الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٣ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 194 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم شرع تعالى في تقرير النبوة بعد أن قرر أنه لا إله إلا هو ، فقال مخاطبا للكافرين : ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ( فأتوا بسورة ) من مثل ما جاء به إن زعمتم أنه من عند غير الله ، فعارضوه بمثل ما جاء به ، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون الله ، فإنكم لا تستطيعون ذلك .
قال ابن عباس : ( شهداءكم ) أعوانكم [ أي : قوما آخرين يساعدونكم على ذلك ] .
وقال السدي ، عن أبي مالك : شركاؤكم [ أي استعينوا بآلهتكم في ذلك يمدونكم وينصرونكم ] .
وقال مجاهد : ( وادعوا شهداءكم ) قال : ناس يشهدون به [ يعني : حكام الفصحاء ] .
وقد تحداهم الله تعالى بهذا في غير موضع من القرآن ، فقال في سورة القصص : ( قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين ) [ القصص : 49 ] وقال في سورة سبحان : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) [ الإسراء : 88 ] وقال في سورة هود : ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) [ هود : 13 ] ، وقال في سورة يونس : ( وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) [ يونس : 37 ، 38 ] وكل هذه الآيات مكية .
ثم تحداهم [ الله تعالى ] بذلك - أيضا - في المدينة ، فقال في هذه الآية : ( وإن كنتم في ريب ) أي : [ في ] شك ( مما نزلنا على عبدنا ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم .
( فأتوا بسورة من مثله ) يعني : من مثل [ هذا ] القرآن ؛ قاله مجاهد وقتادة ، واختاره ابن جرير .
بدليل قوله : ( فأتوا بعشر سور مثله ) [ هود : 13 ] وقوله : ( لا يأتون بمثله ) [ الإسراء : 88 ] وقال بعضهم : من مثل محمد صلى الله عليه وسلم ، يعني : من رجل أمي مثله .
والصحيح الأول ؛ لأن التحدي عام لهم كلهم ، مع أنهم أفصح الأمم ، وقد تحداهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة ، مع شدة عداوتهم له وبغضهم لدينه ، ومع هذا عجزوا عن ذلك
القول في تأويل قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَـزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ قال أبو جعفر: وهذا من الله عز وجل احتجاجٌ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي قومه من العرب ومنافقيهم، وكفار أهل الكتاب وضُلالهم، الذين افتتح بقصَصهم قولَه جل ثناؤه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ، وإياهم يخاطب بهذه الآيات, وضُرباءَهم يَعني بها (150) ، قال الله جلّ ثناؤه: وإن كنتم أيها المشركون من العرب والكفارُ من أهل الكتابين، في شكٍّ -وهو الريب- مما نـزّلنا على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم من النور والبرهان وآيات الفرقان: أنه من عندي, وأنّي الذي أنـزلته إليه, فلم تُؤمنوا به ولم تصدّقوه فيما يقول, فأتوا بحجة تدفع حُجته، لأنكم تعلمون أن حجةَ كلّ ذي نبوّة على صدقه في دعوَاه النبوة: أن يأتي ببرهان يَعجز عن أن يأتيَ بمثله جَميعُ الخلق.
ومن حجة محمد صلى الله عليه وسلم على صدقه، وبُرْهانه على حقيقة نبوته (151) ، وأنّ ما جاء به من عندي - عَجزُ جميعكم وجميع من تستعينون به من أعوانكم وأنصاركم، عن أن تَأتوا بسورةٍ من مثله.
وإذا عَجزتم عن ذلك -وأنتم أهل البراعة في الفصاحة والبلاغة والذَّرابة (152) - فقد علمتم أن غيركم عما عَجزتم عنه من ذلك أعْجزُ.
كما كانَ برهانُ من سَلف من رُسلي وأنبيائي على صدْقه، وحُجتهُ على نبوته من الآيات، ما يَعجز عن الإتيان بمثله جميعُ خلقي.
فيتقرر حينئذ عندكم أنّ محمدًا لم يتقوَّله ولم يختلقْه, لأنّ ذلك لو كان منه اختلافًا وتقوُّلا لم تعجزوا وجميع خلقي عن الإتيان بمثله.
لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يَعْدُ أن يكون بَشرًا مثلكم, وفي مثل حالكم في الجسم وبَسطة الخلق وذرَابة اللسان - فيمكن أن يُظنّ به اقتدارٌ على ما عَجزْتم عنه, أو يتوهم منكم عجزٌ عما اقتدر عليه.
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " فأتوا بسورَة من مثله ".
491- فحدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة: " فأتوا بسورة من مثله "، يعني: من مثل هذا القرآن حقًّا وصدْقًا، لا باطل فيه ولا كذب.
492- حدثنا الحسن بن يحيى, قال: أنبأنا عبد الرزّاق, قال: أخبرنا &; 1-374 &; مَعمر، عن قتادة في قوله: " فأتوا بسورة من مثله "، يقول: بسورة مثلِ هذا القرآن (153) .
493- حدثني محمد بن عمرو الباهلي, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى بن ميمون, عن عبد الله بن أبي نَجيح, عن مجاهد: " فأتوا بسورة من مثله "، مثلِ القرآن.
494- حدثنا المثنى, قال: حدثنا أبو حُذيفة, قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، مثله.
495- حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, عن ابن جُريج, عن مجاهد: " فأتوا بسورة مِنْ مثله "، قال: " مثله " مثلِ القرآن (154) .
فمعنى قول مجاهد وقتادة اللذين ذكرنا عنهما (155) : أن الله جلّ ذكره قال لمن حاجَّه في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من الكفار: فأتوا بسورة من مثل هذا القرآن من كلامكم أيتها العرب, كما أتى به محمد بلغاتكم ومعاني منطقكم.
وقد قال قوم آخرون: إن معنى قوله: " فأتُوا بسورة من مثله "، من مثل محمد من البشر , لأن محمدًا بشر مثلكم (156) .
قال أبو جعفر: والتأويل الأول، الذي قاله مجاهد وقتادة، هو التأويل الصحيح.
لأن الله جَل ثناؤه قال في سُورة أخرى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [سورة يونس: 38]، ومعلومٌ أنّ السورة ليست لمحمد بنظير ولا شبيه, فيجوزُ أنْ يقال: فأتُوا بسورة مثل محمد.
فإن قال قائل: إنك ذكرتَ أن الله عني بقوله (157) " ، فأتوا بسورة من مثله "، &; 1-375 &; من مثل هذا القرآن, فهل للقرآن من مثل فيقال: ائتوا بسورة من مثله؟
قيل: إنه لم يعنِ به: ائتُوا بسورة من مثله في التأليف والمعاني التي باينَ بها سائرَ الكلام غيرَه, وإنما عنى: ائتوا بسورة من مثله في البيان، لأنّ القرآن أنـزله الله بلسان عربيّ, فكلام العرب لا شك له مثلٌ في معنى العربية.
فأمّا في المعنى الذي باين به القرآن سائرَ كلام المخلوقين, فلا مثلَ له من ذلك الوجه ولا نظيرَ ولا شبيه.
وإنما احتجّ الله جلّ ثناؤه عليهم لنبيه صلى الله عليه وسلم بما احتج به لهُ عليهم من القرآن (158) ، إذْ ظهر عجز القوم عن أن يأتوا بسورة من مثله في البيان, إذْ كان القرآن بيانًا مثلَ بيانهم, وكلامًا نـزل بلسانهم, فقال لهم جلّ ثناؤه: وإن كنتم في رَيب من أنّ ما أنـزلتُ على عَبدي من القرآن من عندي, فأتوا بسورة من كلامكم الذي هو مثلُه في العربية, إذْ كنتم عربًا, وهو بيانٌ نظيرُ بيانكم, وكلامٌ شبيهُ كلامِكم.
فلم يكلفهم جل ثناؤه أن يأتوا بسورة من غير اللسان الذي هو نظيرُ اللسان الذي نـزل به القرآن, فيقدِرُوا أن يقولُوا: كلفتنا ما لو أحسنَّاه أتينا به, وإنا لا نقدر على الإتيان به لأنا لسنا من أهل اللسان الذي كلفتنا الإتيان به, فليس لك علينا بهذا حجة (159) .
لأنا - وإن عَجزنا عن أن نأتي بمثله من غير ألسنتنا لأنّا لسنا من أهله (160) - ففي الناس خلقٌ كثير من غير أهل لساننا يقدرُ على أن يأتيَ بمثله من اللسان الذي كلفتنا الإتيان به.
ولكنه جل ثناؤه قال لهم: ائتوا بسورة مثله, لأن مثله من الألسن ألسنكم (161) ، وأنتم - إن كان محمدٌ اختلقه وافتراه, إذا اجتمعتم وتظاهرتُم على الإتيان بمثل سورة منه من لسانكم وبيانكم - &; 1-376 &; أقدرُ على اختلاقه ورَصْفِه وتأليفه من محمد صلى الله عليه وسلم (162) ، وإن لم تكونوا أقدرَ عليه منه، فلن تعجزوا -وأنتم جميعٌ- عما قدَر عليه محمدٌ من ذلك وهو وحيدٌ (163) ، إن كنتم صادقين في دعواكم وزعمكم أنّ محمدًا افتراه واختلقه، وأنه من عند غيرِي.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَـزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فقال ابن عباس بما: 496- حدثنا به محمد بن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد, عن ابن عباس: " وادعوا شُهداءكم من دون الله "، يعني أعوانكم على ما أنتم عليه, إن كنتم صادقين.
497- حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نَجيح, عن مجاهد: " وادعوا شُهداءكم "، ناس يَشهدون.
498- حدثني المثنى, قال: حدثنا أبو حُذيفة, قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، مثله.
499- حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا وكيع، عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد, قال: قوم يشهدون لكم.
&; 1-377 &; 500- حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, عن ابن جُريج, عن مجاهد: " وادعوا شهداءكم "، قال: ناس يشهدون.
قال ابن جُريج: " شهداءكم " عليها إذا أتيتم بها - أنها مثلُه، مثل القرآن (164) .
وذلك قول الله لمن شكّ من الكفار فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم .
وقوله " فادعوا "، يعني: استنصروا واستغيثوا (165) ، كما قال الشاعر: فَلَمَّــا الْتَقَــتْ فُرْسَـانُنَا وَرِجَـالُهُمْ دَعَـوْا: يَـا لَكَـعْبٍ!
وَاعْتَزَيْنَـا لِعَامِرِ (166) يعني بقوله: " دعوْا يالكعب "، استنصرُوا كعبًا واستغاثوا بهم (167) .
وأما الشهداء، فإنها جمعُ شهيد, كما الشركاء جمع شريك (168) ، والخطباء جمع خطيب.
والشهيد يسمى به الشاهدُ على الشيء لغيره بما يحقِّق دَعواه.
وقد يسمَّى به المشاهِدُ للشيء، كما يقال: فلان جليسُ فلان -يعني به مُجالسَه, ونديمه - يعني به مُنادِمَه, وكذلك يقال: شهيده - يعني به مُشاهِدَه.
فإذا كانت " الشهداء " محتملةً أن تكون جمعَ" الشهيد " الذي هو منصرف للمعنيين اللذين وصفتُ, فأولى وجهيه بتأويل الآية ما قاله ابن عباس, وهو أن يكون معناه: واستنصروا على أن تأتوا بسورة من مثله أعوانَكم وشُهداءكم الذين يُشاهدونكم ويعاونونكم على تكذيبكم الله ورسوله، ويظاهرونكم على كفركم ونفاقكم، إن كنتم مُحقّين في جُحودكم أنّ ما جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم اختلاق وافتراء, لتمتحنوا أنفسكم وغيرَكم: هل تقدرون على أن تأتوا بسورة من &; 1-378 &; مثله، فيقدرَ محمد على أن يأتي بجميعه من قِبَل نَفسه اختلاقًا؟
وأما ما قاله مجاهد وابن جُريج في تأويل ذلك، فلا وجه له.
لأن القوم كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصنافًا ثلاثة: أهل إيمان صحيح, وأهل كفر صحيح, وأهلَ نفاق بين ذلك.
فأهل الإيمان كانوا بالله وبرسوله مؤمنين, فكان من المحال أن يدّعي الكفار أن لهم شُهداء - على حقيقة ما كانوا يأتون به، لو أتوا باختلاق من الرسالة, ثم ادَّعوا أنه للقرآن نَظير - من المؤمنين (169) .
فأما أهلُ النفاق والكفر، فلا شكّ أنهم لو دُعُوا إلى تَحقيق الباطل وإبطال الحق لتتارعوا إليه مع كفرهم وضَلالهم (170) ، فمن أي الفريقين كانت تكون شُهداؤهم لو ادعوْا أنهم قد أتوْا بسورة من مثل القرآن (171) ؟
ولكنْ ذلك كما قال جل ثناؤه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [سورة الإسراء: 88]، فأخبر جل ثناؤه في هذه الآية، أنّ مثل القرآن لا يأتي به الجنّ والإنس ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان به، وتحدَّاهم بمعنى التوبيخ لهم في سورة البقرة فقال تعالى: " وإنْ كنتم في ريب مما نـزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إنْ كنتمْ صَادقين ".
يعني بذلك: إن كنتم في شَكّ في صدق محمد فيما جاءكم به من عندي أنه من عندي, فأتوا بسورة &; 1-379 &; من مثله, وليستنصر بعضُكم بعضًا على ذلك إن كنتم صادقين في زعمكم، حتى تعلموا أنكم إذْ عَجزتم عن ذلك - أنّه لا يقدر على أن يأتي به محمد صلى الله عليه وسلم، ولا من البشر أحدٌ, ويَصحَّ عندكم أنه تنـزيلي وَوحيي إلى عبدي.
------------------- الهوامش : (150) في المطبوعة : "وأخبر بأهم نعوتها" ، وهي في المخطوطة"+وحرناهم تعنى بها" غير منقوطة ولا بينة ، فاختار المصححون لها قراءة لا تحمل معنى!
والضرباء : جمع ضريب؛ فلان ضريب فلان : نظيره أو مثله .
(151) في المطبوعة : "وبرهانه على نبوته" .
(152) في المطبوعة : "والدارية" ، ولا معنى لها هنا ، وستأتي بعد أسطر على الصواب .
والذرابة : الحدة في كل شيء ، وحدة اللسان وفصاحته ولدده .
ذرب الرجل يذرب ذربًا وذرابة : فصح وصار حديد اللسان ، فهو ذرب اللسان (بفتح الذال وكسر الراء) .
(153) الأثر 492- في الدر المنثور 1 : 35 ، والشوكاني 1 : 40 .
(154) الآثار 493 - 495 في الدر المنثور 1 : 35 ، والشوكاني 1 : 40 ، وابن كثير 1 : 108 .
(155) في المطبوعة : "اللذين ذكرنا عنهما" .
(156) يعني فأتوا بسورة من عند بشر مثل محمد .
(157) في المطبوعة : "إنك ذكرت" ، بغير فاء .
(158) في المطبوعة : "بما احتج له عليهم" ، أسقط"به" .
(159) في المطبوعة : "حجة بهذا" على التأخير .
(160) في المطبوعة : "لسنا بأهله" .
(161) في المطبوعة : "ألسنتكم" .
(162) يقول : "وأنتم .
.
.
أقدر على اختلاقه .
.
" ، مبتدأ وخبر ، وما بينهما فصل .
وفي المطبوعة مكان"ورصفه" ، "ووضعه" .
والرصف : ضم الشيء بعضه إلى بعض ونظمه وإحكامه حتى يستوي .
ومنه : كلام رصيف : أي محكم لا اختلاف فيه .
(163) في المطبوعة"وهو وحده" ، وهذه أجود .
(164) الآثار 496 - 500 : في ابن كثير 1 : 108 بعضها ، والدر المنثور 1 : 35 ، والشوكاني 1 : 40 ، وفي المخطوطة في بعض المواضع : "أناس" مكان"ناس" ، وهما سواء .
(165) في المطبوعة : "واستعينوا" ، وهما متقاربتان ، والأولى أجود ، وهي كذلك في معاني القرآن للفراء 1 : 19 .
(166) البيت للراعي النميري ، اللسان (عزا) .
واعتزى : انتسب ، ودعا في الحرب بمثل قوله : يا لفلان ، أو يا للمهاجرين ، أو يا للأنصار ، والاسم العزاء والعزوة ، وهي دعوى المستغيث .
(167) في المطبوعة : "واستعانوا" ، كما سلف في أختها قبل .
(168) في المطبوعة : "كالشركاء" .
(169) قوله"من المؤمنين" متعلق بقوله آنفًا "أن لهم شهداء .
.
" ، يعني شهداء من المؤمنين .
ثم فصل ، لأن قوله"على حقيقة ما كانوا يأتون به .
.
" متعلق أيضًا ، بشهداء .
(170) في المطبوعة : "لسارعوا إليه مع كفرهم وضلالهم" .
وتترع إلى الشيء : تسرع إليه ، يقال في التسرع إلى الشر وما لا ينبغي .
وما في المخطوطة"تتارعوا" صحيح في اشتقاق العربية ، وإن لم تذكره المعاجم ، وهو مثل تسرع وتسارع ، سواء .
(171) في المطبوعة"فمن أي الفرق .
.
" ، وكلام الطبري استفهام واستنكار .
لأن من المحال أن يشهد المؤمنون على هذا الباطل ، والكفار وأهل النفاق يتسرعون إلى الشهادة بالباطل لإبطال الحق ، فكان محالا أن يكون معنى"الشهداء" هنا : الذين يشهدون لهم ، أن ما جاءوا به نظير ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى .
وصار حتما أن يكون معنى"الشهداء" : الذين يظاهرونهم ويعاونونهم ، كما جاء في الآية التالية .
قوله تعالى : وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين[ ص: 222 ] قوله تعالى : وإن كنتم في ريب أي في شك " مما نزلنا " يعني القرآن ، والمراد المشركون الذين تحدوا ، فإنهم لما سمعوا القرآن قالوا : ما يشبه هذا كلام الله ، وإنا لفي شك منه ، فنزلت الآية .
ووجه اتصالها بما قبلها أن الله سبحانه لما ذكر في الآية الأولى الدلالة على وحدانيته وقدرته ذكر بعدها الدلالة على نبوة نبيه ، وأن ما جاء به ليس مفترى من عنده .قوله على عبدنا يعني محمدا صلى الله عليه وسلم .
والعبد مأخوذ من التعبد وهو التذلل ، فسمي المملوك - من جنس ما يفعله - عبدا لتذلله لمولاه ، قال طرفة :إلى أن تحامتني العشيرة كلها وأفردت إفراد البعير المعبدأي المذلل .
قال بعضهم : لما كانت العبادة أشرف الخصال والتسمي بها أشرف الخطط ، سمى نبيه عبدا ، وأنشدوا :يا قوم قلبي عند زهراء يعرفه السامع والرائيلا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائيفأتوا بسورة الفاء جواب الشرط ، ائتوا مقصور لأنه من باب المجيء ، قاله ابن كيسان .
وهو أمر معناه التعجيز ; لأنه تعالى علم عجزهم عنه .
والسورة واحدة السور .
وقد تقدم الكلام فيها وفي إعجاز القرآن ، فلا معنى للإعادة .
و " من " في قوله " من مثله " زائدة ، كما قال فأتوا بسورة مثله والضمير في مثله عائد على القرآن عند الجمهور من العلماء ، كقتادة ومجاهد وغيرهما .
وقيل : يعود على التوراة والإنجيل .
فالمعنى فأتوا بسورة من كتاب مثله فإنها تصدق ما فيه .
وقيل : يعود على النبي صلى الله عليه وسلم .
المعنى : من بشر أمي مثله لا يكتب ولا يقرأ .
فمن على هذين التأويلين للتبعيض ، والوقف على مثله ليس بتام ; لأن وادعوا نسق عليه .قوله تعالى : وادعوا شهداءكم معناه أعوانكم ونصراءكم .
الفراء : آلهتكم .
وقال ابن كيسان : فإن قيل كيف ذكر الشهداء هاهنا ، وإنما يكون الشهداء ليشهدوا أمرا ، أو ليخبروا بأمر شهدوه ، وإنما قيل لهم : فأتوا بسورة من مثله ؟
فالجواب : أن المعنى استعينوا بمن وجدتموه من علمائكم ، وأحضروهم ليشاهدوا ما تأتون به ، فيكون الرد على الجميع أوكد في الحجة عليهم .[ ص: 223 ] قلت : هذا هو معنى قول مجاهد .
قال مجاهد : معنى : وادعوا شهداءكم أي ادعوا ناسا يشهدون لكم ، أي يشهدون أنكم عارضتموه .
النحاس : " شهداءكم " نصب بالفعل ، جمع شهيد ، يقال : شاهد وشهيد ، مثل قادر وقدير .وقوله من دون الله أي من غيره ، ودون نقيض فوق ، وهو تقصير عن الغاية ، ويكون ظرفا .
والدون : الحقير الخسيس ، قال :إذا ما علا المرء رام العلاء ويقنع بالدون من كان دوناولا يشتق منه فعل ، وبعضهم يقول منه : دان يدون دونا .
ويقال : هذا دون ذاك ، أي أقرب منه .
ويقال في الإغراء بالشيء : دونكه .
قالت تميم للحجاج : أقبرنا صالحا - وكان قد صلبه - فقال : دونكموه .قوله تعالى : إن كنتم صادقين فيما قلتم من أنكم تقدرون على المعارضة ، لقولهم في آية أخرى : لو نشاء لقلنا مثل هذا والصدق : خلاف الكذب ، وقد صدق في الحديث .
والصدق : الصلب من الرماح .
ويقال : صدقوهم القتال .
والصديق : الملازم للصدق .
ويقال : رجل صدق ، كما يقال : نعم الرجل .
والصداقة مشتقة من الصدق في النصح والود .
وهذا دليل عقلي على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم, وصحة ما جاء به، فقال: { وإن كنتم } معشر المعاندين للرسول, الرادين دعوته, الزاعمين كذبه في شك واشتباه, مما نزلنا على عبدنا, هل هو حق أو غيره ؟
فهاهنا أمر نصف، فيه الفيصلة بينكم وبينه، وهو أنه بشر مثلكم, ليس بأفصحكم ولا بأعلمكم وأنتم تعرفونه منذ نشأ بينكم, لا يكتب ولا يقرأ، فأتاكم بكتاب زعم أنه من عند الله, وقلتم أنتم أنه تقوَّله وافتراه، فإن كان الأمر كما تقولون, فأتوا بسورة من مثله, واستعينوا بمن تقدرون عليه من أعوانكم وشهدائكم, فإن هذا أمر يسير عليكم، خصوصا وأنتم أهل الفصاحة والخطابة, والعداوة العظيمة للرسول، فإن جئتم بسورة من مثله, فهو كما زعمتم, وإن لم تأتوا بسورة من مثله وعجزتم غاية العجز, ولن تأتوا بسورة من مثله، ولكن هذا التقييم على وجه الإنصاف والتنزل معكم، فهذا آية كبرى, ودليل واضح [جلي] على صدقه وصدق ما جاء به, فيتعين عليكم اتباعه, واتقاء النار التي بلغت في الحرارة العظيمة [والشدة], أن كانت وقودها الناس والحجارة, ليست كنار الدنيا التي إنما تتقد بالحطب, وهذه النار الموصوفة معدة ومهيأة للكافرين بالله ورسله.
فاحذروا الكفر برسوله, بعد ما تبين لكم أنه رسول الله.
وهذه الآية ونحوها يسمونها آيات التحدي, وهو تعجيز الخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن، قال تعالى { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } وكيف يقدر المخلوق من تراب, أن يكون كلامه ككلام رب الأرباب؟
أم كيف يقدر الناقص الفقير من كل الوجوه, أن يأتي بكلام ككلام الكامل, الذي له الكمال المطلق, والغنى الواسع من كل الوجوه؟
هذا ليس في الإمكان, ولا في قدرة الإنسان، وكل من له أدنى ذوق ومعرفة [بأنواع] الكلام, إذا وزن هذا القرآن العظيم بغيره من كلام البلغاء, ظهر له الفرق العظيم.
وفي قوله: { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ } إلى آخره, دليل على أن الذي يرجى له الهداية من الضلالة: [هو] الشاك الحائر الذي لم يعرف الحق من الضلال، فهذا إذا بين له الحق فهو حري بالتوفيق إن كان صادقا في طلب الحق.
وأما المعاند الذي يعرف الحق ويتركه, فهذا لا يمكن رجوعه, لأنه ترك الحق بعد ما تبين له, لم يتركه عن جهل, فلا حيلة فيه.
وكذلك الشاك غير الصادق في طلب الحق, بل هو معرض غير مجتهد في طلبه, فهذا في الغالب أنه لا يوفق.
وفي وصف الرسول بالعبودية في هذا المقام العظيم, دليل على أن أعظم أوصافه صلى الله عليه وسلم, قيامه بالعبودية, التي لا يلحقه فيها أحد من الأولين والآخرين.
كما وصفه بالعبودية في مقام الإسراء، فقال: { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } وفي مقام الإنزال، فقال: { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ } وفي قوله: { أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } ونحوها من الآيات, دليل لمذهب أهل السنة والجماعة, أن الجنة والنار مخلوقتان خلافا للمعتزلة، وفيها أيضا, أن الموحدين وإن ارتكبوا بعض الكبائر لا يخلدون في النار, لأنه قال: { أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } فلو كان [عصاة الموحدين] يخلدون فيها, لم تكن معدة للكافرين وحدهم، خلافا للخوارج والمعتزلة.
وفيها دلالة على أن العذاب مستحق بأسبابه, وهو الكفر, وأنواع المعاصي على اختلافها
{وإن كنتم في ريب} أي (وإن) كنتم في شك، لأن الله تعالى علم أنهم شاكون.
{مما نزلنا} يعني القرآن.
{على عبدنا} محمد.
{فأتوا} أمر تعجيز.
{بسورة} والسورة قطعة من القرآن معلومة الأول والآخر من أسأرت أي أفضلت، حذفت الهمزة، وقيل: السورة اسم للمنزلة الرفيعة، ومنه سور البناء لارتفاعه؛ سميت سورة لأن القارئ ينال بقراءتها منزلة رفيعة حتى يستكمل المنازل باستكماله سور القرآن.
{من مثله} أي مثل القرآن (( ومن )) صلة، كقوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} [30-النور] وقيل: الهاء في مثله راجعة لمحمد صلى الله عليه وسلم يعني: من مثل محمد صلى الله عليه وسلم أمي لا يحسن الخط والكتابة [ قال محمود هاهنا من مثله دون سائر السور، لأن مِن للتبعيض وهذه السورة أول القرآن بعد الفاتحة فأدخل (مِن) ليعلم أن التحدي واقع على جميع سور القرآن، ولو أدخل (مِن) في سائر السور كان التحدي واقعاً على جميع سور القرآن، ولو أدخل خفي سائر السور كان التحدي واقعاً على بعض السور ].
{وادعوا شهداءكم} أي واستعينوا بآلهتكم التي تعبدونها.
{من دون الله} قال مجاهد: "ناساً يشهدون لكم".
{إن كنتم صادقين} أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقوله من تلقاء نفسه فلما تحداهم عجزوا.
فقال:
«وإن كنتم في ريب» شك «مما نزلنا على عبدنا» محمد من القرآن أنه من عند الله «فأتوا بسورة من مثله» أي المنزل ومن للبيان أي هي مثله في البلاغة وحسن النظم والإخبار عن الغيب.
والسورة قطعة لها أول وآخر أقلها ثلاث آيات «وادعوا شهداءكم" آلهتكم التي تعبدونها» من دون الله» أي غيره لتعينكم «إن كنتم صادقين» في أن محمدا قاله من عند نفسه فافعلوا ذلك فإنكم عربيون فصحاء مثله ولما عجزوا عن ذلك قال تعالى:
وإن كنتم -أيها الكافرون المعاندون- في شَكٍّ من القرآن الذي نَزَّلناه على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتزعمون أنه ليس من عند الله، فهاتوا سورة تماثل سورة من القرآن، واستعينوا بمن تقدرون عليه مِن أعوانكم، إن كنتم صادقين في دعواكم.
وبعد أن ساق - سبحانه - في هاتين الآيتين البراهين الساطعة الدالة على وحدانية الله؛ ونفي عقيدة الشرك ، أورد بعد ذلك الدلائل الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن هذا القرآن ليس من صنع بشر ، وإنما هو كلام واهب القوى والقدر فقال - تعالى - :( وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ .
.
.
)في هاتين الآيتين انتقال لإِثبات الجزء الثاني من جزأى الإِيمان ، وهو صدق النبي صلى الله عليه وسل - في رسالته ، بعد أن تم إثبات الجزء الأول من ذلك وهو وحدانية الله - تعالى - وعظيم قدرته .والمعنى : إن رتبتم أيها المشركون في شأن هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد على مهل وتدريج ، فأتوا أنتم بسورة من مثله في سمو الرتبة ، وعلو الطبقة واستعينوا على ذلك بآلهتكم وبكل من تتوقعون منهم العون ، ليساعدوكم في مهمتكم ، أو ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بما يمائله ، إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم تقدرون على معارضة القرآن الكريم .والمقصود بقوله : ( وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا .
.
.
) نفي الريب عن المنزل عليه - وهو محمد صلى الله عليه وسلم - بنفيه عن المنزل وهو القرآن الكريم .والتعبير عن اعتقادهم في حقه بالريب للإِيذان بأن أقصى ما يمكن صدوره عنهم هو الارتياب في شأنه ، أو للتنبيه على أن كلامهم في شأن القرآن هو بمنزلة الريب الضعيف لكمال وضوح الدلائل الدالة على أن القرآن من عند الله - تعالى- .وعبر بقوله : ( وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ) ولم يقل : وإن ارتبتم فيما نزلنا ، للإِشارة إلى أن ذات القرآن لا يتطرق إليها ريب ، ولا يطير إلى أفقها شرارة من شك ، وأنه إن أثير حوله أي شك فمرجعه إلى انطماس بصيرتهم ، وضعف تفكيرهم ، واستيلاء الحقد والعناد على نفوسهم .وأني بإن المفيدة للشك مع أن كونهم في ريب مما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم أمر محقق ، تنزيلا للمحقق منزلة المشكوك فيه ، وتنزيهاً لساحة القرآن عن أن يتحقق الشك فيه من أي أحد ، وتوبيخاً لهم على وضعهم الأمور في غير مواضعها .ووجه الإِتيان بفي الدالة على الظرفية ، للإِشارة إلى أنهم قد امتلكهم الريب وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف .وقال ( نَزَّلْنَا ) دون أنزلنا ، لأن المراد النزول على سبيل التدريج ، ومن المعروف أن القرآن قد نزل منجما في مدة تزيد على عشرين سنة .قال صاحب الكشاف : ( فإن قلت : لم قيل : ( مما نزلنا ) على لفظ التنزيل دون الإِنزال؟
قلت : لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم وذلك أنهم كانوا يقولون : لو كان هذا القرآن من عند الله ، لم ينزل هكذا نجوماً سورة بعد سورة ، وآيات عقب آيات ، على حسب النوازل ، وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من جود ما يوجد منهم مفرقاً حيناً فحيناً حسب ما يعن لهم من الأحوال المتجددة .
.
.
فقيل لهم : إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج ، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبة ، وهاتوا نجماً فردا من نجومه : سورة من أصغر السور ، أو آيات شتى مفترقات ، وهذا غاية التبكيت ومنتهى إزاحة العلل ) اه ملخصاً .والمراد بالعبد في قوله - تعالى - : ( على عَبْدِنَا ) محمد - صلى الله عليه وسلم - وفي إضافته إلى الله - تعالى - تنبيه على شرف منزلته عنده ، واختصاصه به .وفي ذكره صلى الله عليه وسلم باسم العبودية ، تذكير لأمته بهذا المعنى ، حتى لا يغالوا في تعظيمه فيدعوا ألوهية كما غالت بعض الفرق في تعظيم أبنيائها أو زعمائهم فادعت ألوهيتهم .والسورة : الطائفة من القرآن المسماة باسم خاص ، والتي أقلها ثلاث آيات ، والضمير في قوله ( من مثله ) يعود على المنزل وهو القرآو .والمراد من مثل القرآن : ما يشابهه في حسن النظم ، وبراعة الأسلوب وحكمة المعنى .
وهذا الوجه من الإِعجاز يتحقق في كل سورة .وقيل : إن الضمير في قوله ( من مثله ) يعود على المنزل عليه القرآن ، وهو - النبي صلى الله عليه وسلم - ولكن الرأي الأول أرجح .قال الإِمام الرازي ما ملخصه : وعود الضمير إلى القرىن أرجح لوجوه :أحدها : أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في باب التحدي لا سيما ما ذكره في سورة يونس من قوله : ( فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ .
.
.
) .وثانيها : أن البحث إنما وقع في المنزل وهو القرآن ، لأنه قال : ( وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا .
.
.
) فوجب صرف الضمير إليه ، ألا ترى أن المعنى ، وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم شيئاً مما يماثله ، وقضية الترتيب لو كان الضمير مردودا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال : وإن ارتبتم في أن محمدا منزل عليه فهاتوا قرآنا مثله .وثالثها : أن الضمير للو كان عائدا إلى القرآن لاقتضى كونهم عاجزين عن الإِتيان بمثله سواء اجتمعوا أو انفردوا وسواء كانوا أميين أو عالمين ، أما لو كان عائداً إلى محمد صلى الله عليه وسلم فذلك لا يقتضي إلا كون آحادهم من الأميين عاجزين عنه ، لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الأمي ، فأما لو اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوا مثل محمد ، لأن الجماعة لا تماثل الواحد .
والقارئ لا يكون مثل الأمي ، ولا شك أن الإِعجاز على الوجه الأول أقوى .ورابعها : أننا لو صرفنا الضمير إلى محمد صلى الله عليه وسلم لكان ذلك يوهم أن صدور مثل القرآن مما لم يكن مثل محمد في كونه أميا ممكن ، ولو صرفناه إلى القرآن لدل ذلك على أن صدور مثله من الأمي ومن غير الأمي ممتنع فكان هذا أولى .وقوله - تعالى - : ( وادعوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ الله ) معطوف على قوله : ( فَأْتُواْ بِسُورَةٍ ) .وادعوا : من الدعاء ، والمراد به هنا : طلب حضور المدعو أي : نادوهم .وشهداءكم : أي : آلهتكم ، جمع شهيد وهو القائم بالشهادة ، فقد كانوا يزعمون أن آلهتهم تشهد لهم يوم القيامة بأنهم على حق .وقيل : الشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو الناصر أو الإِمام ، وكأنه سمى به لأنه يحضر المجالس وتبمر بمحضره الأمور .ودون : بمعنى غير : وتطلق في أصل اللغة على أدنى مكان من الشيء ، ومنه تدوين الكتب لأنه إدناء البعض من البعض ، ودونك هذا أي : خذه من أدنى مكان منك ، ثم استعير للتفاوت في الرتب فقيل : زيد دون عمرو أي : في الشرف ، ومنه الشيء الدون ، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد ، وتخطى أمر إلى أمر .قال الجمل : ( والمعنى ) : وادعوا إلى المعارضة من حضركم أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله ، فإنه لا يقدر على أن يأتي بمثله إلا الله .
.
، أو ادعوا من دون الله شهداء يشهدون لكم بأن ما أتيتم به مثله ، ولا تستشهدوا بالله ، فإن الاستشهاد به من عادة المبهوت العاجز عن إقامة الحجة ، أو شهداءكم الذين اتخذتموهم من دون الله آلأهة وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة .
.
.
.وفي أمرهم بدعوة أصنامهم وهي جماد ، وفي تسميتها شهداء مع إضافتها إليهم مع أنه لا تعقل ولا تنطق ، في كل ذلك أقوى ألوان التهكم ، لكي يثير في نفوسهم من الألم ما قد يكون سبباً لتنبيههم ، إلى جهلهم ، وانصرافهم عن ضلالهم .وقوله - تعالى - : ( إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) جملة معترضة في آخر الكلام وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق دلالة واضحة حتى صار ذكره في نظم الكلام مما ينزل به عن مرتبة البلاغة .والمعنى : إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم تقدرون على معارضة القرآن فأتوا بسورة من مثله .
وادعوا آلهتكم وبلغاءكم وجميع البشر ليعينوكم أو ليشهدو لكم أنكم أتيتم بما يماثله في حكمة معانيه وحسن بيانه .وفي هذه الآية الكريمة إثارة لحماستهم ، إذ عرض بعدم صدقهم ، فتتوفر دواعيهم على المعارضة التي زعموا أنهم أهل لها .
الكلام في النبوة في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أقام الدلائل القاهرة على إثبات الصانع وأبطل القول بالشريك عقبه بما يدل على النبوة، وذلك يدل على فساد قول التعليمية الذين جعلوا معرفة الله مستفادة من معرفة الرسول، وقول الحشوية الذين يقولون لا تحصل معرفة الله إلا من القرآن والأخبار، ولما كانت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مبنية على كون القرآن معجزاً أقام الدلالة على كونه معجزاً.
واعلم أن كونه معجزاً يمكن بيانه من طريقين: الأول: أن يقال إن هذا القرآن لا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون مساوياً لسائر كلام الفصحاء، أو زائداً على سائر كلام الفصحاء بقدر لا ينقض العادة أو زائداً عليه بقدر ينقض، والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث، وإنما قلنا إنهما باطلان، لأنه لو كان كذلك لكان من الواجب أن يأتوا بمثل سورة منه إما مجتمعين أو منفردين، فإن وقع التنازع وحصل الخوف من عدم القبول فالشهود والحكام يزيلون الشبهة، وذلك نهاية في الاحتجاج لأنهم كانوا في معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية.
وكانوا في محبة إبطال أمره في الغاية حتى بذلوا النفوس والأموال وارتكبوا ضروب المهالك والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل، وكل ذلك يوجب الاتيان بما يقدح في قوله والمعارضة أقوى القوادح، فلما لم يأتوا بها علمنا عجزهم عنها فثبت أن القرآن لا يماثل قولهم، وأن التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتاً معتاداً فهو إذن تفاوت ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزاً، فهذا هو المراد من تقرير هذه الدلالة فظهر أنه سبحانه كما لم يكتف في معرفة التوحيد بالتقليد فكذا في معرفة النبوة لم يكتف بالتقليد؛ واعلم أنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان فصاحته، ومع ذلك فإنه في الفصاحة بلغ النهاية التي لا غاية لها وراءها فدل ذلك على كونه معجزاً، أحدها: أن فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتفقت العرب عليها في كلامهم.
وثانيها: أنه تعالى راعى فيه طريقة الصدق وتنزه عن الكذب في جميعه وكل شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نزل شعره ولم يكن جيداً ألا ترى أن لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما نزل شعرهما.
ولم يكن شعرهما الإسلامي في الجودة كشعرهما الجاهلي وأن الله تعالى مع ما تنزه عن الكذب والمجازفة جاء بالقرآن فصيحاً كما ترى.
وثالثها: أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في القصيدة في البيت والبيتين.
والباقي لا يكون كذلك، وليس كذلك القرآن لأنه كله فصيح بحيث يعجز الخلق عنه كما عجزوا عن جملته.
ورابعها: أن كل من قال شعراً فصيحاً في وصف شيء فإنه إذا كرره لم يكن كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأول.
وفي القرآن التكرار الكثير ومع ذلك كل واحد منها في نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلاً.
وخامساً: أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحث على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة، وأمثال هذه الكلمات توجب تقليل الفصاحة.
وسادسها: أنهم قالوا إن شعر امرئ القيس يحسن عند الطرب وذكر النساء وصفة الخيل.
وشعر النابغة عند الخوف، وشعر الأعشى عند الطلب ووصف الخمر، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء، وبالجملة فكل شاعر يحسن كلامه في فن فإنه يضعف كلامه في غير ذلك الفن، أما القرآن فإنه جاء فصيحاً في كل الفنون على غاية الفصاحة، ألا ترى أنه سبحانه وتعالى قال في الترغيب: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين ﴾ وقال في الترهيب: ﴿ أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر تِ ﴾ وقال: ﴿ ءَأَمِنتُم مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴾ الآية وقال: ﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ ويأتيه الموت من كل مكان ﴾ وقال في الزجر ما لا يبلغه وهم البشر وهو قوله: ﴿ فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا ﴾ وقال في الوعظ ما لا مزيد عليه ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِن متعناهم سِنِين ﴾ وقال في الإلهيات: ﴿ الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى مَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَاد ﴾ إلى آخره.
وسابعها: أن القرآن أصل العلوم كلها فعلم الكلام كله في القرآن، وعلم الفقه كله مأخوذ من القرآن، وكذا علم أصول الفقه.
وعلم النحو واللغة، وعلم الزهد في الدنيا وأخبار الآخرة، واستعمال مكارم الأخلاق، ومن تأمل كتابنا في دلائل الإعجاز علم أن القرآن قد بلغ في جميع وجوه الفصاحة إلى النهاية القصوى، الطريق الثاني: أن نقول: القرآن لا يخلوا إما أن يقال إنه كان بالغاً في الفصاحة إلى حد الإعجاز، أو لم يكن كذلك فإن كان الأول ثبت أنه معجز.
وإن كان الثاني كانت المعارضة على هذا التقدير ممكنة فعدم إتيانهم بالمعارضة مع كون المعارضة ممكنة ومع توفر دواعيهم على الإتيان بها أمر خارق العادة فكان ذلك معجزاً فثبت أن القرآن معجز على جميع الوجوه وهذا الطريق عندنا أقرب إلى الصواب.
المسألة الثانية: إنما قال: ﴿ نَزَّلْنَا ﴾ على لفظ التنزيل دون الإنزال لأن المراد النزول على سبيل التدريج، وذكر هذا اللفظ هو اللائق بهذا المكان لأنهم كانوا يقولون: لو كان هذا من عند الله ومخالفاً لما يكون من عند الناس لم ينزل هكذا نجوماً سورة بعد سورة على حسب النوازل ووقوع الحوادث وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقاً حيناً فحيناً بحسب ما يظهر من الأحوال المتجددة والحاجات المختلفة فإن الشاعر لا يظهر ديوان شعره دفعة والمترسل لا يظهر ديوان رسائله وخطبه دفعة فلو أنزله الله تعالى لأَنزله على خلاف هذه العادة جملة.
﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً واحدة ﴾ والله سبحانه وتعالى ذكر هاهنا ما يدل على أن القرآن معجز مع ما يزيل هذه الشبهة وتقريره أن هذا القرآن النازل على هذا التدريج إما أن يكون من جنس مقدور البشر أو لا يكون، فإن كان الأول وجب إتيانهم بمثله أو بما يقرب منه على التدريج، وإن كان الثاني ثبت أنه مع نزوله على التدريج معجز وقرئ على عبادنا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته.
المسألة الثالثة: السورة هي طائفة من القرآن، وواوها إن كانت أصلاً فإما أن تسمى بسور المدينة وهو حائطها لأنها طائفة من القرآن محدودة كالبلد المسور أو لأنها محتوية على فنون من العلم كاحتواء سور المدينة على ما فيها، وإما أن تسمى بالسورة التي هي الرتبة لأن السورة بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارئ وهي أيضاً في أنفسها طوال وأوساط وقصار.
أو لرفعة شأنها وجلالة محلها في الدين، وإن جعلت واوها منقلبة عن همزة فلأنها قطعة وطائفة من القرآن كالسورة التي هي البقية من الشيء والفضلة منه.
فإن قيل فما فائدة تقطيع القرآن سوراً قلنا من وجوه: أحدها: ما لأجله بوب المصنفون كتبهم أبواباً وفصولاً.
وثانيها: أن الجنس إذا حصل تحته أنواع كان أفراد كل نوع عن صاحبه أحسن.
وثالثها: أن القارئ إذا ختم سورة أو باباً من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأثبت على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله، ومثله المسافر إذا علم أنه قطع ميلاً أو طوى فرسخاً نفس ذلك عنه ونشطه للسير.
ورابعها: أن الحافظ إذا حفظ السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيجل في نفسه ذلك ويغتبط به، ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ ﴾ يدل على أن القرآن وما هو عليه من كونه سوراً هو على حد ما أنزله الله تعالى بخلاف قول كثير من أهل الحديث: إنه نظم على هذا الترتيب في أيام عثمان فلذلك صح التحدي مرة بسورة ومرة بكل القرآن.
المسألة الخامسة: اعلم أن التحدي بالقرآن جاء على وجوه: أحدها: قوله: ﴿ فَأْتُواْ بكتاب مّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى ﴾ .
وثانيها: قوله: ﴿ قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ .
وثالثها: قوله: ﴿ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ .
ورابعها: قوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ ﴾ ونظير هذا كمن يتحدى صاحبه بتصنيفه فيقول ائتني بمثله، ائتني بنصفه، ائتني بربعه، ائتني بمسألة منه، فإن هذا هو النهاية في التحدي وإزالة العذر فإن قيل قوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ ﴾ يتناول سورة الكوثر، وسورة العصر وسورة قل يا أيها الكافرون، ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن فإن قلتم إن الإتيان بأمثال هذه السور خارج عن مقدور البشر كان ذلك مكابرة والإقدام على أمثال هذه المكابرات مما يطرق التهمة إلى الدين، قلنا فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني، وقلنا إن بلغت هذه السورة في الفصاحة إلى حد الإعجاز فقد حصل المقصود، وإن لم يكن الأمر كذلك كان امتناعهم عن المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجزاً.
فعلى هذين التقديرين يحصل المعجز.
المسألة السادسة: الضمير في قوله: ﴿ مّن مّثْلِهِ ﴾ إلى ماذا يعود وفيه وجهان: أحدهما: أنه عائد إلى ما في قوله: ﴿ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا ﴾ أي فأتوا بسورة مما هو على صفته في الفصاحة وحسن النظم والثاني: أنه عائد إلى عبدنا أي فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشراً أمياً لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء، والأول مروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس والحسن وأكثر المحققين، ويدل على الترجيح له وجوه: أحدها: أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في باب التحدي لا سيما ما ذكره في يونس ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ ﴾ .
وثانيها: أن البحث إنما وقع في المنزل لأنه قال: ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا ﴾ فوجب صرف الضمير إليه، ألا ترى أن المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا شيئاً مما يماثله وقضية الترتيب لو كان الضمير مردوداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال: وإن ارتبتم في أن محمد منزل عليه فهاتوا قرآناً من مثله.
وثالثها: أن الضمير لو كان عائداً إلى القرآن لاقتضى كونهم عاجزين عن الإتيان بمثله سواء اجتمعوا أو انفردوا وسواء كانوا أميين أو كانوا عالمين محصلين، أما لو كان عائداً إلى محمد صلى الله عليه وسلم فذلك لا يقتضي إلا كون أحدهم من الأميين عاجزين عنه لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الواحد الأمي فأما لو اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوا مثل محمد، لأن الجماعة لا تماثل الواحد، والقارئ لا يكون مثل الأمي، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى.
ورابعها: أنا لو صرفنا الضمير إلى القرآن فكونه معجزاً إنما يحصل لكمال حاله في الفصاحة أما لو صرفناه إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فكونه معجزاً إنما يكمل بتقرير كمال حاله في كونه أمياً بعيداً عن العلم.
وهذا وإن كان معجزاً أيضاً إلا أنه لما كان لا يتم إلا بتقرير نوع من النقصان في حق محمد عليه السلام كان الأول أولى.
وخامسها: أنا لو صرفنا الضمير إلى محمد عليه السلام لكان ذلك يوهم أن صدور مثله القرآن ممن لم يكن مثل محمد في كونه أمياً ممكن.
ولو صرفناه إلى القرآن لدل ذلك على أن صدور مثل من الأمي وغير الأمي ممتنع فكان هذا أولى.
المسألة السابعة: في المراد من الشهداء وجهان: الأول: المراد من ادعوا فيه الإلهية وهي الأوثان، فكأنه قيل لهم إن كان الأمر كما تقولون من أنها تستحق العبادة لما أنها تنفع وتضر فقد دفعتم في منازعة محمد صلى الله عليه وسلم إلى فاقة شديدة وحاجة عظيمة في التخلص عنها فتعجلوا الاستعانة بها وإلا فاعلموا أنكم مبطلون في ادعاء كونها آلهة وأنها تنفع وتضر، فيكون في الكلام محاجة من وجهين: أحدهما: في إبطال كونها آلهة.
والثاني: في إبطال ما أنكروه من إعجاز القرآن وأنه من قبله.
الثاني: المراد من الشهداء أكابرهم أو من يوافقهم في إنكار أمر محمد عليه السلام، والمعنى وادعوا أكابركم ورؤساءكم ليعينوكم على المعارضة وليحكموا لكم وعليكم فيما يمكن ويتعذر.
فإن قيل هل يمكن حمل اللفظ عليهما معاً وبتقدير التعذر فأيهما أولى؟
قلنا أما الأول فممكن لأن الشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة فيمكن جعله مجازاً عن المعين والناصر، وأوثانهم وأكابرهم مشتركة في أنهم كانوا يعتقدون فيهم كونهم أنصاراً لهم وأعواناً، وإذا حملنا اللفظ على هذا المفهوم المشترك دخل الكل فيه وأما الثاني فنقول: الأولى حمله على الأكابر، وذلك لأن لفظ الشهداء لا يطلق ظاهراً إلا على من يصح أن يشاهد ويشهد فيتحمل بالمشاهدة ويؤدي الشهادة، وذلك لا يتحقق إلا في حق رؤسائهم، أما إذا حملناه على الأوثان لزم المجاز، في إطلاق لفظ الشهداء على الأوثان أو يقال: المراد وادعوا من تزعمون أنهم شهداؤكم، والإضمار خلاف الأصل، أما إذا حملناه على الوجه الأول صح الكلام، لأنه يصير كأنه قال: وادعوا من يشهد بعضكم لبعض لاتفاقكم على هذا الإنكار.
فإن المتفقين على المذهب يشهد بعضهم لبعض لمكان الموافقة فصحت الإضافة في قوله شهداءكم، ولأنه كان في العرب أكابر يشهدون على المتنازعين في الفصاحة بأن أيهما أعلى درجة من الآخر، وإذا ثبت ذلك ظهر أن حمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز.
المسألة الثامنة: أما (دون) فهو أدنى مكان من الشيء ومنه الشيء الدون، وهو الحقير الدني، ودوَّن الكتب إذا جمعها لأن جمع الشيء أدناه بعضه من بعض ويقال: هذا دون ذاك إذا كان أحط منه قليلاً، ودونك هذا، أصله خذه من دونك أي من أدنى مكان منك فاختصر ثم استعير هذا اللفظ للتفاوت في الأحوال، فقيل زيد دون عمرو في الشرف والعلم، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل ما يجاوز حداً إلى حد، قال الله تعالى: ﴿ لاَ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين ﴾ أي لا يتجاوزون ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فإن قيل فما متعلق من دون الله قلنا فيه وجهان: أحدهما: أن متعلقه شهداءكم وهذا فيه احتمالان: الأول: المعنى ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق، وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد الذي لا ينطق في معارضة القرآن المعجز بفصاحته غاية التهكم بهم، والثاني: ادعوا شهداءكم من دون الله أي من دون أوليائه ومن غير المؤمنين ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله، وهذا من المساهلة والإشعار بأن شهداءهم وهم فرسان الفصاحة تأبى عليهم الطبائع السليمة أن يرضوا لأنفسهم بالشهادة الكاذبة وثانيهما: أن متعلقه هو الدعاء، والمعنى ادعوا من دون الله شهداءكم، يعني لا تستشهدوا بالله ولا تقولوا الله يشهد أن ما ندعيه حق، كما يقول العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه، وادعوا الشهداء من الناس الذين شهادتهم بينه تصحح بها الدعاوى عند الحكام، وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم، وأنه لم يبق لهم متشبث عن قولهم: الله يشهد إنا لصادقون.
المسألة التاسعة: قال القاضي هذا التحدي يبطل القول بالجبر من وجوه: أحدها: أنه مبني على تعذر مثله ممن يصح الفعل منه، فمن ينفي كون العبد فاعلاً لم يمكنه إثبات التحدي أصلاً وفي هذا إبطال الاستدلال بالمعجز.
وثانيها: أن تعذره على قولهم يكون لفقد القدرة الموجبة ويستوي في ذلك ما يكون معجزاً.
وما لا يكون فلا يصح معنى التحدي على قولهم.
وثالثها: أن ما يضاف إلى العبد فالله تعالى هو الخالق له فتحديه تعالى لهم يعود في التحقيق إلى أنه متحد لنفسه وهو قادر على مثله من غير شك فيجب أن لا يثبت الإعجاز على هذا القول.
ورابعها: أن المعجز إنما يدل بما فيه من نقض العادة، فإذا كان قولهم: إن المعتاد أيضاً ليس بفعل لم يثبت هذا الفرق فلا يصح الاستدلال بالمعجز.
وخامسها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يحتج بأنه تعالى خصه بذلك تصديقاً له فيما ادعاه ولو لم يكن ذلك من قبله تعالى لم يكن داخلاً في الإعجاز.
وعلى قولهم بالجبر لا يصح هذا الفرق، لأن المعتاد وغير المعتاد لا يكون إلا من قبله، والجواب.
أن المطلوب من التحدي إما أن يأتي الخصم بالمتحدى به قصداً أو أن يقع ذلك منه اتفاقاً، والثاني باطل، لأن الاتفاقيات لا تكون في وسعه، فثبت الأول وإذا كان كذلك ثبت أن إتيانه بالتحدي موقوف على أن يحصل في قلبه قصد إليه، فذلك القصد إن كان منه لزم التسلسل وهو محال، وإن كان من الله تعالى فحينئذٍ يعود الجبر ويلزمه كل ما أورده علينا فيبطل كل ما قال.
أما قوله تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ﴾ فاعلم أن هذه الآية دالة على المعجز من وجوه أربعة: أحدها: أنا نعلم بالتواتر أن العرب كانوا في غاية العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفي غاية الحرص على إبطال أمره، لأن مفارقة الأوطان والعشيرة وبذل النفوس والمهج من أقوى ما يدل على ذلك، فإذا انضاف إليه مثل هذا التقريع وهو قوله تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ﴾ فلو كان في وسعهم وإمكانهم الإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه لأتوا به، فحيث ما أتوا به ظهر المعجز.
وثانيها: وهو أنه عليه السلام وإن كان متهماً عندهم فيما يتصل بالنبوة فقد كان معلوم الحال في وفور العقل والفضل والمعرفة بالعواقب، فلو تطرقت التهمة إلى ما ادعاه من النبوة لما استجاز أن يتحداهم ويبلغ في التحدي إلى نهايته، بل كان يكون وجلاً خائفاً مما يتوقعه من فضيحة يعود وبالها على جميع أموره، حاشاه من ذلك صلى الله عليه وسلم، فلولا معرفته بالاضطرار من حالهم أنهم عاجزون عن المعارضة لما جوز من نفسه أن يحملهم على المعارضة بأبلغ الطرق.
وثالثها: أنه عليه السلام لو لم يكن قاطعاً بصحة نبوته لما قطع في الخبر بأنهم لا يأتون بمثله، لأنه إذا لم يكن قاطعاً بصحة نبوته كان يجوز خلافه، وبتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه، فالمبطل المزور البتة لا يقطع في الكلام.
ولا يجزم به، فلما جزم دل على أنه عليه الصلاة والسلام كان قاطعاً في أمره.
ورابعها: أنه وجد مخبر هذا الخبر على ذلك الوجه لأن من أيامه عليه الصلاة والسلام إلى عصرنا هذا لم يخل وقت من الأوقات ممن يعادي الدين والإسلام وتشتد دواعيه في الوقيعة فيه.
ثم إنه مع هذا الحرص الشديد لم توجد المعارضة قط، فهذه الوجوه الأربعة في الدلالة على المعجز مما تشتمل عليها هذه الآية، وذلك يدل على فساد قول الجهال الذين يقولون إن كتاب الله لا يشتمل على الحجة والاستدلال، وهاهنا سؤالات.
السؤال الأول: انتفاء إتيانهم بالسورة واجب، فهلا جيء بإذا الذي للوجوب دون إن الذي للشك الجواب فيه وجهان: أحدهما: أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم، فإنهم كانوا بعد غير جازمين بالعجز عن المعارضة لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام.
الثاني: أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاومه: إن غلبتك، وهو يعلم أنه غالبه تهكماً به.
السؤال الثاني: لم قال: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ ﴾ ولم يقل فإن لم تأتوا به؟
الجواب: لأن هذا أخصر من أن يقال فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله.
السؤال الثالث: ﴿ وَلَن تَفْعَلُواْ ﴾ ما محلها؟
الجواب لا محل لها لأنها جملة اعتراضية.
السؤال الرابع: ما حقيقة لن في باب النفي؟
الجواب: لا ولن أختان في نفي المستقبل إلا أن في لن توكيداً وتشديداً تقول لصاحبك: لا أقيم غداً عندك، فإن أنكر عليك قلت لن أقيم غداً، ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أصله لا أن، وهو قول الخليل.
وثانيها: لا، أبدلت ألفها نوناً، وهو قول الفراء.
وثالثها: حرف نصب لتأكيد نفي المستقبل وهو قول سيبويه، وإحدى الروايتين عن الخليل.
السؤال الخامس: ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟
الجواب: إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد، فأقيم المؤثر مقام الأثر، وجعل قوله: ﴿ فاتقوا النار ﴾ قائماً مقام قوله فاتركوا العناد، وهذا هو الإيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة وفيه تهويل لشأن العناد؛ لإنابة اتقاء النار منابه متبعاً ذلك بتهويل صفة النار.
السؤال السادس: ما الوقود؟
الجواب: هو ما يوقد به النار وأما المصدر فمضموم وقد جاء فيه الفتح، قال سيبويه: وسمعنا من العرب من يقول وقدنا النار وقوداً عالياً، ثم قال والوقود أكثر، والوقود الحطب وقرأ عيسى بن عمر بالضم تسمية بالمصدر كما يقال فلان فخر قومه وزين بلده.
السؤال السابع: صلة الذي يجب أن تكون قضية معلومة فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟
الجواب، لا يمنع أن يتقدم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب، أو سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سمعوا من قبل هذه الآية قوله في سورة التحريم: ﴿ نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة ﴾ .
السؤال الثامن: فلم جاءت النار الموصوفة بهذه الجملة منكرة في سورة التحريم وهاهنا معرفة؟
الجواب: تلك الآية نزلت بمكة فعرفوا منها ناراً موصوفة بهذه الصفة ثم نزلت هذه بالمدينة مستندة إلى ما عرفوه أولاً.
السؤال التاسع: ما معنى قوله: ﴿ وَقُودُهَا الناس والحجارة ﴾ الجواب: أنها نار ممتازة من النيران بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة، وذلك يدل على قوتها من وجهين: الأول: أن سائر النيران إذا أريد إحراق الناس بها أو إجماء الحجارة أوقدت أولاً بوقود ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه، وتلك أعاذنا الله منها برحمته الواسعة توقد بنفس ما تحرق.
الثاني: أنها لإفراط حرها تتقد في الحجر.
السؤال العاشر: لم قرن الناس بالحجارة وجعلت الحجارة معهم وقوداً؟
الجواب: لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا حيث نحتوها أصناماً وجعلوها لله أنداداً وعبدوها من دونه قال تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ وهذه الآية مفسرة لها فقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ في معنى الناس والحجارة وحصب جهنم في معنى وقودها ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء الذين يستشفعون بهم ويستدفعون المضار عن أنفسهم تمسكاً بهم، وجعلها الله عذابهم فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغاً وإغراباً في تحسرهم، ونحوه ما يفعله بالكافرين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وذخيرة فشحوا بها ومنعوها من الحقوق حيث يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم، وقيل هي حجارة الكبريت، وهو تخصيص بغير دليل، بل فيه ما يدل على فساده، وذلك لأن الغرض هاهنا تعظيم صفة هذه النار والإيقاد بحجارة الكبريت أمر معتاد فلا يدل الإيقاد بها على قوة النار، أما لو حملناه على سائر الأحجار دل ذلك على عظم أمر النار فإن سائر الأحجار تطفأ بها النيران فكأنه قال تلك النيران بلغت لقوتها أن تتعلق في أول أمرها بالحجارة التي هي مطفئة لنيران الدنيا، أما قوله: ﴿ أُعِدَّتْ للكافرين ﴾ فإنه يدل على أن هذه النار الموصوفة معدة للكافرين، وليس فيه ما يدل على أن هناك نيراناً أخرى غير موصوفة بهذه الصفات معدة لفساق أهل الصلاة.
<div class="verse-tafsir"
لما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية ويحققها، ويبطل الإشراك ويهدمه، وعلم الطريق إلى إثبات ذلك وتصحيحه، وعرفهم أنّ من أشرك فقد كابر عقله وغطى على ما أنعم عليه من معرفته وتمييزه عطف على ذلك ما هو الحجة على إثبات نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وما يدحض الشبهة في كون القرآن معجزة، وأراهم كيف يتعرفون أهو من عند الله كما يدعي، أم هو من عند نفسه كما يدعون.
بإرشادهم إلى أن يحزروا أنفسهم ويذوقوا طباعهم وهم أبناء جنسه وأهل جلدته.
فإن قلت: لم قيل: ﴿ مِّمَّا نَزَّلْنَا ﴾ على لفظ التنزيل دون الإنزال؟
قلت: لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم، وهو من محازه لمكان التحدي، وذلك أنهم كانوا يقولون: لو كان هذا من عند الله مخالفاً لما يكون من عند الناس، لم ينزل هكذا نجوماً سورة بعد سورة وآيات غب آيات، على حسب النوازل وكفاء الحوادث وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر، من وجود ما يوجد منهم مفرقاً حيناً فحيناً، وشيئاً فشيئاً حسب ما يعنّ لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة، لا يلقى الناظم ديوان شعره دفعة، ولا يرمي الناثر بمجموع خطبه أو رسائله ضربة، فلو أنزل الله لأنزله خلاف هذه العادة جملة واحدة: قال الله تعالى: ﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً واحدة ﴾ [الفرقان: 32] ، فقيل: إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهلموا نجماً فرداً من نجومه: سورة من أصغر السور، أو آيات شتى مفتريات.
وهذه غاية التبكيت.
ومنتهى إزاحة العلل.
وقرئ: ﴿ على عبادنا ﴾ يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته.
والسورة: الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلها ثلاث آيات.
وواوها إن كانت أصلاً، فإما أن تسمى بسورة المدينة وهي حائطها، لأنها طائفة من القرآن محدودة محوّزة على حيالها، كالبلد المسوّر، أو لأنها محتوية على فنون من العلم وأجناس من الفوائد، كاحتواء سورة المدينة على ما فيها.
وإما أن تسمى بالسورة التي هي الرتبة.
قال النابغة: ولرَهْطِ حَرَّابٍ وقَدٍّ سُورَةٌ ** في المَجْدِ لَيْسَ غُرَابُهَا بمُطَارِ لأحد معنيين، لأن السور بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارئ: وهي أيضاً في أنفسها مترتبة: طوال وأوساط وقصار، أو لرفعة شأنها وجلالة محلها في الدين.
وإن جعلت واوها منقلبة عن همزة، فلأنها قطعة وطائفة من القرآن، كالسورة التي هي البقية من الشيء والفضلة منه.
فإن قلت: ما فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً؟
قلت: ليست الفائدة في ذلك واحدة.
ولأمر ما أنزل الله التوراة والإنجيل والزبور وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه على هذا المنهاج مسوّرة مترجمة السور.
وبوّب المصنفون في كل فنّ كتبهم أبواباً موشحة الصدور بالتراجم.
ومن فوائده: أنّ الجنس إذا انطوت تحته أنواع، واشتمل على أصناف، كان أحسن وأنبل وأفخم من أن يكون بياناً واحداً.
ومنها أن القارئ إذا ختم سورة أو باباً من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأهز لعطفه، وأبعث على الدرس والتحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله.
ومثله المسافر، إذا علم أنه قطع ميلاً، أو طوى فرسخاً، أو انتهى إلى رأس بريد: نفس ذلك منه ونشطه للسير.
ومن ثم جزأ القرّاء القرآن أسباعاً وأجزاء وعشوراً وأخماساً.
ومنها أن الحافظ إذا حذفه السورة، اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها لها فاتحة وخاتمة، فيعظم عنده ما حفظه، ويجل في نفسه ويغتبط به،.
ومنه حديث أنس رضي الله عنه: «كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران، جد فينا» ومن ثمة كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل.
ومنها أنّ التفصيل سبب تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض.
وبذلك تتلاحظ المعاني ويتجاوب النظم، إلى غير ذلك من الفوائد والمنافع ﴿ مِّن مِّثلِهِ ﴾ متعلق بسورة صفة لها أي بسورة كائنة من مثله.
والضمير لما نزلنا، أو لعبدنا.
ويجوز أن يتعلق بقوله: ﴿ فَأْتُواْ ﴾ والضمير للعبد.
فإن قلت: وما مثله حتى يأتوا بسورة من ذلك المثل؟
قلت: معناه فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب وعلو الطبقة في حسن النظم.
أو فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشراً عربياً أو أمياً لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء، ولا قصد إلى مثل ونظير هنالك.
ولكنه نحو قول القبعثري للحجاج وقد قال له: لأحملنك على الأدهم: مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب.
أراد من كان على صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد.
ولم يقصد أحداً يجعله مثلاً للحجاج.
وردّ الضمير إلى المنزل أوجه، لقوله تعالى: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ ﴾ .
﴿ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ ﴾ [هود: 11] ، ﴿ على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ [الإسراء: 88] ، ولأن القرآن جدير بسلامة الترتيب والوقوع على أصح الأساليب، والكلام مع ردّ الضمير إلى المنزل أحسن ترتيباً.
وذلك أن الحديث في المنزل لا في المنزل عليه، وهو مسوق إليه ومربوط به، فحقه أن لا يفك عنه برد الضمير إلى غيره.
ألا ترى أن المعنى: وإن ارتبتم في أنّ القرآن منزل من عند الله.
فهاتوا أنتم نبذاً مما يماثله ويجانسه.
وقضية الترتيب لو كان الضمير مردوداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال: وإن ارتبتم في أنّ محمداً مُنزل عليه فهاتوا قرآناً من مثله.
ولأنهم إذا خوطبوا جميعاً وهم الجم الغفير بأن بأتوا بطائفة يسيرة من جنس ما أتى به واحد منهم، كان أبلغ في التحدّي من أن يقال لهم: ليأتي واحد آخر بنحو ما أتى به هذا الواحد، ولأنّ هذا التفسير هو الملائم لقوله: ﴿ وادعوا شُهَدَاءكُم ﴾ والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة.
ومعنى ﴿ دُونِ ﴾ أدنى مكان من الشيء.
ومنه الشيء الدون، وهو الدنيّ الحقير، ودوّن الكتب، إذا جمعها، لأن جمع الأشياء إدناء بعضها من بعض وتقليل المسافة بينها.
يقال: هذا دون ذاك، إذا كان أحط منه قليلاً.
ودونك هذا: أصله خذه من دونك.
أي من أدنى مكان منك فاختصر واستعير للتفاوت في الأحوال والرتب فقيل زيد دون عمرو في الشرف والعلم.
ومنه قول من قال لعدوّه وقد راآه بالثناء عليه: أنا دون هذا وفوق ما في نفسك، واتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حدّ إلى حدّ وتخطى حكم إلى حكم.
قال الله تعالى: ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين ﴾ [آل عمران: 28] أي لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين.
وقال أمية: يا نَفْسُ مالَكِ دُونَ اللَّهِ مِنْ وَاقِي أي إذا تجاوزت وقاية الله ولم تناليها لم يقك غيره.
و ﴿ مِن دُونِ الله ﴾ متعلق بادعوا أو بشهداءكم.
فإن علقته بشهداءكم فمعناه: ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق.
أو ادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي الله من قول الأعشى: تُرِيكَ القَذَى مِنْ دُونِهَا وهِيَ دُونَهُ أي تريك القذى قدّامها وهي قَدّام القذى، لرقّتها وصفائها.
وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد الذي لا ينطق في معارضة القرآن بفصاحته: غاية التهكم بهم.
وادعوا شهداءكم من دون الله، أي من دون أوليائه ومن غير المؤمنين، ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله.
وهذا من المساهلة وإرخاء العنان والإشعار بأنّ شهداءهم وهم مدارة القوم، الذين هم وجوه المشاهد وفرسان المقاولة والمناقلة، تأبى عليهم الطباع وتجمح بهم الإنسانية والأنفة أن يرضوا لأنفسهم الشهادة بصحة الفاسد البين عندهم فساده واستقامة المحال الجلي في عقولهم إحالته، وتعليقه بالدعاء في هذا الوجه جائز.
وإن علقته بالدعاء فمعناه: ادعوا من دون الله شهداءكم، يعني لا تستشهدوا بالله ولا تقولوا: الله يشهد أنّ ما ندعيه حق، كما يقوله العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه، وادعوا الشهداء من الناس الذين شهادتهم بينة تصحح بها الدعاوى عند الحكام.
وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم وانخذالهم.
وأنّ الحجة قد بهرتهم ولم تبق لهم متشبثاً غير قولهم: الله يشهد أنا صادقون.
وقولهم هذا: تسجيل منهم على أنفسهم بتناهي العجز وسقوط القدرة.
وعن بعض العرب أنه سئل عن نسبه فقال: قرشيّ والحمد لله.
فقيل له: قولك (الحمد لله) في هذا المقام ريبة.
أو ادعوا من دون الله شهداءكم: يعني أنّ الله شاهدكم لأنه أقرب إليكم من حبل الوريد، وهو بينكم وبين أعناق رواحلكم.
والجن والإنس شاهدوكم فادعوا كل من يشهدكم واستظهروا به من الجن والإنس إلا الله تعالى، لأنه القادر وحده على أن يأتي بمثله دون كل شاهد من شهدائكم، فهو في معنى قوله: ﴿ قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن...
﴾ [الإسراء: 88] الآية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ ﴾ لَمّا قَرَّرَ وحْدانِيَّتَهُ تَعالى وبَيَّنَ الطَّرِيقَ المُوصِلَ إلى العِلْمِ بِها، ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما هو الحُجَّةُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ، وهو القُرْآنُ المُعْجِزُ بِفَصاحَتِهِ الَّتِي بَذَّتْ فَصاحَةَ كُلِّ مِنطِيقٍ وإفْحامِهِ مَن طُولِبَ بِمُعارَضَتِهِ مِن مَصاقِعِ الخُطَباءِ مِنَ العَرَبِ العَرْباءِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وإفْراطِهِمْ في المُضادَّةِ والمُضارَّةِ، وتَهالُكِهِمْ عَلى المَعازَّةِ والمَعارَّةِ، وعَرَّفَ ما يُتَعَرَّفُ بِهِ إعْجازُهُ ويُتَيَقَّنُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما يَدَّعِيهِ.
وَإنَّما قالَ: ﴿ مِمّا نَزَّلْنا ﴾ لِأنَّ نُزُولَهُ نَجْمًا مُنَجَّمًا بِحَسَبِ الوَقائِعِ عَلى ما تَرى عَلَيْهِ أهْلَ الشِّعْرِ والخَطابَةِ مِمّا يُرِيبُهُمْ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم فَقالَ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ﴾ .
فَكانَ الواجِبُ تَحَدِّيَهم عَلى هَذا الوَجْهِ إزاحَةً لِلشُّبْهَةِ وإلْزامًا لِلْحُجَّةِ، وأضافَ العَبْدُ إلى نَفْسِهِ تَعالى تَنْوِيهًا بِذِكْرِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ مُنْقادٌ لِحُكْمِهِ تَعالى، وقُرِئَ « عِبادِنا» يُرِيدُ مُحَمَّدًا وأُمَّتَهُ.
والسُّورَةُ الطّائِفَةُ مِنَ القُرْآنِ المُتَرْجَمَةُ الَّتِي أقَلُّها ثَلاثُ آياتٍ، وهي إنْ جُعِلَتْ واوُها أصْلِيَّةً مَنقُولَةً مِن سُوَرِ المَدِينَةِ لِأنَّها مُحِيطَةٌ بِطائِفَةٍ مِنَ القُرْآنِ مُفْرِزَةٍ مُحْوِزَةٍ عَلى حِيالِها، أوْ مُحْتَوِيَةٌ عَلى أنْواعٍ مِنَ العِلْمِ احْتِواءَ سُوَرِ المَدِينَةِ عَلى ما فِيها، أوْ مِنَ السُّورَةِ الَّتِي هي الرُّتْبَةُ، قالَ النّابِغَةُ: ولِرَهْطِ حَرّابٍ وقَدٍّ سُورَةٌ...
في المَجْدِ لَيْسَ غُرابُها بِمُطارِ لِأنَّ السُّوَرَ كالمَنازِلِ والمَراتِبِ يَتَرَقّى فِيها القارِئُ، أوَّلُها مَراتِبُ في الطُّولِ والقِصَرِ والفَضْلِ والشَّرَفِ وثَوابِ القِراءَةِ.
وإنْ جُعِلَتْ مُبْدَلَةً مِنَ الهَمْزَةِ فَمِنَ السُّورَةِ الَّتِي هي البَقِيَّةُ والقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ.
والحِكْمَةُ في تَقْطِيعِ القُرْآنِ سُوَرًا: إفْرادُ الأنْواعِ، وتَلاحُقُ الأشْكالِ، وتَجاوُبُ النَّظْمِ، وتَنْشِيطُ القارِئِ، وتَسْهِيلُ الحِفْظِ، والتَّرْغِيبُ فِيهِ.
فَإنَّهُ إذا خَتَمَ سُورَةً نَفَّسَ ذَلِكَ عَنْهُ، كالمُسافِرِ إذا عَلِمَ أنَّهُ قَطَعَ مِيلًا أوْ طَوى بَرِيدًا، والحافِظُ مَتى حَذَفَها اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِنَ القُرْآنِ حَظًّا تامًّا، وفازَ بِطائِفَةٍ مَحْدُودَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِنَفْسِها، فَعَظُمَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وابْتَهَجَ بِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفَوائِدِ.
﴿ مِن مِثْلِهِ ﴾ صِفَةُ سُورَةٍ أيْ: بِسُورَةٍ كائِنَةٍ مِن مِثْلِهِ، والضَّمِيرُ لِما نَزَلْنا، و ﴿ مِن ﴾ لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلتَّبْيِينِ.
وزائِدَةٌ عِنْدَ الأخْفَشِ أيْ بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِلْقُرْآنِ العَظِيمِ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ.
أوْ لِعَبْدِنا، و ﴿ مِن ﴾ لِلِابْتِداءِ أيْ: بِسُورَةٍ كائِنَةٍ مِمَّنْ هو عَلى حالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن كَوْنِهِ بَشَرًا أُمِّيًّا لَمْ يَقْرَأِ الكُتُبَ ولَمْ يَتَعَلَّمِ العُلُومَ.
أوْ صِلَةُ ﴿ فَأْتُوا ﴾ ، والضَّمِيرُ لِلْعَبْدِ ، والرَّدُّ إلى المُنْزِلِ أوْجَهُ لِأنَّهُ المُطابِقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ ﴾ ولِسائِرِ آياتِ التَّحَدِّي، ولِأنَّ الكَلامَ فِيهِ لا في المُنَزَّلِ عَلَيْهِ فَحَقُّهُ أنْ لا يَنْفَكَّ عَنْهُ لِيَتَّسِقَ التَّرْتِيبُ والنَّظْمُ، ولِأنَّ مُخاطَبَةَ الجَمِّ الغَفِيرِ بِأنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ما أتى بِهِ واحِدٌ مِن أبْناءِ جِلْدَتِهِمْ أبْلَغُ في التَّحَدِّي مِن أنْ يُقالَ لَهُمْ: لِيَأْتِ بِنَحْوِ ما أتى بِهِ هَذا آخَرُ مِثْلَهُ، ولِأنَّهُ مُعْجِزٌ في نَفْسِهِ لا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ .
ولِأنَّ رَدَّهُ إلى عَبْدِنا يُوهِمُ إمْكانَ صُدُورِهِ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ عَلى صِفَتِهِ، ولا يُلائِمُهُ قَوْلُهُ تَعالى.
﴿ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ فَإنَّهُ أمَرَ بِأنْ يَسْتَعِينُوا بِكُلِّ مَن يَنْصُرُهم ويُعِينُهم.
والشُّهَداءُ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى الحاضِرِ، أوِ القائِمِ بِالشَّهادَةِ، أوِ النّاصِرِ، أوِ الإمامِ.
وكَأنَّهُ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ يَحْضُرُ النَّوادِيَ وتُبْرَمُ بِمَحْضَرِهِ الأُمُورُ، إذِ التَّرْكِيبُ لِلْحُضُورِ، إمّا بِالذّاتِ أوْ بِالتَّصَوُّرِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمَقْتُولِ في سَبِيلِ اللَّهِ: شَهِيدٌ لِأنَّهُ حَضَرَ ما كانَ يَرْجُوهُ، أوِ المَلائِكَةُ حَضَرُوهُ.
ومَعْنى ﴿ دُونِ ﴾ أدْنى مَكانٍ مِنَ الشَّيْءِ ومِنهُ تَدْوِينُ الكُتُبِ، لِأنَّهُ إدْناءُ البَعْضِ مِنَ البَعْضِ، ودُونَكَ هَذا أيْ: خُذْهُ مِن أدْنى مَكانٍ مِنكَ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلرُّتَبِ فَقِيلَ: زَيْدٌ دُونَ عَمْرٍو أيْ: في الشَّرَفِ، ومِنهُ الشَّيْءُ الدُّونُ، ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَجاوُزِ حَدٍّ إلى حَدٍّ وتَخَطِّي أمْرٍ إلى آخَرَ، قالَ تَعالى: ﴿ لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ لا يَتَجاوَزُوا وِلايَةَ المُؤْمِنِينَ إلى وِلايَةِ الكافِرِينَ.
قالَ أُمَيَّةُ: يا نَفْسُ ما لَكِ دُونَ اللَّهِ مِن واقِ أيْ إذا تَجاوَزْتَ وِقايَةَ اللَّهِ فَلا يَقِيكَ غَيْرُهُ، و ﴿ مِن ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (ادْعُوا) .
والمَعْنى ﴿ وادْعُوا ﴾ لِلْمُعارَضَةِ مَن حَضَرَكُمْ، أوْ رَجَوْتُمْ مَعُونَتَهُ مِن إنْسِكم وجِنِّكم وآلِهَتِكم غَيْرَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ إلّا اللَّهُ.
أوْ: ﴿ وادْعُوا ﴾ مِن دُونِ اللَّهِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ لَكم بِأنَّ ما أتَيْتُمْ بِهِ مِثْلُهُ، ولا تَسْتَشْهِدُوا بِاللَّهِ فَإنَّهُ مِن دَيْدَنِ المَبْهُوتِ العاجِزِ عَنْ إقامَةِ الحُجَّةِ.
أوْ بِـ ﴿ شُهَداءَكُمْ ﴾ أيِ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهم مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ وآلِهَةً، وزَعَمْتُمْ أنَّها تَشْهَدُ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ.
أوِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لَكم بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى عَلى زَعْمِكم مِن قَوْلِ الأعْشى: تُرِيكَ القَذى مِن دُونِها وهي دُونَهُ لِيُعِينُوكم وفي أمْرِهِمْ أنْ يَسْتَظْهِرُوا بِالجَمادِ في مُعارَضَةِ القُرْآنِ العَزِيزِ غايَةَ التَّبْكِيتِ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ.
وقِيلَ: ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ مِن دُونِ أوْلِيائِهِ، يَعْنِي فُصَحاءَ العَرَبِ ووُجُوهَ المَشاهِدِ لِيَشْهَدُوا لَكم أنَّ ما أتَيْتُمْ بِهِ مِثْلُهُ، فَإنَّ العاقِلَ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ أنْ يَشْهَدَ بِصِحَّةِ ما اتَّضَحَ فَسادُهُ وبانَ اخْتِلالُهُ.
﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أنَّهُ مِن كَلامِ البَشَرِ، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ.
والصِّدْقُ: الإخْبارُ المُطابِقُ، وقِيلَ: مَعَ اعْتِقادِ المُخْبِرِ أنَّهُ كَذَلِكَ عَنْ دَلالَةٍ أوْ أمارَةٍ، لِأنَّهُ تَعالى كَذَّبَ المُنافِقِينَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ ، لَمّا لَمْ يَعْتَقِدُوا مُطابَقَتَهُ، ورَدَّ بِصَرْفِ التَّكْذِيبِ إلى قَوْلِهِمْ ﴿ نَشْهَدُ ﴾ ، لِأنَّ الشَّهادَةَ إخْبارٌ عَمّا عَلِمَهُ وهم ما كانُوا عالِمِينَ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
ولما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية ويبطل الإشراك لخلقهم أحياء قادرين وخلق الأرض التي هي مثواهم ومستقرهم وخلق السماء التي هي
كالقبة المضروبة والخيمة المطنبة على هذا القرار وما سواه عز وجل من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها والإخراج به من بطنها أشباه النسل من الثمار رزقاً لبني آدم فهذا كله دليل موصل إلى التوحيد مبطل للإشراك لأن شيئاً من المخلوقات لا يقدر على إيجاد شيء منها عطف على ذلك ما هو الحجة على إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما يقرر إعجاز القرآن فقال {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا} ما نكرة موصوفة أو بمعنى الذي {على عَبْدِنَا} محمد عليه السلام والعبد اسم لمملوك من جنس العقلاء والمملوك موجود قهر بالاستيلاء وقيل نزلنا دون أنزلنا لأن المراد به النزول على سبيل التدريج والتنجيم وهو من محازه لمكان التحدي وذلك أنهم كانوا يقولون لو كان هذا من عند الله لم ينزل هكذا نجوماً سورة بعد سورة وآيات غب آيات على حسب النوازل وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقاً حيناً فحيناً شيئاً فشيئاً لا يلقي الناظم ديوان شعره دفعة ولا يرمي الناثر بخطبه ضربة فلو أنزله الله لأنزله جملة قال الله تعالى {وَقَالَ الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} فقيل إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على تدريج {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ} أي فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه وهلموا نجماً فرداً من نجومه سورة من أصغر السور والسورة الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلها ثلاث آيات وواوها إن كانت أصلاً فإما أن تسمى بسور المدينة وهو حائطها لأنها طائفة من القرآن محدودة محوزة على حيالها كالبلد المسور أو لأنها محتوية على فنون من العلم وأجناس من الفوائد كاحتواء سور المدينة على ما فيها وإما
البقرة (٢٣ _ ٢٤)
أن تسمى بالسورة التي هي الرتبة لأن السور بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارئ وهي أيضاً في نفسها مرتبة
طوال وأوساط وقصار أو لرفعة شأنها وجلالة محلها في الدين وإن كانت منقلبة عن همزة فلأنها قطعة وطائفة من القرآن كالسؤرة التي هي البقية من الشئ وأما الفائدة في تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً فهي كثيرة ولذا أنزل الله تعالى التوراة والإنجيل والزبور وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه مسورة مترجمة السور وبوب المصنفون في كل فن كتبهم أبواباً موشحة الصدور بالتراجم منها أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع واشتمل على أصناف كان أحسن من أن يكون بياناً واحداً ومنها أن القارئ إذا ختم سورة أو باباً من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأبعث على الدرس والتحصيل منه ولو استمر الكتاب بطوله ومن ثم جزّأ القراء القرآن أسباعاً وأجزاء وعشوراً وأخماساً ومنها أن الحافظ إذا حذق السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها لها فاتحة وخاتمة فيعظم عند ما حفظه ويجل في نفسه ومنه حديث أنس رضى الله عنه كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جل فينا ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل {مِّن مِّثْلِهِ} متعلق بسورة صفة لها والضمير لما نزلنا أي بسورة كائنة من مثله يعني فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب وعلو الطبقة في حسن النظم أو لعبدنا أي فأتوا ممن هو على حاله من كونه أمياً لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء ولا قصد إلى مثل ونظير هنالك ورد الضمير إلى المنزل أولى لقوله تعالى {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مثله} {فأتوا بعشر سور مثله} {على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} ولأن الكلام مع رد الضمير إلى المنزل أحسن ترتيباً وذلك أن الحديث في المنزل لا في المنزل عليه وهو مسوق إليه فإن المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم نبذاً مما يماثله وقضية الترتيب لو كان الضمير مردودا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال وإن ارتبتم في أن محمداً منزل عليه
فهاتوا قرآناً من مثله ولأن هذا التفسير يلائم قوله {وادعوا شُهَدَاءَكُم} جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة {مِن دُونِ الله} أي غير الله وهو متعلق بشهداءكم أي ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق أو من يشهد لكم بأنه مثل القرآن {إِن كُنتُمْ صادقين} إن ذلك مختلق وأنه من كلام
محمد عليه السلام وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله أي إن كنتم صادقين في دعواكم فأتوا أنتم بمثله واستعينوا بآلهتكم على ذلك
﴿ وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ ﴾ لَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ أمْرَ تَوْحِيدِهِ بِأحْسَنِ أُسْلُوبٍ عَقَّبَهُ بِما يَدُلُّ عَلى تَصْدِيقِ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتَّوْحِيدُ والتَّصْدِيقُ تَوْأمانِ لا يَنْفَكُّ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، فالآيَةُ وإنْ سِيقَتْ لِبَيانِ الإعْجازِ إلّا أنَّ الغَرَضَ مِنهُ إثْباتُ النُّبُوَّةِ، وفي التَّعْقِيبِ إشارَةٌ إلى الرَّدِّ عَلى التَّعْلِيمِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوا مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى مُسْتَفادَةً مِن مَعْرِفَةِ الرَّسُولِ، والحَشْوِيَّةِ القائِلِينَ بِعَدَمِ حُصُولِ مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ إلّا مِنَ القُرْآنِ، والإخْبارُ والعَطْفُ إمّا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾ أوْ عَلى (لا تَجْعَلُوا)، وتَوْجِيهُ الرَّبْطِ بِأنَّهُ لَمّا أوْجَبَ سُبْحانَهُ وتَعالى العِبادَةَ ونَفى الشِّرْكَ بِإزاءِ تِلْكَ الآياتِ، والِانْقِيادُ لَها لا يُمْكِنُ بِدُونِ التَّصْدِيقِ بِأنَّها مِن عِنْدَهُ سُبْحانَهُ، أرْشَدَهم بِما يُوجِبُ هَذا العِلْمَ، ولِذا لَمْ يَقُلْ جَلَّ شَأْنُهُ: وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِن رِسالَةِ عَبْدِنا غَيْرَ وجِيهٍ، إذْ يَصِيرُ عَلَيْهِ البُرْهانُ العَقْلِيُّ سَمْعِيًّا، ولَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَكَفى (اعْبُدُوا)، ولا تُشْرِكُوا، مِن دُونِ تَفْصِيلِ الأدِلَّةِ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ هُنا لِلْكُفّارِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ لِلْيَهُودِ: لِما أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم قالُوا هَذا الَّذِي يَأْتِينا بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يُشْبِهُ الوَحْيَ، وإنّا لَفي شَكٍّ مِنهُ، وقِيلَ: هو عَلى نَحْوِ الخِطابِ في (اعْبُدُوا)، وكَلِمَةُ (إنْ) إمّا لِلتَّوْبِيخِ عَلى الِارْتِيابِ وتَصْوِيرِ أنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَثْبُتَ إلّا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ لِاشْتِمالِ المَقامِ عَلى ما يُزِيلُهُ، أوْ لِتَغْلِيبِ مَن لا قَطْعَ بِارْتِيابِهِمْ عَلى مَن سِواهُمْ، أوْ لِأنَّ البَعْضَ لَمّا كانَ مُرْتابًا والبَعْضَ غَيْرُ مُرْتابٍ جَعَلَ الجَمِيعَ كَأنَّهُ لا قَطْعَ بِارْتِيابِهِمْ، ولا بِعَدَمِهِ، وجَعَلَها بِمَعْنى إذْ، كَما ادَّعاهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ خِلافَ مَذْهَبِ المُحَقِّقِينَ، وإيرادُ كَلِمَةِ (كانَ) لِإبْقاءِ مَعْنى المُضِيِّ، فَإنَّها لِتَمَحُّضِها لِلزَّمانِ لا تَقْلِبُها (إنْ) إلى مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ، ومُوافِقُوهُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها كَسائِرِ الأفْعالِ الماضِيَةِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم بَيْنَها وبَيْنَ إنْ يَكُنْ، أوْ تَبَيَّنَ مَثَلًا، ولا يَمِيلُ إلَيْهِ الفُؤادُ، وتَنْكِيرُ الرَّيْبِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ حَقَّهُ إنْ كانَ أنْ يَكُونَ ضَعِيفًا قَلِيلًا لِسُطُوعِ ما يَدْفَعُهُ، وقُوَّةِ ما يُزِيلُهُ، وجَعَلَهُ ظَرْفًا بِتَنْزِيلِ المَعانِي مَنزِلَةَ الأجْرامِ، واسْتِقْرارُهم فِيهِ، وإحاطَتُهُ بِهِمْ لا يُنافِي اعْتِبارَ ضَعْفِهِ وقِلَّتِهِ، لِما أنَّ ما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ هو دَوامُ مُلابَسَتِهِمْ بِهِ لا قُوَّتُهُ وكَثْرَتُهُ، (ومِنِ) ابْتِدائِيَّةٌ صِفَةُ (رَيْبٍ)، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وحَمْلُها عَلى السَّبَبِيَّةِ رُبَّما يُوهِمُ كَوْنَ المُنَزِّلِ مَحَلًّا لِلرَّيْبِ، وحاشاهُ، (وما) مَوْصُولَةٌ كانَتْ أوْ مَوْصُوفَةٌ عِبارَةٌ عَنِ الكِتابِ، وقِيلَ: عَنِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبْعاضِهِ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ في رَيْبٍ مِنهُ ارْتِيابُهم في كَوْنِهِ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، والتَّضْعِيفُ في نَزَّلْنا، لِلنَّقْلِ، وهو المُرادِفُ لِلْهَمْزَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ قُطَيْبٍ: (أنْزَلْنا)، ولَيْسَ التَّضْعِيفُ هُنا دالًّا عَلى نُزُولِهِ مُنَجَّمًا، لِيَكُونَ إيثارُهُ عَلى الإنْزالِ لِتَذْكِيرِ مَنشَإ ارْتِيابِهِمْ، فَقَدْ قالُوا: ﴿ لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ﴾ وبِناءُ التَّحَدِّي عَلَيْهِ إرْخاءٌ لِلْعِنانِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الكَثِيرُ مِمَّنْ يُعْقَدُ عِنْدَ ذِكْرِهِمُ الخَناصِرُ، لِأنَّ ذَلِكَ قَوْلٌ بِدِلالَةِ التَّضْعِيفِ عَلى التَّكْثِيرِ، وهو إنَّما يَكُونُ غالِبًا في الأفْعالِ الَّتِي تَكُونُ قَبْلَ التَّضْعِيفِ مُتَعَدِّيَةً نَحْوَ: فَتَحْتُ وقَطَعْتُ، ونَزَّلْنا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا قَبْلُ، وأيْضًا التَّضْعِيفُ الَّذِي يُرادُ بِهِ التَّكْثِيرُ إنَّما يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ وُقُوعِ الفِعْلِ، وأمّا عَلى أنَّهُ يَجْعَلُ اللّازِمَ مُتَعَدِّيًا فَلا، والفِعْلُ هُنا كانَ لازِمًا، فَكَوْنُ التَّعَدِّي مُسْتَفادًا مِنَ التَّضْعِيفِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لِلنَّقْلِ لا لِلتَّكْثِيرِ، وأيْضًا لَوْ كانَ نَزَّلَ مُفِيدًا لِلتَّنْجِيمِ لاحْتاجَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ﴾ إلى تَأْوِيلٍ لِمُنافاةِ العَجُزِ الصَّدْرَ، وكَذا مِثْلُ ﴿ لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ﴾ و ﴿ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا ﴾ وقَدْ قُرِئَ بِالوَجْهَيْنِ في كَثِيرٍ مِمّا لا يُمْكِنُ فِيهِ التَّنْجِيمُ والتَّكْثِيرُ، وجُعِلَ هَذا غَيْرَ التَّكْثِيرِ المَذْكُورِ في النَّحْوِ، وهو التَّدْرِيجُ بِمَعْنى الإتْيانِ بِالشَّيْءِ قَلِيلًا قَلِيلًا كَما ذَكَرُوهُ في تَسَلَّلُوا، حَيْثُ فَسَّرُوهُ بِأنَّهم يَتَسَلَّلُونَ قَلِيلًا قَلِيلًا، قالُوا: ونَظِيرُهُ تَدَرَّجَ، وتَدَخَّلَ، ونَحْوُهُ رَتَّبَهُ، أيْ أتى بِهِ رُتْبَةً رُتْبَةً، ولَمْ يُوجَدْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ صِيغَةُ فَعَّلَ بَعْدَ كَوْنِها لِلنَّقْلِ دالَّةً عَلى هَذا المَعْنى، إمّا مَجازًا أوِ اشْتِراكًا، فَلا يَلْزَمُ اطِّرادُهُ بَعِيدٌ لا سِيَّما مَعَ خَفاءِ القَرِينَةِ، وفي تَعَدِّي نَزَّلَ بِعَلى إشارَةٌ إلى اسْتِعْلاءِ المُنَزِّلِ عَلى المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، وتَمَكُّنِهِ مِنهُ وأنَّهُ صارَ كاللّابِسِ لَهُ بِخِلافِ إلى، إذْ لا دِلالَةَ لَها عَلى أكْثَرِ مِنَ الِانْتِهاءِ والوُصُولِ، وفي ذِكْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ قَدْرِهِ واخْتِصاصِهِ بِهِ وانْقِيادِهِ لِأوامِرِهِ، وفي ذَلِكَ غايَةُ التَّشْرِيفِ والتَّنْوِيهِ بِقَدْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لا تَدْعُنِي إلّا بِيا عَبْدَها فَإنَّهُ أشْرَفُ أسْمائِي وقُرِئَ (عِبادِنا) فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأُمَتُّهُ، لِأنَّ جَدْوى المُنَزَّلِ والهِدايَةِ الحاصِلَةِ بِهِ لا تَخْتَصُّ بَلْ يَشْتَرِكُ فِيها المَتْبُوعُ والتّابِعُ، فَجُعِلَ كَأنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أُرِيدَ النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الوَحْيُ والرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوَّلُ مَقْصُودٍ، وأسْبَقُ داخِلٍ، لِأنَّهُ الَّذِي طَلَبَ مُعانِدُوهُ بِالتَّحَدِّي في كِتابِهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الِارْتِيابَ فِيهِ ارْتِيابٌ فِيما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ، لِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَهُ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ، وبَعْضُهم جَعَلَ الخِطابَ عَلى هَذا لِمُنْكِرِي النُّبُوّاتِ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿ وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ وفي الآيَةِ التِفاتٌ مِنَ الغائِبِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، وإلّا لَقالَ سُبْحانَهُ: مِمّا نَزَّلَ عَلى عَبْدِهِ، لَكِنَّهُ عَدَلَ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ تَفْخِيمًا لِلْمُنَزَّلِ أوِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، لا سِيَّما وقَدْ أتى بِنا المُشْعِرَةِ بِالتَّعْظِيمِ التّامِّ، وتَفْخِيمِ الأمْرِ رِعايَةً لِرِفْعَةِ شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والفاءُ مِن (فَأْتُوا) جَوابِيَّةٌ وأمْرُ السَّبَبِيَّةِ ظاهِرٌ، والأمْرُ مِن بابِ التَّعْجِيزِ، وإلْقامِ الحَجَرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ ﴾ وهو مِنَ الإتْيانِ بِمَعْنى المَجِيءِ بِسُهُولَةٍ كَيْفَما كانَ، ويُقالُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، والأعْيانِ والأعْراضِ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى الفِعْلِ، والتَّعاطِي كَـ ﴿ ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلا وهم كُسالى ﴾ وأصْلُ فَأْتُوا فَأْتِيُوا، فَأُعِلَّ الإعْلالَ المَشْهُورَ، وأتى شُذُوذًا حَذْفُ الفاءِ فَقِيلَ: تِ، وتَوًّا، والتَّنْوِينُ في سُورَةٍ لِلتَّنْكِيرِ، أيِ ائْتُوا بِسُورَةٍ ما، وهي القِطْعَةُ مِنَ القُرْآنِ الَّتِي أقَلُّها ثَلاثُ آياتٍ، وفِيهِ مِنَ التَّبْكِيتِ والتَّخْجِيلِ لَهم في الِارْتِيابِ ما لا يَخْفى.
(ومِن مِثْلِهِ) إمّا أنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا صِفَةً لِسُورَةٍ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إمّا (لِما) الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ المُنَزَّلِ، أوْ لِلْعَبْدِ، وعَلى الأوَّلِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلتَّبْيِينِ، والأخْفَشُ يُجَوِّزُ زِيادَتَها في مِثْلِهِ، والمَعْنى بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِلْقُرْآنِ في البَلاغَةِ والأُسْلُوبِ المُعْجِزِ، وهَذا عَلى الأخِيرَيْنِ ظاهِرٌ، وإمّا عَلى التَّبْعِيضِ، فَلِأنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِالمِثْلِ مِثْلٌ مُحَقَّقٌ مُعَيَّنٌ لِلْقُرْآنِ، بَلْ ما يُماثِلُهُ فَرْضًا، كَما قِيلَ: في مِثْلِكَ لا يُجْهَلُ، ولا شَكَّ أنَّ بَعْضِيَّتَها لِلْمُماثِلِ الفَرْضِيِّ لازِمَةٌ لِمُماثَلَتِها لِلْقُرْآنِ، فَذَكَرَ اللّازِمَ، وأُرِيدَ المَلْزُومُ سُلُوكًا لِطَرِيقِ الكِنايَةِ مَعَ ما في لَفْظِ (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى القِلَّةِ مِنَ المُبالَغَةِ المُناسِبَةِ لِمَقامِ التَّحَدِّي، وبِهَذا رَجَّحَ بَعْضُهُمُ التَّبْعِيضَ عَلى التَّبْيِينِ مَعَ ما في التَّبْيِينِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِما عُلِمَ ضِمْنًا، حَيْثُ إنَّ المُماثَلَةَ لِلْقُرْآنِ تُفْهَمُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالسُّورَةِ، إلّا أنَّهُ مُؤَيَّدٌ بِما يَأْتِي، وعَلى الثّانِي يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ (مِن) لِلِابْتِداءِ مِثْلُها في ﴿ إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ ﴾ ويَمْتَنِعُ التَّبْعِيضُ والتَّبْيِينُ والزِّيادَةُ امْتِناعَ الِابْتِداءِ في الوَجْهِ الأوَّلِ، وإمّا أنْ تَكُونَ صِلَةَ فَأْتُوا.
والشّائِعُ أنَّهُ يَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ عَوْدُ الضَّمِيرِ لِلْعَبْدِ، لِأنَّ (مِن) لا تَكُونُ بَيانِيَّةً إذْ لا مُبْهَمَ، ولِكَوْنِهِ مُسْتَقِرًّا أبَدًا، لا تَتَعَلَّقُ بِالأمْرِ لَغْوًا، ولا تَبْعِيضِيَّةً، وإلّا لَكانَ الفِعْلُ واقِعًا عَلَيْهِ حَقِيقَةً كَما فِي: أخَذْتُ مِنَ الدَّراهِمِ، ولا مَعْنى لِإتْيانِ البَعْضِ، بَلِ المَقْصِدُ الإتْيانُ بِالبَعْضِ، ولا مَجالَ لِتَقْدِيرِ الباءِ مَعَ وُجُودِ (مِن)، ولِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ بِسُورَةٍ ضائِعًا، فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً، وحِينَئِذٍ يَجِبُ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْعَبْدِ لا لِلْمُنَزَّلِ، وجَعْلُ المُتَكَلِّمِ مَبْدَأً عُرْفًا لِلْإتْيانِ بِالكَلامِ مِنهُ مَعْنًى، حَسَنٌ مَقْبُولٌ بِخِلافِ جَعْلِ الكُلِّ مَبْدَأً لِلْإتْيانِ بِبَعْضٍ مِنهُ، فَإنَّهُ لا يَرْتَضِيهِ ذُو فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ، وأيْضًا المُعْتَبَرُ في مَبْدَإ الفِعْلِ هو المَبْدَأُ الفاعِلِيُّ، أوِ المادِّيُّ، أوِ الغائِيُّ، أوْ جِهَةٌ يَتَلَبَّسُ بِها، ولَيْسَ الكُلُّ بِالنِّسْبَةِ إلى الجُزْءِ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وعَلَيْهِ يَكُونُ اعْتِبارُ مُماثَلَةِ المَأْتِيِّ بِهِ لِلْقُرْآنِ في البَلاغَةِ مُسْتَفادًا مِن لَفْظِ السُّورَةِ، ومَساقُ الكَلامِ بِمَعُونَةِ المَقامِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ مَعْنى (مِن) لا يَنْحَصِرُ فِيما ذُكِرَ فَقَدْ تَجِيءُ لِلْبَدَلِ نَحْوَ ﴿ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ ﴾ ”وجَعَلَنا مِنكم مَلائِكَةً“ ولِلْمُجاوَزَةِ: كَعُذْتُ مِنهُ، فَعَلى هَذا، لَوْ عُلِّقَ (مِن مِثْلِهِ) بـِ(فَأْتُوا)، وحُمِلَ (مِن) عَلى البَدَلِ، أوِ المُجاوَزَةِ، ومِثْلُ عَلى المُقْحَمِ، ورَجَعَ الضَّمِيرُ إلى (ما أنْزَلَنا) عَلى مَعْنى (فَأْتُوا) بَدَلَ ذَلِكَ الكِتابِ العَظِيمِ شَأْنُهُ الواضِحِ بُرْهانُهُ أوْ مُجاوِزِينَ مِن هَذا الكِتابِ مَعَ فَخامَةِ أثَرِهِ، وجَلالَةِ قَدْرِهِ بِسُورَةٍ فَذَّةٍ لَكانَ أبْلَغَ في التَّحَدِّي، وأظْهَرَ في الإعْجازِ، عَلى أنَّ عَدَمَ صِحَّةِ شَيْءٍ مِمّا اعْتُبِرَ في المَبْدَإ مَمْنُوعٌ، فَإنَّ المُلابَسَةَ بَيْنَ الكُلِّ والبَعْضِ أقْوى مِنها بَيْنَ المَكانِ والمُتَمَكِّنِ، فَكَما يَجُوزُ جَعْلُ المَكانِ مَبْدَأ الفِعْلِ المُتَمَكِّنِ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الكُلُّ مَبْدَأً لِلْإتْيانِ بِالبَعْضِ، ولَعَلَّ مَن قالَ ذَلِكَ لَمْ يَطْرُقْ سَمْعَهُ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ: وبِمَنزِلَةِ المَكانِ ما لَيْسَ بِمَكانٍ، ولا زَمانٍ نَحْوُ: قَرَأْتُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى آخِرِها، وأعْطَيْتُكَ مِن دِرْهَمٍ إلى دِينارٍ، وأيْضًا فالإتْيانُ بِبَعْضِ الشَّيْءِ تَفْرِيقُهُ مِنهُ، ولا يُسْتَرابُ أنَّ الكُلَّ مَبْدَأُ تَفْرِيقِ البَعْضِ مِنهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ وهو الَّذِي اخْتارَهُ مَوْلانا الشِّهابُ: إنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ التَّحَدِّي، وتَعْجِيزُ بُلَغاءِ العَرَبِ المُرْتابِينَ فِيهِ عَنِ الإتْيانِ بِما يُضاهِيهِ، فَمُقْتَضى المَقامِ أنْ يُقالَ لَهم: مَعاشِرَ الفُصَحاءِ المُرْتابِينَ في أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ائْتُوا بِمِقْدارِ أقْصَرِ سُورَةٍ مِن كَلامِ البَشَرِ مُحَلّاةٍ بِطِرازِ الإعْجازِ ونَظْمِهِ، وما ذُكِرَ يَدُلُّ عَلى هَذا، إذا كانَ (مِن مِثْلِهِ) صِفَةَ سُورَةٍ، سَواءٌ كانَ الضَّمِيرُ لِما، أوْ لِلْعَبْدِ، لِأنَّ مَعْناهُ: ائْتُوا بِمِقْدارِ سُورَةٍ تُماثِلُهُ في البَلاغَةِ كائِنَةٍ مِن كَلامِ أحَدٍ مِثْلِ هَذا العَبْدِ في البَشَرِيَّةِ، فَهو مُعْجِزٌ لِلْبَشَرِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، أوْ ائْتُوا بِمِقْدارِ سُورَةٍ مِن كَلامٍ هو مِثْلُ هَذا المُنَزَّلِ، ومِثْلُ الشَّيْءِ غَيْرُهُ، فَهو مِن كَلامِ البَشَرِ أيْضًا، فَإذا تَعَلَّقَ ورَجَعَ الضَّمِيرُ لِلْعَبْدِ، فَمَعْناهُ أيْضًا ائْتُوا مِن مِثْلِ هَذا العَبْدِ في البَشَرِيَّةِ بِمِقْدارِ سُورَةٍ تُماثِلُهُ، فَيُفِيدُ ما ذَكَرْنا، ولَوْ رَجَعَ عَلى هَذا لَما كانَ مَعْناهُ ائْتُوا مِن مِثْلِ هَذا المُنَزَّلِ بِسُورَةٍ، ولا شَكَّ أنَّ (مِن) لَيْسَتْ بَيانِيَّةً لِأنَّها لا تَكُونُ لَغْوًا، ولا تَبْعِيضِيَّةً لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلَيْهِ، فَهي ابْتِدائِيَّةٌ، والمَبْدَأُ لَيْسَ فاعِلِيًّا، بَلْ مادِّيًّا، فَحِينَئِذٍ المَثَلُ الَّذِي السُّورَةُ بَعْضٌ مِنهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالإتْيانِ بِهِ، فَلا يَخْلُو مِن أنْ يُدَّعى وُجُودُهُ، وهو خِلافُ الواقِعِ، وابْتِناؤُهُ عَلى الزَّعْمِ أوِ الفَرْضِ تَعَسُّفٌ بِلا مُقْتَضٍ، أوَّلًا ولا يَلِيقُ بِالتَّنْزِيلِ، وكَيْفَ يَأْتُونَ بِبَعْضٍ مِن شَيْءٍ لا وُجُودَ لَهُ !
والحَقُّ عِنْدِي أنَّ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى كُلٍّ مِنَ العَبْدِ و(ما) عَلى تَقْدِيرِي: اللَّغْوُ والِاسْتِقْرارُ أمْرٌ مُمْكِنٌ، ودائِرَةُ التَّأْوِيلِ واسِعَةٌ، والِاسْتِحْسانُ مُفَوَّضٌ إلى الذَّوْقِ السَّلِيمِ، والَّذِي يُدْرِكُهُ ذَوْقِي، ولا أُزَكِّي نَفْسِي، أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ التَّعَلُّقِ يَكُونُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى العَبْدِ أحْلى، والبَحْثُ في هَذِهِ الآيَةِ مَشْهُورٌ، وقَدْ جَرى فِيهِ بَيْنَ العَضُدِ والجارَبَرْدِيِّ ما أدّى إلى تَأْلِيفِ الرَّسائِلِ في الِانْتِصارِ لِكُلٍّ، وقَدْ وُفِّقْتُ لِلْوُقُوفِ عَلى كَثِيرٍ مِنها، والحَمْدُ لِلَّهِ، ونَقَلْتُ نُبْذَةً مِنها في الأجْوِبَةِ العِراقِيَّةِ، ثُمَّ أوْلى الوُجُوهِ هُنا عَلى الإطْلاقِ جَعْلُ الظَّرْفِ صِفَةً لِلسُّورَةِ، والضَّمِيرِ لِلْمُنَزَّلِ، ومِن بَيانِيَّةً، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّهُ المُوافِقُ لِنَظائِرِهِ مِن آياتِ التَّحَدِّي، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ﴾ لِأنَّ المُماثَلَةَ فِيها صِفَةٌ لِلْمَأْتِيِّ بِهِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ الكَلامَ في المُنَزَّلِ لا المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، وذِكْرُهُ إنَّما وقَعَ تَبَعًا، ولَوْ عادَ الضَّمِيرُ إلَيْهِ تُرِكَ التَّصْرِيحُ بِمُماثَلَةِ السُّورَةِ، وهو عُمْدَةُ التَّحَدِّي، وإنْ فُهِمَ، وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ أمْرَ الجَمِّ الغَفِيرِ، لِأنْ يَأْتُوا مِن مِثْلِ ما أتى بِهِ واحِدٌ مِن جِنْسِهِمْ، أبْلَغُ مِن أمْرِهِمْ بِأنْ يَجِدُوا أحَدًا يَأْتِي بِمِثْلِ ما أتى بِهِ رَجُلٌ آخَرُ، وأمّا رابِعًا فَلِأنَّهُ لَوْ رَجَعَ الضَّمِيرُ لِلْعَبْدِ لَأوْهَمَ أنَّ إعْجازَهُ لِكَوْنِهِ مِمَّنْ لَمْ يَدْرُسْ، ولَمْ يَكْتُبْ، لا أنَّهُ في نَفْسِهِ مُعْجِزٌ، مَعَ أنَّ الواقِعَ هَذا، وبَعْضُهم رَجَّحَ رَدَّ الضَّمِيرِ إلى العَبْدِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِاشْتِمالِهِ عَلى مَعْنى مُسْتَبْدَعٍ مُسْتَجَدٍّ، وبِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِلْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ، إذِ التَّوْحِيدُ والتَّصْدِيقُ بِالنُّبُوَّةِ تَوْأمانِ، فالمَقْصُودُ إثْباتُ النُّبُوَّةِ، والحُجَّةُ ذَرِيعَةٌ، فَلا يَلْزَمُ مِنَ الِافْتِتاحِ بِذِكْرِ (ما نَزَّلْنا)، أنْ يَكُونَ الكَلامُ مَسُوقًا لَهُ، وبِأنَّ التَّحَدِّيَ عَلى ذَلِكَ أبْلَغُ لِأنَّ المَعْنى: اجْتَمِعُوا كُلُّكم وانْظُرُوا هَلْ يَتَيَسَّرُ لَكُمُ الإتْيانُ بِسُورَةٍ مِمَّنْ لَمْ يُمارِسِ الكُتُبَ، ولَمْ يَدْرُسِ العُلُومَ؟!
وضَمُّ بَناتِ أفْكارِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ مُعارَضٌ بِهَذِهِ الحُجَّةِ، بَلْ هي أقْوى في الإفْحامِ، إذْ لا يَبْعُدُ أنْ يُعارِضُوهُ بِما يَصْدُرُ عَنْ بَعْضِ عُلَمائِهِمْ مِمّا اشْتَمَلَ عَلى قِصَصِ الأُمَمِ الخالِيَةِ المَنقُولَةِ مِنَ الكُتُبِ الماضِيَةِ، وإنْ كانَ بَيْنَهُما بَوْنٌ، إذِ الغَرِيقُ يَتَشَبَّثُ بِالحَشِيشِ، وأمّا إذا تَحَدّى بِسُورَةٍ مِن أُمِّيٍّ كَذا وكَذا لَمْ يَبْقَ لِلْعَوارِضِ مَجالٌ، هَذا، ولا يَخْفى أنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ، ونُحاسٌ مُمَوَّهٌ، وظاهِرُ السِّياقِ يُؤَيِّدُ ما قُلْنا، ويُلائِمُهُ ظاهِرًا كَما سَنُبَيِّنُهُ بِمَنِّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ الدُّعاءُ النِّداءُ والِاسْتِعانَةُ، ولَعَلَّ الثّانِيَ مَجازٌ، أوْ كِنايَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى النِّداءِ، لِأنَّ الشَّخْصَ إنَّما يُنادى لِيُسْتَعانَ بِهِ، ومِنهُ ﴿ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ﴾ والشُّهَداءُ جَمْعُ شَهِيدٍ أوْ شاهِدٍ، والشَّهِيدُ كَما قالَ الرّاغِبُ: كُلُّ مَن يُعْتَدُّ بِحُضُورِهِ مِمَّنْ لَهُ الحَلُّ والعَقْدُ، ولِذا سَمَّوْا غَيْرَهُ مُخَلَّفًا، وجاءَ بِمَعْنى الحاضِرِ والقائِمِ بِالشَّهادَةِ، والنّاصِرِ والإمامِ أيْضًا، ودُونَ ظَرْفُ مَكانٍ، لا يَتَصَرَّفُ، ويُسْتَعْمَلُ بِمِن كَثِيرًا، وبِالباءِ قَلِيلًا، وخَصَّهُ في البَحْرِ بِمِن (دُونَها)، ورَفْعُهُ في قَوْلِهِ: ألَمْ تَرَيا أنِّي حَمَيْتُ حَقِيقَتِي ∗∗∗ وباشَرْتُ حَدَّ المَوْتِ والمَوْتُ دُونُها نادِرٌ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، ومَعْناها أقْرَبُ مَكانٍ مِنَ الشَّيْءِ، فَهو كَعِنْدَ إلّا أنَّها تُنْبِئُ عَنْ دُنُوٍّ كَثِيرٍ، وانْحِطاطٍ يَسِيرٍ، ومِنهُ دُونَكَ، اسْمُ فِعْلٍ لا تَدْوِينَ الكُتُبِ خِلافًا لِلْبَيْضاوِيِّ كَما قِيلَ، لِأنَّهُ مِنَ الدِّيوانِ، الدَّفْتَرُ ومَحَلُّهُ، وهي فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ مِن قَوْلِ كِسْرى إذْ رَأى سُرْعَةَ الكُتّابِ في كِتابِهِمْ وحِسابِهِمْ دِيوانَهُ، وقَدْ يُقالُ: لا بُعْدَ فِيما ذَكَرَهُ البَيْضاوِيُّ، ودِيوانٌ مِمّا اشْتَرَكَتْ فِيهِ اللُّغَتانِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ في انْحِطاطٍ مَحْسُوسٍ، لا في ظَرْفٍ، كَدُونَ زَيْدٍ في القامَةِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّفاوُتِ في المَراتِبِ المَعْنَوِيَّةِ تَشْبِيهًا بِالمَراتِبِ الحِسِّيَّةِ، كَدُونَ عَمْرٍو شَرَفًا، ولِشُيُوعِ ذَلِكَ اتُّسِعَ في هَذا المُسْتَعارِ، فاسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَجاوُزِ حَدٍّ إلى حَدٍّ، ولَوْ مِن دُونِ تَفاوُتٍ وانْحِطاطٍ، وهو بِهَذا المَعْنى قَرِيبٌ مِن غَيْرٍ، فَكَأنَّهُ أداةُ اسْتِثْناءٍ، ومِنَ الشّائِعِ دُونٌ بِمَعْنى خَسِيسٍ، فَيَخْرُجُ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، ويُعَرَّفُ بِألْ، ويُقْطَعُ عَنِ الإضافَةِ كَما في قَوْلِهِ: إذا ما عَلا المَرْءُ رامَ العُلا ∗∗∗ ويَقْنَعُ بِالدُّونِ مَن كانَ دُونا وما في القامُوسِ مِن أنَّهُ يُقالُ: رَجُلٌ مِن دُونٍ، ولا يُقالُ: دُونٌ، مُخالِفٌ لِلدِّرايَةِ والرِّوايَةِ، ولَيْسَ عِنْدِي وجْهٌ وجِيهٌ في تَوْجِيهِهِ، والمَشْهُورُ أنَّهُ لَيْسَ لِهَذا فُعِلَ، وقِيلَ يُقالُ: دانَ يَدِينُ مِنهُ، واسْتِعْمالُهُ بِمَعْنى فَضْلًا وعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ أبِي تَمّامٍ: الوُدُّ لِلْقُرْبى ولَكِنَّ عُرْفَهُ ∗∗∗ لِلْأبْعَدِ الأوْطانِ دُونَ الأقْرَبِ لَمْ يُسَلِّمْهُ أرْبابُ التَّنْقِيرِ، نَعَمْ قالُوا: يَكُونُ بِمَعْنى وراءَكَ أمامَ وبِمَعْنى فَوْقَ ونَقِيضًا لَهُ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقَةٌ (بِادْعُوا) ودُونَ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى التَّجاوُزِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ادْعُوا إلى المُعارَضَةِ مَن يَحْضُرُكُمْ، أوْ مَن يَنْصُرُكم بِزَعْمِكم مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى في الدُّعاءِ بِأنْ لا تَدْعُوهُ، والأمْرُ لِلتَّعْجِيزِ والإرْشادِ، أوِ ادْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَن يُقِيمُ لَكُمُ الشَّهادَةَ بِأنَّ ما أتَيْتُمْ بِهِ مُماثِلُهُ، فَإنَّهم لا يَشْهَدُونَ، ولا تَدْعُوا اللَّهَ تَعالى لِلشَّهادَةِ، بِأنْ تَقُولُوا: اللَّهُ تَعالى شاهِدٌ، وعالِمٌ بِأنَّهُ مِثْلُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ عَلامَةُ العَجْزِ والِانْقِطاعِ عَنْ إقامَةِ البَيِّنَةِ، والأمْرُ حِينَئِذٍ لِلتَّبْكِيتِ، والشَّهِيدُ الأوَّلُ بِمَعْنى الحاضِرِ، وعَلى الثّانِي بِمَعْنى النّاصِرِ، وعَلى الثّالِثِ بِمَعْنى القائِمِ بِالشَّهادَةِ، قِيلَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإمامِ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِالشُّهَداءِ الآلِهَةَ الباطِلَةَ، لِأنَّ الأمْرَ بِدُعاءِ الأصْنامِ لا يَكُونُ إلّا تَهَكُّمًا، ولَوْ قِيلَ: ادْعُوا الأصْنامَ ولا تَدْعُوا اللَّهَ تَعالى، ولا تَسْتَظْهِرُوا بِهِ لانْقَلَبَ الأمْرُ مِنَ التَّهَكُّمِ إلى الِامْتِحانِ، إذْ لا دَخْلَ لِإخْراجِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الدُّعاءِ في التَّهَكُّمِ، وفِيهِ أنَّ أيَّ تَهَكُّمٍ وتَحْمِيقٍ أقْوى مِن أنْ يُقالَ لَهُمُ اسْتَعِينُوا بِالجَمادِ، ولا تَلْتَفِتُوا نَحْوَ رَبِّ العِبادِ، ولا يَجُوزُ حِينَئِذٍ أنْ تُجْعَلَ دُونَ بِمَعْنى القُدّامِ، إذْ لا مَعْنى لِأنْ يُقالَ: ادْعُوها بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى، أيْ في القِيامَةِ لِلِاسْتِظْهارِ بِها في المُعارَضَةِ الَّتِي في الدُّنْيا، وجَوَّزُوا أنْ تَتَعَلَّقَ (مِن) بِـ(شُهَداءَكُمْ)، وهي لِلِابْتِداءِ أيْضًا، ودُونَ بِمَعْنى التَّجاوُزِ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ المُسْتَفادِ مِن إضافَةِ الشُّهَداءِ أعْنِي الِاتِّخاذَ، والمَعْنى: ادْعُوا الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهم أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، وزَعَمْتُمْ أنَّها تَشْهَدُ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُونَ بِمَعْنى أمامَ حَقِيقَةً أوْ مُسْتَعارًا مِن مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ الَّذِي يُناسِبُهُ، أعْنِي بِهِ أدْنى مَكانٍ مِنَ الشَّيْءِ، وهو ظَرْفُ لَغْوٍ مَعْمُولٌ لِشُهَداءَ، ويَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ، فَلا حاجَةَ إلى الِاعْتِمادِ، ولا إلى تَقْدِيرِ لِيَشْهَدُوا، (ومِن) لِلتَّبْعِيضِ، كَما قالُوا في (مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ)، لِأنَّ الفِعْلَ يَقَعُ في بَعْضِ الجِهَتَيْنِ، وظاهِرُ كَلامِ الدَّمامِينِيِّ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ أنَّها زائِدَةٌ، وهو مَذْهَبُ ابْنِ مالِكٍ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها ابْتِدائِيَّةٌ، والمَعْنى: ادْعُوا الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لَكم بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى زَعْمِكُمْ، والأمْرُ لِلتَّهَكُّمِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الأصْنامِ بِالشُّهَداءِ تَرْشِيحٌ لَهُ بِتَذْكِيرِ ما اعْتَقَدُوهُ مِن أنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمَكانٍ، وأنَّها تَنْفَعُهم بِشَهادَتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَؤُلاءِ عُدَّتُكُمْ، ومَلاذُكُمْ، فادْعُوهم لِهَذِهِ العَظِيمَةِ النّازِلَةِ بِكُمْ، فَلا عِطْرَ بَعْدَ عَرُوسٍ، وما وراءَ عَبّادانَ قَرْيَةٌ، ولَمْ تُجْعَلْ دُونَ بِمَعْنى التَّجاوُزِ لِأنَّهم لا يَزْعُمُونَ شَرِكَتَهُ تَعالى مَعَ الأصْنامِ في الشَّهادَةِ، فَلا وجْهَ لِلْإخْراجِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلِابْتِداءِ والظَّرْفُ حالٌ، ويُحْذَفُ مِنَ الكَلامِ مُضافٌ، والمَعْنى: ادْعُوا شُهَداءَكم مِن فُصَحاءِ العَرَبِ، وهم أوْلِياءُ الأصْنامِ مُتَجاوِزِينَ في ذَلِكَ أوْلِياءَ اللَّهِ لِيَشْهَدُوا لَكم أنَّكم أتَيْتُمْ بِمِثْلِهِ، والمَقْصُودُ بِالأمْرِ حِينَئِذٍ إرْخاءُ العِنانِ والِاسْتِدْراجُ إلى غايَةِ التَّبْكِيتِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَرْكَنا إلْزامَكم بِشُهَداءِ الحَقِّ إلى شُهَدائِكُمُ المَعْرُوفِينَ بِالذَّبِّ عَنْكُمْ، فَإنَّهم أيْضًا لا يَشْهَدُونَ لَكم حِذارًا مِنَ اللّائِمَةِ وأنَفَةً مِنَ الشَّهادَةِ البَتَّةِ البُطْلانِ، كَيْفَ لا، وأمْرُ الإعْجازِ قَدْ بَلَغَ مِن الظُّهُورِ إلى حَيْثُ لَمْ يَبْقَ إلى إنْكارِهِ سَبِيلٌ، وإخْراجُ اللَّهِ تَعالى عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ لِتَأْكِيدِ تَناوُلِ المُسْتَثْنى مِنهُ بِجَمِيعِ ما عَداهُ لا لِبَيانِ اسْتِبْدادِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى ما كُلِّفُوهُ لِإيهامِهِ إنَّهم لَوْ دَعَوْهُ تَعالى لَأجابَهم إلَيْهِ، وعَلى بَعْضٍ لِلتَّصْرِيحِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِبَراءَتِهِمْ مِنهُ تَعالى، وكَوْنُهم في عُرْوَةِ المُحادَّةِ والمُشاقَّةِ لَهُ قاصِرِينَ اسْتِظْهارَهم عَلى ما سِواهُ، والِالتِفاتُ إمّا لِإدْخالِ الرَّوْعِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ أوْ لِلْإيذانِ بِكَمالِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ، حَيْثُ آثَرُوا عَلى عِبادَةِ مَن لَهُ الأُلُوهِيَّةُ الجامِعَةُ عِبادَةَ مَن لا أحْقَرَ مِنهُ، والصِّدْقُ مُطابَقَةُ الواقِعِ، والمَذاهِبُ فِيهِ مَشْهُورَةٌ، وجَوابُ إنْ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ هو جَوابًا لَهُما، وكَذا مُتَعَلِّقُ الصِّدْقِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بِزَعْمِكم في أنَّهُ كَلامُ البَشَرِ، أوْ في أنَّكم تَقْدِرُونَ عَلى مُعارَضَتِهِ، فَأْتُوا، وادْعُوا، فَقَدْ بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبى، وهَذا كالتَّكْرِيرِ لِلتَّحَدِّي والتَّأْكِيدِ لَهُ، ولِذا تُرِكَ العَطْفُ، وجُعِلَ المُتَعَلِّقُ الِارْتِيابَ لِتَقَدُّمِهِ، مِمّا لا ارْتِيابَ في تَأخُّرِهِ، لِأنَّ الِارْتِيابَ مِن قَبِيلِ التَّصَوُّرِ الَّذِي لا يَجْرِي فِيهِ صِدْقٌ ولا كَذِبٌ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في احْتِمالِ أنَّهُ كَذا، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ لا يُجْدِي نَفْعًا، لِأنَّ الِاحْتِمالَ شَكٌّ أيْضًا، ومِنَ التَّكَلُّفِ بِمَكانٍ قَوْلُ الشِّهابِ: إنَّ المُرادَ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ التَّرَقِّي في إلْزامِ الحُجَّةِ وتَوْضِيحِ المَحَجَّةِ، فالمَعْنى إنِ ارْتَبْتُمْ فَأْتُوا بِنَظِيرِهِ لِيَزُولَ رَيْبُكُمْ، ويَظْهَرَ أنَّكم أصَبْتُمْ فِيما خَطَرَ عَلى بالِكُمْ، وحِينَئِذٍ فَإنْ صَدَقَتْ مَقالَتُكم في أنَّهُ مُفْتَرًى فَأظْهِرُوها، ولا تَخافُوا، هَذا ووَجْهُ مُلائَمَةِ الآيَةِ لِما قُلْناهُ في الآيَةِ السّابِقَةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أمَرَهم بِالِاسْتِعانَةِ إمّا حَقِيقَةً أوْ تَهَمُّكًا، بِكُلِّ ما يُعِينُهم بِالأمْدادِ في الإتْيانِ في المِثْلِ، أوْ بِالشَّهادَةِ، عَلى أنَّ المَأْتِيَّ بِهِ مِثْلٌ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يُلائِمُ إذا كانُوا مَأْمُورِينَ بِالإتْيانِ بِالمِثْلِ بِخِلافِ ما إذا كانَ المَأْمُورُ واحِدًا مِنهُمْ، فَإنَّهم باعِثُونَ لَهُ عَلى الإتْيانِ، فالمُلائِمُ حِينَئِذٍ نِسْبَةُ الشُّهَداءِ إلَيْهِ، لِأنَّهم شُهَداءُ لَهُ، وإنْ صَحَّ نِسْبَتُهُ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ مُشارَكَتِهِمْ إيّاهُ في تِلْكَ الدَّعْوى بِالتَّحْرِيكِ، والحَثِّ، والقَوْلُ بِأنَّهم مُشارِكُونَ لِلْمَأْتِيِّ مِنهُ في دَعْوى المُماثَلَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ شَهادَةٌ عَلى المُماثَلَةِ، ثُمَّ تَرْجِيحُ رُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلْمُنَزَّلِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ كَوْنِ الظَّرْفِ صِفَةً لِلسُّورَةِ أيْضًا، وقَدْ أُورِدَ ها هُنا أُمُورٌ طَوِيلَةٌ لا طائِلَ تَحْتَها.
قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ قال بعضهم: هذا الخطاب لليهود وإن كنتم في ريب: أي في شك مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا محمد من القرآن أنه ليس من الله تعالى فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، أي من مثل هذا القرآن من التوراة، وقابلوها بالقرآن، فتجدوها موافقة لما في التوراة، فتعلموا به أن محمدا لم يختلقه من تلقاء نفسه وأنه من الله تعالى: وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أي استعينوا بأحباركم ورهبانكم، يعني عبّادكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما تشكون فيه.
وقال بعضهم: نزلت في شأن المشركين وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ أي في شك مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا محمد من القرآن وتقولون: إنه اختلقه من تلقاء نفسه فَأْتُوا بِسُورَةٍ أي فاختلقوا سورة من مثل هذا القرآن، لأنكم شعراء وفصحاء وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ، أي استعينوا بآلهتكم، ويقال: استعينوا بخطبائكم وشعرائكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن محمداً يقوله من تلقاء نفسه.
وقال قتادة: معناه فأتوا بسورة فيها حق وصدق لا باطل فيها.
وكان الفقيه أبو جعفر- رحمه الله- يقول: (الهاء) إشارة إلى النبيّ فكأنه قال: فأتوا بسورة من مثل محمد ، لأنه لم يكن قرأ الكتب ولا درس فأتوا بسورة من رجل لم يقرأ الكتب، كما جاء به محمد .
ويقال: هذه الآيات أصل لجميع ما تكلم به المتكلمون، لأن في أول الآية إثبات الصانع ثم في الآية الأخرى إثبات نبوة محمد فالله تعالى أمرهم بأن يأتوا بعشر سور فعجزوا عنها، ثم أمرهم بسورة من مثله، فعجزوا عنها، فنزلت هذه الآية قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ [الإسراء: 88] الآية.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ...
الآيَةَ: «يَا» : حرفُ نداءٍ، وفيه تنبيهٌ، و «أَيُّ» هو المنادى، قال مجاهد: يا أَيُّهَا النَّاسُ حيث وقع في القرآن مكّيّ، ويا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مدنيٌّ «١» .
قال ع «٢» : قد تقدَّم في أول السورة أنها كلها مدنية، وقد يجيء في المدنيّ:
يا أَيُّهَا النَّاسُ.
وأما قوله في: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فصحيح.
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ: معناه: وحِّدوه، وخصوه بالعبادة، وذكر تعالى خلقه لهم إِذ كانت العرب مقرة بأن اللَّه خلقها، فذكر ذلك سبحانه حجةً عليهم، ولعل في هذه الآية قال فيها كثيرٌ من المفسِّرين: هي بمعنى إيجاب التقوى، وليست من اللَّه تعالى بمعنى ترجٍّ وتوقُّع، وفي «مختصر الطَّبَرِيِّ» : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ عن مجاهد، أي: لعلَّكم تطيعون «٣» ، والتقوَى التوقِّي من عذاب اللَّه بعبادته، وهي من الوقاية، وأما «لَعَلَّ» هنا، فهي بمعنى «كَيْ» أو «لامِ كَيْ» ، أي: لتتقوا، أوْ لكَيْ تتقوا، وليست هنا من اللَّه تعالى بمعنى الترجِّي، وإنما هي بمعنى كَيْ، وقد تجيء بمعنى «كَيْ» في اللغة قال الشاعر: [الطويل]
وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا ...
نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ موثق «٤»
انتهى.
قال ع «١» : وقال سيبويه «٢» : ورؤساءُ اللِّسَان: هي على بابها، والترجِّي والتوقُّع إنما هو في حيز البشر، أي: إذا تأملتم حالكم مع عبادة ربكم، رجَوْتُمْ لأنفسكم التقوى، و «لَعَلَّ» : متعلِّقة بقوله: «اعبدوا» ، ويتجه تعلُّقها ب «خَلَقَكُمْ» أي: لَمَّا وُلِدَ كلُّ مولود على الفطرة، فهو إِن تأمله متأمِّل، توقَّع له ورجا أن يكون متقياً، و «تَتَّقُونَ» : مأخوذ من الوقاية، وجعل بمعنى «صَيَّرَ» في هذه الآية لتعدِّيها إِلى مفعولين، و «فِرَاشاً» معناه: تفترشونها، و «السَّمَاء» قيل: هو اسم مفرد، جمعه سماوات، وقيل: هو جمعٌ، واحده سَمَاوَة، وكلُّ ما ارتفع عليك في الهواء، فهو سماء، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ يريد السحاب، سمي بذلك تجوُّزاً لَمَّا كان يلي السماء، وقد سَمَّوُا المطر سماءً للمجاورة ومنه قول الشاعر: [الوافر]
إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بأَرْضِ قَوْمٍ ...
رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا «٣»
فتجوز أيضاً في «رَعَيْنَاهُ» .
وواحد الأنداد نِدٌّ، وهو المقاوم والمضاهي، واختلف المتأوّلون من المخطاب بهذه الآية، فقالتْ جماعة من المفسِّرين: المخاطَبُ جميع المشركين، فقوله سبحانه على هذا:
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ يريد العلم الخاصَّ في أنه تعالى خلق، وأنزل الماء، وأخرج الرزق، وقيل: المراد كفَّار بني إسرائيل، فالمعنى: وأنتم تعلَمُون من الكتب التي عندكم أنّ الله لا
ندَّ له، وقال ابنْ فُورَكَ «١» : يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين.
قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ، أي: في شكٍّ، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ:
الضمير في «مِثْلِهِ» عند الجمهور: عائد على القرآن «٢» ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ، أي: مَنْ شهدكم وحضركم من عون ونصير قاله ابنُ عَبَّاس «٣» : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، أي: فيما قلتم من أنَّكم تقدرون على معارضته.
ويؤيِّد هذا القول ما حكي عنهم في آية أخرى: / ١٢ ب لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: ٣١] ، وفي قوله جل وعلا: وَلَنْ تَفْعَلُوا إِثَارةٌ لِهِمَمِهِمْ، وتحريكٌ لنفوسهم ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهو أيضاً من الغيوب التي أخبر بها القرآن.
وقوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ: أمر بالإيمانِ وطاعةِ اللَّه، قال الفَخْر «٤» ولما ظهر عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق النبيّ صلّى الله عليه وسلم وإِذا صح ذلك، ثم لزموا العناد، استوجبوا العقاب بالنار، واتقاءُ النار يوجب ترك العناد فأقيم قوله: فَاتَّقُوا النَّارَ مُقَامَ قوله: «واتركوا العِنَادَ» ، ووصف النار بأنها تتقد بالناس والحجارة وذلك يدلُّ على قوتها، نجَّانا اللَّه منها برحمته الواسعة.
وقرَنَ اللَّه سبحانه النَّاسَ بالحجارة لأنهم اتخذوها في الدنيا أصناماً يعبدونها قال تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨] فإحدى الآيتين مفسِّرة للأخرى، وهذا كتعذيب مانعي الزكاة بنوع ما منعوا، انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ ﴾ .
سَبَبُ نُزُولِها أنَّ اليَهُودَ قالُوا: هَذا الَّذِي يَأْتِينا بِهِ مُحَمَّدٌ لا يُشْبِهُ الوَحْيَ، وإنّا لَفي شَكٍّ مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ.
و"إنَّ" هاهُنا لِغَيْرِ شَكٍّ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ أنَّهم مُرْتابُونَ، ولَكِنَّ هَذا عادَةُ العَرَبِ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِابْنِهِ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَأطِعْنِي.
وقِيلَ: إنَّها هاهُنا بِمَعْنى إذْ، قالَ أبُو زَيْدٍ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ .
*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: السُّورَةُ تُهْمَزُ ولا تُهْمَزُ، فَمَن هَمَزَها جَعَلَها مِن أسْأرَتْ، يَعْنِي [أفْضَلَتْ ] لِأنَّها قِطْعَةٌ مِنَ القُرْآَنِ، ومَن لَمْ يَهْمِزْها جَعَلَها مِن سُورَةِ البِناءِ، أيْ: مَنزِلَةٌ بَعْدَ مَنزِلَةٍ.
قالَ النّابِغَةُ في النُّعْمانِ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطاكَ سُورَةً تَرى كُلَّ مَلِكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ والسُّورَةُ في هَذا البَيْتِ: سُورَةُ المَجْدِ، وهي مُسْتَعارَةٌ مِن سُورَةِ البِناءِ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما سُمِّيَتِ السُّورَةُ سُورَةً لِأنَّهُ يَرْتَفِعُ فِيها مِن مَنزِلَةٍ إلى مَنزِلَةٍ، مِثْلُ سُورَةِ البِناءِ.
مَعْنى: أعْطاكَ سُورَةً، أيْ: مَنزِلَةَ شَرَفٍ ارْتَفَعَتْ إلَيْها عَنْ مَنازِلِ المُلُوكِ.
قالَ ابْنُ القاسِمِ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ سُورَةً لِشَرَفِها، تَقُولُ العَرَبُ: لَهُ سُورَةٌ في المَجْدِ، أيْ: شَرَفٌ وارْتِفاعٌ، أوْ لِأنَّها قِطْعَةٌ مِنَ القُرْآَنِ مِن قَوْلِكَ: أسَأرْتُ سُؤْرًا، أيْ: أبْقَيْتُ بَقِيَّةً، وفي هاءِ "مِثْلِهِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى القُرْآَنِ المُنَزَّلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّها تَعُودُ عَلى النَّبِيِّ ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِ هَذا العَبْدِ الأُمِّيِّ، ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ، وابْنُ القاسِمِ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ: تَكُونُ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، وعَلى الأوَّلِ: تَكُونُ زائِدَةً.
*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ .
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: اسْتَعِينُوا مِنَ المَعُونَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ والفَرّاءُ.
والثّانِي: اسْتُغِيثُوا مِنَ الِاسْتِغاثَةِ، وأنْشَدُوا: فَلَمّا التَقَتْ فُرْسانُنا ورِجالُهم دَعَوْا يا لَ كَعْبٍ واعْتَزَيْنا لِعامِرِ وَهَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ: وَفِي شُهَدائِهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُهُما: أنَّهم آَلِهَتُهم قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وسُمُّوا شُهَداءَ، لِأنَّهم يُشْهِدُونَهم، ويُحْضِرُونَهم.
وقالَ غَيْرُهُ: لِأنَّهم عَبَدُوهم لِيَشْهَدُوا لَهم عِنْدَ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهم أعْوانُهم، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ: فَأْتُوا بِناسٍ يَشْهَدُونَ أنَّ ما تَأْتُونَ بِهِ مِثْلَ القُرْآَنِ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.
*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أيْ: في قَوْلِكم إنَّ هَذا القُرْآَنَ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النارَ الَّتِي وقُودُها الناسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ "الرَيْبُ" الشَكُّ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ الخِطابَ المُتَقَدِّمَ إنَّما هو لِجَماعَةِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ تَحَدَّوْا، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ لَفْظِ "سُورَةٍ" في صَدْرٍ هَذا التَعْلِيقِ.
وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قَطِيبٍ: "أنْزَلْنا" بِألِفٍ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ عَلى مَن يَعُودُ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن مِثْلِهِ ﴾ ، فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: هو عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ الأكْثَرُ: مِن مِثْلِ نَظْمِهِ ورَصْفِهِ وفَصاحَةِ مَعانِيهِ الَّتِي يَعْرِفُونَها، ولا يُعْجِزُهم إلّا التَأْلِيفُ الَّذِي خُصَّ بِهِ القُرْآنُ، وبِهِ وقَعَ الإعْجازُ عَلى قَوْلِ حُذّاقِ أهْلِ النَظَرِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ﴿ مِن مِثْلِهِ ﴾ في غُيُوبِهِ، وصِدْقِهِ، وقِدَمِهِ، فالتَحَدِّي عِنْدَ هَؤُلاءِ وقَعَ بِالقِدَمِ، والأوَّلُ أبْيَنُ، و"مِن" عَلى هَذا القَوْلِ زائِدَةٌ، أو لِبَيانِ الجِنْسِ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ هي لِلتَّبْعِيضِ، أو لِبَيانِ الجِنْسِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِن مِثْلِهِ ﴾ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا.
فَقالَتْ طائِفَةٌ: مِن أُمِّيٍّ صادِقٍ مِثْلِهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: مِن ساحِرٍ، أو كاهِنٍ، أو شاعِرٍ مِثْلِهِ عَلى زَعْمِكم أيُّها المُشْرِكُونَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ الضَمِيرُ في "مِثْلِهِ" عائِدٌ عَلى الكُتُبِ القَدِيمَةِ: التَوْراةُ، والإنْجِيلُ، والزَبُورُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وادْعُوا شُهَداءَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: دُعاءُ اسْتِصْراخٍ، والشُهَداءُ مَن شَهِدَهم وحَضَرَهم مِن عَوْنٍ ونَصِيرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقِيلَ عن مُجاهِدٍ: إنَّ المَعْنى دُعاءُ اسْتِحْضارٍ.
والشُهَداءُ جَمْعُ شاهِدٍ، أيْ مَن يَشْهَدُ لَكم أنَّكم عارَضْتُمْ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: شُهَداؤُكُمْ، يُرادُ بِهِمْ آلِهَتُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ، أيْ: فِيما قُلْتُمْ مِنَ الرَيْبِ.
هَذا قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ غَيْرُهُ: فِيما قُلْتُمْ مِن أنَّكم تَقْدِرُونَ عَلى المُعارَضَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ قَدْ حَكى عنهم في آيَةٍ أُخْرى ﴿ لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ﴾ ، دَخَلَتْ "إنَّ" عَلى "لَمْ" لِأنَّ "لَمْ تَفْعَلُوا" مَعْناهُ تَرَكْتُمُ الفِعْلَ، فَ "إنْ" لا تُؤَثِّرُ، كَما لا تُؤَثِّرُ في الماضِي مِنَ الأفْعالِ، و"تَفْعَلُوا" جُزِمَ بِ "لَمْ"، وجَزَمَتْ "لَمْ" لِأنَّها أشْبَهَتْ "لا" في التَبْرِيَةِ في أنَّهُما يَنْفِيانِ، فَكَما تَحْذِفُ "لا" تَنْوِينَ الِاسْمِ، كَذَلِكَ تَحْذِفُ "لَمْ" الحَرَكَةُ أوِ العَلامَةُ مِنَ الفِعْلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَنْ تَفْعَلُوا ﴾ نُصِبَتْ بـِ "لَنْ"، ومِنَ العَرَبِ مَن يَجْزِمُ بِها، ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
ومِنهُ بَيْتُ النابِغَةِ عَلى بَعْضِ الرِواياتِ: فَلَنْ أُعَرِّضَ -أبَيْتَ اللَعْنَ- بِالصَفَدِ.
وفِي الحَدِيثِ في مَنامَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ "فَقِيلَ لِي: لَنْ تَرْعَ" هَذا عَلى تِلْكَ اللُغَةِ، وفي قَوْلِهِ: ( لَنْ تَفْعَلُوا ) إثارَةٌ لِهِمَمِهِمْ، وتَحْرِيكٌ لِنُفُوسِهِمْ لِيَكُونَ عَجْزُهم بَعْدَ ذَلِكَ أبْدَعَ، وهو أيْضًا مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي أخْبَرَ بِها القُرْآنُ قَبْلَ وُقُوعِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا النارَ ﴾ أمْرٌ بِالإيمانِ وطاعَةِ اللهِ، خَرَجَ في هَذِهِ الألْفاظِ المُحَذِّرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَقُودُها" بِفَتْحِ الواوِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وَمُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "وُقُودُها" بِضَمِّ الواوِ في كُلِّ القُرْآنِ، إلّا أنَّ طَلْحَةَ اسْتَثْنى الحَرْفَ الَّذِي في البُرُوجِ.
و"بِفَتْحِ الواوِ" هو الحَطَبُ، و"بِضَمِّها" هو المَصْدَرُ، وقَدْ حُكِيا جَمِيعًا في الحَطَبِ، وقَدْ حُكِيا في المَصْدَرِ.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: مَن قَرَأ بِضَمِّ الواوِ، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: ذُو وقُودُها، لِأنَّ الوَقُودَ بِالضَمِّ مَصْدَرٌ ولَيْسَ بِالناسِ.
وقَدْ جاءَ عنهُمُ "الوَقُودُ" بِالفَتْحِ في المَصْدَرِ، ومِثْلُهُ: "وُلِعْتُ بِهِ وُلُوعًا" بِفَتْحِ الواوِ، وكُلُّهُ شاذٌّ، والبابُ هو الضَمُّ.
وقَوْلُهُ: "الناسُ" عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ فِيمَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَضاءُ بِدُخُولِها.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الحِجارَةِ، أنَّها حِجارَةُ الكِبْرِيتِ، وخُصَّتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَزِيدُ عَلى جَمِيعِ الأحْجارِ بِخَمْسَةِ أنْواعٍ مِنَ العَذابِ: سُرْعَةُ الِاتِّقادِ، ونَتْنُ الرائِحَةِ، وكَثْرَةُ الدُخانِ، وشِدَّةُ الِالتِصاقِ بِالأبْدانِ، وقُوَّةُ حَرِّها إذا حَمِيَتْ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: "أُعِدَّتْ" رَدٌّ عَلى مَن قالَ: إنَّ النارَ لَمْ تُخْلَقْ حَتّى الآنَ وهو القَوْلُ الَّذِي سَقَطَ فِيهِ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ.
وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إلى أنَّ هَذِهِ النارَ المُخَصَّصَةَ بِالحِجارَةِ هي نارُ الكافِرِينَ خاصَّةً، وأنَّ غَيْرَها هي لِلْعُصاةِ.
وقالَ الجُمْهُورُ: بَلِ الإشارَةُ إلى جَمِيعِ النارِ، لا إلى نارٍ مَخْصُوصَةٍ، وإنَّما ذَكَرَ الكافِرِينَ لِيَحْصُلَ المُخاطَبُونَ في الوَعِيدِ، إذْ فِعْلُهم كُفْرٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: أُعِدَّتْ لِمَن فَعَلَ فِعْلَكُمْ، ولَيْسَ يَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّهُ لا يَدْخُلُها غَيْرُهُمْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أعَدَّها اللهُ لِلْكافِرِينَ".
<div class="verse-tafsir"
انتقال لإثبات الجزء الثاني من جزئي الإيمان بعد أن تم إثبات الجزء الأول من ذلك بما قدمه من قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم ﴾ [البقرة: 21] الخ.
فتلك هي المناسبة التي اقتضت عطف هذه الجملة على جملة: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم، ﴾ ولأن النهي عن أن يجعلوا لله أنداداً جاء من عند الله فهم بمظنة أن ينكروا أن الله نهى عن عبادة شفعائه ومقربيه لأنهم من ضَلالهم كانوا يدَّعون أن الله أمرهم بذلك قال تعالى: ﴿ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ﴾ [الزخرف: 20] فقد اعتلوا لعبادة الأصنام بأن الله أقامها وسائط بينه وبينهم، فزادت بهذا مناسبةُ عطف قوله: ﴿ وإن كنتم في ريب ﴾ عقب قوله: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً ﴾ [البقرة: 22].
وأتى بإنْ في تعليق هذا الشرط وهو كونهم في ريب وقد علم في فن المعاني اختصاص إن بمقام عدم الجزم بوقوع الشرط، لأن مدلول هذا الشرط قد حَفَّ به من الدلائل ما شأنه أن يقلَع الشرط من أصله بحيث يكون وقوعه مفروضاً فيكون الإتيان بإن مع تحقق المخاطب علم المتكلم بتحقق الشرط توبيخاً على تحقق ذلك الشرط، كأن ريبهم في القرآن مستضعف الوقوع.
ووجه ذلك أن القرآن قد اشتطت ألفاظه ومعانيه على ما لو تدبره العقل السليم لجزم بكونه من عند الله تعالى فإنه جاء على فصاحة وبلاغة ما عهدوا مثلهما من فحول بلغائهم، وهم فيهم متوافرون متكاثرون حتى لقد سجد بعضهم لبلاغته واعترف بعضهم بأنه ليس بكلام بشر.
وقد اشتمل من المعاني على ما لم يطرقه شعراؤهم وخطباؤهم وحكماؤهم، بل وعلى ما لم يبلغ إلى بعضه علماء الأمم.
ولم يزل العلم في طول الزمان يظهر خبايا القرآن ويبرهن على صدق كونه من عند الله فهذه الصفات كافية لهم في إدراك ذلك وهم أهل العقول الراجحة والفطنة الواضحة التي دلت عليها أشعارهم وأخبارهم وبداهتهم ومناظرتهم، والتي شهد لهم بها الأمم في كل زمان، فكيف يبقى بعد ذلك كله مسلك للريب فيه إليهم فضلاً عن أن يكونوا منغمسين فيه.
ووجه الإتيان بفي الدالة على الظرفية الإشارة إلى أنهم قد امتلكهم الريب وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف.
واستعارة (في) لمعنى الملابسة شائعة في كلام العرب كقولهم هو في نعمة.
وأتى بفعل نَزَّل دون أنزل لأن القرآن نزل نجوماً.
وقد تقدم في أول التفسير أن فعَّل يدل على التقضي شيئاً فشيئاً على أن صاحب «الكشاف» قد ذكر أن اختياره هنا في مقام التحدي لمراعاة ما كانوا يقولون ﴿ لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ﴾ [الفرقان: 32] فلما كان ذلك من مثارات شبههم ناسب ذكره في تحديهم أن يأتوا بسورة مثله منجمة.
والسورة قطعة من القرآن معينة فتميزه عن غيرها من أمثالها بمبدأ ونهاية تشتمل على ثلاث آيات فأكثر في غرض تام أو عدة أغراض.
وجعلُ لفظ سورة اسماً جنسياً لأجزاء من القرآن اصطلاحٌ جاء به القرآن.
وهي مشتقة من السور وهو الجدار الذي يحيط بالقرية أو الحظيرة، فاسم السورة خاص بالأجزاء المعينة من القرآن دون غيره من الكتب وقد تقدم تفصيله في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير، وإنما كان التحدي بسورة ولم يكن بمقدار سورة من آيات القرآن لأن من جملة وجوه الإعجاز أموراً لا تظهر خصائصها إلا بالنظر إلى كلام مستوفى في غرض من الأغراض وإنما تنزل سور القرآن في أغراض مقصودة فلا غنى عن مراعاة الخصوصيات المناسبة لفواتح الكلام وخواتمه بحسب الغرض، واستيفاء الغرض المسوق له الكلام، وصحة التقسيم، ونكت الإجمال والتفصيل، وأحكام الانتقال من فن إلى آخر من فنون الغرض، ومناسبات الاستطراد والاعتراض والخروج والرجوع، وفصل الجمل ووصلها، والإيجاز والإطناب، ونحو ذلك مما يرجع إلى نكت مجموع نَظم الكلام، وتلك لا تظهر مطابقتهاجلية إلا إذا تم الكلام واستَوفَى الغرضُ حقه، فلا جرم كان لنظم القرآن وحسن سَبكه إعجازٌ يفوت قدرة البشر هو غير الإعجاز الذي لِجُمله وتراكيبه وفصَاحةِ ألفاظه.
فكانت السورة من القرآن بمنزلة خطبة الخطيب وقصيدة الشاعر لا يُحكم لها بالتفوق إلا باعتبارات مجموعها بعد اعتبار أجزائها.
قال الطيبي في «حاشية الكشاف» عند قوله تعالى: ﴿ فلم تقتلوهم ﴾ في سورة الأنفال (17)، ولسر النظم القرآني كان التحدي بالسورة وإن كانت قصيرة دون الآيات وإن كانت ذوات عدد.
والتنكير للإفراد أو النوعية، أي بسورة واحدة من نوع السور وذلك صادق بأقل سورة ترجمت باسم يخصها، وأقل السور عددَ آيات سورةُ الكوثر، وقد كان المشركون بالمدينة تبعاً للمشركين بمكة وكان نزول هذه السورة في أول العهد بالهجرة إلى المدينة فكان المشركون كلهم ألْباً على النبيء يتداولون الإغراء بتكذيبه وصد الناس عن اتباعه، فأعيد لهم التحدي بإعجاز القرآن الذي كان قد سبق تحديهم به في سورة يونس وسورة هود وسورة الإسراء.
وقد كان التحدي أولاً بالإتيان بكتاببٍ مثل ما نزل منه ففي سورة الإسراء (88): ﴿ قُل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ﴾ فلما عجزوا استُنزلوا إلى الإتيان بعشْرِ سور مثله في سورة هود، ثم استنزلوا إلى الإتيان بسورة من مثله في سورة يونس.
والمِثْل أصله المَثيل والمُشابه تمامَ المشابهة فهو في الأصل صفة يتبع موصوفاً ثم شاع إطلاقه على الشيء المشابه المكافئ.
والضمير في قوله: من مثله } يجوز أن يعود إلى (مَا نَزّلنا) أي من مِثل القرآن، ويجوز أن يعود إلى ﴿ عبدنا ﴾ فإن أعيد إلى (ما نزلنا) أي من مثل القرآن فالأظهر أن (من) ابتدائية أي سورة مأخوذة من مثل القرآن أي كتاب مثل القرآن والجار والمجرور صفة لسورة، ويحتمل أن تكون (من) تبعيضية أو بيانية أو زائدة، وقد قيل بذلك كله، وهي وجوه مرجوحة، وعلى الجميع فالجار والمجرور صفة لسورة، أي هي بعض مثل ما نزلنا، ومِثل اسم حينئذٍ بمعنى المماثل، أو سورة مثل ما نزلنا و(مثل) صفةٌ على احتمالي كون (من) بيانية أو زائدة، وكل هذه الأوجه تقتضي أن المِثل سواء كان صفة أو اسماً فهو مثل مقدَّر بناء على اعتقادهم وفرضهم ولا يقتضي أن هذا المثل موجود لأن الكلام مسوق مساق التعجيز.
وإن أُعيد الضمير لعبدنا فمن لتعدية فعل (ائتوا) وهي ابتدائية وحينئذٍ فالجار والمجرور ظرف لغو غير مستقر.
ويجوز كون الجار والمجرور صفة لسورة على أنه ظرف مستقر والمعنى فيهما ائتوا بسورة منتزعة من رجل مثل محمد في الأمية، ولفظ مثل إذن اسْم.
وقد تبين لك أن لفظ (مثل) في الآية لا يحتمل أن يكون المراد به الكناية عن المضاف إليه على طريقة قوله تعالى: ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ [الشورى: 11] بناء على أن لفظ (مِثل) كناية عن المضاف إليه إذ لا يستقيم المعنى أن يكون التقدير فأتوا بسورة من القرآن، أو من محمد خلافاً لمن توهم ذلك من كلام «الكشاف» وإنما لفظ مثل مستعمل في معناه الصريح إلا أنه أشبه المكنَّى به عن نفس المضاففِ هُو إليه من حيث إن المِثل هنا على تقدير الاسمية غير متحقق الوجود إلا أن سبب انتفاء تحققه هو كونه مفروضاً فإن كون الأمر للتعجيز يقتضي تعذر المأمور، فليس شيء من هاته الوجوه بمقتضضٍ وجود مثل للقرآن حتى يُراد به بعض الوجوه كما توهمه التفتزاني.
وعندي أن الاحتمالات التي احتملها قوله: ﴿ من مثله ﴾ كلها مرادة لرد دعاوى المكذبين في اختلاف دعاويهم فإن منهم من قال: القرآن كلامُ بشر، ومنهم من قال: هو مكتتب من أساطير الأولين، ومنهم من قال: إنما يعلمه بشر.
وهاته الوجوه في معنى الآية تُفند جميع الدعاوى فإن كان كلام بشر فأتوا بمماثله أو بمثله، وإن كان من أساطير الأولين فأتوا أنتم بجزء من هذه الأساطير، وإن كان يُعلمه بشر فأتوا أنتم من عنده بسورة فما هو ببخيل عنكم إن سألتموه.
وكل هذا إرخاء لعنان المعارضة وتسجيل للإعجاز عند عدمها.
فالتحدي على صدق القرآن هو مجموع مماثلةِ القرآن في ألفاظه وتراكيبه، ومماثلة الرسول المنزَّل عليه في أنه أمي لم يسبق له تعليم ولا يعلم الكتب السالفة، قال تعالى: ﴿ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب ﴾ [العنكبوت: 51].
فذلك معنى المماثلة فلو أتوا بشيء من خُطببِ أو شعر بلغائهم غير مشتمل على ما يشتمل عليه القرآن من الخصوصيات لم يكن ذلك إتياناً بما تحداهم به، ولو أتوا بكلام مشتمل على معان تشريعية أو من الحكمة من تأليف رجل عالم حكيم لم يكن ذلك إتياناً بما تحداهم به.
فليس في جعل (من) ابتدائية إيهام إجْزاء أن يأتوا بشيء من كلام بلغائهم لأن تلك مماثلة غير تامة.
وقولُه تعالى: ﴿ وادعوا شهداءكم من دون الله ﴾ معطوف على ﴿ فأتوا بسورة ﴾ أي ائتوا بها وادعوا شهداءكم.
والدعاء يستعمل بمعنى طلب حضور المدعو، وبمعنى استعطافه وسؤاله لفعل ما، قال أبو فراس يخاطب سيف الدولة ليفديه من أسر ملك الروم: دَعَوْتُك للجفن القريح المسهد *** لديّ وللنوم الطريد المشرد والشهداء جمع شهيد فعيل بمعنى فاعل من شهد إذا حضر، وأصله الحاضر قال تعالى: ﴿ ولا يَأْبَ الشهداء إذا ما دُعُوا ﴾ [البقرة: 282] ثم استعمل هذا اللفظ فيما يلازمه الحضور مجازاً أو كناية لا بأصل وضع اللفظ، وأطلق على النصير على طريقة الكناية فإن الشاهد يؤيد قول المشهود فينصره على معارضه ولا يطلق الشهيد على الإمام والقدوة وأثبته البيضاوي ولا يعرف في كتب اللغة ولا في كلام المفسرين.
ولعله انجر إليه من تفسير «الكشاف» لحاصل معنى الآية فتوهمه معنى وضعياً فالمراد هنا ادعوا آلهتكم بقرينة قوله: ﴿ من دون الله ﴾ أي ادعوهم من دون الله كدأبكم في الفزع إليهم عند مهماتكم معرضين بدعائهم واستنجادهم عن دعاء الله واللجأ إليه ففي الآية إدماج توبيخهم على الشرك في أثناء التعجيز عن المعارضة وهذا الإدماج من أفانين البلاغة أن يكون مراد البليغ غرضين فيقرن الغرض المسوق له الكلام بالغرض الثاني وفيه تظهر مقدرة البليغ إذ يأتي بذلك الاقتران بدون خروج عن غرضه المسوق له الكلام ولا تكلف.
قال الحرث بن حلّزة: آذنتنا ببينها أسماءُ *** رب ثاوٍ يَمَلّ منه الثّواءُ فإن قوله رب ثاو عند ذكر بعد الحبيبة والتحسر منه كناية عن أن ليست هي من هذا القبيل الذي يمل ثواؤه.
وقد قضى بذلك حق إرضائها بأنه لا يحفل بإقامة غيرها، وقد عد الإدماج من المحسنات البديعة وهو جدير بأن يعد في الأبواب البلاغية في مبحث الإطناب أو تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، فإن آلهتهم أنصار لهم في زعمهم.
ويجوز أن يكون المراد ادعوا نصراءكم من أهل البلاغة فيكون تعجيزاً للعامة والخاصة، وادعوا من يشهد بمماثلة ما أتيتم به لما نزلنا، على نحو قوله تعالى: ﴿ قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ﴾ [الأنعام: 150] ويكون قوله: ﴿ من دون الله ﴾ على هذه الوجوه حالاً من الضمير في (ادعوا) أو من (شهداءكم) أي في حال كونكم غير داعين لذلك الله أو حال كون الشهداء غير الله بمعنى اجعلوا جانب الله الذي أنزل الكتاب كالجانب المشهود عليه فقد أذناكم بذلك تيسيراً عليكم لأن شدة تسجيل العجز تكون بمقدار تيسير أسباب العمل، وجوز أن يكون (دون) بمعنى أمام وبين يدي يعني ادعوا شهداءكم بين يدي الله، واستشهد له بقول الأعشى: تريك القَذى من دونها وهي دونهُ *** إذا ذاقَها من ذاقها يتمطِّق كما جوز أن يكون ﴿ من دون الله ﴾ بمعنى من دون حزب الله وهم المؤمنون أي أحضروا شهداء من الذين هم على دينكم فقد رضيناهم شهوداً فإن البارع في صناعة لا يرضى بأن يشهد بتصحيح فاسدها وعكسه إباءَة أن ينسب إلى سوء المعرفة أو الجور، وكلاهما لا يرضاه ذو المروءة وقديماً كانت العرب تتنافر وتتحاكم إلى عقلائها وحكامها فما كانوا يحفظون لهم غلطاً أو جوراً.
وقد قال السموأل: إنا إذا مالت دواعي الهوى *** وأنصت السامع للقائل لا نجعل الباطل حقاً ولا *** نلظ دون الحق بالباطل نخاف أن تسفه أحلامنا *** فنخمُل الدهر مع الخامل وعلى هذا التفسير يجئ قول الفقهاء إن شهادة أهل المعرفة بإثبات العيوب أو بالسلامة لا تشترط فيها العدالة، وكنت أعلل ذلك في دروس الفقه بأن المقصود من العدالة تحقق الوازع عن شهادة الزور، وقد قام الوازع العلمي في شهادة أهل المعرفة مقام الوازع الديني لأن العارف حريص ما استطاع أن لا يؤثر عنه الغلط والخطأ وكفى بذلك وازعاً عن تعمده وكفى بعلمه مظنة لإصابة الصواب فحصل المقصود من الشهادة.
وقوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ اعتراض في آخر الكلام وتذييل.
أتى بإن الشرطية التي الأصل في شرطها أن يكون غير مقطوع بوقوعه لأن صدقهم غير محتمل الوقوع وإن كنتم صادقين في أن القرآن كلام بشر وإنكم أتيتم بمثله.
والصدق ضد الكذب وهما وصفان للخبر لا يخلو عن أحدهما فالصدق أن يكون مدلول الكلام الخبري مطابقاً ومماثلاً للواقع في الخارج أي في الوجود الخارجي احترازاً عن الوجود الذهني، والكذب ضد الصدق وهو أن يكون مدلول الكلام الخبري غير مطابق أي غير مماثل للواقع في الخارج، والكلام موضوع للصدق وأما الكذب فاحتمال عقلي والإنشاء لا يوصف بصدق ولا كذب إذ لا معنى لمطابقته لما في نفس الأمر لأنه إيجاد للمعنى لا للأمور الخارجية.
هذا معنى الصدق والكذب في الإطلاق المشهور.
وقد يطلق الكذب صفة ذم فيلاحظ في معناه حينئذٍ أن مخالفته للواقع كانت عن تعمد فتوهم الجاحظ أن ماهية الكذب تتقوم من عدم مطابقة الخبر للواقع وللاعتقاد معاً وسرى هذا التقوم إلى ماهية الصدق فجعل قوامها المطابقة للخارج والاعتقاد معاً ومن هنا أثبت الواسطة بين الصدق والكذب، وقريب منه قول الراغب، ويشبه أن يكون الخلاف لفظياً ومحل بسطه في علمي الأصول والبلاغة.
والمعنى إن كنتم صادقين في دعوى أن القرآن كلام بشر، فحذف متعلق (صادقين) لدلالة ما تقدم عليه، وجواب الشرط محذوف تدل عليه جملة مقدرة بعد جملة: ﴿ وادعوا شهداءكم من دون الله ﴾ إذ التقدير فتأتون بسورة من مثله ودل على الجملة المقدرة قوله قبلها: ﴿ فأتوا بسورة من مثله ﴾ وتكون الجملة المقدرة دليلاً على جواب الشرط فتصير جملة ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ تكريراً للتحدي.
وفي هذه الآية إثارة لحماسهم إذ عرض بعدم صدقهم فتتوفر دواعيهم على المعارضة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ﴾ يَعْنِي في القُرْآنِ، عَلى عَبْدِنا: يَعْنِي مُحَمَّدًا ، والعَبْدُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّعَبُّدِ، وهو التَّذَلُّلُ، وسُمِّيَ المَمْلُوكُ مِن جِنْسِ ما يَعْقِلُ عَبْدًا، لِتَذَلُّلِهِ لِمَوْلاهُ.
﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِن مِثْلِهِ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ.
والثّانِي: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِ مُحَمَّدٍ مِنَ البَشَرِ، لِأنَّ مُحَمَّدًا بَشَرٌ مِثْلُهم.
﴿ وادْعُوا شُهَداءَكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي أعْوانَكُمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: آلِهَتَكُمْ، لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّها تَشْهَدُ لَهُمْ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
والثّالِثُ: ناسًا يَشْهَدُونَ لَكُمْ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ ﴾ الوَقُودُ بِالفَتْحِ الحَطَبُ، والوُقُودُ بِالضَّمِّ التَّوَقُّدُ، والحِجارَةُ مِن كِبْرِيتٍ أسْوَدَ، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُعَذَّبُونَ فِيها بِالحِجارَةِ مَعَ النّارِ، الَّتِي وقُودُها النّاسُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الحِجارَةَ وقُودُ النّارِ مَعَ النّاسِ، ذَكَرَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلنّارِ، كَأنَّها تَحْرِقُ الحِجارَةَ مَعَ إحْراقِها النّاسَ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّها وإنْ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ، فَهي مُعَدَّةٌ لِغَيْرِهِمْ مِن مُسْتَحِقِّي العَذابِ مِن غَيْرِ الكافِرِينَ، وهي نارٌ واحِدَةٌ، وإنَّما يَتَفاوَتُ عِقابُهم فِيها.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ النّارَ مُعَدَّةٌ لِلْكافِرِينَ خاصَّةً، ولِغَيْرِهِمْ مِن مُسْتَحِقِّي العَذابِ نارٌ غَيْرُها.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ وإن كنتم في ريب ﴾ الآية.
قال: هذا قول الله لمن شك من الكفار فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وإن كنتم في ريب ﴾ قال: في شك ﴿ مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ﴾ قال: من مثل هذا القرآن حقاً وصدقاً، لا باطل فيه ولا كذب.
وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأتوا بسورة من مثله ﴾ قال: مثل القرآن ﴿ وادعوا شهداءكم من دون الله ﴾ قال: ناس يشهدون لكم إذا أتيتم بها أنه مثله.
وأخرج ابن جرير وابن اسحق وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وادعوا شهداءكم ﴾ قال: أعوانكم على ما أنتم عليه ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ﴾ فقد بين لكم الحق.
وأخرج عبد بن حميد وابن جريج عن قتادة ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ﴾ يقول: لن تقدروا على ذلك ولن تطيقوه.
أما قوله تعالى: ﴿ فاتقوا النار ﴾ .
أخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن مسعود قال: إذا مر أحدكم في الصلاة بذكر النار فليستعذ بالله من النار.
وإذا مر أحدكم بذكر الجنة فليسأل الله الجنة.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجة عن أبي ليلى قال: «صليت إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم فمر بآية فقال: أعوذ بالله من النار، ويل لأهل النار» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن النعمان بن بشير قال: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: أنذركم النار، أنذركم النار حتى سقط أحد عطفي ردائه على منكبيه» .
وأما قوله تعالى: ﴿ التي وقودها الناس والحجارة ﴾ .
أخرج عبد بن حميد من طريق طلحة عن مجاهد.
أنه كان يقرأ كل شيء من القرآن ﴿ وقودها ﴾ برفع الواو الأولى إلا التي في ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ ﴿ النار ذات الوقود ﴾ [ البروج: 5] بنصب الواو.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والفريابي وهناد بن السري في كتاب الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: إن الحجارة التي ذكرها الله في القرآن في قوله: ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾ حجارة من كبريت خلقها الله عنده كيف شاء.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: هي حجارة في النار من كبريت أسود يعذبون به مع النار.
وأخرج ابن جرير عن عمرو بن ميمون قال: هي حجارة من كبريت، خلقها الله يوم خلق السموات والأرض، في السماء الدنيا فأعدها للكافرين.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾ فقال: أوقد عليها ألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة لا يطفأ لهبها» .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوقدت النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة» .
وأخرج أحمد ومالك والبخاري والبيهقي في البعث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم فقالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية؟
قال: فإنها قضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها» .
وأخرج مالك في الموطأ والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: أترونها حمراء مثل ناركم هذه التي توقدون؟
إنها لأشد سواداً من القار.
وأخرج الترمذي وحسنه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، لكل جزء منها حرها» .
وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، لولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما انتفعتم منها بشيء، وإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها» .
وأخرج البيهقي في البعث عن ابن مسعود قال: إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من تلك النار، ولولا أنها ضربت في البحر مرتين ما انتفعتم منها بشيء.
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، ضربت بماء البحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: إن ناركم هذه تعوّذ من نار جهنم.
وأما قوله تعالى: ﴿ أعدت للكافرين ﴾ .
أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أعدت للكافرين ﴾ قال: أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر.
<div class="verse-tafsir"
وقوله (١) ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ﴾ الآية.
قال النحويون: (إن) دخلت هاهنا لغير شك، لأن الله تعالى علم أَنهم مرتابون، ولكن هذا عادة العرب في خطابهم، كقولك: (إن كنت إنساناً فافعل كذا)، وأنت تعلم أنه إنسان، و (إن كنت ابني فاعطف علي) فالله تعالى خاطبهم على عادة خطابهم فيما بينهم (٢) وقيل: هو بمعنى (إذ) (٣) (٤) ﴿ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، وقوله ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ونحوهما (٥) قال الأعشى: وسمعتَ حَلْفتَها التي حلفتْ ...
إن كان سمعُك غيرَ ذي وَقْرِ (٦) وقوله تعالى: ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ ﴾ .
زعم أبو عبيدة أن (السورة) (٧) (٨) (٩) سِرْتُ إِلَيْهِ في أَعَالي السُّور (١٠) وأقرأني العروضي، قال: أقرأني الأزهري، قال (١١) (١٢) (١٣) (١٤) ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ ﴾ .
والسُّور عند العرب حائط المدينة، وهو أشرف الحيطان، وشبه الله تعالى الحائط الذي حجز بين أهل النار وأهل الجنة بأشرف حائط عرفناه في الدنيا، وهو اسم واحد لشيء (١٥) (١٦) (١٧) ألم تر أنَّ الله أعطاك سورةً ...
ترى كل مَلْكٍ دونها يتذبذبُ (١٨) وجمعها (سُوْرٌ) (١٩) أما سورة القرآن، فإن الله تعالى جمعها على: (سُوَر) مثل: غُرْفَة وغُرَفُ، ورُتْبَة ورُتَب، وزُلفَة وزُلَف، فدل على أنه لم يجمعها كما قال (٢٠) (٢١) ﴿ سُوَرٍ ﴾ (٢٢) ﴿ سُوَرٍ ﴾ .
وكذلك أجمعوا على قراءة (سُورٍ) (٢٣) ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ ﴾ .
فدل هذا على تمييز (سُورَةٍ) من سُوَرِ (٢٤) وكأن أبا عبيدة أراد أن [يؤيد] (٢٥) (٢٦) (٢٧) قال أبو الهيثم: والسورة (٢٨) (٢٩) (٣٠) شيئاً بعد شيء، وجعله مفصلاً، وبيّن كل سورة بخاتمتها وبادئتها، وميزها من التي تليها (٣١) قال الأزهري: وكأن أبا الهيثم جعل السورة من سور القرآن من سؤرة الشراب، وهي بقيته، إلا أنها لما كثرت في الكلام ترك فيها الهمز (٣٢) قال (٣٣) (٣٤) (٣٥) قال: (٣٦) (٣٧) (٣٨) وخص هذا القدر من القرآن بتسمية (سورة)، لأنه أقل قطعة وقع به التحدي [على قول أبي الهيثم، وعلى قول أبي عبيدة، لأنه أقل ما وقع به التحدي] (٣٩) من حيث إنها معجزة له.
وقيل: سميت سورة، لأن من حفظها وعلمها حصل له شرف (٤٠) (٤١) فإن قيل: فما (٤٢) ومنها: أن تخصيص كل سورة بقدر مخصوص كاختصاص القصائد.
ومنها: أن الإنسان قد يضعف أو يكسل عن حفظ الجميع فيحفظ سورة تامة فربما كان ذلك سبباً يدعوه إلى حفظ غيرها (٤٣) قال المفسرون: ومعنى الآية: أن الله تعالى لما احتج عليهم [في إثبات توحيده احتج عليهم] (٤٤) بما قطع عذرهم، فقال: وإن كنتم في شك من صدق هذا الكتاب الذي أنزلناه على محمد عليه الصلاة (٤٥) ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾ ، أي من مثل القرآن (٤٦) (٤٧) ﴿ مِمَّا نَزَّلْنَا ﴾ (٤٨) ودليل هذا التأويل قوله: ﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ﴾ (٤٩) ﴿ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾ كل ذلك يريد به مثل القرآن، ومعناه: فأتوا بسورة مثل ما أتى به محمد في الإعجاز وحسن النظم والإخبار عما كان وما يكون، على جهة الابتداء دون الاحتذاء، وتعلم الكتب ودراسة الأخبار.
و (من) يكون للتبعيض (٥٠) (٥١) ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ ﴾ .
[الحج:30] وقيل: (من) هنا صلة (٥٢) (٥٣) ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ أي: أبصارهم، وقال النابغة: وَمَا أُحَاشِي مِنَ الأقْوَامِ مِنْ أَحَدٍ (٥٤) أي: أحداً.
قال النحويون: (مِنْ)، يكون على أربعة أوجه: أحدها: ابتداء الغاية، وهو أصلها (٥٥) (٥٦) والثاني: التبعيض، كقولك: خذ من الثياب ثوباً.
والثالث: التجنيس، كقوله: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ ﴾ .
والرابع: الزيادة، كقولك: ما أتاني من أحد (٥٧) وهاهنا فصل يحاج إليه في كثير من المواضع، وذكرته هاهنا (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) (٦٩) (٧٠) (٧١) (٧٢) (٧٣) (٧٤) فإن قيل على هذا، فهل للقرآن مثل حتى يقال: ائت بمثله؟.
قيل: أما في مقدور الله فنعم، وأما في مقدور البشر فلا، ولذلك (٧٥) (٧٦) ويجوز أن] (٧٧) (٧٨) ﴿ عَلَى عَبْدِنَا ﴾ وهو النبي ومعناه: فأتوا بسورة من رجل أميّ، لا يحسن الخط والكتابة ولم يدرس الكتب (٧٩) وقوله تعالى: ﴿ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ ﴾ .
(الشهداء): جمع شهيد والشهيد يجوز أن يكون بمعنى: مشاهد كالجليس والشريب (٨٠) (٨١) ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ ﴾ أي حضر، والمشاهد للشيء: الحاضر عنده، وسمي الشاهد شاهداً: لأنه يخبر عما شاهد (٨٢) (٨٣) فأما التفسير، فقال ابن عباس: (شهداءكم) يعني: أعوانكم وأنصاركم الذين يظاهرونكم على تكذيبكم (٨٤) (٨٥) (٨٦) (٨٧) (٨٨) (٨٩) (٩٠) من ذلك قول الشاعر: دَعَوْتُ بني قَيْس إليَّ فَشَمَّرَتْ ...
خَنَاذِيذُ مِنْ سَعْدٍ طِوَالُ السَّواعِدِ (٩١) أي استعنت بهم.
ألا تراه يقول: فَشَمَّرَتْ.
وقالت امرأة من طيء: دَعَا دَعْوَةً يَوْمَ الشَّرى يَالَ مَالِكٍ ...
ومَنْ لا يُجِبْ عِنْدَ الحَفِيظَة يُكْلَمِ (٩٢) أي استعان بهم فلم ينصروه.
وقال الفراء: يريد (آلهتهم)، يقول: استغيثوا بهم، وهو كقولك للرجل: إذا لقيت العدو خاليا فادع المسلمين، معناه استغث (٩٣) (٩٤) فالدعاء هاهنا بمعنى الاستغاثة (٩٥) وروى عن مجاهد والقرظي (٩٦) ﴿ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ ﴾ أي: ناسا يشهدون لكم على صدق (٩٧) (٩٨) قيل: إن الله سبحانه أعجز الخلق عن الإتيان بمثل القرآن، وصرفهم أيضًا عن (٩٩) (١٠٠) (١٠١) (١٠٢) (١٠٣) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .
(دون) يرد في الكلام على معان كثيرة (١٠٤) (١٠٥) (١٠٦) .........
وأنَّى تَخَلَّصَتْ ...
إليَّ وبابُ السَّجْنِ دُونِيَ مُغْلَقُ (١٠٧) ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "المقتول دون ماله شهيد" (١٠٨) ويكون (دون) بمعنى: (وراء)، كقولك: (هو أمير على ما دون جَيْحُون) (١٠٩) (١١٠) (١١١) ﴿ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ ﴾ يريد غير الغوص من البناء وغيره، والذي في هذه الآية بمعنى: غير (١١٢) ويكون (دون) بمعنى: (خذ) وهو بمعنى الإغراء، يقال: دونك زيدا، أي خذه (١١٣) يَا أيَّها المَائِحُ دَلْوِي دُوَنكَا (١١٤) ويكون بمعنى: (الوعيد)، كقولك: دونك فتمرس بي (١١٥) قال الشاعر: فَدُوَنُكما فَمَا قَيْسٌ بِشَحْمٍ ...
لمُخْتَلِس وَلاَ فقعٍ بِقَاع (١١٦) ويكون (دون) بمعنى: (القريب)، يقال: اُدن دونك، أي اقترب (١١٧) (١١٨) (١١٩) (الشريج) القوس، وقول الأعشى: يَزِيدُ يَغُضُّ الطَّرْفَ دُونِي ...
(١٢٠) قال أبو الهيثم: أي: فيما بيني وبينه من المكان، يقال: اُدن دونك، أي: اقترب مني فيما بيني وبينك (١٢١) ويكون (دون) بمعنى: (الخسيس) من قولهم: رجل دون، أي خسيس، ولم يصرّف فعله (١٢٢) ويكون بمعنى: (أقل من ذا) (١٢٣) (١٢٤) فأما قوله في هذه الآية: ﴿ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ أي غير الله (١٢٥) (١٢٦) وعلى قول الفراء (١٢٧) وعلى (١٢٨) (١٢٩) (١٣٠) وقال أبو علي الجرجاني (١٣١) ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ (١٣٢) (١) في (ج): (قوله) بسقوط الواو.
(٢) ذكر ابن الجوزي نحوه، فربما نقله عن الواحدي، وربما نقله عن ابن الأنباري وهو الأقرب، حيث إنه كثيراً ما ينقل عنه، فيكون من كلام ابن الأنباري، انظر: "زاد المسير" 1/ 49.
(٣) ذكره الثعلبي مع الأدلة من الآيات وبيت الأعشى.
"تفسير الثعلبي" 1/ 57 أ، وانظر: "تهذيب اللغة" (إن) 1/ 224.
(٤) في (أ)، (ج) (يجيء)، وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق وموافق لما في "تهذيب اللغة".
(٥) قول أبي زيد في "تهذيب اللغة"، (إن) 1/ 224، وانظر: "زاد المسير" 1/ 49، "الدر المصون" 1/ 197.
والقول: إنَّ (إنْ) تأتي بمعنى (إذ) قول الكوفيين، أما البصريون فمنعوا مجيئها بمعنى (إذ).انظر: "الإنصاف" ص50.
(٦) البيت عند الثعلبي 1/ 57 أ، "الوسيط" للواحدي 1/ 57 منسوب للأعشى، ولم أجده في (ديوانه)، وهو في "الإنصاف" ص 502.
غير منسوب، وذكره عبد السلام هارون في "معجم الشواهد العربية" ص 187، ولم ينسبه.
(الحلفة): واحدة الحلف وهو القسم.
(الوقر): ثقل السمع.
والشاهد فيه عند الواحدي، وعند الكوفيين ورود (إنْ) بمعنى (إذ).
(٧) في (ج): (للسورة).
(٨) في "تهذيب اللغة" (أعراق) 2/ 1593.
وكذا "اللسان" 4/ 2147.
(٩) في (ج): (وكذلك قوله الصورة).
(١٠) الرجز للعجاج، ورد في "المجاز" لأبي عبيدة 1/ 5، وقبله: فرب ذي سرادق محور "ديوان العجاج": ص 224.
رقم القصيدة (19)، وفي "الكتاب" 4/ 51، "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 26، "تفسير الطبري" 1/ 46، "تهذيب اللغة" (سار) 2/ 1592، "اللسان" (سور) 4/ 2147، "الزاهر" 1/ 526.
والسرادق: ما أحاط بالشيء من بناء أو خباء أو غيره، وسرت: من سار الحائط يسوره وتسوره، أي: تسلق.
وكلام أبي عبيدة بنصه في "التهذيب" "سار" 2/ 1593.
وانظر "مجاز القرآن" 1/ 3، 4، 43، "اللسان" (سور) 4/ 2147.
(الزاهر) 1/ 170.
"تفسير ابن عطية" 1/ 70.
(١١) في "تهذيب اللغة": وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم: أنه رد على أبي عبيدة قوله ...
الخ كلام أبي الهيثم.
"التهذيب" (سار) 2/ 1593.
وفي "اللسان" (سور) 4/ 2147.
(١٢) في "التهذيب": (تجمع) وكذا في "اللسان".
(١٣) في "اللسان" (وسُوْرُهُ).
(١٤) في (التهذيب) (فالسورة جمع سبق وُحْدَانَه في هذا الموضع جمعه) 2/ 1593.
(١٥) في (ب): (كشيء).
(١٦) في (أ)، (ج): (يعرف) واخترت ما في (ب)، لأنه أصح، وموافق لما في "تهذيب اللغة" 2/ 1593.
(١٧) كذا في جميع النسخ، "اللسان" 4/ 2148.
وفي "تهذيب اللغة" (الفرق) 2/ 1593.
(١٨) البيت للنابغة الذبياني من قصيدة يمدح النعمان، ويعتذر إليه.
وقوله (السورة): المنزلة الرفيعة، (والملك بتذبذب): يتعلق ويضطرب، يريد أن منازل الملوك دون منزلته.
انظر: "مجاز القرآن" 1/ 4.
"غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 26.
"تفسير الطبري" 1/ 46.
"المصون في الأدب" للعسكري: ص 150، 151.
"التهذيب" (سار) 2/ 1593.
"اللسان" (سور) 4/ 2148.
"تفسير ابن عطية" 1/ 201.
"ديوان النابغة": ص 28.
"الزاهر" 1/ 171.
(١٩) في (أ): (سِوَر) وفي (ب): (سواري رفع).
(٢٠) قوله: (فدل على أنه لم يجمعها كما قال) ليس في "تهذيب اللغة" ولا "اللسان"، والمعنى لم يجمعها (سُوْرٌ) بالسكون كما قال أبو عبيدة.
(٢١) في (ب): (سورة).
(٢٢) في (أ)، (ج): (بسُوَر) وأثبت ما في (ب)، وفي "تهذيب اللغة" (بعشر سُوَرٍ) "تهذيب اللغة" 2/ 1593.
(٢٣) في (ب): (بسوره).
(٢٤) في (ب): (سوره).
(٢٥) في جميع النسخ (يريد) والتصحيح من "تهذيب اللغة" 2/ 1593.
"اللسان" 4/ 2148.
(٢٦) في "تهذيب اللغة" (فأخطأ في الصور والسور، وحرَّف (كلام العرب) عن صيغته ...
إلخ).
انظر "تهذيب اللغة" (سار) 2/ 1593.
"اللسان" (سور) 4/ 2184.
(٢٧) في (ب) (ويذكر).
(٢٨) في (ب) (السور).
(٢٩) (القرآن) غير موجود في جميع النسخ، والتصحيح من "تهذيب اللغة" 2/ 1593، "اللسان" 4/ 2148.
(٣٠) في (ب) (المعرفة).
(٣١) انتهى كلام أبي الهيثم، "تهذيب اللغة" (سار) 2/ 1594، "اللسان" (سور) 4/ 2148.
(٣٢) في "التهذيب": (..
جعل السورة من سور القرآن من أسأرت سؤرا، أي: أفضلت فضلا، إلا أنها لما كثرت في الكلام وفي كتاب الله ترك فيها الهمز أي السورة كما ترك في (الملك) وأصله (ملْأَك) وفي (النبي) وأصله الهمز، وكان أبو الهيثم طَوَّل الكلام فيهما رداً على أبي عبيدة، فاختصرت منه مجامع مقاصده، وربما غيرت بعض ألفاظه، والمعنى معناه).
"تهذيب اللغة" (سار) 2/ 1594.
"اللسان" 4/ 2148.
وانظر: "الزاهر" 1/ 171.
(٣٣) أي: الأزهري.
(٣٤) ونحوه عند "الطبري" فإنه قال: (والسورة بغير همز: المنزلة من منازل الارتفاع).
انظر: "تفسيره" 1/ 46.
وقد ذكر هذين المعنيين للسورة ابن قتيبة في "غريب القرآن": 1/ 26.
وانظر: "الزاهر" 1/ 171.
"البرهان في علوم القرآن" 1/ 263، 264.
"الإتقان" 1/ 186.
"تفسير ابن كثير" 1/ 64.
(٣٥) "تهذيب اللغة" 2/ 1594.
"اللسان" 4/ 2148.
(٣٦) أي الأزهري.
انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1594، وربما أوهم صنيع الواحدي أن الكلام لابن الأعرابي.
(٣٧) في (أ) و (ج): (وما أشبهها).
(٣٨) في "التهذيب": (والذي حكاه أبو الهيثم هو قول الكوفيين، وهو يقول به إن شاء الله) "تهذيب اللغة" 2/ 1594.
"اللسان"4/ 2148.
(٣٩) مابين المعقوفين ساقط من (ب).
(٤٠) انظر: "الزاهر" 1/ 171.
"الدر المصون" 1/ 201.
(٤١) وهذا القول كأنه يرجع إلى قول أبي عبيدة وابن الأعرابي، وفي معنى السورة أقوال أخرى.
انظر: "الزاهر" 1/ 171، "جمهرة اللغة" 2/ 722، "تفسير الطبري" 1/ 46، وابن عطية 1/ 70، "تفسير ابن كثير" 1/ 64، "البرهان" 1/ 263، 264، "الكشاف" 1/ 239.
(٤٢) في (ب): (ما).
(٤٣) وذكر بعض العلماء حكماً أخرى لتفصيل القرآن إلى سور، وكلها حكم وفوائد مستنبطة، والله أعلم بحكمة ذلك.
انظر: "الكشاف" 1/ 240 - 241، "البرهان" 1/ 264 - 265.
(٤٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٤٥) (الصلاة) ساقطة من (ب).
(٤٦) ذكر نحوه "الطبري" عن قتادة ومجاهد، وذكر قولاً آخر، وهو: (من مثله) من مثل محمد من البشر، لأن محمداً بشراً مثلكم، ورجح القول الأول "الطبري" 1/ 165.
وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 66، والثعلبي 1/ 57 أ، وذكر أبو الليث أن الخطاب في قوله: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ ﴾ لليهود، و (من مثله): من التوراة.
(تفسير أبي الليث) 1/ 102، انظر: "القرطبي" 1/ 200.
(٤٧) في (ب): (فالكناية).
(٤٨) وعلى القول الثاني: تعود على (عبدنا) ذكره ابن الأنباري في (البيان في غريب إعراب القرآن) 1/ 64.
وقال "القرطبي": (وقيل: يعود على التوراة والإنجيل).
انظر "القرطبي" 1/ 200.
(٤٩) في (أ) و (ج): ﴿ مِنْ مِثْلِهِ ﴾ تصحيف في الآية.
والآية: 38، من سورة يونس.
(٥٠) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 202.
(٥١) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 202، "زاد المسير" 1/ 50، "الدر المصون" 1/ 200.
(٥٢) في (ج): (من ههنا زائدة صلة).
القول إنها صلة ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 57 أ، وبعضهم يسميها (زائدة) قاله ابن الأنباري ونسبه للأخفش، انظر "البيان" 1/ 64، "تفسير ابن عطية" 1/ 202، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 24.
وفيه وجه آخر: أن تكون لابتداء الغاية، إذا كان الضمير يعود على النبي ، انظر "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 24، "الدر المصون" 1/ 200.
(٥٣) في (ب): (معناها).
(٥٤) البيت للنابغة من المعلقة التي يمدح بها النعمان، ويعتذر إليه، وصدره: ولا أَرى فَاعِلاً في النَّاس يُشْبِهُهُ يقول: لا أرى فاعلاً يفعل الخير يشبهه، والضمير للنعمان، وما أحاشي من أحد أي: لا أستثني أحداً.
و (من) زائدة، وهذا وجه الاستشهاد عند الواحدي.
وقد ورد في بعض المصادر (ولا أحاشي) ورد البيت في "الديوان": ص 12، و"جمل الزجاجي": ص 233، "الإنصاف" 1/ 241، "مغني اللبيب" 1/ 121، "شرح المفصل" 2/ 85، 8/ 48 - 49، "الخزانة" 3/ 403، "همع الهوامع" 3/ 288، شاهد رقم (918).
(٥٥) قال ابن هشام: (هو أصلها، حتى ادعى جماعة أن سائر معانيها راجعة إليه)، "مغني اللبيب" 1/ 318.
(٥٦) في (ب): (سرق).
(٥٧) سبق أن ذكر الواحدي لـ (من) خمسة معان نقلها عن "تهذيب اللغة"، وانظر "التهذيب" (من) 4/ 3453، وقد ذكر الهروي المعاني الأربعة التي ذكرها الواحدي.
انظر "الأزهية في علم الحروف": ص 224 - 225، وذكر بعض هذِه المعاني ابن الأنباري في (الأضداد): ص 152، أما ابن هشام في "مغني اللبيب" فذكر لـ (من) خمسة عشر وجها 1/ 318.
(٥٨) هذا الفصل منقول بنصه من "سر صناعة الإعراب" لابن جني.
قال: (اعلم أن الحروف لا يليق بها الزيادة ولا الحذف ..
إلخ) 1/ 269.
(٥٩) في (ب): (أحولها).
(٦٠) عند أبي الفتح بن جني (فأما وجه القياس في امتناع حذفها ...) 1/ 269.
(٦١) في (ج): (استفهام).
(٦٢) عند أبي الفتح بن جني (فلو ذهبت تحذف ..) 1/ 269.
وهو الأنسب للسياق.
(٦٣) في (ج): (حجازيه).
(٦٤) عند أبي الفتح (فمن قبل أن الغرض في الحروف الاختصار ...) "سر صناعة الإعراب" 1/ 269.
(٦٥) قال أبو الفتح (كما قد منا) "سر صناعة الإعراب" 1/ 269.
(٦٦) قال أبو الفتح بعده: (فاعرف هذا، فأن أبا علي حكاه عن الشيخ أبي بكر -يريد ابن سراج - رحمهما الله-، وهو نهاية في معناه، ولولا أن الحرف إذا زيد ...
إلخ) "سر صناعة الإعراب" 1/ 270.
(٦٧) في (ب): (ولو).
(٦٨) عند أبي الفتح: (لما جاز حذفه البتة، فإنما جاز فيه الحذف والزيادة من حيث أريتك، على ما به من ضعف القياس، وإذا كان الأمر كذلك ..) "سر صناعة الإعراب" 1/ 270.
(٦٩) عند أبي الفتح (أننا)، 1/ 270.
(٧٠) في (ب): (فقد).
(٧١) في (ب): (للتوكيد).
(٧٢) في (ب): (واعترفوه).
(٧٣) عند أبي الفتح (ولا حذف) وفي الحاشية (لا) سقطت من (ب، ل، ش) "سر صناعة الإعراب" 1/ 270.
لعل الواحدي اعتمد على إحدى هذِه النسخ.
(٧٤) انتهى ما نقله من "سر صناعة الإعراب" 1/ 269 - 270.
(٧٥) في (ب): (وكذلك).
(٧٦) هذا الكلام فيه إيهام وإشكال، حيث إن قوله: (والقراءة المعهودة، وهي مخلوقة) في احتمالان: أحدهما: أن يكون قوله: (والقراءة المعهودة مخلوقة) مستأنف -وهي كالجملة المعترضة- وعلى هذا الاحتمال: إن قصد بالقراءة.
المقروء فهو باطل، لأن معناه القول بخلق القرآن، وإن قصد بالقراءة صوت القارئ فقوله: (وهي مخلوقة) صحيح، لكن إطلاق هذِه العبارة بدعة لم يستعملها السلف.
وكان يمكن حمل كلام الواحدي على هذا، لولا قوله فيما بعد: (وما كان منظوما مؤلفا فمن الواجب أن يكون له في قدرة الله أمثال (فكأنه أراد الخلق، بينما الكلام صفة لله تعالى، والله يتكلم إذا شاء متى شاء.
ثانيهما: أن يكون قوله: (والقراءة المعهودة) معطوف على قوله: (النظم المخصوص) فيكون قوله: (وهي مخلوقة) راجع إلى النظم والقراءة، وهذا على رأي الأشاعرة الذين يقولون بقدم الكلام النفسي، أما القرآن المتلو فهو عندهم حادث مخلوق، ولذلك صرح الإيجي في (المواقف) بأنهم يوافقون المعتزلة في أنه مخلوق قال: (قالت المعتزلة: أصوات وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ، أو جبريل أو النبي، وهو حادث ..) ثم قال: (ونحن لا ننكره) وقال: (فاعلم أن ما يقوله المعتزلة وهو خلق الأصوات والحروف وكونها حادثة قائمة فنحن نقول به، ولا نزل بيننا وبينهم في ذلك ...) "المواقف": ص 293 - 294.
وجمهور المفسرين وفي مقدمتهم ابن جرير على أن المراد: من مثله في (البيان)، لأنه نزل بلسان عربي مبين، فكلام العرب له مثل في معنى العربية، وأما المعنى الذي باين به القرآن سائر كلام المخلوقين فلا مثل له من ذلك الوجه، ولا == نظير ولا شبيه.
انظر: "تفسير الطبري" 1/ 165، "تفسير ابن عطية" 1/ 201 - 202، والنسفي في "تفسيره" 1/ 28، والبيضاوي في "تفسيره" 1/ 15، والخازن "تفسيره"1/ 89 ضمن مجموعة من التفاسير.
(٧٧) مابين المعقوفين ساقط من (ب).
(٧٨) في (ب): (تكون).
(٧٩) سبق ذكر هذا القول انظر الهامش: 2/ 241.
والقول الأول هو قول جمهور المفسرين.
انظر "الطبري" 1/ 165.
وابن كثير في "تفسيره" 1/ 63.
(٨٠) في (أ) و (ج): (السريب)، وفي "الوسيط" للواحدي (الشريب) 1/ 59.
(٨١) في (ب): (كالعلم).
(٨٢) انظر.
"تفسير الطبري" 1/ 167.
"تهذيب اللغة" (شهد) 2/ 1942.
"معجم مقاييس اللغة" (شهد) 3/ 221.
"اشتقاق أسماء الله" للزجاجي: ص 132.
"مفردات الراغب" ص 268.
"اللسان" (شهد) 4/ 2348.
(٨٣) ذكر معنى الشهيد عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ ، "البسيط" 1/ ل 209 من "النسخة الأزهرية".
(٨٤) أخرجه ابن جرير بسنده عن ابن عباس في "تفسيره" 1/ 166.
وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 64.
وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 77.
وانظر "زاد المسير" 1/ 51.
"تفسير ابن عطية" 1/ 202 - 203.
(٨٥) في (ب): (الشاهد).
(٨٦) انظر "الطبري" في "تفسيره" 1/ 166، "تفسير ابن عطية" 1/ 203، (غريب القرآن) لابن قتيبة: 1/ 26، "زاد المسير" 1/ 51.
(٨٧) أي: الزجاج.
(٨٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 66.
(٨٩) في (ب): (وعاه).
(٩٠) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 57 أ، وأبي الليث في "تفسيره" 1/ 102.
"القرطبي" في "تفسيره" 1/ 200.
"زاد المسير" 1/ 50.
(٩١) ورد البيت في "ديوان الحماسة" بشرح المرزوقي، وعزاه لبعض بنى فقعس 2/ 498، وورد في "البيان والتبيين"، وقال: قال القيسي، 2/ 11، وفي "الحيوان" وقال: قول بعض القيسيين من قيس بن ثعلبة 1/ 134، ومعنى البيت: يقول استغثت بهؤلاء القوم، فهب رجال لنصرتي كأنهم فحول، و (الخناذيذ): الكرام من الخيل، استعارها للكرام من الرجال.
(٩٢) ورد البيت في "ديوان الحماسة" بشرح المرزوقي 1/ 211، "معجم ما استعجم من البلدان" 3/ 785، "معجم البلدان" 3/ 330، وكلهم نسبوه لامرأة من طيئ.
قيل: هي بنت بهدل بن قرفة الطائي، أحد لصوص العرب في زمن عبد الملك بن مروان.
و (الشرى): مكان وقعت فيه الوقعة المذكورة، و (الحفيظة) الخصلة التي يحفظ الإنسان عندها أي يغضب.
و (يكلم): يقتل أو يغلب.
(٩٣) في (أ) و (ج): (استغيث) وأثبت ما في (ب) لأنه أصوب، ومثله ورد في "معاني القرآن" للفراء.
(٩٤) في (ب): (بالمسلمين فمعناه).
وبهذا انتهى كلام الفراء.
انظر: "معاني القرآن" 1/ 19.
(٩٥) وممن قال الدعاء هاهنا بمعنى الاستغاثة: ابن قتيبة في "غريب القرآن": ص 26، وانظر: "الطبري" في "تفسيره" 1/ 167، "زاد المسير" 1/ 49.
(٩٦) هو محمد بن كعب القرظي، تابعي، ولد في حياة النبي كان عالما بالتفسير، سقط عليه سقف المسجد فمات سنة مائة وثمان، وقيل: سنة سبع عشرة، وقيل: سنة عشرين ومائة.
انظر "تهذيب التهذيب" 3/ 684، "غاية النهاية في طبقات القراء" 2/ 233.
(٩٧) (صدق) ساقط من (ج).
(٩٨) ذكره الثعلبي في (تفسيره) 1/ 57 أ، والرواية عن مجاهد أخرجها "الطبري" من عدة طرق 1/ 167، وابن أبي حاتم 1/ 64، وذكرها ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 51، وابن كثير 1/ 63.
(٩٩) في (ب): (على).
(١٠٠) عبارة الواحدي فيها إيهام حيث قال: (أعجز الخلق عن الإتيان بمثل القرآن ...) ثم عطف عليه وقال: (وصرفهم -أيضاً- عن الشهادة على ما هو باطل)، فقوله (أعجز) إن كان بمعنى: (تحدي) فصحيح، وإن كان بمعنى (منع) فباطل، إذ حقيقة == ذلك القول بالصرفة، وهو قول النظام من المعتزلة حيث قال: إن الله صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم، وكان مقدورا لهم، ولكن عاقهم أمر خارجي، وهذا القول مردود عند جماهير العلماء، انظر: "البرهان" 2/ 93 - 94، "البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن": ص 53.
(١٠١) (ذلك) ساقط من (ج).
(١٠٢) (الموافق) ساقط من (ب).
(١٠٣) أي قول المجاهد: ادعوا ناسا يشهدون لكم.
وقد ضعف ابن جرير هذا القول، وقال.
لا وجه له، وقال: إن القوم كانوا على عهد رسول الله ثلاثة أصناف، أهل إيمان صحيح، وأهل كفر صحيح، وأهل نفاق، فأهل الإيمان من المحال أن يدعي الكفار أنهم لهم شهداء، فمن أي الفريقين يكون شهداؤهم؟
انظر.
"تفسير الطبري" 1/ 167.
(١٠٤) ذكر هذِه (المعاني) مفصلة الأزهري حيث قال: لـ (دون) تسعة معان، ثم أخذ في شرحها كما نقل المؤلف هنا، انظر: "التهذيب" 2/ 1249، وانظر: "البرهان" 4/ 275، "الإتقان" 2/ 235، "اللسان" (دون) 3/ 1460.
قال السمين الحلبيّ: (دون) من ظروف الأمكنة، ولا تتصرف على المشهور إلا بالجر بـ (من)، وزعم الأخفش أنها متصرفة ..
وهو من الأسماء اللازمة للإضافة ...
وأما (دون) التي بمعنى رديء فتلك صفة كسائر الصفات ..
وليست مما نحن فيه.
"الدر المصون" 1/ 202.
(١٠٥) "تهذيب اللغة" (دون) 2/ 1249.
(١٠٦) في (ج): (الحاوي).
والحارثي هو جعفر بن علبة، بضم العين، ينتهي نسبه إلى كعب ابن الحارث، شاعر غزل مقل، عاش في الدولة الأموية وأدرك العباسية.
انظر: "الخزانة" 10/ 310.
(١٠٧) البيت من قصيدة لجعفر بن علبة وصدره: عَجِبْتُ لمسْرَاها وأنَّى تَخَلَّصَتْ يقول: عجبت من سير هذا الخيال إلي مع أن باب السجن موثق بيني وبينها.
أورد القصيدة أبو تمام في "ديوان الحماسة" 1/ 51 - 52، بشرح المرزوقي، والبغدادي في "الخزانة" 10/ 307.
(١٠٨) أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو "من قتل دون ماله فهو شهيد" البخاري في كتاب المظالم، باب من قتل دون ماله، حديث رقم (2480).
ومسلم (141) كتاب الإيمان، باب: هدر دم من قصد أخذ مال غيره بغير حق.
وأخرجه أحمد في "مسنده" 2/ 221 - 223.
مع بعض الاختلاف في لفظه، وأبو داود عن سعيد بن زيد بنحو لفظ البخاري ومسلم، (4772) كتاب السنة، باب قتال اللصوص، والترمذي عن سعيد بن زيد وعبد الله بن عمرو (1419) (أبواب الديات)، باب ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، والنسائي عن عبد الله بن عمرو في كتاب تحريم الدم، باب من قتل دون ماله 7/ 114، وابن ماجه عن سعيد بن زيد وعن عبد الله بن عمرو، وأبي هريرة بلفظ آخر، في (2580) كتاب الحدود، باب من قتل دون ماله فهو شهيد).
(١٠٩) (جيحون) نهر عظيم في خراسان.
انظر: "معجم البلدان" 2/ 196.
(١١٠) "التهذيب" 2/ 1249، "اللسان" 3/ 1460.
(١١١) "تهذيب اللغة" 2/ 1249.
"اللسان" 3/ 1460.
(١١٢) في "تهذيب اللغة": عن الفراء: (....
ودون ذلك الغوص يريد سوى الغوص، من البناء ..)، (التهذيب) 2/ 1249، انظر "اللسان" 3/ 1460.
(١١٣) "تهذيب اللغة" تكون بمعنى الأمر دونك الدرهم أن خذه وفي الإغراء دونك زيداً أي الزم زيدًا في حفظه.
(١١٤) سبق البيت وتخريجه: الفاتحة: 2، والشاهد فيه هنا: أنه استعمل (دون) بمعنى خذ، أي خذ دلوي، انظر: "مغني اللبيب" 2/ 618،609، "الخزانة" 6/ 200.
(١١٥) في "التهذيب": (الوعيد كقولك: دونك صراعي، ودونك فتمرس بي)، 2/ 1249، "اللسان" دون 3/ 1460.
(١١٦) لم أعثر عليه، ولم أعرف قائله.
(١١٧) ذكره الأزهري عن شمر عن أبن الأعرابي، "تهذيب اللغة" 2/ 1249، وانظر "اللسان" 3/ 1460.
(١١٨) في (ب): (حباب)، وفي "تهذيب اللغة" (خباب) 2/ 1249، ومثله في "اللسان" == 3/ 1460.
وهو زهير بن جناب الكلبي شاعر جاهلي قديم، من المعمرين، انظر ترجمته في: "الشعراء والشعراء" 17/ 240.
"طبقات الشعراء" للجمحي: ص 37.
(١١٩) ورد البيت في "تهذيب اللغة" (دون) 2/ 1249، "اللسان" (دون) 3/ 1460، وقوله: (الغرار): النوم، و (الشريج): القوس.
(١٢٠) البيت من قصيدة للأعشى يهجو يزيد بن مسهر الشيباني، والبيت: يزيد يغض الطرف دوني كأنما ...
زوى بين عينيه عليّ المحاجم انظر.
"ديوانه": ص 178، "تهذيب اللغة" (دون) 2/ 1249، "اللسان" (دون) 3/ 1460.
(١٢١) "تهذيب اللغة" (دون) 2/ 1249، "اللسان" 3/ 1460.
(١٢٢) ذكر الأزهري نحوه عن الفراء وعن الأصمعي، "تهذيب اللغة" (دون) 2/ 1249، وانظر: "اللسان" 3/ 1460.
(١٢٣) ذكره الأزهري عن سلمة عن الفراء، "تهذيب اللغة" 2/ 1249، "اللسان" 3/ 1460.
(١٢٤) في (ب): (يلقني).
(١٢٥) انظر: "الطبري" 1/ 167، "القرطبي" 1/ 200، "الدر المصون" 1/ 201.
(١٢٦) وهو أن المراد بـ (شهدائكم) أنصاركم وأعوانكم الذين يظاهرونكم على تكذيبكم كما سبق: 2/ 247.
(١٢٧) قول الفراء: (شهدائكم) آلهتكم سبق في 2/ 248، وانظر: "معاني القرآن" 1/ 19، "الدر المصون" 1/ 201.
(١٢٨) الواو ساقطة من (أ) و (ج)، وانظر قول القرظي ومجاهد: 2/ 249.
(١٢٩) في (ج): (لا شهد).
(١٣٠) انظر: "تفسير الثعلبي"1/ 57 أ، و"تفسير الطبري" 1/ 167، "الدر المصون" 1/ 201.
(١٣١) هو أبو علي الجرجاني صاحب "نظم القرآن"، وكتابه مفقود.
(١٣٢) قوله: ﴿ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ ﴾ ساقط من (ب).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ﴾ الآية إثبات لنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم بإقامة الدليل على أنّ القرآن جاء به من عند الله، فلما قدّم إثبات الألوهية أعقبها بإثبات النبوة، فإن قيل: كيف قال إن كنتم في ريب، ومعلوم أنهم كانوا في ريب وفي تكذيب؟
فالجواب أنه ذكر حرف إن إشارة إلى أنّ الريب بعيد عند العقلاء في مثل هذا الأمر الساطع البرهان، فلذلك وضع حرف التوقع والاحتمال في الأمر الواقع، لبعد وقوع الريب وقبحه عند العقلاء وكما قال تعالى: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ [البقرة: 2].
﴿ على عَبْدِنَا ﴾ هو النبي صلى الله عليه وسلم، والعبودية على وجهين: عامة، وهي التي بمعنى الملك، وخاصة وهي التي يراد بها التشريف والتخصيص، وهي من أوصاف أشراف العباد.
ولله در القائل: لا تدعني إلاّ بيا عبدها ** فإنّه أشرف أسمائي ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ ﴾ أمر يراد به التعجيز ﴿ مِّن مِّثْلِهِ ﴾ الضمير عائد على ما أنزلنا وهو القرآن، ومن لبيان الجنس، وقيل: يعد على النبي صلى الله عليه وسلم، فمن على هذا: لابتداء الغاية من بشر مثله، والأول أرجح لتعيينه في يونس وهود، وبمعنى مثله في فصاحته وفيما تضمنه من العلوم والحكم العجيبة والبراهين الواضحة ﴿ شُهَدَآءَكُم ﴾ آلهتكم أو أعوانكم أو من يشهد لكم ﴿ مِّن دُونِ الله ﴾ أي غير الله، وقيل: هو من الدين الحقير، فهو مقلوب اللفظ ﴿ وَلَن تَفْعَلُواْ ﴾ اعتراض بين الشرط وجوابه فيه مبالغة وبلاغة، وهو إخبار ظهير مصداقة في الوجود إذ لم يقدر أحد أن يأتي بمثل القرآن، مع فصاحة العرب في زمان نزوله، وتصرفهم في الكلام، وحرصهم على التكذيب، وفي الإخبار بذلك معجزة أخرى، وقد اختلف في عجز الخلق عنه على قولين: أحدهما: أنه ليس في قدرتهم الإتيان بمثله وهو الصحيح، والثاني: أنه كان في قدرتهم وصرفوا عنه، والإعجاز حاصل على الوجهين، وقد بينّا سائر وجوه إعجازه في المقدمة ﴿ فاتقوا النار ﴾ أي فآمنوا لتنجوا من النار، وعبر باللازم عن ملازمه، لأن ذكر النار أبلغ في التفخيم والتهويل والتخويف ﴿ وَقُودُهَا ﴾ حطبها ﴿ الناس ﴾ قال ابن مسعود: هي حجارة الكبريت لسرعة اتقادها وشدّة حرها وقبح رائحتها، وقيل: الحجارة المعبودة، وقيل: الحجارة على الإطلاق ﴿ للكافرين ﴾ دليل على أنها قد خلقت، وهو مذهب الجماعة وأهل السنة، خلافاً لمن قال: إنها تخلق يوم القيامة، وكذلك الجنة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ما يتعلق بها من ضم ميم الجمع ومن إمالة الناس يعرف مما مر.
الوقوف: "من مثله" (ص) "صادقين" "والحجارة" (ج) على تقدير هي أعدت للكافرين، والوصل أجود لأن قوله "أعدت" بدل الجملة الأولى في كونها صلة للتي "للكافرين" (ه).
التفسير: لما نبه بالآيتين السابقتين على طريق الاعتراف بوجود الصانع ووحدانيته، أعقبهما بما يدل على صحة نبوة محمد وحقية ما نزل عليه .
وقد ذكر في كون القرآن معجزاً طريقان: الأول: أنه إما أن يكون مساوياً لكلام سائر الفصحاء أو زائداً عليه بما لا ينقض العادة أو بما ينقضها.
والأولان باطلان لأنهم - وهم زعماء وملوك الكلام - تحدّوا بسورة منه مجتمعين أو منفردين ثم لم يأتوا بها مع أنهم كانوا متهالكين في إبطال أمره حتى بذلوا النفوس والأموال، وارتكبوا المخاوف والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة إلى حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل؟
فتعين القسم الثالث.
الطريق الثاني: أن يقال: إن بلغت السورة المتحدى بها في الفصاحة إلى حد الإعجاز فقد حصل المقصود وإلا فامتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجز، فعلى التقديرين يحصل الإعجاز.
فإن قيل: وما يدريك أنه لن يعارض في مستأنف الزمان وإن لم يعارض إلى الآن؟
قلت: لأنه لا احتياج إلى المعارضة أشد مما في وقت التحدي، وإلا لزم تقرير المبطل المشبه للحق.
وحيث لم تقع المعارضة وقتئذ علم أن لا معارضة، وإلى هذا أشار بقوله "ولن تفعلوا" كما يجيء.
واعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة فمدرك الإعجاز هو الذوق.
ومن فسر الإعجاز بأنه صرف الله تعالى البشر عن معارضته، أو بأنه هو كون أسلوبه مخالفاً لأساليب الكلام، أو بأنه هو كونه مبرأ عن التناقض، أو بكونه مشتملاً على الأخبار بالغيوب وبما ينخرط في سلك هذه الآراء، فقد كذب ابن أخت خالته.
فإنا نقطع أن الاستغراب من سماع القرآن إنما هو من أسلوبه، ونظمه المؤثر في القلوب تأثيراً لا يمكن إنكاره لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لا من صرف الله البشر عن الإتيان بمثله، كما لو قال أحد: معجزتي أن أضع الساعة يدي على رأسي ويتعذر ذلك عليكم.
وكان كما قال، جاء الاستغراب من التعذر لا من نفس الفعل.
وأيضاً تسمية كل أسلوب غريب معجزاً باطل، وكذا تسمية كل كلام مبرإ عن التناقض أو مشتملاً على الغيب ككلام الكهان ونحوهم.
فإن قيل: كيف نعتقد إعجاز القرآن بحيث يعجز عنه الثقلان فقط والزائد غير معلوم الحال، أو بحيث يعجز عنه المخلوقات بأسرها؟
قلنا: لا ريب أن الحق هو القسم الثاني، إلا أن التحدي لم يقع إلا بالقدر الأول وبه يثبت صحة النبوة.
لكن النبي صادق وقد أخبر بأنه كلام الله ، ونحن نعلم أن كلام صفته وصفته يجب أن تكون في غاية الكمال ونهاية الجلال.
فالقرآن إذاً في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة.
والبلاغة هي بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حداً له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها، وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها، وهي فينا كأنها هيئة اجتماعية حاصلة من معرفة قوانين علمي المعاني والبيان.
والفصاحة إما معنوية وهي خلوص الكلام عن التعقيد، والتعقيد أن يعثر صاحبه فكرك في متصرفه ويشيك طريقك إلى المعنى ويوعر مذهبك نحوه، حتى يقسم فكرك ويشعب ظنك فلا تدري من أين تتوصل وبأي طريق معناه يتحصل.
وإما لفظية وهي أن تكون الكلمة عربية أصلية، وعلامة ذلك أن تكون على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدرب، واستعمالهم لها أكثر، وأن تكون أجرى على قوانين اللغة العربية، وأن تكون سليمة عن التنافر، عذبة على العذبات، سلسة على الأسلات.
والحاكم في ذلك هو الذوق السليم والطبع المستقيم، فقلما ينجع هنالك إلا ذلك.
ثم إنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان الفصاحة، ومع ذلك فإنه بلغ في الفصاحة النهاية التي لا غاية وراءها، فدل ذلك على كونه معجزاً.
منها أن فصاحة العرب أكثرها في وصف المشاهدات كبعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة، وليس في القرآن من هذه الأشياء مقدار كثير.
ومنها أنه راعى طريق الصدق وتبرأ عن الكذب، وقد قيل: أحسن الشعر أكذبه.
ولهذا كان لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما وتركا سلوك سبيل الكذب والتخيل ترك شعرهما.
ومنها أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في بيت أو في بيتين من قصيدة، والقرآن كله فصيح ككل جزء منه.
ومنها أن الشاعر الفصيح إذا كرر كلامه لم يكن الثاني في الفصاحة بمنزلة الأول، وكل مكرر في القرآن فهو في نهاية الفصاحة وغاية الملاحة.
أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره *** هو المسك ما كررته يتضوّع ومنها أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم المنكرات والحث على مكارم الأخلاق والزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، ولا يخفى ضيق عطن البلاغة في هذه المواد.
ومنها أنهم قالوا: إن شعر امرئ القيس يحسن في النساء وصفة الخيل، وشعر النابغة عند الخوف، وشعر الأعشى عند الطرب ووصف الخمر، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء والقرآن جاء فصيحاً في كل فن من فنون الكلام.
فانظر في الترغيب إلى قوله: ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرّة أعين ﴾ وفي الترهيب ﴿ وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد يتجرّعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ﴾ وفي الزجر ﴿ فكلاًّ أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا ﴾ وفي الوعظ ﴿ أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ﴾ وفي الإلهيات ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ﴾ .
ومنها أن القرآن أصل العلوم كلها كعلم الكلام وعلم أصول الفقه وعلم الفقه واللغة والنحو والصرف والنجوم والمعاني والبيان وعلم الأحوال وعلم الأخلاق وما شئت، ومن يطيق وصف القرآن وبلاغته فإنه كما أن الإتيان بأقصر سورة منه فوق حد البشر فوصفه كما هو فوق طاقة البشر.
"فدع عنك بحرا ضل فيه السوابح" *** وإنما قيل: "وإن كنتم" دون إذ كنتم لما عرفت في تفسير ﴿ لا ريب فيه ﴾ .
وإنما اختير "نزلنا" على لفظ التنزيل دون الإنزال، لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم وهو من مجازه لمكان التحدي، وذلك أنهم كانوا يقولون: لو أنزله الله لأنزله جملة واحدة { ﴿ وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ﴾ أي على خلاف ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقاً شيئاً فشيئاً وحيناً فحيناً حسب ما يعنّ لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة، فقيل لهم: إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهلموا نجماً من نجومه أصغر سورة وهي الكوثر، ومعنى السورة مذكور في المقدمة الرابعة.
وإنما قيل: "على عبدنا" دون أن يقال على محمد كقوله ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ تشريفاً له وإعلاماً بأنه ممن صحح نسبة العبودية المأمور بها في قوله : ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ﴾ وإضافة العبد إلى الضمير أيضاً تؤيد ذلك كقوله تعالى: ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ .
وفيه أن السعادة كل السعادة في نسبة العبدية، فهي التي توصل إلى العندية ﴿ في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدر ﴾ "وأنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي" وكمال العندية في كمال الحرية عما سوى الله.
وأما فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً، فمن ذلك أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع واشتملت الأنواع على الأصناف، كان إفراز كل من صاحبه أحسن، ولهذا وضع المصنفون كتبهم على الأبواب والفصول ونحوها.
ومنها أن القارئ إذا ختم سورة أو باباً من الكتاب ثم أخذ في آخر، كان أنشط له كالمسافر إذا قطع ميلاً أو طوى فرسخاً، ومن ثم جزأوا القرآن أسباعاً وأجزاء وعشوراً وأخماساً، ومنها أن الحافظ إذا حفظ السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيحل في نفسه، ومنه حديث أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا.
ولهذا كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل.
و "من مثله" متعلق بمحذوف أي بسورة كائنة من مثله، والضمير لما نزلنا أو لعبدنا.
ويجوز أن يتعلق بقوله "فأتوا" والضمير للعبد معناه، فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب والنظم الأنيق، أو فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشراً عربياً أو أمياً لم يقرأ الكتب ولم يقصد إلى مثل ونظير معين، ولكنه كقول من قال للحجاج وقد توعده بقوله "لأحملنك على الأدهم مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب" أراد من كان على صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد، ولم يقصد أحداً يجعله مثل الحجاج.
وردّ الضمير على المنزل أوجه وعليه المحققون.
ويروى عن عمر وابن مسعود وابن عباس والحسن، ولأن ذلك يطابق الآيات الأخر ﴿ فأتو بسورة مثله ﴾ ﴿ فأتوا بعشر سور مثله ﴾ ، ولأن البحث إنما وقع في المنزل لا في المنزل عليه، إذ المعنى وإن ارتبتم أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم شيئاً مما يماثله.
ولو كان الضمير مردوداً إلى الرسول اقتضى الترتيب أن يقال: وإن ارتبتم في أن محمداً منزل عليه، فأتوا بسورة ممن يماثله.
وأيضاً لو كان عائداً إلى القرآن اقتضى أن يكونوا عاجزين عن الإتيان بمثله، مجتمعين أو متفرقين، أميين أو قارئين.
ولو عاد إلى النبي اقتضى أن يكون الشخص الواحد الأمي الذي هو مثله عاجزاً، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى، ولا سيما فإنه يلزم من الوجه الثاني تقرير نقص للنبي ، وإيهام أنّ الإتيان بالقرآن ممن يكون قارئاً ممكن.
وأيضاً الأول هو الملائم لقوله "وادعوا شهداءكم" إذ لو كان المراد فليأت واحد آخر أمي بنحو ما أتى به هذا الواحد، لم يحتج أن يستظهر بالشهداء وهي جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادات.
والمراد بها إما آلهتهم كأنه قيل: إن كان الأمر كما تقولون من أنها تستحق العبادة لما أنها تنفع وتضر فقد دفعتم في منازعة محمد إلى فاقة شديدة فتعجلوا الاستعانة بها، وإلا فاعلموا أنكم مبطلون فيكون في الكلام محاجة من جهتين: من جهة إبطال كونها آلهة، ومن جهة إبطال ما أنكروه من إعجاز القرآن.
وإما أكابرهم ورؤساؤهم أي ادعوهم ليعينوكم على المعارضة، أو ليحكموا لكم وعليكم.
ومعنى "دون" أدنى مكان من الشيء، ومنه الشيء الدون وهو الحقير، ودوّن الكتب إذا جمعها بتقليل المسافة بينها.
ويقال هذا دون ذلك إذا كان أحط منه قليلاً، ودونك هذا أي خذه من دونك أي من أدنى مكان منك، فاختصر واستعير للتفاوت في الأحوال والرتب.
وقيل: زيد دون عمرو في الشرف والعلم، ومنه قول من قال لعدوّه وقد كان يثني عليه رياء: أنا دون هذا وفوق ما في نفسك.
واتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وتخطى حكم إلى حكم.
قال الله : ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ﴾ أي لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين.
و "من دون الله" متعلق بـ "شهداءكم" أو بـ "ادعوا" وعلى الأول يحتمل ثلاثة معان: ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق، أو ادعوا الذين زعمتم أنهم يشهدون لكم بين يدي الله من قول الأعشى: تريك القذى من دونها وهي دونه *** أي تريك القذى قدام الزجاجة والحال أن الخمر قدام القذى لرقتها وصفائها، وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد الذي لا ينطق في معارضة القرآن المعجز بفصاحته غاية التهكم بهم، أو ادعوا شهداءكم من دون الله أي من دون أوليائه ومن غير المؤمنين ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله، وهذا من المساهلة وإرخاء العنان والإشعار بأن شهداءهم - وهم فرسان البلاغة - تأبى بهم الطباع وتجمح بهم الإنسانية والأنفة أن يرضوا لأنفسهم الشهادة بصحة الفاسد.
وعلى الثاني يحتمل معنيين: ادعوا من دون الله شهداءكم يعني لا تستشهدوا بالله ولا تقولوا الله يشهد أن ما ندعيه حق كما يقول العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه، وادعوا الشهداء من الناس الذين شهادتهم ظاهرة تصحح بها الدعاوى عند الحكام، وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم وانخزالهم، وأن الحجة قد بهرتهم ولم تبق لهم متشبثاً غير قولهم "الله يشهد إنا لصادقون".
سئل بعض العرب عن نسبه فقال: قرشي والحمد لله، فقيل له: قولك: "الحمد لله" في هذا المقام ريبة.
أو المراد بالشهداء، الله ، وكل من له أهلية الحضور من الجن والإنس.
فكأنه قيل لهم ادعوا غير الله من الجن والإنس من أردتم كقوله ﴿ قل لئن اجتمعت الإنس والجن ﴾ الآية وإنما استثنى الله لأنه القادر وحده على أن يأتي بمثله دون كل شاهد.
واعلم أن التحقيق في التحدي هو أن النبي يقول: إني مخصوص من الله تعالى بمزيد الكرامة والنور، وجعلني واسطة بينكم وبين هدايتكم فاتبعون أهدكم سبيل الخير والرشاد، وإن كنتم في ريب مما أقول، فانظروا إلى هذا الذي أقدر عليه بإظهار الله تعالى إياه على يدي وأنتم لا تقدرون عليه لعدم إقداره، لتعرفوا أني خصصت بمزيد فضل من عنده وأني صادق فيما أقول، فإن أنصفوا من أنفسهم بمشيئة الله ونور هدايته اتبعوه واهتدوا، وإلا بقوا في الضلالة خائبين.
وكل هذا من عالم الأسباب التي ربط الله بها الوقائع والحوادث حسب ما أراد، ولا يلزم من هذا أن يكون للعبد قدرة مستقلة يقع التحدي عليها، بل الله يهدي من يشاء وكل بقدر.
وقوله "إن كنتم صادقين" قيد لقوله "فأتوا" ولقوله "وادعوا" المعطوف عليه.
ويجوز أن يكون قيداً لقوله "وادعوا" لأن قوله "فأتوا" مقيد بقوله و "إن كنتم" وجواب الشرط الثاني محذوف لدلالة ما قبله وهو مثله عليه التقدير: وإن كنتم في ريب فأتوا، وإن كنتم صادقين في أن أصنامكم تعينكم، أو في أن القرآن غير معجز، فادعوا شهداءكم.
وإنما قلنا: الجواب محذوف، لأن الجزاء لا يتقدم على الشرط، فإن للشرط صدر الكلام كالاستفهام، ولهذا لم يلزم الفاء في قولك "أنت مكرم إن جئتني" وإنما تقدم ما يدل عليه ومثله في القرآن كثير فاعتبره في كل موضع.
وأما قوله ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ﴾ الآية.
فأقول أولاً: إنها تدل على إعجاز القرآن وصحة نبوة محمد من وجوه: أحدها: أنا نعلم بالتواتر أن العرب كانوا يعادونه أشد المعاداة، ويتهالكون في إبطال أمره وفراق الأوطان والعشيرة وبذل النفوس والمهج منهم من أقوى ما يدل على ذلك.
فإذا انضاف إليه مثل هذا التقريع وهو قوله ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ﴾ فلو أمكنهم الإتيان بمثله لأتوا به، وحيث لم يأتوا به ظهر كونه معجزاً.
وثانيها: أنه إن كان متهماً عندهم فيما يتعلق بالنبوة، فقد كان معلوم الحال في وفور العقل.
فلو خاف عاقبة أمره لتهمة فيه - حاشاه عن ذلك - لم يبالغ في التحدي إلى هذه الغاية.
وثالثها: أنه لو لم يكن قاطعاً بنبوته لكان يجوز خلافه، وبتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه، فالمبطل المزوّر لا يقطع في الكلام قطعاً، وحيث جزم دل على صدقه.
ورابعها: أن قوله "ولن تفعلوا" وفي "لن"، تأكيد بليغ في نفي المستقبل إلى يوم الدين، إخبار بالغيب.
وقد وقع كما قال ، لأن أحداً لو عارضه لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه عادة، لا سيما والطاعنون فيه أكثف عدداً من الذابين عنه .
وإذا لم تقع المعارضة إلى الآن غلب على الظن، بل حصل الجزم أنها لا تقع أبداً لاستقرار الإسلام وقلة شوكة الطاعنين.
وإنما جيء بـ "إن" الذي للشك دون "إذا" الذي للوجوب والقطع، مع أن انتفاء إتيانهم بالسورة واجب بناء على حسبانهم وطمعهم، فإنهم كانوا بعد غير جازمين بالعجز عن المعارضة لاتكالهم على بلاغتهم.
وأيضاً فيه تهكم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاويه: إن غلبتك لم أبق عليك.
وإنما اختير قوله ﴿ فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ﴾ على قوله ﴿ فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله ﴾ ، طلباً للوجازة، فإن الإتيان فعل من الأفعال، وحذف مفعول فعل كثير دون مفعول أتى فهو جار مجرى الكناية التي تعطيك اختصاراً يغنيك عن طول المكنى عنه، كما لو قلت: أتيت فلاناً وأعطيته درهماً.
فيقال لك: نعم ما فعلت.
وقوله "ولن تفعلوا" جملة معترضة لا محل لها.
وليس الواو للحال وإنما هو للاستئناف.
والمعترضة تجيء بالواو وبدون الواو، وقد اجتمعتا في قوله: ﴿ وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ﴾ وإنما لم يقل فإن لم تفعلوا فاتركوا العناد كما هو الظاهر، لأن اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد، فوضع موضعه من حيث إنه من نتائجه، لأن من اتقى النار ترك المعاندة، ونظيره قول الملك لجيشه: إن أردتم الكرامة عندي فاحذروا سخطي.
يريد فاتبعون وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط، فهو من باب الكناية.
وفائدته الإيجاز الذي هو من حلية القرآن، وتهويل شأن العناد بأنه الموجب للنار، ولهذا شنع بتفظيع أمرها.
والوقود ما ترفع به النار، وأما المصدر فمضموم وقد جاء فيه الفتح.
فإن قلت: صلة "الذي" و "التي" يجب أن تكون قصة معلومة للمخاطب، فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟
قلنا: لا يمتنع أن يتقدم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب، أو سمعوه من رسول الله، أو يكون إشارة إلى ما نزلت بمكة قبل نزول هذه بالمدينة وذلك في سورة التحريم ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة ﴾ ولهذا عرّفت ههنا مشاراً بها إلى ما عرفوه ثمة أوّلاً، والمعنى: اتقوا ناراً ممتازة عن غيرها من النيران بأنها لا تتقّد إلا بالناس والحجارة، أو بأنها توقد بنفس ما يراد إحراقه وإحماؤه، أو بأنها لإفراط حرها إذا اتصلت بما لا يشتعل به نار اشتعلت وارتفع لهبها.
ولعل لكفار الجن وشياطينهم ناراً وقودها الشياطين جزاء لكل جنس بما يشاكله من العذاب.
والحجارة قيل: هي حجارة الكبريت.
وقيل: هي ما نحتوها أصناماً ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ لأنهم لما اعتقدوا فيها أنها شفعاؤهم عند الله، وأنهم ينتفعون بها ويدفعون المضارّ عن أنفسهم، جعلها الله عذابهم إبلاغاً في إيلامهم وتوريثاً لنقيض مطلوبهم، ونحوه ما يفعله بالذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، أي يمنعون حقوقها حيث ﴿ يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ﴾ والتاء في الحجارة لتأكيد التأنيث في الجماعة نحو: صقورة.
وقد يدور في الخلد من هذه الآية، ومن قوله ﴿ ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة ﴾ } [البقرة: 74] ومن قوله ﴿ نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ﴾ أن المراد بالحجارة هي الأفئدة أي وقودها الناس وقلوبهم.
وتخصيص القلب بالذكر لأنه أشرف الأعضاء وأولى بالإحراق إن كان مقصراً في درك ما خلق الإنسان لأجله.
ومعنى أعدت هيئت وجعلت عدّة لعذابهم، وإنما فقد العاطف لأنها بدل من الصلة أو استئناف، كأنه قيل لمن أعدّت هذه النار؟
فقيل أعدت للكافرين.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ﴾ .
فالخطاب يحتمل الخصوص والعموم.
وقوله: ﴿ ٱعْبُدُواْ ﴾ : وحدوا ربكم.
جعل العبادة عبارةً عن التوحيد؛ لأَن العبادة التي هي لله لا تكون ولا تخلص له إلا بالتوحيد.
ويقال: ﴿ ٱعْبُدُواْ ﴾ ؛ أي: أَطيعوا له؛ اجعلوا عبادتكم لله، لا تعبدوا غيره، في كلا التأْويلين يرجع إلى الكفرة.
ويقال: ﴿ ٱعْبُدُواْ ﴾ ؛ أَي: أَطيعوا له.
والعبادة جعل العبد كُلِّيته لله قولاً، وعملاً، وعقداً، وكذلك التوحيد، والإسلام.
والطاعة ترجع إلى الائتمار؛ لأَنه يجوز أن يطاع غير الله، ولا يجوز أَن يعبد غير الله؛ لأن كل من عمل بأَمرِ آخر فقد أطاعه؛ كقوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ﴾ ولا كل من عمل بأمر آخر فهو عابدٌ له، وبالله نستعين.
ثم بين الذي أَمر بالتوحيد إياه وبالعبادة له خالصاً، فقال: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ .
والذين تعبدونهم لم يخلقوكم، ولا خلقوا الذين من قبلكم، فكيف تعبدونهم دون الذي خلقكم؟!
وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: تتقون المعاصي، والمناهي، والمحارم التي حرم الله عليكم.
فإذا كان هذا هو المراد فذلك راجع إلى المؤمنين.
ويحتمل قوله: ﴿ تَتَّقُونَ ﴾ الشرك وعبادة غير الله، فذلك راجع إلى الكفرة.
قال الشيخ: الأَحسن في الأَمر بالتقوى والتوحيد أَن يجعل عامّاً، وفي الخبر عن التقوى خاصّاً.
﴿ لَعَلَّكُمْ ﴾ أي: كي تتقوا.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ .
بَيَّنَ اتقاء الذي أَمر بالتوحيد له، وتوجيه العبادة إليه، وإخلاص النية له؛ فقال: الذي فرش لكم الأَرض لتنتفعوا بها، وتقضوا حوائِجكم فيها، من أنواع المنافع عليها، واتخاذ المستقر والمسكن فيها.
﴿ وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً ﴾ أي: رفع السماء بناء.
والسماء: كل ما علا وارتفع، كما يقال لسقف البيت: سماء؛ لارتفاعه.
وسمى السماء بناء - وإن كان لا يشبه بناء الخلق - حتى يعلم أَن البناء ليس اسم ما يبني الناس خاصة.
ثم بين بقوله: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ .
أي: وجهوا العبادة إلى الذي ينزل لكم من السماء ماء عند حوائِجكم، ولا تعبدوا من تعلمون أنه لم يخلقكم، ولا أَنزل لكم من السماء ماء، ولا أخرج لكم من ذلك الماءِ ثمرات تكون رزقاً لكم.
بل هو الله الواحد الذي لا شريك له؛ ولأَنه يخلقكم، ويرزقكم، ويخرج لكم من ذلك الماء المنزل من السماء رزقاً تأْكلونه، وماء عذباً تشربونه.
وفي الآية دلالة أن المقصود في خلق السماءِ والأَرض، وإنزال الماءِ منها، وإخراج هذه الثمرات وأَنواع المنافع - بنو آدم، وهم الممتحنون فيها؛ بدلالة قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً ﴾ وما ذكر من المخرج والمنزل منها، وما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ ، ومنه: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ ﴾ ، ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ ﴾ مما يكثر من الآيات.
أضاف ذلك كلَّه إلينا، ثم جعل - عز وجل - بلطفه مَنافع السماءِ متصلة بمنافع الأرض على بُعْدِ ما بينهما من المسافة، حتى لا تخرج الأَرض شيئاً إلا بما ينزل من السماء من الماء؛ ليعمل أَن منشىء السماءِ هو منشىء الأَرض؛ لأَنه لو كان منشىء هذا غير منشىء الآخر لكان لا معنى لاتصال منافع هذا بمنافع الآخر على بُعْدِ ما بينهما، ولتوهم كون الاختلاف من أَحدهما للآخر.
فإذا كان كذلك دل على أَن منشئهما واحد، لا شريك له ولا ند.
ثم زعم قوم: أَن الأَشياء كلها حِلٌّ لنا، طلق، غير محظور علينا، حتى يجىء ما يحْظر، فاستدلوا بظاهر هذه الآية بقوله: ﴿ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ ، وبقوله: ﴿ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً ﴾ .
وقال آخرون: لا يدل ذلك على الإباحة؛ وذلك أَن الأَشياء لم تَصِرْ لنا من كل الوجوه، فهو على الحظْر حتى تجيء الإباحة، ولأَن الأَشياء لا تحل إلا بأَسباب تتقدم؛ فظهر الحظْر قبل وجود الأَسباب، فهو على ذلك حتى يجيء ما يُحل ويُبيح.
أَو أَن يقال: خلق هذه الأَشياء لنا محنة امتحنا بها، أَو فتنة فتنا بها؛ كقوله: ﴿ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ فُتنَّا بها؛ وكقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ...
﴾ الآية [البقرة: 155]، ولأَن في العقل ما يدفع حمل الأَشياء كلها على الإِباحة، لما في ذلك فساد الخلق، وتفانيهم.
فبين لِكل منه مِلْكاً على حدة بسبب يكتسب به؛ لئلا يحملهم على التفاني والفساد، وبالله نستعين.
وقوله: ﴿ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً ﴾ .
أي: أَعدالاً، وأَشكالاً في العبادة، وكله واحد.
ند الشيء: هو عِدْلُهُ، وشكلُه: هو مثلُه.
وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .
الأَول: أَن لا نِدَّ، ولا عِدْل، ولا شكل؛ لما أَراكم من إِنشاءِ هذه الأَشياء ولم تروا من ذلك ممن تعبدونه شيئاً.
والثاني: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ لما أَنشأَ فيكم من الأَشياءِ ما لو تدبرتم وتفكرتم وتأَملتم، علمتم أنه لا نِدَّ له ولا شكل له؛ كقوله: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ .
وقوله عز وجل: ﴿ وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا ﴾ .
من القرآن أنه مُخْتَلَق مفترى، وأنه ليس منه؛ كقولهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ ﴾ ، وقولهم: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ ، و ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ﴾ .
أي: ائْتوا أَنتم بمثل ما أَتى هو؛ إذ أَنتم وهو سواء في الجوهر والخلقة واللسان، ليس هو أَولى بذلك منكم؛ أَعني: في الاختلاق.
وقوله: ﴿ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ .
أي: استعينوا بآلهتكم الذين تعبدون من دون الله، حتى تعين لكم على إتيان مثله إن كنتم صادقين في مقالتكم أنه مختلق مفترى.
ويقال: ﴿ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم ﴾ .
يعني شعراءَكم وخطباءَكم ليعينوكم على إتيان مثله.
ويقال: ادعوا شهداءَكم من التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائِر الكتب المنزلة على الرسل السالفة أنه مختلق مفترى.
وقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: يحتمل أنهم أَقروا على أَثر ذلك بالعجز عن إتيان مثله من غير تكلف ولا اشتغال كان منهم لما دفع عز وجل عن أطماعهم إتيان مثله نظماً، ولا اجتهدوا كل جهدهم، وتكلفوا كل طاقتهم على إطفاءِ النور ليخرج قولهم على الصدق بأَنه مُختلقٌ مفترى، ويظهر كذب الرسول : أَنه كلام رب العالمين.
فدل إقرارهم بالعجز عن إتيان مثله، وترك اشتغالهم بذلك: أَنه كلام رب العاليمن، مُنَزَّل على نبيه ورسوله .
وقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ﴾ .
الوَقود بالنصب هو الحَطب، وبالرفع هو النَّار.
أَخبر عز وجل أن حَطبها الناس كلما احترقوا أُعيدوا وبُدِّلوا؛ كقوله: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ .
والحجارة فيه وجهان: قيل: هي الكبريت.
وقيل: الحجارة بعينها لصلابتها، وشدتها أشد احتراقاً، وأكثر إحماءً.
وقوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ ﴾ .
في الآية دلالة أنها لم تعدّ لغير الكافرين.
وهي تنقض على المعتزلة قولهم حيث خلدوا صاحب الكبيرة في النار، ولم يطلقوا له اسم الكفر، وفي زعمهم أَنها أُعدت للكافرين أيضاً، وإن كان تعذيب المؤمن بمعاصيَ يرتكبها، وأَوزار حملها، وفواحش تعاطاها؛ وذلك أَن الله يعذب من يشاء بما شاءَ، وليس إلى الخلق الحكم في ذلك؛ لقوله: ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾ .
فإن قالوا: إن أَطفال المشركين في الجنة، والجنة لم تُعدَّ لهم، وإنما أُعدت للمؤمنين، ثم جاز دخول غيرهم فيها وتخليدهم.
وكذلك النَّار وإن كانت معدة للكافرين، جاز لغير الكافر التعذيب والتخليد فيها، كقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ...
﴾ الآية [آل عمران: 106] شرط الكفر بعد الإيمان.
ثم من ينشأ على الكفر، والذي كفر بعد الإيمان سواء في التخليد، فكذلك مرتكب الكبيرة، والكافر، سواء في التخليد.
فيقال لهم: إن كل كافر تشهد خلقته على وحدانية ربه؛ فإذا ترك النظر في نفسه، واختار الاعتناد فصار كَكُفْرٍ بعد الإيمان؛ لأَنه لم يكن مؤمناً ثم كفر.
وأَما قولهم في الأَطفال؛ فإنهم إنما خُلِّدوا الجنة جزاء لهم من ربهم، ولله أَن يعطي الجزاءَ من شاءَ بلا فعل، ولا صنع كان منه؛ فضلاً وكرامة، وذلك في العقل جائِز إعطاء الثواب بلا عمل على الإفضال والإكرام.
وأَما التعذيب فإنه غير جائِز في العقل بلا ذنب يرتكبه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ ﴾ .
الآية تنقض قول من جعل جميع الطاعات إيماناً؛ لما أثبت لهم اسم الإيمان، دون الأَعمال الصالحات، غير أَن البشارة لهم، وذهاب الخوف عنهم إنما أُثبت بالأَعمال الصالحات.
ويحتمل: الأَعمال الصالحات: عمل القلب، وهو أن يأْتي بإيمان خالص لله، لا كإيمان المنافق بالقول دون القلب.
وقوله: ﴿ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ ﴾ .
يعني بساتين.
وقوله: ﴿ مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ ﴾ قيل فيه بوجوه: قيل: إن البساتين ليست هي اسم الأَرض والبقعة خاصة، ولكن ما يجمع من الأشجار، وما ينبت فيها من أَلوان الغروس المثمرة فعند ذلك يسمى بستاناً.
وقوله: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ ﴾ أي: من تحت أشجارها، وأغراسها الأَنهار.
وقيل: من تحتها: مما يقع البصر عليها، وذلك أَنزه عند الناس، وأَجلى، وأَنبل.
وقيل أَيضاً: من تحتها أَي: من تحت ما علا منها [من القصور والغرف]، لا تحت الأَرض مما يكون في الدنيا في بعض المواضع يكون الماء تحت الأَرض.
دليله [قوله ]: "تحت كل شعرة جنابة" ؛ أي: تحت ما علا، لا تحت الجلد؛ فكذلك الأَول من تحت ما علا منها من القصور، والغرف، والله أعلم.
وقوله: ﴿ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ .
قيل فيه وجوه: ﴿ رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ في الدنيا.
وقيل: ﴿ رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ أَي: هذا الذي وعدنا في الدنيا أَنَّ في الجنة هذا.
وقيل: ﴿ رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ ، في الجنة قبل هذا.
وقوله: ﴿ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ مُتَشَٰبِهاً ﴾ في المنظر، مختلفاً في الطعم.
وقيل: ﴿ مُتَشَٰبِهاً ﴾ في الطعم مختلفاً في رأْي العين والأَلوان؛ لأَن من الفواكه ما يستلذ بالنظر إليها دون التناول منها.
وقيل: ﴿ مُتَشَٰبِهاً ﴾ في الحسن والبهاءِ.
وقوله: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ من سوءِ الخلق والدناءَة، ليس كنساءِ الدنيا لا يسلمن عن ذلك.
وقيل: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ من الأَمراض، والأَسقام، وأَنواع ما يبلى به في الدنيا من الدرن، والوسخ والحيض.
وقيل: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ لصفاءِ جوهرها؛ كما يقال: يرى مخَّ ساقيها من كذا وكذا.
وقيل: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ مختارة مهذبة.
وقوله: ﴿ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴾ .
أي: يقيمون أَبدا.
فالآية ترد على الجهمية قولهم؛ لأَنهم يقولون بفناءِ الجنة، وفناءِ ما فيها؛ يذهبون إلى أَن الله هو الأَول، والآخر، والباقي، ولو كانت الجنة باقية غير فانية لكان ذلك تشبيهاً.
لكن ذلك وهمٌ عندنا؛ لأَن الله هو الأَول بذاته، والآخر بذاته، والباقي بذاته، والجنةُ وما فيها باقيةٌ بغيرها.
ولو كان فيما ذكر تشبيه لكان في العالم، والسميع، والبصير تشبيه، ولكان في الخلق أيضاً في حال البقاءِ تشبيه، فإذا لم يكن فيما ذكرنا تشبيه لم يكن فيما تقدم تشبيه.
وأيضاً: فإن الله جعل الجنة داراً مطهرة من المعايب كلها؛ لما سماها دار قدس، ودار سلام.
ولو كان آخرها للفناءِ كان فيها أَعظم المعايب؛ إذ المرء لا يهنأُ بعيش إذا نغص عليه بزواله؛ فلو كان آخره بالزوال كان نعمة منغصة على أَهلها؛ فلما نزه عن العيوب كلها - وهذا أَعظم العيوب - لذلك كان التخليد لأَهلها أَولى بها.
<div class="verse-tafsir"
وإن كنتم -يا أيها الناس- في شك من القرآن المُنزل على عبدنا محمد ، فنتحداكم أن تعارضوه بالإتيان بسورة واحدة مماثلة له، ولو كانت أقصر سورة منه، ونادوا من استطعتم من أنصاركم إن كنتم صادقين فيما تدَّعونه.
<div class="verse-tafsir" id="91.GdY1K"
قلنا إن الكلام من أول السورة في القرآن وتفصيل أحوال الناس في الإيمان به وعدمه، وهذه الآية دليل على عدم الخروج عن هذا الموضوع في كل ما تقدم، فالآيات متصل بعضها ببعض كحبات من الجوهر نظمت في سلك واحد، فإنه بعد ما ذكر المتقين الذين يهتدون بالقرآن، وعلاماتهم، وبين خصائصهم وصفاتهم، وذكر الجاحدين المعاندين، وما هم عليه من العمى عن جلية الحق المبين، وما رزئوا به من الصمم المعنوي حتى لا يسمعون الحجج والبراهين، وما أصيبوا به من البكم بالنسبة لقول الحق أو سؤال المرشدين، ثم ذكر المذبذبين بين ذلك فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وذكر فرقهم وأصنافهم، وبين خلائقهم وأوصافهم، وضرب لهم الأمثال، ونضلهم في ميدان الجدال، بسهام الحجج النافذة، وسيوف البراهين القاطعة - بعد هذا كله تحداهم بالكتاب الذي يدعو إليه ويناضل عنه ويكافح دونه ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ فقال: ﴿ وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾ أي يا أيها الناس عليكم بعد أن تنسلوا من مضيق الوساوس، وتتسللوا من مآزق الهواجس، وتنزعوا ما طوقكم به التقليد من القلائد، وتكسروا مقاطر ما ورثتم من العوائد، أن تهرعوا إلى الحق بذاته، فهذه آية من أظهر آياته، وهي عجزكم عن الإتيان بسورة مثل سور القرآن من رجل، أي مثل الذي جاءكم به، وهو عبدنا ورسولنا محمد ، وإن عجزتم عن الإتيان بسورة من مثله تساوي سورة في هدايتها، وتضارعها في أسلوبها وبلاغتها، وأنتم فرسان البلاغة، وعصركم أرقى عصور الفصاحة، وقد اشتهر كثيرون منكم بالسبق في هذا الميدان، ولم يكن محمد ممن يسابقكم من قبل في هذا الرهان، لأنه لم يؤت هذا الاستعداد بنفسه، ولم يتمرن عليه أو يتكلفه لمباراة أهله، فاعلموا أن ما جاء به بعد أربعين سنة فأعجزكم بعد سبقكم لم يكن إلا بوحي إلهي، وإمداد سماوي، لم يسم عقله إلى علمه، ولا بيانه إلى أسلوبه ونظمه.
وعبر عن كون الريب"بإن"للإيذان بأن من شأن هذا التنزيل أن لا يرتاب فيه، لأن الحق فيه ظاهر بذاته، يتلألأ نوره في كل آية من آياته، ولكن: إذا لم تكن للمرء عين صحيحة فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر والتنزيل من مادة النزول كالإنزال، وتقدم تفسيره، إلا أن صيغة (التفعيل) الدالة على التدريج أو التكثير، تفيد أن القرآن نزل نجومًا متفرقة، وهو الواقع، وصيغة أنزل لا تنفيه.
وقوله تعالى ﴿ مِنْ مِثْلِهِ ﴾ فيه وجهان: (أحدهما) أن الضمير في"مثله" للقرآن المعبر عنه بقوله ﴿ مِمَّا نَزَّلْنَا ﴾ .
(والثاني) أنه لعبدنا ..
وهو أرجح بدليل من الداخلة على"مثله"الدالة على النشوء، أي فإن كان أحد ممن يماثل الرسول بالأمية يقدر على الإتيان بسورة فليفعل، قال تعالى ﴿ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ ﴾ الذين يشهدون لكم أنكم أتيتم بسورة من مثله، وهؤلاء الشهداء هم غير الله تعالى بالضرورة، أي ادعوا كل من تعتمدون عليه ليشهد لكم ﴿ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ ، أو ادعوا كل أحد غير الله تعالى ليؤيد دعواكم كما أيد الله تعالى دعوة عبده ، وانظروا هل يغنيكم دعؤكم شيئًا ﴿ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ في دعواكم أن عندكم فيه ريبًا، وإنما يصدق المرتاب في ريبه إذا خفيت الحجة، وغلبت الشبهة، وكان جادًا في النظر، فهو يقول: إن كنتم صدقتم في أنكم مرتابون فلديكم ما يمحص الحق فجدوا في الفكر، ولا تتوانوا في النظر، وتدبروا هذا الكتاب وها هو ذا معروض عليكم، وأتوا بسورة واحدة من مثل هذا النبي الأمي، فإذا أمكن لكم ذلك فلخاطر الريب أن يمر بنفوسكم، وإلا فما وجه إعراضكم عن دعوته، وإبطائكم عن تلبيته؟
أي إذا تجردت نفوسكم وخلصت عقولكم مما أنتم عليه من التقاليد والأهواء، ونظرتم في القرآن نظر إنصاف، فلا يمكن أن يحوّم الريب حولكم، ولا أن يدنو الشك فيه منكم، ولو فرضنا أن طائفًا منه مس قلوبكم فإن أمام أعينكم ما يدفعه وهو إعجاز القرآن.
ثم قال تعالى ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا ﴾ الخ أي فإن لم تأتوا بسورة من مثله، وتجتثوا دليله من أصله.
وما أنتم بفاعلين، لأن هذا ليس في طاقة المخلوقين، فاتقوا النار التي أعدت لأمثالكم من الكافرين، الذين يجحدون الحق بعد البرهان المبين، وقوله تعالى ﴿ وَلَنْ تَفْعَلُوا ﴾ جملة معترضة بين الشرط وجوابه، وهي مقصودة هنا في ذاتها لما فيها من تقوية الدليل وتقرير عجزهم بما يثير حميتهم ويغريهم بتكلف المعارضة، ولا يمكن أن يصدر مثل هذا النفي الاستقبالي المؤكد أو المؤبد من عاقل كالنبي في أمر ممكن عقلًا لولا أن أنطقه الله الذي خصه بالوحي، وهو الذي يعلم غيب السموات والأرض، بأنه غير ممكن لأحد.
وعبر عن النفي وقوع الفعل منهم"بإن"التي يعبر بها عما يشك في شرطه، أو يجزم المتكلم بعدم وقوعه، ومقتضى القاعدة أن يكون الشرط هنا بإذا لأن المحقق أنهم لن يفعلوا كما صرحت به الآية، مع القطع بأن الله تعالى منزه عن الشك، ولكن القواعد التي تذكر في علم البلاغة قد ينظر فيها إلى حال المخاطب لا حال المتكلم، والمعول عليه هو ما يقصد المتكلم أن يبلغه من نفس المخاطب ويودعه في ذهنه، فههنا يخاطب الله المرتابين، والذين هم في جحودهم وعنادهم كالواثقين الموقنين، خطابًا يؤذن أوله بأن عدم الإتيان بما تحداهم به مشكوك فيه، ولازمه أن المعارضة جائزة منهم، وداخلة في حدود إمكانهم، خاطبهم بهذا مراعاة لظاهر حالهم التي تومئ إلى القدرة على المعارضة، وتشير إلى إمكان الإتيان بالسورة، ثم كر على هذا الإيذان، بل الإبهام، بالنقض، بلا تلبث أو تريث، وأبطل مراعاة الظاهر بل حولها إلى تهكم، بالنفي المؤكد الذي ذهب بذلك الذَّماء، واستبدل اليأس بالرجاء، كأنه يقول إن إعراضكم عن الإيمان، بعد سماع هذا القرآن، الذي أفاض العلوم على أمي لم يترب في معاهد العلم، وأظهر معجزات البلاغة على من لم يكن يعرف منه التبريز بها في نثر ولا نظم، يدل على أنكم تدعون استطاعة الإتيان بسورة من مثله وما أنتم بمستطيعين، ولو استعنتم عليه بجميع العالمين، ﴿ قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ .
كان يتحداهم بمثل هذه الآيات الصادعة التي تثير النخوة، وتهيج الغيرة، مع علو كعبهم في البلاغة ورسوخ عرقهم في أساليبها وفنونها، في عصر ارتقت فيه دولة الكلام، ارتقاء لم تعرف مثله الأيام، حتى كانوا يتبارون فيه ويتنافسون، ويباهون ويفاخرون، ويعقدون لذلك المجامع ويقيمون الأسواق، ثم يطيرون بأخبارهم في الآفاق، ومع هذا لم يتصد أحد منهم للمعارضة، ولم ينهض بليغ من مصاقعهم إلى المناهضة.
فلا شك أن الله قد رفع هذا الكلام إلى درجة لا يرقى البشر إليها، وهو تعالى جدّه العالم بمبلغ استطاعتهم، المالك لأعنة قدرتهم.
قال المتكلمون في بلاغة القرآن: إننا نجده لم يلتزم شيئًا مما كانوا يلتزمون بسجعهم وإرسالهم، ورجزهم، وأشعارهم، بل جاء على النمط الفطري، والأسلوب العادي، الذي يتسنى لكل إنسان أن يحذو مثاله، ولكنهم عجزوا فلم يأتوا ولن يأتي غيرهم بسورة من مثله، ثم نلاحظ أيضًا أن القرآن بهذا الأسلوب قد تحدى به كل من بلغه من العرب على تفرق ديارهم، وتنائي أقطارهم، وأرسل الرسول إلى الأطراف يدعو الناس إلى الإيمان به، فعمت الدعوة وبلغت مبلغًا، لم ينبر أحد للمعارضة كما قلنا.
ألا يدل هذا على نهاية العجز وعمومه وإحساس كل بليغ بالضعف في نفسه عن الانبراء لمباراته، والتسامي لمحاكاته، وعلى أن الله تعالى جعله فوق القُدَر، خارقًا لما يعتاد من كسب البشر؟
بلى، وإن لهذا الإعجاز وجهين: أحدهما -كونه معجزًا بذاته لأنه في مرتبة لا يمكن لبشر أن يرتقي إليها.
وثانيهما -أنه جاء على لسان أمي لبث أربعين سنة لم يوصف بالبلاغة ولم يؤثر عنه شيء من العلم.
وقد ذكروا وجوهًا أخرى للإعجاز ينطوي عليها القرآن منها قوله هنا ﴿ وَلَنْ تَفْعَلُوا ﴾ بناء على أن المخبر هو الله تعالى عالم الغيب وما يكون في المستقبل.
ومن فائدة هذا القول في عهد نزوله، وقبل ظهور تأويله، أن قرعه لسمع من لا يؤمن بالغيب يقتضي أشد التحريض على المعارضة التي يظهر بها العجز ويقوم البرهان، بالإعجاز المقتضي للإيمان لولا مكابرة المستكبرين لوجدانهم، وجحود ألسنتهم لما استيقنته قلوبهم، ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ ، وأما من يؤمن بالغيب ويعتقد الخوارق فما عليه إلا أن ينتهي إلى عجزه ويبادر إلى الإيمان به وبرسالة من أنزل عليه، للعلم القطعي بأنه لا يمكن لعاقل أن يجزم بذلك إلا إذا كان مطلعًا على الغيب، فهو خبر عن الله .
ثم قال تعالى مخاطبًا للفريقين بعد تسجيل العجز عليهم: ﴿ فَاتَّقُوا النَّارَ ﴾ وهي موطن عذاب الآخرة، نؤمن بها لأنها من عالم الغيب الذي أخبر الله تعالى به، ولا نبحث عن حقيقتها ولا نقول إنها شبيهة بنار الدنيا ولا إنها غير شبيهة بها، وإنما نثبت لها جميع الأوصاف التي وصفها كما في قوله تعالى بها كقوله ﴿ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ المراد بالحجارة الأصنام كما في قوله تعالى ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ ، ولا يسبقن إلى الفهم أنها لا توجد إلا بوجود الناس والحجارة إذ يصح أن يكونوا وقودها بعد وجودها.
والوقود بالفتح ما توقد به النار، وبالضم مصدر وقد، وسمع المصدر بالفتح أيضًا.
وقال بعضهم في تفسير (وقودها): إن الناس بأعمالهم وعبادة بعضهم بعضًا وانحرافهم عن صراط الحق المستقيم، والحجارة بعبادة الناس لها - سببان في إيجاد النار وإعدادها لهم، فبذلك كانوا كالوقود الذي تضرم به النار، وفي الكلام تقديم السبب وهو الناس والحجارة على المسبب وهو قوله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ وبهذا التفسير يظهر الحصر في جملة ﴿ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ فإنها اسمية مُعَرَّفة الطرفين، وخص الحجارة بالذكر لأنها أظهر المعبودات عند العرب.
والمراد بالكافرين الذين لا يجيبون دعوة الأنبياء عليهم السلام والذين ينحرفون عن أصولها بعد الأخذ بها لبدع يبتدعونها، وتقاليد يحدثونها، وتأويلات يلفقونها.
فهؤلاء هم الذين أعدت وهيئت النار لهم لأنهم الذين يستحقون الخلود فيها، ومن وردها ورودًا وانتهى إلى موطن آخر فذلك الموطن هو الذي أعد له.
وليس بعد الدنيا موطن إلا الجنة جعلنا الله من أهلها بالتوفيق للتقوى، أو النار نعوذ بالله منها ومما يقرب إليها من قول وعمل.
<div class="verse-tafsir"