تفسير سورة البقرة الآية ٢٥٤ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآية ٢٥٤

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌۭ وَلَا شَفَـٰعَةٌۭ ۗ وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٢٥٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

بعد أن ذكرنا تعالى بالرسل وما كان من أقوامهم بعدهم من الاختلاف والاقتتال، عاد إلى أمرنا بالإنفاق بأسلوب آخر كما تقدم التنبيه في تفسير الآية السابقة.

هناك يقول ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ  ﴾ وقد نبهنا على ما في هذا الخطاب من اللطف والبلاغة.

وأزيد هنا أن هذا اللطف إنما يفعل فعله ويبلغ نهاية تأثيره فيمن بلغ في الإيمان إلى عين اليقين، وعرج في الكمال إلى منازل الصديقين، ولطف وجدانه وشعوره، وتألق ضياؤه ونوره، وما كل المؤمنين يدرجون في هذه المدارج، أو يرتقون على هذه المعارج، فالأكثرون منهم يفعل في نفوسهم الترهيب، ما لا يفعل الترغيب، فهم لا ينفقون في سبيل الله إلا خوفًا من عقابه، أو طمعًا في ثوابه، وقد يعرض للضعفاء من هؤلاء الغرور بشفاعة تغني هنالك عن العمل، أو فدية تقي صاحبها عاقبة ما كان عليه من الزلل، فأمثال هؤلاء يعالجون بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ  ﴾ قرأ أبو عمر وابن كثير ويعقوب: لا بيع: وما عطف عليه بالفتح والباقون بالرفع.

قالوا إن المراد بالإنفاق هنا الإنفاق الواجب، لأن الكلام يتضمن الوعيد على الترك، وهو لا يكون إلا على ترك الواجب وقال بعضهم بل يشتمل المندوب.

ومن الواجب على أغنياء المسلمين إذا وقع الفساد في الأمة وتوقفت إزالته على المال أن يبذلوه لدفع المفاسد الفاشية والغوائل الغاشية وحفظ المصالح العامة.

وفي قوله تعالى ﴿ مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ  ﴾ إشعار بأنه لا يطلب منهم إلا بعض ما جعلهم مستخلفين فيه من رزقه ونعمه عليهم فأين هذا من الطلب بصيغة الإقراض؟.

كأنه يقول: إننا ما رزقناكم الرزق الحسن واستخلفناكم فيه إلا وقد نقلناه من أيدي قوم أساءوا التصرف فحبسوا المال وأمسكوه عن المصالح والمنافع التي يرتقي بها شأن البشر بالتعاون على البر والخير، فلا تكونوا مثلهم فإنهم ظلموا أنفسهم وقومهم ببخلهم فكانوا كافرين بنعم الله تعالى عليهم إذ لم يضعوها في مواضعها ولذلك ختم الآية بقوله ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ  ﴾ وسيأتي بيانه.

أما البيع والخلة والشفاعة فللمفسرين في بيان المراد بنفيها طريقان: أحدهما:إن المراد بالبيع والكسب بأي نوع من أنواع المبادلة والمعاوضة والمراد بالخلة - وهي الصداقة والمحبة للقرابة وغيرها لازمها وهو ما يكون وراءها من الكسب كالصلة والهدية والوصية والإرث، وبالشفاعة -وهي معروفة- لازمها في الكسب وهو ما يكون في إقطاعات الملوك والأمراء لبعض الناس وإنما يكون غالبًا بالتوسل إليهم والشفاعة عندهم، فهذه الثلاث من طرائق جمع المال وسعة الرزق في الدنيا، فهو يقول: يا أيها الذين آمنوا بادروا إلى الإنفاق في سبيل الله مما تناله أيديكم وأنتم متمكنون منه ابتغاء مرضاة الله به قبل أن يأتي يوم الجزاء الذي لا تجدون فيه ما تتقربون به إليه مما يكسب ببيع وتجارة، ولا مما ينال بخلة أو شفاعة.

فإنه هو اليوم الذي يظهر فيه فقر العباد وكون الملك لله الواحد القهار.

أما الطريق الثاني:فقد فسروا فيه البيع بالافتداء وجعلوا فيه الخلة والشفاعة على ظاهرهما، أي أنفقوا فإن الإنفاق في سبيل الخير والبر -وهي سبيل الله- هو الذي ينجيكم في ذلك اليوم الذي لا ينجي الأشحة الباخلين فيه من عذاب الله تعالى فداء فيفتدوا منه أنفسهم ولا خلة يحمل فيها خليل شيئًا من أوزار خليله أو يهبه شيئًا من حسناته ولا شفاعة يؤثر بها الشفيع في إرادة الله تعالى فيحولها عن مجازاة الكافر بالنعمة الباخل بالصدقة المستحق للمقت والعقوبة بتدنيس نفسه وتدسيتها في الدنيا.

لو فتشتم عن خفايا النفس لوجدتم أن العلة الصحيحة في منع الزكاة ونحوها من النفقات الواجبة هي أن حب المال أعلى في قلب المانع من حب الله تعالى، وشأن المال أعظم في نفسه من حقوق الله  ، لأن النفس تذعن دائمًا لما هو ارجح في شعورها نفعًا، وأعظم في وجدانها وقعًا، مهما تعارضت وجوه المنافع.

ولو وزنتم جميع أنواع الظلم الذي يصدر من الإنسان لوجدتم أرجحها ظلم الباخل بفضل ماله على ملهوف يغيثه ومضطر يكشف ضرورته أو على المصالح العامة التي تقي أمته مصارع الهلكات، أو ترفعها على غيرها درجات أو تسد الخروق التي حدثت في بناء الدين، أو تزيل السدود والعقبات من طريق المسلمين، فإن هذا النوع من الظلم هو الذي لا يعذر صاحبه بوجه من وجوه العذر التي يتعلل بها سواه من ظالمي أنفسهم، أو التي قد تكون أعذارًا طبيعية فيمن لم يأخذ بأدب الدين كثورة الغضب وسورة الشهوة العارضة.

ترى كثيرًا من أغنياء المسلمين عارفين بما عليه أمتهم من الجهل بأمور الدين ومصالح الدنيا وفساد الأخلاق وتقطع الروابط وتراخي الأواخي وما نشأ عن ذلك من هضم حقوقها وانتزاع منافعها من أيدي أبنائها ويعلمون أن إصلاحهم يتوقف على بذل شيء من أموالهم ينفق على التربية والتعليم ونحوهما من المنافع العامة ثم هو يُدعَون إلى بذل قليل من كثير ما خزنوه في صناديق الحديد وما ينفقونه في شهواتهم ولذاتهم وتأييد أهوائهم وحظوظهم فيبخلون بذلك ويرونه مغرمًا ثقيلًا، ولا يحفلون بوعد الله للمنافقين في سبيله ولا وعيده للباخلين بفضله.

وأمثال هؤلاء لا يستحقون أن يكونوا من المسلمين لأنه لا يوجد في نفس الواحد منهم عرق ينبض في التألم لمصائب الإسلام وأهله فمن كان يرى أن ماله أفضل من دينه في الوجدان والعمل وهواه أرجح من رضوان الله فهو كافر حقيقة وإن سمى نفسه مؤمنًا فما إيمانه إلا كإيمان من نزل فيهم: ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ  ﴾ فهناك يحكى عنهم دعوى الإيمان ويحكم عليهم بعدمه لأن عملهم لا يشهد لإيمانهم وههنا يعبر عنهم بالكافرين.

ومن المستبعد أن يطلق الله تعالى هذين الوصفين على من كان للإيمان في قلبه بقية تبعثه على الإنفاق في سبيله إيثارًا لرضوانه وخشيته على الشهوات والحظوظ الباطلة، وترجى على حب المال.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله