الآية ١٢١ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٢١ من سورة البقرة

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ١٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢١ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ) قال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : هم اليهود والنصارى .

وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، واختاره ابن جرير .

وقال : سعيد عن قتادة : هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، وعبد الله بن عمران الأصبهاني ، قالا حدثنا يحيى بن يمان ، حدثنا أسامة بن زيد ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب ( يتلونه حق تلاوته ) قال : إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة ، وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار .

وقال أبو العالية : قال ابن مسعود : والذي نفسي بيده ، إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله ، ولا يحرف الكلم عن مواضعه ، ولا يتأول منه شيئا على غير تأويله .

وكذا رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ومنصور بن المعتمر ، عن ابن مسعود .

وقال السدي ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس في هذه الآية ، قال : يحلون حلاله ويحرمون حرامه ، ولا يحرفونه عن مواضعه .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن مسعود نحو ذلك .

وقال الحسن البصري : يعملون بمحكمه ، ويؤمنون بمتشابهه ، يكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا ابن أبي زائدة ، أخبرنا داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله : ( يتلونه حق تلاوته ) قال : يتبعونه حق اتباعه ، ثم قرأ : ( والقمر إذا تلاها ) [ الشمس : 2 ] ، يقول : اتبعها .

قال : وروي عن عكرمة ، وعطاء ، ومجاهد ، وأبي رزين ، وإبراهيم النخعي نحو ذلك .

وقال سفيان الثوري : حدثنا زبيد ، عن مرة ، عن عبد الله بن مسعود ، في قوله : ( يتلونه حق تلاوته ) قال : يتبعونه حق اتباعه .

قال القرطبي : وروى نصر بن عيسى ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( يتلونه حق تلاوته ) قال : " يتبعونه حق اتباعه " ، ثم قال : في إسناده غير واحد من المجهولين فيما ذكره الخطيب إلا أن معناه صحيح .

وقال أبو موسى الأشعري : من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة .

وعن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله ، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها ، قال : وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا مر بآية رحمة سأل ، وإذا مر بآية عذاب تعوذ .

وقوله : ( أولئك يؤمنون به ) خبر عن ( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ) أي : من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته ، آمن بما أرسلتك به يا محمد ، كما قال تعالى : ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) الآية [ المائدة : 66 ] .

وقال : ( قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ) [ المائدة : 68 ] ، أي : إذا أقمتموها حق الإقامة ، وآمنتم بها حق الإيمان ، وصدقتم ما فيها من الأخبار بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفته والأمر باتباعه ونصره ومؤازرته ، قادكم ذلك إلى الحق واتباع الخير في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى : ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) الآية [ الأعراف : 157 ] وقال تعالى : ( قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) [ الإسراء : 107 ، 108 ] أي : إن كان ما وعدنا به من شأن محمد صلى الله عليه وسلم لواقعا .

وقال تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون ) [ القصص : 52 ، 54 ] .

وقال تعالى : ( وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ) [ آل عمران : 20 ] ولهذا قال تعالى : ( ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون ) كما قال تعالى : ( ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ) [ هود : 17 ] .

وفي الصحيح : " والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة : يهودي ولا نصراني ، ثم لا يؤمن بي ، إلا دخل النار " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذين عناهم الله جل ثناؤه بقوله: (الذين آتيناهم الكتاب) فقال بعضهم: هم المؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به من أصحابه.

*ذكر من قال ذلك: 1878- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله: (الذين آتيناهم الكتاب) ، هؤلاء أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ، آمنوا بكتاب الله وصدقوا به.

* * * وقال آخرون: بل عنى الله بذلك علماء بني إسرائيل ، الذين آمنوا بالله وصدقوا رسله، فأقروا بحكم التوراة.

فعملوا بما أمر الله فيها من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، والإيمان به ، والتصديق بما جاء به من عند الله.

*ذكر من قال ذلك: 1879- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ )، قال: من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم من يهود فأولئك هم الخاسرون.

* * * وهذا القول أولى بالصواب من القول الذي قاله قتادة.

لأن الآيات قبلها مضت بأخبار أهل الكتابين ، وتبديل من بدل منهم كتاب الله ، وتأولهم إياه على غير تأويله ، وادعائهم على الله الأباطيل.

ولم يجر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الآية التي قبلها ذكر ، فيكون قوله: (الذين آتيناهم الكتاب) ، موجها إلى الخبر عنهم ، ولا لهم بعدها ذكر في الآية التي تتلوها ، فيكون موجها ذلك إلى أنه خبر مبتدأ عن قصص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعد انقضاء قصص غيرهم ، ولا جاء بأن ذلك خبر عنهم أثر يجب التسليم له.

(2) فإذ كان ذلك كذلك ، فالذي هو أولى بمعنى الآية أن يكون موجها إلى أنه خبر عمن قص الله جل ثناؤه [قصصهم] في الآية قبلها والآية بعدها ، (3) وهم أهل الكتابين: التوراة والإنجيل.

وإذْ كان ذلك كذلك ، فتأويل الآية: الذين آتيناهم الكتاب الذي قد عرفته يا محمد -وهو التوراة- فقرءوه واتبعوا ما فيه ، فصدقوك وآمنوا بك ، وبما جئت به من عندي ، أولئك يتلونه حق تلاوته.

* * * وإنما أدخلت الألف واللام في" الكتاب " لأنه معرفة ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عرفوا أي الكتب عنى به.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله عز وجل: (يتلونه حق تلاوته) ، فقال بعضهم: معنى ذلك يتبعونه حق اتباعه.

*ذكر من قال ذلك: 1880- حدثني محمد بن المثنى قال، حدثني ابن أبي عدي ، وعبد الأعلى ، وحدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا ابن أبي عدي جميعا ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس: (يتلونه حق تلاوته) ، يتبعونه حق اتباعه.

1881- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود ، عن عكرمة بمثله.

1880- وحدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا داود بن أبي هند ، عن عكرمة بمثله.

1883- حدثني الحسن بن عمرو العنقزي قال، حدثني أبي ، عن أسباط ، عن السدي ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس في قوله الله عز وجل: ( يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ) ، قال: يحلون حلاله ويحرمون حرامه ، ولا يحرفونه.

(4) 1884- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدي قال، قال أبو مالك: إن ابن عباس قال في: (يتلونه حق تلاوته) ، فذكر مثله، إلا أنه قال: ولا يحرفونه عن مواضعه.

1885- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا المؤمل قال، حدثنا سفيان قال: حدثنا يزيد ، عن مرة ، عن عبد الله في قول الله عز وجل: (يتلونه حق تلاوته) : قال: يتبعونه حق اتباعه.

1886- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية قال، قال عبد الله بن مسعود: والذي نفسي بيده ، إن حق تلاوته : أن يحل حلاله ويحرم حرامه ، ويقرأه كما أنـزله الله ، ولا يحرف الكلم عن مواضعه ، ولا يتأول منه شيئا على غير تأويله.

1887- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة ومنصور بن المعتمر ، عن ابن مسعود في قوله: (يتلونه حق تلاوته) ، أن يحل حلاله ويحرم حرامه ، ولا يحرفه عن مواضعه.

1888- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا [أبو أحمد] الزبيري قال، حدثنا عباد بن العوام عمن ذكره ، عن عكرمة ، عن ابن عباس: (يتلونه حق تلاوته) يتبعونه حق اتباعه.

1889- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عباد بن العوام ، عن الحجاج ، عن عطاء ، بمثله.

1890- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن أبي رزين في قوله: (يتلونه حق تلاوته) ، قال: يتبعونه حق اتباعه.

1891- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان -وحدثني المثنى قال، حدثني أبو نعيم قال، حدثنا سفيان- وحدثني نصر بن عبد الرحمن الأزدي قال، حدثنا يحيى بن إبراهيم، عن سفيان - قالوا جميعا: عن منصور، عن أبي رزين، مثله.

1892- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن مجاهد: (يتلونه حق تلاوته) ، قال: عملا به.

(5) 1893- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك ، عن قيس بن سعد: (يتلونه حق تلاوته) ، قال: يتبعونه حق اتباعه، ألم تر إلى قوله: وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [سورة الشمس: 2] ، يعني الشمس إذا تَبعها القمر.

1894- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء وقيس بن سعد ، عن مجاهد في قوله: (يتلونه حق تلاوته) ، قال: يعملون به حق عمله.

1895- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم ، عن عبد الملك ، عن قيس بن سعد ، عن مجاهد قال، يتبعونه حق اتباعه.

1896- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.

1897- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (يتلونه حق تلاوته) ، يعملون به حق عمله.

1898- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن مجاهد في قوله: (يتلونه حق تلاوته) ، قال: يتبعونه حق اتباعه.

1899- حدثني عمرو قال، حدثنا أبو قتيبة قال، حدثنا الحسن بن أبي جعفر ، عن أبي أيوب ، عن أبي الخليل ، عن مجاهد: (يتلونه حق تلاوته) ، قال: يتبعونه حق اتباعه.

(6) 1900- حدثنا عمرو قال، حدثنا يحيى القطان ، عن عبد الملك ، عن عطاء قوله: (يتلونه حق تلاوته) قال: يتبعونه حق اتباعه ، يعملون به حق عمله.

1901- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثني أبي ، عن المبارك ، عن الحسن: (يتلونه حق تلاوته) قال: يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه.

(7) 1902- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة: (يتلونه حق تلاوته) ، قال: أحلوا حلاله ، وحرموا حرامه ، وعملوا بما فيه، ذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول: إن حق تلاوته : أن يحل حلاله ، ويحرم حرامه ، وأن يقرأه كما أنـزله الله عز وجل ، ولا يحرفه عن مواضعه.

1903- حدثنا عمرو قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا الحكم بن عطية ، سمعت قتادة يقول: (يتلونه حق تلاوته) قال: يتبعونه حق اتباعه.

قال: اتباعه : يحلون حلاله ويحرمون حرامه ، ويقرءونه كما أنـزل.

1904- حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم عن داود ، عن عكرمة في قوله: (يتلونه حق تلاوته) ، قال: يتبعونه حق اتباعه، أما سمعت قول الله عز وجل: وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [سورة الشمس: 2] ، قال: إذا تبعها.

* * * وقال آخرون : (يتلونه حق تلاوته) ، يقرءونه حق قراءته.

(8) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل ذلك أنه بمعنى: يتبعونه حق اتباعه ، من قول القائل: ما زلت أتلو أثره ، إذا اتبع أثره، (9) لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله.

وإذ كان ذلك تأويله ، فمعنى الكلام: الذين آتيناهم الكتاب ، يا محمد من أهل التوراة الذين آمنوا بك وبما جئتهم به من الحق من عندي ، يتبعون كتابي الذي أنـزلته على رسولي موسى صلوات الله عليه ، فيؤمنون به ويقرون بما فيه من نعتك وصفتك ، وأنك رسولي، فرضٌ عليهم طاعتي في الإيمان بك والتصديق بما جئتهم به من عندي ، ويعملون بما أحللت لهم ، ويجتنبون ما حرمت عليهم فيه ، ولا يحرفونه عن مواضعه ولا يبدلونه ولا يغيرونه - كما أنـزلته عليهم - بتأويل ولا غيره.

* * * أما قوله: (حق تلاوته) ، فمبالغة في صفة اتباعهم الكتاب ولزومهم العمل به ، كما يقال: " إن فلانا لعالم حق عالم " ، وكما يقال: " إن فلانا لفاضل كل فاضل " (10) * * * وقد اختلف أهل العربية في إضافة " حق " إلى المعرفة ، فقال بعض نحويي الكوفة: غير جائزة إضافته إلى معرفة لأنه بمعنى " أي" ، وبمعنى قولك: " أفضل رجل فلان " ، و " أفعل " لا يضاف إلى واحد معرفة ، لأنه مبعض ، ولا يكون الواحد المبعض معرفة.

فأحالوا أن يقال: " مررت بالرجل حق الرجل " ، و " مررت بالرجل جِدِّ الرجل " ، كما أحالوا " مررت بالرجل أي الرجل " ، وأجازوا ذلك في" كل الرجل " و " عين الرجل " و " نفس الرجل ".

(11) وقالوا: إنما أجزنا ذلك لأن هذه الحروف كانت في الأصل توكيدا ، فلما صرن مدوحا ، تركن مدوحا على أصولهن في المعرفة.

وزعموا أن قوله: (يتلونه حق تلاوته) ، إنما جازت إضافته إلى التلاوة ، وهي مضافة إلى معرفة، لأن العرب تعتد ب " الهاء " -إذا عادت إلى نكرة - بالنكرة ، فيقولون: " مررت برجل واحد أمه ، ونسيج وحده ، وسيد قومه "، قالوا: فكذلك قوله: (حق تلاوته) ، إنما جازت إضافة " حق " إلى " التلاوة " وهي مضافة إلى " الهاء " ، لاعتداد العرب ب " الهاء " التي في نظائرها في عداد النكرات.

قالوا: ولو كان ذلك " حق التلاوة "، لوجب أن يكون جائزا: " مررت بالرجل حق الرجل ".

فعلى هذا القول تأويل الكلام: الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوة.

* * * وقال بعض نحويي البصرة: جائزة إضافة " حق " إلى النكرات مع النكرات ، ومع المعارف إلى المعارف، وإنما ذلك نظير قول القائل: " مررت بالرجل غلام الرجل " ، و " برجل غلام رجل ".

فتأويل الآية على قول هؤلاء: الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته (12) * * * وأولى ذلك بالصواب عندنا القول الأول، لأن معنى قوله: (حق تلاوته) ، أي تلاوة ، بمعنى مدح التلاوة التي تلوها وتفضيلها." وأي" غير جائزة إضافتها إلى واحد معرفة عند جميعهم.

وكذلك " حق " غير جائزة إضافتها إلى واحد معرفة .

وإنما أضيف في (حق تلاوته ) إلى ما فيه " الهاء " لما وصفت من العلة التي تقدم بيانها.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (أولئك)، هؤلاء الذين أخبر عنهم أنهم يتلون ما آتاهم من الكتاب حق تلاوته ، وأما قوله: (يؤمنون) ، فإنه يعني: يصدقون به.

و " الهاء " التي في قوله : " به " عائدة على " الهاء " التي في تِلاوَتِهِ ، وهما جميعا من ذكر الكتاب الذي قاله الله: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ .

فأخبر الله جل ثناؤه أن المؤمن بالتوراة ، هو المتبع ما فيها من حلالها وحرامها ، والعامل بما فيها من فرائض الله التي فرضها فيها على أهلها ، وأن أهلها الذين هم أهلها من كان ذلك صفته، دون من كان محرفا لها مبدلا تأويلها ، مغيرا سننها تاركا ما فرض الله فيها عليه.

* * * وإنما وصف جل ثناؤه من وُصف بما وصف به من متبعي التوراة ، وأثنى عليهم بما أثنى به عليهم، لأن في اتباعها اتباع محمد نبي الله صلى الله عليه وسلم وتصديقه ، لأن التوراة تأمر أهلها بذلك ، وتخبرهم عن الله تعالى ذكره بنبوته ، وفرض طاعته على جميع خلق الله من بني آدم ، وأن في التكذيب بمحمد التكذيب لها.

فأخبر جل ثناؤه أن متبعي التوراة هم المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهم العاملون بما فيها، كما:- 1905- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (أولئك يؤمنون به) ، قال: من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل ، وبالتوراة ، وإن الكافر بمحمد صلى الله عليه وسلم هو الكافر بها الخاسر ، كما قال جل ثناؤه: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ .

(13) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ومن يكفر به) ، ومن يكفر بالكتاب الذي أخبر أنه يتلوه - من آتاه من المؤمنين - حق تلاوته.

ويعني بقوله جل ثناؤه: (يكفر) ، يجحد ما فيه من فرائض الله ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وتصديقه ، ويبدله فيحرف تأويله ، أولئك هم الذين خسروا علمهم وعملهم ، فبخسوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله ، واستبدلوا بها سخط الله وغضبه.

وقال ابن زيد في قوله، بما:- 1906- حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون) ، قال: من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم من يهود ، (فأولئك هم الخاسرون).

------------------- الهوامش : (2) رحم الله أبا جعفر ، فهو لا يدع الاحتجاج الصحيح عند كل آية ، ولكن بعض أهل التفسير يتجاوزون ويتساهلون ، فليتهم نهجوا نهجه في الضبط والحفظ والاستدلال .

(3) ما بين القوسين زيادة لا بد منها .

(4) الأثر : 1883 - في المطبوعة : "الحسن بن عمرو العبقري" ، وانظر التعليق على الأثر رقم : 1625 وكذلك مضى في الأثر : 1655"الحسن" ، وهو خطأ ، نصححه .

(5) الأثر : 1892 - في المطبوعة : "أبو حميد" ، والصواب ما اثبت ، وهو محمد بن حميد ، وهو كثير ذكره فيما سلف .

(6) الخبر: 1899 - أبو قتيبة: هو سلم بن قتيبة الشعيري - بفتح الشين المعجمة - الخراساني، وهو ثقة مأمون، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.

مترجم في التهذيب، والكبير 2/2/160، وابن أبي حاتم 2/1/1226.

الحسن بن أبي جعفر الجفري : حسن الحديث ، تكلموا فيه ، ورجحنا تحسين أحاديثه مفصلا في شرح المسند : 5818 .

مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/286 وابن أبي حاتم 1/2/29 .

و"الجفري" : بضم الجيم وسكون الفاء ، نسبة إلى"جفرة خالد" بالبصرة .

كما في الأنساب واللباب والمشتبه .

أيوب : هو السختياني ، وفي المطبوعة"عن أبي أيوب" .

وهو خطأ .

استقينا تصويبه من التراجم .

أبو الخليل : هو صالح بن أبي مريم الضبعي ، وهو ثقة .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/290 وابن أبي حاتم 2/1/415 - 416 .

(7) الخبر : 1901 - مبارك : هو ابن فضالة .

وهو من أخص الناس بالحسن البصري .

كما قلنا في : 611 .

(8) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 411 .

(9) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 411 .

(10) انظر سيبويه 1 : 223 - 224 .

(11) في المطبوعة"غير الرجل" .

(12) الصواب أن يقول : "حق تلاوة الكتاب" ، ولعل الناسخ أخطأ .

(13) انظر ما سلف في معنى"الخاسر" 1 : 417 ثم هذا الجزء 2 : 166 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرونقوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب قال قتادة : هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، والكتاب على هذا التأويل القرآن .

وقال ابن زيد : هم من أسلم من بني إسرائيل .

والكتاب على هذا التأويل : التوراة ، والآية تعم .

والذين رفع بالابتداء ، آتيناهم صلته ، يتلونه خبر الابتداء ، وإن شئت كان الخبر أولئك يؤمنون به .[ ص: 92 ] واختلف في معنى يتلونه حق تلاوته فقيل : يتبعونه حق اتباعه ، باتباع الأمر والنهي ، فيحللون حلاله ، ويحرمون حرامه ، ويعملون بما تضمنه ، قاله عكرمة .

قال عكرمة : أما سمعت قول الله تعالى : والقمر إذا تلاها أي أتبعها ، وهو معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما .

وقال الشاعر :قد جعلت دلوي تستتلينيوروى نصر بن عيسى عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : يتلونه حق تلاوته قال : ( يتبعونه حق اتباعه ) .

في إسناده غير واحد من المجهولين فيما ذكر الخطيب أبو بكر أحمد إلا أن معناه صحيح .

وقال أبو موسى الأشعري : من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة .

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله ، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها .

وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا مر بآية رحمة سأل ، وإذا مر بآية عذاب تعوذ .

وقال الحسن : هم الذين يعملون بمحكمه ، ويؤمنون بمتشابهه ، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه .

وقيل : يقرءونه حق قراءته .قلت : وهذا فيه بعد ، إلا أن يكون المعنى يرتلون ألفاظه ، ويفهمون معانيه ، فإن بفهم المعاني يكون الاتباع لمن وفق .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أن الذين آتاهم الكتاب, ومنَّ عليهم به منة مطلقة, أنهم { يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ } أي: يتبعونه حق اتباعه, والتلاوة: الاتباع، فيحلون حلاله, ويحرمون حرامه, ويعملون بمحكمه, ويؤمنون بمتشابهه، وهؤلاء هم السعداء من أهل الكتاب, الذين عرفوا نعمة الله وشكروها, وآمنوا بكل الرسل, ولم يفرقوا بين أحد منهم.

فهؤلاء, هم المؤمنون حقا, لا من قال منهم: { نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه } ولهذا توعدهم بقوله { وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } وقد تقدم تفسير الآية التي بعدها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{الذين آتيناهم الكتاب} قال ابن عباس رضي الله عنهما: "نزلت في أهل السفينة الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وكانوا أربعين رجلاً اثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من رهبان الشام منهم بحيرا"، وقال الضحاك: "هم من آمن من اليهود عبد الله بن سلام وسعية بن عمرو وتمام بن يهودا وأسد وأسيد ابنا كعب وابن يامين وعبد الله بن صوريا"، وقال قتادة وعكرمة: "هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم"، وقيل: هم المؤمنون عامة.

{يتلونه حق تلاوته} قال الكلبي: "يصفونه في كتبهم حق صفته لمن سألهم من الناس".

والهاء راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الآخرون: هي عائدة إلى الكتاب.

واختلفوا في معناه؛ فقال ابن مسعود رضي الله عنه: "يقرؤونه كما أنزل ولا يحرفونه، ويحلون حلاله ويحرمون حرامه"، وقال الحسن: "يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون علم ما أشكل عليهم إلى عالمه"، وقال مجاهد: "يتبعونه حق اتباعه".

قوله: {أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون}.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين آتيناهم الكتاب» مبتدأً «يتلونه حق تلاوته» أي يقرؤونه كما أنزل والجملة حال وحق نصب على المصدر والخبر «أولئك يؤمنون به» نزلت في جماعة قدموا من الحبشة وأسلموا «ومن يكفر به» أي بالكتاب المؤتى بأن يحرفه «فأولئك هم الخاسرون» لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الذين أعطيناهم الكتاب من اليهود والنصارى، يقرؤونه القراءة الصحيحة، ويتبعونه حق الاتباع، ويؤمنون بما جاء فيه من الإيمان برسل الله، ومنهم خاتمهم نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يحرفون ولا يبدِّلون ما جاء فيه.

هؤلاء هم الذين يؤمنون بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزل عليه، وأما الذين بدَّلوا بعض الكتاب وكتموا بعضه، فهؤلاء كفار بنبي الله محمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزل عليه، ومن يكفر به فأولئك هم أشد الناس خسرانًا عند الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حذر القرآن من اتباع أهل الكتاب فقال .

( وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ الذي جَآءَكَ مِنَ العلم مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ) .اللام في قوله : ( وَلَئِنِ ) تشعر بأن في الجملة قسماً مقدراً روعى في صدرها ليفيد تأكيد ما تضمنته من أن متبع أهواء أهل الكتاب لا يجد من الله ولياً ولا نصيراً .والأهواء : جمع هوى ، والمراد بها آراؤهم المنحرفة عن الحق الصادرة من شهوات في أنفسهم .

والعلم : الدين : وسمى علماً لأنه يعلم بالأدلة القاطعة .والولي : القريب والحليف .

والنضير : كل من يعين غيره على من يناوئه ويبسط إليه يده بسوء .والمعنى : ولئن اتبعت - يا محمد - آراءهم الزائفة ، بعد الذي جاءك من العلم بأن دين الله هو الإِسلام ، أو من الدين المعلوم صحته بالبراهين الواضحة ، مالك من الله من ولى يلي أمرك ولا نصير يدفع عنك عقابه .وإنما أوثر خطابه صلى الله عليه وسلم بذلك ليدخل دخولاً أولياً من اتبع أهواءهم بعد الإِسلام من المنافقين تمسكاً بولايتهم ، وطمعاً في نصرتهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

المسألة الأولى: ﴿ الذين ﴾ موضعه رفع بالابتداء.

و ﴿ أولئك ﴾ ابتداء ثان و ﴿ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ خبره.

المسألة الثانية: المراد بقوله: ﴿ الذين ءاتيناهم الكتاب ﴾ من هم فيه قولان: القول الأول: أنهم المؤمنون الذين آتاهم الله القرآن واحتجوا عليه من وجوه: أحدها: أن قوله: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾ حث وترغيب في تلاوة هذا الكتاب، ومدح على تلك التلاوة، والكتاب الذي هذا شأنه هو القرآن لا التوراة والإنجيل، فإن قراءتهما غير جائزة.

وثانيها: أن قوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يدل على أن الإيمان مقصود عليهم، ولو كان المراد أهل الكتاب لما كان كذلك.

وثالثها: قوله: ﴿ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ﴾ والكتاب الذي يليق به هذا الوصف هو القرآن.

القول الثاني: أن المراد بالذين آتاهم الكتاب، هم الذين آمنوا بالرسول من اليهود، والدليل عليه أن الذين تقدم ذكرهم هم أهل الكتاب فلما ذم طريقتهم وحكى عنهم سوء أفعالهم، أتبع ذلك بمدح من ترك طريقتهم، بل تأمل التوراة وترك تحريفها وعرف منها صحة نبوة محمد عليه السلام.

أما قوله تعالى: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾ فالتلاوة لها معنيان.

أحدهما: القراءة.

الثاني: الإتباع فعلاً، لأن من اتبع غيره يقال تلاه فعلاً، قال الله تعالى: ﴿ والقمر إِذَا تلاها  ﴾ فالظاهر أنه يقع عليهما جميعاً، ويصح فيهما جميعاً المبالغة لأن التابع لغيره قد يستوفي حق الاتباع فلا يخل بشيء منه، وكذلك التالي يستوفي حق قراءته فلا يخل بما يلزم فيه، والذين تأولوه على القراءة هم الذين اختلفوا على وجوه.

فأولها: أنهم تدبروه فعملوا بموجبه حتى تمسكوا بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما.

وثانيها: أنهم خضعوا عند تلاوته، وخشعوا إذا قرأوا القرآن في صلاتهم وخلواتهم.

وثالثها: أنهم عملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه، وتوقفوا فيما أشكل عليهم منه وفوضوه إلى الله سبحانه.

ورابعها: يقرؤنه كما أنزل الله، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يتأولونه على غير الحق.

وخامسها: أن تحمل الآية على كل هذه الوجوه لأنها مشتركة في مفهوم واحد، وهو تعظيمها، والانقياد لها لفظاً ومعنى، فوجب حمل اللفظ على هذا القدر المشترك تكثيراً لفوائد كلام الله تعالى والله أعلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الذين ءاتيناهم الكتاب ﴾ هم مؤمنون أهل الكتاب ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾ لا يحرّفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ ﴾ بكتابهم دون المحرفين ﴿ وَمن يَكْفُرْ بِهِ ﴾ من المحرفين ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ﴾ حيث اشتروا الضلالة بالهدى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ﴾ بِمُراعاةِ اللَّفْظِ عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّدَبُّرِ في مَعْناهُ والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ والخَبَرُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ ﴿ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ بِكِتابِهِمْ دُونَ المُحَرِّفِينَ.

﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ ﴾ بِالتَّحْرِيفِ والكُفْرِ بِما يُصَدِّقُهُ ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ حَيْثُ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذين} مبتدأ {آتيناهم الكتاب} صلته وهم مؤمنو أهل الكتاب وهو التوراة والإنجيل أو أصحاب النبي عليه السلام والكتاب القرآن {يَتْلُونَهُ} حال مقدرة من هم لأنهم لم يكونوا تالين له وقت إيتائه ونصب على المصدر {حق تلاوته} أى يقرءونه حق قراءته في الترتيل وأداء الحروف والتدبر والتفكر أو يعملون به ويؤمنون بما فى مضمونه ولا يغيرون ما فيه من نعت النبي صلى الله عليه وسلم {أولئك} مبتدأ خبره {يُؤْمِنُونَ بِهِ} والجملة خبر الذين ويجوز أن يكون يتلونه خبراً والجملة خبر آخر {وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون} حيث اشتروا الضلالة بالهدى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ اعْتِراضٌ لِبَيانِ حالِ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ بَعْدَ ذِكْرِ أحْوالِ كَفَرَتِهِمْ، ولَمْ يُعْطَفْ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ التَّبايُنِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، والآيَةُ نازِلَةٌ فِيهِمْ، وهُمُ المَقْصُودُونَ مِنها سَواءٌ أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ الجِنْسُ أوِ العَهْدُ، عَلى ما قِيلَ إنَّهُمُ الأرْبَعُونَ الَّذِينَ قَدِمُوا مِنَ الحَبَشَةِ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ اثْنانِ وثَلاثُونَ مِنهم مِنَ اليَمَنِ وثَمانِيَةٌ مِن عُلَماءِ الشّامِ، ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ﴾ أيْ يَقْرَؤُونَهُ حَقَّ قِراءَتِهِ، وهي قِراءَةٌ تَأْخُذُ بِمَجامِعِ القَلْبِ فَيُراعى فِيها ضَبْطُ اللَّفْظِ، والتَّأمُّلُ في المَعْنى، وحَقُّ الأمْرِ والنَّهْيِ، والجُمْلَةُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مُقَدَّرًا تِلاوَتُهُمْ، لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا تالِينَ، وقْتَ الإيتاءِ، وهَذِهِ الحالُ مُخَصَّصَةٌ لِأنَّ لَيْسَ كُلُّ مَن أُوتِيَهُ يَتْلُوهُ، (وحَقَّ) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِإضافَتِهِ إلى المَصْدَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وأنْ يَكُونَ حالًا أيْ مُحِقِّينَ، والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (يَتْلُونَهُ) خَبَرًا لا حالًا، (أُولَئِكَ) إلَخْ، خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وعَلى أوَّلِ الِاحْتِمالَيْنِ يَكُونُ المَوْصُولُ لِلْجِنْسِ، وعَلى ثانِيهِما يَكُونُ لِلْعَهْدِ، أيْ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِلْحَصْرِ، والتَّعْرِيضِ، والضَّمِيرُ لِلْكِتابِ، أيْ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ دُونَ المُحَرِّفِينَ، فَإنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِهِ، ومِن هُنا يَظْهَرُ فائِدَةُ الإخْبارِ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: مَحَطُّ الفائِدَةِ ما يَلْزَمُ الإيمانُ بِهِ مِنَ الرِّبْحِ بِقَرِينَةِ ما يَأْتِي، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ المَوْصُولَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، فالمُرادُ مِنَ الكِتابِ حِينَئِذٍ القُرْآنُ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ كَيْسانَ، فالمُرادُ مِنَ الكِتابِ حِينَئِذٍ الجِنْسُ لِيَشْمَلَ الكُتُبَ المُتَفَرِّقَةَ، ومِنهم مَن قالَ بِما قُلْنا، إلّا أنَّهُ جَوَّزَ عَوْدَ الضَّمِيرِ بِهِ إلى الهُدى، أوْ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ إلى اللَّهِ تَعالى، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ في الكَلامِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، أوْ مِنَ التَّكَلُّمِ إلَيْها، ولا يَخْفى ما في بَعْضِ هَذِهِ الوُجُوهِ مِنَ البُعْدِ البَعِيدِ.

﴿ ومَن يَكْفُرْ بِهِ ﴾ أيِ الكِتابِ بِسَبَبِ التَّحْرِيفِ، والكُفْرِ بِما يُصَدِّقُهُ، واحْتِمالاتُ نَظِيرِ هَذا الضَّمِيرِ مَقُولَةٌ فِيهِ أيْضًا.

﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ مِن جِهَةِ أنَّهُمُ اشْتَرُوا الكُفْرَ بِالإيمانِ، وقِيلَ: بِتِجارَتِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَها بِأخْذِ الرِّشا عَلى التَّحْرِيفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ، يعني مؤمني أهل الكتاب يصفونه في كتبهم حق صفته لمن سألهم.

قال مجاهد: يتبعونه حق اتباعه.

وقال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود قال: والله إن حق تلاوته أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأ حق قراءته كما أنزل الله تعالى، ولا يحرَّف عن مواضعه.

ويقال: يقرءونه حق قراءته.

أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، أي بمحمد  ويصدقونه.

وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ، أي بمحمد  ويقال: بالقرآن، فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ، وهو كعب بن الأشرف وأصحابه.

ويقال: نزلت هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب، وهم اثنان وثلاثون رجلاً قدموا مع جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، وكانوا يتبعون القرآن حق اتباعه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عنهمْ خَوْفُ العدوِّ المضعف لليقين، وأما قوله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ...

[الحاقة: ٤٤] الآية، وقوله: إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ [الإسراء: ٧٥] ، فمعناه: أنّ هذا جزاء من فعل هذا، وجزاؤك لو كنت ممن يفعله، وهو صلّى الله عليه وسلم لا يفعله، وكذلك قوله تعالَى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ [الأنعام: ١١٦] فالمراد غيره، كما قال:

إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا ...

الآية [آل عمران: ١٤٩] وقوله: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ [الشورى: ٢٤] ، ولَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] وما أشبهه، فالمراد غيره، وأن هذا حال مَنْ أشرك، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلم لا يَجُوزُ عليه هذا، وقوله تعالَى: اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ [الأحزاب: ١] ، فليس فيه أنه أطاعهم، واللَّه يَنْهَاهُ عما يشاء، ويأمره بما يشاء كما قال تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ...

[الأنعام: ٥٢] الآية، وما كان طَرَدَهُمْ- عليه السلام- ولا كَانَ من الظالمين.

انتهى من «الشِّفَا» «١» .

ص «٢» : وَلَئِنِ: هذه اللام هي الموطّئة والمؤذنة، وهي مشعرة بقسم مقدّر قبلها.

انتهى.

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)

وقوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ ...

الآية: قال قتادة: المراد ب «الَّذِينَ» في هذا الموضع: من أسلم من أمّة النبيّ صلّى الله عليه وسلم، والكتابُ على هذا: التأويل القرآن «٣» ، وقال ابنُ زَيْد: المراد مَنْ أسلم من بني إِسرائيل «٤» ، والكتاب على هذا التأويل: التوراة، وآتَيْناهُمُ: معناه: أعطيناهم، ويَتْلُونَهُ: معناه: يتبعونه حقَّ اتباعه بامتثال الأمر والنهي، قال أحمد بن نَصْر الدَّاوُودِيُّ: وهذا قول ابن عباس، قال عِكْرِمَةُ: يقال: فلانٌ يتلو فلاناً، أي: يتبعه ومنه: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها [الشمس: ٢] أي: تبعها.

انتهى.

وللَّه دَرُّ مَنِ اتبع كلامَ ربِّهِ، واقتفى سُنَّة نبيِّه، وإِن قلَّ عِلْمُهُ، قال القُضَاعِيُّ في اختصاره لِ «المدارك» : قال في ترجمة سُحْنُون «١» : كان سُحْنُون يقول: مَثَلُ العلْمِ القليلِ في الرجُلِ الصالحِ مَثَلُ العَيْنِ العَذْبَةِ في الأرض العَذْبة، يزرع علَيْها صاحبُها ما ينتفعُ به، ومَثَلُ العلْمِ الكثيرِ في الرجُلِ الطالحِ مَثَلُ العَيْن الخَرَّارة في السَّبِخَةِ تهرُّ الليلَ والنَّهارَ، ولا ينتفعُ بها.

انتهى.

وقيل: يَتْلُونَهُ: يقرءونه حقَّ قراءته، وهذا أيضاً يتضمَّن الاِتّباع والامتثال، وحَقَّ «٢» : مصدرٌ، وهو بمعنَى أفْعل، والضمير في «بِهِ» عائدٌ على «الكتاب» ، وقيل:

يعود على محمَّد صلّى الله عليه وسلم لأن مُتَّبِعِي التوراةِ يجدُونه فيها، فيؤمنون به، والضميرُ في يَكْفُرْ بِهِ يحتمل من العود ما ذكر في الأول.

وقوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ ...

الآية: تقدّم بيان نظيرها، ومعنى: لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ: أنه ليستْ ثَمَّ، وليس المعنى أنه يشفع فيهم أحَدَّ، فيردّ، وأما الشفاعةُ التي هي في تعجيلِ الحسَابِ، فليستْ بنافعة لهؤلاءِ الكَفَرة.

ت: ولم ينبِّه- رحمه اللَّه- على هذا في التي تقدَّمت أولَ السورة، وابْتَلى معناه: اختبر، وفي «مختَصَرِ الطَّبريِّ» : ابْتَلى، أي: اختبر، والاختبارُ من اللَّه عزَّ وجلَّ لعباده على علْمٍ منه سبحانه بباطِنِ أمرهم وظاهره، وإنما يبتليهم ليظهر منهم سابق علمه

فيهم، وقد روي ذلك عن عليٍّ- رضي اللَّه عنه- في قوله عز وجَلَّ: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [محمد: ٣١] فقال رضي اللَّه عنه: إِن اللَّه عزَّ وجلَّ لم يزلْ عالماً بأخبارِهِمْ وخُبْرِهِمْ وما هُمْ عليه، وإن قوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ، أي: حتى نسوقَكُم إِلى سابقِ علْمِي فيكم.

انتهى، وهو كلام حسنٌ.

وقد نبه ع: على هذا المعنى فيما يأتي، والعقيدةُ أنَّ علمه سبحانه قديمٌ، عَلِمَ كلَّ شيء قبْلَ كونه، فجرى على قَدَرِهِ لا يكون من عباده قولٌ ولا عملٌ إلا وقد قضاه، وسبق علمه به سبحانه لا إله إلا هو.

وإِبْراهِيمَ: يقال: إِنَّ تفسيره بالعربيَّةِ أَبٌ رَحِيمٌ، واختلف أهل التأويل في «الكلمات» ، فقال ابن عَبَّاس: هي ثلاثُونَ سَهْماً هي الإسلام كلُّه، لم يتمَّه أحدٌ كاملاً إلا إبراهيمُ- عليه السلام- منْها في «براءة» : التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ ...

الآية [التوبة: ١١٢] ، وعشرة في «الأحزاب» : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ...

الآية [الأحزاب: ٣٥] ، وعَشَرة في سَأَلَ سائِلٌ «١» [المعارج: ١] .

ت: وقيل غير هذا.

وفي «البخاريِّ» : أنه اختتن، وهو ابن ثمانينَ سنَةً بالقَدُومِ «٢» ، قال الراوي: فأوحى اللَّه إليه إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً والإِمام القُدْوة.

وإِنما سمِّيت هذه الخصالُ كلماتٍ لأنها/ اقترنتْ بها أوامر هي كلمات، وروي أن ٣٥ أ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ .

اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في المُؤْمِنِينَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ  ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

وفي الكِتابِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّوْراةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ في هاءِ "بِهِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الكِتابِ.

والثّانِي: عَلى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ  وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ ﴾ والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ.

وفي إبْراهِيمَ سِتُّ لُغاتٍ.

أحَدُها: إبْراهِيمُ، وهي اللُّغَةُ الفاشِيَّةُ.

والثّانِيَةُ: إبْراهم.

والثّالِثَةُ: إبْراهَمْ والرّابِعَةُ: إبْراهِمْ، ذَكَرَهُنَّ الفَرّاءُ.

والخامِسَةُ: إبْراهامُ.

والسّادِسَةُ: إبَرَهَمُ.

قالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: عُذْتُ بِما عاذَ بِهِ إبَرَهَمُ مُسْتَقْبِلُ الكَعْبَةِ وهْوَ قائِمٌ وَقالَ أيْضًا: نَحْنُ آَلُ اللَّهِ في كَعْبَتِهِ ∗∗∗ لَمْ يَزَلْ ذاكَ عَلى عَهْدِ إبَرِهِيمَ وَفِي الكَلِماتِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها خَمْسٌ في الرَّأْسِ، وخَمْسٌ في الجَسَدِ.

أمّا الَّتِي في الرَّأْسِ؛ فالفَرْقُ، والمَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ، وقَصُّ الشّارِبِ، والسِّواكُ.

وفي الجَسَدِ: تَقْلِيمُ الأظافِرِ، وحَلْقُ العانَةِ، ونَتْفُ الإبِطِ، والِاسْتِطابَةُ بِالماءِ، والخِتانُ، رَواهُ طاوُسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها عَشْرٌ، سِتٌّ في الإنْسانِ، وأرْبَعٌ في المَشاعِرِ.

فالَّتِي في الإنْسانِ: حَلْقُ العانَةِ، ونَتْفُ الإبِطِ، وتَقْلِيمُ الأظافِرِ، وقَصُّ الشّارِبِ، والسِّواكُ، والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ، والغَسْلُ يَوْمَ الجُمْعَةِ.

والَّتِي في المَشاعِرِ: الطَّوافُ بِالبَيْتِ، والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ، ورَمْيُ الجِمارِ، والإفاضَةُ.

رَواهُ حَنَشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها المَناسِكُ، رَواهُ قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ ابْتَلاهُ بِالكَوْكَبِ، والشَّمْسِ، والقَمَرِ، والهِجْرَةِ، والنّارِ، وذَبْحِ ولَدِهِ، والخِتانِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والخامِسُ: أنَّها كُلُّ مَسْألَةٍ في القُرْآَنِ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا  ﴾ .

ونَحْوَ ذَلِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ فَمَن قالَ: هي أفْعالٌ فَعَلَها؛ قالَ: مَعْنى فَأتَمَّهُنَّ: عَمِلَ بِهِنَّ.

ومَن قالَ: هي دَعَواتٌ ومَسائِلٌ؛ قالَ: مَعْنى فَأتَمَّهُنَّ: أجابَهُ اللَّهُ إلَيْهِنَّ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قَرَأ: (إبْراهِيمُ) بِرَفْعِ المِيمِ (رَبَّهُ) بِنَصْبِ الباءِ، عَلى مَعْنى: اخْتَبَرَ رَبَّهُ هَلْ يَسْتَجِيبُ دُعاءَهُ، ويَتَّخِذُهُ خَلِيلًا أمْ لا؟

.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ في الذُّرِّيَّةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها فِعْلِيَّةٌ مِنَ الذَّرِّ، لِأنَّ اللَّهَ أخْرَجَ الخَلْقَ مِن صُلْبِ آَدَمَ كالذَّرِّ.

والثّانِي: أنَّ أصْلَها ذَرُّورَةٌ، عَلى وزْنِ: فَعْلُولَةٌ، ولَكِنْ لَمّا كَثُرَ التَّضْعِيفُ أُبْدِلَ مِنَ الرّاءِ الأخِيرَةِ ياءٌ، فَصارَتْ: ذُرْوِيَّةً، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ، فَصارَتْ: ذُرِّيَّةً، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ، وصَوَّبَ الأوَّلَ.

وَفِي العَهْدِ هاهُنا سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الإمامَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الطّاعَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: الرَّحْمَةُ، قالَهُ عَطاءٌ وعِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: الدِّينُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والخامِسُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

والسّادِسُ: الأمانُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والسّابِعُ: المِيثاقُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والأوَّلُ أصَحُّ.

وَفِي المُرادِ بِالظّالِمِينَ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: العُصاةُ، قالَهُ عَطاءٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْألُ عن أصْحابِ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ وَلَنْ تَرْضى عنكَ اليَهُودُ ولا النَصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنَ ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ المَعْنى: "بَشِيرًا" لِمَن آمَنَ، و"نَذِيرًا" لِمَن كَفَرَ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ "وَلا تَسْألْ" بِالجَزْمِ عَلى النَهْيِ، وفي ذَلِكَ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما لا تَسْألُ عَلى جِهَةِ التَعْظِيمِ لِحالِهِمْ مِنَ العَذابِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا تَسْألُ عنهُ، تَعْنِي أنَّهُ في نِهايَةٍ تُشْهِرُهُ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ.

والمَعْنى الثانِي رُوِيَ فِيهِ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: «لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ؟" فَنَزَلَتْ: "وَلا تُسْألُ"»، وحَكى المَهْدَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: «لَيْتَ شِعْرِي أيُّ أبَوَيَّ أحْدَثَ مَوْتًا؟" فَنَزَلَتْ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خَطَأٌ مِمَّنْ رَواهُ أو ظَنَّهُ، لِأنَّ أباهُ ماتَ وهو فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وقِيلَ: وهو ابْنُ شَهْرٍ، وقِيلَ: ابْنُ شَهْرَيْنِ، وماتَتْ أُمُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَمْسِ سِنِينَ مُنْصَرِفَةً بِهِ مِنَ المَدِينَةِ مِن زِيارَةِ أخْوالِهِ، فَهَذا مِمّا لا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ  .

وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ "وَلا تَسْألُ" بِضَمِّ التاءِ واللامِ، وقَرَأ قَوْمٌ "وَلا تَسْألُ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ اللامِ، ويَتَّجِهُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما الخَبَرُ، أنَّهُ لا يَسْألُ عنهُمْ، أو لا يَسْألُ هو عنهُمْ، والآخَرُ أنْ يُرادَ مَعْنى الحالِ كَأنَّهُ قالَ: وغَيْرُ مَسْؤُولٍ أو غَيْرُ سائِلٍ عنهُمْ، عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ بَشِيرًا ونَذِيرًا ﴾ .

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَما تَسْألُ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "وَلَنْ تَسْألَ" وهاتانِ القِراءَتانِ تُؤَيِّدانِ مَعْنى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ في غَيْرِهِما.

والجَحِيمُ إحْدى طَبَقاتِ النارِ.

ويُقالُ: رَضِيَ يَرْضى رِضى ورِضا ورِضْوانًا، وحُكِيَ رِضاءً مَمْدُودًا، وقالَ: "مِلَّتَهُمْ" وهُما مِلَّتانِ مُخْتَلِفَتانِ بِمَعْنى لَنْ تَرْضى اليَهُودُ حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ، ولَنْ تَرْضى النَصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم فَجَمَعَهم إيجازًا لِأنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ.

والمِلَّةُ: الطَرِيقَةُ، وقَدِ اخْتَصَّتِ اللَفْظَةُ بِالشَرائِعِ والدِينِ، وطَرِيقٌ مُمِلٌّ أيْ قَدْ أثَّرَ المَشْيُ فِيهِ.

ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ والنَصارى طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللهِ  الهُدْنَةَ، ووَعَدُوهُ أنْ يَتَّبِعُوهُ بَعْدَ مُدَّةٍ خِداعًا مِنهُمْ، فَأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّ إعْطاءَ الهُدْنَةِ لا يَنْفَعُ عِنْدَهُمْ، وأطْلَعُهُ عَلى سِرِّ خِداعِهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى ﴾ أيْ ما أنْتَ عَلَيْهِ يا مُحَمَّدُ مِن هُدى اللهُ الَّذِي يَضَعُهُ في قَلْبِ مَن يَشاءُ هو الهُدى الحَقِيقِيُّ لا ما يَدَّعِيهِ هَؤُلاءِ، ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ ﴾ الآيَةُ، فَهَذا شَرْطٌ خُوطِبَ بِهِ النَبِيُّ  ، وأُمَّتُهُ مَعَهُ داخِلَةٌ فِيهِ.

و"أهْواءُ": جَمْعُ هَوًى، ولَمّا كانَتْ مُخْتَلِفَةً جُمِعَتْ، ولَوْ حُمِلَ عَلى إفْرادِ المِلَّةِ لَقِيلَ: هَواهُمْ، والوَلِيُّ الَّذِي يَتَوَلّى الإصْلاحَ والحِياطَةَ والنَصْرَ والمَعُونَةَ، و"نَصِيرٌ" بِناءُ مُبالِغَةٍ في اسْمِ الفاعِلِ مِن نَصَرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ الآيَةُ، "الَّذِينَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و ﴿ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ صِلَتُهُ، وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِـ "الَّذِينَ" في هَذا المَوْضِعِ مَن أسْلَمَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  .

و"الكِتابَ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ التَوْراةُ، و"آتَيْناهُمُ": مَعْناهُ أعْطَيْناهُمْ، وقالَ قَوْمٌ: هَذا مَخْصُوصٌ في الأرْبَعِينَ الَّذِينَ ورَدُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في السَفِينَةِ فَأثْنى اللهُ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "الَّذِينَ" العُمُومُ في مُؤْمِنِي بَنِي إسْرائِيلَ والمُؤْمِنِينَ مِنَ العَرَبِ، ويَكُونُ "الكِتابُ" اسْمَ الجِنْسِ، و"يَتْلُونَهُ" مَعْناهُ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّباعِهِ بِامْتِثالِ الأمْرِ والنَهْيِ، وقِيلَ: "يَتْلُونَهُ": يَقْرَؤُونَهُ حَقَّ قِراءَتِهِ، وهَذا أيْضًا يَتَضَمَّنُ الِاتِّباعَ والِامْتِثالَ، و"يَتْلُونَهُ" -إذا أُرِيدَ بِـ "الَّذِينَ" الخُصُوصُ فِيمَنِ اهْتَدى- يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "يَتْلُونَهُ" في مَوْضِعِ الحالِ، والخَبَرُ "أُولَئِكَ".

وإذا أُرِيدَ بِـ "الَّذِينَ" العُمُومُ لَمْ يَكُنِ الخَبَرُ إلّا "أُولَئِكَ"، و"يَتْلُونَهُ" حالٌ لا يُسْتَغْنى عنها، وفِيها الفائِدَةُ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الخَبَرُ في "يَتْلُونَهُ" لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ مُؤْمِنٍ يَتْلُو الكِتابَ ﴿ حَقَّ تِلاوَتِهِ ﴾ .

و"حَقَّ" مَصْدَرٌ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ وهو بِمَعْنى أفْعَلَ، ولا يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى واحِدٍ مُعَرَّفٍ، وإنَّما جازَتْ هُنا لِأنْ تُعَرَّفَ التِلاوَةُ بِإضافَتِها إلى الضَمِيرِ لَيْسَ بِتَعَرُّفٍ مَحْضٍ، وإنَّما هو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ واحِدٌ أُمَّةٌ، ونَسِيجٌ وحْدَهُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى "الكِتابَ"، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى مُحَمَّدٍ  ، لِأنَّ مُتَّبِعِي التَوْراةِ يَجِدُونَهُ فِيها فَيُؤْمِنُونَ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الهُدى الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ أنَّهُ ذِكْرُ كَفّارِ اليَهُودِ والنَصارى في أوَّلِ الآيَةِ وحَذَّرَ رَسُولَهُ مِنَ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ، وأعْلَمَهُ ( بِأنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى ) الَّذِي أعْطاهُ وبَعَثَهُ بِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ أنَّ المُؤْمِنِينَ التالِينَ لِكِتابِ اللهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ بِذاكَ الهُدى المُقْتَدُونَ بِأنْوارِهِ، والضَمِيرُ في "يَكْفُرْ بِهِ" يُحْتَمَلُ مِنَ العَوْدِ ما ذُكِرَ في الأوَّلِ.

و ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ابْتِداءٌ وعِمادٌ وخَبَرٌ، أوِ ابْتِداءٌ وابْتِداءٌ وخَبَرٌ، والثانِي وخَبَرُهُ خَبَرُ الأوَّلِ.

والخُسْرانُ: نُقْصانُ الحَظِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ناشئ عن قوله: ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى ﴾ [البقرة: 120] مع قوله: ﴿ إن هدى الله هو الهدى ﴾ [البقرة: 120] لتضمنه أن اليهود والنصارى ليسوا يومئذ على شيء من الهدى؟

كأنَّ سائلاً سأل: كيف وهم متمسكون بشريعة؟

ومَن الذي هو على هدى ممن اتَّبع هاتين الشريعتين؟

فأجيب بأن الذين أوتوا الكتاب وَتَلْوه حقَّ تلاوته هم الذين يؤمنون به.

ويجوز أن يكون اعتراضاً في آخر الكلام لبيان حال المؤمنين الصادقين من أهل الكتاب لقصد إبطال اعتقادهم أنهم على التمسك بالإيمان بالكتاب، وهو ينظر إلى قوله تعالى: ﴿ وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه ﴾ [البقرة: 91] إلخ.

وهو صدر هاته المحاورات وما تخللها من الأمثال والعِبر والبيان.

فقوله: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ فذلكة لما تقدم وجواب قاطع لمعذرتهم المتقدمة، وهو من باب رَد العجز على الصدر.

ولأحد هذين الوجهين فُصلت الجملة ولم تعطف لأنها في معنى الجواب، ولأن المحكي بها مباين لما يقابله المتضمن له قوله: ﴿ قالوا نؤمن بما أنزل علينا ﴾ ولِما انتُقِلَ منه إليه وهو قوله: ﴿ وقالوا اتخذ الله ولداً ﴾ [البقرة: 116] وقوله: ﴿ وقال الذين لا يعلمون ﴾ [البقرة: 118].

وقوله: ﴿ يتلونه حق تلاوته ﴾ حال من الذين أوتوا الكتاب إذ هم الآن يتلونه حق تلاوته.

وانتصب و (الحق) هنا ضد الباطل أي تلاوة مستوفية قِوام نوْعها لا ينقصها شيء مما يعتبر في التلاوة وتلك هي التلاوة بفهم مقاصد الكلام المتلو فإن الكلام يراد منه إفهام السامع فإذا تلاه القارئ ولم يفهم جميع ما أراده قائلُه كانت تلاوته غامضة، فحق التلاوة هو العلم بما في المتلو.

وقولُه: أولئك يؤمنون به } جملة هي خبر المبتدأ وهو اسم الموصول، وجيء باسم الإشارة في تعريفهم دون الضمير وغيره للتنبيه على أن الأوصاف المتقدمة التي استحضروا بواسطتها حتى أشير إليهم باتصافهم بها هي الموجبة لجدارتهم بالحكم المسند لاسم الإشارة على حد ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5] فلا شك أن تلاوتهم الكتاب حق تلاوته تثبت لهم أوْحَدِيَّتهم بالإيمان بذلك الكتاب لأن إيمان غيرهم به كالعدم.

فالقصر ادعائي.

فضمير ﴿ به ﴾ راجع إلى (الكتاب) من قوله: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ .

وإذا كانوا هم المؤمنين به كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم لانطباق الصفات التي في كتبهم عليه ولأنهم مأخوذ عليهم العهد أن يؤمنوا بالرسول المقفى وأن يجتهدوا في التمييز بين الصادق من الأنبياء والكذبة حتى يستيقنوا انطباق الصفات على النبيء الموعود به فمن هنا قال بعض المفسرين إن ضمير ﴿ به ﴾ عائد إلى النبيء صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يتقدم له معاد.

ويجوز أن يعود الضمير من قوله: ﴿ يؤمنون به ﴾ إلى الهدي في قوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ [البقرة: 120] أي يؤمنون بالقرآن أنه منزل من الله فالضمير المجرور بالباء راجع للكتاب في قوله: ﴿ آتيناهم الكتاب ﴾ والمراد به التوراة والإنجيل واللام للجنس، أو التوراة فقط لأنها معظم الدينين والإنجيل تكملة فاللام للعهد.

ومن هؤلاء عبد الله بن سلام من اليهود وعدي بن حاتم وتميم الداري من النصارى.

والقول في قوله: ﴿ ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون ﴾ كالقول في ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ وهو تصريح بحكم مفهوم ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ وفيه اكتفاء عن التصريح بحكم المنطوق وهو أن المؤمنين به هم الرابحون ففي الآية إيجاز بديع لدلالتها على أن الذين أوتوا الكتاب يتلونه حق تلاوته هم المؤمنون دون غيرهم فهم كافرون فالمؤمنون به هم الفائزون والكافرون هم الخاسرون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ  ، والكِتابُ هو القُرْآنُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهم عُلَماءُ اليَهُودِ، والكِتابُ هو التَّوْراةُ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ.

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَقْرَؤُونَهُ حَقَّ قِراءَةٍ.

والثّانِي: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّباعِهِ، فَيُحَلِّلُونَ حَلالَهُ، ويُحَرِّمُونَ حَرامَهُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

﴿ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ يَعْنِي بِمُحَمَّدٍ  ، لِأنَّ مَن قَرَأ أحَدَ الكِتابَيْنِ، آمَنَ بِهِ، لِما فِيهِما مِن وُجُوبِ اتِّباعِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله: ﴿ الذين أتيناهم الكتاب ﴾ قال: هم اليهود والنصارى.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يتلونه حق تلاوته ﴾ قال: يحلون حلاله ويحرمون حرامه، ولا يحرفونه عن مواضعه.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والهروي في فضائله ن ابن عباس في قوله: ﴿ يتلونه حق تلاوته ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه، ثم قرأ ﴿ والقمر إذا تلاها ﴾ [ الشمس: 2] يقول: اتبعها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب في قوله: ﴿ يتلونه حق تلاوته ﴾ قال: إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار تعوّذ بالله من النار.

وأخرج الخطيب في كتاب الرواة عن مالك بسند فيه مجاهيل عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يتلونه حق تلاوته ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من طرق عن ابن مسعود قال: في قوله: ﴿ يتلونه حق تلاوته ﴾ قال: أنّ يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزل الله ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئاً غير تأويله.

وفي لفظ: يتبعونه حق اتباعه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ يتلونه حق تلاوته ﴾ قال: يتكلمونه كما أنزل الله ولا يكتمونه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ﴾ قال: منهم أصحاب محمد الذين آمنوا بآيات الله وصدقوا بها.

قال: وذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول: والله إن حق تلاوته أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرفه عن مواضعه.

قال: وحدثنا عن عمر بن الخطاب قال: لقد مضى بنو إسرائيل وما يعني بما تسمعون غيركم.

وأخرج وكيع وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ يتلونه حق تلاوته ﴾ قال: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ يتلونه حق تلاوته ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم ذكر أن من كان منهم غير متعنّت ولا حاسد ولا طالب رئاسة تلا التوراة كما أنزلت، فرأى فيها أن النبي  حق فآمن به.

فقال: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾ قال ابن عباس: نزلت في الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب (١)  (٢) ومعنى قوله: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾ قال ابنُ مسعود: يُحِلِّون حلالَه، ويُحَرِّمون حرامَه، ويقرؤونه كما أنزل، ولا يحُرِّفونه عن مواضعِه (٣) وقال الحسن: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهِه، ويَكِلُونَ علمَ ما أشكلَ عليهم إلى عالمه (٤) وقال مجاهد: يتبعونه حق اتباعه (٥) (٦) (٧) (٨)  ، و (الكتاب) على هذا: القرآن.

﴿ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ بمحمد أو بالكتاب.

(١) جعفر بن أبي طالب، ابن عم رسول الله  ، وأخو علي بن أبي طالب لأبويه وهو الملقب بالطيار، وكان أشبه الناس بالنبي  خلقًا وخُلُقًا، هاجر الهجرتين، وعينه النبي صلى الله عليه خلفًا لزيد بن حارثة في مؤته واستشهد فيها سنة 8هـ.

ينظر: "الاستيعاب" 1/ 312، "أسد الغابة" 1/ 341.

(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1147، ونقله الواحدي في "أسباب النزول" ص 43 وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 367 من رواية عطاء والكلبي: نزلت في أصحاب السفينة الذين أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، كانوا أربعين رجلًا من الحبشة وأهل الشام.

وقال ابن حجر في "العجاب" 1/ 374 تعقيبًا: ذكر بأبسط منه الثعلبي في "تفسيره" وقد ذكره الحيري في "الكفاية" ص 70، والسمعاني في "تفسيره" 2/ 38، والبغوي في "تفسيره" 1/ 144، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 369.

(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 56، ومن طريقه أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 519 ورواه أيضًا من طريق أبي العالية، ورواه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1149، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 356، والسمرقندي 1/ 155، والواحدي في "الوسيط" 1/ 200، والسمعاني في "تفسيره" 2/ 38.

(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 520، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 218، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1150، وعزاه في "الدر" 1/ 210 إلى وكيع.

وينظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 79.

(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 520، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 218، والثعلبي 1/ 1150.

(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1148، ولفظه: هم من آمن من اليهود: عبد الله بن سلام، وشعبة بن عكرو وتمام بن يهوذا، وأسيد وأسد ابنا كعب وابن يامين وعبد الله بن صوريا وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 43 مختصرًا وفي "الوسيط" 1/ 200، البغوي في "تفسيره" 1/ 144، وفي "البحر المحيط" 1/ 369، وينظر: "العجاب" 1/ 374.

(٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 518، وذكره الثعلبي 1/ 1148، وعزاه في "الدر" 1/ 210 لعبد بن حميد.

(٨) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1148، والواحدي في "أسباب النزول" ص 43.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب ﴾ يعني المسلمين، والكتاب على هذا: القرآن، وقيل: هم من أسلم من بني إسرائيل، والكتاب على هذا التوراة، ويحتمل العموم، ويكون الكتاب اسم جنس ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾ أي يقرؤونه كما يجب من التدبر له والعمل به، وقيل: معناه يتبعونه حق اتباعه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والأوّل أظهر، فإن التلاوة وإن كانت تقال بمعنى القراءة، وبمعنى الاتباع؛ فإنه أظهر في معنى القراءة، لاسيما إذا كانت تلاوة الكتاب، ويحتمل أن تكون هذه الجملة في موضع الحال، ويكون الخبر أولئك يؤمنون، وهذا أرجح، لأن مقصود الكلام الثناء عليهم بالإيمان، إو إقامة الحجة بإيمانهم على غيرهم ممن لم يؤمن.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا تسئل ﴾ على النهي: نافع ويعقوب.

الباقون بضم التاء ورفع اللام على الخبر.

الوقوف: ﴿ ونذيراً ﴾ (لا) للعطف أي نذيراً وغير مسؤول إلا لمن قرأ ﴿ ولا تسئل ﴾ على النهي لاختلاف الجملتين ﴿ الجحيم ﴾ (ه) ﴿ ملتهم ﴾ (ط) ﴿ الهدى ﴾ (ط) ﴿ من العلم ﴾ (لا) لأن نفي الولاية والنصرة يتعلق بشرط اتباع أهوائهم فكان في الإطلاق حظر ﴿ نصير ﴾ (ه) ﴿ تلاوته ﴾ (ط) لأن ما بعدها مبتدأ آخر مع خبره.

وعندي أن الأصوب عدم الوقف لتكون الجملة أعني يتلونه حالاً من مفعول آتينا أو من فاعله مقدرة وقوله ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ الجملة خبر "الذين" لأن الإخبار عن أهل الكتاب مطلقاً بأنهم يتلونه حق تلاوته لا يصح، اللهم إلا أن يحمل الكتاب على القرآن كما يجيء ﴿ يؤمنون به ﴾ (ط) للابتداء بالشرط ﴿ الخاسرون ﴾ (ه) ﴿ العالمين ﴾ (ه) ﴿ ينصرون ﴾ (ه).

التفسير: لما بين غاية إصرارهم على العناد وتصميمهم على الكفر بعد نزول ما يكفي في باب الاقتداء والاهتداء من الآيات البينات، أراد أن يسلي ويسري عن رسوله لئلا يضيق صدره فقال إنا أرسلناك يا محمد بالحق.

والصواب حسب ما تقتضيه الحكمة وهو أن لا يكون لك أن تجبرهم على الإيمان بل لا يتجاوز حالك عن أن تكون بشيراً لمن اتبعك بكل خبر ونذيراً لمن خالفك بكل سوء ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  ﴾ فإنك غير مسؤول عن أصحاب الجحيم وهو من أسماء النار، وكل نار عظيمة في مهواة فهي جحيم من قوله  ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم  ﴾ والجاحم المكان الشديد الحر، وهذا كقوله ﴿ فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب  ﴾ وأما قراءة النهي فيروى أنه قال: ليت شعري ما فعل أبواي فنهي عن السؤال عن أحوال الكفرة والاهتمام بأعداء الله.

وفي هذه الرواية بُعْدٌ، لأن سياق الكلام ينبو عن ذلك، ولأنه  مع علمه الإجمالي بحال الكفار، كيف يتمنى ذلك؟

والأقرب أن معناه تعظيم ما وقع فيه الكفار من المحن كما إذا سألت عمن وقع في بلية فيقال لك لا تسأل عنه، فكان المسؤول يحرج أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته، أو يرى أنك لا تقدر على استماع خبره لأنه يورث الوحشة والضجر.

وقوله ﴿ ولن ترضى ﴾ فيه إقناط لرسول الله  عن إسلامهم وأن القوم قد بلغوا من التصميم على ما هم فيه إلى حد لا يقنعون بالكفاف ولا يرضون رأساً برأس، بل يريدون منك عكس ما تطمع منهم زاعمين أن ملتهم التي حان نسخها هي الهدى ﴿ قل إن هدى الله ﴾ الذي هو الإسلام ﴿ هو الهدى ﴾ الحق ليس وراءه هدى لأنه ناسخ للأديان كلها ﴿ ولو اتبعت أهواءهم ﴾ مشتهياتهم وآراءهم الباطلة المنسوخة ﴿ بعد الذي جاءك من العلم ﴾ بأمر الديانة لوضوح البراهين وسطوع الدلائل ﴿ ما لك من الله ﴾ من عقابه وسخطه ﴿ من ولي ﴾ معين يعصمك ﴿ ولا نصير ﴾ يذب عنك.

قال أهل البرهان إنما لم يقل في هذه الآية ﴿ بعدما جاءك من العلم ﴾ كما قال في آية القبلة على ما يجيء، لأن العلم في الآية الأولى علم كامل ليس وراءه علم وهو العلم بالله وبصفاته وأن الهدى هدى الله، فكأن لفظ "الذي" أليق لأنه في التعريف أبلغ، فإن "الذي" يعرفه صلته ولا يتنكر قط، ويلزمه الألف واللام.

بخلاف ما فإنه نكرة ولا يدخله الألف واللام وخصت آية القبلة "بما" و "من" التي لابتداء الغاية، لأن المراد هناك قليل من كثير العلم وهو العلم بالقبلة وليس الأول موقتاً بوقت أعني العلم بالله وبصفاته - فلم يحتج إلى زيادة من التوقيتية، وقريب من معنى القبلة ما في آل عمران ﴿ من بعدما جاءك من العلم  ﴾ فلهذا جاء بلفظ "ما" وزاد لفظة "من" وأما في سورة الرعد فإنه ﴿ ولئِن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم  ﴾ لأن العلم فيها هو الحكم العربي أي القرآن، فكأن بعضاً من الأول وهو العلم بالله وبصفاته فجاء لفظ "ما" ولم يزد لفظ "من" التوقيتية لأنه غير موقت والله أعلم بأسرار كلامه.

وفي الآية دليل على بطلان التقليد فيما إلى تحقيقه سبيل حتى لا يكون اتباع الهوى، وفيها أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة على العلم بالمأمور به لقوله ﴿ بعدما جاءك من العلم ﴾ فلأن لا يجوز التوعد إلا بعد القدرة على المأمور به كان أولى، فبطل القول بتكليف ما لا يطاق.

وفيها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله ونظيره وقوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ وإنما يحسن هذا الوعيد لاحتمال أن الصارف له عن ذلك الفعل هو هذا الوعيد أو هو أحد صوارفه، ولأن فيه زجراً شديداً لأمته لأنهم إذا علموا مآل حال النبي  لو فرض منه اتباع أهوائهم مع ما ورد في حقه ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  ﴾ ولم يبق لهم طمع في الخلاص لو وجد منهم ذلك ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ قيل: إنهم المؤمنون الذين آتاهم القرآن، لأن الكتاب الذي يمدح على تلاوته هو القرآن.

والأصح أنه لما قدم ذكر المعاندين من أهل الكتاب أراد أن يذكر مؤمنيهم.

ومعنى يتلونه حق تلاوته لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله  ، أو يتبعون مقتضاه من غير تكاسل ومنع متمسكين بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما، أو يخضعون عند تلاوته ويخشعون، أو يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه، أولئك يؤمنون بكتابهم دون من ليس على حالهم ممن لا يتلو الكتاب حق تلاوته كما يستحق أن يتلى ﴿ ومن يكفر به ﴾ من المحرفين أو من الواضعين من حقه ﴿ فأولئك هم الخاسرون ﴾ حيث لم ينتفعوا بما يحق أن ينتفع به ويغتنم وروده فرجعوا منه بخفي حنين وفازوا بكل حين.

﴿ يا بني إسرائيل ﴾ الآيتان رجوع إلى أول القصة تذكيراً للنعم بعد تعداد مواجب النقم ليتنبه منهم من وفق للتنبه والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ .

قيل: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ ﴾ يا محمد؛ لتدعوَهم إلى الحق، وهو التوحيد.

وقيل: بالحق: بالقرآن.

وقيل: بالحق: بالحجج والآيات.

﴿ بَشِيراً ﴾ لمن أَطاعه بالجنة، ﴿ وَنَذِيراً ﴾ لمن عصاه وخالف أمره بالنار.

وقيل: بالحق الذي لله على الخلق، والحق الذي لبعضٍ على بعض؛ لتدعوهم إليه وتدلهم عليه.

وقوله: "ولا تَسْأَل عن أصحاب الجحيم".

وجائز أن يكون بمعنى: لا تَسْأَل بعد هذا عنهم.

ولم يُذكر أَنه سئل عنهم بعده؛ فيكون ذلك آية له بما هو خبر عن علم الغيب.

قيل: إن رسول الله  - قال: "ليت شعري!

ما فعل أَبواي؟" فأَنزل الله -  - هذه الآية.

وفيها لغتان: "لا تَسأل" بنصب التاءِ وهو ما ذكرنا.

ويحتمل وجهاً آخر: أَي لا تشتغل بأَصحاب الجحيم؛ فإن ذلك تكلفٌ منك وشُغل.

وفيها لغةٌ أُخرى برفع التاءِ: ﴿ وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، أَي: لا تُسأَل أنت يا محمد عن ذنوب أَصحاب الجحيم؛ وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ  ﴾ ونحوه.

وقوله: ﴿ وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ .

اختلف في الملة: قيل الملة: السنة؛ كقوله "بسم الله، وعلى ملة رسول الله"، وكقوله: ﴿ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً  ﴾ .

وقيل: الملة: الدين، كقوله  : "لا يتوارث أهل الملتين" وقيل: الملة هاهنا: القبلة، وهو كقوله: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ  ﴾ .

آيس - عز وجل - رسوله  عن اتباع أُولئك دينه وقبلته؛ لأَنهم يختارون الدين، والقبلة؛ بهوى أَنفسهم، لا بطلب الحق، وظهوره، ولزوم الحجة.

وذلك: أَن النصارى إنما اختاروا قبلتهم المشرق؛ لأَن مكان الجبل الذي كان فيه عيسى في ناحية المشرق بقوله: ﴿ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً  ﴾ .

واليهود اختاروا قبلتهم ناحية المغرب؛ لأَن موسى  كان بناحية المغرب لما أعطى الرسالة وكلمه ربه؛ كقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ  ﴾ .

وأما أهل الإسلام فإنما اختاروا الكعبة - شرفها الله - قبلة بالأَمر، لا اتباعاً لهواهم.

والعقل يوجب أن تكون الكعبة قبلة؛ إذ هي مقصد الخلق من آفاق الدنيا، فلما احتيج في الصلاة إلى التوجه إلى وجه كان أَحَق ذلك الموضع الذي جعل للخلق مقاصد أخرى.

ثم قوله  : ﴿ وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ .

أخبر - عز وجل - رسوله: أن ليس في وسعك إرضاءُ هؤلاء؛ لاختلافهم في الدعاوى في الملل.

فإن قيل: كيف نهى رسوله عن اتباع ملتهم على علم منه: أنه لا يتبع؟

قيل: لأن العصمة لا تزيل المحنة، ولا تدفعها، بل المحنة إنما تقع في العصمة لوجهين: أحدهما: أن عصمته لِمَا مضى لا توجب عصمته في الحادث.

والثاني: أَن أَحق مَنْ يُنهى عن الأَشياء مَنْ أُكرم بالعصمة؛ إذ على زَوال النهي يرتفع عنه جهة العصمة؛ لأَنه يصير برفع النهي مباحاً.

فلهذا دل القول على النهي عما فيه إرضاؤهم - وإن كان في الأصل معصوماً عنه - وبالله التوفيق.

وفي إزالة الأمر والنهي إِزالةُ فائدة العصمة؛ لأَن العصمة: هي أَن يعصم في الأمر حتى يؤديَه، وفي النهي، حتى ينتهيَ عنه، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ﴾ .

قيل: إن دين الله - الذي اختاره أَهلُ الإِسلام؛ بالأمر، واتباع الآيات، والحجج - هو الدين، لا كما اختار أُولئك بهوى أنفسهم، واستقبال الآيات والحجج بالرد، والإنكار، والمعاندة.

ويحتمل: أن يكون الخطابُ في قوله: ﴿ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ﴾ والبيانُ لأَصحابهِ، ومن دخل في دينه وصدقه، لا هو.

وذلك كثير في القرآن؛ يخاطَبُ هو والمراد غيره.

وقوله: ﴿ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ .

ظاهره: من ولي يتولى الدفاع عنك، ولا نصير يمنعك من العذاب.

ويحتمل: ينصرك فتغلب به سلطان الله فيما يريد تعذيبك.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾ .

قيل: الكتابُ: أَراد به التوراةَ أَو الإنجيلَ.

وقيل: أَراد به القرآن.

ومن حمله على التوراةِ والإِنجيل قال: فيه إِضمار واوِ كأَنه قال: الذين آتيناهم الكتاب، ويتلونه حق تلاوته، أُولئك يؤمنون به، أَي: إذا تَلَوْا حق التلاوة؛ فحينئذ يؤمنون به.

وقيل: يتلونه حق تلاوته، يعني يعملون به حق عمله، ولا يكتمون نعته  ، ولا يحرفونه.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ .

وهم الذين أَسلموا منهم.

وقيل: يتبعونه حق اتباعه.

وهو واحد.

ومن حمله على القرآن، قالذين يتلونه حق تلاوته أَصحاب رسول الله  .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يتحدث القرآن الكريم عن طائفة من أهل الكتاب يعملون بما في أيديهم من كتب منزلة ويتبعونها حقَّ اتباعها، هؤلاء يجدون في هذه الكتب علامات دالة على صدق النبي محمد  ولهذا سارعوا إلى الإيمان به، وطائفة أخرى أصرت على كفرها فكان لها الخسران.

<div class="verse-tafsir" id="91.d4a7e"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الصلة بين قوله تعالى ﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ  ﴾ الآية وبين ما قبلها واضحة جلية وهي أن هذه جاءت في موضع الاستدراك على ما سبقها من إيناس النبي والمؤمنين من أهل الكتاب، فقد علمنا أن آية ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى  ﴾ قد سلت ما كان يخالج النفوس من الرجاء بإيمان أهل الكتاب كلهم، وهذه الآية تنطق بأن منهم من يرجى إيمانه وهم الذين وصفهم بما هو علة الرجاء ومناط الأمل وهو تلاوة كتابهم، حق تلاوته، وعدم الجمود على الظواهر والتقاليد، والاكتفاء بالأماني والظنون، كأنه يقول: إن كانت نفسك تحدثك بأن أهل الكتاب أقرب إلى الإيمان بما جئت به لأنه يشبه ما عندهم ويصدق أنبياءهم وأصول شرائعهم من حيث يقتلع جذور دين الوثنيين ويمحوه محوًا فيكون الوثنيون أجدر من أهل الكتاب بمعاندتك ومجاحدتك -فأعلم أن هؤلاء قد ألحقوا بدينهم من التقاليد والمخترعات، وألصقوا به من البدع والعادات، ما غرهم في دينهم بغير فهم، وجعلهم يتعصبون له بغير عقل، فكانوا بذلك أبعد عن حقيقة الإيمان من أولئك الذين يعبدون الأوثان، وذلك أنهم اتخذوا الدين جنسية فليس لهم منه إلا الجمود على عادات صارت مميزة للمنتسبين إليه، ولكن لا يزال فيهم نفر يرجى منهم تدبر الشيء والتمييز بين الحق والباطل هم ﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ  ﴾ وهم ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ  ﴾ أي يفهمون أسراره ويفقهون حكمة تشريعه، وفائدة التكليف به، لا يتقيدون في ذلك بآراء من سبقهم فيه، ولا بتحريفهم كلمة عن مواضعه، ﴿ أُولَئِكَ  ﴾ هم الذين يقدرون ما جئت به من الترقي في الدين، وإقامة قواعده على الأساس المتين، ﴿ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ  ﴾ بعد العلم بأنه الحق الذي يزيل ما بينهم من الخلاف ويهديهم إلى طريق السعادة ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ  ﴾ من الرؤساء المعاندين والمقلدين الجاهلين، وهم الأكثرون، ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ  ﴾ لهذه السعادة، المحرومون مما يكون للمؤمنين من المجد والسيادة، سواء كان كفرهم بتحريفه ليوافق مذاهبهم التقليدية، أم بإهماله اكتفاء بقول علمائهم، ويجوز أن يكون الضمير في قوله ﴿ بِهَ  ﴾ للهدى الذي ذكر في الآيات السابقة.

عبر عن التدبر والفهم بالتلاوة حق التلاوة ليرشدنا إلى أن ذلك هو المقصود من التلاوة التي يشترك فيها أهل الأهواء والبدع مع أهل العلم والفهم.

والتعبير يشعر بأن أولئك الذين حكم بنفي رضاهم عن النبي  نفيًا مؤكدًا لا حظ لهم من الكتاب إلا مجرد التلاوة وتحريك اللسان بالألفاظ، لا يعقلون عقائده، ولا يتدبرون حكمه ومواعظه، ولا يفقهون أحكامه وشرائعه، لأنهم استغنوا عنه بتقليد بعض الرؤساء والاكتفاء بما يقولون، فلا عجب إذا أعرضوا عما جاء به النبي ولا ضرر في إعراضهم.

وأما الآخرون فإنهم لتدبرهم وفهمهم أسرار الدين، وعلمهم بوجوب مطابقتها لمصالح العالمين، يعقلون أن ما جاء به هو الحق الذي يتفق مع مصلحة البشر في ترقية أرواحهم، وفي نظام معايشهم، فيؤمنون به، وإنما ينتفع بإيمان أمثالهم.

وجملة القول أن هذا التعبير أفاد حكمًا جديدًا وإرشادًا عظيمًا وهو أن الذي يتلو الكتاب لمجرد التلاوة مثله كمثل الحمار يحمل أسفارًا فلا حظ له من الإيمان بالكتاب لأنه لا يفهم أسراره، ولا يعرف هداية الله فيه.

وقراءة الألفاظ لا تفيد الهداية وإن كان القارئ يفهم مداولاتها كما يقول المفسر والمعلم لها لأن هذا الفهم من قبيل التصور وما التصور إلا خيال يلوح ويتراءى، ثم يغيب ويتنائ، وإنما الفهم فهم التصديق والإذغان ممن يتدبر الكتاب مستهديًا مسترشدًا ملاحظًا أنه مخاطب به من الله تعالى ليأخذ به فيهتدي ويرشد، والمقلدون محرومون من هذا فلا يخطر لهم ببال أنهم مطالبون بالاهتداء بكتاب الله تعالى وإنما الهداية عندهم محصورة في كلام رؤسائهم الدينيين، ولاسيما إذا كانوا ميتين.

وإذا كنا نعتبر بما قص الله تعالى علينا من خبر أهل الكتاب، كما قال ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ  ﴾ ، فإننا نعرف حكم أهل القرآن عنده تعالى مما ذكره عن أهل التوراة والإنجيل كما نعرفه من مثل قوله  ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا  ﴾ وقوله ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ  ﴾ فكل هذه الآيات والعبر لم تحل دون اتباع هذه الأمة سنن من قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع كما أنبئت للتحذير، والقرآن حجة عليها كما ورد في الحديث: "والقرآن حجة لك أو عليك".

ولا شك أن من يتلو ألفاظ القرآن وهو معرض عن هدايته غير معتبر بوعده ووعيده فهو كالمستهزئ بربه.

وإذا سأل سائل عن قول العلماء: إن القرآن يتعبد بتلاوته.فالجواب: نعم، ولكنهم لم يقولوا إنه أنزل لذلك، وكيف يقولون ذلك والله الذي أنزله يقول إنه أنزله ﴿ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ  ﴾ فالقرآن وكذلك السنة يصرحان في مواضع كثيرة بخلاف هذا القول إذا أخذ على إطلاقه وجعل معناه أو من معناه أن الله تعالى يطالب عباده بقراءة القرآن بدون تدبر ولا تذكر.

وقد جاء من الأحاديث ما يصف حال قوم يأتون بعد"يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم"، وقد سماهم شرار الخلق، فهؤلاء الأشرار قد اتخذوا القرآن من الأغاني والمطربات، وإذا طالبت أحدهم بالفهم والتدبر أخذته العزة بالإثم واحتج عليك بكلمة قالها فلان أو حلم رآه فلان، وهكذا انقلب على المسلمين وضع الدين، ثم هم يتعجبون مع ذلك كيف حرموا من وعد الله في قوله ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ  أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ  ﴾ .

أرأيتم، مثلًا، رجلًا يرسل كتابًا آخر فيقرأه المرسل إليه هَذْرَمةً أو يترنم به ولا يلتفت إلى معناه ولا يكلف نفسه إجابة ما طلب فيه ثم يسأل الرسول أو غيره: ماذا قال صاحب الكتاب فيه وماذا يريد منه؟

أيرضى المرسل من المرسل إليه بهذا، أم يراه استهزاءً به؟

فالمثل ظاهر وإن كان الحق لا يقاس على الخلق، فإن الكتاب لا يرسل لأجل ورقة، ولا لأجل نقوشه ولا لأجل أن تكيف الأصوات حروفه وكلمه، ولكن ليعلم مراد المرسل منه ويعمل به.

إن الاستهداء بالقرآن، واجب على كل مكلف في زمان ومكان، فعلى كل قارئ أن يتلو القرآن بالتدبر وأن يطالب نفسه بفهمه والعمل به، ولا شك أن من له معرفة ولو قليلة باللغة العربية فإنه يفهم من القرآن ما يهتدي به، ومن كان أميًا أو عجميًا فإنه ينبغي له أن يسأل القارئين أن يقرؤوا له القرآن ويفهموه معناه، وقد تقدم التنبيه على هذا في مقدمة تفسير سورة الفاتحة.

وأنا أعتقد أنه يجب على كل مسلم أن يقرأ القرآن أو يسمعه كله ولو مرة واحدة في عمره، ومن فوائد ذلك أن يأمن من إنكار شيء منه إذا عرض عليه أو سمعه مع التشكيك فيه.

أقام الله تعالى الحجج الدامغة على أهل الكتاب ثم ناداهم ودعاهم إلى ترك أسباب الغرور المانع من الإيمان فقال ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ  ﴾ وقد سبق التذكير بهذه النعمة في أول المحاجة، ثم أعيد هنا للمناسبة الظاهرة، وهي أنه بعد ما ذكر أن الإعراض عن تدبر الكتاب والتفقه فيه هو كفر به، وذكرهم بأنه لا يليق بم كرمه ربه وفضله على غيره من الشعوب بإيتائه الكتاب أن يكون حظه منه كحظ الحمار يحمل أسفارًا.

فإذا كان ابتدأ العظة والدعوة بذكر هذا التفضيل لتتوجه إليه الأنظار وتصغي إليها الأسماع كما تقدم في تفسير الآية الأولى"٤٧"فلا غرو أن يذكر هذا التفضيل ثانيًا بعد التوبيخ والتقريع، لإزالة ما ربما يحدثه ذلك من الاستياء الذي يتوقع أن يكون من أسباب التنفير عما في الآية التالية، وليس هذا من التكرار الذي يتحاماه البلغاء وإنما هو من إعادة الشيء لإفادة ما لا يستفاد بدونه.

كأن هذه الآية تمهيدًا لما بعدها وهو فذلكة القصة، والمقصود إقامة الحجة.

ذلك قوله تعالى ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا  ﴾ فلا ينفعكم يوم القيامة أن تعتذروا عن الإعراض عن فهم كتاب الله بأن بعض سلفكم كانوا يفهمونه ويتدبرونه، وأنكم استغنيتم بتدبرهم وفهمهم عن أن تفهموا وتتدبروا، فإنه يوم لا يغني فيه أحد عن أحد شيئًا.

ويؤيد الآية حديث الصحيحين "يا فاطمة يا بنت محمد سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا "إلخ وإذا كان لا يجزي فهم سلفكم عنكم أنكم أعرضتم عن هداية كتابه فلا تنفعكم شفاعتهم أيضًا، كما أنه لا يقبل منكم عدل وفداء تفتدون به وتجعلونه معادلًا لما فرطتم فيه كما قال ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ  ﴾ وكانوا يعتقدون بالمكفرات تؤخذ عدلًا عما فرطوا فيه وبشفاعة أنبيائهم فأخبرهم الله تعالى أنه لا يقوم مقام الاهتداء بكتابه شيء آخر، ثم قطع حبل رجائه من كل ناصر ينصرهم فقال ﴿ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ  ﴾ ، أي أنه لا يأتيهم نصر من هاتين الجهتين ولا من غيرهما.

وقد تقدم في تفسير الآيات الأولى ما يغني عن الإطالة هنا وليس في هذه زيادة في المعنى إلا أن التعبير قد اختلف تفننًا، ففي الآية الأولى تقدم ذكر الشفاعة منفية القبول، وتأخر ذكر العدل غير مأخوذ، وفي هذه الآية نفى قبول العدل أولًا ثم نفى نفع الشفاعة ثانيًا.

وكأنه يشير بهذا التفنن إلى أنه لا فرق بين الفداء والشفاعة في الجواز والمنع فمن منع العوض في الآخرة لزمه منع الشفاعة فإن جوزها جوزه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده