تفسير سورة البقرة الآيات ٢١-٢٢ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ٢١-٢٢

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٢١ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًۭا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءًۭ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 15 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

في الناس المنادَون هنا وجهان: الوجه الأول - أنهم الذين يقولون: آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بؤمنين ذلك الإيمان الذي يملك القلب ويصرف النفس في الأعمال وهو المقبول عند الله تعالى، وإنما هم آخذون بتقاليد ظاهرية ليس لها ذلك الأثر الصالح في أخلاقهم وأعمالهم فهم يخادعون الله تعالى بالتلبس ببعض صور العبادات والأقوال و"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"والكلام على هذا لا يزال في الصنف الرابع من أصناف البشر المخاطبين بالقرآن كما تقدم فلا حاجة إلى بيان وجه الاتصال بين الآيات.

الوجه الثاني-وهو الراجح - أن الخطاب عام للناس كافة، ووجه الاتصال بين الآيات على هذا إنه لما بين تعالى في أصناف الناس هذا الصنف الذي احتقر أفراده نعم الله تعالى عليهم، واستعظموها وأكبروها على من قبلهم، فحرموا أنفسهم من أَجَلَّ المزايا الإنسانية، وأجَلّوا سلفهم حتى رفعوهم إلى مرتبة الربوبية، خاطب الناس عامة بأن يعبدوه ملاحظين معنى الربوبية والخالقية التي تشملهم ومن قبلهم من السلف فتنظمهم جميعًا في سلك العبودية للخالق تعالى شأنه، ولا يكونوا كذلك الصنف الخاسر الكفور بنعم المشاعر والعقل وهداية الدين، إذ لم يستعملوا عقولهم في فهم ما أنزل عليهم، بل اكتفوا بتقليد بعض رؤسائهم وعلمائهم، زاعمين أنه لا يقوى على فهم كتاب الله تعالى غيرهم، كأن الله تعالى أنزل كتبه وخاطب بها نفرًا معدودين في وقت محدود، ولم يجعلها هداية عامة للأمة، وإنما ألزم سائر الناس في سائر الأوقات الاكتفاء باتباع أولئك الرؤساء وأتباعهم وأتباع أتباعهم وهلمجرا ثم تركوا أتباعهم اتكالًا على شفاعتهم واكتفاء بالانتساب إليهم، وزعمًا أن الله أعطاهم ما لا يعطي مثله لأحد سواهم، وإن عملوا مثل عملهم، تعالى الله على الظلم والمحاباة وهو ذو الرحمة التي تنتهي وذو الفضل العظيم.

هذا النداء الإلهي المشعر بأن نسبة الناس الأولين إلى الله تعالى كنسبة الآخرين واحدة: - هو الخالق وهم المخلوقون، وهو المستحق للعبادة وهم المأمورون بها أجمعون،- حجة علينا وعلى جميع من استن بسنة ذلك الصنف من قبلنا ..

وأنا أخص طلاب علوم الدين بالذكر، فينبغي للطالب أن يوجه نفسه إلى فهم القرآن ويحملها على الاهتداء به، فإذا هو فعل ذلك تظهر عليه آداب الإسلام التي أشار إليها الرسول  بقوله"أدبني ربي فأحسن تأديبي"وإنما كان أدبه القرآن، ومن اشتغل بهذا حق الاشتغال وصل إلى معرفة أمراض المسلمين الحاضرة، ومنابع البدع التي فشت فيهم، ومثارات الفتن التي فرقتهم، ويعرف علاج ذلك.

وإن من ذاق حلاوة القرآن لا ينظر في كتاب ولا يتلقى علمًا إلا ما يفتح له باب الفهم في القرآن أو ما يفتح له بابه القرآن فيجده مرآته، وما عدا ذلك مبعد عنه، والبعد عن القرآن هو عين البعد عن الله تعالى، وذلك هو الضلال البعيد.

كل ما أمرنا به القرآن وأرشدنا إلى النظر فيه فالاشتغال به اشتغال بالقرآن، فإذا قال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ  ﴾ فذلك تنبيه وإرشاد إلى الاعتبار بما في خلقنا من الحكم والأسرار، وينبغي لنا البحث عنها كما قال في آية أخرى ﴿ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ  وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ  ﴾ وإلى الاعتبار بتاريخ من قبلنا كما قال في آية أخرى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ وأمثال ذلك كثير.

لا يتعظ الإنسان بالقرآن فتطمئن نفسه بوعده وتخشع لوعيده إلا إذا عرف معانيه، وذاق حلاوة أساليبه، ولا يأتي هذا إلا بمزاولة الكلام العربي البليغ مع النظر في بعض النحو كنحو ابن هشام وبعض فنون البلاغة كبلاغة عبد القاهروبعد ذلك يكون له ذوق في فهم اللغة يؤهله لفهم القرآن.

قال الإمام أبو بكر الباقلاني: من زعم أنه يمكنه أن يفهم شيئًا من بلاغة القرآن بدون أن يمارس البلاغة بنفسه فهو كاذب مبطل.

فهل يصح لمسلم بلغ ورشد وطلب العلم أن لا يجعل القرآن إمامه ويتخذه نورًا يمشي به في الناس ويهتدي به في ظلمات البدع.

أمامنا عقبتان كؤودان لا نرتقي عما نحن فيه إلا باقتحامهما، وهم الكسل وتسجيل القصور على أنفسنا بجهل قيمة نعم الله تعالى علينا، وصاحب هاتين الخلتين يمقت كل من يرشده إلى الخير ويهديه للحق، لأنه يكلفه ضد طبعه، فلا يرى مهربًا من الاعتراف بضلاله وغيه، إلا بالقدح بمرشده وناصحه.

على كل منا أن ينظر في نفسه وينظر في القرآن العظيم ويزن به ما هو عليه من العقائد والأخلاق والأعمال، فإن رجح به ميزانه فهو مسلم حقيقي فليحمد الله تعالى، وإلا فليسع فيما يكون به الرجحان.

لا بد لنا من النظر الطويل والفكر القويم فيما نحن فيه، فمن لم يتفكر لم يهتد إلى الحق، ومن لم يهتدِ إليه فهو ضال، (فماذا بعد الحق إلا الضلال).

يقول تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ  ﴾ الذين يدّعون الإيمان بالله قولًا بأفواههم ولم يمس الإيمان الحق سواد قلوبهم، ولا كان له سلطان على أرواحهم، ويدَّعون الإيمان باليوم الآخر ولم يستعدوا له بتهذيب أنفسهم وإصلاح أعمالهم، وإنما يأتون ببعض صور العبادات بحكم العادات الموروثة، وقلوبهم مشغولة عن الله الذي لا تفيد العبادة عنده إلا بالتوجه إليه وابتغاء مرضاته، والشعور بعظمته وجلاله، فهم يخادعون الله بهذه الظواهر التي لا معنى لها، والصور التي لا روح فيها، وإنما يخدعون في الحقيقة أنفسهم لأن أعمالهم هذه لا تفيدهم في الدنيا عزة وسعادة ولا تنجيهم في الآخرة.

ويا أيها الناس الذين لم يرزؤا بهذا الخذلان، ولم يبتلوا بهذا الافتتان، سواء كانوا من أهل الكفر أو من أهل الإيمان، (اعبدوا ربكم) جميعًا عبادة خشوع وإخلاص وأدب وحضور كأنكم تنظرون إليه وترونه، فإن لم تكونوا ترونه فإنه يراكم، وينظر دائمًا إلى محل الإخلاص منكم وهو قلوبكم، واستعينوا على إشعار نفوسكم هذا الخشوع والحضور والإخلاص في العبادة باستحضار معنى الربوبية فإنه هو ربكم الذي أنشأكم فيما لا تعلمون ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ  ﴾ وغذاكم بنعمه، ونماكم بكرمه، كما فعل مثل ذلك بسلفكم الصالح فشكروه وعبدوه وحده مقرين بهذه التربية، ومعظمين لهذه المنة، فليدع ذلك الصنف احتقار النعم التي هو فيها والاقتصار على تعظيم نعمة الله على السلف فقط فإن هذا الرب العظيم ﴿ الَّذِي خَلَقَكُمْ  ﴾ وخلق ﴿ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ  ﴾ قد رَبَّاكم كما ربى سلفكم، ووهبكم من الهدايات مثلما وهبهم، فمن شكر منهم ومنكم زاده نعمًا، ومن كفر بهذه النعم جعلها عليه نقمًا، ليكون عبرة ومثلًا للآخرين، وذلك من رحمته بالعالمين، وقد أقسم تعالى على ذلك في كتابه المجيد فقال ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ  ﴾ وفي القصاص حياة لأولي الألباب، وما يتذكر إلا من أناب.

هكذا أمر الله تعالى عباده أجمعين، بأن يعبدوه وحده مخلصين له الدين، وأرشدهم -بإعلامه إياهم أنه ساوى بينهم وبين من قبلهم في المواهب الخلقية- إلى الاستقلال بالعمل، وقدر نعمته عليهم قدرها، ليعلموا أن كل النعم التي تكتسب بالشكر وهي ما عدا النبوة- مقدورة لهم، كما كانت مقدورة لمن قبلهم، وأنهم إذا زادوا على سلفهم شكرًا يزدادون نعمًا، وما الشكر إلا استعمال المواهب والنعم فيما وهبت لأجله، فالذين يقولون إننا لا نقدر على فهم الدين بأنفسنا من الكتاب والسنة لأن عقولنا وأفهامنا ضعيفة، وإنما علينا أن نأخذ بقول من قبلنا من آبائنا، لأن عقولهم كانت أقوى، وكانوا على فهم الدين أقدر، بل لا يمكن أن يفهمه غيرهم، أولئك كافرون بنعمة العقل، وغير مهتدين بهذه الآية الناطقة بالمساواة في المواهب وسعة الرحمن والفضل.

وكذلك الذين يتخذون وسطاء بينهم وبين الله تعالى لأجل التقرب إليه زلفى.

بغير ما شرعه لهم من الدين وما جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام -وهم الوسائل في الهداية والرشاد -أو لأجل الشفاعة لهم عنده لينالوا جزاء ما شرعه من الدين، من غير طريق العمل به واتباع المرسلين- قد احتقروا نعم الله تعالى ولم يهتدوا بهذه الآية لأنهم قد جعلوا لله أندادًا يبغون أن ينالوا بأشخاصهم ماحكم الله بأن يطلبه الناس بإيمانهم وأعمالهم، فجعلوا هؤلاء الأنداد شركاء لله يغنونهم عن شريعته، شعروا بذلك أم لم يشعروا.

يقول تعالى لجميع عباده، ﴿ اعْبُدُونِي  ﴾ ، ملاحظين معنى الربوبية، والمساواة في المواهب الخلقية التي تؤهلكم للسعادة الحقيقية ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ﴾ فإن العبادة على هذا الوجه هي التي تعدكم للتقوى، ويرجى بها بلوغ غاية الكمال القصوى.

..

الشائع أن لعل للترجي في ذاتها وإذا وقعت في كلام الله تعالى يكون معناها التحقيق، وغرض القائلين بهذا تنزيه الله سبحانه عن الترجي بمعناه اللغوي الآتي، ولكنه رمي للكلام بدون بيان، وحقيقته أن لعل للترجي ولكنها تستعمل للإعداد والتهيئة للشيء وفي هذا معنى الترجي، فحيث وقعت ﴿ لَعَلَّ  ﴾ في القرآن فالمراد بها هذا المعنى الأخير كما فسرناها به آنفًا، وهو يستلزم التحقيق، لأن الإعداد بما تأتي"لعل"بعده أمر محقق لا ريبة فيه، فإن العبادة على الوجه الذي أرشدت إليه الآية من ملاحظة معنى الربوبية الخ ما تقدم شرحه تطبع في النفس ملكة خشية الله وتعظيمه ومراقبته، وتعلي همة العابد وتقوي عزيمته وإرادته، فتزكو نفسه وتنفر من المعاصي والرذائل، وتألف الطاعات والفضائل، وهذه هي التقوى، وإذا قلنا إن الرجاء متعلق بالناس فالإعداد فيه ظاهر ومتحقق، إذ لو لم يخلقهم مستعدين للتقوى لما اتقاه منهم أحد.

ومعنى الترجي في أصل اللغة توقع حصول الشيء القريب بحصول سببه والاستعداد له، سواء كان الاستعداد كسبيًا أو طبيعيًا، فاستعملنا"لعل"المعبرة عن التوقع في سببه وهو الاستعداد أو الإعداد الذي هو جعل المرء مستعدًا، والتعبير عن المسبب بلفظ السبب شائع في استعمال اللغة، وقد عدوا الترجي والتمني من الأخبار وصيغهما صيغ إنشاء فقط.

لما ذكّر الله عباده بنعمة الإيجاد ونعمة المساواة في المواهب التي تقتضي التقوى وعدم إطراء السلف برفعهم إلى مقام الربوبية كما وقع من الذين ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ  ﴾ ذكرهم ثانيًا ببعض خصائص الربوبية التي تقتضي الاختصاص بالعبودية، فقال ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشًا  ﴾ بما مهدها وجعلها صالحة للافتراش والإقامة عليها والارتفاق بها، أي فهو القادر على جلائل الفعال، العظيم الذي يستحق العبادة والإجلال، المنعم بجميع النعم، الجدير بأعلى مراتب الشكر، جعل الأرض بقدرته فراشًا لأجل منفعتكم"والسماء بناء"متماسكًا لكيلا تقع على الأرض فتسحقكم.

السماء مجموع ما فوقنا من العالم، والبناء وضع شيء على شيء بحيث يتكون من ذلك شيء بصورة مخصوصة: وقد كون الله السماء بنظام كنظام البناء، وسوى أجرامها على هذه الصفة المشاهدة وأمسكها بسنة الجاذبية فلا تقع على الأرض، ولا يصطدم بعضها ببعض، إلا إذا جاء يوم الوعيد، وبطل نظام هذا العالم ليعود في خلق جديد، والواجب ملاحظته في هذا المقام هو تصور قدرة الله تعالى وعظمته وسعة فضله ورحمته.

ثم بعد أن امتن بنعمة الإيجاد، ونعمة الفراش والمهاد، ونعمة السماء، التي هي كالبناء، وذكر نعمة الإمداد، الذي تحفظ به هذه الأجساد، وهي مادة الغذاء، التي بها النمو والبقاء، فقال ﴿ وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ  ﴾ والثمرات ما يحصل من النبات نجمًا كان أو شجرًا: يصلح الزارع والغارس الأرض، ويبذر البذر، ويغرس الفسيل ويتعاهد ذلك بالسقي والعذق، فيكون له كسب في رزقه، ولكنه ليس له كسب في إنزال المطر الذي يسقي به، ولا في تغذية النبات بماء المطر أو النهر المجتمع من المطر، وبأجزاء الأرض، وعناصرها الأُخر، ولا في تولد خلاياه التي بها نموه، ولا في إثماره إذا أثمر، وإنما كل ذلك بيد الله القدير - فعلينا أن نتفكر في ذلك لنزداد تعظيمًا له وإجلالًا فلا نعبد معه أحدًا.

وبعد أن عرفنا الله تعالى بأنفسنا، وبنعمته علينا وعلى سلفنا، وبعد أن عرفنا ذاته الكريمة، بآثار رحمته ومنته العظيمة، وصرنا جديرين بأن نعرف أن العبد عبد فلا يعبد، وأن الرب رب فلا يشرك به ولا يجحد، قال تفريعًا وترتيبًا على ما سبق ﴿ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا  ﴾ من سلفكم المخلوقين مثلكم، تطلبون منهم ما لا يطلب إلا منه، وهو كل ما تعجزون عنه، ولا يصل كسبكم إليه، لا تفعلوا ذلك فإنهم في الخلق والعبودية مثلكم.

الأنداد جمع ند (بكسر النون) وفسر بالشريك، وهو في اللغة المضارع والكفؤ، يقال فلان ند فلان ومن أنداد فلان أي يضارعه ويماثله ولو في بعض الشؤون.

والأنداد الذين اتخذوا في جانب الله هم الذين خضع الناس لهم وصمدوا إليهم في بعض الحاجات، لمعنى يعتقده فيهم الخاضعون المخاطبون بترك الأنداد أولًا وبالذات، وهم مشركو العرب وأهل الكتاب، فالعرب كانت تسمي ذلك الخضوع والصمد عبادة إذ لم يكن عندهم وحي ينهاهم عن عبادة غير الله فيتحاموا هذا اللفظ"العبادة"ويستبدلوا به لفظ التعظيم أو التوسل مثلًا تأويلًا لظاهر نص التنزيل.

وأما أهل الكتاب الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أندادًا وأربابًا فكانوا يؤولون فلا يسمون هذا الاتخاذ عبادة ولا أولئك المعظمين آلهة أو أندادًا أو أربابًا.

وفرق بين الاتخاذ بالفعل والتسمية بالقول، والجميع متفقون على أنه لا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله وإنما كانوا يسمون دعاءهم غير الله والتقرب إليه توسلًا واستشفاعًا، ويسمون تشريعهم لهم العبادات وتحليلهم لهم المنكرات، وتحريمهم عليهم بعض الطيبات، فقهًا واستنباطًا من التوراة.

إلا أن من النصارى من لا يتحامون التصريح بعبادة السيدة مريم وبعض القديسين استعمالًا للفظ في مدلوله اللغوي.

وصور العبادة تختلف عند الأمم اختلافًا عظيمًا وأعلاها عند المسلمين الأركان الخمسة والدعاء.

وقالوا كل عمل غير محظور تحسن فيه النية لله تعالى فهو عبادة، كأن المعنى الذي يجعل جميع الأعمال عبادة هو التوجه إلى الله تعالى وحده وابتغاء مرضاته، ولها عند أهل الكتاب صور أخرى، والمؤولون يخصون هذه الصور بالله تعالى وإذا ابتدعوا صورة فيها معنى العبادة يسمونها باسم آخر يستحلونها بل يستحبونها به، ولكنهم لا يخرجون بالتسمية أو التأويل عن حيز من يتخذ من دون الله أندادًا كما ذكر الله عنهم في قوله ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ  ﴾ ولم يكن منهم سوى التوسل بهم والأخذ في الدين بقولهم تقليدًا لهم بدون فهم لما جاء على لسان الوحي كما صح ذلك عن رسول الله  ، وقدماء الفرس جعلوا لله ندًا في الخلق والإيجاد فقالوا: إن للخير إلهًا هو الإله الأول، وإن للشر إلهًا يضاده، وليس النهي في الآية عن هذا الند الشريك لأن المخاطبين لا يدينون به كما قلنا وتدل عليه الآيات الكثيرة.

لذلك وصل النهي بقوله  ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ  ﴾ أي والحال أنكم تعلمون أنه لا ند له لأنكم إذا سئلتم مَنْ خلقكم وخلق من قبلكم؟

تقولون الله، وإذا سئلتم من يرزقكم من السموات والأرض ومن يدبر الأمر؟

تقولون الله.

فلماذا تستغيثون إذن بغير الله وتدعون غير الله؟

ومن أين أتيتم بهذه الوسائط التي لا تضر ولا تنفع وادعيتم أنهم شفعاؤكم عند الله؟

ومن أين جاءكم أن التقرب والتوسل إلى الله يكون بغير ما شرعه من الدين حتى قلتم (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله)؟

يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم، وخلق وسطاءكم وشفعاءكم، وأعدكم جميعًا للتقوى، التي تقربكم إليه زلفى، وساوى بينكم أنواع المواهب إلا أنه خص الأنبياء عليهم السلام بالوحي ليعلموكم ما أخطأ نظركم ورأيكم فيه، فعليكم أن تهتدوا بما جاؤوا به فإن صد المرؤوسين عن ترك تقاليدهم واتباع الوحي من غير زيادة فيه ولا نقصان من خَوْفُهم الرؤساء فقد آثروا رؤساءهم على الله وجعلوهم له أندادًا، وإن صد الرؤساءَ عن هذا الاتباع توقعُ زوال المنفعة والجاه لدى المرؤوسين فقد اتخذوهم أندادًا، فالند هو المكافيء والمثل، وأنتم بترككم الحق لخوفهم ورجائهم تفضلونهم على الله تعالى وتجعلونه أقل الأنداد تعظيمًا، ففروا رحمكم الله إلى الله، ولا تخافوا غيره ولا ترجوا سواه، فعار على من يعرف الله، أن يؤثر رضاء أحد على رضاه، لا فرق بين رئيس ومرؤوس، وتابع ومتبوع، بل هذا لا يقع من مؤمن حقيقي لأن الله تعالى يقول ﴿ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد