تفسير سورة البقرة الآيات ٢٣-٢٤ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ٢٣-٢٤

وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٢٣ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ ٢٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 10 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قلنا إن الكلام من أول السورة في القرآن وتفصيل أحوال الناس في الإيمان به وعدمه، وهذه الآية دليل على عدم الخروج عن هذا الموضوع في كل ما تقدم، فالآيات متصل بعضها ببعض كحبات من الجوهر نظمت في سلك واحد، فإنه بعد ما ذكر المتقين الذين يهتدون بالقرآن، وعلاماتهم، وبين خصائصهم وصفاتهم، وذكر الجاحدين المعاندين، وما هم عليه من العمى عن جلية الحق المبين، وما رزئوا به من الصمم المعنوي حتى لا يسمعون الحجج والبراهين، وما أصيبوا به من البكم بالنسبة لقول الحق أو سؤال المرشدين، ثم ذكر المذبذبين بين ذلك فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وذكر فرقهم وأصنافهم، وبين خلائقهم وأوصافهم، وضرب لهم الأمثال، ونضلهم في ميدان الجدال، بسهام الحجج النافذة، وسيوف البراهين القاطعة - بعد هذا كله تحداهم بالكتاب الذي يدعو إليه ويناضل عنه ويكافح دونه ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ  ﴾ فقال: ﴿ وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ  ﴾ أي يا أيها الناس عليكم بعد أن تنسلوا من مضيق الوساوس، وتتسللوا من مآزق الهواجس، وتنزعوا ما طوقكم به التقليد من القلائد، وتكسروا مقاطر ما ورثتم من العوائد، أن تهرعوا إلى الحق بذاته، فهذه آية من أظهر آياته، وهي عجزكم عن الإتيان بسورة مثل سور القرآن من رجل، أي مثل الذي جاءكم به، وهو عبدنا ورسولنا محمد  ، وإن عجزتم عن الإتيان بسورة من مثله تساوي سورة في هدايتها، وتضارعها في أسلوبها وبلاغتها، وأنتم فرسان البلاغة، وعصركم أرقى عصور الفصاحة، وقد اشتهر كثيرون منكم بالسبق في هذا الميدان، ولم يكن محمد  ممن يسابقكم من قبل في هذا الرهان، لأنه لم يؤت هذا الاستعداد بنفسه، ولم يتمرن عليه أو يتكلفه لمباراة أهله، فاعلموا أن ما جاء به بعد أربعين سنة فأعجزكم بعد سبقكم لم يكن إلا بوحي إلهي، وإمداد سماوي، لم يسم عقله إلى علمه، ولا بيانه إلى أسلوبه ونظمه.

وعبر عن كون الريب"بإن"للإيذان بأن من شأن هذا التنزيل أن لا يرتاب فيه، لأن الحق فيه ظاهر بذاته، يتلألأ نوره في كل آية من آياته، ولكن: إذا لم تكن للمرء عين صحيحة فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر والتنزيل من مادة النزول كالإنزال، وتقدم تفسيره، إلا أن صيغة (التفعيل) الدالة على التدريج أو التكثير، تفيد أن القرآن نزل نجومًا متفرقة، وهو الواقع، وصيغة أنزل لا تنفيه.

وقوله تعالى ﴿ مِنْ مِثْلِهِ  ﴾ فيه وجهان: (أحدهما) أن الضمير في"مثله" للقرآن المعبر عنه بقوله ﴿ مِمَّا نَزَّلْنَا  ﴾ .

(والثاني) أنه لعبدنا ..

وهو أرجح بدليل من الداخلة على"مثله"الدالة على النشوء، أي فإن كان أحد ممن يماثل الرسول بالأمية يقدر على الإتيان بسورة فليفعل، قال تعالى ﴿ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ  ﴾ الذين يشهدون لكم أنكم أتيتم بسورة من مثله، وهؤلاء الشهداء هم غير الله تعالى بالضرورة، أي ادعوا كل من تعتمدون عليه ليشهد لكم ﴿ مِنْ دُونِ اللَّهِ  ﴾ ، أو ادعوا كل أحد غير الله تعالى ليؤيد دعواكم كما أيد الله تعالى دعوة عبده  ، وانظروا هل يغنيكم دعؤكم شيئًا ﴿ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ في دعواكم أن عندكم فيه ريبًا، وإنما يصدق المرتاب في ريبه إذا خفيت الحجة، وغلبت الشبهة، وكان جادًا في النظر، فهو يقول: إن كنتم صدقتم في أنكم مرتابون فلديكم ما يمحص الحق فجدوا في الفكر، ولا تتوانوا في النظر، وتدبروا هذا الكتاب وها هو ذا معروض عليكم، وأتوا بسورة واحدة من مثل هذا النبي الأمي، فإذا أمكن لكم ذلك فلخاطر الريب أن يمر بنفوسكم، وإلا فما وجه إعراضكم عن دعوته، وإبطائكم عن تلبيته؟

أي إذا تجردت نفوسكم وخلصت عقولكم مما أنتم عليه من التقاليد والأهواء، ونظرتم في القرآن نظر إنصاف، فلا يمكن أن يحوّم الريب حولكم، ولا أن يدنو الشك فيه منكم، ولو فرضنا أن طائفًا منه مس قلوبكم فإن أمام أعينكم ما يدفعه وهو إعجاز القرآن.

ثم قال تعالى ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا  ﴾ الخ أي فإن لم تأتوا بسورة من مثله، وتجتثوا دليله من أصله.

وما أنتم بفاعلين، لأن هذا ليس في طاقة المخلوقين، فاتقوا النار التي أعدت لأمثالكم من الكافرين، الذين يجحدون الحق بعد البرهان المبين، وقوله تعالى ﴿ وَلَنْ تَفْعَلُوا  ﴾ جملة معترضة بين الشرط وجوابه، وهي مقصودة هنا في ذاتها لما فيها من تقوية الدليل وتقرير عجزهم بما يثير حميتهم ويغريهم بتكلف المعارضة، ولا يمكن أن يصدر مثل هذا النفي الاستقبالي المؤكد أو المؤبد من عاقل كالنبي  في أمر ممكن عقلًا لولا أن أنطقه الله الذي خصه بالوحي، وهو الذي يعلم غيب السموات والأرض، بأنه غير ممكن لأحد.

وعبر عن النفي وقوع الفعل منهم"بإن"التي يعبر بها عما يشك في شرطه، أو يجزم المتكلم بعدم وقوعه، ومقتضى القاعدة أن يكون الشرط هنا بإذا لأن المحقق أنهم لن يفعلوا كما صرحت به الآية، مع القطع بأن الله تعالى منزه عن الشك، ولكن القواعد التي تذكر في علم البلاغة قد ينظر فيها إلى حال المخاطب لا حال المتكلم، والمعول عليه هو ما يقصد المتكلم أن يبلغه من نفس المخاطب ويودعه في ذهنه، فههنا يخاطب الله المرتابين، والذين هم في جحودهم وعنادهم كالواثقين الموقنين، خطابًا يؤذن أوله بأن عدم الإتيان بما تحداهم به مشكوك فيه، ولازمه أن المعارضة جائزة منهم، وداخلة في حدود إمكانهم، خاطبهم بهذا مراعاة لظاهر حالهم التي تومئ إلى القدرة على المعارضة، وتشير إلى إمكان الإتيان بالسورة، ثم كر على هذا الإيذان، بل الإبهام، بالنقض، بلا تلبث أو تريث، وأبطل مراعاة الظاهر بل حولها إلى تهكم، بالنفي المؤكد الذي ذهب بذلك الذَّماء، واستبدل اليأس بالرجاء، كأنه يقول إن إعراضكم عن الإيمان، بعد سماع هذا القرآن، الذي أفاض العلوم على أمي لم يترب في معاهد العلم، وأظهر معجزات البلاغة على من لم يكن يعرف منه التبريز بها في نثر ولا نظم، يدل على أنكم تدعون استطاعة الإتيان بسورة من مثله وما أنتم بمستطيعين، ولو استعنتم عليه بجميع العالمين، ﴿ قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا  ﴾ .

كان يتحداهم بمثل هذه الآيات الصادعة التي تثير النخوة، وتهيج الغيرة، مع علو كعبهم في البلاغة ورسوخ عرقهم في أساليبها وفنونها، في عصر ارتقت فيه دولة الكلام، ارتقاء لم تعرف مثله الأيام، حتى كانوا يتبارون فيه ويتنافسون، ويباهون ويفاخرون، ويعقدون لذلك المجامع ويقيمون الأسواق، ثم يطيرون بأخبارهم في الآفاق، ومع هذا لم يتصد أحد منهم للمعارضة، ولم ينهض بليغ من مصاقعهم إلى المناهضة.

فلا شك أن الله قد رفع هذا الكلام إلى درجة لا يرقى البشر إليها، وهو تعالى جدّه العالم بمبلغ استطاعتهم، المالك لأعنة قدرتهم.

قال المتكلمون في بلاغة القرآن: إننا نجده لم يلتزم شيئًا مما كانوا يلتزمون بسجعهم وإرسالهم، ورجزهم، وأشعارهم، بل جاء على النمط الفطري، والأسلوب العادي، الذي يتسنى لكل إنسان أن يحذو مثاله، ولكنهم عجزوا فلم يأتوا ولن يأتي غيرهم بسورة من مثله، ثم نلاحظ أيضًا أن القرآن بهذا الأسلوب قد تحدى به كل من بلغه من العرب على تفرق ديارهم، وتنائي أقطارهم، وأرسل الرسول إلى الأطراف يدعو الناس إلى الإيمان به، فعمت الدعوة وبلغت مبلغًا، لم ينبر أحد للمعارضة كما قلنا.

ألا يدل هذا على نهاية العجز وعمومه وإحساس كل بليغ بالضعف في نفسه عن الانبراء لمباراته، والتسامي لمحاكاته، وعلى أن الله تعالى جعله فوق القُدَر، خارقًا لما يعتاد من كسب البشر؟

بلى، وإن لهذا الإعجاز وجهين: أحدهما -كونه معجزًا بذاته لأنه في مرتبة لا يمكن لبشر أن يرتقي إليها.

وثانيهما -أنه جاء على لسان أمي لبث أربعين سنة لم يوصف بالبلاغة ولم يؤثر عنه شيء من العلم.

وقد ذكروا وجوهًا أخرى للإعجاز ينطوي عليها القرآن منها قوله هنا ﴿ وَلَنْ تَفْعَلُوا  ﴾ بناء على أن المخبر هو الله تعالى عالم الغيب وما يكون في المستقبل.

ومن فائدة هذا القول في عهد نزوله، وقبل ظهور تأويله، أن قرعه لسمع من لا يؤمن بالغيب يقتضي أشد التحريض على المعارضة التي يظهر بها العجز ويقوم البرهان، بالإعجاز المقتضي للإيمان لولا مكابرة المستكبرين لوجدانهم، وجحود ألسنتهم لما استيقنته قلوبهم، ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ  ﴾ ، وأما من يؤمن بالغيب ويعتقد الخوارق فما عليه إلا أن ينتهي إلى عجزه ويبادر إلى الإيمان به وبرسالة من أنزل عليه، للعلم القطعي بأنه لا يمكن لعاقل أن يجزم بذلك إلا إذا كان مطلعًا على الغيب، فهو خبر عن الله  .

ثم قال تعالى مخاطبًا للفريقين بعد تسجيل العجز عليهم: ﴿ فَاتَّقُوا النَّارَ  ﴾ وهي موطن عذاب الآخرة، نؤمن بها لأنها من عالم الغيب الذي أخبر الله تعالى به، ولا نبحث عن حقيقتها ولا نقول إنها شبيهة بنار الدنيا ولا إنها غير شبيهة بها، وإنما نثبت لها جميع الأوصاف التي وصفها كما في قوله تعالى بها كقوله ﴿ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ  ﴾ المراد بالحجارة الأصنام كما في قوله تعالى ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ  ﴾ ، ولا يسبقن إلى الفهم أنها لا توجد إلا بوجود الناس والحجارة إذ يصح أن يكونوا وقودها بعد وجودها.

والوقود بالفتح ما توقد به النار، وبالضم مصدر وقد، وسمع المصدر بالفتح أيضًا.

وقال بعضهم في تفسير (وقودها): إن الناس بأعمالهم وعبادة بعضهم بعضًا وانحرافهم عن صراط الحق المستقيم، والحجارة بعبادة الناس لها - سببان في إيجاد النار وإعدادها لهم، فبذلك كانوا كالوقود الذي تضرم به النار، وفي الكلام تقديم السبب وهو الناس والحجارة على المسبب وهو قوله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ وبهذا التفسير يظهر الحصر في جملة ﴿ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ  ﴾ فإنها اسمية مُعَرَّفة الطرفين، وخص الحجارة بالذكر لأنها أظهر المعبودات عند العرب.

والمراد بالكافرين الذين لا يجيبون دعوة الأنبياء عليهم السلام والذين ينحرفون عن أصولها بعد الأخذ بها لبدع يبتدعونها، وتقاليد يحدثونها، وتأويلات يلفقونها.

فهؤلاء هم الذين أعدت وهيئت النار لهم لأنهم الذين يستحقون الخلود فيها، ومن وردها ورودًا وانتهى إلى موطن آخر فذلك الموطن هو الذي أعد له.

وليس بعد الدنيا موطن إلا الجنة جعلنا الله من أهلها بالتوفيق للتقوى، أو النار نعوذ بالله منها ومما يقرب إليها من قول وعمل.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله