

وهذا الحديث رواه أيضًا ابن أبي حاتم ، عن الحسن بن عرفة ، عن خلف بن خليفة ، بهذا الإسناد .

على ما نقله عنه ابن كثير 1 : 593- 594 .

وذكره السيوطي 1 : 312 ، وزاد نسبته لسعيد بن منصور ، وابن سعد ، والبزار ، وابن المنذر ، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، والطبراني ، والبيهقي في شعب الإيمان .

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 6 : 320 ، بنحوه .

وقال : "رواه البزار ، ورجاله ثقات" .

ثم ذكره مرة أخرى 9 : 324 بلفظ آخر نحوه .

وقال : " رواه أبو يعلى ، والطبراني ، ورجالهما ثقات .

ورجال أبي يعلى رجال الصحيح" .

هكذا قال الهيثمي في الموضعين .

وليس عندي إسناد من الأسانيد التي نسبه إليها ، ولا الكتب التي ذكرها السيوطي ، إلا ابن سعد .

ولم أجده فيه ، لأن النسخة المطبوعة من طبقات ابن سعد تنقص كثيرا من الكتاب ، كما هو معروف .

ولقصة أبي الدحداح أصل آخر صحيح .

من حديث أنس ، رواه أحمد في المسند : 12509 (3 : 146 حلبي) ، بإسناد صحيح : "عن أنس : أن رجلا قال : يا رسول الله ، إن لفلان نخلة ، وأنا أقيم حائطي بها ، فأمره أن يعطيني حتى أقيم حائطي بها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أعطها إياه بنخلة في الجنة ، فأبى ، فأتاه أبو الدحداح ، فقال : بعني نخلتك بحائطي!

ففعل ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، .

فقال : يا رسول الله ، إني قد ابتعت النخلة بحائطي ، قال : فاجعلها له ، فقد أعطيتكها .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كم من عذق راح ، لأبي الدحداح ، في الجنة .

قالها مرارا ، قال : فأتى امرأته فقال : يا أم الدحداح ، اخرجي من الحائط ، فإني قد بعته بنخلة في الجنة .

فقالت : ربح البيع ، أو كلمة تشبهها" .

وحديث أنس هذا في مجمع الزوائد 9 : 323-324 .

وقال : "رواه أحمد ، والطبراني ، ورجالهما رجال الصحيح" .

ووقع في مطبوعة مجمع الزوائد سقط نحو سطر أثناء الحديث ، يصحح من هذا الموضع .

وله أصل ثان صحيح .

فروى مسلم في صحيحه 1 : 264 ، عن جابر بن سمرة ، قال : "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابن الدحداح ، ثم أتى بفرس عري ، فعقله رجل فركبه ، فجعل يتوقص به ، ونحن نتبعه نسعى خلفه ، قال : فقال رجل من القوم : إن لنبي صلى الله عليه وسلم قال : كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لابن الدحداح" .

"أو قال شعبة : لأبي الدحداح" .

و"أبو الدحداح" : هو ثابت بن الدحداح ، أو ابن الدحداحة .

ويكنى"أبا الدحداح" أو"أبا الدحداحة" ، مترجم في الإصابة 1 : 199 .

ثم ترجمه في الكنى 7 : 57 - 58 ، وذكر الخلاف في أنه واحد أو اثنان .

ثم زعم أن الحق أن الثاني غير الأول!

واستدل بحديث نقله من رواية أبي نعيم ضعيف ، وأن في إسناده رجلا"واهى الحديث" !!

فسقط الاستدلال به دون ريب .

الحائط : بستان النخيل إذا كان عليه جدار يحيط به ، فإن لم يكن عليه الحائط فهو"ضاحية" .

(232) يريد قول الله تعالى في [سورة البقرة : 156 ، 157] { الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } (233) الحديث : 5623 -عبد الملك بن محمد الرقاشي أبو قلابة- شيخ الطبري : مضت ترجمته في : 4331 .

الحجاج؛ هو ابن المنهال الأنماطي .

أبو ربيعة : هو زيد بن عوف القطعي ، ولقبه"فهد" .

تكلموا فيه كثيرا لأحاديث رواها عن حماد بن سلمة .

وأما البخاري فقال في الكبير 2/1/ 369 : "سكتوا عته" .

وهو مترجم أيضًا في ابن أبي حاتم 1/2/ 570 - 571 ، ولسان الميزان .

ومهما يكن من شأنه ، فإنه لم ينفرد بهذا الحديث ، فلا يؤثر فيه ضعفه إن كان ضعيفا .

والحديث صحيح بهذا الإسناد ، من جهة الحجاج بن المنهال ، ومن الروايات الأخر التي سنذكر .

فرواه أحمد في المسند : 12618 (3 : 156 حلبي) ، عن سريج ويونس بن محمد ، عن حماد ابن سلمة ، عن قتادة وثابت البناني ، عن أنس .

ورواه أيضًا : 14102 ( 3 : 286 حلي) ، عن عفان ، عن حماد بن سلمة ، عن قتادة وثابت وحميد ، عن أنس .

ورواه الترمذي 2 : 271- 272 ، وابن ماجه : 2200- كلاهما من طريق الحجاج بن النهال بهذا الإسناد .

قال الترمذي : "هذا حديث حسن صحيح" .

ورواه أبو دواد : 3451 ، من طريق عفان ، عن حماد ، به .

وذكره السيوطي 1 : 313 ، وزاد نسبته للبيهقي في السنن .

(234) الحمولة (بفتح الحاء) : كل ما يحمل عليه الناس من إبل وحمير وغيرها .

والحمولة (بضم الحاء) الأحمال والأثقال .

هذا وأخشى أن يكون صواب العبارة في الأصل"بالأنفاق عليه وعلىحملته" وقوله : "علي النهوض" متعلق بقوله : "ومعونته" .

(235) في المطبوعة : "فإني أنا الموسع الذى قبضت" ، وهو كلام لا يستقيم أبدا ، و الصواب ما في المخطوطة .

و"الموسع" : الغني الذى كثر ماله .

من قولهم : "أوسع الرجل" ، صار ذا سعة وغنى وكثر ماله .

وقال الله تعالى : "علي الموسع قدره وعلي المقتر قدره" .

وانظر ما سلف في تفسير"الوسع" في هذا الجزء : 45 .

وسياق العبارة"فانى ....

الذي قبضت" .

(236) في المطبوعة والمخطوطة : "يبسط عليك" مضارعا ، وهو لا يطابق قوله بعد : "وقبض" .

فجعلتها"بسط" ، وإن شئت جعلت الأخرى : "ويقبض" ، كما في الدر المنثور 1 : 313 ، وأنا أرجع الأولى .

(237) في المطبوعة : "وأن يحل بالمقتر منكم فقبض عنه رزقه ، إقتاره ...." ، وهو كلام فاسد وفي المخطوطة : "وأن يحمل المقتر منكم فقبض عنه رزقه .

.

.

" وهو لا يستقيم أيضًا ، ورجحت أن تكون الأولى" المقتر" كما في المخطوطة ، وأن تكون الأخرى"إذ قبض" ، أو"بقبضه عنه ..." وسياق الجملة : "وأن يحمل المقتر منكم ...

إقتاره علي معصيته) .

(238) في المطبوعة : "فيستوجب بذلك منه بمصيره .

.

.

وهو كلام شديد الخلل .

وفي المخطوطة : "عنه مصيره" ، وظاهر أن الهاء المرسلة من"عنه" ، دال"عند" .

(239) في المخطوطة : "و إلى الثواب" ، و"من الثواب ..." وهو ظاهر الفساد ، ولكنه دليل علي شدة سهو الناسخ في هذا الموضع من الكتاب ، كما رأيت من تصحيفه وتحريفه في المواضع السابقة من التعليق .

(240) في المخطوطة : "و إلى الثواب" ، و"من الثواب..." وهو ظاهر الفساد ، ولكنه دليل علي شدة سهو الناسخ في هذا الموضع من الكتاب ، كما رأيت من تصحيفه وتحريفه في المواضع السابقة من التعليق .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعونفيه إحدى عشرة مسألة : الأولى : قوله تعالى : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا لما أمر الله تعالى بالجهاد والقتال على الحق - إذ ليس شيء من الشريعة إلا ويجوز القتال عليه وعنه ، وأعظمها دين الإسلام كما قال مالك - حرض على الإنفاق في ذلك .

فدخل في هذا الخبر المقاتل في سبيل الله ، فإنه يقرض به رجاء الثواب كما فعل عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة .

و " من " رفع بالابتداء ، و " ذا " خبره ، و " الذي " نعت لذا ، وإن شئت بدل .

ولما نزلت هذه الآية بادر أبو الدحداح إلى التصدق بماله ابتغاء ثواب ربه .

أخبرنا الشيخ الفقيه الإمام المحدث القاضي أبو عامر يحيى بن عامر بن أحمد بن منيع الأشعري نسبا ومذهبا بقرطبة - أعادها الله - في ربيع الآخر عام ثمانية وعشرين وستمائة قراءة مني عليه قال : أخبرنا أبي إجازة قال : قرأت على أبي بكر عبد العزيز بن خلف بن مدين الأزدي عن أبي عبد الله بن سعدون سماعا عليه ، قال : حدثنا أبو الحسن علي بن مهران قال : حدثنا أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيوة النيسابوري سنة ست وستين وثلاثمائة ، قال : أنبأنا عمي أبو زكريا يحيى بن زكريا قال : حدثنا محمد بن معاوية بن صالح قال : حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال : لما نزلت : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا قال أبو الدحداح : يا رسول الله أوإن الله تعالى يريد منا القرض ؟

قال : نعم يا أبا الدحداح قال : [ ص: 217 ] أرني يدك ، قال فناوله ، قال : فإني أقرضت الله حائطا فيه ستمائة نخلة .

ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعياله ، فناداها : يا أم الدحداح ، قالت : لبيك ، قال : اخرجي ، قد أقرضت ربي عز وجل حائطا فيه ستمائة نخلة .

وقال زيد بن أسلم : لما نزل : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا قال أبو الدحداح : فداك أبي وأمي يا رسول الله إن الله يستقرضنا وهو غني عن القرض ؟

قال : ( نعم يريد أن يدخلكم الجنة به ) .

قال : فإني إن أقرضت ربي قرضا يضمن لي به ولصبيتي الدحداحة معي الجنة ؟

قال : ( نعم ) قال : فناولني يدك ، فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم يده : فقال : إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية ، والله لا أملك غيرهما ، قد جعلتهما قرضا لله تعالى .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجعل إحداهما لله والأخرى دعها معيشة لك ولعيالك ) قال : فأشهدك يا رسول الله أني قد جعلت خيرهما لله تعالى ، وهو حائط فيه ستمائة نخلة .

قال : ( إذا يجزيك الله به الجنة ) .

فانطلق أبو الدحداح حتى جاء أم الدحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشأ يقول :هداك ربي سبل الرشاد إلى سبيل الخير والسداد بيني من الحائط بالودادفقد مضى قرضا إلى التناد أقرضته الله على اعتماديبالطوع لا من ولا ارتداد إلا رجاء الضعف في المعادفارتحلي بالنفس والأولاد والبر لا شك فخير زادقدمه المرء إلى المعادقالت أم الدحداح : ربح بيعك بارك الله لك فيما اشتريت ، ثم أجابته أم الدحداح وأنشأت تقول :بشرك الله بخير وفرح مثلك أدى ما لديه ونصحقد متع الله عيالي ومنح بالعجوة السوداء والزهو البلحوالعبد يسعى وله ما قد كدح طول الليالي وعليه ما اجترحثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كم من عذق رداح ودار فياح لأبي الدحداح .[ ص: 218 ] الثانية : قال ابن العربي : انقسم الخلق بحكم الخالق وحكمته وقدرته ومشيئته وقضائه وقدره حين سمعوا هذه الآية أقساما ، فتفرقوا فرقا ثلاثة : ( الفرقة الأولى ) الرذلى قالوا : إن رب محمد محتاج فقير إلينا ونحن أغنياء ، فهذه جهالة لا تخفى على ذي لب ، فرد الله عليهم بقوله : لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء .

( الفرقة الثانية ) لما سمعت هذا القول آثرت الشح والبخل وقدمت الرغبة في المال فما أنفقت في سبيل الله ولا فكت أسيرا ولا أعانت أحدا تكاسلا عن الطاعة وركونا إلى هذه الدار .

( الفرقة الثالثة ) لما سمعت بادرت إلى امتثاله وآثر المجيب منهم بسرعة بماله كأبي الدحداح رضي الله عنه وغيره .

والله أعلم .الثالثة : ( قرضا ) حسنا القرض : اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء وأقرض فلان فلانا أي أعطاه ما يتجازاه قال الشاعر وهو لبيد :وإذا جوزيت قرضا فاجزه إنما يجزي الفتى ليس الجملوالقرض بالكسر لغة فيه حكاها الكسائي .

واستقرضت من فلان أي طلبت منه القرض فأقرضني .

واقترضت منه أي أخذت القرض .

وقال الزجاج : القرض في اللغة البلاء الحسن والبلاء السيئ ، قال أمية :كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا أو سيئا ومدينا مثل ما داناوقال آخر :تجازى القروض بأمثالها فبالخير خيرا وبالشر شراوقال الكسائي : القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيئ .

وأصل الكلمة القطع ، ومنه المقراض .

وأقرضته أي قطعت له من مالي قطعة يجازي عليها .

وانقرض القوم : انقطع أثرهم وهلكوا .

والقرض هاهنا : اسم ، ولولاه لقال هاهنا إقراضا .

واستدعاء القرض في هذه الآية إنما هي تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه ، والله هو الغني الحميد لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء .

حسب ما يأتي بيانه في ( براءة ) إن شاء الله تعالى .

وقيل المراد بالآية الحث على الصدقة وإنفاق المال على الفقراء والمحتاجين والتوسعة عليهم ، وفي سبيل الله بنصرة [ ص: 219 ] الدين .

وكنى الله سبحانه عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيبا في الصدقة ، كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة عن النقائص والآلام .

ففي صحيح الحديث إخبارا عن الله تعالى : ( يا ابن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني ) قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين ؟

قال : ( استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي ) وكذا فيما قبل ، أخرجه مسلم والبخاري وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه ترغيبا لمن خوطب به .الرابعة : يجب على المستقرض رد القرض ؛ لأن الله تعالى بين أن من أنفق في سبيل الله لا يضيع عند الله تعالى بل يرد الثواب قطعا وأبهم الجزاء .

وفي الخبر : ( النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر ) على ما يأتي بيانه في هذه السورة عند قوله تعالى : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل الآية .

وقال هاهنا : فيضاعفه له أضعافا كثيرة وهذا لا نهاية له ولا حد .الخامسة : ثواب القرض عظيم ؛ لأن فيه توسعة على المسلم وتفريجا عنه .

خرج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت لجبريل : ما بال القرض أفضل من الصدقة قال لأن السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة .

قال : حدثنا محمد بن خلف العسقلاني حدثنا يعلى حدثنا سليمان بن يسير عن قيس بن رومي قال : كان سليمان بن أذنان يقرض علقمة ألف درهم إلى عطائه ، فلما خرج عطاؤه تقاضاها منه ، واشتد عليه فقضاه ، فكأن علقمة غضب فمكث أشهرا ثم أتاه فقال : أقرضني ألف درهم إلى عطائي ، قال : نعم وكرامة!

يا أم عتبة هلمي ، تلك الخريطة المختومة التي عندك ، قال : فجاءت بها ، فقال : أما والله إنها لدراهمك التي قضيتني ما حركت منها درهما واحدا ، قال : فلله أبوك ؟

ما حملك على ما فعلت بي ؟

قال : ما سمعت منك ، قال : ما سمعت مني ؟

قال : [ ص: 220 ] سمعتك تذكر عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة قال : كذلك أنبأني ابن مسعود .السادسة : قرض الآدمي للواحد واحد ، أي يرد عليه مثل ما أقرضه .

وأجمع أهل العلم على أن استقراض الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب وكل ما له مثل من سائر الأطعمة جائز .

وأجمع المسلمون نقلا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف - كما قال ابن مسعود - أو حبة واحدة .

ويجوز أن يرد أفضل مما يستلف إذا لم يشترط ذلك عليه ؛ لأن ذلك من باب المعروف ، استدلالا بحديث أبي هريرة في البكر : إن خياركم أحسنكم قضاء رواه الأئمة : البخاري ومسلم وغيرهما .

فأثنى صلى الله عليه وسلم على من أحسن القضاء ، وأطلق ذلك ولم يقيده بصفة .

وكذلك قضى هو صلى الله عليه وسلم في البكر وهو الفتي المختار من الإبل جملا خيارا رباعيا ، والخيار : المختار ، والرباعي هو الذي دخل في السنة الرابعة ؛ لأنه يلقي فيها رباعيته وهي التي تلي الثنايا وهي أربع رباعيات - مخففة الباء - وهذا الحديث دليل على جواز قرض الحيوان ، وهو مذهب الجمهور ، ومنع من ذلك أبو حنيفة وقد تقدم .السابعة : ولا يجوز أن يهدي من استقرض هدية للمقرض ، ولا يحل للمقرض قبولها إلا أن يكون عادتهما ذلك ، بهذا جاءت السنة : خرج ابن ماجه حدثنا هشام بن عمار قال : حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا عتبة بن حميد الضبي عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي قال : سألت أنس بن مالك عن الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي إليه ؟

قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أقرض أحدكم أخاه قرضا فأهدى له أو حمله على دابته فلا يقبلها ولا يركبها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك .الثامنة : القرض يكون من المال - وقد بينا حكمه - ويكون من العرض ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال اللهم إني [ ص: 221 ] قد تصدقت بعرضي على عبادك .

وروي عن ابن عمر : أقرض من عرضك ليوم فقرك ، يعني من سبك فلا تأخذ منه حقا ولا تقم عليه حدا حتى تأتي يوم القيامة موفر الأجر .

وقال أبو حنيفة : لا يجوز التصدق بالعرض لأنه حق الله تعالى ، وروى عن مالك ابن العربي : وهذا فاسد ، قال عليه السلام في الصحيح : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام الحديث .

وهذا يقتضي أن تكون هذه المحرمات الثلاث تجري مجرى واحدا في كونها باحترامها حقا للآدمي .التاسعة : قوله تعالى ( حسنا ) قال الواقدي : محتسبا طيبة به نفسه .

وقال عمرو بن عثمان الصدفي : لا يمن به ولا يؤذي .

وقال سهل بن عبد الله : لا يعتقد في قرضه عوضا .العاشرة : قوله تعالى : ( فيضاعفه له ) قرأ عاصم وغيره ( فيضاعفه ) بالألف ونصب الفاء .

وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتشديد في العين مع سقوط الألف ونصب الفاء .

وقرأ ابن كثير وأبو جعفر وشيبة بالتشديد ورفع الفاء .

وقرأ الآخرون بالألف ورفع الفاء .

فمن رفعه نسقه على قوله : " يقرض " وقيل : على تقدير هو يضاعفه .

ومن نصب فجوابا للاستفهام بالفاء .

وقيل : بإضمار " أن " والتشديد والتخفيف لغتان .

دليل التشديد أضعافا كثيرة لأن التشديد للتكثير .

وقال الحسن والسدي : لا نعلم هذا التضعيف إلا لله وحده ، لقوله تعالى : ويؤت من لدنه أجرا عظيما .

قال أبو هريرة : هذا في نفقة الجهاد ، وكنا نحسب والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا نفقة الرجل على نفسه ورفقائه وظهره بألفي ألف .الحادية عشرة : قوله تعالى : والله يقبض ويبسط هذا عام في كل شيء فهو القابض الباسط ، وقد أتينا عليهما في ( شرح الأسماء الحسنى في الكتاب الأسنى ) .( وإليه ترجعون ) وعيد ، فيجازي كلا بعمله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما كان القتال فى سبيل الله لا يتم إلا بالنفقة وبذل الأموال في ذلك، أمر تعالى بالإنفاق في سبيله ورغب فيه، وسماه قرضا فقال: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } فينفق ما تيسر من أمواله في طرق الخيرات، خصوصا في الجهاد، والحسن هو الحلال المقصود به وجه الله تعالى، { فيضاعفه له أضعافا كثيرة } الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، بحسب حالة المنفق، ونيته ونفع نفقته والحاجة إليها، ولما كان الإنسان ربما توهم أنه إذا أنفق افتقر دفع تعالى هذا الوهم بقوله: { والله يقبض ويبسط } أي: يوسع الرزق على من يشاء ويقبضه عمن يشاء، فالتصرف كله بيديه ومدار الأمور راجع إليه، فالإمساك لا يبسط الرزق، والإنفاق لا يقبضه، ومع ذلك فالإنفاق غير ضائع على أهله، بل لهم يوم يجدون ما قدموه كاملا موفرا مضاعفا، فلهذا قال: { وإليه ترجعون } فيجازيكم بأعمالكم.

ففي هذه الآيات دليل على أن الأسباب لا تنفع مع القضاء والقدر، وخصوصا الأسباب التي تترك بها أوامر الله.

وفيها: الآية العظيمة بإحياء الموتى أعيانا في هذه الدار.

وفيها: الأمر بالقتال والنفقة في سبيل الله، وذكر الأسباب الداعية لذلك الحاثة عليه، من تسميته قرضا، ومضاعفته، وأن الله يقبض ويبسط وإليه ترجعون.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) القرض اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه فسمى الله تعالى عمل المؤمنين له على رجاء ما وعدهم من الثواب قرضا لأنهم يعملونه لطلب ثوابه قال الكسائي : القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيئ وأصل القرض في اللغة القطع سمي به القرض لأنه يقطع من ماله شيئا يعطيه ليرجع إليه مثله وقيل في الآية اختصار مجازه : من ذا الذي يقرض عباد الله والمحتاجين من خلقه كقوله تعالى : " إن الذين يؤذون الله ورسوله " ( 57 - الأحزاب ) أي يؤذون عباد الله كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى يقول يوم القيامة : يابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال : يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟

قال : استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي " .

قوله تعالى : ( يقرض الله ) أي ينفق في طاعة الله ( قرضا حسنا ) قال الحسين بن علي الواقدي : يعني محتسبا طيبة بها نفسه وقال ابن المبارك : من مال حلال وقيل لا يمن به ولا يؤذي ( فيضاعفه له ) قرأ ابن كثير وأبو جعفر وابن عامر ويعقوب " فيضعفه " وبابه بالتشديد ووافق أبو عمرو في سورة الأحزاب وقرأ الآخرون " فيضاعفه " بالألف مخففا وهما لغتان ودليل التشديد قوله ( أضعافا كثيرة ) لأن التشديد للتكثير وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب بنصب الفاء وكذلك في سورة الحديد على جواب الاستفهام وقيل بإضمار أن وقرأ الآخرون برفع الفاء نسقا على قوله : يقرض ( أضعافا كثيرة ) قال السدي هذا التضعيف لا يعلمه إلا الله عز وجل وقيل سبعمائة ضعف ( والله يقبض ويبسط ) قرأ أهل البصرة وحمزة يبسط هاهنا وفي الأعراف بسطة بالسين كنظائرهما وقرأهما الآخرون بالصاد قيل يقبض بإمساك الرزق والنفس والتقتير ويبسط بالتوسيع وقيل يقبض بقبول التوبة والصدقة ويبسط بالخلف والثواب وقيل هو الإحياء والإماتة فمن أماته فقد قبضه ومن مد له في عمره فقد بسط له وقيل هذا في القلوب لما أمرهم الله تعالى بالصدقة أخبر أنهم لا يمكنهم ذلك إلا بتوفيقه قال : يقبض بعض القلوب فلا ينشط بخير ويبسط بعضها فيقدم لنفسه خيرا كما جاء في الحديث " القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها الله كيف يشاء " الحديث .

( وإليه ترجعون ) أي إلى الله تعودون فيجزيكم بأعمالكم وقال قتادة : الهاء راجعة إلى التراب كناية عن غير مذكور أي من التراب خلقهم وإليه يعودون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«من ذا الذي يقرض الله» بإنفاق ماله في سبيل الله «قرضا حسنا» بأن ينفقه لله عز وجل عن طيب قلب «فيضاعفه» وفي قراءة فيضعفه بالتشديد «له أضعافا كثيرة» من عشر إلى أكثر من سبعمائة كما سيأتي «والله يقبض» يمسك الرزق عمن يشاء ابتلاء «ويبسط» يوسعه لمن يشاء امتحانا «وإليه ترجعون» في الآخرة بالبعث فيجازيكم بأعمالكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

من ذا الذي ينفق في سبيل الله إنفاقًا حسنًا احتسابًا للأجر، فيضاعفه له أضعافا كثيرة لا تحصى من الثواب وحسن الجزاء؟

والله يقبض ويبسط، فأنفقوا ولا تبالوا؛ فإنه هو الرزاق، يُضيِّق على مَن يشاء من عباده في الرزق، ويوسعه على آخرين، له الحكمة البالغة في ذلك، وإليه وحده ترجعون بعد الموت، فيجازيكم على أعمالكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله - تعالى - عباده بأن ينفقوا أموالهم في الأعمال الصالحة التي من أعظمها الجهاد في سبيله فقال - تعالى - : ( مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ) .قال القرطبي : " القرض : اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء .

وأقرض فلان فلانا أي أعطاه ما يتجازاه .

واستقرضت من فلان أي طلبت منه القرض فأقرضني .

واقترضت منه أي أخذت القرض .

وأصل الكلمة القطع ومنه المقراض .

وأقرضته أي قطعت له من مالي قطعة يجازي عليها .

.

.

ثم قال : والتعبير بالقرض في هذه الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه ، والله هو الغني الحميد ، لكنه - تعالى - شبه عطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء .

.

"والمعنى : من هذا المؤمن القوي الإِيمان الذي يقدم ماله في الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله ، وفي غير ذلك من وجوه الخير كمعاونة المحتاجين ، وسد حاجة البائسين ، ومساعدة الأمة الإِسلامية بما يفيدها ويعليى من شأنها ، ( فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ) أي : فيرد الله - تعالى - إلى هذا الباذل المعطي المقرض بدل ما أعطى وبذل وأقرض أمثالاً كثيرة لا يعلم مقدارها إلا الله أكرم الأكرمين .

إذ المضاعفة معناهها إعطاء الشخص أضعاف أي أمثال ما أعطى وبذل .والاستفهام في قوله : ( مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله .

.

.

) للحض على البذل والعطاء ، وللتهيج على الاتصاف بالصفات الكريمة ، حتى لكأن المستفهم لا يردي من هو الأهل لهذه الصفات ويريد أن يعرف من هو أهل لها .و ( مَّن ) اسم استفهام مبتدأ ، و ( ذَا ) اسم إشارة خبره ، والذي وصلته صفة لاسم الإِشارة أو بدل منه .وقوله : ( قَرْضاً حَسَناً ) حث للناس على إخلاص النية ، وتحرى الحلال فيما ينفقون ، لأن الإِنسان إذا تصدق بمال حرام ، أو قصد بنفقته الرياء أو المباهاة لا يكون عمله متقبلا عند الله ، وإنما يتقبل الله العمل ويضاعفه لمن قصد به وجهه ، وكن المتصدق به مالا حالا خالصا من الشبهات .فالله - تعالى - طيب لا يقبل إلا ما كان طيبا .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) .القبض : ضد البسط .

يقال : قبضه بيده يقبضه أي تناوله .

وقبض عليه بيده أي أمسكه .

ويقال لإِمساك اليد عن البذل قبض ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ) أي يمتنعون عن الإِنفاق .والبسط معنه المد والتوسعة .

يقال بسط يده أي : مدها .

وبسط المكان القوم .

وسعهم .والمعنى : والله - تعالى - بيده الإِعطاء والنمع فهو يسلب تارة ويعطي أخرى ، أو يسلب قوما ويعطي آخرين ، أو يضيق على بعض ويوسع على بعض حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكمة والمصلحة ، وما دام الأمر كذلك فلا تبخلوا بما وسع عليكم كيلا تتبدل أحوالكم من الغنى إلى الفقر ، ومن السعة إلى الضيق .

وأنتم جميعا سترجعون إليه وحده ، وسيجازي - سبحانه - الأسخياء بما يستحقون من كريم الثواب والبخلاء بما هم أهله من شديد العقاب .فأنت ترى أن في هذه الآية الكريمة ألوان من الحض على الإِنفاق في وجوه الخير ومن ذلك التعبير بالاستفهام ، لأنه للتنبيه وبعث النفوس إلى التدبر والاستجابة .ومن ذلك - أيضاً - التعبير بقوله : ( مَّن ذَا الذي .

.

) فقد جمع هذا التعبير بين اسم الإِشارة والاسم الموصول في الاستفهام ، ولا يستفهم بتلك الطريقة إلا إذا كان المقام ذا شأن وخطر ، وكان المخاطب لعظم قدره من شأنه أن يشار إليه وأن يتحدث عنه ومن ذلك تسميته ما يبذل الباذل قرضا ، ولمن هذا القرض إنه لله الذي بيده خزائن السموات والأرض والذي سيرد للباذل أضعاف ما بذل ، فكأنه - سبحانه - يقول لنا : إن ما تدفعونه لن يضيع عليكم بل هو قرض منكم لي ، وسأرده لكم بأضعاف ما دفعتم وأعطيتم .

ومن ذلك إخفاء مرات المضاعفة ووصفها بالكثرة في قوله : ( فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ) أي لا يعلم مقدارها إلا الله .ومن ذلك التعبير بقوله ( والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ) لأنه ما دام العطاء والمنع من الله فلماذا يبخل البخلاء ويقتر المقترون؟

إن على الغني أن يستشعر نعمة الله عليه وأن يتحدث بها بدون رياء وأن ينفق منها في وجوه الخير حتى يزيده الله من فضله ، وإلا ففي قدرة الله أن يسليها منه ، ويحاسبه على بخله حسابا عسيراً .هذه بعض وجوه المبالغة التي اشتملت عليها الآية لحض الناس على الإِنفاق في الجهاد وفي وجوه الخير ، ولقد استجاب السف الصالح لهذه التوجيهات ، وحكى لنا التاريخ أمثلة كريمة من سخائهم وبذلهم .ومن خير الأمثلة على ذلك ما جاء عن عبد الله بن مسعود قال : " لما نزلت : ( مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً ) " قال أبو الدحداح : يا رسول الله أو إن الله - تعالى - يريد منا القرض؟

" قال نعم يا أبا الدحداح " قال أرني يدك .

فناوله النبي صلى الله عليه وسلم يده .

فقال أبو الدحداح : فإني أقرضت الله - تعالى - حائطا فيه ستمائة نخلة .

ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعياله ، فناداها : يا أم الدحداح ، قالت : لبيك قال : أخرجي قد أقرضت ربي حائطاً فيه ستمائة نخلة " .وفي رواية لزيد بن اسلم " أن أبا الدحداح قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية والله لا أملك غيرهما قد جعلتهما قرضا لله - تعالى - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اجعل إحداهما والأخرى دعها معيشة لك ولعيالك " قال : فأشهدك يا رسول أني قد جعلت خيرهما لله وهو حائط فيه ستمائة نخلة .

قال : " إذا يجزيك الله به الجنة ، ثم انطلق أبو الدحداح إلى زوجته وهي مع صبيانها في الحديثة تدور تحت النخل فأخبرها بما فعل .

فأقبلت على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر " .وبهذا نرى السلف الصالح قد امتثل ما أمره الله به من إنفاق في سبيله ومن جهاد لإِعلاء كلمته فهل آن الأوان للمسلمين أن ينهجوا نهجهم لكي يسعدوا كما سعدوا ، وينالوا أشرف حياة وأعزها؟

اللهم خذ بيدنا إلى ما يرضيك .ثم ساق القرآن قصة من قصص بني إسرائيل مع أنبيائهم ، فيها العظات والعبر ، وملخص هذه القصة : أن قوما من بني إسرائيل كانوا قد انهزموا أمام أعدائهم هزيمة منكرة جعلتهم يولون الأدبار تاركين ديارهم وأبناءهم ، فقالوا لنبي لهم بعد أن ذاوا مرارة الهزيمة : أبعث لنا مالكا يقودنا للقتال في سبيل الله ، ففال لهم نبيهم بعد أن حذرهم من عاقبة الجبن والكذب : اختاره الله قائدا لهم ، ولكن نبيهم ساق لهم من الحجج التي تدل على صلاحية طالوت لهذا المنصب ما أخرس ألسنتهم .

.

ثم سار طالوت بجنوده لقتال أعدائه ، وفي الطريق قال لمن معه ( إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ) ثم بعد هذه المخالفة جبن أكثرهم عن قتال أعدائهم وقالوا ( لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ ) ولكن الفئة القليلة المؤمنة منهم استطاعت أن تنتصر على كل عقبة في طريقها ، وأن تقاتل أعداءها بشجاعة وصبر واعتماد على الله ، فكانت النتيجة أن انتصرت الفئة القليلة المؤمنة بقيادة طالتوت على الفئة الكثيرة الكافرة بقيادة جالوت .

هذا تلخيص لتلك القصة العامرة بالعظات ، ولعل من الخير قبل أن نبدأ في تفسير آياتها أن نقرأها بتدبر وتأمل كما صورها القرآن بأسلوبه البليغ المؤثر .قال - تعالى - :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ مِن بني إِسْرَائِيلَ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما أمر بالقتال في سبيل الله ثم أردفه بقوله: ﴿ مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا ﴾ اختلف المفسرون فيه على قولين الاول أن هذه الآية متعلقة بما قبلها والمراد منها القرض في الجهاد خاصة، فندب العاجز عن الجهاد أن ينفق على الفقير القادر على الجهاد، وأمر القادر على الجهاد أن ينفق على نفسه في طريق الجهاد، ثم أكد تعالى ذلك بقوله: ﴿ والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ وذلك لأن من علم ذلك كان اعتماده على فضل الله تعالى أكثر من اعتماده على ماله وذلك يدعوه إلى إنفاق المال في سبيل الله، والاحتراز عن البخل بذلك الإنفاق.

والقول الثاني: أن هذا الكلام مبتدأ لا تعلق له بما قبله، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فمنهم من قال: المراد من هذا القرض إنفاق المال، ومنهم من قال: إنه غيره، والقائلون بأنه إنفاق المال لهم ثلاثة أقوال الأول: أن المراد من الآية ما ليس بواجب من الصدقة، وهو قول الأصم واحتج عليه بوجهين: الأول: أنه تعالى سماه بالقرض والقرض لا يكون إلا تبرعاً.

الحجة الثانية: سبب نزول الآية قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت الآية في أبي الدحداح قال: «يا رسول الله إن لي حديقتين فإن تصدقت بإحداهما فهل لي مثلاها في الجنة؟

قال: نعم، قال: وأم الدحداح معي؟

قال: نعم، قال: والصبية معي؟

قال: نعم، فتصدق بأفضل حديقته، وكانت تسمى الحنينة، قال: فرجع أبو الدحداح إلى أهله وكانوا في الحديقة التي تصدق بها، فقام على باب الحديقة، وذكر ذلك لامرأته فقالت أم الدحداح: بارك الله لك فيما اشتريت، فخرجوا منها وسلموها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: كم من نخلة رداح، تدلي عروقها في الجنة لأبي الدحداح».

إذا عرفت سبب نزول هذه الآية ظهر أن المراد بهذا القرض ما كان تبرعاً لا واجباً.

والقول الثاني: أن المراد من هذا القرض الإنفاق الواجب في سبيل الله، واحتج هذا القائل على قوله بأنه تعالى ذكر في آخر الآية: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ وذلك كالزجر، وهو إنما يليق بالواجب.

والقول الثالث: وهو الأقرب أنه يدخل فيه كلا القسمين، كما أنه داخل تحت قوله: ﴿ مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ  ﴾ من قال: المراد من هذا القرض شيء سوى إنفاق المال، قالوا: روي عن بعض أصحاب ابن مسعود أنه قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر قال القاضي: وهذا بعيد، لأن لفظ الإقراض لا يقع عليه في عرف اللغة ثم قال: ولا يمكن حمل هذا القول على الصحة، إلا أن نقول: الفقير الذي لا يملك شيئاً إذا كان في قلبه أنه لو كان قادراً لأنفق وأعطى فحينئذٍ تكون تلك النية قائمة مقام الإنفاق، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من لم يكن عنده ما يتصدق به فليلعن اليهود فإنه له صدقة».

المسألة الثانية: اختلفوا في أن إطلاق لفظ القرض على هذا الإنفاق حقيقة أو مجاز، قال الزجاج: إنه حقيقة، وذلك لأن القرض هو كل ما يفعل ليجازى عليه، تقول العرب: لك عندي قرض حسن وسيء، والمراد منه الفعل الذي يجازى عليه، قال أمية بن أبي الصلت: كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا *** أو سيئاً أو مديناً كالذي دانا ومما يدل على أن القرض ما ذكرناه أن القرض أصله في اللغة القطع، ومنه القراض، وانقرض القوم إذا هلكوا، وذلك لانقطاع أثرهم فإذا أقرض فالمراد قطع له من ماله أو عمله قطعة يجازى عليها.

والقول الثاني: أن لفظ القرض هاهنا مجاز، وذلك لأن القرض هو أن يعطي الإنسان شيئاً ليرجع إليه مثله وهاهنا المنفق في سبيل الله إنما ينفق ليرجع إليه بدله إلا أنه جعل الاختلاف بين هذا الإنفاق وبين القرض من وجوه: أحدها: أن القرض إنما يأخذه من يحتاج إليه لفقره وذلك في حق الله تعالى محال.

وثانيها: أن البدل في القرض المعتاد لا يكون إلا المثل، وفي هذا الإنفاق هو الضعف.

وثالثها: أن المال الذي يأخذه المستقرض لا يكون ملكاً له وهاهنا هذا المال المأخوذ ملك لله، ثم مع حصول هذه الفروق سماه الله قرضاً، والحكمة فيه التنبيه على أن ذلك لا يضيع عند الله، فكما أن القرض يجب أداؤه لا يجوز الإخلال به فكذا الثواب الواجب على هذا الإنفاق واصل إلى المكلف لا محالة، ويروى أنه لما نزلت هذه الآية قالت اليهود: إن الله فقير ونحن أغنياء، فهو يطلب منا القرض، وهذا الكلام لائق بجهلهم وحمقهم، لأن الغالب عليهم التشبيه، ويقولون: إن معبودهم شيخ، قال القاضي: من يقول في معبوده مثل هذا القول لا يستبعد منه أن يصفه بالفقر.

فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿ مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا ﴾ ولأي فائدة جرى الكلام على طريق الاستفهام.

قلنا: إن ذلك في الترغيب في الدعاء إلى الفعل أقرب من ظاهر الأمر.

أما قوله تعالى: ﴿ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الواحدي: القرض في هذه الآية اسم لا مصدر، ولو كان مصدراً لكان ذلك إقراضاً.

المسألة الثانية: كون القرض حسناً يحتمل وجوهاً أحدها: أراد به حلالاً خالصاً لا يختلط به الحرام، لأن مع الشبهة يقع الاختلاط، ومع الاختلاط ربما قبح الفعل.

وثانيها: أن لا يتبع ذلك الإنفاق مناً ولا أذى.

وثالثها: أن يفعله على نية التقرب إلى الله تعالى، لأن ما يفعل رياء وسمعة لا يستحق به الثواب.

أما قوله تعالى: ﴿ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ فَيُضَاعِفَهُ ﴾ أربع قراءات أحدها: قرأ أبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي ﴿ فَيُضَاعِفَهُ ﴾ بالألف والرفع والثاني: قرأ عاصم ﴿ فَيُضَاعِفَهُ ﴾ بألف والنصب والثالث: قرأ ابن كثير ﴿ فيضعفه ﴾ بالتشديد والرفع بلا ألف والرابع: قرأ ابن عامر ﴿ فيضعفه ﴾ بالتشديد والنصب.

فنقول: أما التشديد والتخفيف فهما لغتان، ووجه الرفع العطف على يقرض، ووجه النصب أن يحمل الكلام على المعنى لا على اللفظ لأن المعنى يكون قرضاً فيضاعفه، والاختيار الرفع لأن فيه معنى الجزاء، وجواب الجزاء بالفاء لا يكون إلا رفعاً.

المسألة الثانية: التضعيف والإضعاف والمضاعفة واحد وهو الزيادة على أصل الشيء حتى يبلغ مثلين أو أكثر، وفي الآية حذف، والتقدير: فيضاعف ثوابه.

أما قوله تعالى: ﴿ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ فمنهم من ذكر فيه قدراً معيناً، وأجود ما يقال فيه: إنه القدر المذكور في قوله تعالى: ﴿ مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ  ﴾ فيقال يحمل المجمل على المفسر لأن كلتا الآيتين وردتا في الإنفاق، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى لم يقتصر في هذه الآية على التحديد، بل قال بعده: ﴿ والله يضاعف لِمَن يَشَاء  ﴾ .

والقول الثاني: وهو الأصح واختيار السدي: أن هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو وكم هو؟

وإنما أبهم تعالى ذلك لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود.

أما قوله تعالى: ﴿ والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ ففي بيان أن هذا كيف يناسب ما تقدم وجوه: أحدها: أن المعنى أنه تعالى لما كان هو القابض الباسط، فإن كان تقدير هذا الذي أمر بإنفاق المال الفقر فلينفق المال في سبيل الله، فإنه سواء أنفق أو لم ينفق فليس له إلا الفقر، وإن كان تقديره الغنى فلينفق فإنه سواء أنفق أو لم ينفق فليس له إلا الغنى والسعة وبسط اليد، فعلى كلا التقديرين يكون إنفاق المال في سبيل الله أولى.

وثانيها: أن الإنسان إذا علم أن القبض والبسط بالله انقطع نظره عن مال الدنيا، وبقي اعتماده على الله، فحينئذٍ يسهل عليه إنفاق المال في سبيل مرضاة الله تعالى.

وثالثها: أنه تعالى يوسع عن عباده ويقتر، فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم، لئلا يبدل السعة الحاصلة لكم بالضيق.

ورابعها: أنه تعالى لما أمرهم بالصدقة وحثهم عليها أخبر أنه لا يمكنهم ذلك إلا بتوفيقه وإعانته، فقال: ﴿ والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ يعني يقبض القلوب حتى لا تقدم على هذه الطاعة، ويبسط بعضها حتى يقدم على هذه الطاعة، ثم قال: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ والمراد به إلى حيث لا حاكم ولا مدبر سواه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

إقراض الله: مثل لتقديم العمل الذي يطلب به ثوابه.

والقرض الحسن: إما المجاهدة في نفسها، وإما النفقة في سبيل الله ﴿ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ قيل: الواحد بسبعمائة.

وعن السدي: كثيرة لا يعلم كنهها إلا الله ﴿ والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ يوسع على عباده ويقتر، فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبد لكم الضيقة بالسعة ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ فيجازيكم على ما قدّمتم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ غَيْرُ مُخَلِّصٍ مِنهُ وأنَّ المُقَدَّرَ لا مَحالَةَ واقِعٌ، أمَرَهم بِالقِتالِ إذْ لَوْ جاءَ أجْلُهم في سَبِيلِ اللَّهِ وإلّا فالنَّصْرُ والثَّوابُ.

﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لِما يَقُولُهُ المُتَخَلِّفُ والسّابِقُ.

﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِما يُضْمِرانِهِ وهو مِن وراءِ الجَزاءِ.

﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ﴾ مَنِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةُ المَوْضِعِ بِالِابْتِداءِ، وذا خَبَرُهُ، والَّذِي صِفَةُ ذا أوْ بَدَلُهُ، وإقْراضُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَثَلٌ لِتَقْدِيمِ العَمَلِ الَّذِي بِهِ يُطْلَبُ ثَوابُهُ.

﴿ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ إقْراضًا حَسَنًا مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ وطِيبِ النَّفْسِ أوْ مُقْرِضًا حَلالًا طَيِّبًا.

وقِيلَ: القَرْضُ الحَسَنُ بِالمُجاهَدَةِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿ فَيُضاعِفَهُ لَهُ ﴾ فَيُضاعِفُ جَزاءَهُ، أخْرَجَهُ عَلى صُورَةِ المُغالَبَةِ لِلْمُبالَغَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، فَإنَّ ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ﴾ في مَعْنى أيُقْرِضُ اللَّهَ أحَدٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « فَيُضَعِّفُهُ» بِالرَّفْعِ والتَّشْدِيدِ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالنَّصْبِ.

﴿ أضْعافًا كَثِيرَةً ﴾ كَثْرَةٌ لا يُقَدِّرُها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.

وقِيلَ الواحِدُ بِسَبْعِمِائَةٍ، و « أضْعافًا» جَمْعُ ضِعْفٍ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أوِ المَفْعُولِ الثّانِي لِتَضَمُّنِ المُضاعَفَةِ مَعْنى التَّصْيِيرِ أوِ المَصْدَرُ عَلى أنَّ الضِّعْفَ اسْمُ مَصْدَرٍ وجَمَعَهُ لِلتَّنْوِيعِ.

﴿ واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ ﴾ يَقْتُرُ عَلى بَعْضٍ ويُوَسِّعُ عَلى بَعْضٍ حَسَبِ ما اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ، فَلا تَبْخَلُوا عَلَيْهِ بِما وسَّعَ عَلَيْكم كَيْلا يُبَدِّلَ حالَكم.

وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ والبَزِّيُّ وأبُو بَكْرٍ بِالصّادِ ومِثْلُهُ في الأعْرافِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً ﴾ ﴿ وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ فَيُجازِيكم عَلى حَسَبِ ما قَدَّمْتُمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)

{مِنْ} استفهام في موضع رفع بالابتداء {ذَا} خبره {الذي} نعت لذا أو بدل منه {يُقْرِضُ الله} صلة الذي سمى ما ينفق في سبيل الله قرضاً لأن القرض ما يقبض ببدل ببدل مثله من بعد سمى به لأن المقرض يقطعه من ماله

البقرة (٢٤٥ _ ٢٤٧)

فيدفعه إليه والقرض القطع منه المفراض وقرض الفأر والانقراض فنبههم بذلك على أنه لا يضيع عنده وأنه يجزيهم عليه لا محالة {قَرْضًا حَسَنًا} بطيبة النفس من المال الطيب والمراد النفقة في الجهاد لأنه لما أمر بالقتال في

سبيل الله ويحتاج فيه إلى المال حث على الصدقة ليتهيأ أسباب الجهاد {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} بالنصب عاصم على جواب الاستفهام وبالرفع أبو عمرو ونافع وحمزة وعلي عطفاً على يقرض أو هو مستأنف أي فهو يضاعفه فيضعفه شامي فيضعفه مكي {أَضْعَافًا} في موضع المصدر {كَثِيرَةٍ} لا يعلم كنهها إلا الله وقيل الواحد بسبعمائة {والله يقبض ويبسط} يقتر الرزق على عباده ويوسعه عليهم فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبدلكم الضيق بالسعة ويبصط حجازي وعاصم وعلي {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فيجازيكم على ما قدمتم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ﴾ ( مَنِ ) اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ بِالِابْتِداءِ، و( ذا ) خَبَرُهُ، و( الَّذِي ) صِفَةٌ لَهُ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( مَن ذا ) بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ؛ مِثْلَ: ما تَكُونُ، ماذا كَذَلِكَ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ ( ما ) أشَدَّ إبْهامًا مِن ( مَن )، وإقْراضُ اللَّهِ تَعالى مَثَلٌ لِتَقْدِيمِ العَمَلِ العاجِلِ؛ طَلَبًا لِلثَّوابِ الآجِلِ، والمُرادُ هَهُنا: إمّا الجِهادُ المُشْتَمِلُ عَلى بَذْلِ النَّفْسِ والمالِ، وإمّا مُطَلَّقُ العَمَلِ الصّالِحِ، ويَدْخُلُ فِيهِ ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لا يَخْفى انْتِظامُ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها ﴿ قَرْضًا ﴾ إمّا مَصْدَرٌ بِمَعْنى إقْراضًا، فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وإمّا بِمَعْنى المَفْعُولِ، فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ حَسَنًا ﴾ صِفَةٌ لَهُ عَلى الوَجْهَيْنِ، وجِهَةُ الحُسْنِ عَلى الأوَّلِ الخُلُوصُ مَثَلًا، وعَلى الثّانِي الحِلُّ والطِّيبُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ القَرْضُ الحَسَنُ: المُجاهَدَةُ والإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وعَلَيْهِ يَلْتَئِمُ النَّظْمُ أتَمَّ التِئامٍ، ﴿ فَيُضاعِفَهُ ﴾ أيِ: القَرْضَ ﴿ لَهُ ﴾ وجَعْلُهُ مُضاعَفًا مَجازٌ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ المُضاعَفَةِ، وجُوِّزَ تَقْدِيرُ مُضافٍ؛ أيْ: فَيُضاعِفُ جَزاءَهُ، وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ لَيْسَتْ عَلى بابِها، إذْ لا مُشارَكَةَ، وإنَّما اخْتِيرَتْ لِلْمُبالَغَةِ المُشِيرَةِ إلَيْها المُغالَبَةُ وقَرَأ عاصِمٌ بِالنَّصْبِ، وفِيهِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَصْدَرِ يَقْرِضُ في المَعْنى؛ أيْ: مَن ذا الَّذِي يَكُونُ مِنهُ قَرْضٌ، فَمُضاعَفَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ جَوابًا لِاسْتِفْهامٍ مَعْنًى أيْضًا؛ لِأنَّ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ وإنْ كانَ المُقْرِضَ في اللَّفْظِ؛ إلّا أنَّهُ في المَعْنى الإقْراضُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيُقْرِضُ اللَّهَ تَعالى أحَدٌ فَيُضاعِفَهُ، وهَذا ما اخْتارَهُ أبُو البَقاءِ، ولَمْ يُجَوِّزْ أنْ يَكُونَ جَوابَ الِاسْتِفْهامِ في اللَّفْظِ؛ لِأنَّ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ فِيهِ المُقْرِضُ لا القَرْضَ، ولا عَطَفَهُ عَلى المَصْدَرِ الَّذِي هو ( قَرْضًا )، كَما يُعْطَفُ الفِعْلُ عَلى المَصْدَرِ بِإضْمارِ أنْ؛ لِأمْرَيْنِ عَلى ما قِيلَ؛ الأوَّلُ: أنَّ قَرْضًا هُنا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، وهو لا يُقَدَّرُ بِأنْ والفِعْلِ، والثّانِي: إنَّ عَطْفَهُ عَلَيْهِ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِـ ( يُقْرِضُ )، ولا يَصِحُّ هَذا؛ لِأنَّ المُضاعَفَةَ لَيْسَتْ مَقْرُوضَةً، وإنَّما هي فِعْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ تَأمُّلٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: يُضَعِّفُهُ بِالرَّفْعِ والتَّشْدِيدِ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ عامِرٍ: يُضْعِفَهُ بِالنَّصْبِ، ﴿ أضْعافًا ﴾ جَمْعُ ضِعْفٍ، وهو مِثْلُ الشَّيْءِ في المِقْدارِ إذا زِيدَ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ، والمَصْدَرُ الإضْعافُ أوِ المُضاعَفَةُ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الهاءِ في ( يُضاعِفَهُ )، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا عَلى المَعْنى بِأنْ تَضْمَنَ المُضاعَفَةُ مَعْنى التَّصْيِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يُعْتَبَرَ واقِعًا مَوْقِعَ المَصْدَرِ، فَيَنْتَصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ حِينَئِذٍ، وإنَّما جُمِعَ والمَصادِرُ لا تُثَنّى ولا تُجْمَعُ؛ لِأنَّها مَوْضُوعَةٌ لِلْحَقِيقَةِ مِن حَيْثُ هي لِقَصْدِ الأنْواعِ المُخْتَلِفَةِ، والمُرادُ بِهِ أيْضًا إذْ ذاكَ الحَقِيقَةُ، لَكِنَّها تُقْصَدُ مِن حَيْثُ وُجُودِها في ضِمْنِ أنْواعِها الدّاخِلَةِ تَحْتَها ﴿ كَثِيرَةً ﴾ لا يَعْلَمُ قَدْرَها إلّا اللَّهُ تَعالى، وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عُثْمانَ النِّهْدِيِّ، قالَ: «بَلَغَنِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: ”إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيَكْتُبُ لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَ ألْفَ حَسَنَةٍ، فَحَجَجْتُ ذَلِكَ العامَ ولَمْ أكُنْ أُرِيدُ أنْ أحُجَّ إلّا لِلِقائِهِ في هَذا الحَدِيثِ، فَلَقِيتُ أبا هُرَيْرَةَ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقالَ: لَيْسَ هَذا قُلْتُ ولَمْ يَحْفَظِ الَّذِي حَدَّثَكَ، إنَّما قُلْتُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيُعْطِي العَبْدَ المُؤْمِنَ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَيْ ألْفَ حَسَنَةٍ، ثُمَّ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: أوَ لَيْسَ تَجِدُونَ هَذا في كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً ﴾ فالكَثِيرُ عِنْدَهُ تَعالى أكْثَرُ مِن ألْفَيْ ألْفٍ وألْفَيْ ألْفٍ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُضاعِفُ الحَسَنَةَ ألْفَيْ ألْفَيْ حَسَنَةٍ“» ﴿ واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ ﴾ أيْ: يُقَتِّرُ عَلى بَعْضٍ، ويُوَسِّعُ عَلى بَعْضٍ، أوْ يُقَتِّرُ تارَةً، ويُوَسِّعُ أُخْرى حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، الَّتِي قَدْ دَقَّ سِرُّها، وجَلَّ قَدْرُها، وإذا عَلِمْتُمْ أنَّهُ هو القابِضُ والباسِطُ، وأنَّ ما عِنْدَكم إنَّما هو مِن بَسْطِهِ وعَطائِهِ؛ فَلا تَبْخَلُوا عَلَيْهِ، فَأقْرِضُوهُ وأنْفِقُوا مِمّا وسَّعَ عَلَيْكم بَدَلَ تَوْسِعَتِهِ وإعْطائِهِ، ولا تَعْكِسُوا بِأنْ تَبْخَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ، فَيُعامِلَكم مِثْلَ مُعامَلَتِكم في التَّعْكِيسِ، بِأنْ يَقْبِضَ ويُقَتِّرَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ ما وسَّعَ عَلَيْكُمْ، وأقْدَرَكم عَلى الإنْفاقِ، وعَنْ قَتادَةَ، والأصَمِّ، والزَّجّاجِ: أنَّ المَعْنى يَقْبِضُ الصَّدَقاتِ، ويَبْسُطُ الجَزاءَ عَلَيْها، فالكَلامُ كالتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ لِما قَبْلَهُ، ووَجْهُ تَأْخِيرِ البَسْطِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، ووَجْهُ تَأْخِيرِهِ عَلى الأوَّلِ الإيماءُ إلى أنَّهُ يَعْقُبُ القَبْضَ في الوُجُودِ تَسْلِيَةً لِلْفُقَراءِ، وقُرِئَ: يَبْصُطُ ﴿ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ فَيُجازِيكم عَلى حَسَبِ ما قَدَّمْتُمْ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ أنَّ الصَّلَواتِ خَمْسٌ؛ صَلاةُ السِّرِّ بِشُهُودِهِ مَقامَ الغَيْبِ، وصَلاةُ النَّفْسِ بِخُمُودِها عَنْ دَواعِي الرَّيْبِ، وصَلاةُ القَلْبِ بِمُراقَبَتِهِ أنْوارَ الكَشْفِ، وصَلاةُ الرُّوحِ بِمُشاهَدَةِ الوَصْلِ، وصَلاةُ البَدَنِ بِحِفْظِ الحَواسِّ وإقامَةِ الحُدُودِ، فالمَعْنى: حافِظُوا عَلى هَذِهِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، والصَّلاةِ الوُسْطى الَّتِي هي صَلاةُ القَلْبِ الَّتِي شَرْطُها الطَّهارَةُ عَنِ المَيْلِ إلى السِّوى، وحَقِيقَتُها التَّوَجُّهُ إلى المَوْلى؛ ولِهَذا تَبْطُلُ بِالخَطَراتِ والِانْحِرافِ عَنْ كَعْبَةِ الذّاتِ ﴿ وقُومُوا لِلَّهِ ﴾ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ قانِتِينَ؛ أيْ: مُطِيعِينَ لَهُ ظاهِرًا وباطِنًا؛ بِدَفْعِ الخَواطِرِ ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ﴾ صَدَماتِ الجَلالِ حالَ سَفَرِكم إلى اللَّهِ تَعالى؛ فَصَّلُوا راجِلِينَ في بَيْداءِ المَسِيرِ، سائِرِينَ عَلى أقْدامِ الصِّدْقِ، أوْ راكِبِينَ عَلى مَطايا العَزْمِ، ولا يَصُدَّنَّكُمُ الخَوْفُ عَنْ ذَلِكَ ﴿ فَإذا أمِنتُمْ ﴾ بَعْدَ الرُّجُوعِ عَنْ ذَلِكَ السَّفَرِ إلى الوَطَنِ الأصْلِيِّ بِكَشْفِ الحِجابِ؛ ﴿ فاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ أيْ: فَصَّلُوا لَهُ بِكُلِّيَّتِكم حَتّى تَفْنَوْا فِيهِ، أوْ فَإذا أمِنتُمْ بِالرُّجُوعِ إلى البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ؛ فاذْكُرُوا اللَّهَ تَعالى؛ لِحُصُولِ الفَرْقِ بَعْدَ الجَمْعِ حِينَئِذٍ، وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلا ذِكْرَ، إذْ لا امْتِيازَ ولا تَفْضِيلَ، وقَدْ قِيلَ لِلْمَجْنُونِ: أتُحِبُّ لَيْلى؟

فَقالَ: ومَن لَيْلى؟!

أنا لَيْلى، وقالَ بَعْضُهُمْ: أنا مَن أهْوى ومَن أهْوى أنا نَحْنُ رُوحانِ حَلَّلْنا بَدَنا فَإذا أبْصَرْتَنِي أبْصَرْتَهُ ∗∗∗ وإذا أبْصَرْتَهُ أبْصَرْتَنا ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ أيْ: أوْطانِهِمُ المَأْلُوفَةِ، ومَقارِّ نُفُوسِهِمُ المَعْهُودَةِ، ومَقاماتِهِمْ ومَراتِبِهِمْ مِنَ الدُّنْيا، وما رَكَنُوا إلَيْها بِدَواعِي الهَوى، وهم قَوْمٌ أُلُوفٌ كَثِيرَةٌ، أوْ مُتَحابُّونَ مُتَألِّفُونَ في اللَّهِ تَعالى؛ حَذَرَ مَوْتِ الجَهْلِ والِانْقِطاعِ عَنِ الحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ، والوُقُوعِ في المَهاوِي الطَّبِيعِيَّةِ ﴿ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ﴾ أيْ: أمَرَهم بِالمَوْتِ الِاخْتِيارِيِّ، أوْ أماتَهم عَنْ ذَواتِهِمْ بِالتَّجَلِّي الذّاتِيِّ، حَتّى فَنُوا فِيهِ ﴿ ثُمَّ أحْياهُمْ ﴾ بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ العِلْمِيَّةِ، أوْ بِهِ بِالوُجُودِ الحَقّانِيِّ، والبَقاءُ بَعْدَ الفَناءِ ﴿ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ ﴾ عَلى سائِرِ النّاسِ؛ بِتَهْيِئَةِ أسْبابِ إرْشادِهِمْ ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ ﴾ لِمَزِيدِ غَفْلَتِهِمْ عَمّا يُرادُ بِهِمْ ﴿ وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ النَّفْسَ والشَّيْطانَ ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ هَواجِسَ نُفُوسِ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِهِ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِما في قُلُوبِهِمْ ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ﴾ ويَبْذُلُ نَفْسَهُ لَهُ بَذْلًا خالِصًا عَنِ الشَّرِكَةِ ﴿ فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً ﴾ بِظُهُورِ نُعُوتِ جَمالِهِ وجَلالِهِ فِيهِ ﴿ واللَّهُ يَقْبِضُ ﴾ أرْواحَ المُوَحِّدِينَ بِقَبْضَتِهِ الجَبَرُوتِيَّةِ في نُورِ الأزَلِيَّةِ، ﴿ ويَبْسُطُ ﴾ أسْرارَ العارِفِينَ مِن قَبْضَةِ الكِبْرِياءِ، ويَنْشُرُها في مُشاهَدَةِ ثَناءِ الأبَدِيَّةِ، ويُقالُ: القَبْضُ سِرُّهُ، والبَسْطُ كَشْفُهُ، وقِيلَ: القَبْضُ لِلْمُرِيدِينَ، والبَسْطُ لِلْمُرادِينَ، أوِ الأوَّلُ لِلْمُشْتاقِينَ، والثّانِي لِلْعارِفِينَ، والمَشْهُورُ أنَّ القَبْضَ والبَسْطَ حالَتانِ بَعْدَ تَرَقِّي العَبْدِ عَنْ حالَةِ الخَوْفِ والرَّجاءِ، فالقَبْضُ لِلْعارِفِ كالخَوْفِ لِلْمُسْتَأْمِنِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الخَوْفَ والرَّجاءَ يَتَعَلَّقانِ بِأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ مَكْرُوهٍ أوْ مَحْبُوبٍ، والقَبْضُ والبَسْطُ بِأمْرٍ حاضِرٍ في الوَقْتِ، يَغْلِبُ عَلى قَلْبِ العارِفِ مِن وارِدٍ غَيْبِيٍّ، وكانَ الأوَّلُ مِن آثارِ الجَلالِ، والثّانِي مِن آثارِ الجَمالِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً.

نزلت في شأن أبي الدحداح، قال: يا رسول الله، إن لي حديقتين لو تصدقت بواحدة منهما، أيكون لي مثلها في الجنة؟

قال «نَعَمْ» .

قال: وأم الدحداح معي؟

يعني امرأته.

قال: «نَعَمْ» .

قال: والدحداح معي؟

يعني ابنه.

فقال: «نَعَمْ» .

قال: أشهدك أني قد جعلت حديقتي لله تعالى.

ثم جاء إلى الحديقة، فقام على الباب وتحرج الدخول فيها، بعد ما جعلها لله تعالى ونادى: يا أم الدحداح اخرجي، فإني جعلت حديقتي لله تعالى، فخرجت وتحولت إلى حديقة أخرى، وقالت له: هنيئاً لك بما فعلت أو كما فعلت، فنزل قوله تعالى: فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً يعني ألفي ألف ضعف.

قال الفقيه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد قال: حدّثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضيل قال: حدثنا المعلى بن منصور قال: حدثنا جعفر قال: حدّثنا علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي قال: بلغني عن أبي هريرة حديث أنه قال: إن الله تعالى يكتب للعبد المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة فحججت ذلك العام لألقى أبا هريرة، فأكلمه في هذا الحديث فلقيته فأخبرته فقال: ليس كذا قلت، ولم يحفظ الذي حدثك عني.

وإنما قلت: ألفي ألف حسنة.

ثم قال أبو هريرة: أو لستم تجدون في كتاب الله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً.

فقوله: كَثِيرَةً أكثر من ألف ألف ومن ألفي ألف.

ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يَقْبِضُ، أي يقتر الرزق على من يشاء وَيَبْصُطُ، أي يوسع على من يشاء من عباده.

ويقال: يقبض الصدقات ويخلفها الثواب في الدنيا والآخرة.

وقال بعضهم يسلب قوماً ما أنعم عليهم ويوسع على آخرين.

وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ في الآخرة قرأ حمزة والكسائي ونافع وأبو عمرو: فَيُضاعِفَهُ بالألف وبضم الفاء، وقرأ عاصم فَيُضاعِفَهُ بالألف وبنصب الفاء، وقرأ ابن كثير فَيُضْعِفُهُ بغير ألف وبضم الفاء، وقرأ ابن عامر: فَيُضْعِفُهُ بغير ألف وبنصب الفاء.

فأما من قرأ: فَيُضاعِفَهُ بالألف والضم، يضعفه فهما لغتان بمعنى واحد.

يقال: ضاعفت الشيء وضعفته.

ومن قرأ بضم الفاء عطفه على قوله: يُقْرِضُ اللَّهَ.

ومن نصبه فعلى جواب الاستفهام.

وقرأ نافع يَبْصُطُ بالصاد، وقرأ الباقون: بالسين وهو أظهر عند أهل اللغة.

وفي كل موضع يكون الصاد قريباً من الطاء، جاز أن يقرأ بالسين وبالصاد مثل المصيطرون ومثل: الصراط، لأنه يشتد فرق الصاد عند ذلك فيجوز القراءة بالسين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الَّذِي في «سورة النساءِ» «١» ، ونسخ سكنى الحَوْل بالأربعة الأشْهُر والعَشْر «٢» ، وقاله ابن عَبَّاس وغيره «٣» : ومَتاعاً نصْب على المَصْدر، وقوله تعالى: غَيْرَ إِخْراجٍ: معناه:

ليس لأولياء الميِّت، ووارثي المنزلِ إِخراجها، وقوله تعالى: فَإِنْ خَرَجْنَ ...

الآية:

معناه: إِنَّ الخروجَ، إِذا كان من قبل الزوجة، فلا جُنَاح على أحدٍ وليٍّ أو حاكمٍ، أو غيره فيما فعلْنَ في أنفسِهِنَّ من تزويجٍ وتزيُّن، وترك إِحداد، إِذا كان ذلك من المعروف الَّذي لا يُنْكَر، وقوله تعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: صفةٌ تقتضي الوعيدَ بالنِّقْمة لمن خالف الحَدَّ في هذه النازلة، وهذا كلُّه قد زال حكمه بالنَّسْخ المتَّفَقِ عليه.

وقوله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: قال عطاء بْنُ أبي رَبَاحٍ وغيره: هذه الآية في الثَّيِّبَاتِ اللواتي قد جُومِعْنَ «٤» إِذ قد تقدم في غير هذه الآية ذكْر المتعة لِلَّواتي لم يُدْخَلْ بهنَّ.

وقال ابنُ زَيْد: هذه الآية نزلَتْ مؤكِّدة لأمر المتعة لأنه نزل قبل حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ٢٣٦] ، فقال رجُلٌ: فإِنْ لم أُرِدْ أُحْسِنَ، لم أمتِّع، فنزلَتْ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ.

قال الطبريُّ: فوجب ذلك عليهم «٥» .

قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ...

الآية: هذه رؤية القَلْب بمعنى: ألم تَعْلَمْ، وقصَّة هؤلاء فيما قال الضَّحَّاك أنهم قوم من بني إِسرائيل أُمِرُوا بالجهَادِ، فخافوا الموْتَ بالقَتْل في الجهادِ، فخرجوا من ديارهم فِرَاراً من ذلك، فأماتهم اللَّه ليعرِّفهم أنه لا يُنْجِيهِمْ من الموت شيْء،

ثم أحياهم، وأمرهم بالجهادِ، بقوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...

الآية «١» .

وروى ابن جريج عن ابن عبَّاس أنهم كانوا من بني إِسرائيل، وأنهم كانوا أربعينَ ألفاً، وثمانيةَ آلاف، وأنهم أُميتوا، ثم أُحْيُوا، وبقيتِ الرائحَةُ على ذلك السِّبْط من بني إِسرائيل إِلى اليَوْم، فأمرهم اللَّه بالجهَادِ ثانيةً، فذلك قوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ «٢» .

قال ع «٣» : وهذا القَصَصُ كلُّه ليِّن الإِسناد، وإِنما اللازم من الآية أنَّ الله تعالى أخبر نبيّه محمّدا صلّى الله عليه وسلم إِخباراً في عبارة التنْبيه، والتوقيفِ عنْ قَوْم من البَشَر خَرَجوا من ديارهم فراراً من المَوْت، فأماتهم اللَّه، ثم أحياهم ليعلموا هم وكلُّ من خَلَفَ بعدهم أن الإِماتة إِنما هي بإِذْنِ اللَّه لا بيَدِ غَيْره، فلا معنى لخوفِ خائفٍ، وجعل اللَّه تعالى هذه الآية مقدِّمة بين يدَيْ أمره المؤمنين من أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم بالجهادِ، هذا قول الطَّبري «٤» ، وهو ظاهرُ رَصْف الآية.

والجمهورُ على أنَّ أُلُوفٌ جمعُ أَلْفٍ، وهو جمعُ كَثرة «٥» ، وقال ابن زَيْد في لفظة أُلُوفٌ: إنما معناها، وهم مؤتلفون «٦» .

٦١ أوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ...

الآية: تنبيهٌ على فضله سبحانه على هؤلاء القَوْم الذين تفضَّل عليهم بالنعم، وأمرهم بالجهاد، وألاَّ يجعلوا الحَوْل والقُوَّة إِلا له سبحانه حَسْبما أمر جميع العالم بذلك، فلم يشكروا نعمته في جميعِ هذا، بل استبدُّوا وظَنُّوا أنَّ حولَهُمْ وسعْيَهم ينجِّيهم، وهذه الآيةُ تَحْذيرٌ لسائر النَّاسِ مِنْ مثل هذا الفعْلِ، أي: فيجب أنْ يشكر النَّاسُ فضْلَه سبحانه في إِيجاده لهم، ورزْقِهِ إِياهم، وهدايتِهِ بالأوامر والنواهِي، فيكون منهم المبادرة إلى امتثالها، لا

طَلَبُ الخُرُوج عنْها، وفي تَخْصِيصه تعالى: «الأَكْثَر» دلالةٌ على أنَّ الأقلَّ الشَّاكِر.

وقوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...

الآية: الجمهورُ أن هذه الآية مخاطبة لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم بالقتالِ في سبيلِ اللَّهِ، وهو الذي ينوى به أن تكون كلمةُ اللَّه هي العليا حَسَب الحديث «١» .

وقال ابن عَبَّاس، والضَّحَّاك: الأمْرُ بالقتال هو لِلَّذينَ أُحْيُوا من بني إسرائيل «٢» ، قال الطبريُّ «٣» : ولا وجه لهذا القَوْل، ثم قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ...

الآية، فدخل في ذلك المقاتلُ في سبيل اللَّه، فإِنه يقرض رَجَاء ثوابِ اللَّهِ كما فعل عثمانُ في جَيْش العُسْرة، ويروى أنَّ هذه الآية، لَمَّا نزلَتْ، قال أبو الدَّحْدَاحِ «٤» : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ إِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ مِنَّا القَرْضَ؟

قَالَ: «نَعَمْ، يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ» ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُهُ حَائِطِي لِحَائِطٍ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ، ثُمَّ جَاءَ الحَائِطَ، وَفِيهِ أُمُّ الدّحداح «٥» ، فقال: اخرجي، فإنّي قد أقرضت

رَبِّي حَائِطِي هَذَا، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُذَلَّلٍ لأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الجَنَّةِ «١» .

واستدعاء القَرْض في هذه الآية وغيرها إنما هو تأنيسٌ وتقريبٌ للأفهام، واللَّه هو الغنيُّ الحميدُ.

قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢» وكَنَى اللَّه عزَّ وجلَّ عن الفقيرِ بنَفْسه العليَّة ترغيباً في الصَّدَقة كما كنى عن المريضِ، والجائِعِ، والعاطشِ بنفسه المقدَّسة فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ، فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟

قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاَناً مَرِضَ، فلم تعده، أما علمت أنّك لوعدتّه، لَوَجَدتَّنِي عِنْدَهُ، يَا ابْنَ آدَمَ، استطعمتك، فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟!

قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ استطعمك عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ، لَوَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ، استسقيتك، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟!

قَالَ: استسقاك عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَه، وَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي» .

انتهى، واللفظ لصحيح مسلم «٣» ، قال ابنُ العَرَبِيِّ «٤» : وهذا كلُّه خرَجَ مَخْرَجَ التشريفِ لمَنْ كُنِيَ عنه، وترغيباً لمن خوطب انتهى.

وقوله: حَسَناً: معناه: تَطِيبُ فيه النية، ويشبه أيضاً أنْ تكون إِشارة إِلى كثرته وجَوْدته.

وهذه الأضعاف الكثيرةُ إِلى السَّبْعِمِائَةِ التي رُوِيَتْ، ويعطيها مثالُ السُّنْبُلة.

ت: والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه وجوبُ الإِيمان بما ذكر المولى سبحانه، ولا سبيل إِلى التحديد إِلاَّ أنْ يثبتَ في ذلك حديثٌ صحيحٌ/، فيصار إِليه، وقد بيّن ذلك صلّى الله عليه وسلم ٦١ ب فيما خرَّجه مُسْلِم، والبُخاريُّ، انظره عند قوله تعالى: كَمَثَلِ حَبَّةٍ [البقرة: ٢٦١] .

قال ع: رُوِيَ أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُسَعِّر بِسَبَبِ غَلاَءٍ خِيفَ عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ البَاسِطُ القَابِضُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ، وَلاَ يَتْبَعْنِي أَحَدٌ بِمَظْلَمَةٍ فِي نَفْسٍ وَلاَ مَالٍ» «١» ، قال صاحب «سِلاحِ المؤمن» عند شَرْحه لاسمه تعالَى «القَابِضِ البَاسِطِ» : قال بعْضُ العلماءِ: يجبُ أن يُقْرَنَ بيْنَ هذَيْن الاسمين، ولا يفصل بينهما ليكون أنبأَ عن القُدْرة، وأدلَّ على الحكمة كقوله تعالى: يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ، وإِذا قلْتَ:

«القَابِض» مفرداً، فكأنَّك قَصَرْتَ بالصفة على المنع والحرْمان، وإِذا جمعْتَ أَثْبَتَّ الصفتين وكذلك القولُ في الخافضِ والرافعِ والمُعِزِّ والمُذِلِّ.

انتهى، وما ذكره عن بعض العلماءِ، هو كلامُ الإِمام الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه الحسنى، ولفظه: القابض والباسط: الأحسن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ القَرْضِ ما يُعْطِيهِ الرَّجُلُ أوْ يَفْعَلُهُ لِيُجازَيَ عَلَيْهِ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ القَطْعُ، ومِنهُ أُخِذَ المِقْراضُ.

فَمَعْنى أقْرَضْتُهُ: قَطَعْتُ لَهُ قِطْعَةً يُجازِينِي عَلَيْها.

فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ تَسْمِيَةِ الصَّدَقَةِ قَرْضًا؟

فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.

أحَدُهُما: لِأنَّ هَذا القَرْضَ يُبْدَلُ بِالجَزاءِ، والثّانِي: لِأنَّهُ يَتَأخَّرُ قَضاؤُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والثّالِثُ: لِتَأْكِيدِ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ بِهِ، إذْ لا يَكُونُ قَرْضٌ إلّا والعِوَضُ مُسْتَحَقٌّ بِهِ.

فَأمّا اليَهُودُ فَإنَّهم جَهِلُوا هَذا، فَقالُوا: أيُسْتَقْرِضُ اللَّهُ مِنّا؟

وأمّا المُسْلِمُونَ فَوَثِقُوا بِوَعْدِ اللَّهِ، وبادَرُوا إلى مُعامَلَتِهِ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَ أبُو الدَّحْداحِ: وإنَّ اللَّهَ لِيُرِيدُ مِنّا القَرْضَ؟

فَقالَ النَّبِيُّ  : نَعَمْ.

قالَ: أرِنِي يَدَكَ.

قالَ: إنِّي أقْرَضْتُ رَبِّي حائِطِي، قالَ: وحائِطُهُ فِيهِ سِتُّمِائَةُ نَخْلَةٍ، ثُمَّ جاءَ إلى الحائِطِ، فَقالَ: يا أُمَّ الدَّحْداحِ اخْرُجِي مِنَ الحائِطِ، فَقَدْ أقْرَضْتُهُ رَبِّي.

وفي بَعْضِ الألْفاظِ: فَعَمَدَتْ إلى صِبْيانِها تُخْرِجُ ما في أفَواهِهِمْ، وتَنْفُضُ ما في أكْمامِهِمْ، فَقالَ النَّبِيُّ  : "كَمْ مِن عَذْقٍ رَداحٍ في الجَنَّةِ لِأبِي الدَّحْداحِ"» وفي مَعْنى القَرْضِ الحَسَنِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الخالِصُ لِلَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والثّانِي: أنْ يَخْرُجَ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ حَلالًا، قالَهُ ابْنُ المُبارَكِ، والرّابِعُ: أنْ يَحْتَسِبَ عِنْدَ اللَّهِ ثَوابَهُ، والخامِسُ: أنْ لا يَتْبَعَهُ مَنًّا ولا أذًى، والسّادِسُ: أنْ يَكُونَ مِن خِيارِ المالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُضاعِفَهُ لَهُ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو فَيُضاعِفُهُ بِألِفٍ مَعَ رَفْعِ الفاءِ، كَذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآَنِ، إلّا في سُورَةِ الأحْزابِ (يُضَعِفُ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ) وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، جَمِيعَ ذَلِكَ بِالألِفِ مَعَ رَفْعِ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (فَيُضَعِفُهُ) بِرَفْعِ الفاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ في جَمِيعِ القُرْآَنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (فَيُضَعِّفُهُ) بِغَيْرِ ألِفٍ مُشَدِّدَةٍ في جَمِيعِ القُرْآَنِ، ووافَقَهُ عاصِمٌ عَلى نَصْبِ الفاءِ في "فَيُضاعِفَهُ" إلّا أنَّهُ أثْبَتَ الألِفَ في جَمِيعِ القُرْآَنِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ لِلرَّفْعِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنْ يَعْطِفَهُ عَلى ما في الصِّلَةِ، وهو يُقْرِضُ، والثّانِي: أنْ يَسْتَأْنِفَهُ، ومِن نَصَبَ حَمَلَ الكَلامَ عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: أيَكُونُ قَرَضَ؟

فَحَمَلَ عَلَيْهِ "فَيُضاعِفُهُ" وقالَ: ومَعْنى ضاعَفَ وضَعَفَ: واحِدٌ، والمُضاعَفَةُ: الزِّيادَةُ عَلى الشَّيْءِ حَتّى يَصِيرَ مِثْلَيْنِ أوْ أكْثَرَ.

وفي الأضْعافِ الكَثِيرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها لا يُحْصى عَدَدُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

ورَوى أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ يَكْتُبُ لِلْمُؤْمِنِ بِالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْفَيْ ألْفِ حَسَنَةٍ.

وقَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ، ثُمَّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ  يَقُولُ: "إنَّ اللَّهَ يُضاعِفُ الحَسَنَةَ ألْفَيْ ألْفِ حَسَنَةٍ" .» والثّانِي: أنَّها مَعْلُومَةُ المِقْدارِ، فالدِّرْهَمُ بِسَبْعِمِائَةٍ، كَما ذَكَرَ في الآَيَةِ الَّتِي بَعْدَها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "يَبْسُطُ" و"بَسْطَةً" بِالسِّينِ، وقَرَأهُما نافِعٌ بِالصّادِ.

وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: يُقْتُرُ عَلى مَن يَشاءُ في الرِّزْقِ، ويَبْسُطُهُ عَلى مَن يَشاءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: يَقْبِضُ يَدَ مَن يَشاءُ عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِهِ، ويَبْسُطُ يَدَ مَن يَشاءُ بِالإنْفاقِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ في آَخَرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ واعْلَمُوا أنَّ اللهِ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً واللهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ الواوُ في هَذِهِ الآيَةِ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةِ ما تَقَدَّمَ.

هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، إنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي مُخاطَبَةٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللهِ، وهو الَّذِي يُنْوى بِهِ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيا حَسَبَ الحَدِيثِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: الأمْرُ بِالقِتالِ هو لِلَّذِينِ أُحْيُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فالواوُ عَلى هَذا عاطِفَةٌ عَلى الأمْرِ المُتَقَدِّمِ، المَعْنى: وقالَ لَهُمْ: قاتِلُوا، قالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ولا وجْهَ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الأمْرَ بِالقِتالِ هو لِلَّذِينِ أُحْيُوا.

و"سَمِيعٌ" مَعْناهُ لِلْأقْوالِ، "عَلِيمٌ" بِالنِيّاتِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ ﴾ الآيَةُ فَدَخَلَ في ذَلِكَ المُقاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ، فَإنَّهُ يُقْرِضُ رَجاءَ الثَوابِ كَما فَعَلَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ في جَيْشِ العُسْرَةِ.

ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ «قالَ أبُو الدَحْداحِ: يا رَسُولَ اللهِ أوَ أنَّ اللهَ يُرِيدُ مِنّا القَرْضَ؟"، قالَ: "نَعَمْ يا أبا الدَحْداحِ ".

قالَ: "فَإنِّي قَدْ أقْرَضْتُ اللهَ حائِطِي" لِحائِطٍ فِيهِ سِتُّمائَةِ نَخْلَةٍ، ثُمَّ جاءَ الحائِطُ وفِيهِ أُمُّ الدَحْداحِ فَقالَ: "اخْرُجِي فَإنِّي قَدْ أقْرَضْتُ رَبِّي حائِطِي هَذا"، قالَ: فَكانَ رَسُولُ اللهِ  يَقُولُ: "كَمْ مِن عَذْقٍ مُذَلِّلٍ لِأبِي الدَحْداحِ في الجَنَّةِ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقالُ فِيهِ ابْنُ الدَحْداحَةِ، واسْتِدْعاءُ القَرْضِ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو تَأْنِيسٌ وتَقْرِيبٌ لِلنّاسِ بِما يَفْهَمُونَهُ، واللهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ لَكِنَّهُ تَعالى شَبَّهَ عَطاءَ المُؤْمِنِ في الدُنْيا ما يَرْجُو ثَوابَهُ في الآخِرَةِ بِالقَرْضِ، كَما شَبَّهَ إعْطاءَ النُفُوسِ والأمْوالِ في أخْذِ الجَنَّةِ بِالبَيْعِ والشِراءِ، وقَدْ ذَهَبَتِ اليَهُودُ في مُدَّةِ النَبِيِّ  إلى التَخْلِيطِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِظاهِرِ الِاسْتِقْراضِ، وقالُوا: إلَهُكم مُحْتاجٌ يَسْتَقْرِضُ، وهَذا بَيِّنُ الفَسادِ.

وَقَوْلُهُ: "حَسَنًا"، مَعْناهُ: تُطَيِّبُ فِيهِ النِيَّةُ، ويُشْبِهُ أيْضًا أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى كَثْرَتِهِ وجَوْدَتِهِ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ فِي: تَشْدِيدِ العَيْنِ وتَخْفِيفِها -وَرَفْعُ الفاءِ ونَصْبُها- وإسْقاطُ الألِفِ وإثْباتُها مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَيُضاعِفَهُ"، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "فَيُضَعِّفُهُ" بِرَفْعِ الفاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ وتَشْدِيدِ العَيْنِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ نَصَبَ الفاءَ في جَمِيعِ القُرْآنِ، ووافَقَهُ عاصِمٌ عَلى نَصْبِ الفاءِ إلّا أنَّهُ أثْبَتَ الألِفَ في "فَيُضاعِفُهُ" في جَمِيعِ القُرْآنِ وكانَ أبُو عَمْرٍو لا يُسْقِطُ الألِفَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُضاعَفْ لَها العَذابُ  ﴾ مِن سُورَةِ الأحْزابِ فَإنَّهُ بِغَيْرِ ألِفٍ كانَ يَقْرَؤُهُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ونافِعٌ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالألِفِ ورَفْعِ الفاءِ.

فالرَفْعُ في الفاءِ يَتَخَرَّجُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما العَطْفُ عَلى ما في الصِلَةِ، وهو "يُقْرِضُ"، والآخِرُ أنْ يَسْتَأْنِفَ الفِعْلَ ويَقْطَعَهُ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: والرَفْعُ في هَذا الفِعْلِ أحْسَنُ، لِأنَّ النَصْبَ إنَّما هو بِالفاءِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وذَلِكَ إنَّما يَتَرَتَّبُ إذا كانَ الِاسْتِفْهامُ عن نَفْسِ الفِعْلِ الأوَّلِ ثُمَّ يَجِيءُ الثانِي مُخالِفًا لَهُ.

تَقُولُ: أتُقْرِضُنِي فَأشْكُرُكَ؟

وهاهُنا: إنَّما الِاسْتِفْهامُ عَنِ الَّذِي يُقْرِضُ لا عَنِ الإقْراضِ، ولَكِنَّ تَحَمُّلَ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ في النَصْبِ عَلى المَعْنى، لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَفْهِمْ عن فاعِلِ الإقْراضِ إلّا مِن أجْلِ الإقْراضِ، فَكَأنَّ الكَلامَ: أيُقْرِضُ أحَدٌ اللهَ فَيُضاعِفَهُ لَهُ.

ونَظِيرُ هَذا -فِي الحَمْلِ عَلى المَعْنى- قِراءَةُ مَن قَرَأ: مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ، ويَذَرُهُمْ" بِجَزْمٍ "وَيَذَرُهُمْ" لَمّا كانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَلا هادِيَ لَهُ  ﴾ فَلا يُهْدَهُ.

وهَذِهِ الأضْعافُ الكَثِيرَةُ هي إلى السَبْعِمائَةِ الَّتِي رُوِيَتْ ويُعْطِيها مِثالُ السُنْبُلَةِ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يَبْسُطُ" بِالسِينِ، ونافِعٌ بِالصادِّ، في المَشْهُورِ عنهُ.

وقالَ الحَلْوانِيُّ، عن قالُونَ، عن نافِعٍ: إنَّهُ لا يُبالِي كَيْفَ قَرَأ: "بَسْطَةً ويَبْسُطُ" بِالسِينِ أو بِالصادِّ.

ورَوى أبُو قُرَّةَ، عن نافِعٍ: "يَبْسُطُ" بِالسِينِ.

ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ  طَلَبَ مِنهُ أنْ يُسَعِّرُ بِسَبَبِ غَلاءٍ خِيفَ عَلى المَدِينَةِ فَقالَ: "إنَّ اللهَ هو الباسِطُ القابِضُ، وإنِّي لَأرْجُو أنْ ألْقى اللهَ ولا يُتْبِعُنِي أحَدٌ بِمَظْلَمَةٍ في نَفْسٍ ولا مالٍ».

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اعتراض بين جملة: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ [البقرة: 243] إلى آخرها، وجملة ﴿ ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل ﴾ [البقرة: 246] الآية، قصد به الاستطراد للحث على الإنفاق لوجه الله في طرق البر، لمناسبة الحث على القتال، فإن القتال يستدعي إنفاق المقاتل على نفسه في العُدَّة والمَؤُونة مع الحث على إنفاق الواجد فضلاً في سبيل الله بإعطاء العُدَّة لمن لا عُدَّة له، والإنفاق على المعسرين من الجيش، وفيها تبيين لمضمون جملة: ﴿ واعلموا أن الله سميع عليم ﴾ [البقرة: 244] فكانت ذات ثلاثة أغراض.

و ﴿ القرض ﴾ إسلاف المال ونحوه بنية إرجاع مثله، ويطلق مجازاً على البذل لأجل الجزاء، فيشمل بهذا المعنى بذل النفس والجسم رجاءَ الثواب، ففعل (يقرض) مستعمل في حقيقته ومجازه.

والاستفهام في قوله: ﴿ من ذا يقرض الله ﴾ مستعمل في التحضيض والتهييج على الاتصاف بالخير كأنَّ المستفهم لا يدري مَن هو أهل هذا الخير والجديرُ به، قال طرفة: إذا القوم قالوا مَن فتى خِلْتُ أنني *** عُنِيتُ فلَم أَكسَلْ ولم أتَبَلَّدِ و(ذا) بعد أسماء الاستفهام قد يكون مستعملاً في معناه كما تقول وقد رأيتَ شخصاً لا تعرفه: (مَن ذا) فإذا لم يكن في مقام الكلام شيء يصلح لأن يشار إليه بالاستفهام كان استعمال (ذا) بعد اسم الاستفهام للإشارة المجازية بأن يَتصوَّر المتكلم في ذهنه شخصاً موهوماً مجهولاً صدر منه فعل فهو يسأل عن تعيينه، وإنما يكون ذلك للاهتمام بالفعل الواقع وتطلُّب معرفة فاعله ولكون هذا الاستعمال يلازم ذكر فعللٍ بعد اسم الإشارة، قال النُّحاة كلهم بصريُّهم وكوفيُّهم: بأن (ذا) مع الاستفهام تتحوّل إلى اسم موصول مبهم غير معهود، فعدُّوه اسمَ موصول، وبوَّب سيبويه في «كتابه» فقال: «باب إجرائهم ذَا وحدَه بمنزلة الذي وليس يكون كالذي إلا مع (ما) و(من) في الاستفهام فيكون (ذا) بمنزلة الذي ويكون ما أي أو من حرفَ الاستفهام وإجراؤهم إياه مع ما أي أو من بمنزلة اسم واحد» ومثَّله بقوله تعالى: ﴿ ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً ﴾ [النحل: 30] وبقية أسماء الإشارة مثل اسم (ذا) عند الكوفيين، وأما البصريون فقصروا هذا الاستعمال على (ذا) وليس مرادهم أن ذا مع الاستفهام يصير اسم موصول فإنه يكثر في الكلام أن يقع بعده اسم موصول، كما في هذه الآية، ولا معنى لوقوع اسمى موصول صلتهما واحدة، ولكنهم أرادوا أنه يفيد مُفاد اسم الموصول، فيكون ما بعده من فِعل أو وصف في معنى صلة الموصول، وإنما دوَّنوا ذلك لأنهم تناسوا ما في استعمال ذا في الاستفهام من المجاز، فكان تدوينها قليل الجدوى.

والوجه أن (ذا) في الاستفهام لا يخرج عن كونه للإشارة وإنما هي إشارة مجازية، والفعل الذي يجيء بعده يكون في موضع الحال، فوزان قوله تعالى: ﴿ ماذا أنزل ربكم ﴾ [النحل: 24] وزان قول يزيد بن ربيعة بن مفرغ يخاطب بغلته: نَجَوْتتِ وهذا تَحْمِلِينَ طَلِيق *** والإقراض: فعل القرض.

والقرض: السلف، وهو بذل شيء ليرد مثله أو مساويه، واستعمل هنا مجازاً في البذل الذي يرجى الجزاء عليه تأكيداً في تحقيق حصول التعويض والجزاء.

ووصف القرض بالحسن لأنه لا يرضَى الله به إلاَّ إذا كان مبرَّأً عن شوائب الرياء والأذى، كما قال النابغة: ليست بذات عقارب *** وقيل: القرض هنا على حقيقته وهو السلف، ولعله علق باسم الجلالة لأن الذي يُقرض الناس طمعاً في الثواب كأنه أقرض الله تعالى؛ لأن القرض من الإحسان الذي أمر الله به وفي معنى هذا ما جاء في الحديث القدسي " أن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه " الحديث.

وقد رووا أن ثواب الصدقة عشْر أمْثالها وثواب القرض ثمانية عشر من أمثاله.

وقرأ الجمهور «فيضاعفُه» بألف بعد الضاد، وقرأه ابن كثير، وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بدون ألف بعد الضاد وبتشديد العين.

ورُفع «فيضاعفُه» في قراءة الجمهور، على العطف على ﴿ يقرض ﴾ ، ليدخل في حيز التحضيض معاقباً للإِقراض في الحصول، وقرأه ابن عامر وعاصم ويعقوب بنصب الفاء على جواب التحضيض، والمعنى على كلتا القراءتين واحد.

وقوله: ﴿ والله يقبض ويبصط ﴾ أصل القبض الشد والتماسك، وأصل البسط: ضد القبض وهو الإطلاق والإرسال، وقد تفرعت عن هذا المعنى معان: منها القبض بمعنى الأخذ ﴿ فَرِهانٌ مقبوضة ﴾ [البقرة: 283] وبمعنى الشح ﴿ ويقبضون أيديَهم ﴾ [التوبة: 67] ومنها البَسط بمعنى البذل ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء ﴾ [الرعد: 26] وبمعنى السخاء ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ [المائدة: 64] ومن أسمائه تعالى القابض الباسط بمعنى المانع المعطي.

وقرأ الجمهور: (ويبسط) بالسين، وقرأه نافع والبزي عن ابن كثير وأبو بكر عن عاصم والكسائي وأبو جعفر وزوج عن يعقوب بالصاد وهو لغة.

يحتمل أن المراد هنا: يقبض العطايا والصدقات ويبسط الجزاء والثواب، ويحتمل أن المراد يقبض نفوساً عن الخير ويبسط نفوساً للخير، وفيه تعريض بالوعد بالتوسعة على المنفق في سبيل الله، والتقتير على البخيل.

وفي الحديث " اللهم أعط منفقاً خلفا وممسكاً تلفاً " وفي ابن عطية عن الحلواني عن قالون عن نافع «أنه لا يبالي كيف قرأ يبسط وبسطه بالسين أو بالصاد» أي لأنهما لغتان مثل الصراط والسراط، والأصل هو السين، ولكنها قلبت صاداً في بصطه ويبصط لوجود الطاء بعدها، ومخرجها بعيد عن مخرج السين؛ لأن الانتقال من السين إلى الطاء ثقيل بخلاف الصاد.

وقوله: ﴿ وإليه ترجعون ﴾ خبر مستعمل في التنبيه والتذكير بأن ما أعد لهم في الآخرة من الجزاء على الإنفاق في سبيل الله أعظم مما وعدوا به من الخير في الدنيا، وفيه تعريض بأن الممسك البخيل عن الإنفاق في سبيل الله محروم من خير كثير.

روي أنه لما نزلت الآية جاء أبو الدحداح إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: " أو أنّ الله يريد منا القرض؟

قال: نعم يا أبا الدحداح، قال: أرني يدك " فناوله يده فقال: " فإني أقرضت الله حائطاً فيه ستمائة نخلة " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كم من عذق رَدَاح ودار فَسَاح في الجنة لأبي الدحداح ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ يَعْنِي ألَمْ تَعْلَمْ.

﴿ وَهم أُلُوفٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مُؤْتَلِفِي القُلُوبِ وهو قَوْلُ ابْنِ زِيادٍ.

والثّانِي: يَعْنِي أُلُوفًا في العَدَدِ.

واخْتَلَفَ قائِلُو هَذا في عَدَدِهِمْ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: كانُوا ثَمانِيَةَ آلافٍ.

والثّالِثُ: كانُوا بِضْعَةً وثَلاثِينَ ألْفًا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والرّابِعُ: كانُوا أرْبَعِينَ ألْفًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والأُلُوفُ تُسْتَعْمَلُ فِيما زادَ عَلى عَشَرَةِ آلافٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ حَذَرَ المَوْتِ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم فَرُّوا مِنَ الطّاعُونِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قالَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، خَرَجُوا فِرارًا مِنَ الطّاعُونِ، وقالُوا: نَأْتِي أرْضًا لَيْسَ بِها مَوْتٌ، فَخَرَجُوا، حَتّى إذا كانُوا بِأرْضِ كَذا، قالَ اللَّهُ لَهُمْ: مُوتُوا فَماتُوا، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ، فَدَعا رَبَّهُ أنْ يُحْيِيَهم، فَأحْياهُمُ اللَّهُ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم فَرُّوا مِنَ الجِهادِ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ.

﴿ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فَأماتَهُمُ اللَّهُ، كَما يُقالُ: قالَتِ السَّماءُ فَمَطَرَتْ، لِأنَّ القَوْلَ مُقَدِّمَةُ الأفْعالِ، فَعَبَّرَ بِهِ عَنْها.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ قَوْلًا سَمِعَتْهُ المَلائِكَةُ.

﴿ ثُمَّ أحْياهُمْ ﴾ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ كانَ اسْمُهُ شَمْعُونَ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّ مُدَّةَ مَوْتِهِمْ إلى أنْ أحْياهُمُ اللَّهُ سَبْعَةُ أيّامٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ: رائِحَةُ المَوْتِ تُوجَدُ في ولَدِ ذَلِكَ السِّبْطِ مِنَ اليَهُودِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الجِهادُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أبْوابُ البِرِّ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وإذا جُوزِيتَ قَرْضًا فاجْزِهِ إنَّما يَجْزِي الفَتى لَيْسَ الجَمَلُ قالَ الحَسَنُ: وقَدْ جَهِلَتِ اليَهُودُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَقالُوا: إنَّ اللَّهَ يَسْتَقْرِضُ مِنّا، فَنَحْنُ أغْنِياءُ، وهو فَقِيرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: سَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ إلّا اللَّهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

﴿ واللَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في الرِّزْقِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: يَقْبِضُ الصَّدَقاتِ ويَبْسُطُ الجَزاءَ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وابن سعد والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: «لما نزلت ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له ﴾ قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله وإن الله ليريد منا القرض؟

قال: نعم يا أبا الدحداح.

قال: أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده قال: فإني أقرضت ربي حائطي وحائط له فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها، فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح قالت: لبيك.

قال: اخرجي فقد اقرضته ربي عز وجل» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن زيد بن أسلم قال: «لما نزلت ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ الآية.

جاء أبو الدحداح إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله ألا أرى ربنا يستقرضنا مما أعطانا لأنفسنا، وإن لي أرضين احداهما بالعالية والأخرى بالسافلة، وإني قد جعلت خيرهما صدقة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: كم من عذق مدلل لأبي الدحداح في الجنة» .

وأخرج الطبراني في الأوسط وزيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب.

مثله.

وأخرج ابن مردويه من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار وعن الأعرج عن أبي هريرة قال: «لما نزلت ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً...

﴾ قال ابن الدحداح: يا رسول الله لي حائطان أحداهما بالسافلة والآخر بالعالية وقد أقرضت ربي أحداهما.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد قبله منك.

فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم اليتامى الذين في حجره، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: رب عذق لابن الدحداح مدلى في الجنة» .

وأخرج ابن سعد عن يحيى بن أبي كثير قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ﴾ فالكثيرة عند الله أكثر من ألف ألف وألفي وألف، والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر قال: «لما نزلت ﴿ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ﴾ [ البقرة: 261] إلى آخرها.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» رب زد أمتي «.

فنزلت ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ﴾ قال: رب زد أمتي.

فنزلت ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ [ الزمر: 10] فانتهى» .

وأخرج ابن المنذر عن سفيان قال: لما نزلت ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ [ الأنعام: 160] قال: رب زد أمتي.

فنزلت ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً...

﴾ الآية.

قال: رب زد أمتي.

فنزلت ﴿ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل...

﴾ [ البقرة: 261] الآية.

قال: رب زد أمتي.

فنزلت ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ [ الزمر: 10] فانتهى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ قرضاً حسناً ﴾ قال: النفقة على الأهل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم من طريق أبي سفيان عن أبي حيان عن أبيه عن شيخ لهم.

أنه كان إذا سمع السائل يقول ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاَّ الله، والله أكبر، هذا القرض الحسن.

وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب.

أن رجلاً قال له: سمعت رجلاً يقول من قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ [ الاخلاص: 1] واحدة بنى الله له عشرة آلاف ألف غرفة من درٍّ وياقوت في الجنة أفأصدق بذلك؟

قال: نعم، أوعجبت من ذلك وعشرين ألف ألف، وثلاثين ألف ألف، وما لا يحصى، ثم قرأ ﴿ فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ﴾ فالكثير من الله ما لا يحصى.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن ملكاً بباب من أبواب السماء يقول: من يقرض الله اليوم يجز غداً، وملك بباب آخر ينادي: اللهم اعط منفقا خلفاً واعط ممسكاً تلفاً، وملك بباب آخر ينادي: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم، ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وملك بباب آخر ينادي: يا بني آدم لِدُوا للموت وابنوا للخراب» .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يروي ذلك عن ربه عز وجل أنه يقول: يا ابن آدم أودع من كنزك عندي ولا حرق ولا غرق ولا سرق، أوفيكه أحوج ما تكون إليه» .

أما قوله تعالى: ﴿ والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ والله يقبض ﴾ قال: يقبض الصدقة ﴿ ويبسط ﴾ قال: يخلف ﴿ وإليه ترجعون ﴾ قال: من التراب خلقهم وإلى التراب يعودون.

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير والبيهقي في سننه عن أنس قال: «غلا السعر فقال الناس: يا رسول الله سعر لنا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة من دم ولا مال» .

وأخرج أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة «أن رجلاً قال: يا رسول الله سعر.

قال: بل ادعو.

ثم جاءه رجل فقال: يا رسول الله سعر.

فقال: بل الله يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة» .

وأخرج البزار عن علي قال: «قيل: يا رسول الله قوّم لنا السعر.

قال: إن غلاء السعر ورخصه بيد الله، أريد أن ألقى ربي وليس أحد يطلبني بمظلمة ظلمتها إياه» .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: علم الله أن فيمن يقاتل في سبيله من لا يجد قوة، وفيمن لا يقاتل في سبيله من يجد، فندب هؤلاء إلى القرض فقال: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة والله يقبض ويبسط ﴾ قال: يبسط عليك وأنت ثقيل عن الخروج لا تريده، ويقبض عن هذا وهو يطيب نفساً بالخروج ويخف له، فقوّه مما في يدك يكن لك في ذلك حظ.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ الآية.

القرض: اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، يقال: أقرض فلان فلانًا، إذا أعطاه (١) (٢) قال الكسائي: القرض: ما أسلفت من عمل صالح (٣) (٤) (٥) (٦) وقال الزجاج: القرض: البلاء الحسن، والبلاء السيئ (٧) وأنشد بيت أمية: كلُّ امْرئٍ سَوْف يُجْزَى قرضَه حَسَنًا ...

أو سَيِّئًا ومَدِينًا كالذي دانا (٨) وقال ابن كيسان: القَرْضُ أن تعطيَ (٩) (١٠) يقال: تقارضا الثناءَ: إذا أثني كلُّ واحد منهما على صاحبه.

ويقال: قارضه الودُّ (١١) وأصله في اللغة: القطع، ومنه المقراض (١٢) (١٣) شبه الله عز وجل عمل المؤمنين لله عز وجل على ما يرجون من ثوابه بالقرض؛ لأنهم إنما يعطون ما ينفقون ابتغاء ما وعدهم الله عز وجل من جزيل الثواب (١٤) والقرض في هذه الآية اسم لا مصدر، ولو كان مصدرًا لكان إقراضًا (١٥) يقول لعبده: استطعمتك (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ قال عطاء: يعنى حلالًا.

الواقدي: طيبة به نفسه (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف، والرفع والنصب (٢١) (٢٢) فأما وجه النصب: فهو أن يحمل الكلام على المعنى لا على اللفظ؛ لأن المعنى: أيكون قرض فيضاعفه، كقراءة من قرأ: ﴿ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ ﴾ (٢٣) (٢٤) ﴿ وَيَذَرُهُم ﴾ لأن معنى قوله: ﴿ فَلَا هَادِيَ لَهُ ﴾ لا يهده (٢٥) (٢٦) ﴿ وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا  ﴾ ، ومعنى التضعيف والإضعاف والمضاعفة واحد، وهو الزيادة على أصل الشيء حتى يصير مثلين أو أكثر (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ يعنى: يمسك الرزق عمن يشاء، ويضيق عليه، ويوسع على من يشاء، في قول عطاء عن ابن عباس والحسن وابن زيد والأكثرين (٢٨) وحكى الزجاج: يقبض الصدقات ويبسط الجزاء عليها عاجلًا وآجلًا (٢٩) وحكى أبو الهيثم السجزى، عن بعضهم قال: إن الله تعالى لما أمرهم بالصدقة أخبر أنه لا يمكنهم ذلك إلا بتوفيقه، فقال: (٣٠) ﴿ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ يعني يقبض بعض القلوب فيزويه كيلا ينشط (٣١) (٣٢) (١) ساقط من (ي).

(٢) "تفسير الثعلبي" 2/ 1312، "لسان العرب" 6/ 3588 - 3589 مادة "قرض".

(٣) ساقط من (م).

(٤) نقله عنه في "تفسير الثعلبي" 2/ 1312، "لسان العرب" 6/ 3589.

(٥) في (م): (سبق).

(٦) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 179.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 324.

(٨) البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص 63، "تفسير الطبري" 2/ 592، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 1311 "تهذيب اللغة" 3/ 2931 ويروى: ومدينًا مثل مادانا.

(٩) في (ي): (تقضي).

(١٠) نقله عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1312.

(١١) في (ش): (للود)، وفي (ي): (بالود).

(١٢) في (م): (القراض).

(١٣) ينظر في قرض: "تهذيب اللغة" 3/ 2931 - 2933، "المفردات" ص402، "لسان العرب" 6/ 3590، "تفسير البغوي" 1/ 294، "تفسير القرطبي" 3/ 239.

(١٤) "تفسير الطبري" 2/ 592، "تفسير الثعلبي" 2/ 1312.

(١٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 325.

(١٦) في (م) و (ش): (استطعمك).

(١٧) أخرجه مسلم (2569) كتاب: البر والصلة، باب: فضل عيادة المريض.

(١٨) "تفسير الثعلبي" 2/ 1313، "البحر المحيط" 2/ 252.

(١٩) في (ي): (هذا هو القرض).

(٢٠) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1319، "تفسير البغوي" 1/ 294، والواقدي هو علي بن الحسين.

(٢١) قرأ ابن كثير (فيضَعِّفه) بالرفع والتشديد، وقرأ ابن عامر (فيضعِّفَه) بالنصب والتشديد، وقرأ عاصم (فيضاعفَه) بالنصب والتخفيف، وقرأ الباقون (فيضاعفُه).

ينظر السبعة لابن مجاهد ص 184 - 185.

(٢٢) زيادة من (ي).

(٢٣) ساقطة من (أ) و (ش).

(٢٤) في (ش): (ونذرهم).

(٢٥) في (ش): (يهده).

(٢٦) ساقطة من (ش).

(٢٧) نقله عن "الحجة" لأبي علي 2/ 344 - 345.

(٢٨) ذكره عنهم أيضًا: ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 291.

(٢٩) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 325، وينظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 248، "تفسير الثعلبي" 2/ 1323.

(٣٠) ساقطه من (ي).

(٣١) في (ي) ينبسط وفي (ش) فيزويه ينشط.

(٣٢) "تفسير الثعلبي" 2/ 1323، "عجائب التأويل للكرماني" 1/ 221، "البحر المحيط" 2/ 253.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله ﴾ استفهام يراد به الطلب والحض على الإنفاق، وذكر لفظ القرض تقريباً للأفهام؛ لأن المنفق ينتظر الثواب كما ينتظر المسلف ردّ ما أسلف، وروي أن الآية نزلت في أبي الدحداح حين تصدّق بحائط لم يكن له غيره ﴿ قَرْضاً حَسَناً ﴾ أي خالصاً طيباً من حلال من غير منّ ولا أذى ﴿ فيضاعفه ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف، وبالرفع على الاستئناف أو عطفاً على يقرض، وبالنصب في جواب الاستفهام ﴿ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾ عشرة فما فوقها إلى سبعمائة ﴿ والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ إخبار يراد به الترغيب في الإنفاق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فيضاعفه ﴾ بالألف والنصب: عاصم غير المفضل وسهل "فيضعفه" بالتشديد والنصب: ابن عامر ويعقوب غير روح.

فيضعفه بالتشديد والرفع: ابن كثير ويزيد وروح.

الباقون فيضاعفه بالألف والرفع وكذلك في سورة الحديد ﴿ ويبصط ﴾ بالصاد: ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير الخزاعي عن ابن فليح، وابن مجاهد وأبي عون عن قنبل، وسهل وعاصم وابن ذكوان وغير ابن مجاهد والنقاش وشجاع وعلي الحلواني من قالون مخير.

الباقون بالسين.

الوقوف: ﴿ الموت ﴾ ص ﴿ أحياهم ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ كثيرة ﴾ ط ﴿ ويبسط ﴾ ص ﴿ ترجعون ﴾ ه.

التفسير: قد جرت عادته  أن يذكر بعد بيان الأحكام القصص اعتباراً للسامعين ليحملهم ذلك الاعتبار على ترك التمرد والعناد ومزيد الخضوع والانقياد فقال: ﴿ ألم تر ﴾ وفيه تقرير لمن سمع بقصتهم ووقف على أخبار الأولين وتعجيب من حالهم.

ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجب، أو تكون الرؤية بمعنى العلم والمعنى: ألم ينته علمك ولهذا عدي بإلى.

وعلى هذا يجوز أن يكون النبي  لم يعرف هذه القصة إلا بهذه الآية، ويجوز أن يقال: كان العلم بها سابقاً على نزول هذه الآية، ثم إنه  أنزل الآية على وفق ذلك.

روي أن أهل داوردان - قرية قبل واسط - وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفر من حكم الله وقضائه.

ويروى أن حزقيل النبي الذي يقال له: ذو الكفل مر عليهم بعد زمان طويل وقد عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم، فتعجب مما رأى فأوحى إليه: أتريد أن أريك كيف أحيهم؟

فقال: نعم فقيل له: ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي.

فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى تمت العظام.

ثم أوحى الله إليه: نادها إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً فصارت لحماً ودماً.

ثم نادها إن الله يأمرك أن تقومي فقامت.

فلما أحياهم كانوا يقولون: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت.

ثم رجعوا إلى قومهم بعد حياتهم، وكانت تظهر أمارات الموت في وجوههم إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم.

وعن ابن عباس أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أمر عسكره بالقتال فخافوا القتال فهربوا وقالوا لملكهم: إن الأرض التي نذهب إليها فيها الوباء، فنحن لا نذهب إليها حتى يزول ذلك الوباء.

فأماتهم الله بأسرهم وبقوا ثمانية أيام حتى انتفخوا.

وبلغ بني إسرائيل موتهم فخرجوا لدفنهم فعجزوا من كثرتهم فحظروا عليهم الحظائر وأحياهم الله  بعد الثمانية، فبقي فيهم شيء من ذلك النتن وبقي ذلك في أولادهم إلى هذا اليوم وقيل: إن حزقيل النبي ندب قومه إلى الجهاد فكرهوا وجبنوا فأرسل الله  عليهم الموت، فلما كثر فيهم الموت خرجوا من ديارهم فراراً من الموت، فلما رأى حزقيل ذلك قال: اللهم إله يعقوب وإله موسى ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم تدلهم على نفاذ قدرتك وأنهم لا يخرجون عن قبضتك.

فأرسل الله عليهم الموت فلما رآه  ضاق قلبه فدعا مرة أخرى فأحياهم الله  .

أما قوله  ﴿ وهم ألوف حذر الموت ﴾ ففيه دليل على الألوف الكثيرة ولكنهم اختلفوا.

فقيل: عشرة آلاف، وقيل: ثلاثون، وقيل: سبعون.

وعن بعضهم أن الألوف جمع آلف كقعود جمع قاعد أي خرجوا وهم مؤتلفو القلوب، وزيف بأن ورود الموت عليهم وفيهم كثرة يفيد مزيد اعتبار بحالهم بخلافهم لو كانوا نفراً يسيراً.

فأما ورود الموت على قوم بينهم ائتلاف ومحبة فكوروده على قوم بينهم اختلاف كثير في أن وجه الاعتبار لا يتغير، وقد يوجه بأن المراد إلفهم بالدنيا ومحبتهم لها فأهلكوا ليعلم أن حرص الإنسان على الحياة لا يعصمه عن الفوت.

و ﴿ حذر الموت ﴾ مفعول لأجله.

﴿ فقال لهم الله موتوا ﴾ معناه فأماتهم وجيء بهذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد، وأنها خارجة عن العادة ولا أمر ولا قول كما مر في قوله {  إذا قضى أمر فإنما يقول له كن فيكون } [مريم: 35] ويدل عليه قوله ﴿ ثم أحياهم ﴾ وإذا صح الإحياء بلا قول فكذا الإماتة.

ويحتمل أنه تعالى أمر الرسول بأن يقول لهم موتوا.

والظاهر أنهم لم يكونوا رأوا عند الموت من الأهوال والأحوال ما تصير بها معارفهم ضرورية ويمنع من صحة التكليف بعد الإحياء كما في الآخرة.

وقال قتادة: إنما أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم.

﴿ إن الله لذو فضلٍ على الناس ﴾ تفضل عليهم بأن خرجوا من الدنيا على المعصية فأعادهم إلى الدنيا ومكنهم من التوبة والتلافي، وتفضل على منكري المعاد باقتصاص خبرهم ليستبصروا ويعتبروا، وذلك أن تركب الأجزاء على الشكل المخصوص ممكن وإلا لما وجد أولاً، وإذا كان ممكناً في نفسه، وقد أخبر الصادق بوجوده وجب القطع به.

وفي القصة تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وأن الموت إذا لم ينفع منه الفرار فأولى أن يكون في سبيل الله، ولهذا أتبعت بقوله ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ ثم إن كان هذا الأمر خطاباً للذين أحياهم على ما قال الضحاك أحياهم ثم أمرهم بأن يذهبوا إلى الجهاد، فلا بد من إضمار تقديره، وقيل لهم: قاتلوا.

وإن كان استئناف خطاب للحاضرين على ما هو اختيار الجمهور من المفسرين فلا إضمار، وفيه ترغيب وإرهاب كيلا ينكص على عقبيه محب للحياة بسبب خوف الموت فإن الحذر لا يغني عن القدر.

﴿ واعلموا أن الله سميع عليم ﴾ يسمع ما يقوله القاعدون والمجاهدون ويعلم ما يضمرونه وهو من وراء الجزاء.

ولما أمر المكلفين بالقتال في سبيل الله أردف ذلك بقوله ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ أي في باب الجهاد، كأنه ندب العاجز عن الجهاد أن ينفق على الفقير القادر على الجهاد، وأمر القادر على الجهاد أن ينفق على نفسه في طريق الجهاد.

و "ذا" في ﴿ من ذا ﴾ إما زائدة و "من" استفهام في موضع الرفع، و "الذي" مع صلتها خبره أو موصولة و "الذي" بدلها أو اسم إشارة خبر "من" و "الذي" نعت له، أو بدل منه.

قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون "من" و "ذا" بمنزلة اسم واحد كما كانت "ماذا" لأن "ما" أشد إبهاماً من "من" إذا كانت "من" لمن يعقل.

وقد بني الكلام على طريقة الاستفهام لأن ذلك أدخل في الترغيب والحث على الفعل من ظاهر الأمر.

وقيل: إن هذا الكلام مبتدأ لا تعلق له بما قبله، وإنما ورد مستأنفاً في الإنفاق إما على الإطلاق وهو الأليق بعموم لفظ القرض، وإما الواجب منه لأن قوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ كالزجر.

وهو إنما يليق بالواجب، وأما غير الواجب لأن القرض بالتبرع أشبه وهذا قول الأصم.

وقد يروى عن بعض أصحاب ابن مسعود أن المراد من هذا القرض هو قول الرجل "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر".

وعن النبي  "من لم يكن عنده ما يتصدق به فليلعن اليهود فإنه له صدقة" ويشبه أن يكون الفقير الذي لا يملك شيئاً إذا كان في قلبه أنه إذا قدر أنفق وأعطى، قامت تلك النية مقام الإنفاق.

وعن الزجاج أن لفظ القرض حقيقة في كل ما يفعل ليجازى عليه.

وأصل القرض القطع ومنه المقراض والانقراض لانقطاع الأثر، ومن أقرض فكأنما قطع له من ماله أو عمله قطعة يجازى عليها.

وقيل: إن لفظ القرض في الآية مجاز، فإن القرض إنما يأخذه من يحتاج إليه لفقره وذلك في حق الله محال، ولأن البدل في القرض المعتاد لا يكون إلا بالمثل وهنا يضاعف، ولأن المال الذي يأخذه المستقرض لا يكون ملكاً له وههنا المال المأخوذ ملك الله.

ثم مع حصول هذه الفروق سماه الله  قرضاً تنبيهاً على أن ذلك لا يضيع عند الله.

فكما أن القرض يجب أداؤه ولا يجوز الإخلال به فكذا الثواب المستحق على هذا الإنفاق واصل إلى المكلف لا محالة.

وقوله ﴿ قرضاً حسناً ﴾ يحتمل كونه اسم مصدر وكونه مصدراً بمعنى الإقراض.

ومعنى كونه حسناً حلالاً خالصاً لا يختلط به الحرام ولا يشوبه منٌ ولا أذى ولا يفعله رياء وسمعة، وإنما يفعله خالصاً لوجه الله  .

و ﴿ أضعافاً ﴾ نصب على الحال أو على المفعول الثاني إن ضمن ضاعف معنى صير، ويجوز أن يكون مصدراً لأن الضعف وإن كان اسماً إلا أنه قد يقع موقع المصدر كالعطاء فإنه اسم للمعطى، وقد يستعمل بمعنى الإعطاء قال القطامي: أكفراً بعد رد الموت عني *** وبعد عطائك المائة الرتاعا؟

وإنما جاز جمع المصدر بحسب اختلاف أنواع الجزاء لاختلاف الإقراض في المقدار والإخلاص وغير ذلك.

والضعف المثل، والتضعيف والأضعاف والمضاعفة كلها الزيادة على أصل الشيء حتى يصير مثلين أو أكثر.

قيل: الواحد بسبعمائة.

وعن السدي أن هذا التضعيف لا يعلم أحدكم هو وما هو، وإنما أبهمه الله  لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود ﴿ والله يقبض ويبسط ﴾ يقتر على عباده ويوسع فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبدلكم الضيقة بالسعة.

وأيضاً من كتب له الفقر فليس له إلا ذلك سواء أنفق أو لم ينفق، ومن كتب له الغنى فليس له إلا ذلك.

فعلى التقديرين يكون إنفاق المال في سبيل الله أولى.

وإذا علم المكلف أن القبض والبسط بالله انقطع نظره عن مال الدنيا وبقي اعتماده على الله، فحينئذٍ يسهل عليه الإنفاق في مرضاة الله.

ويحتمل أن يكون المعنى: والله يقبض بعض القلوب حتى لا يقدم على هذه الطاعة، ويبسط بعضها حتى يسهل عليه البذل وصرف المال.

﴿ وإليه ترجعون ﴾ فيجازيكم بحسب ما قدمتم من أعمال الخير و الله ولي التوفيق وإليه انتهاء الطريق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ، حرف تعجب وتنبيه، ليتأمل فيما يلقى إليه مما أريد الإنباء عنه، أو فيما قد كان سبق الإنباء عنه، ليتجدد بالنظر فيه عهداً.

وعلى ذلك المعروف من استعمال هذه الكلمة، وكذلك وجه تأويله إلى الخبر مرة وإلى العلم به ثانية، وإلى النظر فيه ثالثاً، على اختلاف ما قيل.

وفيه كل ذلك.

والله  أعلم.

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ﴾ ، "ألم تخبر"، و"ألم تنظر"، ومثل هذا إنما يقال عن أعجوبة.

فالقصد فيه - والله  أعلم - أنه جواب قوله: ﴿ لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ  ﴾ ، أخبرهم الله عز وجل عن قصة هؤلاء: أن جهلهم بآجال أولئك حملهم على هذا القول؛ مثل جهل بني إسرائيل بآجالهم حملهم على الخروج من ديارهم حذر الموت، ثم لم ينفعهم ذلك بل أميتوا.

كذلك هذا.

ثم اختلف في قصة هذه:- قال بعضهم: أخرجوا فراراً من الجهاد في سبيل الله، فأماتهم الله، ثم أحياهم، وأمرهم أن يخرجوا إلى الجهاد في سبيل الله.

وقال آخرون: وقع الطاعون في قريتهم، فخرج أناس وبقى أناس، فمن خرج أكبر ممن بقى، فنجا الخارجون، وهلك الباقون، فلما كانت الثانية خرجوا بأجمعهم إلا قليلاً، فأماتهم الله، ثم أحياهم.

فلا تدري كيف كانت القصة.

فإن كانت القصة في الفرار من الجهاد في سيل الله، وله نظير في الآيات، قوله  : ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أَوِ ٱلْقَتْلِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ  ﴾ ، ومثله كثير في القرآن.

وإن كانت القصة في الطاعون، فقد جاء الخبر عن رسول الله  ، أنه قال: "إذا كنتم في أرض وفيها وباء فلا تخرجوا فراراً منها.

[وإذا لم تكونوا فيها فلا تدخلوها" .

ومعناه والله أعلم: أنهم إذا كانوا فيها يخرجوا مخرج الفرار إن تحولوا،] أو أن الفرار أنجاهم إن لم يكونوا فيها فدخلوا فأصابهم فأماتهم الله، يظنون أنهم إذا لم يكونوا فيها لم يصبهم ذلك.

ففي الوجهين سيان القضاء.

وقد جاء: "أن لا دعوى ولا هامة".

فإن قيل: روي عن رسول الله  : أنه كان إذا مر على حائط مائل أسرع المشي، كيف نهى عن الخروج عن أرض فيها وباء وطاعون؟

قيل: إن كل ما كان مخرجه مخرج آية وفيها إهلاكهم فذلك لا يكون إلا بأمر سبق منهم، فحق مثله الفرار إلى الله، لا إلى غيره.

وأما انكسار الحائط فليس لأمر سبق منه، فجائز أن يأخذ منه حذره.

هذا هو الفرق بينهما.

والله  أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله  -: ويجوز أن يكون فعله  ليعلم أن مثله من الخوف لا يعد نقصاناً في الدين؛ وذلك كالعدة تتخذ للحرب والأغذية للبدن، لا على ظن بالله أنه لا يملك الحياة دونها أو قهر العدو، ولكن على التأهب والائتمار؛ إذ قد جعل الذي خيف فيه والذي رجى.

والله  أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، حين أحياهم بعد ما أماتهم، وذلك فضل منه.

و ﴿ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، بكل نعمة أنعمها عليهم، يستحق الشكر من الخلق بذلك.

هذه الآية على المعتزلة إذ قالوا: ليس لله أن يفعل بخلقه إلا الأصلح لهم في الدين، ولو فعل غير ذلك كان جائزاً.

فإذا كان هذه عليه، فإنى يكون الأفضل؟

وإنما يقال (ذو فضل)، و(ذو من)، إذا أعطى ما ليس عليه.

وأما من أعطى ما كان عليه لا يقال: إنه (تفضل) أو (من)، كمن يقضي ديناً عليه لآخر لا يستوجب الشكر بذلك، لأنه قضى ما كان عليه قضاؤه؛ فكذلك الله  إذا أخبر أنه (ذو فضل) و(ذو من) لم يكن ذلك عليه، فاستوجب الشكر على الخلق بذلك.

وبالله التوفيق.

ثم الكلام في أن أولئك ماتوا بآجالهم، أو لا بآجالهم؟

قالت المعتزلة: لم تكن آجالهم.

ومن قولهم: أن لكل أحد أجلين: إن قتل فأجله كذا، وإن مات فكذا.

قيل: ذلك تأجيل من لا يعلم أنه يقتل أو يموت، فإذا علم الله أنه يموت لم يكتب له أجل القتل.

وكذلك ما روي في الخبر: "أن صلة الرحم تزيد العمر" .

إذا كان في علم الله  في الأول أنه يصل الرحم فكتب عمره أزيد ممن يعلم في الأول أنه يقطع ولا يصل؛ إذ لو حمل ذلك على ما يقولون هم لخرج فعله فعل من يجهل العواقب.

فإن قيل: فلِمَ يلام القاتل إذا قتل غيره بغير حق؟

قيل له: لأنه كتب أجل المقتول بقتل هو معصية بما علم الله أنه ينقضي به.

وكتاب الآجال هو بيان النهايات والأعمار.

وقوله: ﴿ وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قد ذكرناه متضمناً فيما تقدم.

وقوله: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .

عامل الله  بلطفه وكرمه الخلق معاملة من لا حق له في أموالهم، لا كمعاملة العباد بعضهم بعضاً، وإن كان العبيد وأموالهم كلهم له حيث طلب منهم الإقراض لبعضهم من بعض ثم وعد لهم الثواب على ذلك فقال: ﴿ فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾ .

ثم لما سمع اليهود ذلك قالوا: إن إله محمد فقير، وهو قوله: ﴿ لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ  ﴾ .

ومرة قالوا لما رأوا الشدة على بعض الناس فقالوا: إنما يفعل ذلك ببخله حيث قالوا: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ  ﴾ .

فرأوا المنع إمال للبخل وإما للفقر.

فأكذبهم الله في قولهم ذلك فقال: ﴿ وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ .

قيل: ﴿ يَقْبِضُ ﴾ ، أي يقتر، و ﴿ وَيَبْسُطُ ﴾ ، أي يوسع.

وقيل: ﴿ يَقْبِضُ ﴾ ما أعطى، أي يأخذ.

و ﴿ وَيَبْسُطُ ﴾ ويترك ما أعطى، ولا يأخذ منه شيئاً.

وقيل: إنها نزلت في أبي الدحداح؛ وذلك أن النبي  قال: "من صدق بصدقة فله مثلها في الجنة.

فقال أبو الدحداح: إن تصدقت بحديقتي، فلي مثلها في الجنة؟

فقال: نعم.

وقال: وأم الدحداح معي؟

قال: نعم.

وقال: والصبية معي؟

قال: نعم.

فرجع أبو الدحداح فوجد أم الدحداح والصبية فيها، فقام على باب الحديقة، فنادى يا أم الدحداح إني جعلت حديقتي هذه صدقة، واشترطت مثيلتها في الجنة، وأم الدحداح والصبية فيها معي.

قالت: بارك الله لك فيما شريت، وفيما اشتريت أربيت.

فخرجوا منها، فتركوا ما كانوا اجتنبوا منها، وسلموا الحديقة للنبي  .

فنزل قوله: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً...

﴾ " الآية.

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ الآية، في توجيه الآية إليه: فمنهم من يوجهها إلى جميع المحاسن يؤثرها ويختارها لله، فله أضعاف ذلك في الموعود - آجلاً وعاجلا - فالآجل ما وعد، والعاجل ثناء الناس وجلالة القدر له في القلوب، متعارف ذلك للأخيار.

وسماه قرضاً بما هو اسم المعروف، ليذكره عظم نعمه عليه، إن قبله قول المعروف بالشكر له في ذلك، وإن كان ذلك حقّاً له عليه.

والله أعلم.

والثاني: ليعرف الخلق كيفية الصحبة والمعاشرة بينهم.

إن الله  عامل عبده فيما هو له معاملة من يستحق الشكر منه بما يسدي إليه من النعم، ولله حقيقة ذلك، ليعقل الحكماء أن مثل ذلك في معاملة الإخوان، وفما كان نعمه في الحقيقة أوجب وأحق، وليعظموا المعروفين بالمعروف بما أكرمهم الله  بالأسماء الجليلة.

ولا قوة إلا بالله.

ومنهم من يوجهها إلى الصدقات خاصة؛ سماها قرضاً لوجوه: أحدها: أن يجعل معاملة الفقراء والتصدق عليهم معاملة الله تفضيلاً لهم، على ما نسب مخادعة المؤمنين إلى الله  تعظيماً لهم، فمثله الصدقة.

ثم وعد فيه العوض لتصير الصدقة بمعنى الإقراض، إذ يرجع في عوضه، فيزول وجه الامتنان عن الفقير بما يأخذ منه البدل.

وبالله التوفيق.

والثاني: سمى ذلك قرضاً بما هو له على ما لم يزل الله  عود به عباده بالذي عرفوا به كرمه وجوده حتى سمى تسليم الذي له في الحقيقة قرضاً كالتسليم إلى من لاحق له في الحقيقة، وعلى ذلك أمر الشراء بقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ  ﴾ ، والله أعلم.

والثالث: أنه ذكرهم وجه القصد في الصدقات، والموقع لها، ليكون ذلك تبيناً لعظيم منه الفقر عليه إذ وصل به إلى الله ذكره وأجل محله عنده، فيصير عنده أحد الأعوان له والأنصار على عظيم الموعود وجليل القدر عند الله.

فيحمده على ذلك ويشكر له دون أن يمن عليه أو يؤذيه.

والله الموفق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

من ذا الَّذي يعمل عمل المُقرض، فينفق ماله في سبيل الله بنية حسنة ونفس طيبة، ليعود عليه أضعافًا كثيرة، والله يضيِّق في الرزق والصحة وغيرها، ويوسع في ذلك كله بحكمته وعدله، وإليه وحده ترجعون في الآخرة، فيجازيكم على أعمالكم.

من فوائد الآيات الحث على المحافظة على الصلاة وأدائها تامة الأركان والشروط، فإن شق عليه صلَّى على ما تيسر له من الحال.

رحمة الله تعالى بعباده ظاهرة، فقد بين لهم آياته أتم بيان للإفادة منها.

أن الله تعالى قد يبتلي بعض عباده فيضيِّق عليهم الرزق، ويبتلي آخرين بسعة الرزق، وله في ذلك الحكمة البالغة.

<div class="verse-tafsir" id="91.l31qO"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

القتال للدفاع عن الحق أو لحماية الحقيقة يتوقف على بذل المال لتجهيز المقاتلة ولغير ذلك، لا فصل في الحاجة إلى هذا بين البدو الحضر، فإذا كانت مقاتلة القبائل البدوية لا تكلف رئيسها أن يتولى تجهيزها بل يجهز كل واحد نفسه، فكل واحد مطالب ببذل المال لتجهيز نفسه وإعانة من يعجز عن ذلك من فقراء قومه، وأما دول الحضارة فهي تحتاج في الاستعداد للمدافعة والمهاجمة ما لا يحتاج إليه أهل البادية، وقد كثرت نفقات الدول الحربية اليوم بارتقاء الفنون العسكرية، وتوقف الحرب على علوم وفنون وصناعات كثيرة من قصر فيها كان عرضة لسقوط دولته، لهذا قرن الله تعالى الأمر بالقتال بالحث على بذل المال، فالمراد بالبذل هنا ما يعين على القتال، وما هو بمعناه من كل ما يعلي شأن الدين، ويصون الأمة ويمنعها من عدوان العادين، ويرفع مكانتها في العالمين.

وقد ذكر حكم هذا الإنفاق ف سبيل الله بعبارة تستفز النفوس، وأسلوب يحفز الهمم، ويبسط الأكف بالكر، فقال ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا  ﴾ فهذه العبارة أبلغ من الأمر المجرد، ومن الأمر المقرون ببيان الحكمة، والتنبيه إلى الفائدة، والوجه في اختيار هذا الأسلوب هنا أن الداعية إلى البذل في المصالح العامة ضعيفة في نفوس الأكثرين، والرغبة فيه قليلة، إذ ليس فيه من اللذة والأريحية ما في البذل للأفراد، فاحتيج فيه للمبالغة في التأثير.

يدفع الغني إلى بذل شيء من فضل ماله لأفراد ممن يعيش معهم أمور كثيرة، منها إزالة ألم النفس برؤية المعوزين والبائسين، ومنها اتقاء حسد الفقراء واكتفاء شر شرارهم والأمن من اعتدائهم، ومنها التلذذ برؤية يده العليا، وبما يتوقعه من ارتفاع المكانة في النفوس، وتعظيم من يبذل لهم وشكرهم وحبهم، فإن السخي محبب إلى جميع الناس، من ينتفع منهم بسخائه ومن لا ينتفع وإذا كان البذل إلى ذوي القربي أو الجيران فحظ النفس فيه أجلى، وشفاء ألم النفس به أقوى، فإن ألم جارك وقريبك ألم لك، ويتعذر على الإنسان أن يكون ناعمًا بين أهل البؤس والضراء، سعيدًا بين الأشقاء، فكل هذه حظوظ للنفس في البذل للأفراد تسهل عليها امتثال أمر الله فيه وإن لم يكن مؤكدًا وقد يكون فيها من الرياء وحب السمعة ما ينافي كونها قربة وتعبدًا.

وأما البذل يراد هنا - وهو البذل للدفاع عن الدين وإعلاء كلمته، وحفظ حقوق أهله- فليس فيه شيء من تلك الحظوظ التي تسهل على النفس مفارقة محبوبها (المال) إلا إذا كان تبرعًا جبريًا يتولى جمعه بعض الحكام والأمراء أو يجمع بأمر الملوك والسلاطين، ولذلك يقل في الناس من يبذل المال في المصالح العامة لوجه الله تعالى، فلهذا كان المقام يقتضي مزيد التأكيد، والمبالغة في الترغيب.

وليس في الكلام ما يدرك شأو هذه الآية في وتأثيرها ولا سيما موقعها هذا بعد بيان سنه الله تعالى في موت الأمم وحياتها.

حسبك أنه تعالى جعل هذا البذل بمثابة الإقراض له وهو الغني عن العالمين الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما - وإنما يقترض المحتاج - وأنه عبر عن طلبه بهذا الضرب من الاستفهام، المستعمل للإكبار والاستعظام، فإنه إنما يقال من ذا الذي يفعل كذا؟

في الأمر الذي يندر أن يقدم عليه أحد.

يقال من ذا الذي يتطاول إلى الملك فلان؟

أو من ذا الذي يعمل هذا العمل وله كذا؟

إذا كان عظيمًا أو شاقًا يقل من يتصدى له.

قال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ  ﴾ وقال: ﴿ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنْ اللَّهِ  ﴾ الآية.

ولا يقال من ذا الذي يشرب هذه الكأس المثلوجة -وهجير الصيف متقد، والسموم تلفح الوجوه-؟

وأنه لم يكتف بتسميته إقراضًا وبالتعبير عنه بهذا الاستفهام حتى قال ﴿ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً  ﴾ ذلك أن الإقراض هو أن تعطي إنسانًا شيئًا من المال على أن يرد إليك مثله، فالتعبير بالإقراض يقتضي أن القرض لا يضيع، وليس هذا بكاف في الترغيب الذي تقتضيه الحال هنا، فصرح بأنه لا يرد مثله، بل أضعاف أضعافه من غير تحديد، وقد قال في مقام آخر: ﴿ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ  ﴾ وهو كاف هناك لما علمت من الفصل بين المقامين، والتفاوت بين الناس في الحالين، وإنك لتجد الناس على هذا التأكيد في الترغيب قلما يجودون بأموالهم في المصالح العامة ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُور  ﴾ .

معلوم أن الله تعالى غني عن العالمين فلا يحتاج إلى شيء لذاته، ولا هو عائل لجماعة معينين فيقترض لهم، فلا بد لهذا التعبير بالإقراض من وجه صحيح - أي غير ما يعطيه الأسلوب من الترغيب - فما هذا الوجه؟

ورد في الحديث أن الفقراء عيال الله على الأغنياء، لأن الحاجات التي تعرض لهم يقضيها الأغنياء.

ومعنى كونهم عيال الله أن ما أصابهم من الفاقة والعوز إنما كان بالجري على سنن الله في أسباب الفقر، وللفقر أسباب كثيرة منها الضعف والعجز عن الكسب، ومنها إخفاق السعي، ومنها البطالة والكسل، ومنها الجهل بالطرق الموصلة، ومنها ما تسوقه الأقدار من نحو حركات الرياح واضطراب البحار واحتباس الأمطار، وكساد التجارة ورخص الأسعار، والأغنياء متمكنون من إزالة بعض هذه الأسباب أو تدارك ضررها وإضعاف أثرها، كإزالة البطالة بإحداث أعمال ومصالح للفقراء، وإزالة الجهل بالإنفاق على التعليم والتربية -تعليم طرق الكسب والتربية على العمل والاستقامة والصدق-.

وإذا كان فقر الفقير إنما هو بالجري على سنة من سنن الله فإزالة سبب فقره أو مساعدته عليه أو فيه إنما يجري على سنة من سننه تعالى أيضًا كما أن غنى الغني كذلك، فالإنفاق لإحياء سنة الله ومساعدة من ينتسبون إلى الله تعالى على أنهم عياله إذ لا غنى لهم بكسبهم ولا حول لهم ولا قوة ينزل منزلة الإقراض له تعالى، فالفقراء عيال والله يعولهم بأيدي الأغنياء، ويعول الغنياء بتوفيقهم لأسباب الغني.

والتعبير عن الإنفاق بالإقراض الذي يشعر بحاجة المستقرض إلى المقرض عادًة جدير بأن يملك قلب المؤمن ويحيط بشعوره ويستغرق وجدانه حتى يسهل عليه الخروج من كل ما يملك ابتغاء مرضاة الله وحياء منه، فكيف وقد وعد برده مضاعفًا أضعافًا كثيرة ووعده الحق؟

هذا التعبير بمثابة الهز والزلزال لقلوب المؤمنين، فقلب لا يلين له ويندفع به إلى البذل قلب لم يمسه الإيمان، ولم تصبه نفحة من نفحات الرحمن، قلب خاو من الخير، فائض بالخبث والشر.

أي لطف من عظيم يداني هذا اللطف من الله تعالى بعباده؟

جبار السموات والأرض، رب كل شيء ومليكة، الغني عن العالمين، الفعال لما يريد، المقلب لقلوب العبيد، يرشد عباده الذين أنعم عليهم بفضل من المال، واختصهم بشيء من النعمة إلى مواساة إخوانهم بما فيه سعادة لهم أنفسهم ولمن يعيش معهم، ويهديهم إلى بذل شيء من فضول أموالهم في المصالح العامة التي فيها صلاح حالهم، وحفظ شرفهم واستقلالهم، فيبرز هذا الهدى والإرشاد في صورة الاستفهام، دون صيغة الأمر والإلزام، ويسمي نفسه مقترضًا ليشعر قلب الغني بمعنى الحاجة التي ربما تصيبه يومًا من الأيام، ثم هو يعده بمضاعفة ذلك العطاء.

أيكون هذا اللطف كله منه بعبده الذي غمره بنعمته، وفضله على كثير من خلقه، ثم يجمد قلب هذا العبد وتنقبض يده لا يستحي من ربه، ولا يثق بوعده، ويقال مع هذا إنه مؤمن به، وبأن ما أصابه من الخير فهو من عنده؟

كلا.

مثل في نفسك ملكًا من ملوك الدنيا يريد أن يجمع إعانة للفقراء أو لمصلحة من مصالح الدولة، وقد خاطبك بمثل هذا الخطاب، في التلطف والاستعطاف ومثل في خيالك موقع قوله من قلبك، وأثر كلامه في يديك.

أما كون القرض حسنًا فالمراد به ما حل محله ووافق المصلحة، لا ما وضع موضع الفخفخة وقصد به الرياء والسمعة، نعم إن ما أنفق في المصالح العامة حسن وإن أريد به الشهرة، ولكنه لا يكون دالًا على إيمان المنفق وثقته بربه، وابتغائه مرضاته.

ولا على حبه الخير لذاته، لارتقاء نفسه، وعلو همته، بما استفاد من فضائل الدين وحسن التهذيب، فلا يكون له حظ من نفقته يقربه إلى ربه زلفى، بل يكون كل جزائه تلك السمعة الحسنة "فهجرته إلى ما هاجر إليه".

ومن الناس من ينفق في المصالح بنية حسنة ولكن بغير بصيرة تريه مواطن المنفعة بنفقته، فيبني مسجدًا حيث تكثر المساجد فيكون سببًا في زيادة تفرق الجماعة وذلك مخالف لحكمة الشرع، أو يبني مدرسة ولا يحسن اختيار المعلمين لها، أو يفرض لها من النفقة ما لا يكفي لدوامها، فيسرع إليها الخراب، أو يضع فيها معلمين فاسدي الاعتقاد أو الآداب، فيفسدون ولا يصلحون، فمثل هذا كله لا يقال له قرض حسن، وإنما يكون الإنفاق قرضًا حسنًا مستحقًا للمضاعفة الكثيرة، إذا وضع موضعه مع البصيرة وحسن النية، ليكون على الوجه المشروع من إقامة الدين، وحفظ مصالح المسلمين، أو منفعة جميع الأنام، من الطريق الذي أشرعه الإسلام.

وأما هذه المضاعفة إلى أضعاف كثيرة - وسيأتي في آية أخرى بلوغها سبعمائة ضعف والمراد الكثرة - فهي تكون في الدنيا والآخرة؛ ذلك بأن المنفق لإعلاء كلمة الله ولتعزيز الأمة وللمدافعة عن الحق والحقيقة، يكون مدافعًا عن نفسه ومعززًا لها وحافظًا لحقوقها، لأن اعتداء المعتدين على الأمة إنما يكون بالاعتداء على أفرادها، فضعف الأمة وإذلالها وضياع حقوقها لا يتحقق إلا بما يقع على أفرادها وهو منهم، والبلاء يكون عامًا ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً  ﴾ ثم إن الأمة التي يبذل أغنياؤها المال، وتقوم بفريضة التعاون على الأعمال، فيكفل غنيها فقيرها، ويحمي قويها ضعيفها، تتسع دائرة مصالحها ومنافعها، وتكثر مرافقها وتتوفر سعادتها، وتدوم على أفرادها النعمة، ما استقاموا على البذل والتعاون في المصالح العامة، ثم إنهم يكونون بذلك مستحقين لسعادة الآخر ومضاعفة الثواب فيها.

ومن التفسير المأثور في الآية ما رواه ابن أبي حاتم عم عمر بن الخطاب  : القرض الحسن المجاهدة والإنفاق في سبيل الله، وهو إجمال لما تقدم تفصيله، ومن محاسن عبارات المفسرين هنا أن لفظ المضاعفة هنا للمبالغة بما في الصيغة من معنى المبالغة.

قرأ أبو عمرو ونافع والكسائي ﴿ فَيُضَاعِفَهُ  ﴾ بالضم بتقدير فهو يضاعفه، وقرأه عاصم بالنصب لوقوعه في حيز الاستفهام المعروف في قواعد النحو، وقرأ ابن كثير "فيضعفه" بالرفع والتشديد وابن عامر بالنصب، والتضعيف يدل على التكثير والتكرار.

قال تعالى ﴿ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ  ﴾ وقرأ نافع والكسائي والبزي وأبو بكر يبصط بالصاد وهي لغة كأن الأصل فيها تفخيم السين الجاورة الطاء، أي يقبض الرزق عن بعض الناس فيجهلون طرقة التي هي سنن الله تعالى فيه أو يضعفون في سلوكها، ويبسطه لمن يشاء بما يهديهم إلى تلك السنين ويفتح لهم الأبواب ويسهل لهم الأسباب.

ولو شاء أن يغني فقيرًا ويفقر غنيًا لفعل، فإن الأمر كله له وبيده القبض والبسط، وهو واضع السنن الهادي إليها، والموقف للسير عليها، فليس حضه الأغنياء على مواساة الفقراء والإنفاق في المنافع العامة أو الخاصة من حاجة به أو عجز منه سبحانه، كلا بل هي هدايته الإنسان إلى طرق الشكر على النعم بما يحفظها ويفضي إلى المزيد فيها، حتى يبلغ كماله الاجتماعي الذي أعده له بحكمته.

وقال بعض المفسرين يقبض بعض الأيدي عن البذل، ويبسط بعضها بالفضل، وهو لا يتفق مع ما تقدمه من الآية ولا يظهر بعده ما تضمنه قوله تعالى ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  ﴾ من الوعد والوعيد، لأنه لا بد أن يكون مرتبًا على عمل لنا فيه كسب واختيار، لا على ما تصرفه الأقدار، وقد قال بعض العلماء: إن هذا التعقيب يدل على أن البذل واجب يعاقب على تركه.

الرجوع إلى الله تعالى رجوعان: رجوع في هذا العالم إلى سنته الحكيمة ونظام خليقته الثابت ككون تحصيل الغنى يكون بكذا من عمل العامل، وكذا من توفيق الله تعالى وتسخيره.

وكون الفقر يكون بكذا وكذا من نحو ذلك.

وككون البذل من فضل المال يأتي بكذا وكذا من المنافع الخاصة بالباذل والعامة لقومه الذين يعتز بعزتهم ويسعد بسعادتهم، وكون ترك البذل يأتي بكذا وكذا من المفاسد والمضار العامة والخاصة.

ولا يستقل الإنسان بعمل من ذلك تمام الاستقلال بحيث يستغني به عن الرجوع إلى الله تعالى بالحاجة إلى معونته وتوفيقه وتسخير الأسباب له.

وأما الرجوع الآخر فهو الرجوع في الدار الآخرة حيث تظهر نتائج الأعمال وآثارها ﴿ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد