تفسير سورة البقرة الآيات ١١٨-١٢٠ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ١١٨-١٢٠

وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌۭ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَـٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ ١١٨ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا ۖ وَلَا تُسْـَٔلُ عَنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ ١١٩ وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍ ١٢٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 12 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

الكلام لا يزال في القرآن، وما كان من أمر الناس في الإيمان به وعد الإيمان، ذكر في الآيات المتقدمة آنفًا من شأن أهل الكتاب ما تبين به أن عدم إيمانهم بالنبي وما جاء به غير قادح فيه، ولا ينهض شبهة عليه، وأن مطاعنهم فيه متهافتة منقوضة بطعنهم في أنفسهم، وتخبطهم في أمر كتبهم، ثم انتقل إلى ذكر شبهة مشركي العرب وبين أنهم جروا فيها على الأصل المعهود من أمثالهم المشركين الذين سبقوهم بالضلال فقال ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ  ﴾ أي الجاهلون بالكتاب والشرائع من مشركي العرب.

وقال (الجلال) إن المراد بالذين لا يعلمون كفار مكة خاصة، ولا دليل على التخصيص، ويرجح العموم كون الآية مدنية ﴿ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ  ﴾ كما كلم هذا الرسول مع أنه بشر مثلنا ﴿ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ  ﴾ من الآيات التي اقترحناها، يعنون ما حكاه الله تعالى عنهم بمثل قوله ﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا  ﴾ الآيات ﴿ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ  ﴾ أي مثل هذا القول قال الكفار الذين أرسل إليهم الرسل من قبلهم في معناه وهو أنهم أنكروا على الرسل الاختصاص بالوحي من دونهم واقترحوا عليهم الآيات تعنتًا وعنادًا ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ لأن الطغيان قد ساوى بينهم حتى كأنهم تواصلوا بما يقولون كما قال في سورة الطور ﴿ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ  ﴾ .

ويشبه هذا ما ورد من أن الكفر ملة واحدة، وذلك أن الحق واحد ومخالفته هي الباطل أو الضلال وهو واحد وإن تعددت طرقه واختلفت وجوهه.

وآثار الشيء الواحد الكلي تتشابه فيمن تصدر عنهم وإن اختلفت الجزئيات.

والتشابه هنا إنما هو مكابرة الحق واستبعاد كون واحد من البشر رسولًا يوحى إليه اقتراح الآيات تعنتًا وعنادًا.

ومثال الاختلاف في الجزئيات طلب موسى رؤية الله جهرة، وطلب قوم محمد أن يرقى في السماء أمامهم فيأتي بكتاب يقرأونه.

والطلب الذي مصدره العناد والتعنت لا تفيد إجابته لأن صاحبه لا يقصد به معرفة الحق ولذلك قال تعالى ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ  ﴾ .

والدليل المعقول على هذا أنه ما من نبي إلا وقد جاء بآية أو آيات كونية أو عقلية وكانوا مع ذلك يصفونهم بالسحر ثم يقترحون عليهم الآيات، ولذلك قال تعالى بعد حكاية شبهة هؤلاء الجاهلين ﴿ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ  ﴾ أي إننا لم ندعك يا محمد بغير آية بل بينا الآيات على يديك بيانًا لا يدع للريب طريقًا إلى نفس من يعقلها.

وقد قال ﴿ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ  ﴾ ولم يقل أعطيناك الآية للتفرقة والفصل بين آيات القرآن التي هي من علم الله وكلامه يظهر بها الحق بطريق معقول بيِّن لا يشتبه فيه الفهم، ولا يحار فيه الذهن، وبين الآيات الكونية التي هي من صنعه يستخذي لها العقل ويخضع لها لشعوره بأنها من قوة فوق قوته.

وللناس فيما يرونه فوق ما يعقلون طريقان معهودان: منهم من يسنده إلى القوة الغيبية العليا سواء كان له سبب خفي في الواقع أم لا ومنهم من يسنده إلى الأسباب الخفية التي يسمونها السحر، وإن كان فوق قدرة البشر، ولذلك ضلت الأمم في آيات الأنبياء السابقين وليس لأحد أن يضل في آيات القرآن لأنها بينة معقولة ولذلك قال ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ  ﴾ .

نعم إن الآيات العلمية لا يعقلها إلا أهل الاستعداد للعلم اليقين.

ولذلك قال ﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ  ﴾ والذين يوقنون هم الذين خلصت نفوسهم من كل رأي وتقليد وتوجهوا إلى طلب الحق في الأمور الاعتقادية، وأخذوا على أنفسهم العهد أن يطلبوه بدليله وبرهانه، فهم إذا قام عندهم البرهان اعتقدوا وأيقنوا إيقانًا، وإنما يتوقع اليقين من مثلهم لا من قوم يعتقدون الشيء أولًا بلا دليل ولا برهان، ثم يلتمسون له الدليل لأن مقلديهم قالوا بوجوب معرفة الدليل فإذا أصابوه موافقًا لما اعتقدوا رضوا به وإن كان ظنيًا، وإذا نهض لهم مخالفًا لتقاليدهم رفضوه وتعللوا بالتعلات المنتحلة، وهؤلاء هم الجماهير من الناس الذين وصفوا في الأثر بأنهم أتباع كل ناعق: والعبرة في خطاب الشرع بأهل اليقين الذين صفت نفوسهم، ومحصت أفكارهم: فسلموا من علة العناد والمكابرة لا المانعين لشعاع الحق أن ينفذ إلى القول، ولحرارته أن تخترق الصدور إلى القلوب، هؤلاء هم أنصار الحق لأنهم بيقينهم لا يستطيعون المروق منه، ولا السكوت عن الانتصار له، ألم تر أن كبار الصحابة كانوا يراجعون النبي  فيما لم يظهر لهم دليله لأنهم طبعوا على معرفة الحق بالدليل.

هؤلاء من الناس الذين تنزل الشرائع لأجلهم، ولولا استعدادهم لها لما شرعت أو لما نجحت، وأما سائر الناس فتبع لهم وعيال عليهم.

ثم قال تعالى ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ  ﴾ أي بالشيء الثابت المتحقق الذي لا يضل من يأخذ به ولا تعبث به رياح الأباطيل والأوهام، بل يكون الآخذ به سعيدًا بالطمأنينة واليقين.

الحق في هذا المقام يشمل العلوم الاعتقادية وغيرها فهو يقول: إنا أرسلنا بالعقائد الحقة المطابقة للواقع، والشرائع الصحيحة الموصلة إلى سعادة الدنيا والآخرة ﴿ بَشِيرًا  ﴾ لمن يتبع الحق بالسعادتين ﴿ وَنَذِيرًا  ﴾ لمن لا يأخذ به بشقاء الدنيا وخزي الآخرة ﴿ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ  ﴾ أي فلا يضرك تكذيب المكذبين الذين يساقون بجحودهم إلى الجحيم لأنك لم تبعث ملزمًا لهم ولا جبارًا عليهم فيعد عدم إيمانهم تقصيرًا منك تسأل عنه، بل بعثت معلمًا وهاديًا بالبيان والدعوة وحسن الأسوة، لا هاديًا بالفعل ولا ملزمًا بالقوة، ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ  ﴾ .

وفي الآية تسلية للنبي  لئلا يضيق صدره كما تدل على ذلك آيات أخرى.

وفي الآية من العبرة إن الأنبياء بعثوا معلمين لا مسيطرين، ولا متصرفين في الأنفس ولا مكرهين، فإذا جاهدوا فإنما يجاهدون دفاعًا عن الحق لا إكراهًا عليه.

وفيها أن الله تعالى لا يطالب الناس بأن يأخذوا عنهم إلا العلم الذي يهديهم إلى معرفة حقوق الله وحقوق العباد.

وفي قراءة نافع ويعقوب ﴿ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ  ﴾ بالنهي، أي لا تسأل عما سيلاقون من الانتقام فإنه عظيم، فمثل هذا النهي مستعمل في التهويل لا في حقيقته وهو استعمال معروف بين الناس حتى اليوم: وزعم بعض المفسرين أن النهي على حقيقته وأنه خاص بنهي النبي  عن السؤال عن أبويه ورووا في ذلك أنه سأل جبريل عن قبريهما فدله عليهما فزارهما ودعا لهما وتمنى ولو يعرف حالهما في الآخرة وقال"ليت شعري ما فعل أبواي" فنزلت الآية في ذلك.

والحديث قال الحافظ العراقي إنه لم يقف عليه، وقال السيوطي لم يرد في ذلك إلا أثر معضل ضعيف الإسناد.

وقد فشا هذا القول ولولا ذلك لم نذكره، وإنما نريد بذكره التنبيه على أن الباطل صار يفشو في المسلمين بضعف العلم والصحيح يهجر وينسى.

ولاشك أن مقام النبي  في معرفة أسرار الدين، وحكم الله في الأولين والآخرين، ينافي صدور مثل هذا السؤال عنه، كما أن أسلوب القرآن يأبي أن يكون هو المراد منه.

ثم قال  ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ  ﴾ فعاد إلى ذكر أهل الكتاب على ما عهدنا في أساليب القرآن من ضروب الانتقال بالمناسبات الدقيقة.

فالقرآن لم يأت على طريقة المنشئين والمؤلفين الذين يخصون كل طائفة من الكلام بموضوع معين ويسمونها فضلًا أو بابًا، ولكن للقرآن أغراضًا يبرزها بصور مختلفة، فكلما لاحت المناسبة لذكر شيء منها أو الاحتجاج عليه أو الدفاع عنه، جاء به يجذب إليه الأذهان، ويساوق به خطرات القلوب، مع مراعاة التناسق، وحفظ الأسلوب البليغ، لهذا يتكرر فيه المعنى الواحد بعبارات متعددة، ويتجلى الروح الواحد في أشكال متنوعة، فلم يذكر ههنا المشركين إلا لما بينهم وبين أهل الكتاب من التناسب والتقارب في المجاحدة والمعاندة، فكان ذكرهم من متممات الحجة على أهل الكتاب من حيث أدى غرضًا مقصودًا في ذاته.

ولما كان ذكرهم في عرض الكلام كالجملة الاعتراضية كان الرجوع إلى سرد شؤون أهل الكتاب مع النبي  رجوعًا إلى أصل الموضوع.

إن من شأن الإنسان أن يتألم من القبيح أشد التألم إذا وقع ممن لا يتوقع منه، فكان النبي  يرجو أن يبادر أهل الكتاب إلى الإيمان به، وأن لا يرى منهم المكابرة والمجاحدة والعناد، ولهذا كبر عليه أن رأى من إعراض اليهود والنصارى عن إجابة دعوته، وإسرافهم في مجاحدته، أشد مما رأى من مشركي العرب الذين جاء لمحو دينهم من الأرض، مع موافقته لأهل الكتاب في أصل دينهم ومقصده من توحيد الله تعالى والإخلاص له وتقويم عوج الفطرة الإنسانية الذي طرأ عليها بسبب التقاليد، وترقية المعارف الدينية إلى أعلى ما استعد له الإنسان من الارتقاء العقلي والأدبي، ولذلك كان يخاطبهم بمثل قوله تعالى ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ  ﴾ .

الآية وغيرها من الآيات.

ولقد كان من الصعب لولا إعلام الله تعالى أن تعرف درجة فتك التقليد بعقول أهل الكتاب وإفساد الأهواء لقلوبهم، لذلك سلى الله تعالى نبيه عما كان يجده من عنادهم وإيذائهم بآيات كثيرة عرفه فيها حقيقة حالهم، منها هذه الآية الناطقة بأن كلا من اليهود والنصارى على اتحادهم في أصل الدين قد تعصب لتقاليده واتخذ الدين جنسية لا يرضيه من أحد شيء إلا الدخول فيها وقبول لقبها فقوله تعالى ﴿ حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ  ﴾ مراد به ما هم عليه من التقاليد والأهواء التي غيروا بها وجه الدين الواحد حتى صار بعضهم يحكم بكفر بعض كما تقدم في الآيات السابقة.

ثم أمره تعالى في مقابلة ذلك بقوله ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى  ﴾ أي أجهر بقول الحق وهو أن الهدى الصحيح هو هدى الله الذي أنزل على أنبيائه دون ما أضافه إليه اليهود والنصارى بآرائهم وأهوائهم ففرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل شيعة تكفر الأخرى وتقول إنها ليست على شيء، أي فإن أردت استرضاءهم، فلن يرضوا عنك إلا أن تتبع أهوائهم، ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ  ﴾ التي أضافوها على كتبهم، وجعلوها أصولًا وفروعًا لدينهم ﴿ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ  ﴾ اليقين، وبالوحي الإلهي المبين، الذي بين ما كان منهم من تحويل القول عن معناه بالـتأويل، وتحريفهم الكلم عن مواضعه، ونسيانهم حظًا مما ذكروا به، ﴿ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ  ﴾ أي فإنك لن تنجح ولن تصل إلى حقك بمجاراتهم على باطلهم، لأن الله لا ينصرك على ذلك إذ لا يرضيه أن يكون اتباع الهوى طريقًا إلى الهدى، والضال لا يرضيه إلا موافقته على ضلاله، ومجاراته على فساده، وإذا لم يكن الله هو الذي يتولى شؤونك وينصرك بمعونته فمن ذا الذي ينصرك ويتولاك من بعده؟.

من تدبر هذا الإنذار الموجه من الله تعالى إلى نبي الرحمة، المؤيد منه بالكرامة والعصمة، علم أن المراد به الوعيد والتشديد على الأمة، على حد "إياك أعني واسمعي يا جارة".

فإن الله تعالى يخاطب الناس كافة في شخص النبي  كما جرى عرف التخاطب مع الرؤساء والزعماء فقد يقال لذلك: إذا فَعَلتَ هذا كانت عاقبته كذا: والمراد إذا فَعَلَته دولتك أو أمتك، وقد تقدم غير مرة إسناد عمل بعض الأفراد إلى الأمة كلها ولكن قوله ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ  ﴾ وهو يعلم جل شأنه أنه لا يتبع أهوائهم في حال من الأحوال، وقد عصمه من الزيغ والضلال، وإنما جاء على هذا الأسلوب ليرشد من يأتي بعده ممن يتبع سنته ويأخذ بهديه.

فهو يرشدنا بهذا التهديد العظيم إلى الصدع بالحق والانتصار له وعدم المبالاة بمن يخالفه مهما قوي حزبهم، واشتد أمرهم، وإنه لتهديد ترتعد منه فرائص الذين يخشون ربهم، ولا سيما إذا آنسوا من أنفسهم ضعفًا في الحق كأن تركوا الجهر به أو الدفاع عنه خوفًا من إنكار العامة عليهم، ولغط الناس بهم، فمن عرف الحق وعرف أن الله تعالى وليّ أهله وناصرهم لا يخاف في تأييده لومة لائم، ولا يغترن أحد بمن يسميهم الناس علماء وعارفين في سكوتهم عن الحق، ومجاراتهم لأهل الباطل، فإنهم ليسوا على شيء من العلم الحقيقي، وإن هي إلا كلمات يتلقفونها، وعادات يتقلدونها، لا حجة للأحياء فيها، سوى قولهم إن الميتين درجوا عليها!.

وليس هذا هو العلم الذي جاء به النبي  وإنما هو شيء كان يلقب بالعلم عند الضالين من أهل الكتاب والمشركين كذلك، وقد نفى عنه كونه علمًا على الحقيقة بمثل قوله ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ  ﴾ وبقوله ﴿ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ  ﴾ فمن أخذ بقول القائلين، واتبع ما وجد عليه السابقين بدون بينة يعرف بها وجه الحق من ذلك -وكتاب الله بين يديه لا ينظر فيه ولا يرجع إليه- فقد اتبع الهوى بعد الذي جاء من العلم إلى النبي  وباء بالخزي في الدنيا وبالنكال في الآخرة، ولم يكن ولن يكون له من الله ولي ولا نصير، اللهم أعنا على الجهر بالحق بعد ما عرفناه، واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده