الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٢٠ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 70 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال ابن جرير : يعني بقوله جل ثناؤه : ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) وليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبدا ، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم ، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق .
وقوله تعالى : ( قل إن هدى الله هو الهدى ) أي : قل يا محمد : إن هدى الله الذي بعثني به هو الهدى ، يعني : هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل .
قال قتادة في قوله : ( قل إن هدى الله هو الهدى ) قال : خصومة علمها الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، يخاصمون بها أهل الضلالة .
قال قتادة : وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " لا تزال طائفة من أمتي يقتتلون على الحق ظاهرين ، لا يضرهم من خالفهم ، حتى يأتي أمر الله " .
قلت : هذا الحديث مخرج في الصحيح عن عبد الله بن عمرو .
( ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير ) فيه تهديد ووعيد شديد للأمة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى ، بعد ما علموا من القرآن والسنة ، عياذا بالله من ذلك ، فإن الخطاب مع الرسول ، والأمر لأمته .
[ وقد استدل كثير من الفقهاء بقوله : ( حتى تتبع ملتهم ) حيث أفرد الملة على أن الكفر كله ملة واحدة كقوله تعالى : ( لكم دينكم ولي دين ) [ الكافرون : 6 ] ، فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفار ، وكل منهم يرث قرينه سواء كان من أهل دينه أم لا ; لأنهم كلهم ملة واحدة ، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في رواية عنه .
وقال في الرواية الأخرى كقول مالك : إنه لا يتوارث أهل ملتين شتى ، كما جاء في الحديث ، والله أعلم ] .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه: ( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) ، وليست اليهود ، يا محمد ، ولا النصارى براضية عنك أبدا ، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم ، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق، فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيل إلى الاجتماع فيه معك على الألفة والدين القيم.
ولا سبيل لك إلى إرضائهم باتباع ملتهم، لأن اليهودية ضد النصرانية ، والنصرانية ضد اليهودية ، ولا تجتمع النصرانية واليهودية في شخص واحد في حال واحدة ، واليهود والنصارى لا تجتمع على الرضا بك ، إلا أن تكون يهوديا نصرانيا ، وذلك مما لا يكون منك أبدا ، لأنك شخص واحد ، ولن يجتمع فيك دينان متضادان في حال واحدة.
وإذا لم يكن إلى اجتماعهما فيك في وقت واحد سبيل ، لم يكن لك إلى إرضاء الفريقين سبيل.
وإذا لم يكن لك إلى ذلك سبيل ، فالزم هدى الله الذي لجمع الخلق إلى الألفة عليه سبيل .
* * * وأما " الملة " فإنها الدين ، وجمعها الملل.
* * * ثم قال جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد - لهؤلاء النصارى واليهود الذين قالوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى -(إن هدى الله هو الهدى) ، يعني إن بيان الله هو البيان المقنع، والقضاء الفاصل بيننا ، فهلموا إلى كتاب الله وبيانه- الذي بين فيه لعباده ما اختلفوا فيه ، وهو التوراة التي تقرون جميعا بأنها من عند الله ، يتضح لكم فيها المحق منا من المبطل ، وأينا أهل الجنة ، وأينا أهل النار ، وأينا على الصواب ، وأينا على الخطأ.
وإنما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلى هدى الله وبيانه ، لأن فيه تكذيب اليهود والنصارى فيما قالوا من أن الجنة لن يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى ، وبيان أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن المكذب به من أهل النار دون المصدق به.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (120) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ولئن اتبعت)، يا محمد ، هوى هؤلاء اليهود والنصارى - فيما يرضيهم عنك - من تهود وتنصر ، فصرت من ذلك إلى إرضائهم ، ووافقت فيه محبتهم - من بعد الذي جاءك من العلم بضلالتهم وكفرهم بربهم ، ومن بعد الذي اقتصصت عليك من نبئهم في هذه السورة - ما لك من الله من ولي = يعني بذلك: ليس لك يا محمد من ولي يلي أمرك ، وقيم يقوم به = ولا نصير ، ينصرك من الله ، فيدفع عنك ما ينـزل بك من عقوبته ، ويمنعك من ذلك، إن أحل بك ذلك ربك.وقد بينا معنى " الولي" و " النصير " فيما مضى قبل.
(1) وقد قيل: إن الله تعالى ذكره أنـزل هذه الآية على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، لأن اليهود والنصارى دعته إلى أديانها ، وقال كل حزب منهم: إن الهدى هو ما نحن عليه دون ما عليه ، غيرنا من سائر الملل.
فوعظه الله أن يفعل ذلك ، وعلمه الحجة الفاصلة بينهم فيما ادعى كل فريق منهم.
---------------- الهوامش : (1) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 488 ، 489 .
قوله تعالى : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير[ ص: 90 ] قوله تعالى : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : قوله تعالى : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم المعنى : ليس غرضهم يا محمد بما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا ، بل لو أتيتهم بكل ما يسألون لم يرضوا عنك ، وإنما يرضيهم ترك ما أنت عليه من الإسلام واتباعهم .
يقال : رضي يرضى رضا ورضا ورضوانا ورضوانا ومرضاة ، وهو من ذوات الواو ، ويقال في التثنية : رضوان ، وحكى الكسائي : رضيان .
وحكي رضاء ممدود ، وكأنه مصدر راضى يراضي مراضاة ورضاء .
تتبع منصوب بأن ولكنها لا تظهر مع حتى ، قاله الخليل .
وذلك أن حتى خافضة للاسم ، كقوله : حتى مطلع الفجر وما يعمل في الاسم لا يعمل في الفعل ألبتة ، وما يخفض اسما لا ينصب شيئا .
وقال النحاس : تتبع منصوب بحتى ، وحتى بدل من أن .
والملة : اسم لما شرعه الله لعباده في كتبه وعلى ألسنة رسله .
فكانت الملة والشريعة سواء ، فأما الدين فقد فرق بينه وبين الملة والشريعة ، فإن الملة والشريعة ما دعا الله عباده إلى فعله ، والدين ما فعله العباد عن أمره .الثانية : تمسك بهذه الآية جماعة من العلماء منهم أبو حنيفة والشافعي وداود وأحمد بن حنبل على أن الكفر كله ملة واحدة ، لقوله تعالى : ملتهم فوحد الملة ، وبقوله تعالى : لكم دينكم ولي دين ، وبقوله عليه السلام : لا يتوارث أهل ملتين على أن المراد به الإسلام والكفر ، بدليل قوله عليه السلام : لا يرث المسلم الكافر .
وذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى إلى أن الكفر ملل ، فلا يرث اليهودي النصراني ، ولا يرثان المجوسي ، [ ص: 91 ] أخذا بظاهر قوله عليه السلام : لا يتوارث أهل ملتين ، وأما قوله تعالى : ملتهم فالمراد به الكثرة وإن كانت موحدة في اللفظ بدليل إضافتها إلى ضمير الكثرة ، كما تقول : أخذت عن علماء أهل المدينة - مثلا - علمهم ، وسمعت عليهم حديثهم ، يعني علومهم وأحاديثهم .قوله تعالى : قل إن هدى الله هو الهدى المعنى ما أنت عليه يا محمد من هدى الله الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي ، لا ما يدعيه هؤلاء .قوله تعالى : ولئن اتبعت أهواءهم الأهواء جمع هوى ، كما تقول : جمل وأجمال ، ولما كانت مختلفة جمعت ، ولو حمل على أفراد الملة لقال هواهم .
وفي هذا الخطاب وجهان : أحدهما : أنه للرسول ، لتوجه الخطاب إليه .
والثاني : أنه للرسول والمراد به أمته ، وعلى الأول يكون فيه تأديب لأمته ، إذ منزلتهم دون منزلته .
وسبب الآية أنهم كانوا يسألون المسالمة والهدنة ، ويعدون النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام ، فأعلمه الله أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم ، وأمره بجهادهم .فائدة جليلة : قوله تعالى : من العلم سئل أحمد بن حنبل عمن يقول : القرآن مخلوق ، فقال : كافر ، فقيل : بم كفرته ؟
فقال : بآيات من كتاب الله تعالى : ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم والقرآن من علم الله .
فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر .
يخبر تعالى رسوله, أنه لا يرضى منه اليهود ولا النصارى, إلا باتباعه دينهم, لأنهم دعاة إلى الدين الذي هم عليه, ويزعمون أنه الهدى، فقل لهم: { إِنَّ هُدَى اللَّهِ } الذي أرسلت به { هُوَ الْهُدَى } وأما ما أنتم عليه, فهو الهوى بدليل قوله { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ } فهذا فيه النهي العظيم, عن اتباع أهواء اليهود والنصارى, والتشبه بهم فيما يختص به دينهم، والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أمته داخلة في ذلك، لأن الاعتبار بعموم المعنى لا بخصوص المخاطب، كما أن العبرة بعموم اللفظ, لا بخصوص السبب.
ثم قال: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ * } يخبر تعالى أن الذين آتاهم الكتاب, ومنَّ عليهم به منة مطلقة, أنهم { يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ } أي: يتبعونه حق اتباعه, والتلاوة: الاتباع، فيحلون حلاله, ويحرمون حرامه, ويعملون بمحكمه, ويؤمنون بمتشابهه، وهؤلاء هم السعداء من أهل الكتاب, الذين عرفوا نعمة الله وشكروها, وآمنوا بكل الرسل, ولم يفرقوا بين أحد منهم.
فهؤلاء, هم المؤمنون حقا, لا من قال منهم: { نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه } ولهذا توعدهم بقوله { وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } وقد تقدم تفسير الآية التي بعدها.
قوله عز وجل ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ) وذلك أنهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة ويطمعونه في أنه إن أمهلهم اتبعوه فأنزل الله تعالى هذه الآية ، معناه وإنك إن هادنتهم فلا يرضون بها وإنما يطلبون ذلك تعللا ولا يرضون منك إلا باتباع ملتهم ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : هذا في القبلة وذلك أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يصلي إلى قبلتهم فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة أيسوا في أن يوافقهم على دينهم فأنزل الله تعالى ( ولن ترضى عنك اليهود ) إلا باليهودية ( ولا النصارى ) إلا بالنصرانية ، والملة الطريقة ( ولئن اتبعت أهواءهم ) قيل الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة كقوله " لئن أشركت ليحبطن عملك " ( 65 - الزمر ) ( بعد الذي جاءك من العلم ) البيان بأن دين الله هو الإسلام والقبلة قبلة إبراهيم عليه السلام وهي الكعبة ( ما لك من الله من ولي ولا نصير ) .
«ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملَّتهم» دينهم «قل إن هدى الله» أي الإسلام «هو الهدى» وما عداه ضلال «ولئن» لام قسم «اتبعت أهواءهم» التي يدعونك إليها فرضاً «بعد الذي جاءك من العلم» الوحي من الله «مالك من الله من ولي» يحفظك «ولا نصير» يمنعك منه.
ولن ترضى عنك -أيها الرسول- اليهود ولا النصارى إلا إذا تركت دينك واتبعتَ دينهم.
قل لهم: إن دين الإسلام هو الدين الصحيح.
ولئن اتبعت أهواء هؤلاء بعد الذي جاءك من الوحي ما لك عند الله مِن وليٍّ ينفعك، ولا نصير ينصرك.
هذا موجه إلى الأمّة عامة وإن كان خطابًا للنبي صلى الله عليه وسلم.
ثم بين القرآن موقف أهل الكتاب من الدعوة الإِسلامية فقال : ( وَلَنْ ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) .الملة : الطريقة المسلوكة ، ثم جعلت اسما لما شرعه الله لعباده على لسان نبيه ليتوصلوا إلى السعادة الدائمة ، وقد تطلق على ما ليس حقاً من الأديان المنحرفة أو الباطلة ، كما حكى القرآن عن يوسف عليه السلام - أنه قال :( إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ ) وأفرد القرآن الملة فقال - تعالى - ملتهم - " مع أن لكل من اليهود والنصارى ملة خاصة ، لأن الملتين بالنظر لأى مخالفتهما لدين الإِسلام وما طرأ عليهما من التحريف بمنزلة واحدة ، فاتباع إحداهما كاتباع الأخرى في قلة الانتفاع به .ومعنى الغاية في قوله : " حتى تتبع ملتهم الكناية عن اليأس من اتباع أهل الكتاب لشريعة الإِسلام ، لأنهم لما كانوا لا يرضون إلا باتباعه صلى الله عليه وسلم ملتهم وكان اتباع النبي صلى الله عليه وسلم لملتهم مستحيلا ، فقد صار رضاهم عنه كذلك مستحيلا ، فالجملة الكريمة مبالغة في الإِقناط من إسلامهم ، وتنبيه على أنه لا يرضيهم إلا ما لا يجوز وقوعه منه .ثم لقن الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم الجواب فقال : ( قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى ) .وهدى الله : دينه والهدى ، بمعنى الهادي إلى طريق الفلاح في الدنيا والآخرة .
أي : ما أنت عليه يا محمد من هدى الله الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي لا ما يدعيه هؤلاء من الأهواء .وإيراد الهدى معرفاً بأل مع اقترانه بضمير الفصل " هو " يفيد قصر الهداية على دين الله ، وينفي أن يكون في دين غير دين الله هدى .
وإذا كانت الهداية مقصورة على الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يطمع أهل الكتاب في أن يتبع ملتهم؟
اعلم أنه تعالى لما صبر رسوله بما تقدم من الآية وبين أن العلة قد انزاحت من قبله لا من قبلهم وأنه لا عذر لهم في الثبات على التكذيب به عقب ذلك بأن القوم بلغ حالهم في تشددهم في باطلهم وثباتهم على كفرهم أنهم يريدون مع ذلك أن يتبع ملتهم ولا يرضون منه بالكتاب، بل يريدون منه الموافقة لهم فيما هم عليه فبين بذلك شدة عداوتهم للرسول وشرح ما يوجب اليأس من موافقتهم والملة هي الدين ثم قال: ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى ﴾ بمعنى أن هدى الله هو الذي يهدي إلى الإسلام وهو الهدي الحق والذي يصلح أن يسمى هدى وهو الهدى كله ليس وراءه هدى، وما يدعون إلى اتباعه ما هو بهدى إنما هو هوى، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُمْ ﴾ أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع، ﴿ بَعْدَ الذي جَاءكَ مِنَ العلم ﴾ أي من الدين المعلوم صحته بالدلائل القاطعة.
﴿ مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ أي معين يعصمك ويذب عنك، بل الله يعصمك من الناس إذا أقمت على الطاعة والاعتصام بحبله قالوا: الآية تدل على أمور منها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله، فإن في هذه الصورة علم الله أنه لا يتبع أهواءهم ومع ذلك فقد توعده عليه ونظيره قوله: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ وإنما حسن هذا الوعيد لاحتمال أن الصارف له عن ذلك الفعل هو هذا الوعيد أو هذا الوعيد أحد صوارفه.
وثانيها: أن قوله: ﴿ بَعْدَ الذي جَاءكَ مِنَ العلم ﴾ يدل على أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة وإذا صح ذلك فبأن لا يجوز الوعيد إلا بعد القدرة أولى فبطل به قول من يجوز تكليف ما لا يطاق.
وثالثها: فيها دلالة على أن اتباع الهوى لا يكون إلا باطلاً، فمن هذا الوجه يدل على بطلان التقليد.
ورابعها: فيها دلالة على أنه لا شفيع لمستحق العقاب لأن غير الرسول إذا اتبع هواه لو كان يجد شفيعاً ونصيراً لكان الرسول أحق بذلك وهذا ضعيف، لأن اتباع أهوائهم كفر، وعندنا لا شفاعة في الكفر.
<div class="verse-tafsir"
كأنهم قالوا: لن نرضى عنك وإن أبلغت في طلب رضانا حتى تتبع ملتنا، إقناطاً منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن دخولهم في الإسلام، فحكى الله عزّ وجلّ كلامهم، ولذلك قال: ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى ﴾ على طريقة إجابتهم عن قولهم، يعني أن هدى الله الذي هو الإسلام وهو الهدى بالحق والذي يصح أن يسمى هدى، وهو الهدى كله ليس وراءه هدى، وما تدعون إلى اتباعه ما هو بهدى إنما هو هوى.
ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم ﴾ أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع ﴿ بَعْدَ الذي جَاءكَ مِنَ العلم ﴾ أي من الدين المعلوم صحته بالبراهين الصحيحة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ ﴾ مُتَلَبِّسًا مُؤَيَّدًا بِهِ.
﴿ بَشِيرًا ونَذِيرًا ﴾ فَلا عَلَيْكَ إنْ أصَرُّوا وكابَرُوا.
﴿ وَلا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ ﴾ ما لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ أنْ بَلَغَتْ.
وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ: « لا تَسْألُ»، عَلى أنَّهُ نَهْيٌ لِلرَّسُولِ عَنِ السُّؤالِ عَنْ حالِ أبَوَيْهِ.
أوْ تَعْظِيمٌ لِعُقُوبَةِ الكُفّارِ كَأنَّها لِفَظاعَتِها لا يَقْدِرُ أنْ يُخْبَرَ عَنْها، أوِ السّامِعُ لا يَصْبِرُ عَلى اسْتِماعِ خَبَرِها فَنَهاهُ عَنِ السُّؤالِ.
والجَحِيمُ: المُتَأجِّجُ مِنَ النّارِ.
﴿ وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ مُبالَغَةٌ في إقْناطِ الرَّسُولِ مِن إسْلامِهِمْ، فَإنَّهم إذا لَمْ يَرْضَوْا عَنْهُ حَتّى يَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ، فَكَيْفَ يَتَّبِعُونَ مِلَّتَهُ.
ولَعَلَّهم قالُوا مِثْلَ ذَلِكَ فَحَكى اللَّهُ عَنْهم ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ قُلْ ﴾ تَعْلِيمًا لِلْجَوابِ.
﴿ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ﴾ أيْ هُدى اللَّهِ الَّذِي هو الإسْلامُ هو الهُدى إلى الحَقِّ، لا ما تَدْعُونَ إلَيْهِ.
﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ ﴾ آراءَهُمُ الزّائِفَةَ.
والمِلَّةُ ما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِ، مِن أمْلَلْتُ الكِتابَ إذا أمْلَيْتَهُ، والهَوى: رَأْيٌ يَتْبَعُ الشَّهْوَةَ ﴿ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ﴾ أيِ الوَحْيِ، أوِ الدِّينِ المَعْلُومِ صِحَّتُهُ.
﴿ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ يَدْفَعُ عَنْكَ عِقابَهُ وهو جَوابُ لَئِنْ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تتبع ملتهم} كأنهم قالوا لن ترضى عنك وإن أبلغت في طلب رضانا حتى تتبع ملتنا إقناطاً منهم لرسول الله عن دخولهم فى الإسلام فذكر الله عز وجل كلامهم {قُلْ إِنَّ هُدَى الله} الذي رضي لعباده {هُوَ الهدى} أي الإسلام وهو الهدى كله ليس وراءه هدى والذي تدعون إلى اتباعه ما هو هدى إنما هو هوى ألا ترى إلى قوله {وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم} أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع {بَعْدَ الذي جَاءكَ مِنَ العلم} أي من العلم بأن دين الله هو الإسلام أو من الدين المعلوم
صحته بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة {ما لك مِنَ الله} من عذاب الله {مِن وَلِيّ ولا نصير} ناصر
﴿ ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ بَيانٌ لِكَمالِ شِدَّةِ شَكِيمَتَيْ هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ إثْرَ بَيانِ ما يَعُمُّهُما، والمُشْرِكِينَ مِمّا تَقَدَّمَ، ولا بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، ولِلْإشْعارِ بِأنَّ رِضا كُلٍّ مِنهُما مُبايِنٌ لِرِضا الأُخْرى، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في إقْناطِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن إسْلامِهِمْ ما لا غايَةَ وراءَهُ، فَإنَّهم حَيْثُ لَمْ يَرْضَوْا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَوْ خَلّاهم يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ بَلْ أمَّلُوا ما لا يَكادُ يَدْخُلُ دائِرَةَ الإمْكانِ، وهو الِاتِّباعُ لِمِلَّتِهِمُ الَّتِي جاءَ بِنَسْخِها، فَكَيْفَ يَتَصَوَّرُ اتِّباعَهم لِمِلَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، واحْتِيجَ لِهَذِهِ المُبالَغَةِ لِمَزِيدِ حِرْصِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى إيمانِهِمْ عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ يُلاطِفُ كُلَّ فَرِيقٍ رَجاءَ أنْ يُسْلِمُوا، فَنَزَلَتْ، والمِلَّةُ في الأصْلِ اسْمٌ مِنَ أمْلَلْتُ الكِتابَ بِمَعْنى أمْلَيْتُهُ كَما قالَ الرّاغِبُ، ومِنهُ طَرِيقٌ مَلُولٌ أيْ مَسْلُوكٌ مَعْلُومٌ، كَما نَقَلَهُ الأزْهَرِيُّ، ثُمَّ نُقِلَتْ إلى أُصُولِ الشَّرائِعِ بِاعْتِبارِ أنَّها يُمْلِيها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا يَخْتَلِفُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيها، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى الباطِلِ، كَـ(الكُفْرُ مِلَّةٌ واحِدَةٌ)، ولا تُضافُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَلا يُقالُ: مِلَّةُ اللَّهِ، ولا إلى آحادِ الأُمَّةِ، والدِّينُ يُرادِفُها صِدْقًا، لَكِنَّهُ بِاعْتِبارِ قَبُولِ المَأْمُورِينَ لِأنَّهُ في الأصْلِ الطّاعَةُ والِانْقِيادُ، ولِاتِّحادِ ما صَدَّقَهُما قالَ تَعالى ﴿ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ وقَدْ يُطْلَقُ الدِّينُ عَلى الفُرُوعِ تَجَوُّزًا ويُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى، وإلى الآحادِ وإلى طَوائِفَ مَخْصُوصَةٍ، نَظَرًا إلى الأصْلِ، عَلى أنَّ تَغايُرَ الِاعْتِبارِ كافٍ في صِحَّةِ الإضافَةِ، ويَقَعُ عَلى الباطِلِ أيْضًا، وأمّا الشَّرِيعَةُ فَهي المَوْرِدُ في الأصْلِ، وجُعِلَتِ اسْمًا لِلْأحْكامِ الجُزْئِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمَعاشِ والمَعادِ، سَواءٌ كانَتْ مَنصُوصَةً مِنَ الشّارِعِ، أوْ لا، لَكِنَّها راجِعَةٌ إلَيْهِ، والنَّسْخُ والتَّبْدِيلُ يَقَعُ فِيها، وتُطْلَقُ عَلى الأُصُولِ الكُلِّيَّةِ تَجَوُّزًا، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ووُحِّدَتِ المِلَّةُ، وإنْ كانَ لَهم مِلَّتانِ لِلْإيجازِ، أوْ لِأنَّهُما يَجْمَعُهُما الكُفْرُ، وهو مِلَّةٌ واحِدَةٌ، ثُمَّ إنَّ هَذا لَيْسَ ابْتِداءَ كَلامٍ مِنهُ تَعالى بِعَدَمِ رِضاهُمْ، بَلْ هو حِكايَةٌ لِمَعْنى كَلامٍ قالُوهُ بِطَرِيقِ التَّكَلُّمِ لِيُطابِقَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ﴾ فَإنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ الجَوابِ لِمَقالَتِهِمْ، ولَعَلَّهم ما قالُوا ذَلِكَ إلّا لِزَعْمِهِمْ أنَّ دِينَهم حَقٌّ، وغَيْرَهُ باطِلٌ، فَأُجِيبُوا بِالقَصْرِ القَلْبِيِّ، أيْ دِينُ اللَّهِ تَعالى هو الحَقُّ ودِينُكم هو الباطِلُ، وهُدى اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو الإسْلامُ هو الهُدى، وما يَدْعُونَ إلَيْهِ لَيْسَ بِهُدًى، بَلْ هَوًى عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، لِإضافَةِ الهُدى إلَيْهِ تَعالى، وتَأْكِيدِهِ (بِإنَّ)، وإعادَةِ الهُدى في الخَبَرِ عَلى حَدِّ: شِعْرِي شِعْرِي، وجَعْلِهِ نَفْسَ الهُدى المَصْدَرِيِّ، وتَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وتَعْرِيفِ الخَبَرِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ فِيما بَيْنَهُمْ، والأمْرُ بِهَذا القَوْلِ لَهم لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِعَيْنِ تِلْكَ العِبارَةِ بَلْ جَوابٌ ورَدَ لِما يَسْتَلْزِمُ مَضْمُونَها، أوْ يَلْزَمُهُ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى اليَهُودِيَّةِ، أوِ النَّصْرانِيَّةِ، وأنَّ الِاهْتِداءَ فِيهِما، وقِيلَ: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِإقْناطِهِمْ عَمّا يَتَمَنَّوْنَهُ، ويَطْمَعُونَهُ، ولَيْسَ بِجَوابٍ، ﴿ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ ﴾ أيْ آراءَهُمُ الزّائِغَةَ المُنْحَرِفَةَ عَنِ الحَقِّ الصّادِرَةَ عَنْهم بِتَبَعِيَّةِ شَهَواتِ أنْفُسِهِمْ، وهي الَّتِي عَبَّرَ عَنْها فِيما قَبْلُ بِالمِلَّةِ، وكانَ الظّاهِرُ: ولَئِنِ اتَّبَعْتَها، إلّا أنَّهُ غَيَّرَ النَّظْمَ، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ إيذانًا بِأنَّهم غَيَّرُوا ما شَرَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ تَغْيِيرًا أخْرَجُوهُ بِهِ عَنْ مَوْضُوعِهِ، وفي صِيغَةِ الجَمْعِ إشارَةٌ إلى كَثْرَةِ الِاخْتِلافِ بَيْنَهُمْ، وأنَّ بَعْضَهم يُكَفِّرُ بَعْضًا.
﴿ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ﴾ أيِ المَعْلُومِ، وهو الوَحْيُ، أوِ الدِّينُ لِأنَّهُ الَّذِي يَتَّصِفُ بِالمَجِيءِ دُونَ العِلْمِ نَفْسِهِ، ولَكَ أنْ تُفَسِّرَ المَجِيءَ بِالحُصُولِ فَيَجْرِي العِلْمُ عَلى ظاهِرِهِ، ﴿ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ الدّالِّ عَلَيْهِ اللّامُ المُوَطِّئَةُ، ولَوْ أُجِيبَ بِهِ الشَّرْطُ هُنا لَوَجَبَتِ الفاءُ، وقِيلَ: إنَّهُ جَوابٌ لَهُ، ويَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ القَسَمِ مُؤَخَّرًا عَنِ الشَّرْطِ، وتَأْوِيلِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بِالفِعْلِيَّةِ الِاسْتِقْبالِيَّةِ، أيْ: ما يَكُونُ لَكَ، وهو تَعَسُّفٌ، إذْ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ بِتَقْدِيرِ القَسَمِ مُؤَخَّرًا مَعَ اللّامِ المُوَطِّئَةِ، وتَأْوِيلُ الِاسْمِيَّةِ بِالفِعْلِيَّةِ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهُ جَوابٌ لِكِلا الأمْرَيْنِ القَسَمِ الدّالِّ عَلَيْهِ اللّامُ، وإنِ الشَّرْطِيَّةُ لِأحَدِهِما لَفْظًا، ولِلْآخَرِ مَعْنًى، وهو كَما تَرى، والخِطابُ أيْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ ، وتَقْيِيدُ الشَّرْطِ بِما قُيِّدَ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ مُتابَعَةِ أهْوائِهِمْ مُحالٌ، لِأنَّهُ خِلافُ ما عُلِمَ صِحَّتُهُ، فَلَوْ فُرِضَ وُقُوعُهُ كَما يُفْرَضُ المُحالُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ، ولا نَصِيرٌ يَدْفَعُ عَنْهُ العَذابَ، وفِيهِ أيْضًا مِنَ المُبالَغَةِ في الإقْناطِ ما لا يَخْفى، وقِيلَ: الخِطابُ هُناكَ، وهُنا، وإنْ كانَ ظاهِرًا لِلنَّبِيِّ إلّا أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ أُمَّتُهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى التِزامِ ذَلِكَ، <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً، أي بالقرآن.
ويقال بالحق يعني بالدعوة إلى الحق.
ويقال: بالحق أي لأجل الحق.
ويقال: أي بالدعوة إلى الحق.
ويقال: ببيان الحق.
بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ قرأ نافع وَلا تُسْئَلُ بنصب التاء وجزم اللام، والباقون بضم التاء واللام.
فمن قرأ بالرفع، فمعناه أنك إذا بلغت الرسالة، فإنك قد فعلت ما عليك، ولا تُسْأَلُ عن أصحاب الجحيم فيما فعلوا، وهذا كما قال في آية أخرى: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [الرعد: 4] وأما ومن قرأ بالنصب، فهو على معنى النهي، أي لا تسأل عن أصحاب الجحيم أي عما فعلوا.
قال القاضي الخليل بن أحمد: أخبرنا الديلمي قال: أخبرنا أبو عبيد الله قال: حدثنا سفيان، عن موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن كعب القرظي أن رسول الله قال: «لَيْتَ شِعْرِي مَا فُعِلَ بأَبَوَيَّ» .
فنزلت هذه الآية إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ الآية.
قوله تعالى: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى، يعني أهل المدينة ونصارى أهل نجران حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ، أي تصلي إلى قبلتهم.
قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى، يعني إن قبلة الله هي الكعبة- وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ، أي صليت إلى قبلتهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، أي من بعد ما ظهر لك: أن القبلة هي الكعبة، مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ ينفعك وَلا نَصِيرٍ، أي مانعاً يمنعك.
ويقال: معناه وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ، أي حتى تدخل في دينهم، وذلك أن الكفار كانوا يطلبون الصلح، وكان يرى أنهم يسلمون، فأخبره الله تعالى أنهم لا يسلمون، ولن يرضوا عنه، حتى يتبع ملتهم فنهاه الله عن الركون إلى شيء مما يدعونه إليه.
فقال تعالى: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى، يعني دين الله هو دين الإسلام.
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ وهذا الخطاب للنبي والمراد منه أمته، أي لئن اتبعت دينهم بعد ما جاءك من العلم، أي بعد ما ظهر أن دين الإسلام هو الحق مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ، أي من عذاب الله مِنْ وَلِيٍّ ينفعك وَلا نَصِيرٍ، أي مانع يمنعك منه.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ ...
الآية: قال الربيعُ والسُّدِّيَّ: هم كفار العرب «١» ، وقد طلب عبد اللَّه بن أمية وغيره من النبيّ صلّى الله عليه وسلم نحو هذا، وقال مجاهدٌ: هم النصارى «٢» ، وقال ابن عباس: المراد من كان على عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلم من اليهود لأنَّ رافع بن حُرَيْمِلَةَ قال للنبيّ/ صلّى الله عليه وسلم: أسمعنا كلام الله «٣» ، وقيل: الإشارة إلى ٣٤ أجميع هذه الطوائف لأنهم كلهم قالوا هذه المقالة، ولَوْلا تحضيضٌ بمعنى «هَلاَّ» ، والآية هنا العلامة الدالَّة، والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هم اليهودُ والنصارى في قول من جعل الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ كفَّارَ العرب، وهم اليهودُ في قول مَنْ جعل الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ النصارَى، وهم الأمم السالفة في قول من جعل الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ العربَ والنصارى واليهُودَ وتشابه القلوب هنا في طَلَب ما لا يصحّ أو في الكفر.
وقوله تعالى: قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ قرينة تقتضي أن اليقين صفة لعلمهم، وقرينةٌ أخرى أنَّ الكلام مدْحٌ لهم.
وقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً، أي: لمن آمن، ونذيراً لمن كفر، وقرأ نافع وحده «٤» ولا تسأل، أي: لا تسأل عن شدَّة عذابهم كما تقول: فلانٌ لا تَسْأَلْ عَنْه، تعني أنه في نهاية تشهره من خيْرٍ أو شرٍّ.
ت: وزاد في «مختصر الطبرِّي» ، قال: وتحتمل هذه القراءة معنى آخر، وهو،
واللَّه أعلم، أظهر، أي: ولا تسأل عنهم سؤالَ مكْتَرِثٍ «١» بما أصابهم، أو بما هم عليه من الكُفْر الذي يوردهم الجحيمَ نظيرَ قوله عز وجل: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [فاطر: ٨] ، وأما ما روي عن محمَّد بن كعب القُرَظِيِّ ومن وافقه من أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم سَأَلَ، مَا فَعَلَ أَبَوَايَ؟
فنَزَلَتِ الآيةُ في ذلك، فهو بعيدٌ، ولا يتصل أيضاً بمعنى مَا قبله.
انتهى.
وقرأ باقي السبعة: «وَلاَ تسأل» بضم التاء واللام.
والْجَحِيمِ: إحدى طبقات النار.
وقوله تعالى: إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى، أي: ما أنت عليه يا محمَّد من هدى اللَّه هو الهدَى الحقيقيُّ، لا ما يدعيه هؤلاء، ثم قال تعالى لنبيِّه: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ فهذا شرط خوطب به النبيّ صلّى الله عليه وسلم وأمته معه داخلةٌ فيه.
ت: والأدب أن يقال: خوطب به صلّى الله عليه وسلم والمراد أمّته لوجود عصمته صلّى الله عليه وسلم وكذلك الجواب في سائر ما أشبه هذا المعنى من الآيِ، وقد نبَّه- رحمه اللَّه- على هذا المعنى في نظيرتها كما سيأتي، وكان الأولى أن ينبِّه على ذلك هنا أيضاً، وقد أجاب عِيَاضٌ عن الآيِ الواردةِ في القرآن ممَّا يوهمُ ظاهره إِشكالاً، فقال- رحمه اللَّه-: اعلم، وفَّقنا اللَّه وإياك، أنه- عليه السلام- لا يصحُّ ولا يجوز علَيْه ألاَّ يبلغ، وأن يخالف أمر ربه، ولا أن يشرك ولا أن يتقوَّل «٢» على اللَّه ما لا يجبُ أو يفترى عليه، أو يضل، أو يختم على قلبه «٣» ، أو يطيع الكافرين، لكن اللَّه أمره بالمكاشفةِ والبيان «٤» في البلاغ للمخالِفِينَ، وإن إِبلاغه، إِنْ لم يكُنْ بهذا البيان فكأنه ما بلَّغ، وطيَّب نفسه، وقوَّى قلبه بقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «٥» [المائدة: ٦٧] كما قال لموسى وهارون- عليها السلام-: لاَ تَخافا [طه: ٤٦] لتشتد بصائرهم «٦» في الإبلاغ وإظهار دين الله، ويذهب
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى ﴾ .
فِي سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ ونَصارى نَجْرانَ كانُوا يَرْجُونَ أنْ يُصَلِّيَ النَّبِيُّ إلى قِبْلَتِهِمْ، فَلَمّا صُرِفَ إلى الكَعْبَةِ يَئِسُوا مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهم دَعَوْهُ إلى دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَسْألُونَهُ الهُدْنَةَ، ويُطْمِعُونَهُ في أنَّهُ إنْ هادَنَهم وافَقُوهُ؛ فَنَزَلَتْ، ذَكَرَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ.
قالَ الزَّجّاجُ: والمِلَّةُ في اللُّغَةِ: السُّنَّةُ والطَّرِيقُهُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: و(هُدى اللَّهِ) هاهُنا: الإسْلامُ.
وفي الَّذِي جاءَهُ مِنَ العِلْمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ التَّحَوُّلُ إلى الكَعْبَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ البَيانُ بِأنَّ دِينَ اللَّهِ الإسْلامُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ القُرْآَنُ.
والرّابِعُ: العِلْمُ بِضَلالَةِ القَوْمِ.
﴿ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ ولِيٍّ ﴾ يَنْفَعُكَ ﴿ وَلا نَصِيرٍ ﴾ يَمْنَعُكَ مِن عُقُوبَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْألُ عن أصْحابِ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ وَلَنْ تَرْضى عنكَ اليَهُودُ ولا النَصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنَ ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ المَعْنى: "بَشِيرًا" لِمَن آمَنَ، و"نَذِيرًا" لِمَن كَفَرَ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ "وَلا تَسْألْ" بِالجَزْمِ عَلى النَهْيِ، وفي ذَلِكَ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما لا تَسْألُ عَلى جِهَةِ التَعْظِيمِ لِحالِهِمْ مِنَ العَذابِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا تَسْألُ عنهُ، تَعْنِي أنَّهُ في نِهايَةٍ تُشْهِرُهُ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ.
والمَعْنى الثانِي رُوِيَ فِيهِ أنَّ النَبِيَّ قالَ: «لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ؟" فَنَزَلَتْ: "وَلا تُسْألُ"»، وحَكى المَهْدَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ النَبِيَّ قالَ: «لَيْتَ شِعْرِي أيُّ أبَوَيَّ أحْدَثَ مَوْتًا؟" فَنَزَلَتْ».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خَطَأٌ مِمَّنْ رَواهُ أو ظَنَّهُ، لِأنَّ أباهُ ماتَ وهو فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وقِيلَ: وهو ابْنُ شَهْرٍ، وقِيلَ: ابْنُ شَهْرَيْنِ، وماتَتْ أُمُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَمْسِ سِنِينَ مُنْصَرِفَةً بِهِ مِنَ المَدِينَةِ مِن زِيارَةِ أخْوالِهِ، فَهَذا مِمّا لا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ .
وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ "وَلا تَسْألُ" بِضَمِّ التاءِ واللامِ، وقَرَأ قَوْمٌ "وَلا تَسْألُ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ اللامِ، ويَتَّجِهُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما الخَبَرُ، أنَّهُ لا يَسْألُ عنهُمْ، أو لا يَسْألُ هو عنهُمْ، والآخَرُ أنْ يُرادَ مَعْنى الحالِ كَأنَّهُ قالَ: وغَيْرُ مَسْؤُولٍ أو غَيْرُ سائِلٍ عنهُمْ، عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ بَشِيرًا ونَذِيرًا ﴾ .
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَما تَسْألُ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "وَلَنْ تَسْألَ" وهاتانِ القِراءَتانِ تُؤَيِّدانِ مَعْنى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ في غَيْرِهِما.
والجَحِيمُ إحْدى طَبَقاتِ النارِ.
ويُقالُ: رَضِيَ يَرْضى رِضى ورِضا ورِضْوانًا، وحُكِيَ رِضاءً مَمْدُودًا، وقالَ: "مِلَّتَهُمْ" وهُما مِلَّتانِ مُخْتَلِفَتانِ بِمَعْنى لَنْ تَرْضى اليَهُودُ حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ، ولَنْ تَرْضى النَصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم فَجَمَعَهم إيجازًا لِأنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ.
والمِلَّةُ: الطَرِيقَةُ، وقَدِ اخْتَصَّتِ اللَفْظَةُ بِالشَرائِعِ والدِينِ، وطَرِيقٌ مُمِلٌّ أيْ قَدْ أثَّرَ المَشْيُ فِيهِ.
ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ والنَصارى طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللهِ الهُدْنَةَ، ووَعَدُوهُ أنْ يَتَّبِعُوهُ بَعْدَ مُدَّةٍ خِداعًا مِنهُمْ، فَأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّ إعْطاءَ الهُدْنَةِ لا يَنْفَعُ عِنْدَهُمْ، وأطْلَعُهُ عَلى سِرِّ خِداعِهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى ﴾ أيْ ما أنْتَ عَلَيْهِ يا مُحَمَّدُ مِن هُدى اللهُ الَّذِي يَضَعُهُ في قَلْبِ مَن يَشاءُ هو الهُدى الحَقِيقِيُّ لا ما يَدَّعِيهِ هَؤُلاءِ، ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ ﴾ الآيَةُ، فَهَذا شَرْطٌ خُوطِبَ بِهِ النَبِيُّ ، وأُمَّتُهُ مَعَهُ داخِلَةٌ فِيهِ.
و"أهْواءُ": جَمْعُ هَوًى، ولَمّا كانَتْ مُخْتَلِفَةً جُمِعَتْ، ولَوْ حُمِلَ عَلى إفْرادِ المِلَّةِ لَقِيلَ: هَواهُمْ، والوَلِيُّ الَّذِي يَتَوَلّى الإصْلاحَ والحِياطَةَ والنَصْرَ والمَعُونَةَ، و"نَصِيرٌ" بِناءُ مُبالِغَةٍ في اسْمِ الفاعِلِ مِن نَصَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ الآيَةُ، "الَّذِينَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و ﴿ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ صِلَتُهُ، وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِـ "الَّذِينَ" في هَذا المَوْضِعِ مَن أسْلَمَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ .
و"الكِتابَ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ التَوْراةُ، و"آتَيْناهُمُ": مَعْناهُ أعْطَيْناهُمْ، وقالَ قَوْمٌ: هَذا مَخْصُوصٌ في الأرْبَعِينَ الَّذِينَ ورَدُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في السَفِينَةِ فَأثْنى اللهُ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "الَّذِينَ" العُمُومُ في مُؤْمِنِي بَنِي إسْرائِيلَ والمُؤْمِنِينَ مِنَ العَرَبِ، ويَكُونُ "الكِتابُ" اسْمَ الجِنْسِ، و"يَتْلُونَهُ" مَعْناهُ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّباعِهِ بِامْتِثالِ الأمْرِ والنَهْيِ، وقِيلَ: "يَتْلُونَهُ": يَقْرَؤُونَهُ حَقَّ قِراءَتِهِ، وهَذا أيْضًا يَتَضَمَّنُ الِاتِّباعَ والِامْتِثالَ، و"يَتْلُونَهُ" -إذا أُرِيدَ بِـ "الَّذِينَ" الخُصُوصُ فِيمَنِ اهْتَدى- يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "يَتْلُونَهُ" في مَوْضِعِ الحالِ، والخَبَرُ "أُولَئِكَ".
وإذا أُرِيدَ بِـ "الَّذِينَ" العُمُومُ لَمْ يَكُنِ الخَبَرُ إلّا "أُولَئِكَ"، و"يَتْلُونَهُ" حالٌ لا يُسْتَغْنى عنها، وفِيها الفائِدَةُ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الخَبَرُ في "يَتْلُونَهُ" لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ مُؤْمِنٍ يَتْلُو الكِتابَ ﴿ حَقَّ تِلاوَتِهِ ﴾ .
و"حَقَّ" مَصْدَرٌ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ وهو بِمَعْنى أفْعَلَ، ولا يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى واحِدٍ مُعَرَّفٍ، وإنَّما جازَتْ هُنا لِأنْ تُعَرَّفَ التِلاوَةُ بِإضافَتِها إلى الضَمِيرِ لَيْسَ بِتَعَرُّفٍ مَحْضٍ، وإنَّما هو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ واحِدٌ أُمَّةٌ، ونَسِيجٌ وحْدَهُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى "الكِتابَ"، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى مُحَمَّدٍ ، لِأنَّ مُتَّبِعِي التَوْراةِ يَجِدُونَهُ فِيها فَيُؤْمِنُونَ بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الهُدى الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ أنَّهُ ذِكْرُ كَفّارِ اليَهُودِ والنَصارى في أوَّلِ الآيَةِ وحَذَّرَ رَسُولَهُ مِنَ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ، وأعْلَمَهُ ( بِأنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى ) الَّذِي أعْطاهُ وبَعَثَهُ بِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ أنَّ المُؤْمِنِينَ التالِينَ لِكِتابِ اللهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ بِذاكَ الهُدى المُقْتَدُونَ بِأنْوارِهِ، والضَمِيرُ في "يَكْفُرْ بِهِ" يُحْتَمَلُ مِنَ العَوْدِ ما ذُكِرَ في الأوَّلِ.
و ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ابْتِداءٌ وعِمادٌ وخَبَرٌ، أوِ ابْتِداءٌ وابْتِداءٌ وخَبَرٌ، والثانِي وخَبَرُهُ خَبَرُ الأوَّلِ.
والخُسْرانُ: نُقْصانُ الحَظِّ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على قوله: ﴿ ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ﴾ [البقرة: 119] أو على ﴿ إنا أرسلناك ﴾ [البقرة: 119] وقد جاء هذا الكلام المؤيس من إيمانهم بعد أن قدم قبله التأنيس والتسلية على نحو مجيء العتاب بعد تقديم العفو في قوله تعالى: ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴾ [التوبة: 43] وهذا من كرامة الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم والنفي بلن مبالغة في التأييس لأنها لنفي المستقبل وتأبيده.
والملة بكسر الميم الدين والشريعة وهي مجموع عقائد وأعمال يلتزمها طائفة من الناس يتفقون عليها وتكون جامعة لهم كطريقة يتبعونها، ويحتمل أنها مشتقة من أملَّ الكتاب فسميت الشريعة ملة لأن الرسول أو واضع الدين يعلمها للناس ويمللها عليهم كما سميت ديناً باعتبار قبول الأمة لها وطاعتهم وانقيادهم.
ومعنى الغاية في ﴿ حتى تتبع ملتهم ﴾ الكناية عن اليأس من اتباع اليهود والنصارى لشريعة الإسلام يومئذ لأنهم إذا كانوا لا يرضون إلا باتباعه ملتهم فهم لا يتبعون ملته، ولما كان اتباع النبيء ملتهم مستحيلاً كان رضاهم عنه كذلك على حد ﴿ حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ [الأعراف: 40] وقوله: ﴿ لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ [الكافرون: 2، 3] والتصريح بلا النافية بعد حرف العطف في قوله: ﴿ ولا النصارى ﴾ للتنصيص على استقلالهم بالنفي وعدم الاقتناع باتباع حرف العطف لأنهم كانوا يظن بهم خلاف ذلك لإظهارهم شيئاً من المودة للمسلمين كما في قوله تعالى: ﴿ ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ﴾ [المائدة: 82] وقد تضمنتْ هذه الآية أنهم لا يؤمنون بالنبيء لأنه غير متبع ملتهم وأنهم لا يصدقون القرآن لأنه جاء بنسخ كتابيْهم.
وقوله: ﴿ قل إن هدي الله هو الهدى ﴾ أمر بالجواب عما تضمنه قوله: ﴿ ولن ترضى ﴾ من خلاصة أقوال لهم يقتضي مضمونها أنهم لا يُرضيهم شيء مما يدعوهم النبيء إليه إلا أن يتبع ملتهم وأنهم يقولون إن ملتهم هدى فلا ضير عليه إن اتبعها مثل قولهم: ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هُوداً أو نصارى ﴾ [البقرة: 111] وغير ذلك من التلون في الإعراض عن الدعوة ولذلك جيء في جوابهم بما هو الأسلوب في المجاوبة من فِعل القول بدون حرف العطف.
ويجوز أن يكونوا قد قالوا ما تضمنته الآية من قوله: ﴿ حتى تتبع ملتهم ﴾ .
و ﴿ هدي الله ﴾ ما يقدره للشخص من التوفيق أي قل لهم لا أملك لكم هدى إلا أن يهديكم الله، فالقصر حقيقي.
ويجوز أن يكون المراد بهُدى الله الذي أنزله إليَّ هو الهدى يعني أن القرآن هو الهدى إبطالاً لغرورهم بأنَّ ما هم عليه من الملة هو الهدى وأن ما خالفه ضلال.
والمعنى أن القرآن هو الهدى وما أنتم عليه ليس من الهدى لأن أكثره من الباطل.
فإضافة الهدى إلى الله تشريف، والقصر إضافي.
وفيه تعريض بأن ما هم عليه يومئذ شيء حرفوه ووضعوه، فيكون القصر إما حقيقياً ادعائياً بأن يراد هو الهدى الكامل في الهداية فهدى غيره من الكتب السماوية بالنسبة إلى هدى القرآن كلاَ هدى لأن هدى القرآن أعم وأكمل فلا ينافي إثبات الهداية لكتابهم كما في قوله تعالى: ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ﴾ [المائدة: 44] وقوله: ﴿ وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة ﴾ [المائدة: 46] وإما قصراً إضافياً أي هو الهدى دون ما أنتم عليه من ملة مبدلة مشوبة بضلالات وبذلك أيضاً لا ينتفي الهدى عن كثير من التعاليم والنصايح الصالحة الصادرة عن الحكماء وأهل العقول الراجحة والتجربة لكنه هدى ناقص.
وقوله: ﴿ هو الهدى ﴾ الضمير ضمير فصل.
والتعريف في الهدى تعريف الجنس الدال على الاستغراق ففيه طريقان من طرق الحصر هما ضمير الفصل وتعريف الجزأين وفي الجمع بينهما إفادة تحقيق معنى القصر وتأكيده للعناية به فأيهما اعتبرته طريق قصر كان الآخر تأكيداً للقصر وللخبر أيضاً.
والتوكيد بإن لتحقيق الخبر وتحقيق نسبته وإبطال تردد المتردد لأن القصر الإضافي لما كان المقصود منه رد اعتقاد المخاطب قد لا يتفطن المخاطب إلى ما يقتضيه من التأكيد فزيد هنا مؤكد آخر وهو حرف (إن) اهتماماً بتأكيد هذا الحكم.
فقد اجتمع في هذه الجملة عدة مؤكدات هي: حرف إن والقصر، إذ القصر تأكيد على تأكيد ما في «المفتاح» فهو في قوة مؤكدين، مع تأكيد القصر بضمير الفصل وهي تنحل إلى أربعة مؤكدات لأن القصر بمنزلة تأكيدين وقد انضم إليهما تأكيد القصر بضمير الفصل وتأكيد الجملة بحرف (إن).
ولعل الآية تشير إلى أن استقبال النبيء صلى الله عليه وسلم في الصلاة إلى القبلة التي يستقبلها اليهود لقطع معذرة اليهود كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ﴾ [البقرة: 143]، فأعلم رسوله بقوله: ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى ﴾ بأن ذلك لا يلين من تصلب اليهود في عنادهم فتكون إيماء إلى تمهيد نسخ استقبال بيت المقدس.
وقوله: ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ﴾ .
اللام موطئة للقسم وذلك توكيد للخبر وتحقيق له.
وعبر عن طريقتهم هنالك بالملة نظراً لاعتقادهم وشهرة ذلك عند العرب، وعبر عنها هنا بالأهواء بعد أن مهد له بقوله: ﴿ إن هدى الله هو الهدى ﴾ فإن الهوى رأي ناشئ عن شهوة لا عن دليل، ولهذا لم يؤت بالضمير الراجع للملة وعبر عنها بالاسم الظاهر فشملت أهواؤهم التكذيبَ بالنبيء وبالقرآن واعتقادَهم أن ملتهم لا ينقضها شرع آخر.
وقوله: ﴿ مالك من الله من ولي ولا نصير ﴾ تحذير لكل من تلقى الإسلام أن لا يتبع بعد الإسلام أهواء الأمم الأخرى، جاء على طريقة تحذير النبيء صلى الله عليه وسلم مثل: ﴿ لَئن أشركتَ ليحبَطنَّ عملك ﴾ [الزمر: 65] وهو جواب القسم ودليل جواب الشرط لأن اللام موطئة للقسم فالجواب لها.
وجيء بإن اشرطية التي تأتي في مواقع عدم القطع بوقوع شرطها لأن هذا فرض ضعيف في شأن النبيء والمسلمين.
والولي القريب والحليف.
والنصير كل من يعين أحداً على من يريد به ضراً وكلاهما فعيل بمعنى فاعل.
و (من) في قوله ﴿ من الله ﴾ متعلقة بولي لتضمينه معنى مانع من عقابه ويقدر مِثله بعد ﴿ ولا نصير ﴾ أي نصير من الله.
و (مِن) في قوله: ﴿ من ولي ﴾ مؤكدة للنفي.
وعطف النصير على الولي احتراس لأن نفي الولي لا يقتضي نفي كل نصير إذ لا يكون لأحد ولي لكونه دخيلاً في قبيلة ويكون أنصاره من جيرته.
وكان القصد من نفي الولاية التعريض بهم في اعتقادهم أنهم أبناء الله وأحباؤه فنفى ذلك عنهم حيث لم يتبعوا دعوة الإسلام ثم نفى الأعم منه وهذه نكتة عدم الاقتصار على نفي الأعم.
وقد اشتملت جملة ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ إلى آخرها على تحذير من الطمع في استدناء اليهود أو النصارى بشيء من استرضائهم طمعاً في إسلامهم بتألف قلوبهم فأكد ذلك التحذير بعشرة مؤكدات وهي القسم المدلول عليه باللام الموطئة للقسم.
وتأكيد جملة الجزاء بإنَّ وبلام الابتداء في خبرها.
واسميةُ جملة الجزاء وهي ﴿ مَالَك من الله من ولي ولا نصير ﴾ .
وتأكيدُ النفي بِمنْ في قوله ﴿ من ولي ﴾ .
والاجمالُ ثم التفصيل بذكر اسم الموصول وتبيينه بقوله ﴿ من العِلم ﴾ .
وجعل الذي جاء (أي أنزل إليه) هو العلم كله لعدم الاعتداد بغيره لنقصانه.
وتأكيدُ ﴿ من ولي ﴾ بعطف ﴿ ولا نصير ﴾ الذي هو آيل إلى معناه وإن اختلف مفهومه، فهو كالتأكيد بالمرادف.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ، والكِتابُ هو القُرْآنُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهم عُلَماءُ اليَهُودِ، والكِتابُ هو التَّوْراةُ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ.
﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَقْرَؤُونَهُ حَقَّ قِراءَةٍ.
والثّانِي: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّباعِهِ، فَيُحَلِّلُونَ حَلالَهُ، ويُحَرِّمُونَ حَرامَهُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
﴿ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يَعْنِي بِمُحَمَّدٍ ، لِأنَّ مَن قَرَأ أحَدَ الكِتابَيْنِ، آمَنَ بِهِ، لِما فِيهِما مِن وُجُوبِ اتِّباعِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الثعلبي عن ابن عباس «أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبلتهم، فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة شق ذلك عليهم وأيسوا منه أن يوافقهم على دينهم، فأنزل الله: ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى...
﴾ الآية» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ قال المفسرون: كانت اليهود والنصارى يسألون النبي الهُدنة، وُيطمعونه، ويُرونه أنه (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ (حتى) تقع (٤) وأما نصبها للفعل فقال الخليل (٥) (٦) ﴿ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ ، ولا يُعرَف (٧) (٨) ﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ ﴾ ، إن شاء الله.
وقوله تعالى: ﴿ مِلَّتَهُم ﴾ قال ابن عباس: دينهم (٩) وكذلك قال أهل اللغة، قالوا: وإنما سُمَيَ الدينُ ملّةً؛ لأنه يُمَلُّ، أي: يُملَى على المدعوِّ إليه، وأملّ وأملَى بمعنى واحد (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ﴾ قال ابن عباس: يريد أن الذي أنت عليه هو دين الله الذي رضيه (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ إنما جمعَ الهوى؛ لأنَّ جميع الفرق ممن يخالفُ النبي لم يكن لِيُرضيَهم منه إلا اتباعُ هواهم (١٩) وقوله تعالى: ﴿ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ دين الله هو الإسلام (٢٠) أحدهما: أنه قال: الآية نزلت في تحويل القبلة، وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يرجُون أن يرجع محمد إلى دينهم، فلمَّا صرفَ اللهُ القبلة إلى الكعبة شَقَّ ذلك عليهم، وأَيِسُوا منه أن يوافقَهم على دينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ (٢١) والقول الثاني: إن المراد بقوله ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ أمةُ محمد ، وأما محمد فقد عصمته.
وإياكم أخاطب وأنهى وأؤدب، فقد علمتم أن محمدًا قد جاءكم بالحق والصدق، فلا تتبعوا أهواء الكافرين، فلا يكونَ لكم من دوني ولي ولا نصير، فالخطاب لرسول الله والمراد منه أمته (٢٢) (١) ساقطة من (م).
(٢) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 202، والسمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 154، الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1146، والواحدي في "أسباب النزول" ص 43، وفي "الوسيط" 1/ 200، البغوي 1/ 143، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 138، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 368.
(٣) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 517، "البحر المحيط" 1/ 368.
(٤) في (أ)، (م): يقع.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 201.
(٦) "الكتاب" 3/ 7.
(٧) في (ش): (تعرف).
(٨) ينظر تفصيل حتى وأوجهها في: "مغني اللبيب" 1/ 122 - 131، ومعظم النص منقول من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 201 - 202.
(٩) أخرجه الثعلبي في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" 1/ 209.
(١٠) زيادة من (م).
(١١) في (ش) كأنها: (ثنيت).
(١٢) في (ش): (قصة).
(١٣) في (ش): (تعلق وتحرق).
(١٤) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3451، "تفسير الثعلبي" 1/ 1147، "اللسان" 7/ 4271.
(١٥) ساقط من (ش).
(١٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 202 وعبارته: ومن هذه المَلَّة، أي: الموضع الذي == يختبز فيه، لأنها تؤَثر في مكانها كما يُؤثر في الطريق.
ثم قال: وكلام العرب إذا اتفق لفظه فأكثره مشتق بعضه من بعض، وآخذ بعضه برقاب بعض.
وقد نقله في "تهذيب اللغة" 4/ 3451.
(١٧) ذكره في "الوسيط" 1/ 200، وهذا لعله من رواية عطاء.
(١٨) "معاني القرآن" 1/ 202.
(١٩) "معاني القرآن" 1/ 202.
(٢٠) "تفسير الثعلبي" 1/ 1147.
(٢١) ذكره الثعلبي 1/ 1146 والواحدي في "أسباب النزول" ص 43، والبغوي 1/ 143، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 138، وابن حجر في "العجاب" 1/ 373، والسيوطي في "لباب النقول" ص 25، وعزاه في "الدر" 1/ 209 للثعلبي.
(٢٢) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 94.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِلَّتَهُمْ ﴾ ذكرها مفردة وإن كانت ملتين؛ لأنهما متفقتان في الكفر، فكأنهما ملة واحدة ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى ﴾ لا ما عليه اليهود والنصارى، والمعنى: أن الذي أنت عليه يا محمد هو الهدى الحقيقي؛ لأنه هدى من عند الله بخلاف ما يدّعيه اليهود والنصارى ﴿ وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَآءَهُمْ ﴾ جمع هوى، ويعني به ما هم عليه من الأديان الفاسدة والأقوال المضلة؛ لأنهم اتبعوها بغير حجة؛ بل بهوى النفوس والضمير لليهود والنصارى، والخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد علم الله أنه لا يتبع أهواءهم، ولكن قال ذلك على وجه التهديد لو وقع ذلك، فهو على معنى الفرض والتقدير، ويحتمل أن يكون خطاباً له صلى الله عليه وسلم، والمراد غيره.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولا تسئل ﴾ على النهي: نافع ويعقوب.
الباقون بضم التاء ورفع اللام على الخبر.
الوقوف: ﴿ ونذيراً ﴾ (لا) للعطف أي نذيراً وغير مسؤول إلا لمن قرأ ﴿ ولا تسئل ﴾ على النهي لاختلاف الجملتين ﴿ الجحيم ﴾ (ه) ﴿ ملتهم ﴾ (ط) ﴿ الهدى ﴾ (ط) ﴿ من العلم ﴾ (لا) لأن نفي الولاية والنصرة يتعلق بشرط اتباع أهوائهم فكان في الإطلاق حظر ﴿ نصير ﴾ (ه) ﴿ تلاوته ﴾ (ط) لأن ما بعدها مبتدأ آخر مع خبره.
وعندي أن الأصوب عدم الوقف لتكون الجملة أعني يتلونه حالاً من مفعول آتينا أو من فاعله مقدرة وقوله ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ الجملة خبر "الذين" لأن الإخبار عن أهل الكتاب مطلقاً بأنهم يتلونه حق تلاوته لا يصح، اللهم إلا أن يحمل الكتاب على القرآن كما يجيء ﴿ يؤمنون به ﴾ (ط) للابتداء بالشرط ﴿ الخاسرون ﴾ (ه) ﴿ العالمين ﴾ (ه) ﴿ ينصرون ﴾ (ه).
التفسير: لما بين غاية إصرارهم على العناد وتصميمهم على الكفر بعد نزول ما يكفي في باب الاقتداء والاهتداء من الآيات البينات، أراد أن يسلي ويسري عن رسوله لئلا يضيق صدره فقال إنا أرسلناك يا محمد بالحق.
والصواب حسب ما تقتضيه الحكمة وهو أن لا يكون لك أن تجبرهم على الإيمان بل لا يتجاوز حالك عن أن تكون بشيراً لمن اتبعك بكل خبر ونذيراً لمن خالفك بكل سوء ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ﴾ فإنك غير مسؤول عن أصحاب الجحيم وهو من أسماء النار، وكل نار عظيمة في مهواة فهي جحيم من قوله ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم ﴾ والجاحم المكان الشديد الحر، وهذا كقوله ﴿ فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ﴾ وأما قراءة النهي فيروى أنه قال: ليت شعري ما فعل أبواي فنهي عن السؤال عن أحوال الكفرة والاهتمام بأعداء الله.
وفي هذه الرواية بُعْدٌ، لأن سياق الكلام ينبو عن ذلك، ولأنه مع علمه الإجمالي بحال الكفار، كيف يتمنى ذلك؟
والأقرب أن معناه تعظيم ما وقع فيه الكفار من المحن كما إذا سألت عمن وقع في بلية فيقال لك لا تسأل عنه، فكان المسؤول يحرج أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته، أو يرى أنك لا تقدر على استماع خبره لأنه يورث الوحشة والضجر.
وقوله ﴿ ولن ترضى ﴾ فيه إقناط لرسول الله عن إسلامهم وأن القوم قد بلغوا من التصميم على ما هم فيه إلى حد لا يقنعون بالكفاف ولا يرضون رأساً برأس، بل يريدون منك عكس ما تطمع منهم زاعمين أن ملتهم التي حان نسخها هي الهدى ﴿ قل إن هدى الله ﴾ الذي هو الإسلام ﴿ هو الهدى ﴾ الحق ليس وراءه هدى لأنه ناسخ للأديان كلها ﴿ ولو اتبعت أهواءهم ﴾ مشتهياتهم وآراءهم الباطلة المنسوخة ﴿ بعد الذي جاءك من العلم ﴾ بأمر الديانة لوضوح البراهين وسطوع الدلائل ﴿ ما لك من الله ﴾ من عقابه وسخطه ﴿ من ولي ﴾ معين يعصمك ﴿ ولا نصير ﴾ يذب عنك.
قال أهل البرهان إنما لم يقل في هذه الآية ﴿ بعدما جاءك من العلم ﴾ كما قال في آية القبلة على ما يجيء، لأن العلم في الآية الأولى علم كامل ليس وراءه علم وهو العلم بالله وبصفاته وأن الهدى هدى الله، فكأن لفظ "الذي" أليق لأنه في التعريف أبلغ، فإن "الذي" يعرفه صلته ولا يتنكر قط، ويلزمه الألف واللام.
بخلاف ما فإنه نكرة ولا يدخله الألف واللام وخصت آية القبلة "بما" و "من" التي لابتداء الغاية، لأن المراد هناك قليل من كثير العلم وهو العلم بالقبلة وليس الأول موقتاً بوقت أعني العلم بالله وبصفاته - فلم يحتج إلى زيادة من التوقيتية، وقريب من معنى القبلة ما في آل عمران ﴿ من بعدما جاءك من العلم ﴾ فلهذا جاء بلفظ "ما" وزاد لفظة "من" وأما في سورة الرعد فإنه ﴿ ولئِن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ﴾ لأن العلم فيها هو الحكم العربي أي القرآن، فكأن بعضاً من الأول وهو العلم بالله وبصفاته فجاء لفظ "ما" ولم يزد لفظ "من" التوقيتية لأنه غير موقت والله أعلم بأسرار كلامه.
وفي الآية دليل على بطلان التقليد فيما إلى تحقيقه سبيل حتى لا يكون اتباع الهوى، وفيها أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة على العلم بالمأمور به لقوله ﴿ بعدما جاءك من العلم ﴾ فلأن لا يجوز التوعد إلا بعد القدرة على المأمور به كان أولى، فبطل القول بتكليف ما لا يطاق.
وفيها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله ونظيره وقوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ وإنما يحسن هذا الوعيد لاحتمال أن الصارف له عن ذلك الفعل هو هذا الوعيد أو هو أحد صوارفه، ولأن فيه زجراً شديداً لأمته لأنهم إذا علموا مآل حال النبي لو فرض منه اتباع أهوائهم مع ما ورد في حقه ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ ولم يبق لهم طمع في الخلاص لو وجد منهم ذلك ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ قيل: إنهم المؤمنون الذين آتاهم القرآن، لأن الكتاب الذي يمدح على تلاوته هو القرآن.
والأصح أنه لما قدم ذكر المعاندين من أهل الكتاب أراد أن يذكر مؤمنيهم.
ومعنى يتلونه حق تلاوته لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله ، أو يتبعون مقتضاه من غير تكاسل ومنع متمسكين بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما، أو يخضعون عند تلاوته ويخشعون، أو يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه، أولئك يؤمنون بكتابهم دون من ليس على حالهم ممن لا يتلو الكتاب حق تلاوته كما يستحق أن يتلى ﴿ ومن يكفر به ﴾ من المحرفين أو من الواضعين من حقه ﴿ فأولئك هم الخاسرون ﴾ حيث لم ينتفعوا بما يحق أن ينتفع به ويغتنم وروده فرجعوا منه بخفي حنين وفازوا بكل حين.
﴿ يا بني إسرائيل ﴾ الآيتان رجوع إلى أول القصة تذكيراً للنعم بعد تعداد مواجب النقم ليتنبه منهم من وفق للتنبه والله المستعان.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ .
قيل: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ ﴾ يا محمد؛ لتدعوَهم إلى الحق، وهو التوحيد.
وقيل: بالحق: بالقرآن.
وقيل: بالحق: بالحجج والآيات.
﴿ بَشِيراً ﴾ لمن أَطاعه بالجنة، ﴿ وَنَذِيراً ﴾ لمن عصاه وخالف أمره بالنار.
وقيل: بالحق الذي لله على الخلق، والحق الذي لبعضٍ على بعض؛ لتدعوهم إليه وتدلهم عليه.
وقوله: "ولا تَسْأَل عن أصحاب الجحيم".
وجائز أن يكون بمعنى: لا تَسْأَل بعد هذا عنهم.
ولم يُذكر أَنه سئل عنهم بعده؛ فيكون ذلك آية له بما هو خبر عن علم الغيب.
قيل: إن رسول الله - قال: "ليت شعري!
ما فعل أَبواي؟" فأَنزل الله - - هذه الآية.
وفيها لغتان: "لا تَسأل" بنصب التاءِ وهو ما ذكرنا.
ويحتمل وجهاً آخر: أَي لا تشتغل بأَصحاب الجحيم؛ فإن ذلك تكلفٌ منك وشُغل.
وفيها لغةٌ أُخرى برفع التاءِ: ﴿ وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، أَي: لا تُسأَل أنت يا محمد عن ذنوب أَصحاب الجحيم؛ وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ، وكقوله: ﴿ عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ ونحوه.
وقوله: ﴿ وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ .
اختلف في الملة: قيل الملة: السنة؛ كقوله "بسم الله، وعلى ملة رسول الله"، وكقوله: ﴿ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ﴾ .
وقيل: الملة: الدين، كقوله : "لا يتوارث أهل الملتين" وقيل: الملة هاهنا: القبلة، وهو كقوله: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ ﴾ .
آيس - عز وجل - رسوله عن اتباع أُولئك دينه وقبلته؛ لأَنهم يختارون الدين، والقبلة؛ بهوى أَنفسهم، لا بطلب الحق، وظهوره، ولزوم الحجة.
وذلك: أَن النصارى إنما اختاروا قبلتهم المشرق؛ لأَن مكان الجبل الذي كان فيه عيسى في ناحية المشرق بقوله: ﴿ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً ﴾ .
واليهود اختاروا قبلتهم ناحية المغرب؛ لأَن موسى كان بناحية المغرب لما أعطى الرسالة وكلمه ربه؛ كقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ ﴾ .
وأما أهل الإسلام فإنما اختاروا الكعبة - شرفها الله - قبلة بالأَمر، لا اتباعاً لهواهم.
والعقل يوجب أن تكون الكعبة قبلة؛ إذ هي مقصد الخلق من آفاق الدنيا، فلما احتيج في الصلاة إلى التوجه إلى وجه كان أَحَق ذلك الموضع الذي جعل للخلق مقاصد أخرى.
ثم قوله : ﴿ وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ .
أخبر - عز وجل - رسوله: أن ليس في وسعك إرضاءُ هؤلاء؛ لاختلافهم في الدعاوى في الملل.
فإن قيل: كيف نهى رسوله عن اتباع ملتهم على علم منه: أنه لا يتبع؟
قيل: لأن العصمة لا تزيل المحنة، ولا تدفعها، بل المحنة إنما تقع في العصمة لوجهين: أحدهما: أن عصمته لِمَا مضى لا توجب عصمته في الحادث.
والثاني: أَن أَحق مَنْ يُنهى عن الأَشياء مَنْ أُكرم بالعصمة؛ إذ على زَوال النهي يرتفع عنه جهة العصمة؛ لأَنه يصير برفع النهي مباحاً.
فلهذا دل القول على النهي عما فيه إرضاؤهم - وإن كان في الأصل معصوماً عنه - وبالله التوفيق.
وفي إزالة الأمر والنهي إِزالةُ فائدة العصمة؛ لأَن العصمة: هي أَن يعصم في الأمر حتى يؤديَه، وفي النهي، حتى ينتهيَ عنه، وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ﴾ .
قيل: إن دين الله - الذي اختاره أَهلُ الإِسلام؛ بالأمر، واتباع الآيات، والحجج - هو الدين، لا كما اختار أُولئك بهوى أنفسهم، واستقبال الآيات والحجج بالرد، والإنكار، والمعاندة.
ويحتمل: أن يكون الخطابُ في قوله: ﴿ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ﴾ والبيانُ لأَصحابهِ، ومن دخل في دينه وصدقه، لا هو.
وذلك كثير في القرآن؛ يخاطَبُ هو والمراد غيره.
وقوله: ﴿ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ .
ظاهره: من ولي يتولى الدفاع عنك، ولا نصير يمنعك من العذاب.
ويحتمل: ينصرك فتغلب به سلطان الله فيما يريد تعذيبك.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾ .
قيل: الكتابُ: أَراد به التوراةَ أَو الإنجيلَ.
وقيل: أَراد به القرآن.
ومن حمله على التوراةِ والإِنجيل قال: فيه إِضمار واوِ كأَنه قال: الذين آتيناهم الكتاب، ويتلونه حق تلاوته، أُولئك يؤمنون به، أَي: إذا تَلَوْا حق التلاوة؛ فحينئذ يؤمنون به.
وقيل: يتلونه حق تلاوته، يعني يعملون به حق عمله، ولا يكتمون نعته ، ولا يحرفونه.
﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ .
وهم الذين أَسلموا منهم.
وقيل: يتبعونه حق اتباعه.
وهو واحد.
ومن حمله على القرآن، قالذين يتلونه حق تلاوته أَصحاب رسول الله .
<div class="verse-tafsir"
يخاطب الله نبيه موجهًا محذرًا قائلًا له: لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتَّى تترك الإسلام، وتتبع ما هم عليه، ولئن حصل هذا منك أو من أحد من أتباعك بعد الَّذي جاءك من الحق الواضح فلن تجد من الله مناصرة أو معونة، وهذا من باب بيان خطورة ترك الحق ومجاراة أهل الباطل.
<div class="verse-tafsir" id="91.bAR23"
الكلام لا يزال في القرآن، وما كان من أمر الناس في الإيمان به وعد الإيمان، ذكر في الآيات المتقدمة آنفًا من شأن أهل الكتاب ما تبين به أن عدم إيمانهم بالنبي وما جاء به غير قادح فيه، ولا ينهض شبهة عليه، وأن مطاعنهم فيه متهافتة منقوضة بطعنهم في أنفسهم، وتخبطهم في أمر كتبهم، ثم انتقل إلى ذكر شبهة مشركي العرب وبين أنهم جروا فيها على الأصل المعهود من أمثالهم المشركين الذين سبقوهم بالضلال فقال ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ أي الجاهلون بالكتاب والشرائع من مشركي العرب.
وقال (الجلال) إن المراد بالذين لا يعلمون كفار مكة خاصة، ولا دليل على التخصيص، ويرجح العموم كون الآية مدنية ﴿ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ ﴾ كما كلم هذا الرسول مع أنه بشر مثلنا ﴿ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ ﴾ من الآيات التي اقترحناها، يعنون ما حكاه الله تعالى عنهم بمثل قوله ﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴾ الآيات ﴿ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴾ أي مثل هذا القول قال الكفار الذين أرسل إليهم الرسل من قبلهم في معناه وهو أنهم أنكروا على الرسل الاختصاص بالوحي من دونهم واقترحوا عليهم الآيات تعنتًا وعنادًا ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ لأن الطغيان قد ساوى بينهم حتى كأنهم تواصلوا بما يقولون كما قال في سورة الطور ﴿ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ .
ويشبه هذا ما ورد من أن الكفر ملة واحدة، وذلك أن الحق واحد ومخالفته هي الباطل أو الضلال وهو واحد وإن تعددت طرقه واختلفت وجوهه.
وآثار الشيء الواحد الكلي تتشابه فيمن تصدر عنهم وإن اختلفت الجزئيات.
والتشابه هنا إنما هو مكابرة الحق واستبعاد كون واحد من البشر رسولًا يوحى إليه اقتراح الآيات تعنتًا وعنادًا.
ومثال الاختلاف في الجزئيات طلب موسى رؤية الله جهرة، وطلب قوم محمد أن يرقى في السماء أمامهم فيأتي بكتاب يقرأونه.
والطلب الذي مصدره العناد والتعنت لا تفيد إجابته لأن صاحبه لا يقصد به معرفة الحق ولذلك قال تعالى ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ .
والدليل المعقول على هذا أنه ما من نبي إلا وقد جاء بآية أو آيات كونية أو عقلية وكانوا مع ذلك يصفونهم بالسحر ثم يقترحون عليهم الآيات، ولذلك قال تعالى بعد حكاية شبهة هؤلاء الجاهلين ﴿ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ أي إننا لم ندعك يا محمد بغير آية بل بينا الآيات على يديك بيانًا لا يدع للريب طريقًا إلى نفس من يعقلها.
وقد قال ﴿ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ ﴾ ولم يقل أعطيناك الآية للتفرقة والفصل بين آيات القرآن التي هي من علم الله وكلامه يظهر بها الحق بطريق معقول بيِّن لا يشتبه فيه الفهم، ولا يحار فيه الذهن، وبين الآيات الكونية التي هي من صنعه يستخذي لها العقل ويخضع لها لشعوره بأنها من قوة فوق قوته.
وللناس فيما يرونه فوق ما يعقلون طريقان معهودان: منهم من يسنده إلى القوة الغيبية العليا سواء كان له سبب خفي في الواقع أم لا ومنهم من يسنده إلى الأسباب الخفية التي يسمونها السحر، وإن كان فوق قدرة البشر، ولذلك ضلت الأمم في آيات الأنبياء السابقين وليس لأحد أن يضل في آيات القرآن لأنها بينة معقولة ولذلك قال ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ .
نعم إن الآيات العلمية لا يعقلها إلا أهل الاستعداد للعلم اليقين.
ولذلك قال ﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ والذين يوقنون هم الذين خلصت نفوسهم من كل رأي وتقليد وتوجهوا إلى طلب الحق في الأمور الاعتقادية، وأخذوا على أنفسهم العهد أن يطلبوه بدليله وبرهانه، فهم إذا قام عندهم البرهان اعتقدوا وأيقنوا إيقانًا، وإنما يتوقع اليقين من مثلهم لا من قوم يعتقدون الشيء أولًا بلا دليل ولا برهان، ثم يلتمسون له الدليل لأن مقلديهم قالوا بوجوب معرفة الدليل فإذا أصابوه موافقًا لما اعتقدوا رضوا به وإن كان ظنيًا، وإذا نهض لهم مخالفًا لتقاليدهم رفضوه وتعللوا بالتعلات المنتحلة، وهؤلاء هم الجماهير من الناس الذين وصفوا في الأثر بأنهم أتباع كل ناعق: والعبرة في خطاب الشرع بأهل اليقين الذين صفت نفوسهم، ومحصت أفكارهم: فسلموا من علة العناد والمكابرة لا المانعين لشعاع الحق أن ينفذ إلى القول، ولحرارته أن تخترق الصدور إلى القلوب، هؤلاء هم أنصار الحق لأنهم بيقينهم لا يستطيعون المروق منه، ولا السكوت عن الانتصار له، ألم تر أن كبار الصحابة كانوا يراجعون النبي فيما لم يظهر لهم دليله لأنهم طبعوا على معرفة الحق بالدليل.
هؤلاء من الناس الذين تنزل الشرائع لأجلهم، ولولا استعدادهم لها لما شرعت أو لما نجحت، وأما سائر الناس فتبع لهم وعيال عليهم.
ثم قال تعالى ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ ﴾ أي بالشيء الثابت المتحقق الذي لا يضل من يأخذ به ولا تعبث به رياح الأباطيل والأوهام، بل يكون الآخذ به سعيدًا بالطمأنينة واليقين.
الحق في هذا المقام يشمل العلوم الاعتقادية وغيرها فهو يقول: إنا أرسلنا بالعقائد الحقة المطابقة للواقع، والشرائع الصحيحة الموصلة إلى سعادة الدنيا والآخرة ﴿ بَشِيرًا ﴾ لمن يتبع الحق بالسعادتين ﴿ وَنَذِيرًا ﴾ لمن لا يأخذ به بشقاء الدنيا وخزي الآخرة ﴿ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ﴾ أي فلا يضرك تكذيب المكذبين الذين يساقون بجحودهم إلى الجحيم لأنك لم تبعث ملزمًا لهم ولا جبارًا عليهم فيعد عدم إيمانهم تقصيرًا منك تسأل عنه، بل بعثت معلمًا وهاديًا بالبيان والدعوة وحسن الأسوة، لا هاديًا بالفعل ولا ملزمًا بالقوة، ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ .
وفي الآية تسلية للنبي لئلا يضيق صدره كما تدل على ذلك آيات أخرى.
وفي الآية من العبرة إن الأنبياء بعثوا معلمين لا مسيطرين، ولا متصرفين في الأنفس ولا مكرهين، فإذا جاهدوا فإنما يجاهدون دفاعًا عن الحق لا إكراهًا عليه.
وفيها أن الله تعالى لا يطالب الناس بأن يأخذوا عنهم إلا العلم الذي يهديهم إلى معرفة حقوق الله وحقوق العباد.
وفي قراءة نافع ويعقوب ﴿ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ﴾ بالنهي، أي لا تسأل عما سيلاقون من الانتقام فإنه عظيم، فمثل هذا النهي مستعمل في التهويل لا في حقيقته وهو استعمال معروف بين الناس حتى اليوم: وزعم بعض المفسرين أن النهي على حقيقته وأنه خاص بنهي النبي عن السؤال عن أبويه ورووا في ذلك أنه سأل جبريل عن قبريهما فدله عليهما فزارهما ودعا لهما وتمنى ولو يعرف حالهما في الآخرة وقال"ليت شعري ما فعل أبواي" فنزلت الآية في ذلك.
والحديث قال الحافظ العراقي إنه لم يقف عليه، وقال السيوطي لم يرد في ذلك إلا أثر معضل ضعيف الإسناد.
وقد فشا هذا القول ولولا ذلك لم نذكره، وإنما نريد بذكره التنبيه على أن الباطل صار يفشو في المسلمين بضعف العلم والصحيح يهجر وينسى.
ولاشك أن مقام النبي في معرفة أسرار الدين، وحكم الله في الأولين والآخرين، ينافي صدور مثل هذا السؤال عنه، كما أن أسلوب القرآن يأبي أن يكون هو المراد منه.
ثم قال ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ فعاد إلى ذكر أهل الكتاب على ما عهدنا في أساليب القرآن من ضروب الانتقال بالمناسبات الدقيقة.
فالقرآن لم يأت على طريقة المنشئين والمؤلفين الذين يخصون كل طائفة من الكلام بموضوع معين ويسمونها فضلًا أو بابًا، ولكن للقرآن أغراضًا يبرزها بصور مختلفة، فكلما لاحت المناسبة لذكر شيء منها أو الاحتجاج عليه أو الدفاع عنه، جاء به يجذب إليه الأذهان، ويساوق به خطرات القلوب، مع مراعاة التناسق، وحفظ الأسلوب البليغ، لهذا يتكرر فيه المعنى الواحد بعبارات متعددة، ويتجلى الروح الواحد في أشكال متنوعة، فلم يذكر ههنا المشركين إلا لما بينهم وبين أهل الكتاب من التناسب والتقارب في المجاحدة والمعاندة، فكان ذكرهم من متممات الحجة على أهل الكتاب من حيث أدى غرضًا مقصودًا في ذاته.
ولما كان ذكرهم في عرض الكلام كالجملة الاعتراضية كان الرجوع إلى سرد شؤون أهل الكتاب مع النبي رجوعًا إلى أصل الموضوع.
إن من شأن الإنسان أن يتألم من القبيح أشد التألم إذا وقع ممن لا يتوقع منه، فكان النبي يرجو أن يبادر أهل الكتاب إلى الإيمان به، وأن لا يرى منهم المكابرة والمجاحدة والعناد، ولهذا كبر عليه أن رأى من إعراض اليهود والنصارى عن إجابة دعوته، وإسرافهم في مجاحدته، أشد مما رأى من مشركي العرب الذين جاء لمحو دينهم من الأرض، مع موافقته لأهل الكتاب في أصل دينهم ومقصده من توحيد الله تعالى والإخلاص له وتقويم عوج الفطرة الإنسانية الذي طرأ عليها بسبب التقاليد، وترقية المعارف الدينية إلى أعلى ما استعد له الإنسان من الارتقاء العقلي والأدبي، ولذلك كان يخاطبهم بمثل قوله تعالى ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ .
الآية وغيرها من الآيات.
ولقد كان من الصعب لولا إعلام الله تعالى أن تعرف درجة فتك التقليد بعقول أهل الكتاب وإفساد الأهواء لقلوبهم، لذلك سلى الله تعالى نبيه عما كان يجده من عنادهم وإيذائهم بآيات كثيرة عرفه فيها حقيقة حالهم، منها هذه الآية الناطقة بأن كلا من اليهود والنصارى على اتحادهم في أصل الدين قد تعصب لتقاليده واتخذ الدين جنسية لا يرضيه من أحد شيء إلا الدخول فيها وقبول لقبها فقوله تعالى ﴿ حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ مراد به ما هم عليه من التقاليد والأهواء التي غيروا بها وجه الدين الواحد حتى صار بعضهم يحكم بكفر بعض كما تقدم في الآيات السابقة.
ثم أمره تعالى في مقابلة ذلك بقوله ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ﴾ أي أجهر بقول الحق وهو أن الهدى الصحيح هو هدى الله الذي أنزل على أنبيائه دون ما أضافه إليه اليهود والنصارى بآرائهم وأهوائهم ففرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل شيعة تكفر الأخرى وتقول إنها ليست على شيء، أي فإن أردت استرضاءهم، فلن يرضوا عنك إلا أن تتبع أهوائهم، ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ التي أضافوها على كتبهم، وجعلوها أصولًا وفروعًا لدينهم ﴿ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ اليقين، وبالوحي الإلهي المبين، الذي بين ما كان منهم من تحويل القول عن معناه بالـتأويل، وتحريفهم الكلم عن مواضعه، ونسيانهم حظًا مما ذكروا به، ﴿ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ أي فإنك لن تنجح ولن تصل إلى حقك بمجاراتهم على باطلهم، لأن الله لا ينصرك على ذلك إذ لا يرضيه أن يكون اتباع الهوى طريقًا إلى الهدى، والضال لا يرضيه إلا موافقته على ضلاله، ومجاراته على فساده، وإذا لم يكن الله هو الذي يتولى شؤونك وينصرك بمعونته فمن ذا الذي ينصرك ويتولاك من بعده؟.
من تدبر هذا الإنذار الموجه من الله تعالى إلى نبي الرحمة، المؤيد منه بالكرامة والعصمة، علم أن المراد به الوعيد والتشديد على الأمة، على حد "إياك أعني واسمعي يا جارة".
فإن الله تعالى يخاطب الناس كافة في شخص النبي كما جرى عرف التخاطب مع الرؤساء والزعماء فقد يقال لذلك: إذا فَعَلتَ هذا كانت عاقبته كذا: والمراد إذا فَعَلَته دولتك أو أمتك، وقد تقدم غير مرة إسناد عمل بعض الأفراد إلى الأمة كلها ولكن قوله ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ وهو يعلم جل شأنه أنه لا يتبع أهوائهم في حال من الأحوال، وقد عصمه من الزيغ والضلال، وإنما جاء على هذا الأسلوب ليرشد من يأتي بعده ممن يتبع سنته ويأخذ بهديه.
فهو يرشدنا بهذا التهديد العظيم إلى الصدع بالحق والانتصار له وعدم المبالاة بمن يخالفه مهما قوي حزبهم، واشتد أمرهم، وإنه لتهديد ترتعد منه فرائص الذين يخشون ربهم، ولا سيما إذا آنسوا من أنفسهم ضعفًا في الحق كأن تركوا الجهر به أو الدفاع عنه خوفًا من إنكار العامة عليهم، ولغط الناس بهم، فمن عرف الحق وعرف أن الله تعالى وليّ أهله وناصرهم لا يخاف في تأييده لومة لائم، ولا يغترن أحد بمن يسميهم الناس علماء وعارفين في سكوتهم عن الحق، ومجاراتهم لأهل الباطل، فإنهم ليسوا على شيء من العلم الحقيقي، وإن هي إلا كلمات يتلقفونها، وعادات يتقلدونها، لا حجة للأحياء فيها، سوى قولهم إن الميتين درجوا عليها!.
وليس هذا هو العلم الذي جاء به النبي وإنما هو شيء كان يلقب بالعلم عند الضالين من أهل الكتاب والمشركين كذلك، وقد نفى عنه كونه علمًا على الحقيقة بمثل قوله ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾ وبقوله ﴿ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴾ فمن أخذ بقول القائلين، واتبع ما وجد عليه السابقين بدون بينة يعرف بها وجه الحق من ذلك -وكتاب الله بين يديه لا ينظر فيه ولا يرجع إليه- فقد اتبع الهوى بعد الذي جاء من العلم إلى النبي وباء بالخزي في الدنيا وبالنكال في الآخرة، ولم يكن ولن يكون له من الله ولي ولا نصير، اللهم أعنا على الجهر بالحق بعد ما عرفناه، واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا.
<div class="verse-tafsir"